معنى الأهداف في التربية والتعليم

آمنة الكفيشي

أهمية البحث في أهداف التربية:

البحث في أهداف التربية أمر هام وضروري لأسباب:

الأول: دور الأهداف ومكانتها في العملية التربوية كلها.

الثاني: هو الأزمة التي تعاني منها التربية المعاصرة في ميدان الأهداف واحتدام الخلافات حولها طبقاً لاختلاف الفلسفات التربوية والمصالح المادية والغايات العرقية والطبقية.

الثالث: هو عدم وضوح الأهداف في المؤسسات التربوية القائمة في العالم العربي والإسلامي المعاصر.

دور الأهداف في العملية التربوية:

تنقسم الأهداف التربوية إلى قسمين رئيسين: (الأهداف الأغراض) أي التي تشتمل على الأغراض والمقاصد النهائية التي يراد من التربية إنجازها وتحقيقها على المستويات الفردية والاجتماعية والعالمية. و(الأهداف الوسائل) أي التي تشتمل على الوسائل والأدوات الفعالة لتحقيق ـ الأهداف الأغراض ـ.

ولا غنى لأي من القسمين عن الآخر. فـ(الأهداف الأغراض) دون وسائل نوع من الأمنيات البعيدة المنال، والتطلعات المعوقة للإنجاز. و(الأهداف الوسائل) دون أغراض تنقصها الدوافع المحركة والغايات الموجهة. فمثلاً تعليم درس من التاريخ هو هدف من ـ الأهداف الوسائل ـ التي توصل إلى هدف نهائي من ـ الأهداف الأغراض ـ وهو الكشف عن قوانين الله في الاجتماع البشري.

كما أن هناك بعض الآيات التي تضمنت نماذج من هذه الأهداف منها:

(الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون); [الجاثية: 12].

فنحن هنا أمام سلسلة متدرجة متناسقة من أهداف التسخير، وكل حلقة في هذه السلسلة هي وسيلة إلى ما بعدها حتى تبلغ الحلقة الأخيرة التي تشكل الغاية والمقصد النهائي. فـ(جريان الفلك) هدف لـ(تسخير البحر). وهذا التسخير هو وسيلة لتحقيق هدف يليه هو (الابتغاء من فضل الله)، وهذا الهدف الثاني وسيلة لتحقيق الهدف النهائي وهو (شكر الناس لله).

فالأهداف التربوية هي تلك التغييرات التي يراد حصولها في سلوك الإنسان الفرد وفي ممارسات واتجاهات المجتمع المحلي أو المجتمعات الإنسانية. فهي تصف الصفات العقلية والنفسية والشخصية التي يتمتع بها الفرد المثقف تثقيفاً عالياً، وهي تصف أيضاً الاتجاهات والخصائص الاجتماعية التي يتصف بها المجتمع الراقي المتحضر. وهذه الأهداف هي الثمرات النهائية للعملية التربوية كما قلنا. وأهمية هذه الأهداف أنها تحدد مسارات الأنشطة التربوية وتحدد الوسائل والأدوات اللازمة للتنفيذ والتقويم. وهي تشتق مباشرة من ـ فلسفة التربية ـ وتنبثق عنها انبثاق الثمرة من البذرة.

خصائص الأهداف التربوية:

يجب أن تتصف الأهداف التربوية ببعض الخصائص الجوهرية وهي:

1ـ أن تكون الأهداف التربوية متفقة مع الطبيعة الإنسانية مراعية لحاجاتها قابلة لإطلاق قدراتها الإبداعية.

2ـ أن تحدد أهداف التربية العلاقة بين الفرد والمجتمع ثم بينه وبين التراث الاجتماعي من عقائد وقيم وعادات وتقاليد ومشكلات.

3ـ أن تلبي هذه الأهداف حاجات المجتمع الحاضرة وتعالج مشكلاته.

4ـ أن تكون مرنة قابلة للتغير حسب ما يتطلبه التطور الجاري والمعارف المتجددة.

5ـ أن ترشد الأهداف العاملين في التربية إلى ما يجب أن يعلموه، وأن تساعدهم على تحديد الطرق اللازمة في التربية والتعليم، والأدوات اللازمة لقياس نتائج العملية التربوية وتقويمها.

6ـ أن توضح هذه الأهداف نوع المعارف والمهارات والمواقف والاتجاهات والعادات التي تنميتها في شخصية المتعلم.

7ـ أن تكون هذه الأهداف شاملة متكاملة في ضوء العلاقات التي تحدد نشأة الإنسان ومصيره وعلاقاتها بالكون والإنسان والحياة من حوله.

أهداف النظم التعليمية السائدة:

ما من نظام تعليمي إلا وله جملة من الأهداف والغايات التي يسعى إلى تحقيقها من خلال العملية التعليمية. وتنبثق الأهداف في أغلب الأحيان عن المرجعية، التي تشكل القاعدة المنتجة والموجهة للأهداف، الأمر الذي يعني وجود علاقة جدلية ترابطية بين المرجعية والأهداف، فإذا كانت مرجعية نظام ما مادية، فإن أهدافه تغدو هي الأخرى ـ في أغلب الأحيان ـ مادية، وإذا كانت مرجعيته روحية، فإن ذلك سينعكس على الأهداف، وكذلك الحال فيما لو كانت مرجعيته مادية روحية، فإن أهدافها ستصبح أهدافاً مادية روحية مترابطة. ولهذا فإن نفي وجود مرجعية عن نظام تعليمي، نفي غير مباشر لوجود أهداف له، وقد أثبتنا عدم صحة ذلك من ذي قبل.

وبطبيعة الحال، ثمة تفاوت بين درجات الأهداف وأهميتها، وهنالك في أكثر الأحيان هدف كلي أسمى وأعلى لكل نظام تتمحور حوله بقية الأهداف. وعلى هذا فما هو الهدف الكلي العام للنظم التعليمية السائدة، الغربية والشرقية؟؟

هدف النظم التعليمية الغربية: 

تتوافر النظم التعليمية الغربية على اعتبار إنتاج فرد مادي (مواطن صالح) أسمى غاية وأعلى هدف يرجى ويتوقع من العملية التعليمية، وبالتالي فإن الاهتمام بتربية النزعة الفردية، وتمجيد الملكية الفردية والدفاع عنها بك غال ورخيص، مبدأ لا يتنازع حوله، ولا يقبل أدنى مساومة أو تبديل، إذ ترى تلك النظم أن زرع النزعة الفردية هو الوسيلة العليا لإنتاج فرد حريص على مصالحه الخاصة، وجاد في تحقيق رغباته وشهواته المختلفة بشتى الطرق والوسائل، ولذلك فإن الفرد في هذه المجتمعات لا يرى لنفسه قيمةً ولا وزناً إذا عجز عن تلبية رغباته الآنيّة والمستقبلية.

وبما أن تحقيق ملكية فردية يتوقف على تمتع الفرد برغبة جامحة في العمل والجدية، والنشاط المضاعف، لذلك يجد المرء مبدأ العمل في هذه المجتمعات مبدأ أساسياً ومهماً للبقاء، وأضف إلى ذلك أن العمل أيَّا كان نوعه في هذه المجتمعات، مقدّس ومقبول وصحي، مادام يحقق للفرد حيازة مال، فليس في هذه المجتمعات عمل دنيء أو وضيع أو شريف، فشرف العمل ودناءته مرتبط بنتاجه، فالعمل الذي يترتب عليه جني نتائج جمة هو العمل الشريف والعظيم، وأما العمل الذي يترتب عليه جني نتائج ضئيلة هو العمل الوضيع الدنيء.

هدف النظم التعليمية الشرقية:

أن الهدف الأسمى والغاية العليا من النظم التعليمية الشرقية: تربية النزعة الجماعية لإنتاج مجتمع مادي جماعي. ويتحقق هذا الهدف بمصادرة الملكية الفردية التي هي مصدر كل الشرور والأهوال، والفواجع والكوارث.

إن هذه النظم تفسّر المبادئ والقيم في المجتمعات بأنها أفيون، ومخلفات القديم البائد، ولذلك فلا اعتبار لأية قيمة تقف حاجراً أمام تحقيق هدف إيجاد مجتمع مادي جماعي. وبناءً على هذا المنطق الذي يقوم على القضاء على جميع صور الملكية الفردية، فإن هذه النظم استطاعت أن تنتج مجتمعاً مادياً ينتعش فيه الكسل والعطالة والبطالة، وما ذلك إلا لأن الفكرة في حد ذاتها تتعارض مع الفطرة الإنسانية، وتقتل في الأفراد روح المبادرة والإبداع والابتكار، إذ أن ناتج عمل العامل، وثمار كد الكادح ليست له، ولا حق له فيها على الإطلاق، وإنما لجميع أفراد المجتمع، للعامل منهم وللكسول، للنائم وللصاحي، وهكذا.

هدف التربية والتعليم في الإسلام:

يتوخى من التربية والتعليم بناء شخصية الإنسان، فإن العقيدة ذات الأهداف المحددة والمقررات الشاملة والتي لها بحسب المصطلح نظام قضائي واقتصادي وسياسي لا يمكن أن لا يكون لها نظام تربوي خاص، أي أن العقيدة التي تريد تطبيق مخططات أخلاقية وسياسية واقتصادية خاصة بين الناس، هي بالتالي تريدها للناس، أعم من أن يكون الهدف هو الفرد أو المجتمع، وهذا في حدّ ذاته أمر يجب تسليط الأضواء عليه.

فإن كان الهدف هو المجتمع فلا بدّ في نهاية الأمر من الاعتماد على هؤلاء الأفراد في تطبيق هذه الخطط، ولا بد من تربيتهم تعليمهم بشكل يتمكنون معه من تطبيق هذه الخطط في المجتمع، وإن كان الهدف هو الفرد، فحينئذ يكون من البديهي أهمية تعليم الأفراد وتربيتهم، وفي الإسلام تحفظ أصالة الفرد والمجتمع، فلا بدّ من وجود مخطط وبرنامج لبناء الفرد بوصفه مقدمة لبناء المجتمع والأمة.

فبناء شخصية الفرد ضروري من جهة أنّ الفرد نفسه هدف للتربية، ومن جهة كونه مقدمة لبناء المجتمع الصالح. ومن هنا فإن وجهة النظر التربوية والتعليمية فإنّ مقررات الإسلام الأخلاقية تهدف لتربية الإنسان الذي يريده الإسلام.

الأهداف التربوية وعلاقتها بالتربية الحديثة:

تعاني التربية الحديثة من أزمة معينة في ميدان الأهداف التربوية. وهي أزمة نابعة من الأصل التربوي الذي يسبق الأهداف في دورة العملية التربوية. وتتمركز مظاهر أزمة الأهداف التربوية في أمور عديدة هي: مشكلة ماهية الأهداف الأساسية للتربية، ومشكلة أهداف تربية الفرد، ومشكلة التناقض بين أهداف تربية الفرد والأهداف الاجتماعية والاقتصادية، ومشكلة التناقض بين أهداف تربية الفرد والأهداف المتعلقة بالفضائل الأخلاقية. إلا أن الجدال مازال يدور بشدة حول ماهية أهداف التربية وتصنيفها.

إن عجز التربية الحديثة عن توفير حلول لهذه المشاكل جعل ـ جون وايت ـ يقول: إن فلاسفة التربية منذ قرون يعملون للوصول إلى تعريف محدد شامل للتربية وأهدافها. ولكنهم لم يصلوا بعد إلى شيء. والسبب أن البحث في تحديد ـ معنى التربية ـ يتضمن كذلك البحث في أهدافها، والبحث في أهداف التربية يتضمن البحث في معناها.

وبسبب هذا الخلاف حول تحديد الأهداف التربوية وتصنيفها تنوعت هذه الأهداف إلى ما لا نهاية من الآراء. فهناك من يقول إن أهداف التربية يجب أن تتركز حول نمو الفرد معرفياً وعقلياً. بينما يرى آخرون أن أهداف التربية يجب أن تركز على مساعدة المتعلم على تطوير قدراته إلى أقصى مدى. وفريق ثالث يرى أن الهدف الرئيسي للتربية هو إيجاد التوازن في شخصية المتعلم، وفريق رابع يرى أن التربية يجب أن تهدف إلى تحقيق التوازن بين المعارف النظرية والتطبيقات العملية، بين الفنون والآداب وبين العلوم، ويرى فريق خامس التركيز على التفوق في ميادين التخصص. ويرى آخرون أن الأهداف هي تلبية حاجات المجتمع من خلال إيجاد طبقة عاملة مدربة تتمتع بمستوى مناسب من التعليم، أو من خلال توفير الجو الملائم للديمقراطية أو الفن أو الثقافة والأخلاق وهكذا.

وخلاصة القول: إن مبادئ التربية الحديثة التي نادينا بها في منتصف القرن العشرين، ولم تستطع الدول المتمدنة تنفيذها كلها حتى اليوم، قد رعيت ونفذت في التربية الإسلامية، في عصورها الذهبية، قبل أن تخلق التربية الحديثة بمئات السنين. فالتربية عملية هادفة مقصودة لا بد من تحديد أهدافها و إلا سارت بغير وعي و لا إرشاد.