مميزات مرحلة الشباب

تمتاز مرحلة الشباب بعدة سمات ومميزات تتوفر في شخصية الشاب من جميع نواحي حياته..

الناحية الجسمية :

في مرحلة المراهقة والشباب , يعلن جسم الإنسان عن وصوله إلى مستوى من النضج والاكتمال , حيث يأخذ الجسم هيكله الخاص , وتتوفر فيه القوة , ويضفي عليه قوامه جمالاً ورشاقة طبيعية.. ومن هذه الناحية يعبر القرآن الكريم عن مرحلة الشباب بمرحلة القوة , قال الله تعالى : ((اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ))[1] .

فيأتي الإنسان إلى الحياة طفلاً صغيراً ضعيفاً لا يستطيع أن يكش الذباب عن وجهه , ثم يتجاوز مرحلة الضعف (الطفولة) إلى مرحلة الشباب حيث القوة والنشاط , ثم يستولي عليه الضعف مرة أخرى حينما يدخل مرحلة المشيب والشيخوخة.

وفي مرحلة الشباب تنفجر لدى الإنسان غريزته الجنسية , حيث يعيش الشاب ضغطاً داخلياً ودفعاً غريزياً مستمراً لإشباع هذه الغريزة وإروائها.

في المجال الاجتماعي :

بعد أن تجاوز فترة الطفولة حيث كان صغيراً يخضع لأوامر الكبار, وليس له رأي ولا يمتلك دوراً , أصبح الآن شاباً يستشعر في نفسه القوة , وتملأ جوانحه الثقة بذاته..  فيبدأ بالتفتيش عن دور يمارسه في المجتمع.

إنه الآن ليس طفلاً , بل يشعر أنه رجل كامل الشخصية ويجب أن يلعب دور الكبار , انتهى ذلك الوقت الذي كان يعامل فيه كطفل صغير , ينصاع لأوامر الكبار ويخضع لإرادتهم ..  وأصبح هو الآن كبيراً له رأي يريد ممارسته , ودور يبحث عنه ليلعبه في المجتمع ويملأ به فراغه النفسي والزمني.

أما في الجانب النفسي :

ففي مرحلة الشباب تنشأ عند الشاب رغبة الرفض وروح التمرد , كنوع من رد الفعل للمرحلة السابقة التي كان يعيشها في طفولته (كما سبق) حينما كان ينصاع لإرادة أبويه , ويخضع لعادات مجتمعه دون أن يستطيع الاعتراض أو المخالفة .

فإذا كبر وأصبح شاباً قوياً أحب أن يمارس حقه في المعارضة والاستقلال..  من هنا تتكون عند الشاب روح التمرد وحب المعارضة والرفض .

وثمة ميزة نفسية أخرى تتصف بها نفسية الشاب في مرحلة الشباب والمراهقة .

وهي حبه للمغامرة واستعداده للتضحية.

يضحي...  لماذا ؟

لأنه لا يتشبث بالحياة كثيرا كالكبير .

فطبيعة الإنسان كلما طال بقاؤه في الدنيا , ازداد حرصه عليها وتشبثه بها .

أما الشاب باعتباره للتو قد نشأ في هذه الدنيا , فإنه لا يكون كثير الحرص عليها كالشيخ الكبير .

ومن الملاحظ في تصرفات الشاب : التهور والتطرف والمغامرة .  أما الرجل الكبير فإنه يتحفظ ويتأنى في تصرفاته وأعماله..  فتجاربه تكسبه نوعاً من التحفظ والاتزان , وأيضاً فحرصه على الدنيا لا يسمح له بالمغامرة .

وكمثال بسيط على هذه الحقيقة لاحظ سياقة الشاب للسيارة وسياقة الرجل الكبير !!

ينقل أنه في زمن الخليفة العباسي هارون الرشيد قيل له : إن هناك شخصاً عاصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى عهد الرشيد..  فعمره يناهز المائة وثلاثين (130) عاماً .

فهو شخصية متحفية , أحب الرشيد أن يلتقي معه , فجاءوا به إليه محمولاً , وسأله الرشيد : أأنت أدركت رسوا الله ؟

ـ أحنى الشيخ رأسه مجيباً : نعم .

هل سمعت حديث رسول الله ؟

ـ نعم .

هل تذكر شيئاً من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟

ـ نعم .

فحدثني بحديث تحفظ به ذاكرتك عن رسول الله صلى الله عليه وآله .

فقال الشيخ بصوت ضعيف جداً : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم يقول : ((يشيب ابن آدم وتشيب فيه خصلتان : الطمع والأمل)) .

وأمسك الشيخ عن الكلام فلا قدرة له على الاستمرار .

أمر الرشيد له بجائزة وهي مبلغ من المال وضع له على سريره ثم حملوه لإرجاعه إلى محله.

الرشيد يلاحظ أن شفتي الشيخ الصحابي كانتا تتحركان أثناء خروجه وكأنه يقول شيئاً .

أمر بإرجاعه فجاءوا به إلى جانب الرشيد , سأله قائلاً : رأيت شفتك تتحرك عند الخروج كأنك قلت شيئاً .

قال الشيخ : نعم كنت اسأل الحاملين لي هل أن هارون الرشيد سيجعل ذلك جائزة سنوية يعطي مثلها في كل عام حتى أزوره في مطلع كل سنة ؟

فضحك الرشيد وقال : لقد صدق رسول الله في هذا الحديث الذي نقلته : ((يشيب ابن آدم وتشيب فيه خصلتان : الطمع والأمل)) .

هكذا يزداد طمع الإنسان في الحياة وأمله بالاستمرار فيها كلما تقدم به العمر فيصبح متحفظا متزنا في تصرفاته , بينما يكون الشاب مستعداً للتضحية والمغامرة , غير مبال بالأخطار .

وفكرياً :

يعاني الشاب غالباً في مرحلة الشباب والمراهقة من الفراغ الفكري وضعف الانتماء والانشداد.

ففي هذه المرحلة يتفتح عقل الإنسان , وتنفجر مواهبه ويبدأ بالتفكير الدقيق , فترتسم أمام ذهنه كثير من الأسئلة وعلامات الاستفهام عن الحياة والمجتمع لا بد له من تحصيل الأجوبة الصريحة عليها .

وهو لا يرى نفسه ملزماً بتقبل أفكار أهله وبيئته ما دام يستشعر الثقة بنفسه ويحب ممارسة دور الرفض والمعارضة ويميل إلى تحمل الأخطار والمغامرات .

وبذلك الشاب مستعد لاعتناق أي فكرة جديدة مغرية مهما كانت خطيرة ومرهقة .

أما الكبير فله قناعات وأفكار يعيش الإيمان بها ويقدسه سنوات طويلة..  فهو لا يعاني فراغاً فكرياً ولا يشعر بالحاجة إلى عقيدة جديدة..  بل هو غير مستعد للتنازل عن فكرة طالما آمن بها وقدسها سنيناً طويلة .

ولذلك نجد أن كل الرسالات والمبادئ إنما تقوم على أكتاف الشباب فهم الذين يسارعون إلى الإيمان بالأفكار الجديدة ويستعدون للتضحية في سبيلها.

فنبي الله إبراهيم (عليه السلام) مثلاً حينما طرح دعوته التوحيدية في المجتمع ,من الذي استجاب له وتجاوب معه ؟

إن قومه يعيرونه بأتباعه والذين هم مجموعة من الشباب الفقراء كما يحكي عنهم ذلك القرآن الحكيم حيث يقول تعالى :

((َمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ)) [2] .

ونبينا محمد صلى الله عليه وآله إنما سارع إلى الإيمان برسالته جماعة من الشباب الصغار كعلي بن أبي طالب وبلال الحبشي وعمار بن ياسر وأمثالهم.

حتى أن شيوخ قريش اتهموا رسول الله صلى الله عليه وآله بأنه قد أفسد شبابهم وقالوا ذلك في شكواهم لعمه أبي طالب (عليه السلام) حيث قالوا : ((إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وسفه أحلامنا وأفسد شبابنا)) .

وتأكيداً لهذه الحقيقة يقول الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) : ((وأوصيكم بالشبان خيراً فإنهم أرق أفئدة , إن الله بعثني بشيراً ونذيراً فحالفني الشبان وخالفني الشيوخ ثم قرأ :  ((َطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ))[3] .

ويقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) :  ((إنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شيء قبلته)) [4] .


 

[1] سورة الروم / 54 .

[2] سورة هود / 27 .

[3] مرتضى فريد : روايات من مدرسة أهل البيت (ع) /ج1 ص349 .

[4] المجلسي : بحار الأنوار / ج77- ص200 .