الولادة الميمونة

ولد أبو الفضل العباس (سلام الله عليه) في اليوم الرابع من شهر شعبان سنة 26 هجرية وهو أول مولود للسيدة أم البنين وقد ازدهرت الدنيا بولادته وأشرقت وملئ البيت العلوي فرحاً وسرورا بهذا المولود المبارك فقد ولد قمرهم المشرق الذي ملئت الدنيا مناقبه وفضائله وأضاف لهذا البيت مجداً وذكراً خالداً على مر الدهور ، فحينما بشر الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بهذا المولود سارع إلى الدار أخذه وقبله وأجرى عليه مراسيم الولادة الشرعية فأذن في أذنه اليمنى ، وأقام في اليسرى ، فهنيئا لسيدنا العباس (سلام الله عليه) إن كان أول صوت يسمعه صوت أبيه سيد الأوصياء أمير المؤمنين (عليه السلام) فصوت (الله أكبر لا إله إلا الله) رائع ولكنه أروع عندما يصدر من رائد الإيمان والتقوى .

لقد تركزت هذه الكلمات العظيمة في أعماق أبي الفضل العباس (سلام الله عليه) فتبنى الدعوة إليها في حياته وقدم نفسه الزكية في سبيلها .

لقد سماه أبوه (عليه السلام) بالعباس لأنه علم بأن ولده سيكون بطلا من أبطال الإسلام وعبوساً في وجه المنكر والباطل.

كني مولانا العباس (سلام الله عليه) بأبي الفضل لأن له ولداً اسمه الفضل ، ولقب بقمر بني هاشم فقد كان (سلام الله عليه) في روعة بهاءه وجميل صورته آية من آيات الجمال وكما كان قمراً لأسرته العلوية الكريمة فقد كان قمرا في دنيا الإسلام ، ولقب بالسقاء لقيامه بسقاية عطاشا أهل البيت (عليهم السلام) ، ولقب بحامل اللواء لكونه حمل أشرف لواء ألا وهو لواء أبي الأحرار الإمام الحسين (عليه السلام) ، ولقب بباب الحوائج وهذا اللقب مشهور بين الناس فلم يقصده شخص بنية خالصة إلا قضى الله حاجته وما قصده مكروب إلا وكشف الله كربه، كل ذلك بإذن الله تعالى وذلك لجهاده المقدس في نصرة الإسلام والدفاع عن مبادئه وأهدافه.

   

 

مع مربيه

كان الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يرعى ولده في طفولته ويعتني به وقد توسم فيه أنه بطلا من أبطال الإسلام وسيسجل للمسلمين صفحات مشرقة من العزة والكرامة ويكثر في تقبيله وينقل المؤرخون : أنه أجلسه في حجره فشمر العباس (سلام الله عليه) عن ساعديه ، فجعل الإمام (عليه السلام) يقبلهما ويبكي فاندهشت أم البنين وسئلت الإمام (عليه السلام) عن سبب بكاءه فأجابها الإمام (عليه السلام) بصوت حزين : نظرت إلى هذين الكفين وتذكرت ما سيجري عليهما ، وتساءلت ماذا سيجري عليهما ؟ فكان الجواب ، أنهما يقطعان من الزند ، فتساءلت الأم لماذا يقطعان ؟ فأخبرها الإمام (عليه السلام) بأنهما يقطعان في نصرة الإسلام والذب عن سيد الشهداء (عليه السلام) فبكت أم البنين (رضي الله عنها) وحمدت الله سبحانه في أن يكون ولدها فداءا لسبط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الحسن والحسين (عليهما السلام) سيدي شباب أهل الجنة فكان يتلقى منهما قواعد الفضيلة وأسس الآداب الرفيعة ، وقد لازم بصورة خاصة أخاه سيد الشهداء (عليه السلام) فكان لا يفارقه بعد أن تأثر بسلوكه ، وقد أخلص له الإمام الحسين (عليه السلام) كأعظم ما يكون الإخلاص وقدمه على جميع أهل بيته لما رأى منه من الود الصادق.

إن التربية الصالحة التي نالها سيدنا العباس (سلام الله عليه) رفعته إلى مستوى العظماء والمصلحين الذين غيروا مجرى تأريخ البشرية بما قدموه من التضحيات.

لقد نشأ (سلام الله عليه) على التضحية والفداء من أجل إعلاء كلمة الحق ورفع رسالة الإسلام الهادفة إلى تحرير إرادة الإنسان وبناء مجتمع أفضل تسوده العدالة والمحبة والايثار مستلهما المبادئ العظيمة من أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام) وأخويه الحسن والحسين (عليهما السلام) فقد غرست في أعماق نفسه.

   

 

شهادات الحق

احتل أبو الفضل العباس (سلام الله عليه) مشاعر العظماء وذلك لما قام به من عظيم التضحية في يوم عاشوراء صرخة الحق في وجه الباطل والانحراف ، وقد عبر الإمام زين العابدين (عليه السلام) بكلمات تدل على التعظيم لعمه العباس (سلام الله عليه) فكان (عليه السلام) دوماً يترحم عليه ويذكره بمزيد من الإجلال والاكبار ويذكر تضحياته العظيمة قائلاً (عليه السلام) :

(رحم الله عمي العباس ، فلقد آثر وأبلى وفدى أخاه بنفسه ، حتى قطعت يداه ، فأبدله الله بجناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة كما جعل لجعفر بن أبي طالب ، وإن للعباس عند الله تبارك وتعالى منزلة يغبطه عليها جميع الشهداء يوم القيامة).

أما الإمام الصادق (عليه السلام) فكان يشيد دوماً بعمه العباس ويثني عليه لمواقفه البطولية النابعة عن إيمان عميق يوم الطف قائلاً (عليه السلام):

(كان عمي العباس نافذ البصيرة صلب الإيمان ، جاهد مع أخيه الحسين ، وأبلى بلاءً حسناً ومضى شهيداً).

ومعنى نافذ البصيرة أنه سديد الرأي ودليل صلابة إيمانه أنه قدم نفسه الزكية في ساحات الجهاد طالباً الأجر عند الله ، فقد زار الإمام الصادق (عليه السلام) أرض كربلاء المقدسة وبعدما انتهى من زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته والصفوة من أصحابه البررة توجه بشوق كبير لزيارة قبر عمه العباس بقوله : (سلام الله وسلام ملائكته المقربين وأنبياءه المرسلين وعباده الصالحين وجميع الشهداء والصديقين والزاكيات الطيبات فيما تغتدي وتروح عليك يا بن أمير المؤمنين ...) إن هذه الكلمات تعبر عن جميع معاني الإجلال والتعظيم وأضاف له في باقي الزيارة كلمات منها التسليم والتصديق والوفاء والنصيحة لخلف النبي المرسل والسبط المنتجب والدليل العالم والوصي المبلغ والمظلوم المهتضم . فعبارات الزيارة بحقه (سلام الله عليه) تحتاج إلى تأمل وتفكر بعد أن عرفنا إنها صادرة من معصوم ، وقد ورد على لسان حجة آل محمد (عجل الله تعالى فرجه) في الثناء عليه كما في زيارة الناحية.

   

 

موقفه في الطف

رافق أبو الفضل العباس (سلام الله عليه) أحداث النهضة الحسينية المباركة وكان الساعد الأيمن لأخيه الإمام الحسين (عليه السلام) والمشارك في جميع فصولها ، وقد وعى جميع أهدافها العظيمة وما تطلبه من خير ورحمة للشعوب المحرومة المضطهدة , ولقد لازم أخاه ممتثلا لأمره منفذاً لرغباته مؤمناً بقوله وأنه الإمام المفترض الطاعة ، فعندما رفض الإمام الحسين (عليه السلام) البيعة ليزيد أمام حاكم المدينة (الوليد بن عتبة) كان العباس (سلام الله عليه) ينتظر أوامر أخيه خارج الدار. وبمجرد مغادرة الإمام الحسين (عليه السلام) المدينة متوجهاً إلى مكة وبعدها إلى العراق كان أخاه أبو الفضل العباس (سلام الله عليه) متولياً لجميع شؤونه وشؤون عائلته والقيام بما يحتاجون إليه ، وكان يراقب بدقة حركة القافلة وسيرها خوفاً على عيال أخيه وأطفاله من أن يصيبهم تعب أو أذى ، وقد وجدوا في رعايته وحنانه من البر والإحسان ما لا يمكن وصفه.

وحين وصول الركب إلى كربلاء سارع أبو الفضل العباس (سلام الله عليه) مع الفتية من أهل البيت (عليهم السلام) إلى نصب الخيام لعقائل الوحي ومخدرات النبوة بعد أن خيم عليهن الرعب.

وفي اليوم السابع من محرم فرض جيش يزيد الحصار على معسكر الإمام الحسين (عليه السلام) وقطعوا عنهم الماء ، كان الأطفال يبكون من العطش ، استدعى الإمام الحسين (عليه السلام) أخاه أبا الفضل وطلب منه أن يجلب الماء للأطفال والنساء ، وتوجه العباس (سلام الله عليه) مع ثلاثين فارساً نحو الماء وتمكنوا من اقتحام النهر وجلب الماء وعادوا إلى المخيم وشرب الأطفال ماءاً بارداً.

   

 

الإمام الحسين (عليه السلام) ينصح ابن سعد

عندما حل مساء الثامن من محرم أراد الإمام الحسين (عليه السلام) أن ينصح قائد جيش يزيد (عمر بن سعد بن أبي وقاص) ويحذره من طاعة يزيد الفاسق ، وكان اللقاء بين المعسكرين ، نزل سيدنا الحسين (عليه السلام) عن جواده وأمر فرسانه بالعودة باستثناء أخيه العباس وابنه علي الأكبر (سلام الله عليهما) ، فخاطب الإمام الحسين (عليه السلام) عمر بن سعد بقوله : يا ابن سعد أتقاتلني أما تتقي الله الذي إليه معادك ؟ فأنا ابن من قد علمت ألا تكون معي وتدع هؤلاء فإنه أقرب إلى الله تعالى؟ فأجابه : أخاف أن يهدموا داري ، فأجابه الإمام (عليه السلام) أنا أبنيها لك. فأجابه عمر : أخاف أن يصادروا بستاني . فأجابه الإمام (عليه السلام) : أنا أعطيك خيراً منها في الحجاز . فأجابه عمر بخنوع : أخاف على عيالي بالكوفة فقد يقتلهم ابن زياد ، تيقن الإمام الحسين (عليه السلام) أن ابن سعد رجل جبان يحب الدنيا ويريد أن يعيش على موائد الظالمين فأخبره (عليه السلام) بمستقبله في ظل يزيد بن معاويه بقوله (عليه السلام) ذبحك الله على فراشك عاجلاً ولا غفر لك يوم حشرك ، وعاد الإمام الحسين والعباس وعلي الأكبر (سلام الله عليهم) إلى الخيام.

وأخيراً  وصل (شمر بن ذي الجوشن) على رأس أربعة آلاف مقاتل وأصبح جيش (عمر بن سعد) ثلاثين ألفاً ، كان مع الشمر رسالة هامة من (عبيد الله بن زياد) إلى عمر بن سعد وفيها : أن يعرض على الحسين (عليه السلام) أن يسلم نفسه دون قيد أو شرط ويكون تابعاً ليزيد أو الحرب فأن قتل الحسين (عليه السلام) فيوطئ الخيل صدره وظهره ، فإن أنت مضيت لأمرنا جزيناك جزاء السامع المطيع وإن أبيت فاعتزل وخل بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر فإنا قد أمرناه بذلك.

كان الشمر ينتظر استقالة ابن سعد ليتولى بنفسه قيادة الجيوش ضد سبط الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لكن عمر بن سعد كان أكثر دناءة من الشمر وحباً للدنيا وطاعة للفاسقين وأصر على قيادة الجيش وعين الشمر قائداً للمشاة.

   

 

أمان الظالمين

وكان مع الشمر رسالة أخرى فيها أمان للعباس وأخوته عبد الله وعثمان وجعفر فوالدتهم من بني كلاب ولها علاقة بقبيلته ، وجاء الشمر يحوطه الجنود ، ووقف قريباً من معسكر الإمام الحسين (عليه السلام) وصاح : أين بنوا أختنا ؟ أين العباس وأخوته ؟ سمع العباس (عليه السلام) صياح الشمر ، ولكنه لم يرد عليه لأنه كان يحتقر الشمر لإطاعته يزيد وانحرافه عن طريق الحق وعصيانه الله سبحانه وتعالى وخروجه لحرب إمامنا الحسين (عليه السلام).

قال إمامنا الحسين (عليه السلام) : أجيبوه ولو كان فاسقاً .

نهض العباس (سلام الله عليه) وأخوته وتقدموا نحوه ، قال له سيدنا العباس (سلام الله عليه) ما تريد ؟ أجاب الشمر : يا بني أختي أنتم آمنون ، فلا تقتلوا أنفسكم مع الحسين والزموا طاعة يزيد . أدار العباس (سلام الله عليه) ظهره عن الشمر قائلاً له : (لعنك الله ولعن أمانك أتؤمننا وابن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا أمان له وتأمرنا أن ندخل في طاعة اللعناء وأولاد اللعناء).

إعلان الحرب

في مساء التاسع من المحرم أصدر عمر بن سعد أوامره بالزحف نحو معسكر الإمام الحسين (عليه السلام) كان الإمام (عليه السلام) جالساً أمام خيمته ، سمعت أخته العقيلة (عليها السلام) أصوات الرجال فقالت لأخيها الحسين (عليه السلام) : العدو يزحف باتجاهنا ، قال الإمام الحسين (عليه السلام) لأخيه العباس (سلام الله عليه) : اركب بنفسي أنت واسألهم ماذا يريدون ؟ ركب العباس (سلام الله عليه) جواده ومعه عشرون فارساً وحبيب بن مظاهر ( رضوان الله عليه ) يسير إلى يمينه وزهير بن القين (رضوان الله عليه) إلى يساره اعترض الفرسان تقدم جيش يزيد ونادى العباس (سلام الله عليه) ما الذي تريدون ؟ أجاب عمر بن سعد جاء أمر الأمير عبيد الله بن زياد أن نعرض عليكم الاستسلام

   

 

أو الحرب.عاد سيدنا العباس (سلام الله عليه) بمفرده إلى المخيم لأخبار الإمام الحسين (عليه السلام) بذلك ، وحاول بن مظاهر أن ينصح جنود الكوفة ولكن دون فائدة. قال الإمام الحسين (عليه السلام) لأخيه : إرجع إليهم واستمهلهم هذه العشية إلى غد لعلنا نصلي لربنا الليلة وندعوه ونستغفره ، فهو يعلم سبحانه أني أحب الصلاة له وتلاوة كتابه.

رجع العباس (سلام الله عليه) وطلب من عمر بن سعد أن يمهله إلى صباح غد ، استشار ابن سعد قادته ، فطلبوا منه أن يوافق على ذلك ، كان بعضهم يظن (جهلاً منه) أن إمامنا الحسين (عليه السلام) سوف يستسلم ، وأخيراً قال عمر بن سعد للعباس (سلام الله عليه) إنا أجلناكم إلى الغد فإن استسلمتم ذهبنا بكم إلى الأمير وإلا فالحرب.

الليلة الأخيرة

وفي تلك الليلة جمع إمامنا الحسين (عليه السلام) أصحابه وأهل بيته وتحدث إليهم قائلاً : اثني على الله أحسن الثناء ، وأحمده على السراء والضراء ، اللهم إني أحمدك على ما أكرمتنا بالنبوة وعلمتنا القرآن وفقهتنا في الدين وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدة ولم تجعلنا من المشركين ، أما بعد فإني لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي فجزاكم الله عني جميعاً .... ألا وإني قد أذنت لكم فانطلقوا جميعاً في حل .. وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً .. فجزاكم الله جميعاً خيراً وتفرقوا في مدائنكم فإن القوم إنما يطلبونني ، ولو أصابوني لذهلوا عن طلب غيري.

وهنا نهض سيدنا العباس (سلام الله عليه) وقال بحزن : لم نفعل ذلك؟ لنبقى بعدك؟ لا أرانا الله ذلك أبداً وتتابع أخوة الحسين (عليه السلام) وأبناءه وأبناء أخيه بكلمات إيمان وشجاعة وعزم قائلين : إن الحياة بدون سيدنا الحسين لا قيمة لها وإن الدنيا التي يحكم فيها يزيد بن معاوية لا تساوي شيئاً.
   

 

يوم عاشوراء

وفي اليوم العاشر من محرم أصدر (عمر بن سعد) أمره بالهجوم وبدأت السهام تنهال على مخيم الإمام الحسين (عليه السلام) كالمطر ، واشتبك جيش الحق القليل العدد مع جيش الباطل الذي بلغ ثلاثين ألف مقاتل خرجوا لحرب السبط (عليه السلام) وتساقط الشهداء من الأصحاب ومن أهل البيت بعد أن أثبتوا شجاعة متميزة ولم يبق مع الحسين (عليه السلام) سوى أخيه العباس (سلام الله عليه) وكانت الراية تخفق بيده عالياً منذ بدء المعركة . وخلال المعركة كان العباس (سلام الله عليه) يهاجم معسكر الباطل لينقذ بعض أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) المحاصرين أثناء القتال أو يحمل أجساد الشهداء إلى المخيم حتى لا يمثل بهم ، عند ذلك تقدم سيدنا العباس (سلام الله عليه) إلى أخيه الإمام الحسين (عليه السلام) يطلب منه الاذن بالهجوم بعد أن سمع بكاء الأطفال من شدة العطش ، ولكن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يسمح له وقال بصوت حزين النبرات : (أنت صاحب لوائي) فأجابه ابن أمير المؤمنين العباس (سلام الله عليه) لقد ضاق صدري من هؤلاء المنافقين وأريد أن أخذ ثاري منهم ، فطلب الإمام الحسين (عليه السلام) من أخيه أن يطلب قليلاً من الماء للأطفال ، فتوجه قمر بني هاشم نحو الفرات وعندما وصل إلى النهر أحس ببرودة الماء فمدى يده لكي يشرب فتذكر عطش أخيه وأهل بيته فرمى الماء من يده قائلاً : ((أأشرب وأخي الحسين عطشان)).

سلام عليك يا أبا الفضل يا صاحب هذه الروح العظيمة فأي درس أروع من هذا الايثار تنقله لنا لنتعلم منك ومن مدرستكم هذا الخلق الرفيع فلا عجب وقد تربيت في مدرسة أمير المؤمنين (عليه السلام) ربيب الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم).

   

 

واتجه فخر هاشم نحو مخيم الحسين (عليه السلام) بعد ملاً القربة وهي بالنسبة له أغلى من حياته ، وفي طريقه إلى المخيم أحاطوه أعداء الله من كل جانب ليمنعوه من إيصال الماء إلى عطاشا آل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولكنه واجههم بكل شجاعة وذكرهم بقتال أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام) وانهزموا من بين يديه خائبين مذعورين وفيما كان العباس (سلام الله عليه) يشق طريقه بين أشجار النخيل كان أحد الأوغاد يختبأ وراء نخلة في يده سيف مسموم بعد أن عجز عن المواجهة وعندما اقترب العباس (سلام الله عليه) من هذه النخلة ضربه بالسيف على يمينه فسقطت وسقط معها السيف ، كان سيدنا العباس (سلام الله عليه) لا يفكر في تلك اللحظات إلا في إيصال الماء للأطفال لكي يشربوا ويرتوا فأخذ القربة بيساره وأخذ يشق طريقه بين النخيل ، واختبأ حاقد آخر ممن باع آخرته خلف نخلة وعندما صار العباس (سلام الله عليه) قريباً ضربه بالسيف على يده اليسرى فسقطت وأصبح قطيع الكفين لكن كان يشعر بالأمل لسلامة القربة ، ولكن انهالت عليه السهام من كل جانب فجاءه سهم فنبت في قلبه الشريف بعد أن تمزقت القربة بسهم حقود جاحد ، وجاء وغد وفي يده عمود فضربه على رأسه ، فسقط قمر بني هاشم (سلام الله عليه) (فعندما يسقط الفارس من فوق جواده فإنه يستقبل الأرض بيديه ليخفف شدة السقوط ، لكن أبا الفضل العباس (سلام الله عليه) لم تكن عنده يداه لهذا سقط على رأسه فتضاعفت آلامه) عندها نادى صيحة الوداع : عليك مني السلام يا أبا عبد الله.

   

 

الحسين (عليه السلام) عند أخيه

ساقت الريح صوت العباس (سلام الله عليه) إلى أخيه الإمام الحسين (عليه السلام) فتوجه نحو شاطئ الفرات وفر الجنود مذعورين وهم يشاهدون سيف الحسين (عليه السلام) يحصد بهم.وصل سيدنا الإمام الحسين (عليه السلام) إلى أخيه العباس (سلام الله عليه) في اللحظات الأخيرة من حياته.

جلس إمامنا الحسين (عليه السلام) عند رأسه محاولاً إيقاف نزف الدماء ولكن بدون فائدة لكونه كان مثخن بالجراح فأراد أن يحمله فقال له العباس (سلام الله عليه) بصوت ضعيف : يا أخي دعني في مكاني (وهذه هي أول مرة يخاطب سيدنا العباس (سلام الله عليه) أخاه قائلاً : يا أخي فكان خطابه دائماً يا سيدي). لأني أستحي أن أعود إلى الخيام بدون ماء .وبعدها أغمض عينيه وصعدت روحه الطاهرة إلى بارئها تشكو ظلم يزيد وأعوانه الظالمين.

عاد الإمام الحسين (عليه السلام) إلى المخيم وحيداً باكياً والدموع تسيل على وجهه وهو يقول (الآن انكسر ظهري وقلت حيلتي وشمت بي عدوي).

فقد سقطت الراية ولم يحملها أحد وبقي الحسين (عليه السلام) وحيداً ، جاءت سكينة تستقبل عمها العباس (سلام الله عليه) فرأت أباها (عليه السلام) وحيداً فقالت له : أين عمي أبو الفضل أراه أبطأ عني بالماء.فغرق إمامنا (عليه السلام) بالبكاء وأخبرها بنبرات متقطعة من شدة البكاء بشهادة أخيه فذعرت وعلا صراخها ونادت واعماه ... وكأن لسان حالها يقول :

    عد سالماً دون ماء                                          يا بن خير الأوصياء

إني شربت عماه دمع عينيا

   

 

مأتم للعباس في الطف

ولما سمعت أم المصائب زينب (عليها السلام) بشهادة أخيها وضعت يدها على قلبها وصاحت واأخاه .. واعباساه .. واضيعتنا بعدك.وأخذ الجميع بالصراخ لفقد قمر العشيرة وشاركهم الإمام الحسين (عليه السلام) بهذا المأتم وقد علا صوته قائلاً : واضيعتنا بعدك يا أبا الفضل.

لقد شعر أبو عبد الله الحسين (عليه السلام) بالضيعة والغربة بعد فقده لأخيه الذي ليس مثله أخ ولا ناصر.فنادى بصوت عال أما من مجير يجيرنا أما من مغيث يغيثنا أما من طالب حق ينصرنا أما من خائف من النار فيذب عنا.

كل هذا لإبلاغ الحجة على من تخلف عن نصرته (عليه السلام) حتى لا يعتذر أحد بالغفلة يوم يقوم الناس لرب العالمين.

والأمر الذي يحتاج إلى الوقوف قليلاً هو لماذا ترك الحسين (عليه السلام) سيدنا العباس (سلام الله عليه) في مكان استشهاده ولم ينقله إلى المخيم كما فعل ببقية الشهداء (رضوان الله عليهم) ؟ هل لكثرة الجراحات التي أصيب بها جسده الطاهر لأن أعداء الله قطعوه بسيوفهم ، أو لأن العباس (سلام الله عليه) كان آخر من استشهد فهد مقتله الحسين (عليه السلام) وقصم ظهره ولم يكن عنده من يعينه ويساعده على حمله إلى المخيم ولم يستطع حمله بنفسه المقدسة فإنه قام من عنده محني الظهر منكسراً ، أو أن العباس (سلام الله عليه) هو الذي طلب من أخيه (عليه السلام) أن يتركه في مكانه حياءاً من سكينة لأنه وعدها بالماء ، أم لأجل أن يكون له مشهد يقصد بالحوائج والزيارات وتظهر له الكرامات الباهرة لتعرف الأمة مكانة هذا الرجل العظيم ومنزلته عند الله فتقدره حق قدره وتؤدي ما وجب عليهم من الولاء والزيارة المتواصلة.

فسلام على العباس يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً .

وسلام على كفيه يوم تحملهما الزهراء (عليها السلام) طالبة الحكم على من قطعهما.
   

 

تأملات

أولاً : ينقل لنا التاريخ ثلاث من الأئمة قد قبلوا يد أبي الفضل العباس (سلام الله عليه) وهم أولاً الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم ولادته والإمام الحسين (عيه السلام) والإمام السجاد (عليه السلام).

ثانياً : ينقل أحد الخطباء أنه زار الإمام الحسين (عليه السلام) وعندما خرج من الحرم المطهر توجه للسلام على سيد الشهداء قائلاً : السلام عليك يا بن فاطمة وبعدها توجه إلى مرقد أبي الفضل العباس قائلاً : السلام عليك يا بن فاطمة يقول قلت في نفسي لعل هذا تجاوز فهو ليس بن فاطمة (عليها السلام) وقلت السلام عليك يا مولاي يا أبا الفضل العباس وفي الليل في عالم الرؤيا كانت الزهراء (عليها السلام) حاضرة وقد سلمت عليها فردت السلام وعاتبتني قائلة : العباس ليس ولدي ؟ العباس نور عيني.

ثالثاً : لما حضر الإمام السجاد (عليه السلام) لدفن الأجساد الطاهرة فسح المجال لبني أسد في نقل الجثث الزواكي إلى محلها الأخير عدى جسد الإمام الحسين (عليه السلام) وجسد عمه العباس (سلام الله عليه) فتولى وحده إنزالهما إلى مقرهما وقال (لأن معي من يعينني) أما الإمام فالأمر واضح لأنه لا يلي أمره إلا إمام مثله ولكن الأمر الذي يحتاج إلى تفسير هو بالنسبة لأبي الفضل العباس.

رابعاً : إن عظمة أبي الفضل العباس محفوظة عند أهل البيت دنيا وآخرة حتى إن الصديقة فاطمة الزهراء (عليها السلام) لا تبدأ بالشكاية بأي ظلامة من ظلامات محمد وآل بيته (سلام الله عليهم أجمعين) وهي كثيرة لكنها تبدأ بكفي أبي الفضل العباس المقطوعتين قائلة : ( اللهم اقضي بيني وبين من قطع هذين الكفين).

خامساً : أن أول من عقد مأتم للعباس هو أبوه أمير المؤمنين (عليه السلام) وذلك في يوم ولادته.