|
كرّس شبابه لخدمة الرسالة يتفنن الاستعمار وأذنابه من الحكام والعملاء، في الوسائل والأساليب التي يضيّعون بها شباب أبنائنا وأعز مراحل حياتهم فمن مناهج دراسية خاطئة ووسائل إعلام سخيفة، واهتمامات مزيفة مختلفة.. وإن الإنسان ليتعجب من هذه المبالغ الطائلة التي تصرفها الحكومات من ثروة الشعب، في مجالات الرياضة والفن والترفيه! أكل ذلك رغبة من الحكومات في إراحة شعوبها وترفيهها؟ كلا فلو كانت هذه الحكومات تريد راحة الشعب، لعملت له مشاريع الصناعة، بل ووسائل الحاجة الضرورية للحياة، فأكثر شعوبنا تشكو من عدم توفر الرعاية الصحية، والضمان الاجتماعي، حيث لا بيت للسكن، ولا إعانة للحياة.. وبعد ذلك تنفق الحكومة على الرياضة والفن بسخاء حاتمي، لماذا إذن؟ والجواب واضح جداً، فهي تريد تفويت فرصة الشباب على أُمتنا دون أن نستفيد منها بشيء في صالح مستقبلها.. تريد شغل أوقات شبابنا وتزييف اهتماماتهم حتى لا يتفرغوا للتفكير في واقع أمتهم، والتخطيط لإنقاذها.. تريد تذويب وإضاعة كفاءات أبنائنا ومواهبهم لنبقى دائماً أسرى للكفاءات والخبرات ومع الأسف الشديد فإن أكثر شبابنا راحوا ضحية هذه الأهداف الخبيثة والخطط الاستعمارية.. فأكثر شبابنا يصرف أثمن ساعات حياته على الرياضة واللهو، ويسعى نحو بطولة في ميدان لعب كرثة القدم مثلاً.. ويعيش صراعاً ومعركة بين الأندية وفي المباريات الرياضية بدلاً من المعركة الحقيقية التي يجب ان يخوضها دفاعاً عن مصلحة الأمة ورسالتها!؟ أما آن أن يعي شبابنا أبعاد المؤامرة، ويعرضوا عن اللهو واللعب، ويوجهوا اهتماماتهم وطاقاتهم نحو قضاياهم المصيرية؟ وكم لنا في تاريخنا المجيد من قدوات كرَّسوا شبابهم من اجل خدمة الرسالة ولبناء مستقبل الأمة.. فهذا إمامنا علي بن أبي طالب (عليه السلام) من حداثة سنة ونعومة أظفاره يضع نفسه تحت خدمة الرسالة الإسلامية، فقد كان أول الناس إسلاماً وتصديقاً بنبوة الرسول (صلى الله عليه وآله) رغم أن عمره ما كان يتجاوز التاسعة.. ولما كان أطفال مكة بإيعاز من سفهائها يؤذون النبي ويرمونه بالحجارة حينما يمر في الطريق... كان على ابن العاشرة من العمر مرافقاً للرسول في طريقه يدفع عنه الأذى ويؤدب أبناء المشركين.. ولي ليلة الهجرة كانت قمة التضحية والفداء من علي الشباب المؤمن، فقد أحدق المشركون ببيت النبي يريدون الهجوم عليه فجراً واغتياله، فلابد من خروج الرسول من داره مع إيهام القوم بوجوده في الدار لفترة يتمكن فيها من قطع طريق الهجرة وطلب الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) من أخيه وابن عمه الشاب علي أن يقوم بدور التمويه على الأعداء، بأن يضجع على فراش الرسول إلى الصباح حيث يهجم القوم.. ورغم خطورة المغامرة فقد بات على فراش رسول الله (صلى الله عليه وآله) ينتظر سيوف القوم وحرابهم، بكل ثقة وإقدام!! وبعد هجرة الرسول (صلى الله عليه وآله) على المدينة أصبح علي ممثله في مكة، يؤدي الأمانات، ويرد الودائع، ويرعى الحركة الإسلامية ويحمي عائلة الرسول (صلى الله عليه وآله). ثم هاجر مع عائلة الرسول (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة، رغم معارضة المشركين ومطاردتهم له في الطريق.. وفي المدينة كان إلى جنب رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كل أعماله ونشاطاته وحركاته، وعلى يديه كتب الله النصر للإسلام في جميع المعارك التي خاضها.. هكذا كرّس علي شبابه في خدمة الرسالة، إلى أن أدركه الشيب واستشهد في سبيل الله تعالى، وقد قال (عليه السلام) قرب وفاته وحق له أن يقول: لقد نهضت بها وما بلغت العشرين، و ها أنا وقد ذرفت على الستين[1].
|