|
المــدخـــل إن تربية الوالدين للطفل في المرحلة الأولى لها أهمية من خلال الأثر الذي تتركه على صياغة شخصية الفرد وعلى نوع أفعاله ونشاطاته وإن التعامل الحسن أو السيئ مع الطفل يخلفه مشاعر وأحاسيس تختزن في العقل الباطن لتكون المحرك له بعدئذ في سنوات الاستقلال عن والديه وانتمائه إلى المجتمع حسب نظرية المدرسة المادية حيث يقول عالم النفس لاوستاس سيسر : ( لو فكرتم جيداً لعرفتم أن سبب بعض أفكاركم وأفعالكم هو عقلكم الباطن , ولا تعلمون أنتم في الحقيقة لم تمتلكون هذه الأفكار ولم تصدر عنكم هذه الأفكار والأفعال هي نتيجة الأضرار الصغيرة التافهة التي أصابت أرواحكم وأذهانكم في فترة الطفولة مثل الأحداث والذكريات المريرة التي ألمت بأرواحكم الحساسة حينذاك بشدة كالحرمان من الحنان والحب والتعرض لأذى الآخرين وغير ذلك , فلو توصلتم إلى منشأ وسبب هذه الأفكار والتصرفات واسترجعتم تلك الذكريات والأحداث التي آلمت أنفسكم فإنكم تكونون قد رفعتم خطوة نحو نجاحكم والانتصار على نواقصكم النفسية). وترى مدرسة أهل البيت أن التربية في الصغر لها عامل مساعد وليس تأثيرها ماديا كما ترى المدرسة المادية في شخصية الفرد وصدور أفعاله وسلوكه في الكبر...حيث إن بإمكان أي فرد تعديل سلوكه وفكره من تأثيرات التربية الخاطئة في طفولته من خلال امتلاكه للإرادة الحرة والتي يبتدئ مشوارها في سن التكليف والرشد . جاء في الحديث الشريف عن الإمام الصادق (عليه السلام) : (إن نطفة المؤمن لتكون في صلب المشرك فلا يصيبها من الشر شيء حتى إذا صار في رحم المشركة لم يصبها من الشر شيء حتى يجري القلم) . ومعنى يجري القلم هو بلوغ الفرد مرحلة الرشد والتكليف حيث يكون فيها مسؤولاً عن أفعاله وكلماته وتصرفاته الحسنة أو السيئة حسب الميزان الإلهي الذي وضعه لنا في القرآن الكريم والعترة الطاهرة (عليهم السلام)...وعلى هذا الأساس تتحد سعادة الفرد وشقاؤه في حياته الدنيوية والأخروية وليس كما ترى المدرسة المادية بأن هذا الأمر خارج عن إرادته وفعله أو كما يقول الجبريون خطأ بأن الإنسان لا يملك اختيار طريق السعادة أو الشقاء . يقول في ذلك شاعرهم : إن حظي كدقيق بين شوك نثروه ثم قالوا لحفـاةٍ يوم ريحٍ أجمعوه صعب الأمر عليهم ثم قالوا : أتركوه إن من أشقاه ربي كيف أنتم تسعدوه
لذا يبحث هذا الكتاب في الأساليب التربوية التي تمكن للوالدين تجنب المشكلات السلوكية والنفسية المتعبة في تعاملهم مع الأبناء وفي المرحلة الثانية للطفولة حسب منظور مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) حيث أن هذه المرحلة الممتدة من عمر 7-14 سنة من المراحل الصعبة التي تمر على الآباء والأبناء معاً...وهي مرحلة المراهقة المبكرة التي غالباً ما يقف الوالدان فيها مشدوهين أمام تصرف الولد وعبثه...وعاجزين عن كيفية التعاطف ومد يد العون إليه...ويثوران غالبا متهمانه بالتمرد وسوء السلوك وعدم الطاعة فيزيدان من اضطرابه النفسي وبلبلته السلوكية. يقول أحد علماء النفس : (إذا كان الأبوان ينقصهما الفهم والعلم وفي كل مرة يوقظون في الطفل بالوسائل الخاطئة حالة عدم الثقة وبهذا يحال دون تقدم فكر الطفل لحل القضايا وبالتالي يتجمد نموه ورقيه العقلي...ويتوسل الطفل في سن الشباب أو حتى في الأربعين لبلوغ مراميه بالغضب والعصبية أو يضرب الزوجة والأطفال أو توجيه السباب اللاذع لمن تحت سيطرته , ولو دخل مثل هذا الرجل في حقل السياسة وعوضاً من أن يسعى إلى تحقيق النجاح من خلال الأساليب المنطقية يحاول القضاء على معارضيه بأعنف الطرق , تشبه تلك الضربات والرفس في سنوات الطفولة). ولأن وجهة نظر الطفل في مرحلته الثانية هي الأكثر أهمية والأكثر إهمالاً لذا جاء هذا الكتاب ليبحث من وجهة نظر الحدث الوسائل التربوية التي يستخدمها الوالدان لمساعدته على النمو والارتقاء ولا يعني هذا أبداً إهمال وجهة نظر والديه لأن ما يهم الوالدين وما يهم الحدث أمر واحد...فإن حقق الوالدان لطفلهما السعادة فإنه سيتحقق لهما أيضاً...أما إذا لم يكن الولد سعيداً فسيجدان نفسيهما بعيدين عن السعادة أيضاً...ومن الحكمة وعي الوالدين هذه الحقيقة فيسعيان إلى التماس المعرفة التربوية ليربوا أولادهم في مأمن من الانحراف النفسي وسوء السلوك من خلال قراءتهم للكتب التربوية والنفسية الخاصة بسيكولوجية نمو الطفل إلا أن الأغلبية منها تخالف بعض الوسائل التربوية ألتي تؤكدها مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) والتي عالجناها من خلال هذا الكتاب. إن مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) تقسم النمو النفسي للطفل على ثلاث مراحل تتحدد على ضوئها كيفية تعامل الوالدين معه وحسب المرحلة التي هو فيها والمراحل هي : المرحلة الأولى : وتمتد من عمر 1- 7 سنة , وهي مرحلة لعبية الطفل . المرحلة الثانية : وتمتد من عمر 7- 14 سنة وهي مرحلة عبودية الطفل . المرحلة الثالثة : وتمتد من عمر 14- 21 وهي مرحلة وزرائية الطفل . جاء في الحديث الشريف عن النبي (ص) : (الولد سيد سبع سنين وعبد سبع سنين ووزير سبع سنين). وعن الإمام الصادق (ع) : (دع ابنك يلعب سبع سنين وأدبه سبع سنين وألزمه نفسك سبع سنين) وقد كرسنا في كتابنا السابق ( من يعينني ) الحديث في تربية الطفل في مرحلته الأولى , ونستمد من الله تعالى العون في البحث في الوسائل التربوية للطفل في مرحلته الثانية , آملين من المولى التوفيق في التحدث عن المرحلة الثالثة في كتاب لاحق إن شاء الله تعالى .
|