|
|
|
الولادة الميمونة في اليوم الثالث من شهر شعبان سنة أربعة من الهجرة ، استقبل بيت النبوة المطهر ، ثاني السبطين ، فغمرت الفرحة ذلك البيت الطاهر ، وتوجه النبي الأعظم صلى الله عليه واله وسلم فور سماعه الخبر الى دار حبيبته الزهراء عليها السلام فأخذ الوليد بيديه الكريمتين ، واحتضنه بساعديه المباركين ، فأذن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى ، وسماه حسينا ، وكناه أبا عبد الله . نشأ هذا المولود المبارك تحت رعاية جده نشأة متميزة ، لم يعرفها تاريخ الأطفال والصبيان في الأرض ، فكان الحديث آيات السماء ، والزوار ملائكة الله ، وصدرت من النبي العظيم صلى الله عليه واله وسلم كلمات الحب والمودة والتكريم والتعظيم – وهو لا ينطق عن الهوى - ، مما أثار انتباه الأمة ولفت نظرها الى مكانة هذا السبط ، والدور الخطير الذي ينتظره في تاريخ العقيدة ، فمرة يخاطب ابنته عندما سمع بكاء ولده : ( الم تعلمي ان بكاءه يؤذيني ) ومرة يخاطب من حوله : ( من أحب الحسن والحسين فقد أحبني ، ومن أبغضهما فقد أبغضني ) ، ومرة يكون أحد الذين خرج بهم الرسول صلى الله عليه واله وسلم للمباهلة ، ومرة يخاطب عليا وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام قائلا : أنا حرب لمن حاربتم ، وسلم لمن سالمتم ، كل ذلك بمرأى وبمسمع . من خلال هذا الكلمات أراد صلى الله عليه واله وسلم تنبيه الأمة وإرشادها الى ما يجب فعله عندما يحارب هؤلاء وعندما يسالمون ، بل ان فيها أمر للوقوف دائما مع أهل البيت عليهم السلام مهما كان الثمن . ومرت الأيام سريعة وفارق النبي العظيم صلى الله عليه واله وسلم دنيا الإسلام والمسلمين ، وبدأت الفتن والمحسن وعاش السبط تلك الأحداث والمآسي بدءا بمنع الخلافة عن صاحبها الشرعي ، ومرورا بفرض البيعة على الناس بالتهديد ، ومرورا بإحراق الباب واغتصاب فدك ، وفقدان أمة الزهراء عليها السلام مكسورة الضلع ، وقتل أبيه عليه السلام ، وسم أخيه الزكي عليه السلام .
|
|
الحسين مع أخيه الحسن عليهما السلام لقد أوصى أمير المؤمنين عليه السلام لولده الحسن وعهد اليه في الإمامة وسلمه مواريث النبوة ، كما أوصى الحسين عليه السلام وبقية أولاده بإطاعته ، وقد وقف الحسين الى جانب أخيه ، وكانا على اتفاق تام في الرأي ، وما صلحه مع معاوية إلا تمهيدا لنهضة الحسين المباركة الخالدة . اضطهاد الشيعة اضطهدت الشيعة أيام معاوية في جميع أنحاء البلاد ، وقوبلوا بأشد أنواع العنف ويصور تلك الأيام إمامنا الباقر عليه السلام قائلا : ( وقتلت شيعتنا بكل بلدة ، وقطعت الأيدي والأرجل على الظنة ، وكان من يذكر بحبنا والانقطاع إلينا سجن أو نهب ماله أو هدمت داره ) . لقد كان معاوية لا يمتنع من الأقدام على أي جريمة من أجل ضمان ملكه وسلطانه ، وقد كانت الشيعة تشكل خطرا على حكومته الجائرة ، فـ(بسر بن أبي ارطأة ) جلاد معاوية قتل ثلاثين ألفا عدا من أحرقهم بالنار ، وقتل ( سمرة بن جندب ) ثمانية آلاف من أهل البصرة ، واما زياد ابن ابيه فقطع الأيدي والأرجل و سمل ( أي أطفأ ) العيون . رفع الإمام الحسين عليه السلام مذكرة الى معاوية استنكر فيها جرائمه التي قام بها ضد الشيعة وما تعانيه الأمة من الاضطهاد والجور . ولم يغير معاوية سياسته ضد الشيعة بل تمادى في طغيانه ، وحمل الناس على بيعة يزيد ليكون خليفة له على رقاب المسلمين ، ويزيد قد نشأ شاربا للخمر ولاعبا بالكلاب ، فقد تربى بالبادية عند أخواله الذين يعتنقون المسيحية قبل الإسلام ، وكان قاسيا غدارا ، ولكنه ليس داهية كأبيه ، وكان معروفا بحقده على النبي صلى الله عليه واله وسلم والبغض له ، وكذلك كان يبغض الأنصار ، ففزع المسلمون حينما سمعوا بتصميم معاوية على استخلاف ولده .
|
|
معارضة البيعة كان في طليعة المعارضين لهذه البيعة إمامنا الحسين عليه السلام ، لأنه يحتقر يزيد ، ويكره طباعة الذميمة ، ولما دعاه والي المدينة وطلب منه بيعة يزيد قال له الإمام عليه السلام : ( أيها الأمير أنا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ، ومختلف الملائكة بنا فتح الله ، وبنا يختم ، ويزيد رجل فاسق ، وشارب الخمر ، وقاتل النفس المحترمة ، معلن بالفسق ، ومثلي لا يبايع مثله ) . بهذه الكلمات تجلى موقف الإمام عليه السلام رسميا من بيعة يزيد ، وعندما اشتد الضغط على الإمام عليه السلام لإجباره على البيعة ، قرر مغادرة المدينة مع أهل بيته متوجها الى مكة ودخلها في الثالث من شعبان سنة 60 هجرية ، كتب الإمام وصية الى أخيه محمد بن الحنفية جاء فيها : ( إني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي وأبي ، أريد أن أمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق ، ومن رد علي هذا اصبر حتى يحكم الله بيني وبين القوم بالحق ، وهو خير الحاكمين ) ، واختار الإمام الحسين عليه السلام مكة لأنها كانت حرما آمنا ، ولقرب موسم الحج فكان من المناسب ان يعلن أهدافه عند اجتماع الناس في تلك البقعة الطاهرة . اضطرب يزيد عندما وافته الأنباء بامتناع الإمام الحسين عليه السلام عن بيعته وهجرته الى مكة ، حيث طلب جماعة من الإمام ان يبايعه فرفض ذلك قائلا : أنا أبايع يزيد وأدخل في صلحه ؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه وفي أبيه ما قال . وبعدها قرر الإمام الحسين عليه السلام مغادرة مكة متوجها الى العراق خوفا من انتهاك حرمة بيت الله الحرام بعد ان طلب يزيد من أعوانه أن يغتالوا الإمام ولو كان متعلقا بأستار الكعبة ، واختار العراق لكونه يعتبر قلبا للدولة الإسلامية ، وكانت الكوفة مهدا للشيعة ومقرا للمعارضة وموطنا من مواطن العلويين ، وقد أعلنت اخلاصها لأهل البيت في كثير من المواقف وخاض الكوفيون حرب الجمل وصفين مع الإمام علي عليه السلام ، بالأضافة الى أن الأغلبية الساحقة في الحجاز كانت حاقدة على أهل البيت عليه السلام . |
|
الى العراق توجه الإمام الحسين عليه السلام الى العراق ، بعد ان وصلته كتب من اهله يطلبون قدومه اليهم ، وبعد ان ارسل ابن عمه مسلم بن عقيل سلام الله عليه لأخذ البيعة له وتهيأت الأمور للنهضة المباركة ، ولكن بسبب الجواسيس المنتشرين قتل مسلم ( رضوان الله عليه ) . كان خروجه من مكة في الثامن ذي الحجة سنة 60 للهجرة ، وقبل أن يغادر توجه الى البيت الحرام فأدى التحية بطوافه وصلاته ، وهو يعلم بأنه الوداع الأخير ، وفور وصول الإمام عليه السلام الى كربلاء يوم الخميس الثاني من المحرم سنة 61 للهجرة ، نصبت خيام أهل البيت عليهم السلام في البقعة الطاهرة التي اختارها الله لمصرع سبط حبيبه وخاتم رسله صلى الله عليه واله وسلم ، وجمع أهل بيته وأصحابه فألقى عليهم نظرة حنان وعطف وأيقن أنهم عن قريب سوف تتقطع أوصالهم ، فأغرق بالبكاء ، ورفع يديه بالدعاء يناجي ربه ويشكوا اليه ما ألم به من عظيم الرزايا قائلا : (( أللهم أنا عترة نبيك محمد ( صلى الله عليه واله وسلم ) قد أخرجنا وطردنا وأزعجنا عن حرم جدنا ، وتعدت بنو أمية علينا اللهم فخذ لنا بحقنا وانصرنا على القوم الظالمين ) . ثم خاطب عليه السلام أولئك الأبطال وأخبرهم ، بأن الناس عبيد الدنيا ، وأعلمهم ان الظروف مهما كانت فإنه لا يغير عزمه لإقامة الحق ، وقد جعل الموت في هذا السبيل هو الأمل الباسم في حياته . وعندما أنهى خطابه تكلم أصحابه البررة بما يدل على عمق إيمانهم بقضيتهم الخالدة ، فقال زهير بن القين : سمعنا مقالتك يابن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ولو كانت الدنيا باقية ، وكنا فيها مخلدين لآثرنا (اخترنا) النهوض معك على الإقامة فيها ثم تكلم برير فخاطب الإمام عليه السلام : يابن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لقد من الله بك علينا ان نقاتل بين يديك وتقطع فيك أعضاؤنا ، ثم يكون جدل شفيعنا يوم القيامة ، وتكلم أكثر الأصحاب بهذا الكلام . |
|
الأوامر المشددة من ابن زياد للحرب انتخب ابن زياد عمر بن سعد بن ابي وقاص قائدا عاما لقواته المسلحة لحرب ابن بنت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، حيث اخبر النبي صلى الله عليه واله وسلم عن سوء عاقبة عمر بن سعد ، وكذلك امير المؤمنين عليه السلام ومن صفاته انه كان خانعا للسلطة ، ومتهالك عليها وهو الذي طلب من ابيه ان يحضر التحكيم لعلهم يعدلون عن علي ومعاوية ويتولى الأمر إلا أن اباه امتنع عن ذلك وكان من الجبناء ، شاكا في البعث والنشور يوم القيامة من خلال أبيات قرأها . واصدر ابن زياد أوامره المشددة لحمل أهل الكوفة على حرب الإمام الحسين عليه السلام وفرضت الرقابة مخافة أن يخرج منها أحد لنصرة الإمام .وطلب الإمام عليه السلام من ابن سعد الإجتماع به ، والتقى معه ليلا ونصحه وذكره بنسبه الشريف ، ولكن لم تنفع النصيحة معه ، وأصر على البقاء مع ابن زياد ، وقدم الخبيث شمر بن ذي الجوشن أمانا للعباس واخوته ، فكان جوابهم له بلعنه ولعن أمانه ، فولى خائبا . منع الماء احتل عمر بن سعد ماء الفرات ومنع الماء عن الحسين واهل بيته عليهم السلام وأصحابه ، كان عمر بن سعد أداة الشر المنفذة للفساد والظلم الأموي ، فكانت غاية همته هي تنفيذ أوامر ابن زياد متجاهلا حرمة البيت النبوي بل وحاقدا عليه ، وأنكر جماعة من أصحاب الحسين عليه السلام على ابن سعد منعه الماء ، لكون العطش قد أضر بالأطفال والعيال الذين لا ذنب لهم في هذه المعركة . ولما رأى الحسين عليه السلام كثرة الجيش الذي خرج لقتاله ، تعمم بعمامة جده رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وركب واخذ سلاحه ثم دنا من معسكرهم ( ليلقى عليهم الحجة ولكي لا يبقى أحد لا يعلم بوضوح الموقف ) بحيث يسمعون صوته وراح يسألهم بعد أن حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، عن سبب خروجهم لحربه ، وعرض عليهم كتبهم التي ارسلوها إليه ، ونادى عليه السلام كل من كتب إليه باسمه ، هل لمال اغتصبه منهم ، أم لبدعة أدخلها في دين الإسلام ، أم لثأر لهم عنده ، وسألهم هل سمعوا جده ( صلى الله عليه واله وسلم ) يقول : الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ، فإن لم يسمعوا ففي المسلمين من يخبرهم بذلك . |
|
رجوع الإمام عليه السلام الى المعسكر عاد الإمام الحسين عليه السلام الى معسكره ، حزينا يقول لأصحابه : أن القوم قد أصروا على القتال ولا يريدون غيري فإن ظفروا بي لا حاجة لهم بكم ، فإذا جن الليل فليذهب كل منكم الى حيث يأمن ودعوني وهؤلاء القوم . وأبى أصحابه الأوفياء وأهل بيته البررة أن يفارقوه أو يبخلوا بأرواحهم عليه ، وقالوا بلسان واحد : والله لا نفارقك ولا نرضى بالعيش بعدك ولا بالدنيا بكل ما فيها بدلا عن الشهادة بين يديك وتأثر الحر بن يزيد الرياحي بهذه الكلمات والتحق مع الحسين عليه السلام . وبدا القلق والاضطراب واضحين عندما سئل الحر عن سبب تركه لجيش يزيد والتحاقه بجيش الإمام عليه السلام قال : والله اني اخير نفسي بين الجنة والنار وبين الدنيا والآخرة ولا ينبغي لعاقل أن يختار على الآخرة والجنة شيئا ، ثم التحق بالإمام عليه السلام واستشهد بين يديه . زحف الأعداء على معسكر الإمام عليه السلام واصدر بن زياد أوامره لإبن سعد بأن يزحف بمن معه من أهل الكوفة على الحسين في التاسع من المحرم سنة إحدى وستين من الهجرة ، فنفذ الأوامر فخرج الإمام عليه السلام وأصحابه ، وأرسل أخاه العباس ليستمهلهم تلك الليلة ، وبعد جدال بين قادة الجيش وافق عمر بن سعد على ما يريدون الى صبيحة اليوم العاشر ، وفي تلك الليلة جمع الإمام الحسين أصحابه فحمد الله وأثنى عليه ، وطلب منهم أن ينصرفوا ، فإمتنعوا عن فراقه حتى يرزقوا الشهادة بين يديه ، وباتوا تلك الليلة ولهم دوي كدوي النحل بين قائم وقاعد وراكع وساجد ، ثم أوصى أخته العقيلة سلام الله عليها بالصبر والمحافظة على العيال والأطفال ثم عزاها بنفسه ، ورفع يديه بالدعاء لأخته الممتحنة . وبدخول اليوم العاشر من المحرم زحف جيش عمر بن سعد نحو معسكر الحسين عليه السلام فوضع سهما في قوسه ورمى به خيام الحسين وقال : اشهدوا لي عند الأمير أني أول من رمى الحسين وأصحابه ، وتوالت السهام من كل جانب ، فنادى الحسين في أصحابه وقال : هذه رسل القوم إليكم فخرجوا من خيامهم كالأسود الضارية لا يبالون بالموت ولا يحسبون لتلك الحشود الهائلة حسابا مستبشرين بلقاء الله سبحانه . |
|
وتدافعت جيوش الضلال وشنت هجوما عاما واسعا على أصحاب الإمام الحسين عليه السلام ، وهي الحملة الأولى التي خاضها أصحاب الإمام وقد استشهد واحدا وأربعين رجلا ، وبدأت المبارزة بين المعسكرين بعد الحملة الأولى . وشنت قوات عمر بن سعد هجوما شاملا على مخيم الأصحاب ، فتصدوا له على قتله فلم تتمكن الخيل على اقتحامهم ، وولت منهزمة ، فرشقهم الأصحاب بالنبل فرصعوا منهم رجالا ، وجرحوا آخرين . الصلاة عمود الدين وبالرغم مما كان الإمام عليه السلام يعانيه ، فكان فكرة كان مشغولا بأداء فريضة الصلاة التي هي من أهم العبادات في الإسلام وأقبل على الله بقلب مطمئن فصلى بمن بقي من أصحابه ، وتقدم بعضهم ليقي الإمام بنفسه السهام والرماح ، واغتنم الأعداء هذه الفرصة فراحوا يرشقون الإمام وأصحابه بسهامهم ، وعندما أنهى الإمام صلاته ، أثخن سعيد الحنفي بالجراح وهوى الى الأرض وهو يقول : أوفيت يابن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ؟ فأجابه الإمام عليه السلام : نعم أنت أمامي في الجنة ، وبرز من بقي من الأصحاب واستشهدوا بين يديه عليه السلام . وبعد استشهاد الصفوة الطيبة من أصحاب الإمام عليه السلام برز أحفاد النبي صلى الله عليه واله وسلم للتضحية والفداء ، حتى صرعوا في رمضاء كربلاء . والقى الإمام بنظره على أهل بيته وأصحابه فرأهم مجزرين كالأضاحي على رمال كربلاء تصهرهم الشمس ، وسمع عياله وقد أرتفعت أصواتهن بالبكاء فنادى : هل من ذاب يذب عن حرم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ؟ هل من موحد يخاف الله فينا ؟ ، هل من مغيث يرجوا الله في اغاثتنا ؟ ، ولما سمع الإمام زين العابدين عليه السلام استغاثة أبيه وثب من فراشه ، وجعل يتوكأ على عصا لشدة مرضه ، فصاح الحسين بأخته ، احبسيه لئلا تخلوا الأرض من نسل آل محمد صلى الله عليه واله وسلم . |
|
الإمام عليه السلام وحيدا في كربلاء ووقف الإمام عليه السلام وحيدا في الميدان أمام أعدائه ، ولم تضعف عزيمته مصارع أولاده وأهل بيته وأصحابه ولا ما كان يعانيه من الم العطش . وحمل على أعطاء الله فجعل يقاتلهم أشد قتال وكانوا ينهزمون من بين يديه ، وذعر بن سعد من كثرة الخسائر ، فراح يثير الأحقاد الجاهلية قائلا : هذا ابن الأنزع البطين ، هذا ابن قتال العرب احملوا عليه من كل جانب ، ووجه عدوا الله الرماة نحو الإمام ، فصار جسده الشريف هدفا لنبال الحقد ، وحمل على الفرات فإنهزموا من بين يديه واستولى على الماء فغرف منه ليروي ظمأه فناداه خبيث : أتلتذ بالماء ؟ وقد هتكت حرمك ؟ ، فرمى الماء من يده وتوجه الى الخيمة فوجدها سالمة فعلم انها مكيدة وجعل يقاتلهم ووجه خطابه - وهو بتلك الحالة – لأعداءه وحذرهم من غرور الدنيا . وطلب الإمام عليه السلام من أهل بيته أن يأتوه بثوب لا يرغب فيه أحد ليجعله تحت ثيابه لئلا يسلب منه ، ورجع الى عياله ليودعهم الوداع الأخير ، فارتفعت أصواتهن بالبكاء والعويل ، والقين بأنفسهن على الإمام ونادى اللعين عمر بن سعد اهجموا عليه مادام مشغولا بنفسه وحرمه ، فجعلوا يرمونه بالسهام ، فأصيب فمه الطاهر ، فوضع يده تحت الجرح فلما امتلأت رفعه الى السماء قائلا : اللهم ان هذا فيك قليل ، وسهم أصاب جبهته المقدسة ، ووقف ليستريح ، فرماه خبيث بحجر ، ورماه آخر بسهم محدد له ثلاث شعب فوقع على قلبه الشريف ، فنظر الى السماء وهو يقول ( بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الهي انك تعلم انهم يقتلون رجلا ليس على وجه الأرض ابن بنت نبي غيري ، وأخذ الإمام من دمه الشريف فلطخ به وجهه ولحيته قائلا : هكذا أكون حتى ألقى الله وجدي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وانا مخضب بدمي . وقطع رأسه الشريف وكانت على شفتيه ابتسامة الرضا والإطمئنان ، وكان ذلك في العاشر من محرم سنة 61 للهجرة . فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيا . |