الكتاب : مسئولية المرأة
مسئولية المرأة
حسن الصفار
بسم الله الرحمن الرحيم
{الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وكفى بالله حسيباً}
صدق الله العلي العظيم
(الأحزاب 39)
المقدمة
أرى في الأفق ملامح عزم وتصميم لدى الأمة على تجاوز واقع التخلف والانحطاط الذي تعيشه منذ فترة طويلة . .
فطلائع الإسلام المؤمنة، بدأت تمزق ظلام الانحراف والجهل بتضحياتها البطولية الرائعة في أكثر من مكان من سماء العالم الإسلامي . .
وجماهير الأمة أصبحت في مستوى أفضل من الوعي واليقظة يؤهلها للتخلص من مظلة الاستعمار وبناء كيانها الاستقلالي المميز . .
في هذه المرحلة الخطيرة من التاريخ يجب أن تستغل كل الطاقات، وتوجه كل الجهود والإمكانيات لخدمة الهدف الأسمى:- هو تحرير الأمة من سلطان التخلف والخروج بها من سجن التبعية والذيلية للاستعمار البغيض . .
ومن الأوضاع التعيسة التي نعيشها ويعمل الاستعمار على تكريسها في حياتنا هي تجميد وشل اكثر طاقات الأمة لمنعها من المشاركة في المعركة المصيرية للأمة . . وذلك بمختلف العناوين والمبررات . .
فعلماء الدين . .
يجب أن يفصلوا عن قضايا الأمة وأن لا يتدخلوا في مشاكلها الأساسية لأن ذلك ليس من شؤونهم، فالعالم الديني لا يحق له أن يتدخل في السياسة وليس مؤهلاً لذلك.
والشباب أهم أطفال يافعون، وصبيان طائشون، لا يمكن الاعتماد عليهم في القضايا والأمور المهمة . .
والمرأة (أعوذ بالله!) أن يسمح لها بتجاوز مهمات المنزل أو يفسح لها مجال المشاركة في أحداث الحياة ومشاكل المجتمع فذلك من شؤون الرجال القوامين على النساء . .
والآن . .
وتصميمنا على تجاوز هذا الواقع الأليم وتخطي هذه الأوضاع التعيسة وما دمنا متطلعين إلى أهدافنا الرسالية السامية. فعلينا أن نحطم كل تلك الحواجز المصطنعة التي تحول بين بعض طاقات الأمة وفئاتها وبين المشاركة في صنع مستقبل الأمة المشرق الوضاء . .(1/1)
وذلك بتحميل كل فرد من أي فئة أو طبقة مسؤوليته تجاه الواقع المعاش ومطالبته بدور ما في معركة المصير . .
وفي هذه السطور . .
يدور الحديث حول (المرأة) التي تواطأت مختلف العوامل والأسباب على عزلها عن مشاكل المجتمع وإبعادها عن أحداث الحياة تارة باسم التدين والعفة وأخرى باسم التحرر والأناقة . .
وفي كلتا الحالتين تصبح طاقات المرأة معطلة مجمدة مع حاجة الأمة الماسة إلى أقل جهد أو طاقة لصراعها ضد هذا الواقع المرير . .
فهل التدين والعفة تفرض على المرأة تلك الانطوائية والانعزال وتحبسها بين جدران البيت، وتحصر اهتماماتها بشؤون المطبخ! . .
والحرية والأناقة هل تعني الميوعة، والاهتمام بالأشياء الثانوية التافهة، وصرف الوقت والجهود من أجل إبراز المفاتن، ومواقع الإغراء والإثارة في جسد المرأة؟ .
كلا: فالتدين الذي يدعو المرأة إلى الجهل والانغلاق، ويجمد طاقاتها وقدراتها . . هذا تدين مزيف لم توح به السماء ولم تأمر به الرسالة . .
والتحرر الذي يحول المرأة إلى أداة رقص، وسلعة جنسية تباع وتشترى في الكابريهات (النوادي الليلية) ودور الرقص والبغاء، هذا التحرر عبودية بشعة، يرفضها العقل ويأباها الضمير . .
فدعونا نتجاوز واقع التدين المزيف الذي تمارسه المرأة أو الذي يفرض عليها ونتجاوز دعايات الحرية المزيفة الكاذبة بشعاراتها البراقة ومظاهرها الخداعة . .
دعونا نتجاوز كل ذلك ونبحث في حقائق وتعاليم رسالتنا الخالدة ونفتش في أعماق تاريخنا العريق . . لنكشف مدى القدرات والطاقات الكامنة في نفس هذا الإنسان – المرأة؟ وكيف يمكن تفجير تلك الطاقات وتوجيه تلك المواهب لخدمة قضايا الأمة ومعركتها المصيرية.
هذه هي المهمة التي تقوم بها سطور هذا الكتاب وفصوله.
فهل ستكون بمستوى هذه المهمة؟ . .
وهل تنجح في القيام بها.
هذا ما أرجوه ومن الله التوفيق.
8/11/1398هـ حسن الصفار
الإسلام والمرأة . .(1/2)
لقد ولت عصور الجهل، واندحرت عهود الظلام التي سلبت فيها حرية المرأة، وهدرت كرامتها وكانت إنسانيتها محل بحث ونقاش . .
وتخلصت البشرية من تلك القرون التي كان الفلاسفة والعلماء فيها يتجادلون حول المرأة: هل إنها روح أم لا ؟؟. وإذا كانت لها روح فهل هي إنسانية أم حيوانية؟ وعلى فرض إن روحها إنسانية فهل وضع المرأة في القيمة والاعتبار بالنسبة للرجل هو وضع الرقيق أو شيء ارفع منه قليلاً؟ . .
فقد كان اليونانيون ينظرون إلى المرأة وكأنها مجرد رجس من عمل الشيطان وكانت عندهم من سقط المتاع، تباع وتشترى في الأسواق.
وكان الرومان يعدون المرأة أداة إغواء يستخدمها الشيطان لإفساد القلوب ومن أجل ذلك كانت تنزل بها العقوبات البدنية القاسية وفي أحد الفترات عقدوا مجمعاً علمياً كبيراً للبحث في شؤون المرأة. فانتهوا إلى النتيجة التالية:
أن المرأة كائن لا نفس له وانها من أجل ذلك لن ترث الحياة الأخروية، فأنها رجس !!.
واما الشرائع الهندية، فقد كانت المرأة عندهم تعتبر حطاماً تحرق بقيد الحياة على قبر زوجها إلى وقت قريب . . ويشار إلى إحراق النساء مع أزواجهن المتوفيّن بلفظ (السوتي).
ففي ولاية (مارتا) كان لأحد أمراء الهند (17) زوجة وكان لأمير آخر هناك أيضاً (13) زوجة وبعد موت الأميرين قدمت الزوجات البالغات (30) امرأة للنار، عدى واحدة كانت حاملاً فأجل حرقها حتى تلد !!.
وقد تدمر البرهميون الهنود اشد التدمر حيث أمرت الحكومة إلغاء (السوتي). فحين صدر الأمر بإلغائه في سنة 1829م يعني قبل (152 سنة) هبت عاصفة من الاعتراض والاحتجاج على الحكومة وأمطرها البرهميون شكايات يلتمسون فيها إلغاء ذلك القرار!!
وعند الفرس كانت حياة المرأة تتعلق بإرادة الرجل فإذا ما أراد إعدامها أو سجنها أبدياً في البيت فله الحق في ذلك . .(1/3)
و قبيل البعثة النبوية وبالضبط في سنة (586) عقد في فرنسا مؤتمر دار النقاش فيه حول: استحقاق المرأة أن تعتبر إنساناً أم لا تستحق ذلك؟ وكانت النتيجة أن اعتبرت المرأة إنساناً ولكنها خلقت لخدمة الرجل فحسب (1). .
وكلنا يعرف مدى المعاناة البشعة التي عاشتها المرأة في القبائل قبل الإسلام فقد كانوا يرونها عاراً وعيباً وحقارةً كما يتحدث عنهم القرآن الحكيم حيث يقول {وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم * يتوارى من القوم من سوء ما بشر به . . . أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون}(2) . .
نعم كان كل ذلك في الماضي أما الآن فالمرأة تعيش كإنسان يحترم مثلها مثل الرجل لا أحد في العالم يشك في إنسانيتها أو يناقش في لون روحها أو يتحدث عن هدف آخر لخلقها بل أصبحت هذه الأمور ذكريات يتندر الإنسان ويسخر بها من عهود جهله وحماقته فهي كالرجل تماماً في الروح والقيمة الإنسانية والاعتبار . .
كيف حدث ذلك؟
وكان السبب الأساسي في إنقاذ المرأة وتغيير وضعها الاجتماعي هو انبثاق فجر الإسلام العظيم. الذي نسف التقاليد البالية وحارب العادات السخيفة، وأعلن ثورته العارمة على وضع المرأة المهين في العالم آنذاك . .
لقد أكد القرآن الكريم إنسانية المرأة وأنها كالرجل تماماً خلقها الله كما خلق الرجل {يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم}(3) . . والرجل والمرأة خلقا من مصدر واحد، لا تختلف طينة أحدهما عن الآخر ولا يتفوق معدن أحدهما على الآخر {هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها}(4) وعملية الخلق والتكوين واحدة فالجنين الذكر يمر بنفس الأطوار التي يمر بها الجنين الأنثى:{أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى}(5).(1/4)
وضمن الإسلام للمرأة حياة السعادة والتقدم إن هي التزمت خط الإيمان، وسلكت طريق العمل الصالح كالرجل تماماً {من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة}(6).
وأي عمل تقوم به المرأة لله تعالى فلا ينكر لها جزاؤه وثوابه فعمل المرأة محترم كعمل الرجل عند الله لأنهما من مصدرٍ واحد وعلى مستوىً واحد: {فاستجاب لهم ربهم إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض}(7)..
والمرأة شريكة الرجل في الجنة كما هي شريكته في دار الدنيا {ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة}(8). .
وإذا تتبعنا آيات القرآن الحكيم فسنجده يخاطب الإنسان بشقيه الذكر والأنثى ويتحدث للناس رجالاً ونساءً . . فنداءات القرآن كلها: {يا أيها الإنسان} . . {يا أيها الناس يا بني آدم} . . {يا أيها الذين أمنوا . . }.
وفي أي موضع يذكر فيه القرآن الكريم لفظ (الذكر) يردفه بكلمة (الأنثى) وكان ذلك في خمسة عشر موضعاً تقريباً . .
وقد خاض رسول الإسلام محمد (عليه الصلاة والسلام) نضالاً اجتماعياً طويلاً لإثبات مكانة المرأة وتصحيح نظرة المجتمع إليها . .
ففي ذلك المجتمع الجاهلي الذي يعتبر المرأة عاراً وعيباً وشيئاً حقيراً بالنسبة للرجل . . . في ذلك الوقت كان الرسول (عليه الصلاة والسلام) يعلن بكل صراحة (النساء شقائق الرجال)(9) أي نظائرهم وأمثالهم في الخلق والطبائع كأنهن شققن منهم . .
بل أكثر من ذلك كان الرسول (عليه الصلاة والسلام) يعطي للمولودة البنت اهتماماً اكثر من المولود الصبي ويقول (خير أولادكم البنات)(10).
وبشر (عليه الصلاة والسلام) ببنت وهو جالس مع أصحابه فنظر إلى الكراهة بادية على وجوههم فقال:(مالكم ريحانة أشمها ورزقها على الله)(11).(1/5)
والرجل الذي يستهين بالمرأة أو يحتقرها يعتبره الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لئيماً ساقط الأخلاق حيث يقول (صلى الله عليه وآله وسلم) (ما أكرم النساء إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم)(12).
بمثل هذه الآيات والأحاديث والمواقف أعاد الإسلام للمرأة كرامتها المسلوبة ووفر لها حريتها المهدورة.
وثمة سبب آخر ساعد الإسلام على تحقيق هذا الهدف العظيم وهو نضال المرأة وجهادها من أجل إثبات وجودها وفرض شخصيتها واسترجاع حقوقها.
فقد كان لكثير من النساء دور مشرف استطعن به أن يثبتن جدارتهن وأن يحطمن حواجز الحقارة والذل التي تراكمت عبر التاريخ.
حواشي الفصل:
المرأة في ظل الإسلام ص26-32 .
سورة النحل/ آية 58-59 .
سورة الحجرات/ آية 13 .
سورة الأعراف/ آية 189 .
سورة القيامة/ آية 39 .
سورة النحل/ آية 97 .
سورة آل عمران/ آية 195 .
سورة النساء/ آية 124 .
المرأة في ظل الإسلام 63 .
المصدر السابق 189 .
المصدر السابق 188-69 .
المصدر السابق 188-69 .
المرأة . .
والاهتمامات الزائفة!
ولكن المرأة وبعد أن قطعت هذا الشوط الكبير من المعانات والنضال وتخلصت من عهود الجهل والظلام التي أذلتها واحتقرتها وسلبت إنسانيتها وصادرت كرامتها وحريتها . .
بعد أن أصبحت إنسانة محترمة، لها مكانة الإنسان وكرامته وحريته، ببركات الرسالة الإسلامية وبفضل جهاد المرأة ونضالها.
بعد ذلك كله عادة المرأة الآن فريسة احتقار جديد ومذلة حديثة . . . وأصبحت إنسانيتها في معرض الخطر وذلك بسبب الأدوار المزيفة الدنيئة التي تزف إليها المرأة حيث أصبحت المرأة أشبه شيء بمستودع جنسي يقذف الرجل فيه شحناته الجنسية الثائرة وصارت مجرد آلة للهو والمتعة والالتذاذ . . وصورتها ومفاتنها وسيلة للدعاية والإعلام.
أما اهتماماتها وتفكيرها فقد حولوه إلى الأمور التافهة والقضايا السخيفة كموديلات الألبسة، وأزياء الجمال وموضات الأناقة . .(1/6)
أنه لخطر كبير يهدد إنسانية المرأة وكرامتها ويحولها إلى سلعة تباع وتشترى حسب مستوى جمالها وأناقتها، ويجعلها تعيش على هامش الحياة لا تفكر إلا في الأزياء والمكياج وتصفيف الشعر!!.
فهل ستدرك المرأة المعاصرة الخطر الجديد المحدق بها والمغطى بشعارات الحب وعبارات المدح والثناء؟
أم ستلقي بنفسها في أوحال الإهانة والمذلة والاحتقار؟.
يبدو أن غالبية النساء خدعن بالشعارات البراقة والكلمات المنمقة، وسقطن في هوة الاستغلال المغلف بادعاءات التحرر . . ووعت فئة قليلة منهن أبعاد الخطر الجديد فاحتفظت بكرامتها وعفتها.
ننقل للقارئ الكريم والقارئة العزيزة مقاطع مهمة من حديث جميل لاديبة عربية معروفة، وهي تفضح أساليب الجاهلية المادية الحديثة التي تريد العودة بالمرأة إلى عصور الذل والاحتقار.
(تنظر في المجلات التي تسمي نفسها نسائية فماذا ستجد فيها؟).
إنها في أغلب الحالات مجلات أزياء لا تحمل للمرأة هدفاً ابعد من ملابسها وحقائبها وأحذيتها وهذه المجلات تعامل المرأة الحديثة معاملة جواري ألف ليلة.
فتكتب لهن أمثال هذه العناوين المهمة (سيدتي ماذا تلبسين في رحلة بحرية؟).
أو (فساتين للصباح) أو (تسريحات للشعر بعد الظهر) أو (بأي ملابس تظهرين في حفلة العشاء؟)!!
فما تلبسه المرأة في الصباح يختلف عما تلبسه في المساء وما يلبس في حفلات الرياضة، يختلف عما يلبس بعد الظهر وثياب المنزل تختلف عن ثياب الخروج، ولضفاف البحر ملابس خاصة!.
وعلى المرأة المتوسطة أن تكون لها ملابس لكل المناسبات وأن يكون لها أكثر من واحد لتستطيع التغيير والتبديل ولكل ثوب عقد خاص به وأقراط واحمر شفاه ينسجم معه، وحذاء وحقيبة . . . واختصاراً للموضوع تجد المرأة انها إذا أرادت أن تكون أنيقة كما تدعوها المجلات والإذاعات فسوف تجد أن الحياة لا تكفي للأناقة!!.(1/7)
إنه الجمال المزيف المصنوع بالوسائل الآلية وسواها فبدل من أن تعتمد الفتاة على مرونة ذهنها وتقدم ثقافتها وجمال روحها ورقة ابتسامتها تجدها تعتمد على كثرة ملابسها والتصفيف في شعرها، وبدلاً من أن توسع آفاق فكرها بالمعرفة والعلم تلجأ إلى التبرج والتفسخ، والملابس القصيرة الضيقة التي تبرز أعضاء الجسم كما الجواري في أسواق النخاسين.
وقد تظن الفتاة أن تبرجها شيء ظاهري لا يمس عقلها فهي تستطيع أن تكون حرة رغم إمعانها في الأناقة وإسرافها في التصنع. وهي في هذا مخطئة، فإن لكل عمل يقوم به الإنسان آثاراً فكرية وروحية بعيدة المدى إن أعمالنا تؤثر في عقولنا وأرواحنا وتعيد صياغتها، فإذا لم يتحكم العقل في سلوكنا تحكم سلوكنا في عقلنا.
مضاعفات التأنق:
وأول نتائج هذا التحكم أن التأنق يذل المرأة ويقتل كبرياءها وأساس هذا الإذلال ان إقامة أسس الأناقة على كثرة الملابس وعلى الحلاقة، يشعر المرأة بأن الجمال هو الشيء الذي ينقصها، لا الشيء الذي تملكه فإذا أرادت أن تكون جميلة وجب عليها أن تكافح في سبيل ذلك، فتعمل ليل نهار في استكمال ذاتها الناقصة.
والمرأة الأنيقة يجب أن تملك ثياباً كثيرة وملحقات لا حصر لها ولا يخفى عليكم أن مؤسسات الأزياء قد عقدت هذه الأشياء تعقيداً مسرفاً فالحرص على ابسط مستوى في هذا يقتضي مالاً كثيراً ومن ثم فإن مبدأ التأنق حيث يصبح هو القانون النافذ في المجتمع يحرم نساء الطبقة الفقيرة أن يكن جميلات، وبذلك يصبح الجمال حكراً تملكه الطبقة المرفهة وحدها. وفي ذلك إذلال للفقراء والفتاة الفقيرة، فالتأنق ضرب من الطبقية الاجتماعية!.(1/8)
وجناية أخرى تجنيها الأناقة المسرفة على الإنسانية تلك هي الجناية على الوقت الذي هو ثروة الأمة ان الأناقة النموذجية التي تدعوا إليها مجلات المرأة، تقتضي من الوقت ما لا تتسع له الحياة . . فلقد تربّصت بهذه المجلات عدة أشهر ذات مرة، وأحصيت مجموعة الأشياء التي تحتاج إليها المرأة لإنجاز الأناقة المثلى، فوجدت الحياة كلها لا تكفي!.
لقد حقروا المرأة بأن جعلوا شعرها النموذجي تعقيداً علمياً لا يحققه إلا الحلاق الذي يهينها بإجلاسها تحت المجفف ساعتين ليصفف شعرها تصفيفاً مصطنعاً! وقد فرضوا عليها الصفافة لبشرتها نصف ساعة كل مساء أو ربع ساعة للأهداب وكذا من الوقت للأظافر! و وقتاً للعناية بالكفين والقدمين. وتمارين رياضية لتخفيف الخصر! وأخرى لمنع تجعدات الوجه وتمارين استرخاء وحمامات بخار.
وكل هذا يأكل وقت المرأة وعقلها، ولا يبقى منها جانباً للشعور الإنساني، وإنما يحولها على دمية أنيقة لا روح لها حركاتها آلية وبسماتها مصطنعة.
ان الوقت الثمين الذي يضيع عند الخياطة كان يمكن أن ينفق في إسباغ الحب على أب شيخ مريض أو زوج مرهق، أو طفل يحتاج إلى التوجيه وبدلاً من أن تذهب الفتاة إلى الحلاق تستطيع أن تطالع كتاباً ينير عقلها. ويهدي روحها وبدلاً من أن تذهب إلى خبير التجميل تستطيع أن تنتمي إلى جمعية تخيط الملابس للاجئين بأن تكسو طفلاً عارياً.
خطة الاستعمار:
كم ملايين الدنانير تنفق نساء العالم العربي كل عام في شراء الثياب والأحذية والعطور والمساحيق!
أحسب انّا لو قدرنا ذلك بأربعمائة مليون دينار لما بالغنا فلو أنزلت كل امرأة نفقات أناقتها إلى الربع لاستطعنا شراء طائرات تكفي لدحر عدونا الأكبر إسرائيل.(1/9)
إن معامل الأقمشة في الغرب المستعمر تضحك منا وتستعملنا نحن النساء في ضرب الاقتصاد القومي في العالم العربي. ومعامل الأقمشة لا أخلاق لها. وآلاتها الرهيبة بلا قيم ولا إنسانية إنها تريد أن تبيع وتبيع، وليس يهمها في سبيل ذلك أن تقتل روح الإنسان وتذل كرامته.
وهذه المعامل الشريرة البشعة هي التي تغير الأنماط كل عام!
وقد دأبت المعامل على استعمال كل وسائل الإعلام في بث الدعاية لما تنتج، فهي تأتي بخبراء يخيطون الأقمشة الجديدة في أنماط معينة، ثم تقيم معارض للأزياء فتأتي بفتيات جميلات تلبسهن هذه الملابس، وتعرض أجسادهن على العيون كما كانت الجواري تعرض في سوق النخاسين. والمعامل تعطي الجوائز على هذا العمل. وتبذل آلاف الدنانير في الإعلان وحشد الجمهور وإغرائه بشتى الطرق. وقد أصبحت أخيراً تغري الإذاعات المرئية بتصوير حفلات الأزياء هذه ونقلها ليراها الملايين!
والغرض من ذلك إقناع النساء في العالم بان الأزياء قد تغيرت، وأنماط الرسم الماضي قد فاتت وحلت محلها أنماط جديدة فعلى المرأة الأنيقة أن تسرع إلى الأسواق لتشتري لنفسها ملابس تتفق مع هذه الأزياء . .
ان أغلب معامل الأقمشة ومصانع العطورات والمساحيق إنما يملكها اليهود في الغرب، واليهود كما ثبت في هذا العصر يسعون إلى أن يسيطروا على العالم، ويحكموه بعد القضاء على الحكومات العالمية جميعاً وأسلوبهم في السيطرة ذو شقين.
أولهما: الاستيلاء على المال في كل بلد ينزلونه وهذا قد تحقق لهم حيثما وجدوا لأنهم قوم يقيمون تعاملهم على ابتزاز الأموال بوسائل غير مستقيمة مثل الربا.
وثانيهما: هدم الأخلاق والمثل والمعتقدات واليهود يعلمون حق العلم إنهم إذا هدموا الأخلاق تهدمت الشعوب، وانهارت أمامهم.(1/10)
ومن هنا فقد عمل اليهود على السيطرة على معامل الملابس والمساحيق والعطور وسواها من مستلزمات (المودة) وهم بذلك يتوصلون إلى تحقيق الغرضين، فيسيطرون على المال ويفسدون الدين والأخلاق(1).
وهكذا بعد أن تخلصت المرأة من مآسي الماضي أصبحت تواجه أخطار المستقبل! مع فارق بسيط وهو أن ما حدث لها في الماضي كان على رغم أنفها ولم يكن لها خيار فيه، أما الأخطار الحديثة فقد أريد لها أن تكون برضا المرأة واختيارها عن طريق خداعها وإغرائها بشعارات الأناقة والحب والتحرر!!.
فهل ستنطلي عليها الخدعة أم ستقاومها بالوعي؟
حواشي الفصل:
1- مآخذ اجتماعية على حياة المرأة العربية/ نازك الملائكة (بتصرف).
مسؤولية المرأة
يوم كانت المرأة تعيش الإهانة والاحتقار في الماضي ويوم كانت إنسانيتها محل نقاش وموضع جدال، ما كان يتأنى لها بالطبع أن تساهم في تسيير الحياة الاجتماعية، وما كان يمكنها أن تلعب دوراً ما في أحداث عصرها ومجتمعها.
وكيف يمكنها أن تؤدي أي دور وهي تعيش على هامش الحياة، وينظر إليها بازدراء واحتقار! جعلها هي الأخرى تفقد الثقة بنفسها، وترضى بواقعها البغيض . .
إن أراءها تعتبر ناقصة، وتحركاتها مشبوهة، وكلماتها تافهة، وما عليها إلا أن تقبل ما يجري وتخضع لما يحدث . .
وباختصار: كانت عضواً مشلولاً في المجتمع وطاقة مهملة في الحياة. .
والآن وحينما يراد للمرأة أن توجه اهتمامها نحو موديلات الأزياء وتفكر في حفلات الرقص والغناء وتفتش عن أبطال الحب والعشق وتعرض نفسها على شباب المراهقة وتبحث عن مغامرات الجنس . .
هذه المرأة هل تستطيع بعد ذلك أن تمارس دوراً اجتماعياً خطيراً، أو تشارك في صنع أحداث الحياة؟(1/11)
إنها ستظل كأختها، التي كانت تعاني مأساة الماضي، تعيش على هامش الحياة، وتفقد الثقة بنفسها وتصبح هي الأخرى عضواً مشلولاً في المجتمع، وطاقة مهملة لا قيمة لها إلا بمقدار ما تقدم من خدمات جنسية للمراهقين والمغامرين الجنسيين وهواة الجمال.
والإسلام الذي أنقذ المرأة من مآسي الماضي، خطط لحمايتها من أخطار المستقبل وذلك بأن رسم لها طريقها الصحيح في الحياة، وبصّرها بمواقع الانحراف، ومزالق الخطر لكي تحافظ على إنسانيتها وعفتها وكرامتها.
وفرض عليها أن تساهم في إدارة الحياة وتسيير شؤون المجتمع، وأن تشارك في أحداث العصر مشاركة صالحة.
فالمرأة نصف المجتمع، وإلغاء دورها يعني أن يعيش المجتمع أعرجاً يعتمد على رجل واحدة إنها تمتلك طاقات عظيمة، ولديها مواهب واستعدادات ضخمة وإهمالها يعني إهدار مواهبها واستعداداتها وخسارة طاقاتها.
وإذا كانت المرأة جزءاً لا يتجزأ من المجتمع الإسلامي . . فهل جعل الإسلام لها حصة من الجهاد أو حملها نصيباً من مسؤولية نشر الدعوة؟
الإسلام الذي جاء ليوجه كل طاقات الحياة نحو السعادة – للبشرية وكمالها لا يمكنه أن يسمح بتعطيل طاقات المرأة وتجميد ملكاتها.
لذا فقد عمل الإسلام على تفجير طاقات المرأة وتنمية مواهبها وتوجيه اهتماماتها نحو سعادتها وكمالها ونحو مصلحة المجتمع البشري والحياة الإنسانية.
فما وجب عليها طلب العلم، ليتسع أفق تفكيرها وليرتفع مستوى معرفتها وثقافتها فتكون مؤهلة لمشاركة الرجل الذي يجب عليه هو الآخر أيضاً طلب العلم في إدارة شؤون الحياة وتسيير أمور المجتمع قال (صلى الله عليه وآله وصحبه): (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة) .(1/12)
وشجع الإسلام المرأة على منافسة الرجل في الالتزام بصفات الكمال . . وتقمص قيم الخير والفضيلة فهي ليست قاصرة عن منافسته ومسابقته في خط الفضيلة والكمال فالمجال مفتوح أمامهما ولكل منهما كفاءاته وطاقاته التي تؤهله للسير والتقدم في درب الفضيلة والكمال . .
يقول تعالى:{ ان المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات . .
والقانتين والقانتات . .
والصادقين والصادقات . .
والصابرين والصابرات . .
والخاشعين والخاشعات . .
والمتصدقين والمتصدقات . .
والصالحين والصالحات . .
والحافظين فروجهم والحافظات . .
والذاكرين الله كثيراً والذاكرات . .
أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً}(1).
أرأيت كيف يؤكد الله تعالى وجود المرأة إلى جنب الرجل في خط الكمال، وعلى صعيد الهدى وفي رحاب كل فضيلة.
والمرأة بعد ذلك مسؤولة في نظر الإسلام عما يحدث في مجتمعها، مفروض عليها أن تسهم في توجيه المجتمع نحو الخير والصلاح وأن تكون على وعي كامل بما يجري، وأن تقاوم أي انحراف أو فساد يريد غزو المجتمع والتسرب إلى أجوائه . .
إنها والرجل يتقاسمان مسؤولية تنقية أجواء المجتمع وتطهير أرجائه من كل سوء وفساد وانحراف ومطالبان بتطبيق قيم الحق وأنظمة العدل، وتنفيذ أوامر الله سبحانه في الحياة . .
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على المرأة كما هو واجب على الرجل . يقول تعالى:{والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون على المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم}(2).
وعلى أساس هذه الخطة التي رسمها الإسلام للمرأة وانطلاقاً من هذا البرنامج العظيم يصبح للمرأة شأنها الكبير في الحياة ودورها الخطير في المجتمع . . (فهي عضو فعال فيما يحدث، ومسؤول مباشر عما يجري).
وليست مجرد مخلوقة أريد منها خدمة الرجل وإمتاعه. ولا هي محطةٌ لتجارب الأزياء والمكياج لا هم لها ولا شغل إلا ذلك . .(1/13)
حواشي الفصل:
سورة الأحزاب/ آية 35 .
سورة التوبة/ آية 71 .
المرأة والموقف السياسي
يوم كان المجتمع الإسلامي يعيش في ظلال الإسلام الوارفة ويخضع لمبادئه الحكيمة، ويطبقه تطبيقاً شاملاً صحيحاً . . يومها كان للمرأة شأنٌ عظيمٌ، ودورٌ كبيرٌ لم تحظ بمثله طوال التاريخ . .
فقد توفر للمرأة في ظل الإسلام، وضمن المجتمع الإسلامي حرية اختيار الموقف السياسي الذي ينبع من ارادتها وقناعتها . .
لأن الإسلام يطلب منها اتخاذ موقف محدد تجاه قضايا السياسة والحكم باعتبارها من أهم قضايا الأمة. ونظر لموقفها نظرة احترام وتقدير، ولا يراه موقفاً فضولياً عبثياً لا قيمة له . .
فكما كان النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يتقبل مبايعة وتأييد الرجال المؤمنين كان يتقبل مبايعة النساء المؤمنات بأمر من الله سبحانه وتعالى. إذ يقول تعالى في سورة الممتحنة:
{يا أيها النبي * إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا * ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن * ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف. فبايعهن، وأستغفر لهن الله * إن الله غفور رحيم}(1).
هكذا يأمر الله تعلى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يتقبل مبايعة النساء، والمبايعة موقف سياسي ويطلب من نبيه أن يشرح لهن برنامجه ونظامه الاجتماعي بالإضافة إلى عقيدته الإلهية، حتى تكون البيعة على أساس من الوعي والمعرفة . .
وحينما لم تقتنع فاطمة الزهراء (عليها السلام) بضعة الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) برأي الخليفة أبي بكر في مصادرة أرض فدك أعلنت رفضها الصريح في المجتمع، وخطأت الخليفة في مصادرته "فدك" ولم تقبل حتى بمقابلة الخليفة أو مبادلته التحية . .كما جاء في كتاب (الإمامة والسياسة) المعروف بتاريخ الخلفاء، لابن قتيبة الدنيوري المتوفى سنة (276 هـ) قال في الجزء الأول صفحة 20:(1/14)
(فقال عمر لأبي بكر رضي الله عنهما: انطلق بنا إلى فاطمة، فإنّا قد أغضبناها . .
فانطلقا جميعا، فاستأذنا على فاطمة، فلم تأذن لهما، فأتيا علياً فكلماه، فأدخلهما عليها فلما قعدا عندها، حولت وجهها إلى الحائط، فسلما عليها فلم ترد عليهما السلام.
فتكلم أبو بكر فقال: يا حبيبة رسول الله، والله إن قرابة رسول الله أحب لي من قرابتي وأنك لأحب إلي من عائشة ابنتي، ولوددت يوم مات أبوك أني مت، ولا أبقى بعده، أفتراني أعرفك واعرف فضلك وشرفك وأمنعك حقك وميراثك من رسول الله؟.
إلا إني سمعت أباك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: لا نورث ما تركناه فهو صدقة . .
فقالت: أرايتكما أن حدثتكما حديثاً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عرفانه وتفعلان به؟
قالا: نعم.
فقالت: نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله يقول رضا فاطمة من رضاي، وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومن اسخط فاطمة فقد أسخطني؟. .
قالا: نعم سمعنا من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
قالت: فإني اشهد الله والملائكة إنكما أسخطتماني ولم ترضياني ولئن لقيت رسول الله لاشكونكما إليه . .
فقال أبو بكر: أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة ثم انتحب أبو بكر يبكي حتى كادت نفسه أن تزهق . .
وهي تقول: (والله لأدعون عليك في كل صلاة اصليها)(2).
هكذا كانت المرأة المسلمة تمارس موقفها السياسي تأييداً ورفضاً حسب إرادتها وقناعتها . .
وفي هذا العصر حيث يحتجب عنا الإمام القائد المهدي المنتظر (عليه السلام) للمرأة المؤمنة حريتها الكاملة في اختيار القائد الديني، الذي تعتبره مرجعاً لها وحاكماً شرعياً بالنيابة عن الإمام (أرواحنا فداه) . . ضمن المواصفات والشروط الإسلامية التي يجب توفرها في المرجع القائد ولا يصح لزوجها أو لأبيها – مثلاً – أن يجبرها على تقليد مرجع معين لا تؤمن هي بجدارته وكفاءته . .(1/15)
وحينما تلاحظ المرأة فساداً أو انحرافاً في جهاز الحكم وإدارات الدولة، فعليها أن تفضح هذا الانحراف، وتكشف هذا الفساد . . وتسعى لإصلاحه وتقويمه بمطالبة القيادة العليا ووضعها أمام واجبها ومسؤوليتها . . وهذا داخل ضمن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . .
ولنقف الآن – أيها القارئ الكريم والقارئة العزيزة – وقفة إكبار وتقدير أمام صفحة بطولية رائعة من صفحات تاريخنا الإسلامي المشرق، حيث كانت المرأة المؤمنة تمارس دورها وتتحمل مسؤوليتها في مواجهة الفساد والانحراف في جهاز الحكم والسلطة . .
ان بطلة هذا الموقف "سودة بنت عمارة بن الاشتر الهمذاني" من سيدات نساء العراق. وكانت تعيش في إحدى ولايات العراق في عهد الإمام أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب (عليه السلام) فلما رأت من سيرة الوالي (أمير المنطقة أو المحافظ) انحرافاً عن خط العدالة الإسلامية وإساءةً لجماهير الشعب . . ركبت دابتها وقصدت أمير المؤمنين على ابن أبي طالب (عليه السلام) لتشكو له انحراف الوالي، وتشرح له أوضاعه . . ولم ترجع إلا ومعها قرار صارم بعزل الوالي المنحرف . .
وبعد أن تسلط معاوية ابن أبي سفيان على رقاب الأمة وتسلم أزمة الحكم بالقوة والإرهاب، فرض على الولايات والمناطق ولاة قساة منحرفين، مؤهلهم الوحيد الولاء والتأييد لسلطة معاوية.
وكانت هذه المرأة المؤمنة البطلة "سودة بنت عمارة" تلاحظ سلوك الوالي على منطقتها- فتراه ظاهر الانحراف، يغلب عليه الجور والفساد . . بيد أن شخصيات المجتمع يرهبون بطش معاوية. ويخافون سطوته . . فهل تسكت "سودة" وتغض النظر عن هذا الانحراف الواضح في جهاز الحكم المتمثل في جور الوالي وقسوته؟ وهل سيسمح لها ضميرها ووجدانها بالتفرج على شقاء مجتمعها ومعاناته؟(1/16)
كلا، فقد تحملت مسؤوليتها وهبت لأداء دورها وواجبها وتجشمت عناء السفر إلى معاوية لتشكو إليه هذا الوالي الظالم، وهذا الجور القاسي . . رغم أن لها في الماضي دوراً سياسياً وإعلامياً بارزاً ضد معاوية أثناء حرب صفين . . وهذا ما لم ينسه معاوية بعد . .
فحينما دخلت على معاوية وسلمت عليه عرفها وذكر دورها المناوئ له في صفين الذي أوغر قلبه عليها فأسرع يجابهها قائلاً: ألست القائلة يوم صفين؟ تشجعين أخاك على قتالي:
شمّر كفعل أبيك يا ابن عمارة
يوم الطعان وملتقى الأقران
وانصر علياً والحسين ورهطه
واقصد لهند(3)وابنها بهوان
إن الإمام أخا النبي محمد
علم الهدى ومنارة الإيمان
فقُد الجيوش وسر أمام لوائه
قدما بأبيضٍ صارم وسنان؟؟ . .
سودة: أي والله لقد قلت ذلك وما مثلي من رغب في الحق أو اعتذر بالكذب.
معاوية: فما حملك على ذلك؟.
سودة: حب علي واتباع الحق.
معاوية: (متشمتاً) فوالله ما أرى عليك من أثر عليٍ شيئاً.
سودة: مات الرأس وبتر الذنب، فدع عنك تذكار ما قد نسي وإعادة ما مضى..
معاوية: هيهات ما مثل مقام أخيك ينسى، وما لقيت من أحد ما لقيت من قومك وأخيك.
سودة: صدق فوك لم يكن أخي صغير المقام ولا خفي المكان كان والله كما تقول الخنساء:
وإن صخراً لتأتم الهداة به
كأنه علم في رأسه نار
معاوية: صدقت كان كذلك.
سودة: بالله اسأل إعفائي مما استعفيت منه (تعني تذكار الأحداث الماضية).
معاوية: قد فعلت فما حاجتك؟
سودة: إنك أصبحت للناس سيداً ولأمرهم متقلداً والله سائلك عن أمرنا وما افترض من حقنا ولا يزال يقوم علينا من ينوء بعزك، ويبطش بسلطانك فيحصدنا السنبل ويدوسنا دوس البقر ويسومنا الخسيسة ويسلبنا الجليلة . . هذا بُسر ابن ارطاة قدم علينا من قبلك فقتل رجالي وأخذ مالي ولولا الطاعة لكان فينا عز ومنعة فإما عزلته عنا فشكرناك، وإما لا ففرقناك!!(1/17)
فتأثر معاوية من كلامها واعتبره جرأة على الحاكم وتهديداً للسلطة فقال لها: أ تهدديني بقومك؟ لقد هممت أن أحملك على قتب أشرس فابعثك إليه ينفذ فيك حكمه؟
فاطرقت إلى الأرض وهي باكية العين، حزينة القلب ثم أنشأت تقول:
صلى الأله على جسم تضمنه
قبر فأصبح منه العدل مدفونا
قد حالف الحق لا يبغي به بدلا
فصار بالحق والإيمان مقرونا
معاوية: ومن ذلك؟
سودة: علي ابن أبي طالب.
معاوية: وما صنع بك حتى صار عندك كذلك؟
سودة: قدمت عليه في رجل ولاه صدقتنا، فكان بيني وبينه ما بين الغث والسمين، فأتيت علياً (عليه السلام) لأشكو إليه ما صنع، فوجدته قائماً يصلي فلما نظر إلي إنفتل من صلاته ثم قال لي برأفة وتعطف: لك حاجة؟ فأخبرته الخبر فبكى ثم قال:
(اللهم أنك أنت الشاهد علي وعليهم إني لم آمرهم بظلم خلقك ولا بترك حقك) ثم أخرج من جيبه قطعة جلد كهيئة طرف الجراب فكتب فيها (بسم الله الرحمن الرحيم، قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ إذا قرأت كتابي فاحتفظ بما في يديك من عملنا حتى يقدم عليك من يقبضه منك والسلام) فأخذته منه، والله ما ختمه بطين ولا حزمه بحزام !!.
فانبهر معاوية وتعجب من هذا العدل والإنصاف وقال:
اكتبوا لها بالإنصاف والعدل لها؟ فانبرت إليه قائلة إلى خاصة أم لقومي عامة . .
معاوية: وما أنت وغيرك؟
سودة: هي والله إذن الفحشاء واللوم إن لم يكن عدلاً شأمك وإلا فأنا كسائر قومي.
معاوية: اكتبوا لها ولقومها بحاجتها(4).
وسودة هذه البطلة نموذج واحد لها مثيلات كثيرات في تاريخنا الإسلامي من النساء اللاتي مارسن موقفاً سياسياً تجاه السلطة وقضايا الحكم . .
وهكذا يبدو بوضوح الدور الكبير الذي رسمه الإسلام للمرأة المؤمنة في المجتمع ..
حواشي الفصل:
سورة الممتحنة/ آية 12 .(1/18)
الإمامة والسياسة / لابن قتيبة ج1 ص20 .
هند أم معاوية وابنها معاوية نفسه .
أعلام النساء 2/ 663 .
في المجتمع الإسلامي
كان للمرأة في مجتمع الإيمان دورها الاجتماعي الكبير، فهي تناقش قضاياها وتبحث مشاكلها على أعلى مستوى حيث كانت تذهب إلى الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يمثل أعلى سلطة روحية وسياسية وأرفع مكانة في الأمة . .
تذهب إليه لتناقشه وتجادله بإصرار حول قضية من قضاياها الاجتماعية هي مشكلة (الظهار)، التي كانت منتشرة في المجتمع الجاهلي إذ يقول الرجل لزوجته عند سخطه أو غضبه: أنت علي كظهر أمي وتصبح بالفعل محرمة عليه وتنقطع العلاقة الزوجية بينهما!!
وفي ذلك اكبر إيذاء وإهانة للمرأة وفي بداية تكون المجتمع الإسلامي في المدينة المنورة بقيادة الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وقعت حادثة من هذا النوع، وبمقتضى التقاليد الجاهلية كان يجب على المرأة أن تودع حياتها الزوجية وتتخلى عن أولادها وتذهب إلى بيت أبيها . .
ولكن هذه المرأة تذكرت إن عهد الجاهلية قد ولى وقد أشرقت على المجتمع شمس الإسلام العادل فلا بد وأن يكون للشريعة الإسلامية الحقة رأي سليم في هذه المشكلة يحفظ للمرأة كرامتها ويجنب المجتمع مضاعفات الفراق المرتجل . .
وجاءت إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) تشرح له ما حدث وتشكو إليه ما سيلحقها من أذى وبؤس بفراق زوجها العزيز عليها والذي قد أدركه الندم على ما صدر منه من لفظ الظهار وفي حالة غضب وانزعاج.
ولكن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن قد تلقى أمراً سماوياً حول الموضوع حتى ذلك الوقت، فليس إلا الخضوع للعرف الاجتماعي السائد آنذاك وهو انفصال الزوجة عن زوجها . .(1/19)
وأصرت المرأة على رفض العادة الجاهلية وألحت في المطالبة بحل أفض لهذه المشكلة يشرعه الإسلام حتى أنزل الله تعالى على نبيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) سورة كاملة من القرآن تتضمن رأي الإسلام وحكمه في الموضوع.
وقد جعل الله تعالى هذه الحادثة بداية للسورة وعنواناً لها فأصبحت تعرف بسورة "المجادلة" تخليداً لذلك المشهد وتذكاراً لموقف تلك المرأة المقدامة . .
بسم الله الرحمن الرحيم
{قد سمع الله قول التي تجادلك ف زوجها تشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير}
{الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم ان أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم، وانهم ليقولون منكراً من القول وزوراً، وأن الله لعفو غفور}
{والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير}
{فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم . . . }(1)
ووضعت هذه السورة حداً لمشكلةٍ طالما هدمت أسراً وفرقت أزواجاً وأضاعت أطفالاً . .
فمجرد أن يقول الإنسان لزوجته: أنت علي كظهر أمي، لا يكفي لقطع الرباط الزوجي المقدس بينهما، لأن هذه الكلمة لاغية لا معنى لها فأم الإنسان هي التي ولدته ولكن من أجل أن يتأدب هذا الرجل ولا يكرر الإساءة لزوجته بهذه الكلمة العبثية فرضت عليه كفارة يؤدها قبل أن يستأنف العلاقة مع زوجته وهي إحدى خصال ثلاث إما بعتق رقبة أو إطعام ستين مسكيناً أو صوم شهرين متتاليين.
ومرة قرر الخليفة الثاني عمر بن الخطاب تحديد مهور النساء بمبلغ معين وهدد بمعاقبة من أزاد على ذلك وصعد المنبر يبلغ الناس ذلك القرار قائلاً:(1/20)
(أيها الناس لا تغالوا بصداق النساء فلو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما أصدق امرأة من نسائه اكثر من اثني عشر أوقية) . .
فقامت إليه امرأة فقالت له: يا أمير المؤمنين لم تمنعنا حقاً جعله الله لنا والله يقول {وأتيتم إحداهن قنطاراً}(2)
فقال عمر: كل أحد أعلم من عمر.
ثم قال لأصحابه: تسمعونني أقول مثل هذا القول فلا تنكرونه عليّ حتى ترد عليّ امرأة ليست من اعلم النساء(3) . .
واضطر الخليفة أمام معارضة امرأة عادية ليست من اعلم النساء إلى سحب قراره لأن معارضتها مدعومة بالدليل والبرهان الذي يثبت خطأ قرار الخليفة!
أرأيت كيف كانت مكانة المرأة في المجتمع الإسلامي إنها تناقش الرسول وتجادله وتعترض على الخليفة فتضطره إلى إلغاء قراره !!
حواشي الفصل:
سورة المجادلة/ آية 1-5 .
سورة النساء/ آية 20 .
الأميني: الغدير ج6 ص97 .
المرأة والجهاد
المجتمع الإسلامي مجتمع رسالي اختاره الله تعالى لحمل اعظم رسالة واكمل دين وهو الدين الإسلامي العظيم . .
وبذلك يتحمل المجتمع الإسلامي مسؤولية إعلاء كلمة الله في الأرض وتطبيق شريعة الله في العالم . .
فهو ليس مجتمعاً محدود الهدف تنتهي مهمته عند حدود توفير العيش والأمن والارتياح لأفراده بل أنه يقوم بدور الرقيب على تطبيق قيم الحق والعدل والحرية في العالم كله فهو الشهيد على أوضاع البشرية جميعاً قال تعالى:
{وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً}(1)
وإذا ما تحملت الأمة الإسلامية هذه المسؤولية وقامت بها خير قيام فإنها ستصبح خير الأمم وأفضلها كما يقول القرآن الحكيم:
{كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}(2)(1/21)
وأداء هذه المهمة والقيام بهذا الدور الخطير يتطلب من الأمة أن تعيش صراعاً مستمراً دائباً مع قوى الكفر والظلم والجور في العالم . . ويجعل الأمة هدفاً للاعتداء من جانب تلك القوى التي ترى في وجود هذه الأمة تهديداً لبقائها وخطراً على مصالحها . . وقد أعد الإسلام أبناءه لخوض هذا الصراع الطويل مع قوى الطغيان والكفر والانحراف لتخليص العالم منهم وليعيش الإنسان حراً لا يخضع لسيطرة أحد إلا لأمر الله تعالى . .
{وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين}(3)
من هنا فقد ركز القرآن كثيراً على قضية الجهاد في سبيل الله، وتحدث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة الطاهرون (عليهم السلام) بتأكيد كبير على أهمية الجهاد ومكانته وفضله . .
(ففي القرآن الكريم ما يقارب الأربعين (40) آية تتحدث عن الجهاد ومشتقاته).
وهناك اكثر من مائة آية (100) تتحدث عن الجهاد بلفظ القتال ومشتقاته . .
بالإضافة إلى مجموعة من الآيات تتحدث عن الجهاد بلفظ الغزو والحرب والشهادة ومشتقاتها . .
بينما لا نجد في القرآن الحكيم عن الحج إلا (5) خمس آيات فقط وعن الخمس آية واحدة لا غير وعن الصوم (10) آيات تقريباً . .
وحينما نرجع إلى السنة المطهرة نجد مئات الأحاديث والنصوص تركز على موضوع الجهاد وتقرر بصراحة: أن الجهاد أهم وأفضل من جميع الأعمال والعبادات الأخرى . .
فعن الرسول (صلى الله عليه وآله سلم): (فوق كل ذي بر، بر حتى يقتل في سبيل الله فإذا قتل في سبيل الله فليس فوقه بر)(4) . .
ويقول الإمام محمد الباقر (عليه السلام) (الجهاد الذي فضله الله على الأعمال وفضل عامله على العمال تفضيلاً في الدرجات والمغفرة)(5) . .(1/22)
وإذا ما قمنا بجولة عابرة في ربوع نهج البلاغة سنرى أن الإمام علي ابن أبي طالب (عليه السلام) يعطي للجهاد مكانة خاصة ويرفعه إلى أعلى مستوى من الأهمية والتقدير ويمنحه أعظم الصفات حيث يقول: (الجهاد عز الإسلام)(6):
(الله، الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله)(7).
وكان المسلمون الأوائل والجهاد يشكل جزءاً لا ينفصل من حياتهم العملية، فكانوا يرون فيه طريقاً سريعاً ومختصراً إلى الجنة فينتظر كل واحد فرصته الغالية في الجهاد في سبيل الله ويتسابقون إليه ويستبشرون به"(8).
وقد قاد الرسول (صلى الله عليه آله وسلم) سبعاً وعشرين (27) غزوة خلال العشر سنوات التي قضاها في المدينة المنورة على راس المجتمع الإسلامي يعني بمعدل كل أربعة أشهر غزوة تقريباً . .
كما بعث سبعاً وأربعين سرية (فرقة صغيرة من الجيش) إلى مختلف القبائل والإنحاء وخاص بعضها القتال . .
والمرأة . .
ما هو دورها في صراع الرسالة مع الأعداء وجهادها ضد قوى الكفر والجور؟
وإذا كانت المرأة جزءاً لا يتجزأ من المجتمع الإسلامي . . فهل جعل لها حصة من الجهاد أو حملها نصيباً من مسؤولية نشر الدعوة؟
أم تأخذ المرأة موقف التفرج وتبقى في حالة انتظار لما تسفر عنه أحداث المعركة وميدان الصراع؟
في الحقيقة إن الصراع المسلح ضد أعداء الرسالة والأمة يكون على إحدى حالتين:
إما أن ترتأي القيادة الرسالية مهاجمة معاقل الشرك ومواقع الكفر والضلال، فهذا ما يسمى الجهاد الابتدائي الهجومي وإما أن يقع اعتداء على شبر من أراضي المسلمين أو على شيء من حقوقهم أو مصلحة من مصالح الرسالة فتهب الأمة للدفاع عن حقوقها وكرامتها لرد الاعتداء الأثيم . . وهذا يسمى: جهاد دفاعي.(1/23)
في النوع الأول: من الجهاد الابتدائي الهجومي على القيادة الشرعية أن تخطط له مع استبعاد العنصر النسائي من المشاركة في ميدان القتال مراعاة لظروف المرأة الجسمية والنفسية والتي لا تمكنها غالباً من خوض القتال وحمل السلاح ومواجهة العنف ونظراً للمهام الاجتماعية الأخرى التي تقوم بها المرأة والمفروض في هذا النوع من الجهاد توفر القدرة والقوة اللازمة في المجتمع الإسلامي لكي يأمر القائد على أساسها بمهاجمة الأعداء – وإذا كانت تستدعي ترك النساء بيوتهن وإهمال أولادهن مما يسبب مضاعفات اجتماعية خطيرة فهذا يعني عدم توفر القدرة اللازمة للجهاد فلا يصح للقائد حينئذ أن يعلن الجهاد الابتدائي.
بيد أن الإسلام يفسح المجال للمرأة للمساهمة في معركة الرسالة . . الهجومية . . ضد قوى الاعتداء والكفر بالقيام بالمهمات الجهادية التي لا تتعارض مع ظروف المرأة وطبيعتها ولا تؤثر على دورها وأعمالها الاجتماعية الأخرى . .
فهي قادرة على الهاب الحماس ورفع الروح المعنوية في نفوس المجاهدين وتشجيع المقاتلين . . وعليها تموين الجيش بما يحتاج من الطعام والشراب وعلاج المرضى وتضميد الجرحى وسقايتهم الماء . .
وتبقى مسؤولة عن حفظ الأمن والاستقرار في داخل المجتمع أبان المعركة . .
وإذا استطاعت تجاوز ظروفها الخاصة وكانت نفسيتها مستعدة لتحمل مشاق القتال ومصاعب الجهاد المسلح – كما يحصل عند بعض النساء – فلها الحق حينئذ أن تشارك في القتال إذا كانت فيه مصلحة للمعركة.. فالجهاد الابتدائي ليس واجباً على المرأة لكنه جائز منها فتحظى بشرف الجهاد والنضال . .
أما في حالة تعرض المجتمع الإسلامي للاعتداء فإن واجب الدفاع يشمل المرأة أيضاً حينما تتطلب المعركة ذلك . .
والمرأة المسلمة اليوم مدعوة للجهاد ضد الاستعمار وعملائه الخونة الذين يعتدون على مصالح الرسالة ويسلبون حقوق الأمة . .(1/24)
وإن في تاريخنا الإسلامي صوراً مشرقة للدور الجهادي العظيم الذي قامت به المرأة في معركة الرسالة ضد أعدائها الكافرين الطغاة . .
ولنلتقط الآن بعض تلك الصور الرائعة الجميلة:
تشارك في سبع غزوات:
تتحدث الصحابية الجليلة أم عطية عن دورها النضالي في معارك الرسالة فتقول: عزوت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سبع غزوات وكنت اخلفهم في رحالهم واصنع لهم الطعام وأداوي الجرحى وأقوم على المرضى(9).
2-بطولة رائعة:
إنها لبطولة رائعة جسدتها هذه المرأة حيث ثبتت في مواقف عصيبة أنهزم فيها كثير من الرجال وساهمت في العديد من المعارك والغزوات . .
إنها أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية ثانية اثنتين شهدتا العقبة الكبرى وأول مبايعة فيها للنبي وقد شهدت غزوة أحد وبيعة الرضوان ويوم اليمامة حيث كانت تقاتل مع أبيها عبد الله حتى قتل المتنبي الكذاب مسيلمة . . وقد قطعت يدها في تلك المعركة وجرحت اثنا عشر جرحاً . . أما موقفها في عزوة أحد في السنة الثالثة للهجرة . . فكانت أكاليل غار على رؤوس النساء وقد خرجت نسيبة في جيش المسلمين تسقي الضماء وتأسوا الجرحى وكانت غرة الحرب وطليعتها للمسلمين ثم أشاحت بوجهها عنهم فتناولتهم سيوف المشركين تنهل من نحورهم وتطعن في ظهورهم فانكشفوا وولوا مدبرين إلا عشرة أو نحوهم وقفوا يدرأون عن رسول الله ويحولون دون الوصول إليه، هنالك حان دور نسيبة فامتضت سيفها واحتملت قوسها وذهبت تصول وتجول بين يدي رسول الله تنزع على القوس وتضرب بالسيف فكانت من اظهر القوم أثرا وأعظمهم موقعاً وكانت لا ترى الخطر يدنو من رسول الله حتى تكون سداً دونه تدفع عنه سيوف العدو وحرابهم حتى قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): ما التفت يميناً وشمالاً إلا وأنا أراها تقاتل دوني . .(1/25)
ولقد رآها يومئذ وهي تعصب حرجاً ينزف دماً في ذراع أبنها عمارة فما انتهت عنه حتى دفعته للكفاح كرة أخرى وهي تقول له: قم يا بني فضارب القوم وجاهد في سبيل الله.
ويرمقها الرسول بنظرة حانية وهو يقول: ومن يطيق ما تطيقين يا أم عمارة(10)؟
3- روح نضالية معطاءة:
حينما يمتلك الإنسان روح النضال ونفسية العطاء فإنه يصنع معاجز الجهاد وروائع التضحية والفداء ويتجاوز حدود ظروفه المادية الضيقة . .
فهذه الخنساء زعيمة شواعر العصر كانت قد أدركها الهرم حينما تهيا الجيش الإسلامي للرحيل إلى القادسية ولها أربعة من الأولاد هي في أمس الحاجة إلى وجودهم ليقوموا بخدمتها ورعايتها خاصة وأن المرأة كلما تقدمت بها السن ازداد لهيب عاطفتها فتصبح اكثر تعلقاً بأولادها وأحبائها . .
ولكن روح الخنساء النضالية ونفسيتها المعطاءة جعلتها تجمع أبناءها الأربعة وتحفزهم على الجهاد في سبيل الله وتشوقهم إلى وسام الشهادة وشرفها . . فقد قالت لهم في خطبتها الرائعة . .
(يا بني أنكم أسلمتم طائعين وهاجرتم مختارين والله الذي لا إله إلا هو أنكم لبنو رجل واحد كما أنكم بنو امرأة واحدة ما خنت أباكم ولا فضحت خالكم ولا هجنت حسبكم ولا غيرت نسبكم وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية . .
يقول عز وجل {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون}(11) فإذا أصبحتم إن شاء الله سالمين فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين وبالله على أعدائه مستنصرين فإذا رأيتم الحرب شمرت عن ساقها واضطرمت لظى على سباقها وصببت ناراً على أوراقها فيمموا وطيسها وجالدوا رئيسها تظفرون بالغنم والكرامة في دار الخلود والمقامة) . .(1/26)
وكان لهذه الخطبة العظيمة اثر كبير في اندفاع أبنائها الأربعة نحو المعركة حيث قاتلوا إلى أن احتضنتهم الشهادة ونالوا كرامة الله وحياة الخلود. فلماء جاء خبر استشهادهم إلى أمهم العجوز الحنون لم تسيطر عليها العاطفة ولم تتغلب على رؤيتها المأساة بل غمرتها روح النضال ونفسية العطاء فبادرت تقول (الحمد لله الذي شرفني بقتلهم وأرجو من الله أن يجمعني بهم في مستقر الرحمة)(12)
فللمرأة المسلمة في الجهاد دور كبير ويمكنها أن تقدم الشيء الكثير وأن تصنع معاجز الفداء وروائع الصمود والتضحية والعطاء . .
حواشي الفصل:
سورة البقرة/ آية 143 .
سورة آل عمران/ آية 110 .
سورة البقرة/ آية 193 .
ميزان الحكمة 5/187 .
حياة الإمام الباقر للقرشي ج1 ص309 .
الإمام علي: نهج البلاغة- حكمة رقم 252 .
المصدر السابق خطبة رقم 47 .
رؤى الحياة في نهج البلاغة للمؤلف ص87 .
المرأة في حضارة العرب ص 27 .
المصدر السابق ص 27 .
سورة آل عمران/ آية 3 .
مئة أوائل من النساء لسليمان سليم البواب ص212-214 .
المرأة والتغيير
ليس غريباً أن يتسلط الظلمة أو يستبد الطغاة، فنوازع الشر والفساد موجودة في أعماق نفس الإنسان وإذا ما إنعدم الإيمان وتوفر المجال وأتيحت الفرصة، لأحد من الناس أن يتسلط على أبناء جنسه بغير حق وأن يحكم فيهم بالظلم والجور، فسوف لن يتورع عن ذلك . .
ولا عجب ولا غرابة من ذلك، فطبيعة الإنسان هي الطغيان عند القدرة عليه، إلا أن يعصمه مانع من دين أو ضمير قال الله تعالى:{إن الإنسان ليطغى إن رآه استغنى}(1) وقديماً قال الشاعر العربي:
الظلم من شيم النفوس وإن تجد
ذا عفة فلعلة لا يظلم . . .
ولكن الشيء العجيب المستغرب هو قبول الجماهير بسيطرة الظلمة وسكوتها عن استبداد الطغاة . .
فالله تعالى قد خلق نفس الإنسان تواقة للحرية، طامحة للعدل، محبة للخير والتقدم، فكيف إذا تخضع للاستعباد وتستسلم للظلم، وتسكت على الاستبداد والتخلف؟ . .(1/27)
هناك أسباب معينة تجعل الإنسان يرضى لنفسه الاستعباد والخضوع. من أهمها:
1- المطامع المصلحية:
حيث المتسلطين الظلمة، مستعدون لشراء الضمائر، وإعطاء الامتيازات، وتقديم الاغراءات، لمن يساعدهم على تثبيت حكمهم الجائر، وسلطتهم اللامشروعة.. وهنا يجد المصلحيون الانتهازيون الفرصة سانحة لتحصيل مطامعهم، وتحقيق مآربهم المادية، أو حفظ مصالحهم وثرواتهم ومكانتهم ولو على حساب كرامتهم ومبادئهم وشعوبهم، فيستسلمون للطغاة ويرضخون لحكمهم . .
2- الضعف النفسي:
فرفض الذل والخنوع، والاحتفاظ بالكرامة والحرية، يحتاج إلى قوة نفس، وشجاعة قلب، ورباطة جأش وكثير من الناس قد يسيطر عليهم الخوف، ويستولي على نفوسهم الجبن ويغلب على قلوبهم الضعف فيصبحون أذلاء خانعين وعبيداً مستسلمين.
3- الانخداع والضلال:
تحاول السلطات اللامشروعة أن تضفي على حكمها صفة الشرعية، وأن تقنع النسا بأحقيتها وجدارتها بالحكم والسلطة، وتعمل على إظهار نفسها بمظهر الخير والإصلاح وذلك بواسطة وسائل الإعلام والدعاية ومناهج التدريس . .(1/28)
ففي الماضي كان اختلاق الأحاديث وتزوير تفسير الآيات القرآنية كاف لتضليل الجماهير المسلمة وخداعها وإقناعها بمشروعية وصلاحية حكم معاوية بن أبي سفيان وأمثاله. وفي فترة أخرى أصبح الشعر والشعراء أفضل وسيلة إعلامية لخداع الناس وتضليلهم . . أما الآن فوسائل الإعلام الحديثة كالتلفاز والمذياع والصحافة هي التي تقوم بمهمة التمجيد والتعظيم والمدح والثناء لأنظمة الحكم بمختلف أنواعها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار . .كل ذلك لإقناع الناس بصلاحية السلطة التي يعيشون في ظلها . . بالفعل فإن كثيراً من الناس تلعب الوسائل الإعلامية في نفوسهم دور غسيل الدماغ. فينخدعون بالإعلام المضلل، فيرضون بحياة العبودية، والاستغلال والظلم من حيث لا يشعرون والمؤمن بالله حقاً هو الإنسان الذي يتجاوز هذه الحواجز، ويتخطى هذا العقبات فلا تستعبده المصالح ولا تغريه المطامع، ولا ينخدع بوسائل الإعلام السلطوية، ويتسلح بالإقدام والشجاعة . . لمقاومة الظلم والطغيان . .
وهذا هو المؤمن الذي عناه الإمام الثائر الحسين بن علي (عليهما السلام) بقوله:
( ألا ترون إلى الحق لا يعمل به وإلى الباطل لا يتناهى عنه فليرغب (المؤمن) في لقاء ربه محقاً، فإني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما)(2).
أما الذي يتوانى عن اختراق هذه الحجب، وينهار أمام عوامل الخنوع ولاستسلام، فقد خان إيمانه وأضاع دنياه وآخرته . . وإليه يتجه تهديد الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث يقول:
(من رأى منكم سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرام الله، ناكثاً لعهده مخالفاً لسنة رسول الله، يعمل في عباده بالإثم والعدوان، فلم يغير ما عليه بفعل أو قول، كان حقاً على الله أن يدخله مدخله)(3).(1/29)
ولكن المؤسف إن هذه الفئة التي تتوفر فيها مواصفات الثورة ضد أعداء الرسالة والشعب، المتسلطين بالباطل والظلم هي فئة قليلة . . ولذلك وجد الظلمة مجالاً كبيراً للسيطرة والحكم عبر تاريخنا الإسلامي بشكل خاص وطوال تاريخ البشرية بشكل عام.
والمرأة . .
ما هو المطلوب منها تجاه سلطات الظلم والجور؟
هل تعفى هي من مسؤولية ما يحدث، ويكتفي منها بأداء واجبات المنزل بينما يتحمل الرجل وحده مسؤولية الموقف من أوضاع الطغيان والاستبداد؟
أم ماذا تستطيع أن تفعل؟
لو كان الإسلام ينظر إلى المرأة كمخلوق تابع للرجل، خلقها الله لتقوم بخدمة الرجل وتعمل على امتاعه كما كانت ترى الحضارات الجاهلية السابقة . . أو لو كان الإسلام يعتبر المرأة وجوداً هامشياً لا دخل له في شؤون المجتمع كما هو وضعها في المجتمعات السابقة . .
لو كان كذلك وضعها في الإسلام، ونظرته إليها، لأمكن إعفاء المرأة وإراحتها من مهمات الثورة والنضال ضد الظلمة المتسلطين.
أما ما دامت المرأة في الإسلام جزءاً أساسياً من المجتمع، ووجوداً مستقلاً، كوضع الرجل تماماً، فلا يمكن أن يسمح لها الإسلام بالسكوت على الظلم والرضى بالانحراف، والخضوع للطغيان.
بل هي مسؤولة مع الرجل عن مكافحة الظلم وهو أكبر المنكرات، وعن إقامة العدل، وهو أهم معروف، هكذا يقرر القرآن الحكيم وتأمر الشريعة الإسلامية.
يقول تعالى:
{والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}(4). .
وتستطيع المرأة في مجال العمل الثوري أن تقدم الكثير لخدمة الثورة ومن أجل إنجاحها وانتصارها ففضح جرائم السلطة، وإثارة الجماهير ضدها وإزكاء روح الشجاعة والمقاومة في نفوس الناس والإعلام المؤيد للثورة . .كل ذلك تستطيع تعمله المرأة لخدمة الثورة حسب اختلاف الاوضاع والظروف.(1/30)
وكمثال واضح على ما نقول نذكر ثورة كربلاء العظيمة التي فجرها الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) فقد كان للمرأة دور رئيسي في الثورة ومساهمة في تحقيق أهدافها.
وأمامنا الآن بعض المواقف الثورية التي وقفتها المرأة المؤمنة في ثورة الإمام الحسين (عليه السلام):
أبيْنَ إلا أن يشتركن في الجهاد
ليست الثورة رحلة سياسية، أو عملاً ترفيهياً، أو رياضة ممتعة، حتى يتسابق الناس إليها، ويبادروا إلى الإشتراك فيها.
إن الثورة تضحية وعطاء: تضحية بكل المصالح الشخصية والارتباطات المادية، وعطاء يأتي على كل ما يمتلك الإنسان من مال وجهد وحياة.
فلا يلحق بركاب الثورة إلا من وطّن نفسه على التضحية، ربى ذاته على البذل والعطاء.
قال معلم الثوار وسيد الشهداء أبو عبد الله الحسين (عليه السلام):
(ألا ومن كان باذلاً فينا مهجته موطنّاً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا ...)(1)
من هنا كان الثائرون قلة، وكان كل واحد من الناس يتلمس لنفسه الأعذار ويختلق الحجج، ويتشبث بالظروف، ليريح نفسه من مصاعب الثورة، وما تتطلبه من تضحية وعطاء.
ويتحدث القرآن الحكيم عن جماعة من هذا النوع لم تتوفر في نفوسهم كفاءة التضحية وجدارة العطاء، فصاروا يفتشون عن عذر ملفّق يبررون به تقاعسهم وتخاذلهم عن إحدى معارك الثورة الإسلامية وكان العذر الذي عثروا عليه وقدموه للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو أن بيوتهم ستصبح بعدهم عرضة لهجمات العدو واعتداءاته، فلا بد وأن يتخلفوا عن المعركة لحماية منازلهم وللحفاظ على عائلاتهم! . . ويرفض القرآن هذا الإعتذار ويفضح نفسياتهم الإنهزامية، بقوله تعالى:
{ويستأذن فريق منهم النبي، يقولون إن بيوتناعورة وما هي بعورة، إن يريدون إلا فراراً}(2)(1/31)
إن هذا هو موقف الجبناء المتخاذلين، الذين لم يتفاعل الإيمان مع نفوسهم حتى يدفعهم إلى التضحية والعطاء. أما المؤمنون المخلصون الذين أعدّوا أنفسهم وربوها على البذل والتضحية، فإنهم يتمنون أن تُتاح لهم فرصة النضال في سبيل الله، وتشوقون للقاء الله مضمخين بدماء الشهادة . . ويرفعون أيديهم بالدعاء إلى الله هاتفين:
(وقتلاً في سبيلك فوفِّق لنا، اللّهم اجعلني ممن تنتصر به لدينك ولا تستبدل بي غيري أحداً)(3)
ويرجع القرآن الكريم سبب اختلاف موقفي الثائرين والمتخاذلين إلى مستوى الإيمان عند الفرد، ومدى إعداد النفس للتضحية والعطاء، فالثائر يدفعه إيمان عميق، وتربية نفسية مسبقة، بينما المتخاذل لا يمتلك إيماناً، أو لا يمتلك قوة في الإيمان، ولم يهيء نفسه أو يدربها على البذل والتضحية. يقول تعالى:
{لا يستأذنك (في التخلف عن المعركة) الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر، أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، والله عليم بالمتقين. إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون. ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة}(4)
وحينما فجَّر الإمام الحسين (عليه السلام) ثورته المقدسة، خذله أكثر الناس، لأن نفوسهم كانت تعاني ضعف الإيمان، وينقصها الاستعداد للعطاء والتضحية.
وسار في ركاب ثورته مَن عمر الإيمان قلبه، وتوفر الاستعداد في نفسه . . وكانت النساء يشكلن نسبة كبيرة في قافلة الثورة الحسينية.
وهؤلاء النسوة اللاتي شاركن في ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكنّ غافلات ولا جاهلات بنتائج الثورة، وما ستجرّه عليهن من مصائب ومتاعب وعناء . . . بل كنَّ يعرفنَ كل ذلك، وكان الحسين (عليه السلام) يذكرهن بما سيصيبهن عدة مرات.(1/32)
وما كنَّ مجبرات ولا كان الخروج مفروضاً عليهن، بل كان بإمكان أية واحدة منهن أن تعتذر بارتباطها العائلي، وبأعمالها البيتية، ومسؤوليتها التربوية . . وتبقى في راحة من مصاعب الثورة ومشاكلها.
كان ذلك ممكناً ووارداً، ولكنهن أبينَ إلا أن يشتركنَ في الثورة! . . بدافع من إيمانهن العميق ورؤيتهن الواضحة واستعداد نفوسهن للتضحية والعطاء.
فهذه العقيلة البطلة زينب ابنة علي (عليها السلام) كان زوجها عبدالله بن جعفر الطيار مكفوفاً، وكان بإمكانها أن تجعل ارتباطها بهذا الزوج المكفوف مبرراً لها في التخلف عن الثورة ولكنها لم تكن تبحث عن مجال للتضحية وفرصة للعطاء في سبيل الله، ومن أجل إنقاذ هذه الأمة المبتلاة بسلطات الجور والانحراف إستأذنت زوجها عبدالله بن جعفر لمرافعة أخيها الإمام الحسين (عليه السلام) في سفر الثورة . . ولأنه هو الآخر كان واعياً مخلصاً معطاءً، فقط أذن لها وشجعها على ذلك.
ويحدثنا التاريخ: أن عبدالله بن العباس عندما جاء يودّع الإمام الحسين (عليه السلام) بعد تصميمه على مغادرة مكة إلى العراق لتفجير الثورة، قال له: جعلت فداك يا حسين، إن كان لا بد من المسير إلى الكوفة فلا تسِرْ بأهلك ونسائك!. .
فأجابه الإمام الحسين (عليه السلام) وهو يتنبأ بدور هؤلاء النسوة في إكمال ثورته المباركة قائلاً: شاء الله أن يراهن سبايا! . .
وسمع ابن عباس بكاءً من ورائه وقائلة تقول يا ابن عباس، تشير على سيدنا وشيخنا أن يخلفنا ها هنا ويمضي وحده؟! لا والله بل نحيا معه ونموت معه، وهل أبقى الزمان لنا غيره؟!
والتفت ابن عباس فإذا المتكلمة زينب ابنة علي(5).
إنها تعبر عن رأي نسوة أهل البيت اللاتي أبين إلا أن يشتركنَ في الثورة.
والثورة تضحية وعطاء يسارع إليها صادق الإيمان ويتهرب منها سطحي التدين ضعيف الإيمان.
واصبحت وصية الحسين:-(1/33)
قبيل نهاية المعركة العسكرية في كربلاء بين معسكر الثورة وجيوش السلطة الاموية . . وبعد أن قتل جميع انصار الحسين وافراد عشيرته وبعد ذلك بقي الحسين وحيداً فريداً يستعد لملاقاة الله ويهيء نفسه للفوز بالشهادة التي يعلم إنها المسك الذي يختم به حياته في ذلك اليوم . .
عند ذلك استدعى اخته العقيلة زينب فهي وحدها المؤهلة لتكون وصية الحسين على قافلة الثورة . . . والجديرة بمواصلة النضال لاكمال المسيرة التي بدأها الحسين (عليه السلام) وحمّلها الحسين مسؤولية حفظ العيال، وتوعية الجماهير باهداف الثورة والصمود في وجه الطغاة والظلمة لزرع الثقة وبث الشجاعة في نفوس الناس . .
وقد كانت العقيلة في مستوى المسؤولية، وقامت بدورها خير قيام، والتاريخ الذي سجل مواقفها الثورية بروعة وإكبار خير شاهد على ذلك . .
في وجه الطغاة:
وجيء بعائلة الحسين أسارى، يدار بهم في البلدان كنموذج لبطش السلطةة بمن يحاول مقاومة سيطرتها ولكي لا يحدث أحد نفسه بتكرار صنيعة الحسين من الرفض والمناوءة للسلطة الحاكمة . .
وكادت الأوضاع المؤلمة التي تلف موكب الاسارى المثكولين أن تدخل الهيبة والرهبة والخوف في جميع النفوس لولا صوت البطلة الثائرة وخطاباتها اللاهبة التي كشفت بها حقارة الحاكم وسخرت من بطش السلطة وأعادت للناس ثقتهم بأنفسهم في مقابل قوة البطش والاستبداد . .
فقد وقفت العقيلة الاسيرة المفجوعة بمصارع أهلها وعشيرتها المنهكة في سير العنف والقسر المتألمة من شماتة الاعداء وتماديهم وفقت رغم كل ذلك أمام الحاكم المستبد والطاغية الجائر يزيد بن معاية لتقول له في مجلس خيلائه وتجبره بلهجة الصمود والتحدي ولسان الثقة والاطمئنان:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على رسوله وآله أجمعين صدق الله كذلك يقول:{ثم كان عاقبة الذين اساؤا السوء أن كذبوا بآياتنا وكانوا بها يستهزئون}(6)(1/34)
اظننت يا يزيد حيث اخذت علينا اقطار الارض وافاق السماء فأصبحنا نساق كما تساق الاماء ان بنا هواناً على الله وبك عليه كرامة.
وإن ذلك لعظم خطرك عنده فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك جذلانا حيث رأيت الدنيا لك مستوسقة والأمور متسقة وحين صفى لك ملكنا وسلطاننا . . فمهلاً لا تطش جهلاً أنسيت قول الله تعالى:
{ولا تحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولم عذاب مهين}(7)
أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك، وسوقك بنات رسول الله سبايا قد هتكت ستورهن وابديت وجوههن . .
اللهم خذ بحقنا وانتقم لنا ممن ظلمنا واحلل غضبك على من سفك دمائنا، وقتل حماتنا.
فوالله ما فريت إلا جلدك، ولا حززت إلا لحمك ولترون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بما تحملت من سفك دماء ذريته وهتكت من حرمته في عترته ولحمته حيث يجمع الله شملهم ويلم شعثهم ويأخذ بحقهم . .
{ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون}(8)
وحسبك بالله حاكماً وبمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) خصماً وبجبرائيل ظهيراً، وسيعلم من سوّل لك ومكنك من رقاب المسلمين {بئس للظالمين بدلا}(9) وأيكم شر مكاناً واضعف جندا . .
ولئن جرت على الدواهي مخاطبتك إني: لاستصغر قدرك واستعظم تقريعك واستكثر توبيخك لكن العيون عبرى والصدور حرى!!
فكد كيدك واسع سعيك وناصب جهدك . . فوالله تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا ولا تدرك أمرنا ولا تدحض عنك عارها وهل رأيك إلا فند وأيامك إلا عدد وجمعك إلا بدد؟ يوم ينادي المنادي {ألا لعنة الله على الظالمين}(10) والحمد لله رب العالمين الذي ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة، ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد، ويحسن علينا الخلافة إنه رحيم ودود وحسبنا الله ونعم الوكيل"(11)(1/35)
وهكذا تثبت العقيلة زينب بطلة كربلاء للتاريخ وللأجيال البشرية: إن المرأة تستطيع أن تعطي الكثير وأن تصنع المعاجز في خدمة قضايا الأمة والرسالة إذا أرادت ذلك . .
والسؤال: هل تريد بناتنا ونساؤنا أن يخدمن قضايا الأمة والرسالة؟
إذا كن يردن ذلك فلهن زينب أسوة حسنة.
بكلمة وضعت زوجها على طريق الجهاد
الكلمة مسؤولية خطيرة وأمانة عظيمة . .
فهي بداية كل وجود، وباعث أي تغيير، وسلاح جمع الأنبياء والرسل والأئمة والمصلحين، ووسيلة أي دعوة أو مبدأ، وإطار أية فكرة أو معنى . . وهي سبب كل حادث خيراً كان أو شراً . .
حتى أن القرآن الحكيم يجعل الكلمة رمزاً لتنفيذ مشيئة الله تعالى في إيجاد الكائنات. وكلمة (كن) هي ذلك الرمز الذي تتكون به الموجودات. قال تعالى:
{إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له (كن) فيكون}(1).
وتوجيه الله تعالى لعباده إنما يتمّ عبر الكلمة التي يوحيها إلى الأنبياء والرسل.
والشيطان بدأ مسيرة إضلاله وإغوائه للإنسان بواسطة الكلمة، حينما قال لأبينا آدم (عليه السلام) وهو في الجنة:
{فوسوس إليه الشيطان، قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى}(2)؟!.
ولما وضعت العذراء الطاهرة مريم (عليها السلام) وليدها الطاهر المسيح عيسى بن مريم، بقدرة الله تعالى دون أن يغشاها بعل . . حينذاك أثيرت حول عفتها ونزاهتها الشكوك والشبهات، فكان الموقف حرجاً للغاية . . وكانت كلمة الوليد الطفل عيسى ابن مريم كلمة الفصل والحسم التي نسفت كل شكوكهم وألغت كل شبهاتهم، حيث أثبت لهم بتكلمه في المهد أن الأمر معجزة من الله لا تدخل ضمن ما ألفوه من قوانين وعادات. يقول تعالى:
{فأتت به قومها تحمله، قالوا يا مريم لقد جئتِ شيئاً فريّاً.
يا أُخت هارون ما كان أبوك أمرأَ سَوْءٍ وما كانت أُمك بغيّاً.
فأشارت إليه، قالوا كيف نكلم مَن كان في المهد صبياً.
قال إني عبدالله آتاني الكتاب وجعلني نبياً}(3).(1/36)
فالكلمة سلاح خطير يمتلكه الإنسان، ولكنها سلاح ذو حدّين، حيث يمكن للإنسان أن يوظفها في سبيل الخير فيقطف منها الثمار اليانعة والنتائج الحسنة . . ويا ويله إن هو استخدمها في اتجاه الشر، فإنها ستعود عليه بالسوء والدمار.
والكلمة هي الكلمة، ولكنها، حين تكون كلمة طيبة فستثمر الورود والزهور التي تعطر أجواء الحياة . . حينما تكون الكلمة خبيثة فلن تعطي إلا الأشواك التي تدمي صاحبها وتعكر الأجواء . .
رائع هو المثل الذي ضربه القرآن للكلمة في الصورتين، حيث يقول تعالى:
{ألم ترَ كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أُكلها كل حين بإذن ربها، ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون.
ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار}(4).
ومن هنا جاءت التعاليم الإسلامية تلفت الإنسان إلى أهمية الكلمة وخطورتها، وتؤكد عليه مسؤولية الكلمة وآثارها، فليس هناك كلمة واحدة خارج نطاق المسؤولية والحساب . . بل إن الإنسان محاسَب ومسؤول عن كل كلمة يتفوَّه بها، فإن كانت طيبة نال جزاءها، وإن كانت خبيثة دفع ثمنها عذاباً وعقاباً . .
يقول تعالى: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}(5).
ويقول الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) في وصيته لأبي ذر الغفاري (رضي الله عنه): (يا أبا ذر، إن الرجل يتكلم بالكلمة في المجلس ليضحكهم بها، فيهوي في جهنم بين السماء والأرض)(6).
والإنسان المؤمن عليه أن يشهر سلاح الكلمة لخدمة رسالته ومبادئه ولمصلحة أُمته ووطنه . . فبها يستطيع أن يهدي الناس إلى الحق ويوصل إلى قلوبهم معاني الخير والصلاح.
ورد في الحديث عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم):
(ما أهدى مسلم هدية لأخيه أفضل من كلمة حكمة يزيده الله بها هدى أو يردّه بها عن ردى)(7).
فلنشهر سلاح الكلمة لخدمة مبادئنا الرسالية ومن اجل إصلاح أمتنا، فكم فمن كلمة فجّرت ثورة وغيّرت مجرى التاريخ؟(1/37)
وكم من كلمة صنعت ثائراً بقي مناراً للأجيال؟
وكم من كلمة انتشلت إنساناً من هوّة الضلال والانحراف، ورفعته إلى أوج الهداية والصلاح؟ . .
وفي ثورة كربلاء كان للكلمة دور عظيم يضاهي مكانة دماء الشهداء . . وكان للمرأة في هذا المجال من الثورة – مجال الكلمة الثورية – نصيب كبير . .
فقد كانت كلمة امرأة الثورة دفعاً وتشجيعاً على النضال والثورة، وحرباً على نفوس أتباع السلطة وجنودها، تضعف معنوياتهم، وتستثير ضمائرهم.
وإعلاماً جماهيرياً، يكشف للناس حقيقة الثورة وأهدافها، ويمزق حجب التضليل والتزييف الإعلامي السلطوي.
وقد لعبت الكلمة الهادفة المنسابة من فم المرأة المؤمنة دوراً أساسياً في صنع بعض بطولات الثورة وملاحمها.
فهل سمعتم عن البطل المجاهد زهير بن القين، الذي جعله الإمام الحسين (عليه السلام) قائداً للجناح الأيمن من جيشه؟
زهير الذي يتدفق حيوية وحماساً، يقول للإمام الحسين (عليه السلام): (والله لو كانت الدنيا لنا باقية وكنا فيها مخلَّدين، إلا أن فراقها في نصرك ومواساتك، لآثرنا الخروج معك على الإقامة فيها)(8)!.
ويقول مرة أخرى: (والله لوددت أني قُتلت ثم نُشرت ثم قُتلت حتى أُقتل كذا ألف قتلة، وأن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك)(9).
زهير الذي كان يحمل على القوم ويصول في الميدان يضرب ويطعن ويرتجز قائلاً:
أنا زهير وأنا ابن القين
أذودهم بالسيف عن حسين
إن هذا البطل كان يسير في اتجاه مناوئ للثورة!! ولكن كلمة صادقة مخلصة من فم زوجته المؤمنة كانت السبب في تغيير موقفه وانضمامه إلى صفوف ثوار العقيدة والإيمان.
فكيف حدث ذلك؟
يحدثنا التاريخ على لسان أحد الرواة:(1/38)
كنا مع زهير بن القين البجلي حين أقبلنا من مكة بعد انتهاء فريضة الحج، وكنا نساير قافلة الإمام الحسين (عليه السلام)، فلم يكن شيء أبغض إلينا من أن نسايره في منزل، فإذا سار الحسين تخلَّف زهير بن القين، وإذا نزل الحسين تقدم زهير، حتى نزلنا يومئذٍ في منزل لم نجد بداً من أن ننازله فيه، فنزل الحسين في جانب، ونزلنا في جانب، فبينا نحن جلوس نتغذى من طعام لنا، إذ أقبل رسول الحسين حتى سلّم، ثم دخل فقال:
- يا زهير بن القين، إن أبا عبد الله الحسين بن علي بعثني إليك لتأتيه.
فطرح كل إنسان ما في يده من الطعام، وساد صمت رهيب في الخيمة حتى كأن على رؤوسنا الطير، كراهة أن يذهب زهير إلى الحسين!. .
ولكن زوجة زهير (واسمها دلهم بنت عمرو) مزقت أجواء الصمت والذهول بكلمة قوية ثائرة حيث التفتت إلى زوجها قائلة:
يا زهير، أيبعث إليك ابن رسول الله ثم لا تأتيه؟! سبحان الله، لو أتيته فسمعت كلامه ثم انصرفت.
فكان لهذه الكلمة المخلصة وقع عجيب في نفس زهير، جعله يتخلص من تردده وحيرته ويستجيب لرسول الحسين، وإن كان في النفس شيء من الكراهة.
واستقبله الإمام الحسين (عليه السلام) وتحدث معه كثيراً حول دوافع ثورته وأهدافها، ووضعه أمام ضميره ووجدانه، وذكره بحديث سابق سيخبرنا به زهير فيما بعد.
وهنا اتخذ زهير قراراً حاسماً يضع به حدّاً لحياته السابقة، ويبدأ به حياة جديدة تحت راية الثورة والنضال في سبيل الله ومن أجل الجماهير المستضعفة المحرومة.
وعاد إلى قومه مستبشراً قد أسفر وجهه. فأمر بفسطاطه وثقله ورحله ومتاعه أن ينقل إلى مخيم الحسين.
والتفت لزوجته قائلاً:
- (أنتِ طالق، إلحقي بأهلك فإني لا أحب أن يصيبك بسببي إلا خير، وقد عزمت على صحبة الحسين لأفديه بروحي وأقيه بنفسي).
ثم أعطاها مالها وسلمها إلى بعض بني عمها ليوصلها إلى أهلها.
فقامت إليه زوجته وبكت وودّعته قائلةً: خار الله لك، أسألك أن تذكرني في القيامة عند جد الحسين! . .(1/39)
وقال لأصحابه:
- (من أحب منكم أن يتبعني، وإلا فهو آخر العهد مني).
ثم قال: إني أحدثكم حديثاً:
(غزونا (بلنجرة) ففتح الله علينا وأصبنا غنائم ففرحنا، فقال لنا سليمان الباهلي:
- أفرحتم بما فتح الله عليكم وأصبتم من الغنائم.
فقلنا: نعم.
فقال لنا: إذا ادركتم شباب آل محمد فكونوا أشد فرحاً بقتالكم معهم منكم بما أصبتم من الغنائم !. .
فأما أنا فإني استودعكم الله)(10) . .
وهكذا استطاعت زوجة زهير بكلمة أن تضع زوجها على طريق الثورة.
فالكلمة الصادقة الحقة لها مفعول كبير وتأثير عظيم بحجم موقعها وهدفها.
فعلى الرسالي أن لا يبخل بالكلمة وأن يحسن استخدامها.
ومرة أخرى:
فلنشهر سلاح الكلمة لخدمة مبادئنا العظيمة وأهدافنا الرسالية السامية.
المرأة حين تفوق الرجال
الثورة التي تنطلق من صميم الشعب، وتهدف حماية حقوقه وصيانة رسالته ومبادئه . .
هذه الثورة المخلصة من الذي يحميها من الأعداء الحاقدين والمتسلطين والذين إنما انطلقت الثورة لتخلص الشعب من ظلمهم وطغيانهم؟
هل يُنتظر من القوى الأجنبية خارج المحيط الإسلامي أن تدعم ثورة مخلصة تريد إسعاد الشعب المسلم واستقلاله وتقدمه؟ .
بالطبع: كلا. فالقوى الأجنبية إنما تدعم الثورات العميلة والحركات المضللة، حتى تجعلها جسراً تعبر عليه للتغلغل والسيطرة ومد النفوذ داخل الأمة الإسلامية، لتحقيق المصالح الاستعمارية.
اما الثورة الإسلامية المخلصة التي تنطلق من صميم الشعب فلا يُنتظر لها الدعم من القوى الأجنبية . . بل ستسدد لها الضربات العنيفة القاضية.
فهل سيحتضنها التجار الأثرياء والشخصيات الاجتماعية النافذة.(1/40)
في الواقع، كان من الواجب على التجار والزعماء الاجتماعيين أن يقوموا بدورهم في دعم الثورات المخلصة المستقلة وحمايتها من ضربات الأعداء . . ولكن المؤسف جداً أن غالبية هذه الطبقة تتخذ موقفاً سلبياً ومناوئاً من الثورات الشعبية المخلصة! وذلك لرغبتها في مهادنة الوضع القائم والاستفادة من الامتيازات التي يمنحها لهم ولو على حساب الشعب والمبدأ. ولخوفها من تطبيق حكم الحق والعدل بعد نجاح الثورة، فسوف لن تتمكن حينئذٍ وفي ظل حكم العدالة والحق أن تمارس أي دور استغلالي، أو تنال أي امتيازات طبقية!.
ولذلك كان موقف أكثرية الأثرياء والزعماء موقفاً عدائياً للثورات الرسالية الصادقة، طوال التاريخ، كما يؤكد القرآن الكريم بقوله:
{وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنّا بما أُرسلتم به كافرون
وقالوا نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذبين}(1).
والمترفون هنا هم الأثرياء والشخصيات الاجتماعية، والذين يتخذون منهم هذا الموقف المناوئ للحركات الشعبية الرسالية يرتكبون خطأ كبيراً، ويمارسون دوراً أحمقاً جداً.
ذلك لأن إخلاصهم لسلطات الظلم وواقع الطغيان، سوف لا يحميهم من نزوات الطغيان والظلم، ففي أية لحظة من لحظات الهوى والطيش عند الحاكم المستبد الظالم يمكن أن يقرر مصادرة حياة أكبر تاجر أو أعظم شخصية وزعيم!! وفي التاريخ مشاهد بشعة لنهايات كثير من الأثرياء والزعماء على أيدي الطغاة الديكتاتوريين!. .
فالثري والزعيم الذي يضع مستقبله ومصيره في يد حاكم مستبد إنما يسلم نفسه إلى كف عفريت.
ومن ناحية أخرى، فإنهم سيكونون مجبرين على الخضوع وقبول تجبر ذلك الطاغية وتكبره، فهم بين يديه أذلاء خاضعون وعبيد مطيعون، وإن كانوا يتعاملون مع سائر الناس كزعماء وشخصيات محترمة.
وفوق كل ذلك، فإن ثورة الشعب وحركته لا بدّ وأن تنتصر وتسحق عروش الظلم الطغيان بإذن الله تعالى الذي وعد المستضعفين بالظفر والغلبة كما يقول عز وجل:(1/41)
{ونريد أن نمنَّ على الذي استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين}(2).
فلماذا يراهن الأثرياء والزعماء على ورقة الظلم الخاسرة ويناوئون جبهة الحق التي لا بد وأن يحالفها النجاح؟.
وإذا كان أكثر أصحاب النفوذ الاجتماعي والثروة المالية يتخذون هذا الموقف الأحمق في مواجهة الثورة الشعبية الرسالية، فمن يحمي الثورة إذاً من أعداء الرسالة والشعب؟.
ليس إلا جماهير الشعب نفسه، فالثورة منهم وإليهم، ولأجلهم انطلقت، وفي سبيل تحريرهم وسعادتهم تفجرت . .
وجماهير الشعب إذا صممت على النضال ونظمت صفوفها في مواجهة العدو قادرة – بإذن الله – على إسقاط أكبر فرعون، وتحطم أقوى عرش! . .
تلك هي إرادة الله، وذلك هو منطق التاريخ الذي أجاد أبو القاسم الشابي في التعبير عنه بقوله:
إذا الشعب يوماً أراد الحياة
فلا بدّ أن يستجيب القدر
ولكن (ولعن الله لكن!) ماذا إذا استطاعت أساليب السلطة المختلفة بالترهيب والترغيب، وإعلامها المزيف: أن تخدع جماهير الشعب وتضللهم، وتبعث في صفوفهم الانقسام والتخاذل واليأس والإستسلام؟.
ستصاب الثورة عندها بهزيمة بشعة، ونكسة مؤلمة، يبقى الشعب على أثرها ولمدة طويلة تحت سيطرة الظلم والجور!. .
وهذا ما حدث لثورة الإمام الحسين (عليه السلام)، فقد قاربت النجاح وأوشكت أن تسيطر على الأمور في عاصمة العراق: الكوفة، بعد قدوم سفير الحسين وممثله الشخصي: مسلم بن عقيل (عليه السلام) والذي بايعته جماهير الكوفة بتلهف واشتياق، فأخذ ينظم صفوفهم، يعدّهم للانقضاض على الحكم الأموي المستبد، ويهيأهم للخضوع لسلطة الإسلام العادلة . .
بيد أن السلطة الأموية تداركت الأمر بخبث، فاختارت عبيد الله بن زياد، الإرهابي المخادع، للسيطرة على الوضع في الكوفة، وإجهاض حركة (مسلم بن عقيل) قبل أن يكتمل نجاحها.(1/42)
وما أن وصل ابن زياد إلى الكوفة، واستلم قصر الإمارة، حتى بدأ يتفنن في أساليب التضليل والخداع، والترهيب والترغيب، للفصل بين الجماهير وبين قائد الحركة وممثل الثورة (مسلم بن عقيل).
فقد أرسل الرشوات والهدايا والعطاءات لزعماء القبائل، ووعدهم بالمزيد، وزاد في رواتب الجنود والموظفين، واعتقل الزعماء المخلصين، وصار يهدد الناس ويتوعدهم بجيوش الشام.
نجحت أساليبه في تثبيط عزائم الناس، وتضليلهم وخداعهم، وأخذوا يتفرقون عن ممثل الثورة (مسلم بن عقيل)!
اللهم إلا من رسخ الإيمان في نفسه فتجاوز به حدود العقبات والمخاطر، واستقر الوعي في قلبه فسما به على أساليب الخداع والتضليل.
* * * *
وكانت المرأة هي المظهر الصادق، والنموذج الرائع، للفرد الذي يتسامى على وسائل الترهيب، وأساليب الخداع، في ذلك الجو الحالك المكفهرّ.
إنها (طوعة) السيدة المؤمنة الواعية، التي احتضنت ممثل الثورة (مسلم بن عقيل) حين تفرّق الناس عنه . . وحمت القائد وآوته حين تقاذفته سكك الكوفة وشوارعها . . . فتفوقت بعملها البطولي وموقفها الثوري على جميع رجال مجتمعها الجبناء الخانعين! . .
فبعد أن اعتقل هاني بن عروة، والذي كان بيته مقرّاً (لمسلم بن عقيل) ووكراً للثورة، أصبح (مسلم بن عقيل) يبحث عن مأوى جديد، يعيش فيه بعيداً عن عيون السلطة، ويمارس نشاطه الثوري.
بيد أن الهزيمة في ذلك اليوم والتخاذل سيطرا على كل النفوس، فما أن انتهى (مسلم) من صلاة الجماعة ليلاً، حتى تفرّق الناس عنه، وذهب كل رجل إلى بيته، بينما بقي القائد وحيداً حائراً لا يعرف بيتاً ملائماً يلتجئ إليه لمواصلة نشاطه وعمله.
وصار يتمشى في شوارع الكوفة وسككها في ظلام الليل الدامس، وإذا به يجد نفسه أمام امرأة محتشمة، تقف على باب دارها كأنما تنتظر أحداً من أهلها.
فبادرها (مسلم) بالتحية والسلام.
فردَّت عليه (طوعة) تحيته وسلامه بتثاقل وحذر! ثم قالت له: ما حاجتك؟
أجاب مسلم: اسقني ماءً.(1/43)
فجاءته بالماء، وشرب منه، ثم بقي واقفاً أمام المنزل!
قالت طوعة: ألم تشرب الماء؟.
- بلى.
إذاً اذهب إلى أهلك إن مجلسك هنا مجلس ريبة!.
وسكت (مسلم) على مضض، فأعادت عليه القول بالانصراف وهو ساكت، وكررت عليه القول ثالثاً فلم يجبها، فذعرت منه وصاحت به:
سبحان الله . . إني لا احل لك الجلوس على بابي!
هنا لم يجد (مسلم) بدّاً من الانصراف، ولكنه قال لها بصوت هادئ حزين النبرات:
- ليس لي في هذا المصر منزل ولا عشيرة، فهل لك إلى أجر ومعروف باستضافتي هذه الليلة، ولعلي أُكافئكِ بعد هذا اليوم؟.
وشعرت المرأة بأن الرجل غريب، وأنه ذو شأن يمكنه من الوعد بمجازاتها على معروفها وإحسانها، فبادرته قائلة:
وما ذاك؟.
فقال لها والألم يعتصر قلبه:
أنا مسلم بن عقيل، كذبني القوم وغرّوني!
فقال له (طوعة) في دهشة وإكبار:
أنت مسلم بن عقيل؟!
نعم.
فرحبت به أجمل ترحيب، واعتبرت الموقف نعمة كبرى، وفرصة ذهبية، وفرها لها التوفيق، لتستطيع أن تقدم خدمة لممثل الإمام الحسين (عليه السلام)، وسفير الثورة، وربيب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).
هيّأت له بيتاً فيدارها، وقدمت له الطعام، ولكن نفسه الحزينة على أوضاع المجتمع لم تسمح له بالأكل ولو قليلاً.
وبعد فترة أقبل ولد (طوعة) الذي كانت تنتظره على الباب واسمه (بلال).
فرأى أُمه تكثر الدخول إلى البيت الذي يقيم فيه (مسلم) وتحمل إليه ما يحتاج من طعام وشراب وفراش وماء للوضوء . . . فسألها؟.
هل لديك ضيف في هذا البيت؟.
أجابته (طوعة):
نعم، ولكن لا أخبرك به حتى تعاهدني وتحلف لي اليمين على أن لا تفشي سرّه . . فهي تعرف الأوضاع وتعي الظروف.
فعاهدها وحلف لها أن يكتم السرّ ولا يخبر به أحداً . . فأعلمته بخبر (مسلم)، فتظاهر بالرضا عما حصل.(1/44)
وبات (مسلم بن عقيل) تلك الليلة متفكراً في قضايا الأمة، متأملاً في أوضاع المجتمع، متألماً من مسيرة الأحداث، ولكنه كان يستلهم من تلاوة القرآن وأوراد الصلاة روح الصمود والصبر، لمواجهة الواقع الأليم.
وباتت (طوعة) شاكرة لله هذه النعمة الكبيرة، حامدة له على هذا التوفيق العظيم، ولكنها في نفس الوقت، كانت قلقة وجلة مما قد يخبئه المستقبل لممثل الثورة في بيتها.
وبات ولدها (بلال) في غمرة من الفرح والسرور، ينتظر انبثاق نور الفجر، ليبشر السلطة بالعثور على القائد البطل، وكانت السلطة جادّة في البحث عن (مسلم)، وتبذل الإغراءات والعطاءات كجوائز لم يأتي للسلطة بخبر (مسلم).
وهاهو (بلال) يجد مسلم في بيته دون أن يحتاج إلى عناء البحث والطلب، فما عليه إلا أن يغتنم الفرصة، ويوصل الخبر إلى السلطة لينال الجائزة الثمينة! ويحظى بالمكانة السامية! . . . وهكذا زينت له نفسه الشقية، فخرج في الصباح مبكراً، وأوصل الخبر إلى الأمير الأموي عبيد الله بن زياد، الذي أسرع في إرسال فرقة من الجيش معززة بالسلاح، لتطويق بيت (طوعة) للقبض على (مسلم بن عقيل).
وحينما سمع (مسلم) وقع حوافر الخيل، استعد لمواجهة العدو مبادراً لحمل السلاح . . . والتفت إلى السيدة المؤمنة (طوعة) وشكرها على ضيافتها، وأخبرها أن ولدها هو الذي أوصل الخبر إلى السلطة، وقال لها:
رحمك الله وجزاك عني خيراً . . اعلمي إنما أتيت من قبل ابنك!
وهنا تمزقت نفس (طوعة) حزناً وألماً، واسودّ الفضاء أمام عينيها، وضاقت الدنيا على نفسها . . بينما كان (مسلم) يبادر إلى الخروج من الدار قبل أن يقتحمها الجيش، فتضعف فرصته في المقاومة داخل الدار.
وعلى باب منزل (طوعة) دارت معركة عنيفة بين رجل واحد هو (مسلم بن عقيل) وبين جيش كبير يطلب المدد بالسلاح الرجال عدة مرات من ابن زياد!..(1/45)
وبينما كان (مسلم) يدير المعركة ببطولة رائعة، وصمود عجيب، كانت (طوعة) على سطح الدار، تشجعه وتذكره ببطولات عمه أمير المؤمنين وسائر رجالات أسرته المغاوير.
وانذعر القوم من بسالة (مسلم) وبطولته، فعرضوا عليه وقف القتال، وأعطوه الأمان إن هو استسلم، فأبى الاستسلام ورفض أمان الخونة، واستمر في مقاومتهم وهو يرتجز قائلاً:
أقسمت لا أٌقتل إلا حراً
وإن رأيت الموت شيئاً نكراً
كل امرئ يوماً يلاقي شراً
أخاف أن أكذب أو اغرّا
إلى أن تكالب عليه القوم، وأثخنوه جراحاً، فوقع في أيديهم أسيراً!! فساد عليهم فرح الانتصار، بينما ذاب قلب (طوعة) ألماً وحزناً تعاطفاً مع القائد الأسير(3).
وقُتل (مسلم) وأُجهضت تلك الحركة الثورية، ولكن (طوعة) سجلت في التاريخ موقفاً ثورياً مشرفاً يُرينا شخصية المرأة حين تفوق الرجال.
تبذل مالها لترحيل المجاهدين
أي ثورة أو حركة في العالم لا بد لها من التفكير في مصدر مادي لتمويل أعمالها ونشاطاتها الثورية . . فالثوار المتفرغون لأعمال الثورة يحتاجون إلى نفقة لتأمين ضرورات حياتهم، والمهمات الثورية تحتاج إلى مال لإنجازها . .
فمن أين توفر الثورة المال والثروات تحت سلطات الجور والطغيان؟
وهذه مشكلة خيرة تواجهها الثورات والحركات التغييرية، وهي مشكلة (المال)، وقد تصبح الثورة مهددة بالجمود أو بالمساومة على استقلاليتها وأهدافها من قبل مصادر المال والثروة. فهناك جهات في الداخل والخارج تحاول استغلال الثورة والمساومة على أهدافها، في مقابل دعمها بما تحتاج من المال! . .
ولكن الثورة الواعية المخلصة هي التي تتجاوز هذه العقبة وتحافظ على استقلالها وأصالتها . . ويمكنها الاعتماد على المصادر التالية لتغطية احتياجاتها المالية:(1/46)
أولاً- أموال الثوار أنفسهم . . فالإنسان الثائر، والذي يقدم نفسه لخدمة الثورة، ليس من الصحيح أن يبخل بما يملك من مال أو عقار، بل عليه أن يتنازل عن كل شيء من أجل أهدافه المقدسة التي آمن بها.
أما أن يكون ثورياً، وفي نفس الوقت يهمه المحافظة على رصيده النقدي، أو على بيته الجميل، أو على سيارته الفارهة، إنها إذاً لثورية مزيفة! . .
ثانياً- أن يحاول الثوار إنقاذ ما يمكن من أموال الشعب التي بيد السلطة وتوظيفها في خدمة الثورة . . فملكية السلطة الظالمة المغتصبة غير محترمة يجوز للعاملين من أجل مصلحة الشعب أن يأخذوا منها ما يستطيعون.
فالذي لا يحق له أن يحكم لا يحق له أن يملك.
هل تملك –مثلاً- السلطة التي تحتل كراسي الحكم الباطل: أن تجني الضرائب، وتتصرف في الأراضي، وتتسلم هدايا الناس للحكام؟.
إن الذي ليس كفؤاً لإدارة البلاد مغتصب ولا بد أن لا يملك، وإلا لأصبحت ملكيته مكافأة له على الغصب والاحتيال.
وهذا ما لا تقرّه قيَم الدين.
إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حاول أن يصادر (عير قريش) وهي محملة بالبضائع التجارية من الشام إلى مكة، لأن حكام مكة –الذين كانت العير لهم- كانوا يحكمون بالباطل، ويغتصبون أموال المسلمين، ويستأثرون بما للناس فيه أُسوة.
فهم لم يكونوا يملكون السلطة على بلاد الله . . ومن ثم فهم لا يملكون.
وهكذا فعل الإمام الحسين (عليه السلام).
في طريقه إلى كربلاء –وبالضبط في منطقة تنعيم القريبة من مكة- صادف جمالاً محملة بالهدايا من الورس والحلل إلى يزيد ابن معاوية، بعث بها عامله على اليمن، فصادرها الإمام وقال لأصحاب الجمال:
مَن احب أن ينطلق معنا، وفيناه (أعطيناه) كراه (أجرته)، وأحسنّا صحبته، ومَن أحب أن يفارقنا أعطيناه – هو الآخر- كراه . .
فالتحق بعضهم به، وفارقه آخرون . . ولكن الهدايا أصبحت في حوزة الثورة، ولم تصل إلى يزيد(1)!.(1/47)
ثالثاً- أن يوفق الله تعالى بعض الأثرياء من الشعب، لتفهم موقف الثورة والتعاطف معها . .
وبذل المال لتمويل الثورة عمل ثوري، لا يقلُّ أهمية عن بذل النفس، لذلك يقرن الله تعالى الجهاد بالمال في القرآن الكريم بالجهاد بالنفس، في أكثر الموارد.
يقول تعالى:
{انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون}(2).
وفي آية أُخرى يقول تعالى:
{فضَّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة}(3).
ولقد لعبت أموال خديجة وثروتها دوراً أساسياً في مساعدة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على نشر دعوته . . حتى لقد عادل الرسول الأعظم آثار سخاء خديجة بمفعول بطولة علي بن أبي طالب (عليه السلام) وشجاعته وجهاده، كما في الحديث المشهور: "قام الجهاد على شيئين: سيف علي ومال خديجة"(4).
وأي امرأة واعية كخديجة، إذا كانت تمتلك مالاً، فسوف لا تجد مصرفاً أفضل من مجال خدمة الرسالة وإصلاح المجتمع . . أما المرأة التي لا تمتلك رؤية واضحة ولا وعياً سليماً، فإنها ستستمتع بتبذير أموالها على متاجر الأزياء ومحلات التجميل والأناقة!. .
وفي ثورة كربلاء كان لخديجة امتداد، ولدورها وجود . . فقد مثلت (مارية بنت منقذ العبدي) دور خديجة في بذل مالها وثروتها لخدمة الثورة الإسلامية العظيمة.
و(مارية) كانت تقطن البصرة، وأًسرتها تحظى بمكانة مرموقة في المجتمع البصري.. ولأسرتها دور في مناصرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).
لذا فقد قُتل زوجها وأولادها ضمن جبهة الإمام علي في وقعة الجمل، وعاشت (مارية) بعد ذلك أرملة وحيدة في بيتها، وتحت يدها ثروة طائلة.
ونظراً لمكانة أُسرتها في المجتمع، ولأنها على مستوى من المعرفة والتقوى، فقد كان بيتها مجمعاً لشخصيات الشيعة في البصرة وزعمائهم . . يقصدون بيت (مارية) كل ليلة، ويقضون فيه بعض الوقت يناقشون قضاياهم، ويتشاورون في أمورهم.(1/48)
وعندما صمم الحسين (عليه السلام) على تفجير ثورته المقدسة، ومغادرة الحجاز، كتب رسائل إلى وجهاء البصرة وأشرافها، يدعوهم فيها للإنضمام إلى ثورته واللحاق بركبه . . . ولكنهم قد أرخوا عنان أنفسهم للخوف والجبن، وبخلوا بأرواحهم على رسالتهم وأُمتهم!..
ولكن (مارية) المرأة الأرملة، قامت بنشاط ملحوظ ودور مؤثر، في تشجيعهم لنصرة الإمام الحسين (عليه السلام) وتحفيزهم على الإنضمام إلى ثورته المقدسة.
فيروى أنها أقبلت إلى مجلسها بعد أن اجتمع فيه الأشراف والوجهاء، ووقفت أمامهم تجهش بالبكاء والنحيب . .
وسألها الحاضرون عن سبب صراخها وغضبها؟.
فقالت: ويلكم ما أغضبني أحد! . . ولكن أنا امرأة ما اصنع؟ سمعت أن الحسين ابن بنت نبيكم استنصركم وأنتم لا تنصرونه؟!.
فأخذوا يعتذرون منها لعدم السلاح والراحلة!.
فقالت: أهذا الذي يمنعكم؟.
قالوا: بلى.
فالتفتت على جاريتها وقالت لها.
- انطلقي إلى الحجرة، وآتيني بالكيس الفلاني.
فانطلقت الجارية، وجاءت بالكيس . .
وفتحت (مارية) الكيس وأفرغته على الأرض، فإذا دنانير ودراهم . . فقالت:
فليأخذ كل رجل منكم ما يحتاجه وينطلق إلى نصرة سيدي ومولاي الحسين(5) !..
هكذا تقدم (مارية) درساً ثورياً بليغاً للأجيال، حينما تبذل مالها لرحيل الثوار ونصرة الثورة . .
رفضت الماء وأراقته تضامناً مع الشهداء
بينما يتلقى الثوار ضربات العدو القاسية، ويواجهون تحدياته العنيفة، ويعانون من العقبات والأشواك التي يزرعها في طريق الثورة، وأمام الثوار . .
هل يجوز للشعب أن يقف متفرجاً مكتوف الأيدي، يشاهد مصارع أبنائه المخلصين وحُماته الرساليين، دون أن يحرّك ساكناً؟.
كلا . .
إن موقف السلبية والتفرج، أو الحياد وعدم التدخل، موقف خائن أهوج . .
إذ أن القضية ليست صراعاً شخصياً أو نزاعاً على مصالح خاصة بين الثوار والسلطة . .
وإنما هي صراع مبدئي من أجل مصلحة الأمة، وإعلاء كلمة الحق، ولحماية حقوق الناس وحرياتهم . .(1/49)
وسلبية الشعب تجاه الثورة يشجع السلطة على الاستمرار في إنزال أقسى الضربات بالثوار، ويُغريها بالتفنن في أساليب المواجهة للقضاء على الثورة المخلصة . .
وهذا يعني مزيداً من الاستعباد والإرهاب سيعيشه الشعب في ظل تلك السلطة الظالمة، بتخاذله عن نصرة الثائرين من أجل حقوقه وكرامته.
يقول أمير المؤمنين على بن أبي طالب (عليه السلام):
(لو لم تتخاذلوا عن نصر الحق، ولم تهنوا عن توهين الباطل، لم يطمع فيكم مَن ليس مثلكم، ولم يقوَ مَن قويَ عليكم)(1).
وهذه حقيقة ثابتة أكدتها أحداث التاريخ . .
فأي شعب يتقاعس عن الثورة، ويتخاذل عن الثائرين: تطول مدة استعباده ويعاني المزيد من الإرهاب والهوان.
فشعب العراق حينما ساده التخاذل، واتخذت أغلبيته موقف السلبية تجاه ثورة الحسين (عليه السلام) تحت شعار: الحسين سلطان، ويزيد سلطان، وما لنا والدخول بين السلاطين؟!.
وبذلك أعطوا السلطة مجالاً لسحق الثورة وتصفية أبطالها، وبينما هم يتفرجون على ذلك ! . . .
فماذا كان مصيرهم بعد ذلك؟.
كانت النتيجة بعد ذلك أن عاشوا في ظل السلطة الأموية الظالمة، تسومهم الذلّ والهوان، لمدة نصف قرن من الزمن تقريباً! . .
ويحدثنا التاريخ أن أحد ولاة السلطة الأموية على العراق، وهو الحجاج بن يوسف الثقفي، والذي حكم العراق لمدة عشرين سنة، وحينما مات (أُحصي من قتله صبراً سوى من قُتل في عساكره وحروبه، فوجد مائة وعشرين ألفاً! . .
ومات وفي حبسه خمسون ألف رجل، وثلاثون ألف امرأة منهن ستة عشر ألفاً مجرّدة عن الثياب! . .
وكان يحبس النساء والرجال في موضع واحد! . . .
ولم يكن للحبس ستر يستر الناس من الشمس في الصيف ولا من المطر والبرد في الشتاء!)(2).
وقد حذّر الإمام الحسين (عليه السلام) الشعب العراقي من هذا المصير الأسود، عبر خطبته التي ألقاها أمام الجيش في صحراء كربلاء، في اليوم العاشر من المحرم، والتي قال فيها:(1/50)
(تباً لكم أيتها الجماعة وترحاً (أي: بؤساً لكم وحزناً).
أحين استصرختمونا والهين (أي: إن واقعكم السيء في ظل الجور والطغيان، هو الذي دفعنا للثورة).
فأصرخناكم موجفين (ثرنا على الاستبداد الذي يحكمكم بقوة وعنف).
سللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم (فالمفروض أن تنصروا الثائرين من أجلكم لا أن تنصروا السلطة المعتدية).
وحششتم علينا ناراً اقتدحناها على عدوِّنا وعدوكم.
(فنحن لا نكافح السلطة لعداوة شخصية بيننا وبينها، بل لأنها عدوة كل الشعب) . .
ويحكم! أ هؤلاء (السلطة) تعضدون، وعنا (نحن الثوار) تتخاذلون ؟!..
و أيم الله (قسماً بالله) لا تلبثون بعدها إلا كريثما يركب الفرس (فالسلطة استغلتكم لتقوية وجودها بالقضاء على المعارضة) حتى تدور بكم الرحى (تستعبدكم استعباداً شديداً) وتقلق بكم قلق المحور (تشيع الرعب والإرهاب في صفوفكم)(3).
فعلى الشعب أن يكون واعياً لدوره، عارفاً بمسؤوليته، في دعم ثورته المخلصة، والدفاع عن الثوار وحمايتهم.
ويجب على كل فرد من أفراد الشعب، أن يقوم بدور ما في خدمة الثورة، للتضامن مع الثائرين.
فإذا لم يستطع الانخراط في صفوف المجاهدين الثوار، فليدعمهم بالمال، أو ليساهم في الإعلام للثورة، ونشر أهدافها وأفكارها، أو ليقم بأي عمل يتضامن به مع الثوار، ويعلن به شجبه ورفضه لسياسة السلطة وتصرفاتها، بالإضراب أو بالمظاهرة أو بالاعتصام أو بأي شيء أخر . . .
وأطفال الحسين الصغار، وبناته الصغيرات، وهم يعيشون على أرض المعركة (كربلاء)، ويشاهدون تساعد الثوار بحراب العدو . . لم يرضوا لأنفسهم أن يقفوا موقف السلبية، أو يمارسوا دور التفرج والمشاهدة، بل صاروا يبحثون عن وسيلة للتعبير عن تضامنهم مع الثورة، وشجبهم لتصرفات العدو . .(1/51)
ووجدوها وسيلة للتضامن والرفض، ولكنها كانت وسيلة قاسية، فتحمّلوها حيث لم يجدوا غيرها . . فقد رفضوا الماء، رغم ما يعانون من شدة عطش وظمأ . . وسقط بعضهم ميتاً من العطش، ولكنهم أصرّوا على رفض الماء في ذلك اليوم وأضربوا عنه، لأن ذلك هو طريقتهم الوحيدة في التعبير عن موقفهم . .
وترحّم أحد جنود العدو على الأطفال، عندما رآهم يسقطون على الأرض، من شدة العطش، وبعد أن قضوا نهاراً مزعجاً، انهالت عليهم فيه الآلام والمصائب، وفقدوا فيه كل شيء: الرجال . . الخيام . . الأمتعة . . حتى الأقراط نُزعت من آذان البنيات الصغيرات! . .
بعد أن انصرم هذا النهار القاسي، بدأ العطش يسلب قوة تلك الأبدان الضعيفة . . فتتساقط ببراءة على رمال كربلاء . .
تأثر أحد الجنود بهذا المنظر الأليم . . فجاء إلى ابن سعد وسأله: إن كان ينوي قتل الأسرى والأطفال؟.
وحينما أجابه عمر بن سعد بالنفي، التمس منه أن يسمح له بأخذ قربة الماء لهم، ليقاوموا به العناء والظمأ . .
فلم يرفض ذلك ابن سعد.
وأسرع الجندي إلى المشرعة، وملأ آنية خزفية بالماء، وجاء بها إلى الأطفال . . وهم يقفون في صف طويل مدهوشين، لا يفهمون ما يجري حولهم. .
وقدم الجندي آنية الخزف المملوءة بالماء إلى الأول.
كان يظن أنه سيمسكها بكلتا يديه، ويعبّ منها كل ما فيها . . ولكن الطفل عندما رأي ماءً رفض أن يشربه!. .
فقدم الآنية إلى الثاني، ورفض هو بدوره أن يشرب!. .
فقدمها إلى الثالث، فالرابع، فالخامس . . وكلهم رفضوا أن يشربوا!. .
إلا أن الأخير منهم، وكانت فتاة صغيرة، أمسكت بالآنية وانحدرت بها نحو ساحة المعركة . . فلحقها الرجل وهو يصيح:
- أين؟ أين؟
قالت:
- أذهب للحسين . . إنه كان عطشاناً . . أريد الحسين . . فقال لها الرجل:
الحسين قُتل؟ . .
فرمت الآنية، وكسرتها، وأراقت الماء، وقالت:
وا ذلاّه ؟ . .
ماذا كان يملك الأطفال غير العطش وسيلة لرفض الذلّ والخنوع؟.(1/52)
وماذا كانوا يملكون هدية للإمام، ليكون رمزاً للوفاء له، غير كسر آنية الماء؟. .
وهكذا عبّرت البنت الصغيرة –نيابة عن الأطفال- برفض الماء وكسر آنيته، عن تضامنها مع الثورة، ومواساتها للثوار الذين قُتلوا عطاشى!. .
حقاً:
إن الثورة تزيد في الأعمار . .
وإن عجلات التاريخ خلال الثورة تقطع المسافات الطويلة بسرعة كبيرة . .
فيكبر الأطفال بدل الساعة عاماً . . وبدل اليوم قرناً . . ويبدأُون في حمل قضية الأمة وهم في عمر البراعم(4). .
وفازت بالشهادة
ما هو أقرب طريق وأفضل طريق إلى الجنة؟.
بكل قطع وتأكيد تقول النصوص الدينية: إنه الشهادة.
فالشهادة هي اختصار الطريق إلى الجنة، والتخلص من صعوبات التحقيق والحساب على الصراط وفي عرصات القيامة.
فالشهيد يغادر الدنيا إلى الجنة رأساً، وكما في الحديث: إن رأس الشهيد يصل إلى أحضان حور الجنة قبل سقوطه على ارض المعركة . . !
ورأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رجلاً يدعو قائلاً: اللهم إني أسألك خير ما تسأل فاعطني أفضل ما تعطي.
فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن أستجيبت لك اهريق دمك في سبيل الله)(1).
فالشهادة خير ما يطلب من الله وأفضل ما يعطيه الله لأحد من خلقه.
والإنسان المؤمن الواعي لا يختار عن الشهادة بديلاً –إن استطاع- لأن حرمان الشهادة في وقتها يعني انتظار الموت الرخيص على الفراش.
يقول أمير المؤمنين على بن أبي طالب (عليه السلام):
(والذي نفسي بيده، لألف ضربة بالسيف أهون من ميته على فراش)(2).
وبهذا تكون الشهادة قمة الفضل ومنتهى الخير والمجد.
قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إنه قال: (فوق كل ذي برٍّ حتى يُقتل في سبيل الله، فإذا قُتل في سبيل الله فليس فوقه برّ)(3).
وبهذه الرؤية العميقة والروح السامية، كان أبطال كربلاء ينظرون إلى الشهادة ويستقبلونها.(1/53)
فالأم التي كان يُقتل ولدها في سبيل الله، لا تأسف عليه ولا تتألم له، بل تغبطه وتودّ منافسته في فضل الشهادة . . والزوجة التي يخرج زوجها إلى ساحة المعركة تتمنى أن تكون معه لتناضل إلى جنبه في سبيل الله، ولتحظى بالشهادة مثله. .
هذا عبدالله بن عمير الكلبي يخوض المعركة بحماسة واندفاع ويرتجز أثناء القتال قائلاً:
إن تنكروني فأنا ابن الكلبي
إني امرؤٌ ذو مرّةٍ وعضب
ولست بالخوار عند النكب
ومن الخيمة خرجت زوجته أُم وهب، وقد أخذت بيدها عموداً وهي تهرول نحو المعركة، وتشجع زوجها على القتال قائلة: فداك أبي وأُمي، قاتل دون الطيبين ذرية محمد (صلى الله عليه وآله).
وحاول زوجها عبدالله أن يرجعها إلى الخيمة، فرفضت الرجوع . . لولا أن الإمام الحسين (عليه السلام) أسرع إليها طالباً منها الرجوع إلى الخيمة، حيث لم يكن من خطة المعركة اشتراك النساء في القتال . . وقال لها: جُزيتم من أهل بيتٍ خيراً، ارجعي –رحمكِ الله – ليس الجهاد على النساء.
واستجابة لأمر القائد الإمام (عليه السلام)، رجعت أُم وهب إلى الخيمة، والحسرة تأكل نفسها، حيث لم تستطع الاشتراك في المعركة!. .
ولكنها لم تكد تستقر في الخيمة حتى بلغها مقتل زوجها واستشهاده في سبيل الله، فانطلقت تبحث عنه بين جثث القتلى في أرض المعركة . . ولما وصلت إليه جلست إلى جنب جثته المضمخة بدماء الشهادة . . وملء نفسها الثقة والاطمئنان والصمود . . وهي تبارك له عرس الشهادة، وتخاطبه بإيمان وإخلاص قائلة:
- هنيئاً لك الجنة . . أسأل الله سبحانه الذي رزقك الجنة أن يصحبني معك . .
وبينما هي في غمرة المناجاة، إذ أمر شمر بن ذي الجوشن غلامه رستم بقتلها . .
وبعمود من الحديد هشم رأسها، فتقع صريعة إلى جانب زوجها الشهيد، ويختلط دمها بدمه، وترافقه إلى الجنة . .
وهكذا . .
فازت بالشهادة(4). . .
حواشي الفصل :
سورة العلق/ آية 6 .(1/54)
من خطبته (عليه السلام) لأصحابه في كربلاء، راجع تاريخ لبن عساكر ج13 ص74 .
الطبري 4/304 والكامل 3/280 .
سورة التوبة/ آية 71 .
أبين إلا أن يشتركن في الجهاد:
من خطبته (عليه السلام) عند خروجه من مكة، راجع الحدائق الوردية 1/117 ، كشف الغمة 2/241 .
سورة الأحزاب/ آية 13 ز
من دعاء الافتتاح.
سورة التوبة/ آية 44-46 .
حياة الإمام الحسين للقرشي 2/297 .
سورة الروم/ آية 10 .
سورة آل عمران/ آية 178 .
المصدر السابق/ آية 169 .
سورة الكهف/ آية 50 .
سورة هود/ آية 18 .
وسيلة الدارين للسيد ابراهيم الزنجاني ص389 .
بكلمة وضعت زوجها على طريق الجهاد:
سورة يس/ آية 82 .
سورة طه/ آية 120 .
سورة مريم/ آية 27-30 .
سورة ابراهيم/ آية 24-26 .
سورة ق/ آية 18.
الوعظ 1/358.
سفينة النجاة 2/493 .
ثورة الحسين ظروفها الاجتماعية وآثارها الانسانية ص 246 .
المصدر السابق ص249-250 .
أعيان الشيعة 4/92 .
المرأة حين تفوق الرجل:
سورة سبأ/ آية 34-35 .
سورة القصص/ آية 5 .
حياة الإمام الحسين للقرشي 2/386 .
تبذل مالها لترحيل المجاهدين:
حياة الإمام الحسين للقرشي 2/59 .
سورة التوبة / آية 41 .
سورة النساء/ آية 95 .
شجرة طوبى للحائري 2/233 .
حياة الإمام الحسين للقرشي 2/328 .
رفضت الماء وأراقته تضامناً مع الشهداء:
نهج البلاغة خطبة رقم 166 .
مروج الذهب للمسعودي 2/157 ز
مقتل الحسين للمقرم ص234 .
الشهيد والثورة ص231 .
وفازت بالشهادة:
الفقه- كتاب الجهاد لأية الله السيد محمد الشيرازي 1/12 .
المصدر السابق 2/150 .
المصدر السابق 2/150 .
حياة الإمام الحسين للقرشي 3/214 .(1/55)