|
وغيّر المجتمع بخطة حكيمة إذا كان قدرنا أن نولد في هذا المجتمع المتخلف البائس، وفي هذه الأجواء الرجعية الخانقة.. فهل من المحتم علينا أن نقضي كل حياتنا في ظل هذه الأوضاع، وتحت سيطرة هذه الأجواء؟ ولماذا لا نعمل على تغيير هذا الواقع؟ حتى تكون لحياتنا قيمة، ولوجودنا اثر.. عن العظماء الذي يمجدهم التاريخ، وتحترمهم الأجيال أولئك الذين رفضوا ان يغادروا الحياة وهي تعيش نفس الاوضاع التي كانت سائدة يوم جاءوا إلى الحياة.. هم الذين عملوا على تغيير مجتمعهم، وتبديل واقعة، وهؤلاء هم الذين صنعوا التاريخ ورسموا منعطفاته، فبقيت أسماؤهم خالدة تشهد على دورهم وعظمتهم، أما سائر الناس ممن جاءوا إلى المجتمع وذهبوا عنه كما جاءوا، فهم أشبه بالأنعام بل بعضهم أضل سبيلاً، ليس لهم أسم يذكر ولا أثر يبقيى.. فهذا مصعب بن عمير[1] كان شاباً مرفهاً عزيزاً عند والديه جداً فهو وحيدهما المدلل وكان بأستطاعته أن يستفيد من هذه الظروف في تحقيق مصالحة الشخصية، وبناء مستقبله المادي، ولكنه رفض أن يكون كالبهيمة همها علفها، وصمم ان يمارس دور التغيير والثورة في ذلك المجتمع الجاهلي وأن يصرف طاقات شبابه في سبيل بناء المجتمع المتحضر الإيماني. وانضم مصعب إلى الحركة الإسلامية التي كانت تمارس نشاطها بسرية وحذر في مكة المكرمة بقيادة الرسول (ص). وقد أستطاع بأنضباطه والتزامه الإسلامي، وبنشاطه الرسالي أن يمارس دوراً قيادياً في الحركة الرسالية. وهكذا أختاره الرسول محمد (ص) ليكون ممثل الرسالة ومندوبها في المدينة المنورة، والتي تقرر أن تصبح قاعدة الإسلام ومنطلق المجتمع الرسالي.. وجاء مصعب الشاب إلى المدينة لا يمتلك إلا سلاح الإخلاص ورصيد الإيمان بأهدافه التغييرية المقدسة، في مواجهة أجواء شائكة معقدة. فهناك تناقضات اجتماعية عويصة بين قبائل المدينة، وخاصة بين قبيلتي الأوس والخزرج.. وهناك تيارات دينية متعارضة من يهودية ومسيحية ووثنية.. وهناك اجواء الفساد التي يعيشها شباب المجتمع الجاهلي من خمر وقمار وإنحراف. ولكن مصعب الشاب الرسالي لا مجال له إلى العمل على تغيير هذا المجتمع مهما كان التغيير شاقاً، ومهما كان الطريق شائكاً.. ووضع خطة حكيمة، على ضوء توجيهات القيادات الرسالية وباشر العمل بإخلاص وتصميم.. وكان يواجه المشاكل والأزمات بصمود وإيمان.. وما مضت الا فترة بسيطة.. وإذا بالحركة الرسالية تمتلك كوادر جيدة، وجماهير مؤمنة بأهداف الرسالة، وإذا بالمدينة مهيأة لاستقبال الرسول القائد.. والذي جاء إلى المدينة وأعلن قيام دولة الإسلام الشامخة.. وهكذا تمكن الشاب الرسالي مصعب بن عمير من تغيير مجتمع المدينة، من مجتمع متخلف إلى مجتمع رسالي متحضر وشق بذلك الطريق لانتشار نور الإسلام، واتساع رقعته.
|