|
ممهّدات وقرائن ومعقّبات*
من الطبيعي أن يمتثل الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم ما أمره الله (تعالى) به ، فيعلن هذه الولاية على الأشهاد ، ويصدع بها بعد أن استجمع لها كل ما كان من شأنه أن يقيم حجة الله فيها على العباد ، وبعد أن مهد لها بكل ما يوجب الخلود الأبدي لهذه الحجة مع بقاء دين الله وخلوده .
نعم ، فما كان ذلك الأمر الرباني الصريح ، وما كان هذا الاهتمام الكبير من القرآن ، ومن منزله العظيم (تعالى شأنه) ، وهذا الإعداد الدقيق من الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم ، وضمان الله له بعصمته من الناس .. ما كان كل هذا من أجل حالة آنية مؤقتة ، ستنتهي في فترة قصيرة من الزمن ! وسيتلاشى أمرها دون أبدية الرسالة المحمدية ذاتها ، وقيام حجة الله بها على العباد .
وبهذا يظهر ما في كلمات بعض الباحثين من الوقوف بما جرى بُعَيد وفاة الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم عند حدود التأريخ ، ومحاولة حصر آثاره في حدود ذلك الزمان وحده ، إذ يرون أن هذه المعالجة تمنع من جر ذلك الاختلاف الحاصل حينها إلى العصور اللاحقة ، ولاسيما الحاضرة منها، حيث ينبغي فيها رأب الصدع بين أبناء الأمة المسلمة ، ورفع دواعي الاختلاف بينهم . وفات هؤلاء أن الحق أحق أن يتبع ، وأن بالحق وحده يرأب الصدع ، وبموازينه الثابتة يرفع الاختلاف . فالقران نفسه يصرح بأن هذه الرسالة لا يتم تبليغها من الرسول ذاته إلا بتبليغ الولاية .. وأن كمال الدين ، وتمام نعمة الله (تعالى) على العباد بالإسلام لم يتحققا إلا بالصدع بها .
وكلتا القضيتين -كما نراهما- مطلقتان ، لا يحددهما إلا حدود الرسالة
المحمدية ذاتها ، في الزمان أو المكان ، أو المراحل الحضارية المتعاقبة
.ولهذه فحين نرى في حدود رسالة محمد صلى الله عليه واله وسلم وسلم من
الاستيعاب ما رسمه مثل قوله (تعالى) :
ومثل قوله (تعالى) : )مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ .(2) (.
أقول : إننا حين نرى مثل هذا الاستيعاب البشري والزماني في رسالة محمد صلى الله عليه واله وسلم وسلم ، نعلم -حينئذ ، ودون ريب- أن هذه هي حدود الولاية أيضاً وأنها ماضية مع الوجود البشري كله على سطح هذه الأرض ، وحتى يوم القيامة . ولهذا –ومن أجل تلك السعة وهذا التخليد للولاية وإعلانها-اختار الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم لتبليغ الأمر بها اجتماع الحاج معه من مختلف بقاع الوطن الإسلامي في ذلك العهد .. .. فكما يقول ابن الجوزي : كان مع الرسول صلى الله عليه واله وسلم من الصحابة ومن الأعراب ، وممن يسكن حول مكة والمدينة ، مائة وعشرون ألفا ، وهم الذين شهدوا معه حجة الوداع ، وسمعوا منه هذه المقالة (3).
فهذا الجمع الكبير الوارد من أطراف البلاد الإسلامية في ذلك الحين كان أجدى السبل الممكنة -وقتها- في نشر هذا الإعلان بين الأمة، بل وضمان تواتره الخالد في التأريخ ، دون أن يضعف قيمته العلمية القطعية تسلسل وسائط النقل في أي عصر من العصور ، بمعنى أن يصبح هذا الإعلان ، وموقف الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم به من البدائه الإسلامية المتواترة مع الأجيال حتى الأبد .
ولهذا السبب أيضا ، فقد اختار صلى الله عليه واله وسلم وسلم من الزمان وقتا يفترق فيه هذا الجمع الكبير ، بعد أن لبى كل فرد منه نداء ربه بالحج الأكبر ، وبعد أن استغفر الله (تعالى) منهم من استغفر من ذنوبه ، فنقت الذمم من أوضار الآثام، وتزكت النفوس من أدناس الخطايا ، وكفّرت عن سيئاتها ، فكانت اقرب إلى استماع كلمة الله (تعالى) ، وأدنى لفهم حجته ، ومعرفة بصائر هداه ..
كما اختار صلى الله عليه واله وسلم وسلم من المكان غدير خمّ ، قرب الجحفة -حيث مفترق السبل بذلك الجمع ، فمن ذلك المكان يتجه كل فريق إلى أهله- ليكون هذا الموقف الفريد ، وما جرى فيه من المشاهد ، هو الحدث الأخير الذي ينهي اجتماع ذلك الجمع الغفير ، قبل أن تستطيع الأهواء ودسائس النفاق صنع شيء ما ، يمكّنها من التدخل في نصوع الهدى بهذه الأمانة الكبرى ، التي سيحملها كل حاج إلى ذويه ، والتي سيؤديها -من ثم-كل جيل إلى من بعده من أجيال الإسلام ، إلى يوم القيامة. وهو اختيار دقيق -ولا ريب-، وفيه تبدو دلائل الرعاية الإلهية الخاصة بوضوح ، حين قرنت بين هذا الاجتماع الحاشد والزمان والمكان ، وما اكتنف الموقف كله من ظروف مناسبة لتحقيق تلك الغاية الكبرى .
ولم يكتف الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم بالاعتماد على القرائن التي تعبّر بها هيئة الموقف هذه ، وهي قرائن كافية -ولا ريب- حين تصفو النفوس من الأدران، وحين يكون التطلع إلى الحق هو الهدف الوحيد للعقول . إلا أن الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم كان يعلم أن الأحقاد التي يحملها البعض ، ممن كان حاضراً ذلك المشهد ، كانت أشد من أن يكتفى معها بمثل هذه القرائن وحدها ، وان الضغائن كانت أعمق من أن تسمح لتلك النفوس باتباع دلائل الهدى فيها . وهو صلى الله عليه واله وسلم وسلم كان يعلم أن للباطل صراعه الأبدي مع الحق ، وأن له نزواته المتجددة التي تترصد المنافذ والثغرات التي تمكنها من النفوذ في دلالة كل كلمة، وكل إشارة ، من أجل أن تنال من قدس ذلك المشهد ، وأن تنحرف بالبصائر عن هداه ..
وحينئذ كان لابد له صلى الله عليه واله وسلم -وهو الحكيم العارف بدخائل الأمور- من أن يجعل في كل ما يصدر عنه في إعلان الولاية من عمل ، وما يقوله من كلمة، دليلا واضحا على ما يقصده فيه ، وأن يضع في كل منها بينة تقطع الطريق أمام تطاول المتطاولين ، وتشدق المتشدقين ، ومنعهم من أن يؤثّروا في جلاء مراده في كل ما يقول وما يفعل ، أو يؤثروا في وضوح حجة الله فيه ، سواء في عصره ذاك أم في مستقبل الزمان ، ما دام للغدير دوره في دين الله على امتداد رسالته ، وما دام لولايته موقعها الخاص بين حقائقه الكبرى .
و هكذا نرى أن الرسول صلى الله عليه واله وسلم يبدأ في إعلان ولاية علي عليه السلام من خلال استثارته لأعماق النفوس .. نعم ؛ أعماق النفوس، ليضع الولاية في هذه الأعماق ذاتها أيضاً. ولهذا فهو صلى الله عليه واله وسلم -وقبل صدعه بالأمر- يستعلم الجمع الذي يقف أمامه -بل ويستعلم جميع حاملي كلمته على مر الزمان من خلال ذلك الجمع- عن موقفهم من ذاته المقدسة ، ليشهد الله ، ويشهد أنفسهم على أنفسهم ، ويشهد العالمين بأجمعهم عليهم ، بأنهم قد علموا انه قد أدى إليهم أمانة الله -كما هي- ، وأنهم يعلمون -حق العلم- بأنه قد بلّغ رسالته إليهم دون تهاون ، وانه وضع مسؤولياتهم في أعناقهم ، وأن هلاك من يهلك منهم كان عن بيّنة ، وأن حياة من يحيا منهم كان عن بينة - أيضاً- . (أيها الناس ، قد نبأني اللطيف الخبير : أنه لم يعمر نبي إلا مثل نصف عمر الذي قبله . وإني لأظن أن يوشك أن أدعى فأجيب ، وإني مسؤول وأنتم مسؤولون ، فماذا أنتم قائلون ؟) .
(فانه لم يكن لنبي من العمر إلا النصف من عمر الذي قبله ، وأن عيسى ابن مريم لبث في قومه أربعين سنة ، وإني شرعت في العشرين ، ألا وإني يوشك أن أفارقكم ، ألا و إني مسؤول وانتم مسؤولون فهل بلّغتكم ، فماذا انتم قائلون ؟) . ومن الطبيعي أن يجيبوا بالإيجاب ، وهم يعلمون من جهد الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم معهم ، وعنائه -في سبيل إبلاغهم هدى الله وبيناته- ما يعلمون .. (نشهد أنك عبد الله ورسوله ، وقد بلّغت رسالته ، وجاهدت في سبيله ، وصدعت بأمره ، وعبدته حتى أتاك اليقين ، جزاك الله خير ما جزى نبياً عن أمته) . إنها مقدمة جيدة ، وبراعة استهلال رائعة ، تكفي لتهيئة هذه النفوس ، وإعدادها لاستماع كلمة الرسول ، وحمل أمانة الله الكبرى فيها .
ولكن هاهنا ملاحظة مهمة حريّ بالرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم أن يأخذها بالاعتبار في هذه التهيئة والإعداد .. .. ملاحظة منشؤها الموقع الخاص لولاية علي عليه السلام في كيان الإسلام ، ودورها الأساس في قيام صرحه .. إذ لابد أن يبلغ التهيؤ والاستعداد في النفوس إلى الدرجة التي تمكّنها من حمل مسؤولية الولاية من خلال هذا الموقع ، وهذا الدور بالذات ، وليس من درجات أدنى .. لتكون هذه الدرجة العليا هي المنطلق -كذلك- في فهم هذه الولاية والاعتقاد بها، وحمل ما تستوجبه من مسؤوليات كبرى في حياة الإنسان.
(ألستم تشهدون أن لا اله إلا الله ، وأن محمد عبده ورسوله ، وأن جنته حق ، وأن ناره حق ، وأن الموت حق ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ؟) . (ألستم تشهدون أن لا اله إلا الله ، وأن محمداً عبده ورسوله ، وأن الجنة حق ، وأن النار حق ، وتؤمنون بالكتاب كله ؟) . وطبيعي أن يجيبوا بالإيجاب ، فهي الأصول الإسلامية الأولى ، التي بني عليها كيان الإسلام ذاته ، وأقيمت عليها عقيدته : (بلى ، نشهد بذلك) .
نعم ، إنها الأصول الإسلامية الأولى يشهدهم بها الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم ، ليوحد بين أجوائها وأجواء الموقف الذي يقفه بينهم ، وليشعرهم بأن ما يريد قوله أمامهم إنما يقع ضمن هذه الآفاق أيضا ، وليس هو في درجة أدنى من هذه الأصول في بنية الإسلام وكيانه ، وأن ولاية علي عليه السلام هي الامتداد الطبيعي لعقائده الأولى هذه ، وأنها أحد أركانه الثابتة التي يعتمدها في قيام صرحه ، كما يعتمد أياً منها .. فكما لا إسلام بدون عقيدة التوحيد أو النبوة أو المعاد ، فكذلك لا إسلام بدون هذه الولاية : (وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته) . وما كانت شهادتهم تلك إلا تأكيداً منهم بأنهم قد علموا هذا القصد منه صلى الله عليه واله وسلم وسلم ، وفهموا مراده . وملاحظة أخرى جدير بالرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم أن يلفت إليها الأنظار في هذه التهيئة –كذلك-. وهذه الملاحظة تعتمد على ما تعنيه هذه الولاية في طبيعة التزام المؤمن بدينه ، ومدى إذعانه لحجته ، وحدود تسليمه لقيادته الإلهية المصطفاة ، وهي -كما نعلم- حدود مطلقة يجب أن لا تحدها ذاتيات ، أو تقف بها اعتبارات أو مصالح دون الإذعان التام للحق ، والانقياد الشامل لدلائله ، والخضوع لحجته .. )النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ..(4)(. )فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً .(5)(. )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ ..(6) (. )قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.(7)( .
إذن فتهيئة الرسول (صلى الله عليه واله وسلم وسلم) للنفوس إلى ما يريد إعلانه ، يجب أن تستوعب هذه الناحية أيضا ، لتدرك البصائر أن الأمر المعلن يستوجب منها هذا المدى من المسؤولية والتسليم أيضا . (ألستم تزعمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ..؟) . (أيها الناس ، أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ليس لهم معي أمر) . (أيها الناس أن الله مولاي ، وأنا مولى المؤمنين ، وأنا أولى بهم من أنفسهم) . ومن الطبيعي أن يجيب الجميع بالإيجاب كذلك ، فهذا ما صرح به القرآن كتاب الله ، وأذعنوا به حين آمنوا بأنه رسول الله ، وأنه يؤدي إليهم رسالته ، ويبلغهم كلمته ، ويقيم حجته ، ولا ريب أنهم قد قرؤوا الآيات الكريمة السابقة مرات ومرات ، وفهموا معناها دون التباس ، ولو من خلال بيان الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم له .
وواضح ما تعنيه هذه الملاحظة في غلق أي منافذ للريب في النفوس -حين تخلص بنيّاتها إلى الحق- . فمن غير الممكن أن يشك ذو بصيرة معها في مدلول كلمة الولاية أو يرتاب في شيء من مشتقاتها الواردة في إعلان الرسول لها يوم الغدير، فهي كلها تحتم أن لا يختلف هذا المدلول عن تلك الولاية التي جعلها الله -سبحانه- للرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم وأولويته بالمؤمنين من أنفسهم ، وإن ذكر اللغويون ما ذكروه لهذه الكلمة من معان ، شرّقوا بها أو غربوا، إذ لنفس الموقف حكمه الجازم ، وللسياق قرائنه القطعية في تعيين المراد منها . ومن هنا كانت هذه الملاحظة -وهي تروى ضمن حادثة الغدير- إحدى القرائن الأبدية الخالدة في تعيين ما أراده الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم من هذه الولاية دون سواه ..
لباب الموقف ثم .. ثم يصدع الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم بما أمره الله (تعالى) به ، ويعلن هذه الولاية الكبرى ، ويعين وليها العظيم عليه السلام .. ويقرر موقعهما الخاص في دين الله ، وما يستوجبانه من مسؤوليات في أعناق البشرية . (من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ، وأدر الحق معه حيث دار) .. يقول ذلك ثلاث مرات –كما في الرواية السابقة عن زيد بن أرقم-، وفي لفظ أحمد أربع مرات (8) .
إذن فالولاية هي لباب الموقف كله –كما هو واضح– وإعلانها والبيعة بها هما الهدف الذي تتمحور عليه جميع تلك المقدمات والممهدات والاستعدادات التي أشرنا إلى بعضها .
إن لعلي عليه السلام ولاية كولاية الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم في دين الله ، وفي القيام على أمره، وفي قيادة الأمة .. كما أن له ولاية كولايته صلى الله عليه واله وسلم في اعتقاد الإنسان المسلم ، وفي مسؤولياته وانقياده المطلق لله (تعالى) ، حين يريد أن يكون –بحق- مسلماً .. ولنقف هنا مع إعلان الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم عند هذه الولاية –فحسب-، فهي النقطة الجامعة التي اتفقت عليها روايات مشهد الغدير ، ولا نتصدى في هذا الموقع من الحديث إلى دلالة هذه الولاية على منصب الإمامة ، أو الخلافة بعد الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم ، أو غيرهما مما تستلزمه الولاية الإسلامية ، فهذه أمور لا تدخل ضمن منهجنا .. نعم ؛ من الواضح أن هذه الولاية –بمعناها الإسلامي- هي لباب تلك المناصب جميعاً ، وهي محور مفاهيمها وحدودها كافة ، ووسمها بالطابع الإسلامي الخاص ، ولا يمكن أن تصبح الخلافة أو الإمامة ذات معنى إسلامي صحيح ، ما لم تكن الولاية التي أقامها القرآن ، وأعلنها الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم هي المقوم الأساس فيها ، وما لم يتسنم نفس ولي الأمر الذي اصطفته العناية الربانية موضع القيادة فيها .. على أن الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم نفسه لم يغفل ذكر تلك المناصب أيضا في إعلان الغدير .. فكما قرأناه في الرواية السادسة عن زيد بن أرقم ، أنه صلى الله عليه واله وسلم وسلم قال : (معاشر الناس ، هذا أخي ، ووصيي ، وواعي علمي ، وخليفتي على من آمن بي ، وعلى تفسير كتاب ربي … اللهم إنك أنزلت عند تبيين ذلك في علي (اليوم أكملت لكم دينكم) بإمامته ، فمن لم يأتم به ، وبمن كان من ولدي من صلبه إلى يوم القيامة فـ (أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ .( 9)) .
ونضيف هنا أنه –وكما هو الشأن في الولاية- فإن الروايات الواردة عن الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم في كل واحد من هذه المناصب ، وتعيينها لعلي عليه السلام ، تتجاوز حدود التواتر ، ويراجع من يروم الاطّلاع على تلك الروايات كتاب (إحقاق الحق وإزهاق الباطل) للعلامة التستري المرعشي .
وعلى أي حال ، فمن الطبيعي حينئذ أن يستتبع إعلان الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم للولاية دعاءه بموالاة الله لمن والى عليا ، ومعاداته لمن عاداه ، ونصرته لمن نصره ، وخذلانه لمن خذله ، وإدارة الحق معه حيث دار ، فعلي صلى الله عليه واله وسلم وسلم هو امتداد لمحمد صلى الله عليه واله وسلم وسلم ، وولايته امتداد لرسالته ، فجدير أن ينالا من رعاية الله المباشرة وعنايته الخاصة ، ما ناله محمد صلى الله عليه واله وسلم وسلم ورسالته من قبل ، وأن يكون لهما من تعهده –جل وعلا- ما تعهّده لمحمد ورسالته ، فبدون تلك العناية وهذا التعهد لا يمكن للغايات الربانية أن تتحقق بهذه الولاية ، ولا تستكمل الحكمة الإلهية أهدافها فيها ، وهذا محال .. كما هو واضح .
لواحـق للموقف ويتم الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم هذا الإعلان بتعميمه عليا بعمامته (السحاب) ، لأن (العمائم تيجان العرب)(10) -كما قال صلى الله عليه واله وسلم وسلم .
أو هي (الحاجز بين الكفر والإيمان)(11) ،-كما في حديث أخر عنه . (إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وسلم دعا عليا يوم غدير خم ، فعممه وأرخى عذبة العمامة من خلفه(12)) . وعن علي عليه السلام قال : (عممني رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وسلم يوم غدير خم بعمامة ، فسدل نمرقها على منكبي ، وقال : إن الله أيدني يوم بدر وحنين بملائكة معتمين بهذه العمامة(14)) . ويختم الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم هذا المشهد العظيم بأمره للمسلمين أن يبايعوا علياً بالولاية ، ويصافقوه عليها ، ويهنئوه بمنصبه الإلهي الجديد ، ويقيم صلى الله عليه واله وسلم وسلم في ذلك المنزل ثلاثة أيام حتى تمت التهنئة والمصافقة والبيعة من كل الذين حضروا ذلك الجمع الحاشد …
(وسلموا على علي بإمرة المؤمنين ، وقولوا : الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) . ويضيف المؤرخ ابن خاوند شاه عند روايته لهذه التهنئة : (ثم جلس الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم في خيمة تختص به ، وأمر أمير المؤمنين عليا أن يجلس في خيمة أخرى ، وأمر أطباق الناس أن يهنئوا عليا في خيمته . ولما فرغ من التهنئة له أمر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وسلم أمهات المؤمنين بأن يسرن إليه يهنئنه ففعلن . وممن هنأه من الصحابة : أبو بكر ، وعمر بن الخطاب ، حيث قال كلمته المشهورة : (هنيئا لك يا ابن أبي طالب ، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة) .
(وبادر الناس بقولهم: نعم،سمعنا واطعنا على أمر الله وأمر رسوله بقلوبنا). (وكان أول من صافق النبي صلى الله عليه واله وسلم وسلم وعليا عليه السلام أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وباقي المهاجرين والأنصار إلى أن صلى الظهرين في وقت واحد ، وامتد ذلك إلى أن صلى العشاءين في وقت واحد وواصلوا البيعة والمصافقة ثلاثا) .
ويتم القرآن العظيم دوره في رعاية هذه الحقيقة الإسلامية الكبرى ،فيختم هذا المشهد العظيم بنفسه في آية الإكمال كما بدأه بنفسه في آية التبليغ : )الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ..(15)( . وهكذا تصبح الولاية -بتلك البداية وهذه النهاية- بعض حقائق القرآن ذاته ، بل وطابعا عاما يسم جميع حقائقه الأخرى بميسمه الرباني العتيد ، وركنا مقوماً يعتمده قيام حجته في كل أفق من أفاق الحياة .
معنى الولاية في الغدير
هذه هي الملامح البارزة لموقف الغدير ، وهذه بعض مشاهده المهمة التي لم يستطع التاريخ تجاهلها ، بالرغم مما عرف عنه من مجانبة وتنكر للغدير وللولاية ولعلي عليه السلام جميعاً . فأورد جزءا منها هنا ، وجزءا هناك ، ومشهدا في هذا الحديث ، ومشهدا أخر في حديث ثان وهكذا .
وقد لاحظنا أن إعلان الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم لولاية علي عليه السلام والتزام القرآن لها مبدأ ومنتهى ، وضمان الله لها بعصمتها وعصمة الرسالة بها من الناس ، هي المحور الأساس الذي استقطب جميع تلك المشاهد والاهتمامات . إذن فهل هناك -بعد كل هذا– مجال لتشكيك مشكك ، أو ريب مرتاب في معنى هذه الولاية ، أو في كلمة الولي أو المولى التي وردت في إعلان الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم هذا ، كما يحلو للبعض أن يقول ؟؟!. أمر حازم جازم من الله (تعالى) بتبليغ شيء أنزله على رسولهصلى الله عليه واله وسلم وسلم. وربط صريح بين هذا الأمر وكيان الرسالة ذاتها .
وتحذير للرسول صلى الله عليه واله وسلم بأن وجود الرسالة لا يتحقق بدون هذا التبليغ، وأنه ما لم يبلغ هذا الأمر لم يكن قد بلغ رسالة الله ذاتها .. وأسند هذا الأمر والتحذير تعهد رباني خاص بعصمة الرسول من الناس في قيامه بهذه المهمة العظمى .. ثم اهتمام بالغ من الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم نفسه ، ورعاية حكيمة منه ، تستجمع كل تلك القرائن الأبدية المخلدة لذلك التبليغ ولكل ما فيه من حدود ، ولقيام حجة الله فيه ، وتمهيد منه صلى الله عليه واله وسلم وسلم في جعل هذه الولاية الكبرى مع أصول الإسلام الأولى ، ومع ولايته هو بالذات ، حيث جعله الله (تعالى) أولى بالمؤمنين من أنفسهم . ثم تتويجه -بعد عملية التبليغ والتوثيق- بعمامته التي كان الملائكة -الذين أيدوه يوم بدر وحنين- يعتمون بها . وأمره لعامة المسلمين أن يهنئوا عليا على ما أعلنه صلى الله عليه واله وسلم له من منصب خاص في كيان الإسلام ، وقيادة الأمة ، ثم يبايعوه بإمرة المؤمنين ، ليأتي التصريح القرآني -بعد هذا كله- بأن الله قد أكمل الدين بهذه الولاية ، وأتم بها النعمة على العباد ، ورضاه الإسلام بها ديناً للناس .
ومع هذا كله تبقى كلمة الولاية مجملة ، غامضة المعنى ، لأن كلمة المولى موضوعة لعدة معان هي : الناصر والمحب وابن العم والمعتِق والمعتَق -بالكسر والفتح- .. الخ .
أفيمكن تصور هذا من ذي مسكة لاحظ ولو بعض هذه القرائن؟. وهل يمكن لمؤمن أخلص دينه لله ، وانقاد إلى الحق في دلائله وحجته أن ينطقه بلسانه ، أو يحتمله في وعيه ؟! . إذن فما معنى كل هذه القرائن ؟ .. وأين هي حكمة الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم، بل وأين هي حكمة الله (تعالى) التي واكبت هذا المشهد كله بالتسديد، وأعدت له كل هذه الإعدادات والرعايات الخاصة في كل خطوة من خطواته .. نعم ، لتذكر كتب اللغة لكلمة المولى والولي والولاية ما شاءت أن تذكر من معان ، ولتقل : إن تلك المعاني هي معان حقيقية وضعت لها هذه الكلمات أو المادة التي تجمعها ، إلا أن لأجواء الغدير ، ومجرياته الخاصة ، وقرائنه حكمها الصريح في تحديد معنى أوحد لها ، لا يدانيه أي ريب .. إنه ولاية الأمر ، والأولوية بالتصرف ، وحكمة الله (تعالى) الذي أمر الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم بتبليغ هذه الولاية ، وحكمة الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم الذي اتخذ كل تلك القرائن في تنفيذ هذا الأمر هما المستند الأول في هذا التحديد . فما معنى أن يرد الأمر الإلهي بتبليغ ما تعتمد عليه نفس الرسالة في وجودها ، ويحذّر الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم بان لا وجود لهذه الرسالة بدون هذا التبليغ ، ويعده بعصمته من الناس ؟ ..
وما معنى أن يوقف الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم -لإنفاذ أمر الله- كل تلك الجموع ، في هذا الوقت الحرج والمكان الشديد الحر ، حيث شدة القيظ، ووهج الرمضاء ، ويشهدهم تلك الشهادات العظام بالله (تعالى) ، وبرسالته ، وبالبعث والنشور والجنة والنار ، ويشهدهم على علمهم بمعنى ولايته هو صلى الله عليه واله وسلم وسلم عليهم ، وأولويته بهم من أنفسهم ، ويشهدهم على علمهم هم بمعنى هذه الولاية ، ودلائلها وحدودها ، ليجيبوه هم –بدورهم- بالإيجاب ، ويعترفوا أمامه بكل ذلك . .. هل كل ذلك من أجل أن يخبرهم قائلا : بأن من كنت ناصره فعلي ناصره ، أو من كنت محبه فعلي محبه ، أو من كنت ابن عمه فعلي ابن عمه.. أو غير هذا من المعاني التي ذكرت لكلمة المولى والولي والولاية ؟؟!. ثم هو لأجل هذه المعاني يعممه بعمامته ، ويأمر المسلمين بالبيعة له، ومصافقته وتهنئته ، أو غير ذلك مما أمر به المسلمين ، وفعلوه في ذلك المشهد الخالد ؟! .
فهل أن واحدا من هذه المعاني يتناسب وتلك الاهتمامات ؟ .. وأي منها يعني كمال الدين ، وتمام النعمة ، ورضا الرب بالإسلام دينا للناس ؟ . وأي هذه المعاني يستحق المصافقة ، والبيعة بإمرة المؤمنين ، والتهنئة والتتويج ؟ . بل وأي من هذه المعاني هو المناسب لأمر الله وتشريعه ، ولمهمة الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم ، ودوره الخاص في تبليغ كلمة الله ، وإقامة حجته في هذه الأرض ؟.. وبالمناسبة فإني أتذكر حديثا لأحد أعلام الأمة –دام ظله– ألقاه في احد منتديات الغدير ، قال فيه : (يذكر المسلمون جميعهم حديث الغدير على السواء ، ويتفقون على لفظه في الأكثر ، ثم تذكر له تأويلات متنافرة ، ترتسم عليها الأغراض ، وتبين فيها الغايات ، يقولون : إن المولى في الحديث بمعنى الناصر أو بمعنى المعتق .. أسمعت أعجب من هذا ؟ .
يجمع محمد صلى الله عليه واله وسلم وسلم سبعين ألفا(1) من المسلمين في حر الهجير ، وفي رمضاء الغدير .. يجمع هذا الحشد العظيم في هذا الزمان ، وفي هذا المكان ، يستوقف الأول من الركب ، ويستلحق الآخر ، يجمعهم في هذا الصعيد الواحد ، ثم يرتقي المنبر التاريخي ، ويصعد عليا معه ، ويرفعه بيمينه حتى يبين للناس بياض إبطيه .. يصنع محمد صلى الله عليه واله وسلم وسلم كل هذا ليقول : من كنت ناصره فعلي ناصره ، أو من كنت معتقه فعلي معتقه .. إنها مهزلة من المهازل ، أو منقصة من النقائص ، يريدون أن ينحّوا عليا عن إمامته ، فيطعنون محمداً في حكمته) . نعم ، إن مشاهد الغدير كلها ، وما أنزل فيه من آي الكتاب العزيز، وما جرى فيه من مواقف ، وما اعتمده الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم من قرائن ، وما قاله في بيان هذه الولاية .. كلها لتحتم أن تكون ولاية علي عليه السلام هي نفس ولاية رسول الله صلى الله عليه واله وسلم التي جعلها امتدادا لولايته التكوينية على الخلق ... وتحتم أن يكون مشهد الغدير هو إعلان الإسلام (لالتزامه) بهذا المنصب العظيم في نفسه ، وإسناده لعلي عليه السلام من بين الناس ، وانتجابه كقيّم على أمره ، وقائد للأمة بعد الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم ، ومثل شاخص لهدى الله في الأرض .. تماماً كالتزامه للرسول محمد بن عبد الله صلى الله عليه واله وسلم وسلم من قبل ، حين جعله القرآن أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، وشاهداً لدينه في هذه الحياة ، وشهيداً على البشرية ، وسراجاً منيراً في الإنسانية ، وأوجب طاعته على العباد ، والتسليم لأمره دون أدنى حرج في النفوس .. وتحتم –كذلك- أن يكون موقف الغدير إعلاناً لعناية الله (عز وجل) بعلي عليه السلام وولايته ، ورعايته المباشرة لهما ، وتعهده لهما بالعصمة من الناس، وبلوغ الحجة بهما مدى القرون ، دون خلل بالحجة ، أو تفاوت في البينة كما تعهد –سبحانه- محمدا ورسالته في كل أولئك ..
وتحتم أن يكون موقف الغدير إلقاء لمسؤولية إلهية كبرى وجبت في أعناق البشرية ، وإقامة لحجة الله عليها ، حين جعل من علي عليه السلام امتدادا لمحمد صلى الله عليه واله وسلم، ومن ولايته امتدادا لرسالته العظمى . فكان لابد للمؤمن أن يتعامل مع علي وولايته من نفس المنطلق الذي يتعامل به مع محمد صلى الله عليه واله وسلم وسلم ورسالته وأن يضعهما جميعا حيث وضع هذين المفهومين في خضوعه لله ، وانقياده لأمره . (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ليس لهم معي أمر ، وعلي من بعدي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ليس لهم معه أمر ..) . وصدق جبرائيل حينما قال لعمر بن الخطاب -كما في روايته السابقة- : (يا عمر لقد عقد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وسلم عقدا لا يحله إلا منافق) .
كما صدق ابن عباس حينما قال –بعد نقله لكلمة الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم في الولاية–: (فقد وجبت –والله– في رقاب القوم) .
والواقع أن الولاية –بهذا المعنى وحده– هي التي كان من شأن الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم إعلانها ، وتبليغها إلى الأمة كرسول عن الله (عز وجل) ، وقيم على رسالته الكبرى ، فغير هذا المعنى -مما ذكر لهذه الكلمة- لا يعني الرسول، ولا منصب الرسالة من قريب أو من بعيد .
ولهذا فإن هذا المعنى من معاني الولاية هو الذي فهمه أولئك المسلمون الذين حواهم ذلك الجمع الموجود في مشهد الغدير ، وعلى أساسه بايعوا وصافقوا الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم وعليا عليه السلام ، وهم يقولون : (نعم ، سمعنا وأطعنا على أمر الله ورسوله بقلوبنا) .. ولم يذكر التاريخ أن أحدا قد راجع الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم في معنى هذه الكلمة ليستوضح عن مدلولها ، أو اعترض عليه بأن المعنى المقصود لا يستحق هذا الاهتمام منه صلى الله عليه واله وسلم وسلم ، أو غير ذلك مما يرد في هذا الإطار. وهذا المعنى من الولاية هو الذي فهمه حتى أولئك الذين اتخذوا موقفاً سلبياً منها ومن موقف الرسولصلى الله عليه واله وسلم وسلم : (..ثم لم ترض حتى رفعت بضبع ابن عمك ففضلته علينا) . وأخيرا ، فالولاية -بهذا المعنى وحده- هي التي كانت -وستبقى أبد الدهر- النقطة البارزة في هذا المشهد الخالد ، والمحركة لتأريخ الإسلام والأمة الإسلامية ، مهما شرّقت الأهواء أو غربت ، ومهما حاولت الألسن التشدق والنيل منها ، فحجة الله البالغة بها قد أقيمت ، وكلمته العليا قد ثبتت .
ومن الولاية -بهذا المعنى وحده- تنطلق مناصب علي عليه السلام في دين الله (تعالى) ، وفي قيادة البشرية -معاً-، كالإمامة ، والخلافة ، وإمرة المؤمنين، وغيرها .. ومنها كذلك تنطلق مسؤولية الأمة المسلمة في التولي لعلي ، والخضوع لمقامه الرفيع ، والتبعية لأمره ، وعليها يعتمد حساب الله (تعالى) للناس يوم الجزاء -كما سنعرف إن شاء الله- .
وهكذا فستكون الولاية -بهذا المعنى أيضا- هي منطلقنا في حديثنا هذا ومحاولتنا لفهم دلائل الالتزام الإلهي لها ، ولشخص علي عليه السلام ثم رؤية ما يترتب على الأمة من مسؤولية في حياتها ، واستمساكها بدين الله العظيم . إذ أن التزام الإسلام للولاية ، ولوليها العظيم ، يعني ضرورة استيفائهما -معاً- لجميع الضرورات والخصائص الإسلامية العامة ، دون أدنى تفاوت ، فهي -وكما قلت في مباحث سابقة- قد أصبحت -بهذا الالتزام- حقيقة إسلامية ، يجب أن تستوعب جميع خصائص الإسلام ، وشرائطه الدخيلة في كل حقيقة من حقائقه ، لتتراءى فيها وحدة الإسلام ، ووحدة الحق الذي يمثّله ، وغايات حكمة الله فيه ، إذ لا تفاوت في هذه الحكمة ، ولا عجز في قدرتها .
فكما أشرت في المقدمة ، من أن ملاحظة الولاية ، ووليها العظيم، من هذا المنطلق -بالذات- هي التي تمكّن الإنسان من الرؤية الصائبة لهما ، والاستقامة الحقيقية معهما ، ومع مقتضياتهما ، سواء في عالم التصور أم في الالتزام أم في السلوك ، وأي ملاحظة لا ترد ضمن هذا الخط هي اقصر من أن توفي متطلبات تلك الاستقامة كما يريده الحق ، وتتطلبه الموضوعية . ونحن حين تطلّعنا إلى دراسة الولاية، والتعرف على شخصية علي عليه السلام من هذا المنطلق ، فإنما نهدف -قبل كل شيء- إلى مثل تلك الرؤية ، وإدراك هذه الاستقامة ، فهما مطمح طلبة الحقيقة ، ولاسيما في مثل هذه القضايا المصيرية الكبرى . ويكفينا -لبلوغ هذه الغاية- أن نقف على شرائط الحق ، تلك التي استعرضناها من دين الإسلام ، لندرك امتدادها في علي وولايته ، لأن الإعجاز في تلك الشرائط كاف لأن يثبت كل ما يعنيه الاصطفاء الإلهي من دلائل ، وعنايات ربانية مباشرة ، في من تتوفر فيه من الأصفياء ، وما تتوفر فيه من الحقائق .
ونحن اشرنا إلى ثلاثة من شرائط الحق في الإسلام هي : 1- مطابقته للواقع التكويني الذي جبل عليه الإنسان والكون . 2- الاستقامة المطلقة معه . 3 - وضوح دلائله فيه . ويمكننا هنا -وبعد أن نستوضح هذه الشرائط في حدودها الإسلامية البارزة- أن نتفهم مدى احتواء الولاية وصاحبها عليه السلام ، على كل واحد منها، واستقامة هذه الخصائص الإسلامية فيهما ، كأتم وأسمى ما تكون الاستقامة . نعم ، إن منهجة البحث هنا تستدعي منا تقديم الحديث في عنصر الوضوح من هذه الولاية قبل الشرطين الآخرين لاعتماد الحديث فيهما عليه ، وعلى ما فيه من دلائل دخيلة في مفهوميهما .
* من كتاب علي في التزام الحق لفضيلة الشيخ ضياء زين الدين دامت بركاته . (1) سبأ : 28. (2) الأحزاب : 40 . (3) الغدير – ج :1- ص : 12- عن الخوارزمي في المناقب – ص : 94 . (4) الأحزاب : 6 . (5) النساء : 65 . (6) النساء : 59 . (7) آل عمران : 31 . (8) الغدير : ج : 1 – ص : 11، عم يذكره من المصادر .
(9) التوبة : 17. (10) ابن الأثير في كتاب (النهاية) ، و الزبيدي في كتاب (تاج العروس) مادة ، (توج). (11) كنز العمال – ج :2- ص : 60- . (12) الغدير – ج : 1- ص :264 ، عن الطبري في الرياض النضرة – ج : 2- ص : 217 . (13) ن . م ، عن فرائد السمطين – ب : 12- و ابن الصباغ في الفصول المهمة – ص : 27 . (14) المائدة:3 . (15) سبق أن نقلنا عن ابن الجوزي روايته في أن عدد الجمع يومئذ كان مائة وعشرين ألفا . |