الغدير

في حديث العترة الطاهرة

السيد محمد جواد الشبيري

بسم الله الرحمن الرحيم


    
الحمد لله رب العالمين ، الذي أتم نعمته على المسلمين ، وأكمل لهم الإسلام دين سيد المرسلين ، بولاية يوم الغدير لأمير المؤمنين . والصلاة والسلام على سيد الأنبياء الرسول الأمين ، المبلغ رسالات الله في الوحي المبين ، وعلي أخيه سيد الوصيين ، وآلهما الأئمة المعصومين . وبعد : فمنذ انبلج فجر الإسلام ، رسالة السماء ، خاتمة لرسالات الأنبياء ، صحبته حوادث جمة ، سجلها التاريخ بأحرف من نور ولم ينسها ، بل لا يطيق أن ينساها ، لأن لكل منها أثرا عميقا في مجرياته ، لكنها تتفاوت في ما بينها في عمق الأثر . وبعده من ناحية ، وفي خلود الذكر ومداه من ناحية أخرى . فهناك البعثة النبوية الشريفة ، وهناك الهجرة النبوية المجيدة ، والحروب المصيرية ، وحدث أخير عظيم هو (عبد الغدير) الخالد . ولم يكن الغدير من الأحداث العابرة ، والوقائع التي لها أثر مؤقت ، وإنما كان حدثا مهما ضخما في تاريخ الإسلام ! واكتسب الغدير تلك العظمة ، من كل ما أحاط به من الظروف ، زمانية ، ومكانية ، وماله من أثر عقائدي وتاريخي ، وبعد اجتماعي سياسي ، في مصير الدولة الإسلامية ومستقبلها ، في الفترة التي أعقبت عصر الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم .
    
فهو آخر اجتماع عظيم ضم الرسول وأمته ، في وداع أخير بعد العودة من حجة الوداع ، ولا بد أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، يستغل هذه الفرصة النادرة ، ليبث فيه إلى الأمة أعمق شجونه ، وأحزان قلبه ، وتطلعاته ، ويؤكد لهم على آخر وصاياه ورغباته ، من إرشادات هامة ، على صعيدي الدنيا والآخرة ، ومن الخلافة من بعده ، والولاية على الأمة . وكان أعظم مجمع على الأرض في الإسلام ، حيث كان مفترق قوافل الحجاج العائدين من آخر حجة ، مع آخر رسول ، في رجوعهم من حجة الوداع ، حيث اجتمع أكبر عدد من المسلمين المتشوقين لمسايرة ركب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لينالوا من فيض صحبته المباركة في تعظيم شعائر الله في ذلك المنسك التاريخي . فلا شايعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في طريق العودة خارجا من مكة إلى المدينة ، جمعهم على مفترق الطرق ، قبل أن تشتتهم الطرق ، وخطب في جمعهم الحاشد ، مبلغا ما أنزل إليه من ربه ذلك البلاغ الإلهي ، الذي لو لم يفعله لم يكن مبلغا لشئ من الرسالة الإسلامية ، على عظمتها ، وأبعادها ، وأتعابها ، ومشاقها ، ومآسيها ، وأهدافها ، وأتراحها ، وأفراحها .
    
فذلك البلاغ - إذن - هو البيان الختامي ، للرسالة الإسلامية التي صدع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأدائها ، فهو جامع لأهم ما في تلك الرسالة من مقومات الوجود والاستمرار ذلك هو بلاغ ولاية الأمير ، يوم الغدير ، في زمانه ومكانه ومحتواه . ولم يكن الغدير مناسبة مؤقتة محدودة ، ولا شعلة مؤججة تؤول إلى الخمود ، ولا شمسا بازغة تصير إلى الأفول ، ولا برقا يتألق ثم ينطفئ فيعقبه ظلام دامس . كلا ، بل (الغدير) منطلق لأمواج ، النور على حياة البشرية ، امتدادا للفجر الإسلامي ، الذي ليس له ضحى ، ولا ظهر ، ولا عصر ، ولا ليل .

إن الزمن - مهما امتد بالإسلام - لم يكن ليخمد من شعاعه الوهاج ، بل قد أثبت التاريخ أن الإسلام هو الحق الذي يشدده مر الزمان قوة وثباتا ، وهو الحقيقة التي لا يكشف مر الأيام إلا عن ناصع برهانه . والغدير ، كواحد من أهم أحداث الإسلام ، كذلك ، يظل معه سائرا مسير النور مع الفجر ، والضياء مع النهار ولقد أخذ الغدير من اهتمام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قسطا كبيرا في يومه الأول ، فجابه به كل التهديدات التي كانت تعترضه والتي وعده الله بالعصمة من أصحابها ، وتحتمل عناء الموقف ، وخطب تلك الخطبة الجامعة الغراء ، في حر الهجير ، وقام بتتويج الأمير ، وأخذ له البيعة من كل الحاضرين ، وأتم الحجة على الجمع أجمعين . والغدير اكتسب قدسية بما قام به النبي صلى الله عليه وآله وسلم في يومه الأول ذلك . ثم وقع الغدير موقع العناية الفائقة من الأئمة المعصومين من أهل البيت عليهم السلام ، فلم يألوا جهدا في إحيائه وتعظيمه . وعمل الأئمة عليهم السلام - الذين يعتبر وجودهم امتدادا عمليا لوجود الرسول صلى الله عليه وآله وسلم - في المحافظة على الإسلام ، ويمثلونه تمثيلا صادقا في بث معارفه وإحياء ذكرياته ، مدعاة للتأمل والبحث . إن الأئمة الأطهار عليهم السلام ، فتحوا للغدير حسابا واسعا في حياتهم الكريمة العلمية والعملية ، وهذا البحث يجمع ما ورد من مواقفهم عليهم السلام من الغدير في كلا المجالين . ولقد اقتبسنا منهج البحث من الخطوط التي انتهجها الأئمة في مواقفهم تلك من الغدير ، فقسمناه إلى قسمين .
    
القسم الأول: يتضمن تأكيد الأئمة عليهم السلام على الغدير ، كحادثة عقائدية مهمة في الإسلام ، فلجأوا إلى الاستدلال به على الإمامة الحقة ، وتثبيت قواعد الحكومة الإسلامية بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم .     القسم الثاني : يحتوي على تمجيد الأئمة عليهم السلام بيوم الغدير ، كعيد من أكبر أعياد المسلمين ، وحثهم الأمة على إحيائه ، وتجليله ، والابتهاج به ، وتجديد ذكره في كل عام وكل عصر . ولقد كان من آثار تلك الاهتمامات أن بقي الغدير - على مدى التاريخ الإسلامي ، في عصور الأئمة عليهم السلام - يوما خالدا حيا في الضمائر والأفكار مقدسا في حياة الأمة ، يكتسب قدسيته من عمل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في يوم الغدير الأول - عام (10) للهجرة - ومن إهتمامات الأئمة الأطهار عليهم السلام - إلى نهاية عام (329) للهجرة - .
    
ولقد كان لشيعة محمد وآل محمد ، أولئك الذين اختاروهم أسوة ، بهم يقتدون ، واتخذوا مذهب أهل البيت ليسيروا في الحياة عليه ، أنهم كانوا يسيرون على نفس منهجهم في الاهتمام بعيد الغدير ، يشيدون بكرامته ، ومجددون فيه ذكرياته العظيمة ، ويبتهجون فيه بولاية أمير المؤمنين ، مؤكدين بذلك على ما أكد عليه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في أول يوم ، والأئمة المعصومون عليهم السلام في كل عام ، مثل هذا اليوم ، من أهداف وآثار وأعمال . فهذا التاريخ يذكرنا بالمحافل الكبرى التي كان يقيمهما الأمراء البويهيون في بغداد وإيران ، والحمدانيون في الموصل وحلب وبلاد الشام ، والفاطميون في القاهرة ومصر والمغرب ، والزيديون في صنعاء واليمن السعيدة ! ولئن حرمت بعض المذاهب أنفسها من فيوضات هذا العيد الأكبر ، وتناست كل أمجاده ، فإن الشيعة فازوا بنصيبهم الأوفر ، بالتأسي بالرسول وأهل بيته الكرام عليهم الصلاة والسلام ، فهم ذا يخلدون في العالم كل عام ، ذكراه العطرة ، ويعيدون إلى الأذهان أمجاده العظيمة التي قام بها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، بأمر من الله تعالى ، ومقتدين في أعمالهم في هذا اليوم بالأئمة من أهل البيت عليهم السلام . وإسهاما منا في إحياء هذا العيد العظيم نقم هذا البحث بمناسبة مرور أربعة عشر قرنا على هذا الحدث الإسلامي العظيم . وجعلنا البحث في خمسة فصول متمسكين بولاية الخمسة المطهرة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، سائلين الله أن يسعفنا برضاه ، وأن يمن علينا بفضله وإحسانه ، إنه ذو الجلال والإكرام .

السيد محمد جواد الشبيري قم المقدسة

 

الفصل الأول
واقعة الغدير


    
الحديث المروي عن أئمة الهدى في إيضاح واقعة الغدير رسم بشكل واضح ارتباط هذه الواقعة بخط الإسلام وبنائه ، ولعل التطلع الأحاديث المتناثرة في كتب الطائفة تظهر وبشكل لا يقبل الشك ذلك المذهب ، فقد روي عن أبي جعفر عليه السلام في صحيحة الفضيل [ ابن يسار ] أنه قال : " بني الإسلام على خمس : الصلاة ، والزكاة ، والصوم ، والحج ،      والولاية ، ولم يناد بشئ مثل ما نودي بالولاية يوم الغدير " (1) وأضاف عليه السلام في نقل آخر لهذا الحديث : " فأخذ الناس بأربع وتركوا هذه - يعني الولاية - " (2) بل وقد روي وبإسناد صحيح عن عمر بن أذينة ، عن زرارة والفضيل بن يسار وبكير بن أعين ومحمد بن مسلم وبريد بن معاوية وأبي الجارود جميعا ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : " أمر الله عز وجل رسوله بولاية علي عليه السلام ، وأنزل عليه (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) [ لمائدة / 55 ] وفرض ولاية أولي الأمر ، فلم يدروا ما هي ، فأمر الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم أن يفسر لمم الولاية كما فسر لهم الصلاة والزكاة والصوم والحج ، فلما أتاه ذلك من الله تعالى ضاق بذلك صدره وراجع ربه ، فأوحى الله عز وجل [ إليه ] ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ) [ المائدة / 67 ] فصدع بأمر الله تعالى [ ذكره ] فقام بولاية علي يوم غدير خم ، فنادى : الصلاة جامعة ، وأمر الناس أن يبلغ الشاهد الغائب " . قال عمر بن أذينة : قالوا جميعا - غير أبي الجارود - وقال أبو جعفر عليه السلام . وكانت الفريضة تنزل بعد الفريضة الأخرى ، وكانت الولاية آخر الفرائض ، فأنزل الله عز وجل ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) [ المائدة / 3 ] .
    
قال أبو جعفر عليه السلام : " يقول الله عز وجل : لا أنزل عليكم بعد هذه فريضة ، قد أكملت لكم دينكم " (3) .
    
والأمر الواضح للعيان عند التأمل في مجمل الروايات الواردة في نقل حادثة الغدير أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تردد في إبلاغ ذلك الأمر خشية من إعراض من بعرض عنه ، لأمور لا تخفى ، مبعثها الحسد والجهل وبغض علي ، ذاك الذي أسموه بقتال العرب ، فلذا تردد الأمر أكثر من مرة ، هبط به جبرئيل عليه السلام حتى جاء الأمر الأخير (. . . وإن لم تفعل فما بلغت رسالته . . .) فأخذ على نفسه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يبرح المكان - وكان في الجحفة - حتى يبلغ الأمر فنادى . الصلاة جامعة - وكان يوما شديد الحر - فاجتمع الناس ، وأمر بدوحات فقم ما تحتهن من الشوك (4) ، ثم خطب خطبة مبسوطة ، وأقام عليا أمام نواظر الحاضرين ، وأمر الناس بمبايعته بأمر الله تعالى . . والخطبة تجدها في العديد من كتب الحديث وغيرها ، وتذكرها كما رويت مختصرة وبإسناد صحيح جدا ، ثم تذكر مقاطع من الخطبة المبسوطة تباعا . روى الشيخ الصدوق - قدس سره - في " الخصال " بعدة أسانيد صحاح إلى ابن أبي عمير ، عن عبد الله بن سنان ، عن معروف بن خربوذ ، عن أبي الطفيل عامر ابن واثلة ، عن حذيفة بن أسيد الغفاري ، قال : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حجة الوداع ونحن معه ، أمر أصحابه بالنزول ، فنزل القوم منازلهم ، ثم نودي بالصلاة ، فصلى بأصحابه ركعتين ، ثم أقبل بوجهه إليهم فقال لهم : إنه قد نبأني اللطيف الخبير أني ميت وأنكم ميتون ، وكأني قد دعيت فأجبت ، وإني مسؤول عما أرسلت به إليكم ، وعما خلفت فيكم من كتاب الله وحجته ، وإنكم مسؤولون عما أرسلت به إليكم وعما خلفت فيكم من كتاب الله وحجته ، وإنكم مسؤولون فما أنتم قائلون لربكم ؟ قالوا : نقول : قد بلغت ونصحت وجاهدت ، فجزاك الله عنا فضل الجزاء . ثم قال لهم : ألستم تشهدون أن لك لا إله إلا الله ، وأني رسول الله إليكم ، وأن الجنة حق ، وأن النار حق ، وأن البعث بعد الموت حق ؟ فقالوا : نشهد بذلك . قال . اللهم اشهد على ما يقولون ، ألا وإني أشهدكم أني أشهد أن الله مولاي وأنا مولى كل مسلم ، وأنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، فهل تقرون [ لي ] بذلك وتشهدون لي به ؟ فقالوا : نعم ، نشهد لك بذلك . فقال . ألا من كنت مولاه فإن عليا مولاه ، وهو هذا . ثم أخذ بيد على فرفعها مع يده حتى بدت آباطهما ، ثم قال : اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، ألا وإني فرطكم وأنتم واردون علي الحوض [ حوضي ] غدا ، وهو حوض عرضه ما بين بصرى وصنعاء ، فيه أقداح من فضة ، عدد نجوم السماء . ألا ، وإني سائلكم غدا ، ماذا صنعتم فيما أشهدت الله به عليكم في يومكم هذا ، إذا وردتم علي حوضي ؟ وماذا صنعتم بالثقلين من بعدي ؟ فانظروا كيف خلفتموني فيهما حين تلقوني ؟ قالوا : وما هذان الثقلان يا رسول الله ؟ قال : أما الثقل الأكبر فكتاب الله عز وجل ، سبب ممدود من الله ومني في أيديكم ، طرفة بيد الله والطرف الآخر بأيديكم ، فيه علم ما مضى وما بقي إلى أن تقوم الساعة ؟ وأما الثقل الأصغر فهو حليف القرآن وهو علي بن أبي طالب وعترته ، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض . قال معروف بن خزبوذ : فعرضت هذا الكلام على أبي جعفر عليه السلام فقال : صدق أبو الطفيل ، هذا كلام وجدناه في كتاب علي وعرفناه (5) .

وهذا وقد رويت عن الباقر عليه السلام واقعة الغدير في رواية فيها خطبة الغدير المبسوطة . نستعرض جواني محددة منها :
    
والرواية تبدأ بذكر عزم النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحج بأمر الله ودعوة المسلمين للتهيؤ لهذا الأمر ، وفيها : بلغ من حبج مع رسول الله من أهل المدينة وأهل الأطراف السبعين ألف إنسان أو يزيدون . . . ثم تذكر الرواية نزول جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو بالموقف ، مبلغا إياه أمر الله تعالى ! بإقامة علي علما ، وأخذ البيعة من المسلمين ، وخشية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قومه ، وسؤاله جبرئيل أن يسأل ربه العصمة من الناس . . . فأخر ذلك إلى أن بلغ مسجد الخيف . . . فأمره جبرئيل بالذي أتاه فيه من قبل الله ولم يأته بالعصمة . . . [ فأخر النبي ذلك إلى أن ] بلغ غدير خم قبل الجحفة بثلاثة أميال فأتاه جبرئيل على خمس ساعات مضت من النهار بالزجر والانتهار والعصمة من الناس . . . فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . مناديا ينادي في الناس بالصلاة جامعة ويرد من تقدم منهم ويحبس من تأخر عنهم ، وتنحى عن يمين الطريق إلى جنب مسجد الغدير . . . وأمر رسول الله أن . . . ينصب له أحجار كهيئة المنبر فقام فوقها ، ثم حمد الله وأثنى عليه فقال : " الحمد لله الذي علا في توحده . . . [ إلى أن قال : ] . . . إن جبرئيل هبط إلي مرارا ثلاثا يأمرني عن السلام ربي - وهو السلام - أن أقوم في هذا لمشهد فأعلم كل أبيض وأسود أن علي بن أي طالب أخي ووصيي وخليفتي والإمام من بعدي ، الذي محله مني محل هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ، وهو وليكم بعد الله ورسوله . . .

ثم تلا ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك) الآية .
    
فاعلموا - معاشر الناس - أن الله قد نصبه لكم وليا وإماما ، مفترضة طاعته على المهاجرين والأنصار وعلى التابعين بإحسان ، وعلى البادي والحاضر ، وعلى الأعجمي والعربي ، والحر والمملوك ، والصغير والكبير ، وعلى الأبيض والأسود ، وعلى كل موحد ؟ ماض حكمه ، جائز قوله ، نافذ أمره ، ملعون من خالفه ، مرحوم من تبعه ومن صدقه ، فقد غفر الله ولمن سمع منه وأطاع له [ ثم أخذ النبي بذكر فضائل على والأمر بطاعته وتفضيله ] . معاشر الناس ، إن عليا والطيبين من ولدي هم الثقل الأصغر والقرآن هو الثقل الأكبر ، وكل واحد منبئ عن صاحبه وموافق له ، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض . ألا إنهم أمناء الله في خلقه وحكماؤه في أرضه ، ألا وقد أديت ، ألا وقد بلغت ، ألا وقد أسمعت ، ألا وقد أوضحت . معاشر الناس ، سيكون من بعدي أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون . معاشر الناس ، إن الله وأنا بريئان منهم . . . فليبلغ الحاضر الغائب ، والوالد الولد إلى يوم القيامة ، وسيجعلونها ملكا واغتصابا ، ألا ، لعن الله الغاصبين والمغتصبين . . . ألا خاتم الأئمة منا القائم المهدي ، ألا إنه الظاهر على الدين ، ألا إنه المنتقم من الظالمين ، ألا إنه قاتل كل قبيلة من أهل الشرك ، ألا إنه المدرك بكل ثار لأولياء الله . . . [ ثم ذكر فضل الحج والصلاة والزكاة وسائر الفرائض وأمرهم بالتقوى والخوف من الحساب ، ثم قال : ] . معاشر الناس ، فاتقوا الله وبايعوا عليا أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - والحسن والحسين كلمة طيبة باقية . معاشر الناس ، قولوا الذي قلت لكم ، وسلموا على علي بإمرة المؤمنين . . . معاشر الناس ، إن فضانل علي بن أبي طالب عند الله عز وجل ، وقد أنزلها في القرآن ، أكثر من أن أحصيها ي مقام واحد ، فمن أنبأكم بها وعرفها فصدقوه . . .

فناداه القوم . نعم سمعنا وأطعنا أمر الله وأمر رسوله بقلوبنا وألسنتنا وأيدينا . وتداكوا على رسول الله وعلى علي وصافقوا بأيديهم ، فكان أول من صافق رسول الله الأول والثاني والثالث والرابع والخامس وباقي المهاجرين والأنصار وباقي الناس عن آخرهم على [ طبقاتهم و ] قدر منازلهم ، إلى أن صليت الظهر والعصر في وقت واحد ، والمغرب والعشاء الآخرة في وقت واحد ، وأوصلوا البيعة والمصافقة ثلاثا ورسول الله يقول كلما بايع قوم : الحمد لله الذي فضلنا على جميع العالمين . وصارت المصافقة سنة ورسما يستعملها من ليس له حق فيها " (6) .
    
وفي رواية عبد الله بن الفضل الهاشمي ، عن الصادق جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن آبائه عليهم السلام ، قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يوم غدير خم أفضل أعياد أمتي ، وهو اليوم الذي أمرني الله تعالى ذكره فيه بنصب أخي علي بن أبي طالب علما لأمتي يهتدون به من بعدي ، وهو اليوم الذي أكمل الله فيه الدين وأتم على أمتي فيه النعمة ، ورضي لهم الإسلام دينا . ثم قال : معاشر الناس ، إن عليا مني وأنا من علي ، خلق من طينتي ، وهو إمام الخلق بعدي ، يبين لهم اختلفوا فيه من سنتي ، وهو أمير المؤمنين ، وقائد الغر المحجلين ، ويعسوب المؤمنين ، وخير الوصيين ، وزوج سيدة نساء العالمين ، وأبو الأئمة المهديين . معاشر الناس ، من أحب عليا أحببته ، ومن أبغض عليا أبغضته ، ومن وصل عليا وصلته ، ومن قطع عليا قطعته ، ومن جفا عليا جفوته ، ومن والى عليا واليته ، ومن عادى عليا عاديته . معاشر الناس ، أنا مدينة الحكمة وعلي بن أبي طالب بابها ، ولن تؤتى المدينة إلا من قبل الباب ، وكذب من زعم أنه يحبني ويبغض عليا .
    
معاشر الناس ، والذي بعثتي بالنبوة ، واصطفاني على جميع البرية ، ما نصبت عليا علما لأمتي في الأرض حتى نوه الله باسمه في سماواته ، وأوجب ولايته على ملائكته " (7) .
    
وفي رواية أحمد بن عيسى بن عبد الله المعروف بأبي طاهر ، عن أبيه ، عن أبيه ، عن جعفر بن محمد عليهما السلام ، عن أبيه ، عن جده : أن رسول الله عمم علي بن أبي طالب عمامته السحابة ، وأرخاها من بين يديه ومن خلفه ، ثم قال : أقبل ، فأقبل ؟ ثم قال : أدبر ، فأدبر ؟ فقال . هكذا جاءتني الملائكة . ثم قال : من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ثم ذكرت الرواية أشعار حسان بن ثابت في يوم الغدير (8) .
    
وروي بطريق صحيح عن حسان الجمال - الثقة الجليل - قال : حملت أبا عبد الله من المدينة إلى مكة ، فلما انتهينا إلى مسجد الغدير ، نظر إلى ميسرة المسجد ، فقال : " ذلك موضع قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال : من كنت مولاه فعلي مولاه " . ثم نظر إلى الجانب الآخر فقال : " ذلك موضع فسطاط أبي فلان وفلان وسالم مولى أبي حذيفة وأبي عبيدة بن الجراح ، فلما رأوه رافعا يديه قال بعضهم لبعض : انظروا إلى عينيه تدوران كأنهما عينا مجنون ، فنزل جبرئيل بهذه الآية (وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون وما هو إلا ذكر للعالمين ) [ القلم / 51 ، 52 ] . وقد ورد هذا الخبر في تأويل الآيات وفي ذيله : (" والذكر علي بن أبي طالب " فقلت : الحمد لله الذي أسمعني هذا منك ، فقال : " (لولا أنك جمالي لما حدثتك بهذا ، لأنك لا تصدق إذا رويت عني " (9) .
    
روي عن سفيان بن عيينة ، عن جعفر بن محمد عليه السلام ، قال : أخبرني أبي . عن جدي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قال : لما كان يوم غدير خم ، قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطيبا [ فأوجز في خطبته ] ثم دعا علي بن أبي طالب عليه السلام فأخذ بضبعيه ، ثم رفع بيد [ ي‍ ] ه حتى روئي بياض إبطيه ، وقال للناس : " ألم أبلغكم الرسالة ، ألم أنصح لكم ؟ " . قالوا : اللهم نعم . قال : " فمن كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه " قال . ففشت هذه في الناس ، فبلغ ذلك الحارث بن النعمان الفهري (10) ، فرحل راحلته ثم استوى عليها - ورسول الله إذ ذاك بالأبطح - فأناخ ناقته ثم عقلها ، ثم أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسلم عليه ، ثم قال : يا عبد الله ، إنك دعوتنا إلى أن نقول : لا إله إلا الله ، ففعلنا . ثم دعوتنا إلى أن نقول : إنك رسول الله ، ففعلنا - وفي القلب ما فيه - . ثم قلت لنا : صلوا ، فصلينا . ثم قلت لنا : صوموا ، فصمنا . ثم قلت لنا : حجوا ، فحججنا . ثم قلت لنا : من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، فهذا عنك أم عن الله ؟ ! قال له : " بل عن الله " ، فقالها ثلاثا . فنهض وإنه لمغضب وإنه يقول : اللهم إن كان ما يقول محمد حقا فأمطر علينا حجارة من السماء تكون نقمة في أولنا وآية في آخرنا ، وإن كان ما يقول محمد كذبا ، فأنزل به نقمتك ، ثم أثار ناقته واستوى عليها فرماه (لله بحجر على رأسه فسقط ميتا ، فأنزل الله تبارك ( وتعالى سأل سائل بعذاب واقع ، للكافرين ليس له دافع ، من الله ذي المعارج) ، [ المعارج / 1 - 13 ] .
    
وفي رواية صحيحة الإسناد عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال : " لما نزلت الولاية لعلي قام رجل من جانب الناس فقال : لقد عقد هذا الرسول لهذا الرجل عقدة لا يحلها بعده إلا كافر . فجاءه الثاني فقال له : يا عبد الله ، من أنت ؟ فسكت ، فرجع الثاني إلى رسول الله فقال : يا رسول الله ، إني رأيت رجلا في جانب الناس وهو يقول . لقد عقد هذا الرسول لهذا الرجل عقدة لا يحلها إلا كافر . فقال : يا فلان ، ذلك جبرئيل ، فإياك أن تكون ممن يحل العقدة فينكص " (11) . وقد ذكر في روض الجنان ما ترجمته : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال - بعد نزول آية الإكمال - : " الله أكبر ، إن كمال الدين وتمام النعمة ورضا الرب برسالتي ، وبولاية علي بعدي .
    
ثم أقبل على علي عليه السلام وقال : يوم بيوم ، إن الله لا يضيع أجر من أحسن عمله . [ لاحظ الكهف / 30 ] .
    
وسئل الخواجة مفيد أبو محمد عن معناه فقال : قد ورد في الخبر أنه لما كان يوم خيبر وأتى مرحب وأقبل علي عليه ، فقتله مع أبطال آخرين ، نزل جبرئيل وقال : " يا رسول الله ، إن له عندك يومأ بيومه هذا . قال النبي : كيف ؟ قال : لما لأنه بذل اليوم جهده وأفرغ وسعه في نصرتك وإظهار دينك ، فلتبذل غدا جهدك في إظهار ولايته وإمامته . قال :
    
متى هو ؟ قال : إذا حان وقته جئتك وأخبرتك " . فلا جاء يوم الغدير ، جاء جبرئيل وأتى بهذه الآية . فهذا معنى قوله : " يوم بيوم " . ثم ذكر خبرا عن عبد الله بن مسعود في حماية علي النبي يوم أحد يوم البأس قال : عوضه الله يوم الغدير وهو يوم اليأس (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم) [ المائدة / 3 ] .
    
ثم يجئ يوم الكأس فيسقي الأولياء من حوض الكوثر ، وهو يوم المقاسمة يقسم الجنة والنار بين أوليائه وأعدائه (12) .
    
هذا ، ثم إنه ورد في بعض الروايات إقدام بعض الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ، على محاولة قتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بواسطة تنفير ناقته ، ثم تعاهدهم - بصحيفة كتبوها - على نكث ولاية علي عليه السلام وإرجاع الأمر إلى غيره (13) .
    
وقد نذكر في الفصول الآتية أيضا ما يرتبط بهذه الواقعة العظيمة .
    
وفي رواية أنه سئل الصادق عليه السلام عن قول الله عز وجل (يعرفون نعمة الله ينكرونها) [ النحل / 83 ] قال : يعرفون يوم الغدير وينكرونها يوم السقيفة (14) . وفي ختام هذا الفصل يعجبني ذكر عبائر نظمها الشيخ المفسر العظيم فخر الشيعة أبو الفتوح الرازي في تفسيره القيم روض الجنان ، حول تفسير آية الإكمال ، قال . ،كان الدين طفلا بتبليغ البالغين ، طفلا كيحيى وعيسى ، فصار بالإسلام كاملا قبل وقت الكمال ، بالغا قبل وقت البلوغ ، فصار الإسلام بولايته بالغا حد الكمال لابسا بردة الجمال مرتديا برداء الجلال ، لما نصب له منبر من الرحال ، ورفع عليه خير الرجال ، نصب رسول الله رجلا ، ورفع عليه رجلا ، وضمه إلى صدره ، وفتح فاه بنشر ذكره ، وكسر سورة أعدائه بإعلائه ، وأخذه بيده ووقفه عند خذه وجر على أعدائه ، وجلا بل أجلا ، وجزمهم جزما وخجلا ، وجرهم جرا ، فالمنبر منصوب ، وصاحبه مرفوع ، فالمنبر منصوب صورة ومعنى ، وصاحبه مرفوع حقيقة وفحوى ، وهو مرفوع ، وعدوه منصوب ، وهو رافع ، وعدوه ناصب ، ليت شعري عدوه ناصب أم منصوب ، ناصب اللقب ، منصوب المذهب ، فيا عجبا من ناصب هو منصوب (15).

الفصل الثاني
التعريف بمواضع نزول آيتي الإكمال والتبليغ


    
قد تكرر في الروايات نزول الآيتين [ المائدة / 3 ، 67 ] يوم الغدير ، من طرق العامة والخاصة : فأما من طرق العامة فما روي عن أبي هريرة (16) ، وأبي سعيد الخدري (17) ، وابن عباس (18) ، وزيد بن أرقم (19) ، وغيرهم . وأما من طرق الخاصة فقد روي بعدة طرق عن الباقر والصادق عليهما السلام (20) . وقد ورد في روايات أخرى نزول الولاية على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مواضع أخرى :
    
الأول : ما في رواية جعفر بن محمد الخزاعي ، عن أبيه ، عن أبي عبد الله من نزول آية الإكمال في عرفات يوم الجمعة (21) ، ومثله في رواية طاوس ، عن أبيه ، عن محمد ابن علي (22) ، وكذا في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام (23) وفي خبر خطبة الغدير المبسوطة أشير إلى نزولها يوم عرفة من دون أن يشخص يومه . هذا ، والمشهور عند العامة شهرة عظيمة نزول آية الإكمال في عرفات على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يوم الجمعة .
    
ففي صحيح البخاري : بإسناده ، عن طارق بن شهاب : أن رجلا من اليهود قال لعمر بن الخطاب . آية في كتابكم تقرؤونها ، لو علينا - معشر اليهود - نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا ، قال : أي آية ؟ !
قال : (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) .
قال عمر : قد عرفنا ذلك اليوم ، والمكان الذي نزلت فيه على النبي ، وهو قائم بعرفة يوم الجمعة (24) .
    
وقد روي نظيره عن ابن عباس ، لكن في نقل آخر عنه أنه قال في جواب اليهودي : إنها نزلت في يوم عيدين : يوم عيد ، ويوم جمعة (25) .
    
وقد ورد في بعض رواياتهم نزول الآية في عرفة من دون أن يعين يومه في الأسبوع (26) .
    
وروى سفيان [ الثوري ] بإسناده ، إلى طارق بن شهاب سؤال اليهودي من عمر ، وجواب عمر له ، وليس فيه ذكر يوم الجمعة ، بل فيه . قال سفيان : وأشك كان يوم الجمعة أم لا (27) . وفي بعض النقول : عن طارق بن شهاب ، عن عمر ، قال : نزلت ليلة الجمعة ونحن مع رسول الله بعرفات (28) . وقال بعض أهل السنة : نزلت آية الإكمال يوم الاثنين ، وقالوا : أنزلت سورة المائدة بالمدينة وقال بعضهم : إن ذلك ليس بيوم معلوم عند الناس ! (29) .
    
أقول :كون عرفة يوم الجمعة مخالف لما في صحيحة ابن أبي عمير ، عن غير واحد ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال : " إن يوم الغدير أفضل الأعياد ، وهو الثامن عشر من ذي الحجة ، وكان يوم الجمعة " (30) ، فإن لازم الصحيحة كون يوم الجمعة هو اليوم الرابع من ذي الحجة واليوم الحادي عشر منه ، ولا يكون الحجاج في يوم منهما في عرفات . نعم ، لا نضايق بنزول الآية في عرفات يوم عرفة ، لكن الكلام في كونه يوم الجمعة أم لا ؟ وسيأتي تكميل البحث في الفصل الآتي (تحديد يوم الغدير) .
    
الثاني : ما في صحيحة محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : " كان نزولها - أي نزول آية الإكمال - بكراع الغميم ، فأقامها رسول الله بالجحفة " (31) . الثالث : ما في رواية عمر بن يزيد ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال : " فلما انتهى إلى الجحفة نزل جبرئيل بولاية علي عليه السلام وقد كانت نزلت ولايته بمنى وامتنع رسول الله من القيام بها لمكان الناس ، فقال :(يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) " الآية ، الخبر (32) .
    
الرابع :ما في رواية حنان بن سدير ، عن أبيه ، عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : " لما نزل جبرئيل على رسول الله في حجة الوادع بإعلان أمر علي بن أبي طالب يا (أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) إلى آخر الآية ، قال : فمكث النبي ثلاثا حتى أتي الجحفة ، فلم يأخذ بيده فرقا من الناس ، فلا نزل الجحفة يوم الغدير ، في مكان يقال له مهيعة فنادى : الصلاة جامعة " . الخبر (33) .

الخامس : ما يستفاد من رواية عن زرارة ، عن الصادق عليه السلام ، أنه قال : " جاءه جبرئيل في الطريق ، فقال له : يا رسول الله ، إن الله تعالى يقرئك السلام ، وقرأ هذه الآية (يا إيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) .
    
فقال له رسول الله : يا جبرئيل ، إن الناس حديثو عهد بالإسلام فأخشى أن يضطربوا ولا يطيعوا . فعرج جبرئيل إلى مكانه ، ونزل عليه في [ ال‍ ] يوم الثاني - وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نازلا بغدير - فقال له : يا محمد ، [ قال الله تعالى : ] (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) .
    
فقال له : يا جبرئيل ، أخشى من أصحابي أن يخالفوني . فعرج جبرئيل ونزل عليه في اليوم الثالث ، - وكان رسول الله بموضع يقال له غدير خم - وقال له : (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) " الخبر (34) .
    
والمستفاد من هذا الخبر أنه نزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل يومين من يوم الغدير مجرد الأمر بالتبليغ ، وأضيف إليه في اليوم الثاني : التهديد ، وفي اليوم الثالث : العصمة من الناس . السادس : ما في رواية أبي إسحاق ، عن أبي جعفر ، عن جده عليهما السلام قال : " لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله من حجة الوادع ، نزل أرضا يقال لها : ضوجان (ضجنان ظ) فنزلت هذه الآية (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) الآية ، الخبر (35) .
    
أقول : ملاحظة مجموع هذه الروايات تقضي بتكرر نزول آيتي الإكمال والتبليغ في مواضع مختلفة كلا أو بعضا ، وقد يستفاد من خبر خطبة الغدير المبسوطة نزول الولاية في أربعة أماكن : في عرفات ، في مسجد الخيف بمنى ، في كراع الغميم ، في الجحفة .
    
وفي هذه الروايات مواضع ينبغي التعريف بها إجمالا ، وهي : كراع الغميم ، ضوجان (ضجنان ظ) ، الجحفة ، مهيعة ، وأهمها غدير خم .
    
وتفصيل الكلام حول هذه المواضع مع رسم خريطة دقيقة تشخصها كاملا يحتاج إلى مجال واسع ، فلنكتف هنا بما نورده أخذا من المعاجم الجغرافية والروايات الواردة فيها :
    
كراع الغميم :
    
قال ياقوت الحموي - في مادة كراع - : كراع ، بالضم وآخره عين مهملة ، وكراع كل شئ : طرفه ، وكراع الأرض :
    
ناحيتها ، وكراع : ما سال بين أنف الجبل أو الحرة ، والكراع : اسم مجمع الخيل ، وكراع الغميم : موضع بناحية الحجاز بين مكة والمدينة ، وهو واد أمام عسفان بثمانية أميال ، وهذا الكراع جبل أسود في طرف الحرة يمتد إليه (63) .
    
وفي مادة الغميم : موضع له ذكر كثير في الحديث والمغازي ، وقال نصر : الغميم : موضع قرب المدينة بين رابغ والجحفة (37) .
    
ولعل المستفاد مما ينقل السهودي عن المجد وحدة المراد بالغميم وكراع الغميم (38) ، فعليه تكون الإضافة في كراع الغميم بيانية .
    
وفي " معجم مستعجم " : الغميم واد ، والكراع : جبل أسود عن يسار الطريق طويل شبيه بالكراع (39) .
    
وفي مادة الغميم : كراع الغميم ، إليه منسوب ، وقال ابن حبيب : الغميم بجانب المراض ، والمراض بين رابغ والجحفة ، وفي الحديث أن النبي (صلى الله عليه وآله) خرج عام الفتح إلى مكة ، فصام ، حتى بلغ كراع الغميم فأفطر (40) .
ضجنان :
    
ضبطه ياقوت بالتحريك ونونين ، وفي " وفاء الوفاء " و ، (معجم ما استعجم " ضبطاه بسكون الجيم . قال في معجم البلدان : قيل . ضجنان : جبيل على بريد من مكة ، وهناك الغميم ، وفي أسفله مسجد صلى فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وله ذكر في المغازي ، وقال الواقدي : بين ضجنان ومكة خمسة وعشرون ميلا (41) .
الجحفة :
    
هي ميقات أهل الشام والمغرب ، وقتها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام : " وقت لأهل المغرب الجحفة ، وهي مهيعة " (42) ، وقد فسرت الجحفة بمهيعة في صحيحة رفاعة بن موسى عن أبي عبد الله عليه السلام أيضا (43) ، وهو المذكور فيما ذكر . الصدوق في وصف دين الإمامية (44) .
    
وفي " مسالك الممالك " : أما الجحفة ، فإنها منزل عامر ، وبينها وبين البحر نحو من ميلين ، وهي في الكبر ودوام العمارة نحو من فيد ، وليس بين المدينة ومكة منزل يستقل بالعمارة والأهل إلا الجحفة (45) .
    
وفي " معجم البلدان ،) : هي كانت قرية كبيرة ذات منبر على طريق المدينة من مكة على أربع مراحل ، وكان اسمها مهيعة ، وإنما سميت الجحفة ، لأن السيل اجتحفها ، وبينها وبين المدينة ست مراحل ، وبينها وبين غدير خم ميلان ، قال السكري : الجحفة على ثلاث مراحل من مكة في طريق المدينة (46) .
    
وفي " وفاء الوفاء " : وقيل : إنها سميت بذلك من سنة سيل الجحاف سنة ثمانين لذهاب السيل بالحاج وأمتعتهم (47) .
    
وفي كتاب " المناسك " [ لأبي إسحاق الحربي على قول ] : سماها رسول الله مهيعة (48) .
    
وفي " نزهة المشتاق " : وعلى ساحل هذا البحر الواقع في هذا الجزء في الجهة الشرقية حصن على ، و . . الجحفة والجار وكل هذه معاقل ومواطن يسافر إليها ويتجهز منها ، وفي كل واحدة منها وال وعامل . وفيه أيضا : من قديد إلى الجحفة ستة وعشرون ميلا ، والجحفة منزل عامر آهل فيه خلق كثير لا سور عليه ، وهو ميقات أهل الشام ، ومنه إلى البحر نحو أربعة أميال ، ومن الجحفة إلى الأبواء سبعة وعشرون ميلا (49) .
    
ويأتي فيما نذكر حول مهيعة وغدير خم ما يفيد المقام .
مهيعة :
    
ضبطه في " معجم البلدان " و " ومعجم ما استعجم " بسكون الهاء وفتح الياء ، وفي وفاء الوفاء : مهيعة كمعيشة بالمثناة تحت - ويقال : مهيعة كمرحلة - اسم للجحفة . وعلى أي حال فقد مر آنفا أن الجحفة هي مهيعة ، لكن في معجم البلدان : مهيعة : هي الجحفة ، وقيل قريب من الجحفة (50) .
أقول : المستفاد من رواية حنان بن سدير ، عن أبيه ، عن أبي جعفر عليه السلام المتقدمة (51) أن مهيعة جزء من الجحفة ، ولو لم تكن عبارته محرفة - والصواب مثلا هكذا : حتى أتى الجحفة فنزلها [ و ] هي مكان يقال له : مهيعة ، وتحريف " هي " " ب‍ " " في " طبيعي - لدلت على أن مهيعة اسم للجزء والكل معا كما يتفق كثيرا مثل " الشام " . والمستفاد من مجموع ما تقدم أن الجحفة - أيضا - اسم للجزء والكل ، فقد تكون اسما لناحية كبيرة يكون الغدير جزءا منها ، ولذلك مر أن إقامة النبي لولاية علي كانت بالجحفة ، وفي رواية جابر : كنا بالجحفة بغدير خم (52) ، وبهذا المعنى يكون " الرابغ " أيضا جزءا من الجحفة ، قال في معجم البلدان : بطن رابغ واد من الجحفة (53) .
    
وقد تكون الجحفة مباينة للغدير ورابغ ، كما يستفاد ذلك من تحديد الغدير بأنه على ميلين من الجحفة مثلا ، ونحو ذلك ، ولذلك قال الواقدي حول رابغ : هو على عشرة أميال من الجحفة . (54) .
    
وفي القاموس حول غدير خم : موضع على ثلاثة أميال بالجحفة بين الحرمين (55) والظاهر من هذه العبارة أن غدير خم على ثلاثة أميال من الجحفة و (الباء) في قوله " بالجحفة " بمعنى " من " ، لكن في تاج العروس مازجا عبارة القاموس بعبارته : " موضع على ثلاثة أميال " هو " بالجحفة " وقال نصر . دون الجحفة على ميل " بين الحرمين "

الشريفين (56) ، . وهذا لا ينطبق على ظاهر عبارة القاموس . غدير خم : في المناقب : الغدير في وادي الأراك على عشرة فراسخ من المدينة ، وعلى أربعة أميال من الجحفة ، عند شجرات خمس دوحات عظام (57) . وفي رواية خطبة الغدير المبسوطة : " فلما بلغ غدير خم - قبل الجحفة بثلاثة أميال - أتاه جبرئيل " الخبر . وفي " روض الجنان " ما ترجمته : فنزل النبي موضعا يقال له غدير خم - وكان مفرق الطرق يفترق الناس منه ، ولم يكن منزلا ولا صالحا للنزول - فأتاه جبرئيل وأخذ بزمام ناقته وقال : " إن الله تعالى يأمرك أن أنزل هنا وإن لم يكن بمنزل وليس فيه ماء ولا كلأ حتى تبلغ هذا القوم خبرا مهما . . . " ونظيره في الكامل البهائي (58) . وفي " معجم البلدان " : قال الزمخشري : خم : اسم رجل صباغ أضيف إليه الغدير الذي هو بين مكة والمدينة بالجحفة : وقيل : هو على ثلاثة أميال من الجحفة ، وقال عرام : ودون الجحفة على ميل غدير خم : قال الحازمي : ختم واد بين مكة والمدينة عند الجحفة ، وبه غدير عنده خطب رسول الله (59) . لكن قد تقدم عن ياقوت أن بين الجحفة وغدير خم ميلين . وفي كتاب المناسك (لأبي إسحاق الحربي على قول) حول الجحفة : وفي أولها مسجد للنبي ، ويقال له : عزور وفي آخره عند العلمين مسجد - للنبي ، يقال له : مسجد الأئمة . أخبرني ابن جميع ، عن نادر قال : ومسجد للنبي من الجحفة على ميل .

وبين الجحفة والبحر ستة أميال ، وعلى ميل منها عين لعبد الله بن العباس ، و بقربها حوض ، وعلى ثلاثة أميال من الجحفة يسرة الطريق [ حذاء العين ] مسجد للنبي ، وبين المسجد والعين الغيضة ، وهي غدير خم ، وهو غدير ماء حوله شجر كثير ملتف ، والطريق في وسط الشجر ، وهناك نخل ابن المعلي وغيره أربعة أميال (60) .
    
هذا ، وفي " معجم ما استعجم " : وغدير خم على ثلاثة أميال من الجحفة يسرة عن الطريق ، وهذا الغدير تصب فيه عين . . . وبين الغدير والعين مسجد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (61) .
    
أقول : الاختلاف بين النقلين غير خفي فموضع غدير خم في هذا النقل هو موضع مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك ، وبالعكس ، وهذا الاختلاف موجود في سائر المصادر أيضا ، ففي بعضها : أن بين الغيضة والعين المسجد (62) وفي بعضها الآخر أن بين العين والمسجد الغيضة (63) .
    
ثم إن في " معجم ما استعجم " أن موضع الغدير يقال له . الخرار (64) لكن المسعودي ذكر في " التنبيه والإشراف) : غدير خم يقرب من الماء المعروف بالخرار بناحية الجحفة (65) .
    
وكيف كان ، فقد نقل عن عرام : ودون الجحفة على ميل غدير خم وواديه يصب في البحر ، لا نبت فيه غير المرخ والثمام والأراك والعشر ، وغدير خم هذا من نحو مطلع الشمس لا يفارقه ماء المطر أبدا (66) .
    
وفي ختام هذا الفصل ينبغي البحث عن موضع منبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ففي رواية خطبة الغدير المبسوطة أن النبي صلى عليه وآله وسلم تنحى عن يمين الطريق إلى جنب مسجد الغدير ، وقد تقدم في صحيحة حسان الجمال عن أبي عبد الله عليه السلام : فلما انتهينا مسجد الغدير نظر إلى مبسرة المسجد فقال . ذلك موضع قدم رسول الله حيث قال : من كنت مولاه فعلي مولاه (67) .
    
والظاهر أن محل منبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان خارجا من المسجد كما يستفاد من رواية خطبة الغدير المبسوطة ، ويمكن تطبيق صحيحة حسان الجمال عليه . ويستفاد ذلك من أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقم ما تحت الشجرات للتهيؤ لخطبته . وفي رواية : نزلنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بواد يقال له [ وادي ] خم ، فأمر بالصلاة فصلاها بهجير ، قال : فخطب وظلل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) على شجرة [ سمرة ] من الشمس (68) .
    
وفي رواية البراء بن عازب وزيد بن أرقم ، قالا : كنا مع النبي (صلى الله عليه وآله) يوم الغدير ونحن نرفع غصن الشجرة عن رأسه (69) .
    
وفي رواية (ابن امرأة زيد بن أرقم : فخرجنا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في يوم شديد الحر وإن منا لمن يضع رداء ه على رأسه وبعضه على قدميه من شدة الرمضاء ، حتى انتهينا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فصلى بنا الظهر ثم انصرف إلينا فقال : " الحمد لله نحمده ونستعينه " الخبر (70) .
    
لكن في صحيح أبان [ بن عثمان ] عن أبي عبد الله عليه السلام . " يستحب الصلاة في مسجد الغدير لأن النبي صلى الله عليه وآله أقام فيه أمير المؤمنين عليه السلام وهو موضع أظهر الله فيه الحق " (71) .
    
ويمكن حمل هذا الخبر على عدة وجوه لكي ينطبق على سائر الأخبار
الأول :أنه توسع في معنى الظرفية ، من حيث أن محل إقامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بولاية علي عليه السلام كان بجنب المسجد .
الثاني :إن مرجع الضمير في " أقام فيه " هو الغدير لا المسجد ، وهذا بناء على كون الغدير هو الوادي - لا الغيضة - كما يستفاد من بعض النقول المتقدمة ، فلاحظ . ولا ينافي هذين الوجهين استحباب الصلاة في نفس المسجد ، إذ من المعقول اكتساب المحل الحرمة من الأماكن المجاورة .
الثالث :أنه توسع في المسجد ، وأدخل فيه محل خطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، بل يحتمل علم وجود مسجد في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنما بني بعده ، ولا ينافي ذلك تسميته لمسجد للنبي كما لا يخفى .
وأقرب الاحتمالات هو الاحتمال الأول ، ووجهه يظهر بالتأمل فيما حكيناه

الفصل الثالث
في تحديد يوم الغدير

تمهيد : لا إشكال في أن الغدير كان في الثامن عشر من ذي الحجة سنة عشر من الهجرة المباركة (72) ، وإنما الإشكال في أنه في أي يوم من أيام الأسبوع كان ؟
    
وقبل أن نشرع في صلب البحث لا بد من تمهيد مقدمة ، وهي أن تحديد الوقائع التاريخية ، خصوصا التي تكون ذات أهمية يؤثر كثيرا في تقييم الأخبار وتحقيق صحة الروايات الواردة بشأن الحوادث التأريخية " فمثلا يمكن ادعاء وقوع واقعة في تاريخ معين والمعلوم عدم إقامة الجمعة ، فإذا أثبتنا أن ذاك اليوم كان يوم الجمعة ولا وجه في عدم إقامة الجمعة فيه أنتج ذلك عدم وقوع تلك الواقعة في ذاك اليوم . وربما يؤثر هذا البحث في الأبحاث الفقهية أيضا ، فمثلا لو أثبت أن يوم عرفة في حجة الوداع كان يوم الجمعة ، والمعلوم عدم إقامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لصلاة الجمعة فيها ، فيمكن حينئذ أن يكون ذلك لاشتراط الحضر في صحة إقامة الجمعة ، فيؤثر بحثنا في ذاك البحث الفقهي . ولهذا كله عقدنا هذا الفصل لتحديد يوم الغدير ، وخصوص هذا البحث يؤثر في تحديد وقائع أخرى : كيوم وفاة النبي ، ويوم خروجه لحجة الوداع صلى الله عليه وآله وسلم . وسيتضح هذا كله من خلال البحث ، والغرض من ذكر هذا التمهيد بيان أهمية هذا البحث كي لا يتوهم أنه بحث علمي محض لا ثمرة عملية تترتب عليه . فلنكتف بهذا المقدار . ونشرع في أصل البحث فنقول . لتحقيق هذا المطلب طريقان .
الطريق الأول - وهو الطريق المباشر - : الاعتماد على الروايات التي حددت هذا اليوم مباشرة .
الطريق الثاني - وهو الطريق غير المباشر - : الاعتماد على الروايات التي حددت الوقائع الأخرى التي في تلك السنة - أو في السنة التالية - ثم بالملازمة نحدد هذا اليوم ، فبطبيعة الحال قد يتردد أمر الغدير في هذا الطريق بين يومين أو أيام ، بحسب نقصان الشهور كلا أو بعضا أو كمالها كذلك . ثم إن البحث يجب أن يتركز على كلا الطريقين معا ، فبالمقارنة بين الروايات المحددة ليوم الغدير والتي تحدد غيره يمكن الوصول إلى الواقع بأقرب ما يمكن ، فيجب ملاحظة أن هذه الروايات هل هي متعارضة أم لا ؟ وبعد التعارض : ما هو الطريق لحل هذا التعارض ؟ فنقول - وبالله الاستعانة - : إنه ورد في رواية أبي سعيد الخدري أن يوم الغدير كان يوم الخميس (73) ، بينما . ورد في صحيحة ابن أبي عمير ، عن غير واحد ، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه يوم الجمعة .
    
قال الإمام عليه السلام : " يوم الغدير أفضل الأعياد وهو [ ال‍ ] ثامن عشر من ذي الحجة ، وكان يوم الجمعة " (74) .
    
هذا هو الطريق الأول والطريق الثاني فيمكن استفادة المقصود من أمور
الأول : يوم خروج النبي لحجة الوداع ، فقيل : إنه يوم الخميس لست بقين من ذي الحجة (75) ، وقيل : إنه يوم السبت لخمس بقين منه (76) .
    
وفي صحيحتي معاوية بن عمار والحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج لأربع بقين من ذي الحجة ، من غير أن يعين يومه (77) .
    
الثاني : يوم التروية في حجة الوداع : فقد يقال : إنه يوم الجمعة (78)
    
الثالث : يوم عرفة فيها : فالمشهور بين العامة أنه كان يوم الجمعة ، بل ربما ادعي عليه الإجماع (79) .
    
وقد ورد هذا في بعض الروايات عن أهل البيت عليهم السلام - أيضا - لكن لم أجد رواية صحيحة الإسناد مشتملة عل ذلك (80) .
    
الرابع : ما ذكره الواقدي من أنه لما كان يوم الاثنين لأربع بقين من صفر سنة إحدى عشرة ، أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الناس بالتهيؤ لغزو الروم (81) .
    
الخامس : يوم وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم : فإنه لا إشكال في أنه يوم الاثنين ، وقد دلت عليه الروايات الصحاح عن أهل البيت عليهم السلام (82) ، لكن الإشكال في يومه وشهره ، ففيه أقوال . أشهرها وأقربها للاعتماد عليه أربعة :
الأول : أنه يوم الثامن والعشرين من صفر ، وهو المشهور عند الإمامية ، إلا أني - مع التحقيق في ذلك - لم أعثر في ذلك على رواية عن الأئمة - ولو ضعيفة - تشتمل على ذلك (83) ، بل اختاره الشيخ المفيد والشيخ الطوسي ومن تأخر عنهما (84) .
    
الثاني : أنه الأول من ربيع الأول ، وقد اختاره عروة بن الزبير ومحمد بن شهاب الزهري - على رواية موسى بن عقبة - وأبو نعيم ، وابن عساكر ، و الخوارزمي (85) .
    
الثالث : أنه الثاني من ربيع الأول ، وقد حكاه هشام الكلبي ، عن أبي مخنف ، عن الصقعب بن زهير ، عن فقهاء أهل الحجاز (86) ، وقد حكاه الواقدي عن أبي معشر عن محمد بن قيس (87) ، وهو المختار لليث وسعد بن إبراهيم المروزي وسليمان بن طرخان التيمي وابن واضح اليعقوبي (88) .
    
وهذا القول هو القول الوحيد الذي روي عن العترة الطاهرة ، فقد رواه نصر ابن علي الجهضمي ، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام ، عن آبائه ، عن أمير المؤمنين عليه السلام ، كما في " تاريخ أهل البيت " و " الهداية " الخصيبي ، وقد رواه ابن الخشاب عن الباقر والصادق عليهم السلام ، وقد رواه الخصيبي عن الصادق وأبي محمد العسكري عليهما السلام (89) أيضا وهذا القول ، هو محتمل كلام ابن شهرآشوب كما  يأتي .
    
الرابع : أنه الثاني عشر من ربيع الأول ، وهو أشهر الأقوال عند العامة ، وقد روي عن عائشة ، وابن عباس ، وعمر بن علي بن أبي طالب ، وأبي بكر [ بن محمد ] ابن عمرو بن حزم (90) ، وقد اختاره ابن إسحاق ، والواقدي ، وكاتبه ابن سعد ، وابن قتيبة والمسعودي وابن عبد البر (91) وهو مختار الكليني ، ومحمد بن جرير بن رستم الطبري (وهو معاصر للكليني تقريبا) من الإمامية (92) .
    
ثم إن الحسن بن موسى النوبختي - وهو من قدماء الإمامية وأجلائهم ، وقد تكلم قبل الثلاثمائة وبعدها - أطلق القول بوفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ربيع الأول من غير تحديد ليومه (93) ، فهو يخالف المشهور بين الإمامية من أن وفاته صلى الله عليه وآله وسلم في 28 صفر . وفي المقام أقوال أخرى لا نبحث عنها بالتفصيل لضعفها ، وهي - الثامن من ربيع الأول ، والتاسع ، والعاشر ، والنصف ، والثامن عشر ، والثاني والعشرين منه (94) .
    
وفي المناقب لابن شهرآشوب : أنه توفي في الثاني من صفر (95) ، وتفرده بهذا القول مع عدم الإشارة إلا إلى القول بوفاته صلى الله عليه وآله وسلم في 12 ربيع الأول يؤيد كونه من سهو القلم ، ولعل الصواب أنه توفي في الثاني من ربيع الأول . ومن الأمور التي تعين تاريخ وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما ذكروه من مدة الفصل بين آيتي الإكمال والتبليغ ووفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد يستفاد بهذا الطريق ، من رواية أن إسحاق عن أبي جعفر عليه السلام المارة في صدر الفصل ، أن وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت في 27 ربيع الأول أو قبله بقليل . وقد ورد في عدة روايات أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم توفي بعد نزول آية الإكمال بأحد وثمانين يوما (96) .
    
قال العلامة المجلسي : هذا على ما رواه العامة من كون ، وفاة الرسول في ثاني عشر ربيع الأول ، يكون نزول الآية بعد يوم الغدير بقليل (97) .
    
لكن يصح تطبيقه على يوم الغدير أيضا بناء على كون الشهور الثلاثة - ذي الحجة ومحرم وصفر - كلها نواقص ، كمشار إليه في هامش البحار هذا ، لكن في تفسير الطبري . قالوا : وكان ذلك في يوم عرفة عام حج النبي (صلى الله عليه وآله) حجة الوداع . . . وأن النبي (صلى الله عليه وآله) يعش بعد هذه الآية إلا إحدى وثمانين ليلة (98) .
    
ويعني هذا أن وفاة النبي صلى الله عليه وآله في الثلاثين من صفر ، أو أول ربيع الأول ، أو الثاني ، أو الثالث منه ، بناء على نقصان الشهور وكمالها . ومن الأمور التي يمكن الاعتماد عليها في هذا البحث : تأريخ اشتكاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
    
قال الواقدي : حدثنا أبو معشر ، عن محمد بن قيس : أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) اشتكى يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة خلت من صفر سنة إحدى عشرة ، فاشتكى ثلاثة عشر يوما ، وتوفي يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول سنة إحدى عشرة (99) .
    
أقول :هذا النقل بظاهره مشتمل على التناقض ، إذ لو كان اشتكاء النبي صلى الله عليه وآله يوم الأربعاء ، وكانت مدة شكواه ثلاثة عشر يوما ، فلا مناص من أن تكون وفاته يوم الثلاثاء لا الاثنين وبعبارة أخرى : كون شكوى النبي يوم الأربعاء 19 صفر ، ووفاته يوم الاثنين 2 ربيع الأول ، هو باعتبار شهر صفر ناقصا ، فيكون اشتكاؤه اثني عشر يوما ، ولعل الراوي لم يلتفت إلى نقصان الشهر فحسبه تاما فوقع في هذا الخطأ . ويمكن توجيه هذا الكلام بأن من المحتمل كون بدء مرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الصبح ووفاته في العصر ، ولذلك حسبت مدة اشتكائه ثلاثة عشر يوما . قال الواقدي : وقالوا بدئ رسول الله يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر ، وتوفي يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول (100) .
    
أقول : يلزم بدء شكوى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في يوم الأربعاء ، ووفاته في يوم الاثنين 12 ربيع الأول ، كون مدة شكواه اثنى عشر يوما ، فيكون بدء شكواه آخر صفر ، ولا ينطبق على ليلتين بقيتا من صفر بوجه من الوجوه ، ولا يتم هنا التوجيه المتقدم في القول السابق ، كما لا يخفى .
    
قال سليمان بن طرخان التيمي في كتاب " المغازي " : إن رسول الله مرض لاثنتين وعشرين ليلة من صفر . . . وكان أول يوم مرض يوم ألم لسبت ، وكانت وفاته يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول لتمام عشر سنين (101) وهذا القول خال من التهافت ، ولازمه نقصان شهر صفر .
    
ومن الأمور التي يمكن الاعتماد عليها أيضا في هذا البحث بداية التأريخ اليزدجردي فقد نقل في " دائرة معارف فارسي " عن كوشيار أن التاريخ اليزدجردي يبتدأ من يوم الخميس 22 ربيع الأول للسنة الحادية عشرة ، وذكر المسعودي أن الفاصل بين مبدأ التاريخ الهجري ومبدأ التاريخ اليزدجردي يكون 3624 يوم ، وهذا ينطبق كاملا على ما ذكره كوشيار (102) .
    
أقول : إن هذا التأريخ ينطبق على كون 12 ربيع الأول يوم الاثنين وهو أشهر الأقوال في وفاة النبي ملى الله عليه وآله ، بين العامة ، فحينئذ لا حاجة للبحث عن هذا مستقلا . هذا ، والمقارنة بين الأقوال الواردة في وفاة النبي صلى الله عليه وآله والروايات المتقدمة تدلنا على عدم توافقها جميعا بل كثير منها تختلف عنها ، ولتسهيل الأمر في هذه المقارنة وضعنا جدولا يبين ذلك بوضوح ، ولم نعتمد في هذا الجدول على الأقوال الشاذة في تأريخ وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وكذا على ما مر آنفا من تاريخ شكايته ومبدأ السنة اليزدجردية ، لوضوح حكمها من تاريخ وفاته صلى الله عليه وآله وسلم ، مضافا إلى أن البعض منها مشتمل على التناقض في نفسه صريحا أو ظاهرا . وقبل استعراض الجدول نشير إلى نكتة أخرى ، وهي أن مكة والمدينة متفقتان في الأفق تقريبا حيث أن الاختلاف في خطيهما الطولي أقل من درجة ، فلا يكون بينهما تفاوت مهم في رؤية الهلال ، ولذا لم نجعل مدار البحث على اختلاف المطالع :

جدول تحديد الأيام

توضيح الجدول
    
أ - بدأنا من المربع المعلم بعلامة وعدد هذا المربع مأخوذ من النقول التأريخية أو الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام ، حسب ما مر تفصيله سابقا .
    
ب - بعد ملء المربع المعلم بعلامة - حسبنا سائر الأيام وفقا لهذا اليوم ، فهذا المربع هو الملاك لحساب سائر الأيام .
    
ج - عندما وصلنا في كل سطر إلى آخر الشهر حسبنا الشهر مرة تاما ، ومرة ناقصا ، فتحصل من ذلك عددان ، فجعلنا العدد المتحصل من حساب الشهر تاما في أعلى المربع ، والعدد المتحصل من حسابه ناقصا في أسفله .
    
د - إذا كان الفاصل بين اليوم المفروض واليوم الذي أريد استخراج عدده أكثر من شهر ، لاحظنا جميع المحتملات ، فجعلنا العدد الحاصل من حساب جميع الشهور تامة في أعلى المربع ، والعدد الحاصل من حساب الشهور تامة - إلا شهرا واحدا - تحته ، والعدد الحاصل من حساب الشهور تامة - إلا شهرين - تحته ، وهكذا . . . إلى أن يصل إلى أسفل المربع فهو العدد الحاصل من حساب جميع الشهور نا قصة .
    
ه‍ - قد حسبنا أربعة شهور ناقصة فحينئذ يكون في البيت خمسة أعداد ، والعدد الذي في الأسفل مربوط بحساب الشهور كلها تامة ، وهذا غير ممكن إلا أنا لم نحذفه لئلا يختل الحساب .
    
و - إذا أخذ كل عدد في أي مربع من المرتجعات تكون بينه وبين اليوم المفروض المعلم بعلامة - شهور ناقصة على قدر العدد الذي تحت هذا العدد ، وشهور تامة على قدر العدد الذي فوقه ، مثلا : إذا لاحظنا هذا المربع [ 11 / 1 ] ووضعنا اليد على العدد (2) فهو فيما إذا كان بين اليومين شهر تام وثلاثة أشهر ناقصة ، وهكذا .
    
ز - قد ظهر مما مر آنفا في كل مربع يكون العدد الأوسط أو العددان الأوسطان ، أقرب الأعداد إلى القياس ، وكلما بعدت الأعداد عنه أو عنهما ، بأن علت أو انخفضت يكون احتمال تحققها أبعد ، فني المربع [ 11 / 1 ] الذي مثلنا به آنفا ، يكون العدد (1) أقرب الأعداد إلى القياس وأكثرها احتمالا للوقوع ، والعددان (.) و (2) يكونان بعده في الاحتمال ، وأضعف الاحتمالات هما العددان (6) و (3) بل العدد (6) غير ممكن كما مر في " ه‍ " .
    
نظرة إلى الجدول
    
عند تفحص الجدول نرى أن القول المشهور بين العامة الذي ربما ادعي الإجماع عليه - وهو كون يوم عرفة يوم الجمعة - لا مجتمع مع وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في 28 صفر كما عند مشهور الخاصة ، ولا مع وفاته في 12 ربيع الأول كما هو أشهر الأقوال عند العامة . نعم ، مجتمع مع وفاته في 2 ربيع الأول - على بعد - بناء على كون الشهور الثلاثة (ذي الحجة ، محرم ، صفر) أشهرا تامة ، وأقرب منه كون وفاته في 1 ربيع الأول . والإشكال هذا معروف ، وأول من رأيته قد نبه عليه ، هو أبو القاسم السهيلي في كتابه " الروض الآنف " وفي كلامه شئ من المسامحة (103) .
    
وقد نقل ابن كثير ذلك عنه في " البداية والنهاية ،) مع تصحيح خطئه ثم قال : ولا يمكن الجواب عنه إلا بمسلك واحد ، وهو اختلاف المطالع ، بأن يكون أهل مكة رأوا هلال ذي الحجة ليلة الخميس ، وأما أهل المدينة فلم يروه إلا ليلة الجمعة . . . وإذا كان أول ذي الحجة عند أهل المدينة الجمعة وحسبت الشهور بعده كوامل ، يكون أول ربيع الأول يوم الخميس فيكون ثاني عشرة يوم الاثنين (104) .
    
أقول : لا يخفى ما فيه من التمحل ، لبداهة بعد كون الشهور الثلاثة المتصلة كوامل ، فإذا انضم إليه القول باختلاف المطالع ، مع عدم التنبيه عليه ، ضار في غاية البعد ، خصوصا في مكة والمدينة المتفقتي الأفق تقريبا ؟ فهذا التوجيه غير مقبول . ويأتي نظير هذا الإشكال - بل أشد منه - لو قلنا بكون الغدير يوم الجمعة . قال العلامة المجلسي : الجمع بين ما نقلوا الاتفاق عليه من كون عرفة حجة الوداع الجمعة ، وبين اتفقوا عليه من كون وفاته صلى الله عليه وآله وسلم يوم الاثنين ، بناء على القولين المشهورين من كون وفاته صلى الله عليه وآله وسلم إما في الثامن والعشرين من صفر ، أو الثاني عشر من ربيع الأول غير متيسر ، وكذا لا يوافق ما روي أن يوم الغدير في تلك السنة كان يوم الجمعة ، فلابد من القدح في بعضها (105) إنتهى كلامه رفع في الخلد مقامه . فحينئذ يطرح هذا السؤال نفسه : بأي قول نأخذ ؟ وأي قول نترك ؟
    
الجواب : يجب بدء البحث من المتيقن ، ثم من الذي دل عليه صحيح الروايات ، فنرفض كل ما خالف هذين ، فنقول : المتيقن هو وفاته يوم الاثنين ، والوارد في صحيحة ابن أبي عمير ، عن غير واحد ، عن الصادق عليه السلام أن الغدير كان يوم الجمعة . فلنرجع إلى الجدول ، فالصواب ما افترضناه في السطر 5 ربما أنه لا يجتمع ذلك مع وفاته صلى الله عليه وآله وسلم في 12 ربيع الأول و 28 - صفر ، فيجب رفضهما . ثم نأتي إلى القولين الآخرين . فالقول بأول ربيع الأول فمع كونه يستلزم كون الشهور الثلاثة كوامل ، نحالف لما دلت عليه رواية نصر بن علي الجهضمي عن الرضا عليه السلام ، ورواية ابن الخشاب عن الباقر عليه السلام ، ورواية الخصيبي عن الصادق وأبي محمد العسكري عليهما السلام ، فهذا القول أيضا غير مقبول . فالأقوى كون وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في 2 ربيع الأول ، وهو قول مشهور عند العامة .
    
ويمكن إبراز وجه لتبرير خطأ الأقوال المشهورة ، أما القول المشهور بين الخاصة فالشهرة في العصور ، المتأخرة ، ولم أجد من صرح بذلك قبل المفيد ، وهذه الشهرة لا عبرة بها مع مخالفتها للرواية الصحيحة ، بل العامة متفقون على خلافها ، ومع ذلك لم ترد رواية في رد ذلك عن الأئمة ، وهذا كاشف عن صحة اتفاق العامة في كونه في ربيع الأول ، إذ لو كانت آراؤهم خاطئة لردع منها الأئمة عليهم السلام ، بل ورد ما يؤيد قولا منها .
    
ولذلك عدل المحقق التستري - دام ظله - عن هذا القول ، ومال إلى القول بكونه في 2 ربيع الأول بعض الميل . قال في هذا الموضوع : لم نقف على قائل به قبل المفيد ، والمتأخرون تابعون له وللشيخ غالبا في آرائهما في الفقه ، وغيره ، كما الشيخ تابع لشيخه غالبا أيضا (106) .
    
أقول : إن عظمة الشيخ وجلالته أوجبت تركيز ما اختاره في أذهان الإمامية رحمهم الله ، بحيث أرسلوه إرسال المسلمات ، وقد اشتهر عن ابن إدريس تسمية من جاء بعد الشيخ إلى زمنه بالمقلدة . قال الشيخ محمود الحمصي . إنه لم يبق للإمامية وقد على التحقيق ، بل كلهم حاك (107) .
    
ولذلك قد يسري سهو الشيخ إلى سائر الأصحاب ، وقد توجب عبائر الشيخ تغيير المصطلحات ، ولا نريد الدخول في هذه الأبحاث ، ونكتفي هنا بالإشارة إلى ما حكي عن العالم الفقيه المحقق الأستاذ الشيخ محمود الشهابي ، حيث قال إن التوحيد في مصطلح القدماء هو القول باتحاد صفات البارئ وذاته ، في قبال الأشاعرة الذين أثبتوا قدماء ثمانية ؟ لكن قد اشتهر من زمن الشيخ أن التوحيد هو وحدة ذات الباري في قبال تعدده الذي يقول به الوثنية وغيرهم.
    
وكيف كان ، فالظاهر عدم صحة كون وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في 28 صفر ، ويمكن أن يكون منشأ الخطأ للمفيد - الذي كلامه الأصل لكلام الأصحاب ظاهرا - أن وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان بعد يومين من مستهل ربيع الأول ، فاشتبه وجعل قبل يومين منه ، وهذا اشتباه معقول ، ونظيره ما وقع في مولد الصديقة الطاهرة سلام الله عليها فإن المشهور بين العامة أنه لخمس سنين قبل المبعث النبوي ، والمشهور بين الخاصة أنه لخمس سنين بعد . يحتمل وجه آخر ، وهو اشتباه يوم الخميس - وهو يوم الرزية التي أشار إليها ابن عباس - مع يوم وفاته صلى الله عليه وآله وسلم ، قال ابن عباس : يوم الخميس وما يوم الخميس ! ! ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء ، فقال : اشتد برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وجعه يوم الخميس فقال : ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لكم تضلوا بعده أبدا ، فتنازعوا . . . الخبر (108) .
    
وفي نقل آخر : قال عمر : إن النبي قد غلبه الوجع ، وعندنا كتاب الله حسبنا ، فاختلفوا وكثر اللغط ، قال : قوموا عني ، ولا ينبغي عندي التنازع فخرج ابن عباس يقول : إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين كتابه (109) .
    
أما الاتفاق المدعى ني كلام بعض العامة ، من كون عرفة حجة الوداع يوم الجمعة ، فهو مخالف للرواية المشهورة عندهم من أن وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت يوم الاثنين 12 ربيع الأول كما مر ، وأيضا مخالف لما في بعض النقول من كون يوم التروية في حجة الوداع كان يوم الجمعة ، وأيضا نحالف لما في رواية أبي سعيد الخدري من كون الغدير يوم الخميس . وأيضا مر في الفصل السابق عن سفيان [ الثوري ] في حديث عمر مع اليهودي حول آية الإكمال أن عمر قال : أنزلت يوم عرفة ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واقف بعرفة قال سفيان : وأشك كان يوم الجمعة أم لا ؟ وأيضا في بعض رواياتهم كان نزول آية الإكمال ليلة الجمعة والنبي صلى الله عليه وآله وسلم واقف بعرفة . ثم إن في بعض روايات نزول آية الإكمال على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عرفة يوم الجمعة أنه لم يعش صلى الله عليه وآله وسلم بعد هذه الآية إلا إحدى وثمانين ليلة وهذه الرواية تنافي وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الاثنين ، بل في وفاته يوم الثلاثاء فلاحظ (110) .
    
ومع هذا كله كيف يمكن دعوى الاتفاق ؟ ! وعلى فرض ثبوته لا يمكن الاعتماد عليه مع مخالفته للرواية الصحيحة عن الصادق عليه السلام . ويمكن إبراز وجه لتبرير خطأ العامة في ذلك ، إلا توضيحه يحتاج إلى مقدمة قصيرة ، وهي أن بعض فقهاء العامة كالشافعية أفتوا باستحباب أربع خطب في أيام الحج : الأولى : يوم السابع من ذي الحجة ، الثانية : يوم عرفة بقرب عرفات ، الثالثة : يوم النحر ، الرابعة : الثاني من إيام التشريق ، وفي استحباب هذه الخطب - كلها أو بعضها - وفي خصوصياتها خلاف بين فقهاء العامة لا نريد الدخول فيه (111) . وعلى أي حال فالقائلون باستحباب الخطب الأربعة يتمسكون في إثبات ذلك بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطب فيها ، لكن بعد التأمل الصادق في أخبار المسألة لا يمكن الجزم بوقوع أكثر من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطب خطبة واحدة مشهورة ، وهي : " إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم . " الخبر وفيه " ألا وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض " ، وإنما الاختلاف في يومه :
    
ففي رواية جابر : أنه في عرفات (112)