|
الثورة ضد التخلف والتمرد على الطغيان في مواجهة هذا الواقع السيئ المأساوي الذي تعيشه أمتنا الإسلامية , ما أحوجنا إلى روح الثورة , ومواقف الرفض والتمرد !! فالحكومات الديكتاتورية الظالمة لا تزال تفرض سيطرتها على شعوبنا المستضعفة وتنفذ فيها سياسة الاستعمار , وخطط الدول الكبرى.. والأفكار السلبية المتخلفة , ما برحت تعشش في عقول زعمائنا وشخصياتنا الدينية والاجتماعية , ومن خلالها يقودون المجتمع ويوجهونه.. والعادات السيئة والتقاليد البالية لا تزال تخلق المزيد من المشاكل والعقد لمجتمعاتنا.. تخلف شامل.. ورجعية متحكمة.. وديكتاتورية متسلطة.. ذلك هو طابع حياتنا , والسمة العامة لشعوبنا.. لكن ما هو موقف المجتمع تجاه هذا الواقع الأليم ؟ إنه الاستسلام الكامل , والخنوع المذل , والخضوع الجبان ! لقد تلاشت روح الثورة المتقدة التي كانت تغمر نفوس أمتنا.. وانعدمت مواقف الرفض.. وانتهت نفسية التمرد.. وخمدت جذور المعارضة.. أصبح كل واحد منا لا تهمه إلا حياته , ولا يفكر إلا في مصالحه الخاصة.. أما واقع الأمة وأوضاع الوطن السياسية والاقتصادية , وحالة المجتمع , فتلك أشياء لا يتسع لها فكره ولا تحوم حولها اهتماماته.. وبقينا ولا نزال نعيش هذا الواقع المهترئ , وقد تتبدل الوجوه , وتتغير الشعارات , وتتعدد المظاهر.. ولكن الواقع هو الواقع في تخلفه وانحطاطه , وفي جوهر بؤسه ومأساويته.. وسنبقى نعيش هذا الواقع إلى أن تتولد فينا روح الثورة , وتتوفر لدينا نفسية التمرد , ونمارس مواقف المعارضة والرفض لهذا التخلف المرير.. يقول تعالى : ((إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ)) [1] . وإذا كنا نسعى للحصول على هذه الروح الثورية , ونتمنى امتلاك نفسية الرفض والمعارضة ففي مرحلة الشباب بذور حية واستعداد طبيعي للقيام بهذا الدور المطلوب.. وذلك للملابسات الآتية : أولاً : لأن الشباب يستشعر بقوة نفسه وعضلاته , بعد أن كان يعيش ضعف الطفولة.. ولذا يجب أن يمارس هذه القوة في التحدي والتمرد.. ثانياً : باعتباره يعيش أوائل الحياة وبدايتها , فهو غير متشبث بها ولا حريص عليها كحرص الكبار , بل يعشق المغامرة , ويود التعرض للأخطار _ كما تقدم في الفصل السابق _ وهذا ما يؤهله لتقمص روح الثورة والرفض . ثالثاً : إنه غير منشد ولا مرتبط بهذا الواقع , انشداداً قوياً أو ارتباطاً وثيقاً.. لقصر عمر معايشته لهذا الواقع , وعدم وجود مصالح كثيرة له تجلب رضاه على ذلك الواقع.. لأن الإنسان إذا عايش واقعاً معيناً لفترة طويلة , وتعددت ارتباطاته , ومصالحه بذلك الواقع , أصبح من الصعب عليه التفكير بتغيير ذلك الواقع , بل قد يقلقه احتمال تبديله . كما كان ينظر (جان جاك روسو) إلى الملكية في فرنسا , قد جاء عنه إنه كان يرعبه مجرد أن يتصور فرنسا بدون ملك , على الرغم من كونه من الدعاة الكبار فكرياً وفلسفياً إلى تطوير الوضع السياسي القائم وقتئذ , لأن (روسو) هذا نشأ في ظل الملكية , وتنفس هواها طيلة حياته[2] . وهكذا يكون الشباب أقرب فئات المجتمع إلى روح الثورة وأكثرهم استعداداً للمعارضة والرفض . وقد استفادت كل الرسالات السماوية , والثورات الاجتماعية من هذه الظاهرة , فاعتمدت الشباب كطليعة للتغيير , ووقود للثورة.. أما في مجتمعاتنا الإسلامية فهناك خطأ كبير يحدث في التعامل مع الشبيبة الناشئة , فبدلاً من أن توجه روح الثورة لديهم , وميول المعارضة والرفض عندهم ضد التخلف السائد , والطغيان المسيطر , بدلاَ من ذلك نحول أن نقتل عند شبابنا روحه الثائرة وحماسه المشتعل في مواجهة هذه الأوضاع , ونعمل على إقناعه بالخنوع لهذا الواقع السيئ , والاستسلام لهذه الأوضاع الفاسدة عن طريق تثبيط العزائم , وبث اليأس في النفوس , وقد نستعين بتحريف المفاهيم الإسلامية لكي نقنع شبابنا بعدم المعارضة والرفض.. فالتقية واجبة شرعاً وهي تقتضي السكوت والخنوع لأي ظالم يسيطر على الشعب !! والمقاومة تعني إلقاء النفس في التهلكة وهذا محرم في شريعة الإسلام . والمعارضة تحتاج إلى فتوى من المجتهد وهو لا يرى في الثورة والمعارضة مصلحة للدين ! والثورة الآن سابقة لأوانها , ووظيفة المؤمن حالياً هي الانتظار لظهور الحجة !! ولكن هل تنطلي هذه المفاهيم الخاطئة , والأفكار السلبية على كل الشباب الطامحين للتغيير , والمتحمسين للثورة والمعارضة ؟ كلا . فللناس عقول يفكرون بها ويستعرضون أمامها هذه المفاهيم والأفكار.. فقد ينخدع بها بعض الشباب , ويستسلمون لهذا الواقع الفاسد , يتنازلون عن ثوريتهم , وحماسهم.. بينما يبحث الآخرون عن طري ثوري يسلكونه لتغيير الأوضاع وتبديل الواقع.. وهذه هي فرصة التيارات المناوئة , والخطط الاستعمارية , لكي تتصد شبابنا باسم الثورة , وتحت شعارات الرفض والمعارضة.. وحينما يجد الشاب أمامه طريقين : طريق الدين وهو ما يدعوه إلى الاستسلام والخنوع للتخلف والطغيان(كما يتصوره بعض الدعاة الرجعيين). وطريق الإلحاد وهو يشجعه على الثورة , ويعطيه طموح التقدم والتغيير.. فمن الطبيعي أن تسلك الأكثرية الاتجاه الثاني لأنه ينسجم مع طبيعتهم الثورية , وميولهم الرافضة , ويتوافق مع طموحات الإنسان وآماله الواسعة.. وفي الحقيقة فإن الإسلام في جوهره وواقعه ثورة ضد التخلف ورفض للظلم والطغيان.. وتوحيد الله تعالى تحت شعار (لا إله إلا الله) إنما يعني الكفر بجميع أصنام الديكتاتورية والطغيان والانحراف.. وتعاليم الإسلام تفرض على الإنسان المسلم مكافحة الظلم , ومقاومة الباطل والفساد , والتمرد على الجور والانحراف. ولو أننا عرضنا على شبابنا الإسلام الحقيقي بتعاليمه الثورية , ومناهجه التغييرية الصادقة , لأصبح شبابنا دعاة مخلصين لحضارة الإسلام , وثواراً مناضلين لعودة الإسلام إلى الحياة , وبناء الأمة الرائدة..
|