الفصل الأول

في بناء الشخصية

التعبير عن الذات وتوكيد الشخصية

يصنف علماء النفس أنماط الشخصية الإنسانية إلى ثلاثة أصناف:

1- الشخصية الانطوائية.

2- الشخصية النرجسية.

3- الشخصية التوكيدية.

أولاً- الشخصية الانطوائية:

والانطوائية صفة تطلق في علم النفس، على وجود الرغبة والميل للانعزال والانطواء عن الآخرين، بحيث يتركز انتباه الفرد إلى ذاته وداخله، ويعزف عن التفاعل مع بيئته الاجتماعية، وهي حالة غير صحية، تحصل بسبب الاستغراق المبالغ فيه ببعض الهموم والمشاكل الذاتية، والانطواء يفاقم هذه الحالة ويضاعفها، مما يهدد بالإصابة بالوساوس ـ مثلاًـ والاضطرابات النفسجسمية. وقد يكون الميل للعزلة والانطواء ناشئاً من الشعور بضعف الثقة في النجاح والتعاطي مع الآخرين.

إن انفتاح الإنسان على الآخرين وعلاقاته معهم، يساعده كثيراً في تجاوز بعض المشاكل الداخلية التي يعاني منها، بخروجه من دائرة الاستغراق فيها، والتخفيف من ضغوطها. كما تتطور بذلك قدرات الإنسان ومواهبه، ويجد من خلالها السبل والوسائل لمعالجة المشاكل، وتوفير المتطلبات.

والانطوائية لها درجات متفاوتة، أدناها أن يقتصر انفتاح الإنسان على دائرة اجتماعية خاصة، كأقربائه أو أبناء محلته، بينما يتردد ويتهرب عن العلاقة مع غيرهم.

وقد تصاب بعض الجماعات بحالة انطواء تجاه الجماعات الأخرى، فيغلب على أبنائها الميل للعزلة، والابتعاد عن الآخر المختلف دينياً أو عرقياً، فيتقوقعون ضمن مناطق خاصة بهم، وتقتصر صداقاتهم وعلاقاتهم مع أفراد مجتمعهم، ويعزفون عن التعامل والتعاطي خارج إطارهم.

ويرى أحدهم نفسه غريباً خارج منطقته وإن كان ضمن الوطن الواحد، فيكون بقاؤه في المناطق الأخرى بحدود الحاجة والاضطرار، وقد يفوّت على نفسه فرصاً للتقدم الوظيفي، أو النمو الاقتصادي، إذا كان ذلك في غير منطقته، وقلّ أن يبادر المقيمون منهم في مناطق أخرى إلى تكوين علاقات وصداقات مع البيئة الاجتماعية فيها، بل يشكلون لهم تجمعهم الخاص، مما يكرس لديهم حالة الانطواء والانغلاق.

وحتى على مستوى الجامعات والمؤسسات العامة، يميل هؤلاء إلى العلاقة مع بعضهم فقط.

بالطبع لا تصاب جماعة بهذه الحالة إلاّ نتيجة عوامل وأسباب، من أبرزها اضطراب العلاقة بينها وبين جماعات أخرى أكثر قوة، فيدفعها الإحساس بالضعف، والحفاظ على الهوية، إلى اللجوء لحالة الانطواء والانغلاق، ثم تنشأ ثقافة تكرّس ذلك الواقع، عبر تشريعات دينية، وأعراف وتقاليد اجتماعية.

إنها حالة غير سويّة على مستوى الفرد والجماعة، تنتج خللاً داخلياً، وتعرقل النمو، وتمنع فرص التقدم، فلا بد من معالجة أسبابها، والسعي لتجاوزها.

ثانياً- الشخصية النرجسية:

المبالغة في حب الذات، قد تدفع صاحبها لبعض السلوكيات المجحفة بحقوق الآخرين، كالاستئثار عليهم، وإبراز شخصيته بطريقة مميزة، على حساب شخصياتهم، وتضخيم قدراته ودوره، والرغبة في إظهار تفوقه، حيث يطربه تمجيد ذاته، وينتشي بمدح الآخرين له، ويتوقع من الآخرين أن يتعاملوا معه باعتباره متميزاً، ويتحسّس تجاه من لا يبدي نحوه اهتماماً خاصاً.

بل قد يزعجه ظهور الآخرين وتقدمهم، ويثير في نفسه الغيرة والحسد، ويحاول التقليل من شأنهم، حتى لا يبدون في مستوى المنافسة والمزاحمة لموقعيته ومكانته.

ويرفض هذا النوع من الأشخاص أي نقد أو ملاحظة، ويعتبر ذلك تجريحاً وانتقاصاً من مقامه.

يطلق علماء النفس على هذه الشخصية مسمى (النرجسية). وعادة ما تكون هذه الشخصية ثقيلة الظل على الآخرين، وتواجه صاحبها كثير من التوترات في علاقاته الاجتماعية، ترتد على نفسيته بالآلام والجراحات.

وكما على مستوى الأفراد، كذلك على مستوى الجماعات، فقد تصاب بعضها بمثل هذه الحالة، حين تسود أجواءها مشاعر التفوق والتعالي على سائر الجماعات في محيطها، لانتماء عرقي أو ديني أو قبلي، وما قد تنطوي عليه وتدفع إليه هذه المشاعر، من مواقف وممارسات سلبية تجاه الآخرين.

إن الذات النرجسية الجماعية تعشش في ظلها الثغرات، ونقاط الضعف، نتيجة الرضا عن الذات، ورفض النقد واعتباره عدواناً من الآخر، كما تفسد أرضية التعايش والانسجام بين الجماعة والجماعات الأخرى، وقد تؤسس لحالة من القطيعة والاحتراب.

ويعكس أدب الحماسة والفخر في العصر الجاهلي، صوراً عن هذه الذات النرجسية، كقصيدة عمرو بن كلثوم التي تحكي مشاعر قبيلته تغلب، وفيها يقول:

                         ألا لا يجهـلـن أحـد علينـا        فنجهل فـوق جهل الجاهلينا
                         لنـا الدنيـا ومن أمسى عليها        ونبطش حين نبطش قادرينا
                         مـلأنـا البر حتى ضـاق عنا        ومـاء البحـر نملؤه سفينا
                         إذا بـلـغ الرضيـع لنا فطاماً         تخـر له الجبابرة ساجدينا
                         ونشرب إن وردنا الماء صفواً         ويشـرب غيرنا كدراً وطينا

ونجد في مرويات بعض الطوائف الإسلامية، ما يغذي الروح النرجسية بين أبنائها، حيث توحي لهم بأن مجرد انتمائهم المذهبي كافٍ لأفضليتهم على الآخرين، وضمان الجنة لهم دون غيرهم، وإن قل عملهم الصالح أو سلكوا طريق المعاصي، بينما يقول الله تعالى : (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ)[1].

ثالثاً- الشخصية التوكيدية:

يعتبر مفهوم التوكيدية من المفاهيم الحديثة في مجال علم النفس، ويمكن أن نستخلص من أبحاث العلماء المختصين التعريف التالي: توكيد الذات يعني شعور الفرد بالثقة بنفسه، وسعيه للتعبير عن ذاته في الوسط الذي يعيش فيه، والعمل على حماية مصالحه وحقوقه.

إن الثقة بالنفس هي مفتاح تفجير المواهب والكفاءات، وبدونها تبقى قدرات الإنسان كامنة مشلولة، حيث ينطوي كل إنسان على قدرات هائلة، لكنه لا يلتفت إليها، أو يشك في وجودها، ويتردد في استخدامها، بسبب ضعف الثقة بالنفس.

كما أن نجاح الإنسان في بناء علاقات سليمة متكافئة مع الآخرين، يعتمد على ثقته بنفسه.

والهروب عن التعامل مع الآخرين، أو الخوف من الارتباط بهم، أو الفشل في إدارة العلاقة معهم، أو انسحاق الشخصية أمامهم، كل ذلك من مظاهر وأعراض ضعف الثقة بالنفس.

وحينما يواجه الإنسان مصاعب الحياة ومشاكلها في الميادين المختلفة، فإن أهم سلاح يتكئ عليه في المواجهة، هو الثقة بالنفس، وبمقدار توفرها تكون درجة صموده ومقاومته.

من هنا تصبح الثقة بالنفس أولى ركائز الشخصية التوكيدية.

أما الركيزة الثانية فهي التعبير عن الذات بأن يمتلك شجاعة الإفصاح عن مشاعره السلبية والإيجابية، بالطريقة المناسبة، وعند انخفاض مستوى التوكيدية يتردد الإنسان ويتهيب من إبداء مشاعره، بسبب حالة من الخوف أو الخجل.. إن البعض من الناس يصعب عليه التعبير عن رضاه أو انزعاجه تجاه الآخرين، بينما يعيش احتقاناً داخلياً بتلك الأحاسيس والمشاعر، والأمر الأهم هو شجاعة إبداء الرأي التي يفتقدها ضعاف الشخصية، بينما يتحلى بها ذوو الشخصية التوكيدية.

والركيزة الثالثة في التوكيدية، السعي لحماية الحقوق والمصالح، والتي قد تتعرض للمصادرة والانتقاص من قبل المعتدين والطامعين، ولا يصونها ويحفظها إلا حرص الإنسان عليها ودفاعه عنها.

التعبير عن المشاعر:

المشاعر والأحاسيس هي انعكاس صور الأحداث والأشخاص على لوحة نفس الإنسان، حيث يواجه ما يسره وما يحزنه، ومن يرتاح إليه ومن يزعجه، وما يرضيه وما يغضبه.

هذه الانطباعات تترجمها المشاعر والأحاسيس، والتي تظهر على قسمات وجه الإنسان، وعبر أحاديثه وكلامه.

وفي الحالة السوّية يفصح الإنسان عن مشاعره تجاه الأشياء والأحداث، مما يجعله أكثر حيوية وتفاعلاً مع الحياة، ويجدد نشاطه النفسي والعاطفي، وينظّم علاقته بما حوله.

وقد يكبت الإنسان مشاعره ويقمعها، مما يحدث له إيذاءً نفسياً، ويضعف تفاعله مع الواقع المحيط به، وبمرور الزمن يصاب بتبّلد الأحاسيس وجفاف المشاعر.

ولعل من معاني قسوة القلب الذي تحذر منه النصوص الدينية، هو كسل مستوى الأداء العاطفي، وجمود المشاعر والأحاسيس الإنسانية، فقد روي عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قوله: ( إن أبعد الناس من الله القلب القاسي )[2]. إن التفاعل العاطفي هو ميزة إنسانية يختلف بها عن الجمادات التي لا مشاعر لها، فإذا تجمدّت مشاعر الإنسان، تساوى مع الجمادات، يقول تعالى : (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً)[3].

لذلك من المحبّذ أن يعبر الإنسان للآخرين عن مشاعره الإيجابية تجاههم، مما ينشّط أداءه العاطفي، ويسعد الآخرين، ويقوي علاقته بهم.

جاء في الحديث عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أنه قال: ( من قبّل ولده كتب الله له حسنة، ومن فرّحه فرّحه الله يوم القيامة )[4].

وفي العلاقة مع الزوجة ورد عنه ( صلى الله عليه وآله ): ( قول الرجل لزوجته إني أحبك لا يذهب من قلبها أبداً )[5].

وفي العلاقة مع الآخرين روي عنه ( صلى الله عليه وآله ): ( إذا أحب أحدكم صاحبه أو أخاه فليعلمه، فإنه أبقى في الألفة وأثبت في المودة )[6].

ويأتي في هذا السياق الحث على إبداء الشكر والاحترام للمحسنين: جاء في الحديث عنه ( صلى الله عليه وآله ) : ( لا يشكر الله من لا يشكر الناس )[7].

وعند وفاة ابنه إبراهيم عبر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عن مشاعر حزنه أمام المسلمين وقال : ( إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون )[8].

فإبداء المشاعر له وظيفة إيجابية في حياة الإنسان، وكبتها وقمعها حالة غير سويّة لها مضاعفات سلبية، وقد تفرض الظروف الخارجية على الإنسان ذلك، لكن البعض من الناس يمنعهم من إبداء أحاسيسهم، انخفاض المستوى التوكيدي في شخصياتهم، وضعف ثقتهم بذواتهم، وهذا ما ينبغي أن يعالج بالتثقيف والتوجيه والممارسة العملية.

التعبير عن الرأي:

حركة فكر الإنسان، وتأمله فيما حوله، وخلفيته المعلوماتية، تنتج لديه أراء وأفكاراً، فيها ما يكون صائباً مفيداً، وفيها ما يخالف الصواب، ويفتقد النضج.

وتطور ساحة المعرفة الإنسانية إنما يكون بتداول الآراء وتلاقحها، ولو انطوى كل إنسان على رأيه وفكرته، لما تقدمت حياة البشر خطوة واحدة في أي ميدان من الميادين.

لذلك يمتن الله تعالى على الإنسان بمنحه القدرة على البيان والتعبير يقول تعالى : (خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)[9].

إن التعبير عن الرأي ينشّط حركة الفكر عند الإنسان، ويشجعه على المزيد من العطاء، يقول الإمام علي ( عليه السلام ): ( العلم يزكو على الإنفاق )[10]. كما يساعد في بلورة الرأي وإنضاجه، وتبيّن موقعه من الصحة والخطأ. ويشكل إسهاماً وإثراءً لساحة المعرفة. وتقويماً للأوضاع الاجتماعية.

وقد أصبح التعبير عن الرأي من أهم مقاييس تقدم المجتمعات، حيث تعاني المجتمعات المتخلفة قيوداً على حرية التعبير عن الرأي، ويهمنا في هذا البحث ما يرتبط بالجانب الذاتي، حيث يمارس الإنسان على نفسه قمعاً ذاتياً، ويصادر حقه في التعبير عن رأيه، حذراً من مخاوف وهمية، وانتقاصاً من قدراته، وتشكيكاً في قيمة آرائه.

ويحدث مثلاً أن تُتداول الآراء في شأن من الشؤون، ويبدو للإنسان فيه رأي، لكنه يتردد في طرحه، حتى إذا طرحه آخرون، وأستحسنه الجميع، لام نفسه على تردده وتوقفه عن إبداء رأيه.

التربية التوكيدية:

التنشئة الأسرية لها الدور الأساس في صياغة شخصية الإنسان، وتحديد معالمها وتوجهاتها، لذلك يلحظ علماء النفس تأثير دور التربية العائلية على مستوى توكيد الذات، ارتفاعاً وانخفاضاً.

فالتنشئة السليمة يتخرج منها أقوياء الشخصية، من تتوفر لهم درجة عالية من التوكيدية، بينما التربية الخاطئة تنتج عناصر مهزوزة الشخصية، تفتقد الثقة بذاتها، وقدرة التوكيد.

إن احترام الطفل وتشجيعه على التعبير عن مشاعره وآرائه، وتدريبه على مواجهة المواقف، وعدم الهروب منها، والتواري خلف مساعدة والديه دائماً، هو الذي ينمي توكيد الذات وقوة الشخصية عنده.

أما تحقير الطفل وعدم الاعتناء بمشاعره وآرائه، وتعويده الاتكالية على والديه في مواجهة المشاكل، فذلك ما يضعف شخصيته، ويخفض درجة التوكيدية لديه.

لذلك تنصح التعاليم الدينية، وأبحاث علماء التربية، بإتاحة الفرصة للطفل لكي يعبر عن ذاته من خلال اللعب والمرح، فقد ورد عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أنه قال: ( من كان عنده صبيٍّ فليتصاب له )[11].

وكذلك تشجيعه على التعبير عن رأيه في الأمور الخاصة بالأسرة، كوجبات الغذاء، وأثاث المنزل، ورحلات السفر. وإثارة القضايا الاجتماعية والسياسة أمامه، وطلب رأيه فيها.

ويجري الآن في بعض دول العالم الديمقراطية استضافة مجاميع من طلاب المدارس الصغار، إلى مبنى البرلمان، في بعض الأيام، وعقد جلسة برلمانية خاصة بهم، لمناقشة قضايا محددة، وتدريبهم على التصويت وإبداء الرأي.

وفيما يرتبط بمواجهة المواقف ينصح علماء التربية، بتدريب الطفل على تحمّل المسؤولية عن أقواله وأفعاله، فإذا طلب من أمه ـ مثلاً ـ أن تخبر صديقاً يريد محادثته تليفونياً أنه نائم، لأنه لا يريد الذهاب معه لبرنامج ما، فعليها أن ترفض ذلك، وتوضح له بأن عليه مواجهة صديقه بعدم رغبته والاعتذار إليه، بدلاً من التهرب منه والاحتماء بها.

وحين تعود الابنة باكية من المدرسة لأن أحد الشباب ضايقها في الطريق، وتقرر عدم الذهاب للمدرسة، أو الذهاب برفقة أخيها، فمن الأفضل رفع معنوياتها، وإشعارها بأنها قادرة بنفسها على ردع هذا الشاب، بتهديده بإبلاغ الشرطة، وتحريض المارة لإيقافه عند حدّه وفضحه أمام الناس.

وكذلك حين يحصل نزاع بين الابن وبعض زملائه في المدرسة، فلا ينبغي للأب أن يسارع إلى التدخل للدفاع عن الابن والانتصار له، بل عليه أن يرشده إلى أفضل الطرق لمواجهة المشكلة بنفسه.

وهكذا فالمنهج الصحيح تدريب الولد على تحمل المسؤولية، والدفاع عن حقوقه ومصالحه، إلا في المواقف التي تستدعي التدخل.

نحو ثقافة توكيدية:

وبعد العائلة يأتي دور المحيط الاجتماعي والثقافة السائدة فيه، فقد تكون قائمة على أساس احترام الفرد، والاعتراف بحقه في التعبير عن ذاته، وتشجيعه على إبراز كفاءته ورأيه، وهنا يكون المحيط الاجتماعي مساعداً على تنمية الذات، ورفع درجة توكيديتها.

على العكس من ذلك إذا سادت أجواء الإرهاب والقمع الفكري، والتقليل من شأن الفرد إلى حد الذوبان والانسحاق، ليصبح أمّعة طبقاً لشعار (حشر مع الناس عيد) وكما يقول تعالى : (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ)[12].

ففي مثل هذا المحيط ينخفض مستوى التوكيدية عند الفرد، مما يجعله سهل الانقياد مع أي تيار جارف، ولقمة سائغة لكل قوي معتدي.

إن تعاليم الإسلام تربي الإنسان على أساس المسؤولية، فهو محاسب أمام الله تعالى عن أفعاله وأقواله، لأنه شخصية مستقلة، (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِين)[13].

ولا يُقبل منه أبداً التنازل عن عقله وإرادته انبهاراً بالآخرين وخضوعاً لهم، حيث يرفض الله تعالى الاعتذار بذلك يوم القيامة (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا)[14].

وفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إنما تعني واجب كل مسلم في الاعتراض على الخطأ، وعدم ممالأة الانحراف والفساد، من أي جهة كان، (فالساكت عن الحق شيطان أخرس).

لكن التوكيدية والتعبير عن الذات والرأي، لا تعني التهور والصدامية، ولا الانطلاق مع الأهواء والرغبات، دون ضوابط والتزامات، إن ذلك يقود إلى الفوضى والفساد.

حيث وهب الله تعالى الإنسان عقلاً يشكل مرجعية لسلوكه وممارساته، والتوكيدية منهج وسلوك في ظل هدي العقل ونوره.

من هنا يحتاج الإنسان إلى الحكمة واللباقة ليعبّر عن ذاته، ويحمي مصالحه وحقوقه، بالأسلوب الصحيح المناسب، وإلاّ فقد يجلب لنفسه الشقاء، ويسيء إلى علاقاته مع الآخرين.

والقصة التالية من تراثنا العربي نموذج لموقف توكيدي رائع، تمثل الجرأة في التعبير عن الرأي، واللباقة في تجنب الخطر:

يحكى أن الحجاج خرج يوماً متنزهاً فلما فرغ من نزهته صرف عنه أصحابه، وأنفرد بنفسه، فإذا هو بشيخ من بني عِجْل فقال له: من أين أيُّها الشيخ؟ قال: من هذه القرية. قال كيف ترون عمّالكم؟ قال: شرَّ عمال، يظلمون الناس، ويستحلون أموالهم. قال: فكيف قولك في الحجاج؟ قال: ذاك ما وَلِيَ العراق شرُّ منه، قبَّحه الله، وقبح من استعمله. قال: أتعرف من أنا؟ قال: لا. قال: أنا الحجاج. قال: جعلت فداك، أو تعرف من أنا؟ قال: لا، قال: أنا فلان بن فلان من بني عِجْل، أُصرعُ في كل يوم مرتين - أي أصاب بالجنون - قال: فضحك الحجاج منه وأمر له بصلة[15].

المبادرة واستباق الخيرات

تمتلئ الحياة بفرص الخير ومجالات التقدم، ويمتلك كل إنسان من القدرات والاستعدادات ما يؤهله لاقتناص تلك الفرص، وارتياد تلك المجالات، لكن الناس يتفاوتون في الانتباه لها والمبادرة نحوها.

فهناك من يدّرب نفسه على التركيز في النظر، وإمعان الفكر، ودقة الملاحظة، في أي ميدان من الميادين التي تحيط به، في العلم أو العمل، أو السياسة أو التجارة، أو ما أشبه، فيلمح الفرصة من بعيد، ويلتقط الإشارات، ويستقرأ الأوضاع والأشخاص.

وهناك البسيط المسترسل في حياته وأموره، الذي لا يرهق نفسه بتفكير أو تحليل، ولا يتجاوز في نظراته السطح أو الظاهر، فتمر عليه الفرص، وتتاح له المجالات، وهو غافل ساه، كأنه لا يبصرها ولا يدركها.

كما أن من يلتفتون إلى الفرص ويدركونها يختلفون ويتفاوتون في مستوى الفاعلية والإقدام، لأخذ زمام المبادرة، والتوثب نحو أعمال الخير.

ذلك أن الكثيرين ترد على أذهانهم أفكار جيدة، وتتوافر لهم ظروف مناسبة للإنجاز والتقدم، لكن عوائق نفسية، تقعد بهم عن الاندفاع والمبادرة، بينما يفوز بها الشجعان المبادرون.

فالمبادرة هي عنوان النجاح، وهي طريق التقدم، وسلاح اغتنام الفرص، واستثمار الظروف، والفرد المبادر يحقق الإنجازات، ويحظى بالمكاسب. وكذلك المجتمع الذي يتحلى بهذه الصفة، فإنه يتمتع بالحيوية، ويطوّر واقعه إلى الأفضل بشكل دائم مستمر.

 في القرآن الكريم:

ولأهمية هذه الصفة في حياة الفرد والمجتمع، تحدث عنها القرآن الكريم في آيات عديدة، وبأكثر من تعبير. فقد ورد الحديث عن المبادرة في بعض الآيات بلفظ المسارعة.

يقول تعالى : (وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ)[16] .

ويقول تعالى : (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ)[17].

ويقول تعالى : (سَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ )[18].

والمسارعة في اللغة مصدر قولنا: سارع فلان إلى كذا، مأخوذ من مادة (س ر ع) التي تدل على خلاف البطء وسارع بمعنى أسرع يقال ذلك للواحد وللجميع سارعوا. والمسارعة إلى الشيء المبادرة إليه[19].

ونلحظ في الآيات الكريمة توجيه الخطاب إلى الجمع وليس إلى الفرد فقط، لأن المطلوب أن تكون هذه الصفة سمة للمجتمع كله في مسيرته ومواقفه، كما أن بعض الآيات استخدمت تعبير المسارعة في الخيرات، بدل المسارعة إلى الخيرات، لتعطي إيحاءً بعمق حالة المبادرة داخل المجتمع، فالجميع في إطار الخير، لكن هناك من يضاعف سيره ونشاطه، لأن المسارعة إلى الشيء تكون من خارجه، بينما المسارعة في الشيء تكون من داخله.

يقول ابن عاشور: في للظرفية المجازية، وهي تخييلية تؤذن بتشبيه الخيرات بطريق يسير فيه السائرون، ولهؤلاء مزيّة السرعة في قطعه[20].

وتحدثت آيات أخرى عن السبق والمسابقة واستباق الخيرات، يقول تعالى : (اسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ)[21]  ويقول تعالى : (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ)[22] ويقول تعالى : (السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ)[23].

والسبق: القُدْمة في الجري وفي كل شيء. وتقول العرب للذي يسبق من الخيل: سابق وسبوق.وأسبَقَ القوم إلى الأمر وتسابقوا: أي بادروا ومنه قولـه تعالى (َاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ ) أي بادروا إليها. وقولـه عز وجل : (اسُتَبَقَا الْبَابَ ) معناه ابتدرا الباب يجتهد كل واحد منهما أن يسبق صاحبه[24] .

هذه الألفاظ الثلاثة، المسارعة والمسابقة والمبادرة، متقاربة المعنى إلى حد كبير، ومع أن بينها فروقاً في الاستعمال في كثير من السياقات، إلا أن بينها ما يسميه بعض اللغويين بالترادف الجزئي، ويراد به أن يستعمل اللفظان أو الألفاظ استعمالاً واحداً في بعض السياقات دون بعضها الآخر. وهذه الألفاظ الثلاثة من هذا القبيل، فهي عند الاقتران بالخيرات أو العمل الصالح يكون لها المعنى نفسه، وقد كثر لفظ ( المبادرة ) في الحديث الشريف، ولفظ المسارعة في القرآن الكريم، أما المسابقة فقد وردت فيهما على سواء[25].

 الأوائل:

المبادرة تجعل الإنسان رائداً يقتحم مجالات لم يسبقه إليها غيره، وتدفعه إلى تحقيق إنجازات لم يتوفق لها أحد قبله، فيكون قد شق طريقاً جديداً، وفتح أفقاً آخر أمام أبناء مجتمعه وجنسه، والذين سيسلكون نفس الطريق بعد أن مهدّه لهم، واكتشفه قبلهم، فيبقى هو الأول والمتقدم والسابق. بالطبع فإن الارتياد والاقتحام لميدان جديد، ولطريق لم يسلك، لا يقوم به إلا كفؤ شجاع. لذلك يستحق الأوائل السابقون في ساحات الخير كل تقدير وإكبار. فقد أشاد القرآن الكريم بالأوائل السابقين إلى الدين والحق يقول تعالى (السَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ )[26].

وفي أكثر من آية كريمة يشجع القرآن الإنسان، أن يتطلع إلى أن يكون الأول في طريق الخير والصلاح، وذلك لا يتم إلا بامتلاك روح المبادرة يقول تعالى(قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ )[27]  ويقول تعالى: (أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ )[28] ويقول تعالى (سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ )[29] .والأول هو ابتداء الشيء[30] .

ونجد في حضارتنا العربية الإسلامية اهتماماً وعناية بمفهوم الأولّية، حيث خصصوا بداية كل شيء وأوله باسم وعنوان خاص، لتمييزه وابرازه، فأول النهار صبح، وأول الليل غسق، وأول المطر وسمي، وأول العصير سُّلاف، وأول مولود لأبويه بكر، وأول كل شيء باكورة، وأول الجيش طليعة.. وهكذا.

بل شهد نهاية العصر العباسي الأول ولادة فن جديد من فنون التاريخ على يد أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الله المدائني المتوفى (225هـ‍/841م) أسموه (علم الأوائل). وعرف القلقشندي هذا العلم في كتابه (صبح الأعشى) بقوله: (هي معرفة مبادئ الأمور المهمةn. أما حاجي خليفة فقد قال عن علم الأوائل في كتابه (كشف الظنون) ما يلي: )هو علم يتعرف منه أوائل الوقائع والحوادث بحسب المواطن والنسب. وموضوعه وغايته ظاهرة. وهذا العلم من فروع التواريخ والمحاضراتn.

وهكذا كان الاهتمام بالتعرف على الرواد الأوائل وتعريفهم، وعلى بدايات ظهور الأشياء والحوادث على أيديهم. فظهرت مؤلفات كثيرة حول هذا الموضوع، منها ما طبع ومنها ما هو مخطوط. منها كتاب (الأوائل) لأبي هلال الحسن بن عبد الله العسكري المتوفى سنة (395هـ‍‍/1005م) والذي طبع أكثر من مرة. وكتاب (الوسائل إلى معرفة الأوائل) لجلال الدين السيوطي المتوفى سنة (911هـ‍/1506م) وهو مطبوع أيضاً، وتنوف الكتب المخطوطة حول الأوائل على ثلاثة عشر كتاباً[31].

 شخصية المبادر:

هناك عناصر وعوامل تخلق روح المبادرة في شخصية الإنسان ومن أهمها ما يلي:

1) الوعي والمعرفة:

بمقدار معرفة الإنسان ومتابعته لأي مجال من المجالات، يستكشف الفرص فيه، وتتضح له الإمكانيات ضمنه، وذلك أول شرط من شروط المبادرة، فالجاهل بالأوضاع الاقتصادية، ومن لا يتابع حركتها وتطوراتها، لا تخطر بباله فرص الاستثمار، ولا يدرك مواقع الاستفادة والربح، وحتى لو امتلك المال والثروة لكنه لا يلتفت إلى افضل سبل تنميتها وتفعيلها، وهكذا الحال في المجال السياسي أو الاجتماعي.

كما أن الوعي العام بطبيعة الحياة، ومجريات الأمور، وطريقة التعامل مع القضايا والأحداث، هو الذي يجعل الإنسان مهيئاً للتعاطي مع الظروف المختلفة، وقادراً على فهم معطياتها.

2) الثقة بالذات:

بعض الناس ترد على أذهانهم أفكار جيدة، لكنهم يهملونها لأنهم يشكون في قدرتهم على إنتاج وإدراك الأفكار الصحيحة، ويتساءلون إذا كانت تلك الفكرة سليمة لماذا لم يدركها فلان وفلان؟ ولماذا لم يقل بها فلان وفلان؟

وفي مستوى آخر من ضعف الثقة بالنفس، يشكك البعض في إمكانياتهم وأهليتهم الذاتية، لتحقيق هذا الإنجاز، أو القيام بتلك المهمة.

بينما ينطلق المبادر من ثقة عميقة بذاته، وأنه لا يقصر عن غيره في القدرات والمؤهلات، ولا يقعد به شيء عن الريادة والإبداع.

فإذا ما اقتنع بفكرة ووجدها صحيحة سليمة، لم ينتظر اقتناع غيره لكي يأخذ هو بتلك الفكرة، وإذا سنحت أمامه فرصة لم يتردد في استغلالها، ولا يرى أن غيره أولى بها أو أقدر عليها.

3) الاستعداد للتضحية والعطاء:

اقتحام الإنسان لما ليس مألوفاً، وارتياده لميادين جديدة، وساحات غير مطروقة، يعني خوض مغامرة محفوفة بمختلف الاحتمالات، وهي تكلف عناءً وجهداً، كما تعرّض صاحبها للنقد والاعتراض، وهذا ما يقعد بالكثيرين عن المبادرات، خوفاً من الفشل، أو تهيباً من المخالفة، لكن المبادر الشجاع يتوكل على الله، ويستعد للتضحية والعطاء، في سبيل ما اتضح له أنه حق وصواب.

4) الفاعلية والنشاط:

فالمبادرة تعني الحركة والإقدام، ومن أصيب بداء الكسل والخمول والتواني، لا يكون مبادراً أبداً.

يقول الإمام علي ( عليه السلام ): ( التواني إضاعة ).

وعن الإمام الصادق ( عليه السلام ): ( عدو العمل الكسل ).

 اغتنام الفرص:

إذا ما أتيحت للإنسان فرصة تقدم، فعليه أن يبادر لاغتنامها، لأن بقاءها واستمرارها غير مضمون، وغالباً ما فإن (  الفرصة تمر مر السحاب ) كما يقول الإمام علي ، وعودة تلك الفرص أو تكرارها ليس محرزاً ولا سريعاً، فهي ( سريعة الفوت بطيئة العود ) كما في كلمة أخرى عنه .

وهذا يعني الاستعداد والتهيؤ لاقتناص الفرص، نفسياً وعملياً. يقول الأستاذ المدرسي: كما الطيور التي تقفز في السماء، تطير بخفة وسرعة، فإذا أردنا اصطيادها فلا بد أن نهيئ السلاح مسبقاً، ونفتح عيوننا جيداً حتى إذا مرّت رميناها فوراً، وإلا فلن نحصد إلا الحسرات.. كذلك الفرصة، تقفز في الزمن مثل الشهاب، فمن أرادها فلا بد أن يتهيأ لها سلفاً، فيرميها بنبال مبادرته، وإلا فإن ( إضاعة الفرصة غصة ) ونظراً إلى أن ( الفرصة خلسة ) فإن ( من أخّر الفرصة عن وقتها فليكن على ثقة من فوتها ) فالأيام ليست ثابتة، والزمن ليس جامداً، ولذلك فإن الفرص تظهر وتختفي على دقات الساعات، من هنا كانت المبادرة من صفات العظماء[32].

من ناحية أخرى فإن الإنسان إذا ما سوّف وتماهل ولم يبادر، فإنه بالإضافة إلى احتمال فوت الفرصة، قد يفقد هو القدرة والإمكانية، فاستمرار حياته ليس بيده، كما لا يضمن صحته، والحفاظ على مستوى نشاطه، ودوام وسائل وآليات الحركة عنده، ويعبر عن هذه الاحتمالات قول الإمام علي : ( وبادروا بالأعمال عُمُراً ناكسا، أو مرضاً حابسا، أو موتا خالسا )[33]. وفي كلمة أخرى يقول : ( بادروا بعمل الخير قبل أن تشتغلوا عنه بغيره )[34].

وقد تبقى الفرصة موجودة، وقدرات الإنسان وإمكانياته محفوظة، لكنه إذا لم يبادر مع مرور الزمن قد يفقد حماسه واندفاعه وهذا ما يشير إليه الإمام محمد الباقر  بقوله: ( من همّ بشيء من الخير فليعجله فإن كل شيء فيه تأخير فإن للشيطان فيه نظرة )[35].

وفي حديث عن الإمام جعفر الصادق : ( إذا هم أحدكم بخير أو صلة فإن عن يمينه وشماله شيطانين، فليبادر لا يكفاه عن ذلك )[36].

ويجمع كل ذلك ما روي عن رسول الله : ( من فتح له باب خير فلينتهزه فإنه لا يدري متى يغلق عنــه )[37].

 مجتمع المبادرات:

كما يتفاوت الأفراد في مستوى استجابتهم لفرص التقدم والخير، بين مبادر وخامل، كذلك تتفاوت المجتمعات، بين مجتمع تكثر فيه المبادرات، للاستفادة من أي فرصة، ولمعالجة أي مشكلة أو خلل، وذلك هو المجتمع الحي الناهض المتحضر. وبين مجتمع يسود أجواءه الخمول والتواكل، فلا يفعّل الإمكانيات المتاحة له، ولا يستثمر الفرص من أجل حل مشاكله، أو تطوير واقعه، وإنما يكتفي أفراده باجترار الألم والأسى، أو يترامون المسؤولية، وتنتظر كل جهة مبادرة الجهة الأخرى.

إن مجتمعاتنا تواجه تحديات خطيرة لقيمها وأخلاقها، ولاستقرارها ومصالحها، وتمتلك من الإمكانيات والقدرات والكفاءات ما يساعدها على مواجهة هذه التحديات والاستجابة لها، لكن المشكلة تكمن في ضعف الحركة والفاعلية، وغياب المبادرات.

يتحدث الناس في مجالسهم عن الكثير من النواقص والمشاكل، ولا يخلو مجتمع منها، ولكن إلى متى نكتفي بالحديث عن المشكلة؟ ومن يا ترى يتحمل مسؤولية المبادرة إلى الحل؟ والسعي نحو العلاج؟

يتحدث البعض عن أن المفروض كذا ويجب أن يحصل كذا، ولا بد أن يتحقق كذا، فيوزعون الواجبات والمفروضات على الآخرين، دون أن يحددوا هم ما هو دورهم وواجبهم وماذا عليهم أن يفعلوا؟

إننا لسنا بحاجة إلى فلاسفة أو متفلسفين، ولا إلى منظّرين ومحللين، بمقدار ما نحن بحاجة إلى من يعلق أجراس المبادرات العملية، التي تعالج قضايا المجتمع ومشاكله.

فحينما يجري الحديث عن حالة الضياع والفراغ التي يعيشها الكثير من الشباب، أو ظاهرة انتشار بعض المفاسد والانحرافات، أو وجود حالات من العوز الفقر، أو ركود في حركة الثقافة والمعرفة.. أو أي قضية تثير القلق على مستقبل المجتمع، فإن المطلوب هو تجاوز حالة التوصيف للمشكلة إلى وضع الحلول والمعالجات العملية التي نتحمل مسئوليتها.

إن الله سبحانه وتعالى يحذر عباده المؤمنين من أن يصبح الكلام عندهم بديلاً عن العمل، ومن أن يكتفوا بالقول عن الفعل، يقول تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * َبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ )[38].

ويوبّخ الإمام علي  مجاميع ممن حولـه من الذين يتحدثون في المجالس بصوت عال، ويزايدون على بعضهم في الحماسة والاندفاع، لكنهم يتراجعون ويجبنون ساعة الجد والمواجهة والعمل، يقول : ( كلامكم يُوهي الصُّمَ الصلاب، وفعلكم يطمع فيكم الأعداء! تقولون في المجالس: كيت وكيت، فإذا جاء القتال قلتم: حيدي حَيَاد! )[39].

وما أشد انطباق هذا الكلام على الكثيرين من الناس الذين يتحدثون عن بعض المشاكل بحماس واندفاع في المجالس، فإذا ما طلبت منهم عملاً أو دوراً تفننوا في تقديم الأعذار والمبررات!!

ولا بد أن نشيد هنا بالمبادرات الطيبة التي يقوم بها أفراد مخلصون من أبناء المجتمع، كالقائمين على نشاط الجمعيات الخيرية، ولجان كافل اليتيم، وصناديق الزواج الخيري، ومهرجانات الزواج الجماعي، وبرامج التوعية والتثقيف الدينية.. إنهم يسدون بذلك ثغرات في واقع المجتمع، فجزاهم الله خير الجزاء، لكن قضايا ومشاكل أخرى تنتظر مبادرين آخرين..

نحو استثمار أفضل لوقت الفراغ

تتفق كل أنظمة التعليم في جميع دول العالم، على منح طلابها إجازة سنوية خلال فترة الصيف، تقارب ثلاثة أشهر يطلق عليها (عطلة الصيف)، وإقرار نظام العطلة الصيفية جاء محصلة ونتيجة لتطور تجارب المجتمع البشري، في مجال علم التربية والاجتماع.

فالدراسة الأكاديمية المنتظمة، تستلزم بذل جهد ذهني ونفسي من الطالب، وتقيّد حريته وحركته ببرنامجها اليومي الرتيب، مما يجعله في حاجة إلى فترة من الراحة، بالتوقف عن التزاماته الدراسية، وشعوره بالحرية والانطلاق.

محطة التوقف هذه أثناء العطلة الصيفية تؤدي عدة وظائف لصالح العملية التعليمية. فهي:

أولاً: تعطي الطالب فرصة لتجديد نشاطه الذهني والنفسي، حتى لا يستنـزفه العناء، ولا يسيطر عليه الإرهاق والملل، فيستأنف بعدها عامه الدراسي الجديد برغبة وشوق.

ثانياً: تشكل العطلة الصيفية فاصلة بين المراحل والبرامج التعليمية، تنبه الطالب إلى حركة مسيرته الدراسية، وتجاوزه لأشواطها، ومستوى خطواته في طريقها، وتهيئه للاستعداد لكل مرحلة جديدة.

ثالثاً: تمنحه المجال لاستكمال بعض نواقصه، ومعالجة ثغرات تحصيله، ليواكب مسيرة المنهج الدراسي، ولا يتخلف عن مستوى زملائه وأقرانه.

رابعاً: تتيح الفرصة لتنمية شخصيته الإنسانية، في أبعادها المختلفة، فهو إنسان ذو مشاعر وأحاسيس، وله مواهب وقدرات، فلا بد له من أفق مفتوح أمامه، لإشباع مختلف حاجاته، وممارسة رغباته المتعددة.

لكل هذه الأغراض وأمثالها اتفقت أنظمة التعليم على إقرار العطلة الصيفية، ومن نفس المنطلق، اعتمدت أنظمة العمل في جميع الدول، حق الإجازة السنوية لكل عامل.

صحيح أن العمل ذهنياً كان كالدراسة، أو عضلياً كسائر مجالات الإنتاج، هو القيمة الأساس في الحياة، وهو يعني الفاعلية والنشاط المباشر، لتوفير المتطلبات، وتحقيق الطموحات، لكن وقت العطلة والفراغ، هو الآخر لا يخرج عن هذا الإطار، حيث يقصد منه تحديد رغبة العمل، وتنمية دوافعه، وتوفير مستوى من الارتياح والرضا النفسي.

 وقت الفراغ:

وهو الوقت الذي يتحرر فيه الإنسان من التزامات العمل وواجباته، أو التزامات الدراسة ووظائفها بالنسبة للطالب، وهناك عدد كبير من التعريفات والتصنيفات، وأساليب القياس لوقت الفراغ، تناولتها الدراسات المختصة.

ويمثل موضوع ( وقت الفراغ ) ميداناً لبحوث مكثفة من قبل علماء الاجتماع، ورغم حداثة الاهتمام بهذا الموضوع علمياً، إلا أنه سرعان ما جذب اهتمام العلماء، واستقطب جهودهم، فأصبح منافساً لكثير من فروع علم الاجتماع، مع أسبقيتها عليه.

وذلك لما لهذا الموضوع من آثار تمتد لتشمل مختلف جوانب حياة الإنسان، التربوية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية. مما جعل الاهتمام بوقت الفراغ ليس مسألة جانبية أو هامشية، بل جزءاً أساسياً من الاهتمام بشخصية الإنسان، وبالنظم الاجتماعية القائمة في الحياة المعاصرة.

وقد تبلورت ظاهرة وقت الفراغ لدى الإنسان المعاصر، في أعقاب الثورة الصناعية في مجتمعاتها، بعد أن كان العامل في عصور الإقطاع مسخّراً، لا يتمتع بشيء من حقوقه الإنسانية، فضلاً عن حق الإجازة والعطلة السنوية. وفي معظم المجتمعات البدائية والزراعية، يضطر الإنسان للاستمرار في الكدح والعمل طوال السنة، لتوفير احتياجات حياته، والتي تكاد تخلو من الفراغ بالشكل السائد اليوم.

وكشفت دراسات علماء الانثروبولوجيا، لأساليب الحياة اليومية، للمجتمعات البسيطة والتقليدية، أنه لم يكن يوجد في هذه المجتمعات خط فاصل تماماً، بين العمل والفراغ، ذلك أن العمل يستنفذ طاقاتهم، وتختلط أنشطته بأنشطة الترويح والتسلية، حيث كانوا يقومون ببعض العادات والتقاليد الترويحية أثناء العمل، كالرقص أو الغناء أو المزاح أو العمل التعاوني، و بعض هذه العادات والتقاليد كان ذا طابع ديني[40].

لكن باحثين من علماء الاجتماع، يذهبون إلى عراقة ظاهرة وقت الفراغ، في كل الحضارات، عبر تاريخ البشر، لكنها كأي ظاهرة إنسانية أخرى تعرضت للتغيّر والتطور، حتى أصبحت الآن أكثر تقنيناً وانتظاماً، بفعل تطور الحياة، وتجارب الزمن.

ونجد في كتابات أرسطو وأفلاطون، وسائر فلاسفة اليونان، مؤشراً على وجود ظاهرة وقت الفراغ في تلك المجتمعات، حيث لم تخل تلك الكتابات من تناول هذه الظاهرة، والحديث عنها بدقة وعمق، باعتبارها فرصة للتربية، وتنمية النفس أو الروح.

على أن بعض علماء الاجتماع، يرون أن ظاهرة وقت الفراغ آنذاك، كانت محصورة في إطار الطبقة الممتازة، صاحبة المكانة الرفيعة في المجتمع الإغريقي، ولم تكن حالة عامة لدى سائر الطبقات.

أما في العصر الحديث فيتمتع كل عامل أو طالب بوجود وقت فراغ، نظراً للأنظمة السائدة في العالم، القائمة على تحديد ساعات الدراسة والعمل، وإقرار نظام الإجازات والعطل، ونظراً لتقدم مستوى المعيشة والحياة، مما جعل وقت الفراغ جزءاً من نظام حياة الناس غالباً.

 الاهتمام بوقت الفراغ:

في وقت مبكر اهتم فلاسفة اليونان بوقت الفراغ، وأكدوا على ضرورة توظيفه روحياً، حيث ركز أرسطو على أهمية استغلال الفراغ في الموسيقى والتأمل، انطلاقاً من رؤيته لدور الأنشطة الموسيقية في تنمية العقل وملكة التفكير، ولمحورية التأمل في بناء شخصية الإنسان وتحقيق إنسانيته.

أما في العصر الحديث فإن الاهتمام بوقت الفراغ أحرز تقدماً كبيراً، وشغل مساحة واسعة، على الصعيد المعرفي والثقافي. فمنذ العشرينيات والثلاثينيات للقرن العشرين، ظهرت كتابات ودراسات كثيرة، في أوروبا وأمريكا، عن وقت الفراغ.

وفي عام 1924م نظم مكتب العمل الدولي أول مؤتمر عالمي عن وقت فراغ العامل، شارك فيه أكثر من 300 عضو يمثلون نحو ثمانية عشر دولة.

وفي أوروبا حقق علم اجتماع الفراغ تقدماً كبيراً، إذ عمل ( جورج فريدمان ) بوجه خاص، على تنمية الاهتمام بدراسة دور الفراغ في إعادة وضع الإنسان، وتكييفه مع الحضارة التي تسيطر عليها التكنولوجيا.

وفي إنجلترا كان للدراسة التي أجراها كل من ( روانتري ) و( لافيرز ) بعنوان ( حياة الإنجليز والفراغ ) أثرها في توجيه الاهتمام نحو تحرير عدد من المقالات السوسيولجية، والبحوث المتخصصة. كما بدأ ( جو فردي مازدييه ) في هولندا بحوثه عام 1953م لعل أهمها أطلق عليه ( نحو حضارة الفراغ ) وكذلك دراسته بعنوان ( الفراغ الحضري )[41].

 رؤية دينية:

يمكننا أن نستخلص من النصوص والتعاليم الدينية، رؤية عميقة شاملة للدين، حول موضوع وقت الفراغ، وتعالج هذه الرؤية قضية الفراغ من ثلاث زوايا:

الأولى: تنمية حسّ المسؤولية تجاه الزمن، والحرص على الوقت، باعتبار محدودية عمر الإنسان، وأهمية طموحاته وتطلعاته، وعظيم الطاقات والقدرات التي يختزنها، مما ينبغي أن يحفزه إلى استغلال كل لحظة من وجوده، بأفضل ما يمكن.

إن ما يعيشه الإنسان من عمر في هذه الحياة يبدو قصيراً، قياساً إلى عمر الزمن، وإلى آمال الإنسان، ورغبته في الخلود، وهذا ما تعبّر عنه آيات عديدة في القرآن الكريم، تحكي عما يدور في نفس الإنسان تجاه الحياة بعد مغادرتها. يقول تعالى (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ )[42]. ويقول تعالى (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ )[43].

ويحكى عن شيخ المرسلين نوح : أنه جاءه ملك الموت ليتوفاه بعد أكثر من ألف سنة عاشها قبل الطوفان وبعده، فسأله: يا أطول الأنبياء عمرا، كيف وجدت الدنيا؟ فقال: كدار لها بابان، دخلت من أحدهما، وخرجت من الآخر.

إن ما يخسره الإنسان من ماله وسائر ممتلكاته ومكاسبه يمكن تعويضه، والتوفّر على بدائله، لكن الوقت هو الشيء الذي لا يعوّض ما فات منه، ولا يمكن تداركه، فكل لحظة تمضي لا تعود، وكل يوم ينقضي لا يرجع. فهو رصيد محدود، ورأس مال نادر، بل هو رأس المال الحقيقي للإنسان، فلا بد من الحفاظ عليه، والاستفادة منه بأعلى حد ممكن.

وفي الحقيقة فإن الوقت هو الحياة يقول الإمام علي : ( إنما أنت عدد أيام، فكل يوم يمضي عليك يمضي ببعضك ) ويقول : ( ما نقصت ساعة من دهرك إلا بقطعة من عمرك ). وقال الشاعر:

كل يوم يمر يأخذ بعضي             يورث القلب حسرة ثم يمضي

وقال شاعر آخر:

إنا لنــفـرح بالأيــام نقطعها          وكل يوم مضى جزء من العمر

وروي عن رسول الله  أنه قال: ( كن على عمرك أشح منك على درهمك ودينارك )[44].

وتنبيهاً للإنسان على أهمية الزمن يقسم الله تعالى في القرآن الكريم بالعديد من الفواصل والمحطات الزمنية، كما في الآيات التالية:

( وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * َالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى )[45].

(وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ )[46].

(وَالضُّحَى * َاللَّيْلِ إِذَا سَجَى )[47].

(والْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ )[48].

هذه النصوص والتعاليم تربي الإنسان على احترام الوقت والاهتمام باستغلاله، وأن يتصرف فيه بمسؤولية وتقدير، ليستطيع تحقيق أكبر قدر من الإنجازات والمكاسب.

فهو مسؤول أمام الله تعالى عن تعامله مع أوقات حياته، عن معاذ بن جبل أن النبي  قال: ( لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع خصال: عن عمره فيما أفناه... ) رواه البزار والطبراني بإسناد صحيح.

وكما يهتم الإنسان باحترام وقته واستثماره، عليه أن يحترم أوقات الآخرين، فلا يكون سبباً في تضييعها وإهدارها بعدم الالتزام في المواعيد، والزيارة في الأوقات غير المناسبة لهم، وإطالة اللقاء والحديث دون فائدة أو غرض.

إن احترام الوقت هو أحد أهم مقاييس التقدم للأفراد والمجتمعات.

تنوّع المهام والأبعاد:

وهذه هي الزاوية الثانية من الرؤية الدينية لوقت الفراغ، فالإنسان كائن مميّز، لشخصيته أبعاد مختلفة، فهو مادة وروح، نفس وجسد، وهو مواطن في عالمين: الدنيا والآخرة، له مصالحه الفردية وارتباطاته الاجتماعية، يتمتع بقدرات ذهنية عقلية وقوى عضلية بدنية..

هذه الأبعاد المختلفة لشخصيته تجعله متنوع الأدوار والمهام، بسبب تنوع قدراته وطاقاته، وإذا ما حصر الإنسان نفسه ضمن بعد واحد، فإنه يئد ويكبت سائر الجوانب والأبعاد.

كما أن استغراق الإنسان لوقته في عمل واحد، قد ينتج عنه الملل والسأم، لذلك تنصح التعاليم الدينية بأن يقسّم الإنسان وقته على وظائفه ومهامه المختلفة، لتنمية شخصيته في مختلف الأبعاد، وتلافياً للتعب والملل. فيكون وقت الفراغ من عمل، فرصة للانتقال إلى عمل من نوع آخر.

وحتى في العبادة المستحبة، لا ينصح الدين بالاستغراق فيها إلى حد فقدان الرغبة والنشاط، ورد في صحيحي البخاري ومسلم عن عائشة عنه  أنه قال: ( يا أيها الناس عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يَمَلّ حتى تَمَّلوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دُووم عليه وإن قل )[49]  وفي حديث آخر عن أنس عنه : ( ليصلّ أحدكم نشاطه، فإذا كسل أو فَتَرَ قعد)[50].

ومما رواه النبي  عن صحف إبراهيم : ( ينبغي للعاقل أن يكون له أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكر في صنع الله عز وجل، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب ) رواه ابن حيان في صحيحه والحاكم وقال: صحيح الإسناد كما في الترغيب[51].

وروي عن الإمام موسى الكاظم ( عليه السلام ) أنه قال: ( اجتهدوا في أن يكون زمانكم أربع ساعات: ساعة لمناجاة الله، وساعة لأمر المعاش، وساعة لمعاشرة الإخوان والثقات، وساعة تخلون فيها للذاتكم في غير محرم، وبهذه الساعة تقدرون على الثلاث ساعات)[52] .

من خلال هذه الرؤية تصبح العطل والإجازات من الدراسة والعمل، فرصة لتنمية أبعاد أخرى في شخصية الإنسان، وللقيام بأدوار ومهام في ميادين وحقول ثانية.

إن الله تعالى يخاطب نبيه محمداً  بقوله : (إِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ )[53] إي إذا فرغت من مهمة ودور، فانتصب لمهمة أخرى، ودور آخر.

إن لكل جهة في حياة الإنسان حقوقاً ومستلزمات، فلا يصح أن يستهلك جهده في جهة واحدة على حساب بقية الجهات، روي عن النبي  أنه قال: ( إن لبدنك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا، وإن لزورك عليك حقاً).

 مشروعية الترويح:

أما الزاوية الثالثة فهي ما تشير إليه النصوص والتعاليم الدينية، من مشروعية الترويح عن النفس، وممارسة بعض البرامج الترفيهية.

تجاه وقت الفراغ، وطريقة التعامل معه، نجد أمامنا ثلاثة اتجاهات: يتمثل الأول في النظرة الجادة للوقت، ورفض التفريط بأي ساعة من ساعاته خارج إطار العمل، وتحمل الالتزامات والمسؤوليات. ولعلنا نجد في حماس اليابانيين للعمل، وعدم رغبتهم للتعطيل، والاستفادة من الإجازات، نموذجاً لهذا الاتجاه، حتى أن نسبة من الوفيات لديهم تحصل بسبب إرهاق العمل، ذكر ( ميشيل البير ) في كتابه (الرأسمالية ضد الرأسمالية): أن 10% من الذكور البالغين الذين يموتون في اليابان كل عام، يقتلون أنفسهم بكثرة العمل، و يحصل اليابانيون على أسبوع واحد إجازة في السنة، واقترحت الحكومة اليابانية تخفيض ساعات العمل من 44 ساعة إلى 42 ساعة أسبوعياً، ولكن الأكثرية من الشعب تخالف هذا الاقتراح.

أما الاتجاه الثاني فعلى العكس من ذلك، حيث ينظر إلى الفراغ والتحلل من واجبات العمل، كهدف وطموح، ويتعاطى مع الالتزامات العملية، كحالة اضطرارية قسرية، يبحث عن أي فرصة للتهرب منها.

والتقارير التي تتحدث عن ضعف مستوى الإنتاجية لدى شعوب الدول النامية، مؤشر على شياع هذا الاتجاه فيها.

إن بعض العمال والموظفين يختلق المبررات لأخذ الإجازة للتغيب عن العمل، ويأتي متأخراً عن وقت الدوام، ويخرج قبل انتهائه، وأثناء وقت العمل، يصرف وقتاً كثيراً في قضاياه الشخصية، من شرب الشاي، أو محادثة الزملاء، أو التكلم تليفونياً، وما أشبه ذلك من الظواهر المؤسفة الشائعة، والتي بسببها يتدنى الإنتاج، ويتأخر إنجاز الأعمال.

والاتجاه الثالث يتبنى نظرة تكاملية تعتبر الفراغ وجهاً آخر لعملة العمل، فهما جانبان متفاعلان يُثري كل منهما الآخر.

ففي وقت الفراغ، يمارس الإنسان بعض برامج الترويح والترفيه عن النفس، بهدف تجديد النشاط، وإراحة الأعصاب، وتنفيس ضغوط العمل وصعوباته.

ونجد في التعاليم الدينية إقراراً لمشروعية الترويح والترفيه عن النفس. فقد روي عن النبي  قوله: ( روحوا القلوب ساعة بعد ساعة، فإن القلوب إذا كلّت عميت ).

وعن الإمام علي : ( إن للقلوب شهوة وإقبالاً وإدباراً، فأتوها من قبل شهوتها وإقبالها).

وفي كلمة أخرى يقول : ( إن هذه القلوب تملّ كما تملّ الأبدان فابتغوا لها طرائف الحكم).

والقرآن الكريم يوجهنا إلى التأمل في الطبيعة، والاستمتاع بجمالها، والتفكر في عظمة الخالق المبدع..

كما وردت نصوص دينية كثيرة في التشجيع على الأسفار والرحلات، وتجيز الفكاهة والمزاح المناسب، وتحث على الرياضة، من سباحة و ركوب خيل، وسباق وغير ذلك.

لقد أصبح واضحاً في المجتمعات الحديثة تأثير وقت الفراغ في مستوى العمل، فازداد الاهتمام ضمن العمل بساعات الترفيه وفترات الراحة والإجازات، من أجل أن يتمتع العامل بوقت فراغه، بصورة تنعكس إيجابياً على أدائه للعمل.

إن برامج الترويح عن النفس مصدر حيوية ونشاط، ودافعيه للإنجاز، وهو ما أشار إليه حديث الإمام موسى الكاظم  بقوله: ( اجتهدوا في أن يكون زمانكم أربع ساعات: ساعة لمناجاة الله، وساعة لأمر المعاش، وساعة لمعاشرة الإخوان الثقات، وساعة تخلون فيها للذاتكم في غير محرم وبهذه الساعة تقدرون على الثلاث ساعات ).

فساعة الترويح عن النفس، تجدد نشاط الإنسان وقدرته على أداء مهامه و واجباته، في الأبعاد المختلفة.

التخطيط والبرمجة للعطلة الصيفية:

يتعامل كثيرون مع أيام العطلة الصيفية وسائر إجازات العمل والدراسة، وكأنها مدة إضافية من الزمن، ليست من حساب أعمارهم، ولا تشكل جزءاً من رصيد حياتهم، لذلك يهدرون أوقاتهم خلالها، ولا يخططون للاستفادة منها، فتتصرم أيامها دون أن يحققوا لأنفسهم إنجازاً يُذكر.

إن عدم التفكير والتخطيط لاستثمار وقت الفراغ في العطلة والإجازة، قد يحوّلها من مبعث راحة، وتجديد نشاط، إلى مصدر كآبة وملل، ومن فرصة تنمية وبناء للذات، إلى أرضية سوء تُنبت المفاسد والأشواك.

قد يشعر الإنسان بالارتياح، في اليوم الأول والثاني من أيام الإجازة، لتحرره من التزامات العمل أو الدراسة، لكنه بعد ذلك سيعاني من ضغط الفراغ، إن لم يكن له برنامج بديل، أو اهتمامات تشغل نفسه ووقته، فحين لا يجد الإنسان ما يهتم به، يصيبه إحساس بالضياع واللاقيمة، كما قد تتسلل إلى نفسه اهتمامات سيئة، لملء فراغه النفسي والعملي.

يتحدث شاب جامعي عن نظرته لحالة الفراغ قائلاً: ( وقت الفراغ في نظري، هو الوقت الذي لا أفعل فيه أي شيء، أي أنني أكون في هذا الوقت غير مشغول بممارسة أي نشاط سواء كان نشاطاً ذهنياً أم عملياً.. وهذا الوقت هو أكثر الأوقات سبباً في الإحساس بالملل، بل إنه ممل جداً بالنسبة لي، ولا أستطيع احتماله أكثر من ربع ساعة، والسبب في ذلك أن هذا الوقت يعطي للعقل فرصة في أن يفكر في أشياء كثيرة، تجعل الإنسان يصاب بحالة اكتئاب نفسي، لأنه في الغالب تكون هذه الأشياء جزءاً من مخزون المشاكل التي تواجه الإنسان يومياً، ولذلك فأحسن تعبير يطلق على وقت الفراغ هو الوقت القاتل)[54].

 التوجهات السيئة:

غالباً ما يكون الفراغ أرضية للانحراف، ودافعاً للتوجهات السيئة، حيث لا يشعر الإنسان بوجوده وقيمته، إلا إذا كان له تفاعل ما مع قضايا الحياة من حوله، فإن لم يتوفر له ما يمنحه هذا الشعور إيجابياً، فسيعاني حالة فراغ نفسي، تتولد منها هواجس وتصورات غير منضبطة، كما قد تتحرك لديه بعض النوازع والرغبات غير السليمة، والتي هي تحت السيطرة في الأوضاع العادية السوية.

وأخطر ما يكون الفراغ في مرحلة الشباب، حيث يمتلك الشاب قوة فائضة، تبحث عن قنوات للتصريف، وحماساً كبيراً، يدفع نحو الفاعلية والنشاط. فإذا كانت أمامه برامج وأدوار، وخيارات مناسبة، تشغل اهتمامه، وتنمي شخصيته، وتفعّل قدراته بالاتجاه الصحيح، فإن ذلك سيكون لصالحه وصالح المجتمع.

أما في حالة الفراغ فإنه يكون الشاب فريسة لمشاعر الملل والإحباط، ولقمة سائغة لتيارات الفساد والانحراف، وهذا ما تعاني منه كثير من المجتمعات المعاصرة.

وكما اشتهر على الألسن قول الشاعر - أبو العتاهية -:

إن الفراغ والشباب والجدة            مفسدة للمرء أي مفسدة

وقال شاعر آخر:

لقد هاج الفراغ عليه شُغلاً           وأسباب البلاء من الفراغ

وينقل عن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب أنه قال لعامله: (إن هذه الأيدي لا بد أن تشغل فأشغلها بطاعة الله قبل أن تشغلك بمعصيته)[55].

وروى البيهقي عن عبد الله بن الزبير قال: أشر شيء في العالم البطالة[56].

ومن اخطر السلبيات التي تنتج عن الفراغ، حالة الملل والسأم وهي مؤذية للنفس، مربكة لشخصية الإنسان، وهناك مقولة متداولة هي: (أن تشعر بالملل هو أن تقبل الموت)، والملل قد يدفع الإنسان إلى تصرفات عبثية ضارة، من أجل التخلص من الملل والخروج من عبء وطأته.

إن عدم التخطيط لاستثمار وقت الفراغ، وخاصة في العطلة الصيفية والإجازات، وعدم الاهتمام بتوفير البرامج المناسبة من قبل الفرد والمجتمع، هو الذي ينتج العديد من الظواهر السلبية، التي تعاني منها مجتمعاتنا، ونلحظها في حياة الكثيرين في أوقات فراغهم، ومن أبرزها الظواهر التالية:

 كثرة النوم :

يجد البعض في العطلة والإجازة فرصة جيدة لزيادة ساعات نومه، والتي قد تصل إلى عشر ساعات أو أكثر. بينما يكون معدل نومه أيام الدراسة والعمل في حدود ست ساعات أو سبع ساعات في أقصى حد.

لا شك أن النوم حالة طبيعية، وضرورة بيولوجية للإنسان، كما لسائر الكائنات الحيّة، وأنه يخدم وظائف أساسية، مهمتها استعادة الإنسان لنشاطه، وللمقومات التي يعتمد عليها هذا النشاط، وإعادة التوازن الذي اختل أثناء ساعات اليقظة.

ومن الواضح أن النائم يفقد إدراكه بما يحيط به، ويتوقف إحساسه بالحياة، وتفاعله معها. حيث تتضاءل جميع أنشطته، وترتخي عضلاته، وتتباطأ ضربات القلب، وينخفض معدل التنفس.

فالنوم في مظهره يشكل شبه خروج مؤقت للإنسان عن معادلة الحياة. وإذا كان الإنسان ينام ثماني ساعات، في كل أربع وعشرين ساعة، فمعنى ذلك أن ثلث عمره يكون خارج دائرة الإحساس والتفاعل مع الحياة، ومن يحب الحياة، ويتبنى فيها أهدافاً وتطلعات، عليه أن يحرص على كسب أي ساعة ولحظة منها، والنوم فيما يزيد منه على الحاجة والضرورة، بمثابة هدر وتضييع لجزء من العمر.

لقد افترض الكثيرون: بأن الحاجة اليومية للنوم، هي ثلث ساعات اليوم الواحد، أو ما معدله 8 ساعات، في كل 24 ساعة، واعتبر البعض: أن الإخلال بهذا المعدل، يلحق الأذى بصاحبه، لكن بحوث العلماء، والتجارب الميدانية والإختبارية، أظهرت: أن معظم الناس ينامون لمعدل زمني يقع بين 5 إلى 6 ساعات في اليوم الواحد، بينما ينام البعض لمدة أقل من ذلك، حدها الأدنى 4 ساعات، وأن التفاوت في معدل النوم بين الناس يتأثر بعوامل شخصية تتعلق بالفرد نفسه.

وقد لوحظ بأن أولئك الذين يعيشون حياة نشطة وخلاقة ومجدية، وخالية من الهم، فإن حاجتهم للنوم، هي أقل من حاجة أقرانهم، ممن لا يظهرون مثل هذه الصفات.

ويقرر باحثون أخصائيون: بأن الحد الأدنى للحاجة إلى النوم في الفرد النامي، ذكراً أو أنثى، يقع ما بين 4 إلى 5 ساعات في اليوم، وقد يكون فيما يزيد على هذا الحد إضافة لا حاجة هامة لها، وبأن بإمكان الفرد أن يستغني عنها[57].

وتحديد مدة النوم وزمنه، يخضع لما يعوّد الفرد عليه نفسه، ضمن الظروف والحالة الطبيعية، فإذا برمج وضعه على مدة معينة للنوم، فسينتظم عليها، وقد ينزعج للإخلال بها.

ويتضح من دراسات علمية عديدة، للمقارنة بين سمات وصفات فئة الأفراد طويلي النوم، وفئة الأفراد قصيري النوم: أن قصيري النوم هم أكثر نشاطاً وفعالية، وأكثر طموحاً، واتخاذاً للقرار، وأكثر رضى عن أنفسهم وحياتهم، وأكثر اجتماعية، وهم قليلي التشكي بشأن دراستهم وظروف حياتهم، وهم يتصفون بالانفتاح، وقلة القلق، ويشغلون أنفسهم بصورة دائمية بفعالية أو أخرى، وقلما يعانون من مشاكل نفسية، ويتضح من هذه الخصائص أن قصر النوم يتوافق عادة مع مقومات أفضل في الشخصية، ومع حياة نفسية واجتماعية وإنتاجية أفضل. ولهذا أن يدلل بأن النوم وإلى حد ما، هو أقل ضرورة أو فائدة لصاحبه مما كان يظن[58].

إنه ينبغي التعامل مع النوم ضمن حالة الحاجة والضرورة، وليس كهواية يستمتع بها الإنسان فيستكثر منها.

وما نراه عند البعض، من زيادة وقت نومهم أيام العطلة والإجازة، يعتبر ظاهرة سلبية، تحرم الإنسان من الاستفادة المناسبة من وقت فراغه.

ونجد في النصوص والتعاليم الدينية ما يؤكد أهمية التقليل من النوم، ويلفت نظر الإنسان إلى سلبيات الإكثار منه.

جاء في الحديث عن رسول الله : ( إياكم وكثرة النوم، فإن كثرة النوم يدع صاحبه فقيراً يوم القيامة )[59] ومعنى الحديث واضح لأن كثرة النوم ستكون على حساب العمل الصالح والذي هو غنى الإنسان وثروته في الدنيا والآخرة.

وعن الإمام جعفر الصادق : ( إن الله يبغض كثرة النوم وكثرة الفراغ )[60].

وعنه  في حديث آخر: ( كثرة النوم مذهبة للدين والدنيا )[61].

 هدر الأوقات:

لضعف الإحساس بالمسؤولية تجاه الزمن، وللتصور الخاطئ عن وظيفة وقت الفراغ، فإن البعض يهدرون أوقاتهم خلال العطلة الصيفية والإجازات بشكل مؤسف، ويتحدثون بكل صراحة عن قتل وقت الفراغ. إما عبر جلسات فارغة، تستمر ساعات طويلة، دون فائدة أو قيمة، أو بالتسكع على أرصفة الشوارع والطرقات.

إن لقاء الأصدقاء والجلوس معهم أمر جيد، شريطة أن يكون ضمن الحدود الطبيعية، وأن يستثمر في تعميق أواصر المودة، والاستفادة الفكرية والعملية، بمناقشة موضوع مفيد، أو تنمية موهبة وكفاءة.

لكن جلسات قتل الوقت تأخذ منحى آخر، إذ تطول ساعات دون مبرر، ولا يتخللها إلا كلام تافه، قد يكون سبباً للمشاكل والآثام.

 التلقي السلبي:

أصبحت وسائل الإعلام المتقدمة، وتكنولوجيا الاتصالات المتطورة، كقنوات البث الفضائي، وشبكة الإنترنت، تستهلك جزءاً كبيراً من وقت الإنسان المعاصر. وهي تفتح أفقاً معرفياً واسعاً أمام الإنسان، وتقدم له خدمات عالية، آخذة في الاتساع.

وفي أيام إجازات الدراسة والعمل يتضاعف الإقبال على هذه الوسائل، حيث يقضي أمامها الكثيرون ساعات طويلة كل يوم.

وتتمثل سلبية التعاطي مع وسائل الإعلام والاتصالات في جانبين:

الأول: استهلاك الوقت دون حدود، وعلى حساب سائر المهام والأبعاد من شخصية الإنسان والتزاماته، حتى أشار تقرير نشر قبل عشر سنوات، إلى أن بعض الطلاب عندما يتخرج من المرحلة الثانوية يكون قد أمضى أمام جهاز التلفزيون قرابة (15) ألف ساعة، بينما لا يكون أمضى في فصول الدراسة أكثر من (10800) ساعة على أقصى تقدير، أي في حالة كونه مواظباً على الدراسة، محدود الغياب. ومعدل حضور بعض الطلاب في الجامعة (600) ساعة سنوياً، بينما متوسط جلوسه عند التلفزيون (1000) ساعة سنوياً[62].

وقد سبب الانجذاب غير المقنن إلى وسائل الإعلام والاتصالات، انخفاضاً في الأداء التعليمي، عند شريحة واسعة من الطلاب والطالبات.. كما سبب تدنياً في مستوى العلاقات العائلية، واهتمام الزوجين ببعضهما، واهتمامهما بالأبناء. ويحصل كثيراً أن تهمل الأم أطفالها، من أجل متابعة أحد الأفلام أو المسلسلات.

أما قراءة الكتب، وبرنامج التثقيف الذاتي، فقد أصبح في خبر كان، عند أكثر أبناء هذا الجيل، المستقطب إعلامياً ومعلوماتياً.

الثاني: أما الجانب الثاني فهو سوء الاختيار وسلبية التلقي، فهناك أكثر من 500 قناة عالمية تبث مختلف البرامج ليل نهار، وهناك ملايين المواقع على شبكة الإنترنت، تعرض كل شيء دون حدود أو قيود، فإذا لم تكن للإنسان قيم وضوابط في اختياره لما يشاهد ويتابع، فإنه سيكون فريسة سهلة، ولقمة سائغة، للتوجهات الفاسدة، التي تحرّض الغرائز والشهوات، وتشجّع على العنف والإجرام، وتروّج لأنماط سلوكية مخالفة للمحيط الاجتماعي، وهي في مجملها أدوات للعولمة الثقافية، التي تريد إلغاء الهويات الحضارية لمختلف الشعوب والأمم، لتذويبها في بوتقة الحضارة الغربية المادية.

إن الإنسان ليحرص على صحة جسمه فلا يتناول طعاماً ملوثاً، فكذلك عليه أن يحرص على صحة فكره وسلوكه، فلا يتلقى المشاهد والتوجهات السلبية الضارة. يقول الإمام الحسن بن علي : ( عجبت لمن يتفكر في مأكوله كيف لا يتفكر في معقوله، فيجنب بطنه ما يؤذيه، ويودع صدره ما يرديه )[63].

وإذ يتمتع الإنسان بنعمة السمع والبصر من الله سبحانه وتعالى، فإنه يتحمل المسؤولية تجاه طريقة استخدامهما يقول تعالى : (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً )[64].

 الفراغ والانحراف:

إن من أسوأ الظواهر التي تنتج عن فراغ العطلة الصيفية، إذا لم تستثمر بالبرامج الصالحة، هي ظاهرة التصرفات الشاذة، والسلوكيات المنحرفة، في وسط الجيل الناشئ.

ذلك أن الشعور بالفراغ يدفع لتقبل أي اهتمام، وعادة ما يصحب التوجهات الخاطئة إغواء وإغراء، ولقلة النضج والخبرة عند الشباب والمراهقين، يكون انزلاقهم سهلاً.

وتؤكد الأبحاث والتقارير، دور مشاهدة الأفلام والبرامج السيئة، في الاندفاع نحو الانحرافات الجنسية، وأعمال العنف، لدى المراهقين والمراهقات، كما أن استخدام شبكة الإنترنت، كثيراً ما يكون وسيلة إغواء يستجيب لها الشباب، وخاصة في فترة الفراغ، فيدخلون عبرها على مواقع إباحية، ويرتبطون بعلاقات ضارة.

ويذكر عبد الرحمن مصيقر في دراسته عن الشباب والمخدرات في دول الخليج العربي: أن دراسات أجريت في بعض الدول العربية عن متعاطي المخدرات تبين أن أغلبهم كانوا يشغلون بها وقت فراغهم[65].

ونقل باحث آخر، نتائج بعض الدراسات التي أجريت حول علاقة وقت الفراغ بالانحراف، وتوصلت إلى ما يلي:

أ‌) أن أغلبية الأفعال الانحرافية يرتكبها الفرد أثناء وقت الفراغ.

ب) أن نسبة كبيرة من الانحرافات ترتكب بقصد الاستمتاع بوقت الفراغ[66].

إن حالة الهدوء والاستقرار في كثير من الأحياء السكنية، تتعرض للاهتزاز والاضطراب، عند أول يوم من أيام العطلة الصيفية، حيث يمارس عدد من الشباب هواية التفحيط بسياراتهم، والقيام بحركات بهلوانية حتى وسط الأحياء السكنية، ويمتطي بعضهم دراجات نارية ذات صوت مرتفع مزعج، وينتشر بعض الشباب في الطرقات والأماكن العامة، ليقوموا بتصرفات شاذة، منافية للأدب والاحترام.

وتحسب العوائل ألف حساب للسيطرة على أبنائها عند تعطيل الدراسة، كما تستعد الأجهزة الأمنية للتعامل مع ارتفاع معدّل الحوادث والجرائم والمشاكل السلوكية، خلال العطل والإجازات.

وليس مبالغة أن نقول: إن العطلة الصيفية تخرّج كل عام أفواجاً من الملتحقين بتيارات الفساد والانحراف ورد عن الإمام علي  أنه قال: ( من الفراغ تكون الصبوة ) أي الممارسات الصبيانية. وعنه : ( إن يكن الشغل مجهدة فالفراغ مفسدة ).

إن ذلك يؤكد مسؤولية الجميع في الاهتمام بالتخطيط السليم لوقت الفراغ، والعمل على احتواء واستيعاب الطلاب والطالبات خلال العطلة الصيفية، لمساعدتهم على استثمارها بما يخدم مستقبلهم ومصلحة الوطن.

لقد كان أرسطو على حق، وبعيد النظر حين رأى أن أهم أهداف التربية، هو تعليم الناس، كيف يستطيعون تمضية أوقات فراغهم، واستغلالها بصورة إيجابية ومفيدة.

بناتنا في طريق العلم 

مهمة إعمار الأرض واستثمار الخيرات المودعة في الكون، موكولة للإنسان بشقيه الذكر والأنثى، فحينما يقول الله تعالى : (اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا )[67] - أي طلب منكم وأوكل إليكم عمارة الأرض- وحينما يقول تعالى : (سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ )[68]. فإن هذا الخطاب والذي جاء في القرآن الكريم مكررا وبصيغ مختلفة، موجه ليس إلى الرجال فقط وإنما هو عام لأفراد البشر رجالا ونساء.

ومن أساسيات القيام بهذه المهمة، والاضطلاع بدور إعمار الأرض، تحصيل العلم والمعرفة، فبالعلم يكتشف الإنسان قدراته، ويتعرف على ثروات الكون، ويبتكر وسائل وسبل استثمارها والاستفادة منها.

وقد وهب الله تعالى قابلية المعرفة، وملكة الاستيعاب والتعلم للزوجين الذكر والأنثى، ولم يختص أحدهما دون الآخر، وذلك لكي تشارك المرأة الرجل في كسب العلم والمعرفة، وفي جهود التنمية والإعمار.

فالمرأة كالرجل توازيه في إنسانيته، وتشاركه في القيام بدور الخلافة، وتحمل مسؤولية عمارة الأرض، وقد منحها الله تعالى كالرجل نعمة العقل، وقدرة الإدراك والمعرفة، ولا تختلف عنه في كونها تملك استعدادا وقابلية تامة لإدراك الحقائق والمفاهيم، وتملك -كالرجل- القدرة على العلم والتعلم والسير في هذا الطريق إلى أقصى غاياته.

بل إن دماغ النساء يحتوي على خلايا الدماغ المسماة العصبونات بنسبة تزيد حوالي 10% عن دماغ الرجال، بالرغم من أن الرجال بصفة عامة أكبر حجماً من النساء وأدمغتهم كذلك أكبر حجماً[69].

وقد نشرت الدكتورة (كيمورا) الباحثة في الأسس العصبية والهرمونية للوظائف الفكرية ـ الذهنية ـ لدى الإنسان، وهي أستاذة في علم النفس في جامعة غربي أونتاريو، نشرت بحثا علميا حول الفوارق في الدماغ بين الجنسين، أكدت فيه وجود تفاوت متبادل في بعض الجوانب والمهارات، حيث يقابل تفوق كل طرف في جانب تفوق الطرف الآخر في جانب آخر، وخلصت إلى (إن الفوارق الجوهرية بين الجنسين تكمن في الطرز المختلفة للمهارات الفكرية التي يتمتع بها كل منهما أكثر مما هو راجع إلى المستوى العام للذكاء (حاصل الذكاء) فمن المعروف أن هناك تفاوتا بين الناس في قدراتهم الذهنية: فمنهم من يبرع في الجوانب اللغوية ومنهم من يجيد الأعمال اليدوية، وهكذا يمكن لشخصين أن يتمتعا بمستوى واحد من الذكاء مع اختلاف في نمط المهارات التي يجيدها كل منهما )[70] .

نساء رائدات:

وفي مختلف حقول العلم والمعرفة، وساحات الإنتاج والتنمية، هناك عطاء وإسهام مميز قدمته نماذج نسائية رائدة، شاركت في صنع أروع الإنجازات العلمية والتكنولوجية.

ففي هذا العام، أسند كوفي عنان السكرتير العام للأمم المتحدة إدارة برنامج الأمم المتحدة لاستخدام الفضاء الخارجي للأغراض السلمية إلى البروفسورة الماليزية المسلمة (مازلان عثمان) عالمة الفلك المعروفة عالمياً.

و (مازلان عثمان) أستاذة في أكاديمية العلوم الماليزية، كما أنها أستاذة في المعهد الفيزيائي التابع للجمعية الملكية لعلوم الفلك، وفي المؤسسة الماليزية للعلوم. وقد تقلدت مؤخراً الدكتوراه الفخرية من جامعة أوتاجو.

وبالإضافة إلى مناصبها الأكاديمية والبحثية والدولية، فإنها متزوجة، وقد رزقها الله ولداً وبنتاً.

وحتى تعيينها في المنصب الجديد، عملت مديرة لقسم العلوم والدراسات الفضائية في ماليزيا، وسبق أن قامت بتدريس العلوم الفيزيائية في جامعة أوتاجو ودوندين في نيوزلندا، كما حصلت على منحة لنبوغها؛ من جامعة كولومبو حصلت على إثرها على إجازة في العلوم الفلكية الطبيعية.

و أسهمت في إنشاء قسم علوم الفضاء التابع للحكومة الماليزية، وشغلت منصب المديرة العامة للبرنامج الوطني الماليزي لعلوم الأقمار الصناعية الذي تمكن من تصنيع القمر الصناعي الماليزي (تيونج سات1) الذي أطلق في مطلع عام 2000 الحالي. وقد ألفت العديد من الكتب والأبحاث في أبحاث الفضاء والفيزياء، فضلا عن أبحاثها المتعلقة بتحقيق التنمية المستدامة، وأسهمت أيضا في جهود فريق الخبراء الماليزيين المختص بدراسة موجات الجاذبية في الفضاء[71].

ومن النماذج الرائدة المهندسة (زهاء حديد) والتي تعتبر الآن أشهر المهندسين المعماريين العالميين وهي مسلمة عربية عراقية، وقد فازت على 270 مهندساً عالمياً في تصميم بناء جسر لندن، واستهوتها الهندسة المعمارية منذ صغرها، لكن رئيس كلية الهندسة في بغداد رفض قبولها بعد إكمالها الثانوية، باعتبارها فتاة لا تصلح لمهنة الهندسة الرجالية -حسب رأيه- ونصح والدها أن تتوجه ابنته بموهبتها نحو الرسم، لكنها أصرت على طموحها، والتحقت بالكلية المعمارية في لندن، واحتلت فيما بعد لفترة سنة، كرسي الأستاذية في كلية الهندسة في جامعة هارفرد، وفازت على أشهر المعماريين الغربيين - (538) مهندساً- بتصميم بناية (القمة) في هونغ كونغ عام 1982م، كما فازت على 97 مهندساً عالمياً بتصميمها لبناء متحف الفنون الحديثة في ولاية سينسيناتي الأمريكية[72].

الإقبال على التعليم:

ونلحظ لدى بناتنا رغبة جامحة و إقبالا كبيراً على التعليم، فعدد الطالبات في المملكة يزيد على المليوني طالبة، ويصل عدد الجامعيات منهن إلى أكثر من 126 ألف طالبة يدرسن في مختلف التخصصات العلمية والأدبية.

ويتجلى هذا الشوق العلمي لدى بناتنا بتزاحمهن على التسجيل من اجل السبق بإحراز فرص الدراسة، حيث ضاق استيعاب الجامعات والكليات عن نسبة كبيرة منهن، وحتى من ذوي المعدلات الرفيعة ما فوق 90%.

كما ويتحمّل قسم منهن عناء الغربة والابتعاد عن الأهل من أجل مواصلة الدراسة الجامعية. وبالطبع فإن ابتعاد الفتاة عن بيتها وأهلها يسبب لها مشاكل كثيرة ويضعها أمام تحديات صعبة.

ونأمل أن تتمكن الجهات المشرفة على تعليم البنات بعون الله تعالى وفي المستقبل القريب من زيادة قدرة الاستيعاب للراغبات في الدراسة الجامعية، ومن توفير فرص الدراسة للبنات في مناطقهن، فذلك أيسر لهن وادعى للحفاظ على أجواء الصلاح والالتزام.

 تحديات الاغتراب:

في الوقت الذي نقدر فيه لبناتنا رغبتهن وشوقهن للدراسة حتى ولو استلزمت عناء الغربة ومشاق السفر، فإننا نلفت النظر إلى التحديات التي تواجه الفتاة حينما تبتعد عن أهلها، وتقيم في منطقة أخرى لمواصلة دراستها، وذلك من اجل أن تأخذ الفتاة استعدادها لمواجهة هذه التحديات، وأيضا لكي تقوم العائلة والمجتمع بالدور المطلوب لمساعدتها في تجاوز هذه المرحلة الهامة. صحيح أن المواطن ما دام في ربوع وطنه، وتحت رايته الخفّاقة لا يعتبر غريبا، لكن مفارقته لمنطقته ومجتمعه وأهله هو نوع من الغربة.

واغتراب الفتاة للدراسة الجامعية يأتي في فترة حساسة من حياتها، حيث تكون في أوج مرحلة المراهقة، وذروة نضجها الجسمي والعاطفي مما يجعلها بأمس الحاجة إلى أجواء الرعاية والتوجيه، تماماً كأخيها الشاب الذي يعيش نفس الحالة في مرحلة شبابه.

وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار الأجواء الإعلامية المفتوحة، من قنوات فضائية، وشبكات الإنترنت، ومختلف وسائل الاتصالات الإعلامية والثقافية، والتي تمارس التحريض للشهوات، والإثارة للأحاسيس والعواطف، وخاصة لجيل الشباب والشابات. وإذا ما علمنا أن هناك عناصر شريرة فاسدة تتحين الفرص بأعراض الناس، وتستخدم وسائل الإغراء والخداع لتحقيق رغباتها السيئة. حينئذٍ ندرك مدى التحدي الذي تواجهه بناتنا المغتربات.

لذلك نلفت أنظارهن إلى الملاحظات التالية:

أولاً - التركيز الدراسي والعلمي:

فالهدف يجب أن لا يكون مجرد الحصول على شهادة، أو الوصول إلى وظيفة، بل ينبغي أن تبذل الفتاة قصارى جهدها لكي تستوعب موادّ دراستها، وان تكون متفوقة في مستواها، وان تفكّر في مواصلة دراساتها العليا، لتصل إلى مستوى العطاء والإنتاج العلمي.

وقبل فترة تحدثت الصحف عن طالبة سعودية طموحة (حياة سندي) والتي كانت تدرس الطب في جامعة الملك عبد العزيز بجدة ثم التحقت بجامعة كامبردج في لندن، وأثارت أساتذتها بنبوغها واجتهادها وابتكاراتها العلمية، فقدمت لها وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) عروضاً للعمل معها، وأصبحت أول عربية تحظى بمنحة دراسية من جامعة كامبردج لتحصيل درجة الدكتوراه في التكنولوجيا الحيوية، كما كانت أصغر طالبة ترسلها الجامعة بعد أربعة أشهر فقط من بدء الدراسة فيها لحضور مؤتمر علمي فازت فيه بأفضل التقارير من الحاضرين على مساهمتها هناك[73].

إن كل طالبة من بناتنا تمثل مشروعاً للتفوق والتقدم، شريطة توفّر الطموح، والاهتمام الجادّ بالدراسة والعلم، ومادامت البنت تدفع ثمناً كبيراً من راحتها الجسمية والنفسية في تغرّبها للدراسة، فعليها أن تأخذ في المقابل اكبر قدر من الفائدة والكسب، ولا ترضى بإضاعة وقتها في الأشياء الثانوية والتافهة.

ثانياً - التكيّف الاجتماعي:

اختلاف نمط الحياة الاجتماعية من الوسط العائلي إلى الوسط الجامعي، يعتبر من التحديات الصعبة التي تواجه الفتاة، فبعد أن كانت تعيش مع عائلتها ضمن جو مألوف لديها، تتلقى فيه كل رعاية وعون، تنتقل إلى سكن داخلي في الجامعة، أو ضمن مجمّع للطالبات، لتجد نفسها في وسط جديد، تحتاج فيه إلى الاعتماد على نفسها، والى التكيّف مع العناصر الجديدة من زميلاتها في السكن والجامعة اللاتي قدمن من بيئات مختلفة، في بعض عاداتها وتقاليدها وأنماط حياتها وأساليب تعاملها، وعلى الفتاة هناك أن تكون في مستوى التحدي، فتتحلى بسعة الصدر، ورحابة النفس، وتستوعب هذا المتغيّر الاجتماعي في حياتها، فتعتمد على ذاتها، وتقابل مدرساتها وزميلاتها والعناصر الإدارية المرتبطة بدراستها أو سكنها بأخلاق طيبة، واتزان سلوكي.

وقد سمعت من العديد من إدارات المجمعات السكنية للطالبات خارج المنطقة، ومن بعض الطالبات شكاوى كثيرة ترتبط بموضوع العلاقات الشخصية بين الطالبات اللاتي يشتركن في غرفة واحدة أو سكن واحد، إن على كل واحدة أن تقدّر ظروف الأخرى، وتتفهم أوضاعها النفسية في هذه المرحلة الصعبة، وتمدّ لها يد العون والدعم، وان تتحمل ما قد يصدر منها من هفوات وأخطاء.

ثالثاً - الالتزام الأخلاقي والسلوكي:

وهو اخطر تحد تواجهه الفتاة المغتربة، حيث تنقطع عنها رعاية وإشراف أسرتها ولا تشعر برقابة اجتماعية، وقد تصحبها زميلات غير متزنات، أو تحيط بها أجواء غير صالحة، فإذا كانت تمتلك الوعي الديني، والنضج في الشخصية، فإنها ستتمسك برزانتها وكرامتها، وهذا ما نرجوه لكل بناتنا العزيزات.

لأن الخيار الآخر وهو الاستجابة للإغراءات، والانطلاق مع الأهواء والشهوات سيكلف الفتاة عزها ومستقبلها وستدفع هي الثمن الباهض لا سمح الله.

فلتحفظ الفتاة دينها وشرفها، ولتكن في مستوى ثقة أهلها بها، ولا تضيع تربيتهم لها، ولا تشوّه سمعة المجتمع الذي تنتمي إليه، فإن البعض من الناس إذا رأى تصرفات شاذة ولو من عناصر قليلة، فإنه يأخذ من ذلك انطباعاً سيئاَ عن كل المجتمع والمبدأ الذي تنتسب إليه هذه العناصر، وكما يقول الإمام جعفر الصادق : ( كونوا زيناً لنا ولا تكونوا شيناَ علينا ).

 إشراف العائلة:

مهما كانت ثقة العائلة بابنتها، وبإدارة المجمّع الذي تسكنه، فإن ذلك لا يغني عن تواصل العائلة وتفقدها لشؤون البنت، فتواصل العائلة يوفر زخما عاطفيا للبنت ويرفع معنوياتها أمام ما قد يواجهها من مشاكل، ويؤكد في نفسها دائما حالة الارتباط العائلي وما تعنيه من قيم وشيم، وكذلك فإن تواصل العائلة مع إدارة المجمّع السكني يشعر المسؤولين فيها باهتمام العوائل ببناتهم، وإذا ما تلّقت إدارة المجمّع اتصالات منتظمة من عائلة ما لتفقد شؤون ابنتهم، وللتأكيد على رعايتها، فإن ذلك يشجعهم على الانتباه والالتفات أكثر لأوضاعها وللعناية بها.

وقد أكدّ هذه الحقيقة أكثر من مسؤول في إدارة مجمعات الطالبات، كانوا يتعجبون من أن كثير من العوائل تهمل بناتها، ولا تبدي أي اهتمام يذكر تجاه إدارة المجمّع، بل ولا يتفاعلون مع الملاحظات التي تقدم لهم عن وضع البنت أو سلوكها، وقد تأخذ العائلة موقفا سلبيا من المجمّع إذا أبلغت بأي ملاحظة.

وتواصل العائلة يكون عبر زيارة الأب أو الأم أو أحد المعنيين بأمر البنت، ولو مرة في السنة الدراسية، ليتعرفوا عن قرب على أوضاعها، والأجواء التي تعيشها هناك.

أو على الأقل بالاتصال التلفوني معها ومع إدارة المجمّع لمناقشة أمورها، وإبداء الاهتمام والرعاية لها.

 إلى إدارة المجمّعات:

وجود مجمّعات سكنية للطالبات أمر جيد، وأفضل بكثير من السكن في شقق مستقلة متناثرة، وخاصة إذا كانت إدارة المجمّع تعي مسؤوليتها الدينية والاجتماعية، ولا تتعامل مع المسألة كمورد للربح والكسب المادي فقط.

إن المسؤولين في هذه المجمّعات وهم من أبناء المجتمع، عليهم أن يدركوا أن هؤلاء الطالبات أمانة في أعناقهم، وأن الله تعالى سيحاسبهم على كل تقصير تجاههن، إن البنت في هذه المرحلة من العمر، وفي ظروف الغربة، ومع ضغوط الدراسة وأعبائها، تحتاج إلى الكثير من الدعم والمساعدة، خاصة وأن الظروف قد لا تسمح لها بالاعتماد على نفسها في الحركة خارج السكن.

إن الشاب حينما تصيبه وعكة صحية، أو يحتاج إلى الطعام أو أي خدمة أخرى، بإمكانه أن ينزل إلى الشارع يستقلّ أي سيارة أجرة وفي أي وقت، لكن البنت لا تستطيع ذلك، من هنا فإن على إدارة المجمّعات توفير أكبر قدر ممكن من الخدمة للطالبات.

كما أن التعامل مع مشاكلهن يجب أن يتصف بالمرونة والتفهّم، فهن من عوائل مختلفة، وطباع وأمزجة متفاوتة، على الإدارة أن تستوعب كل ذلك برحابة صدر، وسعة أفق.

ونظرا لحساسية وضعهن كفتيات في هذه المرحلة من العمر، يجب العناية في اختيار العناصر الصالحة الملتزمة من الموظفين القائمين على شؤونهن من سائقين ومسؤولين.

كما ينبغي توفير الأجواء الصالحة، والبرامج المفيدة لنشر الوعي والتوجيه الديني والاجتماعي لهن، وإذا ما واجهت الطالبة أي مشكلة دراسية أو سلوكية، فعلى إدارة المجمّع الاهتمام بذلك، والتفكير في المساعدة بحكمة وإخلاص.

إن تعاليم الإسلام تحث على التعاون وقضاء الحاجة، وتقديم النصيحة، وتوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الخير، والتعامل مع أوضاع الطالبات هو من أفضل وأجلى موارد انطباق تلك العناوين والتعاليم الإسلامية.

بقي أن نهيب بكل المخلصين الواعين في المجتمع ممن يستطيعون تقديم أي خدمة لمساعدة بنات وطنهم ومجتمعهم، في تخطي هذه المرحلة الحساسة بخير ونجاح، فإن عليهم أن لا يتوانوا في ذلك. إن زيارة أي عالم ديني، أو شخصية اجتماعية واعية، للمجمّعات السكنية للطالبات لها أثر طيب ووقع جميل في نفوسهن، وكذلك إيصال وسائل الإرشاد والتوجيه من كتب ومحاضرات نافعة.

الاستهلاك و عادات الإسراف  

تنافس رهيب وسباق محموم على مستوى العالم بين الجهات المصنّعة المنتجة، يغرق الأسواق بألوان السلع والخدمات، لمختلف احتياجات الإنسان ورغباته، ففي كل مجال من المجالات، تجد أمامك خيارات عديدة متنوعة قد يتعبك استقصاؤها، وتستعين الجهات العالمية المنتجة بخبراء ومراكز بحوث ودراسات، لتطوير إنتاجها كمّاً وكيفاً، من أجل توسيع رقعة أسواقها الاستهلاكية، ولتعزيز مداخيلها وموقعها الاقتصادي.

وتلعب أجهزة الإعلام دوراً كبيراً في خدمة أغراض التسويق عبر أساليب دعائية إعلانية تتفنن في الإغراء واستقطاب الزبائن المستهلكين.

وحتى السياسة أصبحت توظّف لصالح كبريات الشركات ومصانع الإنتاج، حيث يعمل الزعماء السياسيون للدول الصناعية، من أجل فتح الأسواق، أمام منتجات بلادهم، وقد يمارسون الضغوط على الدول الأخرى بهذا الاتجاه، ومن أبرز الأمثلة المعاصرة الخلافات التي وقعت بين الولايات المتحدة الأميركية من جهة واليابان والصين من جهة ثانية، لإلحاحها على الدولتين لفتح أسواقهما أمام السلع الأميركية. لقد أصبح الاستهلاك والتسويق أهم قضية اقتصادية يُتوجه إليها، فالاستهلاك وقود الإنتاج ومحرّك الاقتصاد، فلكي تستمر حركة التصنيع والإنتاج وتتطور لابد من أسواق تستهلك، وزبائن تشتري، والإنتاج أصبح رهيباً وضخماً للغاية على المستوى العالمي، ويحتاج إلى تصريف واسع.

لذا يكون التنافس شديداً على الأسواق، وتبتكر مختلف الوسائل والأساليب لتشجيع الاستهلاك، من إقامة المعارض، ومهرجانات التسوّق، وإعلان مواسم لتخفيض الأسعار والخصومات، وإعطاء الجوائز والمكافآت على السحب، إضافةً إلى الدعايات والإعلانات المستمرة، التي تخلق دوافع الاستهلاك، وتصنع الرغبات، وتفتعل الاحتياجات في نفوس المستهلكين.

ولأن الكثيرين من الناس وخاصة في الدول النامية، قد لا يمتلكون السيولة النقدية، التي تستجيب لرغبات الاستهلاك، فقد استحدثت معالجات لهذه الإشكالية، عن طريق البنوك التي تقدم القروض، وعبر (الفيزا كارت)، وبواسطة البيع بالأقساط .. كل ذلك لدفع الناس للشراء والاستهلاك، لتستمر ماكينة الإنتاج والتصنيع، ولتزيد ثروات وأرباح أصحاب رؤوس الأموال وخاصة أرباب الشركات الكبرى.

 أرقام ودلالات:

وتشكل مجتمعاتنا الخليجية سوقاً استهلاكيةً مغرية، تسعى كل جهة منتجة لأخذ حصتها المناسبة منها، وتثبيت أقدامها في وسطها، ليس لكثافة سكانية في هذه المنطقة، وإنما لتوفر السيولة المالية فيها، ولسهولة التأثير على أنماط الحياة المعيشية للمجتمع، بما يخدم مصلحة المنتجين، فإنسان هذه المنطقة لا يحتاج إلى جهد كبير لإقناعه بشراء أي سلعة، ولا يتشدد كثيراً في المواصفات، ولا يجادل غالباً حول القيمة والسعر.

ولو ألقينا نظرة سريعة على بعض الأرقام المتوفرة عن النشاط الاستهلاكي في المنطقة، وخاصة حول بعض السلع الكمالية والرفاهية، لأدركنا الأهمية التي توليها الجهات المنتجة المصنّعة للتسويق في هذه المجتمعات كما تظهر لنا دلالات التوجهات الاستهلاكية لدى المواطنين.

ففي مجال الأثاث: يقدر معدل النمو السنوي لسوق الأثاث في السعودية بنحو 4%، ويبلغ حجم هذه السوق ما يزيد على 3 بلايين ريال (800 مليون دولار). وحجم إنفاق الأسر السعودية على الأثاث يسجّل ارتفاعاً مستمراً، حيث يزيد على 3% من الدخل السنوي للأسرة وفقاً لدراسات السوق، وتغيّر الأسر السعودية المتوسطة الدخل أثاثها كل 5 إلى 7 سنوات، فيما تنخفض المدة للأسر الأكثر دخلاً، والتي تغير أثاثها كل 3 إلى 5 سنوات.

ورغم أنّ عدد مصانع الأثاث السعودية يبلغ نحو 134 مصنعاً تنتج ما يزيد على 35 ألف طن من الأثاث سنوياً إلاّ أنّها لا تغطي إلاّ ما نسبته 35% من حاجة السوق المحلية، والباقي يستورد من الخارج[74].

وأشار تقرير آخر إلى أنّ واردات دول الخليج من الأثاث سنة 1996م بلغت 2,5 بليون دولار، وأظهرت تقديرات تجارية أن واردات دولة الإمارات من الأثاث وتوابعها بلغت عام 95م 593 مليون دولار، وبلغت قيمة واردات الكويت 494 مليون دولار، وسلطنة عمان 129 مليون دولار، والبحرين 95 مليون دولار، وقطر 63 مليون دولار[75].

الملابس: حجم سوق الملابس الرجالية في السعودية يتجاوز أربعة بلايين ريال سنوياً (1,06 بليون دولار) منها بليون ريال (276 مليون دولار) حجم سوق الشماغ والغترة فقط[76].

العطور ومستحضرات التجميل: أظهرت دراسة اقتصادية أنّ إنفاق المستهلك الخليجي على العطور ومستحضرات التجميل، تعتبر من أعلى معدلات الاستهلاك في العالم. وقدرت حجم واردات مجلس التعاون الخليجي منها بنحو817 مليون دولار سنة 95م. وأشارت الدراسة التي أعدها مصرف الإمارات الصناعي إلى أنّ دول الخليج استوردت سنة 95م نحو 190 ألف طن من العطور ومواد التجميل إلى جانب إنتاجها المحلي البالغ 65 ألف طن.

قيمة واردات السعودية منها 250 مليون دولار، والإمارات 190 مليون دولار.

ولاحظت الدراسة تزايد استهلاك العطور ومستحضرات التجميل بصورة مطّردة مع ارتفاع مستويات المعيشة، واتساع القاعدة الاجتماعية للفئات ذات الدخل المتوسط في دول مجلس التعاون الخليجي[77].

وذكرت مجلة اليمامة السعودية ضمن تحقيق لها عن (المرأة في السعودية واستهلاك أدوات التجميل) أنه خلال عام 1995م استهلكت النساء في السعودية 538 طناً من أحمر الشفاه، و43 طناً طلاء الأظافر، و41 طناً من مزيلات هذا الطلاء!! و232 طناً من مستحضر تجميل العيون، وصباغة الشعر 445 طناً[78].

الذهب والألماس: تعتبر السعودية ثالثة أكبر سوق عالمية للذهب تقدر قيمتها 3 بلايين دولار سنوياً، وقدّر مسؤول في شركة (دي بيرز) أكبر شركة للألماس في العالم حجم سوقه -عدا بقية الشركات- في منطقة الخليج بأكثر من بليون دولار سنوياً. وقال إن الطلب على الألماس في منطقة الخليج يعتبر من الأعلى في العالم[79].

السيّارات: تنفق السعودية ما يصل إلى 13 بليون دولار في سوق شراء السيّارات، وقطع الغيار سنوياً، ما يجعلها أكبر سوق للسيّارات في الشرق الأوسط، حيث تستورد السعودية أكثر من 275 ألف سيارة سنوياً تقدر قيمتها بأكثر من 10,9 بليون دولار إضافة إلى سوق قطع الغيار والإكسسوارات التي يقدر حجمها بنحو 2,2 بليون دولار[80].

المشروبات الغازية: ارتفع حجم السوق السعودية في قطاع المشروبات الغازية إلى أكثر من بليون دولار سنوياً[81].

هذه نماذج وأمثلة بسيطة عن توجهات وارتفاع وتيرة الاستهلاك في مجتمعاتنا.

 بين الإنتاج والاستهلاك:

في الدول الصناعية يكون الاستهلاك عملية متكاملة مع الإنتاج، وموازية له، فالفكرة هناك أنه لكي تنتج وتصنع أشياء جديدة لابد من وجود قدرة عالية على الاستهلاك، بل إن الإنتاج عندهم يفيض على الحاجة الاستهلاكية لديهم في غالب مجالات التصنيع، لذا يتجهون إلى التصدير، ويبحثون عن أسواق الاستهلاك خارج بلادهم.

لكن مشكلة بلداننا أن الاستهلاك عملية قائمة بذاتها لا ترتبط بالإنتاج، ولا تتجه لتشجيع الإنتاج الوطني.

إنّ الفرد في مجتمعاتنا يلهث خلف الاستهلاك لكنه ضعيف الإنتاجية والفاعلية، وقبل فترة أشارت دراسة أعدتها لجنة علمية أميركية تحت عنوان (في مواجهة المستقبلات) إلى أنّ الإنتاج الخام للفرد في الدول الصناعية عام 75م كان 3000 دولار ويصل في عام 2000م إلى 8000 دولار، بينما لم يتعد إنتاج الفرد في الدول النامية عام 75م 290 دولار، ويصل عام 2000م إلى 860 دولار، أي أنّ النسبة بين إنتاجية الفرد هناك وإنتاجية الفرد هنا من واحد إلى عشرة تقريباً!!

إنهم يستهلكون ما ينتجون فيتقوى اقتصادهم، وتتنشط دورته، بينما نبالغ في استهلاك ما ينتجه الآخرون فتتبدد ثرواتنا وإمكانياتنا.

ولو كانت لدينا خطط وأطروحات لاستقطاب جزء من السيولة التي في أيدي المواطنين باتجاه مشاريع الإنتاج والعمل والتصنيع، لكنّا في مستوى أفضل.

كما أننا بحاجة لتشجيع الإنتاج الوطني، بدل التهافت على الاستيراد واقتناء السلع الأجنبية.

التخطيط في الإنفاق:

في المجتمعات التي يتوفر لأبنائها وعي اقتصادي حياتي، يعتمد كل فرد له ميزانية سنوية، وفق مستوى دخله، وحسب أولويات احتياجاته، فيحدد نسبة من دخله لكل مجال من مجالات حياته، فللتعليم كذا في المائة، وللصحة كذا، وللغذاء كذا وهكذا.

وعادة ما تخصص نسبة للادخار لمواجهة الحالات الطارئة، والتي انطلقت منها شركات التأمين في المجالات المختلفة.

وعلى أساس هذا التخطيط يكون هناك توازن بين الدخل والإنفاق، كما تعطى الأولوية للحاجات الأساسية، وتأتي الكماليات في مرحلة تالية.

أمّا في مجتمعاتنا فنادر ما تجد مثل هذا التوجه، لذا يعاني الكثيرون وخاصة من أصحاب الدخل المحدود، أوضاعاً اقتصادية صعبة، حيث تتبخر مدخولاتهم بسرعة، ولا يتمكنون من ترتيب أوضاعهم المعيشية، لافتقادهم التخطيط.

كتب أحدهم رسالة لجريدة عكاظ هي نموذج يحكي حالة الكثيرين ومما جاء فيها: أنا شاب متزوج ولديّ طفلة صغيرة، وأعمل في وظيفة محترمة، وأتقاضى راتباً يبلغ تسعة آلاف ريال شهرياً، وما أن يأتي آخر الشهر لا أجد ريالاً في جيبي، ومشكلتي تكمن في عجزي عن ادخار أي مبلغ ينفعني في الأيام الصعبة، ويساعدني على تأمين مستقبل جيد لأولادي، عجزت عن شراء متر أرض واحد أو بناء منزل لي ولأولادي..[82]

إنّ إنفاق الإنسان يجب أن يكون في حدود دخله، وصرفه يجب أن يكون ضمن ميزانية يعتمدها بدراسة وتفكير، لا أن يصبح دخله في مهب رياح الدعاية والإعلان، وتحت تأثير الرغبات الاستهلاكية الارتجالية.

 عادات الإسراف والتبذير:

لقد تحول الإسراف والتبذير والمبالغة في الاستهلاك إلى عادات وأعراف حاكمة في مجتمعاتنا.

فأطفالنا يتربون من صغرهم على حب الاستهلاك، فتعطى لهم النقود دون حاجة، ويتعلمون على الاستمتاع بالشراء، لمجرد الشراء وإن كان لشيء لا يفيدهم، بل قد يكون ضاراً لهم. وترى في حالات كثيرة حينما يبكي الطفل ويريد أهله تهدئته يقال له خذ ريالاً أو خمسة أو عشرة واذهب إلى البقالة!! في مقابل ذلك تشجّع بعض العوائل في المجتمعات المتقدمة أبناءها منذ صغرهم على فتح حسابات للادخار، وتعلّمهم كيف يفكرون فيما يشترون قبل أن يشتروا.

وعلى المستوى العام فالتسوّق والشراء لم يعد تلبية لحاجة في حياة العائلة، بل أصبح برنامجاً للترفيه والتمتع، فيذهبون إلى السوق ليس لشراء حاجات معينة يريدونها، وإنما يتجولون في المحلات التجارية لتنخلق عندهم الحاجة ورغبة الشراء، فالاستهلاك بحد ذاته مصدر لذة وارتياح.

كما تعوّد الناس على أن يشتروا الأشياء بالكميّات، وحتى فيما يسرع إليه التلف، فيحمّلون أنفسهم نفقات التخزين و التبريد، ويخسرون قسماً كبيراً منها بالخراب والتلف، ذلك أن الواحد منّا يستحي أن يشتري بالكيلو أو الحّبة الواحدة!!

بينما ترى في أميركا وأوروبا أنّ العائلة تشتري بضع حبات من البرتقال أو التفاح وجزءاً من حبة البطيخ وما أشبه.

وعاداتنا في الأكل والشرب قائمة على الإسراف والتبذير غالباُ، وخاصة في الولائم والمناسبات العامة، حيث يقدم لشخصين أو ثلاثة صحن طعام ممتلئ يكفي لعشرة أشخاص، فيتناولون منه مقداراً يسيراً، ويرمى الباقي!! وهي حالة مألوفة معروفة.

وتحكي أرقام وزن النفايات المنزلية صورة عن مستوى الإسراف والتبذير، فقبل سنوات أشارت دراسة نفذها المعهد العربي لإنماء المدن بعد مسح شامل لحوالي 111 مدينة عام 1986م، إلى أنّ النفايات المنزلية في 29 مدينة في دول مجلس التعاون الخليجي تشكل 79% من المجموع العام للنفايات المختلفة، وهذه النسبة تعتبر من أعلى النسب في كل دول العالم. ويلقي الفرد في مدينة الرياض نحو 2000 غرام من النافيات العامة يومياً!![83]

في بعض الدول الأوروبية تجمع القمامة والنفايات المنزلية يومين في الأسبوع، أمّا عندنا فهي تجمع يومياً، بل يلاحظ أنها تزيد على استيعاب البراميل المعدّة لها.

كما أصبح الاستهلاك ميداناً للتفاخر والتباهي، فاختيار نوع السيارة أو أثاث المنزل، أو طريقة احتفال الزواج في هذه الصالة أو تلك، وبهذا الشكل او غيره، لا يتم نتيجة اختيار موضوعي وانما لتسجيل نقاط في مجال التفاخر والتباهي، ومحاكاة لذلك الشخص او تلك الجهة.

إننا ندفع ثمناً باهضاً لهذه العادات السيئة، فأولاً: غضب الرب سبحانه وتعالى والذي نهانا عن الإسراف والتبذير، يقول تعالى : (وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ )[84] .ويقول تعالى : (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ )[85].

وثانياً: ترهقنا بأعبائها، حيث يجد الواحد نفسه منساقاً لمماشات هذه العادات والأعراف، مع عدم قدرته وضعف إمكانياته، فيتحمل الديون والقروض، ويتعرض للإحراج والمشقة، كما تتعرقل بسببها متطلبات وحاجات الحياة، وتنتج المشاكل العائلية والاجتماعية.

فالزواج أصبح يتطلب كلفة كبيرة، ومراسيم العزاء عند الوفاة تحتاج مبالغ طائلة، وتقديم الهدايا عند الولادة من قبل المرأة لصديقاتها يستلزم ميزانية باهضة...

 دعوة إلى الترشيد:

لم تكن مجتمعاتنا تعيش مثل هذه الحالة الاستهلاكية في الماضي، وحتى لدى الطبقات الثرية والمتمكنة، لكن توفر السيولة في الأيدي، والتأثر بوسائل الإعلام والدعاية، هو الذي شجع على عادات الترف والإسراف. لكن الوضع الاقتصادي الآن أصبح ضاغطاً على الأكثرية الساحقة، فالحاجة ماسّة لتغيير أنماط الاستهلاك السائدة، وترشيدها بما يتناسب مع ارتفاع مستوى المعيشة، ومحدودية المداخيل. ومع أنّ الناس جميعاً يتبرمون من هذه العادات الضاغطة المرهقة، إلاّ أنّهم يخضعون لها ويتقيدون بها، خوفاً من الانتقاد والاتهام بالبخل.

والمطلوب تجاوز هذا الإحساس المضخّم، وأن تبدأ مبادرات الترشيد على مستوى الإنفاق الخاص، وفي المناسبات العامة، وإذا ما تعددت هذه المبادرات، فسوف تخلق عادات جديدة راشدة يقبل عليها الكثيرون. ولنضع نصب أعيننا الحديث الوارد عن الإمام موسى الكاظم  عن الإسراف قال : ( هو يرفع صاحبه في الناس ويضعه عند اللَّه )[86] .

ونشير هنا إلى أهمية الاستجابة للدعوة التي يطرحها علماء الإسلام في مقاطعة البضائع والسلع الأميركية، فإنها بالإضافة إلى ما تعنيه من تضامن مع إخوتنا الفلسطينيين المقاومين للاحتلال الإسرائيلي، ومن إعلان الغضب والسخط على الموقف الأميركي الجائر المنحاز للصهاينة، بالإضافة إلى ذلك فهي نوع من التوجه لترشيد الاستهلاك، حيث يراجع الإنسان عقله فيما يريد أن يشتريه، ويأخذ بعين الاعتبار جهة الإنتاج، وموقفه تجاهها.

 

 


 

[1] سورة النساء: الآية123.

[2] الهندي: علي المتقي، كنز العمال ج1 ص427، حديث رقم 1840، مؤسسة الرسالة الطبعة الخامسة 1985، بيروت.

[3] سورة البقرة: الآية 74.

[4] الحر العاملي: محمد بن الحسن، وسائل الشيعة، ج21 ص475، حديث رقم 27623، الطبعة الأولى 1993م، مؤسسة آل البيتG لإحياء التراث، بيروت.

[5] الكليني: محمد بن يعقوب، الكافي، ج5 ص569، الطبعة الثالثة المصححة 1985م، دار الأضواء، بيروت.

[6] الهندي: علي المتقي، كنز العمال ج9 ص25، حديث رقم 24747، مؤسسة الرسالة الطبعة الخامسة 1985، بيروت.

[7] الحر العاملي: محمد بن الحسن، وسائل الشيعة، حديث رقم 21637 ص313.

[8] البخاري: محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، ج1 ص317، حديث رقم 1303

[9] سورة الرحمن: الآية 3-4.

[10] الشريف الرضي: محمد بن الحسين، نهج البلاغة، حكمة رقم 147.

[11] الحر العاملي: محمد بن الحسن، وسائل الشيعة، حديث رقم 27659،ج 21 ص486.

[12] سورة المدثر: الآية 45.

[13] سورة الطور: الآية 21.

[14] سورة الأحزاب: الآية 67

[15] الأبشيهي: محمد بن أحمد، المستطرف في كل فن مستظرف، ج1 ص108، الطبعة الثانية 2000م، المكتبة العصرية، بيروت.

[16] سورة آل عمران: الآية 114.

[17] سورة الأنبياء: الآية90.

[18] سورة آل عمران: الآية 133.

[19] ابن منظور: محمد بن مكرم، لسان العرب ج3 ص134.

[20] ابن عاشور: محمد الطاهر، تفسير التحرير والتنوير ج4 ص58.

[21] سورة البقرة: الآية 148.

[22] سورة الحديد: الآية 21.

[23] سورة الواقعة: الآية10.

[24] ابن منظور: محمد بن مكرم، لسان العرب ج3 ص90.

[25] مجموعة من المختصين: بإشراف: صالح حُميد - عبد الرحمن بن ملُّوح، موسوعة نضرة النعيم ج8 ص3388.

[26] سورة التوبة: الآية100.

[27] سورة الأنعام: الآية14.

[28] سورة الزمر: الآية12.

[29] سورة الأعراف: الآية143.

[30] الطريحي: فخر الدين، مجمع البحرين ج5 ص311.

[31] السيد: الدكتور فؤاد صالح، معجم الأوائل في تاريخ العرب والمسلمين، دار المناهل - بيروت الطبعة الأولى 1992م ص10.

[32] المدرسي: السيد هادي، أخلاقيات أمير المؤمنين ص119 الطبعة الأولى 1991م مؤسسة الأعلمي- بيروت.

[33] الموسوي: الشريف الرضي، نهج البلاغة خطبة رقم 230.

[34] المجلسي: محمد باقر، بحار الأنوار ج68 ص215.

[35] الكليني: محمد بن يعقوب، الكافي ج2 ص143.

[36] المصدر السابق.

[37] المجلسي: محمد باقر، بحار الأنوار ج74 ص165.

[38] سورة الصف: الآيتان 2-3.

[39] الموسوي: الشريف الرضي، نهج البلاغة - خطبة 29.

[40] محمد: الدكتور محمد علي، وقت الفراغ في المجتمع الحديث ص48 دار النهضة العربية- بيروت 1985م.

[41] المصدر السابق: ص42-44.

[42] سورة المؤمنون: الآية113.

[43] سورة يونس: الآية 45.

[44] المجلسي: محمد باقر، بحار الأنوار ج74 ص76.

[45] سورة الليل:الآيتان 1-2.

[46] سورة الفجر:الآيتان 1-2.

[47] سورة الضحى:الآيتان 1-2.

[48] سورة العصر:الآيتان 1-2.

[49] القشيري النيسابوري: مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم – حديث رقم 782.

[50] المصدر السابق: حديث رقم 784.

[51] القرضاوي: الدكتور يوسف، الوقت في حياة المسلم ص19 الطبعة الخامسة 1991م مؤسسة الرسالة – بيروت.

[52] بن شعبة الحراني: محمد بن الحسن، تحف العقول ص302.

[53] سورة الشرح: الآيتان 7-8.

[54] محمد: الدكتور محمد علي، وقت الفراغ في المجتمع الحديث ص244 دار النهضة العربية- بيروت 1985م.

[55] السدحان: عبد الله بن ناصر، وقت الفراغ وأثره في انحراف الشباب ص54 الطبعة الأولى 1994م مكتبة العبيكان- الرياض.

[56] القرضاوي: الدكتور يوسف، الوقت في حياة المسلم ص27.

[57] كمال: الدكتور علي، أبواب العقل الموصدة- باب النوم وباب الأحلام ص118 الطبعة الأولى 1989م دار الجيل- بيروت. الدار العربية- عمّان.

[58] المصدر السابق ص157.

[59] المجلسي: محمد باقر، بحار الأنوار ج73 ص180.

[60] المصدر السابق.

[61] المصدر السابق.

[62] العمر: الدكتور ناصر بن سليمان، البث المباشر حقائق وأرقام ص14 دار الوطن للنشر- الرياض/ الطبعة الأولى 1412هـ‍‍.

[63] المجلسي: محمد باقر، بحار الأنوار ج1 ص218.

[64] سورة الإسراء: الآية 36.

[65] مصيقر: عبد الرحمن، الشباب والمخدرات في دول الخليج العربية ص66، شركة الربيعان للنشر والتوزيع- الكويت.

[66] السدحان: عبد الله بن ناصر، وقت الفراغ وأثره في انحراف الشباب ص22.

[67] سورة هود: الآية61.

[68] سورة لقمان: الآية20.

[69] الموسوعة العربية العالمية: الطبعة الثانية 1999هـ‍ ، الرياض- السعودية ج10 ص366.

[70] كيمورا: الدكتورة، الفوارق في الدماغ بين الجنسين، مجلة العلوم - الترجمة العربية لمجلة العلوم الأمريكية- مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، المجلد10 العدد5 مايو 1994م ص76.

[71] النور: العدد184، ربيع الآخر 1421، يوليو 2000- مجلة شهرية، بيت التمويل الكويتي.

[72] الحياة: جريدة يومية/ لندن، عدد13047 - 23 نوفمبر1998م، عدد 12308 - 6 نوفمبر 1996م .

[73] الشرق الأوسط: جريدة يومية - لندن 10/2 /1999م.

[74] الحياة: جريدة يومية - لندن 30 نوفمبر 2000م.

[75] الحياة: جريدة يومية - لندن 27/5/1417هـ‍.

[76] الحياة: جريدة يومية - لندن 27 نوفمبر 2000م.

[77] الحياة: جريدة يومية - لندن 12/6/1416هـ‍.

[78] اليمامة: مجلة أسبوعية - سعودية ص22/ العدد 1449- 20/11/1417هـ‍.

[79] الحياة: جريدة يومية - لندن 7/10/1417هـ‍.

[80] الحياة: جريدة يومية - لندن 19 نوفمبر 2000م.

[81] الحياة: جريدة يومية - لندن 1 مايو 1998م.

[82] عكاظ: جريدة يومية سعودية، 24 مارس 1997م.

[83] قافلة الزيت: مجلة شهرية - شركة أرامكو السعودية ص40 ربيع الأول 1416هـ‍.

[84] سورة الأعراف: الآية31.

[85] سورة الإسراء: الآية27.

[86] الريشهري: محمدي، ميزان الحكمة ج4 ص445.