مقدمة

منح الله تعالى الإنسان كل مقومات الكمال والتقدم، لتتجلى من خلاله عظمة خالقه، وليؤدي الدور المناط به في الحياة، كخليفة لله، ومسؤول عن عمارة الأرض.

وهبه قوة إدراك وتفكير، يعرف بها أنظمة الكون وقوانين الوجود، ويكتشف كنوز الطبيعة وإمكانات الحركة والفعل.

وذلل له مناكب الأرض، وفتح أمامه آفاق السماء، وأخضع له الأفلاك والأملاك الذين خروا له سجداً، استجابة لأمره تعالى : ( فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين )[1] ، وزوده بلياقة جسمية رائعة، تجتمع فيها قدرات الحواس والأعضاء، مع جمال المنظر وبديع الشكل.

وقد عبر القرآن الكريم عن كل هذا التميز الإنساني بقوله تعالى ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم )[2] ، فلو كان هناك مواصفات أرقى، ومقومات أعلى، لما ادّخرها الله تعالى لموجود آخر غير الإنسان، فهو أفضل تعبير، وأحسن مثل عن عظمة الخالق وقدرته.

لكن مشكلة هذا الإنسان تكمن في غفلته عن مقومات كماله، وإهماله لنقاط قوة وجوده، مما يفقده التمتع بميزات موقعيته العالية الرفيعة، وينحدر به إلى قاع الضعف والهوان. ليصبح مصداقاً لقوله تعالى : ( ثم رددناه أسفل سافلين )[3].

وبين الارتقاء إلى موقعية أحسن تقويم، والانحطاط الى قعر أسفل سافلين، هناك مضمار سباق، ومعترك صراع، وميدان سعي وكفاح، تتفاوت فيه درجات الصعود ودركات الهبوط.

إننا نقرأ في سجلات التاريخ، ونرى في الواقع المعاصر، تفاوت الدرجات بين بني البشر، كأفراد ومجتمعات، فهناك العظماء المبدعون، ممن أحرزوا التقدم في مجالات الكمال المختلفة، معنوية مادية، وهناك البسطاء المتخلفون، الذين يظلون يراوحون مكانهم، دون خطوة تقدم، أو إنجاز يذكر.

وسر التفاوت بين الناس مخبوء في أعماقهم، نابع من دواخلهم، يتمثل في إرادة التفكير وعزيمة الفعل، فواقع الإنسان يصنعه قراره وإرادته يقول تعالى : ( لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر * كل نفس بما كسبت رهينة )[4] ، صحيح أن للظروف الخارجية والعوامل المحيطة بالإنسان، تأثيراً على حاله وواقعه، لكنه تأثير محدود، لا يلغي مسؤولية الإنسان، ولا يجرده من إرادته وقدرته على التحدي والمقاومة.

وأهم ما يحتاجه الإنسان هو توجهه لذاته، واستكشافه لمواهبه، وسعيه لتفعيل طاقاته، وإشهاره لسلاح إرادته في مواجهة العوائق والتحديات.

إنه المسؤول عن تخلفه، وبيده مفاتيح تقدمه، فرداً ومجتمعاً.

وهذه الصفحات المتواضعة بين يدي القارئ الكريم، تضم مجموعة من المقالات التربوية، الهادفة إلى توجيه الإنسان لذاته، لتنمية قدراتها، ومعالجة ثغراتها، حتى يبني شخصيته الكفوءة الجديرة بالتقدم في آفاق الكمال.

إنها رؤى ومعالجات في بناء الشخصية وتنمية الذات،وفي منهجية التعامل مع مشاكل الحياة وتحدياتها، أرجو أن تكون لي موعظة وذكرى، وأن يجد فيها الآخرون هدى ورشاد. والله خير موفق ومعين.

 

                                                                                              حسن الصفار

                                                                                            12/5/1424هـ‍‍

 


 

[1] سورة الحجر: الآية 29.

[2] سورة التين: الآية 4.

[3] سورة التين: الآية 5.

[4] سورة المدثر: الآيتان 37-38