|
الرسول صلى الله عليه واله وسلم والولاية
من ذلك الأمر الرباني الصريح للرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم بتبليغ ما انزل إليه من ربه، ومن هذا التهديد المشعر بعظم شأن الولاية في دين الله ، ومن هذا التعهد الصريح أيضاً بعصمة الله العزيز الحكيم للرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم من الناس، ينبثق موفق الغدير …
ومن علم الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم بعظم المسؤولية التي ألقيت على عاتقه ، ومعرفته بالنتائج والآثار التي ستترتب على إعلان الولاية ، وأخذ البيعة بها من العالمين .. يمضي صلى الله عليه واله وسلم وسلم بالوفاء بالأمر . (فسألت جبرائيل أن يستعفي لي ربي ، لعلمي بقلة المتقين ، وكثرة المؤذين لي واللائمين لكثرة ملازمتي لعلي ، وشدة إقبالي عليه حتى سموني إذناً..) ، -كما في الرواية السادسة السابقة عن زيد بن أرقم- .
وفي رواية أخرى : (إن الله أرسلني برسالة ضاق بها صدري ، وظننت أن الناس مكذبيّ ..(1)) . وفي رواية ثالثة : (رأيت الناس حديثي عهد بالجاهلية ، ومتى أفعل هذا يقولوا : صنع هذا بابن عمه (2)) . وواضح أن حذر الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم وتخوفه هذين ، إنما يردان في سياق تحذير الآية المتقدمة ، وتصريحها بالضمان الإلهي لعصمته من الناس .
فكما كان المقصود هناك بيان عظمة الأمر المنزل من خلال ذكر عظمة نتائجه في دين الله -سبحانه-، فكذلك مقصود الرسول صلى الله عليه واله وسلم في إبراز هذا الحذر والتخوف قبل إعلان ذلك الأمر ، وتبليغه إلى الناس . فهو إشعار للأمة بجلالة هذه الولاية ، وبضرورة أن تلقى فيها كلمة الله (تعالى) على البصائر ، وأن تقام بها حجته على العقول ، مع غض النظر عما يتخذه الناس من مواقف إزاء تلك الكلمة ، وهذه الحجة ، بل وإن كانت السلبية والعناد متوقعين من عامة الناس في تلك المواقف.
فالرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم -وكما هو معلوم عنه لم يفاجأ بهذه الولاية في يوم الغدير خاصة ، ولم يكن علمه بحقيقتها ، وموقعها في دين الله (تعالى) ، ودورها في وجوده ، وقيام حجته ، وليد تلك الساعات أو الأيام التي سبقت موقف الغدير فحسب . كما لم يكنصلى الله عليه واله وسلم وسلم غافلا عما يحمله مرضى النفوس -من الناس عامة، ومن أصحابه خاصة- من انحراف عميق عن نهج الحق .
ولا غافلا عن مطامع قسم منهم في تسلم مراكز عليا في المجتمع المسلم ، وأمانيهم في التسلط على مقدرات الأمة . ولا جاهلا بتلك الدخائل السوداء التي يستشعرها لدى بعضهم في النيل من قدسه صلى الله عليه واله وسلم وسلم وقدس رسالته .. كما لم يكن بعيدا عما يحمله الحاقدون على علي عليه السلام خاصة من إحن وضغائن كان من أسبابها مواقفه الحاسمة المعروفة في الصراع بين الحق والباطل ، ودوره المتميز في إرساء دعائم الإسلام ، وكسر شوكة الكفر والظلم التي جوبه بها الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم وإظهار أمر الله بين العباد ، وإعلاء كلمته ولو كره المبطلون .
أفهل كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وسلم لا يعلم عن ولاية علي عليه السلام ، وهو الذي رأى ليلة أسري به إلى السماء ما كان مكتوبا على أبواب الجنة الثمانية : (لا اله إلا الله . محمد رسول الله . علي ولي الله(3)) ؟ . كما أنه صلى الله عليه واله وسلم قرأ هذه الكلمات على أوراق الجنة أيضا (4) ؟ .
وهل كان صلى الله عليه واله وسلم وسلم يجهل هذه الولاية وهو الذي يقول : بأنه وعلياً كانا (نورا بين يدي الله –سبحانه- قبل أن يخلق آدم عليه السلام بأربعة عشر ألف عام ، فلما خلق الله آدم قسم ذلك النور جزأين) . فكان هو صلى الله عليه واله وسلم وسلم جزءاً، وكان علي عليه السلام جزءا (5) ؟ .
وهل أنه صلى الله عليه واله وسلم وسلم كان يجهل هذه الولاية وهو الذي كان يصرّح بأن عليا منه وأنه من علي ، وأن عليا من طينته، كما خلق هو صلى الله عليه واله وسلم وسلم من طينة إبراهيمعليه السلام وهو أفضل من إبراهيم (6)؟ . وهل ..؟ وهل ..؟ ، ولا أطيل في اقتباس النصوص الواردة عن الرسول (صلى الله عليه واله وسلم وسلم) فهي أكثر وأوضح من أن تحتاج إلى اقتباس .
كلا .. أبداً ، ما كان الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم قد فوجئ بهذه الولاية في يوم خم، كما لم يفاجأ بها في يوم من الأيام ، لأنه صلى الله عليه واله وسلم وسلم لم يكن يجهلها في يوم من الأيام ، ولم تغب عن ذاكرته يوما من الأيام .. وما أكثر ما كان صلى الله عليه واله وسلم وسلم يملي هذه الولاية الكبرى على الأمة ، ويبين فضل صاحبها على الأشهاد !! . وما أكثر المناسبات التي كان صلى الله عليه واله وسلم وسلم يصرح بهذه الولاية ، ويبين فيها المعنى المطلوب له في هذا المنصب العظيم ، ودلالاته في مسؤوليته المسلم تجاه ربه ، وتجاه دينه !! . فمنذ الأيام الأولى التي حمّله الله فيها مسؤولية الصدع بهذه الرسالة كان صلى الله عليه واله وسلم وسلم يستغل كل مناسبة، وينتهز كل فرصة ليتخذها منبراً لهذه الغاية.
.. فمنذ أن نزل عليه قوله (تعالى) –في بداية الدعوة-: )وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ.(7)( نهض صلى الله عليه واله وسلم وسلم فأعلن -مع هذا الإنذار– ولاية عليعليه السلام رديفة ملازمة لرسالته ، وكمالاً لها ، وأصلا من أصولها ، ويبين عمق الرابطة الوثيقة بين مهمته هو صلى الله عليه واله وسلم وسلم -كصادع أول بهذه الرسالة العظمى- ومهمة علي عليه السلام من بعده -كوصي أمين عليها-: (يا بني عبد المطلب ! إني قد جئتكم بما لم يجئ به أحد قط .. -إلى أن يقول صلى الله عليه واله وسلم وسلم -وقد مد يده-: من يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووليكم من بعدي ؟ . فقال عليعليه السلام : فمددت يدي وقلت : أنا أبايعك . فبايعني على ذلك(8)) . وبقي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وسلم يؤكد هذه الولاية ، والحقائق التي تكتنفها طول أيام رسالته صلى الله عليه واله وسلم وسلم ، وقد حفظت لنا كتب السيرة ومصادر الحديث الكثير من تلك التأكيدات في العديد من المواقف ، والمناسبات الخاصة والعامة : (أنت ولي كل مؤمن بعدي) .. (وأعطاني انك ولي المؤمنين من بعدي) .. (إن عليا مني و أنا منه ، وهو ولي كل مؤمن بعدي) .. (وإنه وليكم بعدي)..
وهكذا ، وما أكثر الروايات التي وردت فيها الولاية بهذا اللفظ صراحة ، فضلا عما ورد في معناها ، وسيأتي –إن شاء الله (تعالى)- مزيد من هذه الروايات في مباحث لاحقة .
نعم ، لم يكن الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم ليفاجأ بولاية علي عليه السلام ، ولم يكن جديد عهد بموقعها الخاص من دين الله ، ومن قيادة ركب الأمة المسلمة من بعده ، إلا أن الرهبة في الأمر المنزل في موقف الغدير ، وتهيّب الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم من إعلانه ، إنما كانا بسبب كونه دخولا في مرحلة جديدة من مراحل الرسالة ذاتها .. فالموقف كان ممهداً لفعلية بروز هذه الولاية وصاحبها في موقع الصدارة من قيادة الأمة ، والمباشرة في حمل أعبائها ، والتصدي لرعاية شؤونها .. وهي نقطة انعطاف مهمة ، يجب أن يؤخذ كل شيء فيها بالحسبان ، لتقام بها الحجة كما أقيمت بالرسالة ذاتها ، لا في ذلك العصر فحسب ، وإنما في كل العصور، وحتى يوم القيامة ، إذ هو الزمان الذي أعدت له رسالة محمد صلى الله عليه واله وسلم وسلم..
.. انه -باختصار- عقد بيعة ، وأخذ عهد . وهكذا ، فبينما كانت هذه الولاية تتحمل مسؤولياتها في كنف الرسالة وتحت ظلالها .. وبينما كان علي عليه السلام يمضي في مهماته تحت رعاية الرسول (صلى الله عليه واله وسلم وسلم) وبإشرافه ، إلا أن يوم الغدير هو اليوم الذي يهيئ له البدء بالاستقلال بحمل أعباء القيادة ، والمواجهة في التصدي للمهمات ، ومقابلة الأحداث . وهي مرحلة لها دورها الأساس في ديمومة وجود الرسالة المحمدية ، وخلود حجتها ، كما كانت بعثته هو صلى الله عليه واله وسلم وسلم إنشاءً لكيانها في واقع الإنسان ، وقيام صرحها في هذه الحياة .
فطبيعي حينئذ أن تنال الولاية -جراء تلك الأهواء والمطامع والضغائن- نفس ما نالته الرسالة ذاتها من مضايقات لما كانت في مراحلها الأولى ، وطبيعي أن يقف أمامها مرضى النفوس نفس مواقفهم المكابرة ، المعاندة للرسالة . فتخوف الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم وحذره لم يكونا –كما قلت- لسبب يعود إلى ذاته ، فكيانه متقوم برسالته ، ومن أجلها بذل كل غال ونفيس ..
.. ولم يكونا لسبب يعود إلى كيان الرسالة ، فهي -في نفسها- هدى الله وبصائره التي يستحيل أن يتطاول عليها المتطاولون ، أو ينال من إشعاعها النائلون ، وإنما كانا منه صلى الله عليه واله وسلم وسلم لعلمه بنكث من سينكث من أمته، وبزيغ من يزيغ من أناس ألجأتهم الأيام إلى إعلان الطاعة ، وإظهار الإسلام ، دون رصيد ثابت من الإيمان الصحيح ، والاعتقاد العميق ببصائر الله وكلماته . ولكن كلمة الحق -وكما أشرت- يجب أن تقال ، وحجة الله يجب أن تبلّغ ، فما كان رب الأرباب ليمنع لطفه ورحمته لإرضاء فئة ضالة من الناس ، وما كان ليقطع رحمته عن البشرية من أجل أهواء جماعة كفرت بأنعم الله .. (فلم يرض إلا بتبليغي فيه) -كما في رواية زيد بن أرقم- .
(يا أيها الناس ! إن الله أرسلني إليكم برسالة ، وإني ضقت بها ذرعا ، مخافة أن تتهموني وتكذبوني ، حتى عاتبني ربي فيها ، بوعيد أنزله عليّ بعد وعيد ..(9)) .
* من كتاب علي في التزام الحق لفضيلة الشيخ ضياء زين الدين دامت بركاته . (1) الغدير – ج : 1- ص : 151 ، عن الحمويني في فرائد السمطين - السمط الاول – الباب الثامن والخمسون . (2) المصدر السابق -ج : 1- ص :50- عن العديد من مصادره . (3) إحقاق الحق وإزهاق الباطل ، تحقيق السيد شهاب الدين المرعشي – ج : 5- ص : 128- عن (در بحر المناقب) ص : 121- (مخطوط) . ن : المكتبة الإسلامية – طهران . (4) المصدر السابق – ج : 5- ص : 281- عن (در بحر المناقب) ص : 31 ، وغيره . (5) فضائل الخمسة من الصحاح الستة وغيرها _ ج : 1- ص : 168- عن العديد من مصادره . (6) مجمع الزوائد للهيثمي – ج : 9- ص : 128. (7) الشعراء : 214. (8) كنز العمال ج : 6- ص : 401 ، عن ابن مردوية . (9) شواهد التنزيل لقواعد التأويل ، للحاكم الحسكاني الحذاء الحنفي النيسابوري - تحقيق محمد باقر المحمودي ص : 193. |