اليوم الأول من شهر ذي القعدة:
صلح الحديبية عام 6 هـ

تركّز الدين الإسلامي واتسع يوماً بعد يوم حتى أدرك كل من بلغه هذا الدين الحنيف أن من المستحيل استئصاله والقضاء عليه، فالمواجهة مع قريش ـ وهي أكبر قوة عسكرية وسياسية ـ ومع اليهود وغيرهم من القوى المشركة زاد في انتشار الإسلام وقبوله، فلجأ هؤلاء الى صد الرسول والمسلمين من البيت الحرام. إلاّ أن الرسول (صلى الله عليه وآله) يدرك وهو المتصل برب العزة هذه الأساليب، فقرر التوجّه بالمسلمين الى بيت الله الحرام لأداء العمرة، وليستمر في مواصلة الدعوة الإسلامية، وتوضيح مفاهيم الإسلام العزيز، وليبدأ بذلك مرحلة الهجوم بالمبادئ الإسلامية. وقد كان الرسول رأى في منامه أنه يدخل مكة المكرمة والبيت الحرام آمناً من غير قتال، كما ورد في الآية الشريفة: (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلّقين رؤوسكم ومقصّرين لا تخامون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً).
وتوجّه الرسول (صلى الله عليه وآله) نحو مكة المكرمة ومعه ما يقرب من ألف وأربعمئة من المهاجرين والأنصار في الأول من ذي القعدة في السنة السادسة للهجرة الشريفة، وقد ساقوا معهم سبعين بدنة هدياً لتنحر في مكة، فبلغ خبر ذلك الى قريش، فظنت أن الرسول يريد الهجوم عليها، فأخذت تعد العدة لذلك.
وبلغ الرسول (صلى الله عليه وآله) نبأ استعداد قريش لقتاله، حيث غيّر مسيره وسلك طريقاً آخر، واستقرّ في وادي الحديبية، وأرسل إليهم مبعوثه ليخبرهم أن الرسول (صلى الله عليه وآله) جاء للزيارة لبيت الله، تقرباً لله عزّ شأنه، فإن قاوموا فسيواجههم بالقتال، حتى ينصره الله تعالى عليهم.
فأذعنت قريش لطلب الرسول (صلى الله عليه وآله)، حيث رأت قواته وتصميمه على العمرة، وأدركت أمام ذلك ضعفها وعجزها، مما دفع بها الى طلب الحوار، وبدأ الحوار وتم تثبيت مقررات الصلح، فدعا الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) الإمام علياً (عليه السلام) لكتابة هذه المقررات، ومنها:
إيقاف الحرب لعشر سنين بين الطرفين.
التخيير بين الدخول في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله) أو الدخول في عهد قريش.
عدم التدخل في شؤون المتدينين.
بعد إكمال المناسك يعود الرسول (صلى الله عليه وآله)في العام القادم بدون سلاح.
إلاّ أن بعض المسلمين أحسّوا بخيبة الأمل، إلاّ أن نتائج الصلح جاءت بالفائدة على الإسلام والمسلمين على خلاف ما تصوّره، فنتائج الصلح تتّسع وإيجابياته تنمو ويحصل التحول الكبير. وأدرك المسلمون قيمة هذه الاتفاقية التي أوقفت نشاط قريش المضاد، وكانت عاملاً في اتساع الدعوة الإسلامية لتشقّ طريقها بين قبائل العرب، وتزايدت أعداد الداخلين في دين الله تعالى.
ثم أصبحت الدعوة علنية, أظهر المسلمون إسلامهم وعباداتهم دون خوف أو وجل.
وقد تمكّن الرسول (صلى الله عليه وآله) من العمرة في العام القادم أيضاً، حتى وصف القرآن الكريم هذا الصلح بالفتح في بعض من آياته؛ لأنه كان الفاتح والممهّد للنصر المؤزر, وهو فتح مكة في سنة (8هـ).
اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الكفر والكافرين.