|
الولادة الميمونة أشرقت الأرض بمولد الإمام علي الرضا عليه السلام في الحادي عشر من ذي القعدة سنة 148 للهجرة ، وابتهج الإمام الكاظم عليه السلام بهذا المولود المبارك واخذ وليده وأجرى عليه المراسيم الشرعية ، ورده الى امه قائلا : خذيه فإنه بقية الله في أرضه ، أمه تكتم كانت على جانب كبير من التقوى فهي من العابدات متأثرة بزوجها الإمام الكاظم عليه السلام ، ونشأ الإمام الرضا عليه السلام في بيت هو من اجل وارفع البيوت وترعرع فيه على الآداب الرفيعة والأخلاق الكريمة ، فلا يسمع فيه الا تلاوة القرآن ، والبيت بطبيعة الحال من اهم عوامل تكوين الشخص ، وبناء سلوكه ، وقد اهتم اهل البيت عليهم السلام بهذا الجانب واعطوه غاية الأهمية . شيء من أخلاقه كانت اخلاق الإمام عليه السلام مضربا للمثل ، وتميزت بالسمو والرفعة حتى قال احد واصفيه : ( ما جفا احد قط ، ولا قطع على احد كلامه ، ولا رد احدا عن حاجة ، وما مد رجليه بين جليسه ، ولا اتكأ قبله ، ولا شتم مواليه ، ومماليكه ، ولا قهقه في ضحكة ، وكان يجلس على مائدته مماليكه ومواليه ، قليل النوم بالليل ، يحيى اكثر لياليه من اولها الى آخرها ، كثير المعروف والصدقة ، واكثر ذلك في الليالي المظلمة ، وحتى بعد ان تقلد ولاية العهد لم يأمر احد من مواليه وخدمه في كثير من شؤونه وانما كان يقوم بذاته في خدمة نفسه . وينقل انه احتاج الى الحمام فكره ان يأمر احد بتهيئته له ، ومضى الى الحمام في البلد ، ولما دخل كان فيه جندي ، فأزال الإمام عن موضعه ، وأمره أن يصب الماء على رأسه ، ففعل الإمام ذلك ، ودخل الحمام رجل كان يعرف الإمام فصاح بالجندي هلكت ، أتستخدم ابن بنت رسول الله ؟ ؛ فذعر الجندي ، ووقع على الإمام يقبل أقدامه ، ويقول يابن رسول الله هلا عصيتني إذ أمرتك ؟ ، فتبسم الإمام في وجهه وقال برفق ولطف انها لمثوبة ، وما أردت أن أعصيك فيما أثاب عليه .
|
|
زهده وسخاؤه كان الإمام الرضا عليه السلام زاهدا معرضا عن الدنيا وزينتها ، وحتى بعد تقلده لولاية العهد لم يحفل بأي مظهر من مظاهر السلطة ، ولم يقم لها أي وزن ولم يرغب في أي موكب رسمي ، وكره مظاهر العظمة التي يقيمها الناس لملوكهم . وكان عليه السلام محسنا الى الفقراء والضعفاء ابتغاء مرضاة الله تعالى ، فإنه اذا اتي له بطعام اختار اطيب ما فيها ودفعه للمساكين ويتلو هذه الآية فلا اقتحم العقبة ، وكان يكرم الضيف ، ويغدق عليهم بنعمه وإحسانه وكان يبادر بنفسه لخدمتهم . كان عليه السلام كثير البر والإحسان الى العبيد ، وينقل انه دعا يوما بمائدة فجمع عليها مواليه من السودان وغيرهم ، فقال عبد الله بن اصلت : جعلت فداك لو عزلت لهؤلاء مائدة ، فأنكر عليه ذلك وقال له : ان الرب تبارك وتعالى واحد ، والأم واحدة ، والجزاء بالأعمال . وهذا درس في غاية الأهمية هدفه الغاء التمايز العنصري بين الناس ، ولا فضل لبعضهم على بعض الا بالتقوى والعمل الصالح . شيء من عبادته وكان عليه السلام منقطعا الى الله تعالى ومتمسكا به ، وقد ظهر ذلك في عبادته ، التي مثلت جانبا كبيرا من حياته ، يقول بعض جماعته : ما رأيته قط الا ذكرت قوله تعالى : ( كانوا قليلا من الله ما يهجعون ) ، وكان كثير الدعاء ويحث اصحابه على ذلك فقال لهم : عليكم بسلاح الأنبياء ، فقيل له : وما سلاح الأنبياء ؟ قال عليه السلام : الدعاء ، وأوصى أصحابه بإخفاء الدعاء ، وان يدعو الإنسان ربه سرا لايعلم به أحد ، وتحدث عليه السلام عن أسباب إبطاء الإجابة في الدعاء قائلا عن الإمام الباقر عليه السلام ان المؤمن يسأل الله عز وجل حاجته فيؤخر عنه تعجيل اجابته حبا لصوته ، واسماع نحيبه ، ثم قال والله ما أخر الله عز وجل عن المؤمنين ما يطلبون من هذه الدنيا خير لهم مما عجل لهم فيها ، واي شيء الدنيا ؟ ينبغي للمؤمن ان يكون دعاؤه في الرخاء نحوا من دعائه في الشدة ، ليس اذا اعطي فتر ، فلا تمل الدعاء ، وعليك بالصبر ، وطلب الحلال ، وصلة الرحم ، واياك ومكاشفة الناس ، فأنا اهل بيت نصل من قطعنا ، ونحن الى من اساء الينا ، فنى والله في ذلك العاقبة الحسنة .
|
|
موقف الحكام من الإمام الرضا عليه السلام دامت امامة الرضا عليه السلام عشرين عاما ، عشرة أعوام في عهد هارون وخمسة في عهد الأمين ، وخمسة في عهد المأمون ، وكان الإمام مقيما في المدينة المنورة ، وتعد الفترة التي عاشها الإمام عليه السلام في عهد هارون فترة الحرية النسبية والنشاط الثقافي والعلمي للإمام بالرغم من كون تلك الفترة مليئة بالاضطهاد والاستبداد لكنه لم يتعرض للإمام ، ولعل السبب يرجع الى قلقه من عواقب قتل الإمام عليه السلام ، لأنه وان حاول اخفاء الجريمة لكنها انكشفت في النهاية ، وفي عهد الأمين لم تسنح الفرصة لجهاز الحكم العباسي ان يضطهد العلويين عامة والإمام الرضا عليه السلام خاصة بسبب الصراعات الداخلية والنزاعات التي بينه وبين اخيه المأمون ، وتعتبر هذه الفترة فترة حرية نسبية للإمام الرضا عليه السلام وبعد ان قتل الأمين تسنم المأمون كرسي الخلافة فبدأت صفحة جديدة من حياة الإمام ، حيث عانى الكثير من الآلام والأحزان لسنوات عديدة . استدعاء الإمام الى خراسان قرر المأمون استدعاء الإمام الرضا عليه السلام من المدينة الى خراسان مركز حكمه ، فامتنع الإمام عليه السلام من قبول دعوته واصر المأمون كثيرا على ذلك وكانت بينهما كتب ورسائل ، وفي النهاية تحرك الإمام مع مجموعة من آل ابي طالب باتجاه مرو وقد امر رجاء بن ابي الضحاك بتولي امر احضار الإمام عليه السلام ومرافقة قافلته ، وكان الإمام يبدي انزعاجه من هذه الرحلة وذلك لتوعية الناس ، وقبل انطلاقه من المدينة جمع أهل بيته وطلب منعم ان يبكوا عليه وقال : اما اني لا أرجع الى عيالي ابدا ، ثم دخل مسجد رسول الله فودعه مرار ويرجع الى القبر ويعلو صوته بالبكاء والنحيب ، وقال لأحد اصحابه : اني اخرج من جوار جدي ، واموت في غربة ، وادفن في جنب هارون ، وكان الطريق الذي سلكه الإمام من المدينة الى مرو هو طريق البصرة ، حسب اوامر المأمون ، ولعل ذلك كان لأجل ابعاد قافلة الإمام عن الكوفة وكرمنشاه وقم وهي مراكز تجمع الشيعة .
|
|
عرض الخلافة على الإمام الرضا عليه السلام دخل موكب الإمام عليه السلام مرو وعلى مقربة من المدينة استقبله المأمون والفضل بن سهل ومجموعة كبيرة من القادة والأمراء العباسيين ، ودخل المدينة بكل اجلال وإكرام ووفرت له جميع وسائل الراحة ، وبعد مضي أيام من الاستراحة من عناء السفر بدأت مفاوضات بين الإمام والمأمون الذي قال لإمام عليه السلام : اني رأيت ان اعزل نفسي عن الخلافة واجعلها لك وابايعك فقال له الإمام عليه السلام : ان كانت هذه الخلافة لك وجعلها الله لك فلا يجوز ان تخلع لباسا البسكه الله وتجعله لغيرك ، وان كانت الخلافة لغيرك فلا يجوز ل كان تجعل ما ليس لك فقال المأمون : يابن رسول الله لابد لك من قبول هذا الأمر ، فقال عليه السلام ، لست افعل ذلك طائعا ابدا ، وبعد أن يأس المأمون من قبول الإمام للخلافة واستمر الحديث اياما قال : ان لم تقبل الخلافة ولم تحب مبايعتي لك فكن ولي عهدي لتكون لك الخلافة بعدي ، فقال الإمام الرضا عليه السلام : والله لقد حدثني ابي عن آبائه عن امير المؤمنين عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم اني اخرج من الدنيا قبلك مقتولا بالسم مظلوما تبكي علي ملائكة السماء وملائكة الارض وادفن في ارض غربة الى جنب قبر هارون ، فبكى المأمون ( وما ينفع البكاء فلقد بكى عمر بعد سعد على الحسين عليه السلام بعد ان فعل ما فعل ) ثم قال : يابن رسول الله ومن الذي يقتلك او يقدر على الإساءة اليك وانا حي ؟ فقال الإمام الرضا عليه السلام : اما اني لو شئت ان اقول من ذا الذي يقتلني لقلت ، فقال المأمون : يابن رسول الله انما تريد بقولك هذا التخفيف عن نفسك ودفع هذا الأمر عنك ليقول الناس : انك زاهد في الدنيا ، فقال الإمام الرضا عليه السلام : والله ما كذبت منذ خلقني الله ربي تعالى ، وما زهدت للدنيا في الدنيا ، واني لأعلم ما تريد ، فقال المأمون : وما أريد ؟ قال الإمام : تريد بذلك أن يقول الناس : ان علي بن موسى لم يزهد في الدنيا بل زهدت الدنيا فيه ، الا ترون كيف قبل ولاية العهد طمعا في الخلافة ؟ فغضب المأمون ثم قال : انك تتلقاني ابدا بما اكرهه وقد أمنت سطواتي والله لئن قبلت ولاية العهد والا أجبرتك على ذلك فأن فعلت والا ضربت عنقك .
|
|
جواب الإمام الرضا عليه السلام اجاب الإمام الرضا عليه السلام قائلا : قد نهاني الله تعالى ان القي بيدي الى التهلكة ، فإن كان الأمر على هذا فأفعل مابدا ل كوانا أقبل ذلك ، على اني لا أولي احدا ولا أعزل ولا أنقض رسما أو سنة وأكون في الأمر من بعيد مشيرا ، فرضا منه بذلك وجعله ولي عهده على كراهة منه عليه السلام لذلك . قال الريان بن الصلت : دخلت على علي بن موسى الرضا عليه السلام فقلت له : يابن رسول الله ان الناس يقولون : انك قبلت ولاية العهد مع اظهارك الزهد في الدنيا ؟ فقال عليه السلام : قد علم الله كراهتي لذلك فلما خيرت بين قبول ذلك وبين القتل اخترت القبول على القتل ، ويحهم اما عملوا ان يوسف عليه السلام كان نبيا رسولا فلما دفعته الضرورة الى تولي خزائن العزيز قال : (قال اجعلني على خزائن الأرض اني حفيظ عليم ) ودفعت لي الضرورة الى قبول ذلك على إكراه واجبار بعد الاشراف على الهلاك على اني ما دخلت في هذا الامر الا دخول خارج منه ، فإلى الله المشتكى وهو المستعان . لقد كان الإمام الرضا عليه السلام كارها للأمر لعلمه بأن المأمون الذي قتل أخاه من أجل الملك لم يكن جادا في كل ما كان يتظاهر به من الحب والولاء والعطف على العلويين ، بل كان يتستر بذلك ليحصل على مكاسب يستفيد منها هو واسرته وتوفر له الأمن والاستقرار من خلال ملاحظة الظروف التي كانت تحيط بدولته . ومن غير المعقول ان يكون مخلصا في إلحاحه على الإمام بقبول الخلافة أو بولاية العهد ومع ذلك يتنكر الإمام لطلبه ويتهرب ، لأن الخلافة من الحقوق التي جعلها الله له ولغيره من أئمة أهل البيت عليهم السلام لإحقاق الحق ونشر العدل ومكافحة البدع التي طغت في ذلك العصر وقبله على القيم والأخلاق وجميع معالم الإسلام ، وكل من تقلدها قبله وبعده من الغاصبين بنظر الأئمة من أهل البيت عليهم السلام والمعتدين على أقدس ما أنزله الله بعد الرسالات
|
|
البيعة للإمام الرضا عليه السلام وعقد المأمون لبيعة الإمام عليه السلام مهرجانا شعبيا عاما حضره الوزراء ، وكبار رجال الدولة ، وقادة القوات المسلحة وبقية أبناء الشعب ، وجلس المأمون على دست الخلافة ، ووضع للإمام عليه السلام وسادتين عظيمتين حتى لحق بمجلس المأمون ، وعليه عمامة ، وقد تقلد سيفا ، وامر المأمون ولده العباس ان يبايع للإمام فكان اول من بايعه ثم بايعه الناس . ونظر الإمام الى بعض مواليه ، وقد داخله السرور ، وعمته الأفراح ، فأشار اليه فأسرع نحوه فاسر اليه قائلا : لا تشغل قلبك بشيء مما ترى من هذا الأمر ، ولا تستبشر فإنه لا يتم . زواج الإمام عليه السلام بإبنة المأمون وعرض المأمون على الإمام الرضا عليه السلام ان يتزوج ام حبيب بنت المأمون قبل الإمام ذلك وتزوج بها ، ويرى البعض ان السبب في ذلك لتكون عينا لأبيها على الإمام ومراقبة جميع تصرفاته وتحركاته ، وهذا ليس ببعيد عن سياسة المأمون ودهائه وحبه للسلطة التي قتل أخاه من اجلها . نقد الإمام الرضا عليه السلام ووجه جماعة من الشيعة وغيرهم نقدا للإمام عليه السلام على قبوله لولاية العهد فقال احدهم : يابن رسول الله ما حملك على الدخول في ولاية العهد ؟ فأجابه الإمام عليه السلام ما حمل جدي أمير المؤمنين على الدخول في الشورى ، وقال آخر : كيف صرت الى ما صرت اليه من المأمون ؟ فأجابه الإمام : ان العزيز عزيز مصر كان مشركا ، وكان يوسف نبيا ، وانا اجبرت على ذلك ، واعرب الإمام عليه السلام في أحاديثه مع الناقدين له عن ارغامه على قبول ولاية العهد او القتل الذي لايعود بأية فائدة على القضية الإسلامية ، ونقمت القوى المعادية لأهل البيت عليهم السلام على المأمون ، واعتبروا ذلك تحويلا للخلافة عن الأسرة العباسية التي ينعمون ظلالها ، وكان من اشد الناقمين الأسرة العباسية ، فقد اعتبرت ذلك خطرا على مملكتهم . |
|
بعض الشعراء في حضرة الإمام الرضا عليه السلام وتوجهت مجموعة من الشعراء نحو الإمام عليه السلام يقدمون له التهاني والتبريكات بهذه المناسبة ، كان منهم الشاعر دعبل الخزاعي ، وقد القى قصيدته التي اثرت في نفس الإمام تأثيرا بالغا ، حتى بكى ، واغمي عليه لأنه عرض الفجائع القاسية التي حلت بأهل البيت عليهم السلام ، وأعظم رزية هي رزية جده الإمام الحسين عليه السلام ، فقد نخبت قلب الإمام الرضا لعيه السلام فاجعة كربلاء ، وكان يقول : ان امر الحسين اسهر جفوننا ، واسبل دموعنا ، واذل عزيزنا ، يا أرض كرب وبلاء أورثتنا الكرب والبلاء الى يوم الانقضاء فعلى مثل الحسين فليبك الباكون ، فان البكاء عليه يحط من الذنوب العظام ، ويشتد حزن الإمام ويتضاعف اساه اذا حل شهر المحرم ، وقد قال : كان ابي صلوات الله عليه اذا دخل شهر محرم لا يرى ضاحكا ، وكانت الكارثة تغلبه حتى تمضي منه عشرة ايام ، فاذا كان اليوم العاشر كان ذلك اليوم اليوم مصيبته وحزنه وبكائه ، وكان يقول : هذا اليوم الذي قتل فيه الحسين عليه السلام . صلاة العيد طلب المأمون من الإمام عليه السلام ان يصلي بالناس صلاة العيد ، ويخطب بعد الصلاة ، فامتنع الإمام عليه السلام ، وقال له : قد علمت ما كان بيني وبينك من الشروط ، فقال المأمون : انما اريد ان يرسخ في قلوب العامة والجند هذا الأمر فتطمئن قلوبهم ، واصر عليه فاضطر الى اجابته شرط ان يخرج الى الصلاة كما كان يخرج جده رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، فقال : اخرج كيف شئت ، وأوعز المأمون الى القوات المسلحة ، والى سائر الناس باستقبال الإمام الرضا ، وخرجت الجماهير تنتظر خروج الإمام وقد غصت بهم الطرقات واشرفوا من اعلى منازلهم ، ولما طلعت الشمس خرج الإمام وبيده عكازة ولبس عمامة بيضاء والقى طرفا منها على صدره الشريف وطرفا بين كتفيه ، ورفع رأسه الى السماء فكبر أربع تكبيرات ، وقد تهيأ الجيش ، وتزين بأسحن زينة ، وضجت الأرض بالتكبير ، وماج الناس ، وعلت اصواتهم بالتكبير ، وكان الإمام يمشي على قديمه حافيا ويقف في كل عشر خطوات ، ويكبر أربع مرات ، وتخيل ان السماء والأرض والحيطان تجاوبه ، وبلغ المأمون ذلك فإرتاع وفزع ، وقال له الفضل بن سهل : ان بلغ الرضا المصلى على هذا السبيل افتتن |
|
به الناس ، فإسأله ان يرجع ، وبعث ألمأمون بعض الجلاوزة الى الإمام فسأله الرجوع ، فدعا عليه السلام بخفه فلبسه ورجع من دون ان يصلي بالناس ، وكان خروج الإمام بهذه الكيفية من أهم اسباب حقد المأمون واقدامه على اغتياله وخشي المأمون من الإمام ، وفزع من التفاف الجماهير حوله ، وخاف على ملكه من الزوال ، فقد ظهر للناس فضل الإمام ، وأخذ يطيل التفكير ، للتخلص من الإمام ولم يمضي قليل من الوقت على تقلد الإمام لولاية العهد حتى اضمر المأمون السوء والغدر ، واخذ يبغي له الغوائل ، ويكيده ، ففرض عليه الرقابة الشديدة ، وحسبه في بيته ومنه الفقهاء والعلماء من الاتصال به ، وكذلك منه الشيعة من التشرف بمقابلته . الى جنة المأوى بعث المأمون خلف الإمام عليه السلام ، فلما حضر عنده قام اليه فعانقه وقبل ما بين عينيه وأجلسه الى جانبه ، واقبل عليه يحادثه ، وأمر بعض غلمانه ان يأتيه بعنب ورمان ، وناول الإمام العنقود من العنب وقال له : يابن رسول الله ما رأيت عنبا أحسن من هذا ، فرد عليه الإمام : ربما كان عنبا حسنا منه في الجنة ، وطلب من الإمام ان يتناول منه شيئا فامتنع عليه السلام ، فصاح المأمون : لعلك تتهمنا بشيء ؟ وتناول الإمام ثلاث حبات ثم رمى به ، وقام ، فقال له المأمون : الى اين ؟ فنظر اليه الإمام وقال له بنبرات خافتة . الي حيث وجهتني ، وسارع الإمام الى الدار ، وقد تفاعل السم في جميع اجزاء بدنه ، وقد ايقن بنزول الرزء ، وبعث اليه المأمون يطلب منه وصيته ونصيحة له ، فقال عليه السلام لرسوله : يوصيك ان لاتعطي احدا ماتندم عليه . واخذ يعاني أقسى الآلام وقد علم ان لقاءه بربه لقريب فأخذ يتلوا آيات من الذكر الحكيم ويستغفر الله تعالى ، ويدعو للمؤمنين ، وفي الليل كان الإمام يتلو آيات من القرآن ، وكان آخر آية قرأها قوله تعالى : ( لوكنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل الى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور ) ثم فاضت نفسه الزكية الى بارئها ، وقد أظلمت الدنيا بفقده ، وأشرقت الآخره بقدومه ، وكان ذلك في السابع عشر من صفر سنة 203 للهجرة وأخفى المأمون موت الإمام يوما وليلة ، واستعد لأي طارئ ، فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيا . وقبره في خراسان يقصده محبي أهل البيت عليهم السلام للتبرك والزيارة |