الولادة المباركة

في السنة السادسة من الهجرة ولدت مولاتنا زينب (سلام الله عليها) وهي البنت الأولى للبيت العلوي الطاهر ، والطفل الثالث لهذا البيت الشريف ، ففي الخامس من شهر جمادى الأولى فتحت عينيها في وجه الحياة ، فأشرف عليها ثلاثة هم أطهر خلق الله تعالى : جدها محمد ، وأبيها علي ، وأمها فاطمة (صلوات الله عليهم أجمعين).ولما ولدت السيدة زينب (سلام الله عليها) أخبر النبي الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) بذلك ، فأتى منزل ابنته فاطمة ، وقال : يا بنية ائتيني ببنتك المولودة . فلما أحضرتها أخذها النبي (صلى الله عليه واله وسلم) وضمها إلى صدره الشريف ، ووضع خده على خدها فبكى بكاء شديداً عالياً ، وسالت دموعه على خديه.فقالت الزهراء (عليها السلام) : مم بكاؤك ، لا أبكى الله عينك يا أبتاه؟ فقال (صلى الله عليه واله وسلم) : يا بنتاه يا فاطمة ، إن هذه البنت ستبلى ببلايا وترد عليها مصائب شتى ورزايا أدهى.يا بضعتي وقرة عيني إن من بكى عليها ، وعلى مصائبها يكون ثوابه كثواب من بكى على أخويها . ثم سماها زينب ، قيل أن كلمة زينب كلمة مركبة من (زين) و(أب) وقيل أن زينب اسم لشجرة أو وردة.

زينب (عليها السلام ) في عهد جدها (صلى الله عليه واله وسلم)

ان الذكاء المفرط ، والنضج المبكر يمهدان للطفل أن يرقى إلى أعلى الدرجات ، إذا كانت حياته محاطة بالنزاهة والقداسة . وزينب (سلام الله عليها) تمتاز بنصيب وافر من الوعي والإدراك ، لقد تلقت سيدتنا الحوراء تربية نموذجية ، وحيدة وفريدة حيث كان رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) يغمر أطفال ابنته الزهراء (عليها السلام) بعواطفه ويشملهم بحنانه ، بحيث لم يعهد من جد أن يكون مغرماً بأحفاده إلى تلك الدرجة ، وما ذلك إلا ليبين للأمة عظيم منزلتهم وخدمتهم لهذا الدين ، فمن خلال مواقف أهل البيت (عليهم السلام) افتضح الذين ادعوا بأنهم قادة الدين الإسلامي وتبين بعدهم عنه وحربهم له.

 

   

 

العقيلة زينب مع أمها الطاهرة (عليها السلام)

كانت الحوراء زينب (سلام الله عليها) مغمورة بعواطف أمها الحانية العطوفة ، فقد انسجمت معها قلباً وقالباً ، فهي كانت تعرف الجوانب الكثيرة من آيات عظمة أمها سيدة العالمين وحبيبة رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) وقرة عينه ، وثمرة فؤاده.لقد فتحت الحوراء عينها في وجه أطهر أنثى على وجه الأرض ، وعاشت معها ليلها ونهارها ، وشاهدت من أنواع العبادة ، والزهد ، والمواساة ، والإنفاق في سبيل الله ، وإطعام الطعام مسكيناً ويتيماً وأسيراً ، وشاهدت حياة أمها الزوجية ، كما عاصرت الحوادث المؤلمة التي مرت على أمها ، ورافقتها إلى مسجد النبي عندما ألقت خطبتها المعروفة بخطبة (فدك) وساعد الله قلبها عندما شاهدت أمها العليلة طريحة الفراش ، مكسورة الضلع ، دامية الصدر ، محمرة العين ، وانتقالها إلى جوار أبيها العظيم ومرافقتها له لتشكو ظلمها .

العقيلة زينب مع أبيها أمير المؤمنين (عليها السلام)

عاشت الحوراء في بيت أبيها ، ترى عبادته ، وتسمع بكائه في الليل ، وتستشعر زهده وورعه ، ومكثت في الكوفة سنوات ، وعاصرت أحداث صفين والنهروان والجمل ، والغارات التي شنها عملاء معاوية على بلاد أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وانتهت بالفاجعة العظمى والرزية الكبرى باستشهاد سيد الموحدين ، وكان آخر إفطار لأمير المؤمنين (عليه السلام) عند ابنته الحوراء حيث أفطر الإمام في حجرتها ، وقدمت له طبقاً فيه رغيفان من خبز الشعير ، وشيء من الملح ، وإناء من اللبن ، فطلب منها أن ترفع أحد الادامين.ونقلت الحوراء (عليها السلام) أحوال أبيها العظيم في تلك الليلة ، حيث قص عليها رؤيا رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) يخبره بلحوقه إلى الرفيق الأعلى ، فلم يزل تلك الليلة قائماً وقاعداً وراكعاً وساجداً ، وبعدها أخذ يقلب طرفه إلى السماء وينظر في الكواكب ، حتى خرج من الدار وعودته مضرجاً بدمائه الزكية في بيت الله وهو المولود في البيت الحرام.

 

   

 

مع أخيها الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)

كان الاحترام والتقدير الرفيع متبادلان بين الحوراء زينب (عليها السلام) وأخيها السبط المجتبى (عليه السلام) فقد كانت تنظر إليه من منظارين :

1-  منظار الأخوة : فهو الأخ الأكبر ومن المعلوم أن له مكانة خاصة .

2- منظار الإمامة : حيث يعتبر الإمام الحسن (عليه السلام) إمام زمانها (سلام الله عليها) وكانت فاجعة فقده صدمة كبيرة على قلبها ، فعندما حضرته الوفاة صاحت : وا أخاه واحسناه واقلة ناصراه! يا أخي من ألوذ به بعدك؟وحزني عليك لا ينقطع طول عمري ! ثم إنها بكت وهي تلثم خديه وتتمرغ عليه.

مع أخيها الإمام الحسين الشهيد (عليه السلام)

كانت العلاقات الودية وروابط المحبة بين الإمام الحسين (عليه السلام) وبين أخته الحوراء زينب (سلام الله عليها) في القمة وكانت تمتاز بمزايا ، ولم تكن منبعثة عن عاطفة القرابة فحسب ، بل عرف كل واحد منهما ما للآخر من الكرامة وجلالة القدر وعظم الشأن ، فالعقيلة (سلام الله عليها) تعرف أخاها بأنه سيد شباب أهل الجنة وريحانة الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) ، وتعلم بأن الله سبحانه وتعالى قد أثنى على أخيها في آيات كثيرة من القرآن الكريم ، كآية المباهلة ، وآية المودة وآية التطهير، وسورة (هل أتى) ، وغيرها من الآيات والسور.إضافة إلى أنها عاشت سنوات مع أخيها في بيت واحد ، وشاهدت ما كان يتمتع به من مكارم الأخلاق والعبادة وما له من علو المنزلة وسمو الدرجة .وهكذا فقد عرف الإمام الحسين (عليه السلام) أخته العقيلة حق المعرفة وعلم بفضائلها وخصائصها ، وينقل لنا التاريخ إن الإمام (عليه السلام) كان يقرأ القرآن الكريم فدخلت عليه أخته العقيلة ، فقام من مكانه وهو يحمل القرآن بيده ، إجلالاً وإكراماً لعقيلة بني هاشم (سلام الله عليها).

   

 

زواج العقيلة (سلام الله عليها)

لما بلغت السيدة زينب (سلام الله عليها) مبلغ النساء ، خطبها إبن عمها عبد الله بن جعفر بن أبي طالب . وحصلت الموافقة على الزواج ، وتم العقد المبارك ، وزفت إلى دار زوجها بكل إجلال واحترام ، وأنجبت منه أولاداً كانوا ثمرات تلك الشجرة الطيبة ،فلقد ورثوا المجد والشرف من الجانبين وهم عون وعلي ومحمد وعباس والسيدة أم كلثوم ، أما محمد وعون فقد استشهدا في نصرة خالهما الإمام الحسين (عليه السلام) ، كان عبد الله بن جعفر شخصية لامعة في عصره جواداً كريماً ، وكان من أصحب رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) وكان في جيش الإمام علي (عليه السلام) في البصرة ، واستقر بالكوفة بعد أن اختارها أمير المؤمنين عاصمة للخلافة الإسلامية ، ويعد من أصحاب الإمام السجاد (عليه السلام).

المسير إلى كربلاء

بعد أن رفض الإمام الحسين (عليه السلام) مبايعة يزيد ، كان يعلم بأنه سيفوز بالشهادة في أرض كربلاء ، ويعلم تفاصيل تلك الفاجعة وأبعادها ، وخاصة اصطحابه عائلته المصونة وعلى رأسهن السيدة زينب (سلام الله عليها) ، فقد صحبته في سفره الخطير وشاطرته في خدمة الدين بنشاط لا يوصف، قائمة بمهام رحل أخيها الحسين (عليه السلام) وأهله ، غير مبالية بمضايقة العدو ، إذ كانت تنظر في وجه أخيها السبط فتزداد أملاً وبذلك تزداد نشاطاً.من أجل ذلك اصطحبها أبا الأحرار (عليه السلام) معه ، بعد أن أطلعها على أسرار نهضته وعظيم موقفها بعد شهادته ، من بيان ما غاب عن أذهان الناس ، بسبب تضليل الحكومة الأموية ، وإفهامهم بأنهم (صلوات الله عليهم) أهل بيت الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً .فكانت حقاً شقيقة الحسين (عليه السلام ) وشريكته في هذه النهضة المباركة الخالدة.

   

 

كلام الإمام (عليه السلام) مع أخته العقيلة

مرت العقيلة على أخيها في خيمته ليلة مقتله فوجدته يصقل سيفاً له ويقول : (يا دهر أف لك من خليل) ومعنا يا دهر كم لك من صاحب قتيل ، فلما سمع الإمام السجاد (عليه السلام) كلام أبيه اختنق بعبرته ولزم السكون وعلم أن البلاء قد نزل .

ذعرت مولاتنا الحوراء عند سماع أخيها ، وعرفت أن أخاها مقتول لا محالة ، فصرخت وقالت : واثكلاه ، وأحزناه ، ليت الموت أعدمني الحياة ، يا حسيناه ، يا سيداه يا بقية أهل بيتاه ، استسلمت للموت ويئست من الحياة ، اليوم مات جدي وأمي وأبي وأخي ، يا بقية الماضين ، ثم خرت معشية عليها ، فأخذ أخوها رأسها في حجره يرش على وجهها من مدامعه حتى أفاقت وسعد بصرها بنظرة من شقيقها السبط ، وأخذ يسليها فقال لها (عليه السلام) : يا أختاه إن أهل الأرض يموتون وأهل السماء لا يبقون فلا يبقى الا وجه الله ، الذي خلق الخلق بقدرته ، وقد مات جدي وأبي وأمي وأخي وهم خير مني فلا يذهبن بحلمك الشيطان.

ورفع يديه بالدعاء أن يلهم شقيقته الصبر والسلوان ، وأن يعينها على تحمل المحن الشاقة التي ستحيط بها.

كانت الحوراء (سلام الله عليها) تشعر باقتراب الفراق يوماً بعد يوم ، وساعة بعد ساعة ، وهي ترى تلك الجموع المحتشدة لسفك دماء أهل البيت (عليهم السلام) أو مبايعة يزيد الفاجر المتجاهر بالفسوق.فكيف يمكن لسليل النبوة وبقية الصفوة أن يضع يده الطاهرة بيد حفيد بن أبي سفيان رأس الشرك والنفاق.

زحف الجيش الأموي

أقبلت العقيلة (سلام الله عليها) تبحث عن أخيها لتخبره بزحف الجيش الأموي نحو خيام آل محمد (عليهم السلام) وكان ذلك في اليوم التاسع من المحرم قريب الغروب ، وعندما وصلت إلى خيمة الإمام (عليه السلام) وإذا بالإمام جالس ، وقد احتضن ركبتيه ، ووضع رأسه عليهما . وقد غلبه

   

 

النوم ، فخاطبته بصوت مليء بالرعب ممزوج بالعاطفة والحنان قائلة: أخي أما تسمع هذه الأصوات قد اقتربت؟.

فرفع الإمام الحسين (عليه السلام) رأسه وقال : أخية إني رأيت الساعة جدي رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) وأبي علياً وأمي فاطمة وأخي الحسن وهم يقولون (( يا حسين إنك رائح إلينا عن قريب)).

فلطمت السيدة زينب (سلام الله عليها) وجهها وصاحت : واويلاه ، وبكت ، فقال لها الإمام الحسين (عليه السلام) : ليس لك الويل يا أخية ، لا تشمتي القوم بنا ، اسكتي رحمك الله .

نهض الإمام الحسين (عليه السلام) وأرسل أخاه العباس مع عشرين فارساً ليسألهم عما جاء بهم .

فأتاهم العباس (سلام الله عليه) وقال لهم : ما بدا لكم وما تريدون ؟

قالوا : قد جاء أمر أبن زياد أن نعرض عليكم : أن تنزلوا على حكمه ، أو القتال. فقال العباس : لا تعجلوا حتى أرجع إلى أبي عبد الله ، فأعرض عليه ما ذكرتم .

فتوقف الجيش ، وأقبل العباس إلى أخيه وأخبره بما قاله القوم ، فقال الإمام (عليه السلام) ارجع إليهم فإن استطعت أن تؤخرهم إلى غد ، وتدفعهم عنا العشية ، لعلنا نصلي لربنا الليلة ، وندعوه فهو يعلم إني أحب الصلاة له وتلاوة الكتاب.

فرجع العباس (سلام الله عليه) إلى القوم استمهلهم وأخيراً وافقوا على ذلك.

لا نستطيع أن نصف أو نتصور كيف انقضت ليلة عاشوراء فالهموم والغموم ، والخوف والتفكر حول الغد ، وبكاء الأطفال من شدة العطش جعلت تلك الليلة فريدة من نوعها ، وفي منتصف الليل دخل الإمام الحسين (عليه السلام) خيمة أخته ، فجلس وجعل يحدثها سراً ، فما لبثت أن اختنقت بعبرتها وقالت : واأخاه ، أشاهد مصرعك ، وأبتلى برعاية هذه النساء والأطفال ، يعز علي مصرع هؤلاء الفتية الصفوة ، وأقمار بني هاشم.

   

 

يوم عاشوراء

أصبح الصباح من يوم عاشوراء ، واشتعلت نار الحرب وتوالت المصائب ، وبدأت الفجائع تتسلسل ، فالأصحاب والأنصار يبرزون إلى ساحة الجهاد بشجاعة قل نظيرها ، ويستشهدون مستبشرين بلقاء الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ، إلى أن وصل الدور إلى رجالات البيت العلوي . فتقدم علي الأكبر (عليه السلام) وقاتل قتال الأبطال ، وخر صريعاً إلى الأرض ، فما أن رآه الحسين (عليه السلام) حتى توجه إلى مصرع ولده ليرى شبيه جده (صلى الله عليه واله وسلم) مقطعاً بالسيوف ، وخرجت العقيلة (سلام الله عليها) من الخيمة مسرعة وهي تنادي : واويلاه ، واحبيباه , يا ثمرة فؤاداه ، يا نور عيناه ، يا آخياه وابن آخياه , واولداه ، واقتيلاه ، واقلة ناصراه ، واغريباه ، وامهجة قلباه ، ليتني كنت قبل هذا اليوم عمياء ليتني وسدت الثرى.

وجاءت وانكبت عليه ، وأخذ الإمام بيدها ، وردها إلى المخيم ، ولعل سبب خروجها هو خوفها على أخيها إن بقي عنده ولده.

استشهاد أولادها (سلام الله عليهم)

وبرز إلى المعركة عون ومحمد ولدا العقيلة الهاشمية (سلام الله عليها) وأفلاذ كبدها ، أولئك الفتية الذين سهرت لياليها ، وأتعبت أيامها من أجل تربيتهم.

وتقدم أولئك الأشبال يتبرعون بدمائهم وحياتهم ليقروا أعين والديهم من أجل نصرة خالهم ، سبط الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) وإمام زمانهم.

والملاحظ أن العقيلة الحوراء (عليها السلام) ، لم تصح ولم تنح ولم تصرخ ولم تبك عند شهادة ولديها . لأن جميع عواطفها كانت متجهة إلى الإمام الحسين (عليه السلام) ، فكأنها (سلام الله عليها) – بسكوتها – تريد أن تقول لأخيها الحسين (عليه السلام) ولداي فداء لك ، فلا يهمك ولا يحرجك أنهما قتلا بين يديك.

   

 

استشهاد العباس (سلام الله عليه)

العلاقات الودية بين العقيلة زينب وبين أخيها أبي الفضل العباس تمتاز بنوع خاص من تبادل المحبة والاحترام ، وفي طوال رحلة الطريق ، كان العباس هو الذي يقوم بشؤون أخته ، من خلال مساعدتها عند الركوب أو النزول من المحمل.وعندما برز العباس (سلام الله عليه) إلى أرض المعركة ، كان الإمام الحسين (عليه السلام) قد وقف على ربوة عند باب الخيمة ، وهو ينظر إلى ميدان القتال ، فقالت : أخي مالي أرى قد تغير وجهك ؟

فقال (عليه السلام) : أخية لقد سقط العلم وقتل أخي العباس. فجلست على الأرض وصرخت وا أخاه وا عباساه ، واقلة ناصراه، وا ضيعتنا بعدك يا أبا الفضل.فقال الإمام (عليه السلام) : أي والله ، من بعده وا ضيعتاه وانقطاع ظهراه.

ولما رأى الحسين (عليه السلام) مصارع فتيانه وأحبته عزم على لقاء القوم ، أقبلت عقيلة بني هاشم بالطفل الرضيع ، وقد غارت عيناه من شدة العطش ، فأخذه الإمام على يده ، وأقبل نحو القوم ، بينما هو يكلمهم إذ أتاه سهم فذبحه من الوريد إلى الوريد ، ورجع به إلى المخيم ، رأى الأطفال والبنات وأم الرضيع واقفات بباب الخيمة ، عندها غير طريقه وذهب وراء الخيام ، ونادى على أخته زينب لتأتي وتمسك جثمان الصغير لعلمه برباطة جأشها وصبرها الذي لا يماثلها به أحد.

الإمام الحسين (عليه السلام) يودع أهل بيته

دخل الإمام الحسين (عليه السلام) إلى الخيمة ولده السجاد (عليه السلام) ليودعه فكانت عنده عمته زينب، حين نظر إلى أبيه أراد أن ينهض فلم يتمكن من شدة المرض ، فقال لعمته : إسنديني إلى صدرك ، فهذا ابن رسول الله قد أقبل ، فجلست العقيلة خلفه وسندته إلى صدرها ، فجعل الإمام الحسين يسأل ولده عن مرضه ، وهو يحمد الله تعالى ، وعندما علم السجاد بمصارع أهل بيته والأصحاب أغمي عليه ، فلما أفاق ، ودعه أبوه وأوصاه بوصايا ، وبعدها ودع أخته ، وعندما أراد الخروج من الخيمة تعلقت به ، فجعلت تقبل يده ورجليه ، فصبرها الإمام وذكر لها ما أعد الله للصابرين . وذكرها بعظم الموقف وخدمته للإسلام والأجيال.

   

 

فقالت يا بن أمي طب نفساً وقر عيناً فإنك تجدني كما تحب وترضى . ولما أراد الإمام أن يخرج إلى المعركة نادى : من يقدم لي جوادي ؟

فخرجت زينب وأخذت بعنان الجواد ، وأقبلت إليه وهي تقول : لمن تنادي وقد أقرحت فؤادي ، قال الإمام لأخته : يا أختاه لا تنسيني في نافلة الليل.

السبط على رمضاء كربلاء

توجه الِإمام الحسين (عليه السلام) إلى ساحة القتال ، ورأى أن من الواجب أن يعضهم ففعل ، ولكن الجواب كان سهام الحقد ، بعدها قاتلهم فجعلوا يرشقونه بالسهام والنبال ، فوقف ليستريح وضعف عن القتال ، أتاه حجر فأصاب جبهته المقدسة ، ثم أتاه سهم محدد مسموم له ثلاث شعب ، فوقع على صدره قريباً من قلبه.

خرجت العقيلة زينب نحو الميدان ، وهي تنادي : وا أخاه ، وا سيداه ، وا أهل بيتاه ، ليت السماء أطبقت على الأرض ، وليت الجبال تدكدكت على السهل ، وجلست عنده وطرحت نفسها على جسده الشريف ، ورمت بصرها إلى السماء وقالت : اللهم تقبل منا هذا القربان ، ثم قالت أأنت الحسين ؟ ، أأنت أخي ؟ أأنت ابن أمي؟ أأنت نور بصري أأنت مهجة فؤادي؟ أأنت حمانا؟ أأنت رجانا؟ أأنت ابن محمد المصطفى؟ أأنت ابن علي المرتضى؟ أأنت ابن فاطمة الزهراء؟ أخي بحق جدي رسول الله إلا ما كلمتني ، وبحق أبي إلا ما خاطبتني ، يا ضياء عيني كلمني ، وجلست خلفه ، وأدخلت يديها تحت كتفه وأجلسته حاضنة له بصدرها ، فنظر إليها الإمام الحسين (عليه السلام) وقال لها بصوت الضعيف : أخية زينب كسرتي قلبي ، وزدتيني كرباً إلى كربي فبالله عليك إلا ما سكنت وسكت . فصاحت : واويلاه يا أخي وابن أمي ، كيف أسكن وأسكت ، وأنت بهذه الحالة ، تعالج سكرات الموت ؟ روحي لروحك الفداء نفسي لنفسك الوقاء.

   

 

الهجوم على الخيام

وبعد استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) هجم جيش الأعداء بكل وحشية على الخيام ، وهم على خيولهم ، حتى سحق سبعة من الأطفال ، وتسابق القوم على نهب بيوت آل الرسول ، وقرة عين الزهراء البتول ، وخرجن بنات آل الرسول وحريمه يتساعدن على البكاء , ويندبن لفراق الحماة والأحباء ، وأقبل شمر بن ذي الجوشن ومعه جماعة ، وهم يقولون : إلا تقتل هذا العليل ؟ فهم اللعين بقتل الإمام زين العابدين (عليه السلام) فألقت زينب بنفسها عليه وقالت : والله لا يقتل حتى أقتل ، فكف عنه.

إحراق الخيام

ولما فرغ القوم من النهب والسلب ، أمر عمر بن سعد بحرق الخيام ، فأضرموا خيم ناراً ، ففررن بنات رسول الله من خيمة إلى خيمة ، ومن خباء إلى خباء وأقبلت العقيلة إلى الإمام السجاد وقالت : يا بقية الماضين و ثمال الباقين (ومعنى ثمال : غياث) قد أضرموا النار في مضاربنا فما رأيك فينا؟ فقال (عليه السلام) فيكن بالفرار، ففررن بنات رسول الله صائحات باكيات.

ودخلت العقيلة في وسط النار ، وخرجت وهي تسحب إنساناً وهو الإمام زين العابدين (عليه السلام) ، وبعدها أخذت تتفقد النساء والأطفال ، وتنادي كل واحدة باسمها ، وتعدهم واحدة واحدة ، وتبحث عمن لا تجده مع النساء والأطفال.

الليلة الحادية عشرة من محرم

باتت العائلة المفجوعة ليلة الحادية عشر بحالة لا يمكن تصورها ، قبل أربع وعشرين ساعة من تلك الليلة كانت العائلة مع حماتها ، والآن هم صرعى مرملون بدمائهم.توجهت الرباب إلى جسد الإمام الحسين (عليه السلام) تبكي عليه بطاءً شديداً وتنوح ، فتبعتها العقيلة زينب وأخذت بيدها وأرجعتها إلى مكان تجمع العائلة .

يقول الإمام زين العابدين (عليه السلام) نظرت إلى عمتي ليلة الحادية عشر من المحرم ، وإذا أنا أراها تصلي نافلة الليل وهي جالسة ، فقلت لها يا عمة أتصلين وأنت جالسة؟ قالت نعم يا بن أخي ، والله إن رجلي لا تحملني.

   

 

ترحيل العائلة من كربلاء

كان تعمل الأعداء مع آل الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) في منتهى القساوة ، وكأنهم يحاولون الانتقام ، ويطلبون بثارات بدر وحنين ، وبعد أن أمر عمر بن سعد بأن تحمل النساء ، فقدمت النياق وقد أحاط القوم بهن، وقيل لهن : تعالين واركبن ، فلما نظرت زينب (سلام الله عليها) إلى ذلك قالت : سوَّد الله وجهك يا بن سعد في الدنيا والآخرة ، تأمر هؤلاء القوم بأن يركبونا ونحن ودائع رسول الله ؟ فقالت لهم تباعدوا عنا ، يركب بعضنا بعضاً ، فتنحوا عنهن ، فتقدمت العقيلة وجعلت تنادي كل واحدة من النساء وتركبها، وبقيت هي فنظرت إلى الإمام السجاد (عليه السلام) ، وقالت قم يا بن أخي وأركب الناقة ، قال (عليه السلام) : يا عمتاه اركبي أنت ودعيني أنا وهؤلاء القوم.

ولما أراد الأعداء أن يرحلوا ، مروا بهن على مصارع القتلى ,هم جثث مرملة ومطروحة على التراب فلما نظرت النسوة إلى تلك الجثث الطواهر صحن وبكين ولطمن خدودهن.أما عقيلة بني هاشم (وهي المؤمنة الصابرة) عندما نظرت إلى أخيها العزيز وهو مطروح على الأرض بلا دفن، نادت بصوت حزين وقلب كئيب:

(يا محمداه ، صلى عليك مليك السماء ، هذا حسين مرمل بالدماء ، مقطع الأعضاء ، مسلوب العمامة والرداء ، محزوز الرأس من القفا ، ونحن بناتك سبايا ، إلى الله المشتكى ، وا حزناه وا كرباه عليك يا أبا عبد الله ، بأبي من هو لا غائب فيرتجى ، ولا جريح فيداوى , بأبي المهموم حتى قضى، بأبي العطشان حتى مضى) فأبكت كل عدو وصديق.

خطاب للأجيال

ولما نظر الإمام زين العابدين (عليه السلام) إلى ذلك المنظر الرهيب أخذ يجود بنفسه ، فنظرت إليه العقيلة وقالت : (( ما لي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وإخوتي ، فوالله أن هذا العهد من الله إلى جدك وأبيك ، ولقد أخذ الله ميثاق أناس لا تصرفهم فراعنة هذه الأرض ، وهم معروفون في أهل السماوات ، إنهم يجمعون هذه الأعضاء المقطعة والجسوم المضرجة ،

   

 

فيوارونها ، وينصبون بهذا الطف علما لقبر أبيك سيد الشهداء لا يدرس أثره ، ولا يمحى رسمه على مرور الليالي والأيام ، وليجهدن أئمة الكفر وأشياع الضلال على محوه وطمسه فلا يزداد أثر إلا علواً)).

في الكوفة

حينما رأت حفيدة الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) جموع الناس في شوارع وأزقة الكوفة خاطبتهم:

(الحمد لله ، وصلواته على أبي محمد رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) أما بعد : يا أهل الكوفة ، يا أهل الغدر والخذل ، أتبكون وتنتحبون؟ أي والله فابكوا كثيراً ، واضحكوا قليلاً ، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها (العيب والعار) ولن ترضحوها (تغسلوها) بغسل بعدها أبداً ، وأنى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة ومعدن الرسالة ، وسيد شباب أهل الجنة ، وملاذ حيرتكم ، ومفزع نازلتكم ، ومنار حجتكم ، ألا ساء ما تزرون ، وبعداً لكم وسحقاً ، فلقد خاب السعي ، وتبت الأيدي ، وخسرت الصفقة ، أتدرون أي كبد لرسول الله فريتم وأي كريمة له أبرزتم ، وأي دم له سفكتم وأي حرمة له هتكتم؟...

أفعجبتم أن مطرت السماء دماً ، ولعذاب الآخرة أخزى وأنتم لا تنصرون).

وعندما سمع الناس كلامها صاروا حيارى يبكون ، وقد وضعوا أيديهم في أفواههم ، واضطرب أهل الكوفة من هذه الخطبة ، ورأى الإمام السجاد (عليه السلام) أن الوضع الراهن لا يساعد على استمرارها في الخطبة ، فقطع عليها خطبتها قائلاً : أسكتي يا عمة فأنت بحمد الله عالمة غير معلمة وفهمة غير مفهمة.

وأدخلت عقائل الوحي ، ومخدرات النبوة ، على عبيد الله بن زياد ، قد شهرت على رؤوسهن السيوف ، وحوله السفلة المجرمين يهنئونه بالظفر ، وهو فرحاً مسروراً ، ويحدثونه بجرائمهم التي اقترفوها يوم الطف ، وبين يديه رأس ريحانة رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم).

التفت عبيد الله بن زياد إلى السبايا وقال : (( من هذه التي انحازت ناحية ومعها نساؤها)).
   

 

فلم تجبه احتقاراً واستهانة به ، وكرر السؤال فلم تجبه ، فانبرت إحدى السيدات فأجابته: ( هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) فأقبل عليها عمر بن سعد وقال لها : الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم (أي الأعجوبة).

فقالت العقيلة (عليها السلام) : الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه (صلى الله عليه واله وسلم) وطهرنا من الرجس تطهيراً ، وأنما يفتضح الفاسق ، ويكذب الفاجر ، وهو غيرنا والحمد لله.

فقال عبيد الله بن زياد : كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك ؟

فقالت (عليها السلام) : ما رأيت إلا جميلاً ، وهؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل ، فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجون إليه وتختصمون عنده ، فانظر لمن الفلج يومئذ ثكلتك أمك يا بن مرجانة.

فغضب ابن زياد وكأنه أراد ضربها أو قتلها ، فقال له عمرو بن حريث : أيها الأمير إنها امرأة والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها . فقال ابن زياد : لقد شفى الله قلبي من طاغيتك الحسين والعصاة المردة من أهل بيتك .

وغلب على العقيلة الأسى والحزن وتذكرت حماتها الصفوة وقالت : لعمري لقد قتلت كهلي ، وقطعت فرعي ، واجتثثت أصلي ، فإن كان هذا شفاؤك فقد اشتفيت .

ودار حديث بين ابن زياد والإمام السجاد (عليه السلام) وأمر اللعين بقتل الإمام ، وانبرت العقيلة فاحتضنت ابن أخيها وقالت : حسبك يا بن زياد من دماؤنا ما سفكت ، وهل أبقيت أحداً غير هذا فإن أردت قتله فاقتلني قبله ، وبهر الطاغية وانخذل وقال متعجباً : دعوه لها ، يا للرحم ودت لو تقتل معه وبفضل من الله (سبحانه وتعالى) أنقذت العقيلة ابن أخيها من القتل المحتم.

وحبست مخدرات الرسالة وعقائل الوحي ، في سجن يقع إلى جنب المسجد وقد ضيق عليهن أشد التضييق ، إلى مدة من الزمن ، وبعدها جاءت أوامر الطاغية يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بحملهن إلى دمشق لتعرض على أهل الشام ، كما عرضت على أهل الكوفة ، وتعرض على الطاغية بعد أن عرضت على خادمه وإليه على الكوفة اللعين عبيد الله بن زياد.

   

 

سبايا آل النبي في الشام

أبدى المجتمع الشامي مظاهر الفرح والسرور ، وهو المجتمع الذي تربى على بغض أهل البيت (عليهم السلام) ، وحمل الخبيث شمر بن ذي الجوشن ومحفر بن تغلبة العائدي رأس سبط الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) وسيد شباب أهل الجنة إلى يزيد ، وأدخل آل النبي في القصر ، وكان الحبل في عنق الإمام السجاد (عليه السلام) إلى عنق العقيلة وباقي السبايا.

أظهر الطاغية فرحته الكبرى بإبادته لعترة رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) متمنياً حضور أجداده القتلى ببدر ليريهم كيف أخذ بثأرهم من خلال أبيات شعر قالها ، ولما سمعت العقيلة كلامه قالت : ( الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على رسوله وآله أجمعين صدق الله سبحانه حيث يقول ((ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون)) أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء ، فأصبحنا نساق كما تساق الأسارى أن بنا على الله هواناً ، وبك عليه كرامة ، وإن ذلك لعظم خطرك عنده فشمخت بأنفك ، ونظرت في عطفك جذلاناً مسروراً ، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة (أي مجتمعة) ، والأمور لديك متسقة (أي منظمة) ... ، أمن العدل يا بن الطلقاء (إشارة إلى ما حدث يوم فتح مكة ، حيث عفى رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) عن الذين وقفوا مواقف عدائية ضده ، وقال : اذهبوا فأنتم الطلقاء وهو حفيدهم) تخديرك حرائرك وإمائك وسوقك بنات رسول الله سبايا ، قد هتكت ستورهن ، وأبديت وجوههن ، ولا عجب من فعلك ، وأنى ترتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الشهداء ( إشارة إلى جدته هند آكلة كبد الحمزة بن عبد المطلب) ، ونبت لحمه بدماء السعداء ، ونصب الحرب لسيد الأنبياء ، لعمري لقد نكأت القرحة (قشرتها) واستأصلت الشأفة (استأصل من الأصل) ، بإراقتك دم سيد شباب أهل الجنة ، وابن يعسوب الدين ، وشمس آل عبد المطلب ، وهتفت بأشياخك ، وتقربن بدمه إلى الكفرة من أسلافك ،.... اللهم خذ بحقنا ، وانتقم من ظالمنا ، واحلل غضبك على من سفك دماءنا ، ونقض ذمارنا ، (لم يراع ما ينبغي حفظه والدفاع عنه) وقتل حماتنا ، وهتك عنا سدولنا .

هذه مقاطع من خطبة العقيلة ولا عجب فهي بنت علي (عليه السلام).
   

 

آل الرسول في خربة الشام

أمر يزيد بن معاوية بآل الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) أن ينزلوا بمنزل لا يحميهم من حر ، ولا برد ، فأقاموا فيه حتى تقشرت وجوههم من حرارة الشمس وأشعتها المباشرة ، وهم ينوحون على الحسين (عليه السلام) ، وعند المساء أقبلت هند بنت عبد الله بن عامر زوجة يزيد ( وكانت خادمة في دار أمير المؤمنين (عليه السلام) فتأثرت بخلقه الرفيع ، وبعد استشهاده انتقلت إلى دار الإمام الحسن (عليه السلام)تخدم فيه فسمع عنها معاوية فطلبها وزوجها لابنه يزيد )وهي لابسة أفخر ثيابها وتخمرت بخمارها ، وأمرت خادمة لها أن ترافقها وتحمل معها الكرسي حتى لا تجلس على التراب ، وتوجهت إلى خربة الشام ومعها الخدم يحملون معهم القناديل لإضاءة الطريق ، فلما رأتها العقيلة عرفتها ، فأقبلت هند وجلست على الكرسي قريباً من العقيلة ، وقالت لها : أخية من أي البلاد أنتم ؟ فقالت العقيلة: من بلاد المدينة . فلما سمعت هند بذكر المدينة نزلت عن الكرسي وقالت : على ساكنها أفضل السلام . ثم قالت هند : أسألك عن دار علي بن أبي طالب ؟ قالت لها الحوراء (عليها السلام) : ومن أين لك المعرفة بدار علي ؟ فبكت هند وقالت إني كنت خادمة عندهم.

قالت لها الحوراء : وعن أيها تسألين ؟ قالت أسأل عن الحسين وأخوته وأولاده وعن بقية أولاد علي وعن سيدتي زينب وعن بقية مخدرات فاطمة (عليها السلام) ؟ فبكت العقيلة بكاءً شديداً ، وقالت لها يا هند : أما إن سألت عن دار علي فقد تركناها تنعى أهلها ، وأما إن سألت عن الحسين (عليه السلام) فهذا رأسه بين يدي يزيد، وإن سألت عن العباس وبقية أولاد علي (عليه السلام) فقد خلفناهم على الأرض بلا رؤوس ، وإن سألت عن زينب فأنا زينب بنت علي ، فلما سمعت هند بذلك بكت ونادت : وا إماماه ! وا سيداه ! وا حسيناه ليتني كنت قبل هذا اليوم عمياء ولا أنظر بنات الزهراء على هذه الحالة ، ثم تناولت حجرا وضربت به رأسها فسال الدم على وجهها وغشي عليها . فلما أفاقت ، قامت هند وحسرت رأسها وخرجت حافية إلى يزيد وهو في مجلس عام ، وقالت : يا يزيد أنت أمرت بأن يحمل رأس الحسين على الرمح عند باب الدار ؟ أرأس ابن فاطمة على باب داري ؟ فلما رأى زوجته على هذه الحالة غطاها ، فقالت : ويلك يا يزيد أخذتك الحمية علي ، فلم لا أخذتك على بنات فاطمة الزهراء؟ والله لا أدخل حرمك حتى أدخلهن معي ، فأمر يزيد بالسبايا إلى منزله وأنزلهم في داره الخاصة

   

 

فلما دخلت نساء أهل البيت (عليهم السلام) استقبلتهن نساء آل أبي سفيان ، وتهافتن يقبلن أيديهن وأرجلهن ونُحنَ وبكين على الحسين وأقمن المأتم للعزاء ثلاثة أيام فخاف يزيد من اضطراب الأمور وتقلبها عليه ، فاستشار جلساءه لاتخاذ التدابير اللازمة ، فأشاروا عليه بترحيل العائلة من دمشق إلى المدينة.

رجوع العائلة إلى المدينة المنورة

وصلت السيدة زينب (عليها السلام) إلى وطنها الحبيب ، وتذكرت خروجها قبل شهور ، وهي في غاية العز والاحترام بصحبة إخوتها ورجالات أسرتها ، وتوجهت إلى جدها ونادت : ( يا جداه إني ناعية إليك الحسين).

وهي مع ذلك لا تجف لها عبرة ، ولا تفتر عن البكاء والنحيب على أشرف قتيل وأعز فقيد ، وكانت تنصب مجلس للعزاء وتتحدث عما جرى طيلة الرحلة ، والنساء تنقل ما سمعته إلى الرجال ، فتمتلئ القلوب حقداً وغيظاً على يزيد وأتباعه ، ومن الطبيعي جدا أن تصل الأخبار إلى حاكم المدينة ، وتدوره ينقلها إلى أميره الفاسق يزيد طالباً منه إخراج منه إخراج العقيلة من المدينة ، نعم هذه طريقة تعامل الجبناء مع الأمور فهم يحكمون البلاد الواسعة ولكنهم يخافون من بكاء امرأة ، ويتكرر هذا الواقع من عصر إلى عصر .

امتنعت بنت علي (عليه السلام) عن الخروج من المدينة ، وكأنها لا تهاب الموت ، وتحدت السلطة بهذا الامتناع . واجتمعن عندها عدداً من السيدات الهاشميات وذكرنها بيزيد وطغيانه ، ومن الممكن أن تتكرر فاجعة كربلاء ، فقررت العقيلة مغادرة المدينة .

انتقلت روحها الطاهرة إلى خالقها يوم الأحد مساء الخامس عشر من رجب سنة 62 هجرية ، وهل كانت وفاتها طبيعية ، وبسبب المعاناة من تراكم المصائب التي توالت على قلبها الصبور ، أم إنها قتلت مسمومة بتدبير يزيد وبسرية تامة ، وعلى كل حال فقد ارتاحت من المصائب النوائب ، بعد أن سجلت اسمها ومواقفها بكلمات من نور في سجل النساء الخالدات حيث صارت أعظم سيدة من سيدات البشر بعد أمها الصديقة الطاهرة (عليها السلام).