( الفصل الثامن )

التربية الوطنيّة والقياديّة

روي عن النبي ( صلّى الله عليه وأله ) : ( حبّ الوطن من الإيمان ) .

وعن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أنّه قال : ( عُمّرت البلدان بحبّ الأوطان ) .

يتبيّن من هذين القولين و غيرهما مما قيل في الوطن وفي حبّه والتضحية من أجل عزّته وكرامته ، أنّ الإسلام العظيم يولي اهتماماً كبيراً وأساسيّاً للوطن وحبّه والدفاع عنه ، إذ فيه عزّة الفرد المسلم والمجتمع الإسلاميّ ، وبالتالي الدين الإسلاميّ نفسه .

وإنّ التربية الوطنيّة موضوع أساسيّ في تنشئة الشباب وإعدادهم إعداداً صحيحاً سليماً ، يتناسب والدور الذي سيساهمون فيه لبناء مجد الأمّة وعزّتها وكرامتها وسؤددها في المستقبل الزاهر بعونه جلّ وعلا .

في الحقيقة إنّ كلّ أمّة من أمم الأرض إذا أرادت أن تحقّق لنفسها السيادة والقوّة والغلبة ، وأن تجعل ميزان القوى في العالم لصالحها ، فلابدّ لها من الالتزام بأسس معيّنة في تربية مواطنيها ، كيما ينشأوا مخلصين لأمّتهم ، مضحّين في سبيل أهدافها ومثلها وقيمها .

ولو تصفّحنا تاريخ الأمم السحيق لوجدنا حبّ الوطن والدفاع عنه كان من البالغة الأهميّة عندهم .

وممّا لا ريب فيه أنّ الأمّة الإسلاميّة ، منذ عهد الرسول الأكرم ( صلّى الله عليه وآله ) حينما بدأت في سيادة العالم سياسيّاً وعسكريّاً وحضاريّاً ، كانت واحدة من نوادر الأمم التي تمكنّت من تربية أجيالها تربية وطنيّة رصينة صالحة ، ممّا مكّن المسلمين لأن يتحكّموا فترة طويلة وقروناً متطاولة بالميزان الدولي ، وجعله يميل إلى كفّتهم ويصّب في صالحهم ، بل وفي صالح البشريّة جميعاً ، لما في النظام الإسلاميّ من قوانين وأنظمّة وقواعد إنسانيّة شريفة تخدم الصالح العام .

وهذا ما كان سبب تقدّمها في العالم وسيطرتها على بقعة كبيرة منه .

إذ وصلت جيوشها شرقاً إلى بلاد الصين وأخضعوها لسيطرتهم ، وغرباً إلى بلاد المغرب والمحيط الأطلسي ، وشمالاً إلى أواسط روسيا ودول أوربا كآسيا الصغرى واليوغسلاف .

حتّى أنها عبرت أسبانيا والبرتغال وأصبحت على مشارف بلاد الإفرنج ( فرنسا ) ، وجنوباً إلى المحيط الهادي والبحر العربي وأفريقيا .

فكان سبب ذلك الفتح الهائل هو كونها من الأمم الفكريّة المتميّزة بروحيّة عقيدتها وسماويّة تشريعها وأخلاقيّة رسالتها .

فطبيعي أن هكذا أمّة تمتلك كل عناصر القوّة والغلبة أن تكون كذلك ، وحينما يغمر روّادها مواطنيهم بالحبّ والعطف والرعاية والاهتمام والألفة والاحترام .

ففي ذلك تحقيق رضا الله عزَّ وجلَّ ، ونيل الهدف السامي الذي من أجله بعث الإسلام لهداية الناس جميعاً إلى الخير والتوفيق والسعادة .

ويجسّد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) هذا المعنى في رسالته إلى ولده الإمام الحسن المجتبى ( عليه السلام ) مؤكّداً في قوله :

( يا بُنيّ ، أجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرك ، فأحبب لغيرك ما تحبّ لنفسك ، واكره له ما تكره لها ، ولا تظلم كما لا تحبّ أن تظلم ، وأحسن كما تحبّ أن يحسن إليك ، واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك ، وارض من الناس بما ترضاه لهم من نفسك ) .

هذه هي المواطنة الصالحة التي يحدّد إطارها الإمام عليّ ( عليه السلام ) ويحدّد معيارها ، حين يحثّ المسلمين على السعي إلى الإصلاح والوقوف بوجه الظلم والانحراف ، فيقول :

( إنّ من رأى عدواناً يُعمل به ومنكراً يدعى إليه ، فأنكره بقلبه فقد سلم وبرئ ، ومن أنكره بلسانه فقد أُجر ، وهو أفضل من صاحبه ، ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله العليا وكلمة الظالمين السفلى ، فذلك الذي أصاب سبيل الهدى ، وقام على الطريق ، ونوّر في قلبه اليقين ) .

وبقدر ما تجب على الإنسان المسلم المواطنة الصالحة ، فقد تجب عليه أيضاً الدفاع عن حياض دينه الإسلاميّ الحنيف ، والمحافظة على ثغور وطنه الإسلامي العزيز مع أنّ القتال والحرب دمار للإنسان وإزهاق للأرواح واستهلاك للطاقات البشريّة وهدر للقدرات الإنسانيّة .

إلاّ أنّه إذا وصلت الحالة إلى غزو الأوطان والاعتداء على أهلها وإخضاعهم وإذلالهم ، توجّب حين ذاك أن يهبّ أهلها للدفاع عن حياضها وعن كرامتهم وعزّتهم ومقدّساتهم .

و في الحقيقة شتّان بين جيلين من الشباب ، جيل يعيش على الحرب والدماء والخراب والدمار ، ويتّخذها وسيلة للظلم والاستغلال والعدوان واستعباد المستضعفين ، ليشبع نهم نفسه الشريرة ، ويبسط غطرسته وتجبّره عليهم .

وجيل يعيش نظريّة الحبّ والسلام ، والأخوّة والمساواة والعدالة ، ويعتبر الحرب أداة لردّ العدوان ، ووسيلة للدفاع عن الحقّ .

والحمد لله رب العالمين