الأحاديث الواردة في الخلفاء
على ترتيب الخلافة
السيد علي الحسيني الميلاني

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين ، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين من الأولين والآخرين .
وبعد :
فقد ذكرت في بعض بحوثي بعد حديث : إن كل حديث جاء في مناقب الخلفاء ، وذكرت فيه أساميهم على الترتيب فهو حديث موضوع بلا ريب .
فطلب في بعض القراء الأفاضل إثبات ذلك عن طريق التحقيق في أسانيد عدة من الأحاديث ـ من هذا القبيل ـ الخرجة في الصحاح والكتب المعتبرة . . . فكانت هذه الرسالة . . .
ثم ظهر لي أن الحكم بالوضع لا يختص بأخبار أبواب المناقب ، بل أكاد أقطع بأن كل حديث كان كذلك في مطلق الأبواب فهو موضوع ، حتى التي جاء فيها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه يقول : جئت أنا وأبو بكر وعمر وعثمان . . . خرجت أنا وأبو بكر وعمر وعثمان . . . أين أبو بكر وعمر وعثمان . . .

وقد يكون فيها ذكر « على » بعدهم وقد لا يكون ، ولربما جاء اسمه مقدما على « عثمان » لكنهما متى ذكرا فهما مؤخران عن أبي بكر وعمر . . . !
ومن الطريف أني وجدت حديثا قد وضع فيه الكذابون هذا المعنى عن لسان أمير المؤمنين عليه السلام ، ليكون إقرارا منه بذلك ، فلا يبقى لأحد اعتراض عليه . . . ! ! :
أخرج البخاري ، قال : حدثني الوليد بن صالح ، حدثنا عيسى بن يونس ، حدثنا عمر بن سعيد بن أبي الحسين الملكي ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس . . . » .
وأخرج مسلم ، قال : « حدثنا سعيد بن عمرو الأشعثي وأبو الربيع العتكي وأبو كريب محمد بن العلاء ـ واللفظ لأبي كريب ـ قال أبو الربيع : حدثنا ، وقال الآخران : أخبرنا ابن المبارك ، عن عمر بن سعيد بن أبي حسين ، عن ابن أبي مليكة ، قال : سمعت ابن عباس يقول :
وضع عمر بن الخطاب على سريره ، فتكنفه الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه قبل أن يرفع ـ وأنا فيهم ـ قال : فلم يرعني إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي ، فالتفت إليه فإذا هو علي ، فترحم على عمر وقال : ما خلفت أحدا أحب إلى أن ألقى الله بمثل عمله منك ، وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك ، وذاك أني كنت أكثر أسمع رسول الله صل الله عليه (وآله) وسلم يقول : جئت أنا وأبو بكر وعمر ، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر ، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر ، فإن كنت لأرجو ـ أو لأظن ـ أن يجعلك الله معهما » (1) .
وكذا أخرجه غيرهما ، كابن ماجة . . . فرواه بإسناده عن عمر بن سعيد ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس .
لكنه حديث موضوع على أمير المؤمنين عليه السلام . لأن مداره على « ابن أبي مليكة » هذا الرجل الذي يعد من كبار النواصب المبغضين له ولأهل البيت عليهم السلام ، حتى كان قاضي عبد الله بن الزبير ومؤذنه . . . . (2) . والله أسأل أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم ، وأن يوفقنا لتحقيق الحق واتباعه ، إنه هو البر الرحيم .

 

الحديث الأول

أخرج البخاري ، قال :
«
حدثنا محمد بن مسكين أبو الحسن ، حدثنا يحيى بن حسان ، حدثنا سليمان ، عن شريك بن أبي نمر ، عن سعيد بن المسيب ، قال :أخبرني أبو موسى الأشعري : أنه توضأ في بيته ثم خرج ، فقلت : لألزمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولأكونن معه يومي هذا .
قال : فجاء المسجد فسأل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقالوا : خرج ووجه ههنا ، فخرجت على إثره أسأل عنه حتى دخل بئر أريس ، فجلست عند الباب ـ وبابها من جريد ـ حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حاجته فتوضأ ، فقمت إليه فإذا هو جالس على بئر أريس ، وتوسط قفها وكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر ، فسلمت عليه ثم انصرفت ، فجلست عند الباب فقلت :
لأكونن بواب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اليوم .
فجاء أبو بكر فدفع الباب . فقلت : من هذا ؟ !
فقال : أبو بكر .
فقلت : على رسلك . ثم ذهبت فقلت : يا رسول الله ! هذا أبو بكر يستأذن .
فقال : إئذن له وبشره بالجنة .
فأقبلت حتى قلت لأبي بكر : أدخل ، ورسول الله يبشرك بالجنة .
فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معه في القف ، ودلى رجليه في البئر كما صنع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وكشف عن ساقيه .
ثم رجعت فجلست وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني . فقلت : إن يرد الل بفلان خيرا ـ يريد أخاه ـ يأت به ، فإذا إنسان يحرك الباب .
فقلت : من هذا ؟ !
فقال : عمر بن الخطاب .
فقلت : على رسلك ، ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسلمت عليه ، فقلت : هذا عمر بن الخطاب يستأذن .
فقال : إئذن له وبشره بالجنة .
فجئت فقلت له : أدخل ، وبشرك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالجنة .
فدخل فجلس مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في القف عن يساره ، ودلى رجليه في البئر .
ثم رجعت فجلست فقلت : إن يرد الله بفلان خيرا يأت به . فجاء إنسان يحرك الباب . فقلت : من هذا ؟ !
فقال : عثمان بن عفان .
فقلت : على رسلك . فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرته .

فقال : إئذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه .
فجئته فقلت له : أدخل ، وبشرك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالجنة على بلوى تصيبك .
فدخل فوجد القف قد ملئ ، فجلس وجاهه من الشق الآخر .
قال شريك : قال سعيد بن المسيب : فأولتها قبورهم » (3) .
وأخرجه مسلم بالإسناد واللفظ . . .(4) .

وقال البخاري : « حدثنا يوسف بن موسى ، حدثنا أبو أسامة ، قال : حدثني عثمان بن غياث ، حدثنا أبو عثمان النهدي ، عن أبي موسى . » (5) .
وقال مسلم : « حدثنا محمد بن المثنى العنزي ، حدثنا ابن أبي عدي ، عن عثمان بن غياث ، عن أبي عثمان النهدي ، عن أبي موسى الأشعري . » (6) .
وأخرجه غيرهما كذلك .
أقول :
ترجمة شريك بن أبي نمر :
ففي السند الأول : شريك بن أبي نمر :
قال ابن معين : ليس بالقوي .
وقال النسائي : ليس بالقوي .
وقال ابن عدي : إذا روى عنه ثقة فإنه ثقة .
وكان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه .
وقال الساجي : كان يرى القدر .
ووهاه ابن حزم لأجل حديثه في الإسراء .
وذكر الذهبي الحديث فقال : هذا من غرائب الصحيح (7) .
ترجمة عثمان بن غياث :
وفي السند الثاني : عثمان بن غياث :
قال الدوري عن ابن معين : كان يحيى ـ بن سعيد يضعف حديثه في التفسير .

وقال علي بن المديني : سمعت يحيى القطان يقول : عند عثمان بن غياث كتب عن عكرمة فلم يصححها لنا .
وذكره الآجري ـ عن أبي داود ـ في مرجئة أهل البصرة .
وقال أحمد : كان يرى الإرجاء (8) .
*
والراوي عنه عند البخاري : « أبو أسامة » وهو حماد بن أسامة :

ترجمة أبي أسامة :

قال الأزدي : قال المعيطي : كان كثير التدليس ، ثم بعد ذلك تركه .
وقال ابن سعد : يدلس ويبين تدليسه .
وعن سفيان الثوري : إني لأعجب كيف جاز حديث أبي أسامة ، كان أمره بينا ، كان من أسرق الناس لحديث جيد .
وقال الآجري عن أبي داود : قال وكيع : نهيت أبا أسامة أن يستعير الكتب وكان دفن كتبه (9) .

الحديث الثاني

أخرج مسلم قائلا :
«
حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد ، حدثني أبي ، عن جدي ، حدثني عقيل بن خالد ، عن ابن شهاب ، عن يحيى بن سعيد بن العاص : أن سعيد بن العاص أخبره أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعثمان حدثاه : أن أبا بكر استأذن على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو مضطجع على فراشه لابس مرط عائشة ، فأذن لأبي بكر وهو كذلك ، فقضى حاجته ثم انصرف . ثم استأذن عمر ، فأذن له وهو على تلك الحال ، فقضى إليه حاجته ثم انصرف .
قال عثمان : ثم استأذنت عليه ، فجلس وقال لعائشة : اجمعي عليك ثيابك . فقضيت إليه حاجتي ، ثم انصرفت .
فقالت عائشة : يا رسول الله ، ما لي لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ كما فزعت لعثمان ؟ !
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن عثمان رجل حيي ، وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال أن لا يبلغ إلي في حاجته » (10) .
أقول :
ترجمة عقيل بن خالد :
في هذا السند : عقيل بن خالد :

قال أبو حاتم : لم يكن بالحافظ .
وقال الماجشون : كان جلوازا .
وقال الذهبي : قيل : كان والي إيلة .
وكان يحيى القطان يضعفه (11) .

وفيه « ابن شهاب » وهو « الزهري » :

ترجمة الزهري :
وهو من أشهر المنحرفين عن أمير المؤمنين وأهل بيته عليهم السلام ، كان ينال منهم ويضع الأحاديث في الحط منهم وفي فضل غيرهم وتقديم غيرهم عليهم :
قال ابن أبي الحديد : « كان الزهري من المنحرفين عنه . وروى جرير بن عبد الحميد ، عن محمد بن شيبة ، قال : شهدت مسجد المدينة فإذا الزهري وعروة ابن الزبير جالسان يذكران عليا فنالا منه . فبلغ ذلك علي بن الحسين ، فجاء حتى وقف عليهما فقال :
أما أنت يا عروة فإن أبي حاكم أباك إلى الله فحكم لأبي على أبيك . وأما أنت يا زهري ، فلو كنت بمكة لأريتك كير أبيك » .
قال : (وروى عاصم بن أبي عامر البجلي ، عن يحيى بن عروة ، قال : كان أبي إذا ذكر عليا نال منه » (12) .
وقال ابن عبد البر : « ذكر معمر في جامعه عن الزهري قال : ما علمنا أحدا أسلم قبل زيد بن حارثة . قال عبدالرزاق : وما أعلم أحدا ذكره غير الزهري » (13) .
أي : هو كذب ، فإن أول من أسلم هو أمير المؤمنين علي عليه السلام ، لكن الزهري يريد إنكار هذه المنقبة أو إخفاءها .
هذا ، وقد بلغ عداء الزهري لأهل البيت عليهم السلام حدا جعله يروي حتى عن عمر بن سعد بن أبي وقاص ! . . . . . قال الذهبي :
«
عمر بن سعد بن أبي وقاص . عن أبيه . وعنه : إبراهيم وأبو إسحاق ، وأرسل عنه الزهري وقتادة .
قال ابن معين : كيف يكون من قتل الحسين ثقة ؟ » (14) .
لكن الرجل كان من أعوان بني أمية وعمالهم ومشيدي سلطانهم ، حتى جاء في ترجمته من « رجال المشكاة » للمحدث الشيخ عبد الحق الدهلوي ، ما نصه : « إنه قد ابتلي بصحبة الأمراء بقلة الديانة ، وكان أقرانه من العلماء والزهاد يأخذون عليه وينكرون ذلك منه ، وكان يقول : أنا شريك في خيرهم دون شرهم ! فيقولون : ألا ترى ما هم فيه وتسكت ؟ ! » .
قال ابن خلكان : « ولم يزل الزهري مع عبد الملك ، ثم مع هشام بن عبد الملك ، وكان يزيد بن عبد الملك قد استقضاه » (15) .
ومن هنا قدح فيه ابن معين ، فقد :
«
حكى الحاكم عن ابن معين أنه قال : أجود الأسانيد : الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله .
فقال له إنسان : الأعمش مثل الزهري .
فقال : تريد من الأعمش أن يكون مثل الزهري ؟ !
الزهري يرى العرض والإجازة ويعمل لبني أمية . والأعمش فقير صبور ، مجانب للسلطان ، ورع عالم بالقرآن » (16) .
وبهذه المناسبة كتب إليه الإمام زين العابدين عليه السلام كتابا يعظه فيه ويذكره الله والدار الآخرة ، وينبهه على الآثار السيئة المترتبة على كونه في قصور السلاطين ، ومن ذلك قوله :
«
إن أدنى ما كتمت وأخف ما احتملت أن آنست وحشة الظالم ، وسهلت له طريق الغي . . . جعلوك قطبا أداروا بك رحى مظالمهم ، وجسرا يعبرون عليك إلى بلاياهم ، وسلما إلى ضلالتهم ، داعيا إلى غيهم ، سالكا سبيلهم . . .
إحذر ، فقد نبئت ؟ وبادر ، فقد أجلت . . . . ولا تحسب أنى أردت توبيخك وتعنيفك وتعييرك ، لكني أردت أن ينعش الله ما فات من رأيك ، ويرد إليك ما عزب من دينك .
أما ترى ما أنت فيه من الجهل والغرة ، وما الناس فيه من البلاء والفتنة ؟ ! فأعرض عن كل ما أنت فيه حتى تلحق بالصالحين الذين دفنوا في أسمالهم ، لاصقة بطونهم بظهورهم .
ما لك لا تنتبه من نعستك ؟ ! وتستقيل من عشرتك ! فتقول : والله ما قمت لله مقاما واحدا ما أحييت به له دينا ، أو أمت له فيه باطلا » (17) .

الحديث الثالث

أخرج مسلم في مناقب طلحة والزبير :
(
حدثنا عبيد الله بن محمد بن يزيد بن خنيس وأحمد بن يوسف الأزدي ، قالا : حدثنا إسماعيل بن أبي أويس ، حدثني سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان على جبل حراء فتحرك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أسكن حراء ، فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد . وعليه : النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص ، رضي الله عنهم » (18) .
أقول :
أوردنا هذا الحديث هنا وإن لم يكن ذكر الأسامي على الترتيب على لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لأن ذلك موضوع على لسانه في ألفاظ أخرى لهذا الحديث ، ولأن المقصود منه ـ مضافا إلى إثبات الترتيب ـ نسبة وصف أبي بكر ب (الصديق) وجميع من ذكر بعده بـ « الشهادة » إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم . لكنه حديث موضوع .
أما من حيث المتن ـبغض النظر عما في وصف غيرأمير المؤمنين عليه السلام ب « الشهيد » ـ أن سعد بن أبي وقاص مات حتف أنفه في قصره ! ! ومن هنا لم يذكر سعد في صحيح مسلم في الحديث الذي قبله . فلاحظ ! لكن بعضهم تصدى لتصحيح المعنى بأن سعدا مات بالطاعون ومن مات به فهو شهيد ! ! (19) .

وأما من حيث السند ففيه ـ بغض النظر عن غيره ـ : إسماعيل بن أبي أويس :
ترجمة إسماعيل بن أبي أويس :
قال النسائي : ضعيف (20) .
وقال يحيى بن معين : هو وأبوه يسرقان الحديث .
وقال الدولابي : سمعت النضر بن سلمة المروزي يقول : كذاب .
وقال الذهبي ـ بعد نقل ما تقدم ـ : ساق له ابن عدي ثلاثة أحاديث ثم قال : روى عن خاله مالك غرائب لا يتابعه عليها أحد (21) .

وقال إبراهيم بن الجنيد عن يحيى : مخلط ، يكذب ، ليس بشيء (22) .
وقال ابن حزم في « المحلى » : قال أبو الفتح الأزدي : حدثني سيف بن محمد : أن ابن أبي أويس كان يضع الحديث (23) .
وقال العيني : أقر على نفسه بالوضع كما حكاه النسائي (24) .

الحديث الرابع

أخرج ابن ماجة في فضل عثمان قائلا :
«
حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير وعلي بن محمد ، قالا : ثنا وكيع ، ثنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، عن عائشة ، قالت :
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه : وددت أن عندي بعض أصحابي . قلنا : يا رسول الله ألا ندعو لك أبا بكر ؟ فسكت . قلنا : ألا ندعو لك عمر فسكت . قلنا : ألا ندعو لك عثمان ؟ قال : نعم . فجاء ، فخلا به ، فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكلمه ووجه عثمان يتغير .
قال قيس : فحدثني أبو سهلة مولى عثمان : أن عثمان بن عفان قال يوم الدار : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عهد إلى عهدا فأنا صائر إليه .
وقال علي في حديثه : وأنا صابر عليه .
قال قيس : فكانوا يرونه ذلك اليوم » (25) .
وأخرجه الحاكم بإسناده عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، عن أبي سهلة مولى عثمان ، عن عائشة . ثم قال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (26) .
أقول :
في هذا السند : قيس بن أبي حازم :

ترجمة قيس بن أبي حازم :
نقل الذهبي وابن حجر عن يعقوب بن شيبة السدوسي ـ واللفظ للثاني ـ : « قد تكلم أصحابنا فيه ، فمنهم من رفع قدره وعظمه وجعل الحديث عنه من أصح الإسناد ، ومنهم من حمل عليه وقال : له أحاديث مناكير . والذين أطروه حملوا هذه الأحاديث على أنها عندهم غير مناكير وقالوا : هي غرائب . ومنهم من حمل عليه في مذهبه .
وقالوا : كان يحمل على علي .
والمشهور عنه : أنه كان يقدم عثمان .
ولذلك تجنب كثير من قدماء الكوفيين الرواية عنه (27) .
وذكر السيوطي في « تدريب الراوي » فائدة قال : « أردت أن أسرد أسماء من رمي ببدعة ممن أخرج لهم البخاري ومسلم أو أحدهما ،
وثم ذكر « قيس بن أبي حازم » في الذين رموا بالنصب ، وهو بغض علي عليه السلام .

الحديث الخامس

أخرج الترمذي قائلا :
«
مناقب معاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبي وأبي عبيدة بن الجراح ـ رضي الله عنهم ـ :
حدثنا سفيان بن وكيع ، حدثنا حميد بن عبد الرحمن ، عن داود العطار ، عن معمر ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أرحم أمتي بأمتي أبو بكر ، وأشدهم في أمر الله عمر ، وأصدقهم حياء عثمان بن عفان ، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ، وأفرضهم زيد بن ثابت ، وأقرؤهم أبي بن كعب ، ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح .
هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث قتادة إلا من هذا الوجه .
وقد رواه أبو قلابة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : حدثنا محمد بن بشار ، نا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي ، حدثنا خالد الحذاء ، عن أبي قلابة ، عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أرحم أمتي بأمتي أبو بكر ، وأشدهم في أمر الله عمر ، وأصدقهم حياء عثمان ، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب ، وأفرضهم زيد بن ثابت ، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ، ألا وإن لكل أمة أمينا وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح .
هذا حديث حسن صحيح (28) .
وأخرجه ابن ماجة أيضا حيث قال :

 (حدثنا محمد بن المثنى ، ثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد ، ثنا خالد الحذاء ، عن أبي قلابة ، عن أنس بن مالك . : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : أرحم أمتي بأمتي أبو بكر .
حدثنا علي بن محمد ، ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن خالد الحذاء ، عن أبي قلابة . مثله » (29) .
وأخرجه الحاكم فقال :
(
حدثنا عبد الرحمن بن حمدان الجلاب بهمدان ، حدثنا أبو حاتم الرازي ، حدثنا محمد بن يزيد بن سنان الرهاوي ، حدثنا الكوثر بن حكيم أبو محمد الحلبي ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أرأف أمتي بها أبو بكر ،
وإن أصلبها في أمر الله عمر ، وإن أشدها حياء عثمان ، وإن أقرأها أبي بن كعب ، وإن أفرضها زيد بن ثابت ، وإن أقضاها علي ابن أبي طالب ، وإن أعلمها بالحلال والحرام معاذ بن جبل ، وإن أصدقها لهجة أبو ذر ، وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح ،
وإن حبر هذه الأمة لعبد الله بن عباس » (30) .
أقول :
هذه أهم أسانيد هذا الحديث في أهم كتب القوم . وهو حديث موضوع على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولو أردنا النظر في أسانيده بالتفصيل ، لخرجنا عن وضع الرسالة ، فنكتفي ببعض الكلام على الأسانيد المذكورة وهو أقل قليل .
أما سنده عند الترمذي ، ففي إسناده الأول : سفيان بن وكيع :

ترجمة سفيان بن وكيع :
قال البخاري : يتكلمون فيه لأشياء لقنوه إياها .
وقال أبو زرعة : يتهم بالكذب .
قال ابن أبي حاتم : سئل عنه أبي فقال : لين .
وقال النسائي : ليس بثقة .
وقال الآجري : امتنع أبو داود من التحديث عنه .
وذكره الذهبي في الضعفاء .
وقال ابن حجر : ابتلي بوراق فأدخل عليه ما ليس من حديثه ، فنصح فلم يقبل ، فسقط حديثه (31) .
*
و « داود العطار » :
ترجمة داود العطار :
قال الحاكم : قال يحيى بن معين : ضعيف الحديث .
وقال الأزدي : يتكلمون فيه (32) .
ترجمة قتادة :
*
وقتادة :
كان يرى القدر ويدعو إلى ذلك .
وكان مشهورا بالتدليس .
وعن الشعبي : قتادة حاطب ليل (33) .

وفي إسناده الثاني : « محمد بن بشار » :
ترجمة محمد بن بشار :
كذبه الفلاس .
كان يحيى لا يعبأ به ويستضعفه .
والقواريري : لا يرضاه .
وكان صاحب حمام (34) .
*
و « عبد الوهاب بن عبد المجيد » :
ترجمة عبد الوهاب بن عبد المجيد :
قال ابن أبي حاتم : سألت أبي عنه فقال : مجهول .
وعده ابن مهدي فيمن كان يحدث من كتب الناس ولا يحفظ ذلك الحفظ .
وقال الدوري عن ابن معين : اختلط بآخره .
وقال أبو داود : تغير .
وذكره العقيلي في الضعفاء (35) .
*
و « خالد الحذاء » :
ترجمة خالد الحذاء :
قال أبو حاتم : يكتب حديثه ولا يحتج به .
وقال ابن حجر : حكى العقيلي في تاريخه من طريق يحيى بن آدم عن أبي شهاب ، قال : قال لي شعبة : عليك بحجاج بن أرطاة ومحمد بن إسحاق فإنهما حافظان ، واكتم علي عند البصريين في خالد الحذاء وهشام .
قال يحيى : وقلت لحماد بن زيد : ما لخالد الحذاء ؟ ! قال : قدم علينا قدمة من الشام فكأنا أنكرنا حفظه .
وقال عباد بن عباد : أراد شعبة أن يقع في خالد فأتيته أنا وحماد بن زيد فقلنا له : ما لك أجننت ؟ ! وتهددناه ، فسكت .
وحكى العقيلي من طريق أحمد بن حنبل قيل لابن علية في حديث : كان خالد يرويه . فلم يلتفت إليه ابن علية وضعف أمر خالد .
قال ابن حجر الظاهر أن كلام هؤلاء من أجل ما أشار إليه حماد بن زيد من تغير حفظه بآخره ، أو من أجل دخوله في عمل السلطان » (36) .
*
و « أبو قلابة » وهو عبد الله بن زيد الجرمي :
ترجمة أبي قلابة :
وكان يبغض عليا عليه السلام ويسئ إليه الأدب ، ولذا لم يرو عنه أصلا .
وقد اتفقوا على أنه كان يدلس عمن لحقهم وعمن لم يلحقهم (37) .
وعن أبي الحسن القابسي المالكي : هو عند الناص معدود في البله .
وبما ذكرنا يظهر الكلام على سنده عند ابن ماجة .
بقي أمران :
أحدهما : إن هذا الحديث ـ بالإضافة إلى ما ذكر ـ مرسل ، نص عليه ابن حجر العسقلاني في « فتح الباري » وكذا غيره من الشراح . قال المناوي بشرحه : (قال ابن حجر في الفتح : هذا الحديث أورده الترمذي وابن حبان من طريق عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء مطولا ، وأوله « أرحم » وإسناده

صحيح ، إلا أن الحفاظ قالوا : إن الصواب في أوله الإرسال ، والموصول منه ما اقتصر عليه البخاري » (38) .
والثاني : إن راويه (أنس بن مالك) لا يعتمد عليه بعدما صدر منه الكذب والخيانة في غير مورد .
وأما سنده عند الحاكم . . . . ففيه : « محمد بن يزيد بن سنان الرهاوي » :
ترجمة محمد بن يزيد الرهاوي :
قال الذهبي : قال الدارقطني : ضعيف .
وقال النسائي : ليس بالقوي .
وقال ابن أبي حاتم : سألت أبي عنه فقال : ليس بشيء ، هو أشد غفلة من أبيه .
وقال البخاري : أبو فروة متقارب الحديث ، إلا أن ابنه محمدا يروي عنه منا كير .
وقال الآجري عن أبي داود : أبو فروة الجزري ليس بشيء ، وابنه ليس بشيء .
وقال الترمذي : لا يتابع على روايته ، وهو ضعيف .
وأورده الذهبي في « المغني في الضعفاء » .
وقال ابن حجر : ليس بالقوي (39) .
ترجمة كوثر بن حكيم :
*
وكوثر بن حكيم :

 

 

(1) صحيح البخاري 5 / 69 ، صحيح مسلم 7 / 112 .

(2) تهذيب التهذيب 5 / 268 .

(3) صحيح البخاري 5 / 68 .
(4)
صحيح مسلم 7 / 118 .

(5) صحيح البخاري 5 / 74 .
(6)
صحيح مسلم 7 / 117 .
(7)
ميزان الاعتدال 2 / 269 ، تهذيب التهذيب 4 / 296 .

(8) تهذيب التهذيب 7 / 133 ، ميزان الاعتدال 3 / 51 .
(9)
ميزان الاعتدال 1 / 588 ، تهذيب التهذيب 3 / 3 .

(10) صحيح مسلم 7 / 117 .

< (11) ميزان الاعتدال 3 / 89 ، تهذيب التهذيب 7 / 228 .
(12)
شرح نهج البلاغة 4 / 102 .
(13)
الإستيعاب 2 / 546 ترجمة زيد بن حارثة .

(14) الكاشف ـ ترجمة عمر بن سعد .
(15)
وفيات الأعيان 3 / 317 ترجمة الزهري .
(16)
تهذيب التهذيب ـ ترجمة الأعمش 4 / 195 .

(17) تحف العقول عن آل الرسول : 198 ، إحياء العلوم 2 / 143 .

(18) صحيح مسلم 7 / 128 .
(19)
لاحظ : الشفاء وشرحه نسيم الرياض 3 / 192 .

(20) الضعفاء والمتروكون : 14 .
(21)
ميزان الاعتدال 1 / 222 .
(22)
تهذيب التهذيب 1 / 312 .
(23)
تهذيب التهذيب 1 / 312 .
(24)
عمدة القاري ـ المقدمة السابعة .

(25) سنن ابن ماجة 1 / 42 .
(26)
المستدرك على الصحيحين 3 / 99 .

(27) ميزان الاعتدال 3 / 392 ، تهذيب التهذيب 8 / 346 .

(28) صحيح الترمذي 5 / 623 .

(29) سنن ابن ماجة 1 / 58 .
(30)
المستدرك على الصحيحين 3 / 535 .

(31) ميزان الاعتدال 2 / 173 ، تهذيب التهذيب 4 / 109 ، تقريب التهذيب 1 / 312 .
(32)
ميزان الاعتدال 2 / 11 ، تهذيب التهذيب 3 / 158 .
(33)
تهذيب التهذيب 8 / 315 وغيره .

(34) ميزان الاعتدال 3 / 490 .
(35)
ميزان الاعتدال 2 / 680 .

(36) تهذيب التهذيب 3 / 105 .
(37)
تهذيب التهذيب 5 / 197 ، ميزان الاعتدال 2 / 425 .
(38)
فيض القدير ـ شرح الجامع الصغير 1 / 460 . (39) ميزان الاعتدال 4 / 69 ، تهذيب التهذيب 9 / 463 ، تقريب التهذيب 2 / 219 .