مَجازُ القُرآنِ
خصَائصهُ الفَنيَّة وبَلاغَته العَربيَّة
 

(1/1)


موسوعة الدراسات القرآنية
(4)
مَجازُ القُرآنِ
خصَائصهُ الفَنيَّة وبَلاغَته العَربيَّة
الدكتور محمد حسين علي الصغير
اُستاذ الدّراسات القرآنية في جامعة الكوفة
---
( 5 )
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
هذه دراسة منهجية لمعلم بارز من معالم البلاغة القرآنية ، تحتضن مجاز القرآن في خصائصه الفنية وبلاغته العربية ، وتمتد لجذوره الأولى بالبحث والكشف ، وتستوعب أصنافه البيانية بالإيضاح والإبانة ، أخذت من القديم أصالته وروعته ، واستلهمت من الحديث تطوره ومرونته ، فانتظم هذا وذاك في مناخ تصويري متكامل ، يعنى من مجاز القرآن بالعبارة حينا ، وبالأسلوب حينا آخر ، وبألفاظ فيما بينهما ، ويخلص في مهمته الى رصد القدرة الإبداعية الناصعة ، ولمس الأداء التعبيري المتطور في لغة القرآن العظيم .
ويعود السبب في اختيارنا مجاز القرآن مادة لهذا البحث ، جدة موضوعة ، ودقة أبعاده ، ووفرة خصائصه ، مما يوصلنا الى المغلق في هذا الفن ، ويوقفنا على المجهول من هذا المنظور . لقد بحث مجاز القرآن على صعيد لغوي خالص عند القدامى ، ولم تمتد يد الباحثين الى قيمته البلاغية عملا مستقلا ، ولم نجد من حقق القول في حدّه الاصطلاحي أو بعده الموضوعي ، أو أصالته البيانية ، بل كان موضوعه في البحث باعتباره أصلا لغويا في المفردات ، ومعبرا تفسيريا للكلمات تلك مظنة كتب معاني القرآن ، ومعاجم غريب القرآن .
وكان لا بد لهذه القاعدة أن تشذ ، ولهذا الإطراد أن يتزلزل ، فجاء تلخيص البيان للشريف الرضي ( ت : 406 هـ ) متخصصا في مجازات القرآن ، ولكنه المجاز بالمعنى العام الذي يشمل الأستعارة والتمثيل والتشبيه والكناية والتورية في جملة ما ورد عرضه فيه مؤكدا الأستعارة ان لم يكن
---
( 6 )

(2/1)


قاصدا اليها بالذات باسطلاح المجاز . وباستثناء هذه البادرة التي أفردت المجاز القرآني بالمعنى الموما إليه في كتاب خاص ، فقد وجدنا مجاز القرآن في مصنفات الرواد الأوائل ، قد ورد عرضا في الاستطراد ، أو جاء فصلا من باب ، أو استغرق بابا في كتاب .
ومن هنا كانت القيمة الفنية لم تتوافر مظاهرها على الأقل في جهد متميز في مجاز القرآن فلم تتضح أجزاؤه البلاغية في كتب المفسرين والبيانيين معا ، لأنه يبحث جزءا من كلي إعجاز القرآن ، وحسن نظمه ، وجودة تأليفه ، واشتماله على مفردات بلاغة العرب في أفضل الوجوه ، وذلك عند علماء التفسير وإعجاز القرآن ، وقد يفرد في فصل عائم في الخضم البلاغي المتلاطم باعتباره أحد أمثلة البيان ، والبيان والمعاني والبديع أركان البلاغة عند البالغيين القدامى .
أما الدراسات الحديثة فمع اهتمامها بالقرآن ، الا أنها فيما يبدو لي أهملت مجازه إهمالا ملحوظا يحسّ به الباحث لدى الأستقراء ، وقد لا يكون هذا الإهمال مقصودا اليه ، وإنما جاء نتيجة طبيعية لدراسته ضمن فصول البيان العربي وهي : المجاز والتشبيه والأستعارة والكناية ، فكان فرعا من أصل ، ومفردة من علم ، ولم يحظ بدراسة مستقلة تهدف الى سبر حسّه النقدي ، وإيحائه اللفظي ، وثروته اللغوية ، وعمقه البياني ، وتنميته الجمالية ، وهو ما تحاوله هذه الدراسة .
وكانت منهجية هذه الدراسة تتمثل في خمسة فصول :
الفصل الأول : وهو بعنوان : مجاز القرآن في الدراسات المنهجية ، وهو فصل تاريخي بلاغي بآن واحد ، تتبع مجاز القرآن عند الروّاد الأوائل ، وتمحض له بإطاره البلاغي العام ، ووقف عند ثمراته في مرحلة التأصيل ، وتحدث عنه في جهود المحدثين .

(2/2)


الفصل الثاني : وهو بعنوان : مجاز القرآن وأبعاده الموضوعية ، وهو فصل تحليلي في ضوء النقد الموضوعي ، بحث : حقيقة المجاز بين اللغة والاصطلاح ، ووقوع المجاز في القرآن الكريم ، وتقسيم المجاز القرآني وتعدد القول فيه ، والخلوص الى ان مجاز القرآن : عقلي ولغوي فحسب ،
---
( 7 )
وحدد بذلك هويته ، وأرسى أسس منهجيته .
الفصل الثالث : وهو بعنوان : مجاز القرآن والخصائص الفنية ، وكان هذا الفصل غنيا بالأصول النقدية ، وحافلا بالاستنباط البياني ، فبحث بعمق وتنظير : خصائص المجاز الفنية ، وكانت تلك الخصائص في مجاز القرآن : أسلبية ونفسية وعقلية .
الفصل الرابع : وهو بعنوان : المجاز العقلي في القرآن ، وكان هذا الفصل ثريا ببيان وبلاغة المجاز القرآني في ضوء : تشخيص المجاز العقلي في القرآن وعند العرب ، ورصد المجاز العقلي في القرآن بين الإثبات والإسناد ومعانيه قرينة المجاز العقلي في القرآن ، وتوجيه علاقات المجاز العقلي في القرآن .
الفصل الخامس : وهو بعنوان : المجاز اللغوي في القرآن ، وكان هذا الفصل ميزانا لقيمة الثروة الإضافية التي سيّرها مجاز القرآن ، ومعيارا لسيرورة البلاغة العربية التي حفل بها مجاز القرآن ، وذلك من خلال مباحثه التطبيقية : المجاز اللغوي بين الأستعارة والإرسال ، انتشار المجاز اللغوي المرسل في القرآن ، ملامح عن علاقة المجاز اللغوي المرسل في القرآن .
هذه الفصول الخمسة بما اعتمدته من منهج عربي تراثي ، اختص الأول منها بمسيرة المجاز القرآني منذ نشوء الحديث عنه حتى العصر الحاضر ، واستلهم الفصل الثاني منها حدود المجاز الاصطلاحية ، وتقسيماته البيانية ، وأبعاده الموضوعية ، ووقف الفصل الثالث منها عند الخصائص الفنية الكلية في مجاز القرآن ، وتمحض الرابع والخامس لشؤون البلاغة العربية في مجاز القرآن ، فطرح ما هو طارىء عليها ، وأكد على الموروث القرآني بخاصة .

(2/3)


وكانت مصادر هذا البحث ومراجعه ، تهتم بالأصيل عند القدامى والجديد عند المحدثين ، فكانت كتب البلاغة والتفسير واللغة واليقد والأدب وعلوم القرآن ، رافدا يستمد منه البحث ريادته في استقراء الحقائق ، واستكناه المجهول ، وإضاءة المنهج .
---
( 8 )
ولا أدعي لهذا البحث الكمال ، فالكمال لله وحده ، ولكنه ألق من شعاع القرآن ، ونفح من عبير أياته ، وقبس من رصين عباراته ، أخلصت فيه القصد لله عزّ وجلّ ، عسى أن ينتفع به الناس وأنتفع :
( يَوْمَ لا ينفع مَالٌ وَلا بَنُونَ * إلاّ مَنْ أتى الله بِقَلّبِ سَلِيمِ* ) .
وما توفيقي إلا بالله العلي العظيم عليه توكلت وإليه أنيب ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .
النجف الأشرف .
الدكتور
محمد حسين علي الصغير
أستاذ في جامعة الكوفة
---
( 9 )
الفصل الأول
مجاز القرآن في الدراسات المنهجية
1 ـ مجاز القرآن عند الروّاد الأوائل
2 ـ مجاز القرآن بإطاره البلاغي العام
3 ـ مجاز القرآن في مرحلة التأصيل
4 ـ مجاز القرآن في دراسات المحدثين
---
( 10 )
---
( 11 )
1 ـ مجاز القرآن عند الروّاد الأوائل :

(2/4)


سحر العرب بجمال القرآن وجلالته ، وبهروا بروعته وحسن بيانه ، ووقفوا عند جزئياته البلاغية ، واستعذبوا نوادر استعمالاته في فن القول ، ذلك ما شكل عندهم ذائقة لغوية متأصلة ، وأمدّهم بحاسة نقدية متمكنة تتجه بالبيان العربي الى موكب الزحف الدلالي المتطور ، وتدفع بالمنهج البلاغي الى المناخ الموضوعي المطمئن ، فحدب علماؤهم على هذا العطاء ، الجديد يقتطفون ثماره ، وعمدوا الى هذا السبيل يجددون آثاره ، فكان نتيجة لهذا الجهد المتواصل البنّاء .. رصد المخزون الحضاري في تراث القرآن البلاغي واللغوي ، وبدأ التصنيف في هذا المخزون يتجدد ، والتأليف بين متفرقاته يأخذ صيغة الموضوعية ، فنشأ عن هذا وذاك حشد بياني من المصطلحات ، وتبلور فضل تدقيق في شتى المعارف الإنسانية ، وتوارث الخلف عن السلف محور الأصالة في التحقيق ، كانت عائديته الأبتعاد بالتراث اللغوي عن التعقيد والغرابة والأسفاف ، والصيانة له عن الانحطاط والتدهور والضياع ، والأزدلاف به عن الوحشي والتنافر والدخيل .
وكان القرآن الحكيم أساس هذا الإصلاح ، ومادة هذا التطور في مثله اللغوية وأسراره العربية ؛ وما دام الأمر هكذا فالعرب والمسلمون بإزاء الكشف عن خبايا هذا الكتاب وكنوزه ، ودراسة مختلف قضاياه الفنية .
وقد كان الأمر كذلك ، وكان التوجه للقرآن الكريم بهذه النظرة الفاحصة منذ عهد مبكر ، فعكف المسلمون على جمعه وتدوينه وتوحيد قراءاته ، وكان أن ضمّت جميع آياته الى سوره ، وجمعت كل سوره في المصحف وبدأ تدارسه في نزوله وأسبابه وتشكيله ، وحفظه في الصدور وعلى السطور ، فكان ما فيه متواترا دون ريب ، وسليما دون منازع ، تحقيقا
---
( 12 )
لقوله تعالى ( إنا نحن نزّلنا الذّكر وإنّا له لحافظون * )(1) .
وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا .

(2/5)


كان هذا الجهد المتميز قد بدأه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالذات ، فكان الأثر مصانا ، والتنزيل ، كما هو ـ لا زيادة فيه ولا نقصان , والكتاب في سلامة بكل تفصيلاته التدوينية والجمعية والشكلية (2) .
وبدأت مدارس التفسير الأولى في كل من مكة والمدينة والكوفة والبصرة ، ترفد العالم الإسلامي بسيل من المعارف لا ينضب ، وتنير أمام الدارسين الدرب بمصابيح من الهداية لا تخبو .
وكان الأئمة والصحابة والتابعون ومن اتبعهم بإحسان ، يعبّدون الطريق بين يدي المتعلمين والباحثين والمصنفين ، حتى اتسع مجال التفسير ، وتعدد منهج التأويل ، وكثر طلاب العلم ، وأخذ كل بمبادرة التّحصيل ، فوضح السبيل ، وانتشرت الثقافات(3) .
وكان وراء هؤلاء جهابذة اللغة ، وفحول العربية يحققون ويتتبّعون ، غير عابئين بثقل الأمانة وفداحة الأمر ، مشمرين السواعد لا يعرفون لينا ولا هوادة ، متناثرين حلقات وجماعات وأفرادا ، يسددون الخطى ، ويباركون السعي ، فبين مستشهد بالموروث المثلي عند العرب ، وبين منظّر بالشعر الجاهلي ، وبين مقتنص للشوارد والأوابد من كلمات القوم وحكمهم ، وبين متنقل في الحواضر والبوادي والقصبات ومساقط المياه ، يسأل ويدون ، ويصنف ويستجمع ، ويقارن ويقعّد ، كل ذلك بهدف واحد هو الاعتداد بالقرآن وتراثيته ، فضلا عن قدسيته وعظمته : كونه كتاب هداية وتشريع ، ودستور السماء في الأرض الى يوم يبعثون .
كان ما أسلفنا موروثا حضاريا في القرنين الأول والثاني من الهجرة النبوية المباركة ، حتى إذا أطل القرن الثالث وجدنا التوجه منصبا حول لغة
____________
(1) الحجر : 9 .
(2) ظ : المؤلف ، تاريخ القرآن ، الفصول : جمع القرآن ، نزول القرآن ، سلامة القرآن . الدار العالمية ، بيروت ، 1983 .
(3) ظ : المؤلف ، المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم ، مراحل التفسير : 131 ـ 141 .
---
( 13 )

(2/6)


القرآن ، ومعاني مفرداته ، وسيرورة ألفاظه ، وكانت دائرة هذا الجهد اللغوي ، متشعبة في بدايات مسيرتها التصنيفية ، وإن كانت متحدة في مظاهرها الدلالية ، فالأسماء مختلفة والإنجازات متقاربة ، حتى كأن العطاء واحد في جوهره ، وإن تعددت عناوينه التي استقطبت الصيغ الآتية : معاني القرآن و ومجاز القرآن و غريب القرآن .
وهذه الكتب على وفرتها تتحدث عن مسار اللفظ القرآني ، ودلالته لغة ، وتبادره مفهوما عربيا خالصا ، فكان ذلك معنى : مجاز القرآن وغريبه ومعانيه في سيرورة مؤدي الألفاظ في حنايا الذهن العربي ، دون إرادة الاستعمال البلاغي ، ودون التأكيد على المجاز أو المعاني في الصيغة الاصطلاحية ، أو الحدود المرسومة لدى علماء المعاني والبيان . لقد امتازت هذه الحقبة بالتدوين المنظّم لغريب القرآن وشوارده ، وأثرت فيما بعد بالحركة التأليفية المتفتحة في اللغة والمجاز القرآني بمئات المصنفات القيمة ، ولكن بالمعنى المشار اليه آنفا ، دون المعنى البياني .
هناك جمهرة لامعة من كتب المعاني لأعلام العرب ، وأئمة اللغة ، وفطاحل النحو ، تتوجه تلك الحقبة الذهبية ، ويمكن ترتيبها على النحو الآتي :
1 ـ معاني القرآن . . . لأبي جعفر الرؤاسي
2 ـ معاني القرآن . . . لعلي بن حمزة الكسائي
3 ـ معاني القرآن . . . ليونس بن حبيب النحوي
4 ـ معاني القرآن . . . ليحيى بن زياد الفراء
5 ـ معاني القرآن . . . لمحمد بن يزيد المبرد
6 ـ معاني القرآن . . . لأبي فيد مؤرج السدوسي
7 ـ معاني القرآن . . . لثعلب ، أحمد بن يحيى
8 ـ معاني القرآن . . . للأخفش ، سعيد بن مسعدة
9 ـ معاني القرآن . . . للمفضل بن سلمة الكوفي
10 ـ معاني القرآن . . . لأبن كيسان
---
( 14 )
11 ـ معاني القرآن . . . لابن الأنباري
12 ـ معاني القرآن . . . لأبي إسحاق الزجاج
13 ـ معاني القرآن . . . لخلف النحوي
14 ـ معاني القرآن . . . لأبي معاذ بن خلف النحوي

(2/7)


15 ـ معاني القرآن . . . لعلي بن عيسى الجراح
16 ـ معاني القرآن . . . لأبي عيينة بن المنهال(1) .
وكل هذه الكتب لا علاقة لها بعلم المعاني ، وإنما تبحث عن المعنى اللغوي .
وقد احتفظ لنا ابن النديم بطائفة من أسماء من ألفوا بغريب القرآن ، وعلى نهج معاني القرآن بالضبط ، وقد نجد من بين هذه المصنّفات من يسمي كتابه معاني القرآن ويسمى غريب القرآن أيضا ، وذلك لعدم الفرق بين الإسمين عندهم :
1 ـ غريب القرآن . . . لابن قتيبة ، عبد الله بن مسلم
2 ـ غريب القرآن . . . لأبي فيد مؤرج السدوسي
3 ـ غريب القرآن . . . لمحمد بن سلام الجمحي
4 ـ غريب القرآن . . . لأبي عبد الرحمن اليزيدي
5 ـ غريب القرآن . . . لأبي زيد البلخي
6 ـ غريب القرآن . . . لأبي جعفر بن رستم الطبري
7 ـ غريب القرآن . . . لأبي عبيد ، القاسم بن سلام
8 ـ غريب القرآن . . . لمحمد بن عزيز السجستاني
9 ـ غريب القرآن . . . لأبي الحسن العروضي
10 ـ غريب القرآن . . . لمحمد بن دينار الأحول(2) .
____________
(1) ظ : ابن النديم ، الفهرست : 51 ـ 52 .
(2) ظ : المصدر نفسه : 52 .
---
( 15 )
وقبل هؤلاء كان أبان بن تغلب الكوفي ( ت : 141 هـ ) قد ألف كتاب الغريب في القرآن وذكر شواهده من الشعر(1) .
وبعد هذه الجريدة في معاني القرآن وغريب القرآن ، يبقى مجاز القرآن ، ويبدو أن التسمية بهذا العنوان كانت من سبق أبي عبيدة ، معمّر بن المثنى الليثي ( ت: 210 هـ ) فكان من أوائل من كتبوا في هذا الأسم بالذات بالمؤشر الذي أوضحناه ، فوضع كتابه مجاز القرآن على هذا النحو ، وهو كتاب لغة وتفسير مفردات ، لا كتاب بلاغة وبيان ، والدليل على ذلك أنه قد يسمى غريب القرآن باعتباره ترادف الغريب والمجاز عندهم ، كترادف الغريب والمعاني ، وقد نص على تسميته بهذا الإسم غريب القرآن ابن النديم(2) .
وقال إبن خير الأشبيلي :

(2/8)


وأول كتاب جمع في غريب القرآن ومعانيه : كتاب أبي عبيدة : معمر بن المثنى ، وهو كتاب المجاز (3) .
وقد أيّد الزبيدي هذا الاتجاه فقال :
سألت أبا حاتم عن غريب القرآن لأبي عبيدة الذي يقال له المجاز (4) . وهذان النصان يؤيدان ما نذهب اليه أن لا علاقة لمجاز أبي عبيدة بالمجاز الصطلاحي ، حتى قال محققه الدكتور سزكين : ومهما كان من أمر فإن ابا عبيدة يستعمل في تفسيره للآيات هذه الكلمات : مجاز كذا و تفسير كذا و معناه كذا و وغريبه و تقديره و تأوليه على أن معانيها واحدة أو تكاد .
ومعنى هذا أن كلمة المجاز عنده عبارة عن الطريق التي يسلكها
____________
(1) ظ : الخوئي ، معجم رجال الحديث : 1/ 32 .
(2) ظ : ابن النديم ، الفهرست : 52 .
(3) ابن خير ، الفهرست : 134 .
(4) الزبيدي ، طبقات النحويين :125 .
---
( 16 )
القرآن في تعبيراته ، وهذا المعنى أعم بطبيعة الحال من المعنى الذي حدده علماء البلاغة لكلمة المجاز (1) .
ولا أدلّ على هذا المذهب من قول أبي عبيدة نفسه وهو بإزاء تحرير مجاز القرأن وفي القرآن ما في الكلام العربي من وجوه الأعراب ، ومن الغريب والمعاني (2) .
فهو بصدد هذا الملحظ الذي ذكره ، وإن اشتمل مجموع ما أفاضه مجاز القرآن على جملة من أنواع المجاز الاصطلاحي ، ولكنه إنما يقصد بالمجاز معناه اللغوي ، وقد يقصد به أحيانا : الميزان الصرفي ، وقد يعني به نحو العرب وطريقتهم في التفسير والتعبير ، وهو الأعم الأغلب في مراده .
وبعد هذا نستطيع ـ مطمئنين ـ ان نقرر أن كلمة مجاز إنما هي تسمية لغوية تعني التفسير ، فالمعرفة بأساليب العرب ، ودلالات ألفاظها ، ومعاني أشعارها ، وأوزان ألفاظها ، ووجوه إعرابها ، وطريق قراءاتها ، كل ذلك سبيل موصلة الى المعنى ، فمجاز القرآن يقصد أبو عبيدة به المعبر الى فهمه ، فالتسمية لغوية وليست إصطلاحية (3) .

(2/9)


ومهما يكن من أمر فقد عالج ابو عبيدة في مجاز القرآن كيفية التوصل الى فهم المعاني القرآنية باحتذاء أساليب العرب في كلامهم وسننهم في وسائل الإبانة عن المعاني ، ولم يعن بالمجاز ما هو قسيم للحقيقة ، وإنما عني بمجاز الآية : ما يعبر به عن الآية (4) .
وكان سبيل أبي عبيدة في مجاز القرآن نفسه سبيل معاصره أبي زكريا الفرّاء ( ت : 207 هـ ) في معاني القرآن وجزءا من سبيل إبن قتيبة في تأويل مشكل القرآن في حدود معينة ، لأن كتاب ابن قتيبة ( ت : 276 هـ ) قد اشتمل على مباحث مجازية مهمة ، كما سنشاهد هذا في مرحلة التأصيل ، اذ عقد للمجاز ـ بمعناه العام حينا وبمعناه الاصطلاحي الدقيق
____________
(1) فؤاد سزكين ، مجاز القرآن ، المقدمة : 1 / 18 .
(2) أبو عبيدة ، مجاز القرآن : 1 / 8 .
(3) مصطفى الصاوي الجويني ، مناهج في التفسير : 77 .
(4) ظ : أحمد مطلوب ، فنون بلاغية : 92 .
---
( 17 )
حينا آخر ـ بابا خاصا تناول فيه فصولا من المأهول المجازي في الاستعارة والمجاز والتمثيل(1) .
والذي يبدو لي من تعقب هذه الحقبة أن الاتجاه المنظور اليه لدى العلماء في مصنفاتهم التي أوردناها كان البحث المنظّم والمفهرس في غريب القرآن ، ومعانيه اللغوية ، وشوارده العربية ، ولم يكن لمجاز القرآن ولا لمعاينه بالاصطلاح البلاغي فيها أي إرادة مسبقة ، وإن وردت بعض الإشارات البلاغية بإطارها العام مما لا بد منه في إيضاح المعنى اللغوي فالبلاغة جزء من علم اللغة .


2 ـ مجاز القرآن بإطاره البلاغي العام :

(2/10)


يبدو أن الجاحظ ( ت : 255 هـ ) هو أول من استعمل المجاز للدلالة على جميع الصور البيانية تارة ، أو على المعنى المقابل للحقيقة تارة أخرى ، بل على معالم الصورة الفنية المستخلصة من اقتران الألفاظ بالمعاني ، فهو كمعاصريه يعبر عن جمهرة الفنون البلاغية كالاستعارة والتشبيه والتمثيل والمجاز نفسه ، يعبر عنها جميعا بالمجاز ، ويتضح هذا جليا في أغلب استعمالات الجاحظ البلاغية التي يطلق عليها اسم المجاز ، وقد انسحب هذا على المجاز القرآني لديه (2) .
ويعلل هذا التواضع عند الجاحظ ومعاصريه بأمرين :
الأول : إرجاع صنوف البيان العربي وتفريعاته الى الأصل ، وهو عندهم : المجاز بمعناه الواسع .
الثاني : عدم وضوح استقلالية هذه المصطلحات بالمراد الدقيق منها في مفهومها ودلالتها كما هي الحال في جلائها بحدود معينة بعد عصر الجاحظ عند كل من ابن قتيبة ( ت : 276 هـ ) وعلي بن عبد العزيز المعروف بالقاضي الجرجاني ( ت : 366 هـ ) وعلي بن عيسى الرماني ( ت : 386 هـ ) وسليمان بن حمد الخطابي ( ت : 388 هـ ) وأبي هلال العسكري
____________
(1) ظ : ابن قتيبة ، تأويل مشكل القرآن : 76 وما بعدها .
(2) ظ : استعمالات الجاحظ لاطلاقات المجاز ، الحيوان : 5 / 23 ـ 34 .
---
( 18 )
( ت : 395 هـ ) مما قد يعتبر بدايات إصطلاحية في إطار ضيق ، ولكنه قد يحدد بعض معالم الرؤية .
فالجاحظ حينما يتحدث عن المجاز القرآني فإنه ينظر له بقوله تعالى : ( إنّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا * )(1) .
ويعد هذا من باب المجاز والتشبيه على شاكلة قوله تعالى : ( أكّالون للسّحت )(2) . وعنده أن هذا قد يقال لهم ، وإن شربوا بتلك الأموال الأنبدة ، ولبسوا الحلل ، وركبوا الدواب ، ولم ينفقوا منها درهما واحدا في سبيل الأكل ، وتمام الآية ( إنّما يأكلون في بطونهم نارا ) مجاز آخر . . . فهذا كله مختلف ، وهو كله مجاز(3) .

(2/11)


والجاحظ هنا ينظر الى المجاز باعتباره في قبال الحقيقة ، وهو قسيم لها ، في تنظيره له ، وتلك بداية لها قيمتها الفنية .
ويرى البعض أن إطلاق المجاز في معناه الدقيق إنما بدأ مع المعتزلة ،وهم مجوزون له لوروده في القرآن ، وقد أشار الى ذلك ابن تيمية ، واعتبر المجاز دون مبرر أمرا حادثا ، وفنا عارضا ، لم يتكلم به الأوائل من الأئمة والصحابة والتابعين ، فقال :
وتقسيم الألفاظ الدالة على معانيها الى حقيقة ومجاز ، وتقسيم دلالتها أو المعاني المدلول عليها إن استعمل لفظا الحقيقة والمجاز في المدلول أو الدّلالة ، فإن هذا كله قد يقع في كلام المتأخرين ، ولكن المشهور أن الحقيقة والمجاز من عوارض الألفاظ ، وبكل حال فهذا التقسيم إصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثالثة الأولى . . وأول من عرف أنه تكلم بلفظ المجاز ، هو أبو عبيدة معمّر ابن المثنى في كتابه ،
____________
(1) النساء : 10 .
(2) المائدة : 42 .
(3) ظ : الجاحظ ، الحيوان : 5 / 25 وما بعدها .
---
( 19 )
ولكنه لم يعن بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة ، وإنما عني بمجاز الآية ما يعبر عن الآية . . . وإنما هذا إصطلاح حادث ، والغالب أنه كان من جهة المعتزلة ونحوهم من المتكلمين(1) .
ولا نريد أن نناقش إبن تيمية في نفيه لمصطلح المجاز في القرون الثلاثة الأولى ، في حين استعمله بمعناه الاصطلاحي العام كل من الجاحظ ( ت : 255 هـ ) وابن قتيبة ( ت : 276 هـ ) وهما من أعلام القرن الثالث ، لا نجادله يهذا لوضوح وروده ، بقدر ما نؤيده في حدود أن المعتزلة كانوا مجدين في هذا المنحى ، وإن كان الفضل الحقيقي في إرساء اسسه ، واستكمال مناهجه يعود الى الشيخ عبد القاهر وهو ليس معتزليا .
وكان محمد بن يزيد المبرد ( ت : 285 هـ ) قد استعمل المجاز بالمؤدى نفسه الذي استعمله به أبو عبيدة من ذي قبل للدلالة على ما يعبر به عن تفسير لفظ الآية أو ألفاظها ، ولا دلالة إصطلاحية عنده فيه(2) .

(2/12)


على أن إبن جني ( ت : 392 هـ ) قد أشار الى حقيقة وقوع الكلام مجازا في عدة مواضع من الخصائص ونصّ عليه بل ذهب الى أولويته في الكلام ، ووافق إبن قتيبة في موارد منه ، وأخذ ذلك عنه ، كما سنرى . يقول إبن جني في هذا السياق : إعلم أن أكثر اللغة مع تأمله مجاز لا حقيقة ، وذلك عامة الأفعال ، نحو : قام زيد ، وقعد عمر ، وانطلق بشر ، وجاء الصيف ، وانهزم الشتاء . ألا ترى أن الفعل يفاد منه معنى الجنسية . فقولك : قام زيد معناه : كان منه القيام ، وكيف يكون ذلك وهو جنس ، والجنس يطبق جميع الماضي وجميع الحاضر ، وجميع الآتي الكائنات من كل من وجد منه القيام . ومعلوم انه لا يجتمع لأنسان واحد في وقت ولا في مئة ألف سنة مضاعفة القيام كله الداخل تحت الوهم ، هذا محال عند كل ذي لبّ ، فإذا كان كذلك علمت أن ( قام زيد ) مجاز لا حقيقة ، وإنما هو وضع الكل موضع البعض للاتساع والمبالغة وتشبيه القليل بالكثير(3) .
____________
(1) ابن تيمية ، كتاب الأيمان : 34 .
(2) ظ : المبرد : المقتضب في أغلب استعمالاته لإطلاق المجاز .
(3) ابن جني ، الخصائص : 2 / 448 .
---
( 20 )
وهذا التعليل من ابن جني قائم على أساس نظرة الموحدين وأهل العدل في مقولتهم لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين . فالله سبحانه وتعالى موجد القوة في الإنسان على القيام ، والإنسان يؤدي ذلك القيام ، ولكن لا بحوله ولا قوته ، فليس هو قائما في الحقيقة ، بل الطاقة التي أوجدها الله تعالى عنده ، هي وما خوله إياه كانا عاملين أساسين في القيام ، فلا هو بمفرده قائم ،ولا القيام بمنفي عنه ، وإنما هو أمر بين أمرين ، فكان القيام بالنسبة اليه مجازا .

(2/13)


ولا يهمنا هذا بقدر ما يهمنا إشلرة إبن جني الى المجاز في عدة مواضع من الخصائص ، لعل أهمها من يجعل فيه المجاز بعامة قسيما للحقيقة ، متحدثا عنه وعن خصائصة بإطار بلاغي عام قد يريد به التشبيه والاستعارة والمجاز بوقت واحد ، وذلك قوله : إن الكلام لا يقع في الكلام ويعدل عن الحقيقة إليه إلا لمعان ثلاثة هي : الاتساع والتوكيد والتشبيه ، فإن عدمت هذه الأوصاف الثلاثة كانت الحقيقة البتة (1) .
ولا نريد ان ننقاقش إبن جني في هذا الاتساع وذلك التوكيد أو التشبيه كما فعل إبن الأثير ( ت : 637 هـ ) في متابعته هذه الوجوه ، فذلك مما يخرج البحث عن دائرته الى قضايا هامشية لا ضرورة اليها ، بل نقول أن المجاز في قيمته الفنية لا يختلف عن الحقيقة في قيمتها الفنية ، فكلاهما يهدف الى الفائدة المتوخاة من الكلام . قال الحسن بن بشير الآمدي ( ت : 370 هـ ) الكلام إنما هو مبني على الفائدة في حقيقته ومجازه (2) .
وكان علي بن عيسى الرماني ( ت : 386 هـ ) وهو ممن عاصر ابن جني ، ينظر الى الاستعارة باعتبارها استعمالا مجازيا ، وعدّها أحد أقسام البلاغة العشرة ، واكتفى بذكرها عن ذكر المجاز(3) ، مما يعني أنه يرى فيما هو قسيم للحقيقة مجازا وذلك صريح قوله : وكل استعارة حسنة فهي توجب بيان ما لا تنوب منابه الحقيقة ، وذلك أنه لو كان تقوم مقامه
____________
(1) المصدر نفسه : 2 / 442 .
(2) الآمدي ، الموازنة بين الطائيين : 179 .
(3) ظ : الرماني ، النكت في إجاز القرآن : 76 .
---
( 21 )
الحقيقة ، كانت أولى به ، ولم تجز ، وكل استعارة فلا بد لها من حقيقة ، وهي أصل الدلالة على المعنى . . . ونحن نذكر ما جاء في القرآن من الأستعارة على جهة البلاغة (1) .

(2/14)


ومن هذا يبدوا أن الرماني قد لحظ المجاز بإطاره البلاغي العام ، فكل ما كان غير حقيقي سواء أكان إستعارة أم مجازا فهو استعمال مجازي ، وينظر لهذا بعشرات الآيات القرآنية ، ويعطي المعنى الحقيقي ، والمجازي بهذا المنظور الذي أوضحناه ، شأنه بهذا شأن من سبقه الى النظرة نفسها . ففي قوله تعالى ( ولمّا سكت عن موسى الغضب )(2) . قال الرماني وحقيقته إنتفاء الغضب ، والأستعارة أبلغ لأنه انتفى انتفاء مراصد بالعودة ، فهو كالسكوت على مراصدة الكلام بما توجبه الحكمة في الحال ، فانتفى الغضب بالسكوت عما يكره ، والمعنى الجامع بينهما الإمساك عما يكره (3) .
وفي قوله تعالى ( لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم ) ، (4) ينظر الرماني إلى المجاز في ريبة إلى أنه استعارة ، مما يعني عدم وضوح التمييز بين المجاز والاستعارة عنده ، وكلاهما مجاز بالمعنى العام عنده ، إذ عبر الله عن البنيان بأنه ريبة ، وإنما هو ذو ريبة كما يرى ذلك الرماني ، وإذا صير هذا الاطلاق عليه فهو مجاز ، والتعبير عنه بالاستعارة عند الرماني يعني أن النظرة للاستعارة والمجاز على حد سواء .
يقول الرماني في تعقيبه على الآية الكريمة وأصل البنيان إنما هو للحيطان وما أشبهها ، وحقيقيته إعتقادهم الذي عملوا عليه ، والاستعارة أبلغ لما فيهامن البينان بما يحس ويتصور ، وجعل البنيان ريبة وإنما هو ذو ريبة ، كما تقول : هو خبث كله ، وذلك أبلغ من أن يجعله ممتزجا ، لأن قوة الذم للريبة ، فجاء على البلاغة لا على الحذف الذي إنما يراد به الإيجاز في العبارة فقط (5) .
____________
(1) المصدر نفسه : 86 .
(2) الأعراف : 154 .
(3) الرماني : النكت في إعجاز القرآن : 87 .
(4) التوبة : 110 .
(5) الرماني ، النكت في إعجاز القرآن : 91 .
---
( 22 )

(2/15)


فالرماني الذي يعبر عن المجاز بالاستعارة ، ويضع الاستعارة في التطبيق موضع البحث ، إنما ينظر اليها باعتبارها عملا مجازيا يستدل به على وقوع المجاز في القرآن من وجه ، وعلى دلائل الإعجاز القرآني من وجه آخر .
ويبدو ان نظرة البلاغيين في القرن الرابع من الهجرة كانت متحدة في هذا المقياس بأطاره العام ، فهذا أبو هلال العسكري ( ت : 395 هـ ) قد أشار الى المجاز بمعناه الواسع ونظر له من القرآن الكريم في صنوف الاستعارات القرآنية ، وقد أوضح رأيه في التنصيص على ذلك بقوله : ولا بد لكل استعارة ومجاز من حقيقة ، وهي أصل الدلالة علة المعنى في اللغة (1) .
ويهمنا من هذا القول أنه جعل المجاز قسيما للحقيقة ، واعتبر الاستعارة كذلك لا فرق بينهما وبين المجاز ، وكانت تطبيقاته في هذا المنهج إستعارات القرآن .
والحق أن أبا هلال كان ذا حدس إستعاري ، وحس بياني ، وذائقة بلاغية ناضجة فيما أورده من شواهد قرآنية في هذا المقام ، ففي قوله تعالى : ( وقدمنا الى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورا * )(2) . يقول أبو هلال : حقيقته عمدنا ، وقدمنا أبلغ ، لأنه دلّ فيه على ماكان من إمهاله لهم ، حتى كأنه كان غائبا عنهم ، ثم قدم فأطلع على غير ما ينبغي فجازاهم بحسبه ، والمعنى الجامع بينهما العدل في شدة النكير ، لأن العمد الى إبطال الفاسد عدل ، وأما قوله ( هباءً منثورا ) فحقيقته أبطلناه ، حتى لم يحصل منه شيء ، والاستعارة أبلغ ، لأنه إخراج ما لا يرى الى ما يرى (3) .
وكان السيد الشريف الرضي ( ت : 406 هـ ) قد ألف كتابين في المجاز : لهما أهمية نقدية وبلاغية في البحث البياني في القرآن وعند العرب وهما : تلخيص البيان في مجازات القرآن و والمجازات النبوية ، وكان
____________
(1) العسكري ، كتاب الصناعتين : 276 .
(2) الفرقان : 23 .
(3) العسكري ، كتاب الصناعتين : 277 .

(2/16)


إطلاق المجاز في هذين الأثرين يشمل الاستعارة والتشبيه والتمثيل والمجاز نفسه ، كما سيتضح فيما بعد ، لكنه في عرضه الاصطلاحي أضيق دائرة من فضفاضية الاستعمال الجاحظي ، وعموميته عند الرماني ، واتساعه عند إبن جني والوقوف به عند الاستعارة فحسب عند أبي هلال .
وقد عبر إبن رشيق القيرواني ( ت : 456 هـ ) أن العرب كثيرا ما تستعمل المجاز وتعده من مفاخر كلامها(1) .
ونظرته في هذا نظرة من سبقه في المعنى العام .
إذن فمصطلح المجاز بمعناه الواسع عريق من ناحيتين :
الأولى : استعمال النقاد والبلاغيين العرب له من قبل أن تتبلور دلالته الاصطلاحية الدقيقة .
الثانية : وروده في المظان البيانية واللغوية والتفسيرية بمعنى يقابل الحقيقة ، وإن اشتمل على جملة من أنواع البيان ، أو قصدت به الاستعارة باعتبارها تقابل الحقيقة لأنها استعمال مجازي .
والذي نريد أن ننوه به أن هذا الأصل معرّف بالأصالة منذ عهد مبكر في خطوطه الأولى ، وليس هو من ابتكار المعتزلة ، بقدر ما لهم من فضل في المساهمة فيه شأنهم بذلك شأن البلاغيين فيما بعد عصر الرضي وعبد القاهر .
3 ـ مجاز القرآن في مرحلة التأصيل :
يبدو أن إبن قتيبة ( ت : 276 هـ ) كان سباقا الى بحث المجاز في ضوء القرآن في كتابه تأويل مشكل القرآن ولكن التحقيق في الموضوع لديه لم يمثل عملا مستقلا في هذا الباب ، بل شكّل بابا في الكتاب .
وكان الدور الذي قام به الشريف الرضي ( ت : 406 هـ ) دورا حافلا ، إذ كتب تلخيص البيان في مجازات القرآن فكان بحثا متفردا ومتخصصا في الموضوع .
____________
(1) ابن رشيق ، العمدة في محاسن الشعر : 1 / 265 .
---
( 24 )

(3/1)


وجاء الشيخ عبد القاهر الجرجاني ( ت : 472 هـ ) فسلط الأضواء على المجاز في كتابيه دلائل الإعجاز و أسرار البلاغة فكان المنظّر البياني في التطبيق القرآني للمجاز ، حتى بلغ البحث المجازي على يديه مرحلة النضج العلمي والتجديد البلاغي ، فعاد كلا منسجما ، وقالبا واحدا متجانسا بالمعنى الاصطلاحي الدقيق لمفهوم المجاز .
وأتى بعد هؤلاء جار الله محمود بن عمر الزمخشري ( ت : 538 هـ ) فاعترف من بحري الرضي والجرجاني ، ما قوّم به أوده ، وصحّح منهجه ، وأضاف دقة الأختيار ، ولطف التنظير .
فكان الزمخشري وهؤلاء الأقطاب الثلاثة قد دفعوا بمجاز القرآن فنا الى مرحلة التأصيل ، وبلغوا به شوطا الى قمة التأهيل ، فعاد معلما بارزا في التشخيص ، وعلما قائما يشار إليه بالبنان .
وسنقتصر في الحديث عند هذه المرحلة على هؤلاء الأعلام ضمن حدود مقتضبة ، ولمسات إشارية عاجلة ، مهمتها إعلام الجهود ، وإنارة المعالم ليس غير .
ولا يعني التأكيد على هؤلاء الأعلام : الغض من منزلة الآخرين ، أو بخس البلاغيين حقوقهم ، ولكن التوسع في مجاز القرآن عند إبن قتيبة والشريف الرضي وعبد القاهر والزمخشري ، قد فاق في مرحلة التأصيل ، واستقرار المصطلح المجازي ، حدود الإشارة والاختصار عند غيرهم ، وهو ما وقفنا عليه ، لهذا فإن حديثنا عنهم أمس صلة ، وألصق لحمة ، بمرحلة التأصيل منه عند سواهم .
ومع هذا فقد أشرنا في نهاية هذا المبحث الى طائفة من الأعلام الذين ساهموا بإمكانات متفاوتة في هذا المجال :
1 ـ عقد إبن قتيبة ( ت : 276 هـ ) بابا خاصا للمجاز في كتابه : تأويل مشكل القرآن (1) . ويبدوا أن الهدف من ذلك كان كلاميا ، لأن أكثر
____________
(1) حققه في طبعة منقحة الدكتور السيد أحمد صقر وطبع عدة مرات : مطبعة الحلبي .
---
( 25 )

(3/2)


غلط المتأولين كان من جهة المجاز في التأويل ، فتشعبت بهم الطرق ، واختلفت النحل ، وكان بإمكان هؤلاء أن يرجعوا الى سعة المجاز ، فيحسم الأمر ، وتتبسط الدلالات ، لا أن يحملوا ماورد منه في القرآن على الحقيقة فتضلّهم الشبهات .
وقد عمد أبن قتيبة لأبعاض من آيات القرآن الكريم ، وشرح في ضوئها ما يذهب اليه أهل التأويل القائلين بالحقيقة دون المجاز ، ليعود بذلك الى دائرة المجاز فينفي ما قالوا جملة وتفصيلا .
وسيمر علينا في مجال التطبيق لآيات القرآن المزيد من رده على القائلين ببطلان المجاز في القرآن ، ومستشهدا على صحة القول به من خلال الأستعمال الميداني عند العرب في حياتهم اليومية لألفاظ متداولة ، وعبارات قائمة لا يمكن تأويله إلا بالمجاز .
ولكن الملاحظ عند أبن قتيبة أنه قد يخلط الحقيقة بالمجاز ، فتحار باعتباره المجاز أحيانا ، والحقيقة مجازا ، ويحشر لذلك جملة من الآيات القرآنية دليلا على الموضوع .
فهو كما يرى أستاذنا الدكتور بدوي طبانة : لا يرى في إرادة الحقيقة عجبا في مثل قوله تعالى للسماء والأرض :
( ائتيا طوعاً أو كرها ) وقولهما : ( أتينا طائِعين )(1) . أو قوله لجهنم ( هل امتلأت ) فتقول : ( هل من مّزيد )(2) . لأن الله تبارك وتعالى ينطق الجلود والأيدي والأرجل ويسخّر الجبال والطير بالتسبيح(3) .
والحق أن ابن قتيبة صاحب مدرسة إجتهادية في استنباط المجاز من القرآن ، فهو يجيل فكره ، ويستعمل حدسه البلاغي في استكناه المجاز القرآني ليحقق مذهبه الكلامي في إثبات المجاز خلافا لفهم الطاعنين بوقوعه في القرآن .
ففي قوله تعالى ( إن الذّين ءامنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن
____________
(1) فصلت : 11 .
(2) ق : 30 .
(3) ظ : بدوي طبانة ، البيان العربي : 27 وانظر مصادره .
---
( 26 )

(3/3)


ودّاً * )(1) يرى أنه ليس كما يتأولون ، وإنما أراد أنه يجعل لهم في قلوب العباد محبة ، فأنت ترى المخلص المجتهد محببا الى البر والفاجر ، مهيبا ، مذكورا بالجميل ، ونحوه قول الله سبحانه وتعالى في قصة موسى عليه السلام : ( وألقيت عليك محبّة مّنّي )(2) ، لم يرد في هذا الموضوع أني أحببتك ، وإن كان يحبه ، وإنما أراد أنه حببه إلى القلوب ، وقرّبه من النفوس ، فكان ذلك سببا لنجاته من فرعون ، حتى استحياه في السنة التي يقتل فيها الولدان(3) .
ويستمر أين قتيبة في عمليتي الاستنباط والاستدلال عليه من خلال ذائقته الفنية ، وتمرسه في طلاقة البيان العربي ، فيذهب بالمجاز الى ابعد حدوده الاصطلاحية ، وكأنه فنّ قد تأصّل من ذي قبل ، وهذا من مميزات ابن قتيبة في استقراء البعد المجازي .
ولعل من طريف ما استدلّ عليه بسجيته الفطرية قوله تعالى : ( وجعلنا نومكم سباتا * )(4) . فيذهب أن ليس السبات هنا النوم ، فيكون معناه فجعلنا نومكم نوما ، ولكن السبات الراحة ، أي جعلنا النوم راحة لأبدانكم ، ومنه قيل : يوم السبت ، لأن الخلق اجتمع يوم الجمعة ، وكان الفراغ منه يوم السبت ، فقيل لبني إسرائيل : استريحوا في هذا اليوم ، ولا تعملوا شيئا ، فسمي يوم السبت ، أي : يوم الراحة . وأصل السبت التمدد ، ومن تمدد استراح ، ومنه قيل : رجل مسبوت ، يقال : سبتت المرأة شعرها ، إذا نفضته من العقص وأرسلته ، ثم قد يسمى النوم سباتا ، لأنه بالتمدد يكون(5) .
بهذا التذوق الدلالي ، والنظر الموضوعي ، فهم ابن قتيبة مجاز القرآن ، فهل كان من المؤصلين له ، هذا ما اعتقده بحدود غير مبالغ فيها ، شاهدها عشرات الصفحات في تأويل مشكل القرآن وقد خصصها لمجاز
____________
(1) مريم : 96 .
(2) طه : 39 .
(3) ظ : ابن قتيبة ، تأويل مشكل القرآن .
(4) النبأ : 9 .
(5) ظ : ابن قتيبة ، تأويل مشكل القرآن .
---
( 27 )

(3/4)


القرآن بما يعد من أروع البحوث المنجزة في الموضوع ، وستقرأه في جزئيات متناثرة في هذا الكتاب ، قد سبق الى نقطتين مهمتين في خدمة مجاز القرآن :
الأولى : إشارته منذ عهد مبكر الى مسألة الطعن على القرآن في وقوع المجاز فيه ، ومناقشته ذلك ورده على الطاعنين بالموروث المجازي عند العرب وفي القرآن الكريم .
الثانية : إيراده مفردات علمي المعاني والبيان في صدر كتابه بأسمائها الاصطلاحية الدقيقة التي تعارف عليها المتأخرون عن عصره ، وإن استخدام كلمة المجاز بمفهومها العام(1) .
وزيادة على ما تقدم فقد جعل المجاز قسيما للحقيقة ، لأنه قسم الكلام الى حقيقة ومجاز(2) .
وذهب الى أن أكثر الكلام إنما يقع في باب الاستعارة(3) . وهكذا شأن كل ما هو أصيل أن يعطيك الدقة قدر المستطاع .
2 ـ وليس جديدا أن يكون أبو الحسن الشريف الرضي ( ت : 406 هـ ) عالما موسوعيا في المجاز بعامة ، والمجاز النبوي والقرآني بخاصة ، فقد كان ضليعا ببلاغة العرب ، وعلوم القرآن ، واللغة ، والشعر ، والنثر ، وحسن اختياره لطائفة هائلة من خطب وحكم ورسائل أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام ، وتسميته لذلك بـ نهج البلاغة (4) وتعليقاته وشروحه ووقفاته ولمساته البلاغية عليه ، دليل ريادته الأولى في الفن البلاغي ، وتمرسه الاستقرائي لأبعاده المختلفة .
وكتابه القيم تلخيص البيان في مجازات القرآن (5) حافل بالمجاز
____________
(1) ظ : ابن قتيبة ، تأويل مشكل القرآن : 15 .
(2) المصدر نفسه : 78 .
(3) المصدر نفسه : 101 .
(4) طبع مستقلا بتحقيق محمد عبده ، وطبع بشرح ابن أبي الحديد بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم .
(5) حققه الأستاد محمد عبد الغني حسن ، دار إحياء الكتب العربية ، القاهرة ، 1955 .
---
( 28 )
اللغوي من القرآن وضروبه المتشعبة ، ولكنه يؤكد فيه الاستعارة والاستعارة جزء من المجاز تكون علاقة المشابهة ؛ وهكذا الاستعارة في القرآن .

(3/5)


ويرى الدكتور بدوي طبانة أن نقصا كبيرا قد طرأ على الكتاب من أوله ، فلا تقرأ في بدئه ما اعتدنا رؤية مثله في أكثر المؤلفات من خطبة الكتاب ، وما حفز صاحبه على تأليفه ، ومنهجه في التأليف ، ولكن أول هذا المطبوع تمام لكلام سابق يتعلق بالمجاز الذي في أوائل سورة البقرة الى قوله تعالى ( وطُبع على قلوبهم )(1) .
وكان يمكن لو عثر على هذا المفقودة ، أن يتبين بالنص معنى المجاز عند الشريف الرضي ، وعلى كل حال فإنه يقصر الدراسة على البحث في مجازات القرآن ، أي الألفاظ المستعملة في غير ما وضعت له ، وأكثر كلامه عن الاستعارات الواردة في القرآن(2) .
ويبدو ان الأمر قد التبس على الدكتور بدوي طبانة في بدايات المطبوع من تلخيص البيان ، والذي يتضح بجلاء أن البداية الموجودة كانت من قوله تعالى ( ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم )(3) ، وهي الآية السابعة من البقرة ، و( طبع على قلوبهم ) هي الآية السابعة والثمانون من التوبة ، وكانت شاهدا على ما أورده الشريف الرضي من معنى الختم ومعنى الطبع ، لأن الطبع من الطابع ، والختم من الخاتم ، وهما بمعنى واحد (4) فكان كلام الرضي متعلقا بمجاز الختم الى قوله تعالى ( وعلى أبصارهم غشاوة )(5) .
وطريقة الشريف الرضي في معالجاته لمجاز القرآن في تلخيص البيان إستقراء القرآن على ترتيبه المصحفي ، فيتعقب الآيات في السور القرآنية بحسب تسلسلها آية آية فإذا لمح المجاز وقف عنده وقفة الفاحص الخبير ،
____________
(1) التوبة : 87 .
(2) ظ : بدوي طبانة ، البيان العربي : 30 .
(3) البقرة : 7 .
(4) الشريف الرضي : تلخيص البيان : 113 .
(5) البقرة : 7 .
---
( 29 )
وأجرى لقلمه العنان في حدود الأستعمال المجازي دون إيجاز مخل أو إطناب مملّ كما يقال .

(3/6)


وهو في ذلك منظر ومطبّق في آن واحد ، ومعتدّ برأيه البياني دون تردد ، فهو يورد المجاز ويشرحه ويستشهد عليه ، ويناقش فيه ، ويثبت القول الصراح باجتهاده القائم على أساس الكشف والإبداع والتبادر الذهني من خلال عمقه اللغوي ، ومنهجه البلاغي ، ومخزونه الثقافي المستفيض .
وكان هذا العمل سبقا فريدا الى الموضوع ، لم يشاركه فيه أحد قبله ، وقد سار على منواله من جاء بعده ولكن في حدود مقتضبة لم تنهض بكتاب مستقل فيما أعلم .
ومن هنا كان تلخيص البيان أول كتاب كامل ألف لغرض واحد ، وهو متابعة المجازات والاستعارات في كلام الله كله سورة سورة وآية آية ، ومن هنا كانت القيمة العلمية لهذا الكتاب الذي لم يؤلف مثله لهذا الغرض . فهو يقوم في التراث العربي الإسلامي وحده شاهدا على أن الشريف الرضي خطا أول خطوة في التأليف في مجازات القرآن واستعاراته تأليفا مستقلا بذاته ، ولم يأت عرضا في خلال كتاب ، أو بابا من أبواب مصنّف (1) .
وإنك لتجد في منهجه هذا شذرات تلتقط وأنت ضنين بها .
1 ـ ففي قوله تعالى ( فأينما تولوا فثم وجه الله )(2) فإنه ينفي الجسمية والجهة عن الباري تعالى ويوجهها نحو المجاز بقوله أي جهة التقرب الى الله ، والطريق الدالة عليه ، ونواحي مقاصده ومعتمداته الهادية إليه (3) .
2 ـ وفي قوله تعالى ( الله وليّ الذين ءامنوا يخرجهم من الظلمات الى النور والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور الى الظلمات )(4) .
____________
(1) محمد عبد الغني حسن ، مقدمة تلخيص البيان : 30 .
(2) البقرة : 115 .
(3) الشريف الرضي : تلخيص البيان : 118 .
(4) البقرة : 257 .
---
( 30 )

(3/7)


فيذهب الرضي أن المراد منها إخراج المؤمنين من الكفر الى الأيمان ومن الغي الى الرشاد ، ومن عمياء الجهل الى بصائر العلم . وكل ما في القرآن من ذكر الإخراج من الظلمات الى النور فالمراد به ماذكرنا . وذلك من أحسن التشبيهات . لأن الكفر كالظلمة التي يتسكع فيها الخابط ويضل القاصد . والأيمان كالنور الذي يؤمه الحائر ، ويهتدي به الجائر ، لأن عاقبة الأيمان مضيئة بالأيمان والثواب ، وعاقبة الكفر مظلمة بالجحيم والعذاب . وفي لسانهم : وصف الجهل بالعمى والعمه ، ووصف العلم بالبصر والجلية (1) .
3 ـ ويحمل الرضي قوله تعالى ( وقيل ياأرض ابلعي مآءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر )(2) على الاستعمال المجازي في صدور الأمر منه تعالى ، ويقول : لأن الأرض والسماء لايصح أن تؤمرا أو تخاطبا . لأن الأمر والخطاب لا يكونان إلا لمن يعقل ، ولا يتوجهان إلا لمن يعي ويفهم . فالمراد إذن بذلك ، الأخبار عن عظيم قدرة الله سبحانه ، وسرعة مضي أمره ، ونفاذ تدبيره نحو قوله ( انما قولنا لشيء إذا أردناه أن نّقول له كن فيكون * )(3) ، إخبار عن وقوع أوامره من غير معاناة ولا كلفة ، ولا لغوب ولا مشقة .
وفي هذا الكلام أيضا فائدة أخرى لطيفة . وهو أن قوله سبحانه ( يا أرض ابلعي مآءك ) أبلغ من قوله : يا أرض اذهبي بمائك . لأن في الابتلاع دليلا على إذهاب الماء بسرعة . . . وكذلك الكلام في قوله سبحانه ( ويا سماء أقلعي ) لأن لفظ الأقلاع ههنا أبلغ من لفظ الإنجلاء . لأن في الإقلاع أيضا معنى الإسراع بإزالة السحاب ، كما قلنا في الابتلاع . وذلك أدل على نفاذ القدرة ، وطواعية الأمور ، من غير وقفة ولا لبثة ، هذا الى ما في المزاوجة بين اللفظين من البلاغة العجيبة والفصاحة الشريفة (4) .
____________
(1) الشريف الرضي ، تلخيص البيان : 121 .
(2) هود : 44 .
(3) النحل : 40 .
(4) الشريف الرضي ، تلخيص البيان : 162 .
---
( 31 )

(3/8)


وفي قوله تعالى ( ففتحنا أبواب السمآء بمآء منهمر * وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر * )(1) يقول الشريف الرضي ( المراد ـ والله أعلم ـ بتفتيح أبواب السماء تسهيل سبل الأمطار حتى لا يحبسها حابس ، ولا يلفتها لافت . مفهوم ذلك إزالة العوائق عن مجاري العيون من السماء ، حتى تصير بمنزلة حبيس فتح عنه باب ، أو معقول أطلق عنه عقال . وقوله ( فالتقى الماء على أمر قد قدر ) أي : اختلط ماء الأمطار المنهمرة ، بماء العيون المتفجرة ، فالتقى ماءاهما على ماقدره الله سبحانه ، من غير زيادة ولا نقصان . وهذا من أفصح الكلام ، وأوقع العبارات عن هذه الحال (2) .
5 ـ وأظهر مما تقدم في مجاز القرآن عند الشريف الرضي نسبة الخشوع والتصدع الى الجبل في قوله تعالى : ( لو انزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون * )(3) قال الشريف الرضي : وهذا القول على سبيل المجاز . والمعنى أن الجبل لو كان مما يعي القرآن ويعرف البيان لخشع في سماعه ، ولتصدع من عظم شأنه ، وعلى غلظ أجرامه ، وخشونة أكنافه . فالإنسان أحق بذلك منه ، إذ كان واعيا لقوارعه ، وعالما بصوادعه (4) .
وهذا الملحظ الدقيق في مجازية الآية عند الشريف الرضي مصدره : أن لازم الخشوع والتصدع والخشية ، والإدراك والمعرفة والسماع ، والجبل لا يسمع ولا يعي ، فتأمل أيها الإنسان وتفكّر بما ضربه الله لك من الأمثال .
6 ـ قلنا فيما سبق أن أغلب ما أورده الرضي في تلخيص البيان عبارة عما يقابل الحقيقة في الأستعمال ، والاستعارة عندهم كالمجاز باعتبارها استعمالا مجازيا وخلاف الأصل اللغوي ، لهذا كان تلخيص البيان حافلا
____________
(1) القمر : 11 ـ 12 .
(2) الشريف الرضي ، تلخيص البيان : 318 .
(3) الحشر : 21 .
(4) الشريف الرضي ، تلخيص البيان : 330 .
---
( 32 )

(3/9)


في صنوف الاستعارات القرآنية ولعل من أبلغ ما أورده تعقيبا وشرحا وبيانا ، تلك الاستعارات التي كشف فيها عن ذائقته الفطرية في استحياء المراد القرآني وسأكتفي بإيراد بعض النماذج في ذلك :
أ ـ في قوله تعالى ( وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون * )(1) قال الرضي : وهذه استعارة . والمراد بها : أنهم تفرقوا في الأهواء واختلفوا في الآراء ، وتقسمتهم المذاهب ، وتشعبت بهم الولائج(2) ومع ذلك فجميعهم راجع الى الله سبحانه ، على أحد وجهين : إما أن يكون رجوعا في الدنيا . فيكون المعنى : انهم وإن اختلفوا في الاعتقادات صائرون الى الإقرار بأن الله سبحانه خالقهم ورازقهم ، ومصرفهم ومدبرهم . أو يكون ذلك رجوعا في الآخرة ، فيكون المعنى أنهم راجعون الى الدار التي جعلها الله تعالى مكان الجزاء على الأعمال ، وموفّى الثواب والعقاب ، والى حيث لا يحكم فيهم ، ولا يملك أمرهم إلا الله سبحانه .
وشبّه تخالفهم في المذاهب ، وتفرقهم في الطرائق ، مع أن أصلهم واحد ، وخالقهم واحد ، بقوم كانت بينهم ، وسائل متناسجة ، وعلائق متشابكة ، ثم تباعدوا تباعدا قطع تلك العلائق ، وشذب تلك الوصائل ، فصاروا أخيافا(3) مختلفين ، وأوزاعا مفترقين (4) .
ب ـ وفي قوله تعالى ( ومن النّاس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير أطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه )(5) يحمل الرضي الآية على التصوير الاستعاري ، ويعطيك معنى عبادة المرء ربه على حرف ، تشبيها بالقائم على جرف هار ، وحرف هاو . يقول : والمراد بها ـ والله أعلم ـ صفة الإنسان المضطرب الدين ، الضعيف اليقين ، الذي لم تثبت في الحق قدمه ، ولا استمرت عليه مريرته ، فأوهى شبهة تعرض له ينقاد معها ،
____________
(1) الأنبياء : 93 .
(2) الولائج : جمع وليجة ، وهي بطانة الإنسان .
(3) يقال : هم أخوة أخياف ، بمعنى : أمهم واحدة وآباءهم متعددون .
(4) الشريف الرضي ، تلخيص البيان : 232 ـ 233 .

(3/10)


(5) الحج : 11 .
---
( 33 )
ويفارق دينه لها ، تشبيها بالقائم على حرف مهواة ، فأدنى عارض يزلقه ، وأضعف دافع يطرحه (1) .
ج ـ وفي قوله تعالى ( والذين تبوّءو الدار والإيمان من قبلهم )(2) ، تبرز استقلالية الشريف الرضي في الرأي ، وشخصيته في النّقد ، واعتداده بصميم بلاغة العرب فيقول :
وهذه استعارة لأن تبوؤ الدار هو استيطانها والتمكن فيها ، ولا يصح حمل ذلك على حقيقته في الإيمان ، فلا بد إذن من حمله على المجاز والاتساع . فيكون المعنى أنهم استقروا في الإيمان كاستقرارهم في الأوطان . وهذا من صميم البلاغة ، ولباب الفصاحة ، وقد زاد اللفظ المستعار ههنا معنى الكلام رونقا . إلا ترى كم بين قولنا : استقروا في الإيمان ، وبين قولنا : تبوؤا . وأنا أقول أبدا : إن الألفاظ خدم للمعاني ، لأنها تعمل في تحسين معارضها ، وتنميق مطالعها (3) .
وحديثنا عن تلخيص البيان قد يطول لو استرسلنا فيه ، وفيما قدمناه من نماذج غناء في إقرار منهج هذه الدراسة القائمة على سبيل الإشارة والتلميح العابر لجهود المؤصلين .
والأمر المنظور لدى الشريف الرضي في تلخيص البيان يتجلى في عدة حقائق نشير إليها :
1 ـ استقلاليتة في المنهج والفكر ، وأولويته في أولية هذا المنهج البلاغي كتابا مستقلا ، وكيانا قائما في مجاز القرآن .
2 ـ تورعه في ذات الله عن الجزم في المعنى القرآني ، إذ طالما نجده يبدأ تعقيبه على الآية بعبارة : والله أعلم .
3 ـ هذه العبارة المشرقة ، وهذا الأسلوب الحديث ، وذلك التدافع في الألفاظ ، وكأنك تقرأ فيه بلاغي اليوم لا بلاغي القرن الرابع الهجري .
____________
(1) الشريف الرضي ، تلخيص البيان : 237 .
(2) الحشر : 9 .
(3) الشريف الرضي ، تلخيص البيان : 330 .
---
( 34 )

(3/11)


لهذا فقد كان سليما ما قرره الدكتور محمد عبد الغني حسين في مقارنته بينه وبين سابقيه : أبي عبيدة وابن قتيبة ، في التعبير البلاغي ، والأداء الأدبي ، والذائقة الفنية ، فقال :
وخذ أي آية شئت من كتاب الله العزيز ، وتتبعها عند أبي عبيدة في مجازه ، وعند ابن قتيبة في مشكله ، وعند الشريف الرضي في تلخيص بيانه ، فإنك مؤمن معنا في النهاية بأن سليل البيت النبوي الكريم ، كان أغزر الثلاثة بيانا ، وأفصحهم لسانا ، وأبلغهم في التعبير عن مرامي القرآن بعبارة أدبية مشرقة ناصعة ، يتضح فيها ذوق الأديب ، ورقة الشاعر ، وحسن البليغ ، أكثر مما يتضح فيها فقه اللغوي ، وعلم النحوي (1) .
***
3 ـ وأما الحديث عن الشيخ عبد القاهر الجرجاني ( ت : 471 هـ ) فقد سبق لنا القول أنه مطور البحث البلاغي ، وواضع أصوله الفينة(2) في كتابين الجليلين : دلائل الإعجاز (3) ، و أسرار البلاغة (4) . فقد سبر فيهما أغوار الفن القولي شرحا وإيضاحا وتطبيقا ، اعتنى باللباب من هذا العلم ، وأكد فيه على الجانب الحي النابض ، وابتعد عن الفهم العشوائي ، والخلط الغوغائي بين النظرية البلاغية وتطبيقاتها ، لم يعتن بالحدود المقيدة في علم المنطق ، ولم يعر للقوقعة اللفظية أهمية مطلقا ، كان وكده منصبا حول ما يقدمه من نتاج فياض إبداعي ينهض بهذا الفن الأصيل الى أوج عظمته ويدفع به الى ذروة مشاركته في بناء الهرم الحضاري ، فماذا يجني الباحث والمتعلم ، وهذا العلم نفسه ، من الجفاف في الحد ، او الغلظة في الرسم ، أو الصرامة المضنية في القاعدة .
____________
(1) محمد عبد الغني حسن ، مقدمة تلخيص البيان : 48 .
(2) المؤلف ، أصول البيان العربي ، رؤية بلاغية معاصرة : 18 .
(3) حققه لأول مرة كل من الأستاذ محمد عبدة ، ومحمد محمود الشنقيطي . القاهرة ، 1921 وصدرت مؤخرا طبعة منقحة ، بتحقيق محمود محمد شاكر ، مكتبة الخانجي ، القاهرة 1984 .

(3/12)


(4) حققه ، وخرج آياته ، وضبطه ضبطا علميا فريدا الأستاذ الدكتور هلموت ريتر، مطبعة المعارف ، استانبول ، 1954 م .
---
( 35 )
انظر إليه وهو يتحدث عن أصالة علم البيان والمجاز أساسه وقاعدته الصلبة ببيان ساحر ، ومنطق جزل ، وهو يصرح باسمه اصطلاحا فيقول :
ثم إنك لا ترى علما هو أرسخ أصلا ، وأبسق فرعا ، وأحلى جنى ، وأعذب وردا ، وأكرم نتاجا وأنور سراجا من علم البيان الذي لولاه لم تر لسانا يحوك الوشي ، ويصوغ الحلي ، ويلفظ الدرر ، وينفث السحر ويقري الشهد ، ويريك بدائع من الزهر ، ويجنيك الحلو اليانع من الثمر ، والذي لولا تحفيه بالعلوم وعنايته بها ، وتصويره إياها ، لبقيت كامنة مستورة ، ولما استبنت لها ـ يد الدهر ـ صورة ، ولاستمر السرار بأهلتها ، واستولى الخفاء على جملتها ، الى فوائد لا يدركها الإحصاء ، ومحاسن لا يحصرها الاستقصاء (1) .
لقد بحث عبد القاهر في أسرار البلاغة مفردات علم البيان وفي طليعتها المجاز ، وبحث في دلائل الإعجاز أغلب مفرجات علم المعاني ، وكرّ أيضا على المجاز . والسبب في هذا واصح لأن المجاز القرآني من أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز .
فالمجاز عنده في أسرار البلاغة نوعان : مجاز عن طريق اللغة ، وهو المجاز اللغوي ، ومضماره الاستعارة والكلمة المفردة .
ومجاز عن طريق المعنى والمعقول ، وهو المجاز الحكمي ، وتوصف به الجمل في التأليف والإسناد(2) .
وحد المجاز الحكمي أن كل جملة أخرجت الحكم المفاد بها عن موضعه من العقل لضرب من التأويل فهي مجاز(3) .
وقد فرّق بين المجاز العقلي واللغوي في الحدود والاستعمال والإرادة ، وقال : أنه إذا وقع في الإثبات فهو متلقى من العقل ، وإذا عرض في المثبت فهو متلقى من اللغة (4) . وكل من المجازين اللغوي
____________
(1) عبد القاهر ، دلائل الإعجاز : 4 .
(2) ظ : عبد القاهر ، أسرار البلاغة : 376 .
(3) المصدر نفسه : 356 .

(3/13)


(4) ظ : المصدر نفسه : 344 .
---
( 36 )
والعقلي لا يدرك الا في التركيب ، ووراء كل منهما معان غير ما يفهم من تكوين الجملة النحوي في الإيحاءات النفسية التي يستند إليها التصوير القرآني (1) .
وهذا التقسيم لم يكن واضحا بدقته هذه قبل عبد القاهر بل كان المجاز بجملته يشمل صور البيان بعامة ، وقد يتخصص بالاستعارة والمجاز كما هي الحال عند الشريف الرضي كما أسلفنا .
وقد استنار بهذه التسمية كل من فخر الدين الرازي ( ت : 606 هـ ) وأبي يعقوب السكاكي ( ت : 626 هـ ) بل هما قد نسخا رأي عبد القاهر نسخا حرفيا .
فالرازي يقسم المجاز الى قسمين : مجاز في الإثبات ، ومجاز في المثبت ،وهما العقلي واللغوي ، وعنده أن المجاز في الإثبات إنما يقع في الجملة ، وأن المجاز في المثبت إنما يقع في المفرد(2) .
والسكاكي يقسم المجاز الى قسمين : لغوي وعقلي ، واللغوي الى قسمين : خال من الفائدة ، ومتضمن لها ويسميها الاستعارة . إلا أنه يغض النظر عن المجاز العقلي ، ويؤكد على اللغوي ، وكأنه يميل الى عدّه أساس المجاز (3) .
وفي دلائل الإعجاز نجد عبد القاهر يحقق القول الدقيق في المجال الحكمي عنده ، والعقلي عنده وعند غيره ممّن تبعه فيه حتى في التسمية ، وهو برؤيته الثاقبة يلمس أن وراء الكناية والاستعارة في البيان مجازا آخر غير المجاز اللغوي ، وهو المجاز الحكمي المستفاد من طريق العقل في أحكام تجريها على اللفظ وهو متروك على ظاهره(4) .
والقول عنده في التفريق بين المجاز والاستعارة ، أن المجاز هو
____________
(1) ظ : فتحي أحمد عامر ، فكرة النظم بين وجوه الإعجاز : 123 .
(2) ظ : الرازي ، نهاية الإيجاز : 48 .
(3) ظ : السكاكي ، مفتاح العلوم : 194 ـ 198 .
(4) ظ : عبد القاهر ، دلائل الإعجاز : 293 وما بعدها ، تحقيق : محمود شاكر .

(3/14)


الاستعارة ، لأنه ليس هو بشيء غيرها ، وإنما الفرق أن المجاز أعم ، من حيث أن كل استعارة مجاز ، وليس كل مجاز استعارة (1) .
ان الوعي المجازي الذي أدركه عبد القاهر ، وميّز فروقه وخصائصه من أبلغ ما توصل إليه العمق البلاغي للمجاز ، ومن أفضل ما أنتجه النقد الموضوعي في صياغة المنهج المتطور لدقائق الاصطلاح المجازي .
وستجد ـ فيما بعد ـ في كل من فصلي المجاز العقلي في القرآن و المجاز اللغوي في القرآن سبرا لنظريته البلاغية في المجاز القرآني ، وإشارة مغنية لطائفة من آرائه التطبيقية في الموضوع ، فهناك موضعها الطبيعي من البحث .
والذي نؤكد عليه هنا أن تنظير عبد القاهر في المجاز جاء طافحا بآيات القرآن المجيد فهي أصل ، وجاء الشعر والأمثال فرعا فيه ، لأنه معنيّ ببيان إعجاز القرآن ، فهو يستدل عليه بآياته الكريمة .
انظر إليه وهو يتحدث عن المجاز العقلي .
وهذا الضرب من المجاز كثير في القرآن ، فمنه قوله تعالى : ( تؤتي أُكلها كلّ حين بإِذن ربّها )(2) ، وقوله عز إسمه : ( وإذا تُليت عليهم ءاياته زادتهم إيمانا )(3) ، وفي الأخرى : ( فمنهم من يقول أيّكم زادته هذه إيمانا )(4) ، وقوله : ( وأخرجت الأرض أثقالها * )(5) ، وقوله عزّ وجلّ : ( حتى إذا أقلّت سحابا ثقالا سقناه لبلد مّيّت )(6) .
أثبت الفعل في جميع ذلك لما لا يثبت له فعل إذا رجعنا الى المعقول على معنى السبب ، وإلا فمعلوم أن النخلة ليست تحدث الأكل ،
____________
(1) ظ : عبد القاهر ، دلائل الإعجاز : 462 تحقيق : محمود شاكر .
(2) إبراهيم : 25 .
(3) الأنفال : 2 .
(4) التوبة : 124 .
(5) الزلزلة : 2 .
(6) الأعراف : 57 .
---
( 38 )
ولا الآيات توجد العلم في قلب السامع لها ، ولا الأرض تخرج الكامن في بطنها من الأثقال ، ولكن إذا حدثت فيها الحركة بقدرة الله ظهر ما كنز فيها وأودع جوفها . . .

(4/1)


والنكتة أن المجاز لم يكن مجازا لأنه إثبات الحكم لغير مستحقه بل لأنه أثبت لما لا يستحق ، تشبيها وردا له إلى ما يستحق ، وأنه ينظر من هذا الى ذاك ، وإثباته ما أثبت للفرع الذي ليس بمستحق يتضمن الإثبات للأصل الذي هو المستحق . . .(1) .
4 ـ وإذا جئنا إلى دور جار الله الزمخشري ( ت : 358 هـ ) فسنرى له اليد الطولى في هذا المضمار ، وبحدود كبيرة مما أفاده من تجارب الشريف الرضي ( ت : 406 هـ ) المجازية ، وما استقاه من ينبوع عبد القاهر ( ت : 471 هـ ) البلاغي .
وكان الزمخشري يهدف في جهوده المجازية إلى أمرين :
الأول : هو الهدف المركزي ، وهو كشف بلاغة القرآن وتأكيد إعجازه ، وإثبات تميزه في التعبير على كل نصّ أرضي وسماويّ .
الثاني : الهدف الهامشي في دعم الفكر المعتزلي القائل باتساع المجاز في القرآن وعند العرب بمنظور كلامي .
وأنا أذهب مذهبه في كلا الأمرين بأغلب وجهات نظره البيانية ، لا على اساس معتزلي ، فلا علاقة لي بهذا الملحظ ، بل من خلال الذائقة البلاغية والفنية في تقويم النصوص العربية العليا ليس غير .
للزمخشري في تطوير نظرية المجاز القائمة في القرآن والمأثور العربي كتابان مهمان هما :
1 ـ أساس البلاغة(2) .
2 ـ الكشّاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه
____________
(1) عبد القاهر ، أسرار البلاغة : 356 ـ 357 .
(2) طبع طبعة منقحة فريدة بتحقيق : عبد الرحيم محمود ، وتقديم : العلامة أمين الخولي ، القاهرة 1953 .
---
( 39 )

(4/2)


التأويل (1) . أما الأول ، فقد رتبه على أساس جديد من الأعمال المعجمية الرائدة ، فاتبع طريقة الألفباء في ترتيب مفرداته اللغوية ، وهو يورد الكلمة الواحدة في استعمالها الحقيقي تارة ، وباستعمالها المجازي تارة أخرى ، ويعطي معنى كل منهما ، والذي يبدوا لنا من عمله هذا أنه يميل الى أن معظم مفردات العربية مجاز وان الباقي هو الحقيقة ؛ وهو بهذا يحقق جهدا تراثيا عظيما إزاء هذه الغاية ، ويقوم بفهرسة إحصائية لمجاز اللغة ، ولدى ذكر خصائص كتابه الفنية نجده يشير الى هذه الحقيقة بقوله :
ومنها تأسيس قوانين فصل الخطاب والكلام الفصيح ، بإفراد المجاز عن الحقيقة ، والكناية عن التصريح (2) .
ولم ينس الغرض من تأليف هذا الكتاب في بيان بلاغة القرآن هدفا رئيسا ، والوقوف عند وجوه إعجازه ، ولطائف أسراره فقال :
ولما أنزل الله تعالى كتابه مختصا من بين الكتب السماوية بصفة البلاغة التي تقطعت عليها أعناق العتاق السبّق ، وونت عنها خطا الجياد القرّح ، كان الموفق من العلماء الأعلام . . . من كانت مطامح نظره ، ومطارح فكره ؛ الجهات التي توصل الى تبين مراسم البلغاء ، والعثور على مناظم الفصحاء ؛ والمخابرة بين متداولات ألفاظهم ، متعاورات أقوالهم ، . . . والنظر فيما كان الناظر فيه على وجوه الإعجاز أوقف ، وبأسراره ولطائفه أعرف ، حتى يكون صدر يقينه أثلج ، وسهم احتجاجه أفلج ، وحتى يقال : هو من علم البيان حظي ، وفهمه فيه جاحظي . والى هذا الصوب ذهب عبد الله الفقير اليه محمود بن عمر الزمخشري ، عفا الله تعالى عنه في تصنيف كتاب أساس البلاغة (3) .
ويرى الأستاذ أمين الخولي في تصديره لأساس البلاغة : أن الزمخشري لم يستقص تتبع المجازات اللغوية بالنص عليها في أساسه ،
____________
(1) طبع عدة طبعات ، وصورت طبعاته بالأوفست ، وبين يدي طبعة دار المعرفة ، بيروت ( د . ت ) وبحاشيتها كتاب الإنصاف لأحمد بن المنير .

(4/3)


(2) ظ : الزمخشري ، أساس البلاغة ، المقدمة .
(3) ظ : المصدر نفسه : مقدمة المؤلف .
---
( 40 )
الذي زعم له نفسه هذه الميزة (1) .
وقد يكون هذا الرأي صحيحا بحدود ، إذ لم يكن أساس البلاغة موسوعيا كبقية المعاجم المطولة ، ولكنه بعمله قد جاء بشيء جديد من ناحيتين :
الأولى : التأكيد على الاستعمال المجازي في القرآن وعند العرب في معجمه هذا في أغلب المفردات وهو ما لم يفعله سواه .
الثانية : أنه اتبع الطريقة المعجمية السمحة بالنسبة لطلاب البحث العلمي ، فالتزم طريقة الألفباء كما صنع الراغب ( ت : 502 هـ ) في المفردات من ذي قبل ، ورفض طريقة المخارج في دقتها ، والأبنية في تعقيدها ، والباب والفصل في كل حرف كما هو شأن غيره .
وقد رتب الكتاب على أشهر ترتيب متداولا ، وأسهله متناولا ، يهجم فيه الطالب على طلبته موضوعة على طرف الثمام وحبل الذراع ، من غير أن يحتاج في التقتير عنها الى الإيجاف والإيضاح ، والى النظر فيما لا يوصل الا بإعمال الفكر اليه ، وفيما دقق النظر فيه الخليل وسيبويه (2) .
بهذا يختتم الزمخشري مقدمة كتابه ، ومهمته فيه التيسير ، وتهيئة المناخ العلمي للبحث دون عناء ، وهو إنجاز ضخم من الناحيتين العلمية والفنية . وأما الكشاف ، فهو التفسير البياني الذي تلمس فيه مدى جمال المجاز القرآني ، وطلاوة رونقه ، وعذوبة مخارجه ، ودقائق استعمالاته ، أو هو الكتاب الذي تبصر به المجاز حيا نابضا متكلما بمعناه الاصطلاحي ومناخه الأدبي معا ، في ضوء ما أشار إليه ابن قتيبة ، وما ابتكره الشريف الرضي وما أسسه عبد القاهر الجرجاني .
لقد فتح الزمخشري في الكشاف عمق دراسة رقيقة مهذبة في المجاز العربي بعامة ، والقرآني بخاصة ، فزاد ما شاءت له الزيادة من نكت بلاغية ، وصيغ جمالية ، ومعان إعجازية ، وسيرورة بيانية ، عاد فيها الكشاف كنزا لا
____________

(4/4)


(1) ظ : أمين الخولي : أساس البلاغة بين المعجم ، تعريف بالكتاب في أوله .
(2) ظ : الزمخشري ، أساس البلاغة ، مقدمة المؤلف .
---
( 41 )
تفنى فرائده ، وبحرا فنيا لا تدرك سواحله .
وقد تجلى في الكشاف ما أضافه الزمخشري من دلالات جمالية في نظم المعاني ، وما بحثه من المعاني الثانوية في المجاز القرآني ، والتي توصل اليها بفكره النير ، من خلال نظره الفاحص في تقديم المتأخر ، وعائدية الضمائر ، وأسلوب العبارة ، والتركيب الجملي ، لرصد المضمون البياني في القرآن المتمثل لديه في التمثيل والتشبيه والإستعارة وأصناف المجاز ، وهو كثيرا التنقل بالألفاظ القرأنية من الحقيقة الى المجاز مستعينا على ذلك بشؤون الكلام العربي في الحذف والإظهار ، والتقدير والإضمار ، ذلك بإزاء استجلاء إعجاز القرآن فنيا والتأكيد عليه لفظيا ومعنويا من خلال معطيات الشكل ومميزات المضمون .
صحيح أن الهدف الجانبي عند الزمخشري قد يكون كلاميا كما أسلفنا ، ولكن هذا لا يمانع من أن يكون كتابه هذا جوهرة نحن بأمس الحاجة الى امثالها في تبيين روعة القرآن ، وجمال عبارته ، ودقة بلاغته .
ولست هنا في مجال الحديث عن الكشاف إلا إجمالا ، ومن خلال هذا الإجمال ، أضع نموذجين لتحقيقه المجازي بين يدي البحث : الأول ، تعقيبه على قوله تعالى ( الرحمن على العرش أستوى * )(1) ، فهو يبحثها بلاغيا في ضوء ما تستعمله العرب مجازا أو كناية في معنى العرش والأستواء ، ويضرب لذلك الأشباه والنظائر من القرآن الكريم والموروث العربي ، فيقول :

(4/5)


ولما كان الأستواء على العرش ، وهو سرير الملك مما يردف الملك ، جعلوه كناية عن الملك فقالوا : استوى فلان على العرش ، يريدون ملك ، وإن لم يقعد على السرير البتة . وقالوا أيضا ـ لشهرته في ذلك المعنى ومساواته ـ : ملك ، في مؤداه وإن كان أشرح وأبسط أدل على صورة الأمر ، ونحوه قولك : يد فلان مبسوطة ويد فلان مغلولة ، بمعنى أنه جواد أو بخيل لا فرق بين العبارتين إلا فيما قلت : حتى أن من لم يبسط يده بالنوال قط ، أو لم تكن له يد رأسا ، قيل فيه : يده مبسوطة لمساواته
____________
(1) طه : 5 .
---
( 42 )
عندهم قولهم هو جواد . ومنه قوله تعالى : ( وقالت اليهود يد الله مغلولة ) ، أي هو بخيل ( بل يداه مبسوطتان )(1) ، أي هو جواد من غير تصور يد ، ولا غل ، ولا بسط . والتفسير بالنغمة ، والتمحل للتثنية من ضيق العطف ، والمسافرة عن علم البيان مسيرة أعوام (2) .
الثاني : تعقيبه على قوله تعالى : ( فما ربحت تجارتهم . . . )(3) ، قال : فإن قلت : كيف أسند الخسران الى التجارة وهو لأصحابها ؟ قلت : هو من الإسناد المجازي ، وهو أن يسند الفعل الى شيء يتلبس بالذي هو في الحقيقة له كما تلبست التجارة بالمشترين . . فإن قلت : هب أن شراء الضلالة بالهدى وقع مجازا في معنى الاستبدال ، فما معنى ذكر الربح والتجارة كأن تم مبايعة على الحقيقة ؟ قلت : هذا من الصنعة البديعة التي تبلغ بالمجاز الذروة العليا ، وهو أن تنساق كلمة مساق المجاز ثم تقفى بأشكال لها وأخوات إذا تلاحقن لم تر كلاما أحسن منه ديباجة ، وأكثر ماءً ورونقا وهو المجاز المرشح . . . فكذلك لما ذكر سبحانه الشراء ( أولئك الذين أشتروا الضلالة بالهدى )(4) ، أتبعه بما يشاكله ويواخيه ، وما يكتمل ويتم بانضمامه إليه ، تمثيلا لخسارهم وتصويرا لحقيقته (5) .

(4/6)


وفيما عدا الزمخشري بتوسعه في ذكر مجازات القرآن ، بمعانيها الاصطلاحية فيما يبدوا لي ، فإننا لا نجد نظيرا لهذا التفسير من هذا الوجه فحسب . نعم هناك شذرات مجازية في الجزء الخامس من حقائق التأويل للشريف الرضي ( ت : 406 هـ ) أشرنا إليها ضمن البحث فيما يأتي ، ولو وصلنا حقائق التأويل كاملا لحصلنا على علم كثير .
____________
(1) المائدة : 64 .
(2) الزمخشري ، الكشاف 2 : 530 .
(3) البقرة : 16 .
(4) الزمخشري ، الكشاف : 1/191 وما بعدها .
(5) توفي ظهر الأربعاء : 9/3/1966م عن واحد وسبعين عاما . وكان آخر لقائنا به في بغداد بتاريخ : 11/2/1966م حينما اشتركنا معا في مهرجان تأبين علامة العراق الشيخ محمد رضا الشبيبي في جامع براثا ببغداد .
---
( 43 )
وهناك لمحات مجازية عند السيد المرتضى ( ت : 436 هـ ) في أماليه ( غرر الفوائد ودرر القلائد ) وعند أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ( ت : 406 هـ ) في التبيان ، وعند أبي علي الطبرسي ( ت : 548 هـ ) في مجمع البيان ، وعند فخر الدين الرازي ( ت : 606 هـ ) في مفاتيح الغيب ، وعند أمثالهم من الأكابر ، ولكنها لا تشكل عملا مجازيا تكامليا كما هي الحال في الكشاف .

(4/7)


وأما الحديث عن ابن رشيق ( ت : 463 هـ ) في العمدة ، وابن سنان ( ت : 466 هـ ) في سر الفصاحة ، وابن الزملكاني ( ت : 651 هـ ) في كل من البرهان والتبيان ، وابن أبي الأصبع ( ت : 654 هـ ) في بديع القرآن ، وابن الأثير ( ت : 637 هـ ) في المثل السائر ، وسليمان بن علي الطوفي البغدادي ( ت : 716 هـ ) في الأكسير في علم التفسير ، وشهاب الدين محمود الحلبي ( ت : 725 هـ ) في حسن التوسل ، ويحيى بن حمزة العلوي ( ت : 749 هـ ) في الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز ، وبدر الدين الزركشي ( ت : 794 هـ ) في البرهان ، وجلال الدين السيوطي ( ت : 911 هـ ) في الاتقان . وأمثالهم من فطاحل البلاغيين والنقاد القدامى والتراثيين ، فلهم في المجاز نظرات متفاوتة ، إلا أن الملحظ لديهم الاستناد على أساس متين منه وهو مجاز القرآن ، ولكنهم لم يكتبوا فيه كتابا قائما بذاته ، أو جهدا موسوعيا كمن أسلفنا ، بل جاء جزءا من كل ، وتقاطيع في أبواب ، لذا أشرنا إليهم ، وستجد جملة من آراء بعضهم في الكتاب .
وهنا يجب أن نشير الى حقيقة مؤكدة هي أن كلا من أبي يعقوب السكاكي ( ت : 626 هـ ) والخطيب القزويني ( ت : 739 هـ ) وسعد الدين التفتازاني ( ت : 791 هـ ) وأضرابهم من علماء البلاغة كالسبكي والطيبي ، قد كرسوا جهودهم التطبيقية في الحديث عن المجاز في البيان العربي على التمثل والاستشهاد والتنظير أولا بأول ـ بآيات المجاز في القرآن ، فكان ذلك دون شك : سراجهم الهادي ودليلهم الأمين .
ولا بد لي من الإشارة الهادفة الى ما قدمه أبو حيان ، أثير الدين ، محمد بن يوسف الأندلسي ( ت : 754 هـ ) في تفسيره : ( البحر المحيط ) من جهد متميز يقتفي فيه آثار الشريف الرضي والزمخشري في تتبع اللمسات
---
( 44 )
البلاغية في القرآن ، والتأكيد على المجاز فنا بيانيا ، وبذلك فهو مشارك مشاركة جيدة في هذا المضمار دون ابتكار أو تزيد فيما يبدوا لي .

(4/8)


4 ـ مجاز القرآن في دراسات المحدثين
كان لتعيين استاذنا العلامة الشيخ أمين الخولي رحمه الله(1) أستاذا للدراسات القرآنية والبلاغية والنقدية في كلية الآداب في الجامعة المصرية في أواخر الربع الأول من القرن العشرين ، كان له أثره الجليل في قلب المفاهيم التدرسية ، ونقد المناهج العلمية ، وتجديد الأساليب التفسيرية والبلاغية . كان ذلك إيذانا بحياة قرآنية في الجامعة لا عهد لها بها ، وكان صاحبنا ذا منهج محدد يتحدث هو عنه : فدخلت ميدان التجديد الأول ، على خبرة به ، ورأي ثابت عنه ، وخطة بينة فيه ، أدرت عليها عملي في درس البلاغة . وسواها . . . طفقت أتعرف معالم الدراسة الفنية الحديثة بعامة ، والأدبي منها بخاصة ، وأرجع الى كل ما يجدي في ذلك ، من عمل الغربيين وكتبهم ، واوازن بينه وبين صنيع اسلافنا ، وأبناء عصرنا في هذا كله . . . . وكانت نظرتي الى القديم ـ تلك النظرة غير اليائسة ـ دافعة الى التأمل الناقد فيه ، والى العناية بتأريخ هذه البلاغة ، أسأله عن خطوات سيرها ، ومتحرجات طريقها ، أستعين بذلك على تبين عقدها ، وتفهم مشكلاتها ، ومعرفة أوجه الحاجة الى الإصلاح فيها . . . وبذلك كانت الطريقة التأريخية ، مع الأستفادة بالحديث : منهج درسي للبلاغة في الجامعة . . مضيت في هذا الدرس المتأني ، أمس مسائل البلاغة مسا رفيقا جريئا معاً ، أقابل فيه القديم بالجديد ، فأنقد القديم وأنفي غثه ، وأضم سمينه الى صالح جديد . . وتلك خطة لا تدوم في دراسة جامعية ، اساسها التجدد ، وحياتها في نماء متصل ، لذا قاربت أن أفرغ من النظر في القديم ، بعدما ضممت خياره الى الجديد ، فألفت منها نسقا كاملا ، يرجى أن يكون دستور البلاغة في درسها . فالخولي أستاذ للبلاغة قد وضع خطتاً لتطويرها ، ورسم منهجا في تجديد معالمها ، واستنّ طريقا لإغناء درسها .
وكانت الجامعة المصرية أول نشأتها ، قد وجدت الحاجة في درس
____________

(4/9)


(1) أمين الخولي ، فن القول : 8 وما بعدها .
---
( 45 )
الأدب وتأريخه الى القول في القرآن ، بما هو مادة لذلك التاريخ الأدبي ، فجاء إذ ذاك أمين الخولي ، وهو من شيوخ المدرسة القديمة فيما يرى في ختام حياته التعليمية ، وغيّر في مناهجها ما غيّر ، وجعل تفسير القرآن مادة دراسية فيها ، وكان مفهوم التفسير عنده أو عند أمثاله لا يجاوز كثيرا تلك الكتب المتداولة فيه . . . وكلها يمكن أن يقال فيه : أنه لا يستطيع الوفاء ببيان ما في القرآن من قوة بلاغية ؛ وكانت الحياة الأدبية الجامعية خصبة ، متجددة ، متطلعة ، مستشرقة ، فاتبعت وراء ما استشرف إليه المفسرون من حسّ العربية وذوقها ، وبلاغة هذا الأسلوب ؛ ماهو وراء ذلك وأبعد ، على أن يكون لهذا التطلع ضابط من طبيعة اللغة وحيويتها ، فراحت الجامعة تحول التفسير درسا أدبيا محضا ، ويستعين بكل ما بلغته وستبلغه الثقافة الإنسانية الفنية من دقة وتطلع (1) .
وكان صاحب هذا المنهج الجديد هو أمين الخولي باعتباره مدرسا لتفسير القرآن ، وواضعا لمفرداته العلمية ، فاستعان على ذلك بما كتبه في القرآن ، وكان تاريخ القرآن مجموعة محاضراته فيه ـ ولم ينشر ـ وكان التفسير . . معالم حياته . . منهجه اليوم من أروع البحوث في دائرة المعارف الإسلامية / المجلد الخامس ، وقد اشتمل عليه كتاب مناهج تجديد وكانت دراسته للقرآن العظيم بين هذا وذاك تشمل : حياة الألفاظ القرآنية ، وتدرج دلالتها ، وتأريخ ظهور المعاني المختلفة للكلمة ، الواحدة ، وكانت البلاغة القرآنية في مطابقة الكلام لمقتضى الحال : اساس الدرس التفسيري مضافا إليها الغرض الديني والبعد العقائدي (2) .
وكان بحثه الفريد القرآن الكريم في دائرة معارف الشعب المصرية في 1959 م مستوفيا لجملة من خصائص القرآن الأسلوبية في كل من المكي والمدني ، وما يتميز به كل منهما بتمييز حال المخاطبين .

(4/10)


وكانت محاضراته في أمثال القرآن ـ وقد أملاها على طلاب الدراسات العليا في كلية الآداب بجامعة القاهرة ـ جوهرة ثمينة إجرى فيها تحقيقا لغويا لكلمة المثل وجمع الآيات التي تضمنت لفظ المثل ، وقام
____________
(1) ظ : كامل سعفان في كتابه : أمين الخولي ، 113 وما بعدها وانظر مصادره .
(2) ظ : أمين الخولي ، مناهج تجديد : 293 .
---
( 46 )
بتصنيف بعض الأمثال وإرجاعها الى موضوعاتها مكتفيا بتمثيل الحياة الدنيا ، والعمل الطيّب والخبيث ،وصفات الله سبحانه وتعالى ، وتمثيل المؤمنين والكفار واليهود والمنافقين ، ومثل الجنة(1) .
وكانت نتيجة هذا الجهد المتواصل للأستاذ أمين الخولي وأمثاله من الأساتذة ذوي الحمية على كتاب العربية الأكبر ، أن أدخلوا القرآن في مختلف شؤونه الجمالية موضوعا بلاغيا وتفسيريا في الدراسات العليا بجامعة القاهرة ، وفي كلية الأداب منها ، وفي قسم اللغة العربية وآدابها بخاصة ، فكتبت عشرات الرسائل بإشرافهم ، وهي تتناول مجاز القرآن وبيان القرآن ، واستعارة القرآن ، وكناية القرآن ، وإعجاز القرآن ، وقصص القرآن ، ومجموعة الصور الفنية في جمالياته بعامة إضافة الى التفسير وعلوم القرآن .
وقد فتح بهذا الباب مغالق البلاغة المتطورة الحقة في ضوء القرآن الكريم ، فكانت رسائل الماجستير والدكتوراه بداية عصر جديد في النهضة العلمية في الجامعات العربية ، إذ اتخذت القرآن منهجا لاستنباط شتى مقومات البلاغة العربية .
لقد أفادت المكتبة القرآنية من هذا المنعطف الجديد بداية صالحة ـ على يد علماء متخصصين ـ لدراسات المحدثين في بلاغة القرآن .

(4/11)


وكان منهج الخولي يميل الى دراسة القرآن موضوعا موضوعا ، لا أن يفسر على ترتبيه في المصحف سورا ، أو قطعا ، وأن تجمع آياته الخاصة بالموضوع الواحد جمعا إحصائيا مستفيضا ، ويعرف بترتيبها الزمني ، ومناسباتها وملابساتها الحافة بها ، ثم ينظر فيما بعد لتفسّر وتفهم ، فيكون ذلك التفسير أهدى الى المعنى ، وأوثق في تجديده (2) .
وهذا يعني قيام التفسير الموضوعي للقرآن الكريم وأن يعنى المتخصصون بدراسة شذرات ونجوم من القرآن كل بحسب تخصصه ، فيجمع الباحث مادة موضوع من موضوعات القرآن ، ويستقصيها إحصاءً
____________
(1) ظ : المؤلف : الصور الفنية في المثل القرآني ، 406 ، محمد جابر الفياض ، الأمثال في القرآن الكريم ، المقدمة : 10 .
(2) ظ : أمين الخولي ، دائرة المعارف الإسلامية ، مادة : تفسيره : 368 .
---
( 47 )
لتكون هيكلا مترابطا يشكل وحدة موضوعية متكاملة ، ثم يقوم بتفسيرها ودراستها بحسب منهجه العلمي .
وحينما عهد برئاسة قسم اللغة العربية وآدابها في كلية الآداب بجامعة القاهرة الى الأستاذ العلامة يوسف عبد القادر خليف في السبعينات ، استجاب سيادته وأمثاله من الأساتذة الى هذا المنهج فوجهوا طلابهم هذا الوجه ، فتخصص معظم البلاغيين العرب بجزء مهم من القرآن الكريم ، فبحث إعجازه حينا ، وقراءاته حينا آخر ، وتشبيهاته تارة أخرى ، وبلاغته وصوره الفنية تارة اخرى ، وكان لي الشرف إن كنت أحدهم في هذا المضمار الكريم(1) .
ان هذه الجهود التي أرسى أسسها أمين الخولي ، قد وجدت آذانا واعية لدى الشباب المتحفز ، فاتّسمت بحوث طائفة منهم بإشارات قيمة الى جملة من الصنوف البيانية في القرآن ، واعتماد المنهج البلاغي في الكشف عن وجود الإعجاز القرآني ، وكان ذلك متمثلا بالبحث حينا ، وبالتطبيق حينا آخر .

(4/12)


وأما على سبيل الأستشهاد والتمثيل فلا أعلم بحثا قرآنيا يخلو من الأستناد الى مجازات القرآن وكناياته وتشبيهاته واستعاراته ، إلا أن الذي يحز بالنفس إن لم أوفق على الوقوف على عمل مستقل بمجاز القرآن . نعم يمكن القول بأن جهود المحدثين في هذا المجال قد اتخذت طابعا ذا شعبتين في التوجه نحو بيان القرآن بعامة ، ومجازه بخاصة : مجال التهيئة والدعوة الى خوض عباب القرآن ، والكشف عن كنوزه وأسراره كما صنع الخولي ، ومجال التأليف الجزئي في المجاز أو البيان ـ وصور القرآن الجمالية .
وسأقف عند هذين الجانبين بحدود ما لمسته حسيا ، وتابعت أضواءه شخصيا ، مما شكل انطباعا خاصا ، قد يضاف غيره إليه .
____________
(1) كتب المؤلف رسالته للدكتوراه الصور الفنية في المثل القرآني : دراسة نقدية وبلاغية بإشراف الأستاذ الدكتور يوسف عبد القادر خليف في قسم اللغة العربية وأدبها في كلية الآداب بجامعة القاهرة .
---
( 48 )
ففي الجانب الأول ، يبرز في الجامعات العراقية ـ مثلا ـ دور كل من :
1 ـ الدكتور أحمد عبد الستار الجواري ، فما زلت أتذكر ـ قبل ربع قرن أو أكثر ـ ونحن طلاب في الدراسات الأولية الجامعية ، أنه كان يأخذنا أخذا شديدا في مدارسة النحو في ضوء القرآن كاشفا عن بلاغته ووجوه إعجازه ، ومطابقة عباراته من خلال نظم المعاني لمقتضى الحال ، وربما ضاق بعضنا ذرعا من جديته هذه فيتذرع بالقول : إن الغاية من النحو صون اللسان عن الخطأ في المقال أو الكلام ، فكان ـ رحمه الله ـ (1) يجيب : بأن هذا صحيح بالنسبة لعامة الطلاب ، أما بالنسبة لكم فالغاية : خدمة القرآن العظيم .

(4/13)


وكان الجواري في هذا المنهج يصدر عن رأي استاذه الخولي ، فما شوهد متحدثا إلا وآيات القرآن على شفتيه ، ولا درّس إلا وشواهده من القرآن ، وألف وهو معني بالنحو والقرآن معا : نحو التيسير نحو القرأن و نحو الفعل و نحو المعاني وفي كتبه شذرات قيمة من معاني القرآن وبيانه كالاستعارة والتشبيه والتمثيل والمجاز العقلي واللغوي وإن كان النحو مضمارها .
2 ـ الدكتور جميل سعيد ـ عضو المجمع العلمي العراقي ، وقد عني عناية خاصة بتدريس إعجاز القرآن وتصوير أبعاده الفنية والجمالية ، وتمخض لهذا الجانب في الدراسات العربية العليا ، وكان دلائل الأعجاز و أسرار البلاغة مضماره الأول في مظان التدريس ، وهو بإزاء كشف البيان القرآني ، وطالما كان يحث الكثيرين من تلامذة الدراسات العليا ـ وأنا منهم ـ على متابعة الاستنارة في القرآن ، وعلى تحرير الرسائل الجامعية في ضوء هداه ، وإبراز الوجهة الأدبية والبلاغية للبيان العربي من خلال معطياته البيانية الفريدة ، وفضلا عن هذا المنهج فإن بحوثه العلمية غنية بالموروث القرآني العظيم .
____________
(1) توفي الدكتور الجواري فجأة عند باب داره ظهر الجمعة : 22 /1 / 1988 م وهو في طريقه لأداء الصلاة ، عن عمر يناهز خمسة وستين عاما .
---
( 49 )

(4/14)


وفي الجانب الثاني من هذا المجال يجب أن نشير بإعجاب الى ما حققه الدكتور مصطفى صادق الرافعي في كتاباته عن إعجاز القرآن ، فقد كان من الرواد في بدايات النهضة الأدبية لهذا القرن في المقام ، والى ما أنتجه بأصالة وعمق الدكتور بدوي أحمد طبانة في كتاباته البيانية المتشعبة ، والى ما قدمه الدكتور مصطفى الصاوي الجويني في متابعاته البلاغية والتفسيرية والخدمات القرآنية ، والى ما أبقاه السيد قطب في كل من ظلال القرآن و مشاهد القيامة في القرآن و التصوير الفني في القرآن . والى ما أضافه الدكتور محمد عبد الله دراز في الشؤون الإعجازية والقرآنية ، والى ما حققه الدكتور محمد المبارك في منهل الأدب الخالد ، والى ما اكتشفه الأستاذ مالك بن نبي في الظاهرة القرآنية ، والدكتور أحمد أحمد بدوي في كتابه من بلاغة القرآن والدكتور بكري الشيخ أمين في التعبير الفني في القرآن .
فكل من هؤلاء قد أفرغ ما في كنانته من سهام مضيئة في التنوير العام بين يدي القرآن وأسلوبه البياني ، وكان المجاز جزءا رصينا مما كتبوا ، جزاهم الله خيرا عن كتابه المجيد .
وأقف عن كثب بمتابعة المجاز القرآني عند كل من :
1 ـ الدكتورة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ الأستاذة في كلية الآداب / جامعة عين شمس في القاهرة .

(4/15)


اقتفت بنت الشاطئ آثار زوجها وأستاذها الراحل أمين الخولي من منهج التفسير الأدبي للنص القرآني ، وكانت موفقة الى حد كبير يطمئن اليه ، وسياق جليل في الاهتداء الى استجلاء ظواهر القرآن الأسلوبية وتحديد دلالته البلاغية في التفسير البياني للقرآن الكريم وكان المجاز الإسنادي والمجاز اللغوي حافلا به في رصد جديد ، وبأسلوب جديد ، فيه ملاحقة لنماذجه في طائفة من سور القرآن عملت على تفسيرها في جزئين اشتملا على تحقيق القول البياني في أربع عشرة سورة مكية حيث العناية بالأصول الكبرى للإسلام ، وحرصت فيها أن تخلص لفهم النص القرآني فهما مستشفاً لروح العربية ومزاجها ، مستأنسا في كل لفظ ، بل في كل حركة ونبرة ، بأسلوب القرآن نفسه ، محتكمة اليه وحده عندما يشجر الخلاف ،
---
( 50 )
ويلتوي الطريق ، وتتكاثف الظلال ، على هدي التتبع الدقيق لمعجم ألفاظ القرآن ، والتدبر الواعي لدلالة سياقه ، والإصغاء المتأمل الى إيحاء التعبير في ذلك النمط الفذ من البيان المعجز . . . وقد قصدت بهذا الاتجاه الى توصيح الفرق بين الطريقة المعهودة في التفسير ، وبين منهجها الحديث الذي يتناول النص القرآني في جوه الإعجازي ، ويلتزم في دقة بالغة بقول السلف : القرآن يفسر بعضه بعضا (1) .
تقول بنت الشاطئ : فكنت كلما اجتليت باهر أسراره البيانية ، ألفيت من الصعب أن أقدمه على النحو الذي يفي بجلالها ، وتهيبت أن أؤدي بالمألوف من تعبيرنا ، أسرارا من البيان المعجز تدق وتشف ، حتى لتجل عن الوصف ، وتبدو كلماتنا حيالها عاجزة صماء (2) .
وكان هذا التفسير ثمرة صالحة لجهود سابقة في جملة من قضايا البيان القرآني ، توجتها بنت الشاطئ ببحوث لاحقة في الموضوع نفسه في جولات متعددة بين مشرق الإسلام ومغربه ضمن مؤتمرات علمية أشير الى بعضها :

(4/16)


أ ـ في مؤتمر المستشرقين الدولي في نيودلهي عام 1964 قدمت بحثا بعنوان : مشكلة الترادف اللغوي في ضوء التفسير البياني للقرآن الكريم .
ب ـ في كلية الآداب بجامعة بغداد ، في مارس 1965 قدمت بحثا بعنوان من أسرار العربية في القرآن الكريم .
ج ـ في الكويت ، في نوفمبر 1965 م حاضرت ببحث عن : القرآن الكريم وحرية الإرادة .
د ـ في كلية الشريعة بجامعة بغداد عام 1965 ، قدمت تفسيرا منهجيا لسورة العصر .
هـ ـ في عام 1968 قدمت محاضرات في البيان القرآني في جامعتي الرباط وفاس بالمغرب ، وجامعة الجزائر .
____________
(1) ظ : بنت الشاطئ ، التفسير البياني للقرآن الكريم : 1/18 .
(2) المصدر نفسه : 2/7 .
---
( 51 )
وكان كتابها الإعجاز البياني للقرآن موضع إعجاب الباحثين ، وقد أعطت فيه مجالا رحبا لمجاز القرآن .

(4/17)


2 ـ الدكتور أحمد مطلوب استاذ في كلية الآداب / جامعة بغداد ، هذا الشاب المتحفّز ، الذي يعتبر من شيوخ الصناعة اليوم ، فقد تعقب في كتبه البلاغية كل أصناف البلاغة القرآنية ، حتى يكاد لا يستشهد في نظرياته التطبيقية وآرائه البيانية ، وتقسيماته للبلاغة العربية إلا بآيات القرآن الكريم باعتباره نصا إلهيا مقدسا من وجه ، وباعتباره كتاب العربية الأكبرمن وجه آخر . عرض للمجاز القرآني وأثبت وقوعه في القرآن وفي اللغة العربية على حد سواء لأن أية لغة لا يمكن أن تبقى محصورة في ألفاظها الوضعية وأنه لا بد من انتقالها للدلالة على معان جديدة تتطلبها الحياة وتطورها . والمجاز كثير في اللغة العربية ويعد من مفاخرها ،وهو دليل الفصاحة ورأس البلاغة . وفي القرآن الكريم كثير من هذا الفن وإن اختلف الباحثون في ذلك فرأى بعضهم أن كتاب الله كله حقيقة ، وإذا كان معنى الحقيقة الصدق فذلك صحيح ، أما إذا كان معنى المجاز العدول في اللفظ من معنى الى آخر ، فليس الأمر كذلك لأنه جاء الكثير منه في كتاب الله . . . وعليه معظم البلاغيين (1) .
بحث الدكتور أحمد مطلوب المجاز في القرآن وفي العربية في أغلب كتبه القيمة ، فاشتملت عليه مصطلحات بلاغية و البلاغة عند السكاكي و القزويني وشروح التلخيص ووقف عنده موقف الناقد البصير والعارض المنصف في فنون بلاغية وأعطى لتقسيماته الفنية بعدا إحصائيا مبتكرا على أساس معجمي حديث في معجم المصطلحات البلاغية وتطورها ، وكرس جهدا قيما للموضوع في مناهج بلاغية .
أخذ الله بيده لإكمال مسيرته البلاغية في ضوء القرآن الكريم . وهكذا نجد في دراسات المحدثين لقطات نادرة من أمثال المجاز القرآني ، يستقطب بعضها البحث المشرق ، ويسترشد بعضها الآخر الاستشهاد
____________
(1) أحمد مطلوب ، فنون بلاغية : 84 ـ 86 .
---
( 52 )

(4/18)


السائر ، ويستخلص منها آخرون قواعد البلاغة وأسس البيان فتعرض على القرآن وتخضع له ، ومع كل هذه الجهود المتناثرة فلم أقف على عمل خاص ، وجهد قائم بذاته في مصنف منفرد في مجاز القرآن ـ كما أسلفنا ـ فجاء هذا البحث ـ بعون الله تعالى ـ متمحضا لهذا الغرض ، ومتخصصا فيه .
وقد زعم الدكتور أحمد بدوي : إن كثيرا ممن تعرضوا لدراسة المجاز في القرآن الكريم ، قد مضوا يلتمسون أمثلته ، يبوّبونه ويذكرون أقساما كثيرة له ، حتى بلغوا من ذلك حد التفاهة ، ومخالفة الذوق اللغوي (1) .
وهذا الزعم منحصر في جملة من النماذج التي لا تنهض دليلا قاطعا على صحة الرأي ؛ إذ يعارضه : أن ما كتب في مجاز القرآن بمعناه الاصطلاحي لا يتجاوز الدراسات الأنموذجية القائمة على سبيل المثال لا الحصر والاستقصاء ، والمثال قد يتكلف به ، وقد يأتي طيعا متساوقا ، وإذا كان الامر كذلك ، فأختيار بعض البلاغيين للنماذج المقحمة لا يشكل حكما عاما بهذه السهولة . وكما لا نوافق على هذا الزعم ، فكذلك لا نميل أيضا الى ما ذهب اليه الأستاذ عباس محمود العقاد من أن المجاز قد انتقل في اللغة العربية من الكتابة الهيروغليفية الى الكتابة بالحروف الأبجدية(2) .
فلا دليل على هذا من أثر أو تاريخ ، ولا وضوح في هذا الملحظ ، وهو شبيه بادّعاء الأثر الإغريقي واليوناني في البلاغة العربية ، فكلاهما لا يصدر عن نص موثوق ، أو دليل قاطع ، بل هي تكهنات لا تنهض مقياسا على صحة دعوى وأصالة رأي .
فالمجاز وإن استعمل في اللغات العالمية الحية ولكنه يدور معها في حدود معينة ، وهو بخلاف هذا في لغة القرآن ، إذ الاستعمال المجازي فيها أساسي وليس أمرا عارضا ، لأنه أحد شقي الكلام وطرفيه ، وهما الحقيقة
____________
(1) أحمد أحمد بدوي ، من بلاغة القرآن : 224 .
(2) ظ : عباس محمود العقاد ، اللغة الشاعرة : 26 .
---
( 53 )

(4/19)


والمجاز ، ولما كان القرآن الكريم جاريا على سنن العرب كان المجاز فيه أحد قسيمي الكلام .
وها هي مسيرة المجاز القرآن لا تقف عند حدّ ، ولا يستوعبها أحد ، فهي تشق طريقها في عباب اللغة تارة ، وترسخ أصالتها في صنوف البيان تارة أخرى ، تلتقط من هذا وذاك جواهره ولآليه ، تغذي العقول ، وتربّ الأفئدة ، خاشعة لها الأبصار ؛ بدرا يدور به فلك من المعارف لا تنتهي فرائده ، وسراجا تهتدي به العربية في ليل سراها الطويل ، ولعل في هذا الكتاب ألقا من ذلك السّنا ، ووهجا من تلك الأضواء ، يصور جزئيات منتظمة ، ويعكس نظريات قد تتبلور ، والله المستعان .

(4/20)


الفصل الثاني
مجاز القرآن وأبعاده الموضوعية
1ـ حقيقة المجاز بين اللغة والاصطلاح
2ـ وقوع المجاز في القرآن
3 ـ تقسيم المجاز القرآني
4 ـ مجاز القرآن : عقلي ولغوي
---
( 56 )
---
( 57 )
1 ـ حقيقة المجاز بين اللغة والاصطلاح
يبدو أن المعنى الاصطلاحي لحقيقة المجاز مستمد من الأصل اللغوي ، فلقد نقل ابن منظور ( ت : 711 هـ ) قول اللغويين :
جزت الطريق ، وجاز الموضع جوازا ومجازا : سار فيه وسلكه ، وجاوزت الموضع بمعنى جزته ، والمجاز والمجازة الموضع (1) .
وكان عبد القاهر الجرجاني ( ت : 471 هـ ) قد كشف العلاقة بين اللغة والاصطلاح في اشتقاق لفظ المجاز ، فالمجاز عنده : مفعل من جاز الشيء يجوزه إذا تعداه ، وإذا عدل باللفظ عما نوجبه أصل اللغة ، وصف بأنه مجاز على معنى أنهم جازوا به موضعه الأصلي ، أو جاز هو مكان الذي وضع به أولا (2) .
وهو لايكتفي بذلك حتى يحدد العلاقة بين الأصل والفرع في عملية العدول عن أصل اللغة ، أو النقل الذي يثبت إرادة المجاز لهذا اللفظ أو ذاك دون الاستعمال الحقيقي فيقول : ثم إعلم بعد : إن في إطلاق المجاز على اللفظ المنقول عن أصله شرطا ؛ وهو أن الأسم يقع لما تقول أنه مجاز فيه بسبب بينه وبين الذي تجعله فيه (3) .
وهذا يعني مضافا لما سبق : مجانسة المعنى المنقول له اللفظ الى معناه الأولي حيث توافر المناسبة في وجه النقل كتسمية الاعتدال غصنا ،
____________
(1) ابن منظور ، لسان العرب ، مادة : جاز .
(2) عبد القاهر ، أسرار البلاغة : 365 .
(3) المصدر نفسه : 365 .
---
( 58 )
والقوام بانا ، والحلم طودا ، لافتراع الغصن استقامة ، ورشاقة البان طولا ، ورسوخ الطود ثباتا . فجاء النقل متساوقا في مناسبته مع المعاني الجديدة دون النبو عنها في شيء .

(5/1)


والطريف عند عبد القاهر أن يعود ليؤكد المناسبة القائمة بين اللغة والاصطلاح في اشتقاق المجاز ، متناولا قضية الوضع الحقيقي ، وتجاوزه الى المعنى الثانوي المستجد في المجاز ، فيقول : وأما المجاز فكل كلمة أريد بها غير ما وقعت له في وضع واضعها لملاحظة بين الثاني والأول ، فهي مجاز ، وإن شئت قلت :
كل كلمة جزت بها . ما وقعت له في وضع الواضع الى ما لم توضع له من غير أن تستأنف فيها وضعا لملاحظة بين ما تجوز إليه وبين أصلها الذي وضعت له في وضع واضعها ، فهي مجاز (1) .
وهذا التعقيب لرأي عبد القاهر في الموضوع ليس عبثا ، بل منطلق من اعتبار عبد القاهر مرجعا في هذا النص ، ومصدرا من مصادر التفريق بين الجزئيات المتقاربة في الحدود والتعريفات ومتمرسا في اكتشاف ما بين الأصول والفروع من أواصر وصلات .
ومن هنا يبدوا أن التقرير اللغوي متحدر من التبادر الذهني للفظ المجاز ، وأن التحديد الاصطلاحي له نابع من الأصل اللغوي ، وذلك فيما وضعه أبو يعقوب السكاكي ( ت : 626 هـ ) موضع القانون الذي لا يعدل ولا يناقش ، فيقول :
المجاز هنا هو الكلمة المستعملة في غير ما هي موضوعة له بالتحقيق استعمالا في الغير بالنسبة الى نوع حقيقتها مع قرينة مانعة عن إرادة معناه في ذلك النوع (2) .
وهذا التحديد ـ كما تراه ـ لا يخلو من بعد منطقي في التعبير ، وأثر علم المنطق واضح في تخريجات السكاكي في هذا وسواه .
____________
(1) عبد القاهر ، أسرار البلاغة : 325 .
(2) السكاكي ، مفتاح العلوم : 170 .
---
( 59 )

(5/2)


ويبدوا أن اللغويين والبلاغيين معا ، لم يأتوا بجديد في الموضوع ، وإنما تمايزوا بالأداء المختلف ، واتفقوا على الأصل ، وقد سبقهم أبو الفتح عثمان بن جني ( ت : 392 هـ ) في التوصل الى كنه هذا الأصل حينما عرف الحقيقة ببساطة ، وحدد المجاز بما يقابلها بقوله : فالحقيقة ما أقر في الاستعمال على أصل وضعه في اللغة ، والمجاز : ما كان بضد ذلك (1) .
ويترجح عندي وجود علاقة قائمة بين التعريف لغة واصطلاحا ؛ وذلك لتقارب الأسر اللغوي للمعنى الاصطلاحي ، وانبثاق الحد الاصطلاحي عنه ، وهو الاجتياز والتخطي من موضع الى موضع ، وهذا ما يكشف عن سر العلاقة المدعاة بين استعمال المجاز لغة واستعماله اصطلاحا ، فكما يجتاز الإنسان ، ويتنقل في خطاه من موضع الى موضع ، فكذلك تجتاز الكلمة وتتخطى حدودها بمرونتها الاستعمالية من موقع الى موقع ، ويتجاوز اللفظ محله من معنى الى معنى ، مع إرادة المعنى الجديد بقرينة تدل على ذلك ؛ فيكون أصل الوضع باقيا على معناه اللغوي ، والنقل إضافة لغوية جديدة في معنى جديد ، وبهذا يبدو لنا أن المجاز يتضمن عملية تطوير لدلالة اللفظ المنقول المعنى ، وتحميله المعنى المستحدث بما لا يستوعبه اللفظ نفسه لو ترك واصل وضعه الحقيقي (2) .
وكان التحرر من الضيق اللفظي ، والانطلاق في مجالات الخيال ، والتأثر بالوجدان النفسي ، والحنين الى العاطفة الصادقة ، والاتساع في رحاب اللغة ، والتوجه نحو الحياة الحرة الطليقة : أساس هذا الاستعمال ، فرارا من الجمود ، وتهربا من التقوقع في فلك واحد ، حول محور واحد .
وفي ضوء هذا الفهم جديدا كان أو مسبوقا ، فإن ما يقال عن المجاز في تعبيره الموحي بالمعاني الجديدة ، وتركيزه على استكناه الصور الإبداعية ، فإنه ينطبق على التشبيه والاستعارة باعتبارهما استعمالين مجازيين ، مع فرض وجود العلاقة الدالة على المعنى المستحدث .

(5/3)


وليس هذا الفهم جديدا ، بل هو مفهوم الأوائل للاستعمال المجازي ،
____________
(1) ابن جني ، الخصائص : 2/442 .
(2) ظ : المؤلف ، أصول البيان العربي : 35 .
---
( 60 )
فالجاحظ ( ت : 255 هـ ) كمعاصريه يعبر عن الاستعارة والتشبيه والتمثيل جميعا بالمجاز ، ويبدو هذا جليا في أغلب استعمالات الجاحظ البيانية التي يطلق عليها اسم المجاز ، وهي عبارة عن مجموعة العناصر البلاغية في النص الأدبي التي تكون المفهوم النقدي الحديث للصور الفنية (1) .
ولا يعتبر هذا رجوعا الى الوراء في التماس حقائق الأشياء ، ولكنه إفادة موضوعية من القديم لرصد الجديد وتحقيقه ، لذلك فقد يلتبس الأمر بين المجاز والتشبيه والاستعارة ، ولكن التمييز الدقيق يقتضي الفصل والتفريق بين هذه الظواهر البيانية المتجاورة ، ويتم ذلك بالنظر الى الكلام العربي عن كثب :
أ ـ فإن أريد فيه التوسع مطلقا دون سواه فهو المجاز .
ب ـ وإن أريد فيه التشبيه التام في ذكر المشبه والمشبه به وأداة التشبيه مع وجود وجه الشبه ، أو حذف أداة التشبيه مع ذكر وجه الشبه ، أو انعدام أوجه التشبيه من جهة وتوافقه من جهة أخرى مع ذكر أداة التشبيه ، أو حذفهما معا فهو التشبيه دون ريب .
ج ـ وإن أريد التشبيه في ذكر الشبه وحذف المشبه به ؛ فهو الاستعارة(2) .
إذن فالتحديد المانع هو الذي يقتضي الفصل بين هذه المتقاربات ، لأن في المجاز توسعا ونقلا وتجوزا في الألفاظ يختلف عما يراه في التشبيه والاستعارة .
وعلى هذا فالمجاز حدث لغوي فضلا عن كونه عنصرا بلاغيا نابضا بالاستنارة والعطاء ، هذا الحدث يفسر لنا تطور اللغة العربية الفصحى بتطور دلالة ألفاظها على المعاني الجديدة ، والمعاني الجديدة في عملية ابتداعها لا يمكن إدراكها الا بالتعبير عنها ، والتصوير اللفظي لها ، وذلك لا يتحدد بزمن أو بيئة أو إقليم ، وإنما هو متسع للعربية في أعصارها وأدوارها
____________

(5/4)


(1) الجاحظ في استعمالاته لإطلاق المجاز ، الحيوان 5 : 23 ـ 34 .
(2) ظ : المؤلف ، أصول البيان العربي : 40 .
---
( 61 )
وتواجدها ، وتنقلها في تخطي حدودها الجغرافية الى بقاع الأرض المختلفة ، والمجاز خير وسيلة للتعبير عن هذا الاتساع بما يضيفه من قرائن ، وبما يضفيه من علاقات لغوية مبتكرة ، توازن بين الألفاظ والمعاني في الشكل والمضمون ، وتلائم بين عمليتي الإبداع والتجديد في دلالة اللفظ الواحد للخروج في اللغة الى ميدان أوسع . والتطلع بها نحو أفق رحيب .
ولما كان القرآن العظيم اساس العربية ودستورها ، كان المجاز فيه أحد قسيمي الكلام ، وهما : الحقيقة والمجاز .
وسنرصد في الصفحات التالية وقوعه في القرآن بشكل لا يقبل الشك استقراء ومجانسة وبيانا
2 ـ وقوع المجاز في القرآن
ومجاز القرآن في الذروة من البيان العربي ، فالقرآن كتاب العربية الأكبر ، وهو ناموسها الاعظم ، يحرس لغتها من التدهور ، ويحفظ أمدادها من النضوب ، ويقوّم أودها من الانحطاط . وقد كان إعجازه البياني موردا متأصلا من موارد إعجازه الكلي ، وتفوقه البلاغي حقيقة ناصعة من تفوقه في الفن القولي ، وقد وقف العرب عاجزين أمام حسّه المجازي ، وبعده التشبيهي ، ورصده الاستعاري ، وتهذيبه الكنائي، وأعجبوا أيما إعجاب بوضع ألفاظه من المعنى المراد حيث يشاء البيان السّمح ؛ والإرادة الاستعمالية المثلى ، تأنقا في العبارة ، وتحيزا للمعاني ؛ فلا غرابة أن يكون القرآن مصدرا للثروة البلاغية الكبرى عند العرب ، وأصلا لتفجير طاقات تلك البلاغة ، والمجاز منها عقدها الفريد .
ولذلك يرى بعض البلاغيين : إن المجاز هو علم البيان بأجمعه ، وأنه أولى بالاستعمال من الحقيقة في باب الفصاحة والبلاغة ؛ لأن العبارة المجازية تنقل السامع عن خلقه الطبيعي في بعض الأحوال حتى أنه ليسمح بها البخيل ويشجع الجبان (1) .
____________
(1) أحمد مطلوب ، فنون بلاغية : 84 وانظر مصادره .
---

(5/5)


( 62 )
ومن نافلة القول التوسع في بحث إمكان وقوع المجاز في القرآن دون طائل ، فقد ثبت وقوعه دون أدنى شك في كوكبة متناثرة من ألفاظه تعد في القمة من الأستعمال البياني .
فقد رد عبد القاهر ( ت : 471 هـ ) القول بحمل اللفظ على ظاهره في كل من قوله تعالى :
أ ـ ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله )(1) .
ب ـ ( وجاء ربّك )(2) .
ج ـ ( الرحمن على العرش استوى * )(3) .
وأوجب أن يكون مجازا لا محالة لأن الإتيان والمجيء انتقال من مكان الى مكان ، وصفة من صفات الأجسام ، وأن الاستواء إن حمل على ظاهره لم يصح الا في جسم يشغل حيّزا ، ويأخذ مكانا ، والله عزّوجلّ خالق الأماكن والأزمنة ، ومنشيء كل ما تصح عليه الحركة والنقلة والتمكن والسكون والانفصال والاتصال والمماسة والمحاذاة(4) .
إن ما أوّله عبد القاهر في مقارنته بين معاني هذه الآيات الظاهرة ، ومعانيها الإيحائية الأخرى ، قد دلّه بالنظر العقلي الى مواطن الضرورة في القول بوقوع المجاز في القرآن ، وإلا وقعنا بالتجسيد تارة ، واصطدمنا بإشغال المكان بالنسبة اليه تارة أخرى ، وهذا باطل من الأساس في العقيدة ، كما أننا قد نقع في لبس وحيف عظيمين لو لم نقل بالمجاز ، ولنسبنا الظلم لله تعالى دون دراية وبدراية بهذه النسبة المفتراة . انظر الى قوله تعالى :
( ومن كان في هذه اعمى فهو في الأخرة أعمى وأضل سبيلا * )(5) .
____________
(1) البقرة : 210 .
(2) الفجر : 22 .
(3) طه : 5 .
(4) ظ : عبد القاهر ، أسرار البلاغة : 362 .
(5) الإسراء : 72 .
---
( 63 )
فإن حملنا هذه الآية على ظاهرها ، وهو عمى العين ، فيكون المعنى من كان في الحياة الدنيا أعمى فهو في الآخرة أعمى العين ، بل وأضل سبيلا !!

(5/6)


وفي هذا نسبة عين الظلم له تعالى عن ذلك علوا كبيرا ، فما هو ذنب من خلقه أعمى في الدنيا أن يحشره أعمى في الآخرة ؟ وما هو المراد حينئذ بـ : أضل سبيلا ، فهل هذا مكافأة على عماه البصري في الدنيا ، فإن حملنا هذا على الظاهر فالأعمى في الدنيا ضال عن السبيل ، وهو أضل له في الآخرة ، ولا ملازمة بين العمى البصري وبين الضلال عن الدين على الاطلاق ، إذن لا بد من حمل العمى على الاستعمال المجازي في الموردين ، ليناسب مع الضلال ، فيستقيم المعنى القرآني ، وينزه الله تعالى ، فيكون المعنى الثانوي هو المراد ، وهو ـ والله العالم ـ من كان في حياته الدنيا ضالا عن الحق ، متعاميا عن الصراط المستقيم ، زائغا عن سنن رب العالمين ، مكذبا لأنبيائه ورسله ، مستهزئا بتعليماته وتشريعاته ، فقد كتب له الضلال في الدنيا نتيجة تصرفه وسلوكه ، فهو كالأعمى الذي لا يبصر ما حوله ، وأبصار الدين بين واضح ولكنه تعامى عنه ، وإذا كانت هذه حالة في الدنيا ، فهو في الآخرة أضل سبيلا فلا يهتدي الى نور يستنقذه ، أو الى شفيع يأخذ بيده ، فهو في ظلمات متعاقبة ، متداخلة ، كمن وهب حاسة البصر ولم يعملها ويستفد منها في تمييز المرئيات فشأنه شأن فاقدها ، فهو أعمى كما كان ذلك أعمى ، وأذا عمي الانسان عن السبيل الحق في الدنيا ، ولم يعمل عمله ، كان في الآخرة أشد حيرة وضلالا ، إذ قدم على ما عمل فوجده هباءً منثورا ، ولما يقدم لنفسه في حياته ما يستنير به بعد وفاته . وهذا ما يوضح مجازية الآية ، وبدلالة القرآن نفسه في قوله تعالى :
( ومن أعرض عن ذكري فإنّ له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك ءاياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى * )(1) .
____________
(1) طه : 124 ـ 126 .
---
( 64 )
وفي الآيات هذه عدة شواهد على مجازية الآية السابقة ، وعلى مجازية الآيات نفسها في عدة دلائل منها :

(5/7)


1 ـ إن المعنى : يحشر أعمى البصر ، وقيل أعمى عن الحجة ، أي لا حجة يهتدي إليها .
قال الفراء : يقال أنه يخرج من قبره بصيرا في حشره (1) .
وفي ذلك دلالة على أن لا ملازمة بين العمى الحقيقي ـ في الآية السابقة ـ وبين الضلال . فقد يحشر البصير في هذه الدنيا أعمى في الآخرة ، وهذا العمى قد يكون على ظاهره كما حمله أبو زكريا الفراء وقد يكون مجازه كما روى ذلك معاوية بن عمار قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام ـ يعني الإمام جعفر بن محمد الصادق ـ عن رجل لم يحج وله مال ، قال هو ممن قال الله ( ونحشره يوم القيامة أعمى ) فقلت سبحان الله أعمى ، قال أعماه الله عن طريق الحق(2) . قال الطبرسي ( ت : 548 هـ ) فهذا يطابق قول من قال : إن المعنى في الآية أعمى عن جهات الخير لا يهتدي لشيء منها(3) .
2 ـ وكما حشر أعمى حينما أعرض في حياته الدنيا عن القرآن ودلائل الشريعة ، وسنن النبوة ، ونسي آيات الله ، فقد صكّ ( فكذلك اليوم تنسى ) أيها الناسي ، فتصير بمنزلة من ترك كالمنسي بعذاب لا يفنى .
3 ـ وقيل معناه : كما حشرتك أعمى ، لتكون فصيحة ؛ كنت أعمى القلب ، فتركت آياتي ولم تنظر فيها ، وكما تركت أوامرنا فجعلتها كالشيء المنسي ، تترك اليوم في العذاب كالشيء المنسي(4) .
فالمجازية في إضراب هذه الألفاظ متواترة الورود في الروايات ومقتضاة لضرورة المعاني .
والطريف أننا لو رجعنا الى المصادر التراثية في تفسير تلك الألفاظ وأمثلها ، لكان ذلك وحده كافيا للاستدلال بوقوع المجاز في القرآن ؛ وانظر الى جمهرة الأقوال في شتى شؤونها بالنسبة للآية موضوع البحث ، وإنما أكدنا عليها لأن دلالتها واضحة تكاد لا تخفى على السواد ، فكيف
____________
(1 ـ 4 ) ظ : الطبرسي ، مجمع البيان : 4/34 ـ 35 .
---
( 65 )
بالعلماء ، وهذه بعض مميزات النص القرآني أن يكون بعضه مفهوما بين الناس دون عناء .

(5/8)


ذكر في معنى قوله تعالى : ( ومن كان في هذه أعمى فهو في الأخرة أعمى وأضلّ سبيلا * )(1) عدة أقوال :
إن هذه إشارة الى ما تقدم ذكره من النعم ، ومعناه : أن من كان في هذه النعم ، وعن هذه العبر أعمى ، فهو عما غيّب عنه من أمر الآخرة أعمى . روي ذلك عن ابن عباس .
2 ـ إن هذه الإشارة الى الدنيا ومعناه : من كان في هذه الدنيا أعمى عن آيات الله ضالا عن الحق ، ذاهبا عن الدين ، فهو في الآخرة أشد تحيرا وذهابا عن طريق الجنة ، أو عن الحجة إذا سئل ، فإن من ضل عن معرفة الله في الدنيا ، يكون يوم القيامة منقطع الحجة ، فالأول اسم ، والثاني فعل من العمى .
3 ـ إن معناها من كان في الدنيا أعمى القلب ، فإنه في الآخرة أعمى العين ، يحشر كذلك عقوبة له على ضلالته في الدنيا ، روي ذلك عن أبي مسلم ، محمد بن بحر ، قال فهذا كقوله تعالى : ( ونحشره يوم القيامة أعمى )(2) . . . وعلى هذا فليس يكون قوله ( فهو في الأخرة أعمى * ) على سبيل المبالغة والتعجب وإن عطف عليه بقوله : ( وأضلّ سبيلا * ) ويكون التقدير : وهو أضل سبيلا . قال : ويجوز أن يكون أعمى : عبارة عما يلحقه من الغم المفرط ، فإنه إذا لم ير إلا ما يسوء فكأنه أعمى ، كما يقال : فلان سخين العين .
4 ـ وقيل معناه : من كان في الدنيا ضالا ، فهو في الآخرة أضل ، لأنه لا تقبل توبته ، واختار هذا الرأي أبو إسحاق الزجاج : وقال تأويله أنه إذا عمي الدنيا وقد عرّفه الله الهدى ، وجعل له الى التوبة وصلة ، فعمي عن رشده ولم يثب فهو في الآخرة أشد عمى ، وأضل سبيلا ، لأنه لا يجد طريقا الى الهداية(3) .
____________
(1) الإسراء : 72 .
(2) طه : 124 .
(3) ظ : الطبرسي ، مجمع البيان 3/ 430 .
---
( 66 )
فكل هذه المعاني ـ كما رأيت ـ قد اشتملت على الإرادة المجازية وهو كاف للاستدلال على أصالة الاستعمال المجازي في القرآن .

(5/9)


ومن قدح في المجاز ، وهم أن يصفه بغير الصدق ، فقد خبط خبطا عظيما ، ويهدف لما لا يخفى (1) .
فهناك من أنكر المجاز في القرآن ، وهناك من حمل جملة من الاستعمال الحقيقي على المجاز ، وكلاهما قد تجاوز القصد ، وجانب الاعتدال في المذهب .
وقد ناقش عبد القاهر الجرجاني ( ت : 471 هـ ) هؤلاء وهؤلاء : وأقل ما كان ينبغي أن تعرفه الطائفة الأولى ، وهم المنكرون للمجاز : إن التنزيل كما لم يقلب اللغة في أوضاعها المفردة عن أصولها ، ولم يخرج الألفاظ عن دلالتها ، كذلك لم يقض بتبديل عادات أهلها ، ولم ينقلهم عن أساليبهم وطرقهم ، ولم يمنعهم ما يتعارفونه من التشبيه والتمثيل والحذف والاتساع .
وكذلك كان من حق الطائفة الأخرى ، أن تعلم أنه عزّ وجلّ لم يرض لنظم كتابه الذي سماه هدىً وشفاء ، ونورا وضياء ، وحياة تحيا بها القلوب ، وروحا تنشرح عنه الصدور ، ما هو عند القوم الذي خوطبوا به خلاف البيان ، وفي حد الإغلاق ، والبعد عن التبيان ، وأنه تعالى لم يكن ليعجز بكتابه من طريق الإلباس والتعمية ، كما يتعاطاه الملغز من الشعراء ، والمحاجي من الناس ، كيف وقد وصفوه بأنه : ( عربيٌ مبين )(2)(3) .
وعبد القادر في هذا يشير الى الخلاف التقليدي في هذه المسألة ، أهي واردة أم هي منتفية ؟ كقضية لها بعدها الكلامي عند المتكلمين ، فلقد رفض أهل الظاهر استعمال صيغ المجاز في القرآن ، ووافقهم على هذا بعض الشافعية ، وقسم من المالكية ، وأبو مسلم الأصبهاني من المعتزلة(4) .
____________
(1) عبد القاهر ، أسرار البلاغة : 361 .
(2) النحل : 103 .
(3) عبد القاهر ، أسرار البلاغة : 363 .
(4) ظ : الزركشي ، البرهان في علوم القرآن : 2/255 .
---
( 67 )
وقد جاء هذا الرفض بحجة أن المجاز أخو الكذب ، والقرآن منزّه عنه ، فإن المتكلم لا يعدل اليه الا اذا ضاقت به الحقيقة فيستعير ، وذلك محال على الله تعالى (1) .

(5/10)


وقد ثبت لدينا في ضوء ما تقدم ، وفي ظلال ما سيأتي بيانه ، أن المورد المجازي في الاستعمال القرآني لا تضيق في الحقيقة ، أو عجز عن تسخيرها في تحقيق المعنى المراد ، بل لغاية التحرر في الالفاظ ، وإرادة المعاني الثانوية البكر ، فيكون بذلك قد أضاف الى الحقيقية في الألفاظ إضاءة جديدة ، والألفاظ هي هي ، وهذا بعيد عن ملحظ الكذب في التقرير ، أو العجز عن تسخير الحقيقة . ولو خلا منه القرآن لكان مجردا عن هذه الإضافات البيانية الاصيلة ، وليس الأمر كذلك .
ويؤكد هذا الملحظ تعقيب الزركشي ( ت : 794 هـ ) على القول بمنع استعمال المجاز القرآني بقوله :
وهذا باطل ولو وجب خلو القرآن من المجاز لوجب خلوه من التوكيد والحذف وتثنية القصص وغيره ، ولو سقط المجاز من القرآن سقط شطر الحسن (2) .
فاستعمال المجاز في القرآن نابع من الحاجة اليه في بيان محسنات القرآن البلاغية ، فهو والحقيقة يتقاسمان شطري الحسن في الذائقة البيانية كما أشار الزركشي .
ويبدو ضعف هذا المذهب ـ وهو يرفض وجود المجاز في القرآن ـ حينما نشاهد حرص الجمهور والإمامية ، وأغلب المعتزلة ، ومن وافقهم من المتكلمين على إثبات وقوعه في القرآن(3) .
حقا إن ابن قتيبة ( ت : 276 هـ ) قد أشار منذ عهد مبكر الى مسألة
____________
(1) ظ : السيوطي ، الاتقان في علوم القرآن : 3/109 .
(2) الزركشي ، البرهان في علوم القرآن : 2/255 .
(3) ظ في هذا الشأن : الجاحظ ، الحيوان : 1/212 . ابن جني ، الخصائص : 2/447 ـ457 . الرضي ، تلخيص البيان في جملة نصوصه ، المرتضى في الأمالي ، الزمخشري ، الكشاف في أغلب مواضعه .
---
( 68 )
الطعن على القرآن في هذه القضية ، وناقشها مناقشة أدبية ونقدية بارعة ، مؤيدا ذلك بموافقات اللسان العربي ، ومستدلا على ما يراه بسنن القول عند العرب في سائر الاستعمالات حتى الساذجة البسيطة منها .

(5/11)


يقول ابن قتيبة : وأما الطاعنون على القرآن بالمجاز ، فإنهم زعموا أنه كذب ، لأن الجدار لا يريد ، والقرية لا تسأل ، وهذا من أشنع جهالاتهم ، وأدلها على سوء نظرهم ،وقلة إفهامهم ، ولو كان المجاز كذبا ، وكل فعل ينسب الى غير الحيوان باطلا ، كان أغلب كلامنا فاسدا ، لأنا نقول : نبت البقل ، طالت الشجرة ، أينعت الثمرة ، أقام الجبل ، رخص السعر (1) .
وقد أيد هذا المنحى عبد القاهر الجرجاني ( ت : 471 هـ ) بقوله : وأنت ترى في نص القرآن ما جرى فيه اللفظ على إضافة الهلاك الى الريح مع استحالة أن تكون فاعلة ، وذلك قوله عزّ وجلّ : ( مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدّنيا كمثل ريح فيها صرّ أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته )(2) وأمثال ذلك كثير (3) .
وقد أفرد المجاز بالتصنيف من الشافعية الشيخ عز الدين بن عبد السلام ( ت : 660 هـ ) في كتابه الإشارة الى الإيجاز في بعض أنواع المجاز (4) .
وهناك كتاب قديم ذكره ابن النديم في الفهرست يخص هذا الجزء من البحث اسمه ( الرد على من نفى المجاز من القرآن ) للحسن بن جعفر(5) . ولم أعثر فيما لدي من فهارس المخطوطات على إشارة الى مكان وجوده في مكتبات العالم ، ولعله فقد فيما فقد من عيون التراث ، ويبدوا أنه قد ألف لغرض إثبات وقوع المجاز في القرآن ردا على من نفى ذلك عنه ، كما هو واضح من العنوان .
____________
(1) ابن قتيبة ، تأويل مشكل القرآن : 99 .
(2) آل عمران : 117 .
(3) عبد القاهر ، أسرار البلاغة : 361 .
(4) طبع في استانبول ، دار الطباعة العامرة ، 1312 هـ .
(5) ابن النديم ، الفهرست : 63 ، دار المعرفة ، بيروت ، 1978 م .
---
( 69 )
والحق أن المجاز واقع في القرآن باعتباره عنصرا أساسيا من عناصر بلاغته الإعجازية ، كما سنشاهد هذا فيما بعد ، عند التطبيق المجازي على عبارات القرآن الحكيم .
3 ـ تقسيم المجاز القرآني

(5/12)


لم يكن المجاز القرآني بمنأى عن الإطار العام لتقسيم المجاز في البيان العربي ، شأنه بذلك شأن الأركان البلاغية الاخرى التي يقوم على أساسها الفن القولي ، فقد استقطب القرآن الكريم شتى صنوفها ومختلف تقسيماتها ، وحفلت سوره وآياته بأبرز ملامحها وأصدق مظاهرها ، حتى عاد تقسيمها خاضعا لأحكام القرآن البلاغية ، ولم يكن القرآن خاضعا لتلك التقسيمات في حال من الأحوال ، لأنها مستمدة من هديه ، وسائرة بركاب مسيرته البيانية المعجزة ، وهكذا بالنسبة للمجاز فهو عند البلاغيين نوعان ، لأنه في القرآن نوعان : مجاز لغوي ومجاز عقلي ، بغض النظر عن التفريعات الأخرى التي لا تتعدى حدود التقسيم العام ، أو هي جزئيات تابعة لكلي المجاز باعتباره عقليا أو لغويا .
هناك بعض الإضافات والمسميات عند القدامى تجاوزت هذا التحديد في نهجه البلاغي ، نعرض إليه ونردّه الى أصوله :
هناك مجاز الحذف عند سيبويه ( ت : 180 هـ ) وعند الفراء ( ت : 207 هـ ) اورداه على سبيل الاتساع في الكلام كأخذ المضاف اليه إعراب المضاف(1) .
وقد مثلوا له بقوله تعالى : ( وسئل القرية )(2) . وقد أضاف عز الدين إبن عبد السلام ( ت : 660 هـ ) نوعين للمجاز سمّى الأول مجاز التشبيه ، وهو التشبيه المحذوف الأداة ، وأوضح رأيه هذا بقوله :
العرب إذا شبهوا جرما بجرم ، أو معنى بمعنى ، أو معنى بجرم ، فإن أتوا بأداة التشبيه كان ذلك تشبيها حقيقيا ، وإن أسقطوا أداة التشبيه كان
____________
(1) ظ : سيبويه ، الكتاب : 1/212 . الفراء ، معاني القرآن 1/363 .
(2) يوسف : 82 .
---
( 70 )
ذلك تشبيها مجازيا (1) .
والثاني : مجاز التضمين ، وهو أن تضمن اسما معنى إسم لإفادة معنى الإسمين ، فتعديه تعديته في بعض المواطن(2) .
ولقد قسم القزويني المجاز الى مفرد والى مركب ، والمفرد الى لغوي وشرعي وعرفي ، والمركب وهو التمثيل على سبيل الأستعارة الى مرسل واستعارة(3) .

(5/13)


وهنا نعقب على هذه الإضافات ناظرين أصول المجاز في التقسيم .
فأما مجاز الحذف فشأنه كشأن مجاز الزيادة ، والأول أشار إليه سيبويه والفراء ، وقد أفاد من هذه التسمية القزوني ( ت : 739 هـ ) فضم إليها مجاز الزيادة ، وعقد لذلك فصلا في الإيضاج سمّاه : المجاز بالحذف والزيادة(4) .
أما مجاز الحذف ، فتسميته بالإيجاز هي اللائقة بالمقام ، والإيجاز جار في القرآن مجرى المساوات والأطناب في موضوعهما ، ولا داع الى تكلف القول في الآية ( وسئل القرية )(5) . ان حكم القرية في الأصل هو الجر ، والنصب فيها مجاز ، باعتبار ان المضاف محذوف ، وأعطي للمضاف إليه حكم المضاف فأصبح منصوبا وحقه الجر أصلا .
وأما مجاز الزيادة ، وقد مثلوا له بقوله تعالى : ( ليس كمثله شيء )(6) ، على القول بزيادة الكاف ، أي ليس مثله شيء ، فإعراب مثله في الأصل هو النصب ، فزيدت الكاف ، فصار الحكم جرا ، وهذا الجر مجازي على ما يصفون .
والذي أميل إليه أن لا زيادة في الاستعمال القرآني قط ، بل هو من
____________
(1) عز الدين بن عبد السلام ، الإشارة الى الإيجاز : 85 .
(2) المصدر نفسه : 74 .
(3) ظ : القزويني ، الإيضاح : 268 . التلخيص : 293 .
(4) ظ : القزويني ، الإيضاح : 454 ، تحقيق : الخفاجي : 82 .
(5) يوسف : 82 .
(6) الشورى : 11 .
---
( 71 )
باب زيادة المعنى في زيادة المبنى ، فإن العبارة لا تعطي دقتها ومرادها لو استعملت مجردة عن الكاف ، ووجود الكاف وهو أداة للتشبيه في الآية قد نفى أن يكون لله ما يشبه به ، وإذا لم نستطع أن نحصل على ما يشبّه به ، فأنى يكون له مثيل أو شبيه فيكون المراد ـ والله العالم ـ ليس لما يمثل به مثيل ، فمن باب أولى أن لا يكون له مثيل ، وبهذا ينتفي فرض الزيادة جملة وتفصيلا .

(5/14)


ويبدو أن مسألة مجاز الحذف والزيادة قد سبقت القزويني بقرون إذ تعقب عبد القاهر ( ت : 471 هـ ) فبالغ في إنكار هذا القول مجاز الحذف والزيادة ، إذ لا يسمى كل حذف مجازا ، ولا كل زيادة كذلك ، إذ لم يؤد هذا أو ذاك الى تغيير حكم الكلام(1) .
وأما ما أضافه عز الدين فليس من المجاز عند البلاغيين ، فمجاز التشبيه عنده هو التشبيه المحذوف الأداة ، فيسمى تشبيها بليغا ، أو هو جار على سبيل الاستعارة لو حذف المشبه به مع أداة التشبيه .
وأما مجاز التضمين ، فليس من المجاز في شيء ، بل هو إضافة معنى جديد للفظ لا علاقة لها بالنقل عن المعنى الأصلي ، بل المراد به : إرادته وإرادة غيره بوقت واحد كقوله تعالى : ( وأخبتوا الى ربهم )(2) ، فأنه على ما قالوا تضمن معنى أنابوا مضافا الى الإخبات ، لإفادة الإخبات معنى الإنابة والإخبات معا .
وأما ما أبداه القزويني فلا يعدو كونه تفريعا على أصلي المجاز وهما المجاز العقلي واللغوي ، فالمجاز المفرد يكون ، عقليا ويكون لغويا ، فالمفرد في المجاز العقلي ما كان جاريا على الكلمة بالإضافة الى ما بعدها ، وتكتشف بالإسناد ، كقوله تعالى : ( والضحى * والليل إذا سجى * )(3) فكلمة سجا بالنسبة الى اللّيل مجاز عقلي مفرد ، والليل لا يهدأ ، وإنما ينسب الهدوء فيه الى غيره ؛ ولما كان الليل زمانا لهذا الهدوء ،
____________
(1) ظ : عبد القاهر ، أسرار البلاغة : 383 وما بعدها .
(2) هود : 23 .
(3) الضحى : 1 ـ 2 .

(5/15)


عبر عنه بـ سجا وسجا بمعنى هدأ وسكن وما شابه ذلك .
والمفرد في المجاز اللغوي هو الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له في اصطلاح التخاطب على وجه يصح مع قرينة عدك إرادته .
والمجاز المفرد على أقسام : لغوي ، وشرعي ، وعرفي ، كالأسد في الرجل الشجاع مثالا للغوي لفظ صلاة إذا استعمله المخاطب بعرف الشرع في الدعاء .
والعرفي نوعان : العرفي الخاص كلفظ فعل إذا استعمله المخاطب بعرف النحو في الحديث . والعرفي العام كلفظ ( دابة ) إذا استعمله المخاطب بالعرفي العام في الإنسان (1) .
وأما المجاز المركب فهو اللفظ المركب المستعمل فيما شبه بمعناه الأصلي بشبيه التمثيل للمبالغة في التشبيه ، أي : بشبيه إحدى صورتين منتزعتين من أمرين أو أمور ، لأمر واحد كما في قوله تعالى : ( يا أيها الذين ءامنوا لا تقدّموا بين يدي الله ورسوله )(2) .
فإنه لما كان التقدم بين يدي الرجل خارجا عن صفة المتابع له ، صار النهي عن التقدم متعلقا باليدين مثلا للنهي عن ترك الأتبعاع(3) . وهذا جار في الجاز المرسل الذي هو جزء من المجاز اللغوي .
إذن ما ابداه القزويني في هذا التفريع يعود الى الأصل في المجازين المذكورين ليس غير .
نعم هناك ادعاء مجاز جديد أرجأنا الحديث عنه الى هذا الموضع من البحث ، لأن لها معه متابعة قد تطول ، ولأن تشعباته وأنواعه كثيرة متشابكة ، ولا بد لنا من الإشارة إليها جميعا لإثبات أنها ليست أنواعا جديدة على المجاز ، ولا تخرج عن شقيه الأصليين العقلي واللغوي ؛ هذا المجاز ذكره عز الدين بن عبد السلام ( ت : 660 هـ ) وسماه مجاز
____________
(1) ظ : القزويني ، الإيضاح : 395 تحقيق الخفاجي .
(2) الحجرات : 1 .
(3) ظ : القزويني ، الإيضاح : 438 وما بعدها .
---
( 73 )
اللزوم (1) ، ونحن نذكر أنواعه عنده وتعقب على كل نوع .

(6/1)


وقد أطنب في دكر أنواعه وتعدادها ؛ وبعد مدارستها وجدناها من أجزاء المجازين العقلي واللغوي ، واشتمل بعضها على جزء من الكناية ، وهو يرفض أن تكون الكناية من المجاز(2) .
أما أنواع مجاز اللزوم فهي عنده(3) .
1ـ التعبير بالإذن عن المشيئة ، لأن الغالب أن الإذن في الشيء لا يقع إلا بمشيئة الإذن واختياره ، والملازمة الغالبة مصححة للمجاز ، ومن ذلك قوله تعالى : ( وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله )(4) .
أي بمشيئة الله ، ويجوز في هذا أن يراد بالاذن أمر التكوين ، والمعنى وما كان لنفس أن تموت الا بقول الله موتي .
وهذا من المجاز العقلي ، وعلاقته السببية كما هو واصح ، أو أنه من المجاز المرسل باعتبار الإذن تعبيرا عن المشيئة وعلاقته السببية أيضا .
2 ـ التعبير بالإذن عن التيسير والتسهيل في مثل قوله تعالى : ( والله يدعوا الى الجنة والمغفرة بإذنه )(5) .
أي بتسهيله وتيسيره . وهذا من المجاز اللغوي المرسل ، وعلاقته السببية ، أي بسبب من مشيئة الله تعالى وتيسيره وتسهيله .
3 ـ تسمية ابن السبيل في قوله تعالى : ( وأبن السبيل )(6) لملازمته الطريق . وهذا من المجاز العقلي ، ووجهه وعلاقته من باب تسمية الحال باسم المحل ، وذلك لكونه موجود في السبيل .
4 ـ نفي الشيء لانتفاء ثمرته وفائدته للزومهما عنه غالبا في مثل قوله
____________
(1) عز الدين بن عبد السلام ، الإشارة الى الإيجاز : 79 .
(2) المصدر نفسه : 85 .
(3) المصدر نفسه : 79 ـ 85 .
(4) آل عمران : 145 .
(5) البقرة : 221 .
(6) البقرة : 177 .
---
( 74 )
تعالى : ( كيف يكون للمشركين عهد )(5) .
أي وفاء عهد أو تمام عهد ، فنفى العهد لانتفاء ثمرته ، وهو الوفاء والاتمام .

(6/2)


وهذا التعليل وإن كان واردا ، ولكن المراد قد يكون ـ والله العالم ـ من باب الكناية ، أي أن المشركون غدرة ، فعبّر بعدم الوفاء بالعهد كناية عن الغدر الذي اتصفوا له ، والكناية ليست من المجاز حتى عند المصنف رحمه الله .
5 ـ التجوز بلفظ الريب عن الشك ، لملازمة الشك القلق والاضطراب ، فإن حقيقة الريب قلق النفس ، ومن ذلك قوله تعالى : ( لا ريب فيه )(2) أي لا شك في إنزاله أو في هدايته .
وهذا ـ والله العالم ـ من باب الكناية ، أي اطمئنوا للقرآن ، ولا تقلقوا ، ولا تضطربوا ، فإن من شأن الريب القلق والاضطراب .
والريب مصدر من رابني ، بمعنى الشك ، وهو أن نتوهم بالشيء أمرا مريبا فينكشف الأمر عما تتوهم ، وبمعنى الريبة ، وحقيقتها : قلق النفس واضطرابها وعدم اطمئنانها ، ومنه ما أورده الزمخشري عن الإمام الحسن بن علي عليهما السلام أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : دع ما يريبك الى ما لا يريبك ، فإن الشك ريبة ، وإن الصدق طمأنينة ؛ اي فإن كون الأمر مشكوكا فيه مما تقلق له النفس ولا تستقر ، وكونه صحيحا صادقا مما تطمئن له وتسكن (3) .
6 ـ التعبير بالمسافحة عن الزنا لأن السفح صب المني ، وهو ملازم للجماع غالبا ، ولكنه خص بالزنا إذ لا غرض فيه سوى صب المني ، بخلاف النكاح فإن مقصوده الولد والتعاضد والتناصر بالاختان والأصهار ، والأولاد والأحفاد ، ومثاله في قوله تعالى :
____________
(1) التوبة : 7 .
(2) البقرة : 2 .
(3) الزمخشري ، الكشاف : 1/ 113 .
---
( 75 )
( محصنين غير مسافحين )(1) أي : غير مزانين .
وهذا أن كان الأمر كما ذكره ، فهو تعبير بالكناية المهذبة فقد ذكر المسافحة وأراد لازمها .

(6/3)


7 ـ التعبير بالمحل عن الحال لما بينهما من الملازمة الغالبة كالتعبير : باليد عن القدرة والاستيلاء ، والعين عن الإدراك ، والصدر عن القلب وبالقلب عن العقل ، وبالأفواه عن الألسن ، وبالالسن عن اللغات ، وبالقرية عو قاطنيها ، وبالساحة عن نازليها ، وبالنادي والندي عن أقلهما . وقد ورد كل ذلك في القرآن الكريم .
وهذا كله قسيم بين المجازين اللغوي والعقلي في القرآن الكريم ، وهما جوهر المجاز القرآني . فالتعبير باليد عن القدرة والاستيلاء ، وبالعين عن الإدراك ، وبالصدر عن القلب ، وبالقلب عن العقل ، وبالأفواه عن الالسن ، وبالألسن عن اللغات ، كله من المجاز اللغوي المرسل ، باعتباره نقلا عن الأصل اللغوي بقرينة لإرادة المجاز ، مع بقاء المعنى اللغوي على ماهيته ، وإضافة المعنى الجديد إليه .
والتعبير بالقرية عن قاطنيها ، وتوابع ذلك ، كله من المجاز العقلي ، فالقرية لا تسأل جدرانها بل سكانها ، فيكون التقدير أهل القرية ، وما استفيد هنا لم يكن بقرينة لفظية مقالية ، وإنما بقرينة معنوية حالية ، حكم بها العقل في الإسناد .
8 ـ التعبير بالإرادة عن المقاربة ، لأن من أراد شيئا قربت مواقعته إياه غالبا ، ومن ذلك قوله تعالى : ( فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقضّ فأقامه . . . )(2) .
وهذا من المجاز العقلي ، فليس الجدار كائنا مريدا ، ولا هو بقادر على هذا الفعل ، وقد أدركنا بالضرورة العقلية ، ومن سياق الإسناد الجملي ، أن المجاز هو الذي أشاع روح الإرادة في الجدار ، وكأنه يريد .
____________
(1) النساء : 24 ، المائدة : 5 .
(2) الكهف : 77 .
---
( 76 )
قال أبو عبيدة : وليس للحائط إرادة ، ولا للموات ، ولكنه إذ كان في هذه الحال من ربّه فهو إرادته (1) .
9 ـ التجوز بترك الكلام عن الغضب ، لأن الهجران وترك الكلام يلازمان الغضب غالبا ، ومنه قوله تعالى : ( ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم )(2) .

(6/4)


وهذا ـ والله العالم ـ تعبير بالكناية ، ولا علاقة له بالمجاز ، فعبّر بعدم الكلام عن الغضب والانتقام والمجازاة .
10 ـ التجوز بنفي النظر عن الإذلال والاحتقار ، كقوله تعالى : ( ولا ينظر إليهم يوم القيامة )(3) .
وهذا من الكناية أيضا للتعبير عن ازدرائهم ، وعدم رضاه عنهم ، وليس لله جارحة فينظر بها إليهم ، فهو بصير بغير عين ، وسميع بغير أذن وهو على العكس من قوله تعالى :
( وجوه يومئذ ناضرة * الى ربها ناظرة * )(4) فهؤلاء قد أنعم الله عليهم بنضرة النعيم ، فنظروا الى رحمته ورأفته ، وتطلعوا الى حسن ثوابه ومجازاته ، وتوقعوا لطف عنايته ورعايته ، فكان ذلك نظرا الى عظيم إحسانه ، وكريم أنعامه ، إذ ليس الله جسما ، أو قالبا ، أو مثالا ، حتى ينظروا إليه ، فعدم نظره تعالى الى الكافرين متقارب من نظر المؤمنين إليه من جهة الكناية الهادفة .
وقد يكون ذلك مجازا مرسلا بإضافة عدم العناية والرعاية ، وإرادة الإحتقار والإذلال ، معنى جديدا الى عدم النظر ، وهو عكسه في الآيتين التاليتين .
11 ـ الحادي عشر : التجوز باليأس عن العلم ، لأن اليأس من نقيض العلوم ملازم للعلم غير منفك عنه ، كقوله تعالى : ( أفلم يأيئس الذين ءامنوا
____________
(1) أبو عبيدة ، مجاز القرآن 1/ 410 .
(2) البقرة : 174 .
(3) آل عمران : 77 .
(4) القيامة : 22 ـ 23 .
---
( 77 )
أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ) .(1) فإن كان هذا مجازا فهو مجاز مرسل إذ أضاف معنى ثانويا للفظ اللغوي ، أو هو ـ والله العالم ـ من قبيل استعمال الأضداد باللغة ، فيأتي التيئيس بمعنى العلم ، وبمعنى عدم العلم وانقطاع الأمل ، وعلى هذا فلا علاقة له بالمجاز .
12 ـ التعبير بالدخول عن الوطء لأن الغالب من الرجل إذا دخل بإمرأته أنه يطؤها في ليلة عرسها ، ومنه قوله تعالى :
( وربإبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهنّ فإن لم تكونوا دخلتم بهنّ فلا جناح عليكم . . . )(2) .

(6/5)


وهذا من باب التعبير بالكناية المهذبة ، وليس من المجاز في شيء فاستعمل الدخول ، وأراد لازمه وهو الوطء ، تهذيبا للعبارة ، وصونا للحرمات .
13 ـ وصف الزمان بصفة ما يشتمل عليه ويقع فيه كقوله تعالى : ( فذلك يومئذ يوم عسير * )(3) .
وهذا من الجاز اللغوي / المرسل ، وهو من باب إسناد الفاعلية ، أو الصفة الثبوتية للزمان لمشابهته الفاعل الحقيقي ، فقد أسند العسرة الى اليوم ووصفه بها ، واليوم دال على زمن من الأزمان ، ولا تستند اليه صفة الفاعلية إلا مجازا ، وكأنه يريد فذلك يومئذ يوم ذو عسرة ، تعبيرا عما يجري فيه من المكاره والشدائد ، والله سبحانه هو العالم .
14 ـ وصف المكان بصفة ما يشتمل عليه ويقع فيها ، كقوله تعالى : ( رب أجعل هذا البلد ءامنا )(4) .
وهذا هو المجاز العقلي فيما يظهر لي ، فالأمن لا يلحق بالبلد وإنما بأهل البلد ، وما قيل في قوله تعالى : ( وسئل القرية )(5) ، يقال هنا .
____________
(1) الرعد : 31 .
(2) النساء : 23 .
(3) المدثر : 9 .
(4) إبراهيم : 35 .
(5) يوسف : 82 .
---
( 78 )
15 ـ وصف الأعراض بصفة من قامت به ، كقوله تعالى : ( فإذا عزم الأمر )(1) ، والعزم صفة لذوي الأمر . وقوله تعالى : ( فما ربحت تجارتهم )(2) وصف التجارة ، وهو صفة للتاجر .
وهذا من المجاز العقلي في الآيتين الكريمتين :

(6/6)


فالمراد من الآية الأولى ـ والله العالم ـ عزم ذوي الأمر على تنفيذ الأمر ، فليس للأمر إرادة على العزم ، وليس العزم مما يسند فعله الى الأمر ، وفي الآية الثانية : الربح مجازي فيها ، ولا يراد به الزيادة على رأس المال في المتاجرة ، والتجارة فيها مجازفة ، فلا يراد بها المعاملات السوقية في شتى البضائع . وإنما المراد بالربم تحقيق المعنى المجازي منه بالفائدة المتوخاة في إنفاق الأعمار وعدم خسرانها ، والمراد بالتجارة المعنى المجازي منها بالإثابة والمثابرة وصالح الأعمال ، وهذا إنما يدرك بأحكام العقل من خلال إسناد الجملة ، فهو هناكما في الآية الأولى : مجاز عقلي .
16 ـ الكنايات كقول طرفة :
ولست بحلال التلاع مخافة * ولكن متى يسترفد القوم أرفد
وقد أقر أن هذا من الكناية وعقب عليه بقوله :
والظاهر أن الكناية ليست من المجاز ، لأنك استعملت اللفظ فيما وضع له ، وأردت به الدلالة على غيره ، ولم تخرجه عن أن يكون مستعملا فيما وضع له (3) .
وبعد هذه الجولة مع توجيهات صاحب الإشارة الى الإيجاز فمجاز اللزوم لا لزوم له ، لأنه ـ كما رايت ـ إما أن يكون خارجا من باب المجاز ، وإما أن يكون تفريعا عن شقي المجاز ، كما يبدو هذا من التعقيل على كل نوع من أنواعه .
____________
(1) محمد : 21 .
(2) البقرة : 16 .
(3) عز الدين بن عبد السلام ، الإشارة الى الإيجاز : 85 .
---
( 79 )
وهنالك أقسام أخرى تدور في هذا الفلك أعرضنا عن إيرادها ، لأنها لا تعدو القسيمين المجازيين .
4 ـ مجاز القرآن : عقلي ولغوي

(6/7)


بعد هذا العرض والتحقيق نتمكن أن نقول مطمئنين ان المجاز في القرآن قسمان : لغوي وعقلي . فاللغوي ما استفيد فهمه عن طريق اللغة وأقل اللسان بما يتبادر اليه الذهن العربي عن الإطلاق في نقل اللفظ من معناه الأولي الى معنى ثانوي جديد . والعقلي ما استفيد فهمه عن طريق العقل ، وسبيل الفطرة من خلال أحكام طارئة ، وقضايا يحكم بها العقل لدى إسناد الجملة . وسيأتي التحقيق في القسمين في موضعهما المناسب (1) . والطريف أن نشاهد السكاكي ( ت : 626 هـ ) منكرا للمجاز العقلي تارة ومثبتا له تارة أخرى(2) .
وقد وافقه على ذلك القزويني ( ت : 739 هـ ) وعدّه مجازا بالإسناد ، وقد أخرجه من علم البيان ، وأدخله في علم المعاني ، متناسيا أن المجاز العقلي إنما يدرك بالإسناد بينما نجده معترفا به ، ومعقبا لأقسامه وتشعباته بعد حين ، مما يعني عدم وضوحه لديه(2) .
وقد تابع هذا التأرجح صاحب الطراز فقال :
والمختار أن المجاز لا مدخل له في الأحكام العقلية ، ولا وجه لتسمية المجاز بكونه عقليا ، لأن ما هذا حاله إنما يتعلق بالأوضاع اللغوية دون الأحكام العقلية (4) .
وهذا الإخراج للمجاز العقلي لا يستند الى قاعدة بلاغية ، وتعارضه دلائل الاحوال ، لأن المجاز العقلي هو طريق البلاغيين في الأستنباط ، وسبيلهم الى اكتشاف المجهول بنوع من التأول والحمل العقلي ، ويتم ذلك
____________
(1) ظ : فيما بعد الفصل الرابع والفصل الخامس .
(2) ظ : السكاكي ، مفتاح العلوم : 194 ـ 198 .
(3) ظ : القزويني ، الإيضاح : 97 وما بعدها .
(4) العلوي ، الطراز : 1/ 25 .
---
( 80 )
بالاستجلاء لأحكام الجملة في التراكيب ، وإن بقيت الكلمات على حقيقتها اللغوية دون تجوز . وإليه يميل الزركشي ( ت : 794 هـ )بعده المجاز العقلي هو الذي يتكلم به أهل الصنعة بقوله عنه : وهو أن تستند الكلمة الى غير ما هي له أصالة لضرب من التأويل ، وهو الذي يتكلم به أهل اللسان (1) .

(6/8)


وقد كان عبد القاهر ـ كما سنرى فيما بعد ـ قد أولى هذا النوع من المجاز عناية فائقة ، واعتبر كنزا من كنوز البلاغة ، وهو مادة الإبداع عند الكتاب والشاعر ، وسبيل الاتساع في طرق البيان ، قال : وهذا الضرب من المجاز على جدته كنز من كنوز البلاغة ،ومادة الشاعر المفلق ، والكتاب البليغ في الإبداع والإحسان ، والاتساع في طرق البيان ، وأن يجيء بالكلام مطبوعا مصنوعا ، وأن يضعه بعيد المرام ، قريبا من الإفهام (2) .
وليس ملزما لأحد ما ذهب بعضهم من أن المجاز العقلي من مباحث علم الكلام ، وأولى أن يضم إليه ، لأنه من كما اتضح من تفصيلات عبد القاهر ، وإشارات القزويني ، يعد كنزا من كنوز البلاغة ، وذخرا يعمد إليه الكاتب البليغ والشاعر المفلق والخطيب المصقع ، وليس أدل على ذلك من أن القدماء استعملوا في كلامهم ، وأن القرآن الكريم حفل بألوان شتى منه ، وأن البلاغيين والنقاد أشاروا إليه وذكروا أمثلته ، وإن لم يطلق عليه الإسم إلا موخرا على يد عبد القاهر . وهذا كله يدل على أن المجاز العقلي لون من ألوان التعبير ، وأسلوب من أساليب التفنن في القول ، ولا يخرجه من البلاغة إفساد المتأخرين له ، وإدخال مباحث المتكلمين فيه عند تعرضهم للفاعل الحقيقي(3) .
وقد كان سعد الدين التفتازاني ( ت : 791 هـ ) موضوعيا حينما رد القزويني لإدخاله المجاز العقلي في مباحث علام المعاني فقال : لان علم المعاني إنما يبحث عن الأحوال المذكورة من حيث أنها يطابق بها اللفظ مقتضى الحال . وظاهر أن البحث في الحقيقة والمجاز العقليين ليس من
____________
(1) الزركشي ، البرهان : 2/ 256 .
(2) عبد القاهر ، دلائل الإعجاز : 295 تحقيق : محمود محمد شاكر .
(3) أحمد مطلوب ، فنون بلاغية : 109 .
---
( 81 )
هذه الحيثية فلا يكون داخلا في علم المعاني . وإلا فالحقيقة والمجاز اللغويان أيضا من أحوال المسند إليه أو المسند (1) .

(6/9)


وأما المجاز اللغوي فلا يختلف إثنان بأنه الأصل الموضوعي للمجاز ؛ ولما كان المجاز اللغوي ـ كما أسلفنا ـ ذا فرعين في التقسيم البلاغي ، لأن مجاله رحاب اللغة في مرونة الاستعمال ، وصلاحيتها في الانتقال من معنى مع وجود القرينة الدالة على المعنى الجديد لوجود المناسبة بينه وبينها ، وتوافر الصلة بين المعنى الأولي والمعنى الثانوي ، فأن كانت العلاقة المشابهة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي ؛ فهو الاستعارة . ولا حديث لنا معها إلا لماما لأن التفريق الدقيق يقتضي رصدها بمفردها ، لأنه حقيقة بذاتها ، فهي استعارة وكفى ، وإن لم يكن العلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي هي المشابهة ؛ فهو المجاز المرسل ، وحديثنا عن المجاز اللغوي حديث عنه ، وحديثنا عن المجاز القرآني سيكون مقتصرا عليه وعلى المجاز العقلي . لأننا قد وجدنا القرآن بحق قد استوعب نوعي المجاز العقلي واللغوي لدى التنظير ، أو عندما تستخرج جواهرها من بحره المحيط .
وسنقف عند هذين النوعين وقفة الراصد المتأني ، بعد أن نعطي صورة واضحة بقدر المستطاع عن الخصائص الفنية في مجاز القرآن بعامة .
____________
(1) التفتازاني ، المطول : 54 .
---
( 82 )
---
( 83 )
الفصل الثالث
مجاز القرآن وخصائصه الفنية
1 ـ خصائص المجاز الفنية
2 ـ الخصائص الأسلوبية في مجاز القرآن
3 ـ الخصائص النفسية في مجاز القرآن
4 ـ الخصائص العقلية في مجاز القرآن
---
( 84 )
---
( 85 )
1 ـ خصائص المجاز الفنية
لاشك أن اللغة العربية الفصحى تتمتع بخصائص ومزايا بلاغية متعددة ، تتمثل بالمعاني تارة ، وإن حملنا المعاين على معاني النحو بخاصة ، وبالبيان العربي تارة أخرى ، ونريد به أركانه الكبرى كما سيأتي ، وبجرس الألفاظ ومصطلحات البديع والمحسنات لفظية ومعنوية أحيانا إلا أن علم البيان بأركانه الأربعة : المجاز ، التشبيه ، الاستعارة ، الكناية هو ملتقى هذه الخصائص ، وعماد تلك المزايا .

(6/10)


فالمجاز بقسمة : العقلي واللغوي . والتشبيه بأسسه : المشبه ، المشبه به ، وجه الشبه ، أداة التشبيه . والاستعارة بأصول الشبه الاستعاري : الحسيين ، العقليين ، الحسي في المشبه والعقلي في المشبه به ، وبالعكس ، مضافا الى أقسام الاستعارة ، التمثلية ، والتصريحة ، والمكنية والأصلية ، والتبعية ، . . . الخ .
والكناية بتعبيرها المهذب ، في أقسامها كافة ، كناية الصفة ، كناية الموصوف ، كناية النسبة ، وبأرتباطها الفني والبلاغي في كل من التعريض والرمز .
هذه المفردات والتوابع والفروع والأقسام والأصناف المتشبعة المتطاولة ، لو أردنا رطها واحد متميز ، ولو حاولنا حصرها بفن من الفنون لكان ذلك المجاز بل المجاز وحده ، إذ يصح إطلاقه ـ بإطاره العام ـ عليها ، كما هي الحال عند الرواد من الأعلام لذلك فالمجاز يحتل الصدارة في إطار هذه الفنون ، ويشكل الظل المكثف في أفياء هذه الخيمة البلاغية ، حتى ليصح لنا أن نسمي لغتنا العربية بلغة المجاز بالمعنى الذي أشار إليه المرحوم الأستاذ العقاد بقوله : اللغة العربية لغة المجاز ،
---
( 86 )
لا لأنها تستعمل المجاز ، فكثير من اللغات تستعمل المجاز كما تستعمله اللغة العربية ، ولكن اللغة العربية تسمى لغة المجاز لأنها تجاوزت بتعبيرات المجاز حدود الصور المحسوسة الى المعاني المجردة ، فيستمع العربي الى التشبيه فلا يشغل ذهنه بأشكاله المحسوسة إلا ريثما ينتقل منها الى المقصود من معناه (1) .

(6/11)


لذلك نميل الى أن اللغة العربية ـ دون سواها من لغات العالم ـ تتميز بخصائص بلاغية ، والبلاغة العربية ـ وهي الأصل في البلاغة العالمية دون تأثير إغريقي أو أجنبي ـ تتمتع بخصائص فنية ، والمجاز في صيغيته البيانية يحتضن كلا من الخصائص في اللغة والبلاغة معا ، لأن أصل البلاغة المجاز ، واللغة العربية لغة المجاز ، فصغروية المقارنة بكبرويتها أوصلت الى هذه النتيجة البديهية ضرورة كما هو تعبير المناطقة في استخلاص الحقائق وبرمجتها منطقيا في شؤون الاستدلال قياسيا أو بديهيا .
ولا غرابة في هذا الملحظ الاستقرائي لطبيعة الأشياء ، فالمجاز فن أصيل في لغة العرب ، له مقاييسه الفنية ، ومعاييره القولية عند العرب بخاصة ، لأنه يعنى بإرادة المعاني المختلفة ، وهم يميلون الى هذا الموروث الحضاري ، وهو يعنى أيضا بتقليب وجوه اللفظ الواحد لا في الأشياء والنظائر بل في المعاني الثانوية ، فينتقل باللفظ من وضعه الأصلي المحدد له مركزيا ، الى وضع جديد طارىء عليه تجدده العلاقات الفنية ، وهذا من أهم الخصائص التي يمتاز بها المجاز ويؤهله للتوسع في اللغة ، وذلك بإضافة المعاني الجديدة الى نفس اللغة بنفس الألفاظ مرتبطة بأصول بلاغية لا تخرجها عن دلالتها الأولى في جذورها اللغوية في أصل الوضع ، بل تضيفها اليها توسعا بإرادة المعاني الثانوية هذه ، ولا تكون هذه الإرادة إلا بمناسبة ، ولا المعاني المستحدثة إلا بقرينة ، وبذلك يتحدد الاستعمال المجازي وتحدد دلالته أيضا بضوابط أساسية تدفع عنه النبو والارتجال ، وتحفظه من الأغراب والابتعاد عن الذائقة الفطرية عند المتلقي ؛ فقد يكون القمر وجها ، والجبل وقارا ، والغصن اعتدالا ، والبان قواما ، ولكن لا
____________
(1) عباس محمود العقاد ، اللغة الشاعرة : 40 .
---
( 87 )

(6/12)


القمر يدا ، ولا الجبل وجها ، ولا الغصن عينا ، ولا البان فما ، مراعاة المناسبة ـ إذن ـ ووضوح القرينة ، مانعان من الخلط المرتجل ، وضابطان من المجاز المشوه .
لهذا كثر استعمال المجاز في لغة العرب شعرا ونثرا وصناعة من أجل توظيفه في شؤون الحياة الاجتماعية من جهة ، ومن أجل إضافة مخزون تراثي متطور الى لغتهم المتطورة من جهة أخرى فعمدوا الى المعاني الرائعة فنظموها في معلقاتهم قبل الإسلام ، ووقفوا عند الأغراض القيمة فصبوها بخطابتهم في الأسواق الأدبية الشهيرة ، فكان للمجاز أثره في الإبداع ، وللانتقال به الى المعاني الجديدة بادرته في التجديد اللغوي والبلاغي في فن القول ـ حتى عاد المجاز بحق معلما بارزا في تراثهم ، بل ظلا شاخصا في حياتهم الأدبية ، فهو عندهم معني بالثروة الاحتياطية للمعاني ، والثورة الاحترازية للألفاظ . فالمجاز على هذا بخصائثه الفنية ثروة لغوية ، وثورة فنية ، هذه الثروة وتلك الثورة فيهما إشاعة روح اليسر والمرونة والسماح لتجاوز حدود الحقيقة اللغوية الى ما يجاورها ويقاربها ، أو ما يضاف اليها إمعانا في الابتكار ، وصيانة للتراث من التدهور والضياع . ولقد كانت النقلة في خصائص المجاز الفنية ، نقلة حضارية وإنسانية الى مناخ أوسع شمولا ، وأبلغ تعبيرا ، وأوجز لفظا ، والألفاظ هي هي دلالتها الأولية .
هذه الحقائق متوافرة السمات في كلام العرب منذ عهد مبكر ، ومصنفات الأعلام في المعلقات والأمالي والمنتخبات والحماسة غنية بأصول هذا الفن وبشائره الأولى في عصر ما قبل الإسلام وصدر الإسلام والعصر الأموي في الصناعتين .

(6/13)


فإذا وقفنا عند هذا المعلم في القرآن العظيم وجدناه من خلاله : يشيع الحياة في الجماد ، والبهجة في الأحياء ، والحسن إلى الكائنات ، ويحدب أيضاً على سلامة الألفاظ في المؤدى ، وتهذيب العبارة في الخطاب ، وتنزيه الباري عن الأنداد ، وصيانة ذاته عن الجوارح ، وعلوه عن الحركة المجيء والانتقال والتشبيه .
وهنا يقترن الغرض الفني بالغرض الديني ، وذلك من خصائص التعبير المجازي في القرآن ، فغذا استدرجه تذوقاً نطقياً ، أو تجاوباً سمعياً ، علمت
---
( 88 )
مدى تعلقه بتهذيب المنطق ، وإصلاح الأداء فلا زلل في اللسان ، ولا فهاهة في النطق ، ولا خشونة في الألفاظ .
خصائص المجاز الفنية في القرآن الكريم تنطلق من مهمته الإبداعية ، ومن مهمته الإضافية للتراث ، ومن مهمته التهذيبية للنفس ، ومن مهمته التنزيهية للباري .. هذه المهمات وظائف أساسية في منظور المجاز القرآني ، وهو مؤشرات صلبة تحدد لنا تحرير الألفاظ ، وتوجيه المعاني في خصائص المجاز القرآني التي لمسناها في الأسلوب والنفس ، ومظاهر الاستدلال العقلي ، وعلى هذا فسنقف عند الخصائص الأسلوبية ، والنفسية ، والعقلية للمجاز القرآني فحسب ، فهي بعمومها تشكل المناخ الفني لخصائص هذا المجاز ، ذلك من تتبع مجالات الاستعمال في الأعم الأغلب من مجاز القرآن .
 

2 ـ الخصائص الأسلوبية في مجاز القرآن

 

(6/14)


خصائص المجاز اللغوية في القرآن الكريم ، فضلا عن كونها خصائص فنية من وجه ، ومؤشرات إعجازية من وجه آخر ، فهي بمفهوم غير اعتباطي خصائص أسلوبية متطورة للموروث اللغوي . في المجاز تدرك مركزيا أن اللفظ هو اللفظ ، لم يتغير ولم يتبدل حروفا وأصواتا وهيأة ، والمعنى لهذا اللفظ ذاته هو المعنى نفسه لم ينقص عنه شيئا ، إلا أنه قد ازداد معنى غير المعنى الاولي في دلالته الثانوية الجديدة حينما يراد به الاتساع الى الاستعمال المجازي ، وبتطور ذهني ، وتصور متبادر إليه ، من خلال السياق والإرادة والمغادرة المعنوية لأي لفظ من الألفاظ موقعة الى موقع أرق ، وحدث أكبر ، فهو في حالته المثبتة في معجمه الأجتماعي لم يتغير معناه الحقيقي في استعماله الحقيقي ، وإنما بقي على ماهو عليه ، وقد كانت القرينة الدالة على المعنى الإضافي هي الصارفة عن المعنى الأولي الى سواه في الاستعمال المجازي ، سواء أكانت القرينة حالية أم مقالية .
هذا التركيب الجديد في العبارة في الألفاظ المفردة في المجاز اللغوي وفي العلاقات بين الألفاظ في المجاز العقلي ، يستغين بها المتلقي
---
( 89 )
عن كل التراكيب المماثلة أو المخالفة في المعاني المرادة في البنية اللغوية ، فالإيجاز خصيصة أسلوبية في هذا الملحظ ، والتطوير خصيصة ثانية في هذا الأسلوب ، فلا حاجة الى إسناد جملي جديد يسد مسد التركيب المجازي في اللفظ المفرد الموضوع لأصل ويقل عنه تفريغا وتنويعا الى معان مبتكرة ، يستغنى بذكرها مفردة مجازية منها عن إنشاء آخر للدلالة على تلك المعاني .

(6/15)


وقد يقال : وما هذا الالتواء في اصطياد المعاني المستحدثة من ذوات الكلم وأنفس الألفاظ ، ولماذا لا نغير العبارة ونأتي بها على صيغتها في الأصل للدلالة على المعنى الأصل دون تجوز ومغادرة للدلالة المركزية في هذا اللفظ أو ذاك . وللإجابة عن هذه المقولة لا بد من التنويه بالحقائق المنهجية لمسيرة لغة القرآن العظيم ، وهي لغة غير جامدة ، تستمد معينها الثر مواصفات أكثر عمقا من سطحية التقول والأفتراض الذي قد يجانب الواقع اللغوي لطبيعة هذه اللغة الكريمة .
كان العرب بفطرتهم النقية أئمة بيان لا شك في هذا ، والبيان العربي ذو جذور معرفة في القدم والأصالة يتكون مجموعه من عشرات الآلاف من الألفاظ ، ولو كررت الألفاظ نفسها لكان الكلام واحدا ، والتفاوت في الجودة والامتياز متلاشيا ، وإذا كان الكلام واحدا والتفاوت بين أبعاده مفقودا ، لذهبت خصائص البيان الأسلوبية ، ولأصبحت حالته متفردة ، غير قابلة للتفاضل ، واذا تحقق هذا ، فقد فقدت البلاغة العربية موقعها ، والبيان العربي مميزاته ، وحينما يكون المنظور الى الفن القولي متساويا ، فما معنى الإعجاز البياني واللغوي والبلاغي في القرآن الكريم ، وما هي عائدية قوله تعالى في التحدي للبشرية جمعاء حينما يصرخ :
( وإن كنتم في ريب ممّا نزّلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين * )(1) .
هذا التحدي قائم منصلتا على الإعجاز في القرآن ويعني هذا عجز الكائنات البليغة عن الإتيان ولو بسورة واحدة من جنس هذا البيان ، وعدم
____________
(1) البقرة : 23 .

(6/16)


الاتيان من مثله دليل أصالة القانون البديهي بتفاوت درجات الكلام ومنازله ، فكان القرآن أعلاها دون ريب ، وكان معجزا بحق . ولو تساوى الكلام لانتهى الإعجاز ، ولما كان الإعجاز باقيا كان بالضرورة تفاوت الكلام ، وتفاوت الكلام إنما يتحقق بإيراد المعنى في طرق بيانية مختلفة وسبل هذه الطرق واضحة ، وركيزتها الأركان الأربعة : المجاز ، التشبيه ، الاستعارة ، الكناية ، والتشبيه والاستعارة جزءان من المجاز ، والكناية تعني المعاني الثانوية بل معنى المعنى بالضبط ، فأركان البلاغة الأربعة جميعا قائمة على المجاز بمعناه العام ، وهو المراد . إذن الدلالة المجازية في الألفاظ ، منحة إضافية تمثل مرونة اللغة في الانتقال ، وتطورها عند الاستعمال . وهذه الدلالة تقوم بعملية تصوير فني موحية ، بإضافة جملة من المعاني الجديدة التي تدعم الزخم اللغوي ، وتؤنق في عباراته دون تكلف أو تعسف ، أو اقتراض للمفردات من اللغات الأجنبية أو المجاورة ، لأنها تعود بذلك غنية عن أية استدانة معجمية من أية لغة عالمية أو إقليمية ، هذا التأنق في اختيار المعاني ، وهذا الأكتفاء في مفردات الألفاظ ، مما يتماشى مع مهمة البلاغة العربية في مطابقة الكلام لمقتضى الحال ، ومما يتلاءم مع الخصائص الأسلوبية للمجاز في رفد المخزون الدلالي للألفاظ . لهذا فقد كان سليما ما قرره في هذا المجال في صديقنا المفضال الدكتور عبد الله الصائغ من اعتباره المجاز عبارة عن مغادرة المفردة لدلالتها المعجمية لتموين دلالة جديدة تسهم في الاتساع والتوكيد والادهاش (1) .
***
والمجاز بعد هذا : هو حلقة الوصل بين الذات المعبرة وإراداتها المتجددة في المعاني المستحدثة ، وهذا بعينه هو التطور اللغوي في اللغة الواحدة ذات المناخ العالمي في السيرورة والانتشار . وهما سمة لغة القرآن .
وهنا يجب أن لا يتطرق في انطباق مفهوم المجاز وحقيقته
____________

(7/1)


(1) عبد الإله الصائغ ، الصورة الفنية معيارا نقديا : 370 .
---
( 91 )
الاصطلاحية على صنوف التعبيرات اللغوية ، حتى وإن أريد بها معناها الأصل ، لأن ذلك مما يشوه حقيقة البيان ، ودلالته البلاغية ، ومما يحمّل الكلام كثيرا مما لا تحتمل طاقته التي تنهض به الى مستوى التعبير الأدبي ، فيعود ذلك تكلفا دون ضرورة اليه ، وتمحلا ، دون اتكاء البيان عليه ، والتمحل والتكلف وسواهما من التعسف أحيانا مما ترفضه سجية النصوص الأدبية الراقية لا سيما في القرآن العظيم .
إلا أن ظاهرة هذا التكلف شائعة بين النحاة من جهة ، وبين جملة من المفسرين من جهة أخرى ، وقد تكون بينهما معا إذا كان المفسر نحويا أو النحوي مفسرا ، وهذا مما يؤسف الوقوع فيه ، والتمسك به ، لأنه قد يتعارض بشكل وآخر مع الخصائص الأسلوبية لمجاز القرآن .
خذ مثلا قوله تعالى : ( وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم . . . )(1) فقد ذهب بعض الأستاذة المعاصرين : أنهم قالوا أن فيه إطلاق الكل على البعض ، والمراد تعجبك وجوههم ، لأن الأجسام لا ترى كلها ، وإنما يرى الوجه فحسب ، ولا أرى تأويلا أبعد من هذا التأويل عن روح الآية ، فالجسم وإن كان لا يرى كله ، فمن المستطاع أن يدرك الإنسان بنظرة ما عليه الجسم من جمال يبعث على الإعجاب ، وقد لا تريد الآية : تعجبك وجوههم ، ولكنها تريد يعجبك ما عليه أجسامهم من ضخامة ، وما يبدو فيها من مظاهر النماء والقوة ، وما عليه وجوههم من جمال ونضرة(2) .
هذه الملحوظة وما قاربها ، لا تخلو من وجه سديد فيما يبدو ، إذ لا معنى للتكلف المفرط الذي يخرج النص عن ذائقته الفطرية ، تصيدا لمعان قد لا تراد ، ووجوه لا تستحسن ، وعلاقات قد لا تستصوب .

(7/2)


وقد تنبه أستاذنا المرحوم الدكتور أحمد عبد الستار الجواري الى هذا المأخذ فعالجه وأشباهه معالجة فاحصة ، ونقده بأدب واتزان تامين ، فمس النحاة والمفسرين مسا رقيقا ، وعاتبهم عتابا جميلا ، وهو في معرض الحديث عن هذه البادرة مضافا الى الاستعمال القرآني الدقيق فقال : ومن
____________
(1) المنافقون : 4 .
(2) أحمد أحمد بدوي : من بلاغة القرآن : 224 .
---
( 92 )
لطائف الاستعمال القرآني كثرة ورود المصدر وصفا إما على سبيل الإسناد خبرا ، أو على سبيل النعت أو الحال . قال تعالى في سورة الإسراء :
( نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى )(1) .
وقال تعالى في سورة الكهف :
( فعسى ربّي أن يؤتين خيرا من جنّتك ويرسل عليها حسبانا من السّماء فبصبح صعيدا زلقا * أو يصبح ماؤُها غورا فلن تستطيع له طلبا * )(2) .
والمصدر في الآية الأولى خبر المبتدأ ، وهم يزعمون أن اسم المعنى لا يخبر به عن اسم الذات فتأمل . وفي الآية الثانية خبر الفعل الناسخ .
وقال تعالى في مورة الفرقان :
( وعباد الرّحمن الّذين يمشون على الأرض هونا )(3) يقول الزمخشري : هونا حال أو صفة للمشي ، . . . إلا ان وضع المصدر موضع الصفة مبالغة (4) .
ويعقب المرحوم الدكتور الجواري على هذه الظاهرة بقوله : وهذا ديدن النحاة إذ أنهم يجنحون إما الى التأويل بتقدير مضاف حتى يكون هو المصدر صالحا لوصف اسم الذات أو الإخبار عنه ، وإما الى تفسيره على صورة المبالغة والمجاز . على أن شيوع هذا الاستعمال ووفرته يشعران بأن التأويل والتقدير وصرف المعنى الى المجاز والمبالغة أمور لا ضرورة لها ولا سبب ، بل أنها قد تخرج العبارة عن المعنى الذي قصدت إليه (5) .
وقد يقترن الاستعمال الحقيقي بالتعبير المجازي في القرآن ، لتأكيد حقيقة كبرى ، وتصوير معلم بارز من معالم الأحداث المهمة ، يشكل من خلالهما القرآن خصائص أسلوبية مميزة في العرض والأداء والتعبير ، حتى

(7/3)


____________
(1) الإسراء : 47 .
(2) الكهف : 40 ـ 41 .
(3) الفرقان : 63 .
(4) الزمخشري ، الكشاف 3 : 103 .
(5) أحمد عبد الستار الجواري ، نحو القرآن : 69 ـ 70 .
---
( 93 )
تعود تلك الخصائص ظاهرة لغوية معينة يؤكدها أسلوب القرآن المرة بعد الأخرى ، وتمثلها في كتاب الله تعالى عند الآية ، هذه الخصائص تتجسد بأبرز مظاهرها الفنية في إسناد الحدث الى غير فاعله ، وتحاشي ذكر المسبب في إيجاده ، وكان القرآن في هذا وذاك يريد التوجه الجدي الحثيث منصبا الى الحدث ذاته ، والتفكير منحصرا في أبعاده دون النظر في الفاعل والمبدع له ، أنى كانت نوعيته وكيفيته ، وهذا ما حدب على تصويره القرآن في مظهرين عظيمين حينما يتحدث عن يوم القيامة مثلا . المظهر الأدل في مجاله ، الحقيقي وتعبيره الأستعمالي الأصل :
1 ـ يتحدث النص القرآني عن أحداث الساعة ، والتزلزل الكوني في العالم عندها ، والتغيير المفاجىء لمعالم الدنيا البصرية والحسية ، فتجيء صفة الأحداث في إسنادها مبنية للمجهول في عشرات الأيات بل مئاتها من القرآن ، ولنقف عند سورة التكوير :
( إذا الشّمسُ كوّرتْ * وإذا النُّجوم انكدرتْ * وإذا الجبال سيّرت * وأذا العشار عطلّت * وإذا الوحوش حشرت * وإذا البحار سجّرت * وإذا النّفوس زوّجت * وإذا الموءودة سئِلت * بأيّ ذنب قتلت * وإذا الصّحف نشرت * وإذا السّماء كشطت * وإذا الجحيم سعّرت * وإذا الجنّة أُزلفت * علمت نفس مّا أحضرت * )(1) .
وباستقراء هذه الآيات الاربع عشرة ، نجد منها اثنتي عشرة أية قد بنيت أفعالها للمجهول ، وطوي ذكر الفاعلى فيها وهي :
كورت ، سيرت ، عطلت ، حشرت ، سجرت ، زوجت ، سئلت ، قتلت ، نشرت ، كشطت ، سعرت ، أزلفت .

(7/4)


والقارىء للقرآن يدرك بالفطرة المودعة لديه ، أن الفاعل الحقيقي هو الله تعالى بقدرته ، أو بأمره ، أو بإرادته ، أو بتوجيهه لملائكته في تنفيذ ذلك ، فصدوره عنه لا شك في ذلك لأنه الجامع بين هذه الأشتات ، والمنظم لهذه المتفرقات ، أوجدها وسخرها وأنطقها ورتبها ، ولكن
____________
التكوير : ا ـ 14 .
---
( 94 )
الخصائص الأسلوبية لهذا النص لا تتعلق بمحدث هذه الأفعال وموجدها ، وإنما العناية متجهة نحو الحدث ، ولفت الأنظار حوله ، والعناية به . لتكون العبرة أشد ، واليقظة أعظم .
2 ـ وفي التعبير المجازي قد يسند الفعل لغير فاعله الحقيقي ، تأكيدا على هذه الظاهر ، وكأن الفعل متلبس بالفاعل ، وكأن الفاعل غير الحقيقي قد توصل إليه ففعله ، وإن يكن لهذا الفاعل حول أو طول ، أو ليس من شأنه ذلك بل المحدث غيره في كل من قوله تعالى :
أ ـ ( أقتربت السّاعة وأنشق القمر * )(1) .
ب ـ ( يوم تمور السّماء مورا * وتسير الجبال سيّرا * )(2) .
ج ـ ( اذا السّماء انفطرت * وإذا الكواكب انتثرت * )(3) .
د ـ ( فارتقب يوم تأتي السّماء بدخان مّبين * )(4) .
وواضح أن الساعة لا تقترب تلقائيا ، وأن القمر لا ينشق ذاتيا ، وأن الساء لا تمور إراديا ، وأن الجبال لا تسير اختياريا ، وأن السماء أيضا لا تنفطر من نفسها ، وأن الكواكب لا تنتثر بحالها ، وأن السماء لا تأتي بدخان مبين بإرادتها . وأنما أضيف لها الفعل لتضخيم الحدث ، وليتجه التفكير نحوه ، فالفاعل الحقيقي هو غير ما أسند إليه الفعل وتأتي ، فالساعة تقترب حتما ، والقمر ينشق قطعا ، والسماء تمور وتنفطر وتأتي بالدخان مسخرة ، والجبال تسير لا شك في هذا ، والكواكب تنتثر من تلقاء نفسها ، ولا يحتاج كل هذا الى كبير أمر ، فقد سخرها ربها لتلقي الحدث فهي صاحبته في مناخ قاهر لا عهد لها به ، فتتطوع بهذه الأفعال بذاتيتها دون التلويح الى الفاعل الحقيقي .

(7/5)


ومما يؤسف له حقا أن ينشغل أكثر المفسرين عن هذا الملحظ
____________
(1) القمر : 1 .
(2) الطور : 9 ـ 10 .
(3) الانفطار : 1 ـ 2 .
(4) الدخان : 10 .
---
( 95 )
الدقيق ، وهذه الظاهرة الأسلوبية النموذجية الى الخوض في تفصيلات الفاعل ، وتأويل صدور الفعل عنه .
تقول الدكتورة عائشة عبدالرحمن ، ونحن نوافقها في هذا العرض ، لأنه من صميم منهجنا البياني :
وقد شغل أكثر المفسرين والبلاغيين بتأويل الفاعر ، عن الالتفات الى اضطراد هذه الظاهرة الأسلوبية في هذا الموقف ، مع وضوحها الى درجة العمد والإصرار : وسرّها البياني دقيق جليل : فاطراد إسناد الحدث الى غير محدثة ، بالبناء للمجهول ، أو الإسناد المجازي ، أو المطاوعة ، يدل على التلقائية التي يكون بها الكون كله مهيئا للحدث الخطير ، وأن الكائنات مسخرة بقوة لدلك الحدث ، فما تحتاج فيها الى امر ، ولا الى فاعل . . . وفيه كذلك ، تركيز الانتباه في الحدث ذاته ، وحصر الوعي فيه ، فلا يتوزع في غيره (1) .
3 ـ وإذا جئنا الى الاتساع اللغوي في مجاز القرآن وجدنا ظاهرة أسلوبية شامخة ، وفصل المجاز اللغوي في القرآن يؤكد هذه الظاهرة بجميع أبعادها في التجوز والاتساع والمرونة ، وفيه غنية عن الإفاضة في هذا المدرك لأنه حافل بدلائل سلامة اللفظ اللغوي ، وسيرورته في المعاني الجديدة التي لا تعامل الأصل باعتباره منسوخا أو مستغنيا عنه ، بل هو هو وهو مضاف إليه هذا الاتساع .

(7/6)


تأمل في هوله تعالى : ( والله محيط بالكافرين )(2) فإنك ستجد بيسر وسهولة كلمة محيط غير متخلية عن المعنى الأصل ، ولكنها على الصعيد المجازي ، تحمل دلالة بارزة جديدة ، تتعدى معنى الإحاطة التقليدية ، التي اعتاد السامع إدراكها مركزيا من اللفظ ، فليست إحاطته تعالى ههنا إحاطة مكانية ، أو طلية ، أو جسمية ، كإحاطة القلادة بالجيد ، أو السوار بالمعصم ، أو الخاتم بالبنان ، وإنما هي إحاطة مجازية مطلقة عن حدود الإحاطات المتعارفة ، وبديهي أن يراد بها إحاطة ذي القوة بمن ليس له
____________
(1) بنت الشاطىء ، التفسير البياني : 1/85 .
(2) البقرة : 19 .
---
( 96 )
قوة ، وذي الحول بمن لا حول له ، وكإحاطة ذي الشأن بمن لا يدانيه سيطرة وإعدادا ، إذ لا يمكن أن تفسر هذه الإحاطة بالمكان ، وإن استوعبت حدود كل مكان ، لأن الله تعالى فوق حدود المكان ، وإذا كان الأمر كذلك ، ويبدوا أنه كذلك ، فلا بد من رصد هذه الظاهرة بهذا المدرك الاتساعي في التجوز باللفظ ذاته ، وحمله على المعنى الذي أشار اليه الزمخشري ( ت : 538 هـ ) في قوله : والمعنى أنهم لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به حقيقة (1) .
إن الذائقة الفنية في مثل هذه الظواهر تمثل لنا عمق الخصائص الأسلوبية في مجاز القرآن ، إذ تجدد القدرة الخارقة في كل نموذج آنف على استيحاء التلازم الذهني بين الأصل الحقيقي والفرع الاستعمالي لمناسبة ما في تنقله من معنى أولي الى معنى ثانوي ، وهو يهز المشاعر حينا ، ويصون التراث حينا آخر ، ويحدث ذلك عادة في وقت واحد وبتفكير جملي متحد . وهذا من خصائص الأسلوب المجازي في القرآن .


3 ـ الخصائص النفسية في مجاز القرآن

 

(7/7)


ليس أمرا سهلا ، أن يساير النص الأدبي النفس الإنسانية ، وليس هينا أن تتطلب النفس أيضا نصا أدبيا ، فالنفس جموح لا تهدأ ، وغروف لا تكبح ، وشرود لا يسيطر عليها نص اعتيادي ، أو فن قولي ، دون أن تتمثل به أرقى مميزات الانجذاب التلقائي ، والبعد النفساني المتوازن ، فتقبل عليه النفس اشتياقا أو إيناسا ، وتعزب عن سواه نفورا أو إيحاشا .
النص وجودته وحدهما يهيئان المناخ المناسب في النفس الإنسانية إقبالا على النص أو عزوفا عنه . ومن ثم فالمجاز القرآني وهو ينقل اللفظ من صورة الى صورة أخرى على النحو الذي يريده المصور ، فإن أراد منهها في صيغتها الحقيقية . فأنت تستطيع في المجاز تكييف النص الأدبي نحو المعنى المراد ، دون توقف لغوي أو معارضة من دلالة اللفظ
____________
(1) الزمخشري ، الكشاف 1 : 85 .
---
( 97 )
المركزي ، وذلك بحسب ما تريده من إثارة النفس ، أو إلهاب العاطفة ، أو إذكاء الشعور في حالتي الترغيب والتنفير ، وهما حالتان متعلقتان بالحس العاطفي لدى الإنسان ، وناظرتان الى الانفعالات الوجدانية في النفس الإنسانية .
أ ـ في توجيه النفس نحو الترغيب تقف على قاصرات الطرف في حكايتها المجازية من قوله تعالى :

(7/8)


( وعندهم قاصرات الطرف عين * كأنّهن بيض مكنون * )(1) . والحدث حقيقي الوقوع بأبعاده التصويرية المتأنقة ، ولكنك ترى ما في الوصف ، والتعبير عن النساء بقاصرات الطرف وليس في طرفهن قصور ، من التراصف البياني المرتبط بإثارة النفس للتعلق بمن تنطبق عليه هذه العبارة ، أو تتحقق فيه هذه الأوصاف التي تطمئن اليها الروح الإنسانية وتهش لها الذات البشرية ، ويتطلع اليها الخيال متشوقا مع نقاء الصورة ، ولطف الاستدراج ورقة الترغيب المتناهي ، فقد وصف نساء أهل الجنة بحسن العيون الناظرة الى أزواجها فحسب عفة وخفرا وطهارة ، دون التردد في النظر الى هذا وذاك ، وأضاف الى هذا الملحظ التشبيه الحسي بالبيض المكنون على عادة العرب في وصف من اشتد حجابه ، وتزايد ستره ، بأنه في كن عن التبرج ومنعة من الاستهتار .
ب ـ وأما في التنفير ، فتزداد النفس عزوفا ، وتتوارى عن الصورة المتخيلة أو المتجسدة نفورا ، حتى يبدوا الإشمئزاز منها واضحا ، والاستهانة يوخامتها متوقعا فضلا عن الهلع والرعب في صورة الهلع والرعب ، والخوف والتطير في نموذج الخوف والتطير إذا حققت هذا أو ذاك الصورة الشديدة في التنظير المجازي ، وإن شئت فضع يدك على الدلالة المجازية في إرسال الريح العقيم على عاد وهي ( ما تذر من شيء أتت عليه ) من قوله تعالى : (وفي عاد إذ ارسلنا عليهم الريح العقيم * ما تذر من شيء أتت عليه إلاّ جعلته كالرميم * )(2) .
سترى كيف ازدادت عندك الحالة المتصورة سوءا ، وكيف نفر منها
____________
(1) الصافات : 48 ـ 49 .
(2) الذاريات : 41 ـ 42 .
---
( 98 )

(7/9)


طبعك فرارا ، فما هو شأن هذه الريح المشومة التي أسند إليها التدمير التام ( ما تذر ) وأسندت إليها الفاعلية في يسر ومطاوعة ( أتت ) حتى جاءت بعذاب الاستئصال . فما هي خصائص هذه الريح بهذه المطاوعة في التسخير للهلاك العام حتى عاد كل شيء ( أتت عليه ) كالورق الجاف المتحطم ، نظرا لشدة عصفها ، وسرعة تطايرها ، وخفة مرورها .
وحديث النفس في مجاز القرآن ذو سيرورة وانتشار حتى عاد جزءا قويما من خصائصه الفنية دون ريب ، وهو يتجلى في عدة مظاهر تقويمية يمكن الإشارة إليها بما يلي :
1 ـ في نماذج المجاز القرآني نجد دلالة ذات أهمية مشتركة بيانية ونفسية في آن واحد ، يعبر في هذه الدلالة عن علاقة اللغة بالفكر ، والفكر بالعاطفة ، والعاطفة بالنفس .
وفي هذا الخصوص كثيرا ما يفجؤك المجاز القرآني وقد تعدى حدود اللغة الى النفس ، ومناخ الاتساع الى الخيال ، فهو طالما تجده يسند الاحساس الى الجماد ، فيصفه بالفاعلية ، لتتوجه النفس اليه وينحصر الحدث به وكأنه فاعله ، ويريك الحركة وهي دائبة في العوالم الصماء ، فكأنها ناطقة تتكلم ، فيصك بذلك أسماعا غير واعية ، وآذانا غير صاغية ويضفي ملامح القوة على ما لا قوة فيه ، وكأنه رائد متمكن . وليس هذا وذاك إلا من مظاهر الخصائص النفسية في الاسلوب الذي يحرك الضمائر حينا ويهز المشاعر حينا آخر ، ويبعث الخواطر سواهما ، ولعله يريد بذلك أن يفجر روافد جديدة ذات إطار تجريبي في محاكاة غير المحسوس للمحسوس ، ومماثلة الإدراك في غير المدرك كما هو في المدركات ، لأن في ذلك انتقالا في الصورة الى داخل النفوس وواقع الخبايا في النفس المعتبرة بما تضفيه المجازات القرآنية من أبعاد جديدة ، ولعل خير مايمثل هذا الاتجاه الحيوي التأمل في كل من قوله تعالى :
أ ـ ( وضرب الله مثلا قرية كانت ءامنة مّطمئنّة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان . . . )(1) .
____________
(1) النحل : 112 .
---
( 99 )

(7/10)


ففي هذا الأنموذج الأعلى عدة استعمالات مجازية تدور حول هذا الفلك من البيان العربي الصميم ، ومهمته إذكاء الحفيظة في النفس لتلافي التقصير المتعمد في ذات الله ، فقد وصف القرية بكونها آمنة مطمئنة ، وقد علم بالضرورة أن الأمن والاطمئنان لا تتصف بهما مرافق القرية وجدرانها ، وإنما يتنعم بهما أهلها وسكانها ، فعبر مجازا عن طريق إطلاق أسم المحل وهو القرية على الحال فيها وهم الأهل والسكان .
وعبر عن الرزق بأنه يأتي والرزق ليست له حركة ولا إرادة في التنقل والقصد ، وإنما الله تعالى هو الذي يسخر من يجلب الأرزاق ، ويأتي بها ـ وهو الرزاق ذو القوة المتين ـ من كل مكان الى هذه القرية ، تعبيرا عن تنعمها وعيشها الرغيد ، وذلك ما تهش إليه النفس ، فكان الرزق دون عناء يقصدها سائرا عامدا متوافرا .
وهذا الوصف لهذا الهناء لا يمانع من الوعيد في إفنائه واستبداله بالعناء ، فكلاهما من الصور النفسية :
ب ـ ( مثل الّذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدّت به الرّيح في يوم عاصف . . . )(1) .
فستقف عند حقيقتين مجازيتين يرتبطان بشد النفس إليهما والوقوف بتأمل ويقظة وحذر عندهما :
الأولى : إسناد الاشتداد الى الريح ، لتهيئة المناخ النفسي لتلقي هذه الصورة ، وحصر التفكير في كيفية هذه الريح ونوعيتها ، فهي فاعلة متحركة ، دائبة ، متموجة ، طاغية ، مطاوعة ، وليس للريح حول ولا طول في الملحظ التكويني ، فلا هي مشتدة حقيقة ولا هي جارية واقعا ، وإسناد هذا وذاك إليها كان بسبيل من المجاز ، لأن تسخيرها بالله وحده ، فلا إرادة للريح ولا طواعية ، والمجاز هو الذي طوع هذه الحقيقة اللغوية ، فأعارها مناخا جديدا ، وكأن الريح قائمة ، والجري على أشده ، والحركة ذاتية .
الثانية : إسناد الفاعلية والصفة الثبوتية للزمان لمشابهته الفاعل
____________
(1) إبراهيم : 18 .
---
( 100 )

(7/11)


الحقيقي ، فقد أسند عصف الريح الى اليوم ، وهو دال على زمان من الأزمان ، ولا تستند إليه الفاعلية حقيقة إلا على نحو المجاز ، وهو كذلك ، وهذا أيضا مما نظر فيه الى النفس ليخلص اتجاهها في تصور شدة ذلك اليوم ، وعصف ذلك اليوم ، وحديث ذلك اليوم ، دون التفكير في الهوامش والجوانب الفائضة ، فكأن المراد هو اليوم فنسب إليه العصف ، فأقام اليوم مقام المضاف المذوف في التقدير اللغوي الأصل ، فهو يوم ذو عصف إن صح ما تأولوه .
وقد يكون هذا الإدارك على سبيل التعبير عن شدة الأمر ، وقيام العصف على أشده في ذلك اليوم ، مما يهم الإنسان ، فارتبط الحدث به نفسيا ، فأسند إليه الفعل كما هي الحال في هوله تعالى :
( فكيف تتّقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا * )(1) .
يقول الدكتور أحمد بدوي معلّلا هذه النسبة نفسيا :
ولما كان يوم القيامة تملؤه أحداث مرعبة ، تملأ النفوس هولا يتسبب عنها لشدتها الشيب ، وكان هذا اليوم ظرفا لتلك الأحداث ، صح أن يسند الشيب إليه (2) .
2 ـ وإذ يوصلنا الى يوم القيامة ، فإن التعبير المجازي عن هذا اليوم يزداد جلاء ، فيعكس الحدث مقترنا بذلك اليوم ، ومنسوبا الى عوالمه الصامتة ، وإذا بها ناطقة تتكلم ، ومفصحة تعرب عما في الدخائل ، ويتجلى هذا في كل من قوله تعالى :
( يومئذ تحدّث أخبارها * )(3) .
والضمير عائد الى متقدم لفظا ورتبة كما يقول النحاة ، وتقدير الكلام عندهم : تحدث الأرض أخبارها ، والحقيقة اللغوية أن يتحدث ذو النطق بألته ، وذو اللسان بأداته ، لا الجماد بعجمته ، فهل هو تمثيل يعني : أن ما
____________
(1) المزمل : 17 .
(2) أحمد أحمد بدوي ، من بلاغة القرآن : 223 .
(3) الزلزلة : 4 .
---
( 101 )

(7/12)


يحدث في ذلك اليوم ، وما يجري فيه من الشدائد الهائلة ، والشدائد تثير الهلع في النفس ، والمنظور هنا نفساني لا شك ، والتغيير الكوني يؤكد الاهتمام المتزايد لدى الإنسان ، بعد زلزلة الأرض ، وإخراج الأثقال ، وذهول الإنسان لتلك الأحداث الجديدة ، فهو يتسائل في حيرة وعجب واستغراب : ( وقال الأنسان ما لها * )(1) فإذا أضفنا إليها السماوات بعوالمها ، والأرض بكل مواقعها :
( يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار ) هذه الكائنات كلها ناطقة بجمهرة من الأحداث ، فهي تتحدث عنها ، وتفصح عن أهوالها ، كما يقال : رزء يعبّر عن كارثة ، وخطب ينبي عن شدة ، وليس الرزء معبرا حقيقة ، ولا الخطب بمنبىء .
هذا المدرك المجازي يميل إليه الزمخشري بقوله : والتحديث مجاز عن أحداث الله تعالى فيها من الأحوال ما يقوم مقام التحديث باللسان (2) . وهو الذي تميل إليه الدكتورة بنت الشاطىء :
والذي نكمئن إليه ، هو أن تحدث الأرض على الإسناد المجازي ، فيه تقرير لفاعلية تستغني بها عن فاعل ، وتأكيد للظاهرة الأسلوبية المضطردة في حرف النظر عمدا عن الفاعل الأصلي لأحداث البعث والقيامة . ثم لا يغيب عنا ما لهذا الصنيع البياني من قوة إثارة وإيحاء ، فنحن نشهد صورة فنية معبرة ، فنقول في إعجاب : إنها تكاد نتطق ، والبيان القرآني المعجز لا ينطق الجماد فحسب ، بل يجرد منه كذلك شخصية حية ، فاعلة ناطقة مريدة مدركة (3) .
ب ـ إن ما سبق لنا القول فيه تؤكده أحداث القيامة ، من قول كما في قوله تعالى : ( يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مّزيد * )(4) .
أو فعل وقوة كقوله تعالى : ( إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور *
____________
(1) الزلزلة : 3 .
(2) الزمخشري : الكشاف : 4 / 276 .
(3) بنت الشاطىء ، التفسير البياني : 1/ 92 وما بعدها .
(4) ق : 30 .
---
( 102 )

(7/13)


تكاد تميّز من الغيظ * . . . )(1) ، أو شدة ناطقة فاعلة كقوله تعالى :
( يا أيها الناس أتّقوا ربّكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم * يوم ترونها تذهل كل مرضعة عمّا أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكنّ عذاب الله شديد * . . . )(2) وليست جهنم كائنا متكلما فتقول ، وتستمع وتجيب ، وإن كان ذلك غير بعيد إعجازا .
وليست النار جسما مريدا وفاعلا فنستمع لشهيقها أو هي تفور ، أو تتميز من الغيظ .
وليس في القيامة إرضاع حتى تذهل المرضعة عن رضيعها ، وليس هنالك وضع وولادة وإنجاب ، حتى تضع كل ذلت حمل حملها .
إن التعبير بالمجاز بمعناه العام هو الذي صور هذه الأحداث بهذه الصور المثيرة ، وأبانها بهذه الهيأة الناطقة ، وسيّرها بهذه الإرادة التامة تنبيها للضمائر ، وتوجيها للعقول ، وتأثيرا على النفوس حتى تستعد لذلك اليوم الذي تنطق فيه جهنم ، وتفور فيه النار حتى يسمع شهيقها ، وحتى لتكاد تتقد من الغيظ وتنشق ، ذلك اليوم الذي لو أرضعت فيه المرضعة لذهلب عن رضيعها ، ولو توافرت فيه ذوات الأحمال لوضع أحمالها .
إذن هذه خصائص نفسية يحملها المجاز القرآني ونحتضنها تعبيره الفريد من أجل الإنسان . دربة منه على الحذر والاستعداد والتهيؤ التام .
جـ ـ وما يقال في ملحظ النطق والقول والقوة بالنسبة للنار يقال عينه بالنسبة للإيحاء الى الأرض في قوله تعالى : ( بأنّ ربّك أوحى لها * )(3) .
والقضية تصور في مدرك عقلي محض ، فالوحي الإلهي هو الفعل الذي يكشف به الله للإنسان عن الحقائق التي تجاوز نطاق عقله(4) .
____________
(1) الملك : 7 ـ 8 .
(2) الحج : 1 ـ 2 .
(3) الزلزلة : 5 .
(4) ظ : د . جميل صليبا ، المعجم الفلسفي : 2/570 .
---
( 103 )

(7/14)


وإذا كان الوحي فعلا متميزا ، فهو صادر عن فاعل مريد ، وهذا الفاعل المريد هو الله تعالى ، الى متلق ممتثل ، فتعلقه في الأرض إذن تعلّق مجازي ، إذ طريق الوحي هو التلقي ، والأرض غير قابلة للتلقي . لهذا فالإيحاء في الآية عند الزمخشري مجاز لا يستثني بهذا شيئا قال :
أوحى لها بمعنى أوحى إليها ، وهو مجاز كقوله تعالى : ( أن نقول له كن فيكون ) وكقول الشاعر : أوحى لها القرار فاستقرت(1) .
وأصل الوحي هو : الإشارة السريعة على سبيل الرمز والتعريض وما مجرى الإيماء والتنبيه على الشيء من غير أن يفصح به(2) .
وقد يكون أصل الوحي في اللغة كلها الإعلام في خفاء(3) . ومؤدى ذلك واحد ، إذ الإشارة السريعة إعلام عن طريق الرمز ، والرمز إيماء يستفيد منه المتلقي أمرا إعلاميا قد يخفى على الآخرين(4) .
ولهذا فقد كان الراغب دقيقا حينما عرض لمصطلح الوحي وقسمه فيما تنبه اليه بين القابل له والمستعصي عليه ، إلا أن يكون ذلك تسخيرا من قبل الله تعالى ، فقال : فإن كان الموحى إليه حيا فهو إلهام ، وإن كان جمادا فهو تسخير (5) .
لهذا فقد ذهب الطبرسي ( ت : 548 هـ ) الى أن أوحى لها : أي ألهمها وعرفها بأن تحدث أخبارها . . من جهة تخفى(6) .
والسياق إنما يقوم على قوة هذه الفاعلية في تصوير هول الموقف الذي يدهش له الإنسان فيقول في عجب وقلق ما لها ؟ فاقتضى أن يأتيه
____________
(1) ظ : الزمخشري ، الكشاف : 4/276 .
(2) قارن بين ذلك في : الراغب ، المفردات : 515 . الطبرسي ، مجمع البيان : 5/37 .
(3) ظ : ابن منظور ، لسان العرب 20/258 .
(4) ظ : المؤلف ، ظاهرة الوحي والمستشرقون . بحث في كتاب : ( المستشرقون وموقفهم من التراث العربي الإسلامي ) وقائع المؤتمر العلمي الأول لكلية الفقه : مطبعة القضاء ، النجف ، 1986 م .
(5) الراغب ، المفردات : 515 .
(6) ظ : الطبرسي ، مجمع البيان : 5/526 .

(7/15)


الجواب ( بأنّ ربّك اوحى لها * )(1) .
تحدث به الأرض نفسها تلقائيا ؛ فالإيحاء هنا مباشرة ، ليلائم إسناد التحدث الى الأرض . وسر قوته في أنه كذلك(2) .
3 ـ ومسايرة المجاز للنفس الإنسانية لا تقف عند حد معين ، ولا تختص بأقوام دون آخرين ، فالعبرة فيها بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، ومع هذا فقد نلتقط بعض الشذرات النادرة ، والتحف الثمينة في هذه الظاهرة المتأصلة ، ومن ذلك ما أورده تعالى في سورة الضحى من أقسام وأيمان كان للمجاز العقلي فيها نصيب متميز ، كما في قوله تعالى : ( والضّحى * والليل إذا سجى * )(3) .
وسيأتي إبراز المجاز الإسنادي الحكمي لهذه الآية في محلها من فصل المجاز العقلي في القرآن والمهم هنا أن نبين أن القرآن العظيم كما توجه لإثارة النفس عند الناس ، فكذلك توجه لتهدئة النفس الإنسانية عند ذي أقدس نفس بشرية ، وهو الرسول الأعظم محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وبذلك يستوعب المجاز القرآني ، النفوس الاعتيادية والنفوس المقدسة الشريفة ، وقد تنبهت الدكتورة بنت الشاطىء لهذا الملحظ ونحن نؤيدها فيه بحدود .
المقسم به في آيتي الضحى ، صورة مادية ، وواقع حسي ، يشهد به الناس تألق الضوء في ضحوة النهار ، ثم يشهدون من بعده فتور الليل إذا سجا وسكن . يشهدون الحالين معا ، في اليوم الواحد ، دون أن يختل نظام الكون ، أو يكون في توارد الحالين عليه مما يبعث على إنكار ، بل دون أن يخطر على بال أحد ، إن السماء قد تخلت عن الأرض وأسلمتها الى الظلمة الموحشة ، بعد تألق الضوء في ضحى النهار .
فأي عجب في أن يجيء ، بعد أنس الوحي وتجلي نوره على المصطفى ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فترة سكون يفتر فيها الوحي ، على نحو ما نشهد من الليل الساجي يأتي بعد الضحى المتألق(4) .
____________
(1) الزلزلة : 5 .
(2) ظ : بنت الشاطىء ، التفسير البياني : 1/97 .
(3) الضحى : 1 ـ 2 .

(8/1)


(4) بنت الشاطىء ، التفسير البياني : 1/26 .
---
( 105 )
وهذا المناخ النفسي المتقلب بين الإيناس والإيحاش تؤيده قرائن الأحوال في إثارة توديع الله لنبيه من قبل المشركين ، وما يصاحب هذا الإعلام المضاد من فزع وقلق وحزن ، وما أعقبه بنزول السورة من فرح واغتباط وتطلع ، فكانت الفترة بين إبطاء الوحي ونزوله ، لم تكن عن ترك أو قلى ، فكان الوحي كالضحى في تألقه وسطوعه ، وانقطاعه كالليل في هدوئه وسكونه ، وكلا الأمرين طبيعيان .


4 ـ الخصائص العقلية في مجاز القرآن


في التعبير القرآني بعامة قد يرد الظاهر ، وهو ما لا يحتاج الى كبير جهد في معرفته عادة ، فإن تطلب جهدا ، فمعالم اللغة تيسره ، ومصادر الأثر تفسره ، وقرائن الأحوال تكشفه . وقد يرد فيه من الإيحاء والتلويح ما يتخطى حدود الظاهر الى ماوراء الظاهر ضمن إشارات دقيقة ، وأبعاد جديدة ، فيد الله سبحانه ، وعينه ، ووجهه ، وعرشه ، وكرسيه ، واستواؤه ، ومجيئه ، تعبيرات ذات ألوان وخطوط متعددة تضج بالحركة ، وتشعر بالتمثيل ، ولكنها تحمل أكثر من معناها الأولي دون ريب ، وهذا الحمل مما يتطلب الكشف والإيضاح ، ولقد شغل المفسرون بهذه الألفاظ وتوجيهها وذهبوا كل مذهب فيها ، ولو أنهم اتجهوا نحو المجاز لوجدوا مهمة المجاز العقلية كفيلة بدرء الشبهات والوصول بهم الى ميناء سليم بما تسخره من طاقات كاشفة وتهيؤه من خصائص ثرة تستلهم هذا المناخ ، وتسير الى بيان هذا الاتجاه .
ولا تقف الخصائص العقلية عند هذا المنحنى فحسب ، بل تتخطاه الى شؤون الخبايا التي تكتشف بالنظر العقلي ، فتعالج أبعادها معالجة بناءة . وقد تتجاوز هذين الحدين الى كل ما من شأنه الرصد العقلي أو إثارة العقل الإنساني بلحاظ ما ، فتثير جاوفره ، وتنبه مداركه ، فيتحرك عن جموده ، ويتمرد على إغلاله ، ليكون مستقلا بالإرادة والاعتبار والنظر .

(8/2)


1 ـ حينما يتجه التعبير القرآني الى تنزيه الباري ، وإفادة ديمومته غير المحدودة ، فهو كائن قبل الكون ، وخالد بعد الفناء ، ومستمر في أمثولة البقاء ، فهو حي لا يموت ، ولا تأخذه سنة ولا نوم ، الباقي بعد فناء
---
( 106 )
الأشياء ، والأزلي في كل تقلبات الأحوال نشاهد توالي التعبير المجازي في مثل هذه المظاهر ، وهي معبرة عن الخلود حينا ، وعن التنزيه حينا آخر ، ووصفه بما عبر عنه حقيقة لكان تجسيما ، ولو أريد به ظاهره لكان تشبيها ، ولو ترك وحاله لتعاورته الزمانية والمكانية وهكذا ؛ وسيمر في فصل المجاز العقلي وفصل المجاز اللغوي ، وما يشير الى هذا الموضوع من وجوه أخرى ، ونشير إليه هنا بما يدفع هذه الشبهات ويصفي حسابها ، ففي كل من قوله تعالى :
أ ـ ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام * )(1) .
ب ـ ( كل شيء هالك إلاّ وجهه )(2) .
ج ـ ( وقالت اليهود يد الله مغلولة غلّت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان )(3) .
د ـ ( تجري بأعيننا )(4) .
هـ ـ ( ثمّ استوى الى السماء فسوّاهن سبع سماوات )(5) .
و ـ ( وجآء ربّك والملك صفّا صفّا * )(6) .
في هذه الآيات إطراء بالخلود تارة ، وإشارة بالقوى والقدرة تارة أخرى ، وإشعار بالعناية سواهما ، وتشبث في الحركة والنقلة لمن حمل الأمر على ظاهره .
ولكن الموضوع ينقلب الى تنزيه عن الصفات التي يتمتع بها الناس ، والابتعاد عن المتعارف من الجوارح والأحداث وذلك على طريقة العرب في الاستعمال وسنن الكلام .
في الآيتين ( أ ، ب ) أطلق الوجه باعتباره أشرف الأعضاء لمن يتصف بها وهي قابلة له ، وأريد به هنا الذات القدسية دون إرادة التجسيم أو التركيب أو الكيفية أو المواصفات في الوجه وأجزائه ، وهذا ما يفسره لنا
____________
(1) الرحمن : 27 .
(2) القصص : 88 .
(3) المائدة : 64 .
(4) القمر : 14 .
(5) البقرة : 29 .
(6) الفجر : 22 .
---
( 107 )

(8/3)


المجاز مستندا فيه الى العرف العربي من وجه ، والى النظر العقلي من وجه آخر ، أما العرف العربي فهو يطلق الوجه ويريد به الذات اتصفت بالوجه أو لم تتصف ، باعتبار الوجه أشرف السمات الاعتبارية في حقائق الأشياء دون تصور جهة ما . وأما النظر العقلي فهو الدال على أن الباري فوق المحدثات والممكنات ولو كان له وجه حقيقة لكان محدثا أو ممكنا ، وهو خلاف ذاته الأبدية والأزلية .
وفي الآية (جـ) تتحدث الآية عن يد ويدين ، وليس لنا أن نتصور اليد ذات الأصابع ، أو اليدين في رسغ ومعصم وذراع ، وإنما هو التعبير بكلا الموضعين دون النظر الى الواحدة أو الاثنينية ـ عن القوة والسيطرة والقدرة والاستيلاء حينا ، وعن الكرم والجود والإفاضة حينا آخر ، وذلك لوجود علاقة ومناسبة بين هذه الصفات وهذه الملكات وبين اليد أو اليدين ، فإن مظاهر العدة والقدرة والمقدرة إنما تصدر عن اليد وبها يتجلى مدى الاستيلاء المطلق ، وأن الفضل والنعمة والعطاء إنما تصدر عن اليد أيضا وبها يتبين نوع الكرم والإيثار ، والعرب على عادتهم قد يعبرون بأن لفلان عليّ يدا ، ويريدون نعمة ودالة حتى وإن لم تكن له يد حقيقة كأن كان مقطوع اليد مثلا ، وكذلك الحال هنا ، فليس لنا أن نتصور لله يدا بالمعنى الحقيقي ، كما أنه تعالى ليس له عين في الآية (د) بالمعنى الحقيقي أيضا ، فهو بصير دون عين ، وسميع دون أذن ، والمراد بالآية : أي تجري بمرأى منا ، وبتسديد من رعايتنا ، وبنظرة من عنايتنا ، دون تصور العين الباصرة ، وما يقال بالنسبة للآيات المتماثلة التي تنص على ذكر الجوارح .

(8/4)


وفي الآية (هـ) ثم استوى الى السماء ( الرحمن على العرش استوى *)(1) تعبير مجازي يؤكد الخصائص العقلية في مجاز القرآن، للإشارة الى الاستعلاء والسيطرة والتمكن والنفوذ والحاكمية المطلقة على العوالم كافة علوية وسفلية ، مرئية وغير مرئية ، دون تصور جلوس أو مكان أو كرسي يقبل إستواء الأجسام عليه ، وقد تناسق الحديث عن الاستواء بما يقال عن معناه عند الشريف الرضي فقال : أي قصد خلقها كذلك ( أي
____________
(1) طه : 5 .
---
( 108 )
السموات ) ، لأن الحقيقة في إسم الاستواء الذي هو تمام بعد نقصان ، واستقامة بعد اعوجاج ، من صفات الأجسام ، وعلامات المحدثات (1) .
وقد أورد في تعليل الاستواء السيوطي عدة وجوه لنفي التجسيم والكيفية يمكن النظر فيها(2) .
وفي الآية (و) ينظر الى المعنى بهذا المدرك ، فذاته القدسية لا تدرك ولا تعين ولا ترى ، وليست جسما متنقلا ، يقبل الحركة والذهاب والمجيء ، وإنما ذلك مجيء أمره ، وتجلي عظمته ، وإنزال قضائه ، وإرصاد إرادته الكائنة ، وكأنه قادم ومتمثل في تلك اللحظات الحاسمة بذاته المتعالية على سبيل قوله تعالى : ( هل ينظرون إلاّ أن يأتيهم الله . . . )(3) .
والإتيان ليس شأنه ، ولا قابل عليه ، ولا منظور إليه في السير أو التحرك أو الاتجاه ، وعاينة العباد خير جارية عليه ، فلا مكان ، ولا مشادة ، ولا نقلة ، ولا مجيء ، ولا إتيان ، بل هو التحور اللغوي الذي أعطى الألفاظ معانيها الإضافية .
وهو عند الزمخشري تمثيل لظهور آيات اقتداره وتبيين آثاره قهره وسلطانه ، بحال الملك إذا حضر بنفسه ، وظهر بحضوره من آثار الهيبة السياسية ما لا يظهر بحضور عساكره ووزرائه (4) .

(8/5)


ولا أميل الى هذا التمثيل إذ لا مقارنة بين رب الأرباب والعباد في وجه من الوجوه ، بل أذهب فيه للمجازية على سنن كلام العرب ، وأؤيد ما أورده أبو حيان بأن مجيء الله تعالى ليس مجيء نقلة ، والحركة عليه محال لأنها تكون من جسم ، والجسم يستحيل أن يكون أزليا (5) .
2 ـ وحينما تكون الحقيقة القائمة أمرا حتميا ، وكيانا مرئيا مع القدرة غير المتناهية ، والخرق لعادات الأشياء ونواميس الطبيعة ، يكون التجوز في
____________
(1) الشريف الرضي ، تلخيص البيان : 115 .
(2) ظ : السيوطي ، الاتقان : 3/15 .
(3) البقرة : 210 .
(4) الزمخشري ، الكشاف : 4/253 .
(5) أبو حيان ، البحر المحيط : 8 ، سورة الفجر .
---
( 109 )
القرآن قائما على أساس إضافة المعاني الجديدة لمن ليس شأنه أن يتصف بذلك ، ولكنه ارتفع لذلك المستوى بالنظر العقلي بهذا التعبير الموحي ، أو تلك الحركة من الألوان ، تأكيدا على حقيقته ، وكأنه كذلك ، فالحياة توهب الى الأرض كما توهب الى الإنسان ، وليس للأرض حياة ، ولكن زهرتها ونضرتها ، وحيويتها ، وخضرتها ، وازدهارها واهتزازها ، كان على سبيل من الحياة ، وكأن ذلك حياة في واقعه ، وديمومة في الإيحاء بمقتضاه ، وفي هذا الملحظ نقف عند كل من قوله تعالى :
أ ـ ( والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه الى بلد مّيّت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور * )(1) .
ب ـ ( ومن ءاياته أنّك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزّت وربت إن الذي أحياها لمحي الموتى إنّه على كل شيء قدير * )(2) .
ج ـ ( ومن ءاياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزّل من السّماء ماءً فيحيء به الأرض بعد موتها إن في ذلك لايات لقوم يعقلون * )(3) .

(8/6)


ففي الآية (أ) ستجد الحياة قبال الموت بالنسبة للأرض ، والحياة والموت لها غير حقيقيين ولكنهما مجازيين ، وقد تجوز بهما النص القرآني لإعطاء صفة الحياة لمن لا حياة له ، وذلك بإيجاد معالم الحياة من الزينة والاهتزاز والإنبات وأخراج الثمرات ، فكان إضفاء صفة هذه المعالم على الأرض حياة لها ، كما أن سلب هذه المظاهر موت لها ، ذلك من أجل الاستدلال على الحقيقة الكبرى ، وهي إحياء الموتى ، وإثبات النشور عن طريق التمثيل والقياس البديهي العقلي ، فكما كانت الأرض ميتة فأحياها ، فهو يحيي الموتى بكمال القدرة ، ذلك الإحياء بإرادة الكينونة المطلقة ، وهذا الإحياء بإيجاد العوامل المسببة له ، وكلا الإحيائين مصدره أمره الكائن .
والملحظ المدرك بهذا تنبيه العقل الإنساني وإثارة حوافزه من حناياه
____________
(1) فاطر : 9 .
(2) فصلت : 39 .
(3) الروم : 24 .
---
( 110 )
الخبيثة لتتيقظ عن طريق الاستدلال الفطري ، فكما تحيا الأرض بعد موتها ، يحيا الناس بعد موتهم سواء بسواء .
وفي الآية (ب) تتجلى عناية المجاز القرآني بتصوير هذه الظاهرة وتأكيدها بأمرين : إحياء الأرض وإحياء الموتى ، وذلك بإيجاد العلاقة القائمة بين إحياء الأرض وهي موات ، وإحياء الأجساد في البلى ، فالقادر على هذا قادر على ذاك ، فكل ما من شأنه أن يموت فالله قدير على إحيائه ، والتحقيق العقلي والنظر عند العقلاء يقضيان بصحة هذه المعادلة ، ولا يبعد أن ترصد الإشارة هنا الى الطبيعة الأرضية والأصل التركيبي في جسم الإنسان لدى خلقه الإعجازي من طين ، أو لدى بعثه من الأرض بعد تلاشي عناصره بعناصرها ورجوعها الى أصلها الأول ، ومن ثم فإنها تنشر وتعاد كما كانت أولا .

(8/7)


وفي الآية (جـ) كان الاستدلال بلحاظ النظر الجدي في إراءته للبرق بين الخوف والطمع ، وإنزاله للمطر من السماء فيحيي به الأرض ، بعد موتها ، على سبيل المثال ما بيناه فيما سبق من إضفاء صفة الحسّ والنبض والحياة على من يؤهل له ، وإطلاق ذلك عليه تجوزا من أجل التعقل والتدبر والتفكر بآيات الله وحججه الدامغة .
ومجال القرآن في حججه البالغة ، وتنزيلاته العقلية متواترة متكاثفة يقتسمها المجاز والحقيقة معا .
3ـ وفي مقام الرد على المشركين ، وتسفيه أحلامهم ، والنعي على عقولهم المتحجرة ، يقف المجاز مما يعبدون موقف المحكم للحس والوجدان لإبطال عباداتهم ، وإثبات فساد أعمالهم ، ففي قوله تعالى : ( مثل الذين أتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت أتّخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون *)(1) .
لمس الزمخشري أن الكلام قد أخرج بعد تصحيح التشبيه مخرج المجاز فكأنه يقول : وإن أوهن ما يعتمد عليه الدين عبادة الأوثان لو كانوا يعلمون(2) .
____________
(1) العنكبوت : 41 .
(2) ظ : الزمخشري ، الكشاف : 3/455 .
---
( 111 )
وهو استخراج دقيق فيما أحسب ، إذ كما يتلاشى هذا الجهد الضائع الذي تبذله العنكبوت وهي تتخذ لها بيتا ليست له مقومات البيوت في الوقاية ، ولا أحكامها في العمارة ، فكذلك جهدهم بعبادتهم الواهنة ، ولما كان أوهن البيوت هو بيت العنكبوت ، فقد ثبت أن دينهم المخالف لعقيدة التوحيد هو أوهن الأديان وأعجزها ، فعلق حمل الآية مجازا على قضية منطقية قياسية ذات طرفين صغروي وكبروي . ومن ثم كانت النتيجة : أن أوهن الأديان هو دينهم(1) .

(8/8)


4 ـ وحين يريد المجاز القرآني تنبيه العقول ، وتوجه المشاعر نحو الحدث بالذات ، فإنه يشير إليه وحده ليثير الانتباه حوله ، فيضفي صفة الفاعلية على غير الفاعل حينا ، وسمة الإرادة على غير المريد حينا آخر ، ويضيف ضجيج الحركة على غير المتحركة ، فتقف خاشعا أمام الأسلوب العقلي وهو يستعمل صيغة الفاعل ويريد بها المفعول ، وهو نوع من المجاز العقلي في علاقاته ووجوهه البيانية ، ويتجلى ذلك في قوله تعالى : ( يوم ترجف الراجفة * تتبعها الرادفة * قلوب يومئذ واجفة * أبصارها خاشعة * يقولون أءنا لمردودون في الحافرة * أءذا كنا عظاما نخرة * قالوا تلك إذا كره خاسرة * فإنما هي زجرة واحدة * فإذا هم بالساهرة * )(2) .
فأنت أمام هذه الألفاظ : الراجفة ، الرادفة ، الحافرة ، الخاسرة ، الساهرة ، وكلها بصيغة الفاعل مع أن الأصل أن تكون الأرض مرجفة لا راجفة ، وأن التابعة مردفة لا رادفة ، وأن حفرة القبر محفورة لا حافرة ، وان الكرة خسر أصحابها ، وأن الساهرة سهر أربابها ، وعدول القرآن عن هذا الأصيل بمثل هذا الاطراد ظاهرة أسلوبية لا يهون إغفالها ، قد يكون المراد وهي تتكرر في القرآن لفت النظر نحو الحدث بما له من طواعية وتلقائية مستغنيا فيه عن ذكر المحدث وهو الله تعالى ، فالأرض راجفة وهي مرجوفة ، والرادفة التابعة وهي مردوفة ، وهكذا القول بالنسبة للحافرة والخاسرة والساهرة ، فهنا طواعية تتمثل في أن ترجف الأرض ذاتها ، وهنا
____________
(1) ظ : المؤلف ، الصورة الفنية في المثل القرآني : 158 .
(2) النازعات : 6 ـ 14 .
---
( 112 )
تلقائية تغني عن ذكر المحدث جل شأنه ، بما أودع سبحانه في الأرض من قوة التسخير لما يريد لها ، وهنا أيضا مباغتة ، لا يدري معها الإنسان يوم القيامة ، وتركيز للانتباه في أخذ الرجفة بحركة تلقائية ، صائرة الى ما سخرت له(1) .

(8/9)


في هذا المناخ يتيقظ العقل ، ويصحو الضمير ، وتتحرك العواطف ، مستفيدة العظة والعبرة والإقلاع عن الغي ، وكل ذلك من خصائص المجاز العقلية ، لأن فيه توجها للحدث ذاته كما في قوله تعالى : ( فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفّاهن الموت * )(2) إذ اعتبر المتوفى هو الموت ، والموت لا يتوفى ، لأن المتوفى هو ملك الموت بأمر الله تعالى ، وهو المتوفي الحقيقي فنقل الفعل الى الموت على طريق المجاز والاتساع ، لأن حقيقة التوفي هو قبض الأرواح من الأجسام .(3) ولكنه طوى ذكر الفاعل الحقيقي في هذا المجال ، تأكيدا على حقيقة الموت وطواعية حدوثه ، فكأنه يحدث ذاتيا ، ويقع تلقائيا ، وفي ذلك كبح للنفوس ، وتهيؤ للمدارك ، وضبط للشهوات .
وما يقال هنا يقال بالنسبة لقوله تعالى :
( ومن خفّت موازينه فأولائك الّذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون * )(4) فنسبة الخسران الى النفوس ، وإضافته إليها من المجاز العقلي ، واستعمل له التنظير الحسي لتحريك العقل الإنساني من غفلته ، فعمره بضاعة ، ومراد البضاعة الربح ، فمن تعرض لخسران هذه البضاعة حسيا ، كمن خسر عمره وأضاعه عقليا ، وقد نبه السيد الشريف الرضي على هذا الملحظ فقال :
لأن الخسران في التعارف إنما هو النقص في أثمان المبيعات ، وذلك يخص الأموال لا النفوس ، إلا أنه سبحانه لما جاء بذكر الموازين
____________
(1) ظ : بنت الشاطىء ، التفسير البياني : 1/116 .
(2) النساء : 15 .
(3) الشريف الرضي ، تلخيص البيان : 127 .
(4) الأعراف : 9 .
---
( 113 )

(8/10)


وثقلها وخفتها جاء بذكر الخسران بعدها ، ليكون الكلام متفقا ، وقصص الحال متطابقا ، فكأنه سبحانه جعل نفوسهم لهم بمنزلة العروض المملوكة ، إذ كانوا يوصفون بأنهم يملكون نفوسهم ، كما يوصفون بأنهم يملكون أموالهم . وذكر خسرانهم لأنهم عرضوها للخسار ، وأوجبوا لها عذاب النار ، فصارت في حكم العروض المتلفات ، وتجاوزوا حدّ الخسران في الأثمان ، الى حدّ الخسران في الأعيان (1) .
ويبدو مما تقدم أن الخصائص العقلية في المجاز القرآني قد اتخذت صيغا مختلفة الأبعاد ولكنها الإرادة ، فقد استوعبت مختلفة الوجوه في الاستدلال العقلي الى المعرفة العلمية القائمة على أوليات ضرورية تنتهي الى نتائج حتمية ، لها ما لهذه الأوليات من اليقين العلمي الثابت بأعتبار أن المقدمات الضرورية تنتهي بداهة الى نتائج ضرورية .
وقد تتخذ طابع درء الشبهات بإثبات الحقائق الناصعة فيما وراء التعبير الظاهري من إيحاء يتوصل إليه بالنظر العقلي في خرق عادات الأشياء ونواميس الكون .
وقد تكون تلك الخصائص مدعاة الى التأثير الوجداني في التوجه نحو الحدث ، وتصور تلقائيته لتنبيه العواطف ، وصحوة الضمير .
كل هذه شذرات تلتقط في مخزون الخصائص العقلية لمجاز القرآن .
____________
(1) الشريف الرضي ، تلخيص البيان : 142 .
---
( 114 )
---
( 115 )
الفصل الرابع
المجاز العقلي في القرآن
1 ـ تشخيص المجاز العقلي في القرأن وعند العرب .
2 ـ المجاز العقلي في القرآن بين الإثبات والإسناد
3 ـ قرينة المجاز العقلي في القرآن
4 ـ علاقة المجاز العقلي في القرآن
---
( 116 )
---
( 117 )


1 ـ تشخيص المجاز العقلي في القرآن وعند العرب

 

(8/11)


المجاز العقلي هو الذي تتوصل إليه بحكم العقل ، وضرورة الفطرة ، وسلامة الذائقة ، فيخلصنا من مآزق الالتباس ، وشبهات التعبير ، فتنظر اليه ـ وهو يثير الإحساس ـ مشخصاً عقليا ، وكأنك تراه ، وتلمسه ـ وهو يهز الشعور ـ شيئا مدركا ، وكأنك تبصره ، طريقة استعماله تنم عن نتائج إرادته ، ودلالته في الجملة تكشف عن حقيقة مراده ، فالالفاظ فيه لم تنقل عن أصلها اللغوي ، فهي هي تدل على ذاتها الوضعية بذاتها ، والكلمات لم تجتز موضعها في اللغة الى مقارب له أو مشابه ، لا من قريب ولا من بعيد ، لهذا يقتضي إزاحة الستار عن هذا المجاز لذائقة خاصة ، وريادة متبلورة ، فليس في المفردات مايدل على مجازية الاستعمال ، وإنما يستشعر ذلك حسيا وعقليا معا عن طريق التركيب في العبارة ، والإسناد في الجملة ؛ فهو مستنبط من هيأة الجملة العامة ، ومستخرج من تركيب الكلام التفصيلي دون النظر في لفظ معين ، أو صيغة منفردة ، وهذا ما يميزه عن المجاز اللغوي كما سترى ؛ فهو إطار جديد ، ونتاج جديد ، بأسلوب جديد .
ويعود كشف هذا النوع من المجاز الى عبد القاهر ( ت : 471 هـ ) فهو مبتدعه ومبتكره من خلال نظره الثاقب في مجاز القرآن الإصطلاحي ، ومجازات العرب في أشعارها وتراثها ، ويرجع الفضل فيه اليه في بيان أبعاده الحقيقية فهو رائده الأول كما يبدو لنا ، وما يراه الدكتور طه حسين من ذي قبل(1) .
____________
(1) ظ : طه حسين ، مقدمة كتاب نقد النثر ، لقدامة : 29 .
---
( 118 )

(8/12)


ويسمى عبد القاهر هذا المجاز بعدة أسماء متعددة ، تعود الى معنى واحد ، فحينما يسند اكتشافه الى العقل السليم يسميه : مجازا عقليا ، وحينما يتوصل اليه بحكم العقل يسميه : مجازا حكميا ، وحينما يراه في الإثبات دون المثبت يسميه : مجازا في الأثبات ، وحينما يظهر له من إسناد الجملة يسميه : إسنادا مجازيا أو مجازا إسناديا(1) ، وقد نبه يحيى بن حمزة العلوي ( ت : 749 هـ ) الى فكرة ابتكاره وتشخيصه وتسميته ، أسندها الى عبد القاهر ليس غير ، فقال :
إعلم ان ما ذكرناه في المجاز الإسنادي العقلي ، هو ما قرره : الشيخ النحرير عبد القاهر الجرجاني ، واستخرجه بفكرته الصافية ، وتابعه على ذلك الجهابذة من أهل هذه الصناعة ، كالزمخشري وابن الخطيب الرازي وغيرهما (2) .
وهذا التنبيه من صاحب الطراز في موقعه لأن من جاء بعد عبد القاهر قد استند اليه ، ولم يزد عليه ، بل بقي متأرجحا فيه بين عدة مداليل ، وقد يلجأ الى التطبيق عليه دون النظر في المفهوم ، ولنأخذ بذلك نموذجين :
الأول في التعريف : فقد ذهب السكاكي أن المجاز العقلي هو :
الكلام المفاد به خلاف ما عند المتكلم من الحكم لضرب من التأويل ، إفادة للخلاف لا بواسطة وضع ، كقولك : انبت الربيع البقل ، وشفى الطبيب المريض ، وكسا الخليفة الكعبة ، وهزم الأمير الجند ، وبنى الوزير القصر (3) .
فالسكاكي هنا في مجال التعريف والتمثيل معا ، لم يزد شيئا على ما حققه عبد القاهر في التعريف حينما قال عن المجاز العقلي :
وحدّه أن كل كلمة أخرجت الحكم المفاد بها عن موضوعه من العقل لضرب من التأويل فهو مجاز (4) .
____________
(1) ظ : عبد القاهر ، دلائل الاعجاز : 227 ، أسرار البلاغة : 338 .
(2) العلوي ، الطراز : 3/257 .
(3) السكاكي ، مفتاح العلوم : 208 .
(4) عبد القاهر الجرجاني ، أسرار البلاغة : 356 .
---
( 119 )

(8/13)


الثاني في التطبيق : ووفق هذا الفهم للمجاز العقلي عند عبد القاهر تجد الزمخشري ( ت : 538 هـ ) يخرج المعنى الكامل ، مخرج المجاز في قوله تعالى :
( مثل الذّين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتّخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون * )(1) .
فقد حملها على الإرادة المجازية في النظر العقلي ، ناظرا التركيب الجملي دون اللفظ المفرد ، من خلال تشخيص عبد القاهر للمجاز العقلي ، فيتحدث عن الآية ويقول :
أخرج الكلام بعد تصحيح التشبيه مخرج المجاز ، فكأنه قال : وإن أوهن ما يعتمد عليه في الدين عبادة الأوثان لوكانوا يعلمون (2) .
وما دام عبد القاهر هو السبّاق لتشخيص المجاز العقلي ، وما دام غيره ، لم يزد عليه شيئا ، فسيكون حديثنا منصبا حول ما أبدعه في هذا المضمار بالدرجة الأولى .
فلقد حقق عبد القاهر في المجاز الحكمي عنده ، والعقلي عنده وعند من بعده ، ورأى أن وراء الكناية والاستعارة في البيان مجازا آخر غير المجاز اللغوي ، وهو المجاز الحكمي المستفاد من طريق العقل لدى استقراء الجمل في التركيب ، والنظر في مجموعة المفردات المكونة للكلام ، فهو يقول :
واعلم أن طريق المجاز والاتساع . . إنك ذكرت الكلمة وأنت لا تريد معناها ، ولكن تريد معنى ما هو ردف له أو شبيه ، فتجوزت بذلك في ذات الكلمة وفي اللفظ نفسه .
وإذ قد عرفت ذلك فاعلم أن الكلام مجازا على غير هذا السبيل . وهو : أن يكون التجوز في حكم يجري على الكلمة فقط ، وتكون الكلمة
____________
(1) العنكبوت : 41 .
(2) الزمخشري ، الكشاف : 3/455 .
---
( 120 )
متروكة على ظاهرها ، ويكون معناها مقصودا في نفسه ، ومرادا من غير تورية ولا تعريض .
والمثال فيه قولهم : نهارك صائم وليلك قائم ، ونام ليلي ، وتجلى همي ، وقوله تعالى : ( فما ربحت تجارتهم . . . )(1) .
وقول الفرزدق :
سقاها خروق في المسامع لم تكن * علاطا ولا مخبوطة في الملاغم

(8/14)


وقد عقب على هذه النماذج بقوله :
أنت ترى مجازا في هذا كله ، ولكن لا في ذوات الكلم وأنفس الألفاظ ، ولكن في أحكام أجريت عليها ، أفلا ترى أنك لم تتجوز في قولك : نهارك صائم وليلك قائم في نفس صائم وقائم ولكن في أن أجريتهما خبرين عن الليل والنهار ، كذلك ليس المجاز في الآية في لفظة ربحت نفسها ، ولكن في إسنادها الى التجارة . وهكذا الحكم في قوله : سقاها خروق ، ليس التجوز في نفس سقاها ولكن في أن أسندها الى الخروق . أفلا ترى أنك لا ترى شيئا منها إلا أريد به معناه الذي وضع له على وجهه وحقيقته ؟ فلم يرد بصائم غير الصوم ، ولا بقائم غير القيام ، ولا بربحت غير الربح ، ولا بسقت غير السقي . . (2) .
فتشخيص المجاز العقلي إنما يتم بمعرفة الأحكام التي أجريت على الألفاظ في إسناد بعضها لبعض ، والألفاظ بذاتها محمولة على ظاهرها لا تجوز فيها ، واكتشف المجاز العقلي لدى اقترانها ، وكان طريق ذلك العقل في حكمه على النصوص ، إذا كان المجاز واقعا ومتحققا في الإثبات ، وهو ما تبحثه الصفحات الآتية :


2 ـ المجاز العقلي في القرآن بين الإثبات والإسناد


بعد وضع اللمسات الأولية على تشخيص المجاز العقلي في القرآن ،
____________
(1) البقرة : 16 .
(2) عبد القاهر الجرجاني ، دلائل الاعجاز : 193 .
---
( 121 )
وعند العرب في الاستعمال والاستنباط ، لا بد لنا من إجمال القول في أمرين مساعدين على اكتشاف المجاز العقلي في القرآن من خلال استعراض عبد القاهر لذلك في حالتي الإثبات دون المثبت ، والإسناد في الجملة دون الألفاظ .
1 ـ ذهب عبد القاهر ( ت : 471 هـ ) أن المجاز إذا وقع في الإثبات فهو متلقى من العقل ، وإذا عرض في المثبت فهو متلقى من اللغة(1) .
ومسألة الإثبات والمثبت أشرنا إليها في كتابنا : أصول البيان العربي ، وهنا نلخص ما أوضحناه هناك وما استجد لدينا في فهمها من خلال النظر في التنظير :

(8/15)


أ ـ حينما نمعن النظر في قوله تعالى : ( يجعلون أصابعهم في ءاذانهم )(2) .
نرى أن الجعل هنا هو الوضع ، والوضع حاصل على حقيقته ، ولا مجاز فيه ، باعتباره جاريا على الأصل ، ولو تحقق فيه فرضا لكان مجازا لغويا ولا شاهد لنا معه ؛ وإنما المجاز في الإثبات دون المثبت ، ولما كان الجعل مثبتا دون ريب ، وضعنا أيدينا على الإثبات ، وهو في الآية الأصابع ، لأن المراد بهذا الوضع من الأصابع : ذلك القدر المحدود من الأصابع الذي تستوعبه الآذان في الوضع ، وهو عادة : الأنامل فحسب ، والأنامل بعض الأصابع ، وهنا تحقق المجاز في الإثبات ، وهو الأصابع لإرادة الأنامل منها ، لأن المثبت ، وهو أصل الوضع حاصل على حقيقته اللغوية ، وقد اكتشف في الإثبات عن طريق الإسناد وبحكم الدلالة العقلية ، على أن هذا الانطباق في المجاز العقلي قد يصدق أيضا في المجاز اللغوي في هذا الملحظ بالذات ، ويكون ذلك من باب إطلاق الكل وإرادة الجزء(3) .
ب ـ وفي قوله تعالى : ( يوم نبطش البطشة الكبرى إنّا منتقمون * )(4) .
____________
(1) ظ : عبد القاهر الجرجاني ، أسرار البلاغة : 344 .
(2) البقرة : 19 .
(3) ظ : المؤلف ، أصول البيان العربي ، رؤية بلاغية معاصرة : 45 .
(4) الدخان : 16 .

(8/16)


نلحظ أن البطش واقع لا محالة ، ومن قبل الله سبحانه وتعالى ، فهو جار على حقيقيته ، وهذا هو المثبت ، فالبطش إنما يقع حقيقة في اليد ذات الطول والقوة والتحطيم ، فإذا أريد به المجازية نقلناه الى المعنى الذي يصدر عادة من الجوارح ، وهو هنا ـ والله العالم ـ ليس كذلك إذ لا يصدر عن يد ، ولا يخرج من جارحة ، فالله منزه عن الجوارح ، بدلالة عقلية وهنا يأتي الإثبات محل الإشكال ، فهو بطش لا كالبطش المعتاد ، وانتقام لا كالانتقام المتعارف ، وهو واقع دون شك ، ولكن بغير الأدوات المعتادة ، وإذا كان واقعا فالإثبات فيه حاصل ، بل وأكثر من ذلك فقد أسند للبطشة الكبرى ليشمل جميع أصناف البطش ، ويستوعب أشد نماذجه وأقساها ، فهو كبير من كبير ، وليس مما اعتاده البشر ، ولا سمع به الناس ، ويكفي في الدلالة على غير ذلك نسبته الى ذاته القدسية ( إنا منتقمون ) لتأكيد صرامة هذا البطش ، وقوة هذه الإرادة ، دون استعمال الوسائل المعتادة في البطش البشري ، بل فوق تصور الإنسان ، بل وليس في مقدوره الإحاطة بكنهه المتطاول ، وقد جاء في إثباته من الوعيد الصارم ، والترهيب القاطع ما هو جلي عند أهل اللسان .
إن هذه الملاحظة لا يمكن أن تنسب الى اللغة في دلالتها ، وإنما يرجع فيها الى العقل في إشارته وتوجيهاته في الحمل على الإرادة المجازية في النظر العقلي .
ج ـ وقد تنقلب الحال فيقع المجاز في المثبت ، وتكون الحقيقة في الإثبات ، فمثال ما دخل المجاز في مثبته دون إثباته قوله تعالى :
( أوَ من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس . . . )(1) .
ويعقب عبد القاهر على ذلك ، ويعده من باب المجاز اللغوي بناء على قاعدته السابقة : إذا وقع في الإثبات فالمجاز عقلي ، وإذا وقع في المثبت فالمجاز لغوي ، يقول :
وذلك أن المعنى والله أعلم ، على أن جعل العلم والهدى والحكمة
____________
(1) الأنعام : 122 .
---
( 123 )

(9/1)


حياة للقلوب على حد قوله تعالى : ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا . . . )(1) .
فالمجاز في المثبت وهو الحياة ، فأما الإثبات فواقع على حقيقته لأنه ينصرف الى أن الهدى والعلم والحكمة فضل من الله وكائن من عنده . ومن الواضح في ذلك قوله تعالى : ( فأحيينا به الأرض بعد موتها )(2) وقوله تعالى : ( إن الذي أحياها لمحي الموتى )(3) . جعل خضرة الأرض ونضرتها وبهجتها بما يظهره الله تعالى فيها من النبات والأنوار والأزهار وعجائب الصنع حياة لها ؛ فكان ذلك مجازا في المثبت من حيث جعل ما ليس بحياة حياة على النسبية ، فأما نفس الإثبات فمحض الحقيقة لأنه إثبات لما ضرب الحياة مثلا له فعلا لله تعالى ، ولا حقيقة أحق من ذلك(4) .
ويتابع عبد القاهر تقرير حقيقة الفصل بين المجاز اللغوي والعقلي ، بما يشبه الحكم القاطع الذي لا تردد معه ، فيقول :
ومما يجب ضبطه في هذا الباب أن كل حكم يجب في العقل وجوبا حتى لا يجوز خلافه فإضافته الى دلالة اللغة ، وجعله مشروطا فيها محال ، لأن اللغة تجري مجرى العلامات والسمات ، ولا معنى للعلامة والسمة حتى يحتمل الشيء ما جعلت العلامة دليلا عليه وخلافه(5) .
***
2 ـ ولما كان المجاز العقلي إنما يعرف باعتبار طرفيه ، وهما المسند والمسند إليه ، لأنه إنما يقع في الجملة ، والجملة تعرف بالتركيب ، ولا علاقة لذلك بالألفاظ ذاتها دون إسنادها ، لأنه ليس من باب اللفظ المفرد فينظر له بالاستعارة ، ولا يرى في الكلمة المنقولة عن الأصل فينظر له في المجاز المرسل ، وإنما هومكتشف من الإسناد وما يؤول اليه المعنى في
____________
(1) الشورى : 52 .
(2) فاطر : 9 .
(3) فصلت : 39 .
(4) عبد القاهر الجرجاني ، أسرار البلاغة : 343 وما بعدها .
(5) المصدر نفسه : 347 .
---
( 124 )
ضوئه ، والإسناد يعرف بطرفيه ، وهذان الطرفان في المجاز العقلي في القرآن لهما صيغ مختلفة تحدد بما يأتي :

(9/2)


أ ـ الطرفان حقيقيان : ولا علاقة لهما بالمجاز منفردين إلا بضم بعضهما الى البعض الآخر كقوله تعالى : ( وأخرجت الأرض أثقالها * )(1) .
فإن الإخراج حقيقي ، والأرض حقيقة ، ولا مجاز بهما وحدهما ، ولكن المجاز العقلي مستنبط من أقترانهما ، وبإسناد الإخراج الى الأرض ، لأن المخرج حقيقة هو الله تعالى ، وليس للأرض قابلية الإخراج ، فلا إرادة لها ، وفاقد الشيء لا يعطيه ، فلما أسند لها الإخراج علمنا ضرورة بمجازية الأستعمال إسنادا بحكم العقل .
ب ـ الطرفان مجازيان : نحو قوله تعالى : ( فما ربحت تجارتهم . . . )(2) .
فالربح هنا مجازي ، ولا يراد به الزيادة على رأس المال في بيع البضائع ، والتجارة هنا مجازية ، فلا يراد بها المعاملات السوقية ، وإنما المراد بالربح تحقيق المعنى المجازي منه بالفائدة وعدم خسران الأعمار ، والمراد بالتجارة المعنى المجازي منها بالإنابة وصالح الأعمل .
ونظير هذا المجاز العقلي في طرفيه المجازيين كثير في القرآن الكريم ، ومن أبرز مظاهره في مثالين بآية واحدة قوله تعالى : ( أُولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين * )(3) .
فالشراء هنا مجازي ، ولا يراد به إجراء العقد في إنجاز صفقات البيع ، والضلالة وإن كانت حقيقة ، إلا أنها ليس مما يشترى بالهدى ، ولا مما يباع به ، وكلا الإسنادين مجازي ، وبقية الآية تقدم فيها الكلام .
وكذلك قوله تعالى : ( بئسما اشتروا به أنفسهم . . . )(4) .
ج ـ الطرفان مختلفان كقوله تعالى : ( تؤتي أُكلها كلّ حين )(5) .
____________
(1) الزلزلة : 2 .
(2) (3) البقرة : 16 .
(4) البقرة : 90 .
(5) إبراهيم : 25 .
---
( 125 )
فإن نسبة إيتاء الأكل الى الشجرة مجازية ، لأن المؤتي هو الله تعالى ، ولكن الأكل هنا حقيقة ، وهو ثمرة الشجرة فكان أحد الطرفين مجازيا والثاني حقيقيا .
وعليه يحمل قوله تعالى في نموذجين مختلفين بآية واحدة ، وهو قوله تعالى :

(9/3)


( بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون * )(1) .
( فكسب ) و ( أحاطت ) كلاهما مجازان ، و ( سيئة ) و ( خطيئة ) كلاهما حقيقيان ؛ ونسبة الكسب الى الإنسان في السيئات مجازية ، لأن السيئات ليس مما يكتسب به الإنسان حقيقة ، ولا هي قابلة لهذا الإعتبار ، إلا أنها استعملت ونسبت عقليا بحكم الإسناد ، وكأن صاحبها قد عمل فكان كسبه خسرانا لأن نتيجة هذا الكسب هو السيئات ، وكذلك الحال بالنسبة لإسناد الإحاطة بالخطيئة ، فالإحاطة تتطلب مكانا ومحلا يمكن الأستدارة عليه كإحاطة الخاتم بالأصبع ، أو السوار باليد ، أو السجن بالسجين ، وهكذا ، فكان الأول مجازا والثاني حقيقة ، واكتشف المجاز العقلي من اقتران الطرفين .
3 ـ قرينة المجاز العقلي في القرآن
وانتشار المجاز العقلي في القرآن يوحي بأصالة كنهه البلاغي دون ريب في نص هو أرقى النصوص العربية على الإطلاق ، وهو وإن كان متعلقا بالإسناد الجملي لا بألفاظ مجردة ، ولكن لا بد من قرينة تدلنا على إرادة الاستعمال المجازي دون الحقيقي ، وقد قسموا هذه القرينة الدالة على ذلك الى :
1 ـ قرينة لفظية ، وتستفاد من إطلاق اللفظ فتدرك بها موضع المجاز باعتبارات لفظية تنطق بها الكلمات ، حتى أنك بعد التحقيق لا يخامرك شك في إرادة المجاز ، وأمثلة ذلك كثيرة في القرآن الكريم :
____________
(1) البقرة : 81 .
---
( 126 )
أ ـ قوله تعالى : ( وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي )(1) .
لقد عبر سبحانه وتعالى عن إرادته في الكينونة المطلقة ، على سبيل المجاز بـ قيل وإنما هي أمر كائن لا محالة ، وكانت قرينة هذا المجاز خطاب من لا يعقل ، وهو الجماد الذي لا يخاطب يا أرض و يا سماء إذ هو ليس مما يعي الخطاب ، أو يدرك الإمثال ، فكان ذلك قرينة لفظية في دلالة هذا المجاز العقلي .

(9/4)


ولك أن تقول أن الله قادر على أن يخاطب الجماد ، ويجيب ذلك الجماد ، فيكون ذلك على سبيل الحقيقة ، وحتى لو حصل هذا على سبيل الإعجاز ، فلا مانع منه ، ويبقى المدرك مجازيا لأنه في العموم خطاب لمن لا يعقل ولا يجيب ولا يسمع ولا يتكلم ، وإن سمع وأجاب وأمتثل على سبيل الإعجاز .
ب ـ وفي قوله تعالى : ( فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لتّخذت عليه أجرا )(2) .
يتجلى المجاز العقلي مستشرفا إذ الجدار ليس كائنا ذا إرادة ، ولا هو بمريد شأن من يريد في الفعل أو الترك ، ولكنه البعد المجازي الذي وهب الحياة للجماد ، وأشاع الحسّ في الكائنات ، وكذلك التعبير الموحي الذي أضفى صفة من يصدر عنه الفعل على من لا يصدر عنه الفعل ، وحقيقة من يريد على من لا يريد في الأصل . وكانت قرينة هذا المجاز إرادة هذا الجماد وهو لا يريد .
وتلك طريقة العرب المثلى في هذا المنظار ، وأنشدوا للحارثي :(3)
يرد الرمح صدر أبي براء * ويرغب عن دماء بني عقيل
فإرادة الرمح ورغبته هنا كإرادة الجدار في الآية سواء بسواء .
قال أبو عبيدة : وليس للحائط إرادة ، ولا للموات ، ولكنه إذا كان
____________
(1) هود : 44 .
(2) الكهف : 77 .
(3) ظ : أبو عبيدة ، مجاز القرآن : 1/410 ، ابن قتيبة ، تأويل مشكل القرآن : 133 .
---
( 127 )
في هذه الحال من ربه فهو إرادته (1) .
وأنشد أبو زكريا الفراء(2) :
إن دهرا يلف شملي بسلمى * لزمان يهم بالإحسان
فأنت ترى في هذه النماذج الإرادة والرغبة للرمح ، والهم بالإحسان للزمان ، كما شاهدت في الآية إرادة الجدار .
ولم تخرج هذه الألفاظ جميعها عن حقيقتها الأولى في اللغة ، ولكنها خرجت الى المجاز في الإسناد ، والقرينة فيها جميعا هي التي أفادت مجازا عقليا دلت عليه قرينة مقالية ، لأن الجدار في واقع الحال لا يريد ، والرمح لا يريد ولا يرغب ، والزمان لا يهم بالإحسان واقعا ، وإن هم به مجازا .

(9/5)


ج ـ وفي هذا السياق يجب أن نلاحظ ما لاحظه ابن قتيبة ( ت : 276 هـ ) من ذي قبل ، من أن هذه الأفعال ونظائرها ـ ونعني بها أفعال المجاز كما في الأمثلة السابقة ـ أفعال لا تخرج منها المصادر ، ولا تؤكد بالتكرار ، فلا تقول : أراد الحائط أن يسقط إرادة شديدة ، فليس هذا من كلام العرب ، فإذا جاء التوكيد بالمصدر علمت أن ذلك مبني على الحقيقة ، والله تعالى يقول : ( وكلم الله موسى تكليما * )(3) فوكد بالمصدر معنى الكلام ، ونفى عنه المجاز . وقال تعالى : ( إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون * )(4) فوكد القول بالتكرار ، ووكد المعنى بإنما ، فكان ذلك على سبيل الحقيقة لا المجاز(5) .
وهكذا الحال فيما سبق مما أنشدوا ، فلا يقال : أراد الرمح صدر أبي براء إرادة قوية ، ولا همّ الزمان بالإحسان هما موكدا .
***
____________
(1) أبو عبيدة ، مجاز القرآن : 1/410 .
(2) ظ : العسكري ، كتاب الصناعتين : 212 ، والبيت غير منسوب .
(3) النساء : 164 .
(4) النحل : 40 .
(5) ظ : ابن قتيبة ، تأويل مشكل القرآن : 111 .
---
( 128 )
2 ـ قرينة غير لفظية ، وتستفاد من الجملة باستحالة صدور ذلك الشيء من فاعله عقلا ، وإنما يكون من أمره ، وفي نطاق مقدوره ودائرته ، وقد ورد ذلك في القرآن العظيم بأكثر من موضع ، وتكرر وجوده في مختلف الجزئيات بأكبر من ملحظ :
أ ـ قوله تعالى : ( وجاء ربّك والملك صفا صفا * )(1) .
فالمجيء هنا لأمر الله وقدرته وقوته وإرادته ، وليس لذاته القدسية ، لأنه لا يوصف بالذات المتنقلة : القادمة او الذاهبة او المتحركة . تعالى عن ذلك علوا كبيرا . وإنما هذا على سبيل من قوله تعالى : ( فإذا جآء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون )(2) .
وقوله تعالى : ( يا إبراهيم أعرض عن هذا إنّه قد جاء أمر ربك . . . )(3) وقوله تعالى : ( هل ينظرون إلاّ أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربّك )(4) .

(9/6)


وهنا نكتة بلاغية جليلة ، فالله سبحانه وتعالى كما لا يجوز عليه المجيء بالوجه الذي بيناه ، فإن أمره لا يمكن أن يأتي أو يجيء إلا على وجه مجازي محض ، فأمر الله تعالى يصدر ، ولا يأتي ، وينفذ ولا يجيء ، ويطبق ولا يناقش ، ولما جاء التعبير عنه بالقرآن بالإتيان تارة ، والمجيء تارة أخرى ، علمنا هنا من دلالة النص الفنية ، وبذائقة فطرية خالصة أن تأكيد صدوره وكونه قدرا مقضيا ، قد أكد بالإتيان والمجيء للتعبير عن حتمية وقوعه جزما ، وتجسيد نفاذه فورا حتى شخص وكأنه قادم آت متمثل قائم .
ب ـ وفي كل من قوله تعالى :
( الرحمن على العرش أستوى * )(5) .
____________
(1) الفجر : 22 .
(2) غافر : 78 .
(3) هود : 76 .
(4) النحل : 33 .
(5) طه : 5 .
---
( 129 )
( ثمّ استوى الى السّماء )(1) .
( ثمّ استوى على العرش )(2) .

(9/7)


مجاز عقلي تقتضيه ضرورة أن الله سبحانه وتعالى ليس قالبا حسيا ، ولا مثالا مرئيا ، ولا جسما متحركا يعرض للتنقل كأجسامنا ، فاستواؤه هنا سيطرته وقدرته وإحاطته حتى لا يفوته شيء ، كما يستوي صاحب الملك على أطراف مملكته ، إذ ليس لمعنى الأستواء بالنسبة اليه تعالى تطبيق خارجي ، أو مدرك وجودي ينطبق على ذاته القدسية ، كانطباقه على إستوائنا وسيطرتنا من إحكام للأمر ، أو ضبط للشؤون ، بأسباب وحراس أو قوى وأجهزة مادية ، وإنما ذلك بالنسبة للباري عزّ وجلّ فوق مدرك عقولنا إذ هو حقيقة تعبيرية عن الإحاطة المطلقة التي لا تفوتها الجزئيات غير المرئية ، وتنظير للاستقطاب التام الذي لا يحتاج معه الى مساعد أو معين أو موقت ، وتمثيل لاستيلائه على العوالم الكونية ، والمكنونات العلوية والسفلية دون النظر في الوسائل والأسباب والمعدات ، فيكفي أنه استولى على هذه الشؤون بهذه الشمولية في سيطرة فعلية أفادها معنى الاستواء بالنسبة اليه ، وهذا لا يمانع أن يكون لفظ العرش في الآيتين قد جاء على طريقة المجاز اللغوي في نقله عن الأصل ، للدلالة على الملك المطلق غير المحدود مراعاة لإدراكنا المحدود في تصور العرش حينما يجلس عليه ذو الملك وهو في أطراف دولته ، أو جالسا على سرير مملكته ، وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
وما يقال هنا يقال بالنسبة لقوله تعالى : ( وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤده حفضهما . . . )(3) وذلك بلحاظ لفظ الكرسي فالعرب في سنن كلامها أن تعبر عن مظاهر الحكم ، وملامح الملك ، وتوليه الأمور بـ الكرسي وإن كان صاحبهما جالسا على الأرض ، أو ليس لديه كرسي أصلا ، فهو مستول على سرير الملك وكرسي الحكم ، وهذا جار عند
____________
(1) البقرة : 29 .
(2) الأعراف : 54 .
(3) البقرة : 255 .
---
( 130 )

(9/8)


العرب الى اليوم ، وقد يشاركهم فيه جملة من العالم في الشرق والغرب بهذا الفهم وهذا التعبير ليس غير ، وهم يريدون ما تريد الآية من الإطلاق لدى التبادر الذهني العام ، إذ ليس لله كرسي يجلس عليه هذه صفته بالكبر والاستطالة والتوسع ، ولكنه ترحيل باللفظ الى المعنى المعبر عن مدى ملكه ، واتساع مملكته ، وترامي أطرف حكمه في المناحي السماوية والأرضية ، والسياق القرآني يساعد على هذا الحكم العقلي ، لنفي الجسمية والتشبيه والمكانية عنه عزّ وجلّ .
وهذه السعة المدركة عقليا بضم العبارة بعضها لبعض ، لا تنافي أن يكون لفظ الكرسي بمفرده ، من المجاز اللغوي ، أو على سبيل الأستعارة ، ليلتقي المجازان العقلي في العبارة ، واللغوي في المفردة في التعبير عن تمكنه وسلطانه سبحانه وتعالى .
ج ـ وفي قوله تعالى : ( سنفرغ لكم أيّه الثّقلان * )(1) ، نلمس مجازا عقليا نستفيده لا بقرينة لفظية مقالية ، بل بقرينة معنوية حالية ، أدركها العقل ، وسلّمت بها الفطرة من خلال أحكام الألفاظ في العبارة ، وسياق الإسناد في التركيب ، فالله سبحانه وتعالى لا ي&#