|
في العلاقة مع المجتمع يتعرّض الإنسان من خلال علاقاته وتعامله مع الناس إلى امتحان دائم، فهو من جهة يواجه أمزجة مختلفة ونفسيات متفاوته، ومن جهة أخرى يحتاج إلى التعامل والتعاطي الدائم معهم، ولكي يكون الإنسان ناجحاً في هذا التعامل ينبغي أن يمتلك صدراً منشرحاً ونفسية سمحة. فالتعامل مع البشر تختلف قوانينه عن التعامل مع الطبيعة، إذ قوانين الطبيعة ثابتة بينما البشر أمزجة مختلفة، وعقول متفاوتة، ومصالح شتى، وأكثر من ذلك أن مزاج الفرد الواحد لا يكون ثابتاً دائماً بل يتقلب بتقلب الظروف والأجواء التي تحيط به، مما يضفي على الصعوبة الموجودة أصلاً صعوبة أخرى، فقد تلتقي بشخص يوماً فيكون فيه سعيداً فرحاً مسروراً، ثم تلتقي به يوماً آخر فتجده على عكس ذلك تماماً. وليس صحيحاً أن يلقي الإنسان باللائمة في مشكلات التعامل على الآخرين، فيعتبر نفسه بريئاً من كل نقص، أو يرى أن النقص والعيب في الآخرين فقط.. فيقول إن الناس لا يفهمونه ولا يقدرونه، وأنهم غير جديرين بالاحترام والتقدير، وإنهم لو كانوا كذا لكان تعامله معهم أفضل، ولو كانوا مثل فلان وفلان، لكنت ناجحاً معهم. والواقع أن الناس لا يمكن أن يكونوا كما يتمنى أي شخص ويريد، فهل يتصور هذا أن الله يخلق الخلق حسب مزاجه ورغبته هو، وهل الناس لباس تفصله على ذوقك حتى تلبسه؟ أم أثاث تريد أن تستعمله فتعطي قياسه للنجار فيصنعه لك. إن الناس هم الناس.. في كل مكان تذهب إليه وسيبقون كذلك. ولم يحقق الله لأحد من خلقه، حتى من أنبيائه ورسله، أن يخلق له أناساً من صفات معينه حتى ينجح في تعامله معهم. فكيف ينجح الإنسان في تعامله مع الناس رغم اختلاف نفسياتهم، هذا ما تجيب عنه الآية 63 من سورة الفرقان حيث يقول الله تعالى : ( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً ) حيث تؤكد الآية أن ( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ ) الذين يخضعون لأوامره ونواهيه، يتصفون بصفة هامة تساعد في إنجاح علاقتهم مع الآخرين وتأثيرهم عليهم، وهذه الصفة هي أنهم ( يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ) فلا يمشون بخيلاء وتكبّر وتجبّر، وأنهم لا ينظرون إلى أنفسهم بتميز عن الآخرين ولا يشعرون بأنهم أرقى من بقية الناس. وهذه النفسية المتكبرة لا يمكن أن تنجح في التعامل مع الغير، لأن أهم أسس النجاح أن يكون الإنسان قادراً على التسامي على ردات الفعل، ومتمكناً من ضبط النفس أمام كل إثارة وتهييج، وأنى للمتكبر أن يصل إلى هذا المستوى . ثم تقول الآية الكريمة : (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً ) والجاهلون ليسوا بالضرورة طبقة الأميين أو غير المتعلمين بل قد يكونون أناساً متعلمين وعلماء متخصصين، غير أنهم جهّال في كيفية التعامل مع غيرهم، وهم ليسوا بالضرورة صغاراً في السن بل قد يكونون كباراً في السن إلا أن تصرفاتهم طفولية. فالذين هم من عباد الرحمن المطيعين لا يستجيبون لإثارات الجاهلين بل يكون ردهم كما تؤكد الآية ( سَلَاماً ) . وسلاماً هنا تعني الوداع، أي أن هذا وقت الافتراق بيننا، أي أننا لن نستجيب لكم في الوقوف عند كل تصرف جاهل تقومون به، بل سنمر عليه مرور الكرام، كما تشير إلى ذلك آية أخرى حيث يقول عز وجل : (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً )[1] . وفي آية أخرى : ( وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ )[2]. فليس يليق بشأنهم أن يردوا على كل تصرف جاهل، بل هم أرفع وأعلى وهم منصرفون إلى مهماتهم وأعمالهم الطيبة الأساسية لا ينشغلون عنها بالترهات والخصومات الجانبية. وهذه هي الصفة التي تميزت بها الشخصيات الناجحة في التعامل مع الآخرين. ويعطي لنا الإمام علي بن الحسين نموذجاً لتلك الشخصية فقد حدث ( أن لئيماً اعتدى عليه فسبه، فأشاح بوجهه عنه، فانتفخت أوداج اللئيم وراح يقول له: إياك أعني. وأسرع الإمام قائلاً : ( وعنك أغضي.. ) وتركه الإمام وانصرف)[3]. ( وخرج من المسجد ذات مرة فسّبه رجل فأسرع إليه الناس للانتقام منه فنهاهم عن ذلك، وأقبل عليه قائلاً: ( ما ستره الله عنك أكثر، ألك حاجة نُعينُك عليها؟ ) وخجل الرجل وود أن الأرض قد ساخت به، ولما نظر إليه الإمام أشفق عليه فألقى إليه خميصة كانت عليه، وأمر له بألف درهم)[4]. هذا في حين أنك تجد بعض الناس يتفاعلون حتى مع الكلام الذي ينقل إليهم عن الآخرين رغم أن النقل قد لا يكون دقيقاً. وينقل عن الشيخ الآخوند محمد كاظم الخراساني(قدس سره) ، أنه كان آية في تعامله حتى مع المناوئين له وكان يهتم خصوصاً بمبادلتهم الإساءة بالحسنى.. وذات مرة دخل عليه أحد الخطباء المعروفين ممن كانوا يعارضون الشيخ الآخوند في تزعمه لحركة المشروطة التي تطالب الملك القاجاري في إيران بوضع دستور للبلاد وإنشاء مجلس للشورى، وكان ذلك الخطيب ينتمي إلى مجموعة أخرى كانت تسمى بالمستبدة، تطالب بأن يبقى الوضع كما هو خوفاً من دخول القوانين غير الإسلامية في الدستور أو نفوذ رجال من خارج الوسط الديني في مجلس الشورى، ولوجود حالة الخلاف هذه فكثيراً ما تناول ذلك الخطيب من على منبره الشيخ الآخوند بالنقد والتجريح على موقفه وشاء القضاء أن يحتاج هذا الخطيب أن يبيع بيته حتى يسدّد ديناً عليه فقال له المشتري إذا وقع الآخوند على سند بيتك أشتريه وإلا فلا.. فجاء إلى النجف. والتقى الشيخ الآخوند.. احترمه الشيخ كثيراً وأجلسه في صدر المجلس وعبر له عن سروره بلقائه، فقال الخطيب: أرجو أن توقع هذا السند لأستطيع أن أبيع بيتي، فأخذ الشيخ السند ثم بعد فترة قام الشيخ وأخرج من خزانته عدة أكياس من الليرات، ودفعها إلى الخطيب وقال: أنت من أهل العلم وأنا لا أرضى أبداً بضغط الحاجة على أهل العلم، خذ هذا المبلغ وأدَّ ديونك ولا تبع بيتك فتشرد عائلتك. فخجل الخطيب من تصرف الشيخ ولكنه أصبح بعد ذلك من أنصار الشيخ ومحبيه[5]. الأقربون أولى: ومهما كانت الحاجة إلى ممارسة هذا الخلق مع الناس ماسة وشديدة إلاّ أن التعامل بها مع المحيط القريب من الإنسان أهم وأكبر. فالعفو والصفح له قيمة عظيمة إذا مارسته مع الأبعدين، ولكن قيمته تزداد حينما يمارس وسط العائلة والأسرة والدائرة الأقرب للإنسان، مع الوالدين الكبيرين، ومع الزوجة والأبناء، مع الفقراء والضعفاء ومن لا حول لهم ولا قوة. ذلك أن القوي قد يندفع الإنسان للتنازل معه بدافع من الخوف والهيبة وتجنباً للمشاكل، أما الضعيف الذي لا يملك حولاً ولا قوة، فإن التنازل له لا يحركه الخوف، بل رغبة للثواب والأجر من الله وانطلاقاً من طيب الذات والمعدن. أما بعض الناس، ونحن نسمع أحياناً شيئاً من هذه القصص، إذا أخطأ في حقهم بعض إخوانهم فإنهم يكشرون عن أنيابهم فينتقمون منهم بشراسة. وإذا تجاوز عليهم أناس غرباء عنهم أو أقوياء في مراكزهم، فإنهم يخنعون ويركعون ويدفنون رؤوسهم في الرمال.. ثم لا يفتأ يكرر عليك كلمات الصبر والتحمل ( ما عليه، بسيطة، ما يخالف، نتحملها، شدة وتزول )، وبذلك يكونون مصداقاً لقول الشاعر:
وليت شعري، أين كانت هذه الكلمات حينما أخطأ في حقك أخوك في النسب أو الإيمان، ولماذا اعتبرت ثورتك هناك استرداداً لعزتك وكرامتك التي تصورت أنها انتهكت وأهينت، أما هنا فتحولت إلى صابر محتسب، فأين منك إذاً قول الله عز وجل : ( أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ )[6]. إن طريق الفرد، والمجتمع للنجاح في تحدي العلاقة مع الآخرين يمر حتماً عبر هذه المقدمة وما لم يكن الإنسان قادراً على التحكم في ردات فعله على تصرفات الغير، فإنه لن يكون ناجحاً في تعامله، ولنا في سيرة النبي وأهل بيته خير أسوة وقدوة، ولنستفيد من سيرة العظماء الذين بلغوا أعلى المناصب لكنهم تغلبوا على حس الانتقام فهذا يوسف الصديق يخاطب إخوته حينما دخلوا عليه مصر وهو ملك عليها، بعد إن أساءوا في حقه كثيراً، حسدوه والقوه في غيابت الجب، ثم بيع كعبد في مصر، وتعرض للسجن والاتهام، لكنه كان أسمى واكبر من الانتقام والحقد، بل خاطبهم : ( قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ )[7]. إن سعة الصدر، صفة ضرورية للنجاح في الحياة الاجتماعية، ولتجاوز مشاكل التعاطي والتعامل مع الآخرين من القريبين والبعيدين، وهي تجعل نفس الإنسان في راحة من التفاعل مع إساءات الآخرين، كما توفر على أعصاب الإنسان ومشاعره حالة الاضطراب والتشنج الناتج من ردات الفعل على الاستفزازات المعادية. لابدّ لإدارة شؤون المجتمع من جهاز وظيفي، فأي قائد مهما كانت قدراته وكفاءاته لا يستطيع إدارة الأمور بجهده وطاقته الشخصية المباشرة، وأي إدارة لعمل واسع متشعب تحتاج إلى الاستعانة بموظفين. والجهاز الوظيفي مهم وحساس لأنه يشكل القناة بين الحاكم والناس، فعبره تصل أمور الناس وقضاياهم إلى الحاكم، وبواسطته تنفذّ الأنظمة والقوانين، فإذا كان الجهاز الوظيفي صالحا ويعمل بشكل سليم، انتظمت أمور الناس وفق النظام والقانون، أما إذا أصابه الفساد والخلل، فستضطرب أمور العباد والبلاد، وتتعثر الأنظمة والقوانين، ولن يغني صلاح الحاكم ولا يعوّض عن فساد الجهاز الإداري. حسن الاختيار: ومن أجل أن يؤدي الجهاز الإداري والتنفيذي دوره على أحسن وجه، لابد من حسن الاختيار وخاصة لذوي المراتب المتقدمة، والمناصب العليا، وتركز النصوص الدينية على صفتين رئيستين يجب أن تتوفرا في الموظف المسؤول: صفة الأمانة وصفة الكفاءة. والأمانة تعني أن يحافظ على الإمكانات التي تكون تحت يده فلا يُصرف شيء منها إلا في موارده المقررة، وأن لا يسيء استخدام موقعه وصلاحياته تبعا لرغباته وميوله، وتنفيذا لمآربه الشخصية وانتماءاته. والكفاءة تعني الجدارة والأهلية للمسؤولية الملقاة على عاتقه، يقول تعالى عن لسان نبيه يوسف حينما رشّح نفسه لإدارة الاقتصاد في مصر : ( قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ )[8]. لقد وصف نفسه بصفتين اعتبرهما مبررا لأهليته وصلاحيته للمنصب: أنه حفيظ أي أمين مؤتمن يحفظ ما يكون تحت يده من ثروات وإمكانيات، وعليم أي صاحب معرفة وكفاءة تمكنه من تحمّل المسؤولية وأداء المهمة. وفي مورد آخر ينقل القرآن الكريم عن ابنة نبي الله شعيب ، حينما اقترحت على أبيها توظيف نبي الله موسى للقيام بأمور خدمتهم، فركّزت على صفتين رأتهما في شخصيتة تؤهلانه للوظيفة، يقول تعالى : ( قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ )[9] . ويقول الإمام علي في عهده لمالك الأشتر: ( ثم انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختبارا ـ وفي نسخة اختيارا ـ ولا تولهم محاباة وأثرة )[10]. إن إعطاء الوظائف للمحسوبيات والمحاباة على حساب النـزاهة والكفاءة لهو سبب من أهم أسباب الفساد والخلل في الأجهزة الوظيفية والإدارية في أية مؤسسة من المؤسسات. الرقابة والإشراف: حينما يستلم الإنسان وظيفة من الوظائف، ويجد نفسه صاحب أمر ونهي ضمن صلاحيات منصبه، ويرى تحت تصرفه إمكانيات وسلطات، فسيكون أمام امتحان حقيقي، ينجح فيه الصالحون الواعون الذين يخافون ربهم، ويخشون حسابه وعقابه، بينما يتساقط في هذا الامتحان أصحاب النفوس الضعيفة، والذين يعتبرون المنصب والوظيفة فرصة ومجالا لإشباع رغباتهم ونزواتهم، ولتحقيق مطامعهم، وتصفية حساباتهم مع الآخرين من خلال الموقع الذي تسلقوه. وقبل أيام نقلت الصحف خبرا يعتبر عيّنة لما تعاني منه بلدان كثيرة من الفساد الإداري وسوء استخدام الوظيفة، وهو أن أحد كبار مسئولي الشرطة في بومباي (الهند)، عمد إلى إقفال مطعم صيني فخم اعتاد الأكل فيه مجاناً من دون أن يدفع. وكان سبب الإقفال أن مسؤول الأمن طلب حجز طاولة، إلا أن صاحب المطعم اعتذر لأن كل الطاولات محجوزة، فما كان منه إلا أن أرسل قوة أقفلته لتأخره لمدة ربع ساعة بعد الموعد المحدد للإقفال وهو الواحدة والنصف فجراً[11]. وقد يكون هذا الإنسان الموظف صالحاً في بداية الأمر، لكن إغراءات المنصب، والفرص المتاحة أمامه قد تغريه، ويسوّل له الشيطان طريق الفساد، وإساءة استخدام الوظيفة، ويُلحظ أن بعض الأشخاص تطرأ على شخصيته تغييرات في سلوكه وأخلاقه بعد أن يتبوأ موقعا أو منصبا رفيعاً. كما يقول تعالى : ( كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى )[12] . ويقول الإمام علي : ( الولايات مضامير الرجال )[13]. في مواجهة هذه الاحتمالات الواردة لابد من رقابة وإشراف على سير أعمال الموظفين، وسلوكهم في ممارسة مهامهم، ووجود الرقابة يشكل رادعا عن الانحراف، كما تُكتشف عبرها كثير من الأخطاء والمفاسد والثغرات. ويروى عن الإمام علي بن موسى الرضا قوله: ( أنه كان رسول الله إذا بعث جيشا فأمهم أمير بعث معه من ثقاته من يتجسس له خبره )[14]. وفي عهده لمالك الأشتر يوصي الإمام علي برقابة العمال والموظفين فيقول: ( وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم ـ العمال ـ فإن تعاهدك في السر لأمورهم حدوة لهم على استعمال الأمانة والرفق بالرعية، وتحفظ من الأعوان، فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك، اكتفيت بذلك شاهدا فبسطت عليه العقوبة )[15]. وعرف عن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رقابته الشديدة على الولاة ومحاسبته الصارمة على أخطائهم وتعدياتهم. وفي كتاب (الخراج) أشار أبو يوسف القاضي إلى ضرورة هذا الأمر فقال: ( وأنا أرى أن تبعث قوما من أهل الصلاح والعفاف ممن يوثق بدينه وأمانته يسألون عن سيرة العمال وما عملوا في البلاد... وإذا صح عندك من العامل والوالي تعد بظلم وعسف وخيانة لك في رعيتك... فحرام عليك استعماله )[16]. وقد تبلورت هذه الرقابة في تاريخ الدولة الإسلامية، وتحولت إلى مؤسسة تحمل عنوان ولاية المظالم أو ديوان المظالم، لتقوم بدور الإشراف والرقابة على موظفي الدولة وتقويم سلوكهم وممارساتهم الإدارية. وفي العصر الحديث اعتمدت الدول الغربية هذا الأسلوب المؤسسي في الرقابة والإشراف منذ قيام الثورة الفرنسية أواخر القرن الثامن عشر بعنوان مجلس الدولة، وأطلقت عليه بعض الدول "القضاء الإداري" أي بعد أكثر من ألف سنة على قيامه في الدولة الإسلامية. كما تلعب الصحافة ووسائل الإعلام الحرة دورا أساسا في تلك الدول لملاحقة الأخطاء والمفاسد الإدارية. الموظف وتحدي المسؤولية: للرقابة الإدارية، والإشراف الدقيق، دور في تقليص مفاسد الجهاز الوظيفي، لكن فرص الانفلات من تلك الرقابة، أو الالتفاف عليها، ليس معدوما أمام من تسوّل له نفسه خيانة الأمانة، والتلاعب بالمسؤولية، لذلك تشكو مختلف دول العالم اليوم من مشاكل الفساد الإداري، وأصبح يشكل ظاهرة عالمية. تقول دراسة لمؤسسة (أرنست أنديونغ) للمحاسبة في لندن، حول موضوع الاحتيال على الشركات الدولية الكبرى: إنه يرتكب أربعة أعمال احتيال من كل خمسة على الشركات أشخاص يعملون في هذه الشركات، وغالبا ما يكونون موضع ثقة، وخدموا فترة طويلة. وجاءت الدراسة على شركات تعمل في (11) دولة، وشملت (17) قطاعاً، وأكدت أن الاحتيال يكشف صدفة، وليس عن طريق أنظمة الضبط والتحكم المعمول بها. كما جاء في تقرير نشر في أمريكا بتاريخ 24/12/1995م أنه تبلغ خسائر سرقة الوقت من قبل العاملين والموظفين في أمريكا (170) مليار دولار سنويا، وبمعدل تسع ساعات أسبوعيا من كل عامل وموظف، ويتساوى الرجال والنساء في معدل السرقة من وقت العمل. لذلك فإن من أفضل وسائل مواجهة هذه المشكلة إيقاض الشعور بالمسؤولية في ذات الموظف، بحيث يدرك أن الوظيفة أمانة شرعية ووطنية في عنقه، وأن أي خيانة أو تفريط فهو محاسب عليه أمام الله تعالى، ويشكل أضرارا بمصلحة وطنه ومجتمعه. فمن الناحية الشرعية يعتبر الموظف ملتزما بعقد يؤدي بموجبه عملا معينا ليستحق عليه أجرة محددة، وهو مؤتمن على مصالح وإمكانات يتحمّل مسؤولية الحفاظ عليها واستخدامها في مواردها المقررة بحسب نظام العمل. إن التقصير في القيام بمهام الوظيفة والعمل بسبب الكسل وحب الراحة، والانشغال بالأمور الشخصية في وقت العمل هو حرام شرعا لما فيه من تفويت لمصالح الناس، حيث يعاني الكثير من المواطنين من مماطلة بعض الموظفين وتأخير إنجاز معاملاتهم، وإيذائهم بتكرار مراجعاتهم للدوائر، مع إمكان إنهاء المعاملة فوراً وبوقت أقصر وأسرع. وإلى جانب حرمة تفويت مصالح الناس وإيذائهم، فإن هناك إشكالا شرعيا في ما يستلمه من راتب وأجر مقابل هذا الوقت المضاع، إن كل يوم من أيام العمل وكل ساعة من ساعاته، يتغيّب فيها العامل أو يهدرها دون عذر مشروع، فإن المبلغ الذي يقابل ذلك الوقت من راتبه لا يحل له شرعا. وقد قدم للإمام السيد أبو القاسم الخوئي (قدس سره) الاستفتاء التالي: هل يجوز للعامل أو الموظف في الدائر الحكومية أن يتغيّب بصورة عذر كاذبة أو بدون ذلك في أيام بعض المناسبات الدينية؟ فأجاب: إذا كان خلاف النظام، ويأخذ مع ذلك راتب وظيفته فلا يجوز[17]. كما سئل المرجع الديني السيد علي السيستاني عن حكم تأخر الموظف أو المدرس عن الدوام بفارق 15 دقيقة أو 30 دقيقة فأجاب (حفظه الله): لا يجوز له ذلك ولا يستحق الراتب المقرر له بمقدار ما تخلّف عن أداء وظيفته[18]. كما أجاب على سؤال حول مخالفة النظام الإداري بما يلي: لا يجوز للموظف المذكور كغيره من الموظفين التخلف عن الأنظمة التي التزم بتطبيقها بموجب عقد توظيفه ما لم تشتمل على محرّم[19]. وتشدد التعاليم الإسلامية على النـزاهة والأمانة تجاه الإمكانيات المرتبطة ببيت المال وثروة الشعب والوطن، فلا يجوز للموظف أن يستخدم شيئا منها لمصالحه الشخصية خارج النظام والقانون. وقد سئل المرجع الديني السيد محمد الشيرازي رحمه الله: عن استخدام الموظف الحكومي أو الأهلي للتليفون التابع لعمله لأغراضه الخاصة؟ فأجاب ناهياً: لا يفعل ذلك[20] . هكذا يربي الإسلام أبناءه على احترام المصالح العامة، والوفاء بالتعهدات، والأمانة في أعمالهم ووظائفهم. فالوظيفة في منطق الإسلام ليست موردا للكسب والربح فقط وإنما هي قبل ذلك أمانة ومسؤولية. كما يقول الإمام علي في كتابه لواليه على أذربيجان أشعث بن قيس: ( وأن عملك ليس لك بطعمه ولكنه في عنقك أمانة )[21]. الموظف وأخلاق التعامل: يرى بعض الموظفين نفسه في موضع قوة وقدرة، وأن مصالح وقضايا للناس مرتبطة بقراره وتوقيعه وعمله، مما قد يخلق لديه شعورا بالتعالي على الناس، واستغلال حاجتهم له ضمن واجبه الوظيفي، ويحصل في أحيان كثيرة أن يطبق الموظف القانون بتعسّف وصلافة تجرح مشاعر الناس، وتسيء إلى كرامتهم وحقوقهم. وينتج ذلك إما من وجود عقد نفسية عند الموظف، أو لعصبية انتماء قبلي أو مذهبي، أو لتصفية حسابات أخرى بينه وبين بعض المراجعين، أو ما أشبه ذلك. إنه في هذه الحالة يسيء إلى الجهة التي ائتمنته على الوظيفة، ويخون مصالحها، كما يحمّل نفسه الوزر والإثم من قبل الله تعالى. وقد ركز الإمام علي على جانب التعامل مع الناس من قبل موظفي الدولة ومسئولي الأجهزة الحكومية في عهده لمالك الأشتر حينما ولاه مصر، حيث كتب له قائلا: ( وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سَبُعا ضاريا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق )[22]. وفي كلامه إشارة هامة إلى احترام الجانب الإنساني للمواطنين وإن اختلف الانتماء الديني. إن الناس بطبيعتهم يستثقلون القوانين والأنظمة بشكل عام، وإن كانت ضرورية لتنظيم الأمور، فإذا ما أضاف الموظف بسوء أخلاقه عليهم ثقلا آخر، فإن ذلك يحدث في نفوسهم السخط والنقمة، وينفّرهم من النظام والقانون. الإتقان والإخلاص في العمل: وكمواطنين يهمنا أن تتقدم بلداننا، وأن تنتظم شؤون حياتنا وتتطور إلى الأفضل، فإن كل واحد منا يتحمّل جزءا من المسؤولية في إنجاز هذا الهدف الهام. إن التخلف والمشاكل تحصل بسبب اجتماع وتراكم حالات الإهمال والتسيب والتقصير، فغياب موظف هنا، ومماطلة آخر هناك، وتقصير مسؤول في هذا الموقع، ومحاباة آخر في ذلك الموقع.. من مجموع هذه الممارسات والنواقص يحصل الخلل، وتتأثر مصالح الوطن والمواطنين. إن أخطاءً قد تحصل في مؤسسات صحية عامة أو خاصة، بسبب الإهمال والتقصير، فتذهب ضحيتها أرواح مواطنين أعزاء، أو إصابتهم بإعاقات وأمراض خطيرة. وإن تخلفاً وتدنياً في مستويات بعض الطلاب مما يؤثر على مستقبلهم الدراسي قد ينتج عن تساهل وتقصير من بعض المدرسين، أو الإداريين في المؤسسات التعليمية. وإن تعثراً في حركة التصنيع والإنتاج، أو سوءً وتخلفاً في صفات منتجات متداولة تضر بالناس، قد يكون بسبب خلل وإهمال في تطبيق القوانين والأنظمة من قبل الموظفين المعنيين. وهكذا فإن حياة المواطنين وصحتهم ومستقبل أبنائهم وحركة إنتاجهم ومختلف شؤونهم.. وسيادة القانون والنظام في البلاد، كل ذلك يرتبط بمدى إتقان الموظفين لأعمالهم الموكولة إليهم، وإخلاصهم في أدائها. إن أوطاننا وثرواتنا ومستقبلنا أمانة في أيدينا جميعا فلنتق الله في أنفسنا ومجتمعنا وبلادنا، وإن التدين الصحيح يجب أن يظهر أثره في أداء الأمانة والقيام بالواجبات والمهام في خدمة المصلحة العامة. إذا كانت المهن والوظائف تتفاوت في قيمتها تبعاً لتفاوت مدى تأثيرها في المجتمع الإنساني، فإنه يمكن اعتبار التعليم من أهم المهن والوظائف خطورة وقداسة، وقد سبق أن أعلنت منظمة اليونسكو عند إقرارها لليوم العالمي للمعلم - الخامس من أكتوبر كل عام - أن المعلم صاحب أهم مهنة في العالم. وقبل ذلك قال أحمد شوقي في قصيدته الخالدة: أعلمت أشرف أو أجلّ من الذي يبني وينــشئ أنــفســاً وعقولا صحيح أن قضية التعليم ترتبط بأطراف عديدة، ولها أبعاد وجوانب مختلفة، بدءاً من السياسات والخطط، والمناهج والمقررات، إلى استعداد الطالب وجدّيته، ودور العائلة واهتمامها، ومروراً بمستوى الإدارة والخدمات والأجواء المدرسية، وتأثيرات المحيط الاجتماعي. إلا أن المعلم يحتل موقع المحور الأساس والعنصر الرئيس في العملية التعليمية. فالمعلم الجاد المخلص يمكنه المساعدة في سدّ الثغرات، ومعالجة النواقص، وتجسير الهوّة بين المستلزمات المطلوبة والإمكانيات المتاحة، بينما تعجز أفضل الوسائل وأرقى الإمكانيات عن تحقيق النجاح والتقدم على يد معلم فاشل. بين المهنة والرسالة: قد ينظر البعض إلى التدريس باعتباره مهنة ومصدراً للرزق، حيث يتمتع المدرس براتب مناسب، ويحظى بإجازة سنوية مريحة.. لكن ما يجب التأكيد عليه هو خطورة المسؤولية التي يتحملها المدرس. فهو المؤتمن على مستقبل أبناء المجتمع، وهو الجهة التي يوكل إليها تشكيل عقل الجيل الصاعد، وصياغة نفسيته، وتفجير قدراته وكفاءاته. إن المهمة الملقاة على عاتق المعلم هي تأهيل هؤلاء الطلاب ليكونوا أعضاء فاعلين وصالحين في مجتمعهم، ومساعدتهم للنجاح في حياتهم. وإن تقصير المعلم في أداء هذه المسؤولية، يهدد بظهور جيل ناقص الأهلية، ضعيف القدرات، قاصر عن مواكبة تطورات الحياة. وأفراد هذا الجيل الذين سيمثلون غداً على مقاعد الدراسة أمام المعلمين، هم مجتمع الغد، وسيصبحون بعد فترة من الزمن جزءاً من المحيط الاجتماعي الذي ينتمي إليه المعلم، ويتعاطى ويتفاعل معه. فأحد هؤلاء الطلاب سيكون مسؤولاً في إدارة يرتبط بها شأن من شؤونك أيها المعلم، وأحدهم قد يصبح صهراً لك بزواجه من ابنتك أو أختك أو إحدى قريباتك، وأحدهم سيكون مدرساً ومعلماً لابنك، وأحدهم قد يصبح زميلاً لولدك ورفيقاً له. ففي أي مستوى تريد أن يكون مسؤولوا الأجهزة والإدارات الحكومية في بلدك؟ وما هو السلوك والسيرة التي ترجوها من صهرك وزوج ابنتك؟ وماذا تتوقع من المعلّم الذي يدرس ابنك؟ وما نمط الشخصية التي تحبّذ صداقتها لولدك؟ ضع هذه الصورة أمامك وتعامل مع طلابك على هذا الأساس، وأعلم أن منهجية تعاطيك معهم الآن ستؤثر إلى حد كبير في تشكيل شخصياتهم، وصنع مستوياتهم المستقبلية. الإخلاص وإتقان العمل: إن أول وأبرز ما يطلب من المعلم ويتوقع منه: أداء مهمته التعليمية بشكل متقن صحيح، فهناك منهج مقرر، ومادة دراسية، يجب شرحها وتبيينها للطلاب حتى يفهموها ويستوعبوها، ولأن مواد التعليم حلقات متسلسلة متواصلة، فإن ضعف استيعاب الطالب في أي نقطة منها، ينعكس على فهمه للفقرات المترتبة عليها. ومع ملاحظة تفاوت مستوى الذكاء والاستيعاب عند الطلاب، وكون بعض المواد الدراسية فيها شيء من الدقة والصعوبة بطبيعتها، ومع ما يثار من إشكاليات ونقود على العديد من المناهج والمقررات، فإن كل ذلك يضاعف مسؤولية المعلم لكي يبذل أقصى ما لديه من جهد وطاقة، في توضيح المادة للطلاب، وتقريبها لأذهانهم وإفهامهم. وذلك يستلزم من المدرس ما يلي: 1- الإعداد والتحضير الجيد للدرس، فلا يصح للمدرس أن يعتمد على معرفته المسبقة بالمادة، وأن يقدم درسه بشكل روتيني، وكدور مهني يؤديه، غير مهتم بعد ذلك بمدى فهم الطلاب واستيعابهم للدرس. بل على المدرس أن يعتصر ذهنه، ويصرف جزءاً من وقته قبل الدرس للتفكير في أفضل طريقة لطرح المادة المقررة. 2- الاجتهاد في الشرح والتبيين ومراعاة متوسطي المستوى، والتأكد من وضوح الفكرة لجميع الطلاب، بالاستعانة بمختلف وسائل الإيضاح من كتابة ورسوم وصور وحركات وما أشبه. 3- استثارة فكر وعقل الطالب، بتحريضه على المناقشة، ودفعه للتساؤل، وإدارة الحوار بين الطلاب أنفسهم حول الموضوع، وتدريبهم على النقد والتفكير العلمي، لأن الاعتماد على الحفظ والتلقين طريقة كسولة خاطئة، تخلق حالة من التبلّد الذهني، وتئد قدرات الإبداع والابتكار. 4- تشويق الطلاب وترغيبهم في المادة الدراسية، بأن يكون الطرح حيوياً، فيه تجديد وطراوة، وأن يتحدث لهم عن الموضوع بأسلوب يثير رغبتهم وشوقهم لمعرفته ومتابعة تفاصيله. إن كثيراً من العلماء والنابغين في مختلف حقول المعرفة، يتحدثون عن دور معلميهم في انشدادهم وانجذابهم نحو المادة التي نبغوا وتفوقوا فيها. وسمعت من بعض الطلاب كراهيتهم لبعض المواد الدراسية، بسبب طريقة مدرسيهم في عرضها وطرحها. 5- الاهتمام بحالات الضعف والنقص عند أي طالب، والتعرف على أسبابها وجذورها، وتلّمس طرق المعالجة والإصلاح، لمساعدة الطالب على تجاوز تلك الحالة. الدور التربوي: إلى جانب الأسرة فإن المدرسة هي المؤسسة التي تحتضن أبناء المجتمع منذ السنوات الأولى لتفتق وعيهم وإدراكهم، وتحتويهم في فترة مراهقتهم. ويقضي الطالب في المدرسة نصف نهاره كل يوم، وهو في حالة تلقي واستقبال نفسي وذهني، وينظر إلى المعلم باعتباره جهة مؤثرة عليه يرتبط به تدريسه وعلاماته ونجاحه. وذلك يعني إمكانية القيام بدور تربوي أساس من قبل المعلم تجاه طلابه، فإلى جانب مهمته التعليمية يقع على عاتقه دور تربوي إرشادي، من هنا تطلق أكثر الدول عنوان وزارة التربية والتعليم على المؤسسة التعليمية، فالتربية أولاً والتعليم ثانياً. وهذا ما سلكه القرآن الكريم عند الحديث عن وظائف النبي محمد يقول تعالى : ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ )[23] فالتزكية قبل التعليم وأهم من التعليم. وفي هذا العصر نعرف جميعاً مدى الحاجة الملّحة لتربية الأبناء وتهذيب نفوسهم وتشذيب سلوكهم، حيث تتعرض القيم الدينية والاجتماعية للاهتزاز، ويعاني المجتمع من خطر انفلات أبنائه الناشئين، بسبب حالة الانفتاح الإعلامي والثقافي، الذي يبث ويروّج لأنماط من الحياة والسلوك تخالف النظام القيمي في مجتمعاتنا، ويحرّض على التسيب والميوعة والانحلال، وحيث تعصف بجيل الشباب شتى الأزمات والمشاكل الواقعية والمفتعلة. فأين هو دور المعلم في خضم هذه الظروف والأجواء الحساسة الخطيرة؟ إن الشعور بالمسؤولية الدينية والاجتماعية يجب أن يدفع المعلم لاستنفار كل طاقاته وقدراته، واستغلال موقعيته للإسهام في تربية هذا الجيل، الذي تحدق به الأخطار من كل جهة وجانب. وإذا كان الإسلام يوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإرشاد الجاهل، وهداية الآخرين، فإن المعلم هو في أفضل موقعية تتيح له ممارسة هذا الدور، وأداء هذا الواجب العظيم. 1- فهو بشخصيته وسلوكه يجب أن يكون نموذجاً وقدوة طيبة لتلامذته. فإذا ما ظهر عليه الالتزام بالدين، وحسن الخلق والسلوك، وطيب التعامل والاحترام، فإن ذلك يغرس في نفوسهم هذه المواصفات، ويدفعهم إلى تقمصها بداعي المحاكاة والاقتراب. ومما يثير القلق حقاً كون بعض المعلمين يعانون من نواقص في شخصياتهم وسلوكياتهم، ومؤهلهم للتعليم لا يعدو شهادة التخرج، دون خبرة أو نضج، وهذه الشريحة من المدرسين تشكل مصدر خطر على شخصيات وسلوك الطلاب. لكنها شريحة محدودة ويمكن تلافي تأثيراتها السيئة بوعي الإدارة وسائر المدرسين. 2- أن يغتنم الفرص لتوجيه الطلاب وإرشادهم عبر مادة الدرس، أو بالتعليق على حدث ما أو مناسبة ما، وباستخدام أفضل الأساليب المؤثرة كالقصص والأمثلة والنكت الهادفة. ولدينا مقررات المواد الدينية والأدبية يمكن أن تستثمر في التربية والإرشاد، شرط اجتهاد المدرس في طرحها بشكل حيوي جذّاب، يلامس هموم الطلاب وتطلعاتهم ويقترب من أجواء حياتهم وقضاياهم. وكل المواد الأخرى أيضاً تعطي للأستاذ أكثر من فرصة ومجال لتأكيد القيم الصالحة، والنزعات الخيّرة في نفوس طلابه. 3- تشجيع الطلاب ودفعهم نحو الأجواء النافعة والبرامج المفيدة، فتشويقهم للمطالعة والقراءة، والذهاب إلى المساجد ومجالس العلماء والأدباء، والانخراط في سلك الجمعيات الخيرية والأندية واللجان الاجتماعية، بالنسبة للطلاب في المراحل الدراسية المتقدمة، كل ذلك يساعد في تحقيق الأهداف التربوية المرجوة. الرعاية النفسية: ما أحوج الطالب في سنوات دراسته الأولى، وفي فترة مراهقته، إلى رعاية الأستاذ، إنه في هاتين المرحلتين يعيش رهافة في مشاعره، وتحفزاً في أحاسيسه وعوطفه، فإذا ما لقي رعاية وعناية من الأجواء المحيطة به، والجهات التي ترتبط بها شؤونه وقضاياه، وفي طليعتها بعد الوالدين المعلم، فإنه سينعم بالاطمئنان والاستقرار النفسي، مما يمكنه من تجاوز هذه الفترة الحساسة بنجاح، وأن يشق طريقه إلى النضج وتكامل الشخصية بسلامة وأمان، وتنطبع نفسه بالثقة والمحبة والانسجام مع الآخرين. أما إذا واجه الجفاء والجفاف والقسوة والتحدي، فسيكون رد فعله النفسي والسلوكي في أحد اتجاهين خطيرين: إما الانكسار وفقدان الثقة بالذات ونمو عقدة الحقارة، وإما الاندفاع نحو التمرد والانفلات. إن بروز الأخطاء والهفوات من الطالب أمر طبيعي ومتوقع، في وظائفه الدراسية أو تصرفاته السلوكية، وهو يحتاج إلى الاحتواء والاستيعاب من قبل المدرس، بالتغاضي عن خطئه تارة، وبالموعظة الحسنة والتوجيه الرقيق تارة أخرى. أما الانفعال الحاد، والغضب العارم، ومواجهة الطالب بروح التشفي والانتقام، فتلك طريقة محرمة خاطئة، تكشف عن نوازع سيئة ونفسية مريضة معقدة. وقد ينزعج الأستاذ من تقصير الطالب أو سوء تصرفاته، لكنه لا يصح أن يستخدم قوته وموقعيته في خوض صراع ومعركة مع تلميذه الضعيف في مقابله، كما يحصل من بعض الأساتذة حينما يبالغون في رد فعلهم تجاه المسيء من طلابهم، ويؤلبّون ويحرّضون المدرسين الآخرين عليه، فإن تبادل الانطباعات والمواقف السلبية تجاه الطلاب منهج سيئ خاطئ. والأفضل لكل مدرس أن يخوض تجربته الخاصة في التعاطي مع التلامذة،دون التأثر بمواقف الآخرين. وننبّه بشكل خاص على التعامل مع الطالبات من قبل مدرساتهن، فهذه الصبايا ذات المشاعر الحساسة المرهفة، تقع في بعض الأحيان في قبضة مدرسات عنيفات قاسيات، تنهال عليهن تجريحاً وإذلالاً لأتفه المبررات والأسباب. إن ضمير الإنسان ووجدانه، وخوفه من الله تعالى يجب أن يردعه عن إسائة التعامل مع من أؤتمن عليهم، وأصبح مسؤولاً عنهم، وهو في موقع القوة والقدرة تجاههم. صحيح أن هذا الطالب الضعيف أو تلك الطالبة المسكينة، لا يمتلكان قدرة على الردع أو المواجهة، لكن الله تعالى ينتصر لهما، كما ورد في الحديث عن رسول الله : ( اشتد غضب الله على من ظلم من لا يجد ناصراً غير الله )[24]. ويقول الإمام علي : ( ظلم الضعيف أفحش الظلم )[25]. فالمأمول من المعلمين الأعزاء أن يضبطوا انفعالاتهم أمام تصرفات الطلاب، ويتحلوا بالرفق والرحمة والعطف، ولا يستخدمون الحزم والصرامة إلا في المواقع الضرورية والمطلوبة. فقد روي عن رسول الله أنه قال: ( ليّنوا لمن تعلّمون )[26]. وعن حفيده الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ): ( تواضعوا لمن تعلّمونه العلم )[27]. إن رحابة الصدر وإبداء مشاعر الرعاية والرفق، قد يكون أفضل طريق لإصلاح أخطاء الطالب، ودفعه لتحسين أدائه الدراسي، وسلوكه الأخلاقي، مع أخذ الظروف النفسية والأجواء العائلية والاجتماعية التي يعيشها الطالب بعين الاعتبار. وأخيراً: ليكن واضحاً أمام المعلم ضخامة المسؤولية الملقاة على عاتقه، وليعلم أنه بإخلاصه وأدائه لواجبه ينال عند الله سبحانه جزيل الأجر وعظيم الثواب، إنه في عمله الدراسي لا يمارس مهنة يكافئ عليها براتب شهري فقط، بل يقوم بعمل عبادي يقرّبه إلى الله تعالى ويؤهله لنيل مرضاته، ويقدم أجل وأعظم خدمة لمجتمعه ووطنه. لذلك ليس غريباً أن يروى عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قوله: ( إن معلّم الخير يستغفر له دوابّ الأرض، وحيتان البحر، وكل ذي روح في الهواء، وجميع أهل الأرض والسماء )[28]. [1] سورة الفرقان: الآية 72. [2] سورة القصص: الآية 55. [3] القرشي: باقر شريف، الإمام زين العابدين ص77 ج1، الطبعة الأولى 1988م دار الأضواء - بيروت. [4] المصدر السابق. [5] مختاري : الشيخ رضى، سيماء الصالحين، ترجمة الشيخ حسين الكوراني، دار البلاغة – بيروت 1992م ص278. [6] سورة المائدة: الآية 54. [7] سورة يوسف: الآية 92. [8] سورة يوسف: الآية55. [9] سورة القصص: الآية26. [10] الموسوي: الشريف الرضي، نهج البلاغة، كتاب رقم53. [11] الحياة: ص6 بتاريخ21جمادى الثاني1421هـ الموافق 19سبتمبر2000م. [12] سورة العلق: الآية 6-7. [13] الموسوي: الشريف الرضي، نهج البلاغة - قصار الحكم 441. [14] السبحاني: الشيخ جعفر، معالم الحكومة الإسلامية ص602 الطبعة الأولى 1984م دار الأضواء - بيروت. [15] الموسوي: الشريف الرضي، نهج البلاغة – كتاب رقم53. [16] السبحاني: جعفر، معالم الحكومة الإسلامية ص604. [17] الخوئي: السيد أبو القاسم، صراط النجاة في أجوبة الاستفتاءات ج2 ص300 مسألة رقم942. [18] السيستاني: السيد علي، أجوبة المسائل الدينية، مكتب سماحته بدمشق ص64 مسألة110. [19] المصدر السابق: مسألة 111. [20] الحائري: الشيخ جعفر، أجوبة المسائل الشرعية ص113 مسالة 401. [21] الموسوي: الشريف الرضي، نهج البلاغة - كتاب رقم5. [22] الموسوي: الشريف الرضي، نهج البلاغة - كتاب رقم53. [23] سورة الجمعة: الآية2. [24] الهندي: علي المتقي، كنز العمال ج3 ص500 حديث رقم 7605. [25] الموسوي: الشريف الرضي، نهج البلاغة - كتاب 31. [26] المجلسي: محمد باقر، بحار الأنوار ج2 ص62. [27] الكليني: محمد بن يعقوب، الأصول من الكافي ج1 ص36. [28] المجلسي: محمد باقر، بحار الأنوار ج2 ص17.
|