الولادة المباركة


ولد الإمام الباقر(عليه السلام) في المدنية المنورة في الأول من رجب سنة 27 هجرية, أبوه الأمام زين العابدين(عليه السلام), أمه فاطمة بنت الأمام الحسن المجتبى, ابتهج أبوه الأمام زين العابدين(عليه السلام) بهذا الوليد المبارك الذي بشر به جده الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأعلن أكثر من مرة أنه وارث علوم آل محمد.
مرت عليه في أيام طفولته المحنة الكبرى والفاجعة العظمى في كربلاء وكان من الأسرى, وشاهد بعدها جميع الرزايا والمصائب التي واجهت أبيه من أولئك الحكام الطغاة, البعيدين كل البعد عن القيم الإسلام والأخلاق النبيلة, لقد أختار الحكام الأمويين ومن خلفهم أساليب العنف والظلم والاضطهاد وقتل الأبرياء والصلحاء وتبذير الأموال لبناء دولتهم وتدعيم عرشهم, وأكثر من لحقهم الأذى هم العلويين وشيعتهم, لكون سيرتهم خير شاهد على أحقيتهم بخلافة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم), واستعرض الأمام الباقر(عليه السلام) في حديثه مع بعض أصحابه الأوضاع في ذلك العصر وصور لهم أولئك الحكام وقسوتهم على الشيعة وتماديهم بسفك الدماء وشراء الذمم بالأموال, والكذب والدس في الأحاديث النبوية الشريفة, ودور الحجاج بن يوسف الثقفي مع الشيعة حتى شردهم في البلاد وأذاقهم الجميع أنواع البلاء وصنوف العذب.
في هذا الجو وجد الأمام الباقر(عليه السلام) ورحل والده زين العابدين(عليه السلام) عن هذه الدنيا, وكان يتألم خلالها على شيعة آبائه وعلى الضعفاء والمساكين وعلى مصير الإسلام, وعلم من خلال الأحداث إن الناس يخذلون ساعة المحنة, فاتجه إلى خدمة الاسلام من خلال الدفاع عن أصوله ومبادئه ونشر تعاليمه وأحكامه ومناظرة الفرق التي انحرفت في تفكيرها واتجاهاتها, والتف حول الأمام(عليه السلام) آلاف العلماء وطلاب العلم والحديث من الشيعة وغيرهم.
 

   

 

علمه وعبادته(عليه السلام)


ذكر المؤرخون الأمام الباقر(ع) ووصفوه بأنه كان ثقة كثير العلم والحديث وهو سيد فقهاء الحجاز ومن خيار أهل العلم والدين.وهو من الذاكرين والخاشعين والصابرين, فانه كان يصلي في اليوم والليلة مائة وخمسين ركعة, ونقل أنه عندما حج ودخل المسجد ونظر البيت بكى, ثم طاف بالبيت, وجاء حتى ركع خلف المقام, فلما فرغ إذا موضع سجوده مبتل من دموع عينه, وكان من دعائه عندما يقوم في جوف الليل: أمرتني فلم ائتمر, ونهيتني فلم أنزجر, فها أنا عبدك بين يديك مقر لا اعتذر

سلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)


روي عن الأمام الباقر(عليه السلام) قال: دخلت على جابر بن عبد الله الأنصاري فسلمت عليه فرد علي السلام وقال لي: من أنت ؟ - وذلك بعد إن كف بصره- فقلت: محمد بن على بن الحسين, فقال: يا بني ادن مني, فدنوت منه فقبل يدي ثم اهوى إلى رجلي يقبلها فتنحيت عنه, ثم قال لي: إن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقرئك السلام, فقلت: وعلى رسول الله السلام ورحمة الله وبركاته, وكيف ذاك يا جابر؟ فقال كنت معه ذات يوم فقال لي (صلى الله عليه وآله وسلم): يا جابر لعلك تبقى حتى تلقى رجلا من ولدي يقال له: محمد بن علي بن الحسين يهب الله له النور والحكمة, فأقرئه مني السلام, ومنذ ذاك الحين كان جابر يأتيه ويزوره مرتين في اليوم تقديرا وتعظيما له.
 

موقف الأمام(عليه السلام)


عاصر الأمام الباقر(عليه السلام) حكم بني أمية, وكان واقفا على الخطط والسياسات الشيطانية التي تستهدف طمس معالم الإسلام وإغفال الناس, وهو يعلم بان بني أمية لم يدخل الأيمان في قلوبهم ولم يؤمنوا بالإسلام قط, وقد نشطت فرق دينية وسياسية عديدة كالمعتزلة والخوارج والمرجئة, وكان الأمام(عليه السلام) كالجبل يقف صامدا أمام عقائدهم الباطلة ونفوذهم, وقد هدم أسسهم الفكرية من خلال مناظراته مع رؤوس هذه الفرق والمذاهب واثبت بطلانها بحجج دامغة.

   

 

الغناء
وشاع استعمال الغناء في العصر الأموي, لإسقاط مكانة المدينة المنورة في نفوس المسلمين انتشر فيها الغناء أيضا وهي عاصمة الإسلام, وكان ذلك بتشجيع الحكومة الأموية, ووهبت الأموال للمغنين, ويقول أبو الفرج الأصفهاني: إن الغناء في المدينة لاينكره عالمهم, ولا يدفعه عابدهم, ووفد على يزيد بن عبد الملك ثلاث مغنين فأمر لكل واحد منهم بألف دينار, وزاد خلفه الوليد بن يزيد في جوائز المغنين, ونحن نعلم أثار الغناء السيئة وحرمته في الشارع المقدس من خلال الآيات القرآنية الكريمة قال تعالى:(اجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور) وقال تعالى(ومن الناس من يشتري لهو الحديث), وعن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: من استمع إلى اللهو يذاب في أذنيه الآنك (وهو الرصاص المذاب) واخبر عن عذاب المغني في الأخر بقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) يحر صاحب الطنبور (آله لهو وغناء) يوم القيامة وهو أسود الوجه, وبيده طنبور من النار, وفوق رأسه سبعون الف ملك, بيد كل ملك مقمعة يضربون وجهه ورأسه, ويحشر صحاب الغناء من قبره اعمى وأخرس وأبكم.
إن العمر جوهرة غالية, والوقت درة ثمينة ويجب إن يصرف في موارد مثيرة ومفيدة تعود بالنفع والخير على الإنسان في الدنيا والآخر, وروى الأمام الباقر(عليه السلام) عن جده رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا يزول قدم عبد يوم القيامة بين يدي الله عزوجل حتى يسأل عن أربع خصال:
1. عن عمره فيم أفناه.
2. وعن جسده فيم ابلاه.
3. وعن ماله من أين اكتسبه وفيم انفقه.
4. وعن حبنا ولايتنا – أهل البيت –.
وقد اثبت التجارب إن من مفاسد الملاهي : إفساد أخلاق الفرد العائلة والمجتمع, لانها تكتسح الحياء والإيمان بصورة تدريجية, وهذه مخالفة صريحة للقرآن والسنة تضاف إلى مخالفاتهم العديدة والتي سجلها التاريخ .

الخلفاء في عصر الأمام (عليه السلام)
أول خليفة عاصرة الأمام(عليه السلام) بعد وفاة أبيه, هو الوليد بن عبد الملك كان جبارا عنيدا ظلوما, وجاء من بعده سليمان بن عبد ملك ولم يختلف عمن سبقه وكان معروفا بكثرة أكله, فعندما يقدم له الدجاج المشوي كان يدخل يده في كمه حتى يقضي على الدجاجة وهي حارة, وجاء من بعده عمرو بن عبد عزيز, وقد اتهمه بعض معاصريه بدفن سليمان وهو حي لم يمت بعد, وكان من جملة خطواته اثر استخلافه أمره بترك سب أمير المؤمنين (عليه السلام) على المنابر, ورد فدك إلى العلويين بعد أن صُودرت منهم, ويرى البعض إن قيامه ببعض الأعمال تدل على

   

 

عدله وورعه, ويرى آخرون انه خطة سياسية اعتمدها في عمله, وهو متهالك على الحكم وتسلم زمام الأمر, وهناك رواية عن أبي بصير قال: كنت مع الباقر(عليه السلام) في المسجد, إذ دخل عمر بن عبد عزيز, عليه ثوبان ممصران (أي فيها صفرة خفيفة)متكأ على مولى له, فقال (عليه السلام) لَيَلِين (أي يكون واليا) هذا الغلام, فيظهر العدل, ويعيش أربع سنين, ثم يموت ويبكي عليه أهل الأرض, ويلعنه أهل السماء, فسأل: يابن رسول الله, أليس ذكرت عدله وأنصافه؟ قال يجلس في مجلسنا, ولا حق له فيه.
وجاء من بعده يزيد بن عبد ملك, وكان من الجبابرة الطغاة, وجاء من بعده هشام بن عبد ملك, وكان حقودا وبخيلا شديد البعض العلويين, وهو الذي قتل زيد بن علي, ودس السم إلى الأمام الباقر(عليه السلام)
.

 

مضايقات الأمام(عليه السلام)


أمر الطاغية هاشم بن عبد ملك عامله على يثرب بحمل الأمام إلى دمشق ولما وصل الأمام(عليه السلام) إلى دمشق, وعلم هشام بقدومه فأوغر إلى حاشيته إن يقابلوه بالتوهين, ودخل الأمام على هشام فسلم على قوم ولم يسلم عليه بالخلافة, فاستشاط عضبا, واقبل على الأمام(عليه السلام) فقال له: يامحمد بن علي لا يزال الرجل منكم قد شق عصا المسلمين, ودعا إلى نفسه, وزعم انه الأمام سفها وقلة علم, فسكت هشام وبدأ عملاؤه ينالون من الأمام ويسخرون منه.
فقال لهم الأمام(عليه السلام): أيها الناس: أين تذهبون؟ وأين يراد بكم؟ بنا هدى الله أولكم وبنا يختم آخركم, فان يكن لكم ملك معجل, فان لنا ملكا مؤجلا, وليس بعد ملكنا ملك, لانا أهل العاقبة, والعاقبة للمتقين.
وخرج(عليه السلام) وقد ملأ نفوسهم حزنا واسى, ولم يستطيعوا الرد عليه وازدحم أهل الشام على الأمام وهم يقولون: هذا أبن أبي تراب, وكانوا ينظرون إليه نظرة حقد وعداء, فقام خطيبا فيهم فحمد الله وأثنى عليه, وعلى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وعرفهم بحقيقة أهل البيت, والتدليل على فضائلهم.

 

   

 

خُلق محمدي
كان رجل من أهل الشام يتردد إلى مجلس الإمام الباقر(عليه السلام), وكان يقول له: لايوجد أحد في الأرض أبغض ألي منكم وان طاعة الله وطاعة رسول الله في بغضكم, ولكن أراك رجلا لك أدب وحسن لفظ, وان حضوري مجلسك هو لحسن أدبك, وكان الإمام يقول له خيرا, ويقول له: لن تخفى على الله خافية.
ومرت الأيام انقطع فيها الرجل الشامي, فافتقده الإمام وسأل عنه فقال بعضهم, أنه مريض.
ذهب الإمام لعيادته, وجلس عنده يحدثه وسأله عن علته, ونصحه بتناول الاطعمة الباردة, ثم انصرف.
مضت أيام ونهض الشامي من فراشه بعد أن عوفي من مرضه, فكان أول شيء فعله هو ان انطلق إلى مجلس الإمام واعتذر اليه, واصبح من اصحابه.

الإمام مع القسيس
والتقى الإمام(عليه السلام) عندما كان في الشام مع قسيس من كبار علماء النصارى وجرت بينهم مناظرة, سأل الإمام ذلك القس: منا أنت أم من الأمة المرحومة؟ فأجابة الإمام: من الأمة المرحومة, فسأل: امن علمائها أم من جهالها؟ فأجابه الإمام: لست من جهالها, انتم الذين تزعمون أنكم تذهبون إلى الجنة فتأكلون وتشربون ولا تحدثون؟ فأجابه الإمام: نعم, فقال القس: هات على هذا برهانا؟ فأجابه الإمام: الجنين يأكل في بطن امة من طعامها, ويشرب من شرابها, ولا يحدث .
فسأله ثانيا اخبرني عن ساعة ليست من النهار, ولا من الليل؟ فأجابه الإمام: هي الساعة التي بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس, يهدأ فيها المبتلى, ويرقد الساهر, ويفيق المغمى عليه.
واستمر بالأسئلة والإمام(عليه السلام) يجيبه, فانبهر القس من علم الإمام.

اعتقال الإمام(عليه السلام)
ولما ذاع فضل الإمام(عليه السلام) بين أهل الشام, أمر الطاغية باعتقاله وبعد دخوله السجن احتف به السجناء وهم يتلقون من علومه وآدابه, وخشي مدير السجن من العاقبة فبادر إلى هشام فاخبره بذلك فأمره بإخراجه من السجن وإرجاعه إلى بلده.

اشراقات
روى أبو حمزة الثمالي عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) في قوله تعالى(يوم نبعث من كل أمة شهيدا), قال: نحن الشهود على هذه الأمة.

   

 

وقد روى عنه(عليه السلام): من علم باب هدى فله مثل اجر من عمل به ولا ينقص أولئك من أجورهم شيئا, ومن علم باب ضلال كان عليه مثل أوزار من عمل به ولا ينقص أولئك من أوزارهم شيئا.
وروي عنه(عليه السلام): زكاة العلم إن تعلمه عباد الله.
وروي عنه(عليه السلام): رحم الله عبدا أحيا العلم, قال الراوي: قلت: وما أحياؤه؟ قال:إن يذاكر به أهل الدين وأهل الورع.
وكان من أروع مواقفه وهو يوصي المسلمين على العلم والدراسة والمذاكرة حرصه على إن لا يظن ظان منهم أن التفرغ للعبادة والإكثار من الصلاة المسنونة والصيام المستحب وقراءة الأذكار الشريعة والأوراد الدينية, قد يصلح أن يكون عوضا عن ثواب طلب العلم وبمستوى اجر تحصيل المعرفة فقال(عليه السلام): عالم ينتفع بعلمه أفضل من ألف عابد, وفي بعض المصادر: أفضل من سبعين ألف عابد, وكما روي عنه: والله لموت عالم أحب إلى إبليس من موت سبعين عابد.
وعنه(عليه السلام): قراء القرآن ثلاثة: رجل قرأ القرآن فاتخذه بضاعه, واستدربه الملوك, واستطال على الناس, ورجل قرأ القرآن فحفظ حروفه, وضيع حدوده, وأقامة القدح, ورجل قرأ القرآن فوضع دواء القرآن على داء قلبه, فأسهر به ليله, واظما به نهاره, وقام به في المساجده, وتجافى به عن فراشه, فبأولئك يرفع الله العزيز الجبار البلاء, وبأولئك يديل الله عزوجل من الأعداء, وبأولئك ينزل الله الغيث من السماء.
وقال يوم لجابر الجعفي: ياجابر, أيكتفي من انتحل التشيع إن يقول بحبنا أهل البيت, فو الله ما شيعتنا الا من اتقى الله وأطاعه .. يا جابر: لاتذهبن بك المذاهب, حسب الرجل إن يقول, أحب عليا وأتولاه, ثم لايكون مع ذلك فعالا, فلو قال: إني أحب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فرسول الله خير من علي, ثم لا يتبع

   

 

بسنته, ما نفعه حبه اياه شيئا,فاتقوا الله واعلموا لما عند الله, ليس بين الله وبين احد قرابة, أحب العباد إلى الله عزوجل وأكرمهم عليه اتقاهم واعملهم بطاعته ... من كان لله من طيعا فهو لنا ولي, ومن كان لله عاصيا فهو لنا عدو, وما تنال ولايتنا الا بالعمل والورع.
 

الإمام ينعى نفسه


لم تكن وفاة الإمام الباقر(عليه السلام) وفاة طبيعية, وإنما اغتاله الخليفة الأموي هشام بن عبد ملك بن مروان بن حكم عن طريق دس السم إليه, لان هشاما كان حاقدا على آل رسول(صلى الله عليه وآله وسلم), كانت نفسه مملوءة بالبغض والكراهية لهم, ولذيوع فضل الإمام وانتشار علمه, وتحدث المسلمين عن مواهبه, وكونه(عليه السلام) قد ملك عواطف الناس بخلقه المحمدي الرفيع, وعندما شعر الإمام بدنو اجله, وأخذت تخطر بباله هواوجس مريرة بين لحظة وأخرى وهي تنذره بمفارقة الحياة,توجه إلى عمته السيدة فاطمة بنت الإمام الحسين(عليه السلام)وهو ينعى نفسه قائلا: لقد أتت علي ثمان وخمسون سنة.
وعلمت عمته ما أراد فذاب قلبها أسى وحسرات على ابن أخيها الذي هو بقية أهلها الذين حصدتهم سيوف البغي والضلال.
لقد كان الأمام الباقر(عليه السلام) أسمى شخصية في العالم الإسلامي فقد اجمع المسلمون على تعظيمه, والاعتراف له بالفضل, وكان مقصد العلماء من جميع البلاد الإسلامية للاستفادة من علومه وفضله التي هي امتداد لعلوم جده النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم).
والإمام الباقر(عليه السلام) من ابرز رجال الفكر,ومن ألمع أئمة المسلمين, فقد كان الرائد والقائد للحركة الثقافية والعلمية, وكانت داره جامعة للعلوم والمعارف, فتتلمذ على يده كبار فقهاء المسلمين وعلمائهم.
 

   

 

إلى جنة الخلد


وبعدما ما أدى الإمام الباقر(عليه السلام) رسالته الخالدة من نشر العلم وإذاعة القيم الإسلام بين الناس, اختاره الله سبحانه وتعالى إلى جواره لينعم في ظلال رحمته وجنانه, ويسعد بملاقاة آبائه الذين سنوا مناهج والعدل الأرض.
ونص على إمامة ولده الصادق(عليه السلام) من بعده, وأوصاه بأصحابه خير من خلال الانفاق عليهم, والتعهد بشؤونهم ليتفرغوا لطلب العلم, وتدوين حديثه وإذاعة معارفه, وآدابه بين الناس .
وأوصى ولده بان يكفنه في قميصه الذي كان يصلي فيه.
وتفاعل السم في بدن الإمام الباقر(عليه السلام), واثر به تأثيرا بالغا, واخذ يقترب إليه الموت سريعا, وقد توجه في ساعاته الأخيرة بمشاعره وعواطفه نحو الله تعالى, فاخذ يقرأ القرآن الكريم, ويستغفر الله, وبينما لسانه مشغول بذكر الله إذ وافاه الأجل المحترم فارتفعت روحه العظيمة إلى خالقها, وبذلك انطوت صفحة من أروع صفحات الرسالة الإسلامية, وقام الإمام الصادق(عليه السلام) بتجهيز الجثمان المقدس فغسله وكفنه, والدموع تجري على خديه حزنا على أبيه العظيم, وأوصل جثمانه الطاهر إلى بقيع الغرقد, فحفر له قبر بجوار الإمام زين العابدين(عليه السلام) والإمام الحسن(عليه السلام) وانزل في مقره الأخير, وكان ذلك في السابع من ذي الحجة سنة 114 هجرية, فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيا.
وشيدت على قبره الشريف قبة ومنائر, وفي الثامن من شوال سنة 1344 هجرية هدمت قبب الأئمة عليهم السلام لتثبت للأجيال الحقد الدفين لذرية الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعدها عن وصاياه. فالي الله المشتكى وعليه المعول.