الولادة المباركة

ولد الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام) في السابع من صفر سنة 128 للهجرة في منطقة الأبواء وهو مكان يقع بين مكة والمدينة ، أبوه الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) ، أمه حميدة المصفاة قيل أنها من الأندلس ، عاش مع أبيه عشرون سنة وهو يشاهد وفود العلماء وطلاب العلم من جميع الأقطار وقد ازدحموا على أبيه بين مستمع يأخذ منه العلم والحديث ، وبين مناظر في التوحيد والإمامة وغير ذلك من المواضيع ، ومضت العشرون عاماً وهو إلى جانبه يلقنه من فنون العلم ما يؤهله للإمامة من بعده ، حتى أصبح وهو في مطلع شبابه مصدر إعجاب العلماء وتقديرهم.

الحكام المعاصرون

عاصر الإمام الكاظم (عليه السلام) بقية ملك المنصور وملك المهدي والهادي وهارون وتميزت الفترة التي عاشها الإمام بأنها أقوى فترات الدولة العباسية.فالمنصور لم يغير سياسته ضد العلويين بعد قتل الإمام الصادق (عليه السلام) والقضاء على الثورات العلوية في زمانه ، فزج الأبرياء في السجون المظلمة وهدمها عليهم ، ودفن البعض وهم أحياء في اسطوانات البناء ، وبث الجواسيس للإحاطة بكل نشاط لهم.وجاء بعده ابنه المهدي فبالغ في تبذير الأموال على نفسه وعائلته ، وكان يحيي مجالس اللهو والفسوق وأهمل شؤون الرعية ، فأخذ عماله ينهبون الأموال ويسلبون ثروات الأمة حتى انتشرت الرشوة عند الموظفين . وخلفه ابنه الهادي الذي امتازت سياسته بنزعات شريرة ظهرت في سلوكه حتى نقم عليه الجميع وابغضه الناس ، وحقت عليه أمه الخيزران وقيل أنها هي التي قتلته.

واستولى هارون على السلطة ، وكان مولعاً باللهو والفسوق ، ولا يبال بالظلم الذي يقوم به ويريق الدماء الطاهرة لاسيما دماء أبناء رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) حتى بلع به أنه عندما رأى التهافت على زيارة مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) قام بهدم الدور المجاورة له ، وقلع السدرة التي كانت إلى جانب القبر الشريف.

وبدأ بمحاصرة الإمام الكاظم (عليه السلام) ومراقبته لغرض شل حركته ونشاطه بطرق وأساليب متعدد، منها الاستدعاء للبلاط ثم الاعتقالات المتكررة والإكرام والتعظيم نفاقاً منه ولم تكن مواقف الإمام (عليه السلام) استسلامية بل كان صلباً متحدياً ومرناً في بعض الأحيان مراعاة للمصلحة العليا المتمثلة بحفظ الكيان الإسلامي.

 

   

 

قام الإمام الكاظم (عليه السلام) بعدة خطوات تربوية لشيعته لهدف تعليمهم منهج الرفض للظلم والظالمين ، وحرم على محبيه وشيعته الانفتاح أو التعاون مع السلطات العباسية الظالمة ، وعمق في نفوسهم النزاهة والدقة في رفض الظلم ، وبين لهم أهمية التقية وأنها تحافظ على الوجود الشيعي وتحميه من المخاطر.

وركز الإمام (عليه السلام) على وصايا وتوجيهات لشيعته وأشرف على تكامل بناء هذه الجماعة وأفرادها.

وكان كآبائه وأجداده يتفقد الفقراء ، ليحمل إليهم في الليل الطعام والمال وهم لا يعرفوه.

بعض صفات الإمام (عليه السلام)

أجمع الرواة على أن الإمام الكاظم (عليه السلام) أعلم أهل عصره ، فقد أعرض عن مباهج الحياة وزينتها واتجه نحو الله تعالى ، فعمل على ما يقربه إليه ، وقد حدث عن زهده أحد أصحابه فقال : دخلت عليه في بيته الذي كان يصلي فيه فلم يجد شيء سوى خصفة وسيف معلق ومصحف ، في حين تجبى له الأموال الطائلة والحقوق الشرعية ، وقد أنفقها على الفقراء والمحتاجين فهو مثال للجود والسخاء ، وحرصه لا يوصف على قضاء حوائج الناس ، ومن أبرز صفات الإمام (عليه السلام) الحلم وكظم الغيظ ، فيعفو عمن أساء إليه ، ويصفح عمن اعتدى عليه ، بل كان يحسن للمعتدين عليه ، وقد عنى الإمام بمكارم الأخلاق ، وحث أصحابه على التحلي بالسخاء وحسن الخلق ، وكذلك التمسك بالصبر إن نزلت بهم مصيبة ، فإن الجزع يذهب بالأجر الذي أعده الله للصابرين ، وأوصى أصحابه بالصمت وبين لهم فوائده ، وكذلك إصلاح بين الناس وبين لهم عاقبة المحسنين والمصلحين ومالهم من الأجر عند الله ، وحثهم على إظهار نعم الله وشكرها ، ويوصف بأنه (عليه السلام) أعبد أهل زمانه حتى لقب بالعبد الصالح و بزين المجتهدين ، فلم ير الناس مثله في عبادته لله سبحانه وتعالى.

ونقل عن الحسن بن علي بن حمزة عن أبيه قال رأيت أبا الحسن يعمل في أرض وقد استنقعت قدماه في العرق.فقلت : جعلت فداك أين الرجال؟

قال : يا علي قد عمل باليد من هو خير مني في أرضه ومن أبي . فقلت : ومن هو فقال (عليه السلام) : رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) وآبائي كلهم كانوا قد عملوا بأيديهم وهو عمل النبيين والمرسلين والأوصياء الصالحين.

 

   

 

في عهد المنصور

من خلال تتبع العشر سنوات التي قضاها الإمام الكاظم (عليه السلام) في عهد المنصور يظهر أنه كان تحت الرقابة الشديدة هو وأصحابه ، وقد اتخذ كافة الاحتياطات حتى لا يتعرض هو وشيعته وأصحابه للقتل والتشريد ، وكان الإمام (عليه السلام) يقدر تلك الظروف القاسية التي كانت تحيط به فاعتصم في بيته وانكمش حتى عن شيعته وأصحابه ولم يظهر إلا للخواص منهم في ضمن حدود معينة ، وكان أصحابه إذا اطمأنوا إلى شخص وادخلوه على الإمام يوصيه بالكتمان الشديد ويحذره من عواقب الإعلان.

وعندما جاء المهدي استدعى الإمام إلى بغداد وحبسه بها ثم رده إلى المدينة لطيف رآه وهو : أنه رأى في بعض الليالي علي بن أبي طالب (عليه السلام) في نومه فقال له : يا محمد (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم) ، قال الربيع: فأرسل إلي المهدي ليلاً فراعني ذلك فقال لي : علي بموسى بن جعفر ، فلما جئته به قام إليه وعانقه وأجلسه إلى جانبه وقال : يا أبا الحسن رأيت الساعة أمير المؤمنين وهو يقرأ علي هذه الآية أفتومنني أن لا تخرج علي ولا على أحد من ولدي ، فقال : والله ما فعلت ذلك أبداً ولا هو من شيمتي ، فقال : صدقت ، ثم قال : يا ربيع أعطه ثلاثة آلاف دينار ورده إلى أهله

الإمام الكاظم (عليه السلام) في عصر هارون

أما السنين التي قضاها الإمام الكاظم (عليه السلام) في عهد هارون فكانت أسوأ ما مر عليه في حياته فلقد سخر أجهزته لمراقبة الإمام واستدعاه إلى بغداد أكثر من مرة ، وهو حاقد عليه وكان يضعه في سجنه ثم يأمر بإخراجه بعد مدة من الزمن .

وينقل عبد الله بن مالك الخزاعي وكان على دار هارون وشرطته أنه قال أتاني رسول الرشيد في وقت ما جاءني فيه قط فأفزعني من موضعي ومنعني من تغيير ثيابي فراعني ذلك ن فلما صرت إلى الدار سبقني الخادم فعرف الرشيد خبري فأذن لي بالدخول فدخلت ووجدته قاعداً على فراشه فسلمت عليه فسكت ساعة فطار عقلي وتضاعف جزعي , ثم قال لي : يا عبد الله أتدري لم طلبتك في هذا الوقت ، قلت : لا والله يا أمير المؤمنين ، قال : إني رأيت الساعة في منامي كأن حبشيا قد أتاني ومعه حربة فقال إن لم تخل عن موسى بن جعفر الساعة وإلا نحرتك بهذه الحربة ، فاذهب وخل عنه فقلت : يا أمير المؤمنين أطلق موسى بن جعفر وكررت ذلك عليه ثلاثاً ، قال : نعم امض الساعة حتى تطلقه وأعطه ثلاثين ألف درهم ، وقل له : إن أحببت المقام فلك عندي ما تحب وإن أحببت المضي إلى المدينة فالأمر في ذلك إليك ، قال عبد الله بن مالك فمضيت إلى الحبس فأخرجته.

 

   

 

شيء من أخلاقه (عليه السلام)

يروى أن شخص تحدى أصحاب الإمام الكاظم (عليه السلام) وأخبرهم بأنه سيقوم بعمل يخرج الإمام عن صبره وتحمله وكظمه ، وأحضر عصا وجعل في آخرها مسمار ، منتظراً خروج الإمام من داره ، وصادف أن خرج الإمام متوجها إلى المسجد ، فوقف الرجل في طريق الإمام وسلم عليه وقال له : يا بن رسول الله لي إليك مسائل ، فأجابه الإمام سل عما تريد ، فاقترب من الإمام وثبت المسمار في قدمه الشريفة ، وأخذ يسأل الإمام عدة مسائل والإمام يجيبه ، بعدها قال له الإمام الكاظم (عليه السلام) يا أخي : أطلب منك أن تبتعد قليلاً أخشى أن يصيب ثيابك شيئاً من هذا الدم ، فانبهر ذلك الرجل بهذا الخلق المحمدي الرفيع واعتذر من الإمام.

شيء من عبادته (عليه السلام)

الإمام موسى الكاظم (عيه السلام) أعبد أهل زمانه حتى لقب بالعبد الصالح وبزين المجتهدين ، فلم ير الناس مثله في عبادته ، فعندما يقف للصلاة تنزل دموعه بغزارة حتى تبتل لحيته ويخفق قلبه خوفاً من الله تعالى.

فدخل يوماً مسجد النبي (صلى الله عليه واله وسلم) في أول الليل فسجد سجدة واحدة وهو يقول بنبرات حزينة : ( عظم الذنب من عبدك فليحسن العفو من عندك ، يا أهل التقوى ويا أهل المغفرة ) ، وجعل يردد هذه الكلمات حتى أصبح الصباح ، وعندما يصلي نوافل الليل يصلها بصلاة الصبح ، ثم يعقب حتى تطلع الشمس ، ويخر لله ساجداً فلا يرفع رأسه من الدعاء حتى يقرب زوال الشمس.

وعندما كان الإمام (عليه السلام) في سجن الربيع ، أطل هارون من أعلى القصر للاطلاع على الإمام فلم يشاهده وإنما شاهد ثوباً مطروحاً لم يتغير عن موضعه ، فقال للربيع : ما ذاك الثوب الذي أراه كل يوم في ذلك الموضع؟ فأجابه : ما ذاك بثوب إنما هو موسى بن جعفر ، له في كل يوم سجدة بعد طلوع الشمس إلى وقت الزوال ، وبهر هارون (طاغية زمانه) وأخذ يبدي إعجابه بالإمام قائلاً : أما إن هذا من رهبان بني هاشم فالتفت إليه الربيع قائلاً : يا أمير المؤمنين ، مالك قد ضيقت عليه في الحبس ؟ فاعرض عنه هارون وقال : هيهات لا بد من ذلك.

   

 

صفوان الجمال

صفوان الجمال من تلامذة الإمام الكاظم (عليه السلام) ، وكذلك روى عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال له الإمام الكاظم يوماً : يا صفوان كل شيء منك حسن جميل ما خلا شيئاً واحداً ، فقال : جعلت فداك أي شيء هو؟ قال : اكراك (أي استئجارك) جمالك لهارون ، فقال : والله ما أكريته أشراً ولا بطراً ولا لصيد أو لهو ، ولكني أكريته لطريق مكة ولا أتولاها بنفسي، وإنما أبعث معها غلماني ، فقال له الإمام : يا صفوان ألست تحب بقاءهم إلى أن يخرج كراك منهم ؟ فقال : نعم يا بن رسول الله ، فقال الإمام : فمن أحب بقاءهم فهو منهم ، ومن كان منهم فقد ورد النار . وهذا درس في غاية الأهمية من إمامنا المعصوم لنكون على حذر في تعاملنا مع الآخرين.

علي بن يقطين

علي بن يقطين أحد تلامذة الإمام الكاظم (عليه السلام) وهو شخصية نزيهة ذا مكانة قديرة وشأن كبير لدى الإمام وله منزلة عند الشيعة ، وقبل وزارة هارون بعد موافقة الإمام الكاظم (عليه السلام) ، وطلب فيما بعد الاستقالة عدة مرات غير أن الإمام كان يردعه عن ذلك ، والهدف هو الحفاظ على أرواح الشيعة وأموالهم وحقوقهم ودعم حركتهم السرية ، فهو يرسل خمس أمواله بشكل سري إلى الإمام (عليه السلام) ويختار كل عام أناسا للحج نيابة عنه ويدفع لهم الأموال ، هي خطة لإشراك الشيعة لاسيما شيوخهم في موسم الحج بدافع التعريف بالمذهب الشيعي والمناظرة مع الفرق الدينية الأخرى وإيجاد حركة ثقافية شيعية ، وكان مؤيداً ومدعوما من قبل الإمام (عليه السلم) ونجا عدة مرات من خطر الموت ، فينقل أن هارون العباسي حمل بعض الأيام ثياباً أكرم بها علي بن يقطين ، ومن جملة الهدايا دراعة خز سوداء من لباس الملوك مطرزة بالذهب ، فأرسلها إلى الإمام الكاظم (عليه السلام) مع مبلغ من المال ، فقبل ( عليه السلام) المال ورد الدراعة ، وكتب إليه : احتفظ بها ولا تخرجها من يدك فسيكون لك بها شأن ، وبعد أيام سعى أحد الغلمان إلى هارون وأخبره بأن علي بن يقطين يقول بإمامة موسى بن جعفر ويحمل إليه خمس ماله في كل سنة وقد أرسل إليه الدراعة التي أكرمتها به ، فغضب هارون وقال : لأكشفن هذا الأمر فإن صح عليه ذلك أزهقت نفسه (أي قتله) ، واستدعاه إليه في الحال ، فلما مثل بين يديه قال له : ما فعلت بالدراعة التي كسوتك ما بها ؟ فقال يا أمير المؤمنين : هي عندي في سفط مختوم فيه طيب قد احتفظت بها وكلما أصبحت فتحت السفط ونظرت إليها تبركاً بها وقبلتها ثم رددتها إلى موضعها ، فقال هارون عليك أن تحضرها الساعة ، فأرسل أحد غلمانه فجاء بها ووضعها بين يدي هارون ، فسكن غضبه ، وقال : ردها إلى مكانها ، وانصرف راشداً فلن أصدق عليك بعد اليوم ساعياً وعوقب الساعي بألف سوط فمات تحت السياط ، وقضية أخرى عندما سأل علي بن يقطين الإمام الكاظم (عليه السلام) عن طريقة الوضوء إلى غير ذلك .

 

   

 

حجة دامغة

روي عن الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام) أنه قال : لما أدخلت على هارون قال لي : لم جوزتم للعامة والخاصة أن ينسبوكم إلى رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) وأنتم بنو علي وإنما ينسب المرء إلى أبيه والنبي (صلى الله عليه واله وسلم) جدكم من قبل أمكم ؟.فقلت له : يا أمير المؤمنين لو أن النبي (صلى الله عليه واله وسلم) نشر وخطب إليك كريمتك أكنت تجيبه ؟ فقال : سبحان الله ولم لا أجيبه ، وأفتخر على العرب والعجم بذلك.فقلت له : لكنه لا يخطب إلي ولا أزوجه ، فقال : ولم يا أبا الحسن ؟.

فقلت : لأنه ولدني ولم يلدك ، فقال : أحسنت يا موسى ، ثم قال : كيف قلتم إنا ذرية النبي والنبي (صلى الله عليه واله وسلم ) لم يعقب وإنما العقب للذكر لا للأنثى وأنتم من ولد ابنته  فسألته بالقرابة وبحق القبر ومن فيه إلا ما عفاني من الجواب فقال : لا بد وأن تخبرني بحجتكم يا ولد علي وأنت يا موسى يعسوبه إمام زمانهم ولست أعفيك حتى تأتيني بحجة من كتاب الله فقرأ عليه السلام الآية ( ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين ، وزكريا ويحيى وعيسى ) وهنا سأله الإمام (عليه السلام) : من أبو عيسى ؟ فقال ليس لعيسى أب ، فقال الإمام : إنما ألحقناه بذراري الأنبياء عن طريق أمه مريم ، ونحن ألحقنا بذرية النبي من قبل أمنا فاطمة (عليها السلام) ، ومضى الإمام يقول : وإن شئت أزيدك ، فقال : نعم ، فقرأ عليه آية المباهلة : (أفمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبنائكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) ، وأضاف إلى ذلك أنه لم يدع أحد أن النبي أدخل تحت الكساء عند مباهلة النصارى غير علي وفاطمة والحسن والحسين فكان تأويل قوله عز وجل أبناؤنا الحسن والحسين ونساؤنا فاطمة وأنفسنا علي بن أبي طالب فقال له هارون : لقد أصبت وأحسنت يا أبا الحسن.

التفرغ للعبادة

أخرج الإمام الكاظم (عليه السلام) من المسجد وأدخل على هارون ، فقيدوه ، وأخرج إلى البصرة ليسجن في سجن عيسى بن جعفر بن المنصور ، فمضى في الحبس لمدة سنة ، وفي هذه الأثناء كتب هارون إلى واله يأمره بقتل الإمام ، فاستشار ثقاته ، فأشاروا عليه بالاستعفاء من ذلك فكتب إلى هارون يقول له : لقد طال أمر موسى بن جعفر ومقامه في حبسي، وقد اختبرت حاله ووضعت عليه العيون طول هذه المدة فما وجدته يفتر عن العبادة ، ووضعت من يسمع منه ما يقول في دعائه فما دعا عليك ولا علي ولا ذكرنا بسوء ، وما يدعو لنفسه إلا بالمغفرة والرحمة ، فإن أنت أنفذت إلي من يتسلمه مني وإلا خليت سبيله ، فإني متحرج من حبسه ، وكان من دعاء الإمام (عليه السلام) (اللهم إنك تعلم إني كنت أسألك أن تفرغني لعبادتك اللهم وقد فعلت فلك الحمد).

 

   

 

ونقل إلى سجن الفضل بن الربيع في بغداد  فبقي عنده مدة طويلة ، ثم تسلم الفضل بن يحيى الإمام فجعله في بعض حجر دوره ووضع عليه الرصد ، وكان الإمام (عليه السلام) مشغولاً بالعبادة كعادته ، يحيي هذه الليل كله صلاة وقراءة للقرآن ودعاء واجتهاداً ، ويصوم النهار في أكثر الأيام ، ولا يصرف وجهه عن المحراب.

ونقل الإمام (عليه السلام) إلى سجن السندي بن شاهك ، وهو السجن الأخير ، وضيق عليه كثيراً وكتب الإمام (عليه السلام) من حبسه إلى هارون وهو في قصره : ( أنه لن ينقضي عني يوم من البلاء إلا انقضى عنك معه يوم من الرخاء حتى نقضي جميعاً إلى يوم ليس له انقضاء يخسر فيه المبطلون ) ، وكانت تصل إلى الإمام كتب من شيعته يسألونه عن حاله وعن مسائل كثيرة جاء في بعض جوابها (إني أول ما أنهي إليك إني أنعى إليك نفسي في ليالي هذه ، غير جازع ولا نادم ولا شاك فيما هو كائن مما قد قضى الله عز وجل وحتم).

نشاطه (عليه السلام) داخل السجن

قام الإمام الكاظم (عليه السلام) بنشاط كبير من داخل السجن ، منها عبادته لله سبحانه وتعالى ، فكان يصوم النهار ويقوم الليل ولا يفتر عن ذكر الله ، حتى تأثرت به أخت الجلاد السندي بن شاهك وأصبحت من الصالحات فكانت تعطف على الإمام وتخدمه ، وإذا نظرت إليه جرت دموعها وهي تقول : خاب قوم تعرضوا لهذا الرجل.

واتصل جماعة من العلماء والرواة بالإمام (عليه السلام) ولكن بطريق خفي فانتهلوا من نمير علومه . وكان الإمام (عليه السلام) يجيب عن الرسائل التي ترده من الأقاليم الإسلامية ، وعين الإمام (عليه السلام) جماعة من تلامذته وأصحابه فجعلهم وكلاء له في بعض البلاد الإسلامية ، وأرجع إليهم شيعته لأخذ الأحكام الإسلامية منهم ، كما وكلهم في قبض الحقوق الشرعية لصرفها على الفقراء والبائسين وإنفاقها في وجوه البر والخير.

ونصب الإمام (عليه السلام) من بعده ولده الرضا (عليه السلام) فجعله علماً لشيعته ومرجعاً لأمة جده .

وبقي الإمام زمناً طويلاً في السجن فتكلم معه جماعة من خواص شيعته طالبين منه أن يتكلم مع بعض الشخصيات المقربة عند هارون ليتوسط في إطلاق سراحه ، فامتنع (عليه السلام) وترفع عن ذلك وقال لهم : حدثني أبي عن آبائه أن الله عز وجل أوحى إلى داوود ، يا داوود إنه ما اعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي دوني ، وعرفت ذلك منه إلا قطعت عنه أسباب السماء ، وأسخت الأرض من تحته .

 

   

 

إلى جنة الخلد بجوار آبائه الطاهرين

وأحس الإمام الكاظم (عليه السلام) بثاقب علمه أن أيامه قد دنت ، وأقدم عدو الله السندي بن شاهك على الجريمة النكراء وفعلته السوداء ، طاعة لأمر سيده هارون ، فعمد إلى رطب فوضع فيه سماً فاتكاً ، ولما تناول الإمام (عليه السلام) تلك الرطبات المسمومة تسمم بدنه وأخذ يعاني آلاماً شديدة وأوجاعاً قاسية ، قد حفت به الشرطة القساة ولازمه السندي فكان يسمعه في كل مرة أخشن الكلام وأغلظه ومنع عنه جميع الإسعافات ليعجل له النهاية المحتومة .

وأدخل عليه الفقهاء ووجوه أهل بغداد ، فنظروا إليه لا اثر به من جراح ولا خنق وأشهدهم على أنه مات حتف أنفه ، فشهدوا على ذلك ، فبعد أن قضى السم على الإمام (عليه السلام) ، وأخرج جثمانه الطاهر في تابوته ووضع على الجسر ببغداد ونودي : هذا موسى بن جعفر قد مات فانظروا إليه ، فجعل الناس ينظرون في وجهه وهو ميت.

وتولى غسله وتحنيطه وتكفينه ولده الإمام الرضا (عليه السلام) ، وبعد انتهاء الغسل حمل الإمام إلى مرقده ، وهرعت بغداد لتشييع الإمام (عليه السلام) فكان يوماً مشهوداً ، وسارت المواكب في شوارعها ورددت حناجر الناس كلمات الحزن واللوعة ، وارتحل الإمام عن هذه الدنيا بجسده الطاهر وبقي تراثه العظيم بين أيدينا وسيبقى إلى أن تقوم الساعة.

وكانت وفاته في الخامس والعشرون من رجب سنة 183 للهجرة ، ودفن (سلام الله عليه) في بغداد ، وأصبح هذا المشهد المقدس مقاماً مشهوداً للزيارة والدعاء والتوسل والابتهال إلى الله لقضاء الحوائج وتيسير الصعاب وكشف الهموم ، وظهرت للناس كرامات تدل على أنه باب الحوائج ، ما قصده إنسان بصدق نية إلا وقضى الله حاجته .

فسلا م عليك يا مولاي الكاظم يوم ولدت ويوم استشهدت في سجن الطغاة الظالمين ، ويوم تبعث حياً خصماً لطغاة عصرهم ، وعند الساعة يخسر المبطلون والحمد لله رب العالمين.