العادة موهبة إلهية

هل فكرتم بالمعضل العظيم الذي يواجهنا إذا أردنا أن نكرر عملاً لم نعتاده؟

فكل مرة نريد فيها انجاز أحد الأعمال اليومية مثل المشي والكلام تلزمنا نفس الدقة التي استعملناها عند إجرائه في المرة الأولى!

هل بمستطاعنا أن نحيا في مثل هذه الصورة؟

كلا: الحياة في مثل هذه الصورة غير ممكنة، لماذا؟

لأننا نصبح ملزمين لصرف كل أوقاتنا وفكرنا وحواسنا في بعض "الأعمال البسيطة"، (وإذا نقول بسيطة فلكونها أصبحت عادة وإلاّ فإنها ليست بسيطة في البداية).

فمثلاً: هل التحدث عمل بسيط؟ ومن الطبيعي يكون الجواب، كلا.

لأنّ الإنسان يكون مجبوراً بأن يتفوه بـ (أثنين وثلاثين صوتاً)، (32 حرفاً) بواسطة قطعة لحم صغيرة تسمى باللّسان، هذا من ناحية.

أما من ناحية أخرى فيجب عليه أن يرتّب هذه الحروف بدقة ويصنع منها كلمات موزونة، ومع ترتيب هذه الكلمات طبق طريقة منظمّة خاصة "الاسم والفعل والحرف كل بمكانه) يصنع جملاً، وبوسيلة هذه الجمل مضافاً إليها حركات يده وعينه وأمثالها يفهم السامع مقاصده وأغراضه.

من المسلم أن هذا العمل عمل معقد ومشكل، لذا من الملاحظ أن الطفل عند بداية نطقه أو أن الشخص الذي يتعلم لغة أجنبية يجب أن يفكر ويدقق كثيراً حتى يؤدي جملة بسيطة ـ عندما يريد التحدث ـ وبأي صورة؟ بصورة ناقصة إذا كان لساننا ـ أو بعبارة أصح ـ فكرنا لا يعتاد على عمل ما بتكراره، فعند التحدث مثلاً نحن دائماً نملك حالة ذلك الطفل أو ذلك الشخص المتعلم، وانجاز عمل واحد فقط ـ الكتابة مثلاً مثل طلاب الصف الأول الابتدائي يسبب لنا هماً كبيراً وعذاباً أليماً حيث نضحي بأكثر أوقاتنا في سبيله مضافاً إلى إنهاك حواسنا، فمتى إذن نستطيع أن نواصل بقية الأعمال.

نحن نتكلم وبغير مشقة وتكلف، وربما نتكلم في النوم أحياناً (حتى قيل أن بعض الخطباء الماهرين استطاعوا أن يناموا لبضع دقائق أثناء خطبتهم، ومع ذلك استمروا على خطبتهم المثيرة!) كل هذا ببركة خالق أجسامنا وأرواحنا، خلقنا بشكل، على خلاف عجلات الآلة ـ بحيث نعتاد على العمل بتكراره، يعني أننا ننجزه في كل مرة بصورة أسهل من الأولى وبمهارة أكثر ومطالعة وفكر أقل.

من الممكن أن يكون هذا الموضوع في نظر البعض بسيطاً ولكنه في الحقيقة من عجائب خلقة الإنسان وسائر الحيوانات.

نعم العادة موهبة إلهية عظيمة ولولاها لم يكن اليوم لهذا التقدم العلمي، ولهؤلاء الصناع المهرة، والجراحين الحاذقين والفنانين العباقرة والأساتذة الأساطين أثر يذكر، ولكانت حياتنا حياة أطفال أو عمّال جدد ولانعدم مفهوم المهارة في كل المواضيع.