الخوف والقلق عند الأولاد في عمر 7 14 سنة

(فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا يحزنون)

                                                                   سورة البقرة آية 38

إن الاضطراب والقلق من الانفعالات النفسية المقيتة والكريهة حيث تسلب من الإنسان جهده الفكري والعضلي فالطالب يفشل في امتحاناته مع استغراق يومه بالدراسة وربة البيت لا تقوى على مزاولة نشاطها اليومي لشعورها بالتعب والوهن ... وبشكل عام فإن المصاب بالاضطراب والقلق لا يشعر بالشوق نحو ممارسة أعماله اليومية وقد يعاني ظواهر عضوية كالشعور بحالة من التقيؤ أو ضيق التنفس أو آلام في المعدة ... كما وإن السبب في الإصابة بحالة القلق والاضطراب هو زيادة الخوف عند الفرد ... فالخوف غريزة مفيدة في وقاية الإنسان وحفظه من المهالك كخوفه من التيار الكهربائي وخوفه من السقوط وخوفه من الفشل الذي يدفعه نحو شاطئ الأمان والسلامة ... ولكن زيادة المخاوف مرض يؤدي بصاحبها إلى الإصابة بالاضطراب والقلق ... وعليه يطرح السؤال التالي :

لماذا زيادة المخاوف عند الولد؟

إن الطفل في دخوله المرحلة الثانية من طفولته يفقد مصدرا أساسيا في حياته وهو شعوره بالأمان[1] ... ذلك لأن الطفل في مرحلته الأولى يستمد الأمان الذي هو غريزة فطرية في الإنسان من والديه وخصوصا أمه ولذا يحذر علماء التربية الأمهات من ترك أطفالهن وخصوصا أولئك الذين لم تتجاوز أعمارهم الخمس سنوات لمدة زمنية طويلة[2] حتى لا يصاب الطفل بالهلع والاضطراب – وهو مرض نفسي خطير – لشعوره بأن أمه مصدر يؤمن كل احتياجاته ويدفع عنه كل الأضرار.

وحين بلوغ الطفل السابعة من العمر وتفتح أحاسيسه الإنسانية ونمو مقدرته العقلية يدرك بأن والديه لا يمثلان القوة العظمى القادرة على إحاطته بسياج من الأمن وخصوصا في الأولاد الذين يواجهون أباءا وأمهات صارمين في تعاملهم مع الأبناء ... يقول عالم النفس :

(في مرحلة البلوغ يتغير مركز عاطفة الحب وتعصف بالعلاقة  بين الأب والابن أزمات تحدث خصوصا عند ذوي الطباع الجامحة أولئك الذين يواجهون أباءا وأمهات مستبدين أو بالعكس ضعافا)[3] .

إن من الطبيعي تولد مثل هذا الشعور في الأبناء بعد تجاوزهم المرحلة الأولى من الطفولة ولذا يكون من الحكمة أن يجهد الوالدان في شد ارتباط الأبناء بالقوة العظمى الحقيقية وهي الله سبحانه الذي يعد المصدر الأساسي لاستمداد الفرد في أي عمر كان إشباع غريزته الفطرية في الميل نحو الشعور بالأمان.

إن فقدان الأمن هو السبب الرئيسي في إصابة الولد بالقلق والاضطراب.

عدم الشعور بالأمان        مرض زيادة الخوف         مرض القلق والاضطراب.

مع أن هناك أسبابا أخرى في نشوء مرض زيادة المخاوف عند الأولاد في عمر 7 – 14 سنة نذكر منها ما يلي :

تهديده لضبط سلوكه :

إن ضعف شخصية الوالدين وعجزهم في تقويم سلوك الأولاد قد يدفعهم نحو استخدام أسلوب التهديد والترهيب في محاولة لتطويعهم نحو ما يصدر منهم (الوالدين) من أوامر وطلبات ، وأسلوب التهديد والترهيب كما إنه لا ينفع في ضبط سلوكيات الأولاد في عمر 7 – 14 سنة وبالشكل الذي يريده الأهل منهم كذلك يضر الأولاد من خلال تأثيراته على نفسياتهم حيث يكون التهديد والترهيب عاملا مساعدا ومؤثرا في إصابة الأولاد بمرض القلق والاضطراب.

كما أن المدرسة ومعاملة الهيئة التعليمية للطلاب هي الأخرى تشارك في إصابة الأبناء بمرض القلق والاضطراب من خلال التأكيد على نجاح الطالب في الامتحانات وبالشكل الذي يضعف عنده شوقه نحو التعلم والتفهم فلا يهم الطالب في مدارسنا أن يتعلم بقدر حرصه على معرفة الطريقة التي يستخدمها المدرس في طرحه للأسئلة الامتحانية حتى يحصل على درجات أعلى من حصصه الدراسية وكذلك الأسئلة الامتحانية تكون بالشكل الذي لا تؤكد على فهم الطالب للمادة بقدر ما فيها من متاهات تجعل الطالب متحيرا في الإجابة عليها ... إضافة إلى نظام المدرسة الذي يحفظ للمعلم حقه في إهانة الطالب والقسوة عليه ويمنع الأخير حتى من حق الدفاع عن النفس بحجة منافاته للأدب والاحترام لمنصب المعلم متناسين أن الظلم من أكبر القبائح في نظر العقل والشرع.

إن تهديدات الوالدين للأبناء وتوترهم في المدرسة لأجل اجتياز الامتحانات والحصول على الدرجات التي تعتمد على المصادفة أكثر من فهم المادة إضافة إلى الجو الإرهابي في تعامل الهيئة التدريسية كل ذلك يدفع بالأبناء نحو الإصابة بمرض القلق والاضطراب من خلال ازدياد مخاوفهم.

الضغط عليه لتحقيق آمال الكبار :

قد يفشل بعض الآباء في تحقيق آمالهم وأمانيهم في نيل التحصيل العلمي العالي فيحاولان الضغط على الأبناء لتحقيق ما عجزوا عن تحصيله ذلك لأن الأبناء امتداد لحياة آبائهم ... ولكن الأبناء في الوقت الذي يحرصون فيه على تحقيق آمال والديهم لكن قد لا يمتلك الأبناء :

- القدرة الذهنية على تحقيق ما يطمح إليه الآباء.

- الميل والرغبة نحو ما يريده الكبار منهم.

لذا يعيشون في حالة من التوتر والصراع في داخل أنفسهم ويسيطر عليهم الخوف والهلع من الفشل في تحقيق آمال الآباء فيصاب بالقلق والاضطراب.

إثارة الخيال بمخاوف وهمية :

إن الوهم مرض يصيب العقل ويتحكم في الإنسان من خلال استشارة خيال الطفل في المرحلة الأولى بالقصص المخيفة والأفلام العنيفة أو حول الأشباح والعفاريت والجن وحتى في استعمال البعض للدين بشكل غير صحيح لإثارة خيال الطفل حول ما سيلاقيه في القبر من الأفاعي والعقارب التي تنهش جسده أو العقاب في النار الحارقة في حين إن الدين مصدر أمان للأفراد وملجأ حصين لهم وما جاء في الدين من أنواع العقاب ليس لإثارة خيال الأطفال بالمخاوف وإنما لأجل دفع الأفراد الكبار نحو جادة الصواب بخوفهم من ظلم الآخرين والاعتداء على حقوق الأفراد وكسلهم من أداء حق أنفسهم عليهم.

فليس من الصحيح أن نخوف الطفل من عقاب الله على كل خطأ وفعل سيئ يصدر منه وبالمقابل لا يملك الطفل أي صورة حسنة عن الله في كونه يحبنا ويرحمنا ويعطف علينا ويحنو على صغارنا وإنه تعالى في حبه لعبده ورحمته تفوق مئات المرات حب الوالدين ورحمتهم بأولادهم لأن رحمتهم وحبهم جزء من تلك الرحمة الواسعة ودائما يكون الجزء أقل من الكل ، إن الله سبحانه لا بد أن يكون للأفراد وخصوصا في عمر 7 – 14 سنة مصدر أمان لهم – كما قدمنا سابقا – فإذا مس التشويه ذلك المصدر الآمن بحيث أصبح مصدرا مخيفا لا بد من إتقائه ، هنا تكون البلية والبلبلة النفسية في حالة من الاضطراب والقلق القاتل.

علاج القلق والاضطراب في الأولاد من عمر 7 14 سنة

إن سيطرة الخوف على الأحداث وشعورهم بالقلق والاضطراب مشكلة مزعجة لهم حيث تشل حركتهم الذهنية والجسمية وكذلك هي مزعجة للآباء حين يرون أبناءهم لا يتقدمون خطوة نحو النجاح في حياتهم ... ومن الخطأ الجسيم لوم الأبناء على عدم تحقيق النجاح بل الأولى مساعدتهم للتغلب على حالة القلق والاضطراب من خلال الخطوات التالية :

الاعتناء بحسن ظنه بالله تعالى :

مر معنا أهمية غريزة الشعور بالأمان وكونه السياج الواقي للنفسية من الإصابة بمرض القلق والتوتر وكيف أن مدرسة أهل البيت (ع) طرحت لأتباعها تصوراتها حول العدل الإلهي وكونه تعالى مع مقدرته لظلم وضرر عباده لكنه لا ينبغي صدور مثل هذه الأفعال منه لأنه العلة التامة لخلقه وكل علة تحب معلولاتها والمحب لا يصدر منه الأذى والظلم وإنما يحتاج إلى الظلم الضعيف والجاهل.

وبهذه التصورات المنسجمة مع النفسية الإنسانية يعيش الأفراد وخصوصا الأبناء الذين تجاوزوا السابعة من العمر والذين فقدوا توا مثلهم الأعلى الذي كان متجسدا في آبائهم يعيشون حالة من الهدوء والطمأنينة والاستقرار حين يرتبطون بالله سبحانه الذي لا يظلم عنده أحد ... إن حسن الظن بالله بأن تتأمل رحمته عند كل مصيبة وفرجة عند كل ضائقة ويسره عند كل مشكلة أكبر علاج للنفسية المتعبة من حالات القلق والاضطراب وحسن الظن بالله تعالى يأتي من الاعتقاد بعدل الله سبحانه وهو من الأصول الأساسية في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).

الإيحاء الذاتي :

ما دامت الشجاعة هي التغلب على المخاوف وليس أن لا نخاف ، فالمخاوف في حياة الأفراد طبيعية لذا يكون من الضروري أن يعترف الآباء بمخاوف الأبناء أولا ومن ثم يغذونه بمفاهيم الشجاعة وكونها حاصلة في مقدار نجاحنا في التغلب على مخاوفنا ، مع الإيحاء إليهم بأن كل فرد قادر في التغلب على الخوف من خلال المدح والثناء في كل خطوة من دون سخرية من مخاوفه مع التأكيد على الوالدين في الاعتراف بخوفه وكونه أمرا طبيعيا.

الاهتمام بتقوية الجسد :

إن الجسم القوي والسليم أقل عرضة للإصابة بانفعالات القلق والاضطراب من الجسم الضعيف لأن الجهاز العصبي للإنسان والذي هو أداة القلق والاضطراب إنما يتغذى ويتقوى ويضعف تبعا لقوة وضعف الجسم ... ولذا اهتم المربي الإسلامي بالعناية بالجسم كما اهتم بالنفس من خلال نظريته ومنهجه ، فالمنهج العبادي الذي ينظم حياة الإنسان الدنيوية كالصلاة مثلا لا تقتصر على حالة المناجاة والكلام مع الله سبحانه بل يسبقها الوضوء الذي هو عبارة عن تنظيف للجسد ... كما وإن من جملة الأحاديث التي وصلت إلينا من المعصومين عليهم السلام نجد أن هناك برنامجا غذائيا للفرد مع التأكيد على تناول مجموعة الثمار والفاكهة والنهي عن جملة منها ، وبالشكل الذي يجد فيه الجسد قوته وحيويته ... كما إن ميل كل إنسان إلى تناول الطعام وبالشكل الذي لا يحتاج فيه الآباء إلى كثرة من الوعي والجهد لدفع الأبناء نحو تناول طعامهم مع الفهم الذي يستفيده الأبناء في أهمية أنواع الفيتامينات المفيدة إلى الجسم من خلال المنهج الدراسي ، جعل الآباء لا يجدون صعوبة تذكر في حمل أولادهم على الاهتمام بتقوية أجسادهم.


 

[1] الرعاية المثالية بالطفل – الدكتورة بنيلوب ليتش -.

[2] المصدر السابق.

[3] سلسلة ماذا أعلم – البلوغ – ص81.