|
وصف
الموقع الراهن
وصفه المقدم عاتق بن غيث البلادي - المؤرخ الحجازي المعاصر
- في
كتابه معجم معالم الحجاز 3 / 159 ط 1 ، قال : " ويعرف غدير خم اليوم باسم
(الغربة)
، وهو غدير عليه نخل قليل لأناس من البلادية من حرب ، وهو
في ديارهم يقع شرق الجحفة
على (8)
اميال
، وواديهما واحد ، وهو وادي الخرار
(1)
.
وكانت
عين الجحفة تنبع من قرب الغدير ، ولا زالت فقرها ماثلة
للعيان . وتركب الغدير من
الغرب والشمال الغربي آثار بلدة كان لها سور حجري لا زال
ظاهرا ، وأنقاض الآثار تدل
على أن بعضها كان قصورا أو قلاعا ، وربما كان هذا حيا من
أحياء مدينة الجحفة ،
فالآثار هنا تتشابه
" .
وقد استطلعت - ميدانيا - الموضع من خلال رحلتين
: -
كانت أولاهما : يوم الثلاثاء 7 / 5 / 1402 ه = 2 / 3 /
1982 م . - والثانية
:
يوم الأربعاء 18 / 6 / 1409 ه = 25 / 1 / 1989 م
.
الرحلة الأولى
:
غادرت
مدينة جدة شروق الشمس بسيارة جيب تويوتا ، وكان برفقتي ولدي
عماد وخاله السيد ياسين
السيد جابر البطاط - المتوفى 29 / 1 / 1409 ه - رحمه الله
تعالى ، وولده السيد
فاضل
.
وبعد ساعتين تقريبا من مغادرتنا جدة وصلنا إلى مفرق الجحفة
قبيل
مدينة رابغ ، والكائن عند مطارها المحلي يمنة الطريق ،
ونزلنا عن الطريق العام إلى
طريق الجحفة ، ولم تكن آنذاك مزفتة ، وفي أكثر مواضعها غير
ممهدة . وبعد نحو عشر
كيلوات وصلنا إلى مسجد الميقات الذي شيد من قبل الحكومة
السعودية ملاصقا لأساس
المسجد القديم المندثر
.
ودخلنا المسجد ، وكان خادمه نائما - وهو من أعراب
تلك البادية - ، فأيقظناه ، وسألناه عن الطريق إلى قصر
علياء ، وما في الطريق مما
قد يصد السيارة فيعرقل سيرنا
.
ثم صعدت على سطح المسجد - وكان سلمه مليئا
بطيور الخفاش - ونظرت الطريق وحددت الجهة الميسرة للسير
فيها
.
وانطلقنا
على بقايا آثار طريق الهجرة وسط أكوام من الحجارة التي
جرفتها السيول إليه ، ووسط
رمال عملت منها السيول ما يشبه السدود الحاجزة ، شقتها
السيارة شقا . وبعد أن قطعنا
ما يقرب من خمسة كيلوات وصلنا إلى قصر علياء ، ويقع هذا
القصر على حد قرية الجحفة)الميقات) من جهة المدينة
المنورة ورابغ ، كما أن المسجد الذي ذكرناه يقع على حد
القرية من جهة مكة المكرمة . وبعد أن استرحنا قليلا
والتقطنا بعض الصور للقصر ،
انعطفت الطريق بنا إلى اليمين لانعطاف الجبال المطلة عليه
من جهة يمناها للقادم من
مكة ، ويسراها للقادم من المدينة
.
وفي متسع من الوادي تشعبت فيه الطرق على مدى عرضه
، حتى وصلنا إلى رملة غزيرة انعدمت فيها آثار الطريق فوقفنا
قليلا ، ولاح لنا راع
مع غنيمات عند سفح الجبل ، فنزلت قاصدا إياه ، وكانت رجلاي
تغوصان في الرمل إلى ما
يقرب من الركبتين ، ولوحت له بعباءتي فوقف ثم اتجه جهتي
والتقينا غير بعيد من الجبل
، وسألته عن طريق الغربة فقال : سيروا باستقامة سيارتكم ،
وبعد قليل توافيكم حرة
تطلعون فيها على مزرعة صغيرة جديدة ، ومن على الحرة تبين
لكم نخيل الغربة . فدلفنا
بسيارتنا نشق الرمال شقا حتى انتهت بنا إلى مرتفع ارتقينا
به الحرة التي ذكرها
الراعي
.
وفي الحرة التقينا سيارة نقل صغيرة (وانيت) يسوقها شاب بدوي
،
وإلى جانبه شيخ كبير ، فاستوقفتهما ، وبعد السلام عليهما ،
سألتهما عن الأصل والوطن
، فقالا : من البلادية من حرب ، نسكن بعد الغربة بقليل .
قلت : الغربة هي مقصدنا
.
قال الشيخ : أنتم من الشرقية تريدون الغدير ؟ قلت : هله هله
; أي : نعم نعم ، بلهجة
البادية . قال : هي عند النزلة من الحرة يمين الطريق مباشرة
. فودعناهما ودخلنا
الغدير حامدين الله توفيقه ، وشاكرين على السلامة
.
وبعد أن استقر بنا
الجلوس تناولنا من القهوة والشاي ، ثم قمنا وتجولنا بالوادي
الفسيح والتقطنا من
الصور من مختلف جهاته . كان الوادي فسيحا جدا ، تتخلله
أشجار السمر منتشرة في كل
أبعاده . ويقع بين سلسلة جبال من جنوبه وشماله . ومسيله يمر
مع سفوح جباله الجنوبية
، وهي أعلى وأضخم من جباله الشمالية . وعلى المسيل من جهة
سهل الوادي ثلاث كوم من
النخيل بين كل كومة وأخرى نحو عشرين مترا ، وكل كومة لا
تتجاوز الآحاد . ومن
المظنون قويا أنها نبتت هنا بفعل ما يرميه المارون بالوادي
من نوى التمر
الذي يتناولونه مع القهوة
.
وقريبا من منعطف
الوادي إلى جهة الغرب غيضة ، وسطها عين جارية ، قد تكون هي
عين الغدير التاريخية
!
أما الغدير فلم نر له آثارا ، وكذلك المسجد ، ولعلهما عفيا
بفعل تأثير عوامل
التعرية والإبادة من أمطار وسيول ورياح وما إليها ! وبعد أن
استكملنا استطلاعنا
عدنا على الطريق نفسه إلى جدة ، ووصلنا إليها بعد الغروب
بساعة تقريبا
.
الرحلة الثانية
:
وكانت بعد عودتنا من زيارة
قبر السيدة آمنة بنت وهب عليها السلام أم النبي صلى الله
عليه وآله وسلم ، في
الأبواء (الخريبة) ، ومبيتنا في منزل الحاج علي بن سالم
العبيدي بوادي الفرع . وكان
معي في هذه الرحلة ابناي معاد وفؤاد وابنا عمتهما السيدان
الحسن والحسين الخليفة
والشيخ صالح العبيدي من خطباء المنبر الحسيني بجدة والشاب
عابد العلاسي من جدة
.
وبعد أن وصلنا إلى ميقات الجحفة قبيل الظهر سلكنا الطريق
السابقة إلى الغدير ،
فرأيناها قد غير السيل العرم الذي جاء المنطقة بعد رحلتنا
الأولى الكثير من معالم
الطريق ، وعفى القليل المتبقي من آثارها
.
ورأينا قبيل وصولنا إلى الغدير
، ومقابل الحرة ، على قمة الجبل المحاذي لها ، منازل من
البناء الجاهز لشركة
إنشائية ، يسلك إليها طريق ممهدة تتفرع من طريق رابغ -
الغدير
.
وعندما
وصلنا إلى الغدير رأينا السيل قد فعل مفعوله في تغيير شئ
غير قليل من المعالم التي
رأيناها سابقا . منها : أن أهار الجرف السابق المطل على
المسيل بما لا يقل عن ثلاثة
أمتار
فأطاح ببعض النخيل التي كانت عليه
.
ومنها : أن
ذهب بالعيضة إلا بقايا منها
.
ورأينا العين قد أصبحت تجري من تحت الجرف
الجديد ، ويسير مجراها بحافته إلى كومة من الشجر لا تبعد عن
منبع العين بأكثر من
عشرين مترا . وبعد أن التقطنا بعض الصور ، وتناولنا التمر
والقهوة ، توجهنا إلى
رابغ عن الطريق الأخرى التي لا تمر بالجحفة ، والتي تقع
شرقي رابغ
.
(1)
تقدم أن أوضحت استنادا على ما ذكره بعض المؤرخين الجغرافيين
القدامى : أن الغدير
مبتدأ وادي الجحفة ، وعنده ينتهي وادي الخرار
.
|