|
( الفصل الخامس ) التربية الجنسيّة لقد أولى إسلامنا العظيم مسألة الجنس والممارسات الجنسيّة أهمية كبرى ، واعتبرها من المسائل الأساسيّة في حياة الإنسان ، لما لها من أهميّة بالغة على سلامة الفرد والمجتمع الذي يعيش فيه ، من النواحي الصحيّة والسلوكيّة والأدبيّة والأخلاقيّة . لذلك فقد وضعت الشريعة الإسلاميّة القوانين والمعايير اللازمة لإشباع غريزة الإنسان الجنسيّة ، وتهذيبها وتنظيم أسلوب ممارستها . فترى أنّ جملة من الأحكام الشرعيّة الإسلاميّة تناولت الجنس والحقوق الجنسيّة ، وأحكام الزواج الدائم ، والمؤقّت ( المتعة ) ، وحقوق كلّ من الزوجين ، وأحكام الطلاق وغيرها ، ممّا ينظم مسائل الحياة الجنسيّة والزوجيّة ، لتعالج الظروف والمشاكل التي يعيشها الفرد ويواجهها ، وكيفيّة ممارسته هذا الحق الإنسانيّ الذي منحه الله تبارك وتعالى ، لاستمرار الحياة البشريّة من جهة . ومن جهة أخرى لحفظ النوع والنسل والذريّة ، وليبقى الإنسان في منجىً من الانحراف والانزلاق في هوّة المعاصي والذنوب ، والتلوّث والعدوى من مختلف الأمراض الجنسيّة والتناسليّة كالزهريّ والسفلس وغيرهما . ومن الواجب على الوالدين إفهام أولادهما ـ بنات وبنين ـ فيما يتعلّق بمسألة الجنس والأمور الجنسية ، شيئاً فشيئاً ، كلّ حسب جنسه وما يواجهه مستقبلاً من حالات ترتبط بالأمور الجنسيّة . وذلك كي يكونوا مستعدّين لها ، مثل ظاهرة الطمث ( الحيض ) عند البنات ، وما يصحبها من ظواهر تبدو على أجسادهنّ ، كبروز الثديين وظهور شعر العانة مثلاً . وكذلك تعليمهنّ كيفيّة الاغتسال الواجب عن هذه الظاهرة الأنثويّة ، أمّا بالنسبة للأولاد ( البنين ) فمسألة الاحتلام والجنابة وكيفيّة غسلها ، على أن يتمّ ذلك بأسلوب مهذّب وسليم ، و بحدود الاحتشام والفضيلة . وبهذا تتكوّن لدى أولادنا المعلومات الجنسيّة الكافية للاستعداد لمواجهتها حين ظهورها ، فيهذّب سلوكهم الجنسيّ ، ويتحدّد بحدود الطهارة من الدنس ، والالتزام والتقيّد بما يحفظهم من مختلف الأمراض الجنسيّة والخُلقيّة ، بما يجلب لهم العفّة والشرف والكرامة والنزاهة والسلامة . ونقرأ ما ورد في القرآن الكريم عن أحكام الجنس وتلبية الغريزة الجنسيّة بالزواج الشرعيّ الحلال المباح الذي حلّله الله عزَّ وجلَّ وأباحه لكلا الجنسين قوله تعالى : (( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ))[1] . ثم يتناول القران الكريم مسألة أخرى وحكم آخر يتعلّق بالتعفّف والنزاهة ، إن لم يجد الإنسان نكاحاً من كلا الجنسين : (( وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ))[2] . هذا لمن وجدت من تمتّع نفسها له بالزواج المؤقّت ، أمّا من لم يجد ذلك ، فيأمره الله جلّ وعلا بقوله الكريم : (( وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ))[3] . وقال الإمام علي ( عليه السلام ) ناصحاً الشباب : ( يا معشر الشباب من استطاع منكم ألباه فليتزوّج ، ومن لم يستطع فليدمن الصوم ، فإنّ له رجاء ، فأمر الشباب بالنكاح مع الطول له ، فإنْ لم يجدوا إليه طولاً فليستعففوا عن الفجور بالصيام ، فإنّه يضعف الشهوة ، ويمنع الدواعي إلى النكاح ) . وقال ( عليه السلام ) أيضا عن فلسفة الغريزة الجنسيّة ، وما بني عليها من علامات التحام جنسيّ بين الزوجين ، تتحدّد على ضوئها نظرة كل منهما إلى الآخر : ( إعلم أنّ الله جعل الزوجة سكناً ومستراحاً وأنساً وواقية ، كذلك كل واحد منكم يجب أن يحمد الله على صاحبه ، ويعلم أنّ ذلك نعمة منه عليه ، ووجب أن يحسن صحبة نعمة الله ويكرمها ويرفق بها ، وإن كان حقّك عليها أغلظ ، وطاعتك لها ألزم فيما أحبّت وكرهت ، ما لم تكن معصية ، فإنّ لها حقّ الرحمة والمؤانسة وموضع السكون إليها ، قضاء للذّة التي لا بدّ من قضائها ، وفي ذلك عظيم ولا قوّة إلاّ بالله ) .
|