ملامح الغدير في القرآن*

(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ..(1) ) .

هذه هي البداية الأولى لمشاهد الغدير ، والأساس الذي بنيت عليه دعائمه ، فمن هذه الآية المباركة تنطلق جميع مشاهده الأخرى ، ومنها تنبثق مجرياته وخلفياته كافة .
 
وهي بداية لا يرتاب فيها منصف ، فهذا هو الذي تظافرت عليه النصوص الواردة في مختلف مصادر السنة النبوية الشريفة .
فبالإضافة إلى الحديث السادس – مما سبق من الأحاديث– الوارد عن زيد بن أرقم ، هناك عدد آخر من الروايات يؤكد نزول هذه الآية المباركة في الغدير ، وفي الأمر بإعلان الولاية الكبرى لعلي عليه السلام فيه .
 
وحتى مع استبعاد ما تواتر في مصادر مذهب أهل البيت عليهم السلام من هذه الروايات ، فان ما نقله ثقاة المذاهب الأخرى كافٍ في إثبات التواتر لهذا النزول في هذه المناسبة -أيضاً-.
 
وقد أحصى الشيخ عبد الحسين الأميني (قده) في كتابه القيّم المعروف (الغدير في الكتاب والسنة والأدب) ثلاثين مصدرا منها ، مما هو معتمد لدى تلك المذاهب في نقل نصوص السنة النبوية الشريفة (2).
 
كما أن سياق الآية الكريمة –ذاته- يعيّن هذه البداية أيضاً من بين الاحتمالات الأخرى ، التي يذكرها البعض لنزولها ، لما في صيغتها البيانية الخاصة من اهتمام بالغ في الموضوع ، وصراحة في إصدار الأمر الإلهي إلى الرسول صلى الله عليه واله وسلم به ، وتعليق تبليغه للرسالة بأكملها على تبليغه صلى الله عليه واله وسلم لهذا الأمر ، ومثل هذا الاهتمام لا يتناسب إلا مع أهمية الغدير ، وولاية علي عليه السلام ، وعظمة موقعها في كيان الإسلام ، وقيام صرحه ، بينما أي من الاحتمالات الأخرى -التي ذكرت في سبب نزول هذه الآية- لا يرقى ولو إلى بعض هذه الأهمية التي توليها الآية الكريمة .
 
]الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ..(3)[ .
وهذه هي النهاية التي يختم بها الغدير مشاهده في يومه الخالد .
 
وهي نهاية لا يرتاب فيها منصف أيضا ، ومن اقرب شواهدها : مضمون الآية نفسه ، وبيانه لأهمية ما يعرضه من حقائق كبرى ، وما لهذه الحقائق من نتائج في صرح الإسلام ، ودور في الوجود الإنساني كله .. فهي لا تستقيم-بأي حال من الأحوال– مع غير الغدير ، ومع غير ولايته العظمى، مما أورده البعض كسبب لنزول الآية الشريفة ، وأراد حملها عليه –أيضا- .
 
هذا في حين أن الروايات التي أوردها أئمة الحديث في نزول الآية في هذا المشهد كذلك -ومن غير رجال الشيعة أيضا- أكثر من أن تدع مجالا لريب مرتاب ، وقد أحصى صاحب كتاب (الغدير) منها أكثر من خمسة عشر مصدرا ، إضافة إلى الرواية السابقة عن زيد بن أرقم(4).
 
ولصاحبي كتابي (الميزان في تفسير القرآن) و (الغدير في القرآن والسنة والأدب) بحوث جيدة مفيدة في هذا الموضوع ، ينبغي لمن يرغب الوقوف على بعض التفاصيل أن يطلع عليها (5).
 
) يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ..( 6)( .
إنه الأمر الصريح والمباشر ، يصدر من الله القوي العزيز إلى رسوله الكريم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ..
الأمر الصريح من الله (تعالى) إلى رسوله صلى الله عليه واله وسلم في قرانه العظيم ، المعجزة الأبدية الخالدة ، للرسالة الأبدية الخالدة ..
 
وما كان الرسول صلى الله عليه واله وسلم -وهو الذي وهب ذاته وحياته ، وكل ما آتاه الله تعالى من نعم ، لله وحده ، ولتبليغ رسالته ، والوفاء بمسؤوليتها الكبرى في البشرية– ليحتاج إلى مثل هذه الصراحة في الأمر ، لو لم يكن الشان -الذي ورد فيه- بتلك العظمة التي تستدعي لفتة ربانية خاصة ، تثبت للعقول موقعه الكبير في دين الله ، ودوره الأساس في قيام صرحه ، كما تثبت للبصائر ما يستحقه من الرعاية الربانية المباشرة ، والتعهد الإلهي الذي يستكمل به أمره ..
 
ولتزيل -في الوقت نفسه- أي احتمال قد تمليه الاحن ، وأمراض القلوب بان الرسول صلى الله عليه واله وسلم كان له نوع من التفرد في إبلاغه ، دون أمر من الله (تعالى) ، أو حتى احتمال انه صلى الله عليه واله وسلم قد سبق هذا الأمر في إعلانه ، أو في أخذ العهد به على الناس ، أو في ادراجه ضمن حقائق الإسلام ، أو في بيان أهميته الكبرى بين تلك الحقائق ، فالله تعالى وحده المبدأ فيه ، وهو المهيمن عليه ، وهو الآمر به دون من سواه ، ولم يكن من الرسول صلى الله عليه واله وسلم إلا امتثال هذا الأمر ، والصدع به بين الناس .
 
ومع أن أحداً لا يتصور بان الرسول صلى الله عليه واله وسلم كان يتوانى عن تبليغ أمر الله لحظة ، أو يزيغ عما أوحاه إليه بكلمة ، أو ينفرد بإعلان شيء عنه دون أمره (تعالى)، أو يحيد عن حكمه بعمل،لان الايمان باستحالة كل هذه الاحتمالات يعتبر من أصول الإسلام الاولى التي يجب أن يعتقد بها كل مسلم ..
 
 .. إلا أنه –في الوقت نفسه- يجب أن يعلم كل واحد ان لكلمة الله علوها ، وأن لحجته بلوغها ووضوحها ، ولاسيما في أوليات الإسلام وحقائقه الكبرى ، في أي عصر من عصور البشرية ، ومع أي حال تكون عليه ، وعلى أي مستوى تبلغه ، ورعاية الله تعالى هي الضمان الأكيد لذلك العلو والبلوغ والوضوح .
 
وورود الأمر في هذه الآية المباركة بهذا المستوى من الاهتمام ، وبهذه الصراحة المتناهية ، وجمعها لكل تلك الحقائق المذكورة فيها ، إنما يرد ضمن هذه الضرورات الكبرى، وتجسيدها لذلك الضمان المطلوب.
 
فبهذه الآية الكريمة يتجلى أول مظاهر الرعاية الربانية لولاية علي عليه السلام لتجعلها ضمن آفاق القران العليا ، وحقائقه الثابتة ، وتحدياته الإعجازية الخالدة ، ولتضفي على الولاية جميع الممييزات والخصائص القرآنية العظمى ، ولتستجمع فيها كل السمات المعجزة التي اختصت بها كل شأن من شؤون القرآن ، سواء منها تلك التي بينتها المصادر الاسلامية ذاتها ، أوتلك التي اكتشفتها العصور مما بحثه باحثوه على امتداد التأريخ .
 
.. تتجلى بها رعاية الله لهذه الولاية ، سواء في أدلة ثبوتها ، لتزيل عنها كل شبهة ..
أم في وضوح مفهومها ، لتجرده من كل ريبة ..
أم في موقعها من صرح الإسلام ، لتجعلها حيث أرادها الله فيه ركنا أساسا من أركانه ..
أم في دورها في حياة الإنسان محورا لهداه ..
أم في نتائجها وانعكاساتها على مسؤولية الإنسان تجاه ذاته ، وهو يريد الخير لها ، ويهدف إلى الاستقامة التامة في حياته مع مقتضيات حكمة الله في وجوده ..
 
كما تتجسد بهذه الآية الكريمة رعاية الله U للولاية في جعلها فيضاً من الربوبية العامة لهذا الملكوت ]من ربك[ لتكون –بدورها- مجلى لهذه الربوبية في عالم الإنسان ، بما تعنيه ربوبية الله –سبحانه- من لطف عام بالمربوب ، ورحمة له ، وتدبير لأمره .
ولم يمنع السياق الحازم للآية المباركة ، ولا صراحة الأمر الجازم فيها، وما استتبعه من تحذير صاعق من أن تلمّح إلى هذا الربط الأخاذ ، لتستكمل فيه دلالاتها القرآنية المعجزة .
 
ومن تلك الدلالات التي يمكننا أن نشير إليه هنا : إعطاء الولاية نفس البعد الواقعي الذي أعطي لرسالة محمد صلى الله عليه واله وسلم في مثل قوله (تعالى): ]اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ[ الذي انزل في بدء الدعوة .
فكما كانت رسالة محمد صلى الله عليه واله وسلم  ذات أصل تكويني واقعي ينبثق من حكمة الله -سبحانه- ومن دلائلها في خلق الإنسان والكون ، لتنتهي مع الإنسان إلى درجات كماله العليا ، التي يستحيل بلوغها على أحد بدون الاستمساك بالإسلام ، لأنه هدى الله –سبحانه- وبصائره في هذا السبيل ، فهكذا الأمر مع ولاية علي عليه السلام ، كامتداد طبيعي لتلك الرسالة ، إذ يستحيل كمالها بدون الولاية ، )وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ.(7).( .
 
)وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ(
وهذه هي أولى ثمرات الخطوة القرآنية السابقة .
فبعد أن جعلت الآية الكريمة -ومن خلال أمرها الصريح المتقدم- الولاية ضمن الحقائق القرآنية ، واعتبارها واحدة من فيوض الربوبية العامة ، ولطفها الشامل بالإنسان ، أمكنها حينئذ أن تعلن الموقع المميز لهذه الولاية في صرح الإسلام ذاته ، ودورها الكبير في قيام كيانه في الحياة ، وأن تشير إلى ما للولاية من عمق ذلك الموقع بين الأسس الأولى التي بني عليها ذلك الصرح ، وأقيمت عليه دعائم وجوده .
 
)وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ( .
إنه بيان لنتيجة فعلية، لشرط واقعي من شرائط ذات الرسالة ووجودها، وقد جاء بلسان التحذير للرسول صلى الله عليه واله وسلم من التلكؤ في إعلان ما أمره الله به ، أو من التواني بتبليغه إلى الناس ، ليشير إلى مدى أهمية هذا الشرط ، وعظم تلك النتيجة .
ومحمد صلى الله عليه واله وسلم وسلم -سيد أنبياء الله ورسله- أعظم من أن يتلكأ في أمر الله (تعالى) لحظة ، وأسمى من أن يتوانى في تبليغ رسالته طرفة عين ، وما كان هذا ليتصور في حقه أبداً ، وهو الذي بلغ الغاية في الاستجابة لربه حتى أنزل عليه قوله (تعالى) :
 
)طه . ما أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى.(8)(..
إلا أن عظمة أمر المنزل ، وما سيترتب عليه من مسؤولية كبرى في أعناق البشرية -والأمة المسلمة منها بالخصوص– تستدعي مثل هذا التحذير ، لا للرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم نفسه ، وإنما للأمة من خلاله ، ليكون البيان أبلغ في الوصول إلى الغاية ، ولكي تدرك العقول شيئا من تلك العظمة، ولتشعر بما تستوجبه عليها من مسؤولية .
 
والمعنى القريب لهذا التحذير هو: أن قيام رسالة الله (تعالى) نفسها، وتحقيق وجودها في هذه الأرض –وكما شاءته لها حكمة التشريع من دور وموقع- ما كان ليتم بدون هذا الأمر المنزل من الله –سبحانه-، ولولاه لم تكن لتلك الجهود المضنية ، التي قام بها الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم في مراحل حياته كافة ، ولم يكن للتضحيات التي قدّمها في تبليغ الرسالة ، ولا للعناء الذي بذله في سبيلها أي معنى أو نتيجة ..
 
.. بل ، ولم يكن هناك داع لتلك الرعايات الإلهية التي واكبت كلاً من الرسالة والرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم منذ أن ألقيت إليه مهمتها ، ومضت معها خطوة بعد أخرى ، حتى ذلك اليوم الخالد ، الذي نزلت فيه هذه الآية الكريمة ..
(فالكلام موضوع في صورة التهديد ، وحقيقته بيان أهمية الحكم، وانه بحيث لو لم يصل إلى الناس كان كأن لم يراع حق شيء من أجزاء الدين فقوله : )وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ( جملة شرطية سيقت لبيان أهمية الشرط وجوداً وعدماً(9)) .
أما إذا لاحظنا المسالة من زاوية أخرى ..
 
أما إذا لاحظناها من خلال ما سبق أن أشرنا إليه ، من موضوع الحيوية الإسلامية ، وأن للإسلام كيانه الحيوي المتكامل ، الذي يستحيل فيه الوجود ، ويمتنع تحقق الغايات الربانية فيه من الهدى ، وقيام حجة الله الكبرى على الإنسان دون أن تتحقق جميع مقومات كيانه ، وتتكامل فيه جميع حقائقه الكبرى ..
أقول : أما إذا لاحظنا المسألة من هذه الزاوية ، فسندرك أن أهمية الأمر المنزل ستتضاعف –ولا ريب- لما لها من تأثير على وجود الإسلام ذاته ، كما هو واضح .
 
وهكذا إذا لاحظناها من زاوية وحدة الخط الإسلامي كله ، منذ رسالته الأولى ، وحتى الأخيرة الخاتمة ، وأن السابقة من رسالاته إنما تمهد لما بعدها ، وأن اللاحقة إنما تنتظم في سلك سابقتها ، فإن تلك الأهمية ستتسع –حينئذ- لتشمل جميع رسالات الله (تعالى) في هذه الأرض ، منذ الرسول الأول عليه السلام، وحتى الرسول الخاتم صلى الله عليه واله وسلم .
إذ ما كانت ليتم لهذه السلسلة المباركة شأنها –بأجمعها- بدون هذا الأمر المنزل .
وما كان لرعايات الله –سبحانه- وألطافه بجميع الرسل والأنبياء معنى لولاه .
 
وما كانت لتضحيات هؤلاء المصطفين ، وتضحيات أتباعهم ، أي ثمرة بغير تبليغه ، وإقامة الحجة به على الناس .
وهذا ما أشار إليه الرسول صلى الله عليه واله وسلم في حديثه المعروف : (ما بعث نبي، ولا أرسل رسول إلا برسالتي وولاية علي بن أبي طالب) .
 
إذ كما أن الحيوية والتكامل من سمات رسالة محمد صلى الله عليه واله وسلم في نفسها، هما كذلك من السمات الأساسية في كل رسالة أخرى سبقتها في النزول، وهما كذلك من السمات الأساسية لسلسلة الرسالات الإلهية في حلقاتها المتواترة والمتعاقبة ، والمواكبة لحاجة البشرية في نمو وعيها المتصاعد ، فهي بمجموعها تشكل وحدة ذات طبيعة حيوية متكاملة .
 
فلكل رسالة من تلك الرسالات دورها المعين ، وموقعها الخاص في تلك السلسلة ، حيث توفّي للناس حاجتهم من هدى الله ونوره وبصائره ، وحجته البالغة ضمن مرحلتهم الحضارية التي يعيشون فيها..
وهكذا أصبحت كل رسالة مستكملة لدور الرسالات السابقة ، في حين أنها تمهيد لما بعدها ، وحيث يحتاجه تطور المعرفة ، وتقدم الخبرة ، حتى مرحلة النضج الفكري الإنساني ، الذي أنزلت له رسالة محمد صلى الله عليه واله وسلم خاتمة الرسالات وأكملها .
ومن هنا أمكن اعتبار جميع الرسالات السابقة ممهدات لرسالة محمد صلى الله عليه واله وسلم خاتم الأنبياء ، واعتبار هذه الرسالة هي القمة لها جميعها ، ومكملة لدورها في البشرية .
 
إذن ، فأي شرط لتبليغ هذه الرسالة ، وكمالها ، وتمام أمرها ، إنما هو شرط لتحقيق الغاية من تلك السلسلة بأجمعها ، دون استثناء ، كما أن أي خلل يرد على هذه الرسالة يرد على هذه السلسلة كلها كذلك .
 
}يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ{ .
وهذا هو الضمان الإلهي الصريح يعلنه الله (تعالى) للرسول صلى الله عليه واله وسلم في قيامه بهذه المهمة الكبرى .
ولم يكن صلى الله عليه واله وسلم ليحتاج إلى التصريح بهذا الضمان ، كما لم يكن محتاجا إلى تلك الصراحة في الأمر بالتبليغ أو التحذير الذي سبق هذا الضمان في هذه الآية المباركة ، لولا عظمة هذا الأمر المنزل .
 
وأقول : إنه صلى الله عليه واله وسلم لم يكن محتاجا إلى التصريح بهذا الضمان ، لأنه نفسه الذي يلمس من مظاهر رعاية الله (تعالى) له ، وعنايته به وبرسالته ما لم يلمسه أحد من الناس ، وهو الذي يعلم من الدلائل الإلهية لتصديقه ، ومن شواهد الإثبات لكل كلمة يقولها ، وكل بادرة تصدر منه ، ما لم يعلمه الآخرون عنه .
 
وهو الذي يرى من صور الإمداد الإلهي التي تعهدت بتأييده منذ أن صدر إليه أول أمر الهي بحمل أعباء الرسالة و مسؤولية الصدع بها في البشرية، بل و ما قبل هذا الأمر أيضا .
 
فمحمد صلى الله عليه واله وسلم وسلم كان نبيا منذ أن كان نورا بين يدي الله قبل أن يخلق الخلق بأربعة عشر ألف عام ،-كما في الرواية عنه صلى الله عليه واله وسلم وسلم- .
 
وكان نبياً وآدم بين الماء والطين -كما في رواية أخرى عنه صلى الله عليه واله وسلم وسلم .
وها هو (تعالى) يخاطبه في قرآنه العظيم بقوله : )وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ..(10)( .
كما يقول له : )فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللّهِ إِلـهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.(.
 
إلى الكثير من آي الكتاب العزيز التي ضمنت للرسول صلى الله عليه واله وسلم عصمته وعصمة رسالته وكفايتهما من العابثين والمتطفلين ، بل ومن الناس كافة، وهي جميعها آيات نزلت قبل يوم الغدير-كما هو معلوم-.
نعم ، إن الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم لا يحتاج إلى التصريح بمثل هذا الضمان الإلهي له ولرسالته ، وما كان هذا التصريح ليزيده علما به ، إلا أن عظمة الموقف مرة أخرى ، وجلالة الأمر المنزل فيه ، مما يستوجب مثل هذا التصريح ، لا للرسول نفسه أيضا ، وإنما للبشرية كافة من خلال شخصه الكريم ، ليكون ابلغ في التأكيد ، وأجدى في وضع النقاط فيه على الحروف أمام بصائر الناس على مر العصور ، حيث يحسن طرح هذا التعهد الإلهي ، كعنصر خاص ، وفريد ، من عناصر القوة الربانية ، التي تحتاجها رسالة محمد صلى الله عليه واله وسلم وسلم في قيامها في البشرية ، وقيام حجة الله (تعالى) بها على العباد ، ولتثبيت من يحتاج إلى التثبيت من الأمة المسلمة، وقطع جميع السبل أمام طمع الطامعين في النيل من قدس الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم ، ومن عظمة رسالته الخالدة .... عظمة الرسالة ككلٍ مجموع ، وعظمتها في كل حقيقة من حقائقها .. بل وعظمتها في نفس الولاية التي أعلنها الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم في يوم الغدير ، فلا شك أنها كانت -وبدلالة هذا الإعلان نفسه- إحدى الحقائق الكبرى في تلك الرسالة ، وواحدة من أبعادها المهمة .
 
ولهذا فما كانت لتتم العصمة الإلهية لهذه الرسالة ، ولا للرسول صلى الله عليه واله وسلم وسلم كذلك لو أمكن لأحد من مرضى النفوس أن يبلغ من هذه الولاية مطمعاً ، أو نال من الشخص الذي انتجبه الله (تعالى) لها منالاً .

 

* من كتاب علي في التزام الحق لفضيلة الشيخ ضياء الدين زين الدين دامت بركاته .
(1) المائدة : 67.
(2) يراجع كتاب الغدير : ج1 – ص : 196-204.
(3) المائدة : 3 .
(4) يراجع كتاب الغدير – ج : 1- ص : 211-215.
(5) يراجع تفسير الميزان –ج : 5- ص : 177-194- وج : 6- ص: 42-64- ن.دار الكتب الإسلامية- طهران – سنة : 1377. وكتاب الغدير – ج : 1- ص : 205-209 وص :216-217.
(6) المائدة : 67.
(7) المائدة:67.
(8) طه : 1-2.
(9) الميزان في تفسير القرآن – ج : 6- ص : 5 .
(10) الطور : 48.