|
( الفصل الرابع ) التربية الاجتماعيّة والخلقيّة قال الله عزّ وجلّ مادحاً رسوله ( صلّى الله عليه وآله ) : (( وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ))[1] . بل أبعد من هذا فإنّه سبحانه وتعالى يشهد ويقرّر لرسوله الأكرم ( صلّى الله عليه وآله ) : (( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ))[2] . والرسول ( صلّى الله عليه وآله ) أيـّد ذلك بقوله : ( أدّبني ربّي فأحسن تأديبي ) وقال عن نفسه ( صلّى الله عليه وآله ) : ( بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق ) . وبقدر ما يقترن كمال الإنسان وسعادته بحسن خلقه وأدبه ، يقترن انحطاطه وشقاؤه بسوء خلقه وغلظة تعامله ، وقد ورد عن رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) يقول في هذا : ( من ساء خُلقه عذب نفسه ) . فنستكشفّ من هذا الحديث النبويّ الشريف : أنّ هناك رابطة وعلاقة وطيدة بين تكوين الإنسان الداخليّ وبين السعادة أو الشقاء اللذين يكتنفانه . فمثلاً نرى الإنسان الحليم الكاظم لغيظه ومحبّ الخير لغيره كما يحبّه لنفسه ، والذي يحمل في قلبه الحبّ والحنان والعطف والرأفة والشفقة على غيره ، يكون ذلك كلّه مبعثاً لسعادته وبهجته وسروره واطمئنانه . وعلى العكس ، حيث نجد الإنسان الخبيث اللئيم الشرّير الأنانيّ الحقود على غيره يعاني من هذه العقد النفسيّة ، ويؤذي نفسه قبل أن يؤذي غيره ، وقد نسب إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وهو ينصح المؤمن بالصبر وعدم التهوّر في مجابهة أمثال هؤلاء ، قوله : أصبر على مضض الحسودِ **** فإنّ صبرك قاتلــه كالنـار تـأكـل بعـضها **** إن لم تجد ما تأكلـه وبما أنّ الإنسان هو مخلوق مجبول على الحياة الاجتماعيّة ، لذا نجده يميل إلى الاجتماع بالآخرين ، ويحبّ أن يعيش ضمن الجماعة . وقد جاءت الرسالات الإلهيّة المقدّسة كافة ـ والإسلاميّة خاصّة ـ لتبني المجتمع الإيمانيّ من خلال بناء أفراده ، لأن أفرادهم الذين يكوّنون المجتمع ، ويتبادلون مع الآخرين من أبناء مجتمعهم العادات والتقاليد والاعتقادات المختلفة . ونرى الإسلام العزيز يحثّ المسلمين ويشجّعهم على تكوين الروابط الاجتماعيّة البنّاءة . وقد جعل لها أساليب وممارسات لطيفة تؤدّي إلى الألفة والمحبّة بين أبناء المجتمع الإسلامي ، كآداب التحيّة والسلام والمصافحة بين المؤمنين ، وتبادل الزيارات ، وعيادة المرضى ، والمشاركة في تبادل التهاني في الأعياد والمناسبات الدينيّة والاجتماعيّة ، والاهتمام بالجار ، وتسلية أهل المصائب والشدائد ومشاركتهم في عزائهم لو مات منهم أحد ، وغيرها كثير . ووضع لكلّ منها قواعد وأصولاً تدخل السرور على المسلمين ، وتكون لهم عوناً وتهوّن عليهم ما يصيبهم من شرّ وأذى . و نجد الشريعة الإسلامية تؤكد حتّى في العبادات ، على الجانب الاجتماعيّ ، كأداء الصلاة جماعة حيث يؤكد استحبابها ، واجتماع المسلمين لأداء فريضة الحجّ . كما أن الإسلام يسعي إلى تنظيم علاقة الفرد المسلم بأهل بيته وأقاربه وأصدقائه وجيرانه . وقد أوصى رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) المسلمين باحترام الجار ومؤازرته في حالات الفرح والحزن ، واعتباره من الأهل والأقارب ، وورد عنه أنه قال : ( ما زال جبريل يوصيني بالجار ، حتّى ظننتُ أنّه سيورّثه ) . فعلى الوالدين والمربّي والمعلّم تشجيع الأولاد على ممارسة الأفعال والنشاطات التي توطّد العلاقة وتطيّبها بين هؤلاء الأولاد وسائر أبناء مجتمعهم . ويعملون على مراقبتهم وتهذيب أسلوب كلّ ممارسة منها ، ومع من يلتقون ويلعبون ويتجوّلون ويدرسون ، كي لا يحتكّوا بأفراد تسوء تربيتهم فيأخذون منهم ويتعلّمون ما هو مضر وفاسد وقبيح . ومرحلة الشباب ـ سيّما فترة المراهقة منها ـ تعتبر من أكثر مراحل حياة الإنسان شعوراً بالغرور والإعجاب بالنفس ، والاستخفاف بآراء الآخرين من الكبار . وقد حذّر الله سبحانه وتعالى من ذلك عن لسان لقمان بقوله : (( وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ))[3] . لأنّ الغرور يذهب ببعض الأفراد إلى المباهاة على والديهم ، والاستخفاف بهما ، واستخفاف آرائهما ،؛ لما يكونون عليه من وضع اجتماعيّ أو ثقافيّ غير الذي كان عليه أبواهم . فيحذّرهم الجليل جلّت قدرته من ذلك : (( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ))[4] . بل يصل الغرور ببعض الشباب إلى حدّ الاستخفاف بالله سبحانه وتعالى وبالإيمان به وبكتبه وبرسله ( عليهم السلام ) . فَيُنَبِّهُهُم الله عزَّ وجلَّ إلى عظيم خطر ذلك عليهم ، ليثوبوا إلى رشدهم ، ويعودوا إلى ملّتهم ، ويستغفرونه ويتوبون إليه تبارك وتعالى : (( يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ * كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ))[5] . وإنّ الغرور الذي ينتاب بعض الشباب هو من المشاكل العويصة ، ذات الخطورة البالغة على الشابّ نفسه وعلى أهله ومجتمعه . وهو من المشاكل التي إذا لم تدرك وتعالج وتوضع لها الحلول المناسبة ، سوف يحلّ بذلك المجتمع الداهية العظمى والبلاء الشديد . لذا ينبغي على الآباء والمربّين توعية الشباب وتثقيفهم تربويّاً وأخلاقيّاً وعاطفيّاً ، ليجنّبوهم مهابط ومساقط الغرور والإعجاب بالنفس . كما على البيت والمدرسة ووسائل الإعلام والقانون والمراكز أن يقوموا بتوعية الشباب وتفهيمهم بأنّ فعلهم هذا غير صحيح ، وله نتائج سيّئة ووخيمة لهم ولأهلهم وذويهم ومجتمعهم . حتى نتمكن بذلك أن نحصّن شبابنا بدرع واقٍ من مساوئ الممارسات ومفاسد الأخلاق ومنحرفات الأفكار ، ليكون شريحة طيبّة مثمرة نافعة ، تستفيد من الإمكانات المتاحة لديها ، وتعيش بعزّ وكرامة وسعادة ، وتجلب الخير والسعادة والفرح والسرور والبهجة على أهلهم وذويهم ومجتمعهم . وبذلك يكسبون رضاء الله عزَّ وجلَّ ورضاء رسوله ( صلّى الله عليه وآله ) ، فيكسبون خير الدنيا وسعادة الآخرة .
|