الجزء الاول

                                       الجزء الثاني    الجزء الثالث

                                       الجزء الرابع    الجزء الخامس    الجزء السادس

                                       الجزء السابع    الجزء الثامن    الجزء التاسع    الجزء العاشر

                                           ملاحظة :  للبحث عن كلمة او اكثر اضغط  (  ctrl+f  )

مجمع البيان في تفسير القران
تأليف امين الاسلام أبي على الفضل بن الحسن الطبرسي
من أعلام القرن السادس الهجري

الجزء الثاني

(2/1)


يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِب عَلَيْكمُ الصيَامُ كَمَا كُتِب عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(183)
اللغة
الصوم في اللغة الإمساك و منه يقال للصمت صوم لأنه إمساك عن الكلام قال ابن دريد كل شيء سكنت حركته فقد صام صوما و قال النابغة :
خيل صيام و خيل غير صائمة
تحت العجاج و أخرى تملك اللجما أي قيام و صامت الريح أي ركدت و صامت الشمس إذا استوت في منتصف النهار و صام النهار أيضا بمقدار قال امرؤ القيس :
فدعها و سل الهم عنك بجسرة
ذمول إذا صام النهار و هجرا و الصوم ذرق النعام و أصل الباب الإمساك و هو في الشرع إمساك عن أشياء مخصوصة على وجه مخصوص ممن هو على صفات مخصوصة في زمان مخصوص فالاسم شرعي و فيه معنى اللغة و الصيام بمعنى الصوم يقال صمت صوما و صياما .
الإعراب
الصيام رفع بما لم يسم فاعله و قوله « كما كتب » أي مثل ما كتب فما هذه مصدرية و تقدير الكلام كتب عليكم الصيام كتابة مثل كتابته على الذين من قبلكم فحذف المصدر و أقيم صفته مقامه و يحتمل أن يكون موضع الكاف نصبا على الحال من

(2/2)


الصيام و تقديره كتب عليكم الصيام مفروضا أي في هذه الحال .
المعنى
ثم بين سبحانه فريضة أخرى فقال « يا أيها الذين آمنوا » أي يا أيها المصدقون و روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال : لذة ما في الندا أزال تعب العبادة و العنا و قال الحسن : إذا سمعت الله عز و جل يقول « يا أيها الذين آمنوا » فارع لها سمعك فإنها لأمر تؤمر به أو لنهي تنهى عنه « كتب عليكم الصيام » أي فرض عليكم العبادة المعروفة في الشرع و إنما خص المؤمنين بالخطاب لقبولهم لذلك و لأن العبادة لا تصح إلا منهم و وجوبه عليهم لا ينافي وجوبه على غيرهم و قوله « كما كتب على الذين من قبلكم » فيه أقوال ( أحدها ) أنه شبه فرض صومنا بفرض صوم من تقدمنا من الأمم أي كتب عليكم صيام أيام كما كتب عليهم صيام أيام و ليس فيه تشبيه عدد الصوم المفروض علينا و لا وقته بعدد الصوم المفروض عليهم أو وقته و هو اختيار أبي مسلم و الجبائي ( و ثانيها ) أنه فرض علينا صوم شهر رمضان كما كان فرض صوم شهر رمضان على النصارى و كان يتفق ذلك في الحر الشديد و البرد الشديد فحولوه إلى الربيع و زادوا في عدده عن الشعبي و الحسن و قيل كان الصوم علينا من العتمة إلى العتمة ثم اختلف فيه فقال بعضهم كان يحرم الطعام و الشراب من وقت صلاة العتمة إلى وقت صلاة العتمة و قال بعضهم كان يحرم من وقت النوم إلى وقت النوم ثم نسخ ذلك فالمراد بقوله « الذين من قبلكم » النصارى على قول الحسن و الشعبي و أهل الكتاب من اليهود و النصارى على قول غيرهما و قوله « لعلكم تتقون » أي لكي تتقوا المعاصي بفعل الصوم عن الجبائي و قيل لتكونوا أتقياء بما لطف لكم في الصيام فإنه أقوى الوسائل و الوصل إلى الكف عن المعاصي كما روي عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال : خصاء أمتي الصوم و سأل هشام بن الحكم أبا عبد الله عن علة الصيام فقال إنما فرض الصيام ليستوي به الغني و الفقير و ذلك لأن الغني لم يكن ليجد مس الجوع فيرحم الفقير فأراد الله سبحانه أن يذيق الغني مس الجوع ليرق على الضعيف و يرحم الجائع .
أَيَّاماً مَّعْدُودَت فَمَن كانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلى سفَر فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّام أُخَرَ وَ عَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طعَامُ مِسكِين فَمَن تَطوَّعَ خَيراً فَهُوَ خَيرٌ لَّهُ وَ أَن تَصومُوا خَيرٌ لَّكمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(184)

(2/3)


القراءة
قرأ أبو جعفر و نافع و ابن عامر فدية طعام مساكين على إضافة فدية إلى طعام و جمع المساكين و قرأ الباقون « فدية » منونة « طعام » رفع « مسكين » موحد مجرورا و قرأ حمزة و الكسائي و من يطوع خيرا و الباقون « تطوع » و قد مضى ذكره و روي في الشواذ يطوقونه عن ابن عباس بخلاف و عائشة و سعيد بن المسيب و عكرمة و عطا يطوقونه على معنى يتطوقونه عن مجاهد و عن ابن عباس و عن عكرمة و روي عن ابن عباس أيضا يتطيقونه و يطيقونه أيضا .
الحجة
من قرأ « فدية طعام مسكين » فطعام مسكين عطف بيان لفدية و إفراد مسكين جائز و إن كان المعنى على الكثرة لأن المعنى على كل واحد طعام مسكين قال أبو زيد يقال أتينا الأمير فكسانا كلنا حلة و أعطانا كلنا مائة و أما من أضاف الفدية إلى طعام كإضافة البعض إلى ما هو بعض له فإنه سمى الطعام الذي يفدي به فدية ثم أضاف الفدية إلى الطعام الذي يعم الفدية و غيرها و هو على هذا من باب خاتم حديد و أما من قرأ يطوقونه فإنه يفعلونه من الطاقة فهو كقوله يجشمونه و يكلفونه و يجعل لهم كالطوق في أعناقهم و يطوقونه كقولك يتكلفونه و يتجشمونه و أما من قرأ يطيقونه فإنه يتطيقونه يتفعلونه إلا أن العينين أبدلتا ياء كما قالوا في تصور الجرف تهير و يطيقونه يفعلونه منه .
اللغة
السفر أصله من السفر الذي هو الكشف تقول سفر يسفر سفرا و انسفرت الإبل إذا انكشفت ذاهبة و سفرت الريح السحاب قال العجاج :
سفر الشمال الزبرج المزبرجا ) الزبرج السحاب الرقيق و في السفر يظهر ما لا يظهر إلا به و ينكشف من أخلاق الناس ما لا ينكشف إلا به و العدة فعلة من العد و هي بمعنى المعدود كالطحن بمعنى المطحون و الحمل بمعنى المحمول و الطوق الطاقة و هي القوة يقال طاق الشيء يطوقه طوقا و طاقة و الطاق إطاقة إذا قوي عليه و طوقه تطويقا ألبسه الطوق و هو معروف من ذهب كان أو من فضة لأنه يكسبه قوة بما يعطيه من الجلالة و كل شيء استدار فهو طوق و طوقه الأمير أي جعله كالطوق في عنقه .
الإعراب
« أياما » قال الزجاج يجوز في انتصابه وجهان ( أحدهما ) أن يكون ظرفا كأنه كتب عليكم الصيام في أيام و العامل فيه الصيام كان المعنى كتب عليكم أن تصوموا أياما و قال بعض النحويين أنه مفعول ما لم يسم فاعله نحو قولك أعطي زيد المال قال و ليس هذا بشيء لأن الأيام هاهنا متعلقة بالصوم و زيد و المال مفعولان لأعطي ذلك أن تقيم أيهما شئت مقام الفاعل و ليس في هذا إلا نصب أيام بالصيام قال أبو علي « أياما » يجوز في

(2/4)


انتصابه وجهان ( أحدهما ) أن ينتصب على الظرف و الآخر أن ينتصب انتصاب المفعول به على السعة فإذا انتصب على أنه ظرف جاز أن يكون العامل فيه كتب فيكون التقدير كتب عليكم الصيام في أيام و إن شئت اتسعت فنصبته نصب المفعول به فتقول على هذا يا مكتوب أيام عليه أو يا كاتب أيام الصيام و إنما جاز إضافة اسم الفاعل أو المفعول إلى أيام لإخراجك إياه عن أن يكون ظرفا و اتساعك في تقديره اسما و إذا كان الأمر على ما ذكرناه كان ما منعه أبو إسحاق من إجازة من أجاز أن كتب عليكم الصيام أياما بمنزلة أعطى زيد المال جائز غير ممتنع قال و لا يستقيم أن ينتصب أياما بالصيام على أن يكون المعنى كتب عليكم الصيام في أيام لأن ذلك و إن كان مستقيما في المعنى فهو في اللفظ ليس كذلك أ لا ترى أنك إذا حملته على ذلك فصلت بين الصلة و الموصول بأجنبي منهما و ذلك أن أياما تصير من صلة الصيام و قد فصلت بينهما بمصدر كتب لأن التقدير كتب عليكم الصيام كتابة مثل كتابته على من كان قبلكم فالكاف في كما متعلقة بكتب و قد فصلت بها بين المصدر و صلته و ليس من واحد منهما و أقول أنه يستقيم أن ينتصب أياما بالصيام إذا جعلت الكاف من قوله « كما كتب على الذين من قبلكم » في موضع نصب على الحال أي مفروضا مثل ما فرض عليهم فيكون ما موصولا و كتب صلته و في كتب ضمير يعود إلى ما و الموصول و صلته في موضع جر بإضافة الكاف إليه و الكاف موضع النصب بأنه صفة للمحذوف الذي هو الحال من الصيام فعلى هذا لم يفصل بين الصلة و الموصول ما هو أجنبي منهما على ما ذكره الشيخ أبو علي و قوله « فعدة من أيام أخر » تقديره فعليه عدة فيكون ارتفاع عدة على الابتداء على قول سيبويه و على قول الأخفش يكون مرتفعا بالظرف على ما تقدم بيانه و يجوز أن يكون تقديره فالذي ينوب عن صومه في وقت الصوم عدة من أيام أخر فيكون عدة خبر الابتداء و أخر لا ينصرف لأنه وصف معدول عن الألف و اللام لأن نظائرها من الصغر و الكبر لا يستعمل إلا بالألف و اللام لا يجوز نسوة صغر و إن تصوموا في موضع رفع بالابتداء و خير خبر له و لكم صفة الخبر .
المعنى
« أياما معدودات » أي معلومات محصورات مضبوطات كما يقال أعطيت مالا معدودا أي محصورا متعينا و يجوز أن يريد بقوله « معدودات » أنها قلائل كما قال سبحانه دراهم معدودة يريد أنها قليلة و اختلف في هذه الأيام على قولين ( أحدهما ) أنها غير شهر رمضان و كانت ثلاثة أيام من كل شهر ثم نسخ عن معاذ و عطا و عن ابن عباس

(2/5)


و روي ثلاثة أيام من كل شهر و صوم عاشوراء عن قتادة ثم قيل أنه كان تطوعا و قيل بل كان واجبا و اتفق هؤلاء على أن ذلك منسوخ بصوم شهر رمضان و الآخر أن المعني بالمعدودات شهر رمضان عن ابن عباس و الحسن و اختاره الجبائي و أبو مسلم و عليه أكثر المفسرين قالوا أوجب سبحانه الصوم أولا فأجمله و لم يبين أنها يوم أو يومان أم أكثر ثم بين أنها أيام معلومات و أبهم ثم بينه بقوله « شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن » قال القاضي و هذا أولى لأنه إذا أمكن حمله على معنى من غير إثبات نسخ كان أولى و لأن ما قالوه زيادة لا دليل عليه « فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر » عطف قوله « على سفر » و هو ظرف على قوله « مريضا » و هو اسم مع أن الظرف لا يعطف على الاسم لأنه و إن كان ظرفا فهو بمعنى الاسم و تقديره فمن كان منكم مريضا أو مسافرا فالذي ينوب مناب صومه عدة من أيام أخر و فيه دلالة على أن المسافر و المريض يجب عليهما الإفطار لأنه سبحانه أوجب القضاء بنفس السفر و المرض و من قدر في الآية فأفطر فقد خالف الظاهر و قد ذهب إلى وجوب الإفطار في السفر جماعة من الصحابة كعمر بن الخطاب و عبد الله بن عباس و عبد الله بن عمر و عبد الرحمن بن عوف و أبي هريرة و عروة بن الزبير و هو المروي عن أئمتنا فقد روي أن عمر بن الخطاب أمر رجلا صام في السفر أن يعيد صومه و روى يوسف بن الحكم قال سألت ابن عمر عن الصوم في السفر فقال أ رأيت لو تصدقت على رجل صدقة فردها عليك أ لا تغضب فإنها صدقة من الله تصدق بها عليكم و روى عبد الرحمن بن عوف قال قال رسول الله الصائم في السفر كالمفطر في الحضر و روي عن ابن عباس أنه قال الإفطار في السفر عزيمة و روى أصحابنا عن أبي عبد الله أنه قال الصائم في شهر رمضان في السفر كالمفطر فيه في الحضر و عنه (عليه السلام) قال لو أن رجلا مات صائما في السفر لما صليت عليه و عنه (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال من سافر أفطر و قصر إلا أن يكون رجلا سفره إلى صيد أو في معصية الله و روى العياشي بإسناده مرفوعا إلى محمد بن مسلم عن أبي عبد الله قال لم يكن رسول الله يصوم في السفر تطوعا و لا فريضة حتى نزلت هذه الآية بكراع الغميم عند صلاة الهجير فدعا رسول الله بإناء فيه ماء فشرب و أمر الناس أن يفطروا فقال قوم قد توجه النهار و لو تممنا يومنا هذا فسماهم رسول الله العصاة فلم يزالوا يسمون بذلك الاسم حتى قبض رسول الله « و على الذين يطيقونه » الهاء يعود إلى الصوم عند أكثر أهل العلم أي يطيقون الصوم خير الله المطيقين الصوم من الناس كلهم بين أن يصوموا و لا

(2/6)


يكفروا و بين أن يفطروا و يكفروا عن كل يوم بإطعام مسكين لأنهم كانوا لم يتعودوا الصوم ثم نسخ ذلك بقوله « فمن شهد منكم الشهر فليصمه » و قيل أن الهاء يعود إلى الفداء عن الحسن و أبي مسلم و أما المعني بقوله « الذين يطيقونه » ففيه ثلاثة أقوال ( أولها ) أنه سائر الناس كما قدمنا ذكره من التخيير و النسخ بعده و هو قول ابن عباس و الشعبي ( و ثانيها ) أن هذه الرخصة كانت للحوامل و المراضع و الشيخ الفاني ثم نسخ من الآية الحامل و المرضع و بقي الشيخ الكبير عن الحسن و عطاء ( و ثالثها ) أن معناه و على الذين كانوا يطيقونه ثم صاروا بحيث لا يطيقونه و لا نسخ فيه عن السدي و قد رواه بعض أصحابنا عن أبي عبد الله أن معناه و على الذين كانوا يطيقون الصوم ثم أصابهم كبر أو عطاش و شبه ذلك فعليهم كل يوم مد و روى علي بن إبراهيم بإسناده عن الصادق (عليه السلام) و على الذين يطيقونه فدية من مرض في شهر رمضان فأفطر ثم صح فلم يقض ما فاته حتى جاء شهر رمضان آخر فعليه أن يقتضي و يتصدق لكل يوم مدا من طعام و قوله « فدية طعام مسكين » اختلف في مقدار الفدية فقال أهل العراق نصف صاع عن كل يوم و قال الشافعي عن كل يوم مد و عندنا إن كان قادرا فمدان فإن لم يقدر أجزأه مد واحد و قوله « فمن تطوع خيرا فهو خير له » قيل معناه من أطعم أكثر من مسكين واحد عن عطا و طاووس و قيل أطعم المسكين الواحد أكثر من قدر الكفاية حتى يزيده على نصف صاع عن مجاهد و يجمع بين القولين قول ابن عباس من تطوع بزيادة الإطعام و قيل معناه من عمل برا في جمع الدين فهو خير له عن الحسن و قيل من صام مع الفدية عن الزهري و قوله « و إن تصوموا خير لكم » أي و صومكم خير لكم من الإفطار و الفدية و كان هذا مع جواز الفدية فأما بعد النسخ فلا يجوز أن يقال الصوم خير من الفدية مع أن الإفطار لا يجوز أصلا و قيل معناه الصوم خير لمطيقة و أفضل ثوابا من التكفير لمن أفطر بالعجز « إن كنتم تعلمون » إن الصوم خير لكم من الفدية و قيل إن كنتم تعلمون أفضل أعمالكم و في قوله سبحانه « و على الذين يطيقونه » دلالة على أن الاستطاعة قبل الفعل .

(2/7)


شهْرُ رَمَضانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَ بَيِّنَت مِّنَ الْهُدَى وَ الْفُرْقَانِ فَمَن شهِدَ مِنكُمُ الشهْرَ فَلْيَصمْهُ وَ مَن كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سفَر فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّام أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكمُ الْيُسرَ وَ لا يُرِيدُ بِكمُ الْعُسرَ وَ لِتُكمِلُوا الْعِدَّةَ وَ لِتُكبرُوا اللَّهَ عَلى مَا هَدَاكُمْ وَ لَعَلَّكمْ تَشكُرُونَ(185)
القراءة
قرأ أبو بكر عن عاصم و لتكملوا بالتشديد و الباقون « لتكملوا » بالتخفيف و قرأ أبو جعفر العسر و اليسر بالتثقيل فيهما و الباقون بالتخفيف .
الحجة
حجة من قرأ « و لتكملوا » قوله اليوم أكملت لكم دينكم و من قرأ و لتكملوا فلأن فعل و أفعل كثيرا ما يستعمل أحدهما موضع الآخر قال النابغة :
فكملت مائة منها حمامتها
و أسرعت حسبة في ذلك العدد .
اللغة
الشهر معروف و جمعه في القلة أشهر و في الكثرة شهور و أصله من اشتهاره بالهلال يقال شهرت الحديث أظهرته و شهرت السيف انتضيته و أتان شهيرة عريضة ضخمة و أصل الباب الظهور و أصل رمضان من الرمض و هو شدة وقع الشمس على الرمل و غيره و إنما سموه رمضان لأنهم سموا الشهور بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق رمضان أيام رمض الحر و قد جمعوا رمضان على رمضانات و قيل أن رمضان اسم من أسماء الله فروي عن مجاهد لا تقل رمضان و لكن قل شهر رمضان فإنك لا تدري ما رمضان و قد جاء في الأخبار المروية عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال من صام رمضان إيمانا و احتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه و قيل إنما سمي رمضان لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها و القرآن أصله الجمع لقولهم ما قرأت الناقة سلا قط أي ما جمعت رحمها على سلا و منه القراءة و القارىء لأنه يجمع الحروف و الفرقان الذي يفرق بين الحق و الباطل و الإرادة أصلها الواو لأنك تقول راودته على أن يفعل كذا مراودة و منه راد يرود رودا فهو رائد و في المثل الرائد لا يكذب أهله و أصل الباب الطلب و الإرادة بمعنى الطلب للمراد لأنها كالسبب له و اليسر ضد العسر و اليسار الغنى و السعة و اليسار اليد اليسرى و اليسر الجماعة يجتمعون على الجزور في الميسر و الجمع الإيسار و أصل الباب السهولة و أصل العسر الصلابة يقال عسر الشيء عسرا و رجل أعسر يعمل بشماله و أعسر الرجل إذا افتقر و ضده اليسر و يقال كمل الشيء و أكملته و كملته أي تممته .
الإعراب
« شهر رمضان » في ارتفاعه ثلاثة أوجه ( أحدها ) أن يكون خبر مبتدإ

(2/8)


مجمع البيان ج : 2 ص : [496]
محذوف يدل عليه قوله أياما أي هي شهر رمضان ( و الثاني ) أن يكون بدلا من الصيام فكأنه قال كتب عليكم شهر رمضان ( و الثالث ) أن يرتفع بالابتداء و يكون خبره « الذي أنزل فيه القرآن » و إن شئت جعلت الذي أنزل فيه القرآن صفة له و أضمرت الخبر حتى كأنه قال و فيما كتب عليكم شهر رمضان أي صيام شهر رمضان و لا ينصرف رمضان للتعريف و زيادة الألف و النون المضارعتين لألفي التأنيث و يجوز في العربية شهر رمضان بالنصب من وجهين ( أحدهما ) صوموا شهر رمضان و الآخر على البدل من قوله أياما فقوله « هدى » في موضع النصب على الحال أي هاديا للناس و قوله « فمن شهد منكم الشهر فليصمه » فالشهر ينتصب على أنه ظرف لا على أنه مفعول به لأنه لو كان مفعولا به للزم الصيام المسافر كما يلزم المقيم من حيث أن المسافر يشهد الشهر شهادة المقيم فلما لم يلزم المسافر علمنا أن معناه فمن شهد منكم المصر في الشهر و لا يكون مفعولا به كما لو قلت أحييت شهر رمضان يكون مفعولا به فإن قلت كيف جاء ضميره متصلا في قوله « فليصمه » إذا لم يكن مفعولا به قلنا لأن الاتساع وقع فيه بعد أن استعمل ظرفا على ما تقدم بيان أمثاله و إنما عطف الظرف على الاسم في قوله « و من كان مريضا أو على سفر » لأنه بمعنى الاسم فكأنه قال أو مسافرا كقوله سبحانه « دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما » أي دعانا مضطجعا و أما العطف باللام في قوله « و لتكملوا العدة » ففيه وجهان ( أحدهما ) أنه عطف جملة على جملة لأن بعده محذوفا و تقديره و لتكملوا العدة شرع ذلك أو أريد ذلك و مثله قوله « و كذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات و الأرض و ليكون من الموقنين » أي و ليكون من الموقنين أريناه ذلك ( و الثاني ) أن يكون عطفا على تأويل محذوف و دل عليه ما تقدم من الكلام لأنه لما قال « يريد الله بكم اليسر » دل على أنه قد فعل ذلك ليسهل عليكم فجاز و لتكملوا العدة عطفا عليه قال الشاعر :
بادت و غير آيهن مع البلى
إلا رواكد جمرهن هباء
و مشجج إما سواء قذاله
فبدا و غيب مماره المعزاء أي سائرة فعطف على تأويل الكلام كأنه قال بها رواكد و مشجج هذا قول الزجاج و الأول قول الفراء .
المعنى
ثم بين سبحانه وقت الصوم فقال « شهر رمضان » أي هذه الأيام

(2/9)


المعدودات شهر رمضان أو كتب عليكم شهر رمضان أو شهر رمضان هو الشهر « الذي أنزل فيه القرآن » فبين أنه خصه بالصوم فيه لاختصاصه بالفضائل المذكورة و هو أنه « أنزل فيه القرآن » الذي عليه مدار الدين و الإيمان ثم اختلف في قوله « أنزل فيه القرآن » فقيل أن الله أنزل جميع القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا ثم أنزل على النبي بعد ذلك نجوما في طول عشرين سنة عن ابن عباس و سعيد بن جبير و الحسن و قتادة و هو المروي عن أبي عبد الله و قيل إن الله تعالى ابتدأ إنزاله في ليلة القدر من شهر رمضان عن ابن إسحاق و قيل أنه كان ينزل إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ما يحتاج إليه في تلك السنة جملة واحدة ثم ينزل على مواقع النجوم إرسالا في الشهور و الأيام عن السدي يسنده إلى ابن عباس و روى الثعلبي بإسناده عن أبي ذر الغفاري عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال أنزلت صحف إبراهيم لثلاث مضين من شهر رمضان و في رواية الواحدي في أول ليلة منه و أنزلت توراة موسى لست مضين من شهر رمضان و أنزل إنجيل عيسى لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان و أنزل زبور داود لثمان عشرة ليلة مضت من رمضان و أنزل الفرقان على محمد لأربع و عشرين من شهر رمضان و هذا بعينه رواه العياشي عن أبي عبد الله عن آبائه عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و قيل المراد بقوله « أنزل فيه القرآن » أنه أنزل في فرضه و إيجاب صومه على الخلق القرآن فيكون فيه بمعنى في فرضه .
كما يقول القائل أنزل الله في الزكاة كذا يريد في فرضها ثم وصف سبحانه القرآن بقوله « هدى للناس » أي هاديا للناس و دالا لهم على ما كلفوه من العلوم « و بينات من الهدى » أي و دلالات من الهدى و قيل المراد بالهدى الأول الهدى من الضلالة و بالثاني بيان الحلال و الحرام عن ابن عباس و قيل أراد بأول ما كلف من العلم و بالثاني ما يشتمل عليه من ذكر الأنبياء و شرائعهم و أخبارهم لأنها لا تدرك إلا بالقرآن عن الأصم و القاضي و قوله « و الفرقان » أي و مما يفرق بين الحق و الباطل و روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال القرآن جملة الكتاب و الفرقان المحكم الواجب العمل به و روى الحسن بن محبوب عن أبي أيوب عن أبي الورد عن أبي جعفر قال خطب رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) الناس في آخر جمعة من شعبان فحمد الله و أثنى عليه ثم قال أيها الناس : إنه قد أظلكم شهر فيه ليلة خير من ألف شهر و هو شهر رمضان فرض الله صيامه و جعل قيام ليلة فيه بتطوع صلاة كمن تطوع بصلاة سبعين ليلة فيما سواه من الشهور و جعل لمن تطوع فيه بخصلة من خصال الخير و البر كأجر من أدى فريضة من فرائض الله فيما سواه و من أدى فيه فريضة من فرائض الله كان كمن أدى سبعين فريضة ] من فرائض [ فيما سواه من

(2/10)


الشهور و هو شهر الصبر و إن الصبر ثوابه الجنة و هو شهر المواساة و هو شهر يزيد الله فيه من رزق المؤمنين و من فطر فيه مؤمنا صائما كان له بذلك عند الله عتق رقبة و مغفرة لذنوبه فيما مضى فقيل له يا رسول الله ليس كلنا نقدر على أن نفطر صائما قال فإن الله كريم يعطي هذا الثواب من لم يقدر منكم إلا على مذقة من لبن يفطر بها صائما أو شربة من ماء عذب أو تميرات لا يقدر على أكثر من ذلك و من خفف فيه عن مملوكه خفف الله عليه حسابه و هو شهر أوله رحمة و أوسطه مغفرة و آخره إجابة و العتق من النار و لا غنى بكم فيه عن أربع خصال خصلتين ترضون الله بهما و خصلتين لا غنى بكم عنهما فأما اللتان ترضون الله بهما فشهادة أن لا إله إلا الله و إني رسول الله و أما اللتان لا غنى بكم عنهما فتسألون الله فيه حوائجكم و الجنة و تسألون الله فيه العافية و تتعوذون به من النار و في رواية سلمان الفارسي فاستكثروا فيه من أربع خصال خصلتان ترضون بهما ربكم و خصلتان لا غنى بكم عنهما فأما الخصلتان اللتان ترضون ربكم بهما فشهادة أن لا إله إلا الله و تستغفرونه و أما اللتان لا غنى بكم عنهما فتسألون الله الجنة و تتعوذون به من النار و قال رسول الله نوم الصائم عبادة و صمته تسبيح و دعاؤه مستجاب و عمله مضاعف و قوله « فمن شهد منكم الشهر فليصمه » فيه وجهان ( أحدهما ) فمن شهد منكم المصر و حضر و لم يغب في الشهر و الألف و اللام في الشهر للعهد و المراد به شهر رمضان فليصم جميعه و هذا معنى ما رواه زرارة عن أبي جعفر أنه قال لما سئل عن هذه ما أبينها لمن عقلها قال من شهد شهر رمضان فليصمه و من سافر فيه فليفطر و قد روي أيضا عن علي و ابن عباس و مجاهد و جماعة من المفسرين أنهم قالوا من شهد الشهر بأن دخل عليه الشهر و هو حاضر فعليه أن يصوم الشهر كله ( و الثاني ) من شاهد منكم الشهر مقيما مكلفا فليصم الشهر بعينه و هذا نسخ للتخيير بين الصوم و الفدية و إن كان موصولا به في التلاوة لأن الانفصال لا يعتبر عند التلاوة بل عند الإنزال و الأول أقوى و قوله « و من كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر » قد مضى تفسيره في الآية المتقدمة و حد المرض الذي يوجب الإفطار ما يخاف الإنسان معه الزيادة المفرطة في مرضه و روى أبو بصير قال سألت أبا عبد الله عن حد المرض الذي على صاحبه فيه الإفطار قال هو مؤتمن عليه مفوض إليه فإن وجد ضعفا فليفطر و إن وجد قوة فليصم كان المرض على ما كان و روي أيضا أن ذلك كل مرض لا يقدر معه على القيام بمقدار زمان صلاته و به قال الحسن و في ذلك اختلاف بين الفقهاء و أما السفر الذي يوجب الإفطار عندنا فما كان مباحا أو طاعة و كانت المسافة ثمانية فراسخ أربعة و عشرين ميلا و عند الشافعي ستة عشر فرسخا و عند أبي حنيفة أربعة و عشرين فرسخا و اختلف في العدة

(2/11)


من الأيام الأخر فقال الحسن و جماعة هي على التضييق إذا برأ المريض أو قدم المسافر و قال أبو حنيفة موسع فيها و عندنا موقت بما بين رمضانين و تجوز متتابعة و متفرقة و التتابع أفضل فإن فرط حتى لحقه رمضان آخر لزمه الفدية و القضاء و به قال الشافعي و قوله « يريد الله بكم اليسر » أي في الرخصة للمريض و المسافر إذا لم يوجب الصوم عليهما و قيل يريد الله بكم اليسر في جميع أموركم « و لا يريد بكم العسر » أي التضييق عليكم و فيه دلالة على بطلان قول المجبرة لأنه بين أن في أفعال المكلفين ما يريده سبحانه و هو اليسر و فيها ما لا يريده و هو العسر و لأنه إذا كان لا يريد بهم العسر فإن لا يريد تكليف ما لا يطاق أولى و قوله « و لتكملوا العدة » تقديره يريد الله لأن يسهل عليكم و لأن تكملوا أي تتموا عدة ما أفطرتم فيه و هي أيام السفر و المرض بالقضاء إذا أقمتم و برأتم فتصوموا للقضاء بعدد أيام الإفطار و على القول الآخر فتقديره و لإكمال العدة شرع الرخصة في الإفطار و يحتمل أن يكون معناه و لتكملوا عدة الشهر لأنه مع الطاقة و عدم العذر يسهل عليه إكمال العدة و المريض و المسافر يتعسر عليهما ذلك فيكملان العدة في وقت آخر و من قال أن شهر رمضان لا ينقص أبدا استدل بقوله « و لتكملوا العدة » و قال بين تعالى أن عدة شهر رمضان محصورة يجب صيامها على الكمال و لا يدخلها نقصان و لا اختلال فالجواب عنه من وجهين ( أحدهما ) أن المراد أكملوا العدة التي وجب عليكم صيامها و قد يجوز أن يكون هذه العدة تارة ثلاثين و تارة تسعة و عشرين ( و الآخر ) ما ذكرناه من أن المراد راجع إلى القضاء و يؤيده أنه سبحانه ذكره عقيب ذكر السفر و المرض و قوله « و لتكبروا الله على ما هداكم » المراد به تكبير ليلة الفطر عقيب أربع صلوات المغرب و العشاء الآخرة و الغداة و صلاة العيد على مذهبنا و قال ابن عباس و جماعة التكبير يوم الفطر و قيل المراد به و لتعظموا الله على ما أرشدكم له من شرائع الدين « و لعلكم تشكرون » أي لتشكروا الله على نعمه .
وَ إِذَا سأَلَك عِبَادِى عَنى فَإِنى قَرِيبٌ أُجِيب دَعْوَةَ الدَّاع إِذَا دَعَانِ فَلْيَستَجِيبُوا لى وَ لْيُؤْمِنُوا بى لَعَلَّهُمْ يَرْشدُونَ(186)
اللغة
أجاب و استجاب بمعنى قال الشاعر :
و داع دعا يا من يحب لي الندا
فلم يستجبه عند ذاك مجيب أي لم يجبه و قال المبرد بينهما فرق و هو أن في الاستجابة معنى الإذعان و ليس ذلك في

(2/12)


الإجابة و أصله من الجواب و هو القطع يقال جاب البلاد يجوبها جوبا إذا قطعها و اجتاب الظلام بمعناه و الجابة و الإجابة بمعنى و الصحيح أن الجابة و الطاعة و الطاقة و نحوها أسماء بمعنى المصادر و أجاب عن السؤال جوابا و انجاب السحاب إذا انقشع و أصل الباب القطع فإجابة السائل القطع بما سأل لأن سؤاله على الوقف أ يكون أم لا يكون و الرشد نقيض الغي رشد يرشد رشدا و رشد يرشد رشدا و رجل رشيد و ولد فلان لرشدة خلاف لزنية و أصل الباب إصابة الخير و منه الإرشاد و هو الدلالة على وجه الإصابة للخير .
الإعراب
إذا ظرف زمان للفعل الذي يدل عليه قوله « فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان » تقديره فأخبره يا محمد إني بهذه الصفة و لا يجوز أن يعمل فيه قريب أو أجيب لأن معمول إن لا يجوز أن يعمل فيما قبل إن لما بين في موضعه و قوله أجيب في موضع رفع بأنه خبر إن أيضا فهو خبر بعد خبر .
النزول
روي عن الحسن أن سائلا سأل النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أ قريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فنزلت الآية و قال قتادة نزلت جوابا لقوم سألوا النبي كيف ندعو .
المعنى
لما ذكر سبحانه الصوم عقبه بذكر الدعاء و مكانه منه و إجابته إياه فقال « و إذا سألك عبادي عني » الأقرب أن يكون السؤال عن صفته سبحانه لا عن فعله لقوله سبحانه « فإني قريب » و فيه حذف أي فقل إني قريب فدل بهذا على أنه سبحانه لا مكان له إذ لو كان له مكان لم يكن قريبا من كل من يناجيه و قيل معناه إني أسمع دعاء الداعي كما يسمعه القريب المسافة منهم فجاءت لفظة قريب بحسن البيان بها فأما قريب المسافة فلا يجوز عليه سبحانه لأن ذلك إنما يتصور فيمن كان متمكنا في مكان و ذلك من صفات المحدثات و قوله « أجيب دعوة الداع إذا دعان » مفهوم المعنى و قوله « فليستجيبوا لي » قال أبو عبيدة معناه فليجيبوني فيما دعوتهم إليه و قال المبرد و السراج معناه فليذعنوا للحق بطلب موافقة ما أمرتهم به و نهيتهم عنه و قال مجاهد معناه فليستجيبوا لي بالطاعة و قيل معناه فليدعوني و روي عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أعجز الناس من عجز عن الدعاء و أبخل الناس من بخل بالسلام « و ليؤمنوا بي » أي و ليصدقوا بجميع ما أنزلته و روي عن أبي عبد الله أنه قال « و ليؤمنوا بي » أي و ليتحققوا أني قادر على إعطائهم ما سألوه « لعلهم يرشدون » أي لعلهم يصيبون الحق و يهتدون إليه فإذا سئل فقيل نحن نرى كثيرا من الناس يدعون الله فلا يجيبهم فما معنى قوله « أجيب دعوة الداع إذا دعان » فالجواب أنه ليس أحد يدعو الله على ما

(2/13)


توجبه الحكمة إلا أجابه الله فإن الداعي إذا دعاه يجب أن يسأل ما فيه صلاح له في دينه و لا يكون فيه مفسدة له و لا لغيره و يشترط ذلك بلسانه أو ينويه بقلبه فالله سبحانه يجيبه إذا اقتضت المصلحة إجابته أو يؤخر الإجابة إن كانت المصلحة في التأخير و إذا قيل إن ما تقتضيه الحكمة لا بد أن يفعله فما معنى الدعاء و إجابته فجوابه أن الدعاء عبادة في نفسها يعبد الله سبحانه بها لما في ذلك من إظهار الخضوع و الانقياد إليه سبحانه و أيضا فإنه لا يمتنع أن يكون وقوع ما سأله إنما صار مصلحة بعد الدعاء و لا يكون مصلحة قبل الدعاء ففي الدعاء هذه الفائدة و يؤيد ذلك ما روي عن أبي سعيد الخدري قال قال النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) ما من مسلم دعا الله سبحانه بدعوة ليس فيها قطيعة رحم و لا إثم إلا أعطاه الله بها إحدى خصال ثلاث إما أن يعجل دعوته و إما أن يؤخر له في الآخرة و إما أن يدفع عنه من السوء مثله قالوا يا رسول الله إذا نكثر قال الله أكثر و في رواية أنس بن مالك الله أكثر و أطيب ثلاث مرات و روي عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله إن العبد ليدعو الله و هو يحبه فيقول يا جبرائيل لا تقض لعبدي هذا حاجته و أخرها فإني أحب أن لا أزال أسمع صوته و أن العبد ليدعو الله و هو يبغضه فيقول يا جبرائيل اقض لعبدي هذا حاجته بإخلاصه و عجلها فإني أكره أن أسمع صوته و روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال ربما أخرت عن العبد إجابة الدعاء ليكون أعظم لأجر السائل و أجزل لإعطاء الأمل و قيل لإبراهيم بن أدهم ما بالنا ندعو الله سبحانه فلا يستجيب لنا فقال لأنكم عرفتم الله فلم تطيعوه و عرفتم الرسول فلم تتبعوا سنته و عرفتم القرآن فلم تعملوا بما فيه و أكلتم نعمة الله فلم تؤدوا شكرها و عرفتم الجنة فلم تطلبوها و عرفتم النار فلم تهربوا منها و عرفتم الشيطان فلم تحاربوه و وافقتموه و عرفتم الموت فلم تستعدوا له و دفنتم الأموات فلم تعتبروا بهم و تركتم عيوبكم و اشتغلتم بعيوب الناس .

(2/14)


أُحِلَّ لَكمْ لَيْلَةَ الصيَامِ الرَّفَث إِلى نِسائكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَ أَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكمْ كُنتُمْ تخْتَانُونَ أَنفُسكمْ فَتَاب عَلَيْكُمْ وَ عَفَا عَنكُمْ فَالْئَنَ بَشِرُوهُنَّ وَ ابْتَغُوا مَا كتَب اللَّهُ لَكُمْ وَ كلُوا وَ اشرَبُوا حَتى يَتَبَينَ لَكُمُ الْخَيْط الأَبْيَض مِنَ الخَْيْطِ الأَسوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصيَامَ إِلى الَّيْلِ وَ لا تُبَشِرُوهُنَّ وَ أَنتُمْ عَكِفُونَ فى الْمَسجِدِ تِلْك حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِك يُبَينُ اللَّهُ ءَايَتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ(187)
اللغة
الرفث الجماع هاهنا بلا خلاف و قيل أن أصله القول الفاحش فكفي به عن الجماع قال العجاج :
عن اللغا و رفث التكلم قال الأخفش إنما عديت بالي في الآية لأنه بمعنى الإفضاء و اللباس الثياب التي من شأنها أن تستر الأبدان و يشبه به الأغشية فيقال لبس السيف بالحلية و العرب تسمي المرأة لباسا و إزارا قال الشاعر :
إذا ما الضجيع ثنى عطفه
تثنت فكانت عليه لباسا و قال :
أ لا أبلغ أبا حفص رسولا
فدى لك من أخي ثقة إزاري قال أهل اللغة معناه امرأتي و الاختيان الخيانة يقال خانه يخونه خونا و خيانة و اختانه اختيانا « و خائنة الأعين » مسارقة النظر إلى ما لا يحل و أصل الباب منع الحق ، و المباشرة إلصاق البشرة بالبشرة و هي ظاهر الجلد و الابتغاء طلب البغية « و الخيط الأبيض » بياض الفجر « و الخيط الأسود » سواد الليل فأول النهار طلوع الفجر الثاني لأنه أوسع ضياء قال أبو داود :
فلما أضاءت لنا غدوة
و لاح من الصبح خيط أنارا و الخيط في اللغة معروف يقال خاطه يخيطه خيطا و خياطة و الخيط القطيع من النعام و نعامة خيطاء قيل خيطها طول قصبها و عنقها و قيل اختلاط سوادها ببياضها و السواد و البياض لونان كل واحد منهما أصل بنفسه و بيضة الإسلام مجتمعة و ابتاضوهم أي استأصلوهم بمعنى اقتلعوا بيضتهم و السواد و المساودة المسارة لأن الخفاء فيه كخفاء الشخص في سواد الليل و سواد العراق سمي به لكثرة الماء و الشجر الذي تسود به الأرض و سواد كل شيء شخصه و سويداء القلب و سواده دمه الذي فيه و قيل حبة القلب و العكوف و الاعتكاف أصله اللزوم يقال عكفت بالمكان أي أقمت به ملازما له قال الطرماح :

(2/15)


فبات بنات الليل في الليل عكفا
عكوف البواكي بينهن صريع و هو في الشرع عبارة عن اللبث في مكان مخصوص للعبادة و الحد على وجوه الحد المنع و حدود الله فرائضه قال الزجاج هي ما منع الله من مخالفتها و الحد جلد الزاني و غيره و الحد حد السيف و غيره و الحد حد الدار و الحد فرق بين الشيئين و الحد نهاية الشيء التي تمنع من أن يدخله ما ليس منه أو أن يخرج عنه ما هو منه و قال الخليل الحد الجامع المانع و الحداد البواب قال الأعشى :
فقمنا و لما يصح ديكنا
إلى جونة عند حدادها يعني صاحبها الذي يحفظها و يمنعها و كل من منع شيئا فهو حداد و من ذلك أحدت المرأة على زوجها معناه امتنعت من الزينة و الحديد إنما سمي حديدا لأنه يمتنع به من الأعداء فأصل الباب المنع .
النزول
روى علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه رفعه إلى أبي عبد الله قال كان الأكل محرما في شهر رمضان بالليل بعد النوم و كان النكاح حراما بالليل و النهار في شهر رمضان و كان رجل من أصحاب رسول الله يقال له مطعم بن جبير أخو عبد الله بن جبير الذي كان رسول الله وكله بفم الشعب يوم أحد في خمسين من الرماة و فارقه أصحابه و بقي في اثني عشر رجلا فقتل على باب الشعب و كان أخوه هذا مطعم بن جبير شيخا ضعيفا و كان صائما فأبطأت عليه أهله بالطعام فنام قبل أن يفطر فلما انتبه قال لأهله قد حرم علي الأكل في هذه الليلة فلما أصبح حضر حفر الخندق فأغمي عليه فرآه رسول الله فرق له و كان قوم من الشباب ينكحون بالليل سرا في شهر رمضان فأنزل الله هذه الآية فأحل النكاح بالليل في شهر رمضان و الأكل بعد النوم إلى طلوع الفجر و اختلفت العامة في اسم هذا الرجل من الأنصار فقال بعضهم قيس بن صرمة و قيل أبو صرمة و قيل أبو قيس بن صرمة و قيل صرمة بن إياس و قالوا جاء إلى رسول الله فقال عملت في النخل نهاري أجمع حتى إذا أمسيت فأتيت أهلي لتطعمني فأبطأت فنمت فأيقظوني و قد حرم علي الأكل و قد أمسيت و قد جهدني الصوم فقال عمر يا رسول الله أعتذر إليك من مثله رجعت إلى أهلي بعد ما صليت العشاء فأتيت امرأتي و قام رجال و اعترفوا بمثل الذي سمعوا فنزلت الآية عن ابن عباس و السدي .

(2/16)


المعنى
ثم بين سبحانه وقت الصيام و ما يتعلق به من الأحكام فقال « أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم » أي الجماع و قال ابن عباس أن الله سبحانه حيي يكني بما شاء أن الرفث و اللباس و المباشرة و الإفضاء هو الجماع و قال الزجاج الرفث هو كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من المرأة و هذا يقتضي تحريما متقدما أزيل عنهم و المراد بليلة الصيام الليلة التي يكون في غدها الصوم و روي عن أبي جعفر و أبي عبد الله كراهية الجماع في أول ليلة من كل شهر إلا أول ليلة من شهر رمضان فإنه يستحب ذلك لمكان الآية و الأشبه أن يكون المراد به ليالي الشهر كله و إنما وحده لأنه اسم جنس يدل على الكثرة « هن لباس لكم و أنتم لباس لهن » أي هن سكن لكم و أنتم سكن لهن كما قال « و جعلنا الليل لباسا » أي سكنا عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و المعنى تلابسونهن و تخالطونهن بالمساكنة أي قل ما يصبر أحد الزوجين عن الآخر و قيل إنما جعل كل واحد منهما لباسا للآخر لانضمام جسد كل واحد منهما إلى جسد صاحبه حتى يصير كل واحد منهما لصاحبه كالثوب الذي يلبسه فلما كانا يتلابسان عند الجماع سمي كل واحد منهما لباسا لصاحبه و قال الربيع هن فراش لكم و أنتم لحاف لهن « علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم » لما حرم عليهم الجماع و الأكل بعد النوم و خالفوا في ذلك ذكرهم الله بالنعمة في الرخصة التي نسخت تلك التحريمة فقال « علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم » بالمعصية أي لا تؤدون الأمانة بالامتناع عن المباشرة و قيل معنى تختانون تنقصون أنفسكم من شهواتها و تمنعونها من لذاتها باجتناب ما نهيتم عنه فخففه الله عنكم « فتاب عليكم » أي قبل توبتكم و قيل معناه فرخص لكم و أزال التشديد عنكم « و عفا عنكم » فيه وجهان ( أحدهما ) غفر ذنوبكم ( و الآخر ) أزال تحريم ذلك عنكم و ذلك عفو عن تحريمه عليهم « فالآن باشروهن » بالليل أي جامعوهن لفظه أمر و معناه الإباحة « و ابتغوا ما كتب الله لكم » فيه قولان ( أحدهما ) اطلبوا ما قضى الله لكم من الولد عن الحسن و أكثر المفسرين و هو أن يجامع الرجل أهله رجاء أن يرزقه الله ولدا يعبده و يسبح له ( و الآخر ) اطلبوا ما كتب الله لكم من الحلال الذي بينه في كتابه فإن الله يحب أن يؤخذ برخصة كما يحب أن يؤخذ بعزائمه و قوله « و كلوا و اشربوا » إباحة للأكل و الشرب « حتى يتبين لكم » أي ليظهر و يتميز لكم على التحقيق الخيط الأبيض من الخيط الأسود أي النهار من الليل فأول النهار طلوع الفجر الثاني و قيل بياض الفجر من سواد الليل و قيل بياض أول النهار من سواد آخر الليل و إنما شبه ذلك بالخيط لأن القدر الذي يحرم الإفطار من البياض يشبه الخيط فيزول به مثله من السواد و لا اعتبار بالانتشار « من الفجر » يحتمل - من - معنيين

(2/17)


( أحدهما ) أن يكون بمعنى التبعيض لأن المعنى من بعض الفجر و ليس الفجر كله عن ابن دريد ( و الآخر ) أنه للتبيين لأنه بين الخيط الأبيض فكأنه قال الخيط الأبيض الذي هو الفجر و روي أن عدي بن حاتم قال للنبي إني وضعت خيطين من شعر أبيض و أسود فكنت أنظر فيهما فلا يتبين لي فضحك رسول الله حتى رؤيت نواجذه ثم قال يا ابن حاتم إنما ذلك بياض النهار و سواد الليل فابتداء الصوم من هذا الوقت ثم بين تعالى الانتهاء فقال « ثم أتموا الصيام إلى الليل » أي من وقت طلوع الفجر الثاني و هو المستطيل المعترض الذي يأخذ الأفق و هو الفجر الصادق الذي يجب عنده الصلاة إلى وقت دخول الليل و هو بعد غروب الشمس و علامة دخوله على الاستظهار سقوط الحمرة من جانب المشرق و إقبال السواد منه و إلا فإذا غابت الشمس مع ظهور الآفاق في الأرض المبسوطة و عدم الجبال و الروابي فقد دخل الليل و قوله « و لا تباشروهن » في معناه قولان هاهنا ( أحدهما ) أنه أراد به الجماع عن ابن عباس و الحسن و قتادة ( و الثاني ) أنه أراد الجماع و كل ما دونه من قبلة و غيرها من مالك و ابن زيد و هو مذهبنا و قوله « و أنتم عاكفون في المساجد » أي معتكفون أي لا تباشروهن في حال اعتكافكم في المساجد و الاعتكاف لا يصح عندنا إلا في أحد المساجد الأربعة المسجد الحرام و مسجد النبي و مسجد الكوفة و مسجد البصرة و عند سائر الفقهاء يجوز في سائر المساجد إلا أن مالكا قال أنه يختص بالجامع و لا يصح الاعتكاف عندنا إلا بصوم و به قال أبو حنيفة و مالك و عند الشافعي يصح بغير صوم و عندنا لا يكون إلا في ثلاثة أيام و عند أبي حنيفة يوم واحد و عند مالك عشرة أيام لا يجوز أقل منه و عند الشافعي ما شاء و لو ساعة واحدة و في الآية دلالة على تحريم المباشرة في الاعتكاف ليلا و نهارا لأنه علق المباشرة بحال الاعتكاف و قوله « تلك حدود الله » تلك إشارة إلى الأحكام المذكورة في الآية حدود الله حرمات الله عن الحسن و قيل معناه معاصي الله عن الضحاك و قيل ما منع الله منه عن الزجاج « فلا تقربوها » أي فلا تأتوها و قيل معناه تلك فرائض الله فلا تقربوها بالمخالفة « كذلك » أي مثل هذا البيان الذي ذكر « يبين الله آياته للناس » أي حججه و أدلته على ما أمرهم به و نهاهم عنه « لعلهم يتقون » أي لكي يتقوا معاصيه و تعدي حدوده فيما أمرهم به و نهاهم عنه و أباحهم إياها و في هذا دلالة على أن الله تعالى أراد التقوى من جميع الناس .

(2/18)


وَ لا تَأْكلُوا أَمْوَلَكُم بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ وَ تُدْلُوا بِهَا إِلى الحُْكامِ لِتَأْكلُوا فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَلِ النَّاسِ بِالاثْمِ وَ أَنتُمْ تَعْلَمُونَ(188)
اللغة
الباطل الذاهب الزائل يقال بطل إذا ذهب و قيل الباطل هو ما تعلق بالشيء على خلاف ما هو به خبرا كان أو اعتقادا أو ظنا أو تخيلا و الحكم هو الذي يفصل بين الخصمين يمنع كل واحد من منازعة الآخر و يقال أدلى فلان بحجته إذا أقامها و هو من قولهم أدليت الدلو في البئر إذا أرسلتها و دلوتها إذا أخرجتها فمعنى قولهم أدلى بحجته أرسلها و أتى بها على صحة و في تشبيه الخصومة بإرسال الدلو في البئر وجهان ( أحدهما ) أنه تعلق بسبب الحكم كتعلق الدلو بالسبب الذي هو الحبل ( الثاني ) أنه يمضي فيه من غير تثبيت كمضي الدلو في الإرسال من غير تثبيت و الفريق القطيعة المعزولة من الجملة سواء كان من الناس أو من غيرهم و الإثم الفعل الذي يستحق به الذم .
الإعراب
و تدلوا محله جزم على النهي عطفا على قوله « و لا تأكلوا » و يحتمل أن يكون نصبا على الظرف و يكون نصبه بإضمار أن يقول الشاعر :
لا تنه عن خلق و تأتي مثله
عار عليك إذا فعلت عظيم أي لا تجمع بينهما .
المعنى
ثم بين سبحانه شريعة من شرائع الإسلام نسقا على ما تقدم من بيان الحلال و الحرام فقال « و لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل » أي لا يأكل بعضكم مال بعض بالغصب و الظلم و الوجوه التي لا تحل كقوله « و لا تقتلوا أنفسكم » أي و لا يقتل بعضكم بعضا و قيل معناه لا تأكلوا أموالكم باللهو و اللعب مثل ما يؤخذ في القمار و الملاهي لأن كل ذلك من الباطل و روي عن أبي جعفر أنه يعني بالباطل اليمين الكاذبة يقتطع بها الأموال و روي عن أبي عبد الله قال كانت قريش يقامر الرجل في أهله و ماله فنهاهم الله و الأولى حمله على الجميع لأن الآية تحتمل الكل « و تدلوا بها إلى الحكام » و تلقوا بها إلى القضاة و قيل فيه أقوال ( أحدهما ) أنه الودائع و ما لا يقوم عليه بينة عن ابن عباس و الحسن و قتادة ( و ثانيها ) أنه مال اليتيم في يد الأوصياء لأنهم يدفعونه إلى الحكام إذا طولبوا به ليقطعوا بعضه و تقوم لهم في الظاهر حجة عن الجبائي ( و ثالثها ) أنه ما يؤخذ بشهادة الزور عن الكلبي و الأولى أن يحمل على الجميع « لتأكلوا فريقا من أموال الناس

(2/19)


بالإثم » أي لتأكلوا طائفة من أموال الناس بالفعل الموجب للإثم بأن يحكم الحاكم بالظاهر و كان الأمر في الباطن بخلافه « و أنتم تعلمون » أن ذلك الفريق من المال ليس بحق لكم و أنتم مبطلون و هذا أشد في الزجر و قال أبو عبد الله (عليه السلام) علم الله أنه سيكون في هذه الأمة حكام يحكمون بخلاف الحق فنهى الله تعالى المؤمنين أن يتحاكموا إليهم و هم يعلمون أنهم لا يحكمون بالحق و هذا يدل على أن الإقدام على المعصية مع العلم أو مع التمكن من العلم أعظم .
* يَسئَلُونَك عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَقِيت لِلنَّاسِ وَ الْحَجّ وَ لَيْس الْبرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوت مِن ظهُورِهَا وَ لَكِنَّ الْبرَّ مَنِ اتَّقَى وَ أْتُوا الْبُيُوت مِنْ أَبْوَبِهَا وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكمْ تُفْلِحُونَ(189)
القراءة
قرأ ابن كثير و ابن ذكوان و الكسائي البيوت و الشيوخ و أخواتهما بكسر أوائلها إلا الغيوب و قرأ حمزة و حماد و يحيى عن عاصم كلها بالكسر إلا الجيوب و قالون يكسر منها البيوت فقط و الباقون بالضم .
الحجة
من كسر أوائل هذه الكلمات إنما فعل ذلك لأجل الياء أبدل من الضمة الكسرة لأن الكسرة أشد موافقة للياء من الضمة لها كما كسر الفاء من عيينة و نييب في تصغير عين و ناب و إن لم يكن في أبنية التصغير على هذا الوزن لتقريب الحركة مما بعدها .
و من ضمها فعلى الأصل لأنها فعول .
اللغة
الأهلة جمع هلال و اشتقاقه من قولهم استهل الصبي إذا بكى حين يولد أو صاح و قولهم أهل القوم بالحج إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية و إنما قيل هلال لأنه حين يرى يهل الناس بذكره يقال أهل الهلال و استهل و لا يقال أهل و يقال أهللنا الهلال و أهللنا شهر كذا أي دخلنا فيه و قد اختلف في تسميته هلالا كم يسمى و متى يسمى قمرا فقال بعضهم يسمى هلالا ليلتين من الشهر ثم لا يسمى هلالا إلى أن يعود في الشهر الثاني و قال آخرون يسمى هلالا ثلاث ليال ثم يسمى قمرا و قال بعضهم يسمى هلالا حتى يحجر و تحجيره أن

(2/20)


يستدير بخطة دقيقة و هذا قول الأصمعي و قال بعضهم يسمى هلالا حتى يبهر ضوءه سواد الليل ثم يقال قمر و هذا يكون في الليلة السابعة و اسم القمر عند العرب الزبرقان و اسم دارته الهالة و اسم ضوئه الفخت و الميقات مقدار من الزمان جعل علما لما يقدر من العمل و التوقيت تقدير الوقت و كلما قدرت غايته فهو موقت و الميقات منتهى الوقت و الآخرة ميقات الخلق و الإهلال ميقات الشهر و الحج ذكرنا معناه فيما مضى و البر النفع الحسن و الظهر الصفحة القابلة لصفحة الوجه و الباب المدخل يقول منه بوبه تبويبا إذا جعله أبوابا و البواب الحاجب لأنه يلزم الباب و البابة القطعة من الشيء كالباب من الجملة .
الإعراب
قوله « للناس » في موضع رفع صفة لمواقيت تقديره هي مواقيت كائنة للناس و الباء في قوله « بأن تأتوا » مزيدة لتأكيد النفي و أن تأتوا في موضع الجر بالباء و الجار و المجرور في موضع النصب بأنهما خبر ليس و قوله « و لكن البر من اتقى » قيل فيه وجهان ( أحدهما ) أن تقديره « و لكن البر من اتقى » كما قلناه في قوله « و لكن البر من آمن بالله و اليوم الآخر » ( و الآخر ) إن تقديره و لكن البار من اتقى وضع المصدر موضع الصفة .
النزول
روي إن معاذ بن جبل قال يا رسول الله إن اليهود يكثرون مسألتنا عن الأهلة فأنزل الله هذه الآية و قال قتادة ذكر لنا أنهم سألوا رسول الله لم خلقت هذه الأهلة فأنزل الله هذه الآية .
المعنى
ثم بين شريعة أخرى فقال « يسألونك عن الأهلة » أي أحوال الأهلة في زيادتها و نقصانها و وجه الحكمة في ذلك « قل » يا محمد « هي مواقيت للناس و الحج » أي هي مواقيت يحتاج الناس إلى مقاديرها في صومهم و فطرهم و عدد نسائهم و محل ديونهم و حجهم فبين سبحانه أن وجه الحكمة في زيادة القمر و نقصانه ما تعلق بذلك من مصالح الدين و الدنيا لأن الهلال لو كان مدورا أبدا مثل الشمس لم يمكن التوقيت به و فيه أوضح دلالة على أن الصوم لا يثبت بالعدد و أنه يثبت بالهلال لأنه سبحانه نص على أن الأهلة هي المعتبرة في المواقيت و الدلالة على الشهور فلو كانت الشهور إنما تعرف بطريق العدد لخص التوقيت بالعدد دون رؤية الأهلة لأن عند أصحاب العدد لا عبرة برؤية الأهلة في معرفة المواقيت و قوله « و ليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها » فيه وجوه ( أحدها ) أنه كان المحرمون لا يدخلون بيوتهم من أبوابها و لكنهم كانوا ينقبون في ظهر بيوتهم أي في مؤخرها نقبا يدخلون و يخرجون منه فنهوا عن التدين بذلك عن ابن عباس و قتادة و عطا

(2/21)


و رواه أبو الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) و قيل إلا أن الحمس و هو قريش و كنانة و خزاعة و ثقيف و جشم و بنو عامر بن صعصعة كانوا لا يفعلون ذلك و إنما سموا حمسا لتشددهم في دينهم و الحماسة الشدة و قيل بل كانت الحمس تفعل ذلك و إنما فعلوا ذلك حتى لا يحول بينهم و بين السماء شيء ( و ثانيها ) إن معناه ليس البر أن تأتوا البيوت من غير جهاتها و ينبغي أن تأتوا الأمور من جهاتها أي الأمور كان و هو المروي عن جابر عن أبي جعفر ( و ثالثها ) إن معناه ليس البر طلب المعروف من غير أهله و إنما البر طلب المعروف من أهله « و لكن البر من اتقى » قد مر معناه « و أتوا البيوت من أبوابها » قد مضى معناه و قال أبو جعفر آل محمد أبواب الله و سبله و الدعاة إلى الجنة و القادة إليها و الأدلاء عليها إلى يوم القيامة و قال النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنا مدينة العلم و علي بابها و لا تؤتى المدينة إلا من بابها و يروى أنا مدينة الحكمة « و اتقوا الله لعلكم تفلحون » معناه و اتقوا ما نهاكم الله عنه و زهدكم فيه لكي تفلحوا بالوصول إلى ثوابه الذي ضمنه للمتقين .
النظم
و وجه اتصال قوله « ليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها » بقوله « يسألونك عن الأهلة » أنه لما بين أن الأهلة مواقيت للناس و الحج و كانوا إذا أحرموا يدخلون البيوت من ورائها عطف عليها قوله « و ليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها » و قيل أنه لما بين أن أمورنا مقدرة بأوقات قرن به قوله « و ليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها » أي فكما أن أموركم مقدرة بأوقات فلتكن أفعالكم جارية على الاستقامة باتباع ما أمر الله به و الانتهاء عما نهى عنه لأن اتباع ما أمر به خير من اتباع ما لم يأمر به .
وَ قَتِلُوا فى سبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ وَ لا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِب الْمُعْتَدِينَ(190)
اللغة
القتال و المقاتلة محاولة الرجل قتل من يحاول قتله و التقاتل محاولة كل واحد من المتعاديين قتل الآخر و الاعتداء مجاوزة الحد يقال عدا طوره إذا جاوز حده .
النزول
عن ابن عباس نزلت هذه الآية في صلح الحديبية و ذلك أن رسول الله لما خرج هو و أصحابه في العام الذي أرادوا فيه العمرة و كانوا ألفا و أربعمائة فصاروا حتى نزلوا الحديبية فصدهم المشركون عن البيت الحرام فنحروا الهدي بالحديبية ثم صالحهم المشركون على أن يرجع من عامه و يعود العام القابل و يخلوا له مكة ثلاثة أيام فيطوف

(2/22)


بالبيت و يفعل ما يشاء فرجع إلى المدينة من فوره فلما كان العام المقبل تجهز النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و أصحابه لعمرة القضاء و خافوا أن لا تفي لهم قريش بذلك و أن يصدوهم عن البيت الحرام و يقاتلوهم و كره رسول الله قتالهم في الشهر الحرام في الحرم فأنزل الله هذه الآية و عن الربيع بن أنس و عبد الرحمن بن زيد بن أسلم هذه أول آية نزلت في القتال فلما نزلت كان رسول الله يقاتل من قاتله و يكف عمن كف عنه حتى نزلت « اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم » فنسخت هذه الآية .
المعنى
ثم بين سبحانه أمر الجهاد فقال مخاطبا للمؤمنين « و قاتلوا » أي مع الكفار « في سبيل الله » أي دين الله و هو الطريق الذي بينه للعباد ليسلكوه على أمرهم به و دعاهم إليه « الذين يقاتلونكم » قيل أمروا بقتال المقاتلين دون النساء و قيل أنهم أمروا بقتال أهل مكة و الأولى حمل الآية على العموم إلا من أخرجه الدليل « و لا تعتدوا » أي و لا تجاوزوا من قتال من هو من أهل القتال إلى قتال من لم تؤمروا بقتاله و قيل معناه لا تعتدوا بقتال من لم يبدأكم بقتال « إن الله لا يحب المعتدين » ظاهره يقتضي أن يسخط عليهم لأنه على جهة الذم لهم و قد ذكرنا معنى المحبة لهم فيما مضى و اختلف في الآية هل هي منسوخة أم لا فقال بعضهم منسوخة على ما ذكرناه و روي عن ابن عباس و مجاهد أنها غير منسوخة بل هي خاصة في النساء و الذراري و قيل أمر بقتال أهل مكة و روي عن أئمتنا (عليهم السلام) أن هذه الآية ناسخة لقوله « كفوا أيديكم و أقيموا الصلاة » و كذلك قوله « و اقتلوهم حيث ثقفتموهم » ناسخ لقوله « و لا تطع الكافرين و المنافقين و دع أذاهم » .
وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْث ثَقِفْتُمُوهُمْ وَ أَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْث أَخْرَجُوكُمْ وَ الْفِتْنَةُ أَشدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَ لا تُقَتِلُوهُمْ عِندَ المَْسجِدِ الحَْرَامِ حَتى يُقَتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِك جَزَاءُ الْكَفِرِينَ(191)
القراءة
قرأ حمزة و الكسائي و لا تقتلوهم حتى يقتلوكم فإن قتلوكم كل بغير ألف و الباقون بألف في جميع ذلك .

(2/23)


الحجة
من قرأها بغير ألف فإنما اتبع المصحف لأنه كتب في المصاحف بغير الألف و من قرأ بالألف فقال إنما تحذف الألف في الخط كما في الرحمن .
اللغة
ثقفته أثقفه ثقفا و ثقافة أي وجدته و منه قولهم رجل ثقف لقف أي يجد ما يطلبه و ثقف الرجل ثقافة فهو ثقف و ثقف ثقفا بالتحريك فهو ثقف إذا كان سريع التعلم و الثقاف حديدة يقوم بها الرماح المعوجة و التثقيف التقويم و الفتنة أصلها الاختبار ثم ينصرف إلى معان منها الابتلاء نحو قوله « فتناك فتونا » أي ابتليناك ابتلاء على إثر ابتلاء و منها العذاب كقوله جعل فتنة الناس كعذاب الله و منها الصد عن الدين نحو قوله « و احذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك » و المراد بها في الآية الشرك بالله و برسوله .
الإعراب
حيث فيه ثلاث لغات ضم الثاء و فتحها و كسرها فالضم لشبهها بالغاية نحو قبل و بعد لأنه منع الإضافة إلى المفرد مع لزومه معنى الإضافة إياه فيجري لذلك مجرى قبل و بعد في البناء على الضم و الفتح لأجل البناء كما فتحت أين و كيف .
و الكسر لأجل أنه الأصل في التحريك لالتقاء الساكنين و الجملة بعد حيث في موضع جر بإضافة حيث إليها في الموضعين و تقاتلوا منصوب بإضمار أن و هو صلة أن و الموصول و الصلة في محل جر بحتى و حتى يتعلق بتقاتلوهم .
النزول
نزلت في سبب رجل من الصحابة قتل رجلا من الكفار في الشهر الحرام فعابوا المؤمنين بذلك فبين الله سبحانه أن الفتنة في الدين و هو الشرك أعظم من قتل المشركين في الشهر الحرام و إن كان غير جائز .
المعنى
ثم خاطب الله تعالى المؤمنين مبينا لهم كيفية القتال مع الكافرين فقال « و اقتلوهم » أي الكفار « حيث ثقفتموهم » أي وجدتموهم « و أخرجوهم من حيث أخرجوكم » يعني أخرجوهم من مكة كما أخرجوكم منها « و الفتنة أشد من القتل » أي شركهم بالله و برسوله أعظم من القتل في الشهر الحرام و سمي الكفر فتنة لأن الكفر يؤدي إلى الهلاك كما أن الفتنة تؤدي إلى الهلاك و قيل لأن الكفر فساد يظهر عند الاختبار و قوله « و لا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه » نهي عن ابتدائهم بقتال أو قتل في الحرم حتى يبتدىء المشركون بذلك « فإن قاتلوكم » أي بدءوكم بذلك « فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين » أن يقتلوا حيث ما وجدوا و في الآية دلالة على وجوب إخراج الكفار من مكة كقوله حتى لا تكون فتنة و السنة قد وردت أيضا بذلك و هو قوله لا يجتمع

(2/24)


في جزيرة العرب دينان .
فَإِنِ انتهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(192)
اللغة
الانتهاء الامتناع و النهي الزجر عن الفعل بصيغة لا تفعل مع كراهة الناهي لذلك الفعل و الأمر الدعاء إلى الفعل بصيغة افعل مع إرادة الأمر لذلك و النهي الغدير لمنعه الماء أن يفيض و النهي بمنزلة المنع و نهاية الشيء غايته و النهى جمع نهية و هي العقل و التناهي هي المواضع التي تنهبط فيتناهى إليها ماء السماء واحدها تنهية و الإنهاء إبلاغ الشيء الشيء نهايته و المغفرة تغطية الذنب بما يصير به بمنزلة غير الواقع في الحكم .
المعنى
« فإن انتهوا » أي امتنعوا من كفرهم بالتوبة منه عن مجاهد و غيره « فإن الله غفور رحيم » فاختصر الكلام لدلالة ما تقدم من الشرط عليه و فيه الدلالة على أنه يقبل توبة القاتل عمدا لأنه بين عز اسمه أنه يقبل توبة المشرك و الشرك أعظم من القتل .
وَ قَتِلُوهُمْ حَتى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ للَّهِ فَإِنِ انتهَوْا فَلا عُدْوَنَ إِلا عَلى الظلِمِينَ(193)
اللغة
الدين هاهنا الإذعان بالطاعة كما في قول الأعشى :
هودان الرباب إذ كرهوا
الدين دراكا بغزوة و صيال و قيل هو الإسلام و أصل الدين العادة قال الشاعر :
تقول إذا درأت لها وضيني
أ هذا دينه أبدا و ديني و قد استعمل بمعنى الطاعة في قوله « ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك » و بمعنى الإسلام في قوله « إن الدين عند الله الإسلام » لأن الشريعة يجب أن يجري فيها على عادة مستمرة .

(2/25)


المعنى
ثم بين تعالى غاية وجوب القتال و قال يخاطب المؤمنين « و قاتلوهم حتى لا تكون فتنة » أي شرك عن ابن عباس و قتادة و مجاهد و هو المروي عن الصادق (عليه السلام) « و يكون الدين لله » و حتى تكون الطاعة لله و الانقياد لأمر الله و قيل حتى يكون الإسلام لله أي حتى لا يبقى الكفر و يظهر الإسلام على الأديان كلها « فإن انتهوا » أي امتنعوا من الكفر و أذعنوا للإسلام « فلا عدوان إلا على الظالمين » أي فلا عقوبة عليهم و إنما العقوبة بالقتل على الكافرين المقيمين على الكفر فسمي القتل عدوانا من حيث كان عقوبة على العدوان و هو الظلم كما قال فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه و جزاء سيئة سيئة مثلها و إن عاقبتم فعاقبوا و حسن ذلك لازدواج الكلام و المزاوجة هنا إنما حصلت في المعنى لأن التقدير فإن انتهوا عن العدوان فلا عدوان إلا على الظالمين و هذا الوجه مروي عن قتادة و الربيع و عكرمة و قيل معنى العدوان الابتداء بالقتال عن مجاهد و السدي و هذه الآية ناسخة للأولى التي تضمنت النهي عن القتال في المسجد الحرام حتى يبدءوا بالقتال فيه لأن فيها إيجاب قتالهم على كل حال حتى يدخلوا في الإسلام عن الحسن و الجبائي و على ما ذكرناه في الآية الأولى عن ابن عباس أنها غير منسوخة فلا تكون هذه الآية ناسخة بل تكون مؤكدة و قيل بل المراد بها أنهم إذا ابتدأوا بالقتال في الحرم يجب مقاتلتهم حتى يزول الكفر .
الشهْرُ الحَْرَامُ بِالشهْرِ الحَْرَامِ وَ الحُْرُمَت قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ(194)
اللغة
إنما سمي الشهر الحرام لأنه يحرم فيه ما يحل في غيره من القتال و نحوه و الحرمات جمع حرمة و هي ما يجب حفظه و يحرم هتكه و الحرام هو القبيح الممنوع من فعله و الحلال المطلق المأذون فيه و القصاص الأخذ للمظلوم من الظالم من أجل ظلمه إياه و اعتدى عليه و عدي عليه بمعنى مثل قرب و اقترب و جلب و اجتلب و قيل إن في افتعل مبالغة ليست في فعل .
المعنى
ثم بين الله تعالى القتال في الشهر الحرام فقال « الشهر الحرام بالشهر الحرام » المراد بها هاهنا ذو القعدة و هو شهر الصد عام الحديبية و الأشهر الحرم أربعة

(2/26)


ثلاثة سرد ذو القعدة و ذو الحجة و المحرم و واحد فرد و هو رجب كانوا يحرمون فيها القتال حتى لو أن رجلا لقي قاتل أبيه أو أخيه لم يتعرض له بسوء و إنما قيل ذو القعدة لقعودهم فيه عن القتال و قيل في تقديره وجهان ( أحدهما ) أنه قتال شهر الحرام أي في الشهر الحرام بقتال الشهر الحرام فحذف المضاف و أقام المضاف إليه مقامه و قيل أنه الشهر الحرام على جهة العوض لما فأت في السنة الأولى و معناه الشهر الحرام ذو القعدة الذي دخلتم فيه مكة و اعتمرتم و قضيتم منها وطركم في سنة سبع بالشهر الحرام ذي القعدة الذي صددتم فيه عن البيت و منعتم عن مرادكم في سنة ست « و الحرمات قصاص » قيل فيه قولان ( أحدهما ) أن الحرمات قصاص بالمراغمة بدخول البيت في الشهر الحرام قال مجاهد لأن قريشا فخرت بردها رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) عام الحديبية محرما في ذي القعدة عن البلد الحرام فأدخله الله مكة في العام المقبل في ذي القعدة فقضى عمرته و أقصه بما حيل بينه و بينه و هو معنى قتادة و الضحاك و الربيع و عبد الرحمن بن زيد و روي عن ابن عباس و أبي جعفر الباقر مثله ( و الثاني ) أن الحرمات قصاص بالقتال في الشهر الحرام أي لا يجوز للمسلمين إلا قصاصا قال الحسن إن مشركي العرب قالوا لرسول الله أ نهيت عن قتالنا في الشهر الحرام قال نعم و إنما أراد المشركون أن يغروه في الشهر الحرام فيقاتلوه فأنزل الله هذا أي أن استحلوا منكم في الشهر الحرام شيئا فاستحلوا منهم مثل ما استحلوا منكم و به قال الزجاج و الجبائي و إنما جمع الحرمات لأنه أراد حرمة الشهر حرمة البلد و حرمة الإحرام و قيل لأن كل حرمة تستحل فلا يجوز إلا على وجه المجازاة « فمن اعتدى عليكم » أي ظلمكم « فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم » أي فجازوه باعتدائه و قابلوه بمثله ( و الثاني ) ليس باعتداء على الحقيقة و لكن سماه اعتداء لأنه مجازاة اعتداء و جعله مثله و إن كان ذلك جورا و هذا عدلا لأنه مثله في الجنس و في مقدار الاستحقاق و لأنه ضرر كما أن ذاك ضرر فهو مثله في الجنس و المقدار و الصفة « و اتقوا الله » فيما أمركم به و نهاكم عنه « و اعلموا أن الله مع المتقين » بالنصرة لهم أو يريد أن نصرة الله معهم و أصل « مع » المصاحبة في المكان أو الزمان و في هذه الآية دلالة على أن من غصب شيئا و أتلفه يلزمه رد مثله ثم أن المثل قد يكون من طريق الصورة في ذوات الأمثال و من طريق المعنى كالقيم فيما لا مثل له .

(2/27)


وَ أَنفِقُوا فى سبِيلِ اللَّهِ وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلى التهْلُكَةِ وَ أَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يحِب الْمُحْسِنِينَ(195)
اللغة
الإنفاق إخراج الشيء عن ملكه إلى ملك غيره لأنه لو أخرجه إلى هلاك لم يسم إنفاقا .
و الإلقاء تصيير الشيء إلى جهة السفل و قد يقال ألقى عليه مسألة مجازا كما يقال طرح عليه مسألة و قد يقال لكل من أخذ في عمل ألقى يديه إليه و فيه قال لبيد :
حتى إذا ألقت يدا في كافر
و أجن عورات الثغور ظلامها يعني الشمس أي بدأت في المغيب .
التهلكة و الهلاك واحد و قيل التهلكة مصدر بمعنى الهلاك و ليس في كلام العرب مصدر على تفعلة بضم العين إلا هذا و قيل التهلكة كل ما يصير عاقبته إلى الهلاك و أصل الهلاك الضياع و هو مصير الشيء بحيث لا يدري أين هو و منه يقال للكافر هالك و للميت هالك و للمعذب هالك و الهلوك الفاجرة و الهالكي الحداد و أصله أن بني الهالك بن عمرو كانوا قيونا فنسب إليه كل قين و الإحسان هو إيصال النفع الحسن إلى الغير و ليس المحسن من فعل الفعل الحسن لأن مستوفي الدين لا يسمى محسنا و إن كان فعله حسنا و لا يقال أن القديم تعالى بفعل العقاب محسن و إن كان العقاب حسنا و إنما اعتبرنا النفع الحسن لأن من أوصل نفعا قبيحا إلى غيره لا يقال أنه محسن إليه .
الإعراب
الباء في قوله تعالى « بأيديكم » زائدة كما يقال جذبت الثوب و بالثوب و علمته و علمت به و قال الشاعر :
و لقد ملأت على نصيب جلده
مساءة إن الصديق يعاتب أي ملأت جلده مساءة و قيل ليست الباء بزائدة و لكنها على أصل الكلام من وجهين ( أحدهما ) أن كل فعل متعد إذا كني عنه أو قدر على المصدر دخلته الباء تقول ضربته ثم تكني عنه فتقول فعلت به و يقال أوقعت الضرب به فجاء على أصل الأفعال للتعدية ( و الآخر ) أنه لما كان معناه لا تهلكوا أنفسكم بأيديكم دخلت الباء لتدل على هذا المعنى و هو خلاف أهلك نفسه بيد غيره .

(2/28)


المعنى
لما أوجب سبحانه القتال في سبيل الله عقبه بذكر الإنفاق فيه فقال « و أنفقوا في سبيل الله » معناه و أنفقوا من أموالكم في الجهاد و طريق الدين و كل ما أمر الله به من الخير و أبواب البر فهو سبيل الله لأن السبيل هو الطريق فسبيل الله الطريق إلى الله و إلى رحمة الله و ثوابه إلا أنه كثر استعماله في الجهاد لأن الجود بالنفس أقصى غاية الجود و الجهاد هو الأمر الذي يخاطر فيه بالروح فكانت له مزية « و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة » قيل في معناه وجوه ( أحدها ) أنه أراد لا تهلكوا أنفسكم بأيديكم بترك الإنفاق في سبيل الله فيغلب عليكم العدو عن ابن عباس و جماعة من المفسرين ( و ثانيها ) أنه عنى به لا تركبوا المعاصي باليأس من المغفرة عن البراء بن عازب و عبيدة السلماني ( و ثالثها ) أن المراد لا تقتحموا الحرب من غير نكاية في العدو و لا قدرة على دفاعهم عن الثوري و اختاره البلخي ( و رابعها ) أن المراد و لا تسرفوا في الإنفاق الذي يأتي على النفس عن الجبائي و يقرب منه ما روي عن أبي عبد الله لو أن رجلا أنفق ما في يديه في سبيل الله ما كان أحسن و لا وفق لقوله سبحانه « و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة و أحسنوا إن الله يحب المحسنين » يعني المقتصدين و قال عكرمة معناه أحسنوا الظن بالله يبر بكم و قال عبد الرحمن بن زيد و أحسنوا بالعود على المحتاج و الأولى حمل الآية على جميع هذه الوجوه و لا تنافي فيها و في هذه الآية دلالة على تحريم الإقدام على ما يخاف منه على النفس و على جواز ترك الأمر بالمعروف عند الخوف لأن في ذلك إلقاء النفس إلى التهلكة و فيها دلالة على جواز الصلح مع الكفار و البغاة إذا خاف الإمام على نفسه أو على المسلمين كما فعله رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) عام الحديبية و فعله أمير المؤمنين (عليه السلام) بصفين و فعله الحسن (عليه السلام) مع معاوية من المصالحة لما تشتت أمره و خاف على نفسه و شيعته فإن عورضنا بأن الحسين (عليه السلام) قاتل وحده فالجواب أن فعله يحتمل وجهين ( أحدهما ) أنه ظن أنهم لا يقتلونه لمكانه من رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و الآخر أنه غلب على ظنه أنه لو ترك قتالهم قتله الملعون ابن زياد صبرا كما فعل بابن عمه مسلم فكان القتل مع عز النفس و الجهاد أهون عليه .

(2/29)


وَ أَتِمُّوا الحَْجَّ وَ الْعُمْرَةَ للَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا استَيْسرَ مِنَ الْهَدْىِ وَ لا تحْلِقُوا رُءُوسكُمْ حَتى يَبْلُغَ الْهَدْى محِلَّهُ فَمَن كانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَام أَوْ صدَقَة أَوْ نُسك فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلى الحَْجّ فَمَا استَيْسرَ مِنَ الْهَدْىِ فَمَن لَّمْ يجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّام فى الحَْجّ وَ سبْعَة إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْك عَشرَةٌ كامِلَةٌ ذَلِك لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى الْمَسجِدِ الحَْرَامِ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شدِيدُ الْعِقَابِ(196)
اللغة
قد ذكرنا حقيقة الحج و العمرة فيما مضى عند قوله « فمن حج البيت أو اعتمر » فلا معنى لإعادته و الإحصار المنع يقال للرجل الذي قد منعه الخوف أو المرض عن التصرف قد أحصر فهو محصر و يقال للرجل الذي حبس قد حصر فهو محصور و قال الفراء يجوز أن يقوم كل واحد منهما مقام الآخر و خالفه فيه أبو العباس المبرد و الزجاج .
قال المبرد و نظيره حبسه جعله في الحبس و أحبسه عرضه للحبس و أقتله عرضه للقتل و كذلك حصره حبسه أي أوقع به الحصر و أحصره عرضه للحصر و حصر حصرا إذا عيي في الكلام و الحصير البخيل لحبسه رفده و الحصير الذي لا يبوح بسره لأنه قد حبس نفسه عن البوح به و الحصير الحبس و الحصير الملك و الحصور الهيوب المحجم عن الشيء و الحصور الذي لا إربة له في النساء و أصل الباب الحبس و في أصل الهدي قولان ( أحدهما ) أنه من الهدية يقال أهديت الهدية إهداء و أهديت الهدي إلى بيت الله إهداء فعلى هذا إنما يكون هديا لأجل التقرب به إلى الله ( و الآخر ) أنه من هداه إذا ساقه إلى الرشاد فسمي هديا لأنه يساق إلى الحرم الذي هو موضع الرشاد و واحد الهدي هدية كما يقال شرية و شري و تمرة و تمر و جمع الهدي هدي على زنة فعيل كما يقال عبد و عبيد و كلب و كليب و قيل واحد الهدي هدية مثل مطية و مطي قال الفرزدق :
حلفت برب مكة و المصلى
و أعناق الهدي مقلدات و الحلق حلق الرأس يقال حلق و حلق و الملحق موضع الحلق بمنى و المحلق

(2/30)


الحلاق و حلق الطائر في الهواء إذا ارتفع و حلق ضرع الناقة إذا ارتفع لبنها و الحلق مجرى الطعام و الشراب في المري و حلوق الأرض مجاريها في أوديتها و حلاق المنية و أصل الباب الاستمرار و الرأس أعلى كل شيء و الأذى كل ما تأذيت به و رجل أذ إذا كان شديد التأذي و أصله الضرر بالشيء و النسك جمع النسيكة و هي الذبيحة و يجمع أيضا على نسائك كصحيفة و صحائف و صحف و كلما ذبح لله فهو نسيكة و النسك العبادة و منه رجل ناسك أي عابد و التمتع أصله الالتذاذ و الاستمتاع و متعة الحجة هي أن يعتمر في أشهر الحج ثم يحل و يتمتع بالإحلال بأن يفعل ما يفعله المحل ثم يحرم بالحج من غير رجوع إلى الميقات فهو إحلال بين إحرامين و أهل الرجل زوجته و التأهل التزوج و أهل الرجل أخص الناس به و أهل البيت سكانه و أهل الإسلام من يدين به و أهل القرآن من يقرؤه و يقوم بحقوقه و أهلته لهذا الأمر أي جعلته أهلا له و قولهم أهلا و مرحبا أي اختصاصا بالتحية و التكرمة و العقاب مصدر يقال عاقبه عقابا و معاقبة و عقوبة و أصله من عقب الشيء أي خلفه فكان القبيح يعقبه الشدة و عقب الإنسان نسله و عقبه مؤخر قدميه .
الإعراب
قوله « فما استيسر من الهدي » موضع ما رفع كأنه قال فعليه ما استيسر و يجوز أن يكون موضعه نصبا و تقديره فأهدوا ما استيسر و الرفع أولى لكثرة نظائره كقوله « ففدية من صيام » « فعدة من أيام » « فصيام ثلاثة أيام في الحج » و قوله « في الحج » يتعلق بالمصدر و ليس في موضع خبر و هذا النحو قد جاء مرفوعا على تقدير إضمار خبر .
المعنى
ثم بين سبحانه فرض الحج و العمرة على العباد بعد بيانه فريضة الجهاد فقال « و أتموا الحج و العمرة لله » أي أتموهما بمناسكهما و حدودهما و تأدية كل ما فيهما عن ابن عباس و مجاهد و قيل معناه أقيموهما إلى آخر ما فيهما و هو المروي عن أمير المؤمنين و علي بن الحسين و عن سعيد بن جبير و مسروق و السدي و قوله « لله » أي اقصدوا بهما التقرب إلى الله و العمرة واجبة عندنا مثل الحج و به قال الشافعي في الجديد و قال أهل العراق أنها مسنونة و أركان أفعال الحج النية و الإحرام و الوقوف بعرفة و الوقوف بالمشعر و طواف الزيارة و السعي بين الصفا و المروة و أما الفرائض التي ليست بأركان فالتلبية و ركعتا الطواف و طواف النساء و ركعتا الطواف له و أما المسنونات من أفعال الحج فمذكورة في الكتب المصنفة فيه و أركان فرائض العمرة النية و الإحرام و طواف الزيارة و السعي و أما ما

(2/31)


ليس بركن من فرائضها فالتلبية و ركعتا الطواف و طواف النساء و ركعتا الطواف له و قوله « فإن أحصرتم » فيه قولان ( أحدهما ) أن معناه منعكم خوف أو عدو أو مرض فامتنعتم لذلك عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و عطا و هو المروي عن أئمتنا ( و الثاني ) معناه إن منعكم حابس قاهر عن مالك « فما استيسر من الهدي » فعليكم ما سهل من الهدي أو فأهدوا ما تيسر من الهدي إذا أردتم الإحلال و الهدي يكون على ثلاثة أنواع جزور أو بقرة أو شاة و أيسرها شاة و هو المروي عن علي و ابن عباس و الحسن و قتادة و روي عن ابن عمر و عائشة أنه ما كان من الإبل و البقر دون غيرهما و الأول هو الصحيح « و لا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله » أي لا تتحللوا من إحرامكم حتى يبلغ الهدي محله و ينحر أو يذبح و اختلف في محل الهدي على قولين ( الأول ) أنه الحرم فإذا ذبح به في يوم النحر أحل عن ابن عباس و ابن مسعود و الحسن و عطا ( و الثاني ) أنه الموضع الذي يصد فيه لأن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) نحر هديه بالحديبية و أمر أصحابه ففعلوا مثل ذلك و ليست الحديبية من الحرم عن مالك و أما على مذهبنا فالأول حكم المحصر بالمرض و الثاني حكم المحصور بالعدو و إن كان الإحرام بالحج فمحله منى يوم النحر و إن كان الإحرام بالعمرة فمحله مكة « فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه » أي من مرض منكم مرضا يحتاج فيه إلى الحلق للمداواة أو تأذى بهوام رأسه أبيح له الحلق بشرط الفدية و روى أصحابنا أن هذه نزلت في إنسان يعرف بكعب بن عجرة و أنه كان قد قمل رأسه و قوله « ففدية » أي فحلق لذلك العذر فعليه فدية أي بدل و جزاء يقوم مقام ذلك من صيام أو صدقة أو نسك المروي عن أئمتنا أن الصيام ثلاثة أيام و الصدقة على ستة مساكين و روي على عشرة مساكين و النسك شاة و هو مخير فيها و قوله « فإذا أمنتم » معناه فإذا أمنتم الموانع من العدو و المرض و كل مانع « فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي » فعليه ما تيسر من الهدي و التمتع عندنا هو الفرض اللازم لمن لم يكن من حاضري المسجد الحرام و حاضر المسجد الحرام هو من كان على اثني عشر ميلا من كل جانب إلى مكة فمن كان خارجا عن هذا الحد فليس من الحاضرين و صفة التمتع بالعمرة إلى الحج أن ينشىء الإحرام في أشهر الحج ثم يدخل إلى مكة فيطوف بالبيت و يسعى بين الصفا و المروة و يقصر و يحل من إحرامه ثم ينشىء إحراما آخر للحج من المسجد الحرام و يخرج إلى عرفات ثم يفيض إلى المشعر و يأتي بأفعال الحج على ما هو مذكور في الكتب و في بعض ذلك خلاف بين الفقهاء و الهدي واجب للتمتع بلا خلاف لظاهر التنزيل على خلاف في أنه نسك أو جبران و عندنا أنه نسك « فمن لم يجد فصيام ثلاثة

(2/32)


أيام في الحج » أي فمن لم يجد الهدي و لا ثمنه فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج و عندنا أن هذه الأيام الثلاثة يوم قبل يوم التروية و يوم التروية و يوم عرفة و إن صام في أول العشر جاز ذلك رخصة و إن صام يوم التروية و يوم عرفة قضى يوما آخر بعد انقضاء أيام التشريق و إن فاته صوم يوم التروية أيضا صام الأيام الثلاثة بعد أيام التشريق متتابعات و قوله « و سبعة إذا رجعتم » أي و سبعة أيام إذا رجعتم إلى بلادكم و أهاليكم و به قال قتادة و عطاء و قيل معناه إذا رجعتم من مني فصوموها في الطريق عن مجاهد و الأول هو الصحيح عندنا و قوله « تلك عشرة كاملة » فيه أقوال ( أحدها ) أن معناه كاملة من الهدي إذا وقعت بدلا منه استكملت ثوابه عن الحسن و هو المروي عن أبي جعفر و اختاره الجبائي ( و ثانيها ) أنه لإزالة الإبهام لئلا يظن أن الواو بمعنى أو فيكون كأنه قال فصيام ثلاثة أيام في الحج أو سبعة إذا رجعتم لأنه إذا استعمل أو بمعنى الواو جاز أن يستعمل الواو بمعنى أو كما قال فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى و ثلاث و رباع فالواو هاهنا بمعنى أو فذكر ذلك لارتفاع اللبس عن الزجاج و أبي القاسم البلخي ( و ثالثها ) أنه إنما قال كاملة للتوكيد كما قال جرير :
ثلاث و اثنتان فهن خمس
و سادسة تميل إلى تمام و قوله « ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام » أي ما تقدم ذكره من التمتع بالعمرة إلى الحج ليس لأهل مكة و من يجري مجراهم و إنما هو لمن لم يكن من حاضري مكة و هو من يكون بينه و بينها أكثر من اثني عشر ميلا من كل جانب « و اتقوا الله » فيما أمركم به و نهاكم عنه « و اعلموا أن الله شديد العقاب » لمن عصاه .
الحديث روى معاوية بن عماد عن الصادق (عليه السلام) أن رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أقام بالمدينة عشر سنين لم يحج ثم أنزل عليه و أذن في الناس الآية فأمر المؤذنين أن يؤذنوا بأعلى أصواتهم بأن رسول الله يحج من عامه هذا فعلم به من حضر المدينة و أهل العوالي و الأعراب فاجتمعوا فخرج رسول الله في أربع بقين من ذي القعدة فلما انتهى إلى ذي الحليفة فزالت الشمس اغتسل ثم خرج حتى أتى المسجد الذي عنده الشجرة فصلى فيه الظهر و أحرم بالحج ثم ساق الحديث إلى أن قال فلما وقف رسول الله بالمروة بعد فراغه من السعي أقبل على الناس بوجهه فحمد الله و أثنى عليه ثم قال إن هذا جبرائيل و أومأ بيده إلى خلفه يأمرني أن آمر من لم يسق هديا أن يحل و لو استقبلت من أمري ما استدبرت لصنعت مثل ما أمرتكم و لكني سقت الهدي و لا ينبغي لسائق الهدي أن يحل حتى يبلغ هذا الهدي محله فقال له رجل من القوم أ نخرج حجاجا و رءوسنا تقطر فقال إنك لن تؤمن بها أبدا فقام إليه سراقة بن

(2/33)


مالك بن جعثم الكناني فقال يا رسول الله علمتنا ديننا فكأنا خلقنا اليوم فهذا الذي أمرتنا به لعامنا أو لما نستقبل فقال له رسول الله بل هو للأبد إلى يوم القيامة ثم شبك بين أصابعه بعضها في بعض و قال دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة و قدم علي من اليمن على رسول الله و هو بمكة فدخل على فاطمة و هي قد أحلت فوجد عليها ثيابا مصبوغة فقال ما هذا يا فاطمة فقالت أمرنا بهذا رسول الله فخرج إلى رسول الله مستفتيا محرشا على فاطمة فقال يا رسول الله إني رأيت فاطمة قد أحلت و عليها ثياب مصبوغة فقال رسول الله أنا أمرت الناس بذلك و أنت يا علي بم أهللت فقال قلت يا رسول الله إهلالا كإهلال النبي فقال رسول الله كن على إحرامك مثلي و أنت شريكي في هديي قال و نزل رسول الله بمكة بالبطحاء هو و أصحابه و لم ينزل الدور فلما كان يوم التروية عند زوال الشمس أمر الناس أن يغتسلوا و يهلوا بالحج فخرج النبي و أصحابه مهلين بالحج حتى أتوا منى و صلى الظهر و العصر و المغرب و العشاء الآخرة و الفجر ثم غدا و الناس معه و كانت قريش تفيض من المزدلفة و هو جمع و يمنعون الناس أن يفيضوا منها فأنزل الله على نبيه ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس يعني إبراهيم و إسماعيل و إسحاق في إفاضتهم منها و من كان بعدهم فلما رأت قريش أن قبة رسول الله قد مضت كأنه دخل في أنفسهم شيء للذي كانوا يرجون من الإفاضة من مكانهم حتى انتهى إلى نمرة و هي بطن عرفة بجبال الأراك فضرب قبته و ضرب الناس أخبيتهم عندها فلما زالت الشمس خرج رسول الله و معه قومه و قد اغتسل و قطع التلبية حتى وقف بالمسجد فوعظ الناس و أمرهم و نهاهم ثم صلى الظهر و العصر بأذان و إقامتين ثم مضى إلى الموقف فوقف به فجعل الناس يبتدرون أخفاف ناقته يقفون إلى جانبها فنحاها ففعلوا مثل ذلك فقال يا أيها الناس أنه ليس موضع أخفاف ناقتي الموقف و لكن هذا كله موقف و أومأ بيده إلى الموقف فتفرق الناس و فعل مثل ذلك بالمزدلفة فتوقف حتى وقع قرص الشمس ثم أفاض و أمر الناس بالدعة حتى إذا انتهى إلى المزدلفة و هي المشعر الحرام صلى المغرب و العشاء الآخرة بأذان واحد و إقامتين ثم أقام حتى صلى فيها الفجر و عجل ضعفاء بني هاشم بالليل فأمرهم أن لا يرموا الجمرة جمرة العقبة حتى تطلع الشمس فلما أضاء له النهار أفاض حتى انتهى إلى منى فرمى جمرة العقبة و كان الهدي الذي جاء به رسول الله أربعا و ستين أو ستا و ستين و جاء علي بأربع و ثلاثين أو ست و ثلاثين فنحر رسول الله ستا و ستين بدنة و نحر علي (عليه السلام) أربعا و ثلاثين بدنة و أمر

(2/34)


رسول الله أن يأخذ من كل بدنة منها جذوة من لحم ثم تطرح في برمة ثم تطبخ فأكل رسول الله منها و علي و تحسيا من مرقها و لم يعط الجزارين جلودها و لا جلالها و لا قلائدها و تصدق به و حلق و زار البيت و رجع إلى منى فأقام بها حتى كان يوم الثالث من آخر أيام التشريق ثم رمى الجمار و نفر حتى انتهى إلى الأبطح فقالت عائشة يا رسول الله ترجع نساؤك بحجة و عمرة معا و أرجع بحجة فأقام بالأبطح و بعث معها عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فأهلت بعمرة ثم جاءت فطافت بالبيت و صلت ركعتين عند مقام إبراهيم و سعت بين الصفا و المروة ثم أتت النبي فارتحل من يومه فلم يدخل المسجد و لم يطف بالبيت و دخل من أعلى مكة من عقبة المدنيين و خرج من أسفل مكة من ذي طوى .
الْحَجُّ أَشهُرٌ مَّعْلُومَتٌ فَمَن فَرَض فِيهِنَّ الحَْجَّ فَلا رَفَث وَ لا فُسوقَ وَ لا جِدَالَ فى الْحَجّ وَ مَا تَفْعَلُوا مِنْ خَير يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَ اتَّقُونِ يَأُولى الأَلْبَبِ(197)
القراءة
قرأ ابن كثير و أبو عمرو و يعقوب فلا رفث و لا فسوق بالرفع « و لا جدال » بالفتح و قرأ أبو جعفر جميع ذلك بالرفع و التنوين و قرأ الباقون الجميع بالفتح .
الحجة
حجة من فتح الجميع أن يقول أنه أشد مطابقة للمعنى المقصود أ لا ترى أنه إذا فتح فقد نفى جميع الرفث و الفسوق كما أنه إذا قال لا ريب فقد نفى جميع هذا الجنس فإذا رفع و نون فكان النفي لواحد منه أ لا ترى أن سيبويه يرى أنه إذا قال لا غلام عندك و لا جارية فهو جواب من سأل فقال أ غلام عندك أم جارية فالفتح أولى لأن النفي قد عم و المعنى عليه و حجة من رفع أنه يعلم من الفحوى أنه ليس المنفي رفثا واحدا و لكنه جميع ضروبه و أن النفي قد يقع فيه الواحد موقع الجميع و إن لم يبن فيه الاسم مع لا نحو ما رجل في الدار .
اللغة
الرفث أصله في اللغة الإفحاش في النطق قال العجاج
عن اللغا و رفث التكلم و قيل الرفث بالفرج الجماع و باللسان المواعدة للجماع و بالعين الغمز للجماع

(2/35)


و الفسوق الخروج من الطاعة .
و الجدال في اللغة و المجادلة و المنازعة و المشاجرة و المخاصمة نظائر و جدلت الحبل فتلته و الجديل زمام البعير فعيل بمعنى مفعول و المجدل القصر و الجدالة الأرض ذات العمل الرقيق و غلام جادل إذا ترعرع و اشتد و الزاد الطعام الذي يتخذ للسفر و المزود وعاء يجعل فيه الزاد و كل من انتقل بخير من عمل أو كسب فقد تزود منه تزودا و اللب العقل سمي بذلك لأنه أفضل ما في الإنسان و أفضل كل شيء لبا .
الإعراب
الحج مبتدأ و أشهر خبره و تقديره أشهر الحج أشهر معلومات ليكون الثاني هو الأول في المعنى أو الحج حج أشهر معلومات فحذف المضاف أي لا حج إلا في هذه الأشهر فالأشهر على هذا متسع فيها مخرجة عن الظروف و المعنى على ذلك أ لا ترى أن الحج في الأشهر و قد يجوز أن يجعل الحج الأشهر على الاتساع لكونه فيها و لكثرته من الفاعلين له كما قالت الخنساء :
ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت
فإنما هي إقبال و إدبار جعلتها الإقبال و الإدبار لكثرتهما منها و قوله « فلا رفث » إذا فتحت فعلى البناء و قد تقدم بيانه فيما مضى و إذا رفعت فعلى الابتداء و يكون في الحج خبرا لهذه المرفوعات و إذا فتحت ما قبل المرفوع و أثبت ما بعده مرفوعا جاز أن يكون عطفا على الموضع و جاز أن يكون بمعنى ليس كما في قوله :
من صد عن نيرانها
فأنا ابن قيس لا براح و ما بعد الفاء في موضع الرفع لوقوعه موقع الفعل المضارع بعد الفاء و الفاء مع ما بعده في محل الجزم أو في محل الرفع لأنه جواب شرط مبني .
المعنى
« الحج » أي أشهر الحج « أشهر معلومات » أي أشهر مؤقتة معينة لا يجوز فيها التبديل و التغيير بالتقديم و التأخير اللذين كان يفعلهما النساة الذين أنزل فيهم إنما النسيء زيادة في الكفر الآية و أشهر الحج عندنا شوال و ذو القعدة و عشر من ذي الحجة على ما روي عن أبي جعفر و به قال ابن عباس و مجاهد و الحسن و غيرهم و قيل هي شوال و ذو القعدة و ذو الحجة عن عطاء و الربيع و طاووس و روي ذلك في أخبارنا و إنما صارت هذه أشهر الحج لأنه لا يصح الإحرام بالحج إلا فيها بلا خلاف و عندنا لا يصح

(2/36)


أيضا الإحرام بالعمرة التي يتمتع بها إلى الحج إلا فيها و من قال أن جميع ذي الحجة من أشهر الحج قال لأنه يصح أن يقع فيها بعض أفعال الحج مثل صوم الأيام الثلاثة و ذبح الهدي و متى قيل كيف سمي الشهران و بعض الثالث أشهرا فجوابه أن الاثنين قد يقع عليه لفظ الجمع كما في قوله
ظهراهما مثل ظهور الترسين ) و أيضا فقد يضاف الفعل إلى الوقت و إن وقع في بعضه و يضاف الوقت إليه كذلك تقول صليت صلاة يوم الجمعة و صلاة يوم العيد و إن كانت الصلاة في بعضه و قدم زيد يوم كذا و إن كان قدم في بعضه فكذلك جاز أن يقال في شهر الحج ذو الحجة و إن وقع الحج في بعضه « فمن فرض فيهن الحج » معناه فمن أوجب على نفسه فيهن الحج أي فمن أحرم فيهن بالحج بلا خلاف أو بالعمرة التي يتمتع بها إلى الحج على مذهبنا « فلا رفث » كني بالرفث عن الجماع هاهنا عند أصحابنا و هو قول ابن مسعود و قتادة و قيل هو مواعدة الجماع و التعريض للنساء به عن ابن عباس و ابن عمر و عطا و قيل هو الجماع و التعريض له بمداعبة أو مواعدة عن الحسن « و لا فسوق » و روى أصحابنا أنه الكذب و قيل هو معاصي الله كلها عن ابن عباس و الحسن و قتادة و هذا أعم و يدخل فيه الكذب و قيل هو التنابز بالألقاب لقوله « بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان » عن الضحاك و قيل هو السباب لقوله ( سباب المؤمن فسوق و قتاله كفر ) عن إبراهيم و مجاهد و قال بعضهم لا يجوز أن يراد به هنا إلا ما نهي المحرم عنه مما يكون حلالا له إذا أحل لاختصاصه بالنهي عنه و هذا تخصص للعموم بلا دليل و قد يقول القائل ينبغي لك أن تقيد لسانك في رمضان لئلا يفسد صومك و قد جاء في الحديث إذا صمت فليصم سمعك و بصرك و لا يكون يوم صومك كيوم فطرك فإنما خصه بذلك لعظم حرمته « و لا جدال في الحج » روى أصحابنا أنه قول لا و الله و بلى و الله صادقا أو كاذبا و للمفسرين فيه قولان ( أحدهما ) أنه المراء و السباب و الإغضاب على جهة المحك و اللجاج عن ابن عباس و ابن مسعود و الحسن ( و الثاني ) أن معناه لا جدال في أن الحج قد استدار في ذي الحجة لأنهم كانوا ينسئون الشهور فيقدمون و يؤخرون فربما اتفق في غيره عن مجاهد و السدي « و ما تفعلوا من خير يعلمه الله » معناه ما تفعلوا من خير يجازكم الله العالم به لأن الله عالم بجميع المعلومات على كل حال إلا أنه جعل يعلمه في موضع يجازه للمبالغة في صفة العدل أي أنه يعاملكم معاملة من يعلمه إذا ظهر منكم فيجازي به و ذلك تأكيد أن الجزاء لا يكون إلا بالفعل دون ما يعلم أنه يكون منهم قبل أن

(2/37)


يفعلوه « و تزودوا فإن خير الزاد التقوى » قيل فيه قولان ( أحدهما ) أن معناه أن قوما كانوا يرمون بإزوادهم و يتسمون بالمتوكلة فقيل لهم تزودوا من الطعام و لا تلقوا كلكم على الناس و خير الزاد مع ذلك التقوى عن الحسن و قتادة و مجاهد ( و الثاني ) أن معناه تزودوا من الأعمال الصالحة « فإن خير الزاد التقوى » و ذكر ذلك في أثناء أفعال الحج لأنه أحق شيء بالاستكثار من أعمال البر فيه « و اتقون » فيما أمرتكم به و نهيتكم عنه « يا أولي الألباب » يا ذوي العقول .
لَيْس عَلَيْكمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضلاً مِّن رَّبِّكمْ فَإِذَا أَفَضتُم مِّنْ عَرَفَت فَاذْكرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشعَرِ الْحَرَامِ وَ اذْكرُوهُ كَمَا هَدَامْ وَ إِن كنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضالِّينَ(198)
اللغة
الجناح الحرج في الدين و هو الميل عن الطريق المستقيم و الابتغاء الطلب و الإفاضة مأخوذة من فيض الإناء عن امتلائه فمعنى أفضتم دفعتم من عرفات إلى المزدلفة عن اجتماع و كثرة و يقال أفاض القوم في الحديث إذا اندفعوا فيه و أكثروا التصرف و أفاض الرجل إناءه إذا صبه و أفاض الرجل بالقداح إذا ضرب بها لأنها تقع متفرقة ، قال أبو ذؤيب :
و كأنهن ربابة و كأنه
يسر يفيض على القداح و يصدع و أفاض البعير بجرته إذا رمى بها متفرقة كثيرة قال الراعي :
و أفضن بعد كظومهن بجرة
من ذي الأباطح إذرعين حقيلا فالإفاضة في اللغة لا تكون إلا عن تفرق أو كثرة و عرفات اسم للبقعة المعروفة يجب الوقوف بها في الحج و يوم عرفة يوم الوقوف بها و اختلف في سبب تسميتها بعرفات فقيل لأن إبراهيم (عليه السلام) عرفها بما تقدم له من النعت لها و الوصف روي ذلك عن علي و ابن

(2/38)


عباس و قيل أنها سميت بذلك لأن آدم و حواء اجتمعا فيها فتعارفا بعد أن كانا افترقا عن الضحاك و السدي و قد رواه أصحابنا أيضا و قيل سميت بذلك لعلوها و ارتفاعها و منه عرف الديك و قيل سميت بذلك لأن إبراهيم كان يريه جبرائيل المناسك فيقول عرفت عرفت عن عطاء و روي عن ابن عباس أن إبراهيم رأى في المنام أنه يذبح ابنه فأصبح يروي يومه أجمع أي يفكر أ هو أمر من الله أم لا فسمي بذلك يوم التروية ثم رأى في الليلة الثانية فلما أصبح عرف أنه من الله فسمي يوم عرفة و روي أن جبريل قال لآدم هناك اعترف بذنبك و اعرف مناسكك فقال « ربنا ظلمنا أنفسنا » الآية فلذلك سميت عرفة و المشعر الحرام هو المزدلفة سميت مشعرا لأنه معلم للحج و الصلاة و المقام و المبيت به و الدعاء عنده من أعمال الحج و إنما سمي المشعر الحرام مزدلفة لأن جبريل قال لإبراهيم بعرفات ازدلف إلى المشعر الحرام فسمي المزدلفة و سمي جمعا لأنه يجمع به بين المغرب و العشاء الآخرة بأذان واحد و إقامتين و سميت منى منى لأن إبراهيم تمنى هناك أن يجعل الله مكان ابنه كبشا يأمره بذبحه فدية له .
الإعراب
جناح اسم ليس و خبره عليكم و موضع أن تبتغوا نصب على تقدير ليس عليكم جناح في أن تبتغوا فلما سقط في عمل فيها معنى جناح و المعنى لستم تأثمون في أن تبتغوا .
و عرفات اسم معرفة لمواضع جرت مجرى موضع واحد لاتصال بعضها ببعض و إنما صرفت و إن كان فيها سببان من أسباب منع الصرف و هو التعريف و التأنيث لأنها على حكاية الجمع فالتنوين فيها بإزاء النون في مسلمون و لو سميت امرأة بمسلمون لم تحذف هذه النون و تقول أقبلت مسلمون و رأيت مسلمين و يجوز في عرفات حذف التنوين أيضا تشبيها بالواحد إذا كان اسما لواحد إلا أنه لا يكون إلا مكسورا و إن أسقطت التنوين و مثلها أذرعات في قول امرىء القيس :
تنورتها من أذرعات و أهلها
بيثرب أدنى دارها نظر عال أكثر الرواية بالتنوين و قد أنشد بالكسر بغير تنوين و الأول اختيار النحويين لما ذكرنا من إجرائهم إياه مجرى المسلمون و أما فتح التاء فخطا « و إن كنتم » إن هنا هي المخففة من الثقيلة بدلالة أن لام الابتداء معها و إذا خففت لم تعمل إن « و كنتم من قبله لمن

(2/39)


الضالين » لا موضع له من الإعراب لأنه وقع بعد حرف غير عامل و إنما هذه الواو عطفت جملة على جملة .
المعنى
« ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم » قيل كانوا يتأثمون بالتجارة في الحج فرفع الله بهذه اللفظة الإثم عمن يتجر في الحج عن ابن عباس و مجاهد و الحسن و عطاء و في هذا تصريح بالإذن في التجارة و هو المروي عن أئمتنا و قيل كان في الحج أجراء و مكارون و كان الناس يقولون أنه لا حج لهم فبين سبحانه أنه لا إثم على الحاج في أن يكون أجيرا لغيره أو مكاريا و قيل معناه لا جناح عليكم أن تطلبوا المغفرة من ربكم رواه جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) « فإذا أفضتم من عرفات » أي دفعتم عنها بعد الاجتماع فيها « فاذكروا الله عند المشعر الحرام » و في هذا دلالة على أن الوقوف بالمشعر الحرام فريضة كما ذهبنا إليه لأن ظاهر الأمر على الوجوب فقد أوجب الله الذكر فيه و لا يجوز أن يوجب الذكر فيه إلا و قد أوجب الكون فيه و لأن كل من أوجب الذكر فيه فقد أوجب الوقوف و تقدير الكلام فإذا أفضتم من عرفات فكونوا بالمشعر الحرام و اذكروا الله فيه « و اذكروه كما هداكم » معناه و اذكروه بالثناء و الشكر على حسب نعمته عليكم بالهداية فإن الشكر يجب أن يكون على حسب النعمة في عظم المنزلة كما يجب أن يكون على مقدارها لو صغرت النعمة و لا يجوز التسوية بين من عظمت نعمته و بين من صغرت نعمته و تقدير الكلام و اذكروه ذكرا مثل هدايته إياكم « و إن كنتم » أي و إنكم كنتم من قبله أي من قبل الهدى و قيل من قبل محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فتكون الهاء كناية عن غير مذكور « لمن الضالين » عن النبوة و الشريعة فهداكم إليه .
ثُمَّ أَفِيضوا مِنْ حَيْث أَفَاض النَّاس وَ استَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(199)
اللغة
الاستغفار طلب المغفرة و المغفرة التغطية للذنب و الفرق بين غفور و غافر أن في غفور مبالغة لكثرة المغفرة فأما غافر فيستحق الوصف به من وقع منه الغفران و العفو هو المغفرة و قد فرق بينهما بأن العفو ترك العقاب على الذنب و المغفرة تغطية الذنب بإيجاب المثوبة و لذلك كثرت المغفرة في صفات الله دون صفات العباد فلا يقال أستغفر السلطان كما يقال أستغفر الله .
المعنى
« ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس » قيل فيه قولان ( أحدهما ) أن المراد به الإفاضة من عرفات و أنه أمر لقريش و حلفائها و هم الحمس لأنهم كانوا لا يقفون

(2/40)


مع الناس بعرفة و لا يفيضون منها و يقولون نحن أهل حرم الله فلا نخرج منه و كانوا يقفون بالمزدلفة و يفيضون منها فأمرهم الله بالوقوف بعرفة و الإفاضة منها كما يفيض الناس و المراد بالناس سائر العرب عن ابن عباس و عائشة و عطاء و مجاهد و الحسن و قتادة و هو المروي عن الباقر (عليه السلام) و قال الضحاك أنه أمر لجميع الحاج أن يفيضوا من حيث أفاض إبراهيم عن الضحاك قال و لما كان إبراهيم إماما كان بمنزلة الأمة فسماه وحده ناسا - ( و الثاني ) - أن المراد به الإفاضة من المزدلفة إلى منى يوم النحر قبل طلوع الشمس للرمي و النحر عن الجبائي قال و الآية تدل عليه لأنه قال فإذا أفضتم من عرفات ثم قال « ثم أفيضوا » فوجب أن يكون إفاضة ثانية فدل ذلك على أن الإفاضتين واجبتان و الناس المراد به إبراهيم كما أنه في قوله « الذين قال لهم الناس » نعيم بن مسعود الأشجعي و قيل إن الناس إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و من بعدهم من الأنبياء عن أبي عبد الله و مما يسأل على الأول أن يقال إذا كان ثم للترتيب فما معنى الترتيب هاهنا و قد روى أصحابنا في جوابه أن هاهنا تقديما و تأخيرا و تقديره ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام و استغفروا الله إن الله غفور رحيم ) و قيل أراد بالناس آدم عن سعيد بن جبير و الزهري و قيل هم أهل اليمن و ربيعة عن الكلبي و قيل هم العلماء الذين يعلمون الدين و يعلمونه الناس « و استغفروا الله » أي اطلبوا المغفرة منه بالندم على ما سلف من المعاصي « إن الله غفور » أي كثير المغفرة « رحيم » واسع الرحمة .
فَإِذَا قَضيْتُمْ مَّنَسِكَكمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَاءَكمْ أَوْ أَشدَّ ذِكراً فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا ءَاتِنَا فى الدُّنْيَا وَ مَا لَهُ فى الاَخِرَةِ مِنْ خَلَق(200)
اللغة
أصل القضاء فصل الأمر على إحكام و قد يفصل بالفراغ منه كقضاء المناسك و قد يفصل بأن يعمل على تمام كقوله « فقضاهن سبع سماوات » و قد يفصل بالإخبار به على القطع كقوله « و قضينا إلى بني إسرائيل » و قد يفصل بالحكم كقضاء القاضي على وجه الإلزام و الخلاق النصيب من الخير و أصله التقدير فهو النصيب من الخير على وجه الاستحقاق و قيل أنه من الخلق فهو نصيب مما يوجبه الخلق الكريم .

(2/41)


الإعراب
أشد في موضع جر و لكنه لا ينصرف لأنه على وزن الفعل و هو صفة و يجوز أن يكون منصوبا على المصدر على و اذكروه أشد ذكرا و ذكرا منصوب على التمييز في الآخرة الجار و المجرور يتعلق بما يتعلق به اللام في قوله « له » و له في موضع خبر للمبتدأ الذي هو من خلاق فإن من مزيدة و الجار و المجرور في موضع رفع بالابتداء و يجوز أن يكون في الآخرة في موضع نصب على الحال و العامل فيه ما في له من الفعل .
المعنى
« فإذا قضيتم مناسككم » معناه فإذا أديتم مناسككم و قيل فإذا فرغتم من مناسككم و المناسك جمع المنسك و المنسك يجوز أن يكون موضع النسك و يجوز أن يكون مصدرا فإن كان موضعا فالمعنى فإذا قضيتم ما وجب عليكم إيقاعه في متعبداتكم و إن كان بمعنى المصدر فإنما جمع لأنه يشتمل على أفعال و أذكار فجاز جمعه كالأصوات أي فإذا قضيتم أفعال الحج فاذكروا الله و اختلف في الذكر على قولين - ( أحدهما ) - أن المراد به التكبير المختص بأيام منى لأنه الذكر المرغب فيه المندوب إليه في هذه الأيام ( و الآخر ) أن المراد به سائر الأدعية في تلك المواطن لأن الدعاء فيها أفضل منه في غيرها « كذكركم آباءكم » معناه ما روي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنهم كانوا إذا فرغوا من الحج يجتمعون هناك و يعدون مفاخر آبائهم و م آثرهم و يذكرون أيامهم القديمة و أياديهم الجسيمة فأمرهم الله سبحانه أن يذكروه مكان ذكرهم آباءهم في هذا الموضع « أو أشد ذكرا » أو يزيدوا على ذلك بأن يذكروا نعم الله و يعدوا آلاءه و يشكروا نعماءه لأن آباءهم و إن كانت لهم عليهم أياد و نعم فنعم الله عليهم أعظم و أياديه عندهم أفخم و لأنه المنعم بتلك الم آثر و المفاخر على آبائهم و عليهم و هذا هو الوجه في تشبيهه هذا الذكر الواجب بذلك الذكر الذي هو دونه في الوجوب و هو قول الحسن و قتادة و قيل معناه و استغيثوا بالله و أفزعوا إليه كما يفزع الصبي إلى أبيه في جميع أموره و يلهج بذكره فيقول يا أبت عن عطاء و الأول أصح و قوله « فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا » بين سبحانه أن الناس في تلك المواطن أصناف فمنهم من يسأل نعيم الدنيا و لا يسأل نعيم الآخرة لأنه غير مؤمن بالبعث و النشور « و ما له في الآخرة من خلاق » أي نصيب من الخير موفور .
وَ مِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا ءَاتِنَا فى الدُّنْيَا حَسنَةً وَ فى الاَخِرَةِ حَسنَةً وَ قِنَا عَذَاب النَّارِ(201)
اللغة
الفرق بين القول و الكلام أن القول يدل على الحكاية و ليس كذلك الكلام

(2/42)


نحو قال الحمد لله فإذا أخبرت عنه بالكلام قلت تكلم بالحق و الحكاية على ثلاثة أوجه ( أحدها ) حكاية على اللفظ و المعنى نحو قال آتوني أفرغ عليه قطرا إذا حكاه من يعرف لفظه و معناه و حكاية على اللفظ نحوها إذا حكاه من يعرف لفظه دون معناه و حكاية على المعنى نحو أن تقول نحاسا بدل قوله قطرا و الإيتاء الإعطاء و أصله الآتي بمعنى المجيء فأتى إذا كان منه المجيء و آتى غيره حمله على المجيء فيقال أتاه ما يحب و آتى غيره ما يحب و ق أصله من وقى يقي وقاية و وقاء و الوقاء أصله الحجز بين الشيئين و الوقاء الحاجز الذي يسلم به من الضرر .
المعنى
لما ذكر سبحانه دعاء من سأله من أمور الدنيا في تلك المواقف الشريفة ما لا يرتضيه عقبه بما يسأله المؤمنون فيها من الدعاء الذي يرغب فيه فقال « و منهم من يقول ربنا آتنا » أي أعطنا « في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة و قنا عذاب النار » أي نعيم الدنيا و نعيم الآخرة عن أنس و قتادة و روي عن أبي عبد الله أنها السعة في الرزق و المعاش و حسن الخلق في الدنيا و رضوان الله و الجنة في الآخرة و قيل العلم و العبادة في الدنيا و الجنة في الآخرة عن الحسن و قتادة و قيل هي المال في الدنيا و في الآخرة الجنة عن ابن زيد و السدي و قيل هي المرأة الصالحة في الدنيا و في الآخرة الجنة عن علي (عليه السلام) و روي عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال من أوتي قلبا شاكرا و لسانا ذاكرا و زوجة مؤمنة تعينه على أمر دنياه و أخراه فقد أوتي في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة و وقى عذاب النار .
أُولَئك لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسبُوا وَ اللَّهُ سرِيعُ الحِْسابِ(202)
اللغة
النصيب الحظ و جمعه أنصباء و أنصبة و حد النصيب الجزء الذي يختص به البعض من خير أو شر و الكسب الفعل الذي يجتلب به نفع أو يدفع به ضرر و السريع من العمل هو القصير المدة يقال سرع سرعة و سرعا فهو سريع و أقبل فلان في سرعان قومه أي في أوائلهم المسرعين و الحساب مصدر كالمحاسبة .
المعنى
« أولئك لهم نصيب مما كسبوا » أي حظ من كسبهم باستحقاقهم الثواب عليه « و الله سريع الحساب » ذكر فيه وجوه ( أحدها ) أن معناه سريع المجازاة للعباد على أعمالهم و أن وقت الجزاء قريب و يجري مجراه قوله و ما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب و عبر عن الجزاء بالحساب لأن الجزاء كفاء للعمل و بمقداره فهو حساب له يقال أحسبني الشيء كفاني ( و ثانيها ) أن يكون المراد به أنه يحاسب أهل الموقف في

(2/43)


أوقات يسيرة لا يشغله حساب أحد عن حساب غيره كما لا يشغله شأن عن شأن و ورد في الخبر أنه تعالى يحاسب الخلائق كلهم في مقدار لمح البصر و روي بقدر حلب شاة و هذا أحد ما يدل على أنه ليس بجسم و أنه لا يحتاج في فعل الكلام إلى آلة لأنه لو كان كذلك لما جاز أن يخاطب اثنين في وقت واحد بمخاطبتين مختلفتين و لكان يشغله خطاب بعض الخلق عن خطاب غيره و لكانت مدة محاسبته للخلق على أعمالهم طويلة و روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال معناه أنه يحاسب الخلق دفعة كما يرزقهم دفعة ( و ثالثها ) أن معناه أنه تعالى سريع القبول لدعاء هؤلاء و الإجابة لهم من غير احتباس فيه و بحث عن المقدار الذي يستحقه كل داع كما يحتبس المخلوقون للإحصاء و الاحتساب و يقرب منه ما روي عن ابن عباس أنه قال يريد أنه لا حساب على هؤلاء إنما يعطون كتبهم بأيمانهم فيقال لهم هذه سيئاتكم قد تجاوزت بها عنكم و هذه حسناتكم قد ضعفتها لكم .
* وَ اذْكرُوا اللَّهَ فى أَيَّام مَّعْدُودَت فَمَن تَعَجَّلَ فى يَوْمَينِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّكمْ إِلَيْهِ تحْشرُونَ(203)
اللغة
المعدودات تستعمل كثيرا في اللغة للشيء القليل و كل عدد قل أو كثر فهو معدود و لكن معدودات أدل على القلة لأن كل قليل يجمع بالألف و التاء و الحشر جمع القوم من كل ناحية إلى مكان و المحشر المكان الذي يحشرون فيه و حشرتهم السنة إذا أجحفت بهم لأنها تضمهم من النواحي إلى المصر و سهم حشر خفيف لطيف لأنه ضامر باجتماعه و أذن حشرة لطيفة و ضامرة و حشرات الأرض دوابها الصغار لاجتماعها من كل ناحية فأصل الباب الاجتماع .
الإعراب
العامل في اللام من قوله « لمن اتقى » فيه قولان ( أحدهما ) أن تقديره ذلك « لمن اتقى » فيكون الجار و المجرور في موضع خبر المبتدأ و إنما حذف ذلك لأن الكلام الأول دل على وعد للعامل ( و الثاني ) أن يكون العامل فيه معنى لا إثم عليه لأنه قد تضمن معنى جعلناه لمن اتقى .
المعنى
« و اذكروا الله في أيام معدودات » هذا أمر من الله للمكلفين أن يذكروه

(2/44)


في أيام معدودات و هي أيام التشريق ثلاثة أيام بعد النحر و الأيام المعلومات عشر ذي الحجة عن ابن عباس و الحسن و أكثر أهل العلم و هو المروي عن أئمتنا و ذكر الفراء أن المعلومات أيام التشريق و المعدودات العشر و الذكر المأمور به هو أن تقول عقيب خمس عشرة صلوات الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله و الله أكبر الله أكبر و لله الحمد الله أكبر على ما هدانا و الحمد لله على ما أولانا و الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام و أول التكبير عندنا عقيب الظهر من يوم النحر و آخره عقيب صلاة الفجر من اليوم الرابع من النحر هذا لمن كان بمنى و من كان بغير منى من الأمصار يكبر عقيب عشر صلوات أولها صلاة الظهر من يوم النحر أيضا هذا هو المروي عن الصادق (عليه السلام) و في ذلك اختلاف بين الفقهاء و وافقنا في ابتداء التكبير من صلاة الظهر من يوم النحر ابن عباس و ابن عمر قوله « فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه و من تأخر فلا إثم عليه » المعنى في ذلك الرخصة في جواز النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق و الأفضل أن يقيم إلى النفر الأخير و هو الثالث من التشريق و إذا نفر في الأول نفر بعد الزوال إلى غروب الشمس فإن غربت فليس له أن ينفر إلى اليوم الثالث و قوله « فلا إثم عليه » فيه قولان - ( أحدهما ) - أن معناه لا إثم عليه لأن سيئاته صارت مكفرة بما كان من حجه المبرور و هو قول ابن مسعود - ( و الثاني ) - إن معناه لا إثم عليه في التعجيل و التأخير و إنما نفي الإثم لئلا يتوهم متوهم إن في التعجيل إثما و إنما قال « فلا إثم عليه » في التأخير على جهة المزاوجة كما يقال إن أعلنت الصدقة فحسن و أن أسررت فحسن و إن كان الإسرار أحسن و أفضل عن الحسن و قوله « لمن اتقى » فيه قولان - ( أحدهما ) - إن الحج يقع مبرورا مكفرا للسيئات إذا اتقي ما نهى الله عنه و الآخر ما رواه أصحابنا أن قوله « لمن اتقى » متعلق بالتعجيل في اليومين و تقديره فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه لمن اتقى الصيد إلى انقضاء النفر الأخير و ما بقي من إحرامه و من لم يتقها فلا يجوز النفر في الأول و هو المروي عن ابن عباس و اختاره الفراء و قد روي أيضا عن أبي عبد الله في قوله « فمن تعجل في يومين » أي من مات في هذين اليومين فقد كفر عنه كل ذنب « و من تأخر » أي من أجله فلا إثم عليه إذا اتقى الكبائر و قوله « و اتقوا الله » أي اجتنبوا معاصي الله « و اعلموا أنكم إليه تحشرون » أي تحققوا أنكم بعد موتكم تجمعون إلى الموضع الذي يحكم الله فيه بينكم و يجازيكم على أعمالكم .

(2/45)


وَ مِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُك قَوْلُهُ فى الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَ يُشهِدُ اللَّهَ عَلى مَا فى قَلْبِهِ وَ هُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ(204) وَ إِذَا تَوَلى سعَى فى الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَ يُهْلِك الْحَرْث وَ النَّسلَ وَ اللَّهُ لا يحِب الْفَسادَ(205)
اللغة
الإعجاب هو سرور المعجب بما يستحسن و منه العجب بالنفس و هو سرور المعجب من الشيء استحسانا له و ذلك إذا تعجب من شدة حسنه تقول عجب و تعجب و عجبه غيره و أعجبه و استعجب الرجل إذا اشتد تعجبه قال الأزهري العجب كل شيء غير مألوف و الألد الشديد الخصومة تقول لد يلد لدودا و لده يلده إذا غلبه في الخصومة و لد الدواء في حلقه إذا أوجره في أحد شقي فمه و اللديدان جانبا الوادي و لديدا كل شيء جانباه و التلدد التلفت عن تحير و الخصام قيل أنه جمع الخصم عن الزجاج و فعل إذا كان صفة فإنه يجمع على فعال نحو صعب و صعاب و إذا كان اسما فإنه يجمع في القلة على أفعل و في الكثرة على فعال كفرخ و فراخ و قيل الخصام مصدر كالمخاصمة عن الخليل و التولي هو الانحراف و الزوال عن الشيء إلى خلاف جهته و قوله « سعى » قد يكون بمعنى عمل و قد يكون بمعنى أسرع قال الأعشى :
و سعى لكندة سعي غير مواكل
قيس فضر عدوها و بنى لها أي عمل لكندة و الإفساد هو عمل الضرر بغير استحقاق و لا وجه من وجوه المصلحة و الإهلاك العمل الذي ينفي الانتفاع و الحرث الزرع و النسل العقب من الولد و قال الضحاك الحرث كل نبات و النسل كل ذات روح و يقال نسل ينسل نسولا إذا خرج فسقط و منه نسل وبر البعير أو ريش الطائر و الناس نسل آدم لخروجهم من ظهره و أصل باب النسول الخروج .
الإعراب
ليفسد نصب بإضمار أن و يجوز إظهارها بأن يقال لأن يفسد فيها و لا يجوز إظهار أن في قوله ليذر من « و ما كان الله ليذر المؤمنين » و الفرق بينهما أن اللام في ليفسد على أصل الإضافة في الكلام و اللام في ليذر لتأكيد النفي كما دخلت الباء في ليس زيد بقائم .

(2/46)


النزول
قال ابن عباس نزلت الآيات الثلاثة في المرائي لأنه يظهر خلاف ما يبطن و هو المروي عن الصادق (عليه السلام) إلا أنه عين المعني به و قال الحسن نزلت في المنافقين و قال السدي نزلت في الأخنس بن شريق و كان يظهر الجميل بالنبي و المحبة له و الرغبة في دينه و يبطن خلاف ذلك .
المعنى
ثم بين سبحانه حال المنافقين بعد ذكره أحوال المؤمنين و الكافرين فقال « و من الناس من يعجبك قوله » أي تستحسن كلامه يا محمد و يعظم موقعه من قبلك « في الحياة الدنيا » أي يقول آمنت بك و أنا صاحب لك و نحو ذلك « و يشهد الله على ما في قلبه » أي يحلف بالله و يشهده على أنه مضمر ما يقول فيقول اللهم اشهد علي به و ضميره على خلافه « و هو ألد الخصام » أي و هو أشد المخاصمين خصومة و من قال أن الخصام مصدر فمعناه و هو شديد الخصومة عند المخاصمة جدل مبطل « و إذا تولى » أي أعرض عن الحسن و قيل معناه ملك الأمر و صار واليا عن الضحاك و معناه إذا ولي سلطانا جار و قيل ولى عن قوله الذي أعطاه عن ابن جريج « سعى في الأرض » أي أسرع في المشي من عندك و قيل عمل في الأرض « ليفسد فيها » قيل ليقطع الرحم و يسفك الدماء عن ابن جريج و قيل ليظهر الفساد و يعمل المعاصي « و يهلك الحرث و النسل » أي النبات و الأولاد و ذكر الأزهري أن الحرث النساء و النسل الأولاد لقوله « نساؤكم حرث لكم » و روي عن الصادق (عليه السلام) إن الحرث في هذا الموضع الدين و النسل الناس « و الله لا يحب الفساد » أي العمل بالفساد و قيل أهل الفساد و فيه دلالة على بطلان قول المجبرة إن الله تعالى يريد القبائح لأنه تعالى نفى عن نفسه محبة الفساد و المحبة هي الإرادة لأن كل ما أحب الله أن يكون فقد أراد أن يكون و ما لا يحب أن يكون لا يريد أن يكون .
وَ إِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالاثْمِ فَحَسبُهُ جَهَنَّمُ وَ لَبِئْس الْمِهَادُ(206)
اللغة
الاتقاء طلب السلامة بما يحجز عن المخافة و اتقاء الله إنما هو اتقاء عذابه و الأخذ ضد الإعطاء و العزة القوة التي تمتنع بها عن الذلة و المهاد الوطاء من كل شيء و كل شيء وطئته فقد مهدته و الأرض مهاد لأجل توطئته للنوم و القيام عليه .
المعنى
ثم بين تعالى صفة من تقدم من المنافقين فقال « و إذا قيل له اتق الله » أي و إذا قيل لهذا المنافق اتق الله فيما نهاك عنه من السعي في الأرض بالفساد و إهلاك الحرث و النسل « أخذته العزة بالإثم » قيل في معناه قولان ( أحدهما ) حملته العزة

(2/47)


و حمية الجاهلية على فعل الإثم و دعته إليه كما يقال أخذته بكذا أي ألزمته ذلك و أخذته الحمى أي لزمته - ( و الثاني ) - أخذته العزة من أجل الإثم الذي في قلبه من الكفر عن الحسن « فحسبه جهنم » أي فكفاه عقوبة من إضلاله أن يصلى نار جهنم « و لبئس المهاد » أي القرار عن الحسن كما قال في موضع آخر و بئس القرار لأن القرار كالوطاء في الثبوت عليه و قيل إنما سميت جهنم مهادا لأنها بدل من المهاد كما قال سبحانه « فبشره بعذاب أليم » لأنه موضع البشرى بالنعيم على جهة البدل منه و في هذه الآية دلالة على أن من تكبر عن قبول الحق إذا دعي إليه كان مرتكبا أعظم كبيرة و لذلك قال ابن مسعود أن من الذنوب التي لا تغفر أن يقال للرجل اتق الله فيقول عليك نفسك .
وَ مِنَ النَّاسِ مَن يَشرِى نَفْسهُ ابْتِغَاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ رَءُوف بِالْعِبَادِ(207)
اللغة
الشراء من الأضداد يقال شرى إذا باع و شرى إذا اشترى و قوله « و شروه بثمن بخس دراهم معدودة » أي باعوه و الرضا ضد السخط و قد تقدم معنى الرؤوف .
الإعراب
ابتغاء نصب لأنه مفعول له كقول الشاعر :
و أغفر عوراء الكريم ادخاره
و أعرض عن قول اللئيم تكرما .
النزول
روى السدي عن ابن عباس قال نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب حين هرب النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) عن المشركين إلى الغار و نام علي (عليه السلام) على فراش النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و نزلت الآية بين مكة و المدينة و روي أنه لما نام على فراشه قام جبرائيل عند رأسه و ميكائيل عند رجليه و جبرائيل ينادي بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة و قال عكرمة نزلت في أبي ذر الغفاري جندب بن السكن و صهيب بن سنان لأن أهل أبي ذر أخذوا أبا ذر فانفلت منهم فقدم على النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فلما رجع مهاجرا أعرضوا عنه فانفلت حتى نزل على النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و أما صهيب فإنه أخذه المشركون من أهله فافتدى منهم بماله ثم خرج مهاجرا و روي عن علي و ابن عباس أن المراد بالآية الرجل الذي يقتل على الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و قال قتادة نزلت في المهاجرين و الأنصار و قال الحسن هي عامة في كل مجاهد في سبيل الله .
المعنى
ثم عاد سبحانه إلى وصف المؤمن الآمر بالمعروف في قوله و إذا قيل له

(2/48)


اتق الله لأن هذا القائل أمر بالخير و المعروف فقال « و من الناس من يشري » أي يبيع نفسه « ابتغاء مرضاة الله » أي لابتغاء رضاء الله و إنما أطلق عليه اسم البيع لأنه إنما فعل ما فعل لطلب رضاء الله كما أن البائع يطلب الثمن بالبيع « و الله رءوف بالعباد » أي واسع الرحمة بعبيده ينيلهم ما حاولوه من مرضاته و ثوابه .
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا ادْخُلُوا فى السلْمِ كافَّةً وَ لا تَتَّبِعُوا خُطوَتِ الشيْطنِ إِنَّهُ لَكمْ عَدُوُّ مُّبِينٌ(208)
القراءة
قرأ أهل الحجاز و الكسائي في السلم كافة بفتح السين و الباقون بكسرها .
الحجة
قال الأخفش السلم بكسر السين الصلح و فيه ثلاث لغات السلم السلم السلم و أنشد :
أ نائل إنني سلم
لأهلك فاقبلي سلمي قال أبو عبيدة السلم بكسر السين و الإسلام واحد و هو في موضع آخر المسالمة و الصلح و السلم الاستسلام و منه قوله تعالى « و رجلا سلما لرجل » أي مستسلما له منقادا لما يريده منه فيكون مصدرا وصف به و يحتمل أيضا أن يكون فعلا بمعنى فاعل مثل بطل و حسن و نظيره يابس و يبس و واسط و وسط .
اللغة
كافة معناه جميعا و اشتقاقه في اللغة مما يكف الشيء في آخره و من ذلك كفة القميص لحاشيته لأنها تمنعه من أن ينتشر و كل مستطيل فحرفه كفة و يقال في كل مستدير كفة نحو كفة الميزان و استكف السائل و تكفف إذا بسط كفه للسؤال و كل شيء جمعته فقد كففته و استكف القوم بالشيء إذا أحدقوا به .
الإعراب
كافة منصوب على الحال من الواو في ادخلوا و قيل هو حال من السلم و لكم يتعلق بمحذوف فهو في موضع نصب على الحال من عدو .
المعنى
لما قدم تعالى ذكر الفرق الثلاث من العباد دعا جميعهم إلى الطاعة و الانقياد فقال « يا أيها الذين آمنوا » أي صدقوا الله و رسوله « ادخلوا في السلم » أي في الإسلام أي دوموا فيما دخلتم فيه كقوله « يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله و رسوله » عن

(2/49)


ابن عباس و السدي و الضحاك و مجاهد و قيل معناه « ادخلوا في السلم » في الطاعة عن الربيع و هو اختيار البلخي و الكلام محتمل للأمرين و حملها على الطاعة أعم و يدخل فيه ما رواه أصحابنا من أن المراد به الدخول في الولاية « كافة » أي جميعا أي ادخلوا جميعا في الإسلام و الطاعة و الاستسلام و قيل معناه ادخلوا في السلم كله أي في جميع شرائع الإسلام و لا تتركوا بعضه معصية و يؤيد هذا القول ما روي أن قوما من اليهود أسلموا و سألوا النبي أن يبقي عليهم تحريم السبت و تحريم لحم الإبل فأمرهم أن يلتزموا جميع أحكام الإسلام « و لا تتبعوا خطوات الشيطان » أي آثاره و نزعاته لأن ترككم شيئا من شرائع الإسلام اتباع للشيطان « إنه لكم عدو مبين » أي مظهر للعداوة بامتناعه من السجود لآدم بقوله لأحتنكن ذريته إلا قليلا .
فَإِن زَلَلْتُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْكمُ الْبَيِّنَت فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكيمٌ(209)
اللغة
يقال زل الرجل يزل زلا و زللا و مزلة إذا أذنب و زل في الطريق زليلا و أصله من الزوال و معنى الزلة الزوال عن الاستقامة و العزيز هو القدير المنيع الذي لا يعجزه شيء و أصل العزة الامتناع و منه أرض عزاز إذا كانت ممتنعة بالشدة و قد ذكرنا معنى الحكيم فيما سبق .
الإعراب
ما حرف موصول و جاءتكم صلته و اعلموا جملة في موضع الرفع لأنها بعد الفاء في جواب الشرط و الفاء مع الجملة في محل الجزم أو محل الرفع لأنه جواب شرط مبني .
المعنى
لما أمر سبحانه عباده بالطاعة عقبه بالوعيد على تركها فقال « فإن زللتم » أي تنحيتم عن القصد و عدلتم عن الطريق القويم الذي أمركم الله تعالى بسلوكه « من بعد ما جاءتكم البينات » أي الحجج و المعجزات « فاعلموا أن الله عزيز » في نقمته لا يمتنع شيء من بطشه و عقوبته « حكيم » فيما شرع من أحكام دينه لكم و فيما يفعله بكم من العقاب على معاصيكم بعد إقامة الحجة عليكم .
هَلْ يَنظرُونَ إِلا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فى ظلَل مِّنَ الْغَمَامِ وَ الْمَلَئكةُ وَ قُضىَ الأَمْرُ وَ إِلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ(210)

(2/50)


القراءة
قرأ أبو جعفر و الملائكة بالجر و الباقون بالرفع و قرأ ابن عامر و الكسائي و حمزة ترجع الأمور بفتح التاء و الباقون بضمها .
الحجة
من قرأ و الملائكة بالجر فإنه عطفها على الغمام أي في ظلل من الغمام و في ظلل من الملائكة أي جماعة من الملائكة و قراءة السبعة بالرفع عطفا على قوله الله أي « إلا أن يأتيهم الله » و إلا أن يأتيهم الملائكة و حجة من قرأ « ترجع الأمور » على بناء الفعل للمفعول به قوله ثم ردوا إلى الله و لئن رددت إلى ربي و لئن رجعت إلى ربي و حجة من قرأ ترجع على بناء الفعل للفاعل قوله ألا إلى الله تصير الأمور إليه مرجعكم .
اللغة
النظر هنا بمعنى الانتظار كما في قول الشاعر :
فبينا نحن ننظره أتانا
معلق شكوة و زناد راع أي ننتظره و أصل النظر الطلب لإدراك الشيء و إذا استعمل بمعنى الانتظار فلأن المنتظر يطلب إدراك ما يتوقع و إذا كان بمعنى الفكر بالقلب فلأن المتفكر يطلب به المعرفة و إذا كان بالعين فإن الناظر يطلب الرؤية و الظلل جمع ظلة و هي ما يستظل به من الشمس و سمي السحاب ظلة لأنه يستظل به و الغمام السحاب الأبيض الرقيق سمي بذلك لأنه يغم أي يستر .
الإعراب
هل حرف استفهام بمعنى النفي .
إلا هاهنا لنقض النفي .
« أن يأتيهم الله » في موضع نصب ينظرون .
« من الغمام » يتعلق بمحذوف فهو جملة ظرفية في موضع الجر صفة ظلل .
المعنى
ثم عقب سبحانه ما تقدم من الوعيد بوعيد آخر فقال « هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام » أي هل ينتظر هؤلاء المكذبون ب آيات الله إلا أن يأتيهم أمر الله أو عذاب الله و ما توعدهم به على معصيته في ستر من السحاب و قيل قطع من السحاب و هذا كما يقال قتل الأمير فلانا و ضربه و أعطاه و إن لم يتول شيئا من ذلك بنفسه بل فعل بأمره فأسند إليه لأمره به و قيل معناه ما ينتظرون إلا أن يأتيهم جلائل آيات الله غير أنه ذكر نفسه تفخيما للآيات كما يقال دخل الأمير البلد و يراد بذلك جنده و إنما ذكر الغمام ليكون أهول فإن الأهوال تشبه بظلل الغمام كما قال سبحانه و إذا غشيهم موج

(2/51)


كالظلل و قال الزجاج معناه يأتيهم الله بما وعدهم من العذاب و الحساب كما قال فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا أي أتاهم بخذلانه إياهم و هذه الأقوال متقاربة المعنى بل المعنى في الجميع واحد أي هل ينتظرون إلا يوم القيامة و هو استفهام يراد به النفي و الإنكار أي ما ينتظرون كما يقال هل يطالب بمثل هذا إلا متعنت أي ما يطالب و مثله في التنزيل هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك و قد يقال أتى و جاء فيما لا يجوز عليه المجيء و الذهاب تقول أتاني وعيد فلان و جاءني كلام فلان و أتاني حديثه و لا يراد به الإتيان الحقيقي قال :
أتاني فلم أسرر به حين جاءني
حديث بأعلى القبتين عجيب و قال الآخر :
أتاني نصرهم و هم بعيد
بلادهم بأرض الخيزران و أما قوله « و الملائكة » فقد ذكرنا الوجه في رفعه و جره قبل و قيل معنى الآية إلا أن يأتيهم الله بظلل من الغمام أي بجلائل آياته و بالملائكة و قوله « و قضي الأمر » معناه فرغ من الأمر و هو المحاسبة و إنزال أهل الجنة في الجنة و أهل النار في النار هذا في الآخرة و قيل معناه وجب العذاب أي عذاب الاستئصال و هذا في الدنيا « و إلى الله ترجع الأمور » أي إليه ترد الأمور في سؤاله عنها و مجازاته عليها و كانت الأمور كلها له في الابتداء فسلك بعضها في الدنيا غيره ثم يصير كلها إليه في الحشر لا يملك أحد هناك شيئا و قيل إليه ترجع أمور الدنيا و الآخرة .
سلْ بَنى إِسرءِيلَ كَمْ ءَاتَيْنَهُم مِّنْ ءَايَةِ بَيِّنَة وَ مَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شدِيدُ الْعِقَابِ(211)
الإعراب
كم في موضع نصب لأنه مفعول ثان لآتينا و إنما وجب له صدر الكلام لتضمنه معنى الاستفهام ثم إن هذه الجملة التي هي « كم آتيناهم من آية » قد وقعت موقع المفعول الثاني لقوله : « سل » من آية يتعلق ب آتينا أيضا و ما حرف موصول جاءت صلته و الموصول و الصلة في موضع جر بإضافة بعد إليه .
المعنى
« سل » يا محمد « بني إسرائيل » أي أولاد يعقوب و هم اليهود الذين

(2/52)


كانوا حول المدينة و المراد به علماؤهم و هو سؤال تقرير لتأكيد الحجة عليهم « كم آتيناهم » أي أعطيناهم « من آية بينة » من حجة ظاهرة واضحة مثل اليد البيضاء و قلب العصا حية و فلق البحر و تظليل الغمام عليهم و إنزال المن و السلوى عن الحسن و مجاهد و قيل كم من حجة واضحة لمحمد تدل على صدقه عن الجبائي « و من يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته » في الكلام حذف و تقديره فبدلوا نعمة الله و كفروا ب آياته و خالفوه فضلوا و أضلوا و من يبدل الشكر عليها بالكفران و قيل من يصرف أدلة الله عن وجوهها بالتأويلات الفاسدة الخالية من البرهان « فإن الله شديد العقاب » له و قيل شديد العقاب لمن عصاه فيدخل فيه هذا المذكور و في الآية دلالة على فساد قول المجبرة في أنه ليس لله سبحانه على الكافرين نعمة لأنه حكم عليهم بتبديل نعم الله كما قال في موضع آخر يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها و نحو ذلك من وجه آخر و هو أنه أضاف التبديل إليهم و أوعدهم عليه بالعقوبة فلو لم يكن فعلهم لما استحقوا العقوبة .
و التبديل هو أن يحرف أو يكتم أو يتأول على خلاف جهته كما فعلوه في التوراة و الإنجيل و كما فعلوه مبتدعة الأمة في القرآن .
النظم
لما بين الله تعالى شرائعه و إن الناس فيها ثلاث فرق مؤمن و كافر و منافق ثم وعد و أوعد و أوعد بين بعد ذلك أن تركهم الإيمان ليس بتقصير في الحجج و لكن لسوء طباعهم و خبث أفعالهم فقد فعلوا قبلك يا محمد هذا الصنيع فقال « سل بني إسرائيل » .
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا وَ يَسخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ الَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَ اللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيرِ حِساب(212)
اللغة
التزيين و التحسين واحد و الزين خلاف الشين و الزينة اسم جامع لكل ما يتزين به .
الإعراب
الدنيا صفة الحياة بغير حساب الجار و المجرور في محل النصب على الحال و العامل فيه يرزق و ذو الحال الضمير في يرزق أو الموصول الذي هو من يشاء و تقديره غير محاسب أو غير محاسب .
النزول
نزلت الآية في أبي جهل و غيره من رؤساء قريش بسطت لهم الدنيا و كانوا يسخرون من قوم من المؤمنين فقرأ مثل عبد الله بن مسعود و عمار و بلال و خباب و يقولون

(2/53)


لو كان محمد نبيا لاتبعه أشرافنا عن ابن عباس و قيل نزلت في عبد الله بن أبي و أصحابه يسخرون من ضعفاء المؤمنين عن مقاتل و قيل نزلت في رؤساء اليهود من بني قريظة و النضير و قينقاع سخروا من فقراء المهاجرين عن عطا و لا مانع من نزوله في جميعهم .
المعنى
ثم بين سبحانه أن عدولهم عن الإيمان إنما هو لإيثارهم الحياة الدنيا فقال « زين للذين كفروا الحياة الدنيا » و فيه قولان ( أحدهما ) أن الشيطان زينها لهم بأن قوي دواعيهم و حسن فعل القبيح و الإخلال بالواجب إليهم فأما الله فلا يجوز أن يكون المزين لهم إياها لأنه زهد فيها و قال و اعلم أنها متاع الغرور و قال قل متاع الدنيا قليل عن الحسن و الجبائي ( و الآخر ) أن الله زينها لهم بأن خلق فيها الأشياء المحبوبة المعجبة و بما خلق لهم من الشهوة لها كما قال زين للناس حب الشهوات من النساء و البنين و القناطير الآية و إنما كان كذلك لأن التكليف لا يتم إلا مع الشهوة فإن الإنسان إنما يكلف بأن يدعى إلى شيء تنفر نفسه عنه أو يزجر عن شيء تتوق نفسه إليه و هذا معنى قول النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) حفت الجنة بالمكاره و حفت النار بالشهوات و إنما ذكر الفعل و هو مستند إلى الحياة لأن تأنيث الحياة غير حقيقي و هو بمعنى العيش و البقاء و نحوهما و لأنه فصل بين الفعل و الفاعل بقوله « للذين كفروا » و إذا قالوا في التأنيث الحقيقي حضر القاضي اليوم امرأة و جوزوا التذكير فيه فهو في التأنيث غير الحقيقي أجوز « و يسخرون من الذين آمنوا » و يهزءون من المؤمنين لفقرهم و قيل لإيمانهم بالبعث و جدهم في ذلك و قيل لزهدهم في الدنيا و يمكن حمله على الجميع إذ لا تنافي بين هذه الأقوال « و الذين اتقوا فوقهم يوم القيامة » أي الذين اجتنبوا الكفر فوق الكفار في الدرجات و قيل أراد أن تمتعهم بنعيم الآخرة أكثر من استمتاع هؤلاء في الآخرة بنعيم الدنيا و قيل أراد أن حالهم فوق هؤلاء الكفار لأنهم في عليين و هؤلاء في سجين و هذا كقوله « أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا » و مثله قول حسان يعني رسول الله و أبا جهل :
فشركما لخيركما الفداء ) و قيل أنه أراد أن حال المؤمنين في الهزء بالكفار و الضحك منهم في الآخرة حال فوق هؤلاء في الدنيا و يدل على ذلك قوله تعالى « إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون » إلى قوله « فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون » « و الله يرزق من يشاء بغير حساب » قيل فيه أقوال ( أحدها ) أن معناه يعطيهم الكثير الواسع الذي لا يدخله الحساب من كثرته ( و ثانيها ) أنه لا يرزق الناس في الدنيا على مقابلة أعمالهم و إيمانهم و كفرهم فلا

(2/54)


يدل بسط الرزق للكافر على منزلته عند الله و إن قلنا أن المراد به في الآخرة فمعناه أن الله لا يثيب المؤمنين في الآخرة على قدر أعمالهم التي سلفت منهم بل يزيدهم تفضلا ( و ثالثها ) أنه يعطيه عطاءا لا يؤاخذه بذلك أحد و لا يسأله عنه سائل و لا يطلب عليه جزاء و لا مكافاة ( و رابعها ) أنه يعطي العدد من الشيء لا يضبط بالحساب و لا يأتي عليه العدد لأن ما يقدر عليه غير متناه و لا محصور فهو يعطي الشيء لا من عدد أكثر منه فينقص منه كمن يعطي الألف من الألفين و العشرة من المائة عن قطرب ( و خامسها ) أن معناه يعطي أهل الجنة ما لا يتناهى و لا يأتي عليه الحساب و كل هذه الوجوه جائز حسن .
كانَ النَّاس أُمَّةً وَحِدَةً فَبَعَث اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشرِينَ وَ مُنذِرِينَ وَ أَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَب بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَينَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَ مَا اخْتَلَف فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَت بَغْيَا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَ اللَّهُ يَهْدِى مَن يَشاءُ إِلى صِرَط مُّستَقِيم(213)
القراءة
قرأ أبو جعفر القارىء وحده ليحكم بضم الياء و فتح الكاف و الباقون بفتح الياء و ضم الكاف .
الحجة
وجه القراءة الظاهرة أن الكتاب يحكم و يكون على التوسع كقوله تعالى « هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق » و يجوز أن يكون فاعل يحكم الله أي ليحكم الله في عباده و وجه قراءة أبي جعفر ظاهر .
اللغة
الأمة على وجوه ذكرناها عند قوله تلك أمة قد خلت و هي هنا بمعنى الملة و الدين .
الإعراب
« مبشرين و منذرين » نصب على الحال بالحق في موضع الحال و العامل فيه أنزل و ذو الحال الكتاب « ليحكم » جار و مجرور و اللام يتعلق بأنزل و « بغيا

(2/55)


بينهم » نصب على أنها مفعول له أي لم يوقعوا الاختلاف إلا للبغي و يجوز أن يكون مصدرا وقع موقع الحال و ما اسم موصول و اختلفوا صلته و اللام يتعلق بهدى و من الحق في موضع الحال من الموصول و العامل فيه هدى و الباء في بإذنه يتعلق بهدى أيضا .
المعنى
ثم بين سبحانه أحوال من تقدم من الكفار تسلية للنبي فقال « كان الناس أمة واحدة » أي ذوي أمة واحدة أي أهل ملة واحدة و على دين واحد فحذف المضاف و اختلف في أنهم على أي دين كانوا فقال قوم أنهم كانوا على الكفر و هو المروي عن ابن عباس في إحدى الروايتين و الحسن و اختاره الجبائي ثم اختلفوا في أي وقت كانوا كفارا فقال الحسن كانوا كفارا بين آدم و نوح و قال بعضهم كانوا كفارا بعد نوح إلى أن بعث الله إبراهيم و النبيين بعده و قال بعضهم كانوا كفارا عند مبعث كل نبي و هذا غير صحيح لأن الله بعث كثيرا من الأنبياء إلى المؤمنين فإن قيل كيف يجوز أن يكون الناس كلهم كفارا و الله تعالى لا يجوز أن يخلي الأرض من حجة له على خلقه قلنا يجوز أن يكون الحق هناك في واحد أو جماعة قليلة لم يمكنهم إظهار الدين خوفا و تقية فلم يعتد بهم إذا كانت الغلبة للكفار و قال آخرون إنهم كانوا على الحق و هو المروي عن قتادة و مجاهد و عكرمة و الضحاك و ابن عباس في الرواية الأخرى ثم اختلفوا فقال ابن عباس و قتادة هم كانوا بين آدم و نوح و هم عشر فرق كانوا على شريعة من الحق فاختلفوا بعد ذلك و قال الواقدي و الكلبي هم أهل سفينة نوح حين غرق الله الخلق ثم اختلفوا بعد ذلك فالتقدير على قول هؤلاء « كان الناس أمة واحدة » فاختلفوا « فبعث الله النبيين » و قال مجاهد المراد به آدم كان على الحق إماما لذريته فبعث الله النبيين في ولده و روى أصحابنا عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنه قال كانوا قبل نوح أمة واحدة على فطرة الله لا مهتدين و لا ضلالا فبعث الله النبيين و على هذا فالمعنى أنهم كانوا متعبدين بما في عقولهم غير مهتدين إلى نبوة و لا شريعة ثم بعث الله النبيين بالشرائع لما علم أن مصالحهم فيها « فبعث الله » أي أرسل الله « النبيين مبشرين » لمن أطاعهم بالجنة « و منذرين » لمن عصاهم بالنار « و أنزل معهم الكتاب » أي أنزل مع كل واحد منهم الكتاب و قيل معناه و أنزل مع بعثهم الكتاب إذ الأنبياء لم يكونوا منزلين حتى ينزل الكتاب معهم و أراد به مع بعضهم لأنه لم ينزل مع كل نبي كتاب و قيل المراد به الكتب لأن الكتاب اسم جنس فمعناه الجمع قوله « بالحق » أي بالصدق و العدل و قيل معناه و أنزل الكتاب بأنه حق و أنه من عند الله و قيل معناه و أنزل الكتاب بما فيه من بيان الحق و قوله « ليحكم بين الناس » الضمير في يحكم يرجع إلى

(2/56)


الله أي ليحكم الله منزل الكتاب و قيل يرجع إلى الكتاب أي ليحكم الكتاب فأضاف الحكم إلى الكتاب و إن كان الله هو الذي يحكم على جهة التفخيم لأمر الكتاب « فيما اختلفوا فيه » من الحق قبل إنزال الكتاب و متى سئل عن هذا فقيل إذا كانوا مختلفين في الحق فكيف عمهم الكفر في قول من قال أنهم كانوا كلهم كفارا فجوابه أنه لا يمتنع أن يكونوا كفارا و بعضهم يكفر من جهة الغلو و بعضهم يكفر من جهة التقصير كما كفرت اليهود و النصارى في المسيح فقالت النصارى هو رب و قالت اليهود هو كاذب و قوله « و ما اختلف فيه إلا الذين أوتوه » معناه و ما اختلف في الحق إلا الذين أعطوا العلم به كاليهود فإنهم كتموا صفة النبي بعد ما أعطوا العلم به « من بعد ما جاءتهم البينات » أي الأدلة و الحجج الواضحة و قيل التوراة و الإنجيل و قيل معجزات محمد « بغيا بينهم » أي ظلما و حسدا و طلبا للرئاسة و قوله « فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه » معناه فهدى الله الذين آمنوا للحق مما اختلفوا فيه بعلمه و الأذن بمعنى العلم مشهور في اللغة قال الحارث بن حلزة :
آذنتنا ببينها أسماء أي أعلمتنا و إنما خص المؤمنين لأنهم اختصوا بالاهتداء و قيل إن معنى بإذنه بلطفه فعلى هذا يكون في الكلام محذوف أي فاهتدوا بإذنه و إنما قال هداهم لما اختلفوا فيه من الحق و لم يقل هداهم للحق فيما اختلفوا فيه لأنه لما كانت العناية بذكر الاختلاف كان أولى بالتقديم فقدمه ثم فسره بمن « و الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم » فيه أقوال ( أحدها ) أن المراد به البيان و الدلالة و الصراط المستقيم هو الإسلام و خص به المكلفين دون غيرهم ممن لا يحتمل التكليف عن الجبائي ( و ثانيها ) أن المراد به يهديهم باللطف فيكون خاصا بمن علم من حاله أنه يصلح به عن البلخي و ابن الإخشيد ( و ثالثها ) أن المراد به يهديهم إلى صراط الجنة و يأخذ بهم على طريقها فتكون مخصوصا بالمؤمنين .
أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّستهُمُ الْبَأْساءُ وَ الضرَّاءُ وَ زُلْزِلُوا حَتى يَقُولَ الرَّسولُ وَ الَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ مَتى نَصرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصرَ اللَّهِ قَرِيبٌ(214)
القراءة
قرأ نافع وحده حتى يقول بالرفع و الباقون بالنصب .
الحجة
من نصب فالمعنى و زلزلوا إلى أن قال الرسول و ما ينصب بعد حتى جاء

(2/57)


من الأفعال على ضربين ( أحدهما ) أن يكون بمعنى إلى كما في الآية و الآخر أن يكون بمعنى كي كما تقول أسلمت حتى أدخل الجنة فهذا تقديره أسلمت كي أدخل الجنة فالإسلام قد كان و الدخول لم يكن و في الوجه الأول كلا الفعلين السبب و المسبب قد مضى و أما من قرأ بالرفع فالفعل الواقع بعد حتى لا يكون إلا فعل حال و يجيء أيضا على ضربين ( أحدهما ) أن يكون الفعل الأول الذي هو السبب قد مضى و الفعل الثاني المسبب لم يمض كما تقول مرض حتى لا يرجونه و تتجه الآية على هذا الوجه لأن المعنى زلزلوا فيما مضى حتى أن الرسول يقول الآن « متى نصر الله » و حكيت الحال التي كانوا عليها كما حكيت الحال في قوله هذا من شيعته و هذا من عدوه ( و الثاني ) أن يكون الفعلان جميعا قد مضيا نحو سرت حتى أدخلها فالدخول متصل بالسير بلا فصل بينهما و الحال محكية كما كانت في الوجه الأول أ لا ترى أن ما مضى لا يكون حالا و حتى إذا رفع الفعل بعدها حرف يستأنف الكلام بعدها و ليست العاطفة و لا الجارة و إذا نصب الفعل بعدها فهي الجارة و ينصب الفعل بعدها بإضمار أن كما ينصب بعد اللام و الفعل و أن المضمرة معها في موضع جر .
اللغة
الزلزلة شدة الحركة و الزلزال البلية المزعجة لشدة الحركة و الجمع زلازل و أصله من قولك زل الشيء عن مكانه ضوعف لفظه لمضاعفة معناه نحو صر و صرصر و صل و صلصل فإذا قلت زلزلته فتأويله كررت تحريكه عن مكانه .
الإعراب
أم هذه هي المنقطعة و معناه بل أ حسبتم و الفرق بين أ حسبتم و أم حسبتم أن أم لا تكون إلا متصلة بكلام و الألف تكون مستأنفة .
أن تدخلوا صلة و موصول في موضع نصب بأنه مفعول حسبتم و قد سدا مسد مفعوليه و قيل مفعوله الثاني محذوف و تقديره أم حسبتم دخولكم الجنة ثابتا و الجنة نصب لأنها ظرف مكان لتدخلوا و لما أصلها لم زيد عليها ما فغيرت معناها كما غيرت معنى لو إذا قلت لو ما فصيرته بمعنى هلا و الفرق بين لم و لما إن لما يصح أن يوقف عليها مثل قولك في جواب من يقول أ قدم الأمير ؟ لما و لا يجوز أن يقول لم و في لما توقع لأنها عقيبة قد إذا انتظر قوم ركوب الأمير قلت قد ركب فإن نفيت هذا قلت لما يركب و ليس كذلك لم و يجمعهما نفي الماضي مثل مرفوع بأنه صفة محذوف مرفوع بياتي تقديره و لما يأتكم نصب مثل الذي أصاب الذين خلوا من قبلكم و إضافة مثل غير حقيقية لأنه في تقدير الانفصال فالمجرور في تقدير المنصوب لأنه مفعول و لما مع الجملة في موضع نصب على الحال و الواو واو الحال و تقديره أن تدخلوا

(2/58)


الجنة غير مصابين و مستهم البأساء في موضع الحال أيضا بإضمار قد و العامل فيه خلوا و زلزلوا معطوفة على مستهم و نصر الله مبتدأ و إضافته غير حقيقية و متى في موضع خبر المبتدأ .
النزول
قيل نزلت يوم الخندق لما اشتدت المخافة و حوصر المسلمون في المدينة فدعاهم الله إلى الصبر و وعدهم بالنصر عن قتادة و السدي و قيل نزلت في حرب أحد لما قال عبد الله بن أبي لأصحاب النبي إلى متى تقتلون أنفسكم لو كان محمد نبيا ما سلط الله عليه الأسر و القتل و قيل نزلت في المهاجرين من أصحاب النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) إلى المدينة إذ تركوا ديارهم و أموالهم و مسهم الضر عن عطا .
المعنى
ثم ذكر سبحانه ما جرى على المؤمنين من الأمم الخالية تسلية لنبيه و لأصحابه فيما لهم من المشركين و أمثالهم لأن سماع أخبار الخيار الصالحين يرغب في مثل أحوالهم فقال « أم حسبتم » معناه بل أ ظننتم و خلتم أيها المؤمنون « أن تدخلوا الجنة و لما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم » معناه و لما تمتحنوا و تبتلوا بمثل ما امتحنوا به فتصبروا كما صبروا و هذه استدعاء إلى الصبر و بعده الوعد بالنصر و المثل مثل الشبه و الشبه أي لم يصبكم شبه الذين خلوا أي مضوا قبلكم من النبيين و المؤمنين و في الكلام حذف و تقديره مثل محنة الذين أو مصيبة الذين مضوا ثم ذكر سبحانه ما أصاب أولئك فقال « مستهم البأساء و الضراء » و المس و اللمس واحد و البأساء نقيض النعماء و الضراء نقيض السراء و قيل البأساء القتل و الضراء الفقر و قيل هو ما يتعلق بمضار الدين من حرب و خروج من الأهل و المال و إخراج فمدحوا بذلك إذ توقعوا الفرج بالصبر « و زلزلوا » أي حركوا بأنواع البلايا و قيل معناه هنا أزعجوا بالمخافة من العدو و ذلك لفرط الحيرة « حتى يقول الرسول و الذين آمنوا معه متى نصر الله » قيل هذا استعجال للموعود كما يفعله الممتحن و إنما قاله الرسول استبطاء للنصر على جهة التمني و قيل إن معناه الدعاء لله بالنصر و لا يجوز أن يكون على جهة الاستبطاء لنصر الله لأن الرسول يعلم أن الله لا يؤخره عن الوقت الذي توجبه الحكمة ثم أخبر الله سبحانه أنه ناصر أوليائه لا محالة فقال « ألا إن نصر الله قريب » و قيل إن هذا من كلامهم بأنهم قالوا عند الإياس « متى نصر الله » ثم تفكروا فعلموا أن الله منجز وعده فقالوا « ألا أن نصر الله قريب » و قيل أنه ذكر كلام الرسول و المؤمنين جملة و تفصيلا و قال المؤمنون « متى نصر الله » و قال الرسول « أ لا إن نصر الله قريب » كقوله جعل لكم الليل و النهار لتسكنوا فيه و لتبتغوا من فضله أي لتسكنوا بالليل و لتبتغوا من فضله بالنهار .

(2/59)


يَسئَلُونَك مَا ذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَير فَلِلْوَلِدَيْنِ وَ الأَقْرَبِينَ وَ الْيَتَمَى وَ الْمَسكِينِ وَ ابْنِ السبِيلِ وَ مَا تَفْعَلُوا مِنْ خَير فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ(215)
اللغة
النفقة إخراج الشيء من الملك ببيع أو هبة أو صلة أو نحو ذلك و قد غلب في العرف على إخراج ما كان من المال من عين أو ورق و السؤال طلب الجواب بصيغة مخصوصة من الكلام .
الإعراب
موضع ما من قوله « ما ذا ينفقون » يحتمل أن يكون مرفوعا أو منصوبا فأما الرفع فيكون على تقدير ما الذي ينفقون أي أي شيء الذي ينفقونه و العائد من الصلة محذوف و يكون ذا موصولا بمنزلة الذي و ينفقون صلته و النصب على تقدير أي شيء ينفقون فيكون ما و ذا بمنزلة شيء واحد و يكون ذا لغوا لأن ما مفيدة للمعنى و ما من قوله « ما أنفقتم » اسم للشرط في محل الرفع بالابتداء و أنفقتم في محل الجزم بما من خير جار و مجرور في موضع الحال و من للتبيين و تقديره ما أنفقتم كائنا من خير فذو الحال الضمير المحذوف من الصلة فللوالدين الجار و المجرور خبر مبتدإ محذوف و المبتدأ و الخبر في محل الرفع لوقوعهما بعد الفاء و الفاء مع ما بعده جواب للشرط و معنى حرف الشرط الذي تضمنه ما مع الشرط و الجزاء في موضع رفع لأنها خبر المبتدأ الأول « و ما تفعلوا » ما اسم شرط في محل النصب بتفعلوا و يجوز أن يكون ما في أنفقتم أيضا منصوب الموضع بأنفقتم فيكون مفعولا له .
النزول
نزلت في عمرو بن الجموح و كان شيخا كبيرا ذا مال كثير فقال يا رسول الله بما ذا أتصدق و على من أتصدق فأنزل الله هذه الآية .
المعنى
« يسألونك » يا محمد « ما ذا » إلى أي شيء ينفقون و السؤال عن الإنفاق يتضمن السؤال عن المنفق عليه فإنهم قد علموا أن الأمر وقع بإنفاق المال فجاء الجواب ببيان كيفية النفقة و على من ينفق فقال قل يا محمد « ما أنفقتم من خير » أي مال فدل على أن له مقدارا و أنه مما ينتفع به لأن ما لا ينتفع به لا يسمى خيرا « فللوالدين

(2/60)


و الأقربين » و المراد بالوالدين الأب و الأم و الجد و الجدة و إن علوا لأنهم يدخلون في اسم الوالدين و المراد بالأقربين أقارب المعطي « و اليتامى » أي كل من لا أب له مع صغره « و المساكين » الفقراء « و ابن السبيل » المنقطع به و اختلفوا في هذه النفقة فقال الحسن المراد به نفقة التطوع على من لا يجوز وضع الزكاة عنده و الزكاة لمن يجوز وضع الزكاة عنده فهي عامة في الزكاة المفروضة و في التطوع و قال السدي الآية واردة في الزكاة ثم نسخت ببيان مصارف الزكاة و الأول أظهر لأنه لا دليل على نسخها و اتفق العلماء على أنه لا يجوز دفع الزكاة إلى الأب و الأم و الجد و الجدة و إلى الأولاد فأما النفقة فلا خلاف أن النفقة على الوالدين إذا كانا فقيرين واجبة و أما النفقة على ذي الرحم فلا يجب عندنا و عند الشافعي و يجب عند أبي حنيفة و قوله « و ما تفعلوا من خير » أي من عمل صالح يقربكم إلى الله « فإن الله به عليم » يجازيكم به من غير أن يضيع منه شيء لأنه تعالى لا يخفى عليه شيء .
النظم
و وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أن الآية الأولى فيها دعاء إلى الصبر على الجهاد في سبيل الله و في هذه الآية بيان لوجه النفقة في سبيل الله و كل ذلك دعاء إلى فعل البر و الطاعة .
كُتِب عَلَيْكمُ الْقِتَالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَ عَسى أَن تَكْرَهُوا شيْئاً وَ هُوَ خَيرٌ لَّكمْ وَ عَسى أَن تُحِبُّوا شيْئاً وَ هُوَ شرُّ لَّكُمْ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ(216)
اللغة
الكره بالفتح المشقة التي تحمل على النفس و الكره بالضم المشقة حمل على النفس أو لم يحمل و قيل الكره الكراهة و الكره المشقة و قد يكره الإنسان ما لا يشق عليه و قد يشق عليه ما لا يكرهه و قيل الكره و الكره لغتان مثل الضعف و الضعف و الخير نقيض الشر و الخير النفع الحسن و الشر الضرر القبيح و هذا هو الأصل ثم يستعملان في غير ذلك توسعا يقال شر يشر شرارة و شرار النار و شررها لهبها و شرة الشباب نشاطه و تشرير اللحم أو الثوب أن تبسطه ليجف و الأشرار الإظهار .
الإعراب
« و هو كره لكم » فيه حذف و تقديره و هو ذو كره لكم و يجوز أن يكون

(2/61)


معناه و هو مكروه لكم فوقع المصدر موقع المفعول و مثله رجل رضا أي ذو رضا و يجوز أن يكون بمعنى مرضي « و عسى أن تكرهوا » موضع أن تكرهوا رفع بأنه فاعل عسى و عسى هذه تامة لأنها تمت بالفاعل و لم تحتج إلى خبر .
المعنى
هذه الآية بيان لكون الجهاد مصلحة لمن أمر به قال سبحانه « كتب عليكم القتال » أي فرض عليكم الجهاد في سبيل الله « و هو كره لكم » أي شاق عليكم تكرهونه كراهة طباع لا على وجه السخط و قد يكون الشيء مكروها عند الإنسان في طبعه و من حيث تنفر نفسه عنه و إن كان يريده لأن الله تعالى أمره بذلك كالصوم في الصيف و قيل معناه أنه مكروه لكم قبل أن يكتب عليكم لأن المؤمنين لا يكرهون ما كتب الله عليهم « و عسى أن تكرهوا شيئا » معناه و قد تكرهون شيئا في الحال و هو خير لكم في عاقبة أموركم كما تكرهون القتال لما فيه من المخاطرة بالروح « و هو خير لكم » لأن لكم في الجهاد إحدى الحسنيين إما الظفر و الغنيمة و إما الشهادة و الجنة « و عسى أن تحبوا شيئا و هو شر لكم » أي و قد تحبون ما هو شر لكم و هو القعود عن الجهاد لمحبة الحياة و هو شر لما فيه من الذل و الفقر في الدنيا و حرمان الغنيمة و الأجر في العقبي « و الله يعلم » أي يعلم ما فيه مصالحكم و منافعكم و ما هو خير لكم في عاقبة أمركم « و أنتم لا تعلمون » ذلك فبادروا إلى ما يأمركم به و إن شق عليكم و أجمع المفسرون إلا عطاء إن هذه الآية دالة على وجوب الجهاد و فرضه غير أنه فرض على الكفاية حتى أن لو قعد جميع الناس عنه أثموا به و إن قام به من في قيامه كفاية و غناء سقط عن الباقين و قال عطاء إن ذلك كان واجبا على الصحابة و لم يجب على غيرهم و قوله شاذ عن الإجماع .

(2/62)


يَسئَلُونَك عَنِ الشهْرِ الْحَرَامِ قِتَال فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَ صدُّ عَن سبِيلِ اللَّهِ وَ كفْرُ بِهِ وَ الْمَسجِدِ الْحَرَامِ وَ إِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبرُ عِندَ اللَّهِ وَ الْفِتْنَةُ أَكْبرُ مِنَ الْقَتْلِ وَ لا يَزَالُونَ يُقَتِلُونَكُمْ حَتى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكمْ إِنِ استَطعُوا وَ مَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُت وَ هُوَ كافِرٌ فَأُولَئك حَبِطت أَعْمَلُهُمْ فى الدُّنْيَا وَ الاَخِرَةِ وَ أُولَئك أَصحَب النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ(217)
اللغة
الصد و المنع و الصرف نظائر يقال صد عن الشيء يصد صدودا و صدا إذا أعرض و عدل عنه و صد غيره يصده صدا إذا عدل به عنه و منعه و الصدد ما استقبلك و صار في قبالتك لأنه يعدل إلى مواجهتك و الصدان ناحيتا الشعب و الوادي و الصداد ضرب من الجرذان يعد لك لشدة تحرزه و الصداد الوزغ لأنه يعدل عنه استقذارا له و أصل الباب العدو .
لا يزال أصله من الزوال و هو العدول و معنى لا يزال يدوم موجودا و ما زال أي دام .
و حبط عمل الرجل حبطا و حبوطا و أحبطه الله إحباطا و الحبط فساد يلحق الماشية في بطونها لأكل الحباط و هو ضرب من الكلأ يقال حبطت الإبل تحبط حبطا إذا أصابها ذلك ثم سمي الهلاك حبطا و في الحديث أن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم .
الإعراب
قتال فيه مجرور على البدل من الشهر و هو بدل الاشتمال لأن الزمان يشتمل على ما يقع فيه و مثله في المكان قوله « قتل أصحاب الأخدود » النار و قال الأعشى :
لقد كان في حول ثواء ثوبته
تقضي لبانات و يسأم سائم و قال الكوفيون هو مجرور على إضمار عن و قال بعضهم هو على التكرير و هذه ألفاظ متقاربة في المعنى و إن اختلف في العبارة عنه و قوله « قتال » مرفوع بالابتداء و كبير خبره « و صد عن سبيل الله » مبتدأ « و كفر به » معطوف عليه « و إخراج أهله منه » معطوف عليه أيضا و خبره « أكبر عند الله » أي هذه الأشياء أكبر عند الله أي أعظم إثما و أجاز الفراء رفعه على وجهين ( أحدهما ) أنه مردود على كبير أي « قل قتال فيه كبير و صد عن سبيل الله و كفر به » أي القتال قد جمع أنه كبير و أنه صد عن سبيل الله و كفر به ( و الآخر ) أن يجعل الصد الكبير أي القتال فيه كبير و الصد عن سبيل الله كبير فيكون مرتفعا بالابتداء و خبره محذوف و خطأه العلماء بالنحو قالوا لأنه يصير المعنى في التقدير الأول قل القتال في الشهر الحرام كفر بالله و هذا خطأ بالإجماع و يصير التقدير في الثاني و إخراج أهله منه أكبر عند الله من الكفر و هذا أيضا خطأ بالإجماع و للفراء أن يقول في هذه : المعنى و إخراج أهله منه أكبر من

(2/63)


القتل فيه لا من الكفر به لأن المعنى في إخراج أهله منه إخراج النبي و المؤمنين بعده فأما الوجه الأول فلا مخلص للفراء منه و المسجد الحرام مجرور عطف على سبيل الله كأنه قال و صد عن سبيل الله و عن المسجد الحرام و هو قول المبرد و قيل أنه عطف على الشهر الحرام كأنه قال يسألونك عن القتال في الشهر الحرام و المسجد الحرام و هو قول الفراء و لا يجوز حمله على الباء في قوله « و كفر به » لأنه لا يعطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار إلا في ضرورة الشعر و من يرتدد على إظهار التضعيف لسكون الثاني و يجوز يرتد بفتح الدال على التحريك لالتقاء الساكنين بأخف الحركات و يجوز بكسر الدال على أصل التحريك لالتقاء الساكنين و الفتح أجود .
النزول
قال المفسرون بعث رسول الله سرية من المسلمين و أمر عليهم عبد الله بن جحش الأسدي و هو ابن عمة النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و ذلك قبل قتال بدر بشهرين على رأس سبعة عشر شهرا من مقدمه المدينة فانطلقوا حتى هبطوا نخلة فوجدوا بها عمرو بن الحضرمي في عير تجارة لقريش في آخر يوم من جمادى الآخرة و كانوا يرون أنه من جمادى و هو رجب فاختصم المسلمون فقال قائل منهم هذه غرة من عدو و غنم رزقتموه و لا ندري أ من الشهر الحرام هذا اليوم أم لا و قال قائل منهم لا نعلم هذا اليوم إلا من الشهر الحرام و لا نرى أن تستحلوه لطمع أشفيتم عليه فغلب على الأمر الذي يريدون عرض الحياة الدنيا فشدوا على ابن الحضرمي فقتلوه و غنموا عيره فبلغ ذلك كفار قريش و كان ابن الحضرمي أول قتيل قتل بين المشركين و المسلمين و ذلك أول فيء أصابه المسلمون فركب وفد كفار قريش حتى قدموا على النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فقالوا أ يحل القتال في الشهر الحرام فأنزل الله هذه الآية .
المعنى
« يسألونك » يا محمد و السائلون أهل الشرك على جهة العيب للمسلمين باستحلالهم القتال في الشهر الحرام عن الحسن و أكثر المفسرين و قيل السائلون أهل الإسلام سألوا عن ذلك ليعلموا كيف الحكم فيه « عن الشهر الحرام قتال فيه » يعني عن قتال في الشهر الحرام و هو رجب سمي بذلك لتحريم القتال فيه و لعظم حرمته و لذلك كان يسمى في الجاهلية منزع الأسنة و منصل الأل لأنهم كانوا ينزعون الأسنة و النصال عند دخول رجب انطواء على ترك القتال فيه و كان يدعى الأصم لأنه لا يسمع فيه قعقعة السلاح فنسب الصمم إليه كما قيل ليل نائم و سر كاتم فكان الناس لا يخاف بعضهم بعضا و تأمن

(2/64)


السبل إلى أن ينقضي الشهر « قل » يا محمد « قتال فيه » أي في الشهر الحرام « كبير » أي ذنب عظيم ثم استأنفه و قال « و صد عن سبيل الله و كفر به » أي و الصد عن سبيل الله و الكفر بالله « و المسجد الحرام » أي و الصد عن المسجد الحرام و على القول الآخر معناه يسألونك عن القتال في الشهر الحرام و عند المسجد الحرام و قيل معناه و الكفر و المسجد الحرام عن الجبائي فحمله عن الباء في قوله « و كفر به » « و إخراج أهله » يعني أهل المسجد و هم المسلمون و « منه » أي من المسجد « أكبر » أي أعظم وزرا « عند الله » يعني إخراجهم المسلمين من مكة حين هاجروا إلى المدينة و الظاهر يدل على أن القتال في الشهر الحرام كان محرما لقوله « قل قتال فيه كبير » و ذلك لا يقال إلا فيما هو محرم محظور و قيل أن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) عقل ابن الحضرمي و قوله « و الفتنة أكبر من القتل » معناه الفتنة في الدين و هو الكفر أعظم من القتل في الشهر الحرام يعني قتل ابن الحضرمي و قال قتادة و غيره أن تحريم القتال في الشهر الحرام و عند المسجد الحرام منسوخ بقوله « و قاتلوهم حتى لا تكون فتنة » و بقوله « اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم » و قال عطاء هو باق على التحريم و عندنا أنه باق على التحريم فيمن يرى لهذه الأشهر حرمة و لا يبتدئون فيها بالقتال و كذلك في الحرم و إنما أباح الله تعالى للنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قتال أهل مكة عام الفتح فقال (عليه السلام) إن الله أحلها لي في هذه الساعة و لا يحلها لأحد من بعدي إلى يوم القيامة و من لا يرى منهم حرمة الحرم و حرمة هذه الأشهر جاز قتاله أي وقت كان و التحريم منسوخ في حقه و قوله تعالى : « و لا يزالون يقاتلونكم » يعني أهل مكة يقاتلونكم يا معشر المسلمين « حتى يردوكم عن دينكم » أي يصرفوكم عن دين الإسلام و يلجئوكم إلى الارتداد « إن استطاعوا » أي إن قدروا على ذلك « و من يرتدد منكم عن دينه » هذا تحذير عن الارتداد ببيان استحقاق العذاب عليه « فيمت و هو كافر » يعني مات على كفره « فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا و الآخرة » معناه أنها صارت بمنزلة ما لم يكن لإيقاعهم إياها على خلاف الوجه المأمور به لأن إحباط العمل و إبطاله عبارة عن وقوعه على خلاف الوجه الذي يستحق عليه الثواب و ليس المراد أنهم استحقوا على أعمالهم الثواب ثم انحبط لأنه قد دل الدليل على أن الإحباط على هذا الوجه لا يجوز « و أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون » أي دائمون .
النظم
نظم الآية و تقديرها يسألونك عن القتال في الشهر الحرام و عند المسجد الحرام فقل ذلك كبير و لكن الكفر بالله و صد المسلمين عن بيت الله و دينه و إخراجهم عن أوطانهم أعظم عند الله و أكبر وزرا و هؤلاء الكفار مع هذه الأفعال يقاتلونكم ليردوكم عن

(2/65)


الدين فكل واحد من هذا أعظم مما سألوا عنه .
إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ الَّذِينَ هَاجَرُوا وَ جَهَدُوا فى سبِيلِ اللَّهِ أُولَئك يَرْجُونَ رَحْمَت اللَّهِ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(218)
اللغة
الهجر ضد الوصل يقال هجره يهجره هجرانا و هجرا و هجرة إذا قطع مواصلته و هجر المريض يهجر هجرا إذا قال ما ينبغي أن يهجر من الكلام و سموا المهاجرين لهجرتهم قومهم و أرضهم و إنما أطلق على هؤلاء اللفظ الذي يقع على الاثنين لأن كل واحد من هؤلاء فعل مثل فعل صاحبه و ترك ما تركه اختيارا لصحبة النبي و جاهدت العدو مجاهدة و جهادا إذا حملت نفسك على المشقة في قتاله و الرجاء الأمل و قوله ما لكم لا ترجون لله وقارا أي لا تخافون و قال أبو ذؤيب :
إذا لسعته النحل لم يرج لسعها
و خالفها في بيت نوب عوامل أي لم يخف و ذلك أن الرجاء للشيء معه الخوف من أن لا يكون فلذلك سمي الخوف باسم الرجاء .
النزول
نزلت الآية في قصة عبد الله بن جحش و أصحابه لما قاتلوا في رجب و قتل واقد السهمي ابن الخضرمي فظن قوم أنهم إن سلموا من الإثم فليس لهم أجر فأنزل الله الآية فيهم بالوعد .
المعنى
« إن الذين آمنوا » أي صدقوا الله و رسوله « و الذين هاجروا » أي قطعوا عشائرهم و فارقوا منازلهم و تركوا أموالهم « و جاهدوا في سبيل الله » أي قاتلوا الكفار في طاعة الله التي هي سبيله المشروعة لعباده و إنما جمع بين هذه الأشياء لبيان فضلها و الترغيب فيها لا لأن الثواب لا يستحق على واحد منها على الانفراد « أولئك يرجون رحمة الله » أي يأملون نعمة الله في الدنيا و العقبي و هي النصرة في الدنيا و المثوبة في العقبي « و الله غفور » يغفر ذنوبهم « رحيم » يرحمهم و إنما ذكر لفظ الرجاء للمؤمنين و إن كانوا يستحقون الثواب قطعا و يقينا لأنهم لا يدرون ما يكون منهم في

(2/66)


المستقبل الإقامة على طاعة الله أو الانقلاب عنها إلى معصية الله و وجه آخر و هو الصحيح و هو أن يرجوا رحمة الله في غفران معاصيهم التي لم يتفق لهم التوبة منها و اخترموا دونها فهم يرجون أن يسقط الله عقابها عنهم تفضلا فأما الوجه الأول فإنما يصح على مذهب من يجوز أن يكفر المؤمن بعد إيمانه أو يفعل في المستقبل كبيرة تحبط ثواب إيمانه و هذا لا يصح على مذهبنا في الموافاة و قال الحسن أراد به إيجاب الرجاء و الطمع على المؤمنين لأن رجاء رحمة الله من أركان الدين و اليأس من رحمته كفر كما قال « و لا ييأس من روح الله » الآية و الأمن من عذابه خسران كما قال « و لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون » فمن الواجب على المؤمن أن لا ييأس من رحمته و أن لا يأمن من عقوبته و يؤيده قوله تعالى « يحذر الآخرة و يرجوا رحمة ربه » و قوله « يدعون ربهم خوفا و طمعا » و ليس في الآية دلالة على أن من مات مصرا على كبيرة لا يرجو رحمة الله لأمرين ( أحدهما ) أن الدليل المفهوم غير صحيح عند أكثر المحصلين ( و الآخر ) أنه قد يجتمع عندنا الإيمان و الهجرة و الجهاد مع ارتكاب الكبيرة و لا يخرج من هذه صورته عن تناول الآية له .
النظم
وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنه لما ذكر في الأولى العذاب ذكر بعدها الثواب ليكون العبد بين الخوف و الرجاء إذ ذاك أحق بتدبير الحكماء و أوكد في الاستدعاء .
* يَسئَلُونَك عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كبِيرٌ وَ مَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَ إِثْمُهُمَا أَكبرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَ يَسئَلُونَك مَا ذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِك يُبَينُ اللَّهُ لَكُمُ الاَيَتِ لَعَلَّكمْ تَتَفَكَّرُونَ(219) فى الدُّنْيَا وَ الاَخِرَةِ وَ يَسئَلُونَك عَنِ الْيَتَمَى قُلْ إِصلاحٌ لَّهُمْ خَيرٌ وَ إِن تخَالِطوهُمْ فَإِخْوَنُكُمْ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصلِح وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(220)

(2/67)


آيتان في الكوفي و آية واحدة فيما عد الكوفي تتفكرون آية و تركها غيره .
القراءة
قرأ أهل الكوفة غير عاصم إثم كثير بالثاء و الباقون بالباء و قرأ أبو عمرو وحده قل العفو بالرفع و الباقون بالنصب .
الحجة
قال أبو علي حجة من قرأ بالباء أن يقول الباء أولى لأن الكبر مثل العظم و مقابلة الصغر و الكبير العظيم قال تعالى : « و كل صغير و كبير مستطر » و قد استعملوا في الذنب إذا كان موبقا الكبيرة كقوله « كبائر ما تنهون عنه » و « كبائر الإثم » فلذلك ينبغي أن يكون قوله « قل فيهما إثم كبير » بالباء لأن شرب الخمر و الميسر من الكبيرة و قالوا في غير الموبق صغير و صغيرة و لم يقولوا قليل و مقابل الكثير القليل كما أن مقابل الكبير الصغير و يدل على ذلك أيضا قوله « و إثمهما أكبر من نفعهما » و اتفاقهم هنا على أكبر و رفضهم لأكثر و وجه من قرأ بالثاء أنه قد جاء فيهم إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة و البغضاء في الخمر و الميسر و يصدكم عن ذكر الله و عن الصلاة و في الحديث لعن الرسول في الخمر عشرة مشتريها و المشتراة له و عاصرها و المعصورة له و ساقيها و المستقي لها و حاملها و المحمولة إليه و آكل ثمنها فهذا يقوي قراءة من قرأ كثير و أما وجه قول من نصب العفو فهو أن قولهم ما ذا يستعمل على ضربين ( أحدهما ) أن يكون ما مع ذا اسما واحدا ( و الآخر ) أن يكون ذا بمعنى الذي فالأول قول العرب عما ذا تسأل أثبتوا الألف في ما لما كان ما مع ذا بمنزلة اسم واحد فإن الحذف إنما يقع إذا كانت الألف آخرا و من ذلك قول الشاعر :
يا خزر تغلب ما ذا بال نسوتكم
لا يستفقن إلى الديرين تحتانا أي ما بال نسوتكم فإذا كان ما مع ذا بمنزلة اسم واحد كان قوله « ما ذا ينفقون » في موضع نصب بمنزلة ما ينفقون أي أيا ما ينفقون فجواب هذا العفو بالنصب و أما وجه قول من رفع فهو أن يجعل ما ذا على الضرب الآخر فيكون تقديره ما الذي ينفقون فجوابه العفو على أن يكون خبر مبتدإ محذوف أي الذي ينفقون العفو و مثله في التنزيل و إذا قيل لهم ما ذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين و اعلم أن سيبويه لا يجوز أن يكون ذا بمنزلة الذي إلا في هذا الموضع لما قامت الدلالة على ذلك و الكوفيون يجيزون في غير هذا الموضع

(2/68)


و يحتجون بقول الشاعر :
عدس ما لعباد عليك إمارة
نجوت و هذا تحملين طليق و بقوله سبحانه و ما تلك بيمينك يا موسى و لا دلالة لهم في الآية فإن قوله بيمينك يجوز أن يكون ظرفا في موضع الحال فلا يكون صلة و كذلك تحملين في البيت و العامل في الحال في الموضعين ما في المبهم من معنى الفعل .
اللغة
الخمر أصله الستر و الخمر ما واراك من الشجر و غيره و منه الخمار للمقنعة و دخل في خمار الناس أي في الكثير الذي يستتر فيهم و يقال خامره الداء إذا خالطه قال كثير :
هنيئا مريئا غير داء مخامر
لعزة من أعراضنا ما استحلت و خمرت الإناء أي غطيته و في الحديث كان النبي يسجد على الخمرة و هي السجادة الصغيرة من الحصير سميت بذلك لأنها تستر الوجه عن الأرض قال الزجاج و قد لبس على أبي الأسود الدؤلي فقيل له أن هذا المسكر الذي سموه بغير الخمر حلال فظن أن ذلك كما قيل له ثم رده طبعه إلى أن حكم بأنهما واحد فقال له :
دع الخمر تشربها الغواة فإنني
رأيت أخاها مجزيا بمكانها
فإن لا يكنها أو تكنه فإنه
أخوها غذته أمه بلبانها و أصل الباب الستر و الميسر القمار اشتق من اليسر و هو وجوب الشيء لصاحبه من قولك يسر لي هذا الشيء ييسر يسرا و ميسرا إذا وجب لك و الياسر الواجب بقداح وجب لك أو غيره و قيل للمقامر ياسر و يسر قال النابغة :
أو ياسر ذهب القداح بوفره
أسف تأكله الصديق مخلع أي قامر و قيل أخذ من التجزئة لأن كل شيء جزأته فقد يسرته و الياسر الجازر و الميسر الجزور و قيل أخذ من اليسر و هو السهولة لأنهم كانوا يشتركون في الجزور ليسهل

(2/69)


أمرها إلا أنه على جهة القمار و العفو مأخوذ من الزيادة و منه قيل حتى عفوا أي زادوا على ما كانوا عليه من العدد قال الشاعر :
و لكنا يعض السيف منا
بأسوق عافيات الشحم كوم أي زائدات الشحم و قيل هو مأخوذ من الترك من قوله فمن عفي له من أخيه شيء أي ترك و منه قوله عفوت لكم عن صدقة الخيل أي تركتها فيكون العفو المتروك غني عنه و المخالطة مجامعة يتعذر معها التمييز كمخالطة الخل للماء و ما أشبهه و الخليطان الشريكان لاختلاط أموالهما و الخليط : القوم أمرهم واحد و الإعنات الحمل على مشقة لا تطاق ثقلا و عنت العظم عنتا أصابه وهن أو كسر بعد جبر و عنت عنتا إذا اكتسب مأثما و تعنته تعنتا إذا لبس عليه في سؤاله له و الأكمه العنوت الطويلة و أصل الباب المشقة و الشدة .
الإعراب
العامل في الظرف من قوله « في الدنيا و الآخرة » قوله « يبين » أي مبين لكم الآيات في أمر الدنيا و الآخرة و يجوز أن يكون تتفكرون أيضا أي تتفكرون في أمر الدنيا و أمر الآخرة و قوله « فإخوانكم » رفع على أنه خبر مبتدإ محذوف و تقديره فهم إخوانكم و يجوز في العربية فإخوانكم على النصب على تقدير فإخوانكم يخالطون و الوجه الرفع .
النزول
نزلت في جماعة من الصحابة أتوا رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فقالوا أفتنا في الخمر و الميسر فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال فنزلت الآية .
المعنى
ثم عاد سبحانه إلى بيان الشرائع و الأحكام فقال « يسألونك » يا محمد « عن الخمر » و هي كل شراب مسكر مخالط للعقل مغط عليه و ما أسكر كثيره فقليله خمر هذا هو الظاهر في روايات أصحابنا و هو مذهب الشافعي و قيل الخمر عصير العنب إذا اشتد و غلى و هو مذهب أبي حنيفة « و الميسر » و هو القمار كله عن ابن عباس و ابن مسعود و مجاهد و قتادة و الحسن و هو المروي عن أئمتنا حتى قالوا أن لعب الصبيان بالجوز هو القمار « قل فيهما » أي في الخمر و الميسر « إثم كبير » أي وزر عظيم و كثير من الكثرة « و منافع للناس » منفعة الخمر ما كانوا يأخذونه في أثمانها و ما يحصل من اللذة و الطرب و القوة بشربها و منفعة القمار هو أن يفوز الرجل بمال صاحبه من غير كد و لا مشقة و يرتفق به الفقراء « و إثمهما أكبر من نفعهما » أي ما فيهما من الإثم أكبر مما فيهما من النفع لأن نفعهما في الدنيا و ما يحصل من الإثم بهما يوجب سخط الله في الآخرة فلا

(2/70)


يظهر في جنبه إلا نفع قليل لا بقاء له قال الحسن في الآية تحريم الخمر من وجهين ( أحدهما ) قوله « و إثمهما أكبر » فإنه إذا زادت مضرة الشيء على منفعته اقتضى العقل الامتناع عنه ( و الثاني ) أنه بين أن فيهما الإثم و قد حرم في آية أخرى الإثم فقال قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها و ما بطن و الإثم و قيل إن الخمر يسمى إثما في اللغة قال الشاعر :
شربت الإثم حتى ضل عقلي
كذاك الإثم يصنع بالعقول على أنه قد وصف الإثم بأنه كبير و الكبير محرم بلا خلاف و قال الضحاك معناه و إثمهما بعد تحريمهما أكبر من نفعهما قبل تحريمهما و قال سعيد بن جبير كلاهما قبل التحريم يعني أن الإثم الذي يحدث من أسبابهما أكبر من نفعهما و قال قتادة هذه الآية لا تدل على تحريمهما و إنما تدل الآية التي في المائدة من قوله إنما الخمر و الميسر إلى آخرها و قوله « و يسألونك ما ذا ينفقون » أي أي شيء ينفقون و السائل عمرو بن الجموح سأل عن النفقة في الجهاد و قيل في الصدقات « قل العفو » فيه أقوال ( أحدها ) أنه ما فضل عن الأهل و العيال أو الفضل عن الغنى عن ابن عباس و قتادة ( و ثانيها ) أن العفو الوسط من غير إسراف و لا إقتار عن الحسن و عطا و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) ( و ثالثها ) أن العفو ما فضل عن قوت السنة عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال و نسخ ذلك ب آية الزكاة و به قال السدي ( و رابعها ) أن العفو أطيب المال و أفضله و قوله « كذلك » إنما وحد الكاف لأن الخطاب للنبي و يدخل فيه الأمة و قيل أن تقديره كذلك أيها القبيل « يبين الله لكم الآيات » أي الحجج في أمر النفقة و الخمر و الميسر و قيل في سائر شرائع الإسلام « لعلكم تتفكرون » أي لكي تتفكروا « في الدنيا و الآخرة » أي في أمر الدنيا و أمر الآخرة فتعلمون أن الدنيا دار بلاء و عناء و فناء و الآخرة دار جزاء و بقاء فتزهدوا في هذه و ترغبوا في تلك و قيل أنه من صلة يبين أي كما يبين لكم الآيات في الخمر و الميسر يبين لكم الآيات في أمور الدنيا و الآخرة لكي تتفكروا في ذلك دلالة على أن الله أراد منهم التفكر سواء تفكروا أو لم يتفكروا « و يسألونك عن اليتامى » قال ابن عباس لما أنزل الله و لا تقربوا مال اليتيم الآية و أن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما انطلق كل من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه و شرابه من شرابه و اشتد ذلك عليهم فسألوا عنه فنزلت هذه الآية و لا بد من إضمار في الكلام لأن السؤال لم يقع عن أشخاص اليتامى و لا ورد الجواب عنها فالمعنى يسألونك عن القيام على اليتامى أو التصرف في أموال اليتامى قل يا

(2/71)


محمد « إصلاح لهم خير » يعني إصلاح لأموالهم من غير أجرة و لا أخذ عوض منهم خير و أعظم أجرا « و إن تخالطوهم » أي تشاركوهم في أموالهم و تخلطوها بأموالكم فتصيبوا من أموالهم عوضا عن قيامكم بأمورهم « فإخوانكم » أي فهم إخوانكم و الإخوان يعين بعضهم بعضا و يصيب بعضهم من مال بعض و هذا إذن لهم فيما كانوا يتحرجون منه من مخالطة الأيتام في الأموال من المأكل و المشرب و المسكن و نحو ذلك و رخصة لهم في ذلك إذا تحروا الصلاح بالتوفير على الأيتام عن الحسن و غيره و هو المروي في أخبارنا « و الله يعلم المفسد من المصلح » معناه و الله يعلم من كان غرضه من مخالطة اليتامى إفساد مالهم أو إصلاح مالهم « و لو شاء الله لأعنتكم » أي لضيق عليكم في أمر اليتامى و مخالطتهم و ألزمكم ما كنتم تجتنبونه من مشاركتهم و قال الزجاج معناه لكلفكم ما يشق عليكم فتعنتون و لكنه لم يفعل و في هذا دلالة على بطلان قول المجبرة لأنه سبحانه إذا لم يشأ إعناتهم و لو أعنتهم لكان جائزا حسنا لكنه وسع عليهم لما في التوسعة من النعمة فكيف يصح أن يشاء تكليف ما لا يطاق و كيف يكلف ما لا سبيل للمكلف إليه و يأمره بما لا يتصور إحداثه من جهته و أي عنت أعظم من هذا قال البلخي و فيه أيضا دلالة على فساد مذهب من قال أنه تعالى لا يقدر على الظلم لأن الإعنات بتكليف ما لا يجوز في الحكمة مقدور و لو شاء لفعله « إن الله عزيز » يفعل بعزته ما يحب لا يدفعه عنه دافع « حكيم » في تدبيره و أفعاله ليس له عما توجبه الحكمة مانع .
وَ لا تَنكِحُوا الْمُشرِكَتِ حَتى يُؤْمِنَّ وَ لأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيرٌ مِّن مُّشرِكَة وَ لَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَ لا تُنكِحُوا الْمُشرِكِينَ حَتى يُؤْمِنُوا وَ لَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيرٌ مِّن مُّشرِك وَ لَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئك يَدْعُونَ إِلى النَّارِ وَ اللَّهُ يَدْعُوا إِلى الْجَنَّةِ وَ الْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَ يُبَينُ ءَايَتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ(221)
اللغة
النكاح اسم يقع على العقد و الوطء و قيل أن أصله الوطء ثم كثر حتى قيل للعقد نكاح كما أن الحدث يسمى عذرة و هي اسم للفناء و يسمى غائطا و هو اسم للمكان

(2/72)


المطمئن يقال نكح ينكح نكاحا إذا تزوج و أنكحه غيره زوجه و الأمة المملوكة يقال أمة بينة الأموة و أميت فلانة و تأميتها إذا جعلتها أمة و أصل أمة فعلة بدلالة قولهم في جمعها إماء و آم نحو أكمة و إكام و آكم .
الإعراب
يؤمن في محل النصب بأن مضمرة و أن يؤمن في موضع جر بحتى و حتى يتعلق بتنكح و من مشركة من يتعلق بخير و الجار و المجرور في محل النصب بأنه مفعول به و لو أعجبتكم جواب لو محذوف تقديره و لو أعجبتكم أمة مشركة لأمة مؤمنة خير منها و لا تنكحوا المشركين المفعول الثاني محذوف تقديره و لا تنكحوا المشركين الأزواج حتى يؤمنوا و إعراب قوله « حتى يؤمنوا » و قوله « و لو أعجبكم » مثل ما قلناه في حتى يؤمن و لو أعجبتكم .
النزول
نزلت في مرثد بن أبي مرثد الغنوي بعثه رسول الله إلى مكة ليخرج منها ناسا من المسلمين و كان قويا شجاعا فدعته امرأة يقال لها عناق إلى نفسها فأبى و كانت خلة في الجاهلية فقالت هل لك أن تتزوج بي فقال حتى أستأذن رسول الله فلما رجع استأذن في التزوج بها فنزلت الآية .
المعنى
لما تقدم ذكر المخالطة بين تعالى من يجوز مخالطته بالنكاح فقال « و لا تنكحوا المشركات » أي لا تتزوجوا النساء الكافرات « حتى يؤمن » أي يصدقن بالله و رسوله و هي عامة عندنا في تحريم مناكحة جميع الكفار من أهل الكتاب و غيرهم و ليست بمنسوخة و لا مخصوصة و اختلفوا فيه فقال بعضهم لا يقع اسم المشركات على أهل الكتاب و قد فصل الله بينهما فقال لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب و المشركين و ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب و لا المشركين و عطف أحدهما على الآخر فلا نسخ في الآية و لا تخصيص و قال بعضهم الآية متناولة جميع الكفار و الشرك يطلق على الكل و من جحد نبوة نبينا محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فقد أنكر معجزه و أضافه إلى غير الله و هذا هو الشرك بعينه لأن المعجز شهادة من الله له بالنبوة ثم اختلف هؤلاء فمنهم من قال أن الآية منسوخة في الكتاب بالآية التي في المائدة و المحصنات من الذين أوتوا الكتاب عن ابن عباس و الحسن و مجاهد و منهم من قال أنها مخصوصة بغير الكتابيات عن قتادة و سعيد بن جبير و منهم من قال أنها على ظاهرها في تحريم نكاح كل كافرة كتابية كانت أو مشركة عن ابن عمر

(2/73)


و بعض الزيدية و هو مذهبنا و سيأتي بيان آية المائدة في موضعها إن شاء الله « و لأمة مؤمنة خير من مشركة » معناه مملوكة مصدقة مسلمة خير من حرة مشركة « و لو أعجبتكم » و لو أعجبتكم بمالها أو حسبها أو جمالها و ظاهر هذا يدل على أنه يجوز نكاح الأمة المؤمنة مع وجود الطول فأما قوله فمن لم يستطع منكم طولا الآية فإنما هي على التنزيه دون التحريم « و لا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا » معناه و لا تنكحوا النساء المسلمات جميع الكفار من أهل الكتاب و غيرهم حتى يؤمنوا و هذا يؤيد قول من يقول أن قوله « و لا تنكحوا المشركات » يتناول جميع الكافرات و قوله « و لعبد مؤمن خير من مشرك » أي عبد مصدق مسلم خير من حر مشرك و لو أعجبكم ماله أو حاله أو جماله و الفرق بين و لو أعجبكم و بين و إن أعجبكم أن لو للماضي و إن للمستقبل و كلاهما يصح في معنى الآية و هو من العجب الذي هو بمعنى الاستعظام و ليس من التعجب « أولئك » يعني المشركين « يدعون إلى النار » يعني إلى الكفر و المعاصي التي هي سبب دخول النار و هذا مثل التعليل لأن الغالب أن الزوج يدعو زوجته إلى دينه « و الله يدعو إلى الجنة » أي إلى فعل ما يوجب الجنة « و المغفرة » من الإيمان و الطاعة « بإذنه » أي بأمره يعني بما يأمر و يأذن فيه من الشرائع و الأحكام عن الحسن و الجبائي و قيل بإعلامه و قوله « و يبين آياته للناس » أي حججه و قيل أوامره و نواهيه و ما يحظره و يبيحه للناس « لعلهم يتذكرون » أي لكي يتذكروا أو يتعظوا .
وَ يَسئَلُونَك عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فى الْمَحِيضِ وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتى يَطهُرْنَ فَإِذَا تَطهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْث أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يحِب التَّوَّبِينَ وَ يحِب الْمُتَطهِّرِينَ(222)
القراءة
قرأ أهل الكوفة غير حفص حتى يطهرن بتشديد الطاء و الهاء و الباقون بالتخفيف .
الحجة
من قرأ « يطهرن » فإنه من طهرت المرأة و طهرت طهرا و طهارة و طهرت بالفتح أقيس لأنه خلاف طمثت فينبغي أن يكون على بنائه و أيضا فقولهم طاهر يدل على أنه مثل قعد فهو قاعد و من قرأ يطهرن فإنه يتطهرن فأدغم التاء في الطاء .
اللغة
حاضت المرأة تحيض حيضا و محيضا و محاضا و المصدر من هذا الباب

(2/74)


المفعل و المفعل جائز فيه قال الراعي :
بنيت مرافقهن فوق مزلة
لا يستطيع بها القراد مقيلا أي قيلولة و امرأة حائض و نساء حيض و الاعتزال التنحي عن الشيء و كل شيء نحيته عن موضع فقد عزلته عنه و منه عزل الوالي و أنت عن هذا بمعزل أي متنحي و عزلاء المزادة مخرج الماء من إحدى جانبيها و الجمع عزال و المعزال من الناس الذي لا ينزل مع القوم في السفر لكنه ينزل ناحية و الطهر خلاف الدنس و الطهور يكون اسما و يكون صفة فإذا كان اسما كان على ضربين ( أحدهما ) أن يكون مصدرا كما حكاه سيبويه تطهرت طهورا حسنا و توضأت وضوءا ( و الآخر ) أن يكون اسما ليس بمصدر كما جاء في قوله ( طهورا ناء أحدكم ) كذا و هو اسم لما يطهر كالفطور و الوجور و السعوط و السحور و أما كونه صفة فهو في قوله « و أنزلنا من السماء ماء طهورا » فهذا كالرسول و العجوز و نحو ذلك من الصفات التي جاءت على فعول و لا دلالة فيه على التكرير لما لم يكن متعديا نحو ضروب أ لا ترى أن فعله غير متعد كما يتعدى ضربت و من الصفة قوله هو الطهور ماؤه لأنه ارتفع به الماء كما يرتفع الاسم بالصفة المتقدمة .
الإعراب
من حيث جار و مجرور و لكن حيث مبني لا يظهر فيه الإعراب و إنما بني لمشابهة الحرف لأنه لا يفيد إلا مع غيره كالحرف و من يتعلق بقول « فأتوهن من حيث أمركم الله » جملة في محل الجر بإضافة حيث إليه .
النزول
قيل كانوا في الجاهلية يتجنبون مؤاكلة الحائض و مشاربتها و مجالستها فسألوا عن ذلك فنزلت الآية عن الحسن و قتادة و الربيع و قيل كانوا يستجيزون إتيان النساء في أدبارهن أيام الحيض فلما سألوا عنه بين لهم تحريمه عن مجاهد و الأول عندنا أقوى .
المعنى
ثم بين سبحانه شريعة أخرى فقال « و يسألونك » يا محمد و السائل أبو الدحداح فيما قيل « عن المحيض » أي عن الحيض و أحواله « قل » يا محمد « هو أذى » معناه قذر و نجس عن قتادة و السدي و قيل دم عن مجاهد و قيل هو أذى لهن و عليهن لما فيه من المشقة قاله القاضي « فاعتزلوا النساء في المحيض » أي اجتنبوا مجامعتهن

(2/75)


في الفرج عن ابن عباس و عائشة و الحسن و قتادة و مجاهد و هو قول محمد بن الحسن و يوافق مذهبنا أنه لا يحرم منها غير موضع الدم فقط و قيل يحرم ما دون الإزار و يحل ما فوقه عن شريح و سعيد بن المسيب و هو قول أبي حنيفة و الشافعي « و لا تقربوهن » بالجماع أو ما دون الإزار على الخلاف فيه « حتى يطهرن » بالتخفيف معناه حتى ينقطع الدم عنهن و بالتشديد معناه يغتسلن عن الحسن و يتوضأن عن مجاهد و طاووس و هو مذهبنا « فإذا تطهرن » أي اغتسلن و قيل توضأن و قيل غسلن الفرج « فأتوهن » فجامعوهن و هو إباحة و إن كان صورته صورة الأمر كقوله و إذا حللتم فاصطادوا « من حيث أمركم الله » معناه من حيث أمركم الله تجنبه في حال الحيض و هو الفرج عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و الربيع و قيل من قبل الطهر دون الحيض عن السدي و الضحاك و قيل من قبل النكاح دون الفجور عن ابن الحنفية و الأول أليق بالظاهر قال الزجاج معناه من الجهات التي تحل فيها أن تقرب المرأة و لا تقربوهن من حيث لا يحب أي لا تقربوهن و هن صائمات أو محرمات أو معتكفات و قال الفراء و لو أراد الفرج لقال في حيث فلما قال من حيث علمنا أنه أراد من الجهة التي أمركم الله بها و قال غيره إنما قال من حيث لأن من لابتداء الغاية في الفعل نحو قولك أنت زيدا من مأتاه أي من الوجه الذي يؤتى منه « إن الله يحب التوابين » من الذنوب « و يحب المتطهرين » قيل معناه المتطهرين بالماء عن عطا و قد رواه أصحابنا أيضا في سبب نزول الآية و قيل يحب المتطهرين من الذنوب عن سعيد بن جبير و لم يذكر المتطهرات لأن المؤنث يدخل في المذكر و قيل التوابين من الكبائر و المتطهرين من الصغائر و في هذه الآية دلالة على وجوب اعتزال المرأة في حال الحيض و فيها ذكر غاية التحريم و يشتمل ذلك على فصول أحدها ذكر الحيض و أقله و أكثره و عندنا أقله ثلاثة أيام و أكثره عشرة أيام و هو قول أهل العراق و عند الشافعي و أكثر أهل المدينة أقله يوم و ليلة و أكثره خمسة عشر يوما و ثانيها حكم الوطء في حال الحيض فإن عندنا إن كان في أوله يلزمه دينار و إن كان في وسطه فنصف دينار و إن كان في آخره فربع دينار و قال ابن عباس عليه دينار و لم يفصل و قال الحسن يلزمه بدنة أو رقبة أو عشرون صاعا و ثالثها غاية تحريم الوطء و اختلف فيه فمنهم من جعل الغاية انقطاع الدم و منهم من قال إذا توضأت أو غسلت فرجها حل وطؤها عن عطا و طاووس و هو مذهبنا و إن كان المستحب أن لا يقربها إلا بعد الغسل و منهم من قال إذا انقطع دمها فاغتسلت حل وطؤها عن الشافعي و منهم من قال إذا كان حيضها عشرا فنفس انقطاع الدم يحللها للزوج و إن كان دون العشرة فلا يحل وطؤها

(2/76)


إلا بعد الغسل أو التيمم أو مضي وقت الصلاة عليها عن أبي حنيفة .
نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنى شِئْتُمْ وَ قَدِّمُوا لأَنفُسِكمْ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّكم مُّلَقُوهُ وَ بَشرِ الْمُؤْمِنِينَ(223)
الإعراب
أنى في محل النصب لأنه ظرف مكان إذا كان بمعنى حيث أو أين أو ظرف زمان إذا كان بمعنى متى و العامل فيه فأتوا و شئتم جملة فعلية في موضع الجر بإضافة الظرف إليها و إذا كان أنى بمعنى كيف فهو في محل النصب على المصدر و لا محل لشئتم و تقديره فأتوا حرثكم أي نوع شئتم .
النزول
قيل نزلت ردا على اليهود حيث قالوا أن الرجل إذا أتى المرأة من خلفها في قبلها خرج الولد أحول فكذبهم الله عن ابن عباس و جابر و قيل أنكرت اليهود إتيان المرأة قائمة و باركة فأنزل الله إباحته عن الحسن .
المعنى
لما بين تعالى أحوال النساء في الطهر و الحيض عقب ذلك بقوله « نساؤكم حرث لكم » و فيه وجهان - أحدهما - أن معناه مزدرع لكم و محترث لكم عن ابن عباس و السدي - ( و الثاني ) - إن معناه ذوات حرث لكم منهن تحرثون الولد و اللذة فحذف المضاف و هذا في المعنى مثل الأول عن الزجاج و قال أبو عبيدة كنى بالحرث عن الجماع و الثالث معناه كحرث لكم فحذف كاف التشبيه كما قال الشاعر :
النشر مسك و الوجوه دنا
نير و أطراف الأكف عنم و قد سمى العرب النساء حرثا قال المفضل بن سلمة أنشدني أبي :
إذا أكل الجراد حروث قوم
فحرثي همه أكل الجراد يريد امرأتي « فأتوا حرثكم » أي موضع حرثكم يعني نساءكم « أنى شئتم » معناه من أين شئتم عن قتادة و الربيع قيل كيف شئتم عن مجاهد و قيل متى شئتم عن الضحاك و هذا خطأ عند أهل اللغة لأن أنى لا يكون إلا بمعنى من أي كما قال أنى لك هذا و قيل معناه من أي وجه و استشهد بقول الكميت :
أنى و من أين آبك الطرب
من حيث لا صبوة و لا ريب

(2/77)


و ليس في البيت شاهد لهم لأنه لا يجوز أن يكون أتى به لاختلاف اللفظين كما يقولون متى كان هذا و أي وقت كان و يجوز أن يكون بمعنى كيف و استدل مالك بقوله « أنى شئتم » على جواز إتيان المرأة في دبرها و رواه عن نافع عن ابن عمر و حكاه زيد بن أسلم عن محمد بن المنكدر و به قال كثير من أصحابنا و خالف في ذلك جميع الفقهاء و قالوا أن الحرث لا يكون إلا بحيث النسل فيجب أن يكون الوطء حيث يكون النسل فأجيبوا عن ذلك بأن النساء و إن كن لنا حرثا فقد أبيح لنا وطؤهن بلا خلاف في غير موضع الحرث كالوطء فيما دون الفرج و ما أشبهه و قوله « و قدموا لأنفسكم » معناه قدموا الأعمال الصالحة التي أمرتم بها و رغبتم فيها لتكون ذخرا لكم عند الله و وجه اتصاله بما قبله أنه لما تقدم الأمر بعدة أشياء قال بعدها و قدموا لأنفسكم بالطاعة فيما أمرتم به « و اتقوا الله » و اتقوا عقاب الله بترك مجاوزة الحد فيما بين لكم و في ذلك الحث على العمل بالواجب الذي عرفوه و التحذير من مخالفة ما ألزموه و قيل معنى التقديم هنا طلب الولد فإن في اقتناء الولد الصالح يكون تقديما عظيما لقوله إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا عن ثلاث ولد صالح يدعو له و صدقة جارية و علم به ينتفع بعد موته و قيل هو تقديم الإفراط لقوله من قدم ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم تمسه النار إلا تحلة القسم فقيل يا رسول الله و اثنان قال و اثنان و قيل هو التسمية عند الجماع عن عطاء و قيل هو الدعاء عند الجماع عن مجاهد و يؤيده ما روي عن ابن عباس قال قال النبي إذا أراد أحدكم أن يأتي أهله فليقل بسم الله اللهم جنبني الشيطان و جنب الشيطان ما رزقتنا فإن قدر بينهما ولد لم يضره شيطان و قيل هو التزوج بالعفائف ليكون الولد طاهرا صالحا « و اعلموا أنكم ملاقوه » أي ملاقوا جزائه يعني ثوابه إن أطعتموه و عقابه إن عصيتموه و إنما أضافه إليه على ضرب من المجاز « و بشر المؤمنين » بالثواب و الجنة و لا يصح حمل اللقاء على الرؤية لأن لفظ اللقاء يقع على معان مختلفة يقال لقي جهده و لقي حمامه و لأن في الآية إثبات اللقاء لجميع العباد و هذا خلاف ما ذهب إليه أهل التشبيه .
وَ لا تجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضةً لأَيْمَنِكمْ أَن تَبَرُّوا وَ تَتَّقُوا وَ تُصلِحُوا بَينَ النَّاسِ وَ اللَّهُ سمِيعٌ عَلِيمٌ(224)

(2/78)


 

اللغة
يقال لكل من يصلح للشيء هو عرضة له و المرأة عرضة للنكاح و الدابة المعدة للسفر عرضة له و قال الشاعر :
فهذي لأيام الحروب و هذه
للهوي و هذي عرضة لارتحالنا أي عدة و قال أبو العباس العرضة الاعتراض في الخير و الشر و اليمين و القسم و الحلف واحد و قيل أخذ من القوة لأنه يتقوى به على ما يحلف عليه و منه قوله تلقاها عرابة باليمين و قيل أخذ من الجراحة لأنهم كانوا عند الأيمان يضربون أيديهم على أيديهم فسمي الحلف بذلك و قيل أخذ من اليمن الذي هو البركة لأنه عقد خير يتبرك بذكره للتأكيد .
الإعراب
قوله « أن تبروا » في موضعه ثلاثة أقوال ( أحدها ) أن موضعه جر بحذف اللام عن الخليل قال أبو علي جاز أن يكون المصدر الذي هو أن مع الفعل في موضع جر و إن لم يجز ذلك في غير أن لأمرين ( أحدهما ) أن الكلام قد طال بالصلة فحسن الحذف ( و الآخر ) أن أن حرف و إذا حذف اللام صار كان حرفا كان قد أقيم مقام حرف فعاقبه فلهذا حسن حذف اللام مع أن دون المصدر غير الموصول في اللفظ بالفعل و أقول عنى بذلك أنك إذا قلت جئتك لضرب زيد لم يجز أن تحذف اللام فتقول جئتك ضرب زيد و إذا قلت جئتك لأن تضرب زيدا جاز أن تحذف اللام فتقول جئتك أن تضرب زيدا ( و الثاني ) أن موضعه النصب لأنه لما حذف الجار وصل الفعل و هو قول سيبويه و هو القياس و أقول على القولين جميعا فيكون تقديره لأن لا تبروا على النفي أو لأن تبروا على الإثبات فعلى القول الأول و هو النفي يكون في موضع النصب بأنه مفعول له و على القول الثاني و هو الإثبات يجوز أن يكون مفعولا له و يجوز أن يكون في محل النصب على الحال و العامل فيه ما في قوله « لأيمانكم » من معنى الفعل تقديره لا تجعلوا الله عرضه لأيمانكم كائنة لأن تبروا أي لبركم و ذو الحال الإيمان ( و الثالث ) ما قاله قوم أن موضعه رفع تقديره أن تبروا و تتقوا أولى فحذف الخبر الذي هو أولى لأنه معلوم المعنى .
النزول
نزلت في عبد الله بن رواحة حين حلف أن لا يدخل على ختنه و لا يكلمه و لا يصلح بينه و بين امرأته فكان يقول إني حلفت بهذا فلا يحل لي أن أفعله فنزلت الآية .
المعنى
لما بين سبحانه أحوال النساء و ما يحل منهن عقبه بذكر الإيلاء و هو

(2/79)


اليمين التي تحرم الزوجة فابتدأ بذكر الأيمان أولا تأسيسا لحكم الإيلاء فقال « و لا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم » و في معناه ثلاثة أقوال ( أحدها ) أن معناه لا تجعلوا اليمين بالله علة مانعة لكم من البر و التقوى من حيث تعتمدونها لتعتلوا بها و تقولوا حلفنا بالله و لم تحلفوا به عن الحسن و طاووس و قتادة و أصله في هذا الوجه الاعتراض الذي هو المانع بينكم و بين البر و التقوى لأن المعترض بين الشيئين يكون مانعا من وصول أحدهما إلى الآخر فالعلة مانعة كهذا المعترض ( و الثاني ) أن عرضة معناه حجة فكأنه قال لا تجعلوا اليمين بالله حجة في المنع من البر و التقوى فإن كان قد سلف منكم يمين ثم ظهر أن غيرها خير منها فافعلوا الذي هو خير و لا تحتجوا بما قد سلف من اليمين عن ابن عباس و مجاهد و الربيع و أصله في هذا القول و الأول واحد لأنه منع من جهة الاعتراض لعلة أو حجة ( و الثالث ) أن معناه لا تجعلوا اليمين بالله عدة مبتذلة في كل حق و باطل لأن تبروا في الحلف بها و تتقوا المأثم فيها عن عائشة لأنها قالت لا تحلفوا به و إن بررتم و به قال الجبائي و أبو مسلم و هو المروي عن أئمتنا نحو ما رواه عثمان بن عيسى عن أبي أيوب الخزاز قال سمعت أبا عبد الله يقول لا تحلفوا بالله صادقين و لا كاذبين فإنه سبحانه يقول « و لا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم » قال أبو مسلم و من أكثر ذكر شيء في معنى فقد جعله عرضة له و تقول جعلتني عرضة لقومك قال الشاعر :
و لا تجعليني عرضة للوائم و تقديره على الوجه الأول و الثاني لا تجعلوا الله مانعا من البر و التقوى باعتراضك به حالفا و على الوجه الثالث لا تجعلوا الله مما تحلف به دائما باعتراضك بالحلف به في كل حق و باطل و قوله « أن تبروا » قيل في معناه أقوال ( الأول ) لأن تبروا على معنى الإثبات أي لأن تكونوا بررة أتقياء فإن من قلت يمينه كان أقرب إلى البر ممن كثرت يمينه و قيل لأن تبروا في اليمين ( و الثاني ) أن المعنى لدفع أن تبروا أو لترك أن تبروا فحذف المضاف عن المبرد ( و الثالث ) أن معناه أن لا تبروا فحذف لا عن أبي عبيدة قال و قد حذف لا لأنه في معنى القسم كقول امرىء القيس :
فقلت يمين الله أبرح قاعدا أي لا أبرح و أنكر المبرد هذا لأنه لما كان معه أن بطل أن يكون جوابا للقسم و إنما يجوز و الله أقوم في القسم بمعنى لا أقوم لأنه لو كان إثباتا لقال لأقومن باللام و النون و المعنى في قول أبي العباس و أبي عبيدة واحد و التقدير مختلف « و تتقوا » أي تتقوا الإثم و المعاصي في الأيمان « و تصلحوا بين الناس » في الإيمان و تصلحوا بين الناس عطف على ما سبق و معناه و لا تجعلوا الحلف

(2/80)


بالله علة أو حجة في أن لا تبروا و لا تتقوا و لا تصلحوا لكي تكونوا من البررة و الأتقياء و المصلحين بين الناس أو لدفع أن تبروا و تتقوا و تصلحوا و على الوجه الثالث لا تجعلوا اليمين بالله مبتذلة لأن تبروا و تتقوا و تصلحوا أي بين الناس فإن من كثرت يمينه لا يوثق بحلفه و من قلت يمينه فهو أقرب إلى التقوى و الإصلاح بين الناس « و الله سميع » لأقوالكم « عليم » بما في ضمائركم لا يخفى عليه من ذلك خافية و في هذه الآية دلالة على أن من حلف على شيء فرأى غيره خيرا منه فله أن ينقض يمينه و يفعل الذي هو خير و هل يجب عليه الكفارة فيه خلاف فعند أكثر الفقهاء يجب عليه الكفارة و لا كفارة عليه عندنا و من أقسم على غيره ليفعل فعلا أو ليمتنع عن فعل و لا يبالي بذلك قال بعضهم أن المقسم عليه لا يأثم بذلك و الصحيح أن المقسم عليه يأثم لقول النبي من سألكم بالله فأعطوه و من استعاذكم بالله فأعيذوه .
لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فى أَيْمَنِكُمْ وَ لَكِن يُؤَاخِذُكُم بمَا كَسبَت قُلُوبُكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ(225)
اللغة
أصل اللغو الكلام الذي لا فائدة فيه يقال لغا يلغو لغوا إذا أتى بكلام لا فائدة فيه و ألغى الكلمة إذا طرحها لأنه لا فائدة فيها و اللاغية الكلمة القبيحة الفاحشة و منه اشتقاق اللغة لأنها كلام لا فائدة فيه عند غير أهله و لغو الطائر منطقه قال ثعلبة بن صعير المازني :
باكرتهم بسباء جون ذارع
قبل الصباح و قبل لغو الطائر و اللغا الذكر بالكلام القبيح لغي يلغى لغى و أصل الحلم الأناة و هو في صفته تعالى الإمهال بتأخير العقاب على الذنب .
الإعراب
« في أيمانكم » في موضع الحال و العامل فيه يؤاخذ و ذو الحال اللغو « بما كسبت » يجوز أن يكون ما اسما موصولا و يجوز أن يكون حرفا موصولا .
المعنى
ثم بين سبحانه أقسام اليمين فقال « لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » اختلفوا في يمين اللغو فقيل هو ما يجري على عادة الناس من قول لا و الله و بلى و الله من غير عقد على يمين يقتطع بها مال و لا يظلم بها أحد عن ابن عباس و عائشة

(2/81)


و الشعبي و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله و هو قول الشافعي و قيل هو أن يحلف و هو يرى أنه صادق ثم تبين أنه كاذب فلا إثم عليه و لا كفارة عن الحسن و مجاهد و قتادة و غيرهم و هو قول أبي حنيفة و أصحابه و قيل هو يمين الغضبان لا يؤاخذكم بالحنث فيها عن ابن عباس أيضا و طاووس و به قال سعيد بن جبير إلا أنه أوجب فيها الكفارة و قال مسروق كل يمين ليس له الوفاء فهي لغو و لا يجب فيها كفارة « و لكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم » أي بما عزمتم و قصدتم لأن كسب القلب العقد و النية و فيه حذف أي من أيمانكم و قيل بأن تحلفوا كاذبين أو على باطل عن إبراهيم « و الله غفور » يغفر الذنوب « حليم » يمهل العقوبة على الذنب و لا يعجل بها .
لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسائهِمْ تَرَبُّص أَرْبَعَةِ أَشهُر فَإِن فَاءُو فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(226) وَ إِنْ عَزَمُوا الطلَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سمِيعٌ عَلِيمٌ(227)
اللغة
آلى الرجل من امرأته يؤلي إيلاء من الألية و الألوة و هي الحلف قال الشاعر :
كفينا من تغيب من نزار
و أحنثنا إليه مقسمينا و ائتلى و تألى بمعناه و في التنزيل « و لا يأتل أولوا الفضل منكم » و قرأ و لا يتأل و جمع الألية ألايا و أليات كعشية و عشايا و عشيات و جمع الألوة الأييي كركوبة و ركائب و التربص الانتظار و يقال تربصت به قال الشاعر :
تربص بها ريب المنون لعلها
تطلق يوما أو يموت حليلها و الفيء الرجوع يقال فاء يفيء فيئا إذا رجع و فاء الفيء إذا تحول عن جهة الغداة برجوع الشمس عنه و الفرق بين الفيء و الظل ما قال المبرد أن الفيء ما نسخ الشمس لأنه هو الراجع و الظل ما لا شمس فيه و كل فيء ظل و ليس كل ظل فيئا و أهل الجنة في ظل لا

(2/82)


في فيء لأن الجنة لا شمس فيها و في التنزيل و ظل ممدود و جمع الفيء أفياء و الفيء غنائم المشركين أفاء الله علينا منهم و هو من رجوع الشيء إلى حقه و فلان سريع الفيء من غضبه أي الرجوع و العزم هو العقد على فعل شيء في مستقبل الأوقات و هو إرادة متقدمة للفعل بأكثر من وقت واحد يتعلق بفعل اللازم يقال عزم على الشيء يعزم عزما و اعتزم و عزمت عليك لتفعلن أي أقسمت و عزم الراقي كأنه أقسم على الداء و ما لفلان عزيمة أي ما يثبت على شيء لتلونه و عزائم القرآن التي تقرأ على ذوي الآفات لما يرجى من البرء بها و الطلاق حل عقد النكاح بسبب من جهة الرجل و امرأة طالق زعم قوم أن تاء التأنيث إنما حذفت لأنه لا حظ فيه للمذكر و هذا ليس بشيء لأن في الكلام أشياء كثيرة يشترك فيها المذكر و المؤنث لا يثبت فيها الهاء في المؤنث يقال بعير ضامر و ناقة ضامر و أمثاله كثيرة و قال سيبويه أنه وقع على لفظ التذكير صفة للمؤنث لأن المعنى شيء طالق و حقيقته أنه على جهة النسب نحو قولهم امرأة مطفل أي ذات طفل و طالق أي ذات طلاق فإذا أجريته على الفعل قلت طالقة قال الأعشى :
أيا جارتي بيني فإنك طالقة
كذاك أمور الناس غاد و طارقة و أصل الطلاق من الانطلاق و طلقت المرأة عند الولادة فهي مطلوقة إذا تمخضت و الطلق الشوط من الجري و الطلق الحبل الشديد الفتل و السميع من كان على صفة يجب لأجلها أن يدرك المسموعات إذا وجدت و هي ترجع إلى كونه حيا لا آفة به و السامع المدرك و يوصف القديم سبحانه في الأزل بأنه سميع و لا يوصف في الأزل بأنه سامع إنما يوصف به إذا وجدت المسموعات .
الإعراب
يجوز في « أربعة أشهر » ثلاثة أوجه الجر على الإضافة و عليه القراءة و هذه الإضافة غير حقيقية فإن الأربعة في محل النصب و إن كان مجرور اللفظ و يجوز في العربية الرفع و النصب « تربص أربعة أشهر » كقوله فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله و مثله فجزاء مثل ما قتل من النعم و تربص أربعة أشهر كقوله « أ لم نجعل الأرض كفاتا أحياء و أمواتا » أي تكفتكم أحياء و أمواتا .
المعنى
ثم بين تعالى حكم الإيلاء لأنه من جملة الأيمان و الأقسام و شريعة من شرائع الإسلام فقال « للذين يؤلون » أي يحلفون و فيه حذف أي أن يعتزلوا عن وطء

(2/83)


نسائهم على وجه الإضرار بهن « تربص أربعة أشهر » أي التوقف و التثبت في أربعة أشهر و اليمين التي يكون الرجل بها موليا هي اليمين بالله عز و جل أو بشيء من صفاته التي لا يشاركه فيها أحد غيره على وجه لا يقع موقع اللغو الذي لا فائدة فيه و يكون الحلف على الامتناع من الجماع على وجه الغضب و الضرار و هو المروي عن علي و ابن عباس و الحسن و قيل في الغضب و الرضا عن إبراهيم و الشعبي و جماعة من الفقهاء و قيل هو في الجماع و غيره من الضرار نحو أن يحلف لا يكلمها عن سعيد بن المسيب « فإن فاءوا » أي رجعوا إلى أمر الله بأن يجامعوا عند القدرة عليه أو يراجعوا بالقول عند العجز عن الجماع عن ابن عباس و مسروق و سعيد بن المسيب و هو مذهبنا و به قال أبو حنيفة و أصحابه و قيل يكون فائيا بالعزم في حال العذر إلا أنه ينبغي أن يشهد على فيئه عن الحسن و إبراهيم و علقمة و هذا يكون عندنا للعاجز عن الجماع و يجب على الفائي عندنا كفارة و لا عقوبة عليه و به قال ابن عباس و سعيد بن المسيب و قتادة و قال الحسن و إبراهيم لا كفارة عليه و لا عقوبة لقوله « فإن الله غفور رحيم » و معنى غفور عندنا أنه لا يتبعه بعقوبة و من حلف أن لا يجامع أقل من أربعة أشهر لا يكون موليا و من حلف أن لا يقربها و هي مرضعة مخافة أن تحبل فيضر ذلك بولدها لا يلزمه حكم الإيلاء و إذا مضت أربعة أشهر و لم يجامع ألزمه الحاكم إما الرجوع و الكفارة و إما الطلاق فإن امتنع حبسه حتى يفيء أو يطلق « و إن عزموا الطلاق » عزيمة الطلاق عندنا أن يعزم ثم يتلفظ بالطلاق و متى لم يتلفظ بالطلاق على الوجه المشروع فإن المرأة لا تبين منه إلا أن تستعدي فإن استعدت و أنظره الحاكم أربعة أشهر فإنه يوقف عند الأشهر الأربعة و يقال له فيء أو طلق فإن لم يفعل حبسه حتى يطلق و به قال الشافعي إلا أنه قال متى امتنع من الطلاق و الفئة طلق عنه الحاكم طلقة رجعية و قال أبو حنيفة و أصحابه إذا مضت أربعة أشهر و لم يفيء بانت منه بتطليقة و لا رجعة له عليها و عليها العدة يخطبها في العدة و لا يخطبها غيره « فإن الله سميع عليم » يسمع قوله و يعلم ضميره و قيل يسمع إيلاءه و يعلم نيته و إنما ذكر عقيب الأول « فإن الله غفور رحيم » لأنه لما أخبر عن المولى أنه يلزمه الفيء أو الطلاق بين أنه إن فاء فإن الله غفور رحيم بأن يقبل رجوعه و لا يتبعه بعقاب ما ارتكبه و ذكرها هنا أنه سميع عليم لما أخبر عنه بإيقاع الطلاق و كان ذلك مما يسمع أخبر بأنه لا يخفى عليه و أنه يسمعه فكل لا يليق إلا بموضعه و ذلك من عظيم فصاحة القرآن .

(2/84)


وَ الْمُطلَّقَت يَترَبَّصنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوء وَ لا يحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فى أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الاَخِرِ وَ بُعُولَتهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فى ذَلِك إِنْ أَرَادُوا إِصلَحاً وَ لَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيهِنَّ بِالمَْعْرُوفِ وَ لِلرِّجَالِ عَلَيهِنَّ دَرَجَةٌ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(228)
اللغة
القروء جمع قرء و جمعه القليل أقرؤ و الكثير أقراء و قروء و صار بناء الكثير فيه أغلب في الاستعمال يقال ثلاثة قروء مثل ثلاثة شسوع استغنى ببناء الكثير عن بناء القليل و وجه آخر و هو أنه لما كانت كل مطلقة يلزمها هذا دخله معنى الكثرة فأتى ببناء الكثرة للإشعار بذلك فالقروء كثيرة إلا أنها ثلاثة في ثلاثة في القسمة و هذا الحرف من الأضداد و أصله في اللغة يحتمل وجهين ( أحدهما ) الاجتماع و منه قرأت القرآن لاجتماع حروفه و ما قرأت الناقة سلا قط أي لم يجتمع رحمها على ولد قط قال عمرو بن كلثوم :
ذراعي عيطل أدماء بكر
هجان اللون لم تقرأ جنينا فعلى هذا يقال أقرأت المرأة فهي مقرىء إذا حاضت و أنشد :
له قروء كقروء الحائض و ذلك لاجتماع الدم في الرحم و يجيء على هذا أن يكون القرء الطهر لاجتماع الدم في جملة البدن ( و الوجه الثاني ) أن أصل القرء الوقت الجاري في الفعل على عادة و هو يصلح للحيض و الطهر يقال هذا قارىء الرياح أي وقت هبوبها قال الشاعر :
شنئت العقر عقر بني شليل
إذا هبت لقاريها الرياح أي لوقت هبوبها و شدة بردها و الذي يدل على أن القرء الطهر قول الأعشى :
و في كل عام أنت جاشم غزوة
تشد لأقصاها عزيم عزائكا
مورثة مالا و في الأرض رفعة
لما ضاع فيها من قروء نسائكا فالذي ضاع هاهنا الأطهار لا الحيض و البعولة جمع بعل و يقال بعل يبعل بعولة و هو

(2/85)


بعل و سمي الزوج بعلا لأنه عال على المرأة بملكه لزوجيتها و قوله « أ تدعون بعلا » أي ربا و قيل أنه صنم و البعل النخل يشرب بعروقه لأنه مستعل على شربه و بعل الرجل بأمره إذا ضاق به ذرعا لأنه علاه منه ما ضاق به ذرعه و بعل الرجل بطر لأنه استعلى تكبرا و امرأة بعلة لا تحسن لبس الثياب لأن الحيرة تستعلي عليها فتدهشها و الرجال جمع رجل يقال رجل بين الرجلة أي القوة و هو أرجلهما أي أقواهما و فرس رجيل قوي على المشي و سميت الرجل رجلا لقوتها على المشي و رجل من جراد أي قطعة منه تشبيها بالرجل لأنها قطعة من الجملة و الراجل الذي يمشي على رجله و ارتجل الكلام ارتجالا لأنه قوي عليه من غير ركوب فكرة و ترجل النهار لأنه قوي ضياءه بنزول الشمس إلى الأرض و رجل شعره إذا طوله و أصل الباب القوة و الدرجة المنزلة .
الأعراب
« إن كن يؤمن بالله » جواب الشرط محذوف و تقديره إن كن يؤمن بالله لا يكتمن و كذلك جواب الشرط من قوله تعالى « إن أرادوا إصلاحا » محذوف و تقديره إن أرادوا إصلاحا فبعولتهن أحق بردهن « مثل الذي عليهن » إضافة مثل غير حقيقية لأن الذي عليهن مفعوله .
المعنى
ثم بين سبحانه حكم المطلقات و الطلاق فقال « و المطلقات » أي المخليات عن حبال الأزواج بالطلاق و إنما يعني المطلقات المدخول بهن من ذوات الحيض غير الحوامل لأن في الآية بيان عدتهن « يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء » معناه ينتظرن بأنفسهن انقضاء ثلاثة قروء فلا يتزوجن لفظه خبر و معناه أمر و المراد بالقروء الأطهار عندنا و به قال زيد بن ثابت و عائشة و ابن عمر و مالك و الشافعي و أهل المدينة قال ابن شهاب ما رأيت أحدا من أهل بلدنا إلا و هو يقول الأقراء الأطهار إلا سعيد بن المسيب و المروي عن ابن عباس و ابن مسعود و الحسن و مجاهد و رووه أيضا عن علي أن القرء الحيض و المراد بثلاثة قروء ثلاثة حيض و هو مذهب أبي حنيفة و أصحابه و استشهدوا بقوله (عليه السلام) للمستحاضة دعي الصلاة أيام أقرائك و الصلاة إنما تترك في أيام الحيض و استشهد من ذهب إلى أن القرء الطهر بقوله تعالى : « فطلقوهن لعدتهن » أي في طهر لم تجامع فيه كما يقال لغرة الشهر .
و يقول النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لما طلق ابن عمر زوجته و هي حائض مرة فليراجعها فإذا طهرت فليطلق أو ليمسك و تلا النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن لقبل عدتهن فأخبر أن العدة الأطهار دون الحيض لأنها حينئذ تستقبل عدتها و لو طلقت حائضا لم تكن مستقبلة

(2/86)


عدتها إلا بعد الحيض و روى أصحابنا عن زرارة قال سمعت ربيعة الرأي يقول أن من رأيي أن الأقراء التي سمى الله في القرآن إنما هي الطهر فيما بين الحيضين و ليست بالحيض قال فدخلت على أبي جعفر فحدثته بما قال ربيعة فقال كذب لم يقل برأيه و إنما بلغه عن علي (عليه السلام) فقلت أصلحك الله أ كان علي يقول ذلك قال نعم كان يقول إنما القرء الطهر تقرأ فيه الدم فتجمعه فإذا جاء الحيض قذفته قلت أصلحك الله رجل طلق امرأته طاهرة من غير جماع بشهادة عدلين قال إذا دخلت في الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها و حلت للأزواج قال قلت إن أهل العراق يروون عن علي (عليه السلام) أنه كان يقول هو أحق بردها ما لم تطهر من الحيضة الثالثة فقال كذبوا « و لا يحل لهن » أي للمطلقات اللاتي تجب عليهن العدة « أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن » قيل أراد به الحيض عن إبراهيم و عكرمة و قيل أراد به الحبل عن ابن عباس و قتادة و قيل أراد به الحيض و الحبل عن ابن عمر و الحسن و هو المروي عن الصادق (عليه السلام) قال قد فوض الله إلى النساء ثلاثة أشياء الحيض و الطهر و الحمل و هذا القول أعم فالأخذ به أولى و إنما لم يحل لهن الكتمان لئلا يظلمن الزوج بمنع المراجعة عن ابن عباس و قيل بنسبة الولد إلى غيره كفعل الجاهلية عن قتادة و قوله « إن كن يؤمن بالله و اليوم الآخر » يعني من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فهذه صفته و حليته و ليس هذا بشرط حتى أنها إذا لم تكن مؤمنة يحل لها الكتمان و لكن المراد أن الإيمان يمنع من ارتكاب هذه المعصية كما يقول الرجل لصاحبه إن كنت مؤمنا فلا تظلم و هذا على وجه الوعيد « و بعولتهن أحق بردهن في ذلك » يعني أن أزواجهن أولى بمراجعتهن و هي ردهن إلى الحالة الأولى في ذلك الأجل الذي قدر لهن في مدة العدة فإنه ما دامت تلك المدة باقية كان للزوج حق المراجعة و يفوت بانقضائها و في هذا ما يدل على أن الزوج ينفرد بالمراجعة و لا يحتاج في ذلك إلى رضاء المرأة و لا إلى عقد جديد و إشهاد و هذا يختص بالرجعيات و إن كان أول الآية عاما في جميع المطلقات الرجعية و البائنة « إن أرادوا إصلاحا » لا إضرارا و ذلك أن الرجل كان إذا أراد الإضرار بامرأته طلقها واحدة و تركها حتى إذا قرب انقضاء عدتها راجعها و تركها مدة ثم طلقها أخرى و تركها مدة كما فعل في الأولى ثم راجعها و تركها مدة ثم طلقها أخرى فجعل الله الزوج أحق بالمراجعة على وجه الإصلاح لا على وجه الإضرار و إنما شرط الإصلاح في إباحة الرجعة لا في ثبوت أحكامها لإجماع الأمة على أن مع إرادة الإضرار يثبت أحكام الرجعة و قوله

(2/87)


« و لهن » أي للنساء على أزواجهن « مثل الذي لهم عليهن » من الحق « بالمعروف » و هذا من الكلمات العجيبة الجامعة للفوائد الجمة و إنما أراد بذلك ما يرجع إلى حسن العشرة و ترك المضارة و التسوية في القسم و النفقة و الكسوة كما أن للزوج حقوقا عليها مثل الطاعة التي أوجبها الله عليها له و أن لا تدخل فراشه غيره و أن تحفظ ماءه فلا تحتال في إسقاطه و روي أن امرأة معاذ قالت يا رسول الله ما حق الزوجة على زوجها قال أن لا يضرب وجهها و لا يقبحها و أن يطعمها مما يأكل و يلبسها مما يلبس و لا يهجرها و روي عنه (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله و استحللتم فروجهن بكلمة الله و من حقكم عليهن أن لا يوطئن فراشكم من تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح و لهن عليكم رزقهن و كسوتهن بالمعروف و قوله « و للرجال عليهن درجة » قيل معناه فضيلة منها الطاعة و منها أن يملك التخلية و منها زيادة الميراث على قسم المرأة و الجهاد هذا قول مجاهد و قتادة و قيل معناه منزلة في الأخذ عليها بالفضل في المعاملة حتى يقول ما أحب أن أستوفي منها جميع حقي ليكون لي عليها الفضيلة عن ابن عباس و قيل معناه أن المرأة تنال اللذة من الرجل كما ينال الرجل منها و له الفضل بنفقته و قيامه عليها عن الزجاج و في تفسير علي بن إبراهيم بن هاشم قال حق الرجال على النساء أفضل من حق النساء على الرجال و في كتاب من لا يحضره الفقيه روي عن الباقر (عليه السلام) قال جاءت امرأة إلى رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فقالت يا رسول الله ما حق الزوج على المرأة فقال لها أن تطيعه و لا تعصيه و لا تتصدق من بيتها بشيء إلا بإذنه و لا تصوم تطوعا إلا بإذنه و لا تمنعه نفسها و إن كانت على ظهر قتب و لا تخرج من بيتها إلا بإذنه فإن خرجت بغير إذنه لعنتها ملائكة السماء و ملائكة الأرض و ملائكة الغضب و ملائكة الرحمة حتى ترجع إلى بيتها فقالت يا رسول الله من أعظم الناس حقا على المرأة قال زوجها قالت فما لي من الحق عليه مثل ما له من الحق علي قال لا و لا من كل مائة واحدة فقالت و الذي بعثك بالحق لا يملك رقبتي رجل أبدا و قال (عليه السلام) لو كنت آمرا أحدا يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها « و الله عزيز حكيم » أي قادر على ما يشاء يمنع و لا يمنع و يقهر و لا يقهر فاعل ما تدعو إليه الحكمة و قد قيل في الآية إن المطلقة قبل الدخول و المطلقة الحاملة نسختا من هذه الآية بقوله فما لكم عليهن من عدة تعتدونها و أولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن و قيل إنهما مخصوصتان من الآية كما ذكرناه في أول الآية .

(2/88)


الطلَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْساك بمَعْرُوف أَوْ تَسرِيحُ بِإِحْسن وَ لا يحِلُّ لَكمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شيْئاً إِلا أَن يخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَت بِهِ تِلْك حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَ مَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئك هُمُ الظلِمُونَ(229)
القراءة
قرأ أبو جعفر و حمزة إلا أن يخافا بضم الياء و الباقون بفتحها .
الحجة
خاف فعل يتعدى إلى مفعول واحد و ذلك المفعول يكون أن و صلتها نحو قوله تخافون أن يتخطفكم الناس و يكون غيرها نحو قوله تخافونهم فوجه قراءة حمزة إلا أن يخافا أنه لما بني الفعل للمفعول به أسند الفعل إليه فلم يبق شيء يتعدى إليه فأما أن من قوله « ألا يقيما » فإن الفعل يتعدى إليه بالجار كما تعدى بالجار في قوله :
و لو خافك الله عليه حرمه و موضع أن في الآية جر بالجار المقدر على قول الخليل و الكسائي و نصب في قول سيبويه و أصحابه إلا أنه لما حذف الجار وصل الفعل إلى المفعول الثاني مثل أستغفر الله ذنبا و أمرتك الخير فقراءته مستقيمة على ما رأيت فإن قال قائل لو كان يخافا كما قرأ لكان ينبغي أن يكون فإن خيفا قيل لا يلزمه هذا السؤال لمن خالفه في القراءة لأنهم قد قرءوا إلا أن يخافا و لم يقولوا فإن خافا و ليس يلزم هذا السؤال جميعهم لأمرين ( أحدهما ) أنه انصرف من الغيبة إلى الخطاب كما قال الحمد لله ثم قال إياك نعبد و ما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون و هذا النحو كثير في التنزيل و غيره ( و الآخر ) أن يكون الخطاب في قوله « فإن خفتم » مصروفا إلى الولاة و الفقهاء الذين يقومون بأمور الكافة و جاز أن يكون الخطاب للكثرة فيمن جعله انصرافا من الغيبة إلى الخطاب لأن ضمير الاثنين في يخافا ليس يراد به اثنان مخصوصان إنما يراد به أن كل من كان هذا شأنه فهذا حكمه فأما من قرأ « يخافا » بفتح الياء فالمعنى أنه إذا خاف كل واحد من الزوج و المرأة أن لا يقيما حدود الله حل الافتداء .

(2/89)


اللغة
المرة و المرتان كالكرة و الكرتين و أصل المرة المرور خلاف الوقوف و المرة شدة الفتل لاستمراره على الأحكام و الإمساك خلاف الإطلاق و ما بفلان مسكة و تماسك إذا لم يكن فيه خير و الممسك البخيل و المسك الإهاب لأنه يمسك البدن باحتوائه عليه و المسك السوار لاستمساكه في اليد و التسريح مأخوذ من السرح و هو الإطلاق و سرح الماشية في المرعى سرحا إذا أطلقها ترعى و سرحت الماشية انطلقت في المرعى و السرحان الذئب لاتباعه السرح و السرحة الشجرة المرتفعة لانطلاقها في جهة الطول و المسرح المشط لإطلاق الشعر به و السرياح الجراد لانطلاقه في البلاد و « أن يخافا » معناه أن يظنا قال الشاعر :
أتاني كلام عن نصيب يقوله
و ما خفت يا سلام إنك عائبي يعني ما ظننت و أنشد الفراء :
إذا مت فادفني إلى جنب كرمة
تروي عظامي بعد موتي عروقها
و لا تدفنني في الفلاة فإنني
أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها .
الإعراب
الطلاق رفع بالابتداء و مرتان الخبر و قوله « فإمساك » خبر مبتدإ محذوف تقديره فالواجب عليكن إمساك و لو كان في الكلام فإمساكا بالنصب لكان جايزا على فأمسكوهن إمساكا بمعروف كما قال فأمسكوهن بمعروف و « أن يخافا » موصول و صلة موضعهما نصب بأنه مفعول له تقديره لمخافتهما و « أن لا يقيما » في موضع نصب بأنه مفعول يخافا تقديره يخافا ترك إقامة حدود الله .
النزول
روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن امرأة أتتها فشكت أن زوجها يطلقها و يسترجعها يضارها بذلك و كان الرجل في الجاهلية إذا طلق امرأته ثم راجعها قبل أن تنقضي عدتها كان له ذلك و إن طلقها ألف مرة لم يكن للطلاق عندهم حد فذكرت ذلك لرسول الله فنزلت « الطلاق مرتان » فجعل حد الطلاق ثلاثا و الطلاق الثالث قوله فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره و روي أيضا أنه قيل للنبي الطلاق مرتان فأين الثالثة قال « إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان » و قوله « إلا أن يخافا » فأنزل في ثابت بن قيس بن شماس و زوجته جميلة بنت عبد الله بن أبي و كان يحبها و تبغضه فقال لها أ تردين عليه حديقته قالت نعم و أزيده قال لا حديقته فقط فردت عليه حديقته فقال يا ثابت خذ منها ما أعطيتها و خل سبيلها ففعل فكان أول خلع في الإسلام .

(2/90)


المعنى
ثم بين سبحانه عدد الطلاق فقال « الطلاق مرتان » أي الطلاق الذي يملك فيه الرجعة مرتان و في معناه قولان ( أحدهما ) أنه بيان تفصيل طلاق السنة و هو أنه إذا أراد طلاقها ينبغي أن يطلقها في طهر لم يقربها فيه بجماع تطليقة واحدة ثم يتركها حتى تخرج من العدة أو حتى تحيض و تطهر ثم يطلقها ثانية عن ابن عباس و مجاهد ( و الثاني ) إن معناه البيان عن عدد الطلاق الذي يوجب البينونة مما لا يوجبها و في الآية بيان أنه ليس بعد التطليقتين إلا الفرقة البائنة و لفظه لفظ الخبر و معناه الأمر أي طلقوا دفعتين و قوله « فإمساك بمعروف » تقديره فالواجب إذا راجعها بعد التطليقتين إمساك بمعروف أي على وجه جميل سائغ في الشريعة لا على وجه الإضرار بهن « أو تسريح بإحسان » فيه قولان ( أحدهما ) أنه الطلقة الثالثة ( و الثاني ) أنه يترك المعتدة حتى تبين بانقضاء العدة عن السدي و الضحاك و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله « و لا يحل لكم » خطاب الأزواج « أن تأخذوا » في حال الطلاق و استبدال « مما آتيتموهن » أي أعطيتموهن من المهر « شيئا » ثم استثنى الخلع فقال « إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله » معناه إلا أن يغلب على ظنهما أن لا يقيما حدود الله لما بينهما من أسباب التباعد و التباغض و قال ابن عباس هو أن يظهر من المرأة النشوز و سوء الخلق بغضا للزوج و قال أبو عبد الله إذا قالت المرأة له لا أغتسل لك من جنابة و لا أبر لك قسما و لأوطئن فراشك و لأدخلن عليك بغير إذنك إذا قالت له هذا حل له أن يخلعها و حل له ما أخذ منها و على الجملة إذا خاف أن تعصي الله فيه بارتكاب محظور أو إخلال بواجب و أن لا تطيعه فيما يجب عليها فحينئذ يحل له أن يخلعها و روي مثل ذلك عن الحسن و قال الشعبي هو نشوزها و نشوزه « فإن خفتم ألا يقيما حدود الله » أي فإن ظننتم أن لا يكون بينهما صلاح في المقام « فلا جناح عليهما » أي فلا حرج و لا إثم عليهما و هذا يفيد الإباحة و في قوله « عليهما » و إن كانت الإباحة للزوج وجهان ( أحدهما ) إن الزوج لو خص بالذكر لأوهم أنها عاصية و إن كانت الفدية له جائزة فبين الأذن لهما في ذلك ليزول الإيهام عن علي بن عيسى ( و الآخر ) أن المراد به الزوج و إنما ذكر معه المرأة لاقترانهما كقوله « نسيا حوتهما » و قوله « يخرج منهما اللؤلؤ و المرجان » و إنما هو من الملح دون العذب فجاز للاتساع قال الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن و هذا أليق بمذهبنا لأن الذي يبيح الخلع عندنا هو ما لولاه لكانت المرأة عاصية و أقول أن الذي عندي في ذلك أن جواز وقوع العصيان منها هو السبب في إباحة الخلع و رفع الجناح إنما تعلق بالخلع لا بأسبابه و الوجه الأول أولى بالاختيار و أشد ملائمة لظاهر الآية و الوجه الأخير مرغوب عنه لعدوله عن سنن الاستقامة إذ لا يكون الاثنان

(2/91)


واحدا في الحقيقة « فيما افتدت به » أي بذلت من المال و اختلف في ذلك فعندنا إن كان البغض منها وحدها و خاف منها العصيان جاز أن يأخذ المهر و زيادة عليه و إن كان منهما فدون المهر و قيل أنه يجوز الزيادة على المهر و النقصان من غير تفصيل عن ابن عباس و ابن عمر و رجاء بن حيوة و إبراهيم و مجاهد و قيل المهر فقط عن ربيع و عطا و الزهري و الشعبي و رووه عن علي و الخلع بالفدية على ثلاثة أوجه ( أحدها ) أن تكون المرأة عجوز أو دميمة فيضار بها الزوج لتفتدي نفسها فهذا لا يحل له الفداء لقوله « و إن أردتم استبدال زوج مكان زوج » الآية ( و الثاني ) أن يرى الرجل امرأته على فاحشة فيضار بها لتفتدي نفسها فهذا جائز و هو معنى قوله « و لا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة » ( و الثالث ) أن يخافا ألا يقيما حدود الله لسوء خلق أو قلة نفقة من غير ظلم أو نحو ذلك فيجوز لهما جميعا الفدية على ما مر تفصيله « تلك حدود الله » أي أوامره و نواهيه و ما نصب من الآيات في الخلع و الطلاق و الرجعة و العدة « فلا تعتدوها » أي فلا تجاوزوها بالمخالفة « و من يتعد حدود الله » أي يتجاوزها بأن يخالف ما حد له « فأولئك هم الظالمون » و استدل أصحابنا بهذه الآية على أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد لا يقع لأنه قال الطلاق مرتان ثم ذكر الثالث على الخلاف في أنها قوله « أو تسريح بإحسان » أو قوله « فإن طلقها » و من طلق ثلاثا بلفظ واحد فإنه لم يأت بالمرتين و لا بالثالثة كما أنه لما أوجب في اللعان أربع شهادات فلو أتى بالأربع بلفظ واحد لما أتى بالشروع و لم يحصل حكم اللعان و كذلك لو رمي في الجمار بسبع حصيات دفعة واحدة لم تجزىء عنه بلا خلاف و كذلك الطلاق .
فَإِن طلَّقَهَا فَلا تحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتى تَنكِحَ زَوْجاً غَيرَهُ فَإِن طلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَ تِلْك حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنهَا لِقَوْم يَعْلَمُونَ(230)
الإعراب
موضع أن في قوله « فلا جناح عليهما أن يتراجعا » جر بإضمار الجار و تقديره في أن يتراجعا عن الخليل و الكسائي و الزجاج و قيل و موضعه نصب و هو اختيار الزجاج و باقي النحويين و موضع أن الثانية و هو « أن يقيما حدود الله » نصب بلا خلاف بظنا و إنما

(2/92)


جاز حذف في من « أن يتراجعا » و لم يجز حذفه من المصدر الذي هو التراجع لطول أن بالصلة كما جاز الذي ضربت زيد لطول الذي بالصلة و لم يجز في المصدر كما لم يجز في اسم الفاعل نحو زيد ضارب عمرو و يريد ضاربه .
النزول
الزهري عن عروة عن عائشة قالت جاءت امرأة رفاعة بن وهب القرظي إلى رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فقالت إني كنت عند رفاعة فطلقني فبت طلاقي فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير و أن ما معه مثل هدبة الثوب و أنه طلقني قبل أن يمسني فارجع إلى ابن عمي فتبسم رسول الله و قال أ تريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى يذوق عسيلتك و تذوقي عسيلته و في قصة رفاعة و زوجته نزل فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره .
المعنى
ثم بين سبحانه حكم التطليقة الثالثة فقال « فإن طلقها » يعني التطليقة الثالثة على ما روي عن أبي جعفر و به قال السدي و الضحاك و قيل هو تفسير قوله « أو تسريح بإحسان » عن مجاهد و هذا على مذهب من جعل التسريح طلاقا « فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره » أي لا تحل هذه المرأة أي لا يحل نكاحها لهذا الرجل الذي طلقها حتى تزوج زوجا غيره و يجامعها و اختلف في ذلك فقيل العقد علم بالكتاب و الوطء بالسنة عن الجبائي و قيل بل كلاهما علم بالكتاب لأن لفظ النكاح يطلق عليهما فكأنه قيل حتى يتزوج و يجامعها الزوج و لأن العقد مستفاد بقوله « زوجا غيره » و النكاح مستفاد بقوله « حتى تنكح » و إنما أوجب الله ذلك لعلمه بصعوبة تزوج المرأة على الرجل حتى لا يعجلوا بالطلاق و أن يتثبتوا قال أبو مسلم و هذا من الكنايات الفصيحة و الإيجاز العجيب « فإن طلقها » الزوج الثاني « فلا جناح عليهما أن يتراجعا » أي فلا جناح على الزوج و على المرأة أن يعقدا بينهما عقد النكاح و يعودا إلى الحالة الأولى فذكر النكاح بلفظ التراجع « إن ظنا » أي إن رجيا و قيل علما و قيل اعتقدا « أن يقيما حدود الله » في حسن الصحبة و المعاشرة و أنه يكون بينهما الصلاح « و تلك » إشارة إلى الأمور التي بينها في النكاح و الطلاق و الرجعة « حدود الله » أوامره و نواهيه « يبينها » يفصلها « لقوم يعلمون » خص العالمين بذكر البيان لهم لأنهم هم الذين ينتفعون ببيان الآيات فصار غيرهم بمنزلة من لا يعتد به و يجوز أيضا أن يكونوا خصوا بالذكر تشريفا لهم كما خص جبرائيل و ميكائيل

(2/93)


بالذكر من بين الملائكة و تدل الآية على أنه إذا طلقها الثالثة فلا تحل له إلا بعد شرائط الزوج الثاني و وطئه في القبل و فرقته و انقضاء عدتها .
و صفة الزوج الذي يحل المرأة للزوج الأول أن يكون بالغا و يعقد عليها عقدا صحيحا دائما و اختلف في التحليل على ثلاثة أقاويل فمنهم من قال إذا نوى التحليل يفسد النكاح و لا تحل للأول عن مالك و الأوزاعي و الثوري و روي نحوه عن أبي يوسف و احتجوا بقوله ( لعن الله المحلل و المحلل له ) و منهم من قال إذا لم يشرط في العقد حل و إذا شرطه يفسد و لا يحل عند الشافعي و منهم من قال يصح العقد و يبطل الشرط و تحل للأول و لكن يكره ذلك و هو الظاهر من مذهب أبي حنيفة و أهل العراق و قال محمد يصح النكاح و لا تحل للأول و في قوله « فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره » دلالة على أن النكاح بغير ولي جائز و إن المرأة يجوز لها أن تعقد على نفسها لأنه أضاف العقد إليها دون وليها .
وَ إِذَا طلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بمَعْرُوف أَوْ سرِّحُوهُنَّ بمَعْرُوف وَ لا تمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُوا وَ مَن يَفْعَلْ ذَلِك فَقَدْ ظلَمَ نَفْسهُ وَ لا تَتَّخِذُوا ءَايَتِ اللَّهِ هُزُواً وَ اذْكُرُوا نِعْمَت اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ مَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَبِ وَ الْحِكْمَةِ يَعِظكم بِهِ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكلِّ شىْء عَلِيمٌ(231)
اللغة
الأجل آخر المدة و عاقبة الأمور و المراد بالمعروف هاهنا الحق الذي يدعو إليه العقل أو الشرع للمعرفة بصحته خلاف المنكر الذي يزجر عنه العقل أو السمع لاستحالة المعرفة بصحته فما يجوز المعرفة بصحته معروف و ما لا يجوز المعرفة بصحته منكر .
الإعراب
« فبلغن أجلهن » الجملة في موضع جر بالعطف على الجملة قبلها و هي « طلقتم النساء » مجرورة الموضع بإضافة إذا إليها و ضرارا نصب الحال من الواو في

(2/94)


تمسكوهن تقديره و لا تمسكوهن مضارين و اللام في لتعتدوا يتعلق بتمسكوا و ضرارا و هزوا مفعول ثان لتتخذوا و ما أنزل موصول و صلة في محل النصب بالعطف على نعمة .
من الكتاب في محل النصب على الحال و العامل فيه اذكروا و ذو الحال ما أنزل و من يكون بمعنى التبيين يعظكم جملة في موضع الحال و العامل فيه أنزل .
المعنى
ثم بين سبحانه ما يفعل بعد الطلاق فقال « و إذا طلقتم النساء » و هذا خطاب للأزواج « فبلغن أجلهن » البلوغ هاهنا بلوغ مقاربة أي قاربن انقضاء العدة بما يتعارفه الناس بينهم بما تقبله النفوس و لا تنكره العقول و المراد بالمعروف هاهنا أن يمسكها على الوجه الذي أباحه الله له من القيام بما يجب لها من النفقة و حسن العشرة و غير ذلك « أو سرحوهن بمعروف » أي اتركوهن حتى تنقضي عدتهن فيكن أملك بأنفسهن « و لا تمسكوهن ضرارا » أي لا تراجعوهن لا لرغبة فيهن بل لطلب الإضرار بهن أما في تطويل العدة أو بتضييق النفقة في العدة « لتعتدوا » أي لتظلموهن « و من يفعل ذلك » أي الإمساك للمضارة « فقد ظلم نفسه » فقد أضر بنفسه و عرضها لعذاب الله « و لا تتخذوا آيات الله هزوا » أي لا تستخفوا بأوامره و فروضه و نواهيه و قيل آيات الله قوله « فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان » « و اذكروا نعمة الله عليكم » فيما أباحه لكم من الأزواج و الأموال و ما بين لكم من الحلال و الحرام « و ما أنزل عليكم من الكتاب » يعني العلوم التي دل عليها و الشرائع التي بينها « يعظكم به » لتتعظوا فتؤجروا بفعل ما أمركم الله به و ترك ما نهاكم عنه « و اتقوا الله » أي معاصيه التي تؤدي إلى عقابه و قيل اتقوا عذاب الله باتقاء معاصيه « و اعلموا أن الله بكل شيء عليم » من أفعالكم و غيرها .

(2/95)


وَ إِذَا طلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ إِذَا تَرَضوْا بَيْنهُم بِالمَْعْرُوفِ ذَلِك يُوعَظ بِهِ مَن كانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الاَخِرِ ذَلِكمْ أَزْكى لَكمْ وَ أَطهَرُ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ(232)
اللغة
العضل الحبس و قيل هو مأخوذ من المنع و قيل هو مأخوذ من الضيق و الشدة و الأمر المعضل الممتنع بصعوبته و عضلت الناقة فهي معضلة إذا احتبس ولدها في بطنها و عضلت الدجاجة إذا احتبس بيضها و تقول عضل المرأة يعضلها عضلا إذا منعها من التزويج ظلما و أعضل الداء الأطباء إذا أعياهم أن يقوموا به و امتنع عليهم لشدته و داء عضال و فلان عضلة من العضل أي داهية من الدواهي .
الإعراب
موضع أن من قوله « أن ينكحن أزواجهن » جر عند الخليل و الكسائي و تقديره من أن و نصب عند غيرهما بوصول الفعل « ذلك يوعظ به » مبتدأ و خبر و قوله « من كان يؤمن بالله » في موضع رفع بيوعظ و منكم في موضع الحال في الضمير في يؤمن .
النزول
نزلت في معقل بن يسار حين عضل أخته جملاء أن ترجع إلى الزوج الأول و هو عاصم بن عدي فإنه كان طلقها و خرجت من العدة ثم أراد أن يجتمعا بعقد آخر فمنعها من ذلك فنزلت الآية عن قتادة و الحسن و جماعة و قيل نزلت في جابر بن عبد الله عضل بنت عم له عن السدي و الوجهان لا يصحان على مذهبنا لأنه لا ولاية للأخ و ابن العم عندنا و لا تأثير لعضلها فالوجه في ذلك أن تحمل الآية على المطلقين كما في الظاهر فكأنه قال لا تعضلوهن أي لا تراجعوهن عند قرب انقضاء عدتهن إضرارا بهن لا رغبة فيهن فإن ذلك لا يسوغ في الدين و يجوز أن يكون العضل محمولا على الجبر و الحيلولة بينهن و بين التزويج دون ما يتعلق بالولاية .
المعنى
« و إذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن » أي انقضت عدتهن « فلا تعضلوهن » أي لا تمنعوهن ظلما عن التزوج و قيل المراد به التخلية و قيل هو خطاب للأولياء و منع لهم من عضلهن و قيل خطاب للأزواج يعني أن تطلقوهن في السر و لا تظهروا طلاقهن كيلا يتزوجن غيرهم فيبقين لا ممسكات إمساك الأزواج و لا مخليات تخلية الطلاق أو تطولوا العدة عليهن « أن ينكحن أزواجهن » أي من رضين بهم أزواجا لهن و قيل الذين كانوا أزواجا لهن من قبل « إذا تراضوا بينهم بالمعروف » أي بما لا يكون مستنكرا في عادة و لا خلق و لا عقل و قيل إذا تراضى الزوجان بالنكاح الصحيح عن السدي و قيل إذا تراضيا بالمهر قليلا كان أو كثيرا « ذلك » إشارة إلى ما سبق من الأمر و النهي « يوعظ به » يزجر و يخوف به « من كان منكم يؤمن بالله و اليوم الآخر » إنما خصهم بالذكر لأنهم

(2/96)


الذين انتفعوا به أو لأنهم أولى بالاتعاظ به و قيل لأن الكافر إنما يلزمه الوعظ بعد قبوله الإيمان و اعترافه بالله تعالى « ذلكم أزكى لكم » أي خير لكم و أفضل و أعظم بركة و أحرى أن يجعلكم أزكياء « و أطهر » أي أطهر لقلوبكم من الريبة فإنه لعل في قلبها حبا فإذا منعها من التزويج لم يؤمن أن يتجاوزا إلى ما حرم الله و قيل أطهر لكم من الذنوب « و الله يعلم » ما لكم فيه من الصلاح في العاجل و الآجل « و أنتم لا تعلمون » و أنتم غير عالمين إلا بما أعلمكم و ليس لأحد أن يستدل بالآية على أن العقد لا يصح إلا بولي لأنا قد بينا أن المراد بالعضل المنع و إذا حملنا الآية على أنها خطاب للأزواج سقط قولهم و هذا أولى لأنه لم يجر للأولياء ذكر كما جرى ذكر المطلقين .
* وَ الْوَلِدَت يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَينِ كامِلَينِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَ عَلى المَْوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَ كِسوَتهُنَّ بِالمَْعْرُوفِ لا تُكلَّف نَفْسٌ إِلا وُسعَهَا لا تُضارَّ وَلِدَةُ بِوَلَدِهَا وَ لا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَ عَلى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِك فَإِنْ أَرَادَا فِصالاً عَن تَرَاض مِّنهُمَا وَ تَشاوُر فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا وَ إِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسترْضِعُوا أَوْلَدَكمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكمْ إِذَا سلَّمْتُم مَّا ءَاتَيْتُم بِالمَْعْرُوفِ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(233)
القراءة
قرأ أهل البصرة و ابن كثير و قتيبة عن الكسائي لا تضار بالرفع و تشديد الراء و قرأ أبو جعفر وحده بتخفيف الراء و سكونها و الباقون بتشديدها و فتحها و قرأ ابن كثير وحده ما أتيتم مقصورة الألف و الباقون « ما آتيتم » و كذلك في الروم .
الحجة
من رفع فلأن قبله لا تكلف فأتبعه ما قبله ليكون أحسن لتشابه اللفظ فإن قلت أن ذلك خبر و هذا أمر قيل إن الأمر قد يجيء على لفظ الخبر في التنزيل أ لا ترى إلى قوله « و المطلقات يتربصن بأنفسهن » و يؤكد ذلك أن ما بعده على لفظ الخبر و هو قوله

(2/97)


« و على الوارث مثل ذلك » و المعنى ينبغي ذلك فلما وقع موقعه صار في لفظه و من فتح جعله أمرا و فتح الراء ليكون حركته موافقة لما قبلها و هو الألف و أما قراءة أبي جعفر لا تضار فينبغي أن يكون أراد لا تضار كما روي في الشواذ عن أبان عن عاصم إلا أنه حذف إحدى الرائين تخفيفا كما قالوا أحست في أحسست و ظلت و مست في ظللت و مسست و من قرأ « آتيتم » فالمراد إيتاء المهر كقوله « و آتيتم إحداهن قنطارا » و قوله « إذا آتيتموهن أجورهن » و أما قول ابن كثير فتقديره إذا سلمتم ما أتيتم نقدة أو أتيتم سوقه فحذف المضاف و أقام المضاف إليه مقامه ثم حذف الهاء من الصلة فكأنه قال أتيت نقد ألف أي بذلته كما يقول أتيت جميلا أي فعلته و يؤيده قول زهير :
فما يك من خير أتوه فإنما
توارثه آباء آبائهم قبل فكما تقول أتيت خيرا فكذلك تقول أتيت نقد ألف و قد وقع أتيت موضع آتيت و يجوز أن يكون ما في الآية مصدرا فيكون التقدير إذا سلمتم الإتيان و الإتيان المأتي مما يبذل بسوق أو نقد كقوله ضرب الأمير أي مضروبه .
اللغة
الرضع مص الثدي بشرب اللبن منه يقال رضع و رضع و المصدر الرضع و الرضع و الرضاع و الرضاعة و لئيم راضع يرضع لبن ناقته من لؤمه لئلا يسمع الضيف صوت الشخب و أرضعت المرأة فهي مرضعة و قولهم مرضع بغير هاء ذات رضاع و الحول السنة مأخوذ من الانقلاب في قولك حال الشيء عما كان عليه يحول و منه الاستحالة في الكلام لانقلابه عن الصواب و قيل أخذ من الانتقال من قولك تحول عن المكان و الكسوة مصدر كسوته ثوبا أي ألبسته و اكتسى أي لبس و الكسوة اللباس و التكليف الإلزام الشاق و أصله من الكلف و هو ظهور الأثر لأنه يلزمه ما يظهر فيه أثره و تكلف أي تحمل و الكلف بالشيء الإيلاع به و الوسع الطاقة مأخوذ من سعة المسلك إلى الغرض فيمكن لذلك فلو ضاق لأعجز عنه و السعة فيه بمنزلة القدرة فلذلك قيل الوسع بمعنى الطاقة و الفصال الفطام لانفصال المولود عن الاغتذاء بثدي أمه إلى غيره من الأقوات و فصيلة الرجل بنو أبيه لانفصالهم من أصل واحد و الفصل الفرق و التشاور مأخوذ من الشور و هو اجتناء العسل تقول شرت العسل أشوره شورا إذا اجتنيته من مكانه و المشورة استخراج الرأي من

(2/98)


المستشار لأنها تجتني منه و أشار إليه إشارة أومأ إليه و المشيرة الإصبع التي تسمى السبابة لأنه يشار بها و الشارة الهيأة و اللباس الحسن لأنه مما يشار إليه لحسنه و التشوير استخراج سير الدابة كالاجتناء .
الإعراب
عن تراض في موضع الحال تقديره فإن أراد متراضيين منهما في موضع جر صفة لتراض « أن تسترضعوا أولادكم » معناه لأولادكم فحذفت اللام لدلالة الاسترضاع عليه من حيث إنه لا يكون إلا للأولاد و لا يجوز دعوت زيدا تريد لزيد لأنه لا يجوز أن يكون مدعوا له إذ معنى دعوت زيدا لعمرو خلاف دعوت زيدا فقط فلا يجوز للالتباس و قوله « بالمعروف » جاز أن يتعلق بسلمتم كأنه قال إذا سلمتم بالمعروف ما آتيتم و يجوز أن يتعلق بأتيتم على حد قولك أتيته بزيد .
المعنى
لما بين سبحانه حكم الطلاق عقبه ببيان أحكام الأولاد الصغار في الرضاع و التربية و ما يجب في ذلك من الكسوة و النفقة فقال « و الوالدات » أي الأمهات « يرضعن أولادهن » صيغته صيغة الخبر و المراد به الأمر أي ليرضعن أولادهن كقوله « يتربصن بأنفسهن » و جاز ذلك التصرف في الكلام مع رفع الإشكال إذ لو كان خبرا لكان كذبا لجواز أن يرضعن أكثر من حولين أو أقل و قولك حسبك درهم معناه اكتف بدرهم تام و قيل هو خبر بمعنى الأمر و تقديره و الوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين في حكم الله الذي أوجبه على عبادة فحذف للدلالة عليه و هذا أمر استحباب لا أمر إيجاب و المعنى إنهن أحق برضاعهم من غيرهن بدليل قوله « و إن تعاسرتم فسترضع له أخرى » ثم بين مدة الرضاع فقال « حولين كاملين » أي عامين تامين أربعة و عشرين شهرا و إنما ذكر كاملين و إن كانت التثنية تأتي على استيفاء العدة لرفع الإبهام الذي يعرض في الكلام فإن الرجل يقول سرت شهرا و أقمت عند فلان سنة و إن كان قد سار قريبا من شهر و أقام قريبا من سنة و في هذا بيان لأمرين ( أحدهما ) مندوب ( و الثاني ) فرض فالمندوب و هو أن يجعل الرضاع تمام الحولين و المفروض هو أن المرضعة تستحق الأجرة في مدة الحولين و لا تستحق فيما زاد عليه و اختلف في هذا الحد هل هو لكل مولود أو للبعض فقال ابن عباس ليس لكل مولود و لكن لمن ولد لستة أشهر و إن ولد لتسعة أشهر فثلاثة و عشرون و إن ولد لتسعة أشهر فأحد و عشرون يطلب بذلك تكملة ثلاثين شهرا في الحمل و الفصال و على هذا يدل ما رواه أصحابنا في هذا الباب لأنهم رووا أن ما نقص عن أحد و عشرين شهرا

(2/99)


فهو جور على الصبي و قال الثوري و جماعة هو لازم في كل ولد إذا اختلف والداه رجعا إلى الحولين من غير زيادة و لا نقصان و لا يجوز لهما غير ذلك و الرضاع بعد الحولين لا حكم له في التحريم عندنا و به قال ابن عباس و ابن مسعود و أكثر العلماء قالوا المراد بالآية بيان التحريم الواقع بالرضاع ففي الحولين يحرم و ما بعده لا يحرم و قوله « لمن أراد أن يتم الرضاعة » أي لمن أراد أن يتم الرضاعة المفروضة عليه و هذا يدل على أن الرضاع غير مستحق على الأم لأنه علقه بالإرادة و يدل عليه قوله « و إن تعاسرتم فسترضع له أخرى » و قال قتادة و الربيع فرض الله على الوالدات أن يرضعن أولادهن حولين ثم أنزل الرخصة بعد ذلك فقال لمن أراد أن يتم الرضاعة يعني إن هذا منتهى الرضاع و ليس فيما دون ذلك حد محدود و إنما هو على مقدار صلاح الصبي و ما يعيش به « و على المولود له » يعني الأب « رزقهن » يعني الطعام و الإدام « و كسوتهن » يعني لباسهن و المراد رزق الأم و كسوتها ما دامت في الرضاعة اللازمة و ذلك في المطلقة عن الثوري و الضحاك و أكثر المفسرين « بالمعروف » يعني على قدر اليسار لأنه علم أحوال الناس في الغنى و الفقر و جعل حق الحضانة للأم و النفقة على الأب على قدر اليسار و لم يرد به نفقة الزوجات لأنه قابلها بالإرضاع و نفقة الزوجة لا تجب بسبب الإرضاع و إنما تجب بسبب الزوجية و قال بعضهم أراد به نفقة الزوجات و قوله « لا تكلف نفس إلا وسعها » أي لا يلزم إلا دون طاقتها « لا تضار والدة بولدها » أي لا تترك الوالدة إرضاع ولدها غيظا على أبيه فتضر بولده به لأن الوالدة أشفق عليه من الأجنبية « و لا مولود له بولده » أي لا يأخذه من أمه طلبا للإضرار بها فيضر بولده فيكون المضارة على هذا بمعنى الإضرار أي لا تضر الوالدة و لا الوالد بالولد و إنما قال تضار و الفعل من واحد لأنه لما كان معناه المبالغة كان بمنزلة أن يكون الفعل من اثنين و قيل الضرر يرجع إلى الولد كأنه يقول لا يضار كل واحد من الأب و الأم بالصبي الأم بأن لا ترضعه و الأب بأن لا ينفق أو بأن ينتزعه من الأم و الباء زائدة و المعنى لا تضار والدة ولدها و لا والد ولده و قيل معناه لا تضار والدة الزوج بولدها و لو قيل في ولدها لجاز في المعنى و روي عن السيدين الباقر و الصادق (عليهماالسلام) لا تضار والدة بأن يترك جماعها خوف الحمل لأجل ولدها المرتضع « و لا مولود له بولده » أي لا تمنع نفسها من الأب خوف الحمل فيضر ذلك بالأب و قيل لا تضار والدة بولدها بأن ينتزع الولد منها و يسترضع امرأة غيرها مع إجابتها إلى الرضاع بأجرة المثل فعلى هذا يكون معنى بولدها بسبب ولدها « و لا مولود له » أي لا تمتنع هي من الإرضاع إذا أعطيت أجرة مثلها فإن فعلت استأجر الأب مرضعة ترضعه غيرها و لا تمنعه من رؤية الولد ، فيكون

(2/100)


فيه مضارة بالوالد و قوله « بولده » بسبب ولده أيضا و ليس بين هذه الأقوال تناف فالأولى حمل الآية على جميعها و قوله « و على الوارث » قيل معناه وارث الولد عن الحسن و قتادة و السدي و هو من يرثه إذا مات و قيل وارث الوالد عن قبيصة بن ذؤيب و الأول أقوى « مثل ذلك » أي مثل ما كان على الوالد من النفقة و الرضاع عن الحسن و قتادة و قيل مثل ما كان على الوالد من ترك المضارة عن الضحاك و المفهوم عند أكثر العلماء الأمران معا و هو أليق بالعموم و اختلفوا في أن النفقة على كل وارث أو على بعضهم فقيل هي على العصبات دون أصحاب الفرائض من الأم و الأخوة من الأم عن عمر بن الخطاب و الحسن و قيل على وارث الصبي من الرجال و النساء على قدر النصيب من الميراث عن قتادة و قيل على الوارث ممن كان ذا رحم محرم دون ذي رحم ليس بمحرم كابن العم و ابن الأخت فيجب على ابن الأخت و لم يجب على ابن العم و إن كان وارثه في تلك الحال عن أبي حنيفة و صاحبيه و قيل على الوارث أي الباقي من أبويه عن سفيان و هو الصحيح عندنا و هو أيضا مذهب الشافعي لأن عنده لا يجبر على نفقة الرضاع إلا الولدان فقط و قد روي أيضا في أخبارنا أن على الوارث كائنا من كان النفقة و هذا يوافق الظاهر و به قال قتادة و أحمد و إسحاق و قوله « فإن أرادا فصالا » أي قبل الحولين عن مجاهد و قتادة و هو المروي عن أبي عبد الله و قيل قبل الحولين أو بعدهما عن ابن عباس « عن تراض منهما » أي من الأب و الأم « و تشاور » يعني اتفاق منهما و مشاورة و إنما بشرط تراضيهما و تشاورهما مصلحة للولد لأن الوالدة تعلم من تربية الصبي ما لا يعلمه الوالد فلو لم يتفكرا و يتشاورا في ذلك أدى إلى ضرر الصبي « فلا جناح عليهما » أي لا حرج عليهما إذا تماسك الولد فإن تنازعا رجعا إلى الحولين و قوله « و إن أردتم » خطاب للآباء « أن تسترضعوا أولادكم » أي لأولادكم أن تطلبوا لهم مراضع غير أمهاتهم لآباء أمهاتهم الرضاع أو لعلة بهن من انقطاع لبن أو غيره « فلا جناح عليكم » أي لا حرج و لا ضيق في ذلك « إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف » أي إذا أسلمتم إلى الأم أجرة المثل مقدار ما أرضعت عن مجاهد و السدي و قيل إذا سلمتم الاسترضاع عن تراض و اتفاق دون ذلك الضرار عن أبي شهاب و هذا معنى قول ابن عباس و في رواية عطاء قال إذا سلمت أمه و رضي أبوه لعل له غنى يشتري له مرضعا و قيل إذا سلمتم أجرة المسترضعة عن الثوري و قيل إذا سلمتم أجرة الأم أو الظئر عن ابن جريج و معنى قوله « آتيتم » ضمنتم و ألزمتم ثم أوصى بالتقوى فقال « و اتقوا الله » يعني معاصيه أو عذابه في مجاوزة ما حده لكم « و اعلموا أن الله بما تعملون » أي بأعمالكم « بصير » أي عليم لا يخفى عليه شيء منها و في قوله « لا تكلف

(2/101)


نفس إلا وسعها » دلالة على فساد قول المجبرة في حسن تكليف ما لا يطاق لأنه إذا لم يجز أن يكلف مع عدم الجدة فإن لا يكلف مع عدم القدرة أحرى فإن في الحالين لا سبيل له إلى أداء ما كلف .
وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوَجاً يَترَبَّصنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشهُر وَ عَشراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكمْ فِيمَا فَعَلْنَ فى أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(234)
القراءة
روي في الشواذ عن علي (عليه السلام) يتوفون بفتح الياء .
الحجة
قال ابن جني هو على حذف المفعول أي الذين يتوفون أيامهم أو آجالهم و أعمارهم و حذف المفعول به كثير في القرآن و فصيح الكلام إذا كان هناك دليل عليه كما قال الله و أوتيت من كل شيء أي شيئا قال الحطيئة :
منعمة تصون إليك منها
كصونك من رداء شرعبي أي تصون الكلام منها و توفيت الشيء استوفيته أخذته وافيا .
اللغة
يذر و يدع يترك و لا يستعمل منهما الماضي استغني عنه بترك و العلة في ذلك أنهم تركوا الواوات في أول الكلمة حتى أنهم لم يلحقوها أولا على جهة الزيادة أصلا و الأجل غاية الوقت في محل الدين و نحوه لتأخيره إلى ذلك الوقت و الآجل نقيض العاجل لتأخره عن وقت غيره و فعله من أجل كذا أي لعاقبة كذا و هي متأخرة عن وقت الفعل الذي دعت إليه و القطيع من بقر الوحش يسمى أجلا و قد تأجل الصوار أي صار أجلا لتأخر بعضه عن بعض و أجل عليهم شرا أجلا أي جناه لأنه أعقبهم شرا و الآجلة الآخرة و العاجلة الدنيا و الخبير العالم بمخبر الخبر و أصله من السهولة و الخبار الأرض السهلة و أخبرت بالشيء لأنه تسهيل لطريق العلم به و الخبير الأكار و المخابرة المؤاكرة و هو أن يزرع على النصف أو الثلث أو نحوه و ذلك لتسهيل الزراعة .
الأعراب
الذين مرتفع بالابتداء و يتوفون صلته و منكم في موضع النصب على

(2/102)


الحال من الواو في يتوفون « و يذرون أزواجا » عطف على الصلة فهو أيضا من الصلة و يتربصن و ما بعده خبر المبتدأ و إذا كان خبر المبتدأ لا يخلو من أن يكون هو هو أو يكون له فيه ذكر فلا يجوز أن يكون هذا الظاهر على الذي هو عليه لخلوه من ضربي خبر الابتداء و قد قيل فيه أقوال ( أحدها ) أن تقدير خبر المبتدأ يتربصن بعدهم لأن المعنى يتربصن أزواجهم بعدهم أربعة أشهر و عشرا و جاز حذف هذا الذي يتعلق به الراجع إلى المبتدأ كما جاء ذلك في قولهم السمن منوان بدرهم و المعنى على منوان منه بدرهم عن الأخفش ( و الثاني ) أن يكون تقديره أزواجهم يتربصن عن أبي العباس المبرد فالمحذوف على هذا هو المبتدأ الذي هو أزواجهم و ساغ هذا الحذف لقيام الدلالة عليه كما يسوغ حذف المفرد إذا قامت الدلالة عليه و قيام الدلالة على المضاف أن الأزواج قد تقدم ذكرهن فساغ إضمارهن و حسن و أما حذف المضاف إليه فلاقتضاء المبتدأ الراجع إليه و قد جاء المبتدأ مضافا محذوفا كما جاء المفرد و ذلك قوله تعالى : « لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل » أي تقلبهم متاع قليل ( و الثالث ) أن يكون تقديره يتربصن أزواجهن ثم كني عن الأزواج عن الكسائي و إنما قال و عشرا بالتأنيث تغليبا لليالي على الأيام إذا اجتمعت في التاريخ لأن ليلة كل يوم قبله كما قيل لخمس بقين و قد علم المخاطب أن الأيام داخلة مع الليالي و أنشد سيبويه :
فطافت ثلاثا بين يوم و ليلة
يكون النكير أن تضيف و تجارا فيما فعلن ما مع صلته في موضع الجر بفي و قوله « بالمعروف » الجار و المجرور في موضع النصب على الحال .
المعنى
لما بين عدة المطلقات بين عدة الوفاة فقال « و الذين يتوفون » منكم أي يقبضون و يموتون « و يذرون » أي يتركون « أزواجا » أي نساء « يتربصن بأنفسهن » أي ينتظرن انقضاء العدة و يحبسن أنفسهن عن التزويج معتدات « أربعة أشهر و عشرا » أي و عشر ليال و عشرة أيام و هذه عدة المتوفى عنها زوجها سواء كانت مدخولا بها أو غير مدخول بها حرة كانت أو أمة فإن كانت حبلى فعدتها أبعد الأجلين من وضع الحمل أو مضي أربعة أشهر و عشر و وافقنا في عدة الأمة الأصم و خالف باقي الفقهاء في ذلك فقالوا عدتها نصف عدة الحرة شهران و خمسة أيام و إليه ذهب قوم من أصحابنا و قالوا في عدة الحامل أنها بوضع الحمل و إن كان بعد على المغتسل و روي ذلك عن عمر بن

(2/103)


الخطاب و أبي مسعود البدري و أبي هريرة و عندنا أن وضع الحمل يختص عدة المطلقة و الذي يجب على المعتدة في عدة الوفاة اجتنابه هو الزينة و الكحل بالإثمد و ترك النقلة عن المنزل عن ابن عباس و الزهري و الامتناع من التزوج لا غير عن الحسن و إحدى الروايتين عن ابن عباس و عندنا أن جميع ذلك واجب « فإذا بلغن أجلهن » أي آخر العدة بانقضائها « فلا جناح عليكم » قيل أنه خطاب للأولياء و قيل لجميع المسلمين لأنه يلزمهم منعها عن التزوج في العدة و قيل معناه لا جناح على النساء و عليكم « فيما فعلن في أنفسهن » من النكاح و استعمال الزينة التي لا ينكر مثلها و هذا معنى قوله « بالمعروف » و قيل معنى قوله « بالمعروف » ما يكون جائزا و قيل معناه النكاح الحلال عن مجاهد « و الله بما تعلمون خبير » أي عليم و هذه الآية ناسخة لقوله « و الذين يتوفون منكم و يذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج » و إن كانت متقدمة في التلاوة عليه .
وَ لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضتُم بِهِ مِنْ خِطبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكنَنتُمْ فى أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ ستَذْكُرُونَهُنَّ وَ لَكِن لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِراًّ إِلا أَن تَقُولُوا قَوْلاً مَّعْرُوفاً وَ لا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاح حَتى يَبْلُغَ الْكِتَب أَجَلَهُ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فى أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ(235)
النزول
آية في الكوفي و آيتان في غيرهم يترك « قولا معروفا » الكوفي .
اللغة
التعريض ضد التصريح و هو أن تضمن الكلام دلالة على ما تريد و أصله من العرض من الشيء الذي هو جانبه و ناحية منه و في الحديث من عرض عرضنا و من مشى على الكلأ ألقيناه في النهر و معناه من عرض بالقذف عرضنا له بتأديب لا يبلغ الحد و من صرح ألقيناه في نهر الحد و الفرق بين التعريض و الكناية أن التعريض تضمين الكلام دلالة

(2/104)


على شيء ليس فيه ذكر له و الكناية العدول عن الذكر الأخص بالشيء إلى ذكر يدل عليه فالأول كقول القائل ما أقبح البخل تعرض بأن المخاطب بخيل ( و الثاني ) كقولك زيدا ضربته كنيت عنه بالهاء و الخطبة الذكر الذي يستدعي به إلى عقدة النكاح أخذ من الخطاب و هو توجيه الكلام للأفهام و الخطبة الوعظ المتسق على ضرب من التأليف و قيل الخطبة ما له أول و آخر مثل الرسالة و الخطبة للحال نحو الجلسة و القعدة و الإكنان الستر للشيء و الكن الستر أيضا و الفرق بين الإكنان و الكن أن الإكنان الإضمار في النفس و لا يقال كننته في نفسي و الكن في معنى الصون و في التنزيل بيض مكنون و الكانون يحتاج إليه في وقت الاكتنان من البرد و الكنانة الجعبة الصغيرة تتخذ للنبل و السر في اللغة على ثلاثة أوجه الإخفاء في النفس و الشرف في الحسب يقال فلان في سر قومه أي في صميمهم و الجماع في الفرج قال امرؤ القيس :
أ لا زعمت بسباسة اليوم أنني
كبرت و أن لا يشهد السر أمثالي و قال الأعشى :
و لا تنكحن جارة إن سرها
عليك حرام فانكحن أو تأبدا و العزم عقد القلب على أمر تفعله و في الحديث خير الأمور عوازمها يعني ما وكدت عزمك عليه و العقدة من العقد و هو الشد و في المثل يا عاقد اذكر حلا و عقد اليمين خلاف اللغو .
الإعراب
« فيما عرضتم » الجار و المجرور في موضع الحال و كذا في قوله « من خطبة النساء » « أن تقولوا » في موضع نصب بدل من سرا تقديره و لا تواعدوهن إلا قولا معروفا « و لا تعزموا عقدة النكاح » أي على عقدة النكاح فحذف على استخفافا كما قالوا ضرب زيد الظهر و البطن معناه على الظهر و البطن قال سيبويه أن الحذف في هذه الأشياء لا يقاس عليه .
المعنى
لما تقدم ذكر عدة النساء و جواز الرجعة فيها للأزواج عقبه ببيان حال غير الأزواج فقال « و لا جناح عليكم » أي لا حرج و لا ضيق عليكم يا معشر الرجال « فيما عرضتم به من خطبة النساء » المعتدات و لم تصرحوا به و ذلك بأن تذكروا ما يدل على

(2/105)


رغبتكم فيها ثم اختلف في معناه فقيل التعريض هو أن يقول الرجل للمعتدة إني أريد النكاح و إني أحب امرأة من صفتها كذا و كذا فيذكر بعض الصفات التي هي عليها عن ابن عباس و قيل هو أن يقول إنك لنافعة و إنك لموافقة لي و إنك لمعجبة جميلة فإن قضى الله شيئا كان عن القاسم بن محمد و الشعبي و قيل هو كل ما كان من الكلام دون عقدة النكاح عن ابن زيد « أو أكننتم في أنفسكم » أي أسررتم و أضمرتم في أنفسكم من نكاحهن بعد مضي عدتهن و قيل هو إسرار العزم دون إظهاره و التعريض إظهاره عن مجاهد و ابن زيد « علم الله أنكم ستذكرونهن » برغبتكم فيهن خوفا منكم أن يسبقكم إليهن غيركم فأباح لكم ذلك « و لكن لا تواعدوهن سرا » فيه أقوال ( أحدها ) أن معناه لا تواعدوهن في السر لأنها أجنبية و المواعدة في السر تدعو إلى ما لا يحل ( و ثانيها ) أن معناه الزنا عن الحسن و إبراهيم و قتادة و قالوا كان الرجل يدخل على المرأة من أجل الزنية و هو معرض للنكاح فنهوا عن ذلك ( و ثالثها ) أنه العهد على الامتناع من تزويج غيرك عن ابن عباس و سعيد بن جبير ( و رابعها ) هو أن يقول لها إني ناكحك فلا تفوتيني نفسك عن مجاهد ( و خامسها ) أن السر هو الجماع فمعناه لا تصفوا أنفسكم بكثرة الجماع و لا تذكروه عن جماعة .
( و سادسها ) أنه إسرار عقدة النكاح في السر عن عبد الرحمن بن زيد و يجمع هذه الأقوال ما روي عن الصادق أنه قال لا تصرحوا لهن النكاح و التزويج قال و من السر أن يقول لها موعدك بيت فلان « إلا أن تقولوا قولا معروفا » يعني التعريض الذي أباحه الله و إلا بمعنى لكن لأن ما قبله هو المنهي عنه و ما بعده هو المأذون فيه و تقديره و لكن قولوا قولا معروفا « و لا تعزموا عقدة النكاح » أي على عقدة النكاح يعني لا تبتوا النكاح و لا تعقدوا عقدة النكاح في العدة و لم يرد به النهي عن العزم على النكاح بعد العدة لأنه أباح ذلك بقوله « أو أكننتم » « حتى يبلغ الكتاب أجله » معناه حتى تنقضي العدة بلا خلاف و قيل الكتاب هو القرآن و المعنى حتى يبلغ فرض الكتاب أي ما فرض في القرآن من العدة و الأجل المضروب لها و قيل معناه حتى يبلغ الفرض أجله و عبر بالكتاب عن الفرض كما يقال كتب أي فرض و هذا لأن ما كتب فقد أثبت فقد اجتمعا في معنى الثبوت و قيل أن هذا تشبيه للعدة بالدين المؤجل المكتوب أجله في كتاب فكما يتأخر المطالبة بذلك الدين حتى يبلغ الكتاب أجله كذلك يتأخر خطبة النكاح في العدة إلى انقضاء العدة « و اعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم » من أسراركم و ضمائركم « فاحذروه » فاتقوا عقابه و لا تخالفوا أمره « و اعلموا أن الله غفور » لعباده « حليم » يمهل العقوبة المستحقة فلا يعجل بها .

(2/106)


لا جُنَاحَ عَلَيْكمْ إِن طلَّقْتُمُ النِّساءَ مَا لَمْ تَمَسوهُنَّ أَوْ تَفْرِضوا لَهُنَّ فَرِيضةً وَ مَتِّعُوهُنَّ عَلى المُْوسِع قَدَرُهُ وَ عَلى الْمُقْترِ قَدَرُهُ مَتَعَا بِالْمَعْرُوفِ حَقاًّ عَلى المُْحْسِنِينَ(236)
القراءة
قرأ حمزة و الكسائي تماسوهن بضم التاء و بألف في موضعين هاهنا و في الأحزاب و قرأ الباقون « تمسوهن » و قرأ أبو جعفر و أهل الكوفة إلا أبا بكر و ابن ذكوان قدره بفتح الدال في الموضعين و الباقون بإسكانها .
الحجة
حجة من قرأ « تمسوهن » قوله « و لم يمسسني بشر » و « لم يطمثهن » و انكحوهن و النكاح عبارة عن الوطء قال جرير :
التاركون على طهر نساءهم
و الناكحون بشطىء دجلة البقرا و حجة من قرأ و لا تماسوهن أن فاعل و فعل قد يراد بكل واحد منهما ما يراد بالآخر و ذلك نحو طارقت النعل و عاقبت اللص و قال أبو الحسن يقال هو القدر و القدر و هم يختصمون في القدر و القدر قال الشاعر :
ألا يا لقوم للنوائب و القدر ) و خذ منه بقدر كذا و قدر كذا لغتان و في كتاب الله فسالت أودية بقدرها و قدرها « و على الموسع قدره » و قدره و ما قدروا الله حق قدره و لو حركت كان جائزا و كذلك إنا كل شيء خلقناه بقدر و لو خففت كان جائزا إلا أن رءوس الآي كلها متحركة فيلزم الفتح لأن ما قبلها مفتوح .
اللغة
الموسع الذي يكون في سعة لغناه و المقتر الذي يكون في ضيق لفقره يقال أوسع الرجل إذا كثر ماله و اتسعت حاله و أقتر إذا افتقر و قترت الشيء أقتره قترا و قترته تقتيرا إذا ضيقت الإنفاق منه و القتار دخان الشحم على النار لقلته بالإضافة إلى بقيته و القتر الغبار و القتير مسامير الدرع لقلتها و صغرها و القتير ابتداء الشيب لقلته و يجوز أن يكون مشبها بالدخان أول ما يرتفع و القترة ناموس الصائد لأنها كالقتار و أصل الباب الإقلال و قدرت الشيء أقدره و أقدره قدرا و قدرت على الشيء أقدر عليه قدرة و قدورا .
الإعراب
« ما لم تمسوهن » موصول و صلة في موضع نصب تقديره مدة ترك المس فحذف المضاف و أقيم المضاف إليه مقامه و العامل في الظرف طلق و جواب الشرط محذوف تقديره إن طلقتم النساء فلا جناح عليكم متاعا نصب على أحد وجهين إما أن

(2/107)


يكون حالا من قدره و العامل فيه الظرف أي ممتعا متاعا و أما على المصدر أي متعوهن متاعا و حقا ينتصب أيضا على أحد وجهين إما أن يكون حالا من قوله « بالمعروف » و العامل فيه معنى عرف حقا و إما أن يكون على التأكيد بجملة الخبر فكأنه قال أخبركم به حقا أو أحقه حقا أو حق ذلك عليهم حقا كأنه قال إيجابا على المحسنين .
المعنى
ثم بين سبحانه حكم الطلاق قبل الفرض و المسيس فقال « لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن » هذا إباحة للطلاق قبل المسيس و فرض المهر فرفع الإثم عن الطلاق قبل الدخول لئلا يتوهم أحد أن الطلاق في هذه الحالة محظور و المس كناية عن الوطء و المفروض صداقها داخلة في دلالة الآية و إن لم يذكر لأن التقدير ما لم تمسوهن ممن قد فرضتم لهن « أو » لم « تفرضوا لهن فريضة » لأن أو تنبىء عن ذلك إذ لو كان على الجمع لكان بالواو و المراد بالفريضة الصداق بلا خلاف لأنه يجب بالعقد على المرأة فهو فرض لوجوبه بالعقد و معناه أو لم تقدروا لهن مهرا مقدرا و إنما خص التي لم يدخل بها الذكر في رفع الجناح دون المدخول بها و إن كان حكمهما واحدا لأمرين ( أحدهما ) لإزالة الشك على ما قدمنا ذكره ( و الثاني ) لأن له أن يطلق التي لم يدخل بها أي وقت شاء بخلاف المدخول بها فإنه لا يجوز أن يطلقها إلا في طهر لم يجامعها فيه « و متعوهن » أي أعطوهن من مالكم ما يتمتعن به و المتعة و المتاع ما يتمتع به « على الموسع قدره » أي على الغني الذي هو في سعة لغناه على قدر حاله « و على المقتر قدره » أي على الفقير الذي هو في ضيق بقدر إمكانه و طاقته و المتعة خادم أو كسوة أو رزق عن ابن عباس و الشعبي و الربيع و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله و هو مذهب الشافعي و قيل هو مثل نصف صداق تلك المرأة المنكوحة عن أبي حنيفة و أصحابه ثم اختلف في ذلك فقيل إنما تجب المتعة للتي لم يسم لها صداق خاصة عن سعيد بن المسيب و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله و هو مذهب أبي حنيفة و أصحابه و قيل المتعة لكل مطلقة إلا المختلعة و المبارئة و الملاعنة عن الزهري و سعيد بن جبير و أبي العالية و قيل المتعة لكل مطلقة سوى المطلقة المفروض لها إذا طلقت قبل الدخول فإنما لها نصف الصداق و لا متعة لها عن ابن عمر و نافع و عطاء و هو مذهب الشافعي و قد رواه أصحابنا أيضا و ذلك محمول على الاستحباب و قوله « متاعا » أي و متعوهن متاعا « بالمعروف » أي وسطا ليس فيه إسراف و لا تقتير و قيل متاعا معتبرا بحال الرجل في اليسار و الإقتار و قيل معتبرا بحالهما جميعا إذ لا يسوي بين حرة شريفة و بين أمة معتقة ليكون ذلك خارجا عن التعارف عن القاضي و قال أهل المدينة يؤمر الزوج به من غير أن يجبر عليه و عندنا يجبر عليه و به

(2/108)


قال أهل العراق « حقا على المحسنين » أي واجبا على الذين يحسنون الطاعة و يجتنبون المعصية و إنما خص المحسنين بذلك تشريفا لهم لا أنه لا يجب على غيرهم و دل ذلك على وجوب الإحسان على جميعهم فإن على كل إنسان أن يكون محسنا فهو كقوله هدى للمتقين و قيل معناه من أراد أن يحسن فهذا حقه و حكمه و طريقه عن أبي مسلم هذا كله في المطلقة فأما المتوفى عنها زوجها إذا لم يفرض لها صداق فلها الميراث و عليها العدة إجماعا و قال أكثر الفقهاء لها صداق مثلها و حكى أبو علي الجبائي عن بعض الفقهاء أنه قال لا مهر لها و هو الذي يليق بمذهبنا لأنه لا نص لأصحابنا في ذلك .
وَ إِن طلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسوهُنَّ وَ قَدْ فَرَضتُمْ لَهُنَّ فَرِيضةً فَنِصف مَا فَرَضتُمْ إِلا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاح وَ أَن تَعْفُوا أَقْرَب لِلتَّقْوَى وَ لا تَنسوُا الْفَضلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(237)
القراءة
روي في الشواذ عن الحسن أو يعفو الذي بيده بسكون الواو و عن علي (عليه السلام) و لا تناسوا الفضل .
الحجة
قال ابن جني سكون الواو من المضارع في موضع النصب قليل و سكون الياء فيه أكثر و أصل السكون في هذا إنما هو للألف نحو أن يسعى ثم شبهت الياء بالألف لقربها منها نحو قوله :
كان أيديهن بالموماة
أيدي جوار بتن ناعمات و قوله :
كان أيديهن بالقاع القرق ) ثم شبهت الواو في ذلك بالياء قال الأخطل :
إذا شئت أن تلهو ببعض حديثها
رفعن و أنزلن القطين المولدا و قال :
أبى الله أن أسمو بأم و لا أب و أما قوله تعالى و لا تناسوا فإنما هو نهي

(2/109)


عن فعلهم الذي اختاروه و تظاهروا به كما يقال تغافل و تصام و تحسن هذه القراءة إنك إنما تنهى الإنسان عن فعله و النسيان ظاهره أن يكون من فعل غيره كأنه أنسي فنسي قال الله سبحانه و ما أنسانيه إلا الشيطان .
الإعراب
« فنصف ما فرضتم » رفع تقديره عليكم نصف ما فرضتم و قوله « يعفون » في موضع نصب بأن إلا أن فعل المضارع إذا اتصل به نون ضمير جماعة المؤنث بني فيستوي في الرفع و النصب و الجزم و « أن يعفون » موصول و صلة في محل النصب على الاستثناء « أو يعفو » تقديره أو أن يعفو و هو في محل النصب بالعطف على الموصول و الصلة قبلها « و أن تعفوا » في موضع الرفع بالابتداء و أقرب خبره و تقديره و العفو أقرب للتقوى و اللام يتعلق بأقرب و هو بمعنى من أو إلى و الألف و اللام في النكاح بدل من الإضافة إذ المعنى أو يعفو الذي بيده عقدة نكاحه و مثله قوله « فإن الجنة هي المأوى » و معناه هي ماواه .
المعنى
ثم بين سبحانه حكم الطلاق قبل المسيس بعد الفرض فقال « و إن طلقتموهن » يعني إن طلقتم أيها الرجال النساء « من قبل أن تمسوهن » أي تجامعوهن « و قد فرضتم لهن فريضة » أي أوجبتم لهن صداقا و قدرتم مهرا « فنصف ما فرضتم » أي فعليكم نصف ما قدرتم و هو المهر المسمى « إلا أن يعفون » يعني الحرائر البالغات غير المولى عليهن لفساد عقولهن أي يتركن ما يجب لهن من نصف الصداق فلا يطالبن الأزواج بذلك عن ابن عباس و مجاهد و سائر أهل العلم « أو يعفو » أي يترك و يهب الذي بيده عقدة النكاح قيل هو الولي عن مجاهد و علقمة و الحسن و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله و هو مذهب الشافعي غير أن عندنا الولي هو الأب أو الجد مع وجود الأب الأدنى على البكر غير البالغ فأما من عداهما فلا ولاية له إلا بتوليتها إياه و قيل هو الزوج و رووه عن علي و سعيد بن المسيب و شريح و إبراهيم و قتادة و الضحاك و هو مذهب أبي حنيفة و رواه أيضا أصحابنا غير أن الأول أظهر و هو المذهب و من جعل العفو للزوج قال له أن يعفو عن جميع النصف و من جعله للولي من أصحابنا قال له أن يعفو عن بعضه و ليس له أن يعفو عن جميعه فإن امتنعت المرأة عن ذلك لم يكن لها ذلك إذا اقتضته المصلحة عن أبي عبد الله « و أن تعفوا أقرب للتقوى » خطاب للزوج و المرأة جميعا عن ابن عباس و للزوج وحده عن الشعبي قال و إنما جمع لأنه خطاب لكل زوج و قول ابن عباس أقوى لعمومه و إنما كان العفو أقرب للتقوى من وجهين ( أحدهما ) أن معناه أقرب إلى أن يتقي

(2/110)


أحدهما ظلم صاحبه لأن من ترك لغيره حق نفسه كان أقرب إلى أن لا يظلم غيره بطلب ما ليس له ( و الثاني ) أن معناه أقرب إلى أن يتقي معصية الله لأن من ترك حق نفسه كان أقرب إلى أن لا يعصي الله بطلب ما ليس له « و لا تنسوا الفضل بينكم » أي لا تتركوا الأخذ بالفضل و الإحسان بينكم و الإفضال فتأخذوا بمر الحكم و استيفاء الحقوق على الكمال بين الله سبحانه في هذه الآية الحكم الذي لا يعذر أحد في تركه و هو أنه ليس للزوج أن ينقصها من نصف المهر و لا للمرأة أن تطالبه بالزيادة ثم بين طريق الفضل من الجانبين و ندب إليه و حث عليه « إن الله بما تعملون » أي بأعمالكم « بصير » أي عليم و روي عن سعيد بن المسيب أن هذه الآية ناسخة لحكم المتعة في الآية الأولى و قال أبو القاسم البلخي و هذا ليس بصحيح لأن الآية تضمنت حكم من لم يدخل بها و لم يسم لها مهرا إذا طلقها و هذه تضمنت حكم التي فرض لها المهر و لم يدخل بها إذا طلقها و أحد الحكمين غير الآخر و أقول إذا بينا في الآية الأولى أنها تتناول المطلقات غير المدخول بهن سواء فرض لهن المهر أو لم يفرض و قلنا إن متعوهن لا يحمل على العموم إذ لا متعة لمن فرض لها المهر و إن لم يدخل بها فلا بد من تخصيص فيه و تقدير و حذف أي و متعوا من طلقتم منهن و لم تفرضوا لهن فريضة و إنما جاز هذا الحذف لدلالة ذكر من فرض لها المهر و حكمها في الآية الأخرى عليه و هذا ما سنح لي هاهنا و لم أر أحدا من المفسرين تعرض لذكره و بالله التوفيق .
حَفِظوا عَلى الصلَوَتِ وَ الصلَوةِ الْوُسطى وَ قُومُوا للَّهِ قَنِتِينَ(238)
اللغة
الحفظ ضبط الشيء في النفس ثم يشبه به ضبطه بالمنع من الذهاب و الحفظ خلاف النسيان و أحفظه أغضبه لأنه حفظ عليه ما يكرهه و منه الحفيظة الحمية و الحفاظ المحافظة و الوسطى تأنيث الأوسط و هو الشيء بين الشيئين على جهة الاعتدال و أصل القنوت الدوام على أمر واحد و قيل أصله الطاعة و قيل أصله الدعاء في حال القيام قال علي بن عيسى و الأول أحسن لحسن تصرفه في الباب لأن المداوم على الطاعة قانت و كذلك المداوم في صلاته على السكوت إلا عن الذكر المشروع و كذلك المداوم على الدعاء و يقال فلان يقنت عليه أي يدعو عليه دائما .
النزول
عن زيد بن ثابت أن النبي كان يصلي بالهاجرة و كانت أثقل الصلوات

(2/111)


على أصحابه فلا يكون وراءه إلا الصف أو الصفان فقال لقد هممت أن أحرق على قوم لا يشهدون الصلاة بيوتهم فنزلت هذه الآية .
المعنى
لما حث الله سبحانه على الطاعة خص الصلاة بالمحافظة عليها لأنها أعظم الطاعات فقال « حافظوا على الصلوات » أي داوموا على الصلوات المكتوبات في مواقيتها بتمام أركانها ثم خص الوسطى تفخيما لشأنها فقال « و الصلاة الوسطى » كقوله سبحانه « من كان عدوا لله و ملائكته و رسله و جبريل و ميكال » أي و الصلاة الوسطى خاصة فداوموا عليها ثم اختلف في الصلاة الوسطى على أقوال ( أحدها ) أنها صلاة الظهر عن زيد بن ثابت و ابن عمر و أبي سعيد الخدري و أسامة و عائشة و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله و هو قول أبي حنيفة و أصحابه و ذكر بعض أئمة الزيدية إنها الجمعة يوم الجمعة و الظهر سائر الأيام و رواه عن علي و يدل عليه سبب نزول هذه الآية و هو أنها وسط النهار و أول صلاة فرضت و روي عن علي قال قال النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) إن لله في السماء الدنيا حلقة تزول فيها الشمس فإذا زالت الشمس سبح كل شيء لربنا فأمر الله سبحانه بالصلاة في تلك الساعة و هي الساعة التي تفتح فيها أبواب السماء فلا تغلق حتى يصلى الظهر و يستجاب فيها الدعاء ( و ثانيها ) أنها صلاة العصر عن ابن عباس و الحسن و روي ذلك عن علي و ابن مسعود و قتادة و الضحاك و روي ذلك عن أبي حنيفة و روي مرفوعا إلى النبي قالوا لأنها بين صلاتي النهار و صلاتي الليل و إنما خصت بالذكر لأنها تقع في وقت اشتغال الناس في غالب الأمر و روي عن النبي أنه قال الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله و ماله و روى بريدة قال قال النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) بكروا بالصلاة في يوم الغيم فإنه من فاتته صلاة العصر حبط عمله ( و ثالثها ) أنها المغرب عن قبيصة بن ذؤيب قال لأنها وسط في الطول و القصر من بين الصلوات و روى الثعلبي بإسناده عن عائشة قالت قال رسول الله إن أفضل الصلوات عند الله صلاة المغرب لم يحطها الله عن مسافر و لا مقيم فتح الله بها صلاة الليل و ختم بها صلاة النهار فمن صلى المغرب و صلى بعدها ركعتين بنى الله له قصرا في الجنة و من صلى بعدها أربع ركعات غفر الله له ذنب عشرين أو أربعين سنة ( و رابعها ) أنها صلاة العشاء الآخرة عن بعضهم قال لأنها بين صلاتين لا تقصران و روي عن النبي أنه قال من صلى العشاء الآخرة في جماعة كان كقيام نصف ليلة و من صلى صلاة الفجر في جماعة كان كقيام ليلة ( و خامسها ) أنها صلاة الفجر عن معاذ و ابن عباس و جابر بن عبد الله و عطاء و عكرمة و مجاهد و هو قول الشافعي قالوا لأنها بين صلاتي الليل و صلاتي النهار و بين الظلام و الضياء و لأنها صلاة لا تجمع مع غيرها فهي منفردة بين مجتمعين و يدل عليه

(2/112)


من التنزيل قوله و قرآن الفجر أن قرآن الفجر كان مشهودا يعني تشهده ملائكة الليل و ملائكة النهار و هو مكتوب في ديوان الليل و ديوان النهار قالوا و يدل عليه آخر الآية و هو قوله « و قوموا لله قانتين » يعني و قوموا فيها لله قانتين قال أبو رجاء العطاردي صلى بنا ابن عباس في مسجد البصرة صلاة الغداة فقنت فيها قبل الركوع و رفع يديه فلما فرغ قال هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا أن نقوم فيها قانتين أورده الثعلبي في تفسيره و روي بإسناده مرفوعا إلى أنس بن مالك قال ما زال رسول الله يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا ( و سادسها ) أنها إحدى الصلوات الخمس لم يعينها الله و أخفاها في جملة الصلوات المكتوبة ليحافظوا على جميعها كما أخفى ليلة القدر في ليالي شهر رمضان و اسمه الأعظم في جميع الأسماء و ساعة الإجابة في ساعات الجمعة عن الربيع بن خيثم و أبي بكر الوراق « و قوموا لله قانتين » قال ابن عباس معناه داعين و القنوت هو الدعاء في الصلاة في حال القيام و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله و قيل معناه طائعين عن الحسن و سعيد بن المسيب و قتادة و الضحاك و طاووس و إحدى الروايتين عن ابن عباس و قيل معناه خاشعين عن مجاهد قال نهوا عن العبث و الالتفات في الصلاة و قيل ساكنين عن ابن مسعود و زيد بن أرقم و الأصل فيه الإتيان بالدعاء أو غيره من العبادات في حال القيام و يجوز أن يطلق في سائر الطاعات فإنه و إن لم يكن فيه القيام الحقيقي فإن فيه القيام بالعبادة .
فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ(239)
اللغة
الرجال جمع راجل مثل تجار و صحاب و قيام في جمع تاجر و صاحب و قائم و الراجل هو الكائن على رجله واقفا كان أو ماشيا و الركبان جمع راكب كالفرسان جمع فارس و كل شيء علا شيئا فقد ركبه و الركاب المطي و ركبت الرجل أركبه ركبا أي ضربته بركبتي و أصبت ركبته أيضا و هذا قياس في جميع الأعضاء نحو رأسته و بطنته و ظهرته .
الإعراب
رجالا منصوب على الحال تقديره فصلوا رجالا كما علمكم الكاف يتعلق باذكروا و ما مصدرية في ما علمكم و قوله « ما لم تكونوا تعلمون » موصول و صلة في موضع المفعول الثاني لعلم .

(2/113)


المعنى
لما قدم سبحانه وجوب المحافظة على الصلاة عقبه بذكر الرخصة عند المخافة فقال « فإن خفتم » أي إن لم يمكنكم أن تقوموا قانتين موفين الصلاة حقها لخوف عرض لكم « فرجالا » أي فصلوا رجالا على أرجلكم و قيل مشاة « أو ركبانا » أي على ظهور دوابكم عنى بها صلاة الخوف و صلاة الخوف من العدو ركعتان في السفر و الحضر إلا المغرب فإنها ثلاث ركعات و يروى أن عليا صلى ليلة الهرير خمس صلوات بالإيماء و قيل بالتكبير و إن النبي صلى يوم الأحزاب إيماء « فإذا أمنتم » من الخوف « فاذكروا الله » أي فصلوا صلاة الأمن و قيل اذكروا الله بالثناء عليه و الحمد له « كما علمكم » من أمور دينكم و غير ذلك من أموركم « ما لم تكونوا تعلمون » .
وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوَجاً وَصِيَّةً لأَزْوَجِهِم مَّتَعاً إِلى الْحَوْلِ غَيرَ إِخْرَاج فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكمْ فى مَا فَعَلْنَ فى أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوف وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكيمٌ(240)
القراءة
قرأ أهل المدينة و ابن كثير و الكسائي و أبو بكر عن عاصم وصية بالرفع و الباقون بالنصب .
الحجة
قال أبو علي حجة من قرأ وصية بالرفع أنه يجوز أن يرتفع من وجهين ( أحدهما ) أن يكون مبتدأ و الظرف خبره و حسن الابتداء بالنكرة لأنه موضع تخصيص كما حسن أن يرتفع سلام عليكم و خير بين يديك و نحو قوله لملتمس المعروف أهل و مرحب لأنها في موضع دعاء فجاز فيها الابتداء بالنكرة لما كان معناها كمعنى المنصوب ( و الآخر ) أن تضمر له خبرا فيكون لأزواجهم صفة و تقدير الخبر المضمر فعليهم وصية لأزواجهم و من نصب وصية حمله على الفعل أي ليوصوا وصية و يكون قوله « لأزواجهم » وصفا كما كان في قول من أضمر الخبر كذلك و من حجتهم أن الظرف إذا تأخر عن النكرة كان استعماله صفة أكثر و إذا كان خبرا تقدم على النكرة إذا لم يكن في معنى المنصوب كقوله تعالى « و لهم أعمال من دون ذلك » « و لدينا مزيد » فإذا تأخرت فالأكثر فيها أن تكون صفاتا و قال بعضهم لا يجوز غير الرفع لأنه لا يمكن الوصية بعد الوفاة و لأن فرض النفقة كان لهن أوصى أو لم يوص قال علي بن عيسى و هذا غلط لأن المعنى و الذين تحضرهم الوفاة منكم

(2/114)


فلذلك قال « يتوفون » على لفظ الحاضر الذي يتطاول نحو قوله ( الذين يصلون فليعرضوا عن الفكر فيما يشغلهم ) فأما قولهم أن الفرض كان لهن و إن لم يوصوا فغير صحيح لأن الزوج إذا فرط في الوصية فلا ينكر أن يوجبه الله على الورثة و قال قتادة و السدي كان يجب على الزوج الوصية لها كما أوجب الوصية للوالدين و الأقربين و قوله « متاعا » نصب على وجهين ( أحدهما ) أنه على تقدير متعوهن متاعا ( و الثاني ) جعل الله لهن ذلك متاعا لأن ما قبله دل عليه و قوله « غير إخراج » منصوب على وجهين ( أحدهما ) أن يكون صفة لمتاع ( و الثاني ) أن يكون مصدرا وضع موضع الحال قال الفراء و هو كقولك جئتك غير رغبة إليك فكأنه قال متعوهن متاعا في مساكنهن و أقول إن تقديره غير مخرجات إخراجا فيكون ذو الحال هن من متعوهن و يجوز أن يكون تقديره غير مخرجين فيكون ذو الحال الواو من متعوهن .
المعنى
« و الذين يتوفون منكم » أي الذين يقاربون منكم الوفاة لأن المتوفى لا يؤمر و لا ينهى « و يذرون أزواجا وصية لأزواجهم » أي فليوصوا وصية لهن و من رفع فمعناه وصية من الله لأزواجهم أو عليهم وصية لهن « متاعا إلى الحول » يعني ما ينتفعن به حولا من النفقة و الكسوة و السكنى و قيل و هو مثل المتعة في المطلقات و كان واجبا في المتوفى عنها زوجها بالوصية من مال الزوج « غير إخراج » أي لا يخرجن من بيوت الأزواج « فإن خرجن » بأنفسهن قبل الحول من غير أن يخرجهن الورثة و قيل أن المراد إذا خرجن بعد مضي الحول و قد مضت العدة فإن بمعنى إذا عن القاضي و غيره « فلا جناح عليكم » يا معشر أولياء الميت « فيما فعلن في أنفسهن من معروف » اختلفوا في رفع الجناح قيل لا جناح في قطع النفقة و السكنى عنهن عن الحسن و السدي قالا و هذا دليل على سقوط النفقة بالخروج و أن ذلك كان واجبا لهن بالإقامة إلى الحول فإن خرجن قبله بطل الحق الذي وجب لهن بالإقامة و قيل لا جناح عليكم في ترك منعهن من الخروج لأن مقامها سنة في البيت غير واجب و لكن قد خيرها الله في ذلك عن الجبائي و قيل لا جناح عليكم أن تزوجن بعد انقضاء العدة و هذا أوجه و تقديره إذا خرجن من العدة بانقضاء السنة فلا جناح إن تزوجن و قوله « من معروف » يعني طلب النكاح و التزين « و الله عزيز » قادر لا شيء يعجزه « حكيم » لا يصدر منه إلا ما تقتضيه الحكمة و اتفق العلماء على أن هذه الآية منسوخة و قال أبو عبد الله ثم كان الرجل إذا مات أنفق على امرأته من صلب المال حولا ثم أخرجت بلا ميراث ثم نسختها آية الربع و الثمن فالمرأة ينفق عليها من نصيبها و عنه قال نسختها يتربص بأنفسهن أربعة أشهر و عشرا و نسختها آية المواريث .

(2/115)


وَ لِلْمُطلَّقَتِ مَتَعُ بِالْمَعْرُوفِ حَقاًّ عَلى الْمُتَّقِينَ(241) كَذَلِك يُبَينُ اللَّهُ لَكمْ ءَايَتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(242)
الإعراب
الوجه في انتصاب قوله « حقا » مثل ما بيناه فيما قبل في قوله حقا على المحسنين كذلك الكاف يتعلق بيبين أي مثل هذا البيان يبين لكم .
النزول
قيل لما نزلت و متعوهن على الموسع قدره إلى قوله حقا على المحسنين قال بعضهم إن أحببت فعلت و إن لم أرد ذلك لم أفعل فأنزل الله هذه الآية عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم .
المعنى
لما قدم سبحانه بيان أحوال المعتدات عقبه ببيان ما يجب لهن من المتعة فقال « و للمطلقات متاع بالمعروف » اختلف فيه فقال سعيد بن جبير و أبو العالية و الزهري إن المراد بهذا المتاع المتعة و أن المتعة واجبة لكل مطلقة و قال أبو علي الجبائي المراد به النفقة و هو المتاع المذكور في قوله متاعا إلى الحول و قال سعيد بن المسيب الآية منسوخة بقوله تعالى فنصف ما فرضتم و عندنا أنها مخصوصة بتلك الآية إن نزلتا معا و إن كانت تلك متأخرة فمنسوخة لأن عندنا لا تجب المتعة إلا للمطلقة التي لم يدخل بها و لم يفرض لها مهر فأما المدخول بها فلها مهر مثلها إن لم يسم لها مهر و إن سمي لها مهر فما سمي لها و غير المدخول بها المفروض مهرها لها نصف المهر و لا متعة في هذه الأحوال و به قال الحسن فلا بد من تخصيص هذه الآية و ذكرنا الكلام في المتعة عند قوله « و متعوهن » و قوله « بالمعروف حقا على المتقين » مضى تفسيره و خص المتقين هنا كما خص المحسنين هناك « كذلك يبين الله لكم آياته » أي كما بين الله لكم الأحكام و الآداب التي مضت مما تحتاجون إلى معرفتها في دينكم يبين لكم هذه الأحكام فشبه البيان الذي يأتي بالبيان الماضي و البيان هو الأدلة التي يفرق بها الحق و الباطل « لعلكم تعقلون » معناه لكي تعقلوا آيات الله و قيل لعلكم تكمل عقولكم فإن العقل الغريزي إنما يكمل بالعقل المكتسب و المراد به استعمال العقل مع العلم به و من لم يستعمل العقل فكأنه لا عقل له و هذا كقوله تعالى إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة جعلهم جهالا لأنهم آثروا هواهم على ما علموا أنه الحق .

(2/116)


* أَ لَمْ تَرَ إِلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَرِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضل عَلى النَّاسِ وَ لَكِنَّ أَكثرَ النَّاسِ لا يَشكرُونَ(243)
اللغة
الرؤية هنا بمعنى العلم و معنى أ لم تر أ لم تعلم و هذه الألف ألف التوقيف و تر متروكة الهمزة و أصله أ لم ترا من رأى يرأى مثل نأى ينأى إلا أنهم على إسقاط الهمزة هنا للتخفيف .
الإعراب
« حذر الموت » نصب لأنه مفعول له و جاز أن يكون نصبه على المصدر لأن خروجهم يدل على حذروا الموت حذرا .
المعنى
لما ذكر قوله يبين آياته للناس عقبه بذكر آية من آياته فقال « أ لم تر » أي أ لم تعلم : يا محمد أو أيها السامع أو لم ينته علمك إلى خبر هؤلاء « الذين خرجوا من ديارهم » قيل هم من قوم بني إسرائيل فروا من طاعون وقع بأرضهم عن الحسن و قيل فروا من الجهاد و قد كتب عليهم عن الضحاك و مقاتل و احتجا بقوله عقيب الآية و قاتلوا في سبيل الله و قيل هم قوم حزقيل و هو ثالث خلفاء بني إسرائيل بعد موسى و ذلك أن القيم بأمر بني إسرائيل بعد موسى كان يوشع بن نون ثم كالب بن يوقنا ثم حزقيل و قد كان يقال له ابن العجوز و ذلك أن أمه كانت عجوزا فسألت الله الولد و قد كبرت و عقمت فوهبه الله لها و قال الحسن هو ذو الكفل و إنما سمي حزقيل ذا الكفل لأنه كفل سبعين نبيا نجاهم من القتل و قال لهم اذهبوا فإني إن قتلت كان خيرا من أن تقتلوا جميعا فلما جاء اليهود و سألوا حزقيل عن الأنبياء السبعين فقال إنهم ذهبوا و لا أدري أين هم و منع الله ذا الكفل منهم « و هم ألوف » أجمع أهل التفسير على أن المراد بالوف هنا كثرة العدد إلا ابن زيد فإنه قال معناه خرجوا مؤتلفي القلوب لم يخرجوا عن تباغض فجعله جمع آلف مثل قاعد و قعود و شاهد و شهود و اختلف من قال المراد به العدد الكثير فقيل كانوا ثلاثة آلاف عن عطاء الخراساني و قيل ثمانية آلاف عن مقاتل و الكلبي و قيل عشرة آلاف عن ابن روق و قيل بضعة و ثلاثين ألفا عن السدي و قيل أربعين ألفا عن ابن عباس و ابن جريج و قيل سبعين ألفا عن عطا بن أبي رباح و قيل كانوا عددا كثيرا عن الضحاك و الذي يقضي به الظاهر أنهم كانوا أكثر من عشرة آلاف لأن بناء فعول للكثرة و هو ما زاد على العشرة و ما نقص عنها يقال فيه آلاف يقال فيه عشرة آلاف و لا يقال عشرة ألوف « حذر الموت » أي من خوف الموت « فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم » قيل في معناه قولان ( أحدهما ) أن معناه أماتهم الله كما يقال

(2/117)


قالت السماء فهطلت معناه فهطلت السماء و قلت برأسي كذا و قلت بيدي كذا و معناه أشرت برأسي و بيدي و ذلك لما كان القول في الأكثر استفتاحا للفعل كالقول الذي هو تسمية و ما جرى مجراه مما كان يستفتح به الفعل صار معنى قالت السماء فهطلت أي استفتحت بالهطلان كذلك معناه هاهنا فاستفتح الله بإماتتهم ( و الثاني ) أن معناه أماتهم بقول سمعته الملائكة لضرب من العبرة ثم أحياهم الله بدعاء نبيهم حزقيل عن ابن عباس و قيل إنه شمعون من أنبياء بني إسرائيل « إن الله لذو فضل على الناس و لكن أكثر الناس لا يشكرون » لما ذكر النعمة عليهم بما أراهم من الآية العظيمة في أنفسهم ليلتزموا سبيل الهدى و يجتنبوا طريق الردى ذكر بعده ما له عليهم من الأنعام و الإحسان مع ما هم عليه من الكفران و هذه الآية حجة على من أنكر عذاب القبر و الرجعة معا لأن إحياء أولئك مثل إحياء هؤلاء الذين أحياهم الله للاعتبار .
] القصة [
قيل إن اسم القرية التي خرجوا منها هربا من وبائها داوردان قبل واسط قال الكلبي و الضحاك و مقاتل أن ملكا من ملوك بني إسرائيل أمرهم أن يخرجوا إلى قتال عدوهم فخرجوا فعسكروا ثم جبنوا و كرهوا الموت فاعتلوا و قالوا إن الأرض التي نأتيها بها الوباء فلا نأتيها حتى ينقطع منها الوباء فأرسل الله عليهم الموت فلما رأوا أن الموت كثر فيهم خرجوا من ديارهم فرارا من الموت فلما رأى الملك ذلك قال اللهم رب يعقوب و إله موسى قد ترى معصية عبادك فأرهم آية في أنفسهم حتى يعلموا أنهم لا يستطيعون الفرار منك فأماتهم الله جميعا و أمات دوابهم و أتى عليه ثمانية أيام حتى انتفخت و أروحت أجسادهم فخرج إليهم الناس فعجزوا عن دفنهم فحظروا عليهم حظيرة دون السباع و تركوهم فيها قالوا و أتى على ذلك مدة حتى بليت أجسادهم و عريت عظامهم و تقطعت أوصالهم فمر عليهم حزقيل و جعل يتفكر فيهم متعجبا منهم فأوحى إليه يا حزقيل تريد أن أريك آية و أريك كيف أحيي الموت قال نعم فأحياهم الله و قيل إنهم كانوا قوم حزقيل فأحياهم الله بعد ثمانية أيام و ذلك أنه لما أصابهم ذلك خرج حزقيل في طلبهم فوجدهم موتى فبكى ثم قال يا رب كنت في قوم يحمدونك و يسبحونك و يقدسونك فبقيت وحيدا لا قوم لي فأوحى الله إليه قد جعلت حياتهم إليك فقال حزقيل أحيوا بإذن الله فعاشوا و سأل حمران بن أعين أبا جعفر الباقر (عليه السلام) عن هؤلاء القوم الذين « قال لهم الله موتوا ثم أحياهم » فقال أحياهم حتى نظر الناس إليهم ثم أماتهم أم ردهم إلى الدنيا حتى سكنوا الدور و أكلوا

(2/118)


الطعام قال لا بل ردهم الله حتى سكنوا الدور و أكلوا الطعام و نكحوا النساء و مكثوا بذلك ما شاء الله ثم ماتوا ب آجالهم .
وَ قَتِلُوا فى سبِيلِ اللَّهِ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سمِيعٌ عَلِيمٌ(244)
المعنى
اختلف في المخاطب بقوله « و قاتلوا في سبيل الله » فقيل توجه الخطاب إلى الصحابة بعد ما ذكرهم بحال من فر من الموت فلم ينفعه الفرار يحرضهم على الجهاد لئلا يسلكوا في الفرار من الجهاد سبيل أولئك الذين فروا من الديار و قيل أنه خطاب للذين جرى ذكرهم على تقدير و قيل لهم قاتلوا في سبيل الله « و اعلموا أن الله سميع عليم » أي سميع لما يقول المنافق عليم بما يجنه فاحذروا حاله .
مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِض اللَّهَ قَرْضاً حَسناً فَيُضعِفَهُ لَهُ أَضعَافاً كثِيرَةً وَ اللَّهُ يَقْبِض وَ يَبْصط وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(245)
القراءة
« فيضاعفه » فيه أربع قراءات قرأ أبو عمرو و نافع و حمزة و الكسائي فيضاعفه بالألف و الرفع و قرأ عاصم الألف و النصب و قرأ ابن كثير و أبو جعفر فيضعفه بالتشديد و الرفع و قرأ ابن عامر و يعقوب بالتشديد و النصب و قرأ أبو عمرو و الكسائي و حمزة يبسط و بسطه : و في الأعراف أيضا بالسين و روي عنهم أيضا بالصاد و يعقوب و هشام بالسين و الباقون مختلف عنهم .
الحجة
قال أبو علي للرفع في قوله فيضاعفه وجهان ( أحدهما ) أن يعطفه على ما في الصلة و الآخر أن يستأنفه فأما النصب في « فيضاعفه » فالرفع أحسن منه أ لا ترى أن الاستفهام إنما هو عن فاعل الإقراض لا عن الإقراض و إذا كان كذلك لم يكن مثل قولك أ تقرضني فأشكرك لأن الاستفهام هاهنا عن الإقراض و وجه قول ابن عامر و عاصم في النصب من فاء « فيضاعفه » أنه حمل الكلام على المعنى و ذلك أنه لما كان المعنى أ يكون قرض حمل قوله « فيضاعفه » على ذلك كما أن من قرأ من يضلل الله فلا هادي له و يذرهم جزم قوله و يذرهم لما كان معنى قوله فلا هادي له لا يهده و نحو ذلك مما يحمل فيه الكلام على المعنى دون اللفظ كثير فأما القول في يضاعف و يضعف فكل واحد منهما في معنى الآخر و قوله

(2/119)


« أضعافا » منصوب على الحال و تقديره فيكثره فإذا هي أضعاف فيكون حالا بعد الفراغ من الفعل و وجه قول من أبدل من السين الصاد في هذه المواضع التي ذكرت أن الطاء حرف مستعل يتصعد من مخرجها إلى الحنك و لم يتصعد السين تصعدها فكره التصعد عن التسفل فأبدل من السين حرفا في مخرجها في تصعد الطاء فتلأم الحرفان و صار كل واحد منهما وفق صاحبه في التصعد فزال في الإبدال ما كان يكره من التصعد عن التسفل و لو كان اجتماع الحرفين على عكس ما ذكرناه و هو أن يكون التصعد قبل التسفل لم يكره ذلك و لم يبدلوا أ لا ترى أنهم قالوا طسم الطريق و قسوت و قست فلم يكرهوا التسفل عن تصعد كما كرهوا بسط حتى قالوا بصط فأبدلوا فأما من لم يبدل السين في بسط و ترك السين فلأنه الأصل و لأن ما بين الحرفين من الخلاف يسير فاحتمل الخلاف لقلته .
اللغة
القرض هو قطع جزء من المال بالإعطاء على أن يرد بعينه أو يرد مثله بدلا منه و أصل القرض القطع بالمناب يقال قرض الشيء يقرض إذا قطعه بنابه و أقرض فلان فلانا إذا أعطاه ما يتجازاه منه و الاسم منه القرض و التضعيف و المضاعفة و الأضعاف بمعنى و هو الزيادة على أصل الشيء حتى يصير مثلين أو أكثر تقول ضعفت القوم أضعفهم ضعفا إذا كثرتهم فصرت مع أصحابك على الضعف منهم و ضعف الشيء مثله في المقدار إذا زيد عليه فكل واحد منهما ضعف و ضعف الشيء ضعفا و ضعفا و الضعف خلاف القوة و القبض خلاف البسط يقال قبضه يقبضه قبضا و القبض ضم الكف على الشيء و التقبض التشنج و تقبض عنه إذا اشمأز عنه لأنه ضم نفسه عن الانبساط إليه و قبض الإنسان إذا مات و الملك قابض الأرواح و بسط يبسط بسطا و البساط ما بسطته و البساط بفتح الباء الأرض الواسعة و كتب يبسط بالسين و بصطة بالصاد لأن القلب على الساكن أقوى منه على المتحرك .
المعنى
لما حث سبحانه على الجهاد و ذلك يكون بالنفس و المال و عقبه بالتلطف في الاستدعاء إلى أعمال البر و الإنفاق في سبيل الخير فقال « من ذا الذي يقرض الله » أي ينفق في سبيل الله و طاعته و المراد به الأمر و ليس هذا بقرض حاجة على ما ظنه اليهود فقال إنما يستقرض منا ربنا عن عوز فإنما هو فقير و نحن أغنياء بل سمى تعالى الإنفاق قرضا تلطفا للدعاء إلى فعله و تأكيدا للجزاء عليه فإن القرض يوجب الجزاء « قرضا حسنا » و القرض الحسن أن ينفق من حلال و لا يفسده بمن و لا أذى و قيل هو أن يكون محتسبا طيبا به نفسه عن الواقدي و قيل هو أن يكون حسن الموقع عند الإنفاق فلا يكون خسيسا

(2/120)


و الأولى أن يكون جامعا لهذه الأمور كلها فلا تنافي بينها « فيضاعفه له أضعافا كثيرة » أي فيزيده له أي يعطيه ما لا يعلمه إلا الله و هو مثل قوله تعالى « و يؤت من لدنه أجرا عظيما » عن الحسن و السدي و روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال لما نزلت هذه الآية من جاء بالحسنة فله خير منها قال رسول الله رب زدني فأنزل الله من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها فقال رسول الله رب زدني فأنزل الله سبحانه « من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة » و الكثير عند الله لا يحصى « و الله يقبض و يبسط » معناه و الله يقبض الرزق عن أقوام بأن يقتره عليهم و يبسط الرزق على أقوام بأن يوسعه عليهم عن الحسن و ابن زيد و قيل معناه يقبض الصدقات و يبسط الجزاء عليها عاجلا أو آجلا أو كلاهما عن الأصم و الزجاج و قيل يقبض الرزق بموت واحد و يبسط لوارثه « و إليه ترجعون » و هذا تأكيد للجزاء قال الكلبي في سبب نزول هذه الآية أن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال من تصدق بصدقة فله مثلها في الجنة فقال أبو الدحداح الأنصاري و اسمه عمرو بن الدحداح يا رسول الله إن لي حديقتين إن تصدقت بإحداهما فإن لي مثليها في الجنة قال نعم قال و أم الدحداح معي قال نعم قال و الصبية معي قال نعم فتصدق بأفضل حديقتيه فدفعها إلى رسول الله فنزلت الآية فضاعف الله له صدقته ألفي ألف و ذلك قوله « أضعافا كثيرة » قال فرجع أبو الدحداح فوجد أم الدحداح و الصبية في الحديقة التي جعلها صدقة فقام على باب الحديقة و تحرج أن يدخلها فنادى يا أم الدحداح قالت لبيك يا أبا الدحداح قال إني قد جعلت حديقتي هذه صدقة و اشتريت مثليها في الجنة و أم الدحداح معي و الصبية معي قالت بارك الله لك فيما شريت و فيما اشتريت فخرجوا منها و أسلموا الحديقة إلى النبي فقال النبي كم نخلة متدل عذوقها لأبي الدحداح في الجنة .
أَ لَمْ تَرَ إِلى الْمَلا مِن بَنى إِسرءِيلَ مِن بَعْدِ مُوسى إِذْ قَالُوا لِنَبىّ لَّهُمُ ابْعَث لَنَا مَلِكاً نُّقَتِلْ فى سبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسيْتُمْ إِن كتِب عَلَيْكمُ الْقِتَالُ أَلا تُقَتِلُوا قَالُوا وَ مَا لَنَا أَلا نُقَتِلَ فى سبِيلِ اللَّهِ وَ قَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَرِنَا وَ أَبْنَائنَا فَلَمَّا كُتِب عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلا قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَ اللَّهُ عَلِيمُ بِالظلِمِينَ(246)

(2/121)


القراءة
قرأ نافع وحده عسيتم بكسر السين و الباقون بفتحها .
الحجة
المشهور في عسيت فتح السين و وجه قراءة نافع أنهم قالوا هو عس بذلك و ما عساه و أعس به حكاه ابن الأعرابي و هذا يقوي قراءة نافع لأن عس مثل حر و شج و قد جاء فعل و فعل مثل نقم و نقم و ورت بك زنادي و وريت فكذلك عست و عسيت فإن أسند الفعل إلى ظاهر فقياس عسيتم أن تقول عسي زيد مثل رضي فإن قاله فهو قياس قوله و إن لم يقله فسائغ له أن يأخذ باللغتين معا و يستعمل إحداهما في موضع و الأخرى في موضع آخر كما فعل ذلك غيره .
اللغة
الملأ الجماعة الأشراف من الناس و روي أن رجلا من الأنصار قال يوم بدر إن قتلنا الأعاجيز صلعا فقال النبي أولئك الملأ من قريش لو رأيتهم في أنديتهم لهبتهم و لو أمروك لأطعتهم و لاحتقرت فعالك عند فعالهم و ملأت الإناء أترعته لأنه يجتمع فيه ما لا يكون مزيد عليه و مالأت الرجل عاونته و تمالئوا على ذلك إذا تعاونوا و ملأ الرجل ملاءة فهو ملي بالأمر إذا أمكنه القيام به و الملأ الخلق لأن جميع أفعال صاحبه يجري عليه يقال أحسنوا أملاءكم أي أخلاقكم قال :
تنادوا يأل بهثة إذ رأونا
فقلنا أحسني ملأ جهينا و أصل الباب الاجتماع فيما لا يحتمل المزيد و إنما سمي الأشراف ملأ لأنه لا مزيد على شرفهم و قيل لأن هيبتهم تملأ الصدور و الملأ مقصورا المتسع من الأرض قال الشاعر :
ألا غنياني و ارفعا الصوت بالملأ
فإن الملأ عندي تريد المدى بعدا .
الإعراب
« من بني إسرائيل » الجار و المجرور في محل النصب على الحال و العامل فيه تر و ذو الحال الملأ و « من بعد موسى » في موضع الحال أيضا و هو حال بعد حال أو حال من الضمير في الجار و المجرور قبله و قوله « نقاتل » جزم على الجواب للمسألة التي هي على لفظ الأمر أي إن تبعث لنا ملكا نقاتل و لو كان بالياء لجاز الرفع على أن يكون صفة للملك قال الزجاج و الرفع في نقاتل بعيد يجوز على معنى فإنا نقاتل في سبيل الله و كثير من

(2/122)


النحويين لا يجيز الرفع فيه و قوله « ألا تقاتلوا » في موضع نصب لأنه خبر عسى و قوله « و ما لنا ألا نقاتل » قال أبو الحسن الأخفش فيه و في قوله ما لكم ألا تأكلوا إن أن زائدة كأنه قال ما لنا لا نقاتل و ما لكم لا تأكلون كقوله ما لكم لا تنطقون و ما لك لا تأمنا وقع الفعل المنفي موقع الحال كما وقع الموجب موقعه في قولك ما لك تفعل و قد يقال أيضا في نحو ذلك أن المعنى و ما لنا في أن لا نقاتل و ما لكم في أن لا تأكلوا فكأنه حمل الآية على وجهين قال أبو علي و القول الثاني أوضح و يكون أن مع حرف في موضع نصب الحال كقوله تعالى « فما لهم عن التذكرة معرضين » و نحو ذلك ثم حذف الجار و سد أن و صلتها ذلك المسد و الحال في الأصل هو الجالب للحرف المقدر إلا أنه ترك إظهاره لدلالة المنصوب عنه عليه و مثله في وقوع الظرف موقع الحال قول أبو ذؤيب :
يعثرن في حد الظباة كأنما
كسيت برود بني يزيد الأذرع و هذا كما يقال خرجت في الثياب أي خرجت لابسا و وجه ثالث ذكره المبرد و هو أن يكون ما جحدوا و تقديره و ما لنا نترك القتال و على الوجهين الأولين يكون ما استفهاما و قد أخرجنا جملة في موضع الحال و تقديره و ما لنا ألا نقاتل مخرجين من ديارنا و ذو الحال الضمير في ألا نقاتل و قليلا منصوب على الاستثناء من الموجب .
المعنى
لما قدم تعالى ذكر الجهاد عقبه بذكر القصة المشهورة في بني إسرائيل تضمنت شرح ما نالهم في قعودهم عنه تحذيرا من سلوك طريقهم فيه « أ لم تر » أي أ لم ينته علمك يا محمد « إلى الملأ » أي جماعة الأشراف « من بني إسرائيل من بعد موسى » أي من بعد وفاته « إذ قالوا لنبي لهم » اختلف في ذلك النبي فقيل اسمه شمعون سمته أمه بذلك لأن أمه دعت إلى الله أن يرزقها غلاما فسمع الله دعاءها فيه و هو شمعون بن صفية من ولد لاوي بن يعقوب عن السدي و قيل هو يوشع بن نون بن أفراثيم بن يوسف بن يعقوب عن قتادة و قيل هو إشمويل و هو بالعربية إسماعيل عن أكثر المفسرين و هو المروي عن أبي جعفر « ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله » اختلف في سبب سؤالهم ذلك فقيل كان سبب سؤالهم ذلك استذلال الجبابرة لهم لما ظهروا على بني إسرائيل و غلبوهم على كثير من ديارهم و سبوا كثيرا من ذراريهم بعد أن كانت الخطايا قد كثرت في بني إسرائيل

(2/123)


و عظمت فيهم الأحداث و نسوا عهد الله تعالى و لم يكن لهم نبي يدبر أمرهم فبعث الله إليهم إشمويل نبيا فقالوا له إن كنت صادقا فابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله آية من نبوتك عن الربيع و الكلبي و قيل أرادوا قتال العمالقة فسألوا ملكا يكون أميرا عليهم تنتظم به كلمتهم و يجتمع أمرهم و يستقيم حالهم في جهاد عدوهم عن السدي و قيل بعث الله إشمويل نبيا فلبثوا أربعين سنة بأحسن حال ثم كان من أمر جالوت و العمالقة ما كان فقالوا لإشمويل ابعث لنا ملكا عن وهب و قال أبو عبد الله كان الملك في ذلك الزمان هو الذي يسير بالجنود و النبي يقيم له أمره و ينبئه بالخبر من عند ربه فأجابهم نبيهم ف « قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال » أي لعلكم إن فرض عليكم المحاربة مع ذلك الملك « ألا تقاتلوا » أن لا تفوا بما تقولون و تجنبوا فلا تقاتلوا و إنما سألهم عن ذلك ليعرف ما عندهم من الحرص على القتال و هذا كأخذ العهد عليهم و معنى عسيتم قاربتم فإذا قلت عسيت أن أفعل كذا فمعناه قاربت فعله « قالوا » يعني قال الملأ « و ما لنا ألا نقاتل في سبيل الله » معناه و أي شيء لنا في ترك القتال و قيل معناه ليس لنا ترك القتال « و قد أخرجنا » لفظه عام و معناه خاص أي قد أخرج بعضنا « من ديارنا و أبنائنا » أوطاننا و أهالينا بالسبي و القهر على نواحينا و المعنى أنهم أجابوا نبيهم بأن قالوا إنما كنا لا نرغب في القتال إذ كنا أعزاء لا يظهر علينا عدونا فأما إذا بلغ الأمر هذا المبلغ فلا بد من الجهاد « فلما كتب عليهم القتال » فيه حذف تقديره فسأل النبي الله تعالى أن يبعث لهم ملكا يجاهدون معه أعداءهم فسمع الله دعوته و أجاب مسألته فبعث لهم ملكا و كتب عليهم القتال أي فرض فلما كتب عليهم القتال « تولوا » أي أعرضوا عن القيام به و ضيعوا أمر الله « إلا قليلا منهم » و هم الذين عبروا النهر على ما نبينه من بعد « و الله عليم بالظالمين » هذا تهديد لمن يتولى عن القتال لأنهم ظلموا أنفسهم بمعصية الله .
وَ قَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَث لَكمْ طالُوت مَلِكاً قَالُوا أَنى يَكُونُ لَهُ الْمُلْك عَلَيْنَا وَ نحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَ لَمْ يُؤْت سعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصطفَاهُ عَلَيْكمْ وَ زَادَهُ بَسطةً فى الْعِلْمِ وَ الْجِسمِ وَ اللَّهُ يُؤْتى مُلْكهُ مَن يَشاءُ وَ اللَّهُ وَسِعٌ عَلِيمٌ(247)

(2/124)


اللغة
اصطفاه اختاره و استصفاه بمعناه و أصله اصتفاه إلا أن التاء أبدلت طاء لأن التاء من مخرج الطاء و الطاء مطبقة كما أن الصاد مطبقة فأبدلوها منها ليسهل النطق بها بعد الصاد و البسطة الفضيلة في الجسم و المال و الجسم حده الطويل العريض العميق بدلالة قولهم جسم جسامة أي ضخم و هذا جسيم أي ضخيم و هذا أجسم من هذا إذا زاد عليه في الطول و العرض و العمق و قيل الجسم هو المؤلف و قيل هو القائم بنفسه و الصحيح الأول .
الإعراب
طالوت و جالوت و داود لا تنصرف لأنها أسماء أعجمية و فيها سببان التعريف و العجمة فأما جاموس فلو سميت رجلا به لانصرف و إن كان أعجميا لأنه قد تمكن في العربية لأنك تدخل عليه الألف و اللام فتقول الجاموس ملكا نصب على الحال العامل فيه بعث و ذو الحال طالوت و أني في موضع نصب لأنه خبر يكون و الملك اسمه و له في موضع الحال و ذو الحال الملك تقديره و أنى يكون له الملك يستقر له علينا و يجوز أن يكون كان هنا تامة فيتعلق اللام بكون و أنى في موضع نصب على الحال من يكون و علينا يتعلق بالملك « و نحن أحق » في محل النصب على الحال أيضا تقديره أنى يكون له أن يملك علينا و نحن أحق منه بالملك « و لم يؤت سعة » في محل الحال أيضا عطف على نحن أحق و العامل فيه الملك و ذو الحال الضمير في أن يملك و تقديره أن يملك علينا غير مؤتي سعة مالية .
المعنى
« و قال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا » أي جعله ملكا و كان طالوت من ولد بنيامين بن يعقوب و لم يكن من سبط النبوة و لا من سبط المملكة و سمي طالوت لطوله و يقال كان سقاء و قيل كان خرنبدجا و قيل كان دباغا و كانت النبوة في سبط لاوي بن يعقوب و كانت المملكة في سبط يهوذا بن يعقوب و قيل في سبط يوسف و قوله « ملكا » يعني أميرا على الجيش عن مجاهد و قيل بعثه نبيا بعد أن جعله ملكا « قالوا أنى يكون له الملك علينا » أي من أين له الملك و هذا أول اعتراضهم إذ أنكروا ملكه « و نحن أحق » أي أولى « بالملك منه » لأنا من سبط النبوة و المملكة و أوتينا المال « و لم يؤت سعة من المال » أي لم يعط ما يتملك به الناس و هو المال إذ لا بد للملك من المال يحصل به المماليك و قيل معناه و لم يؤت سعة من المال فيشرف به و يجبر نقصا لو كان فيه حتى يساوي أهل الأنساب فأعلمهم الله أنه أعرف بوجوه الحكمة منهم فإن المقصود في الملك و الرئاسة هو العلم و الشجاعة و أخبرهم بذلك عن لسان نبيهم

(2/125)


« قال إن الله اصطفاه » أي اختاره « عليكم » عن ابن عباس « و زاده بسطة » أي فضيلة و سعة « في العلم و الجسم » و كان أعلم بني إسرائيل في وقته و أجملهم و أتمهم و أعظمهم جسما و أقواهم شجاعة و قيل كان إذا قام الرجل فبسط يده رافعا لها نال رأسه قال وهب كان ذلك فيه قبل الملك و زاده ذلك بعد الملك « و الله يؤتي ملكه من يشاء » أي لا تنكروا ملكه و إن لم يكن من أهل بيت الملك فإن الله سبحانه مالك الملك يؤتي الملك من يشاء « و الله واسع » قيل في معناه ثلاثة أقوال ( أحدها ) أنه واسع الفضل فحذف كما يقال فلان كبير أي كبير القدر ( و الثاني ) أن الواسع بمعنى الموسع أي يوسع على من يشاء من نعمه كما جاء أليم بمعنى مؤلم و سميع بمعنى مسمع ( و الثالث ) أن معناه ذو سعة نحو عيشة راضية أي ذات رضا و رجل تأمر أي ذو تمر و لابن أي ذو لبن و قوله « عليم » أي عليم بمن ينبغي أن يؤتيه الفضل و المملكة إما للاستصلاح و إما للامتحان و في هذه الآية دلالة على أن الملك قد يضاف إليه سبحانه و ذلك بأن ينصب الملك للتدبير و يعطيه آلات الملك و يأمر الخلق بالانقياد له فعند ذلك يجوز أن يقال بعثه الله سبحانه ملكا و إن لم يكن في البعثة كالأنبياء و يقال في ملكه أيضا أنه من جهة الله سبحانه لأن تصرفه صادر عن إذنه و فيها دلالة أيضا على أن الملك ليس بواجب أن يكون وراثة و إنما يكون بحسب ما يعلمه الله من المصلحة و فيها دلالة على أن من شرط الإمام أن يكون أعلم من رعيته و أكمل و أفضل في خصال الفضل و الشجاعة لأن الله علل تقديم طالوت عليهم بكونه أعلم و أقوى فلو لا أن ذلك شرط لم يكن له معنى .
وَ قَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكهِ أَن يَأْتِيَكمُ التَّابُوت فِيهِ سكينَةٌ مِّن رَّبِّكمْ وَ بَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَك ءَالُ مُوسى وَ ءَالُ هَرُونَ تحْمِلُهُ الْمَلَئكَةُ إِنَّ فى ذَلِك لاَيَةً لَّكمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(248)
اللغة
التابوت بالتاء لغة جمهور العرب و التابوه بالهاء لغة الأنصار و السكينة مصدر وقع موقع الاسم نحو القضية و البقية و العزيمة و أخذ من السكون .
الإعراب
موضع أن يأتيكم رفع المعنى أن آية ملكه إتيان التابوت إياكم « فيه سكينة من ربكم » مبتدأ و خبر في موضع النصب على الحال من التابوت مما ترك الجار و المجرور في موضع الصفة لبقية .

(2/126)


المعنى
« و قال لهم نبيهم إن آية ملكه » أي علامة تمليك الله إياه و حجة صحة ملكه « أن يأتيكم التابوت » و في هذا دليل على أنهم قالوا لرسولهم إن كان ملكه بأمر من الله و من عنده فأتنا بعلامة تدل على ذلك فأجابهم بهذا و روى علي بن إبراهيم في تفسيره عن أبي جعفر أن التابوت كان الذي أنزله الله على أم موسى فوضعت فيه ابنها و ألقته في البحر و كان في بني إسرائيل معظما يتبركون به فلما حضر موسى الوفاة وضع فيه الألواح و درعه و ما كان عنده من آثار النبوة و أودعه عند وصيه يوشع بن نون فلم يزل التابوت بينهم و بنو إسرائيل في عز و شرف ما دام فيهم حتى استخفوا به و كان الصبيان يلعبون به في الطرقات فلما عملوا المعاصي و استخفوا به رفعه الله عنهم فلما سألوا نبيهم أن يبعث إليهم ملكا بعث الله لهم طالوت و رد عليهم التابوت و قيل كان في أيدي أعداء بني إسرائيل من العمالقة غلبوهم عليه لما مرج أمر بني إسرائيل و حدث فيهم الأحداث ثم انتزعه الله من أيديهم و رده على بني إسرائيل تحمله الملائكة عن ابن العباس و وهب و روي ذلك عن أبي عبد الله و قيل كان التابوت الذي أنزله الله على آدم فيه صور الأنبياء فتوارثه أولاد آدم و كان في بني إسرائيل يستفتحون به على عدوهم و قال قتادة و كان في برية التيه خلفه هناك يوشع بن نون فحملته الملائكة إلى بني إسرائيل و قيل كان قدر التابوت ثلاثة أذرع في ذراعين عليه صفائح الذهب و كان من شمشار و كانوا يقدمونه في الحروب و يجعلونه أمام جندهم فإذا سمع من جوفه أنين زف التابوت أي سار و كان الناس يسيرون خلفه فإذا سكن الأنين و خمد فوقف الناس بوقوفه « فيه سكينة من ربكم » قيل في التابوت نفسه و قيل فيما في التابوت و اختلف في السكينة فقيل إن السكينة التي كانت فيه ريح هفافه من الجنة لها وجه كوجه الإنسان عن علي (عليه السلام) و قيل كان له جناحان و رأس كرأس الهرة من الزبرجد و الزمرد عن مجاهد و روي ذلك في أخبارنا و قيل كان فيه آية يسكنون إليها عن عطا و قيل روح من الله يكلمهم بالبيان عند وقوع الاختلاف عن وهب « و بقية مما ترك آل موسى و آل هارون » قيل إنها عصا موسى و رضاض الألواح عن ابن عباس و قتادة و السدي و هو المروي عن أبي جعفر الصادق و قيل هي التوراة و شيء من ثياب موسى عن الحسن و قيل كان فيه أيضا لوحان من التوراة و قفيز من المن الذي كان ينزل عليهم و نعلا موسى و عمامة هارون و عصاه هذه أقوال أهل التفسير في السكينة و البقية و الظاهر أن السكينة أمنة و طمأنينة جعلها الله فيه ليسكن إليه بنو إسرائيل و البقية جائز أن يكون بقية من العلم أو شيء من علامات الأنبياء و جائز أن يتضمنها جميعا على ما قاله الزجاج و قيل أراد ب آل موسى و آل هارون موسى و هارون على نبينا و عليهما السلام يعني مما ترك موسى و هارون تقول العرب

(2/127)


آل فلان يريدون نفسه أنشد أبو عبيدة :
فلا تبك ميتا بعد ميت أحبه
علي و عباس و آل أبي بكر يريد أبا بكر نفسه و قال جميل :
بثينة من آل النساء و إنما
يكن لأدنى لا وصال لغائب أي من النساء « تحمله الملائكة » قيل حملته الملائكة بين السماء و الأرض حتى رآه بنو إسرائيل عيانا عن ابن عباس و الحسن و قيل لما غلب الأعداء على التابوت أدخلوه بيت الأصنام فأصبحت أصنامهم منكبة فأخرجوه و وضعوه ناحية من المدينة فأخذهم وجع في أعناقهم و كل موضع وضعوه فيه ظهر فيه بلاء و موت و وباء فأشير عليهم بأن يخرجوا التابوت فأجمع رأيهم على أن يأتوا به و يحملوه على عجلة و يشدوها على ثورين ففعلوا ذلك و أرسلوا الثورين فجاءت الملائكة و ساقوا الثورين إلى بني إسرائيل فعلى هذا يكون معنى « تحمله الملائكة » تسوقه كما تقول حملت متاعي إلى مكة و معناه كنت سببا لحمله إلى مكة « إن في ذلك لآية لكم » أي في رجوع التابوت إليكم علامة أن الله سبحانه ملك طالوت عليكم « إن كنتم مؤمنين » مصدقين و لا يجوز أن يكون على تثبيت الإيمان لهم لأنهم كفروا حين ردوا على نبيهم و قيل إن كنتم مؤمنين كما تزعمون .
فَلَمَّا فَصلَ طالُوت بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَر فَمَن شرِب مِنْهُ فَلَيْس مِنى وَ مَن لَّمْ يَطعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنى إِلا مَنِ اغْتَرَف غُرْفَةَ بِيَدِهِ فَشرِبُوا مِنْهُ إِلا قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَ الَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوت وَ جُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظنُّونَ أَنَّهُم مُّلَقُوا اللَّهِ كم مِّن فِئَة قَلِيلَة غَلَبَت فِئَةً كثِيرَةَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ اللَّهُ مَعَ الصبرِينَ(249)

(2/128)


القراءة
قرأ ابن كثير و أبو عمرو و أهل المدينة غرفة بالفتح و الباقون بالضم .
الحجة
قال أبو علي من فتح الغين عدى الفعل إلى المصدر و المفعول في قوله محذوف و المعنى إلا من اغترف ماء غرفة و من ضم الغين عدى الفعل إلى المفعول به و لم يعده إلى المصدر لأن الغرفة العين المغترفة فهو بمنزلة إلا من اغترف ماء و البغداديون يجعلون هذه الأسماء المشتقة من المصادر بمنزلة المصادر و يعملونها كما يعملون المصادر فيقولون عجبت من دهنك لحيتك و قد جاء من العرب ما يدل عليه و هو قول الشاعر :
و بعد عطائك المائة الرتاعا ) و أشياء غير هذا فعلى هذا يجوز أن ينصب الغرفة نصب الغرفة و قد قال سيبويه في نحو الجلسة و الركبة أنه قد يستغني بها عن المصادر أو قال تقع مواقعها و هذا كالمقارب لقولهم و لو قيل أن الضم هنا أوجه لقوله « فشربوا منه » و المشروب منه و المشروب منه الغرفة لكان قولا .
اللغة
الفصل القطع و فصل بالجنود أي سار بهم و قطعهم عن موضعهم و فصل الصبي فصالا قطعه عن اللبن و الجنود جمع جند و جند الجنود أي جمعهم و في الحديث الأرواح جنود مجندة و أصل الباب الجند الغليظ من الأرض يقال طعم الماء كما يقال طعم الطعام و أنشدوا :
فإن شئت حرمت النساء سواكم
و إن شئت لم أطعم نقاخا و لا بردا أراد لم أذق و النقاخ العذب و غرف الماء يغرف غرفا و اغترف بمعنى و المغرفة الآلة التي يغرف بها و غرب غروف كبير و المجاوزة من الجواز يقال جاز الشيء يجوزه إذا قطعه و أجازه إجازة إذا استصوبه و الشيء يجوز إذا لم يمنع منه دليل و جوز الشيء وسطه مشبه بمجاز الطريق و هو وسطه الذي يجاز فيه و قيل إن اشتقاق الجوزاء منه لأنها تعترض جوز السماء و المجاز في الكلام لأنه خروج عن الأصل إلى ما يجوز في الاستعمال و أصل الباب الجواز و هو المرور من غير شيء يصدر منه التجاوز عن الذنب لأنه المرور عليه بالصفح و الطاقة القوة يقال أطقت الشيء إطاقة و طاقة و طوقا مثل أطعته إطاعة و طوعا و الفئة الطائفة من الناس و الجمع فئون و فئات و لا يجوز في عدة إلا عدات لأن نقص عدة من أوله و ليس كذلك فئة و ما نقص من أوله يجري في الباب على اطراد بمنزلة غير المنقوص و أما فئة و مائة و عزة فإن النقص فيه على غير اطراد و تقول فأوت رأسه بالسيف إذا قطعته و انفاء

(2/129)


الشيء انفياء إذا انقطع و أصل الباب القطع و منه الفئة لأنهم قطعة من الناس .
الإعراب
قوله « بيده » من فتح فاء غرفة جاز أن يتعلق بالمصدر عنده و جاز أن يعلقه بالفعل أيضا و من أعمل الغرفة إعمال المصدر جاز أن يتعلق الباء بها في قوله و كلا الأمرين مذهب و « من اغترف » في موضع نصب بالاستثناء و كم خبرية و هي في موضع رفع بالابتداء .
المعنى
« فلما فصل طالوت بالجنود » في الكلام حذف لدلالة ما بقي عليه و هو فأتاهم التابوت بالصفة التي وعدوا بها فصدقوا و انقادوا لطالوت فلما فصل طالوت أي خرج من مكانه و قطع الطريق بالجنود أي العساكر و اختلف في عددهم فقيل كانوا ثمانين ألف مقاتل عن السدي و قيل سبعين ألفا عن مقاتل و ذلك أنهم لما رأوا التابوت أيقنوا بالنصر فبادروا إلى الجهاد « قال » يعني طالوت « إن الله مبتليكم بنهر » أي مختبركم و ممتحنكم و معنى الابتلاء هاهنا تمييز الصادق عن الكاذب في قوله عن الحسن و كان سبب ابتلائهم بالنهر شكايتهم قلة الماء و خوف التلف من العطش عن وهب و قيل إنما ابتلوا بذلك ليصبروا عليه فيكثر ثوابهم و يستحقوا به النصر على عدوهم و ليتعودوا الصبر على الشدائد فيصبروا عند المحاربة و لا ينهزموا و اختلف في النهر الذي ابتلوا به فقيل هو نهر بين الأردن و فلسطين عن قتادة و الربيع و قيل هو نهر فلسطين عن ابن عباس و السدي و قوله « فمن شرب منه » الهاء كناية عن النهر في اللفظ و هو في المعنى للماء و يقال شربت من نهر كذا و يراد به الماء « فليس مني » معناه ليس من أهل ولايتي و ليس من أصحابي و ممن يتبعني « و من لم يطعمه » أي و من لم يطعم من ذلك الماء « فإنه مني » أي من أهل ولايتي و أوليائي و هو من الطعم الذي هو ما يؤديه الذوق أي لم يجد طعمه لا من الطعام و الطعم يوجد في الماء و في الطعام جميعا « إلا من اغترف غرفة بيده » إلا من أخذ الماء مرة واحدة باليد و من قرأ بالضم فمعناه إلا من شرب مقدار ملء كفه « فشربوا منه » أي شربوا كلهم أكثر من غرفة إلا قليلا منهم قيل إن الذين شربوا منه غرفة كانوا ثلاث مائة و بضعة عشر رجلا عن الحسن و قتادة و جماعة و قيل أربعة آلاف رجل و نافق ستة و سبعون ألفا ثم نافق الأربعة الآلاف إلا ثلاثمائة و بضعة عشر عن السدي و قيل من استكثر من ذلك الماء عطش و من لم يشرب إلا غرفة روي و ذهب عطشه و رد طالوت عند ذلك العصاة منهم فلم يقطعوا معه النهر « فلما جاوزه هو و الذين آمنوا معه » معناه فلما تخطى النهر طالوت و المؤمنون معه و هم أصحابه و روي عن البراء بن عازب و قتادة و الحسن أنه إنما جاوز معه المؤمنون خاصة كانوا مثل عدد أهل بدر و قيل بل جاوز المؤمنون و الكافرون إلا أن الكافرين انعزلوا و بقي المؤمنون على عدد أهل بدر عن ابن عباس و السدي و هذا أقوى

(2/130)


لقوله سبحانه « فلما جاوزه هو و الذين آمنوا معه » فلما رأوا كثرة جنود جالوت « قالوا » أي قال الكفار منهم « لا طاقة لنا اليوم بجالوت و جنوده » فقال المؤمنون حينئذ الذين عددهم عدة أهل بدر « كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله » قال أبو القاسم البلخي و يجوز أن يكونوا كلهم مؤمنين غير أن بعضهم أشد إيقانا و أقوى اعتقادا و هم الذين قالوا « كم من فئة قليلة » إلى آخره « قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله » أي راجعون إلى الله و إلى جزائه قيل في يظنون ثلاثة أقوال ( أحدها ) إن معنى يظنون يستيقنون عن السدي كقول دريد بن الصمة :
فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج
سراتهم في الفارسي المسرد أي أيقنوا ( و الثاني ) إن معناه يحدثون نفوسهم و هو أصل الظن لأن حديث النفس بالشيء قد يكون مع الشك و قد يكون مع العلم إلا أنه قد كثر على ما كان مع الشك ( و الثالث ) يظنون أنهم ملاقوا الله بالقتل في تلك الوقعة « كم من فئة » أي فرقة « قليلة غلبت فئة كثيرة » أي قهرت فرقة كثيرة « بإذن الله » أي بنصره عن الحسن لأنه إذا أذن الله في القتال نصر فيه على الوجه الذي أذن فيه « و الله مع الصابرين » بالنصرة لهم على أعدائهم .
وَ لَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوت وَ جُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صبراً وَ ثَبِّت أَقْدَامَنَا وَ انصرْنَا عَلى الْقَوْمِ الْكفِرِينَ(250)
اللغة
البروز أصله الظهور و منه البراز و هي الأرض الفضاء و رجل برز و امرأة برزة أي ذو عفة و فضل لظهور ذلك منهما و الإفراغ الصب للسيال على جهة إخلاء المكان منه يقال فرغ يفرغ فراغا و أفرغ إفراغا و أصبح فؤاد أم موسى فارغا أي خاليا من الصبر و أصل الفراغ الخلو و التثبيت تمكين الشيء في مكانه للزومه إياه و قد يقال ثبته بمعنى حكم بوجوده و رجل ثبت المقام إذا كان شجاعا لا يبرح موقفه ، و طعنه فأثبت فيه الرمح أي نفذ فيه لأنه يلزم فيه و أثبت حجته أي أقامها و رجل ثبت أي ثقة مأمون فيما روي و النصر هو المعونة على العدو و يكون ذلك بأشياء منها بزيادة القوة و منها بالرعب عن الملاقاة و منها

(2/131)


بالاطلاع على العورة و منها بتخيل الكثرة و منها باختلاف الكلمة و الفرق بين النصر و اللطف إن كل نصر من الله فهو لطف و ليس كل لطف نصرا لأن اللطف يكون في أخذ طاعة بدلا من معصية و قد يكون في فعل طاعة من النوافل و النصر فعل الله و الصبر من فعل العبد لأنه يجازى عليه و هو حبس النفس عما تنازع إليه من الفعل و هو هاهنا حبسها عما تنازع إليه من الفرار من القتال .
المعنى
« و لما برزوا » أي ظهر طالوت و المؤمنون معه لمحاربة جالوت « و جنوده قالوا ربنا أفرغ » أي أصب علينا صبرا أي وفقنا للصبر على الجهاد و شبهة بتفريغ الإناء من جهة أنه نهاية ما توجبه الحكمة كما أنه نهاية ما في الواحد من الآنية « و ثبت أقدامنا » أي وفقنا للثبوت على الأمر « و انصرنا » أعنا « على » جهاد « القوم الكافرين » قوم جالوت .
فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَ قَتَلَ دَاوُدُ جَالُوت وَ ءَاتَاهُ اللَّهُ الْمُلْك وَ الحِْكمَةَ وَ عَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَ لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاس بَعْضهُم بِبَعْض لَّفَسدَتِ الأَرْض وَ لَكنَّ اللَّهَ ذُو فَضل عَلى الْعَلَمِينَ(251)
القراءة
قرأ أبو جعفر و نافع و يعقوب دفاع الله بالألف و في الحج مثله و قرأ الباقون بغير ألف .
الحجة
قال أبو علي دفاع يحتمل أمرين أحدهما أن يكون مصدر الفعل كالكتاب و اللقاء و نحو ذلك الثاني أن يكون مصدرا لفاعل و يدل عليه قراءة من قرأ أن الله يدافع عن الذين آمنوا و كان معنى دفع و دافع سواء أ لا ترى إلى قوله :
و لقد حرصت بأن أدافع عنهم
فإذا المنية أقبلت لا تدفع كان المعنى حرصت بأن أدفع عنهم المنية و المنية لا تدفع فوضع أدافع موضع أدفع فإذا كان كذلك فيدفع و يدافع متقاربان .
اللغة
الهزم الدفع يقال هزم القوم في الحرب يهزمهم هزما إذا دفعهم بالقتال

(2/132)


هربا منه فانهزموا انهزاما و تهزم السقاء إذا يبس فتصدع لاندفاع بعضه عن بعض و الاهتزام الذبح يقال اهتزم شاتك قبل أن تهزم فتهلك لدفع ضياعها بتذكيتها و أصل الدفع الصرف عن الشيء و الدفاع السيل و الدفعة اندفاع الشيء جملة .
المعنى
ثم ذكر سبحانه تمام القصة فقال « فهزموهم » و لا بد من حذف هنا كأنه لما قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا قال فاستجاب لهم ربهم فهزموهم بنصره أي دفعوهم و كسروهم لأن ذكر الهزيمة بعد سؤال النصرة دليل على معنى الإجابة و معنى هزموهم سببوا لهزيمتهم بأن فعلوا ما ألجأهم إليها فعلى هذا يكون حقيقة و قال أبو علي الجبائي ذلك مجاز لأنهم لم يفعلوا هزيمتهم كما يقال أخرجه من منزله إذا ألجأه إلى الخروج و لم يفعل خروجه و الصحيح الأول و قوله « بإذن الله » أي بأمر الله و قيل بعلم الله « و قتل داود جالوت » .
] القصة [
و كان من قصة داود على ما رواه علي بن إبراهيم بن هاشم عن الصادق (عليه السلام) أن الله أوحى إلى نبيهم أن جالوت يقتله من يستوي عليه درع موسى و هو رجل من ولد لاوي بن يعقوب و اسمه داود بن أيشا راع و كان لأيشا عشرة بنين أصغرهم داود فلما بعث الله طالوت إلى بني إسرائيل و جمعهم لحرب جالوت بعث إلى أيشا بأن أحضر ولدك فلما حضروا دعا واحدا واحدا من ولده فألبسه درع موسى فمنهم من طالت عليه و منهم من قصرت عنه فقال لأيشا هل خلفت من ولدك أحدا قال نعم أصغرهم تركته في الغنم يرعاها فبعث إليه فجاء به فلما دعي أقبل و معه مقلاع قال فنادته ثلاث صخرات في طريقه يا داود خذني فأخذها في مخلاته و كان حجر الفيروزج و كان داود شديد البطش شجاعا قويا في بدنه فلما جاء إلى طالوت ألبسه درع موسى فاستوت عليه قال فجاء داود فوقف حذاء جالوت و كان جالوت على الفيل و على رأسه التاج و في جبهته ياقوتة تلمع نورا و جنوده بين يديه فأخذ داود حجرا من تلك الأحجار فرمى به في ميمنة جالوت و وقع عليهم فانهزموا و أخذ حجرا آخر فرمى به في ميسرة جالوت فانهزموا و رمى بالثالث إلى جالوت فأصاب موضع الياقوتة في جبهته و وصلت إلى دماغه و وقع إلى الأرض ميتا و قيل إن جالوت طلب البراز فخرج إليه داود فرماه بحجر من مقلاع فوقع بين عينيه و خرج من قفاه و أصاب جماعة كثيرة من أهل عسكره فقتلهم و انهزم القوم عن آخرهم عن وهب و غيره من المفسرين « و آتاه الله الملك » أي و أعطاه الملك بعد قتل داود جالوت بسبع سنين عن الضحاك « و الحكمة » قيل النبوة و لم يكن نبيا قبل قتل جالوت فجمع الله له الملك و النبوة عند موت طالوت في

(2/133)


حالة واحدة لأنه لا يجوز أن يترأس من ليس بنبي لأنه قلب ما توجبه الحكمة لأن النبي يوثق بظاهره و باطنه و لا يخبر إلا بحق و لا يدعو إلا إلى حق فليس كذلك من ليس بنبي عن الحسن و قيل يجوز ذلك إذا كان يفعل ما يفعل بأمره و مشورته « و علمه مما يشاء » معناه و علمه أمور الدين و ما شاء من أمور الدنيا منها صنعة الدروع فإنه كان يلين له الحديد كالشمع و قيل الزبور و الحكم بين الناس و كلام الطير و النمل و قيل الصوت الطيب و الألحان « و لو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض » قيل فيه ثلاثة أقوال ( أحدها ) لو لا دفع الله بجنود المسلمين الكفار و معرتهم لغلبوا و خربوا البلاد عن ابن عباس و مجاهد ( و الثاني ) معناه يدفع الله بالبر عن الفاجر الهلاك عن علي و قتادة و جماعة من المفسرين و مثله ما رواه جميل عن أبي عبد الله قال إن الله يدفع بمن يصلي من شيعتنا عمن لا يصلي منهم و لو اجتمعوا على ترك الصلاة لهلكوا و إن الله ليدفع بمن يزكي من شيعتنا عمن لا يزكي منهم و لو اجتمعوا على ترك الزكاة لهلكوا و إن الله ليدفع بمن يحج من شيعتنا عمن لا يحج منهم و لو اجتمعوا على ترك الحج لهلكوا و قريب من معناه ما روي عن النبي أنه قال لو لا عباد الله ركع و صبيان رضع و بهائم رتع لصب عليكم العذاب صبا و روى جابر بن عبد الله قال قال رسول الله إن الله يصلح بصلاح الرجل المسلم ولده و ولد ولده و أهل دويرته و دويرات حوله و لا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم ( و الثالث ) أن في معنى قول الحسن ما يزع الله بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن لأن من يمتنع عن الفساد لخوف السلطان أكثر ممن يمتنع منه لأجل الوعد و الوعيد الذي في القرآن « و لكن الله ذو فضل على العالمين » أي ذو نعمة عليهم في دينهم و دنياهم .
تِلْك ءَايَت اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْك بِالْحَقِّ وَ إِنَّك لَمِنَ الْمُرْسلِينَ(252)
اللغة
التلاوة ذكر الكلمة بعد الكلمة من غير فاصلة لأن التالي للشيء يليه من غير فصل بغيره و أصل التلو إيقاع الشيء بعد الشيء الذي يليه و الحق هو وقوع الشيء موقعه الذي هو له من غير تغيير عنه بما لا يجوز فيه و الرسالة تحميل جملة من الكلام لها فائدة إلى المقصود بالدلالة .
الإعراب
نتلوها جملة في موضع الحال و العامل فيه معنى الإشارة في تلك و ذو الحال آيات الله أي متلوة عليك و الباء في بالحق يتعلق بنتلو أيضا .

(2/134)


المعنى
« تلك » إشارة إلى ما تقدم ذكره من إماتة ألوف من الناس دفعة واحدة و إحيائهم دفعة واحدة بدعاء نبيهم و من تمليك طالوت و هو من أهل الخمول الذي لا ينقاد لمثله الناس لما جعل الله له من الآية علما على تمليكه و نصرة أصحاب طالوت مع قلة عددهم و ضعفهم على جالوت و أصحابه مع قوتهم و شوكتهم « آيات الله » أي دلالات الله على قدرته « نتلوها عليك » نقرؤها عليك يا محمد « بالحق » بالصدق و قيل يقرأها جبريل عليك « بالحق » بأمرنا « و إنك لمن المرسلين » معناه و إنك لمن المرسلين بدلالة إخبارك بهذه الآيات مع أنك لم تشاهدها و لم تخالط أهلها و لا تعلم ذلك مع عدم المشاهدة و مخالطة أهلها إلا بوحي من جهة الله و الله لا يوحي إلا إلى أنبيائه .
* تِلْك الرُّسلُ فَضلْنَا بَعْضهُمْ عَلى بَعْض مِّنْهُم مَّن كلَّمَ اللَّهُ وَ رَفَعَ بَعْضهُمْ دَرَجَت وَ ءَاتَيْنَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَتِ وَ أَيَّدْنَهُ بِرُوح الْقُدُسِ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَت وَ لَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنهُم مَّنْ ءَامَنَ وَ مِنهُم مَّن كَفَرَ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَ لَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ(253)
الإعراب
درجات منصوب على الحال و العامل فيه رفع و ذو الحال بعضهم و تقديره رفع بعضهم ذوي درجات فحذف المضاف و يجوز أن يكون حالا بعد الفراغ من الفعل تقديره و رفع بعضهم فإذا هم ذوو درجات و يجوز أن يكون ظرف مكان و يجوز أن يكون اسما وضع موضع المصدر تقديره و رفع بعضهم رفعا .
المعنى
« تلك » بمعنى أولئك إلا أنه أراد به الإشارة إلى الجماعة فأتى بلفظ الإفراد الذي يكون للمؤنث المفرد كما يقال القوم خرجت أي أولئك الذين تقدم ذكرهم من الأنبياء في الكتاب « فضلنا بعضهم على بعض » إنما ذكر الله تفضيل بعض الرسل على بعض لأمور ( أحدها ) لأن لا يغلط غالط فيسوي بينهم في الفضل كما استووا في الرسالة ( و ثانيها ) أن يبين أن تفضيل محمد عليهم كتفضيل من مضى من الأنبياء بعضهم

(2/135)


على بعض ( و ثالثها ) أن الفضيلة قد تكون بعد أداء الفريضة و هذه الفضيلة المذكورة هاهنا هي ما خص كل واحد منهم من المنازل الجليلة نحو كلامه لموسى بلا سفير و كإرساله محمدا إلى الكافة من الجن و الإنس و قيل أراد التفضيل في الآخرة لتفاضلهم في الأعمال و تحمل الأثقال و قيل بالشرائع فمنهم من شرع و منهم من لم يشرع و الفرق بين الابتداء بالفضيلة و بين المحاباة أن المحاباة اختصاص البعض بالنفع على ما يوجبه الشهوة دون الحكمة و ليس كذلك الابتداء بالفضيلة لأنه قد يكون للمصلحة التي لولاها لفسد التدبير و أدى إلى حرمان الثواب للجميع فمن حسن النظر لهذا الإنسان تفضيل غيره عليه إذا كان في ذلك مصلحة له فهذا وجه تدعو إليه الحكمة و ليس كالوجه الأول الذي إنما تدعو إليه الشهوة « منهم من كلم الله » أي كلمة الله و هو موسى « و رفع بعضهم درجات » قال مجاهد أراد به محمدا (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فإنه تعالى فضله على جميع أنبيائه بأن بعثه إلى جميع المكلفين من الجن و الإنس و بأن أعطاه جميع الآيات التي أعطاها من قبله من الأنبياء و بان خصه بالقرآن الذي لم يعطه غيره و هو المعجزة القائمة إلى يوم القيامة بخلاف سائر المعجزات فإنها قد مضت و انقضت و بأن جعله خاتم النبيين و الحكمة تقتضي تأخير أشراف الرسل لأعظم الأمور « و آتينا عيسى بن مريم البينات » أي الدلالات كإبراء الأكمه و الأبرص و إحياء الموتى و الإخبار عما كانوا يأكلونه و يدخرونه في بيوتهم « و أيدناه بروح القدس » قد مر تفسيره في الآية الخامسة و الثمانين من هذه السورة « و لو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم » أي من بعد الرسل و قال قتادة و الربيع من بعد موسى و عيسى و أتى بلفظ الجمع لأن ذكرهما يغني عن ذكر المتبعين لهما كما يقال خرج الأمير فنكوا في العدو نكاية عظيمة معناه و لو شاء الله لم يقتتل الذين من بعد الأنبياء بأن يلجئهم إلى الإيمان و يمنعهم عن الكفر إلا أنه لم يلجئهم إلى ذلك لأن التكليف لا يحسن مع الضرورة و الإلجاء و الجزاء لا يحسن إلا مع التخلية و الاختيار عن الحسن و قيل معناه لو شاء الله ما أمرهم بالقتال « من بعد ما جاءتهم البينات » من بعد وضوح الحجة فإن المقصد من بعثة الرسل قد حصل بإيمان من آمن قبل القتال « و لكن اختلفوا فمنهم من آمن » بتوفيق الله و لطفه و حسن اختياره « و منهم من كفر » بسوء اختياره « و لو شاء الله ما اقتتلوا » كرر ذلك تأكيدا و تنبيها و قيل الأول مشيئة الإكراه أي لو شاء الله اضطرهم إلى حال يرتفع معها التكليف و الثاني الأمر للمؤمنين بالكف عن قتالهم « و لكن الله يفعل ما يريد » ما تقتضيه المصلحة و توجبه الحكمة .

(2/136)


يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتىَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَ لا خُلَّةٌ وَ لا شفَعَةٌ وَ الْكَفِرُونَ هُمُ الظلِمُونَ(254)
القراءة
قرأ ابن كثير و أبو عمرو و يعقوب لا بيع فيه و لا خلة و لا شفاعة بالفتح فيها أجمع و في سورة إبراهيم لا بيع فيه و لا خلال و في الطور لا لغو فيها و لا تأثيم و قرأ الباقون جميعها بالرفع .
الحجة
قال أبو علي أما من فتح بلا تنوين فإنه جعله جواب هل فيها من لغو أو تأثيم و من رفع جعله جواب أ فيها لغو أو تأثيم و قد ذكرنا صدرا من القول على النفي فيما تقدم و المعنيان متقاربان في أن النفي يراد به العموم و الكثرة في القراءتين يدل على ذلك قول أمية :
فلا لغو و لا تأثيم فيها أ لا ترى أنه يريد من نفي اللغو و إن كان قد رفعه ما يريد بنفي التأثيم الذي فتحه و لم ينونه فإن جعلت قوله فيها خبرا أضمرت للأول خبرا و إن جعلته صفة أضمرت لكل واحد من الاسمين خبرا .
اللغة
البيع هو استبدال المتاع بالثمن و البيع نقيض الشراء و البيع أيضا الشراء لأنه تارة عقد على الاستبدال بالثمن و تارة على الاستبدال بالمتاع و البيع الصفقة على إيجاب البيع و البيعة الصفقة على إيجاب الطاعة و البيعان البائع و المشتري و الخلة خالص المودة و الخلل الانفراج بين الشيئين و خللته بالخلال أخله خلالا إذا شككته به و اختلال الحال انحرافها بالفقر و الخليل الخالص المودة من الخلة لتخلل الأسرار بينهما و قيل لأنه يمتنع من الشوب في المودة بالنقيصة و الخليل أيضا المحتاج من الخلة و الخل معروف لتخلله بحدته و لطفه فيما ينساب فيه و الخل الرجل الخفيف الجسم و الخل الطريق في الرمل و في فلان خلة رائقة أي خصلة و الخلة جفن السيف و قد ذكرنا معنى الشفاعة عند قوله و لا يقبل منها شفاعة .
المعنى
لما قص الله سبحانه أخبار الأمم السابقة و ثبت رسالة نبينا (صلى الله عليهوآلهوسلّم) عقبه بالحث على الطاعة فقال « يا أيها الذين آمنوا » أي صدقوا محمدا (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فيما جاء به « أنفقوا مما رزقناكم » قيل أراد به الفرض كالزكاة و نحوها دون النفل لاقتران الوعيد به عن الحسن و لأن ظاهر الأمر يقتضي الإيجاب و قيل يدخل فيه النفل و الفرض عن ابن جريج و اختاره البلخي و هو الأقوى لأنه أعم و لأن الآية ليس فيها وعيد على ترك النفقة و إنما فيها إخبار عن عظم أهوال يوم القيامة و شدائدها « من قبل أن يأتي يوم » أي يوم

(2/137)


القيامة « لا بيع فيه » أي لا تجارة « و لا خلة » أي و لا صداقة لأنهم بالمعاصي يصيرون أعداء و قيل لأن شغله بنفسه يمنع من صداقة غيره و هذه كقوله الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين « و لا شفاعة » أي لغير المؤمنين مطلقا فأما المؤمنون فقد يشفع بعضهم لبعض و يشفع لهم أنبياؤهم كما قال سبحانه و لا يشفعون إلا لمن ارتضى و من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه « و الكافرون هم الظالمون » إنما ذم الله الكافر بالظلم و إن كان الكفر أعظم منه لأمرين ( أحدهما ) الدلالة على أن الكافر ضر نفسه بالخلود في النار فقد ظلم نفسه ( و الآخر ) أنه لما نفي البيع في ذلك اليوم و الخلة و الشفاعة و أخبر أنه قد حرم الكافر هذه الأمور قال و ليس ذلك بظلم منا بل الكافرون هم الظالمون لأنهم عملوا بأنفسهم ما استحقوا به حرمان هذه الأمور و وجه آخر في تخصيص الكافر بالظلم و هو إن ظلم الكافر هو غاية الظلم و ليس يبلغ ظلم المؤمنين لأنفسهم و غيرهم مبلغ ظلم الكافرين و نظيره قول القائل فلان هو الفقيه في البلد و فلان هو الفاضل و يراد به تقدمه على غيره فيما أضيف إليه .
اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ لَّهُ مَا فى السمَوَتِ وَ مَا فى الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِى يَشفَعُ عِندَهُ إِلا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيْدِيهِمْ وَ مَا خَلْفَهُمْ وَ لا يُحِيطونَ بِشىْء مِّنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السمَوَتِ وَ الأَرْض وَ لا يَئُودُهُ حِفْظهُمَا وَ هُوَ الْعَلىُّ الْعَظِيمُ(255)
آيتان بصري و آية واحدة عند غيرهم عد البصري « الحي القيوم » آية .
فضل الآية
ذكر ابن انجويه الفسوي في كتاب الترغيب بإسناد متصل عن أبي بن كعب قال قال رسول الله يا أبا المنذر أي آية في كتاب الله أعظم قلت « الله لا إله إلا هو الحي القيوم » قال فضرب في صدري ثم قال ليهنئك العلم و الذي نفس محمد بيده إن لهذه الآية للسانا و شفتين تقدس الملك عند ساق العرش و روى الثعلبي بإسناده عن عبد الله بن عمر قال

(2/138)


قال النبي من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة كان الذي يتولى قبض نفسه ذو الجلال و الإكرام و كان كمن قاتل مع أنبياء الله حتى استشهد و بإسناده عن علي (عليه السلام) قال سمعت نبيكم على أعواد المنبر و هو يقول من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت و لا يواظب عليها إلا صديق أو عابد و من قرأها إذا أخذ مضجعه آمنه الله على نفسه و جاره و جار جاره و عنه قال سمعت رسول الله يقول يا علي سيد البشر آدم و سيد العرب محمد و لا فخر و سيد الفرس سلمان و سيد الروم صهيب و سيد الحبشة بلال و سيد الجبال الطور و سيد الشجر السدر و سيد الشهور الأشهر الحرم و سيد الأيام يوم الجمعة و سيد الكلام القرآن و سيد القرآن البقرة و سيد البقرة آية الكرسي يا علي إن فيها لخمسين كلمة في كل كلمة خمسون بركة و روي عن عبد الله بن مسعود قال من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في كل ليلة في بيت لم يدخل ذلك البيت شيطان حتى يصبح أربع آيات من أولها و آية الكرسي و آيتين بعدها و خواتيمها و روي عن أبي جعفر الباقر قال من قرأ آية الكرسي مرة صرف الله عنه ألف مكروه من مكاره الدنيا و ألف مكروه من مكاره الآخرة أيسر مكروه الدنيا الفقر و أيسر مكروه الآخرة عذاب القبر و عن أبي عبد الله قال إن لكل شيء ذروة و ذروة القرآن آية الكرسي .
اللغة
الحي من كان على صفة لا يستحيل معها أن يكون قادرا عالما و إن شئت قلت هو من كان على صفة يجب لأجلها أن يدرك المدركات إذا وجدت و القيوم أصله قيووم على وزن فيعول إلا أن الياء و الواو إذا اجتمعتا و أولاهما ساكنة قلبت الواو ياء و أدغمت الياء في الياء قياسا مطردا و القيام أصله قيوام على وزن فيعال ففعل به ما ذكرناه قال أمية بن أبي الصلت :
لم يخلق السماء و النجوم
و الشمس معها قمر يعوم
قدرها المهيمن القيوم
و الحشر و الجنة و النعيم
إلا لأمر شأنه عظيم و السنة النوم الخفيف و هو النعاس قال عدي بن الرقاع :
و سنان أقصده النعاس فرنقت
في عينه سنة و ليس بنائم و هو مصدر وسن يوسن وسنا و سنة قال المفضل السنة في الرأس و النوم في القلب

(2/139)


و النوم خلاف اليقظة يقال نام نوما و استنام إليه أي استأنس إليه و اطمأن إلى ناحيته و قال الليث يقال لكل من أحرز شيئا أو بلغ علمه أقصاه قد أحاط به و يقال وسع فلان الشيء يسعه سعة إذا احتمله و أطاقه و أمكنه القيام به و يقال لا يسعك هذا أي لا تطيقه و لا تحتمله الكرسي كل أصل يعتمد عليه قال الشاعر :
تحف بهم بيض الوجوه و عصبة
كراسي بالأحداث حين تنوب أي علماء بحوادث الأمور و قال آخر :
نحن الكراسي لا تعد هوازن
أفعالنا في النائبات و لا أسد و قال آخر :
ما لي بأمرك كرسي أكاتمه
و هل بكرسي علم الغيب مخلوق و كل شيء تراكب فقد تكارس و منه الكراسة لتراكب بعض ورقها على بعض و رجل كروس عظيم الرأس و يقال كرسي الملك من كذا و كذا أي ملكه مشبه بالكرسي المعروف و أصل الباب الكرسي تراكب الشيء بعضه على بعض و آده يؤوده أودا إذا أثقله و جهده و أدت العود أؤده أودا فأناد نحو عجته فانعاج و الآود و الأوداء على وزن الأعوج و العوجاء و المعنى واحد و الجمع الأود كالعوج و العلي أصله من العلو و هو سبحانه علي بالاقتدار و نفوذ السلطان و لا يقال رفيع بالاقتدار لأن الرفعة في المكان و العلو منقول إلى معنى الاقتدار يقال فلان علا على قرنه يعلو علوا فهو عال و علا بمعنى اقتدر و لا يقال ارتفع عليه بمعناه و لذلك يقال استعلى عليه بالحجة و لا يقال ارتفع عليه بالحجة و العلو بضم العين و كسرها خلاف السفل و علا في الأرض علوا تجبر و منه قوله إن فرعون علا في الأرض أي تجبر و الله تعالى العالي و المتعالي أي القادر القاهر لا يعجزه شيء و فلان من علية الناس أي من أشرافهم و العظيم معناه العظيم الشأن و قيل العظيم بمعنى المعظم كما قالوا في الخمر العتيق أي المعتقة و الأول أقوى .
الإعراب
الله رفع بالابتداء و ما بعده خبره و الكلام مخرجه مخرج النفي أي لا يصح إله سوى الله و حقيقته الإثبات لإله واحد هو الله فكأنه قيل الله هو الإله دون غيره و ارتفع هو في « لا إله إلا هو » على أحد وجهين ( أحدهما ) بالابتداء كأنه قال ما إله إلا الله ( و الثاني ) أن يكون بدلا كأنه قال ما إله ثابتا أو موجودا إلا الله و يجوز في العربية نصب

(2/140)


الله في قول لا إله إلا الله على الاستثناء .
المعنى
لما قدم سبحانه ذكر الأمم و اختلافهم على أنبيائهم في التوحيد و غيره عقبه بذكر التوحيد فقال « الله » أي من يحق له العبادة لقدرته على أصول النعم و قد ذكرنا اختلاف الأقوال في أصله و في معناه في مفتتح سورة الفاتحة « لا إله إلا هو » أي لا أحد تحق له العبادة و يستحق الإلهية غيره « الحي » قد ذكرنا معناه « القيوم » القائم بتدبير خلقه من إنشائهم ابتداء و إيصال أرزاقهم إليهم كما قال « و ما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها » عن قتادة و قيل القيوم هو العالم بالأمور من قولهم هذا يقوم بهذا الكتاب أي يعلم ما فيه و قيل معناه الدائم الوجود عن سعيد بن جبير و الضحاك و قيل معناه القائم على كل نفس بما كسبت حتى يجازيها من حيث هو عالم بها عن الحسن و اللفظ لجميع هذه الوجوه محتمل « لا تأخذه سنة » أي نعاس « و لا نوم » ثقيل مزيل للقوة و قيل معناه لا يغفل عن الخلق و لا يسهو كما يقال للغافل أنت نائم و أنت وسنان « له ما في السماوات و ما في الأرض » معناه له ملك ما فيهما و له التصرف فيهما « من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه » هو استفهام معناه الإنكار و النفي أي لا يشفع يوم القيامة أحد لأحد إلا بإذنه و أمره و ذلك أن المشركين كانوا يزعمون أن الأصنام تشفع لهم فأخبر الله سبحانه أن أحدا ممن له الشفاعة لا يشفع إلا بعد أن يأذن الله له في ذلك و يأمره به « يعلم ما بين أيديهم و ما خلفهم » قيل فيه وجوه ( أحدها ) أن معناه يعلم ما بين أيديهم ما مضى من الدنيا و ما خلفهم من الآخرة عن مجاهد و السدي ( و الثاني ) معناه يعلم الغيب الذي تقدمهم من قولك بين يديه أي قدامه و ما مضى فهو قدام الشيء فيحمل عليه على هذا التقدير لا إن هذا اللفظ حقيقة في الماضي « و ما خلفهم » يعني الغيب الذي يأتي بعدهم عن ابن جريج ( و الثالث ) أن « ما بين أيديهم » عبارة عما لم يأت كما يقال رمضان بين أيدينا « و ما خلفهم » عبارة عما مضى كما يقال في شوال قد خلفنا رمضان عن الضحاك « و لا يحيطون بشيء من علمه » معناه من معلومة كما يقال اللهم اغفر لنا علمك فينا أي معلومك فينا و يقال إذا ظهرت آية هذه قدرة الله أي مقدور الله و الإحاطة بالشيء علما أن يعلمه كما هو على الحقيقة « إلا بما شاء » يعني ما شاء أن يعلمهم و يطلعهم عليه « وسع كرسيه السماوات و الأرض » اختلف فيه على أقوال ( أحدها ) وسع علمه السماوات و الأرض عن ابن عباس و مجاهد و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه السلام) و يقال للعلماء كراسي كما يقال أوتاد الأرض لأن بهم قوام الدين و الدنيا ( و ثانيها ) أن الكرسي هاهنا هو العرش عن الحسن و إنما سمي كرسيا لتركيب بعضه على بعض

(2/141)


( و ثالثها ) أن المراد بالكرسي هاهنا الملك و السلطان و القدرة كما يقال اجعل لهذا الحائط كرسيا أي عمادا يعمد به حتى لا يقع و لا يميل فيكون معناه أحاط قدرته بالسماوات و الأرض و ما فيهما ( و رابعها ) أن الكرسي سرير دون العرش و قد روي عن أبي عبد الله و قريب منه ما روي عن عطاء أنه قال ما السماوات و الأرض عند الكرسي إلا كحلقة خاتم في فلاة و ما الكرسي عند العرش إلا كحلقة في فلاة و منهم من قال إن السماوات و الأرض جميعا على الكرسي و الكرسي تحت العرش كالعرش فوق السماء و روى الأصبغ بن نباتة أن عليا قال إن السماوات و الأرض و ما فيهما من مخلوق في جوف الكرسي و له أربعة أملاك يحملونه بإذن الله ملك منهم في صورة الآدميين و هي أكرم الصور على الله و هو يدعو الله و يتضرع إليه و يطلب الشفاعة و الرزق للآدميين و الملك الثاني في صورة الثور و هو سيد البهائم يدعو الله و يتضرع إليه و يطلب الشفاعة و الرزق للبهائم و الملك الثالث في صورة النسر و هو سيد الطيور و هو يدعو الله و يتضرع إليه و يطلب الشفاعة و الرزق لجميع الطيور و الملك الرابع في صورة الأسد و هو سيد السباع و هو يدعو الله و يتضرع إليه و يطلب الشفاعة و الرزق لجميع السباع قال و لم يكن في جميع الصور صورة أحسن من الثور و لا أشد انتصابا منه حتى اتخذ الملأ من بني إسرائيل العجل و عبدوه فخفض الملك الذي في صورة الثور رأسه استحياء من الله أن عبدوا من دون الله بشيء يشبهه و تخوف أن ينزل الله به العذاب « و لا يؤوده حفظهما » أي لا يشق على الله و لا يثقله حفظ السماوات و الأرض و قيل الهاء في يؤوده يعود إلى الكرسي و هذا على قول من يقول أن السماوات و الأرض على الكرسي « و هو العلي » عن الأشباه و الأضداد و الأمثال و الأنداد و عن أمارات النقص و دلالات الحدث و قيل هو من العلو الذي هو بمعنى القدرة و السلطان و الملك و علو الشأن و القهر و الاعتلاء و الجلال و الكبرياء « العظيم » أي العظيم الشأن القادر الذي لا يعجزه شيء و العالم الذي لا يخفى عليه شيء لا نهاية لمقدوراته و لا غاية لمعلوماته و روى علي بن إبراهيم عن أبيه عن الحسين بن خالد أنه قال قرأ أبو الحسن الرضا (عليه السلام) الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة و لا نوم له ما في السماوات و ما في الأرض و ما بينهما و ما تحت الثرى عالم الغيب و الشهادة الرحمن الرحيم من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه .

(2/142)


لا إِكْرَاهَ فى الدِّينِ قَد تَّبَينَ الرُّشدُ مِنَ الغَىِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطغُوتِ وَ يُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ استَمْسك بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصامَ لَهَا وَ اللَّهُ سمِيعٌ عَلِيمٌ(256)
اللغة
الرشد نقيض الغي و هو الرشد و الرشد و تقول غوي يغوى غيا و غواية إذا سلك طريق الهلاك و غوى إذا خاب قال الشاعر :
و من يلق خيرا يحمد الناس أمره
و من يغو لا يعدم على الغي لائما و غوي الفصيل يغوى غوى إذا قطع عن اللبن حتى يكاد يهلك و الطاغوت وزنها في الأصل فعلوت و هو مصدر مثل الرغبوت و الرهبوت و الرحموت و يدل على أنها مصدر وقوعها على الواحد و الجماعة بلفظ واحد و أصلها طغيوت لأنها من الياء يدل على ذلك قوله في طغيانهم يعمهون ثم إن اللام قدمت إلى موضع العين فصارت طيغوت ثم قلبت الياء ألفا لتحركها و انفتاح ما قبلها فصار طاغوت فوزنها الآن بعد القلب فلعوت و جمع طاغوت طواغيت و طواغت و طواغ على حذف الزيادة و الطواغي على العوض من المحذوف و العروة عروة الدلو و نحوه لأنها متعلقة و عروت الرجل أعروه عروا إذا ألممت به متعلقا بسبب منه و اعتراه هم إذا تعلق به و عرته الحمى تعروه إذا علقت به فالأصل في الباب التعلق قال الأزهري العروة كل نبات له أصل ثابت كالشيح و القيصوم و غيره و به شبهت عرى الأشياء في لزومها و الوثقي تأنيث الأوثق و الانفصام و الانقطاع و الانصداع نظائر قال الأعشى :
و مبسمها من شتيت النبات
غير أكس و لا منفصم يقال فصمته فانفصم .
النزول
قيل نزلت الآية في رجل من الأنصار كان له غلام أسود يقال له صبيح و كان يكرهه على الإسلام عن مجاهد و قيل نزلت في رجل من الأنصار يدعى أبا الحصين و كان له ابنان فقدم تجار الشام إلى المدينة يحملون الزيت فلما أرادوا الرجوع من المدينة أتاهم ابنا أبي الحصين فدعوهما إلى النصرانية فتنصرا و مضيا إلى الشام فأخبر أبو الحصين رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فأنزل الله تعالى « لا إكراه في الدين » فقال رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أبعدهما الله هما أول من كفر فوجد أبو الحصين في نفسه على النبي حين لم يبعث في طلبهما فأنزل الله « فلا و ربك لا يؤمنون » الآية قال و كان هذا قبل أن يؤمر النبي بقتال أهل الكتاب ثم نسخ و أمر بقتال أهل الكتاب في سورة براءة عن السدي و هكذا قال ابن مسعود و ابن زيد أنها منسوخة

(2/143)


ب آية السيف و قال الباقون هي محكمة و قيل كانت امرأة من الأنصار تكون مقلاتا فترضع أولاد اليهود فجاء الإسلام و فيهم جماعة منهم فلما أجليت بنو النضير إذا فيهم أناس من الأنصار فقالوا يا رسول الله أبناؤنا و إخواننا فنزلت « لا إكراه في الدين » فقال خيروا أصحابكم فإن اختاروكم فهم منكم و إن اختاروهم فأجلوهم عن ابن عباس .
المعنى
لما تقدم ذكر اختلاف الأمم و أنه لو شاء الله لأكرههم على الدين ثم بين تعالى دين الحق و التوحيد عقبه بأن الحق قد ظهر و العبد قد خير إكراه بقوله « لا إكراه في الدين » و فيه عدة أقوال ( أحدها ) أنه في أهل الكتاب خاصة الذين يؤخذ منهم الجزية عن الحسن و قتادة و الضحاك ( و ثانيها ) أنه في جميع الكفار ثم نسخ كما تقدم ذكره عن السدي و غيره ( و ثالثها ) أن المراد لا تقولوا لمن دخل في الدين بعد الحرب أنه دخل مكرها لأنه إذا رضي بعد الحرب و صح إسلامه فليس بمكره عن الزجاج ( و رابعها ) أنها نزلت في قوم خاص من الأنصار كما ذكرناه في النزول عن ابن عباس و غيره ( و خامسها ) أن المراد ليس في الدين إكراه من الله و لكن العبد مخير فيه لأن ما هو دين في الحقيقة هو من أفعال القلوب إذا فعل لوجه وجوبه فأما ما يكره عليه من إظهار الشهادتين فليس بدين حقيقة كما أن من أكره على كلمة الكفر لم يكن كافرا و المراد الدين المعروف و هو الإسلام و دين الله الذي ارتضاه « قد تبين الرشد من الغي » قد ظهر الإيمان من الكفر و الحق من الباطل بكثرة الحجج و الآيات الدالة عقلا و سمعا و المعجزات التي ظهرت على يد النبي « فمن يكفر بالطاغوت » فيه أقوال ( أحدها ) أنه الشيطان عن مجاهد و قتادة و هو المروي عن أبي عبد الله ( و ثانيها ) أنه الكاهن عن سعيد بن جبير ( و ثالثها ) أنه الساحر عن أبي العالية ( و رابعها ) أنه مردة الجن و الإنس و كلما يطغي ( و خامسها ) أنه الأصنام و ما عبد من دون الله و على الجملة فالمراد من كفر بما خالف أمر الله « و يؤمن بالله » أي يصدق بالله و بما جاءت به رسله « فقد استمسك » أي تمسك و اعتصم « بالعروة الوثقى » أي بالعصمة الوثيقة و عقد لنفسه من الدين عقدا وثيقا لا يحله شبهة و عن مجاهد هو الإيمان بالله و رسوله و جرى هذه مجرى المثل لحسن البيان بإخراج ما لا يقع به الإحساس إلى ما يقع به « لا انفصام لها » أي لا انقطاع لها يعني كما لا ينقطع أمر من تمسك بالعروة كذلك لا ينقطع أمر من تمسك بالإيمان « و الله سميع » لأقوالكم « عليم » بضمائركم .

(2/144)


اللَّهُ وَلىُّ الَّذِينَ ءَامَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظلُمَتِ إِلى النُّورِ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطغُوت يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلى الظلُمَتِ أُولَئك أَصحَب النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ(257)
اللغة
الولي من الولي و هو القرب من غير فصل و هو الذي يكون أولى بالغير من غيره و أحق بتدبيره و منه الوالي لأنه يلي القوم بالتدبير و بالأمر و النهي و منه المولى من فوق لأنه يلي أمر العبد بسد الخلة و ما به إليه الحاجة و منه المولى من أسفل لأنه يلي أمر المالك بالطاعة و منه المولى لابن العم لأنه يلي أمره بالنصرة لتلك القرابة و منه ولي اليتيم لأنه يلي أمر ماله بالحفظ له و القيام عليه و الولي في الدين و غيره لأنه يلي أمره بالنصرة و المعونة كما توجبه الحكمة و المعاقدة فجميع هذه المواضع الأولى و الأحق ملحوظ فيها و ولى عن الشيء إذا أدبر عنه لأنه زال عن أن يليه بوجهه و استولى على الشيء إذا احتوى عليه لأنه وليه بالقهر و الله تعالى ولي المؤمنين على ثلاثة أوجه أحدها أنه يتولاهم بالمعونة على إقامة الحجة و البرهان لهم في هدايتهم كقوله « و الذين اهتدوا زادهم هدى » و ثانيها أنه وليهم في نصرهم على عدوهم و إظهار دينهم على دين مخالفيهم و ثالثها أنه وليهم يتولاهم بالمثوبة على الطاعة و المجازاة على الأعمال الصالحة .
المعنى
لما ذكر سبحانه المؤمن و الكافر بين ولي كل واحد منهما فقال « الله ولي الذين آمنوا » أي نصيرهم و معينهم في كل ما بهم إليه الحاجة و ما فيه لهم الصلاح من أمور دينهم و دنياهم و آخرتهم « يخرجهم من الظلمات إلى النور » أي من ظلمات الضلالة و الكفر إلى نور الهدى و الإيمان لأن الضلال و الكفر في المنع من إدراك الحق كالظلمة في المنع من إدراك المبصرات و وجه إخراج الله تعالى المؤمنين من ظلمات الكفر و الضلال إلى نور الإيمان و الطاعة هو أنه هداهم إليه و نصب الأدلة لهم عليه و رغبهم فيه و فعل بهم من الألطاف ما يقوي به دواعيهم إلى فعله لأنا قد علمنا أنه لو لا هذه الأمور لم يخرجوا من الكفر إلى الإيمان فصح إضافة الإخراج إليه تعالى لكون هذه الأمور التي عددناها من جهة الله تعالى كما يصح من أحدنا إذا أشار إلى غيره بدخول بلد من البلدان و رغبة فيه و عرفه ما له فيه من الصلاح أن يقول أنا أدخلت فلانا البلد الفلاني و أنا أخرجته من كذا و كذا « و الذين كفروا أولياؤهم الطاغوت » أي متولي أمورهم و أنصارهم الطاغوت و الطاغوت هاهنا واحد أريد به الجميع و هذا جائز في اللغة إذا كان في الكلام دليل على الجماعة قال الشاعر :

(2/145)


بها جيف الحسرى فأما عظامها
فبيض و أما جلدها فصليب فجلدها في معنى جلودها و قال العباس بن مرداس :
فقلنا أسلموا و أنا أخوكم
فقد فرئت من الإحن الصدور و المراد به الشيطان عن ابن عباس و قيل رؤساء الضلالة عن مقاتل « يخرجونهم من النور إلى الظلمات » أي من نور الإيمان و الطاعة و الهدى إلى ظلمات الكفر و المعصية و الضلالة و أضاف إخراجهم من النور إلى الظلمات إلى الطواغيت على ما تقدم ذكره من أنهم يغوونهم و يدعونهم إلى ذلك و يزينون فعله لهم فصح إضافته إليهم و هذا يدل على بطلان برهان قول من قال إن الإضافة الأولى تقتضي أن الإيمان من فعل الله تعالى بالمؤمن لأنه لو كان كذلك لاقتضت الإضافة الثانية أن الكفر من فعل الشيطان و عندهم لا فرق بين الأمرين في أنهما من فعله تعالى عن ذلك و أيضا فلو كان الأمر على ما ظنوا لما صار الله تعالى وليا للمؤمنين و ناصرا لهم على ما اقتضته الآية و الإيمان من فعله لا من فعلهم و لما كان خاذلا للكفار و مضيفا لولايتهم إلى الطاغوت و الكفر من فعله فيهم و لم يفصل بين الكافر و المؤمن و هو المتولي لفعل الأمرين فيهما و مثل هذا لا يخفى على منصف فإن قيل كيف يخرجونهم من النور و هم لم يدخلوا فيه قلنا قد ذكر فيه وجهان ( أحدهما ) أن ذلك يجري مجرى قول القائل أخرجني والدي من ميراثه فمنعه من الدخول فيه إخراج و مثله قوله في قصة يوسف إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله و لم يكن فيها قط و قوله و منكم من يرد إلى أرذل العمر و قال الشاعر :
فإن تكن الأيام أحسن مرة
إلى فقد عادت لهن ذنوب و لم يكن لها ذنوب قبل ذلك و الوجه الآخر أنه في قوم ارتدوا عن الإسلام عن مجاهد و الأول أقوى و قوله « أولئك أصحاب النار » إلى آخره قد مضى تفسيره .

(2/146)


أَ لَمْ تَرَ إِلى الَّذِى حَاجَّ إِبْرَهِيمَ فى رَبِّهِ أَنْ ءَاتَاهُ اللَّهُ الْمُلْك إِذْ قَالَ إِبْرَهِيمُ رَبىَ الَّذِى يُحْىِ وَ يُمِيت قَالَ أَنَا أُحْىِ وَ أُمِيت قَالَ إِبْرَهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتى بِالشمْسِ مِنَ الْمَشرِقِ فَأْتِ بهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِت الَّذِى كَفَرَ وَ اللَّهُ لا يهْدِى الْقَوْمَ الظلِمِينَ(258)
القراءة
قرأ أهل المدينة أنا أحيي بإثبات الألف في أنا و المد إذا كان بعدها همزة مضمومة أو مفتوحة نحو أنا أخوك فإن كان بعدها همزة مكسورة نحو إن أنا إلا نذير حذفوا الألف إجماعا .
الحجة
الأصل في أنا الهمزة و النون و إنما يلحقها الألف في الوقف كما أن الهاء تلحق للوقف في مسلمونه و كما أن الهاء التي تلحق للوقف تسقط في الوصل كذلك هذه الألف تسقط في الوصل و قد جاءت ألف أنا مثبتة في الوصل في الشعر نحو قول الأعشى :
فكيف أنا و انتحال القوافي
بعد المشيب كفى ذاك عارا و قول الآخر :
أنا شيخ العشيرة فاعرفوني
حميدا قد تذريت السناما قال أبو علي و ما روي في إثبات الألف في أنا إذا كان بعد الألف همزة فإني لا أعلم بين الهمزة و غيرها من الحروف فصلا و لا شيئا يجب من أجله إثبات الألف التي حكمها أن تثبت في الوقف .
اللغة
في بهت أربع لغات بهت على وزن ظرف و بهت على وزن حذر و بهت على وزن ذهب و بهت على وزن ما لم يسم فاعله و هذا هو الأفصح و عليه القراءة يقال بهت الرجل يبهت بهتا إذا انقطع و تحير و يقال بهت الرجل أبهته بهتانا إذا قابلته بكذب فالبهت الحيرة عند استيلاء الحجة لأنها كالحيرة للمواجه بالكذب لأن تحير المكذب في مذهبه كتحير المكذوب عليه و منه قوله أ تأخذونه بهتانا كأنه قال أ تأخذونه ادعاء للكذب فيه .
الإعراب
« أ لم تر إلى الذي » إنما أدخلت إلى في الكلام للتعجب من حال الكافر المحاج بالباطل كما يقولون أ ما ترى إلى فلان كيف يصنع و منه معنى هل رأيت كفلان في

(2/147)


صنيعه كذا فإنما دخلت إلى من بين حروف الجر لهذا المعنى لأنها لما كانت بمعنى الغاية و النهاية صار الكلام بمنزلة هل انتهت رؤيتك إلى من هذه صفته ليدل على بعد وقوع مثله على التعجيب منه لأن التعجب إنما يكون مما استبهم سببه و لم تجر العادة به و قد صارت إلى هاهنا بمنزلة كاف التشبيه لما بينا من العلة إذ كان ما ندر مثله كالذي يبعد وقوعه .
المعنى
لما بين تعالى أنه ولي المؤمنين و أن الكفار لا ولي لهم سوى الطاغوت تسلية لنبيه (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قص عليه بعده قصة إبراهيم و نمرود فقال « أ لم تر » يا محمد أي أ لم ينته علمك و رؤيتك « إلى الذي حاج إبراهيم » أي إلى من كان كالذي حاج فكأنه قال هل رأيت كالذي حاج أي خاصم و جادل إبراهيم و هو نمرود بن كنعان و هو أول من تجبر و ادعى الربوبية عن مجاهد و غيره و إنما أطلق لفظ المحاجة و إن كانت مجادلة بالباطل و لم تكن له فيه حجة لأن في زعمه أن له فيه حجة و اختلف في وقت هذه المحاجة فقيل عند كسر الأصنام قبل إلقائه في النار و جعلها عليه بردا و سلاما عن الصادق (عليه السلام) « في ربه » أي في رب إبراهيم الذي يدعو إلى توحيده و عبادته « أن آتاه الله الملك » أي لأن آتاه الله الملك الهاء من آتاه تعود إلى المحاج لإبراهيم أي أعطاه الله الملك و هو نعيم الدنيا و سعة المال فبطر الملك حمله على محاجة إبراهيم عن الحسن و الجبائي و الملك على هذا الوجه جائز أن ينعم الله تعالى به على كل أحد فأما الملك بتمليك الأمر و النهي و تدبير أمور الناس و إيجاب الطاعة على الخلق فلا يجوز أن يؤتيه الله إلا من يعلم أنه يدعو إلى الصلاح و السداد و الرشاد دون من يدعو إلى الكفر و الفساد و لا يصح منه لعلمه بالغيوب و السرائر تفويض الولاية إلى من هذا سبيله لما في ذلك من الاستفساد و قيل إن الهاء تعود إلى إبراهيم عن أبي القاسم البلخي و يسأل على هذا فيقال كيف يكون الملك لإبراهيم و الحبس و الإطلاق إلى نمرود و جوابه أن الحبس و الإطلاق و الأمر و النهي كان من جهة الله لإبراهيم و إنما كان نمرود يفعل ذلك على وجه القهر و الغلبة لا من جهة ولاية شرعية « إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي و يميت » في الكلام حذف و هو إذ قال له نمرود من ربك فقال ربي الذي يحيي و يميت بدأ بذكر الحياة لأنها أول نعمة ينعم الله بها على خلقه ثم يميتهم و هذا أيضا لا يقدر عليه إلا الله تعالى لأن الإماتة هي أن يخرج الروح من بدن الحي من غير جرح و لا نقص بنية و لا إحداث فعل يتصل بالبدن من جهته و هذا خارج عن قدرة البشر « قال أنا أحيي و أميت » أي فقال نمرود أنا أحيي بالتخلية من الحبس من وجب عليه القتل و أميت بالقتل من شئت ممن هو حي و هذا جهل من الكافر لأنه اعتمد في المعارضة على العبارة فقط دون المعنى عادلا عن وجه الحجة بفعل الحياة للميت أو

(2/148)


الموت للحي على سبيل الاختراع الذي ينفرد به تعالى و لا يقدر عليه سواه « قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب » قيل في انتقاله من حجة إلى أخرى وجهان ( أحدهما ) أن ذلك لم يكن انتقالا و انقطاعا عن إبراهيم فإنه يجوز من كل حكيم إيراد حجة أخرى على سبيل التأكيد بعد تمام ما ابتدأ به من الحجاج و علامة تمامه ظهوره من غير اعتراض عليه بشبهة لها تأثير عند التأمل و التدبر لموقعها من الحجة المعتمد عليها ( و الثاني ) أن إبراهيم إنما قال ذلك ليبين أن من شأن من يقدر على إحياء الأموات و إماتة الأحياء أن يقدر على إتيان الشمس من المشرق فإن كنت قادرا على ذلك فأت بها من المغرب و إنما فعل ذلك لأنه لو تشاغل معه بأني أريت اختراع الموت و الحيوة من غير سبب و لا علاج لاشتبه على كثير ممن حضر فعدل إلى ما هو أوضح لأن الأنبياء إنما بعثوا للبيان و الإيضاح و ليست أمورهم مبنية على تحاج الخصمين و طلب كل واحد منهما غلبة خصمه و قد روي عن الصادق (عليه السلام) أن إبراهيم (عليه السلام) قال له أحي من قتلته إن كنت صادقا ثم استظهر عليه مما قاله ثانيا « فبهت » الذي كفر أي تحير عند الانقطاع بما بأن من ظهور الحجة فإن قيل فهلا قال له نمرود فليأت بها ربك من المغرب قيل عن ذلك جوابان ( أحدهما ) أنه لما علم بما رأى من الآيات أنه لو اقترح ذلك لأتى به الله تصديقا لإبراهيم فكان يزداد بذلك فضيحة عدل عن ذلك ( و الثاني ) أن الله خذله و لطف لإبراهيم حتى أنه لم يأت بشبهة و لم يلبس « و الله لا يهدي القوم الظالمين » بالمعونة على بلوغ البغية من الفساد و قيل معناه لا يهديهم إلى المحاجة كما يهدي أنبياءه و أولياءه و قيل معناه لا يهديهم بألطافه و تأييده إذا علم أنه لا لطف لهم و قيل لهم لا يهديهم إلى الجنة و هذا لا يعارض قوله و أما ثمود فهديناهم لأنا قد بينا معاني الهداية و وجوهها قبل عند قوله يضل به كثيرا و يهدي به كثيرا فبعضها عام لجميع المكلفين و بعضها خاص للمؤمنين و في هذه الآية دلالة على أن المعارف غير ضرورية إذ لو كانت كذلك لما صحت المحاجة في إثبات الصانع و فيها دلالة على فساد التقليد و حسن الحجاج و أنه تعالى إنما يعلم بأفعاله التي لا يقدر عليها غيره و في تفسير ابن عباس أن الله سبحانه سلط على نمرود بعوضة فعضت شفتيه فأهوى إليها بيده ليأخذها فطارت في منخره فذهب ليستخرجها فطارت في دماغه فعذبه الله بها أربعين ليلة ثم أهلكه .

(2/149)


أَوْ كالَّذِى مَرَّ عَلى قَرْيَة وَ هِىَ خَاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِهَا قَالَ أَنى يُحْىِ هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَام ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كمْ لَبِثْت قَالَ لَبِثْت يَوْماً أَوْ بَعْض يَوْم قَالَ بَل لَّبِثْت مِائَةَ عَام فَانظرْ إِلى طعَامِك وَ شرَبِك لَمْ يَتَسنَّهْ وَ انظرْ إِلى حِمَارِك وَ لِنَجْعَلَك ءَايَةً لِّلنَّاسِ وَ انظرْ إِلى الْعِظامِ كيْف نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَينَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كلِّ شىْء قَدِيرٌ(259)
القراءة
قرأ أبو عمرو و ابن عامر و حمزة و الكسائي لبت بالإدغام و الباقون بالإظهار و قرأ أهل العراق غير أبي عمرو و عاصم لم يتسن و اقتد بحذف الهاء وصلا و الباقون بإثبات الهاء في الوصل و لم يختلفوا في إثباتها في الوقف و قرأ أهل الحجاز و البصرة ننشرها بضم النون الأولى و بالراء و قرأ أهل الكوفة و الشام ننشزها بالزاي و روى أبان عن عاصم ننشرها بفتح النون و ضم الشين و بالراء و قرأ حمزة و الكسائي قال اعلم موصولة الألف ساكنة الميم و الباقون « أعلم » مقطوعة الألف مرفوعة الميم .
الحجة
قال أبو علي من أدغم لبت أجرى التاء و الثاء مجرى المثلين من حيث اتفق الحرفان في أنهما من طرف اللسان و أصول الثنايا و اتفقا في الهمس و من بين و لم يدغم فلتباين المخرجين لأن الطاء و الدال و التاء من حيز و الظاء و الذال و الثاء من حيز و من قرأ « لم يتسنه » بالهاء في الوصل فيحتمل أمرين ( أحدهما ) أن يكون الهاء لاما من السنة فيمن قال شجرة سنهاء فيكون سكون الهاء للجزم و الآخر أن يكون من السنة أيضا فيمن قال استوا و سنوات أو يكون من المسنون الذي يراد به المتغير كأنه لم يتسن ثم قلب على حد القلب في لم يتظن و حكي أن أبا عمرو الشيباني إلى هذا كان يذهب في هذا الحرف فالهاء في « يستنه » على هذين القولين يكون للوقف فينبغي أن يلحق في الوقف و يسقط في الدرج و أما قوله اقتده فيجوز أن يكون الهاء كناية عن المصدر و لا يكون التي للوقف و لكن لما ذكر الفعل دل على مصدره فأضمره كما أضمر في قوله « و لا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم » و قال الشاعر :
غدا سراقة للقرآن يدرسه
و المرء عند الرشى إن يلقها ذئب

(2/150)


فالهاء في يدرسه للمصدر لا يجوز أن يكون للمفعول لأن الفعل قد تعدى إلى المفعول باللام فلا يجوز أن يتعدى إليه مرة ثانية و كذلك قوله فبهداهم اقتده يكون اقتد الاقتداء فيضمر لدلالة الفعل عليه و من قرأ كيف ننشرها فمعناه كيف نحييها يقال أنشر الله الميت فنشر و قد وصفت العظام بالإحياء قال تعالى من يحيي العظام و هي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة و كذلك في قوله ننشرها و من قرأ « ننشزها » بالزاء فالنشز الارتفاع قال أبو الحسن نشزوا نشزته فتقدير ننشزها نرفع بعضها إلى بعض للإحياء و من هذا النشوز من المرأة و هو أن تنبو عن الزوج في العشرة فلا تلائمه و من قرأ « قال أعلم » على لفظ الخبر فلأنه لما شاهد من إحياء الله و بعثه إياه بعد وفاته ما شاهد أخبر عما تبينه و تيقنه أي أعلم هذا الضرب من العلم الذي لم أكن علمته قيل و من قال اعلم على لفظ الأمر فالمعنى يؤول إلى الخبر و ذلك أنه لما تبين له ما تبين من الأمر الذي لا مجال للشبهة عليه نزل نفسه منزلة غيره فخاطبها كما يخاطب سواها كقول الأعشى :
أرمي بها البيداء إذا هجرت
و أنت بين القرو و العاصر فقال أنت و هو يريد نفسه و مثله قوله :
ودع هريرة إن الركب مرتحل
و هل تطيق وداعا أيها الرجل فخاطب نفسه كما يخاطب غيره قال أبو الحسن و هو أجود في المعنى .
اللغة
أصل الخواء الخلاء قال الراجز :
يبدو خواء الأرض من خوائه و الخواء الفرجة بين الشيئين لخلو ما بينهما و خوت الدار تخوي خواء فهي خاوية إذا باد أهلها لخلوها منهم و الخوي الجوع خوى يخوي خوى لخلو البطن من الغذاء و التخوية التفريج بين العضدين و الجنبين لخلو ما بينهما بتباعدهما .
« على عروشها » أي على أبنيتها قال أبو عبيدة هي الخيام و هي بيوت الإعراب و قال غيره « خاوية على عروشها » أي بقيت حيطانها لا سقوف عليها و كل بناء عرش و عريش مكة أبنيتها و عرش يعرش عرشا إذا بنى و العريش البيت لارتفاع أبنيته و العرش السرير لارتفاعه عن غيره و عرش الرجل قوام أمره و عرش البيت سقفه و التعريش جعل الخشب تحت الكرم ليمتد عليه يقال عرشته و عرشته و أصل القرية الجمع من قريت الماء و سميت قرية لاجتماع الناس فيها للإقامة بها و « أنى يحيي » من أين يحيي أو كيف يحيي و العام الحول و جمعه الأعوام و هو حول يأتي بعد شتوة و صيفة لأن فيه سبحا طويلا ربما يمكن من التصرف فيه و العوم السباحة و السفينة تعوم في جريها

(2/151)


و الإبل تعوم في سيرها و الاعتيام اصطفاء خيار مال الرجل لأنه يجري في أخذه شيئا بعد شيء كالسابح في الماء الجاري و إعتام الموت النفوس أولا فأولا كذلك و أصل الباب السبح و اللبث المكث يقال لبث فهو لابث و تلبث تلبثا إذا تمكث و الحمار يقال للوحشي و الأهلي و أصله من الحمرة لأن الحمرة أغلب عليه و حمارة القيض شدة حره و حمر فو الفرس يحمر حمرا إذا أنتن و موت أحمر شديد مشبه بحمرة النار و الأسود و الأحمر العرب و العجم لأن السواد أغلب على لون العرب كما أن الحمرة أغلب على لون العجم و منه قول الأشعث لعلي غلبت عليك هذه الحمراء يعني العجم و النشر خلاف الطي و النشر إذاعة الحديث و حث العود بالمنشار و النشر الرائحة الطيبة و ربما قيل في الخبيثة و النشرة الرقية و النشز بالزاي المرتفع من الأرض .
الإعراب
أو حرف عطف و هو عطف على معنى الكلام الأول و تقديره أ رأيت كالذي حاج إبراهيم في ربه أو كالذي مر على قرية و موضع الكاف نصب بتر و معناه التعجب لأن كل ما خرج من بابه لعظمه عن حد نظائره فهو مما يتعجب منه تقول ما أجهله أي قد خرج بجهله عن حد نظائره و كذلك لو قلت هل رأيت كزيد الجاهل لدللت على مثل الأول منه في التعجب لما بينا أن ما أفعله صيغة وضعت للتعجب و ليس كذلك هل رأيت لأنها في الأصل للاستفهام و قيل الكاف زائدة للتوكيد كما زيدت في قوله ليس كمثله شيء و الأول أوجه لأنه لا يحكم بالزيادة إلا لضرورة و قوله « أنى » استفهام في موضع نصب على الحال من يحيي و تقديره أ قادر أن يحيي و يجوز أن يكون مصدرا ليحيي و تقديره أي نوع يحيي أي أي إحياء يحيي و هذا أولى لأنه يكون سؤالا عن كيفية الإحياء لا إنكارا لأصل الإحياء و موضع كم نصب بلبثت كأنه قال أ مائة سنة لبثت أم أقل أم أكثر و قوله « و لنجعلك » دخلت الواو لاتصال اللام بفعل محذوف كأنه قال و لنجعلك آية للناس فعلنا ذلك لأن الواو لو أسقطت اتصلت اللام بالفعل المتقدم كيف في محل النصب على الحال من ننشر أو ننشز و ذو الحال الضمير المستكن فيه أو على المصدر و ننشزها جملة في موضع الحال من أنظر و ذو الحال العظام .
المعنى
« أو كالذي مر » أي أو هل رأيت كالذي مر و معناه إن شئت فانظر في قصة الذي حاج إبراهيم و إن شئت فانظر إلى قصة الذي مر « على قرية » و هو عزير عن قتادة و عكرمة و السدي و هو المروي عن أبي عبد الله و قيل هو أرميا عن وهب و هو المروي عن أبي جعفر و قيل هو الخضر عن ابن إسحاق و القرية التي مر عليها هي بيت المقدس لما

(2/152)


خربه بخت نصر عن وهب و قتادة و الربيع و عكرمة و قيل هي الأرض المقدسة عن الضحاك و قيل هي القرية التي خرج منها الألوف حذر الموت عن ابن زيد « و هي خاوية على عروشها » أي خالية و قيل خراب عن ابن عباس و الربيع و الضحاك و قيل ساقطة على أبنيتها و سقوفها كان السقوف سقطت و وقعت البنيان عليها قال « أنى يحيي هذه الله بعد موتها » أي كيف يعمر الله هذه القرية بعد خرابها و قيل كيف يحيي الله أهلها بعد ما ماتوا و أطلق لفظ القرية و أراد به أهلها كقوله « و اسأل القرية » و لم يقل ذلك إنكارا و لا تعجبا و لا ارتيابا و لكنه أحب أن يريه الله إحياءها مشاهدة كما يقول الواحد منا كيف يكون حال الناس يوم القيامة و كيف يكون حال أهل الجنة في الجنة و كيف يكون حال أهل النار في النار و كقول إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى أحب أن يريه الله إحياء الموتى مشاهدة ليحصل له العلم به ضرورة كما حصل العلم دلالة لأن العلم الاستدلالي ربما اعتورته الشبهة « فأماته الله مائة عام » أي مائة سنة « ثم بعثه » أي أحياه كما كان « قال كم لبثت » في التفسير أنه سمع نداء من السماء كم لبثت يعني في مبيتك و منامك و قيل إن القائل له نبي و قيل ملك و قيل بعض المعمرين ممن شاهده عند موته و إحيائه « قال لبثت يوما أو بعض يوم » لأن الله أماته في أول النهار و أحياه بعد مائة سنة في آخر النهار فقال يوما ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال أو بعض يوم فقال « بل لبثت مائة عام » معناه بل مكثت في مكانك مائة سنة « فانظر إلى طعامك و شرابك لم يتسنه » أي لم تغيره السنون و إنما قال « لم يتسنه » على الواحد لأنه أراد به جنس الطعام و الشراب أي أنظر إلى ما تركته أنه لم يتسنه و قيل أراد به الشراب لأنه أقرب المذكورين إليه و قيل كان زاده عصيرا و تينا و عنبا و هذه الثلاثة أسرع الأشياء تغيرا و فسادا فوجد العصير حلوا و التين و العنب كما جنيا لم يتغيرا « و انظر إلى حمارك » معناه انظر إليه كيف تفرق أجزاؤه و تبدد عظامه ثم انظر كيف يحييه الله و إنما قال له ذلك ليستدل بذلك على طول مماته « و لنجعلك آية للناس » فعلنا ذلك و قيل معناه فعلنا ذلك إجابة لك إلى ما أردت و قوله « و لنجعلك آية للناس » أي حجة للناس في البعث « و انظر إلى العظام كيف ننشرها » كيف نحييها و بالزاي كيف نرفعها من الأرض فنردها إلى أماكنها من الجسد و تركب بعضها على بعض « ثم نكسوها » أي نلبسها « لحما » و اختلف فيه فقيل أراد عظام حماره عن السدي و غيره فعلى هذا يكون تقديره و انظر إلى عظام حمارك و قيل أراد عظامه عن الضحاك و قتادة و الربيع قالوا أول ما أحيا الله منه عينه و هو مثل غرقيء البيض فجعل ينظر إلى العظام

(2/153)


البالية المتفرقة تجتمع إليه و إلى اللحم الذي قد أكلته السباع الذي يأتلف إلى العظام من هاهنا و من هاهنا و يلتزم و يلتزق بها حتى قام و قام حماره « فلما تبين له » أي ظهر و علم و إنما علم أنه مات مائة سنة بشيئين ( أحدهما ) بإخبار من أراه الآية المعجزة في نفسه و حماره و طعامه و شرابه و تقطع أوصاله ثم اتصال بعضها إلى بعض حتى رجع إلى حالته التي كان عليها في أول أمره ( و الآخر ) أنه علم ذلك بالآثار الدالة على ذلك لما رجع إلى وطنه فرأى ولد ولده شيوخا و قد كان خلف آباءهم شبابا إلى غير ذلك من الأمور التي تغيرت و الأحوال التي تقلبت و روي عن علي (عليه السلام) أن عزيرا خرج من أهله و امرأته حامل و له خمسون سنة فأماته الله مائة سنة ثم بعثه فرجع إلى أهله ابن خمسين سنة و له ابن له مائة سنة فكان ابنه أكبر منه فذلك من آيات الله و قيل أنه رجع و قد أحرق بخت نصر التوراة فأملأها من ظهر قلبه فقال رجل منهم حدثني أبي عن جدي أنه دفن التوراة في كرم فإن أريتموني كرم جدي أخرجتها لكم فأروه فأخرجها فعارضوا ذلك بما أملى فما اختلفا في حرف فقالوا ما جعل الله التوراة في قلبه إلا و هو ابنه فقالوا عزير ابن الله « قال » أي قال المار على القرية « أعلم » أي أتيقن و من قرأ اعلم فمعناه على ما تقدم ذكره من أنه يخاطب نفسه و قيل أنه أمر من الله تعالى له « أن الله على كل شيء قدير » أي لم أقل ما قلت عن شك و ارتياب و يحتمل أنه إنما قال ذلك لأنه ازداد بما شاهد و عاين يقينا و علما إذ كان قبل ذلك علم استدلال فصار علمه ضرورة و معاينة .
وَ إِذْ قَالَ إِبْرَهِيمُ رَب أَرِنى كيْف تُحْىِ الْمَوْتى قَالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلى وَ لَكِن لِّيَطمَئنَّ قَلْبى قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطيرِ فَصرْهُنَّ إِلَيْك ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كلِّ جَبَل مِّنهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَك سعْياً وَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(260)
القراءة
قرأ أبو جعفر و حمزة و خلف و رويس عن يعقوب فصرهن بكسر الصاد و الباقون « فصرهن » بضم الصاد و روي في الشواذ عن ابن عباس فصرهن بكسر الصاد و تشديد الراء و فتحها و عن عكرمة فصرهن بفتح الصاد و كسر الراء و تشديدها و قرأ عاصم في رواية أبي بكر جزءا مثقلا مهموزا حيث وقع و قرأ أبو جعفر جزا مشددا و الباقون بالهمز

(2/154)


و التخفيف .
الحجة
يقال صرته أصوره أي أملته و منه قول الشاعر :
يصور عنوقها أحوى زنيم ) أي يميل عنوق هذه الغنم تيس أحوى و صرته أصوره قطعته قال أبو عبيدة فصرهن من الصور و قال هو القطع و قال أبو الحسن و قد قالوا بمعنى القطع صار يصير أيضا قال الشاعر :
و فرع يصير الجيد وحف كأنه
على الليت قنوان الكروم الدوالح و معنى هذا يميل الجيد من كثرته فقد ثبت أن الميل و القطع يقال في كل واحد منهما أيضا صار يصير فمن جعل « فصرهن إليك » بمعنى أملهن إليك حذف من الكلام و المعنى أملهن إليك فقطعهن ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا فحذف الجملة لدلالة الكلام عليها كما حذف من قوله « اضرب بعصاك البحر فانفلق » أي فضرب فانفلق و من قدر « فصرهن » على معنى فقطعهن لم يحتج إلى إضمار و يحتمل كلا الوجهين كل واحد من القراءتين على ما ذكرناه و قوله « إليك » إن جعلت صرهن بمعنى فقطعهن كان إليك متعلقا بخذ أي خذ إليك أربعة من الطير فقطعهن ثم اجعل و إن جعلته بمعنى أملهن احتمل إليك أن يكون متعلقا بخذ و أن يكون متعلقا بصرهن و قياس قول سيبويه أن يكون متعلقا بقوله « فصرهن » لأنه أقرب إليه و من قرأ فصرهن بكسر الصاد و تشديد الراء فإنه يكون من صره يصره أي قطعه و المتعدي من هذا الباب قليل و قد روي عن عكرمة أيضا فصرهن بضم الصاد فيكون من صره يصره و هذا على القياس و من قرأ فصرهن فهو فعلهن من صرى يصري تصرية إذا حبس و قطع قال :
رب غلام قد صرى في فقرته
ماء الشباب عنفوان شرته أي حبسه و قطعه و منه الشاة المصراة أي المحبوسة اللبن المقطوعة في ضرعها عن الخروج و أما الوجه في قراءة من قرأ جزءا بالتثقيل فقد ذكرنا عند قوله تعالى « قالوا أ تتخذنا هزوا » و من قرأ جزا بالتشديد فأصله جزءا ثم خفف همزته ثم إنك إذا وقفت كان لك السكون و إن شئت الإشمام فتقول الجزو و إن شئت التشديد ( فتقول ) الجز ثم أنه وصل

(2/155)


على وقفه فقال جزا كما قال الشاعر :
ببازل وجناء أو عيهل
كان مهواها على الكلكل فأجرى الوصل مجرى الوقف .
اللغة
اطمأن يطمئن توطأ و المطمئن من الأرض ما انخفض و تطامن و اطمأن إليه إذا وثق به لسكون نفسه إليه و لتوطي حاله بالأمانة عنده و أصل الباب التوطئة و الطير معروف و طار يطير طيرانا و طيرورة و الباب يدل على خفة الشيء في الهواء ثم يستعار ذلك في غيره و في كل سرعة و تطير من الطيرة و هو زجر الطير بما يكره و طائر الإنسان عمله الذي تقلده من خير أو شر لأنه بمنزلة طائر الزجر في البركة و التشؤم و فجر مستطير منتشر في الأفق و غبار مستطار و فرس مطار حديد الفؤاد لأنه طيار في جريه و الجبل وتد من أوتاد الأرض و جبل فلان على كذا أي طبع و رجل ذو جبلة إذا كان غلظ الجسم و الجبلة الأمة من الناس و أجبل الحافر إذا بلغ إلى صلابة لا يمكنه الحفر عندها و منه أجبل الشاعر إذا صعب عليه القول و الجزء بعض الشيء و جزأته بعضته و الفرق بين الجزء و السهم أن السهم من الجملة ما ينقسم عليه نحو الاثنين من العشرة و قد يقال الجزء لما لا ينقسم عليه نحو الثلاثة من العشرة و لا تنقسم العشرة عليها و إن كانت الثلاثة جزءا من العشرة .
الإعراب
العامل في إذ في المعنى اذكر أي و اذكر هذه القصة عن الزجاج و يجوز أن يكون عطفا على قوله « أ لم تر إلى الذي حاج إبراهيم » أي و أ لم تر إذ قال و موضع كيف نصب بقوله « تحيي الموتى » و المعنى بأي حال تحيي الموتى و قوله « ليطمئن قلبي » اللام يتعلق بمعنى أرني تقديره أرني ليطمئن قلبي من الطير صفة لأربعة فعلى هذا يكون من للتبعيض و للتبيين و يجوز أن يتعلق بخذ فعلى هذا لا يكون إلا للتبيين منهن أي جزء من كل واحد منهن فلما قدم على جزء وقع موضع النصب على الحال من جزء و قوله « سعيا » مصدر وقع موقع الحال و كأنه قال يسعين سعيا أو ساعيات سعيا .
المعنى
ثم ذكر تعالى ما أراه إبراهيم عيانا من إحياء الموتى فقال « و إذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى » اختلف في سبب سؤال إبراهيم هذا على وجوه ( أحدها ) ما قاله الحسن و الضحاك و قتادة و هو المروي عن أبي عبد الله أنه رأى جيفة

(2/156)


تمزقها السباع فيأكل منها سباع البر و سباع الهواء و دواب البحر فسأل الله إبراهيم فقال يا رب قد علمت أنك تجمعها من بطون السباع و الطير و دواب البحر فأرني كيف تحييها لأعاين ذلك ( و ثانيها ) ما روي عن ابن عباس و سعيد بن جبير و السدي أن الملك بشر إبراهيم (عليه السلام) بأن الله قد اتخذه خليلا و أنه يجيب دعوته و يحيي الموتى بدعائه فسأل الله تعالى أن يفعل ذلك ليطمئن قلبه بأنه قد أجاب دعوته و اتخذه خليلا ( و ثالثها ) أن سبب السؤال منازعة نمرود إياه في الإحياء إذ قال أنا أحيي و أميت و أطلق محبوسا و قتل إنسانا فقال إبراهيم ليس هذا بإحياء و قال يا رب أرني كيف تحيي الموتى ليعلم نمرود ذلك و روي أن نمرود توعده بالقتل إن لم يحيي الله الميت بحيث يشاهده فلذلك قال « ليطمئن قلبي » أي بأن لا يقتلني الجبار عن محمد بن إسحاق بن يسار ( و رابعها ) أنه أحب أن يعلم ذلك علم عيان بعد أن كان عالما به من جهة الاستدلال و البرهان لتزول الخواطر و وساوس الشيطان و هذا أقوى الوجوه « قال أ و لم تؤمن » هذه الألف استفهام و يراد به التقرير كقول الشاعر :
أ لستم خير من ركب المطايا
و أندى العالمين بطون راح أي قد آمنت لا محالة فلم تسأل ذا و هذه الألف إذا دخلت على الإثبات فالمراد النفي كقوله « أ أنت قلت للناس » أي لم تقل « قال بلى و لكن ليطمئن قلبي » أي بلى أنا مؤمن و لكن سألت ذاك لأزداد يقينا إلى يقيني عن الحسن و قتادة و مجاهد و ابن جبير و قيل لأعاين ذلك و يسكن قلبي إلى علم العيان بعد علم الاستدلال و قيل ليطمئن قلبي بأنك قد أجبت مسألتي و اتخذتني خليلا كما وعدتني « قال فخذ أربعة من الطير » مختلفة الأجناس و إنما خص الطير من بين سائر الحيوانات لخاصية الطيران و قيل إنها الطاووس و الديك و الحمام و الغراب أمر أن يقطعها و يخلط ريشها بدمها هذا قول مجاهد و ابن جريج و عطاء و ابن زيد و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) « فصرهن إليك » أي قطعهن عن ابن عباس و سعيد بن جبير و الحسن و قيل معناه اضممهن إليك عن عطاء و ابن زيد و قد تقدم بيانه في وجه القراءة « ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا » و روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أن معناه فرقهن على كل جبل و كانت عشرة أجبل ثم خذ بمناقيرهن و ادعهن باسمي الأكبر و حلفهن بالجبروت و العظمة يأتينك سعيا ففعل إبراهيم ذلك و فرقهن على عشرة أجبل ثم دعاهن فقال أجبن بإذن الله فكانت تجتمع

(2/157)


و يأتلف لحم كل واحد و عظمه إلى رأسه و طارت إلى إبراهيم و قيل أن الجبال كانت سبعة عن ابن جريج و السدي و قيل كانت أربعة عن ابن عباس و الحسن و قتادة و قيل أراد كل جبل على العموم بحسب الإمكان كأنه قال فرقهن على كل جبل يمكنك التفرقة عليه عن مجاهد و الضحاك و يسأل فيقال كيف قال ثم ادعهن و دعاء الجماد قبيح و جوابه أنه أراد بذلك الإشارة إليها و الإيماء لتقبل عليه إذا أحياها الله و قيل معنى الدعاء هاهنا الإخبار عن تكوينها أحياء كقوله سبحانه « كونوا قردة خاسئين » و قوله « ائتيا طوعا أو كرها » عن الطبري و قول من قال أنه جعل على كل جبل طيرا ثم دعاها بعيد من الصواب و الفائدة لأنه إنما طلب بالعلم به كونه قادرا على إحياء الموتى عيانا و ليس في إتيان طائر حي إليه بالإيماء ما يدل على ذلك و في الكلام حذف فكأنه قال فقطعهن ثم اجعل على كل جبل من كل واحد منهن جزءا فإن الله يحييهن فإذا أحياهن فادعهن فيكون الإيماء إليها بعد أن صارت أحياء ففعل إبراهيم ذلك فنظر إلى الريش يسعى بعضها إلى بعض و كذلك العظام و اللحم ثم أتينه مشيا على أرجلهن فتلقى كل طائر رأسه و ذلك قوله « يأتينك سعيا » و ذكر عن النضر بن شميل قال سألت الخليل بن أحمد عن قوله تعالى « يأتينك سعيا » هي يقال للطائر إذا طار سعى فقال لا قلت فما معناه قال معناه يأتينك و أنت تسعى سعيا « و اعلم أن الله عزيز » أي قوي لا يعجز عن شيء « حكيم » في أفعاله و أقواله و قيل عزيز يذل الأشياء له و لا يمتنع عليه شيء حكيم أفعاله كلها حكمة و صواب و مما يسأل في هذه الآية أن يقال كيف أجيب إبراهيم إلى آيات الآخرة دون موسى في قوله « أرني أنظر إليك » و جوابه من وجهين ( أحدهما ) أنه سأل آية لا يصح معها بقاء التكليف من وقوع الضرورة التي لا يعترضها الشكوك بوجه و إبراهيم إنما سأل في شيء خاص يصح معه التكليف ( و الآخر ) أن الأحوال قد تختلف فيكون الأصلح في بعض الأحوال الإجابة و في بعضها المنع فيما لم يتقدم فيه إذن .
مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فى سبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّة أَنبَتَت سبْعَ سنَابِلَ فى كلِّ سنبُلَة مِّائَةُ حَبَّة وَ اللَّهُ يُضعِف لِمَن يَشاءُ وَ اللَّهُ وَسِعٌ عَلِيمٌ(261)
اللغة
النبت الحشيش و كل ما ينبت من الأرض يقال نبت نبتا و نباتا و أنبته الله إنباتا

(2/158)


و الينبوت شجر الخشخاش و أنبت الغلام إذا راهق و استبان شعر عانته و السنبلة على وزن فنعلة كقولهم أسبل الزرع بمعنى سنبل إذا صار فيه السنبل و الأصل فيه الإسبال و هو إرسال الستر و نحوه فكما يسترسل الستر بالإسبال يسترسل الزرع بالسنبل و لأنه صار فيه حب مستور كما يستر بالإسبال و المائة معروفة يقال أمات الغنم إذا بلغت مائة و آمايتها أنا أي وفيتها مائة و المأي الفساد بين القوم .
المعنى
« مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله » قيل تقديره مثل صدقات الذين ينفقون أموالهم كمثل حبة و قيل تقديره مثل الذين ينفقون كمثل زارع حبة و سبيل الله هو الجهاد و غيره من أبواب البر كلها على ما تقدم بيانه فالآية عامة في النفقة في جميع ذلك و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) و اختاره أبو علي الجبائي و قيل هي خاصة بالإنفاق في الجهاد فأما غيره من الطاعات فإنما يجزي بالواحد عشرة أمثالها « كمثل حبة أنبتت » أي أخرجت « سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة » يعني أن النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف و متى قيل هل رأى في سنبلة مائة حبة حتى يضرب المثل بها فجوابه أن ذلك متصور و إن لم ير كقول امرىء القيس :
و مسنونة زرق كأنياب أغوال ) و قوله تعالى « طلعها كأنه رءوس الشياطين » و أيضا فقد رأى ذلك في الجاورس و نحوه « و الله يضاعف لمن يشاء » أي يزيد على سبعمائة لمن يشاء و قيل معناه يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاء و روي عن ابن عمر أنه قال لما نزلت هذه الآية قال رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) رب زد أمتي فنزل قوله من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة قال رب زد أمتي فنزل « إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب » و قوله « و الله واسع » أي واسع القدرة لا يضيق عنه ما شاء من الزيادة و قيل واسع الرحمة لا يضيق عن المضاعفة « عليم » بما يستحق الزيادة عن ابن زيد و قيل عليم بما كان من النفقة و بنية المنفق و ما يقصده من الإنفاق .
النظم
اتصلت هذه الآية بقوله من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا و ما بين الآيتين اعتراض بالاستدعاء إلى الحق و بيان الحجج و العبر عن علي بن عيسى و قيل لما قص تعالى ما فيه البرهان على التوحيد و ما آتى رسله من البينات حث على الجهاد و اعلم أن من عاند بعد هذه الدلالات يجب قتاله فحث على قتال من كفر بعد هذا البرهان و بين أن في جهادهم و النفقة فيهم الثواب العظيم عن الزجاج .

(2/159)


الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فى سبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَ لا أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ(262)
اللغة
المن هو ذكر ما ينغص المعروف كقول القائل أحسنت إلى فلان و أنعشته و نحو ذلك و أصل المن القطع و منه قوله « لهم أجر غير ممنون » أي غير مقطوع و منه قولهم حبل منين أي ضعيف لأنه مقطع و سمي ما يكدر المعروف بأنه منة لأنه يقطع الحق الذي يجب به و المنة النعمة العظيمة سميت بذلك لأنها تجل عن قطع الحق بها لعظمها و المنة القوة في القلب و المن الذي يقع من السماء و المن الذي يوزن به لأنه يقطع على مقدار مخصوص و الأذى ضرر يتعجل وصوله إلى المضرور و الخوف توقع الضرر و هو يرجع إلى الاعتقاد و الحزن الغم الذي يغلظ على النفس .
المعنى
لما أمر الله تعالى بالإنفاق عقبه ببيان كيفية الإنفاق فقال « الذين ينفقون » أي يخرجون « أموالهم في سبيل الله » و قد تقدم بيانه « ثم لا يتبعون ما أنفقوا » أي نفقاتهم « منا » أي منة على المعطى « و لا أذى » له و المن هو أن يقول له أ لم أعطك كذا أ لم أحسن إليك أ لم أغنك و نحوها و الأذى أن يقول أراحني الله منك و من ابتلائي بك و يحتمل أن يكون معنى الأذى أن يعبس وجهه عليه أو يتعبه أو يؤذيه فيما يدفعه إليه أو يصرفه في بعض أشغاله بسبب إنفاقه عليه فكل هذا من المن و الأذى الذي يكدر الصنيعة و ينغص النعمة و يبطل الأجر و المثوبة و قوله « لهم أجرهم عند ربهم » إلى آخره قد مر تفسيره و قيل معناه لهم جزاء أعمالهم عند ربهم و إنما قال « عند ربهم » لتكون النفس أسكن إليه و أوثق به لأن ما عنده لا يخاف عليه فوت و لا نقص « و لا خوف عليهم » من فوت الأجر و نقصانه يوم القيامة « و لا هم يحزنون » لفوته و نقصانه و في هذه الآية دلالة على أنه يصح الوعد بشرط لأن مفهوم الكلام أن تقديره في المعنى إن لم يتبعوا ما أنفقوا منا و لا أذى فلهم من الأجر كذا و الوعد إذا كان مشروطا فمتى لم يحصل الشرط لم يحصل استحقاق الثواب و قد روي عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال المنان بما يعطي لا يكلمه الله و لا ينظر إليه و لا يزكيه و له عذاب أليم .
* قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَ مَغْفِرَةٌ خَيرٌ مِّن صدَقَة يَتْبَعُهَا أَذًى وَ اللَّهُ غَنىُّ حَلِيمٌ(263)
اللغة
الغني الواسع الملك و الله غني بأنه مالك لجميع الأشياء لأنه قادر عليها لا

(2/160)


يتعذر عليه شيء منها و الغنى ضد الحاجة يقال غني يغنى غنا و استغنى و أغناه الله و الغناء الكفاية للغني به عن غيره و الغنية الاستغناء و قد غني القوم إذا نزلوا في مكان يغنيهم و المكان الذي ينزلون به مغنى و قد غني فلان غناء إذا بالغ في التطريب في الإنشاد حتى يستغني الشعر أن يزاد في نغمة و قد غنيت المرأة غنيانا قال قيس بن الحطيم :
أجد بعمرة غنيانها
فتهجر أم شأننا شأنها غنيانها غناؤها و الغواني النساء لأنهن غنين بجمالهن و قيل بأزواجهن و الحليم مر ذكره .
المعنى
« قول معروف » أي كلام حسن جميل لا وجه فيه من وجوه القبح يرد به السائل و قيل معناه دعاء صالح نحو أن يقول صنع الله بك و أغناك الله عن المسألة و أوسع الله عليك الرزق و أشباه ذلك و قيل معناه عدة حسنة و قيل قول في إصلاح ذات البين عن الضحاك « و مغفرة » قيل فيه أقوال ( أحدها ) أن معناه سلامة من المعصية لأن حالها كحال المغفرة في الأمان من العقوبة عن الجبائي ( و ثانيها ) أن معناه ستر على السائل و سؤاله ( و ثالثها ) أن معناه عفو المسئول عن ظلم السائل عن الحسن و على هذا فيكون ظلم السائل أن يسأل في غير وقته أو يلحف في سؤاله أو يسيء الأدب بأن يفتح الباب أو يدخل الدار بغير إذن فالعفو عن ظلمه « خير من صدقة يتبعها أذى » و إنما صار القول المعروف و العفو عن الظلم خيرا من الصدقة التي يتبعها أذى لأن صاحب هذه الصدقة لا يحصل على خير لا على عين ماله في دنياه و لا على ثوابه في عقباه و القول بالمعروف و العفو طاعتان يستحق الثواب عليهما و قد روي عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال إذا سأل السائل فلا تقطعوا عليه مسألته حتى يفرغ منها ثم ردوا عليه بوقار و لين إما بذل يسير أو رد جميل فإنه قد يأتيكم من ليس بإنس و لا جان ينظرون كيف صنيعكم فيما خولكم الله تعالى « و الله غني » عن صدقاتكم و عن جميع طاعاتكم لم يأمركم بها و لا بشيء منها لحاجة منه إليها و إنما أمركم بها و دعاكم إليها لحاجتكم إلى ثوابها « حليم » لا يعاجلكم بالعقوبة و قيل لا يعجل بالعقوبة على من يمن و يؤذي بصدقته و لو وقع هاهنا موقع حليم حميد أو عليم لم يحسن .

(2/161)


يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تُبْطِلُوا صدَقَتِكُم بِالْمَنِّ وَ الأَذَى كالَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الاَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صفْوَان عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكهُ صلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شىْء مِّمَّا كسبُوا وَ اللَّهُ لا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ(264)
اللغة
الرئاء و المرآة أصله من الرؤية كأنه يفعل ليري غيره ذلك و جمع في « رئاء الناس » بين همزتين و لا يجمع في ذوائب و إن حال بينهما الألف في كلا الموضعين لخفة الواحد و لأنهما مفتوحتان في الواحد فهو أخف لها و الصفوان واحدته صفوانة مثل سعدان و سعدانة و مرجان و مرجانة و هي الحجر الأملس و الصفا بمعنى الصفوان و ذكر الكسائي في جمع صفوان صفي و أنكر ذلك المبرد و قال إنما هو جمع صفا مثل عصي و عصا و قفي و قفا و التراب و الترب واحد و ترب الرجل إذا لصق بالتراب من الفقر و منه قوله « مسكينا ذا متربة » لأنه قعد على التراب للفقر و أترب الرجل إذا صار ماله بعدد التراب و الترب اللدة و قيل فيه أقوال منها أن الأتراب خرجوا إلى التراب في وقت من الزمان و منها أنهم صبيان يلعبون في التراب و منها أنهم في الاشتباه كالتراب .
و الترائب عظام الصدر لأنها متشابهة و الوابل المطر الشديد الوقع وبلت السماء تبل وبلا و الوبيل الشديد و الوبال سوء العاقبة و أصل الباب الشدة و الصلد الحجر الأملس قال الشاعر :
و لست بجلب جلب ريح و قرة
و لا بصفا صلد عن الخير معزل و الصلد من الأرض ما لا ينبت شيئا لصلابته و الصلد البخيل و صلد الزند صلودا إذا لم يور نارا و فرس صلود إذا أبطأ عرقه و قدر صلود إذا أبطأ عليها و أصل الباب ملاسة في صلابة .
الإعراب
الكاف في قوله « كالذي ينفق ماله » في موضع نصب على الحال من الواو في تبطلوا .
« رئاء الناس » مصدر وضع موضع الحال من الضمير في ينفق تقديره ينفق ماله مرائيا و يجوز أن يكون مفعولا له .
« عليه تراب » جملة في موضع جر بكونه صفة صفوان و صلدا حال من تركه و ذو الحال الهاء و « لا يقدرون » جملة فعلية في موضع الحال و الواو عائد

(2/162)


إلى معنى الذي لأنه جنس لا إلى لفظه .
المعنى
ثم أكد تعالى ما قدمه بما ضرب من الأمثال فقال « يا أيها الذين آمنوا » أي صدقوا الله و رسوله « لا تبطلوا صدقاتكم بالمن » أي بالمنة على السائل و قيل بالمنة على الله « و الأذى » بمعنى أذى صاحبها ثم ضرب تعالى مثلا لعمل المنان و عمل المنافق جميعا فإنهم إذا فعلا الفعل على غير الوجه المأمور به فإنهما لا يستحقان عليه ثوابا و هذا هو معنى الإبطال و هو إيقاع العمل على غير الوجه الذي يستحق عليه الثواب فقال « كالذي ينفق ماله رئاء الناس » هذا يدخل فيه المؤمن و الكافر إذا أخرجا المال للرئاء « و لا يؤمن بالله و اليوم الآخر » هذا للكافر خاصة أي لا يصدق بوحدانية الله و لا بالبعث و الجزاء و قيل أنه صفة للمنافق لأن الكافر معلن غير مراء و كل مراء كافر أو منافق « فمثله كمثل صفوان » أي حجر أملس « عليه تراب فأصابه وابل » أي مطر عظيم القطر شديد الوقع « فتركه صلدا » حجرا صلبا أملس شبه سبحانه فعل المنافق و المنان بالصفا الذي أزال المطر ما عليه من التراب فإنه لا يقدر أحد على رد ذلك التراب عليه كذلك إذا دفع المنان صدقة و قرن بها المن فقد أوقعها على وجه لا طريق له إلى استدراكه و تلافيه لوقوعها على الوجه الذي لا يستحق عليه الثواب فإن وجوه الأفعال تابعة لحدوث الأفعال فإذا فاتت فلا طريق إلى تلافيها و ليس في الآية ما يدل على أن الثواب الثابت المستقر يبطل و يزول بالمن فيما بعد و لا بالرياء الذي يحصل فيما يستقبل من الأوقات على ما قاله أهل الوعيد « لا يقدرون على شيء مما كسبوا » أي لا يقدر هؤلاء على نفقتهم و لا على ثوابها و لا يعلمون أين النفقة و أين ثوابها و لا يحصلون منها على شيء كما لا يحصل أحد على التراب أذهبه المطر عن الحجر فقد تضمنت الآية و الآي التي قبلها الحث على الصدقة و إنفاق المال في سبيل الخير و أبواب البر ابتغاء مرضاة الله و النهي عن المن و الأذى و الرياء و السمعة و النفاق و الخبر عن بطلان العمل بها و مما جاء في معناه من الحديث ما رواه ابن عباس عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال إذا كان يوم القيامة نادى مناد يسمع أهل الجمع أين الذين كانوا يعبدون الناس قوموا خذوا أجوركم ممن عملتم له فإني لا أقبل عملا خالطه شيء من الدنيا و أهلها و روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال رسول الله من أسدى إلى مؤمن معروفا ثم آذاه بالكلام أو من عليه فقد أبطل الله صدقته ثم ضرب فيه مثلا فقال « كالذي ينفق ماله رئاء الناس » إلى قوله « الكافرين » و قال أبو عبد الله (عليه السلام) ما من شيء أحب إلى من رجل سلفت مني إليه يد أتبعته أختها و أحسنت ربها له لأني رأيت منع الأواخر يقطع لسان شكر الأوائل « و الله لا يهدي القوم الكافرين » أي لا يثيب الكافرين

(2/163)


على أعمالهم إذ كان الكفر محبطا لها و مانعا من استحقاق الثواب عليها و إنما يثيب المؤمنين الذين يوقعون أعمالهم على الوجوه التي يستحق بها الثواب و قيل معناه لا يهديهم إلى الجنة بأعمالهم كما يهدي المؤمنين و قيل معناه لا يعطيهم ما يعطي المؤمنين من زيادة الألطاف و التوفيق .
وَ مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ تَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةِ بِرَبْوَة أَصابَهَا وَابِلٌ فَئَاتَت أُكلَهَا ضِعْفَينِ فَإِن لَّمْ يُصِبهَا وَابِلٌ فَطلُّ وَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(265)
القراءة
قرأ عاصم و ابن عامر « بربوة » بفتح الراء و الباقون بضمها و روي في الشواذ عن ابن عباس بكسر الراء و قرأ ابن كثير و نافع و أبو عمر و أكلها بالتخفيف و الباقون بالتثقيل .
اللغة
الربوة و الربوة و الربوة بالحركات الثلاث في الراء و الرباوة الرابية قال أبو الحسن و الذي نختاره ربوة بضم الراء و يؤيد هذا الاختيار قولهم ربا في الجمع و الأكل المأكول يدل على ذلك قوله تعالى « تؤتي أكلها كل حين » أي ما يؤكل منها قال الأعشى :
جندك التالد الطريف من السادات
أهل القباب و الآكال فالآكال جمع أكل مثل عنق و أعناق و الأكل الفعل و الأكلة الطعمة و الأكلة الواحدة قال الشاعر :
فما أكلة إن نلتها بغنيمة
و لا جوعة إن جعتها بغرام ففتح الألف من الفعلة بدلالة قوله و لا جوعة و إن شئت ضممت و عنيت الطعام و قال أبو زيد أنه لذو أكل أي له حظ و رزق من الدنيا و ضعف الشيء مثله زائدا عليه و ضعفاه مثلاه زائدين عليه و قال قوم ضعف الشيء مثلاه و الطل المطر الصغار يقال أطلت السماء فهي مطلة و روضة طلة ندية و الطل إبطال الدم بأن لا يثأر بصاحبه طل دمه فهو مطلول لأنه

(2/164)


بمنزلة ما جاء عليه الطل فأذهبه فكأنه قيل غسله و الطلل ما شخص من الدار لأنه كموضع الندى بالطل لعمارة الناس له خلاف المستوي القفر لأن الخصب حيث تكون الأبنية و صار الطلل اسما لكل شخص و الإطلال الإشراف على الشيء و ما بالناقة طل أي بها طرق و هو الشحم و طلة الرجل امرأته و أصل الباب الطل المطر .
الإعراب
« ابتغاء مرضاة الله » مفعول له و تثبيتا معطوف عليه بربوة الجار و المجرور في موضع الصفة لجنة « و أصابها وابل » في موضع جر لأنها صفة بعد صفة و ضعفين حال من أكل قال الزجاج ارتفع طل على معنى « فإن لم يصبها وابل » فالذي يصبها طل فعلى هذا يكون خبر مبتدإ محذوف و يجوز أن يكون فاعل فعل مقدر أي فيصيبها طل .
المعنى
« و مثل الذين ينفقون » أي يخرجون « أموالهم » في أعمال البر « ابتغاء مرضات الله » أي طلبا لرضاء الله « و تثبيتا من أنفسهم » بقوة اليقين و البصيرة في الدين عن سعيد بن جبير و السدي و الشعبي و قيل معناه أنهم يثبتون أين يضعون صدقاتهم عن الحسن و مجاهد و قيل معناه و توطينا لنفوسهم على الثبوت على طاعة الله عن أبي علي الجبائي و اعترض على الحسن و مجاهد بأنه لم يقل و تثبيتا و ليس هذا بشيء لأنهم إذا ثبتوا أنفسهم فقد ثبتوا و قوله « كمثل جنة بربوة » معناه كمثل بستان لمرتفع من الأرض و إنما خص الربوة لأن نبتها يكون أحسن و ريعها أكثر من المستغل الذي يسيل الماء إليه و يجتمع فيه فلا يطيب ريعه أ لم تر إلى قول الأعشى :
ما روضة من رياض الحزن معشبة
خضراء جاد عليها مسبل هطل فخص بها الحزن للمعنى الذي ذكرناه « أصابها وابل » أي أصاب هذه الجنة مطر شديد « فأتت أكلها ضعفين » أي فأعطت غلتها ضعفي ما تعطي إذا كانت بأرض مستغلة و يحتمل أن يكون معناه مرتين في كل سنة واحدة كما قال سبحانه « تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها » و معناه كل ستة أشهر فيما روي و قال أبو عبد الله (عليه السلام) معناه يتضاعف أجر من أنفق ماله ابتغاء مرضاة الله « فإن لم يصبها وابل » أي مطر شديد « فطل » أي أصابها مطر لين أراد به أن خيرها لا يخلف على كل حال و لا يرى الغبار عليها على كل حال و إنما ارتفع فطل على تقدير فالذي يصيبها طل « و الله بما تعملون بصير » معناه عالم بأفعالكم فيجازيكم بحسبها و قيل عالم بالمرائي و المخلص و فيه ترغيب و ترهيب .

(2/165)


أَ يَوَدُّ أَحَدُكمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيل وَ أَعْنَاب تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَرُ لَهُ فِيهَا مِن كلِّ الثَّمَرَتِ وَ أَصابَهُ الْكِبرُ وَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ ضعَفَاءُ فَأَصابَهَا إِعْصارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْترَقَت كَذَلِك يُبَينُ اللَّهُ لَكمُ الاَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ(266)
اللغة
الجنة البستان الكثير الشجر لأن الشجر يجنه بكثرته فيه و النخيل معروف و قيل أنه مأخوذ من نخل المنخل لاستخلاصه كاستخلاص اللباب بالنخل و النخل جمع نخلة و هي شجرة التمر و يذكر و يؤنث قال الله سبحانه كأنهم أعجاز نخل خاوية و أعجاز نخل منقعر و الانتخال الاختيار و التنخل التخير و أصل الباب النخل للدقيق و العنب ثمر الكرم و رجل عانب و عنب و رجل عناب عظيم الأنف و تحت نقيض فوق و في الحديث لا تقوم الساعة حتى يظهر التحوت أي الذين كانوا تحت أقدام الناس لا يشعر بهم ذلا و الأنهار جمع النهر و هو المجرى الواسع من مجاري الماء و الإصابة الوقوع على المقصد و الكبر حال زائدة على مقدار آخر و الفرق بين الكبير و الكثير أن الكثير مضمن بعدد و ليس كذلك الكبير تقول دار واحدة كبيرة و لا يجوز كثيرة و الضعيف يجمع على ضعفاء و ضعاف و الأعصار غبار يلتف بين السماء و الأرض كالتفاف الثوب في العصر قال الشاعر :
إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا ) و المعصرات السحب و الفكر جولان القلب بالخواطر يقال أفكر و فكر و تفكر بمعنى .
الإعراب
قوله « أ يود أحدكم أن تكون » عطف عليه بماض فقال « و أصابه الكبر » قال الفراء يجوز ذلك في يود لأنها تتلقى مرة بلو و مرة بأن فجاز أن تقدر إحداهما مكان الأخرى لاتفاق المعنى فكأنه قال أ يود أحدكم لو كانت له جنة قال علي بن عيسى و عندي أنه قد دل بأن على الاستقبال و يتضمن الكلام معنى لو على التمني كأنه قال قيل أ يحب أحدكم متمنيا له و التمني يقع على الماضي و المستقبل أ لا ترى أنه يصح أن يتمنى أن كان له ولد و يصح أن يتمنى أن يكون له ولد و المحبة لا تقع إلا على المستقبل و الفرق بين المودة و المحبة أن المودة قد تكون بمعنى التمني نحو قولك أود لو قدم زيد بمعنى أتمنى لو قدم و لا يجوز أحب لو قدم و من في قوله « من نخيل » للتبيين و هو في موضع رفع صفة لجنة .
« تجري من تحتها الأنهار » جملة في موضع رفع بكونها صفة لجنة إذا عادت الهاء إلى الجنة أو في محل جر لكونها صفة لنخيل إذا عادت الهاء إلى نخيل .

(2/166)


المعنى
« أ يود أحدكم أن تكون له جنة » أي بستان « من نخيل و أعناب تجري من تحتها الأنهار » أي يشتمل على النخيل و الأعناب و الأنهار الجارية « له فيها من كل الثمرات و أصابه الكبر » أي و لحقه الشيخوخة و طعن في السن « و له ذرية ضعفاء » أي أولاد صغار ناقصو القوة « فأصابها » أي أصاب تلك الجنة « إعصار » أي ريح شديدة تهب من الأرض نحو السماء مثل العمود و تسميها الناس الزوبعة « فيه نار » أي في ذلك الأعصار نار « فاحترقت » تلك الجنة و هذا مثل ضربه الله في الحسرة بسلب النعمة و اختلف فيه على وجوه ( أحدها ) أنه مثل المرائي في النفقة لأنه ينتفع بها عاجلا و ينقطع عنه آجلا أحوج ما يكون إليه عن السدي ( و ثانيها ) أنه مثل للمفرط في طاعة الله تعالى بملاذ الدنيا يحصل في الآخرة على الحسرة العظمى عن مجاهد و المراد به أن حاجته إلى الأعمال الصالحة كحاجة هذا الكبير الذي له ذرية ضعفاء إلى ثمار الجنة و قد احترقت فيكون أعظم حسرة لأن الكبير الذي قد يئس من سعي الشباب في كسبه فكان أضعف أملا و أشد حسرة كذلك من لم يكن له في الآخرة عمل صالح يوصله إلى الجنة فحسرته مثل ذلك ( و ثالثها ) أنه مثل للذي يختم عمله بفساد عن ابن عباس و كل هذه الوجوه تحتمله الآية « كذلك » أي كهذا البيان الذي بين لكم في أمر الصدقة و قصة إبراهيم و الذي مر على قرية و جميع ما سلف « يبين الله لكم الآيات » أي الدلالات التي تحتاجون إليها في أمور دينكم « لعلكم تتفكرون » أي تنظرون و تتفهمون .
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَنفِقُوا مِن طيِّبَتِ مَا كسبْتُمْ وَ مِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَ لا تَيَمَّمُوا الْخَبِيث مِنْهُ تُنفِقُونَ وَ لَستُم بِئَاخِذِيهِ إِلا أَن تُغْمِضوا فِيهِ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنىُّ حَمِيدٌ(267)
القراءة
قرأ ابن كثير غير القواس « و لا تيمموا » بتشديد التاء فيها و في أخواتها و هي أحد و ثلاثون موضعا من القرآن و الباقون تيمموا بالتخفيف .
الحجة
كلاهما بمعنى واحد كان ابن كثير رد الحرف الساقط في القراءة الأخرى و أدغم لأنه كان في الأصل تاءان تاء المخاطب و تاء الفعل فحذفت تاء الخطاب في

(2/167)


القراءة العامة لئلا يتكرر حرفان مثلان و تخف الكلمة .
اللغة
التيمم التعمد قال خفاف :
فعمدا على عيني تيممت مالكا ) و قال الأعشى :
تيممت قيسا و كم دونه
من الأرض من مهمة ذي شزن يقال أممت الشيء خفيفة و يممته و أممته و يممته و تيممته بمعنى أي قصدته و منه الإمام لأنه المقصود المعتمد و الإمام أيضا خيط البناء لأنه يمده و يعتمد بالبناء عليه و اليم لجة البحر لأنه يعتمد به البعيد من الأرض و اليمام الحمام لأنها تتعمد إلى أوكارها بحسن هدايتها و الخبيث الرديء من كل شيء و خبث الفضة و الحديد ما نفاه الكير لأنه ينفي الرديء و أصله الرداءة و الإغماض في البيع الحط من الثمن لعيب فيه و ذلك لإخفاء بعض الثمن بالحط له و الغموض الخفاء غمض يغمض فهو غامض و التغميض للعين أطباق الجفن و الغمض النوم و الغمض المطمئن من الأرض و أصل الباب الخفاء و الإغماض غمض البصر و أطباق جفن على جفن قال رؤبة :
أرق عيني عن الإغماض
برق سرى في عارض نهاض ثم صار عبارة عن التسامح و التساهل في البيع .
الإعراب
قال الفراء الأصل في « أن تغمضوا » أن مكسورة الهمزة لأن الكلام في معنى الجزاء و هو إن أغمضتم بعض الإغماض أخذتموه و مثل إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله و أنكر ذلك المحققون قالوا أن هذه التي بمعنى المصدر نحو أن تأتيني خير لك و المعنى و لستم ب آخذيه إلا لإغماضكم فيه .
النزول
روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنها نزلت في أقوام لهم أموال من ربا الجاهلية و كانوا يتصدقون منها فنهاهم الله عن ذلك و أمر بالصدقة من الطيب الحلال و قيل إنها نزلت في قوم كانوا يأتون بالحشف فيدخلونه في تمر الصدقة عن علي (عليه السلام) و البراء بن عازب و الحسن و قتادة .

(2/168)


المعنى
لما تقدم ذكر الإنفاق و بيان صفة المنفق و أنه يجب أن ينوي بالصدقة التقرب و أن يحفظها مما يبطلها من المن و الأذى بين تعالى صفة الصدقة و المتصدق عليه ليكون البيان جامعا فقال « يا أيها الذين آمنوا » خاطب المؤمنين « أنفقوا » أي تصدقوا « من طيبات ما كسبتم » أي من حلال ما كسبتم بالتجارة عن ابن مسعود و مجاهد و قيل من خياره و جياده و نظيره قوله « لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون » و روي عن عبيد بن رفاعة قال خرج علينا رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فقال يا معشر التجار أنتم فجار إلا من اتقى و بر و صدق و قال بالمال هكذا و هكذا و قال (عليه السلام) تسعة أعشار الرزق في التجارة و الجزء الباقي في السابياء و روت عائشة عنه أنه قال أطيب ما أكل الرجل من كسبه و أن ولده من كسبه و قال سعيد بن عمير سئل النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أي كسب الرجل أطيب قال عمل الرجل بيده و كل بيع مبرور و قال علي (عليه السلام) من اتجر بغير علم ارتطم في الربا ثم ارتطم و اختلفوا في ذلك على وجوه فقيل هذا أمر بالنفقة في الزكاة عن عبيدة السلماني و الحسن و قيل هو في الصدقة المتطوع بها لأن المفروض من الصدقة له مقدار من القيمة إن قصر عنه كان دينا عليه إلى أن يؤديه بتمامه و إن كان مال المزكي كله رديا فجائز له أن يعطي منه عن الجبائي و قيل هو الأصح أنه يدخل فيه الفرائض و النوافل و المراد به الإنفاق في سبيل الخير و أعمال البر على العموم و فيه دلالة على أن ثواب الصدقة من الحلال المكتسب أعظم منه من الحلال غير المكتسب و إنما كان ذلك لأنه يكون أشق عليه « و مما أخرجنا لكم من الأرض » أي و أنفقوا و أخرجوا من الغلات و الثمار مما يجب فيه الزكاة « و لا تيمموا الخبيث منه تنفقون » أي لا تقصدوا الرديء من المال أو مما كسبتموه أو أخرجه الله لكم من الأرض فتنفقون منه و قيل المراد بالخبيث هاهنا الحرام و يقوي القول الأول قوله « و لستم ب آخذيه إلا أن تغمضوا فيه » لأن الإغماض لا يكون إلا في الشيء الرديء دون ما هو حرام و فيه قولان ( أحدهما ) أن معناه لا تتصدقوا بما لا تأخذونه من غرمائكم إلا بالمسامحة و المساهلة فالإغماض هاهنا المساهلة عن البراء بن عازب ( و الآخر ) أن معناه بما لا تأخذونه إلا أن تحطوا من الثمن فيه عن الحسن و ابن عباس و قتادة و مثله قول الزجاج و لستم ب آخذيه إلا في وكس فكيف تعطونه في الصدقة « و اعلموا أن الله غني » عن صدقاتكم « حميد » أي مستحق للحمد على نعمه و قيل مستحمد إلى خلقه بما يعطيهم من النعم أي مستدع لهم إلى ما يوجب لهم الحمد و قيل أنه بمعنى الحامد أي أنه مع غناه

(2/169)


عنكم و عن صدقاتكم يقبلها منكم و يحمدكم عليها و حميد بهذا الموضع أليق من حليم كما أن حليما بالآية المتقدمة أليق من حميد لأنه سبحانه لما أمر بالإنفاق من طيبات المكاسب بين أنه غني عن ذلك و أنه يحمد فاعله إذا فعله على ما أمره به و معناه أنه يجازيه عليه .
الشيْطنُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَ يَأْمُرُكم بِالْفَحْشاءِ وَ اللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَ فَضلاً وَ اللَّهُ وَسِعٌ عَلِيمٌ(268)
اللغة
الفقر الحاجة و هو ضد الغنى و الفقر لغة فيه يقال أفقره الله إفقارا و افتقر افتقارا لأن الفقر بمنزلة كسر الفقار في تعذر المراد و الفقار عظام منتظمة في النخاع تسمى خرز الظهر واحدتها فقرة و الإفقار إعادة الدابة لتركب ثم ترد و الفاقرة الداهية لأنها تكسر الفقار و يقال وعدته الخير و وعدته بالخير وعدا و عدة و موعدة و موعدا و موعودا و موعودة و الفرق بين الوعد و الوعيد أن الوعيد في الشر خاصة و الوعد يصلح بالتقييد للخير و الشر معا غير أنه إذا أطلق اختص بالخير و كذلك إذ أبهم التقييد كما يقال وعدته بأشياء لأنه بمنزلة المطلق و الفحشاء الفحش و الفاحش البخيل قال طرفة :
أرى الموت يعتام الكرام و يصطفي
عقيلة مال الفاحش المتشدد قال علي بن عيسى الفحشاء المعاصي و إنما سمي البخيل فاحشا لأنه مسيء برده الأضياف و السؤال قال كعب :
أخي يا أخي لا فاحش عند بيته
و لا برم عند اللقاء هيوب .
المعنى
ثم حذر تعالى من الشيطان المانع من الصدقة فقال « الشيطان يعدكم الفقر » بالنفقة في وجوه البر و بإنفاق الجيد من المال و قيل بتأدية الزكاة عليكم في أموالكم « و يأمركم بالفحشاء » أي بالمعاصي و ترك الطاعات و قيل بالإنفاق من الرديء و سماه

(2/170)


فحشاء لأن فيه معصية الله تعالى فإن الغني إذا ترك الإنفاق على وجه ذوي الحاجات من أقاربه و جيرانه أدى ذلك إلى التقاطع « و الله يعدكم مغفرة منه » أي يعدكم بالإنفاق من خيار المال أن يستر عليكم و يصفح عن عقوبتكم « و فضلا » أي و يعدكم أن يخلف عليكم خيرا من صدقتكم و يتفضل عليكم بالزيادة في أرزاقكم و روي عن ابن عباس أنه قال اثنان من الله و اثنان من الشيطان فاللذان من الله المغفرة على المعاصي و الفضل في الرزق و اللذان من الشيطان الوعد بالفقر و الأمر بالفحشاء و روي عن ابن مسعود أنه قال للشيطان لمة و للملك لمة و روي مثله عن أبي عبد الله (عليه السلام) ثم قال فلمة الشيطان وعده بالفقر و أمره بالفحشاء و لمة الملك أمره بالإنفاق و نهيه عن المعصية « و الله واسع » ذكرناه معناه فيما تقدم و قيل واسع معناه يعطي عن سعة بمعنى إن عطيته لا تضره و لا تنقص خزائنه « عليم » بمن يستحق العطية و من لا يستحقها .
يُؤْتى الْحِكمَةَ مَن يَشاءُ وَ مَن يُؤْت الْحِكمَةَ فَقَدْ أُوتىَ خَيراً كثِيراً وَ مَا يَذَّكرُ إِلا أُولُوا الأَلْبَبِ(269)
القراءة
قرأ يعقوب من يؤت بكسر التاء و الباقون بفتحها .
الحجة
من كسر التاء فإنه أراد من يؤته الله الحكمة ففاعل يؤت الضمير المستكن فيه العائد إلى الله كما هو في قوله « يؤت الحكمة » و يؤيد هذه القراءة قراءة الأعمش و من يؤته الله و حذف ضمير المفعول الذي هو الهاء العائد إلى من الذي هو للجزاء و هو في موضع الرفع بالابتداء كما حذف الضمير العائد إلى الموصول في نحو قوله « أ هذا الذي بعث الله رسولا » و الأولى أن يكون من على هذه القراءة موصولة لتكون بمعنى الذي لا بمعنى الجزاء و أقول و بالله التوفيق يجوز أن يكون من للجزاء هاهنا و يكون في موضع نصب بكونه مفعولا أولا ليؤتي و لزمه التقديم على الفعل مع كونه مفعولا لنيابته عن حرف الشرط الذي له صدر الكلام و مثله من في قول زهير :
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب
تمته و من تخطىء يعمر فيهرم

(2/171)


و من قرأ « و من يؤت » بفتح التاء فاسم ما لا يسم فاعله هو الضمير المستكن العائد إلى من و يؤت مجزوم بمن و الجزاء « فقد أوتي خيرا » .
المعنى
ثم وصف تعالى نفسه فقال « يؤتي الحكمة » أي يؤتي الله الحكمة « من يشاء » و ذكر في معنى الحكمة وجوه قيل أنه علم القرآن ناسخه و منسوخه و محكمه و متشابهة و مقدمة و مؤخرة و حلاله و حرامه و أمثاله عن ابن عباس و ابن مسعود و قيل هو الإصابة في القول و الفعل عن مجاهد و قيل أنه علم الدين عن ابن زيد و قيل هو النبوة عن السدي و قيل هو المعرفة بالله تعالى عن عطاء و قيل هو الفهم عن إبراهيم و قيل هو خشية الله عن الربيع و قيل هو القرآن و الفقه عن أبي عبد الله (عليه السلام) و روي أيضا عن مجاهد و قيل هو العلم الذي تعظم منفعته و تجل فائدته و هذا جامع للأقوال و قيل هو ما آتاه الله أنبياءه و أممهم من كتابه و آياته و دلالاته التي يدلهم بها على معرفتهم به و بدينه و ذلك تفضل منه يؤتيه من يشاء عن أبي علي الجبائي و إنما قيل للعلم حكمة لأنه يمتنع به عن القبيح لما فيه من الدعاء إلى الحسن و الزجر عن القبيح و يروى عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال إن الله آتاني القرآن و آتاني من الحكمة مثل القرآن و ما من بيت ليس فيه شيء من الحكمة إلا كان خرابا ألا فتفقهوا و تعلموا فلا تموتوا جهالا « و من يؤت الحكمة » أي و من يؤت ما ذكرناه « فقد أوتي » أي أعطي « خيرا كثيرا و ما يذكر إلا أولوا الألباب » أي و ما يتعظ ب آيات الله إلا ذوو العقول فإن قيل لم عقد بأولي الألباب التذكر و كل مكلف ذو لب قيل لم تطلق على جميع المكلفين هذه الصفة لما فيها من المدحة فلذلك عقد التذكر بهم و هم الذين يستعملون ما توجبه عقولهم من طاعة الله في كل ما أمر به و دعا إليه و سمي العقل لبا لأنه أنفس ما في الإنسان كما أن لب الثمرة أنفس ما فيها .
وَ مَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَة أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْر فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَ مَا لِلظلِمِينَ مِنْ أَنصار(270)
اللغة
النذر هو عقد المرء على النفس فعل شيء من البر بشرط و لا ينعقد ذلك إلا بقوله لله علي كذا و لا يثبت بغير هذا اللفظ و أصل النذر الخوف لأنه يعقد ذلك على نفسه خوف التقصير في الأمر و منه نذر الدم و هو العقد على سفكه للخوف من مضرة صاحبه قال عمرو بن معديكرب :

(2/172)


هم ينذرون دمي و أنذر
إن لقيت بأن أشدا يقال نذرت النذر أنذره و أنذره و منه الإنذار و هو الإعلام بموضع العدو و الخوف ليتقى و الأنصار جمع نصير مثل شريف و أشراف و النصير هو المعين على العدو .
الإعراب
ما بمعنى الذي و ما بعدها صلتها و العائد إليها ضمير المفعول المحذوف من أنفقتم تقديره و ما أنفقتموه و هو في موضع رفع بالابتداء و خبره « فإن الله يعلمه » و العائد إلى المبتدأ من الخبر الهاء في يعلمه و لا يجوز أن يعود إلى النفقة لأنها مؤنثة و لا إلى النفقة و النذر لأن ذلك يوجب التثنية و أقول يجوز أن يكون ما للجزاء و يكون منصوبا بأنفقتم و لا يحتاج فيه إلى حذف المفعول فيكون التقدير أي شيء أنفقتم أو نذرتم و الفاء في موضع الجزاء من نفقة الجار و المجرور في محل النصب على الحال من أنفقتم أو نذرتم و الفاء في موضع الجزاء من نفقة الجار و المجرور في محل النصب على الحال من أنفقتم و ذو الحال ما .
المعنى
ثم عاد سبحانه إلى ذكر الإنفاق و الترغيب فيه فقال « و ما أنفقتم من نفقة » أي ما تصدقتم به من صدقة مما فرض الله عليكم و قيل معناه ما أنفقتم في وجوه الخير و سبل البر من نفقة واجبة أو مندوب إليها « أو نذرتم من نذر » أي ما أوجبتموه أنتم على أنفسكم بالنذر فوفيتم به من فعل بر مثل صلاة أو صوم أو صدقة و نحو ذلك « فإن الله يعلمه » معناه يجازي عليه لأنه عالم فدل ذكر العلم على تحقيق الجزاء إيجازا للكلام « و ما للظالمين » أي ليس للواضعين النفقة و النذر في غير موضعهما مثل أن ينفق رياء أو ضرارا أو شقاقا أو من مال مغصوب أو مأخوذ من غير حله أو بنذر في معصية أو يترك الوفاء به مع القدرة عليه « من أنصار » من أعوان يدفعون عذاب الله عنهم .
إِن تُبْدُوا الصدَقَتِ فَنِعِمَّا هِىَ وَ إِن تُخْفُوهَا وَ تُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيرٌ لَّكمْ وَ يُكَفِّرُ عَنكم مِّن سيِّئَاتِكمْ وَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(271)
القراءة
قرأ ابن عامر و أهل الكوفة غير عاصم فنعما هي بفتح النون و قرأ أهل المدينة غير ورش و أبو عمر و يحيى بكسر النون و سكون العين و قرأ الباقون « نعما » بكسر

(2/173)


النون و العين و كذلك في النساء نعما يعظكم و قرأ أهل المدينة و الكوفة غير عاصم و نكفر بالنون و الجزم و قرأ ابن عامر و حفص بالياء و الرفع و الباقون بالنون و الرفع .
الحجة
من قرأ فنعما هي فحجته أن أصل الكلمة نعم فجاء بالكلمة على أصلها كما قال :
نعم الساعون في الأمر المبر ) و من قرأ فنعما بسكون العين لم يكن قوله مستقيما عند النحويين لأن فيه الجمع بين ساكنين و الأول منهما ليس بحرف مد و لين و التقاء الساكنين إنما يجوز عندهم هناك نحو دابة و أصيم و تأمروني لأن ما في الحرف من المد يصير عوضا من الحركة و قد أنشد سيبويه شعرا قد اجتمع في الساكنان على حد ما اجتمعا في نعما و هو :
كأنه بعد كلال الزاجر
و مسحه مر عقاب كاسر و أنكره أصحابه و لعل من قرأ به أخفى ذلك كأخذه بالإخفاء في نحو بارئكم فظن السامع الإخفاء إسكانا للطف ذلك في السمع و خفائه و من قرأ « فنعما » فإنه أتبع العين النون فرارا من الجمع بين ساكنين و اختار أبو عبيدة قراءة أبي عمرو و قال هي لغة النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) في قوله لعمرو بن العاص نعما المال الصالح للرجل الصالح هكذا روي في الحديث بسكون العين و قوله و نكفر من رفعه فعلى وجهين ( أحدهما ) أن يكون خبر المبتدأ المحذوف و تقديره و نحن نكفر عنكم ( و الآخر ) أن يكون كلاما مستأنفا مقطوعا مما قبله و لا يكون الحرف العاطف للاشتراك و يكون لعطف جملة على جملة و أما من جزم فإنه يحمله على موضع « فهو خير لكم » و مثله قراءة من قرأ من يضلل الله فلا هادي له و يذرهم لأن قوله « فلا هادي له » في موضع جزم مثل قوله « فهو خير لكم » و أما الياء و النون في قوله و نكفر فمن قال « و يكفر » فلأن ما بعده على لفظ الإفراد و من قال و نكفر فإنه أتى بلفظ الجمع ثم أفرد كما أتى بلفظ الإفراد ثم جمع في قوله تعالى « سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام » ثم قال « باركنا حوله لنريه من آياتنا » .
اللغة
الفرق بين الصدقة و الزكاة أن الزكاة لا تكون إلا فرضا و الصدقة قد تكون

(2/174)


فرضا و قد تكون نفلا و الإخفاء الستر و الخفي الإظهار خفا يخفيه خفيا أي أظهره قال امرىء القيس :
فإن تدفنوا الداء لا نخفه
و إن تبعثوا الحرب لا نقعد و الخوافي من الريش ما دون القوادم لأنها تخفي بها و الخفية عرين الأسد لأنه يختفي فيها و أصل الباب الستر و الإبداء و الإظهار و الإعلان نظائر و الإخفاء و الإسرار و الإغماض نظائر .
الإعراب
قوله « فنعما هي » تقديره أن تبدوا الصدقات فنعم شيئا إبداؤها فما هاهنا نكرة موصوفة و هي في موضع نصب لأنه تفسير الفاعل المضمر قبل الذكر في نعم و الإبداء هو المخصوص بالمدح فحذف المضاف الذي هو الإبداء و أقيم المضاف إليه الذي هو ضمير الصدقات مقامه لما في الكلام من الدلالة عليه و لأن الفعل المتقدم يدل على مصدره و لأن قوله « و إن تخفوها و تؤتوها الفقراء فهو خير لكم » أي الإخفاء خير لكم فكما أن هنا ضمير الإخفاء كذلك يجب أن يكون ضمير الإبداء مرادا هناك .
المعنى
ثم ذكر تعالى صفة الإنفاق و رغب فيه بقوله « إن تبدوا الصدقات » معناه أن تظهروا الصدقات و تعلنوها « فنعما هي » أي فنعم الشيء و نعم الأمر إظهارها و إعلانها أي ليس في إبدائها كراهة « و إن تخفوها » أي تسروها « و تؤتوها الفقراء » أي تعطوها الفقراء و تؤدوها إليهم في السر « فهو خير لكم » أي فالإخفاء خير لكم و أبلغ في الثواب و اختلفوا في الصدقة التي يكون إخفاؤها أفضل من إبدائها فقيل أن صدقة التطوع إخفاؤها أفضل لأنه يكون أبعد من الرياء بإخفائها و أما المفروض فلا يدخله الرياء و يلحقه تهمة المنع بإخفائها فإظهارها أفضل عن ابن عباس و الثوري و كذا رواه علي بن إبراهيم بإسناده عن الصادق قال الزكاة بإخفائها المفروضة تخرج علانية و تدفع علانية و غير الزكاة إن دفعه سرا فهو أفضل و قيل الإخفاء في كل صدقة من زكاة و غيرها أفضل عن الحسن و قتادة و هو الأشبه بعموم الآية « و يكفر عنكم من سيئاتكم » معناه و نمحو عنكم خطيئاتكم و نغفرها لكم و من قرأ بالرفع فمعناه و نحن نكفر عنكم أو يكفر الله عنكم من سيئاتكم و دخلت من للتبعيض و احتج به من قال المراد بالسيئات الصغائر فأما على مذهبنا فأسقاط العقاب تفضل من الله فله أن يتفضل بإسقاط بعضه دون بعض فلو لم يدخل من لأفاد أنه يسقط جميع العقاب و قال بعضهم أن من زيادة و قد يقال كل من طعامي و خذ من مالي مما شئت فيكون للتعميم و الأول أولى و مما جاء في الحديث في صدقة السر قوله صدقة السر

(2/175)


تطفىء غضب الرب و تطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء النار و تدفع سبعين بابا من البلاء و قوله سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله الإمام العدل و الشاب الذي نشأ في عبادة الله تعالى و رجل قلبه يتعلق بالمساجد حتى يعود إليها و رجلان تحابا في الله و اجتمعا عليه و تفرقا عليه و رجل دعته امرأة ذات منصب و جمال فقال إني أخاف الله تعالى و رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لم تعلم يمينه ما تنفق شماله و رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه و قوله تعالى : « و الله بما تعملون خبير » معناه أنه تعالى عالم بما تعملونه في صدقاتكم من إخفائها و إعلانها لا يخفى عليه شيء من ذلك فيجازيكم على جميعه .
* لَّيْس عَلَيْك هُدَاهُمْ وَ لَكنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشاءُ وَ مَا تُنفِقُوا مِنْ خَير فَلأَنفُسِكمْ وَ مَا تُنفِقُونَ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَ مَا تُنفِقُوا مِنْ خَير يُوَف إِلَيْكمْ وَ أَنتُمْ لا تُظلَمُونَ(272)
الإعراب
« ما تنفقوا من خير فلأنفسكم » شرط و جزاء « و ما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله » قيل لفظه نفي و معناه النهي أي لا تنفقوا كقوله « لا يمسه إلا المطهرون » و قيل هي جملة مفيدة بنفسها معطوفة على ما قبلها و هو خبر على ظاهره و ابتغاء نصب لأنه مفعول له « و ما تنفقوا من خير يوف إليكم » شرط كالأول و لذلك حذف النون في الموضعين .
النزول
كان المسلمون يمتنعون عن الصدقة على غير أهل دينهم فأنزل الله تعالى هذه الآية عن ابن عباس و ابن الحنفية و سعيد بن جبير و قيل كانت أسماء بنت أبي بكر مع رسول الله في عمرة القضاء فجاءتها أمها فتيلة و جدتها تسألانها و هما مشركتان فقالت لا أعطيكما شيئا حتى أستأذن رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فإنكما لستما على ديني فاستأذنته في ذلك فأنزل الله هذه الآية عن الكلبي .
المعنى
« ليس عليك هداهم » قيل في وجه اتصاله بما قبله وجوه ( أحدها ) أن معناه ليس عليك هداهم بمنع الصدقة عنهم لتحملهم به على الإيمان و هو نظير قوله « أ فأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين » عن ابن عباس و سعيد بن جبير و على هذا

(2/176)


شئت فيكون للتعميم و الأول أولى و مما جاء في الحديث في صدقة السر قوله صدقة السر يكون معناه الإباحة للتصدق عليهم بصدقة التطوع ( و ثانيها ) أن معناه ليس عليك هداهم بالحمل على النفقة في وجوه البر و سبل الخير عن الحسن و أبي علي الجبائي و تقديره ليس عليك أن تهدي الناس إلى نيل الثواب و الجنة و إنما عليك أن تهديهم إلى الإيمان بأن تدلهم عليه و هذا تسلية للنبي لأنه كان يغتم بترك قبولهم منه و امتناعهم عن الإيمان لعلمه بما يؤول إليه أمرهم من العقاب الدائم فسلاه الله تعالى بهذا القول ( و ثالثها ) أن المراد ليس عليك أن تهدي الناس بعد أن دعوتهم و أنذرتهم و بلغتهم ما أمرت بتبليغه و نظيره إن عليك إلا البلاغ و ليس المعنى ليس عليك أن تهديهم إلى الإيمان و الطاعة لأنه ما بعث إلا لذلك « و لكن الله يهدي من يشاء » إنما علق الهداية بالمشيئة لمن كان المعلوم منه أنه يصلح باللطف أي بلطف الله بزيادة الهدى و التوفيق لمن يشاء عن الزجاج و أبي القاسم البلخي و أكثر أهل العلم و قيل معناه يهدي إلى طريق الجنة عن الجبائي « و ما تنفقوا من خير فلأنفسكم » أي ما تنفقوا في وجوه البر من مال فلأنفسكم ثوابه و الغرض فيه الترغيب في الإنفاق لأن الإنسان إذا علم أن منفعة إنفاقه عائدة إليه مختصة به كان أسمح بالإنفاق و أرغب فيه و أحرص عليه و بذلك يفارق عطية الله لأن المنفعة في عطائه عائدة إلى المعطي و مختصة به دون الله و معظم المنفعة في عطية العبد ترجع إليه و تختص به دون المعطى « و ما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله » أي إلا طلب رضوان الله و هذا إخبار من الله عن صفة إنفاق المؤمنين المخلصين المستجيبين لله و لرسوله أنهم لا ينفقون ما ينفقونه إلا طلبا لرضاء الله تعالى و قيل أن معناه النهي و إن كان ظاهره الخبر أي و لا تنفقوا إلا ابتغاء مرضاة الله و في ذكر الوجه هنا قولان ( أحدهما ) أن المراد به تحقيق الإضافة لأن ذكر الوجه يرفع الإبهام أنه له و لغيره و ذلك أنك لما ذكرت الوجه و معناه النفس دل على أنك تصرف الوهم عن الاشتراك إلى تحقيق الاختصاص و كنت بذلك محققا للإضافة و مزيلا لإيهام الشركة ( و الثاني ) أنك إذا قلت فعلته لوجه زيد كان أشرف في الذكر من فعلته له لأن وجه الشيء في الأصل أشرف ما فيه ثم كثر حتى صار يدل على شرف الذكر من غير تحقيق وجه أ لا ترى أنك تقول وجه الرأي و وجه الأمر و وجه الدليل فلا تريد تحقيق الوجه و إنما تريد أشرف ما فيه من جهة شدة ظهوره و حسن بيانه « و ما تنفقوا من خير يوف إليكم » أي يوفر عليكم جزاؤه و ثوابه و التوفية إكمال الشيء و إنما حسن إليكم مع التوفية لأنها تضمنت معنى التأدية و قيل معناه تعطون جزاءه وافرا وافيا في الآخرة عن ابن عباس « و أنتم لا تظلمون » بمنع ثوابه و لا بنقصان جزائه كقوله آتت أكلها و لم تظلم منه شيئا أي لم تنقص .

(2/177)


لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فى سبِيلِ اللَّهِ لا يَستَطِيعُونَ ضرْباً فى الأَرْضِ يحْسبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ لا يَسئَلُونَ النَّاس إِلْحَافاً وَ مَا تُنفِقُوا مِنْ خَير فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ(273)
القراءة
قرأ حمزة و عاصم و أبو جعفر و ابن عامر يحسبهم بفتح السين كل القرآن و الباقون بكسرها .
اللغة
قال أبو زيد حسبت الشيء أحسبه و أحسبه حسبانا و حسبت الشيء أحسبه حسابا و حسابة و حسبانا و أحسبت الرجل إحسابا إذا أطعمته و سقيته حتى يشبع و يروى و تعطيه حتى يرضى و الإحصار المنع عن التصرف لمرض أو حاجة أو مخافة و الحصر هو منع الغير و ليس كالأول لأنه منع النفس و قد تقدم تفسيره عند قوله « فإن أحصرتم » و الضرب المشي في الأرض و السيماء العلامة التي يعرف بها الشيء و أصله الارتفاع لأنه علامة رفعت للظهور و منه السوم في البيع و هو الزيادة في مقدار الثمن للارتفاع فيه عن الحد و منه سوم الخسف للرفع فيه بتحميل ما يشق و منه سوم الماشية إرسالها في المرعى و التعفف ترك السؤال يقال عف عن الشيء و تعفف عنه إذا تركه و منه قول رؤبة :
فعف عن أسرارها بعد العسق ) أي تركها و الإلحاف الإلحاح في المسألة قال الزجاج معنى ألحف شمل بالمسالة و هو مستغن عنها و اللحاف من هذا اشتقاقه لأنه يشمل الإنسان في التغطية .
الإعراب
العامل في قوله « للفقراء » محذوف و تقديره النفقة للفقراء و قد تقدم ما يدل عليه و قال بعضهم هو مردود على اللام الأولى من قوله « و ما تنفقوا من خير فلأنفسكم » قال علي بن عيسى و هذا لا يجوز لأن بدل الشيء من غيره لا يكون إلا و المعنى يشتمل عليه و ليس كذلك ذكر النفس هاهنا لأن الإنفاق لها من حيث هو عائد إليها و للفقراء من حيث هو واصل إليهم و ليس من باب و لله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا لأن الأمر لازم للمستطيع خاصة و لا يجوز أن يكون العامل فيه تنفقوا لأنه لا

(2/178)


يفصل بين العامل و المعمول فيه بالأجنبي كما لا يجوز كانت زيدا الحمى تأخذه « لا يستطيعون ضربا » جملة في موضع الحال من أحصروا و ضربا مفعول يستطيع « يحسبهم الجاهل » في موضع الحال أيضا و ذو الحال الفقراء و إلحافا مصدر وضع موضع الحال من يسألون أي لا يسألون ملحفين و يجوز أن يكون مصدرا لأن الإلحاف سؤال على صفة .
النزول
قال أبو جعفر (عليه السلام) نزلت الآية في أصحاب الصفة و كذلك رواه الكلبي عن ابن عباس و هم نحو من أربعمائة رجل لم يكن لهم مساكن بالمدينة و لا عشائر يأوون إليهم فجعلوا أنفسهم في المسجد و قالوا نخرج في كل سرية يبعثها رسول الله فحث الله الناس عليهم و كان الرجل إذا أكل و عنده فضل أتاهم به إذا أمسى .
المعنى
لما أمر سبحانه بالنفقة و رغب فيها بأبلغ وجوه الترغيب و بين ما يكمل ثوابها عقب ذلك ببيان أفضل الفقراء الذين هم مصرف الصدقات فقال « للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله » معناه النفقة المذكورة في هذه الآية و ما قبلها للفقراء الذين حبسوا و منعوا في طاعة الله أي منعوا أنفسهم من التصرف في التجارة للمعاش إما لخوف العدو من الكفار و إما للمرض و الفقر و إما للإقبال على العبادة و قوله « في سبيل الله » يدل على أنهم حبسوا أنفسهم عن التقلب لاشتغالهم بالعبادة و الطاعة « لا يستطيعون ضربا » أي ذهابا و تصرفا « في الأرض » لبعض ما ذكرناه من المعاني و قيل لمنع أنفسهم من التصرف في التجارة أي ألزموا أنفسهم الجهاد في سبيل الله فلا يقع منهم التصرف لغيره و ليس معناه أنهم لا يقدرون عليه كما يقال أمرني الأمير بالمقام في هذا الموضع فلا أستطيع أن أبرح منه أي لا أبرح منه لإلزامي نفسي طاعة الأمير « يحسبهم الجاهل » أي يظنهم الجاهل بحالهم و باطن أمورهم « أغنياء من التعفف » أي الامتناع من السؤال و التجمل في اللباس و الستر لما هم فيه من الفقر و سوء الحال طلبا لرضوان الله و طمعا في جزيل ثوابه « تعرفهم بسيماهم » أي تعرف حالهم بالنظر إلى وجوههم لما يرى من علامة الفقر عن السدي و الربيع و قيل لما يرى من التخشع و الخضوع الذي هو شعار الصالحين عن مجاهد « لا يسألون الناس إلحافا » قيل معناه أنهم لا يسألون الناس أصلا و ليس معناه أنهم يسألون من غير إلحاف عن ابن عباس و هو قول الفراء و الزجاج و أكثر أرباب المعاني و في الآية ما يدل عليه و هو قوله « يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف » في المسألة و لو كانوا يسألون لم يكن يحسبهم الجاهل أغنياء لأن السؤال في الظاهر يدل على الفقر و قوله أيضا « تعرفهم بسيماهم » و لو سألوا لعرفوا بالسؤال قالوا و إنما هو كقولك ما رأيت مثله و أنت لم ترد أن له

(2/179)


مثلا ما رأيته و إنما تريد أنه ليس له مثل فيرى فمعناه لم يكن سؤال فيكون إلحاح كقول الأعشى :
لا يغمز الساق من أين و من نصب
و لا يعض على شرسوفه الصفر و معناه ليس بساقها أين و لا نصب فيغمزها ليس أن هناك أينا و لا يغمز و في الحديث أن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده و يكره البؤس و التباؤس و يحب الحليم المتعفف من عباده و يبغض الفاحش البذيء السائل الملحف و عنه (عليه السلام) قال إن الله كره لكم ثلاثا قيل و قال ، و كثرة السؤال ، و إضاعة المال ، و نهي عن عقوق الأمهات و وأد البنات و عن منع و هات و قال (عليه السلام) الأيدي ثلاث فيد الله العليا و يد المعطي التي تليه و يد السائل السفلى إلى يوم القيامة و من سأل و له ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة كدوحا أو خموشا أو خدوشا في وجهه قيل و ما غناه قال خمسون درهما أو عدلها من الذهب « و ما تنفقوا من خير » من مال و قيل معناه في وجوه الخير « فإن الله به عليم » أي يجازيكم عليه .
الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم بِالَّيْلِ وَ النَّهَارِ سِرًّا وَ عَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ(274)
الإعراب
« سرا و علانية » حالان من ينفقون و تقديره مسرين و معلنين فهما اسمان وضعا موضع المصدر « عند ربهم » ظرف مكان و العامل فيه ما يتعلق به اللام من لهم .
النزول
قال ابن عباس نزلت الآية في علي (عليه السلام) كانت معه أربعة دراهم فتصدق بواحد نهارا و بواحد ليلا و بواحد سرا و بواحد علانية و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) و أبي جعفر (عليه السلام) و روي عن أبي ذر و الأوزاعي أنها نزلت في النفقة على الخيل في سبيل الله و قيل هي عامة في كل من أنفق ماله في طاعة الله على هذه الصفة و على هذا فإنا نقول الآية نزلت في علي (عليه السلام) و حكمها سائر في كل من فعل مثل فعله و له فضل السبق إلى ذلك .
المعنى
ثم بين سبحانه كيفية الإنفاق و ثوابه فقال « الذين ينفقون أموالهم بالليل و النهار سرا و علانية » في هذه الحالات أي ينفقون على الدوام لأن هذه الأوقات معينة

(2/180)


للصدقات و لا وقت لها سواها « فلهم أجرهم عند ربهم » أتى بالفاء ليدل على أن الجزاء إنما هو من أجل الإنفاق في طاعة الله و لا يجوز أن يقال زيد فله درهم لأنه ليس فيه معنى الجزاء « و لا خوف عليهم » من أهوال يوم القيامة و أفزاعها « و لا هم يحزنون » فيها و قيل لا خوف من فوت الأجر و نقصانه عليهم و لا هم يحزنون على ذلك .
الَّذِينَ يَأْكلُونَ الرِّبَوا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطهُ الشيْطنُ مِنَ الْمَس ذَلِك بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَوا وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبَوا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سلَف وَ أَمْرُهُ إِلى اللَّهِ وَ مَنْ عَادَ فَأُولَئك أَصحَب النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ(275)
اللغة
أصل الربا الزيادة من قولهم ربا الشيء يربو إذا زاد و الربا هو الزيادة على رأس المال و أربى الرجل إذا عامل في الربا و منه الحديث من أجبى فقد أربى و أصل التخبط الخبط و هو الضرب على غير استواء خبطته أخبطه خبطا و الخبط ضرب البعير الأرض بيده و التخبط أيضا بمعناه يقال تخبط البعير الأرض إذا ضربها بقوائمه و يقال للذي يتصرف في أمر و لا يهتدي فيه هو يخبط خبط عشواء قال زهير :
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب
تمته و من تخطىء يعمر فيهرم و التخبط المس بالجنون و التخبل لأنه كالضرب على غير استواء في الإدهاش و الخباط داء كالجنون لأنه اضطراب في العقل يقال به خبطة من جنون و يقال بفلان مس و ألس و أولق أي جنون و السلوف التقدم يقال سلف يسلف سلوفا و منه الأمم السالفة أي الماضية و السالفة أعلى العنق و الإسلاف الإعطاء قبل الاستحقاق يقال أسلفته إسلافا ، و سلافة الخمر صفوها لأنه أول ما يخرج من عصيرها و العود الرجوع و عيادة المريض

(2/181)


المصير إليه ليعرف خبره و العود من العيدان لأنه يعود إذا قطع و منه العود الذي يتبخر به و المعاد كل شيء إليه المصير و الآخرة معاد الناس و العادة تكرر الشيء مرة بعد مرة و العيد كل يوم مجمع عظيم لأنه يعود في السنة أو الأسبوع و العائدة الصلة لأنها تعود بالنفع على صاحبها .
الإعراب
« كما يقوم » الكاف في محل النصب على المصدر و الموصول حرف تقديره « لا يقومون » إلا مثل قيام « الذي يتخبطه الشيطان » و « من المس » يتعلق بيتخبط و من للتبيين .
المعنى
لما حث الله تعالى على الإنفاق و بين ما يحصل للمنفق من الأجر العاجل و الآجل عقبه بذكر الربا الذي ظنه الجاهل زيادة في المال و هو في الحقيقة محق في المال فقال « الذين يأكلون الربا » في الدنيا « لا يقومون » يوم القيامة « إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس » معناه إلا مثل ما يقوم الذي يصرعه الشيطان من الجنون فيكون ذلك أمارة لأهل الموقف على أنهم أكلة الربا عن ابن عباس و الحسن و سعيد بن جبير و قتادة و مجاهد و قيل إن هذا على وجه التشبيه لأن الشيطان لا يصرع الإنسان على الحقيقة و لكن من غلب عليه المرة السود أو ضعف عقله ربما يخيل الشيطان إليه أمورا هائلة و يوسوس إليه فيقع الصرع عند ذلك من فعل الله و نسب ذلك إلى الشيطان مجازا لما كان ذلك عند وسوسته عن أبي علي الجبائي و قيل يجوز أن يكون الصرع من فعل الشيطان في بعض الناس دون بعض عن أبي الهذيل و ابن الإخشيد قالا لأن الظاهر من القرآن يشهد به و ليس في العقل ما يمنع منه و لا يمنع الله تعالى الشيطان عنه امتحانا لبعض الناس و عقوبة لبعضهم على ذنب ألم به و لم يتب منه كما يتسلط بعض الناس على بعض فيظلمه و يأخذ ماله و لا يمنعه الله تعالى منه و يكون هذا علامة لآكلي الربا يعرفون بها يوم القيامة كما أن على كل عاص من معصيته علامة تليق به فيعرف بها صاحبها و على كل مطيع من طاعته أمارة تليق به فيعرف بها صاحبها و ذلك معنى قوله تعالى « فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس و لا جان » و قال النبي في شهداء أحد زملوهم بدمائهم و ثيابهم و قال (عليه السلام) يبعث أمتي يوم القيامة من قبورهم غرا محجلين من آثار الوضوء و روي عنه (عليه السلام) أنه لما قال أسري بي إلى السماء رأيت رجالا بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم فقلت من هؤلاء يا جبرائيل قال هؤلاء أكلة الربا و رواه أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لما أسري بي إلى السماء رأيت أقواما يريد أحدهم أن

(2/182)


يقوم و لا يقدر عليه من عظم بطنه فقلت من هؤلاء يا جبرائيل قال هؤلاء « الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس » و إذا هم بسبيل آل فرعون يعرضون على النار غدوا و عشيا يقولون ربنا متى تقوم الساعة و الوعيد في الآية متوجه إلى كل من أربى و إن لم يأكله و لكنه تعالى نبه بذكر الأكل على سائر وجوه الانتفاع بمال الربا و إنما خص الأكل لأنه معظم المقاصد من المال و نظيره قوله « و لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل » و قوله « إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما » الآية و المراد بالأكل في الموضعين سائر وجوه الانتفاع دون حقيقة الأكل « ذلك » أي ذلك العقاب لهم « بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا » معناه بسبب قولهم إنما البيع الذي لا ربا فيه مثل البيع الذي فيه الربا قال ابن عباس كان الرجل منهم إذا حل دينه على غريمه فطالبه به قال المطلوب منه له زدني في الأجل و أزيدك في المال فيتراضيان عليه و يعملان به فإذا قيل لهم هذا ربا قالوا هما سواء يعنون بذلك أن الزيادة في الثمن حال البيع و الزيادة فيه بسبب الأجل عند محل الدين سواء فذمهم الله به و ألحق الوعيد بهم و خطأهم في ذلك بقوله « و أحل الله البيع و حرم الربا » أي أحل الله البيع الذي لا ربا فيه و حرم البيع الذي فيه الربا و الفرق بينهما أن الزيادة في أحدهما لتأخير الدين و في الآخر لأجل البيع و أيضا فإن البيع بدل البدل لأن الثمن فيه بدل المثمن و الربا زيادة من غير بدل للتأخير في الأجل أو زيادة في الجنس و المنصوص عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) تحريم التفاضل في ستة أشياء الذهب و الفضة و الحنطة و الشعير و التمر و الملح و قيل الزبيب قال (عليه السلام) إلا مثلا بمثل يدا بيد من زاد و استزاد فقد أربى لا خلاف في حصول الربا في هذه الأشياء الستة و في غيرها خلاف بين الفقهاء و هو مقيس عليها عندهم و عندنا أن الربا لا يكون إلا فيما يكال أو يوزن و أما علة تحريم الربا فقد قيل هي أن فيه تعطيل المعايش و الإجلاب و المتاجر إذا وجد المربى من يعطيه دراهم و فضلا بدراهم و قال الصادق (عليه السلام) إنما شدد في تحريم الربا لئلا يمتنع الناس من اصطناع المعروف قرضا أو رفدا « فمن جاءه موعظة من ربه » معناه فمن جاءه زجر و نهي و تذكير من ربه « فانتهى » أي فانزجر و تذكر و اعتبر « فله ما سلف » معناه فله ما أخذ و أكل من الربا قبل النهي لا يلزمه رده قال الباقر (عليه السلام) من أدرك الإسلام و تاب مما كان عمله في الجاهلية وضع الله عنه ما سلف و قال السدي معناه له ما أكل و ليس عليه رد ما سلف فأما ما لم يقبض بعد فلا يجوز له أخذه و له رأس المال و قوله « جاءه موعظة » و قال في موضع آخر « قد جاءتكم موعظة » لأن تأنيثه غير حقيقي فإن الموعظة و الوعظ بمعنى واحد « و أمره إلى الله » معناه و أمره بعد مجيء الموعظة و التحريم و الانتهاء إلى الله إن شاء

(2/183)


عصمه عن أكله و ثبته في انتهاءه عنه و إن شاء خذله و قيل معناه و أمره في حكم الآخرة إلى الله تعالى إن لم يتب و هو غير مستحل له إن شاء عذبه بعدله و إن شاء عفا عنه بفضله و قيل معناه أمره إلى الله فلا يؤاخذه بما سلف من الربا « و من عاد » إلى أكل الربا بعد التحريم و قال ما كان يقوله قبل مجيء الموعظة من أن البيع مثل الربا « فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون » لأن ذلك القول لا يصدر إلا من كافر مستحل للربا فلهذا توعد بعذاب الأبد و لا خلاف بين الفقهاء إن الربا محرم في النقد و النسيئة و قال بعض من تقدم لا ربا إلا في النسيئة و أما أهل الجاهلية فإنهم كانوا يربون بتأخير الدين عن محله إلى محل آخر بزيادة فيه و لا خلاف في تحريمه و مما جاء في الحديث في الربا ما روي عن علي (عليه السلام) أنه قال لعن رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) في الربا خمسة آكله و موكلة و شاهديه و كاتبه و عنه (عليه السلام) قال إذا أراد الله بقرية هلاكا ظهر فيهم الربا و عنه (عليه السلام) قال الربا سبعون بابا أهونها عند الله كالذي ينكح أمه و روي جميل بن دراج عن أبي عبد الله قال درهم ربا أعظم عند الله من سبعين زنية كلها بذات محرم في بيت الله الحرام .
يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَوا وَ يُرْبى الصدَقَتِ وَ اللَّهُ لا يُحِب كلَّ كَفَّار أَثِيم(276)
اللغة
المحق نقصان الشيء حالا بعد حال يقال محقه الله يمحقه محقا فانمحق و امتحق أي هلك و تلف بذهابه حالا بعد حال و المحاق آخر الشهر لانمحاق الهلال فيه و الأثيم المتمادي في الإثم و الآثم الفاعل للإثم .
المعنى
ثم أكد سبحانه ما تقدم بقول « يمحق الله » أي ينقص الله « الربا » حالا بعد حال إلى أن يتلف المال كله و قال ابن عباس معناه يهلكه و يذهب ببركته و قيل للصادق (عليه السلام) و قد يرى الرجل يربي فيكثر ماله فقال يمحق الله دينه و إن كثر ماله و قال أبو القاسم البلخي يمحقه الله في الدنيا بسقوط عدالته و الحكم بفسقه و التسمية بالفسق « و يربي الصدقات » أي و ينمي الصدقات و يزيدها بأن يثمر المال في نفسه في العاجل و بالأجر عليه و الثواب في الأجل و ذلك بحسب الانتفاع بها و حسن النية فيها و قد روي عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال أن الله تعالى يقبل الصدقات و لا يقبل منها إلا الطيب و يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم مهره أو فصيله حتى أن اللقمة لتصير مثل أحد و النكتة في الآية أن المربي إنما يطلب بالربى زيادة المال و مانع الصدقة إنما يمنعها لطلب زيادة المال فبين الله سبحانه أن الربا سبب النقصان دون النماء و إن الصدقة سبب النماء دون النقصان « و الله لا

(2/184)


يحب كل كفار أثيم » الكفار فعال من الكفر و هو المقيم عليه المستمسك به المعتاد له و معناه و الله يبغض كل كفار لنعمته باستجلال الربا منهمك في غوايته متماد في إثمه بأكله و إنما لم يقل كل كافر لأنه إذا استحل الربا صار كافرا لأنه إذا كثر أكله للربا مع الاستحلال فقد ضم كفرا إلى كفر و إذا استحل الربا و لم يعقد عقد الربا لم يلحقه من المندمة ما يلحق من جمع بين الأمرين فالجامع بين الأمرين يستدعي من غضب الله ما لا يستدعيه أحد الأمرين و روي عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال يأتي على الناس زمان لا يبقى أحد إلا أكل الربا فمن لم يأكله أصابه من غباره .
إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ وَ أَقَامُوا الصلَوةَ وَ ءَاتَوُا الزَّكوةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ(277)
المعنى
هذه الآية ظاهرة المعنى و قد مر تفسيرها فيما مضى و إنما جمع بين هذه الخصال لا لأن الثواب لا يستحق على كل واحدة منها إذ لو كان كذلك لكان فيه تصغير من كل واحدة منها و لكن جمع بينها للترغيب في الأعمال الصالحة و التفخيم لأمرها و التعظيم لشأنها أو لبيان أن الجمع بين هذه الخصال أعظم أجرا من الأفراد بواحدة منها و نظيره قوله سبحانه و الذين لا يدعون مع الله إلها آخر و لا يقتلون النفس التي حرم الله الآية فجمع بين هذه الخصال في الوعيد ليبين أن الوعيد يستحق بكل واحدة منها و للتحذير عن كل خصلة منها لأن من المعلوم أن من دعا مع الله إلها آخر لا يحتاج إلى شرط عمل آخر في استحقاق الوعيد إذ لو كان الوعيد إنما يستحق بمجموع تلك الخصال لكان فيه تسهيل لكل واحد منها و قد ذكرنا أن أمثال هذه الآية تدل على أن الإيمان ليس من أفعال الجوارح و لا مشتملا عليها إذ لو كان كذلك لما صار لعطفها عليه معنى لأن الشيء لا يعطف على نفسه فإن قالوا إن ذلك يجري مجرى قوله « الذين كفروا و صدوا عن سبيل الله » « و الذين كفروا و كذبوا ب آياتنا » فنقول إن الخلاف هاهنا كالخلاف هناك لأن التكذيب عندنا ليس بالكفر نفسه و إنما هو دلالة على الكفر و كذلك الصد عن سبيل الله و استدل بهذه الآية و أمثالها في بطلان التحابط لأنه تعالى ضمن الثواب بنفس هذه الخصال و لم يشترط أن لا يؤتى بما يحبطها فإن قالوا لا بد من هذا الشرط كما أن الوعيد على الكفر لا بد أن يكون مشروطا بارتفاع التوبة فالجواب أن التوبة إنما صارت شرطا هناك لمكان إجماع المسلمين

(2/185)


لا لأن التوبة مسقطة للعقاب و إنما وعد الله تعالى بإسقاط العقاب عندها تفضلا منه سبحانه و لا إجماع على ما ادعوه من الشرط في آيات الوعد فبان الفرق بين الأمرين .
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ ذَرُوا مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْب مِّنَ اللَّهِ وَ رَسولِهِ وَ إِن تُبْتُمْ فَلَكمْ رُءُوس أَمْوَلِكمْ لا تَظلِمُونَ وَ لا تُظلَمُونَ(279)
القراءة
قرأ عاصم برواية أبي بكر غير ابن غالب و البرجمي و حمزة فأذنوا بالمد و كسر الذال و الباقون « فأذنوا » .
و قرىء في الشواذ لا تظلمون و لا تظلمون .
الحجة
قال سيبويه آذنت أعلمت و أذنت و التأذين النداء و التصويت بالإعلام قال و بعض العرب يجري آذنت مجرى أذنت الذي معناه التصويت و النداء قال أبو عبيدة آذنتك بحرب فأذنت به تأذن إذنا أي علمت فمن قرأ « فأذنوا بحرب من الله » فقصر فالمعنى اعلموا بحرب من الله و المعنى أنكم في امتناعكم من وضع ذلك حرب من الله و رسوله و من قرأ فأذنوا فتقديره فاعلموا من لم ينته عن ذلك بحرب فالمفعول محذوف على قوله و إذا أمروا بإعلام غيرهم علموا هم أيضا لا محالة ففي أمرهم بإعلام ما يعلمون هم أيضا أنهم حرب إن لم يمتنعوا عما نهوا عنه و ليس في علمهم دلالة على إعلام غيرهم فهو في الإبلاغ آكد .
الإعراب
« إن كنتم مؤمنين » جواب الشرط محذوف تقديره إن كنتم مؤمنين فذروا ما بقي من الربا و موضع « لا تظلمون » نصب على الحال من لكم و التقدير فلكم رءوس أموالكم غير ظالمين و لا مظلومين .
النزول
روي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أن الوليد بن المغيرة كان يربي في الجاهلية و قد بقي له بقايا على ثقيف فأراد خالد بن الوليد المطالبة بها بعد أن أسلم فنزلت الآية و قال السدي و عكرمة نزلت في بقية من الربا كانت للعباس و خالد بن الوليد و كانا

(2/186)


شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا إلى بني عمرو بن عمير ناس من ثقيف فجاء الإسلام و لهما أموال عظيمة في الربا فأنزل الله هذه الآية فقال النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) على أن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع و أول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب و كل دم من دم الجاهلية موضوع و أول دم أضعه دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب كان مرضعا في بني ليث فقتله هذيل و قال مقاتل نزلت في أربعة إخوة من ثقيف مسعود و عبد ياليل و حبيب و ربيعة و هم بنو عمرو بن عمير بن عوف الثقفي و كانوا يداينون بني المغيرة و كانوا يربون فلما ظهر النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) على الطائف و صالح ثقيفا أسلم هؤلاء الإخوة الأربعة فطلبوا رباهم من بني المغيرة و اختصموا إلى عتاب بن أسيد عامل رسول الله على مكة فكتب عتاب إلى النبي بالقصة فأنزل الله الآية .
المعنى
ثم بين سبحانه حكم ما بقي من الربا فقال « يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله » في أمر الربا و في جميع ما نهاكم عنه « و ذروا ما بقي من الربا » أي و اتركوا ما بقي من الربا فلا تأخذوه و اقتصروا على رءوس أموالكم و قوله « إن كنتم مؤمنين » معناه من كان مؤمنا فهذا حكمه فأما من ليس بمؤمن فإنه يكون حربا و قيل معناه إن كنتم مؤمنين بتحريم الربا مصدقين به و بما فيه من المفسدة التي يعلمها الله « فإن لم تفعلوا » أي فإن لم تقبلوا أمر الله و لم تنقادوا له و لم تتركوا بقية الربا بعد نزول الآية بتركه « فأذنوا بحرب من الله و رسوله » أي فأيقنوا و اعلموا بقتال من الله و رسوله و المعنى أيقنوا أنكم تستحقون القتل في الدنيا و النار في الآخرة لمخالفة أمر الله و رسوله و من قرأ فأذنوا فمعناه فاعلموا من لم ينته عن ذلك بحرب و معنى الحرب عداوة الله و عداوة رسوله و هذا إخبار بعظم المعصية و روي عن ابن عباس و قتادة و الربيع أن من عامل بالربا استتابه الإمام فإن تاب و إلا قتله و قال الصادق آكل الربا يؤدب بعد البينة فإن عاد أدب و إن عاد قتل « و إن تبتم » من استحلال الربا و أقررتم بتحريمه « فلكم رءوس أموالكم » دون الزيادة « لا تظلمون » بأخذ الزيادة على رأس المال « و لا تظلمون » بالنقصان من رأس المال .
وَ إِن كانَ ذُو عُسرَة فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسرَة وَ أَن تَصدَّقُوا خَيرٌ لَّكمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(280)
القراءة
قرأ أبو جعفر عسرة بضم السين و الباقون « عسرة » بإسكانها و هما لغتان و قرأ

(2/187)


زيد عن يعقوب ميسرة بضم السين مضافا إلى الهاء و روي ذلك عن مجاهد و قرأ عاصم تصدقوا بتخفيف الصاد و الباقون بتشديدها و قد تقدم الكلام في مثله فإن الأصل في القراءتين تتصدقوا فخفف في إحداهما بحذف إحدى التاءين و في الأخرى بالإدغام .
اللغة
النظرة التأخير و هو اسم قام مقام الإنظار مثل أخرة يقال بعته بأخرة و بنظرة أي بنسيئة و رأيت فلانا بأخرة الناس أي في آخرهم و الميسرة و الميسور بمعنى اليسار و الغنى و السعة و ما روي من قراءة من قرأ إلى ميسرة فلم يجزه البصريون لأن مفعل لا يجيء في الآحاد إلا بالتاء و قد جاء في الجمع قال جميل :
بثين الزمي لا إن لا إن لزمته
على كثرة الواشين أي معون و روي :
أبلغ النعمان عني مالكا
أنه قد طال حبسي و انتظاري و الأول جمع معونة و م آلك جمع مألكة و هي الرسالة و مثل هذا الذي نقل لا يتعد به سيبويه فربما أطلق القول و قال ليس في الكلام كذا و إن كان قد جاء عليه حرف أو حرفان .
الإعراب
كان هذه هي التامة و هي التي تتم بفاعلها و يكتفي به و تقديره و إن وقع ذو عسرة و قيل هي ناقصة محذوفة الخبر و تقديره و إن كان ذو عسرة غريما لكم و كان يجوز لو قرىء و إن كان ذا عسرة أي و إن كان الذي عليه الدين ذا عسرة و روي ذلك في الشواذ عن أبي فنظرة مرفوعة لأنها خبر مبتدإ محذوف و الفاء فيه للجزاء و تقديره فالذي تعاملونه به نظرة « و أن تصدقوا » في موضع رفع بأنه مبتدأ و خبره « خير لكم » .
المعنى
لما أمر سبحانه بأخذ رأس المال من الموسر بين بعده حال المعسر فقال « و إن كان ذو عسرة » معناه و إن وقع في غرمائكم ذو عسرة و يجوز أن يكون تقديره و إن كان غريما لكم ذو عسرة « فنظرة » أي فالذي تعاملونه به نظرة « إلى ميسرة » أي إلى وقت اليسار أي فالواجب نظرة صيغة الخبر و المراد به الأمر أي فانظروه إلى وقت يساره و اختلف في حد الإعسار فروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال هو إذا لم يقدر على ما يفضل من قوته و قوت عياله على الاقتصاد و قال أبو علي الجبائي هو التعذر بالإعدام أو بكساد المتاع

(2/188)


أو نحوه و اختلف في وجوب إنظار المعسر على ثلاثة أقوال ( أحدها ) أنه واجب في كل دين عن ابن عباس و الضحاك و الحسن و هو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) و أبي عبد الله ( و ثانيها ) أنه واجب في دين الربا خاصة عن شريح و إبراهيم النخعي ( و ثالثها ) أنه واجب في دين الربا بالآية و في كل دين بالقياس عليه و قال الباقر (عليه السلام) « إلى ميسرة » معناه إلى أن يبلغ خبره الإمام فيقضي عنه من سهم الغارمين إذا كان أنفقه في المعروف « و أن تصدقوا خير لكم » معناه و أن تتصدقوا على المعسر بما عليه من الدين خير لكم « إن كنتم تعلمون » الخير من الشر و تميزون ما لكم عما عليكم و مما جاء في معنى الآية من الحديث قوله (عليه السلام) من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله و روي بريدة عنه أنه قال من أنظر معسرا كان له بكل يوم صدقة و في هذه الآية دلالة على أن الإنسان إن علم أن غريمه معسر حرم عليه حبسه و ملازمته و مطالبته بما له عليه و إنما يجب عليه إنظاره انتظارا لليسارة و إن الصدقة برأس المال على المعسر خير و أفضل من انتظار يسره و روي عن ابن عباس و ابن عمر آخر ما نزلت من القرآن آي الربا .
وَ اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفى كلُّ نَفْس مَّا كسبَت وَ هُمْ لا يُظلَمُونَ(281)
القراءة
قرأ أبو عمرو و يعقوب بفتح التاء و الباقون بضمها .
الحجة
حجة أبي عمرو قوله إن إلينا إيابهم فأضاف المصدر إلى الفاعل فهذا بمنزلة ترجعون و آب مثل رجع و من حجته قوله و إنا إليه راجعون فإلينا مرجعهم .
الإعراب
يوما منصوب لأنه مفعول به و لا ينتصب على الظرف لأنه ليس المعنى اتقوا في هذا اليوم و قوله « ترجعون فيه إلى الله » جملة في موضع نصب بكونه صفة لقوله « يوما » و « توفي كل نفس ما كسبت » في موضع نصب بأنه عطف على صفة يوم إلا أنه حذف منه فيه لدلالة الأول عليه .
النزول
هذا آخر آية نزلت من القرآن و قال جبرائيل ضعها في رأس الثمانين و المائتين من البقرة عن ابن عباس و السدي قال المفسرون لما نزلت هذه الآية إنك ميت

(2/189)


و إنهم ميتون قال رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) ليتني أعلم متى يكون ذلك فأنزل الله تعالى سورة النصر إذا جاء نصر الله و الفتح فكان رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) يسكت بين التكبير و القراءة بعد نزول هذه السورة فيقول سبحان الله و بحمده و أستغفر الله و أتوب إليه فقيل له إنك لم تكن تقوله قبل هذا فقال أما إن نفسي نعيت إلي ثم بكى بكاء شديدا فقيل يا رسول الله أ و تبكي من الموت و قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر قال فأين هول المطلع و أين ضيق القبر و ظلمة اللحد و أين القيامة و الأهوال فعاش رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) بعد نزول هذه السورة عاما تاما ثم نزلت لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه إلى آخر السورة و هذه السورة آخر سورة كاملة نزلت من القرآن فعاش رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) بعدها ستة أشهر ثم لما خرج رسول الله إلى حجة الوداع نزلت عليه في الطريق يستفتونك في النساء قل الله يفتيكم إلى آخرها فسميت آية الصيف ثم نزل عليه و هو واقف بعرفة اليوم أكملت لكم دينكم الآية فعاش بعدها إحدى و ثمانين يوما ثم نزلت عليه آيات الربا ثم نزلت بعدها « و اتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله » و هي آخر آية نزلت من السماء فعاش رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) بعدها إحدى و عشرين يوما و قال ابن جريج تسع ليال و قال سعيد بن جبير و مقاتل سبع ليال ثم مات يوم الإثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول حين بزغت الشمس و روي أصحابنا لليلتين بقيتا من صفر سنة إحدى عشرة من الهجرة و لسنة واحدة من ملك أردشير بن شيرويه بن أبرويز بن هرمز بن أنوشروان بنفسي هو (صلى الله عليهوآلهوسلّم) حيا و ميتا .
المعنى
ثم حذر سبحانه المكلفين من بعد ما تقدم من ذكر آي الحدود و الأحكام فقال « و اتقوا يوما » معناه و احذروا يوما و اخشوا يوما « ترجعون فيه إلى الله » تردون جميعا إلى جزاء الله و يقال إلى ملك الله لنفعكم و ضركم دون غيره ممن ملكه إياه في دار الدنيا و هو المراد بكل ما في القرآن من هذا اللفظ لأن الله سبحانه لا يغيب عن أحد و لا يغيب أحد عن علمه و ملكه و سلطانه و يدل عليه قوله و هو معكم أينما كنتم و ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم و إنما خص يوم القيامة بهذه الصفة لأن الناس إذا حشروا انقطع أمرهم و بطل ملكهم و لا يبقى لواحد منهم أمر و لا نهي كما قال سبحانه لمن الملك اليوم لله الواحد القهار « ثم توفى كل نفس ما كسبت » قيل فيه وجهان أحدهما توفي جزاء ما كسبت من الأعمال و الثاني توفى ما كسبت من الثواب و العقاب لأن الكسب على وجهين كسب العبد لفعله و كسبه لما ليس من فعله كما يكسب المال « و هم لا يظلمون » معناه لا ينقصون ما يستحقونه من الثواب و لا يزاد عليهم ما يستحقونه من العقاب .

(2/190)


يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْن إِلى أَجَل مُّسمًّى فَاكتُبُوهُ وَ لْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كاتِب بِالْعَدْلِ وَ لا يَأْب كاتِبٌ أَن يَكْتُب كمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكتُب وَ لْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ وَ لْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَ لا يَبْخَس مِنْهُ شيْئاً فَإِن كانَ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ سفِيهاً أَوْ ضعِيفاً أَوْ لا يَستَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَ استَشهِدُوا شهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضوْنَ مِنَ الشهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَ لا يَأْب الشهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَ لا تَسئَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صغِيراً أَوْ كبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسط عِندَ اللَّهِ وَ أَقْوَمُ لِلشهَدَةِ وَ أَدْنى أَلا تَرْتَابُوا إِلا أَن تَكُونَ تِجَرَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكمْ فَلَيْس عَلَيْكمْ جُنَاحٌ أَلا تَكْتُبُوهَا وَ أَشهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَ لا يُضارَّ كاتِبٌ وَ لا شهِيدٌ وَ إِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسوقُ بِكمْ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ يُعَلِّمُكمُ اللَّهُ وَ اللَّهُ بِكلِّ شىْء عَلِيمٌ(282)
القراءة
قرأ حمزة وحده إن تضل بكسر الهمزة و الباقون بفتحها و قرأ ابن كثير و أبو عمرو و قتيبة فتذكر بالتخفيف و النصب و قرأ حمزة فتذكر بالتشديد و الرفع و قرأ الباقون « فتذكر » بالتشديد و النصب و قرأ عاصم وحده « تجارة حاضرة » بالنصب و قرأ الباقون بالرفع و قرأ أبو جعفر

(2/191)


و لا يضار بتشديد الراء و تسكينها و الباقون « لا يضار » بالنصب و التشديد .
الحجة
الوجه في قراءة حمزة إن تضل إحداهما بكسر الهمزة و هو أنه جعل أن للجزاء و الفاء في قوله « فتذكر » جواب الجزاء و موضع الشرط و جزائه رفع بكونهما وصفا للمنكورين و هما المرأتان في قوله « فرجل و امرأتان » فقوله « رجل و امرأتان » خبر مبتدإ محذوف و تقديره فمن يشهد رجل و امرأتان و يجوز أن يكون رجل مرتفعا بالابتداء و امرأتان معطوفتان عليه و خبر الابتداء محذوف و تقديره فرجل و امرأتان يشهدون و قوله « ممن ترضون من الشهداء » فيه ذكر يعود إلى الموصوفين الذين هم رجل و امرأتان و لا يجوز أن يكون فيه ذكر لشهيدين المتقدم ذكرهما لاختلاف إعراب الموصوفين أ لا ترى أن شهيدين منصوبان و رجل و امرأتان إعرابها الرفع فإذا كان كذلك علمت أن الوصف الذي هو ظرف إنما هو وصف لقوله « فرجل و امرأتان » دون من تقدم ذكرهما من الشهيدين و الشرط و جزاؤه وصف لقوله « و امرأتان » لأن الشرط جملة يوصف بها كما يوصل بها في نحو قوله الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة و اللام التي هي في قوله « أن تضل » فيمن جعل أن جزاء في موضع جزم و إنما حركت بالفتح لالتقاء الساكنين و لو كسرت للكسرة قبلها لكان جائزا في القياس و أما قوله « فتذكر » فقياس قول سيبويه في قوله تعالى و من عاد فينتقم الله منه و الآي التي تلاها معها أن يكون بعد الفاء في « فتذكر » مبتدأ محذوف و لو أظهرته لكان فهما تذكر إحداهما الأخرى فالذكر العائد إلى المبتدأ المحذوف الضمير في قوله « إحداهما » و أما الأصل في تذكر فهو من الذكر الذي هو ضد النسيان و ذكرت فعل يتعدى إلى مفعول واحد فإذا نقلته بالهمز أو ضعفت العين منه تعدى إلى مفعول آخر و ذلك نحو فرحته و أفرحته فمن قرأ « فتذكر » كان ممن جعل بالتضعيف و من قرأ فتذكر كان ممن نقل بالهمزة و كلاهما سايغ و المفعول الثاني في قوله « فتذكر إحداهما الأخرى » محذوف و المعنى فتذكر إحداهما الأخرى الشهادة التي تحملتاها و أما قراءة الأكثرين و هو « أن تضل » بفتح الألف فإن يتعلق فيها بفعل مضمر دل عليه هذا الكلام و ذلك أحد ثلاثة أشياء الأول هو أن قوله « فإن لم يكونا رجلين فرجل و امرأتان » يدل على قولك و استشهدوا رجلا و امرأتين و على هذا فتقديره فليشهد رجل و امرأتان فتعلق أن إنما هو بهذا الفعل و الثاني ما قاله أبو الحسن و هو أن تقديره فليكن رجل و امرأتان و على هذا فيكون معناه فليحدث شهادة رجل و امرأتين حذف المضاف و أقيم المضاف إليه مقامه و الثالث أن يضمر خبر المبتدأ الذي هو فرجل و امرأتان أي فرجل و امرأتان يشهدون فيكون يشهدون العامل في أن و موضع إضماره فيمن فتح الهمزة من أن تضل قبل أن و فيمن كسر أن بعد انقضاء الشرط بجزائه و أما موضع أن هذه فنصب و تقديره لأن تضل

(2/192)


إحداهما فتذكر فإن قيل فإن الشهادة إنما وقعت للذكر و الحفظ لا للضلال الذي هو النسيان فجوابه أن سيبويه قد قال أمر بالإشهاد لأن تذكر إحداهما الأخرى و إنما ذكر أن تضل لأنه سبب الإذكار كما يقال القائل أعددته أن يميل الحائط فأدعمه و هو لا يطلب بذلك ميلان الحائط و لكنه أخبر بعلة الدعم و سببه و قوله فتذكر أو « فتذكر » بالنصب معطوف على الفعل المنصوب بأن و أما قراءة من قرأ إلا أن تكون تجارة حاضرة بالرفع فالوجه فيها أن يكون كان بمعنى وقع و حدث فكأنه قال أ أن تقع تجارة حاضرة مثل قوله و إن كان ذو عسرة و أما من نصب « تجارة حاضرة » فيكون على خبر كان و لم يخل اسم كان من أحد شيئين أحدهما أن يكون ما يقتضيه الكلام من الإشهاد و الارتهان قد علم من فحواه التبايع فأضمر التبايع لدلالة الحال عليه كما يقال إذا كان غدا فأتني و الآخر أن يكون أضمر التجارة فكأنه قال إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة و مثل ذلك قول الشاعر :
فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي
إذا كان يوما ذا كواكب أشنعا أي إذا كان اليوم يوما و أما قوله « لا يضار » ففيه قولان ( أحدهما ) أن أصله لا يضارر فأدغمت الراء في الراء و فتحت لالتقاء الساكنين فيكون معناه لا يكتب الكاتب إلا بالحق و لا يشهد الشاهد إلا بالحق ( الثاني ) أن أصله لا يضارر بفتح الراء الأولى فأدغمت فيكون المعنى لا يدع الكاتب على وجه يضر به و كذلك الشاهد و الأول أبين و أما قراءة أبي جعفر بتسكين الراء مع التشديد ففيه نظر و وجهه أنه أجري الوصل مجرى الوقت كقولهم ( ببازل وجنا أو عيهل ) و قد تقدم أمثاله .
اللغة
تقول داينت الرجل مداينة إذا عاملته بدين أخذت منه أو أعطيته و تداين القوم أو الرجلان بمعناه قال الشاعر :
داينت أروى و الديون تقضي
فمطلت بعضا و أدت بعضا و يقال دنت و أدنت إذا اقترضت و أدنت إذا أقرضت قال :
أدان و أنبأه الأولون
بأن المدان مليء وفي و الإملال و الإملاء يقال أمل عليه و أملى عليه بمعنى و البخس النقص ظلما يقال

(2/193)


بخسه حقه يبخسه بخسا و ثمن بخس ناقص عن حقه و البخس فقوء العين لأنه إدخال نقص على صاحبها و السفيه الجاهل و أصل السفه الخفة قال الشاعر :
تخاف أن تسفه أحلامنا
فتخمل الدهر مع الخامل و إنما سمي الجاهل بالسفيه لخفة عقله و تقول من الإباء أبي يأبى و لم يأت مثله في اللغة لأن فعل يفعل لا يأتي إلا أن يكون في موضع العين من الفعل أو اللام حرف من حروف الحلق و القول فيه أن الألف من أبى أشبهت الهمزة فجاء يفعل منه مفتوحا لهذه العلة و الضلال أصله الهلاك تقول العرب ضل الماء في اللبن و منه قوله إن المجرمين في ضلال و سعر و قيل أصله الذهاب بحيث لا يوجد و قيل و منه أ إذا ضللنا في الأرض و السأم الملل يقال سئم يسأم ساما إذا مل من الشيء و ضجر منه قال زهير :
سئمت تكاليف الحياة و من يعش
ثمانين حولا لا أبا لك يسأم و أقسط أي أعدل و القسط العدل يقال أقسط إذا عدل و قسط يقسط قسوطا إذا جار و القسط الحصة .
المعنى
لما أمر سبحانه بإنظار المعسر و تأجيل دينه عقبه ببيان أحكام الحقوق المؤجلة و عقود المداينة فقال « يا أيها الذين آمنوا » أي صدقوا الله و رسوله « إذا تداينتم » أي تعاملتم و داين بعضكم بعضا « بدين » قيل فيه قولان ( أحدهما ) أنه على وجه التأكيد و تمكين المعنى في النفس كقوله تعالى و لا طائر يطير بجناحيه ( و الآخر ) أنه إنما قال بدين لأن تداينتم قد يكون بمعنى تجازيتم من الدين الذي هو الجزاء و قد يكون بمعنى تعاملتم بدين فقيده بالدين لتخليص اللفظ من الاشتراك « إلى أجل مسمى » أي وقت مذكور معلوم بالتسمية قال ابن عباس إن الآية وردت في السلم خاصة و كان يقول أشهد أن الله أباح السلم المضمون إلى أجل معلوم و أنزل فيه أطول آية من كتابه و تلا هذه الآية و ظاهر الآية يقع على كل دين مؤجل سلما كان أو غيره و عليه المفسرون و الفقهاء « فاكتبوه » معناه فاكتبوا الدين في صك لئلا يقع فيه نسيان أو جحود و ليكون ذلك توثقة للحق و نظرا للذي له الحق و للذي عليه الحق و للشهود فوجه النظر للذي له الحق أن يكون حقه موثقا بالصك و الشهود فلا يضيع حقه و وجه النظر للذي عليه الحق أن يكون أبعد به من الجحود فلا يستوجب النقمة و العقوبة وجه النظر للشهود أنه إذا كتب بخطه كان ذلك أقوم للشهادة و أبعد من

(2/194)


السهو و أقرب إلى الذكر و اختلف في هذا الأمر فقيل هو مندوب إليه عن أبي سعيد الخدري و الحسن و الشعبي و هو الأصح و عليه الأكثر و قيل هو فرض عن الربيع و كعب و يدل على صحة القول الأول قوله فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اوتمن أمانته و المفهوم من هذا الظاهر فإن ائتمنه على ماله أن يأتمنه عليه ثم بين كيفية الكتابة فقال « و ليكتب بينكم كاتب بالعدل » يعني و ليكتب كتاب المداينة أو البيع بين المتعاقدين كاتب بالقسط و الإنصاف و الحق لا يزيد فيه و لا ينقص منه في صفة و لا مقدار و لا يستبدل و لا يكتب شيئا يضر بأحدهما إلا بعلمه « و لا يأب كاتب » أي و لا يمتنع كاتب من « أن يكتب » الصك على الوجه المأمور به « كما علمه الله » من الكتابة بالعدل و قيل كما فضله الله تعالى بتعليمه إياه فلا يبخل على غيره بالكتابة و اختلف في الكتابة هل هي فرض أم لا فقيل هي فرض على الكفاية كالجهاد و نحوه عن الشعبي و جماعة من المفسرين و اختاره الرماني و الجبائي و جوز الجبائي أن يأخذ الكاتب و الشاهد الأجرة على ذلك قال الشيخ أبو جعفر الطوسي و عندنا لا يجوز ذلك و الورق الذي يكتب فيه على صاحب الدين دون من عليه الدين و يكون الكتاب في يده لأنه له و قيل واجب على الكاتب أن يكتب في حال فراغه عن السدي و قيل واجب عليه أن يكتب إذا أمر عن مجاهد و عطا و قيل إن ذلك في الموضع الذي لا يقدر فيه على كاتب غيره فيضر بصاحب الدين إن امتنع فإذا كان كذلك فهو فريضة و إن قدر على كاتب غيره فهو في سعة إذا قام به غيره عن الحسن و قيل كان واجبا ثم نسخ بقوله « و لا يضار كاتب و لا شهيد » عن الضحاك « فليكتب » أمر للكاتب أي فليكتب الصك على الوجه المأمور به و كانت الكتبة على عهد رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فيهم قلة فلذلك أكد بقوله « فليكتب » إذ الجمع بين الأمر بالشيء و النهي عن تركه أدعى إلى فعله من الاقتصار على أحدهما ثم بين سبحانه كيفية الإملاء على الكاتب فقال سبحانه « و ليملل الذي عليه الحق » يعني المديون يقر على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه فليكتب « و ليتق الله ربه » أي الذي عليه الحق في الإملاء « و لا يبخس » أي و لا ينقص « منه » أي من الحق « شيئا » لا من قدره و لا من صفته ثم بين الله تعالى حال من لا يصح منه الإملاء فقال « فإن كان الذي عليه الحق سفيها » أي جاهلا بالإملاء عن مجاهد و قيل صغيرا طفلا عن السدي و الضحاك و قيل عاجزا أحمق عن ابن زيد « أو ضعيفا » أي ضعيف العقل من عته أو جنون و قيل شيخا خرفا « أو لا يستطيع أن يمل هو » أي مجنونا و قيل عييا أخرس عن ابن عباس و قيل الأقرب أن يحمل على ثلاث صفات لكيلا يؤدي إلى التكرار ثم اختلف في ذلك فقيل السفيه المجنون و الضعيف الصغير و من لا يستطيع أن يمل الأخرس و نحوه ثم يدخل

(2/195)


في كل واحد من هو في معناه و قيل السفيه المبذر و الضعيف الصبي المراهق و من لا يستطيع أن يمل المجنون عن القاضي « فليملل وليه بالعدل » قيل معناه فليملل ولي الذي عليه الحق إذا عجز عن الإملاء بنفسه عن الضحاك و ابن زيد و قيل معناه ولي الحق و هو الذي له الحق عن ابن عباس لأنه أعلم بدينه فيملي بالحق و العدل ثم أمر سبحانه بالإشهاد فقال « و استشهدوا شهيدين من رجالكم » يعني اطلبوا الشهود و أشهدوا على المكتوب رجلين من رجالكم أي من أهل دينكم و قال مجاهد معناه من الأحرار العالمين البالغين المسلمين دون العبيد و الكفار و الحرية ليست بشرط عندنا في قبول الشهادة و إنما اشترط الإسلام مع العدالة و به قال شريح و الليثي و أبو ثور و قيل هذا أمر للقضاة بأن يلتمسوا عند القضاء بالحق شهيدين من المدعي عند إنكار المدعي عليه فيكون السين في الحالتين سين السؤال و الطلب « فإن لم يكونا رجلين » يعني فإن لم يكن الشهيدان رجلين « فرجل و امرأتان » أي فليكن رجل و امرأتان أو فليشهد رجل و امرأتان « ممن ترضون من الشهداء » عدالته و هذا يدل على أن العدالة شرط في الشهود و يدل أيضا على أنا لم نتعبد بإشهاد مرضيين على الإطلاق لقوله « ممن ترضون » و لم يقل من المرضيين لأنه لا طريق لنا إلى معرفة من هو مرضي عند الله تعالى و إنما تعبدنا بإشهاد من هو مرضي عندنا في الظاهر و هو من نرضى دينه و أمانته و نعرفه بالستر و الصلاح « أن تضل إحداهما » أي تنسى إحدى المرأتين « فتذكر إحداهما الأخرى » قيل هو من الذكر الذي هو ضد النسيان عن الربيع و السدي و الضحاك و أكثر المفسرين و التقدير فتذكر إحداهما الأخرى الشهادة التي تحملتاها و من قرأ فتذكر بالتخفيف من الإذكار فهو بهذا المعنى أيضا أي يقول لها هل تذكرين يوم شهدنا في موضع كذا و بحضرتنا فلان أو فلانة حتى تذكر الشهادة و هذا لأن النسيان يغلب على النساء أكثر مما يغلب على الرجال و قيل هو من الذكر أي يجعلها كذكر من الرجال عن سفيان بن عيينة و الأول أقوى فإن قيل لم كرر لفظة إحداهما و هلا قال فتذكرها الأخرى فجوابه على وجهين ( أحدهما ) أنه إنما كرر ليكون الفاعل مقدما على المفعول و لو قال فتذكرها الأخرى لكان قد فصل بين الفعل و الفاعل بالمفعول و ذلك مكروه ( و الثاني ) ما قاله حسين بن علي المغربي إن معناه إن تضل إحدى الشهادتين أي تضيع بالنسيان فتذكر إحدى المرأتين الأخرى لئلا يتكرر لفظ إحداهما بلا معنى و يؤيد ذلك أنه لا يسمى ناسي الشهادة ضالا و يقال ضلت الشهادة إذا ضاعت كما قال سبحانه قالوا ضلوا عنا أي ضاعوا منا ثم خاطب سبحانه الشهود فقال « و لا يأب الشهداء إذا ما دعوا » و في معناه ثلاثة أقوال ( أحدها ) أن معناه و لا يمتنع الشهداء إذا دعوا لإقامة الشهادة عن مجاهد و عطا و سعيد بن جبير

(2/196)


و هذا إذا كانوا عالمين بالشهادة على وجه لا يرتابون فيه و لم يخافوا من أدائها ضررا ( و الثاني ) أن معناه إذا دعوا لإثبات الشهادة و تحملها عن قتادة و الربيع ( و الثالث ) أن معناه إذا دعوا إلى إثبات الشهادة و إلى إقامتها عن ابن عباس و الحسن و عن أبي عبد الله (عليه السلام) و هو أولى لأنه أعم فائدة « و لا تسئموا » أي و لا تضجروا و لا تملوا « أن تكتبوا » أي تكتبوا الحق « صغيرا » كان الحق « أو كبيرا » و قيل إن هذا خطاب للشاهد و معناه لا تملوا أن تكتبوا الشهادة على الحق « إلى أجله » أي إلى أجل الدين و قيل معناه إلى أجل الشاهد أي إلى الوقت الذي تجوز فيه الشهادة و الأول أقوى « ذلكم » الكتاب أو كتابة الشهادة و الصك « أقسط » أي أعدل « عند الله » لأنه سبحانه أمر به و اتباع أمره أعدل من تركه « و أقوم للشهادة » أي أصوب للشهادة و أبعد من الزيادة و النقصان و السهو و الغلط و النسيان و قيل معناه أحفظ للشهادة مأخوذ من القيام على الشيء بمعنى الحفظ « و أدنى ألا ترتابوا » أي أقرب إلى أن لا تشكوا في مبلغ الحق و الأجل « إلا أن تكون تجارة » معناه إلا أن تقع تجارة أي مداينة و مبايعة حاضرة حالة يدا بيد و من قرأ بالنصب فمعناه إلا أن تكون التجارة تجارة « حاضرة تديرونها بينكم » أي تتناقلونها من يد إلى يد نقدا لا نسيئة « فليس عليكم جناح » أي حرج و ضيق « ألا تكتبوها » و معناه فليس عليكم إثم في ترك كتابتها لأن الكتابة للوثيقة و لا يحتاج إلى الوثيقة إلا في النسيئة دون النقد « و أشهدوا إذا تبايعتم » أي و أشهدوا الشهود على بيعكم إذا تبايعتم و هذا أمر على الاستحباب و الندب عن الحسن و جميع الفقهاء .
و قال أصحاب الظاهر الإشهاد فرض في التبايع « و لا يضار كاتب و لا شهيد » أصله يضارر بكسر الراء الأولى عن الحسن و قتادة و عطا و ابن زيد فيكون النهي للكاتب و الشاهد عن المضارة فعلى هذا فمعنى المضارة أن يكتب الكاتب ما لم يمل عليه و يشهد الشاهد بما لم يستشهد فيه أو بأن يمتنع من إقامة الشهادة و قيل الأصل فيه لا يضارر بفتح الراء الأولى عن ابن مسعود و مجاهد فيكون معناه لا يكلف الكاتب الكتابة في حال عذر و لا يتفرغ إليها و لا يضيق الأمر على الشاهد بأن يدعى إلى إثبات الشهادة و إقامتها في حال عذر و لا يعنف عليهما قال الزجاج و الأول أبين لقوله « و إن تفعلوا فإنه فسوق بكم » فالفاسق أشبه بغير العدل و بمن حرف الكتاب منه بالذي دعا شاهدا ليشهد أو دعا كاتبا ليكتب و هو مشغول و قال غيره معناه و إن تفعلوا مضارة الكاتب و الشهيد فإن المضارة في الكتابة و الشهادة فسوق بكم أي خروج عما أمر الله سبحانه به « و اتقوا الله » فيما أمركم به و نهاكم عنه « و يعلمكم الله » ما تحتاجون إليه من أمور دينكم « و الله بكل شيء عليم » أي عليم بذلك و بكل ما سواه من المعلومات و ذكر علي بن إبراهيم بن هاشم في تفسيره أن في البقرة خمسمائة حكم و في

(2/197)


هذه الآية خاصة خمسة عشر حكما .
* وَ إِن كُنتُمْ عَلى سفَر وَ لَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهَنٌ مَّقْبُوضةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِى اؤْتُمِنَ أَمَنَتَهُ وَ لْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَ لا تَكْتُمُوا الشهَدَةَ وَ مَن يَكتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَاثِمٌ قَلْبُهُ وَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ(283)
القراءة
قرأ ابن كثير و أبو عمرو فرهن على وزن فعل و الباقون « فرهان » على وزن فعال .
الحجة
قال أبو علي الرهن مصدر و لما نقل فسمي به كسر كما تكسر الأسماء و جمع على بناءين من أبنية الجموع و هو فعل و فعال و كلاهما من أبنية الكثير و قد يخفف العين من رهن كما خفف في رسل و كتب و مثل رهن و رهن سقف و سقف و قال الأعشى :
آليت لا أعطيه من أبنائنا
رهنا فيفسدهم كمن قد أفسدا .
اللغة
يقال رهنت عند الرجل رهنا و رهنته رهنا و أنا أرهنه إذا وضعته عنده و رهنته ضيعة و قالوا أرهنته أيضا و فعلت فيه أكثر قال :
يراهنني فيرهنني بنيه
و أرهنه بني بما أقول قال الأصمعي من روى بيت ابن همام :
فلما خشيت أظافيرهم
نجوت و أرهنتهم مالكا فقد أخطأ إنما الرواية و أرهنهم مالكا كما تقول وثبت إليه و أصك عينه و نهضت إليه و أخذ بشعره و تقول أرهنت لهم الطعام أي أدمته لهم و أرهيته بمعناه و الطعام راهن و رآه و قد أرهنت في ثمن السلعة إذا أسلفت فيه قال ( عيدية أرهنت فيها الدنانير ) و أما قول النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لا يغلق الرهن فمعناه أن يقول الراهن أن جئتك بفكاكه إلى شهر و إلا فهو لك

(2/198)


بالدين فهذا باطل بلا خلاف .
المعنى
ثم ذكر سبحانه حكم الوثيقة بالرهن عند عدم الوثيقة بالإشهاد فقال « و إن كنتم » أيها المتداينون المتبايعون « على سفر » أي مسافرين « و لم تجدوا كاتبا » للصك و لا شهودا تشهدونهم « فرهان مقبوضة » تقديره فالوثيقة رهن فيكون رهن خبر مبتدإ محذوف و يجوز أن يكون التقدير فرهان مقبوضة يقوم مقام الوثيقة بالصك و الشهود و القبض شرط في صحة الرهن فإن لم يقبض لم ينعقد الرهن بالإجماع « فإن أمن بعضكم بعضا » أي فإن أمن صاحب الحق الذي عليه الحق و وثق به و ائتمنه على حقه و لم يستوثق منه بصك و لا رهن « فليؤد الذي اؤتمن » أي الذي عليه الحق « أمانته » بأن لا يجحد حقه و لا يبخس منه شيئا و يؤديه إليه وافيا وقت محله من غير مطل و لا تسويف و أراد بقوله « أمانته » أي ما اوتمن فيه فهو مصدر بمعنى المفعول « و ليتق الله ربه » معناه و ليتق الذي عليه الحق عقوبة الله ربه فيما اؤتمن عليه بجحوده أو النقصان منه « و لا تكتموا الشهادة » يعني بعد تحملها و هو خطاب للشهود و نهي لهم عن كتمان الشهادة إذا دعوا إليها « و من يكتمها » أي و من يكتم الشهادة مع علمه بالمشهود به و عدم ارتيابه فيه و تمكنه من أدائها من غير ضرر بعد ما دعي إلى إقامتها « فإنه آثم قلبه » أضاف الإثم إلى القلب و إن كان الآثم هو الجملة لأن اكتساب الإثم بكتمان الشهادة يقع بالقلب لأن العزم على الكتمان إنما يقع بالقلب و لأن إضافة الإثم إلى القلب أبلغ في الذم كما أن إضافة الإيمان إلى القلب أبلغ في المدح قال تعالى أولئك كتب في قلوبهم الإيمان « و الله بما تعملون » أي ما تسرونه و تكتمونه « عليم » و روي عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال لا ينقضي كلام شاهد زور من بين يدي الحاكم حتى يتبوأ مقعده من النار و كذلك من كتم الشهادة و في قوله تعالى « فإن أمن بعضكم بعضا » دلالة على أن الإشهاد و الكتابة في المداينة ليسا بواجبين و إنما هو على سبيل الاحتياط و تضمنت هذه الآية و ما قبلها من بدائع لطف الله تعالى و نظره لعباده في أمر معاشهم و معادهم و تعليمهم ما لا يسعهم جهله ما فيه بصيرة لمن تبصر و كفاية لمن تفكر .

(2/199)


لِّلَّهِ مَا فى السمَوَتِ وَ مَا فى الأَرْضِ وَ إِن تُبْدُوا مَا فى أَنفُسِكمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ وَ يُعَذِّب مَن يَشاءُ وَ اللَّهُ عَلى كلِّ شىْء قَدِيرٌ(284)
القراءة
قرأ ابن عامر و عاصم و أبو جعفر و يعقوب « فيغفر » « و يعذب » بالرفع و قرأ الباقون بالجزم فيهما .
الحجة
قال أبو علي وجه قول من جزم أنه اتبعه ما قبله و لم يقطعه منه و هذا أشبه بما عليه كلامهم أ لا ترى أنهم يطلبون المشاكلة و يلزمونها فمن ذلك إن ما كان معطوفا على جملة من فعل و فاعل و اشتغل عن الاسم الذي من الجملة التي يعطف عليها الفعل يختار فيه النصب و لو لم يكن قبله الفعل و الفاعل لاختاروا الرفع و على هذا ما جاء في التنزيل نحو قوله و كلا ضربنا له الأمثال و قوله فريقا هدى و فريقا حق عليهم الضلالة فكذلك ينبغي أن يكون الجزم أحسن ليكون مشاكلا لما قبله في اللفظ و هذا النحو من طلبهم المشاكلة كثير و من لم يجزم قطعه من الأول و قطعه منه على أحد وجهين إما أن يجعل الفعل خبرا لمبتدء محذوف و إما أن يعطف جملة من فعل و فاعل على ما تقدمها .
المعنى
« لله ما في السموات و ما في الأرض » اللام لام الملك أي له تصريف السموات و الأرض و ما فيهما و تدبيرهما لقدرته على ذلك و لأنه الذي أبدعهما و أنشأهما فجميع ذلك ملكه و ما ملكه يصرفه كما يشاء « و إن تبدوا ما في أنفسكم » و تعلنوه أي تظهروا ما في أنفسكم من الطاعة و المعصية « أو تخفوه » أي تكتموه « يحاسبكم به الله » أي يعلم الله ذلك فيجازيكم عليه و قيل معناه إن تظهروا الشهادة أو تكتموها فإن الله يعلم ذلك و يجازيكم به عن ابن عباس و جماعة و قيل إنها عامة في الأحكام التي تقدم ذكرها في السورة خوفهم الله سبحانه من العمل بخلافها و قال قوم إن هذه الآية منسوخة بقوله لا يكلف الله نفسا إلا وسعها و رووا في ذلك خبرا ضعيفا و هذا لا يصح لأن تكليف ما ليس في الوسع غير جائز فكيف ينسخ و إنما المراد بالآية ما يتناوله الأمر و النهي من الاعتقادات و الإرادات و غير ذلك مما هو مستور عنا فأما ما لا يدخل في التكليف من الوساوس و الهواجس و ما لا يمكن التحفظ عنه من الخواطر فخارج عنه لدلالة العقل و لقوله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) تجوز لهذه الأمة عن نسيانها و ما حدثت به أنفسها فعلى هذا يجوز أن تكون الآية الثانية بينت للأولى و أزالت توهم من صرف ذلك إلى غير وجهه و ظن أن ما يخطر بالبال أو تتحدث به النفس مما لا يتعلق بالتكليف فإن الله يؤاخذ به و الأمر بخلاف ذلك و قوله « فيغفر لمن يشاء » أي يغفر لمن يشاء منهم رحمة و فضلا « و يعذب من يشاء » منهم ممن يستحق العقاب عدلا « و الله على كل شيء قدير » من المغفرة و العذاب عن ابن عباس و لفظ الآية

(2/200)


عام في جميع الأشياء و القول فيما يخطر بالبال من المعاصي أن الله تعالى لا يؤاخذ به و إنما يؤاخذ بما يعزم الإنسان و يعقد قلبه عليه مع إمكان التحفظ عنه فيصير من أفعال القلب فيجازيه به كما يجازيه بأفعال الجوارح و إنما يجازيه جزاء العزم لا جزاء عين تلك المعصية لأنه لم يباشرها و هذا بخلاف العزم على الطاعة فإن العازم على فعل الطاعة يجازى على عزمه ذلك جزاء تلك الطاعة كما جاء في الأخبار أن المنتظر للصلاة في الصلاة ما دام ينتظرها و هذا من لطائف نعم الله تعالى على عباده .
النظم
ذكر في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه ( أحدها ) أنه لما فرغ من بيان الشرائع ختم السورة بالتوحيد و الموعظة و الإقرار بالجزاء ( و الثاني ) أنه لما قال و الله بكل شيء عليم اتبعه بأنه لا يخفى عليه شيء لأن له ملك السموات و الأرض عن أبي مسلم ( و الثالث ) أنه لما أمر بهذه الوثائق بين أنه إنما يعتد بها لأمر يرجع إلى المكلفين لا لأمر يرجع إليه فإن له ما في السموات و ما في الأرض .
ءَامَنَ الرَّسولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ كلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَ مَلَئكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسلِهِ لا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَد مِّن رُّسلِهِ وَ قَالُوا سمِعْنَا وَ أَطعْنَا غُفْرَانَك رَبَّنَا وَ إِلَيْك الْمَصِيرُ(285)
القراءة
قرأ أهل الكوفة غير عاصم و كتابه و الباقون « و كتبه » على الجمع و قرأ يعقوب لا يفرق بالياء و الباقون بالنون .
الحجة
من قرأ كتابه على الواحد ففيه وجهان ( أحدهما ) أنه بمعنى القرآن ( و الثاني ) أنه بمعنى الجنس فيوافق القراءة الأخرى على الجمع و قد جاء المضاف من الأسماء بمعنى الكثرة نحو قوله و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها و في الحديث منعت العراق درهمها و قفيزها فهذا يراد به الكثرة كما يراد بما فيه لام التعريف و الاختيار فيه الجمع ليشاكل ما قبله و ما بعده و لأن أكثر القراء عليه و من قرأ لا يفرق فعلى تقدير لا يفرق الرسول أو كل لا يفرق و النون على تقدير و قالوا لا نفرق كقوله و لو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا و سمعنا أي و يقولون ربنا أبصرنا .

(2/201)


الإعراب
« غفرانك » نصب على أنه بدل من الفعل المأخوذ منه فكأنه قيل اللهم اغفر لنا غفرانك و استغني بالمصدر عن الفعل في الدعاء فصار بدلا عنه معاقبا له .
المعنى
لما ذكر الله تعالى فرض الصلاة و الزكاة و أحكام الشرع و أخبار الأنبياء ختم السورة بذكر تعظيمه و تصديق نبيه (صلى الله عليهوآلهوسلّم) بجميع ذلك فقال « آمن الرسول » أي صدق محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) « بما أنزل إليه من ربه » من الأحكام المذكورة في السورة و غيرها « و المؤمنون كل » أي كل واحد منهم « آمن بالله » أي صدق بإثباته و صفاته و نفي التشبيه عنه و تنزيهه عما لا يليق به « و ملائكته » أي و بملائكته و بأنهم معصومون مطهرون « و كتبه » أي و بأن القرآن و جميع ما أنزل من الكتب حق و صدق « و رسله » و بجميع أنبيائه « لا نفرق بين أحد من رسله » أي و يقولون لا نفرق بين أحد من رسل الله في الإيمان بأن نؤمن ببعض و نكفر ببعض كما فعله أهل الكتاب من اليهود و النصارى « و قالوا سمعنا و أطعنا » معناه سمعنا قولك و أطعنا أمرك إذا جعلته راجعا إلى الله أو سمعنا قوله و أطعنا أمره إذا جعلته راجعا إلى النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و قيل معناه سمعنا قول الله و قول الرسول سماع القائلين المطيعين و ذلك خلاف ما أخبر الله تعالى عن الكفار حيث قالوا سمعنا و عصينا « غفرانك ربنا » أي يقولون يا ربنا اغفر لنا و قيل معناه يقولون نسألك غفرانك « و إليك المصير » معناه إلى جزائك المصير فجعل مصيرهم إلى جزائه مصيرا إليه كقول إبراهيم إني ذاهب إلى ربي سيهدين و معناه إلى ثواب ربي أو إلى ما أمرني به ربي و هذا هو إقرار بالبعث و النشور .
لا يُكلِّف اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسعَهَا لَهَا مَا كَسبَت وَ عَلَيهَا مَا اكْتَسبَت رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطأْنَا رَبَّنَا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَ لا تُحَمِّلْنَا مَا لا طاقَةَ لَنَا بِهِ وَ اعْف عَنَّا وَ اغْفِرْ لَنَا وَ ارْحَمْنَا أَنت مَوْلَانَا فَانصرْنَا عَلى الْقَوْمِ الْكفِرِينَ(286)

(2/202)


اللغة
الوسع ما دون الطاقة و يسمى ذلك وسعا بمعنى أنه يسع الإنسان و لا يضيق عنه و أخطأنا أي كسبنا خطيئة و قال أبو عبيدة أخطأ و خطىء لغتان و الفرق بين أخطأ و خطىء أن أخطأ قد يكون على وجه الإثم و غير الإثم فأما خطىء فالإثم لا غير قال الشاعر :
و الناس يلحون الأمير إذا هم
خطئوا الصواب و لا يلام المرشد و الإصر في اللغة الثقل قال النابغة :
يا مانع الضيم أن يغشى سراتهم
و الحامل الأصر عنهم بعد ما غرقوا و كل ما عطفك على شيء من عهد أو رحم فهو أصر و جمعه آصار و يقال أصره يأصره إصرا و الاسم الأصر قال النابغة :
يا ابن الحواضن و الحاضنات
أ تنقض إصرك حالا فحالا أي عهدك و الآصرة صلة الرحم للعطف لها قال الكميت :
نضحت آديم الود بيني و بينهم
ب آصرة الأرحام لو تتبلل .
المعنى
ثم بين سبحانه أنه فيما أمر و نهى لا يكلف إلا دون الطاقة فقال « لا يكلف الله نفسا إلا وسعها » أي لا يأمر و لا ينهى أحدا إلا ما هو له مستطيع و قيل إن معنى قوله « إلا وسعها » إلا يسرها دون عسرها و لم يكلفها طاقتها و لو كلفها طاقتها لبلغ المجهود منها عن سفيان بن عيينة و هذا قول حسن و في هذا دلالة على بطلان قول المجبرة في تجويز تكليف العبد ما لا يطيقه لأن الوسع هو ما يتسع له قدرة الإنسان و هو فوق المجهود و استفراغ القدرة و قال بعضهم إن معناه إلا ما يسعها و يحل لها و هذا خطأ لأن من قال لعبده لا آمرك إلا بما أطلق لك أن تفعله لكان ذلك غيا منه و خطأ لأن نفس أمره إطلاق فكأنه قال لا أطلق لك و لا أمرك إلا بما أمرك و قوله « لها ما كسبت » معناه لها ثواب ما كسبت من الطاعات « و عليها » جزاء « ما اكتسبت » من السيئات و يجوز أيضا أن يسمى الثواب و العقاب كسبا من حيث حصلا بكسبه « ربنا لا تؤاخذنا » قيل تقديره قولوا ربنا على جهة التعليم للدعاء عن الحسن و قيل تقديره يقولون ربنا على جهة الحكاية و الثناء « إن نسينا أو أخطأنا » قيل فيه وجوه ( أحدها ) أن المراد بنسينا تركنا كقوله تعالى « نسوا الله فنسيهم » أي

(2/203)


تركوا طاعته فتركهم من ثوابه و قوله « و تنسون أنفسكم » و منه قول الشاعر :
و لم أك عند الجود للجود قاليا
و لا كنت يوم الروع للطعن ناسيا أي تاركا و المراد بأخطانا أذنبنا لأن المعاصي توصف بالخطأ من حيث أنها ضد الصواب و إن كان فاعلها متعمدا فكأنه تعالى أمرهم أن يستغفروا مما تركوه من الواجبات و مما فعلوه من المقبحات ( و الثاني ) معنى قوله « إن نسينا » إن تعرضنا لأسباب يقع عندها النسيان عن الأمر و الغفلة عن الواجب أو أخطأنا أي تعرضنا لأسباب يقع عندها الخطأ و يحسن الدعاء بذلك كما يحسن الاعتذار منه ( و الثالث ) أن معناه لا تؤاخذنا أن نسينا أي إن لم نفعل فعلا يجب فعله على سبيل السهو و الغفلة أو أخطأنا أي فعلنا فعلا يجب تركه من غير قصد و يحسن هذا في الدعاء على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى و إظهار الفقر إلى مسألته و الاستعانة به و إن كان مأمونا منه المؤأخذة بمثله و يجري ذلك مجرى قوله فيما بعد « و لا تحملنا ما لا طاقة لنا به » على أحد الأجوبة و قوله رب احكم بالحق و قد تقدم ذكر أمثاله ( و الرابع ) ما روي عن ابن عباس و عطاء أن معناه لا تعاقبنا إن عصينا جاهلين أو متعمدين و قوله « ربنا لا تحمل علينا إصرا » قيل فيه وجهان ( أحدهما ) أن معناه لا تحمل علينا عملا نعجز عن القيام به و لا تعذبنا بتركه و نقضه عن ابن عباس و قتادة و مجاهد و الربيع و السدي ( و الثاني ) أن معناه لا تحمل علينا ثقلا عن الربيع و مالك و عطاء يعني لا تشدد الأمر علينا « كما حملته على الذين من قبلنا » أي على الأمم الماضية و القرون الخالية لأنهم كانوا إذا ارتكبوا خطيئة عجلت عليهم عقوبتها و حرم عليهم بسببها ما أحل لهم من الطعام كما قال تعالى فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم و أخذ عليهم من العهود و المواثيق و كلفوا من أنواع التكاليف ما لم يكلف هذه الأمة تخفيفا عنها « ربنا و لا تحملنا ما لا طاقة لنا به » قيل فيه وجوه ( أحدها ) أن معناه ما يثقل علينا تحمله من أنواع التكاليف و الامتحان مثل قتل النفس عند التوبة و قد يقول الرجل لأمر يصعب عليه إني لا أطيقه ( و الثاني ) أن معناه ما لا طاقة لنا به من العذاب عاجلا و آجلا ( و الثالث ) أنه على سبيل التعبد و إن كان تعالى لا يكلف و لا يحمل أحدا ما لا يطيقه كما ذكرنا قبل « و اعف عنا » ذنوبنا « و اغفر لنا » خطايانا أي استرها « و ارحمنا » بإنعامك علينا في الدنيا و العفو

(2/204)


في الآخرة و إدخال الجنة « أنت مولانا » أي ولينا و أولى بالتصرف فينا و ناصرنا « فانصرنا على القوم الكافرين » أي أعنا عليهم بالقهر لهم و الغلبة بالحجة عليهم و قد روي عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أن الله سبحانه قال عند كل فصل من هذا الدعاء فعلت و استجبت و لهذا استحب الإكثار من هذا الدعاء ففي الحديث المشهور عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه أي كفتا قيام ليلته و عن عبد الله بن مسعود قال لما أسري برسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) انتهى به إلى سدرة المنتهى و أعطي ثلثا الصلوات الخمس و خواتيم سورة البقرة و غفر لمن لا يشرك بالله من أمته إلا المقحمات و عن ابن المنكدر رفعه إلى النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال في آخر سورة البقرة آيات إنهن قرآن و إنهن دعاء و إنهن يرضين الرحمن و في تفسير الكلبي بإسناده ذكره عن ابن عباس قال بينا رسول الله إذ سمع نقيضا يعني صوتا فرفع رأسه فإذا باب من السماء قد فتح فنزل عليه ملك و قال إن الله يبشرك بنورين لم يعطهما نبيا قبلك فاتحة الكتاب و خواتيم سورة البقرة لا يقرأهما أحد إلا أعطيته حاجته و روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال كان الرجل إذا تعلم سورة البقرة جد فينا أي عظم .

(2/205)


( 3 ) سورة آل عمران مدنية و آياتها مائتان ( 200 )
هي كلها مدنية عن ابن عباس و قتادة و مجاهد و جميع المفسرين عدد آيها مائتان إلا آية شامي و مائتان في الباقين خلافها في سبع آيات عد الكوفي الم آية و الإنجيل الثانية آية و ترك و أنزل الفرقان و عد البصري و رسولا إلى بني إسرائيل آية و ترك الشامي التوراة و الإنجيل الأول و عد مقام إبراهيم هو و أبو جعفر و ترك أبو جعفر مما تحبون و عد أهل الحجاز حتى تنفقوا مما تحبون .
فضلها
روى أبي بن كعب عن رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال من قرأ سورة آل عمران أعطي بكل آية منها أمانا على جسر جهنم ، ابن عباس قال قال رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) من قرأ سورة آل عمران يوم الجمعة صلى الله عليه و ملائكته حتى تجب الشمس ، بريدة قال قال رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) تعلموا سورة البقرة و سورة آل عمران فإنهما الزهراوان و أنهما تظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيابتان أو فرقان من طير صواف .

(2/206)


سورة آل عمران
بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الم(1) اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ(2) نَزَّلَ عَلَيْك الْكِتَب بِالْحَقِّ مُصدِّقاً لِّمَا بَينَ يَدَيْهِ وَ أَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَ الانجِيلَ(3) مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَ أَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِئَايَتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شدِيدٌ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَام(4) إِنَّ اللَّهَ لا يخْفَى عَلَيْهِ شىْءٌ فى الأَرْضِ وَ لا فى السمَاءِ(5)
خمس آيات بلا خلاف إلا أن الكوفي عد « الم » آية و ترك « و أنزل الفرقان » و غيرهم بالعكس من ذلك .
القراءة
قرأ أبو جعفر و الأعشى و البرجمي عن أبي بكر عن عاصم الم الله بسكون الميم و قطع همزة الله و قرأ الباقون موصولا و بفتح الميم و روي في الشواذ عن عمر بن الخطاب و ابن مسعود و إبراهيم النخعي و الأعمش و عن زيد بن علي بن الحسين و عن جعفر بن محمد الصادق و عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) الحي القيام و روي عن الحسن الإنجيل بفتح الهمزة .
الحجة
قال أبو علي اتفاق الجميع على إسقاط الألف الموصولة في اسم الله تعالى دل على أن الميم ساكنة كما أن سائر حروف التهجي مبنية على الوقف فلما التقت الميم الساكنة و لام التعريف حركت الميم بالفتح للساكن الثالث الذي هو لام التعريف و الدليل على أن التحريك للساكن الثالث و هو مذهب سيبويه أن حروف التهجي يجتمع فيها الساكنان نحو حا ميم عين سين قاف و ذلك أنها مبنية على الوقف كما أن أسماء العدد كذلك فحركت الميم للساكن الثالث بالفتح كما حركت النون في قوله من الله بالفتح لالتقاء الساكنين و أما من قطع الألف فكأنه قدر الوقف على الميم و استأنف فقطع الهمزة لابتدائه بها و أما القيام فقد قال ابن جني أنه صفة على فيعال من قام يقوم و مثله من الصفة الغيداق و أصله من القيوام التقت الواو و الياء و سبقت الأولى بالسكون فقلبت الواو ياء و أدغم فيها الياء و قراءة الجماعة « القيوم » فيعول من هذا أيضا و أما الإنجيل بفتح الهمزة فمثال غير معروف النظير في كلامهم لأنه ليس في كلامهم أفعيل بفتح الهمزة و لو كان أعجميا لكان فيه ضرب من الحجاج لكنه عندهم عربي و هو أفعيل من نجل ينجل إذا أثار و استخرج و منه نجل الرجل لولده لأنه استخرجهم من صلبه و من بطن امرأته قال الأعشى :
أنجب أزمان والداه به
إذ نجلاه فنعم ما نجلا أي أنجب والداه أزمان إذ نجلاه ففصل بين المضاف الذي هو أزمان و بين المضاف

(2/207)


إليه الذي هو إذ كقولهم حينئذ و يومئذ بالفاعل و قيل له إنجيل لأن به يستخرج علم الحلال و الحرام كما قيل توراة و هي فوعلة من روي الزند إذا قدح و أصله و وراة فأبدلت الواو التي هي الفاء تاء كما قالوا التجاه و التخمة و التكلان و التراث من الوجه و الوخامة و الوكل و الوراثة فهي من وري الزند إذا ظهرت ناره و ذاك من نجل ينجل إذا استخرج لما في الكتابين من معرفة الحلال و الحرام و كما قيل لكتاب نبينا (صلى الله عليهوآلهوسلّم) الفرقان لأنه فرق بين الحق و الباطل فالمعاني كما ترى معتنقة و كلها الإظهار و الإبراز و الفرق بين الأشياء و قال علي بن عيسى النجل الأصل فكان الإنجيل أصل من أصول العلم و قال غيره النجل الفرع و منه قيل للولد نجل فكان الإنجيل فرع على التوراة يستخرج منها و قال ابن فضال هو من النجل و هو من السعة يقال عين نجلاء و طعنة نجلاء و كأنه قد وسع عليهم في الإنجيل ما ضيق على أهل التوراة و كل محتمل .
الإعراب
مصدقا نصب على الحال و قوله « من قبل » أي من قبل إنزال الكتاب فلما قطعه عن الإضافة بناه على الضم و موضع هدى نصب على الحال من التوراة و الإنجيل أي هاديين و يجوز أن يكون خبر مبتدإ محذوف تقديره هما هدى .
النزول
قال الكلبي و محمد بن إسحاق و الربيع بن أنس نزلت أوائل السورة إلى نيف و ثمانين آية في وفد نجران و كانوا ستين راكبا قدموا على رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم و في الأربعة عشر ثلاثة نفر يؤول إليهم أمرهم العاقب أمير القوم و صاحب مشورتهم الذي لا يصدرون إلا عن رأيه و اسمه عبد المسيح و السيد ثمالهم و صاحب رحلهم و اسمه الأيهم و أبو حارثة بن علقمة أسقفهم و حبرهم و إمامهم و صاحب مدارسهم و كان قد شرف فيهم و درس كتبهم و كانت ملوك الروم قد شرفوه و مولوه و بنوا له الكنائس لعلمه و اجتهاده فقدموا على رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) المدينة و دخلوا مسجده حين صلى العصر عليهم ثياب الحبرات جبب و أردية في جمال رجال بلحرث بن كعب يقول بعض من رآهم من أصحاب رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) ما رأينا وفدا مثلهم و قد حانت صلاتهم فأقبلوا يضربون بالناقوس و قاموا فصلوا في مسجد رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فقالت الصحابة يا رسول الله هذا في مسجدك فقال رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) دعوهم فصلوا إلى المشرق فتكلم السيد و العاقب رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فقال لهما رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أسلما قالا قد أسلمنا قبلك قال كذبتما يمنعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولدا و عبادتكما الصليب و أكلكما الخنزير قالا إن لم يكن

(2/208)


ولد الله فمن أبوه و خاصموه جميعا في عيسى فقال لهما النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أ لستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا و يشبه أباه قالوا بلى قال أ لستم تعلمون إن ربنا حي لا يموت و إن عيسى يأتي عليه الفناء قالوا بلى قال أ لستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء و يحفظه و يرزقه قالوا بلى قال فهل يملك عيسى من ذلك شيئا قالوا لا قال أ لستم تعلمون إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض و لا في السماء قالوا بلى قال فهل يعلم عيسى من ذلك إلا ما علم قالوا لا قال فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء و ربنا لا يأكل و لا يشرب و لا يحدث قالوا بلى قال أ لستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها ثم غذي كما يغذي الصبي ثم كان يطعم و يشرب و يحدث قالوا بلى قال فكيف يكون هذا كما زعمتم فسكتوا فأنزل الله فيهم صدر سورة آل عمران إلى بضع و ثمانين آية .
المعنى
إن الله تعالى لما ختم سورة البقرة بذكر التوحيد و الإيمان افتتح هذه السورة بالتوحيد و الإيمان أيضا فقال « الم » و قد ذكرنا الاختلاف فيه و في معناه و في محله في أول سورة البقرة « الله لا إله إلا هو الحي القيوم » و قد ذكرنا ما فيه في تفسير آية الكرسي و روي عن ابن عباس أنه قال « الحي القيوم » اسم الله الأعظم و هو الذي دعا به آصف بن برخيا صاحب سليمان (عليه السلام) في حمل عرش بلقيس من سبإ إلى سليمان قبل أن يرتد إليه طرفه « نزل عليك » يا محمد « الكتاب » يعني القرآن « بالحق » فيه قولان ( أحدهما ) بالصدق في إخباره ( و الثاني ) بالحق أي بما توجبه الحكمة من الإرسال و هو حق من الوجهين « مصدقا لما بين يديه » أي لما قبله من كتاب و رسول عن مجاهد و قتادة و الربيع و جمع المفسرين و إنما قيل لما بين يديه لما قبله لأنه ظاهر له كظهور الذي بين يديه و قيل في معنى مصدقا هاهنا قولان ( أحدهما ) أن معناه مصدقا لما بين يديه و ذلك لموافقته لما تقدم الخبر به و فيه دلالة على صحة نبوته (صلى الله عليهوآلهوسلّم) من حيث لا يكون ذلك كذلك إلا و هو من عند الله علام الغيوب ( و الثاني ) أن معناه أن يخبر بصدق الأنبياء و بما أتوا به من الكتب و لا يكون مصدقا للبعض و مكذبا للبعض « و أنزل التوراة » على موسى « و الإنجيل » على عيسى « من قبل » أي من قبل إنزال القرآن « هدى للناس » مفعول له أي دلالة و بيانا و قيل يعني به الكتب الثلاثة أي ليهتدي أهل كل كتاب بكتابه و أهل كل زمان بما أنزل في زمانه و قيل إن « هدى للناس » حال من الكتاب أي هاديا للناس « و أنزل الفرقان » يعني به القرآن و إنما كرر ذلك لما اختلفت دلالات صفاته و إن كانت لموصوف واحد لأن كل صفة فيها فائدة غير فائدة الأخرى فإن الفرقان هو الذي يفرق بين الحق

(2/209)


و الباطل فيما يحتاج إليه من أمور الدين في الحج و غيره من الأحكام و ذلك كله في القرآن و وصفه بالكتاب يفيد أن من شأنه أن يكتب و روى عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال الفرقان هو كل آية محكمة في الكتاب و هو الذي يصدق فيه من كان قبله من الأنبياء و قيل المراد بالفرقان الهادلة الفاصلة بين الحق و الباطل عن أبي مسلم و قيل المراد به الحجة القاطعة لمحمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) على من حاجه في أمر عيسى و قيل المراد به النصر « إن الذين كفروا ب آيات الله » أي بحججه و دلالاته « لهم عذاب شديد » لما بين حججه الدالة على توحيده و صدق أنبيائه عقب ذلك بوعيد من خالف فيه و جحده ليتكامل به التكليف « و الله عزيز » أي قادر لا يتمكن أحد أن يمنعه من عذاب من يريد عذابه و أصل العزة الامتناع و منه أرض عزاز أي منيعة السلوك لصعوبتها و منه يقال من عز بز أي من غلب سلب لأن الغالب ممتنع عن الضيم فالله تعالى عزيز أي ممتنع من حيث أنه قادر لنفسه لا يعجزه شيء « ذو انتقام » أي ذو قدرة على الانتقام من الكفار لا يتهيأ لأحد منعه و الانتقام مجازاة المسيء على إساءته « إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض و لا في السماء » لما ذكر سبحانه الوعيد على الإخلال بمعرفته مع نصب الأدلة على توحيده و صدق أنبيائه اقتضى أن يذكر أنه لا يخفى عليه شيء فيكون في ذلك تحذير من الاغترار بالاستسرار بمعصيته لأن المجازي لا تخفى عليه خافية فإن قيل لم قال « لا يخفى عليه شيء في الأرض و لا في السماء » و لم يقل لا يخفى عليه شيء على وجه من الوجوه فيكون أشد مبالغة قلنا لأن الغرض أن يعلمنا أنه يعلم ما يستسر به في الأرض أو في السماء و الإفصاح بذكر ذلك أعظم في النفس و أهول في الصدر مع الدلالة على أنه عالم بكل شيء فإن قيل لم لم يقل أنه عالم بكل شيء في الأرض و السماء قلنا لأن الوصف بأنه لا يخفى عليه شيء يدل على أنه يعلمه من كل وجه يصح أن يعلم منه مع ما فيه من التصرف في العبارة و إنما لا يخفى عليه شيء لأنه عالم لنفسه فيجب أن يعلم كل ما يصح أن يكون معلوما و ما يصح أن يكون معلوما لا نهاية له فلا يجوز أن يخفى عليه شيء بوجه من الوجوه .
هُوَ الَّذِى يُصوِّرُكمْ فى الأَرْحَامِ كَيْف يَشاءُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الحَْكِيمُ(6)
اللغة
التصوير جعل الشيء على صورة لم يكن عليها و الصورة هيئة يكون عليها الشيء في التأليف و أصلها من صاره يصوره إذا أماله لأنها مائلة إلى هيئة بالشبه لها و الفرق

(2/210)


بين الصورة و الصيغة أن الصيغة عبارة عما وضع في اللغة ليدل على أمر من الأمور و ليس كذلك الصورة لأن دلالتها على جعل جاعل شيئا على بنية و الأرحام جمع رحم و أصله الرحمة و ذلك لأنها مما يتراحم به و يتعاطف يقولون وصلتك رحم و المشيئة هي الإرادة .
الإعراب
كيف في موضع نصب على المصدر تقديره أي نوع يشاء و جملة يشاء في موضع الحال من يصور أي « يصوركم في الأرحام » أي يخلق صوركم في الأرحام شائيا مريدا أي نوع أراده .
المعنى
« هو الذي يصوركم » أي يخلق صوركم « في الأرحام كيف يشاء » على أي صورة شاء و على أي صفة شاء من ذكر أو أنثى أو صبيح أو دميم أو طويل أو قصير « لا إله إلا هو العزيز » في سلطانه « الحكيم » في أفعاله و دلت الآية على وحدانية الله و كمال قدرته و تمام حكمته حيث صور الولد في رحم الأم على هذه الصفة و ركب فيه من أنواع البدائع من غير آلة و لا كلفة و قد تقرر في عقل كل عاقل إن العالم لو اجتمعوا على أن يخلقوا من الماء بعوضة و يصوروا منه صورة في حال ما يشاهدونه و يصرفونه لم يقدروا على ذلك و لا وجدوا إليه سبيلا فكيف يقدرون على الخلق في الأرحام فتبارك الله أحسن الخالقين و هذا الاستدلال مروي عن جعفر بن محمد (عليهماالسلام) .
هُوَ الَّذِى أَنزَلَ عَلَيْك الْكِتَب مِنْهُ ءَايَتٌ محْكَمَتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَبِ وَ أُخَرُ مُتَشبِهَتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشبَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَ مَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَ الرَّسِخُونَ فى الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كلُّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَ مَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُوا الأَلْبَبِ(7)
اللغة
المحكم مأخوذ من قولك 0 أحكمت الشيء إذا ثقفته و أتقنته و أم الكتاب أصله و مكة أم القرى و يقال لعلم الجيش أم و أصله أمهة و لذلك يجمع على أمهات و قد يقال أمات أيضا و المتشابه الذي يشبه بعضه بعضا فيغمض أخذ من الشبه لأنه يشتبه به المراد و الزيغ الميل و إزاغة إمالة و التزايغ التمايل في الأسنان و الابتغاء الطلب و الفتنة أصلها

(2/211)


الاختبار من قولهم فتنت الذهب بالنار أي اختبرته و قيل معناه خلصته و التأويل و التفسير و أصله المرجع و المصير من قولهم آل أمره إلى كذا يؤول أولا إذا صار إليه و أولته تأويلا إذا صيرته إليه قال الأعشى :
على أنها كانت تأول حبها
تأول ربعي السقاب فأصحبا أي كان حبها صغيرا ف آل إلى العظم كما آل السقب و هو الصغير من أولاد النوق إلى الكبر و الراسخون الثابتون يقال رسخ رسوخا إذا ثبت في موضعه و أرسخه غيره .
الإعراب
منه آيات جملة من مبتدإ و خبر في موضع النصب على الحال من أنزل و تقديره أنزل الكتاب محكما و متشابها « هن أم الكتاب » جملة في موضع الرفع لكونها صفة لآيات و آخر عطف على آيات و هو صفة مبتدإ محذوف و تقديره و منه آيات أخر و متشابهات صفة بعد صفة و أخر غير منصرف قال سيبويه أن أخر فارقت أخواتها و الأصل الذي عليه بناء أخواتها لأن أخر أصلها أن يكون صفة بالألف و اللام كما يقال الصغرى و الصغر فلما عدل عن مجرى الألف و اللام و أصل أفعل منك و هي مما لا تكون إلا صفة منعت الصرف و قال الكسائي إنما لم تصرف لأنه صفة و هذا غلط لأن قولهم مال لبد و حطم منصرفان مع كونهما صفة و ابتغاء نصب لأنه مفعول له في الموضعين « و كل من عند ربنا » مبتدأ و خبر و هو اسم دال على المضاف إليه كثير في الكلام حذف المضاف إليه منه عند البصريين و لا يجيزون إنا كلا فيها على الصفة و أجازه الكوفيون لأنه إنما حذف عندهم لدلالته عليه اسما كان أو صفة و إنما بني قبل على الغاية و لم يبن كل و إن حذف من كل واحد منهما المضاف إليه لأن قبل ظرف يعرف و ينكر ففرق بين ذلك بالبناء الذي يدل على تعريفه بالمضاف إليه و الإعراب الذي يدل على تنكيره بالانفصال و ليس كذلك كل لأنه معرفة في الأفراد دون نكرة فأما ليس غير فمشبه بحسب لما فيه من معنى الأمر .
المعنى
لما تقدم بيان إنزال القرآن عقبه بيان كيفية إنزاله فقال « هو الذي أنزل عليك » يا محمد « الكتاب » أي القرآن « منه » أي من الكتاب « آيات محكمات هن أم الكتاب » أي أصل الكتاب « و أخر متشابهات » قيل في المحكم و المتشابه أقوال ( أحدها ) أن المحكم ما علم المراد بظاهره من غير قرينة تقترن إليه و لا دلالة تدل على المراد به لوضوحه نحو قوله تعالى « إن الله لا يظلم الناس شيئا » و « لا يظلم مثقال ذرة »

(2/212)


و نحو ذلك مما لا يحتاج في معرفة المراد به إلى دليل و المتشابه ما لا يعلم المراد بظاهره حتى يقترن به ما يدل على المراد منه لالتباسه نحو قوله « و أضله الله على علم » فإنه يفارق قوله و أضلهم السامري لأن إضلال السامري قبيح و إضلال الله تعالى حسن و هذا معنى قول مجاهد المحكم ما لم تشتبه معانيه و المتشابه ما اشتبهت معانيه و إنما يقع الاشتباه في أمور الدين كالتوحيد و نفي التشبيه و الجور أ لا ترى أن قوله « ثم استوى على العرش » يحتمل في اللغة أن يكون كاستواء الجالس على سريره و أن يكون بمعنى القهر و الاستيلاء و الوجه الأول لا يجوز عليه سبحانه ( و ثانيها ) أن المحكم الناسخ و المتشابه المنسوخ عن ابن عباس ( و ثالثها ) إن المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا و المتشابه ما يحتمل وجهين فصاعدا عن محمد بن جعفر بن الزبير و أبي علي الجبائي ( و رابعها ) إن المحكم ما لم تتكرر ألفاظه و المتشابه ما تكرر ألفاظه كقصة موسى و غير ذلك عن ابن زيد ( و خامسها ) إن المحكم ما يعلم تعيين تأويله و المتشابه ما لا يعلم تعيين تأويله كقيام الساعة عن جابر بن عبد الله و إنما وحد أم الكتاب و لم يقل هن أمهات الكتاب لوجهين ( أحدهما ) أنه على وجه الجواب كأنه قيل ما أم الكتاب فقال هن أم الكتاب كما يقال من نظير زيد فيقال نحن نظيره ( و الثاني ) إن الآيات بمجموعها أصل الكتاب و ليست كل آية محكمة أم الكتاب و أصله لأنها جرت مجرى شيء واحد في البيان و الحكمة و مثله قوله « و جعلنا ابن مريم و أمه » آية و لم يقل آيتين لأن شأنهما واحد في أنها جاءت به من غير ذكر فلم تكن الآية لها إلا به و لا له إلا بها و لو أراد أن كل واحد منهما آية على التفصيل لقال آيتين « فأما الذين في قلوبهم زيغ » أي ميل عن الحق و إنما يحصل الزيغ بشك أو جهل « فيتبعون ما تشابه منه » أي يحتجون به على باطلهم « ابتغاء الفتنة » أي لطلب الضلال و الإضلال و إفساد الدين على الناس و قيل لطلب التلبيس على ضعفاء الخلق عن مجاهد و قيل لطلب الشرف و المال كما سمى الله المال فتنة في مواضع من كتابه و قيل المراد بالفتنة هاهنا الكفر و هو المروي عن أبي عبد الله و قول الربيع و السدي « و ابتغاء تأويله » و لطلب تأويله على خلاف الحق و قيل لطلب مدة أكل محمد على حساب الجمل و ابتغاء معاقبته و يدل على ذلك قوله ذلك خير و أحسن تأويلا أي عاقبة و قول العرب تأول الشيء إذا انتهى و قال الزجاج معنى ابتغائهم تأويله أنهم طلبوا تأويل بعثهم و إحيائهم فأعلم الله أن ذلك لا يعلمه إلا الله و يدل على ذلك قوله هل ينظرون إلا تأويله و اختلف في

(2/213)


الذين عنوا بهذا فقيل عني به وفد نجران لما حاجوه في أمر عيسى و سألوه فقالوا أ ليس هو كلمة الله و روحا منه فقال بلى فقالوا حسبنا فأنزل الله « فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه » يعني أنهم قالوا أن الروح ما فيه بقاء البدن فأجروه على ظاهره و المسلمون يحملونه على أن بقاء البدن كان في وقته به كما أن بقاء البدن بالروح و قد قامت الدلالة على أن القديم تعالى ليس بذي أجزاء و أعضاء و إنما يضاف الروح إليه تشريفا للروح كما يضاف البيت إليه ثم أنزل أن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب عن الربيع و قيل هم اليهود طلبوا علم أكل هذه الأمة و استخرجه بحساب الجمل عن الكلبي و قيل هم المنافقون عن ابن جريح و قيل بل كل من احتج بالمتشابه لباطله فالآية فيه عامة كالحرورية و السبائية عن قتادة « و ما يعلم تأويله إلا الله و الراسخون في العلم » أي الثابتون في العلم الضابطون له المتقنون فيه و اختلف في نظمه و حكمه على قولين ( أحدهما ) أن الراسخون معطوف على الله بالواو على معنى أن تأويل المتشابة لا يعلمه إلا الله و إلا الراسخون في العلم فإنهم يعلمونه « و يقولون » على هذا في موضع النصب على الحال و تقديره قائلين « آمنا به كل من عند ربنا » كقول ابن المفرغ الحميري :
الريح تبكي شجوة
و البرق يلمع في غمامة أي و البرق يبكي أيضا لامعا في غمامة و هذا قول ابن عباس و الربيع و محمد بن جعفر بن الزبير و اختيار أبي مسلم و هو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) فإنه قال كان رسول الله أفضل الراسخين في العلم قد علم جميع ما أنزل الله عليه من التأويل و التنزيل و ما كان الله لينزل عليه شيئا لم يعلمه تأويله و هو و أوصياؤه من بعده يعلمونه كله و مما يؤيده هذا القول أن الصحابة و التابعين أجمعوا على تفسير جميع آي القرآن و لم نرهم توقفوا على شيء منه و لم يفسروه بأن قالوا هذا متشابه لا يعلمه إلا الله و كان ابن عباس يقول في هذه الآية أنا من الراسخين في العلم و القول الآخر أن الواو في قوله « و الراسخون » واو الاستئناف فعلى هذا القول يكون تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله تعالى و الوقف عند قوله « و ما يعلم تأويله إلا الله » و يبتدي « و الراسخون في العلم يقولون آمنا به » فيكون مبتدأ و خبرا و هذا قول عائشة و عروة بن الزبير و الحسن و مالك و اختيار الكسائي و الفراء و الجبائي و قالوا إن الراسخين لا يعلمون تأويله و لكنهم يؤمنون به فالآية راجعة على هذا التأويل إلى العلم بمدة أكل هذه الأمة و وقت قيام الساعة و فناء الدنيا و وقت طلوع الشمس من مغربها و نزول

(2/214)


عيسى و خروج الدجال و نحو ذلك مما استأثر الله بعلمه و يكون التأويل على هذا القول بمعنى المتأول كقوله هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يعني الموعود به و قوله « كل من عند ربنا » معناه المحكم و المتشابه جميعا من عند ربنا « و ما يذكر » أي و ما يتفكر في آيات الله و لا يرد المتشابه إلى المحكم « إلا أولوا الألباب » أي ذوو العقول فإن قيل لم أنزل الله تعالى في القرآن المتشابه و هلا جعله كله محكما فالجواب أنه لو جعل جميعه محكما لا تكل الناس كلهم على الخبر و استغنوا عن النظر و لكان لا يتبين فضل العلماء على غيرهم و لكان لا يحصل لهم ثواب النظر و إتعاب الخواطر في استنباط المعاني و قال القاضي الماوردي قد وصف الله تعالى جميع القرآن بأنه محكم بقوله « الر كتاب أحكمت آياته » و وصف جميعه أيضا بأنه متشابه بقوله الله « نزل أحسن الحديث كتابا متشابها » فمعنى الأحكام الإتقان و المنع أي هو ممنوع بإتقانه و إحكام معانيه عن اعتراض خلل فيه فالقرآن كله محكم من هذا الوجه و قوله متشابها أي يشبه بعضه بعضا في الحسن و الصدق و الثواب و البعد عن الخلل و التناقض فهو كله متشابه من هذا الوجه .
رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَ هَب لَنَا مِن لَّدُنك رَحْمَةً إِنَّك أَنت الْوَهَّاب(8) رَبَّنَا إِنَّك جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْم لا رَيْب فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِف الْمِيعَادَ(9)
اللغة
الهبة تمليك الشيء من غير مثامنة و الهبة و النحلة و الصلة نظائر و في لدن خمس لغات لدن و لدن بضم اللام و الدال و لدن بفتح اللام و الدال و لدن بفتح اللام و سكون الدال و كسر النون و لدن بحذف النون و الميعاد بمعنى الوعد كما إن الميقات بمعنى الوقت .
الإعراب
اللام في قوله « ليوم لا ريب فيه » معناه في يوم و إنما جاز ذلك لما دخل الكلام من اللام فإن تقديره جامع الناس للجزاء في يوم لا ريب فيه فلما حذف لفظ الجزاء دخلت على ما يليه فأغنت عن في لأن حروف الإضافة متواخية لما يجمعها من معنى الإضافة و قد كان يجوز فتح أن في قوله « إن الله لا يخلف » على تقدير « جامع الناس ليوم لا ريب فيه » لأن الله لا يخلف الميعاد و لم يقرأ به .

(2/215)


المعنى
« ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا » هذه حكاية عن قول الراسخين في العلم الذين ذكرهم الله في الآية الأولى و ذكر في تأويله وجوه ( أحدها ) إن معناه لا تمنعنا لطفك الذي معه تستقيم القلوب فتميل قلوبنا عن الإيمان بعد إذ وفقتنا بألطافك حتى هديتنا إليك و هذا دعاء بالتثبيت على الهداية و الأمداد بالألطاف و التوفيقات و يجري مجرى قولهم اللهم لا تسلط علينا من لا يرحمنا و المعنى لا تخل بيننا و بين من لا يرحمنا فيسلط علينا فكأنهم قالوا لا تخل بيننا و بين نفوسنا بمنعك التوفيق و الألطاف عنا فنزيغ و نضل و إنما يمنع ذلك بسبب ما يكتسبه العبد من المعصية و يفرط فيه من التوبة كما قال فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ( و ثانيها ) إن معناه لا تكلفنا من الشدائد ما يصعب علينا فعله و تركه فتزيغ قلوبنا بعد الهداية و نظيره فلما كتب عليهم القتال تولوا فأضافوا ما يقع من زيغ القلوب إليه سبحانه لأن ذلك يكون عند تشديده تعالى المحنة عليهم كما قال سبحانه فزادتهم رجسا إلى رجسهم و لم يزدهم دعائي إلا فرارا ( و ثالثها ) ما قاله أبو علي الجبائي إن المراد لا تزغ قلوبنا عن ثوابك و رحمتك و هو ما ذكره الله من الشرح و السعة بقوله يشرح صدره للإسلام و ذكر أن ضد هذا الشرح هو الضيق و الحرج اللذان يفعلان بالكفار عقوبة و من ذلك التطهير الذي يفعله في قلوب المؤمنين و يمنعه الكافرين كما قال تعالى أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم و من ذلك كتابته الإيمان في قلوب المؤمنين كما قال أولئك كتب في قلوبهم الإيمان و ضد هذه الكتابة هي سمات الكفر التي في قلوب الكافرين فكأنهم سألوا الله أن لا يزيغ قلوبهم عن هذا الثواب إلى ضده من العقاب ( و رابعها ) أن الآية محمولة على الدعاء بأن لا يزيغ القلوب عن اليقين و الإيمان و لا يقتضي ذلك أنه تعالى سئل عما لو لا المسألة لجاز أن يفعله لأنه غير ممتنع أن يدعوه على سبيل الانقطاع إليه و الافتقار إلى ما عنده بأن يفعل ما نعلم أن يفعله و بأن لا يفعل ما نعلم أنه واجب أن لا يفعله إذا تعلق بذلك ضرب من المصلحة كما قال سبحانه « قل رب احكم بالحق » و قال « ربنا و آتنا ما وعدتنا على رسلك » و قال حاكيا عن إبراهيم و لا تخزني يوم يبعثون فإن قيل هلا جاز على هذا أن يقول ( ربنا لا تظلمنا و لا تجر علينا ) فالجواب إنما لم يجز ذلك لأن فيه تسخطا من السائل و إنما يستعمل ذلك فيمن جرت عادته بالجور و الظلم و ليس كذلك ما نحن فيه « و هب لنا من لدنك رحمة » أي من عندك لطفا نتوصل به إلى الثبات على الإيمان إذ لا نتوصل إلى الثبات على الإيمان إلا بلطفك كما لا يتوصل إلى ابتدائه إلا بذلك و قيل نعمة « إنك أنت الوهاب » المعطي للنعمة الذي شأنه الهبة و العطية « ربنا » أي و يقولون يا سيدنا و خالقنا « إنك جامع الناس »

(2/216)


للجزاء « ليوم » أي في يوم « لا ريب فيه » أي ليس فيه موضع ريب و شك لوضوحه و هذا يتضمن إقرارهم بالبعث « إن الله لا يخلف الميعاد » أي لا يخلف الوعد و قيل هو متصل بما قبله من دعاء الراسخين في العلم و إن خالف آخر الكلام أوله في الخطاب و الغيبة فيكون مثل قوله حتى إذا كنتم في الفلك و جرين بهم و تقديره فاغفر لنا إنك لا تخلف ما وعدته و قيل أنه على الاستيناف و هو اختيار الجبائي فيكون إخبارا عن الله تعالى .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنىَ عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَ لا أَوْلَدُهُم مِّنَ اللَّهِ شيْئاً وَ أُولَئك هُمْ وَقُودُ النَّارِ(10)
اللغة
الوقود الحطب و الوقود إيقاد النار .
المعنى
ثم بين تعالى حال الذين في قلوبهم زيغ فقال « إن الذين كفروا » ب آيات الله و رسله « لن تغني » أي لن تدفع « عنهم أموالهم و لا أولادهم من الله شيئا » قال أبو عبيدة من هنا بمعنى عند و قال المبرد و هي على أصلها لابتداء الغاية و تقديره لن تغني عنهم غنا ابتداء و انتهاء و قيل معناه من عذاب الله شيئا « و أولئك هم وقود النار » أي حطب النار تتقد النار بأجسامهم كما قال في موضع آخر حصب جهنم .
كدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ وَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِئَايَتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَ اللَّهُ شدِيدُ الْعِقَابِ(11)
اللغة
الدأب العادة يقال دأب يدأب دأبا و دأبا إذا اعتاد الشيء و تمرن عليه و الدأب الاجتهاد يقال دأب في كذا دأبا و دئوبا إذا اجتهد فيه و بالغ و نقل من هذا إلى العادة لأنه بالغ فيه حتى صار عادة له قال زهير :
لأرتحلن بالفجر ثم لأدئبن
إلى الليل إلا أن يعرجني طفل

(2/217)


و الذنب و الجرم واحد يقال أذنب فهو مذنب و الذنب تلو الشيء يقال ذنبه يذنبه إذا تلاه و الذنوب الدلو لأنها تالية للحبل في الجذب و الذنوب النصيب لأنه كالدلو في الأنعام و الذنوب الفرس الوافر شعر الذنب و أصل الباب التلو فالذنب الجرم لما يتلوه من استحقاق الذم كما أن العقاب سمي بذلك لأنه يستحق عقيب الذنب .
الإعراب
الكاف في قوله « كدأب » متعلق بمحذوف و تقديره عادتهم كعادة آل فرعون فيكون الكاف في موضع رفع بأنها خبر مبتدإ و لا يجوز أن يعمل فيها كفروا لأن صلة الذين قد انقطعت بالخبر و لكن جاز أن يكون في موضع نصب بوقود النار لأن فيه معنى الفعل على تقدير تتقد النار بأجسامهم كما تتقد بأجسام آل فرعون كذبوا جملة في موضع الحال و العامل فيه المعنى في دأب آل فرعون و قد مقدرة معه .
المعنى
عادة هؤلاء الكفار في التكذيب بك و بما أنزل إليك « كدأب آل فرعون » أي كعادة آل فرعون في التكذيب برسولهم و ما أنزل إليه عن ابن عباس و عكرمة و مجاهد و الضحاك و السدي و قيل معناه اجتهاد هؤلاء الكفار في قهرك و إبطال أمرك كاجتهاد آل فرعون في قهر موسى عن الأصم و الزجاج و قيل كعادة الله في آل فرعون في إنزال العذاب بهم بما سلف من إجرامهم و قيل كسنة آل فرعون عن الربيع و الكسائي و أبي عبيدة و قيل كأمر آل فرعون و شأنهم عن الأخفش و قيل كحال آل فرعون عن قطرب « و الذين من قبلهم » يعني كفار الأمم الماضية « كذبوا ب آياتنا فأخذهم الله بذنوبهم » أي عاقبهم الله بذنوبهم و سمي المعاقبة مؤاخذة لأنها أخذ بالذنب فالأخذ بالذنب عقوبة « و الله شديد العقاب » لمن يعاقبه .
قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا ستُغْلَبُونَ وَ تُحْشرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَ بِئْس الْمِهَادُ(12)
القراءة
قرأ أهل الكوفة غير عاصم سيغلبون و يحشرون بالياء فيهما و الباقون بالتاء .
الحجة
من اختار التاء فلقوله قد كان لكم آية فأجرى الجميع على الخطاب و من اختار الياء فللتصرف في الكلام و الانتقال من خطاب المواجهة إلى الخبر بلفظ الغائب و يؤيده قوله « قل للذين كفروا أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف » « قل للذين آمنوا يغفروا » و قيل إن الخطاب لليهود و الضمير في « ستغلبون » للمشركين لأن اليهود أظهروا

(2/218)


السرور بما كان من المشركين يوم أحد فعلى هذا لا يكون إلا بالياء لأن المشركين غيب .
اللغة
الحشر الجمع مع سوق و منه يقال للنبي الحاشر لأنه يحشر الناس على قدميه كأنه يقدمهم و هم خلفه لأنه آخر الأنبياء فيحشر الناس في زمانه و ملته و جهنم اسم من أسماء النار و قيل أخذ من الجهنام و هي البئر البعيدة القعر و المهاد القرار و هي الموضع الذي يتمهد فيه أي ينام فيه مثل الفراش .
النزول
روى محمد بن إسحاق بن يسار عن رجاله قال لما أصاب رسول الله قريشا ببدر و قدم المدينة جمع اليهود في سوق قينقاع فقال يا معشر اليهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر و أسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم و قد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم فقالوا يا محمد لا يغرنك أنك لقيت قوما أغمارا لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة أنا و الله لو قاتلناك لعرفت أنا نحن الناس فأنزل الله هذه الآية و روي أيضا عن عكرمة و سعيد بن جبير عن ابن عباس و رواه أصحابنا أيضا و قيل نزلت في مشركي مكة ستغلبون يوم بدر عن مقاتل و قيل بل نزلت في اليهود لما قتل الكفار ببدر و هزموا قالت اليهود أنه النبي الأمي الذي بشرنا به موسى و نجده في كتابنا بنعته و صفته و أنه لا ترد له راية ثم قال بعضهم لبعض لا تعجلوا حتى تنظروا إلى وقعة أخرى فلما كان يوم أحد و نكب أصحاب رسول الله شكوا و قالوا لا و الله ما هو به فغلب عليهم الشقاء فلم يسلموا و قد كان بينهم و بين رسول الله عهد إلى مدة لم تنقض فنقضوا ذلك العهد قبل أجله و انطلق كعب بن الأشرف إلى مكة في ستين راكبا فوافقوهم و أجمعوا أمرهم على رسول الله لتكونن كلمتنا واحدة ثم رجعوا إلى المدينة فأنزل الله فيهم هذه الآية عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس .
المعنى
لما تقدم ذكر ما أصاب القرون الخالية بالتكذيب للرسل من العذاب حذر هؤلاء من أن يحل بهم ما حل بأولئك فقال تعالى « قل للذين كفروا » إما مشركي مكة أو اليهود على ما تقدم ذكره « ستغلبون » أي ستهزمون و تصيرون مغلوبين في الدنيا « و تحشرون » أي تجمعون « إلى جهنم » في الآخرة و قد فعل الله ذلك فاليهود غلبوا بوضع الجزية عليهم و المشركون غلبوا بالسيف و إذا قرىء سيغلبون بالياء فقد يمكن أن يكون المغلوبون و المحشورون من غير المخاطبين و أنهم قوم آخرون و يمكن أن يكونوا

(2/219)


إياهم قال الفراء يقال قل لعبد الله أنه قائم و أنك قائم و إذا قرىء بالتاء فلا يجوز أن يظن هذا فلا يكونون غير المخاطبين « و بئس المهاد » أي بئس ما مهد لكم و بئس ما مهدتم لأنفسكم عن ابن عباس و قيل معناه بئس القرار عن الحسن و قيل بئس الفراش الممهد لهم و في الآية دلالة على صحة نبوة نبينا (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لأن مخبره قد خرج على وفق خبره فدل ذلك على صدقه و لا يكون ذلك على وجه الاتفاق لأنه بين أخبارا كثيرة من الاستقبال فخرج الجميع كما قال فكما أن كل واحد منها كان معجزا إذ الله لا يطلع على غيبه إلا من ارتضى من رسول كذلك هذه الآية و إذا ثبت صدقه على أحد الخبرين و هو أنهم سيغلبون ثبت صدقه في الخبر الآخر و هو أنهم يحشرون إلى جهنم .
قَدْ كانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فى فِئَتَينِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَتِلُ فى سبِيلِ اللَّهِ وَ أُخْرَى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْى الْعَينِ وَ اللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصرِهِ مَن يَشاءُ إِنَّ فى ذَلِك لَعِبرَةً لأُولى الأَبْصرِ(13)
القراءة
قرأ أهل المدينة و البصرة عن أبي عمرو ترونهم بالتاء و الباقون بالياء و روي في الشواذ عن ابن عباس يرونهم بضم الياء .
الحجة
قال أبو علي ( ره ) من قرأ « يرونهم » بالياء فلأن بعد الخطاب غيبة و هو قوله « فئة تقاتل في سبيل الله و أخرى كافرة يرونهم » أي ترى الفئة المقاتلة في سبيل الله الفئة الكافرة مثليهم و مما يؤكد الياء قوله « مثليهم » و لو كان على التاء لكان مثليكم و إن كان قد جاء و ما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون و رأيت هنا هي المتعدية إلى مفعول واحد و يدل على ذلك تقييده برأي العين و إذا كان كذلك كان انتصاب مثليهم على الحال لا على أنه مفعول ثان و أما مثل فقد يفرد في موضع التثنية و الجمع فمن الأفراد في التثنية قوله :
و ساقيين مثل زبل و جعل ) و من إفراده على الجمع قوله إنكم إذا مثلهم و من جمعه قوله ثم لا يكونوا أمثالكم و من قرأ ترونهم فللخطاب الذي قبله و هو قوله « قد كان لكم آية » ترونهم مثليهم فالضمير في ترونهم للمسلمين و الضمير المنصوب للمشركين أي ترون أيها المسلمون المشركين مثلي المسلمين فأما قراءة ابن عباس يرونهم فوجهه ما قاله

(2/220)


ابن جني أن أريت و أرى أقوى في اليقين من رأيت تقول أرى أن سيكون كذا أي هذا غالب ظني و أرى أن سيكون كذا أي أعلمه و أتحققه .
اللغة
قد ذكرنا معنى الفئة عند قوله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة و الالتقاء و التلاقي و الاجتماع واحد و الأيد القوة و منه قوله تعالى « و داود ذا الأيد » يقال أدته أئيده أيدا أي قويته و أيدته أؤيده تأييدا بمعناه و العبرة الآية يقال اعتبرت بالشيء اعتبارا و عبرة و العبور النفوذ من أحد الجانبين إلى الآخر و سميت الآية عبرة لأنه يعبر عنها من منزل العلم إلى منزل الجهل و المعتبر بالشيء تارك جهله و واصل إلى علمه بما رأى و العبارة الكلام يعبر بالمعنى إلى المخاطب و العبارة تفسير الرؤيا و التعبير وزن الدراهم و غيرها و العبرة الدمعة و أصل الباب النفوذ .
الإعراب
قوله « فئة » تحتمل ثلاثة أوجه من الإعراب الرفع على الاستئناف بتقدير منهم فئة كذا و أخرى كذا و الجر على البدل و النصب على الحال كقول كثير :
و كنت كذي رجلين رجل صحيحة
و رجل رمى فيها الزمان فشلت أنشد بالرفع و الجر و قال ابن مفرغ :
و كنت كذي رجلين رجل صحيحة
و رجل رماها صائب الحدثان
فأما التي صحت فأزد شنوءة
و أما التي شلت فأزد عمان و قال آخر :
إذا مت كان الناس صنفين شامت
و آخر مئن بالذي كنت أصنع و لا يجوز أن يقول مررت بثلاثة صريع و جريح بالجر لأنه لم يستوف العدة و يجوز بالرفع على تقدير منهم صريع و منهم جريح فإن قلت مررت بثلاثة صريع و جريح و سليم جاز الرفع و الجر فإن زدت فيه اقتتلوا جاز الأوجه الثلاثة و القراءة بالرفع لا غير و قوله « رأي العين » يجوز أن يكون مصدرا ليرى و العين في موضع الرفع بأنه الفاعل و يجوز أن يكون ظرفا للمكان كما يقول ترونهم أمامكم .
النزول
نزلت الآية في قصة بدر و كان المسلمون ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا على

(2/221)


عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر سبعة و سبعون رجلا من المهاجرين و مائتان و ستة و ثلاثون رجلا من الأنصار و كان صاحب لواء رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و المهاجرين علي بن أبي طالب (عليه السلام) و صاحب راية الأنصار سعد بن عبادة و كانت الإبل في جيش رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) سبعين بعيرا و الخيل فرسين فرس للمقداد بن أسود و فرس لمرثد بن أبي مرثد و كان معهم من السلاح ستة أدرع و ثمانية سيوف و جميع من استشهد يومئذ أربعة عشر رجلا من المهاجرين و ثمانية من الأنصار و اختلف في عدة المشركين فروي عن علي (عليه السلام) و ابن مسعود أنهم كانوا ألفا و عن قتادة و عروة بن الزبير و الربيع كانوا بين تسعمائة إلى ألف و كانت خيلهم مائة فرس و رأسهم عتبة بن ربيعة بن عبد شمس و كان حرب بدر أول مشهد شهده رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و كان سبب ذلك عير أبي سفيان .
المعنى
لما وعد سبحانه الظفر لأهل الإيمان بين ما فعله يوم بدر بأهل الكفر و الطغيان فقال « قد كان لكم آية » قيل الخطاب لليهود الذين نقضوا العهد أي كان لكم أيها اليهود دلالة ظاهرة و قيل الخطاب للناس جميعا ممن حضر الوقعة و قيل للمشركين و اليهود آية أي حجة و علامة و معجزة دالة على صدق محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) « في فئتين التقتا » أي فرقتين اجتمعتا ببدر من المسلمين و الكافرين « فئة » فرقة « تقاتل » تحارب « في سبيل الله » في دينه و طاعته و هم الرسول و أصحابه « و أخرى » أي فرقة أخرى « كافرة » و هم المشركون من أهل مكة « يرونهم مثليهم » أي ضعفهم « رأي العين » أي في ظاهر العين و اختلف في معناه فقيل معناه يرى المسلمون المشركين مثلي عدد أنفسهم قللهم الله في أعينهم حتى رأوهم ستمائة و ستة و عشرين رجلا تقوية لقلوبهم و ذلك أن المسلمين قد قيل لهم فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين فأراهم الله عددهم حسب ما حد لهم من العدد الذي يلزمهم أن يقدموا عليهم و لا يحجموا عنهم و قد كانوا ثلاثة أمثالهم ثم ظهر العدد القليل على العدد الكثير عن ابن مسعود و جماعة من العلماء و قيل أن الرؤية للمشركين يعني يرى المشركون المسلمين ضعفي ما هم عليه فإن الله تعالى قبل القتال قلل المسلمين في أعينهم ليجترئوا عليهم و لا ينصرفوا فلما أخذوا في القتال كثرهم في أعينهم ليجبنوا و قلل المشركين في أعين المسلمين ليجترئوا عليهم و تصديق ذلك قوله تعالى « و إذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا و يقللكم في أعينهم » الآية و ذلك أحسن أسباب النصر للمؤمنين و الخذلان للكافرين و هذا قول السدي و إنما يتأتى هذا القول على قراءة من قرأ بالياء فأما قول من قرأ بالتاء فلا يحتمله إلا قول الأول على أن يكون الخطاب لليهود الذين لم يحضروا و هم المعنيون بقوله « قل للذين كفروا ستغلبون

(2/222)


و تحشرون » و هم يهود بني قينقاع فكأنه قال ( ترون أيها اليهود المشركين مثلي المسلمين مع أن الله أظهرهم عليهم فلا تغتروا بكثرتكم ) و اختار البلخي هذا الوجه أو يكون الخطاب للمسلمين الذي حضروا الوقعة أي ترون أيها المسلمون المشركين مثلي المسلمين و قال الفراء يحتمل قوله « يرونهم مثليهم » يعني ثلاثة أمثالهم لأنك إذا قلت عندي ألف و أحتاج إلى مثلها فأنت تحتاج إلى ألفين لأنك تريد أحتاج إلى مثلها مضافا إليها لا بمعنى بدلا منها فكأنك قلت أحتاج إلى مثليها و إذا قلت أحتاج إلى مثليها فأنت تحتاج إلى ثلاثة آلاف فكذلك في الآية المعنى يرونهم مثليهم مضافا إليهم فذلك ثلاثة أمثالهم قال و المعجز فيه إنما كان من جهة غلبة القليل الكثير و أنكر هذا الوجه الزجاج لمخالفته لظاهر الكلام و ما جاء في آية الأنفال من تقليل الأعداد فإن قيل كيف يصح تقليل الأعداد مع حصول الرؤية و ارتفاع الموانع و هل هذا إلا قول من جوز أن يكون عنده أجسام لا يدركها أو يدرك بعضها دون بعض قلنا يحتمل أن يكون التقليل في أعين المؤمنين بأن يظنوهم قليلي العدد لا أنهم أدركوا بعضا دون بعض لأن العلم بما يدركه الإنسان جملة غير العلم بما يدركه مفصلا و لأنا قد ندرك جمعا عظيما بأسرهم و نشك في أعدادهم حتى يقع الخلاف في حرز عددهم فعلى هذا يكون الوجه تأويل تقليل الأعداد و قوله « و الله يؤيد بنصره من يشاء » النصر منه سبحانه على الأعداء يكون على ضربين نصر بالغلبة و نصر بالحجة فالنصر بالغلبة إنما كان بغلبة العدد القليل للعدد الكثير على خلاف مجرى العادة و بما أمدهم الله به من الملائكة و قوى به نفوسهم من تقليل العدة و النصر بالحجة و هو وعده المتقدم بالغلبة لإحدى الطائفتين لا محالة و هذا ما لا يعلمه إلا علام الغيوب « إن في ذلك » أي في ظهور المسلمين مع قتلهم على المشركين مع كثرتهم و تقليل المشركين في أعين المسلمين و تكثير المسلمين في أعين المشركين « لعبرة لأولي الأبصار » أي لذوي العقول كما يقال لفلان بصير بالأمور و لا يراد به الأبصار بالحواس الذي يشترك فيه سائر الحيوان .
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُب الشهَوَتِ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنِينَ وَ الْقَنَطِيرِ الْمُقَنطرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضةِ وَ الْخَيْلِ الْمُسوَّمَةِ وَ الأَنْعَمِ وَ الْحَرْثِ ذَلِك مَتَعُ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَ اللَّهُ عِندَهُ حُسنُ الْمَئَابِ(14)

(2/223)


اللغة
الشهوات جمع شهوة و هي توقان النفس إلى المشتهى يقال اشتهى يشتهي شهوة و اشتهاء و الشهوة من فعل الله و لا يقدر عليها أحد من البشر و هي ضرورية فينا فإنه لا يمكننا دفعها عن نفوسنا و القناطير جمع قنطار و هو المال الكثير العظيم و أصله من الأحكام يقال قنطرت الشيء أحكمته و القنطر الداهية و قيل أصله من القنطرة و هو البناء المعقود للعبور و المقنطرة المحصلة من قناطير كقولهم دراهم مدرهمة أي مجعولة كذلك و دنانير مدنرة و قيل إنما ذكر المقنطرة للتأكيد و قد يؤتى بالمفعول و الفاعل تأكيدا فالمفعول مثل قوله حجرا محجورا و نسيا منسيا و الفاعل كقولهم شعر شاعر و موت مائت و المراد بالجميع المبالغة و التأكيد و سميت الخيل خيلا لاختيالها في مشيها و الاختيار من التخيل لأنه يتخيل به صاحبه في صورة من هو أعظم منه كبرا و المسومة من قولهم أسمت الماشية و سومتها إذا رعيتها و السيماء الحسن و السيمياء بمعناه قال الشاعر :
غلام رماه الله بالحسن يافعا
له سيمياء لا تشق على البصر و السيمياء العلامة و هو أصل الباب و الم آب المرجع من الأوب و هو الرجوع .
المعنى
ثم أنزل الله تعالى ما أخبر به عن السبب الذي دعا الناس إلى العدول عن الحق و الهدى و الركون إلى الدنيا فقال « زين للناس حب الشهوات » أي حب المشتهيات و لم يرد بها نفس الشهوة و لهذا فسرها بالنساء و البنين و غيرهما ثم اختلف فيمن زينها لهم فقيل الشيطان عن الحسن قال فو الله ما أجد أذم للدنيا ممن خلقها و قيل زينها الله تعالى لهم بما جعل في الطباع من الميل إليها و بما خلق فيها من الزينة محنة و تشديدا للتكليف كما قال سبحانه إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا و قيل زين الله تعالى ما يحسن منه و زين الشيطان ما يقبح عن أبي علي الجبائي ثم قدم سبحانه ذكر النساء فقال « من النساء » لأن الفتنة بهن أعظم و قال النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء و قال النساء حبائل الشيطان و قال أمير المؤمنين (عليه السلام) المرأة شر كلها و شر ما فيها أنه لا بد منها و هي عقرب حلوة اللسعة ثم قال « و البنين » لأن حبهم يدعو إلى جمع الحرام و قال النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) للأشعث بن قيس هل لك من ابنة حمزة من ولد قال نعم لي منها غلام و لوددت أن لي من جفنة من طعام أطعمها من معي من بني جبلة فقال لئن قلت ذاك إنهم لثمرة القلوب و قرة الأعين و إنهم مع ذلك لمجبنة مبخلة محزنة « و القناطير » جمع قنطار و اختلف في مقداره فقيل ألف و مائتا أوقية عن معاذ بن جبل و أبي بن كعب و عبد الله بن عمر و قيل ألف و مائتا مثقال عن ابن عباس و الحسن و الضحاك و قيل ألف

(2/224)


دينار أو اثنا عشر ألف درهم عن الحسن بخلاف و قيل ثمانون ألفا من الدراهم أو مائة رطل عن قتادة و قيل سبعون ألف دينار عن مجاهد و عطاء و قيل هو ملء مسبك ثور ذهبا عن أبي نضرة و به قال الفراء و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله و « المقنطرة » المضاعفة عن قتادة و قيل هي تسعة قناطير عن الفراء و قيل هي الأموال المنضد بعضها فوق بعض عن الضحاك و قيل الكاملة المجتمعة و قيل هي من الذهب و الفضة عن الزجاج و لا يصح قول من قال من الذهب خاصة لأن الله ذكر القنطار فيهما جميعا و جميع الأقوال يرجع إلى الكثرة « و الخيل المسومة » قيل معناه الأفراس الراعية عن سعيد بن جبير و ابن عباس و الحسن و الربيع و قيل هي الحسنة من السيمياء و هو الحسن عن مجاهد و عكرمة و السدي و قيل هي المعلمة عن قتادة و في رواية عن ابن عباس المعدة للجهاد عن ابن زيد « و الأنعام » و هي جمع النعم و هي الإبل و البقر و الغنم من الضأن و المعز و لا يقال لجنس منها على الانفراد نعم إلا للإبل خاصة لأنها يغلب عليه جملة و تفصيلا « و الحرث » معناه الزرع هذه كلها محببة إلى الناس كما ذكر الله تعالى ثم بين أن ذلك كله مما يتمتع به في الحياة ثم يزول عن صاحبه و المرجع إلى الله فأجدر بالإنسان أن يزهد فيه و يرغب فيما عند ربه فقال « ذلك متاع الحياة الدنيا » يعني كل ما سبق ذكره مما يستمتع به في الحياة الدنيا ثم يفنى « و الله عنده حسن الم آب » يعني حسن المرجع فالماب مصدر سمي به موضع الإياب .
* قُلْ أَ ؤُنَبِّئُكم بِخَير مِّن ذَلِكمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّتٌ تَجْرِى مِن تحْتِهَا الأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا وَ أَزْوَجٌ مُّطهَّرَةٌ وَ رِضوَنٌ مِّنَ اللَّهِ وَ اللَّهُ بَصِيرُ بِالْعِبَادِ(15)
القراءة
قرأ أبو بكر عن عاصم و رضوان بضم الراء كل القرآن و الباقون بكسر الراء .
الحجة
الرضوان مصدر فمن كسره جعله كالرئمان و الحرمان و من ضمه جعله كالرجحان و الشكران و الكفران .

(2/225)


الإعراب
منتهى الاستفهام في « أ ؤنبئكم » عند قوله « عند ربهم » ثم استأنف « جنات تجري » على تقدير الجواب كأنه قيل ما ذلك الخير قال هو جنات و قيل منتهى الاستفهام عند قوله « بخير من ذلكم » ثم ابتدأ فقال « للذين اتقوا عند ربهم جنات » و يجوز في العربية في بإعراب جنات الرفع و الجر فالجر على أن يكون آخر الكلام « عند ربهم » و لا يجوز الجر على الوجه الآخر للفصل باللام كما لا يجوز أمرت لك بألفين و لأخيك مائتين حتى يقول بمائتين و لو قدمت فقلت و مائتين لأخيك لجاز و خالدين نصب على الحال .
المعنى
لما صغر تعالى الدنيا و زهد فيها في الآية الأولى عظم الآخرة و شرفها و رغب فيها في هذه الآية فقال « قل » يا محمد لأمتك « أ ؤنبئكم » أخبركم « بخير من ذلكم » بأنفع لكم مما سبق ذكره في الآية المتقدمة من شهوات الدنيا و لذاتها و زهراتها « للذين اتقوا » ما حرم الله عليهم « عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار » أي من تحت أشجارها الأنهار و على القول الآخر أخبركم بخير مما سبق « للذين اتقوا عند ربهم » ثم ابتدأ فقال « جنات » أي ذلك الخير جنات تجري من تحت أبنيتها الأنهار و بين الله بهذا أن أنهار الجنة جارية أبدا ليست كأنهار الدنيا التي يجري ماؤها تارة و ينقطع أخرى « خالدين فيها » أي مقيمين في تلك الجنات « و أزواج مطهرة » من الحيض و النفاس و جميع الأقذار و الأدناس و الطبائع الذميمة و الأخلاق اللئيمة « و رضوان من الله » و وراء هذه الجنات رضوان من الله « و الله بصير بالعباد » أي خبير بأفعالهم و أحوالهم .
الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا ءَامَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَ قِنَا عَذَاب النَّارِ(16) الصبرِينَ وَ الصدِقِينَ وَ الْقَنِتِينَ وَ الْمُنفِقِينَ وَ الْمُستَغْفِرِينَ بِالأَسحَارِ(17)
اللغة
المغفرة هي الستر للذنب برفع التبعة و الذنب و الجرم بمعنى واحد و الفرق بينهما أن أصل الذنب الاتباع فهو مما يتبع عليه العبد من قبيح عمله كالتبعة و الجرم أصله القطع فهو القبيح الذي ينقطع به عن الواجب و الفرق بين القول و الكلام أن القول فيه معنى الحكاية و ليس كذلك الكلام و الصابر الحابس نفسه عن جميع معاصي الله و المقيم على ما أوجب عليه من العبادات و الصادق المخبر بالشيء على ما هو به و القانت المطيع

(2/226)


و الأسحار جمع سحر و هو الوقت الذي قبل طلوع الفجر أصله الخفاء لخفاء الشخص في ذلك الوقت و السحر منه أيضا لخفاء سببه و السحر الرئة لخفاء موضعها .
الإعراب
يجوز في موضع الذين الرفع و النصب و الجر للإتباع للذين اتقوا و الرفع و النصب على المدح و كذلك باقي الصفات و يجوز أن يكون جرا على الصفة للذين اتقوا .
المعنى
ثم وصف المتقين الذين سبق ذكرهم في قوله للذين اتقوا فقال « الذين يقولون » أي المتقين القائلين « ربنا إننا آمنا » أي صدقنا الله و رسوله « فاغفر لنا ذنوبنا » أي استرها علينا و تجاوزها عنا « و قنا » أي و ادفع عنا « عذاب النار » ثم وصفهم بصفات أخر و مدحهم و أثنى عليهم فقال « الصابرين » أي على فعل ما أمرهم الله به و ترك ما نهاهم عنه و إن شئت قلت الصابرين على الطاعة و عن المعصية « و الصادقين » في إيمانهم و أقوالهم « و القانتين » قيل المطيعين عن قتادة و قيل الدائمين على الطاعة و العبادة عن الزجاج و قيل القائمين بالواجبات عن القاضي « و المنفقين » أموالهم في سبيل الخير و يدخل فيه الزكاة المفروضة و التطوع بالإنفاق « و المستغفرين بالأسحار » المصلين وقت السحر عن قتادة و رواه الرضا عن أبيه (عليه السلام) عن أبي عبد الله (عليه السلام) و قيل السائلين المغفرة في وقت السحر عن أنس و قيل المصلين صلاة الصبح في جماعة عن زيد بن أسلم و قيل الذين ينتهي صلاتهم إلى وقت السحر ثم يستغفرونه و يدعون عن الحسن و روي عن أبي عبد الله أن من استغفر الله سبعين مرة في وقت السحر فهو من أهل هذه الآية و روى أنس بن مالك عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال إن الله عز و جل يقول إني لأهم بأهل الأرض عذابا فإذا نظرت إلى عمار بيوتي و إلى المتهجدين و إلى المتحابين في و إلى المستغفرين بالأسحار صرفته عنهم .
شهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَ الْمَلَئكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ قَائمَا بِالْقِسطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكيمُ(18) إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الاسلَمُ وَ مَا اخْتَلَف الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَب إِلا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيَا بَيْنَهُمْ وَ مَن يَكْفُرْ بِئَايَتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سرِيعُ الحِْسابِ(19)

(2/227)


القراءة
قرأ الكسائي أن الدين بفتح الألف و الباقون بالكسر قال الزجاج و روي عن ابن عباس قال إنه لا إله إلا هو بكسر الألف و القراءة « أنه » بالفتح .
الحجة
قال أبو علي الوجه الكسر في إن لأن الكلام الذي قبله قد تم و من فتح أن جعله بدلا و البدل و إن كان في تقدير جملتين فإن العامل لما لم يظهر أشبه الصفة فإذا جعلته بدلا جاز أن تبدله من شيئين ( أحدهما ) من قوله « أنه لا إله إلا هو » فكان التقدير شهد الله أن الدين عند الله الإسلام فيكون البدل من الضرب الذي الشيء فيه هو هو و إن شئت جعلته من بدل الاشتمال لأن الإسلام يشتمل على التوحيد و العدل و إن شئت جعلته من القسط لأن الدين الذي هو الإسلام قسط و عدل فيكون من البدل الذي الشيء فيه هو هو و قال غيره إن الأولى و الثانية يجوز في العربية فتحهما جميعا و كسرهما جميعا و فتح الأولى و كسر الثانية و كسر الأولى و فتح الثانية فمن فتحهما أوقع الشهادة على أن الثانية و حذف الإضافة من الأولى و تقديره شهد الله أنه لا إله إلا هو أن الدين عند الله الإسلام و من كسرهما اعترض بالأولى على التعظيم لله تعالى به كما قيل لبيك إن الحمد و النعمة لك و كسر الثانية على الحكاية لأن معنى شهد معنى قال قال المؤرج شهد بمعنى قال في لغة قيس عيلان و من فتح الأولى و كسر الثانية و هو الأجود و عليه أكثر القراء أوقع الشهادة على الأولى و استأنف الثانية و من كسر الأولى أو فتح الثانية اعترض بالأولى و أوقع الشهادة على الثانية .
اللغة
حقيقة الشهادة الإخبار بالشيء عن مشاهدة أو ما يقوم مقام المشاهدة و معنى الدين هاهنا الطاعة و أصله الجزاء و سميت الطاعة دينا لأنها للجزاء و منه الدين لأنه كالجزاء في وجوب القضاء و الإسلام أصله السلم معناه دخل في السلم و أصل السلم السلامة لأنها انقياد على السلامة و يصلح أن يكون أصله التسليم لأنه تسليم لأمر الله و التسليم من السلامة لأنه تأدية الشيء على السلامة من الفساد فالإسلام هو تأدية الطاعات على السلامة من الإدغال و الإسلام و الإيمان بمعنى واحد عندنا و عند المعتزلة غير أن عندهم الواجبات من أفعال الجوارح من الإيمان و عندنا الإيمان من أفعال القلوب الواجبة و ليس من أفعال الجوارح و قد شرحناه في أول البقرة و الإسلام يفيد الانقياد لكل ما جاء به النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) من العبادات الشرعية و الاستسلام به و ترك النكير عليه فإذا قلنا دين المؤمن هو الإيمان و هو الإسلام فالإسلام هو الإيمان و نظير ذلك قولنا الإنسان بشر و الإنسان حيوان على الصورة الإنسانية فالحيوان على الصورة الإنسانية بشر و الاختلاف ذهاب أحد النفسين إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر فهذا الاختلاف في الأديان فأما الاختلاف في الأجناس فهو امتناع

(2/228)


أحد الشيئين أن يسد مسد الآخر فيما يرجع إلى ذاته و البغي طلب الاستعلاء بالظلم و أصله من بغيت الحاجة إذا طلبتها .
الإعراب
قيل في نصب قائما قولان ( أحدهما ) أنه حال من اسم الله تعالى مؤكدة لأن الحال المؤكدة يقع مع الأسماء في غير الإشارة تقول أنه زيد معروفا و هو الحق مصدقا و شهد الله قائما بالقسط أي قائما بالعدل ( و الثاني ) أنه حال من هو من قوله « لا إله إلا هو » و بغيا نصب على وجهين ( أحدهما ) على أنه مفعول له و المعنى « و ما اختلف الذين أوتوا الكتاب » للبغي بينهم مثل حذر الشر و نحو ذلك و قيل أنه منصوب بما دل عليه و ما اختلف كأنه لما قيل « و ما اختلف الذين أوتوا الكتاب » دل على ( و ما بغى الذين أوتوا الكتاب ) فحمل بغيا عليه .
المعنى
لما قدم تعالى ذكر أرباب الدين أتبعه بذكر أوصاف الدين فقال « شهد الله أنه لا إله إلا هو » أي أخبر الله بما يقوم مقام الشهادة على وحدانيته من عجيب صنعته و بديع حكمته و قيل معنى شهد الله قضى الله عن أبي عبيدة قال الزجاج و حقيقته علم الله و بين ذلك فإن الشاهد هو العالم الذي يبين ما علمه و منه شهد فلان عند القاضي أي بين ما علمه فالله تعالى قد دل على توحيده بجميع ما خلق و بين أنه لا يقدر أحد أن ينشىء شيئا واحدا مما أنشأه « و الملائكة » أي و شهدت الملائكة بما عاينت من عظيم قدرته « و أولوا العلم » أي و شهد أولوا العلم بما ثبت عندهم و تبين من صنعه الذي لا يقدر عليه غيره و روي عن الحسن أن في الآية تقديما و تأخيرا و التقدير شهد الله أنه لا إله إلا هو « قائما بالقسط » و شهدت الملائكة أنه لا إله إلا هو قائما بالقسط و شهد أولوا العلم أنه « لا إله إلا هو » قائما بالقسط و القسط العدل الذي قامت به السماوات و الأرض و رواه أصحابنا أيضا في التفسير و أولوا العلم هم علماء المؤمنين عن السدي و الكلبي و قيل معنى قوله « قائما بالقسط » أنه يقوم بإجراء الأمور و تدابير الخلق و جزاء الأعمال بالعدل كما يقال فلان قائم بالتدبير أي يجري أفعاله على الاستقامة و إنما كرر قوله « لا إله إلا هو » لأنه بين بالأول أنه المستحق للتوحيد لا يستحقه سواه و بالثاني أنه القائم برزق الخلق و تدبيرهم بالعدل لا ظلم في فعله « العزيز الحكيم » من تفسيره و تضمنت الآية الإبانة عن فضل العلم و العلماء لأنه تعالى قرن العلماء بالملائكة و شهادتهم بشهادة الملائكة و خصهم بالذكر كأنه لم يعتد بغيرهم و المراد بهذا العلم التوحيد و ما يتعلق به من علوم الدين لأن الشهادة وقعت عليه

(2/229)


و مما جاء في فضل العلم و العلماء من الحديث ما رواه جابر بن عبد الله عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال ساعة من عالم يتكىء على فراشه ينظر في علمه خير من عبادة العابد سبعين عاما .
و روى أنس بن مالك عنه (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال تعلموا العلم فإن تعلمه لله حسنة و مدارسته تسبيح و البحث عنه جهاد و تعليمه من لا يعلمه صدقة و تذكرة لأهله لأنه معالم الحلال و الحرام و منار سبيل الجنة و النار و الأنيس في الوحشة و الصاحب في الغربة و المحدث في الخلوة و الدليل على السراء و الضراء و السلاح على الأعداء و القرب عند الغرباء يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادة يقتدى بهم و يقتفي آثارهم و ينتهي إلى رأيهم و ترغب الملائكة في خلتهم و بأجنحتها تمسحهم و في صلاتهم تستغفر لهم و كل رطب و يابس يستغفر لهم حتى حيتان البحار و هوامها و سباع الأرض و أنعامها و السماء و نجومها ألا و إن العلم حياة القلوب و نور الأبصار و قوة الأبدان يبلغ بالعبد منازل الأحرار و مجلس الملوك و الفكر فيه يعدل بالصيام و مدارسته بالقيام و به يعرف الحلال و الحرام و به توصل الأرحام و العلم إمام العمل و العمل تابعه يلهم السعداء و يحرم الأشقياء و مما جاء في فضل هذه الآية ما رواه أنس عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال من قرأ « شهد الله » الآية عند منامه خلق الله منها سبعين ألف خلق يستغفرون له إلى يوم القيامة ، الزبير بن العوام قال قلت لأدنون هذه العشية من رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و هي عشية عرفة حتى أسمع ما يقوله فحبست ناقتي بين ناقة رسول الله و ناقة رجل كان إلى جنبه فسمعته يقول « شهد الله أنه لا إله إلا هو » الآية فما زال يرددها حتى رفع .
غالب القطان قال أتيت الكوفة في تجارة فنزلت قريبا من الأعمش فكنت أختلف إليه فلما كنت ذات ليلة أردت أن انحدر إلى البصرة قام من الليل يتهجد فمر بهذه الآية « شهد الله أنه لا إله إلا هو » الآية ثم قال الأعمش و أنا أشهد بما شهد الله به و استودع الله هذه الشهادة و هي لي عند الله وديعة « إن الدين عند الله الإسلام » قالها مرارا قلت لقد سمع فيها شيئا فصليت معه و ودعته ثم قلت آية سمعتك ترددها فما بلغك فيها ؟ قال لا أحدثك بها إلى سنة فكتبت على بابه ذلك اليوم أقمت سنة فلما مضت السنة قلت يا أبا محمد قد مضت السنة فقال حدثني أبو وائل عن عبد الله قال قال رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) يجاء بصاحبها يوم القيامة فتقول الله إن لعبدي هذا عهدا عندي و أنا أحق من وفى بالعهد أدخلوا عبدي هذا الجنة و قال سعيد بن جبير كان حول الكعبة ثلاثمائة و ستون صنما فلما نزلت « شهد الله أنه لا إله إلا هو » الآية خررن سجدا و قوله « إن الدين » أي الطاعة « عند الله » هو « الإسلام » و قيل المراد بالإسلام التسليم لله و لأوليائه و هو التصديق و روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة له أنه قال لأنسبن الإسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي الإسلام هو التسليم و التسليم هو اليقين

(2/230)


و اليقين هو التصديق و التصديق هو الإقرار و الإقرار هو الأداء و الأداء هو العمل رواه علي بن إبراهيم في تفسيره قال ثم قال إن المؤمن أخذ دينه عن ربه و لم يأخذه عن رأيه إن المؤمن يعرف إيمانه في عمله و إن الكافر يعرف كفرانه بإنكاره أيها الناس دينكم دينكم فإن السيئة فيه خير من الحسنة في غيره إن السيئة فيه تغفر و إن الحسنة في غيره لا تقبل « و ما اختلف الذين أوتوا الكتاب » معناه و ما اختلف اليهود و النصارى في صدق نبوة محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لما كانوا يجدونه في كتبهم بنعته و صفته و وقت خروجه « إلا من بعد ما جاءهم العلم » بعد ما جاءهم للعلم ثم أخبر عن علة اختلافهم فقال « بغيا بينهم » أي حسدا و تقديره و ما اختلف الذين أوتوا الكتاب بغيا بينهم إلا من بعد ما جاءهم العلم و العلم المذكور يجوز أن يراد به البينات التي هي طرق العلم فيدخل فيه المبطلون من أهل الكتاب علموا أو لم يعلموا و يحتمل أن يراد به نفس العلم فلا يدخل فيه إلا من علم بصفة محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و كتمه عنادا و قيل المراد بالذين أوتوا الكتاب اليهود و الكتاب التوراة لما عهد موسى (عليه السلام) إليهم و أقام فيهم يوشع بن نون و مضى ثلاثة قرون و اختلفوا عن الربيع و قيل المراد ب « الذين أوتوا الكتاب » النصارى و الكتاب الإنجيل و اختلفوا في أمر عيسى (عليه السلام) عن محمد بن جعفر بن الزبير و قيل خرج مخرج الجنس و معناه كتب الله المتقدمة و اختلفوا بعدها في الدين عن الجبائي « و من يكفر ب آيات الله » أي بحججه و قيل بالتوراة و الإنجيل و ما فيهما من صفة محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و قيل بالقرآن و ما دل عليه « فإن الله سريع الحساب » أي لا يفوته شيء من أعمالهم و قيل معناه سريع الجزاء و حقيقة الحساب أن تأخذ ما لك و تعطي ما عليك .
فَإِنْ حَاجُّوك فَقُلْ أَسلَمْت وَجْهِىَ للَّهِ وَ مَنِ اتَّبَعَنِ وَ قُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَب وَ الأُمِّيِّينَ ءَ أَسلَمْتُمْ فَإِنْ أَسلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَّ إِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْك الْبَلَغُ وَ اللَّهُ بَصِيرُ بِالْعِبَادِ(20)
القراءة
حذف عاصم و حمزة و الكسائي الياء من اتبعني اجتزاء بالكسرة و اتباعا للمصحف و أثبتها الباقون على الأصل .
الحجة
حذف الياء في أواخر الآي أحسن لأنها تشبه القوافي و يجوز في وسط الآي أيضا و أحسنها ما كان قبلها نون مثل قوله « و من اتبعن » فإن لم يكن نون جاز أيضا نحو

(2/231)


قولك هذا غلام و ما أشبه ذلك و الأجود إثبات الياء و إن شئت أسكنت الياء و إن شئت فتحتها .
الإعراب
« و من اتبعن » في محل الرفع عطفا على التاء في قوله « أسلمت » و لم يؤكد الضمير فلم يقل أسلمت أنا و من اتبعن و لو قلت أسلمت و زيد لم يحسن إلا أن تقول أسلمت أنا و زيد و إنما جاز هنا لطول الكلام فصار طوله عوضا من تأكيد الضمير المتصل بالمنفصل .
المعنى
لما قدم الله سبحانه ذكر الإيمان و الإسلام خاطب نبيه فقال « فإن حاجوك » المعنى فإن حاجك و خاصك النصارى و هم وفد نجران « فقل » يا محمد « أسلمت وجهي لله » و فيه وجهان ( أحدهما ) أن معناه انقدت لأمر الله في إخلاص التوحيد له و الحجة فيه أنه ألزمهم على ما أقروا من أن الله خالقهم اتباع أمره في أن لا يعبدوا إلا إياه ( و الثاني ) أن معناه أعرضت عن كل معبود دون الله و أخلصت قصدي بالعبادة إليه و ذكر الأصل الذي يلزم جميع المكلفين الإقرار به لأنه لا يتبعض فيما يحتاج إلى العمل عليه في الدين الذي هو طريق النجاة من العذاب إلى النعيم و معنى وجهي هنا نفسي و أضاف الإسلام إلى الوجه لأن وجه الشيء أشرف ما فيه لأنه يجمع الحواس و عليه يظهر آية الحزن و السرور فمن أسلم وجهه فقد أسلم كله و منه قوله كل شيء هالك إلا وجهه « و من اتبعني » أي و من اهتدى بي في الدين من المسلمين فقد أسلموا أيضا كما أسلمت « و قل » يا محمد « للذين أوتوا الكتاب » يعني اليهود و النصارى « و الأميين » أي الذين لا كتاب لهم عن ابن عباس و غيره و هم مشركو العرب و قد مر تفسير الأمي و اشتقاقه عند قوله و منهم أميون « أ أسلمتم » أي أخلصتم كما أخلصت لفظه لفظ الاستفهام و هو بمعنى التوقيف و التهديد فيكون متضمنا للأمر فيكون معناه أسلموا فإن الله تعالى أزاح العلل و أوضح السبل و نظيره فهل أنتم منتهون أي انتهوا و هذا كما يقول الإنسان لغيره و قد وعظه بمواعظ أقبلت وعظي يدعوه إلى قبول الوعظ « فإن أسلموا فقد اهتدوا » إلى طريق الحق « و إن تولوا » أي كفروا و لم يقبلوا و أعرضوا عنه « فإنما عليك البلاغ » معناه فإنما عليك أن تبلغ و تقيم الحجة و ليس عليك أن لا يتولوا « و الله بصير بالعباد » معناه هاهنا أنه لا يفوته شيء من أعمالهم التي يجازيهم بها لأنه بصير بهم أي عالم بهم و بسرائرهم لا يخفى عليه خافية و قيل معناه عالم بما يكون منك في التبليغ و منهم في الإيمان و الكفر .

(2/232)


إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِئَايَتِ اللَّهِ وَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيرِ حَقّ وَ يَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشرْهُم بِعَذَاب أَلِيم(21) أُولَئك الَّذِينَ حَبِطت أَعْمَلُهُمْ فى الدُّنْيَا وَ الاَخِرَةِ وَ مَا لَهُم مِّن نَّصِرِينَ(22)
القراءة
قرأ حمزة يقاتلون بالألف و قيل إنما قرأها اتباعا لمصحف عبد الله بن مسعود لأن فيه و قاتلوا الذين يأمرون و الباقون « يقتلون » و هي القراءة الظاهرة .
الإعراب
إنما دخلت الفاء في قوله « فبشرهم » لشبه الجزاء و إنما لم يجز ليت الذي يقوم فيكرمك و جاز أن الذي يقوم فيكرمك لأن الذي إنما دخلت الفاء في خبرها لما في الكلام من معنى الجزاء و ليت تبطل معنى الجزاء و ليس كذلك أن لأنها بمنزلة الابتداء .
المعنى
لما قدم سبحانه ذكر الاحتجاج على أهل الكتاب و حسن الوعد لهم أن أسلموا و شدة الوعيد إن أبوا فصل في هذه الآية كفرهم فقال « إن الذين يكفرون » أي يجحدون حجج الله تعالى و بيناته « و يقتلون النبيين » قيل هم اليهود فقد روي عن أبي عبيدة بن الجراح قال قلت يا رسول الله أي الناس أشد عذابا يوم القيامة فقال رجل قتل نبيا أو رجلا أمر بمعروف أو نهى عن منكر ثم قرأ « و يقتلون النبيين بغير حق و يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس » ثم قال (عليه السلام) يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة و أربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة فقام مائة رجل و اثنا عشر رجلا من عباد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف و نهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا من آخر النهار في ذلك اليوم و هو الذي ذكره الله تعالى « فبشرهم بعذاب أليم » أي أخبرهم بأن لهم العذاب الأليم و إنما قال « بشرهم » على طريق الاتباع و الاستعارة و البشارة تكون في الخير دون الشر لأن ذلك لهم مكان البشارة للمؤمنين و لأنها مأخوذة من البشرة و بشرة الوجه تتغير بالسرور في الخير و بالغم في الشر و يقال كيف قال « فبشرهم » و إنما قتل الأنبياء أسلافهم بالجواب لأنهم رضوا بأفعالهم و اقتدوا بهم فأجملوا معهم و قيل معناه بشر هؤلاء بالعذاب الأليم لأسلافهم و قوله

(2/233)


« بغير حق » لا يدل على أن في قتل النبيين ما هو حق بل المراد بذلك أن قتلهم لا يكون إلا بغير حق كقوله و من يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به و المراد بذلك تأكيد النفي و المبالغة فيه كما يقال فلان لا يرجى خيره و الغرض في ذلك أنه لا خير عنده على وجه من الوجوه و كما قال أبو ذؤيب :
متفلق أنساؤها عن قانىء
كالقرط صاو غبره لا يرضع أي ليس له بقية لبن فيرضع و على هذا فقد وصف القتل بما لا بد أن يكون عليه من الصفة و هو وقوعه على خلاف الحق و كذلك الدعاء في قوله تعالى « و من يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به » وصفه بأنه لا يكون إلا من غير برهان و قد استدل علي بن عيسى بهذه الآية على جواز إنكار المنكر مع خوف القتل و بالخبر الذي رواه الحسن عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر يقتل عليه و هذا فيه نظر لأن من شرط حسن إنكار المنكر أن لا يكون فيه مفسدة و متى أدى إلى القتل فقد انتفى عنه هذا الشرط فيكون قبيحا و الوجه في الآية و الأخبار التي جاءت في معناها أن يغلب على الظن أن إنكار المنكر لا يؤدي إلى مفسدة فيحسن ذلك بل يجب و إن تعقبه القتل لأنه ليس من شرطه أن يعلم ذلك بل يكفي فيه غلبة الظن « أولئك الذين » كفروا ب آيات الله و قتلوا الأنبياء و الأمرين بالمعروف « حبطت أعمالهم في الدنيا و الآخرة » يريد بأعمالهم ما هم عليه من ادعائهم التمسك بالتوراة و إقامة شريعة موسى (عليه السلام) و أراد ببطلانها في الدنيا أنها لم تحقن دماءهم و أموالهم و لم ينالوا بها الثناء و المدح و في الآخرة أنهم لم يستحقوا بها مثوبة فصارت كأنها لم تكن لأن حبوط العمل عبارة عن وقوعه على خلاف الوجه الذي يستحق عليه الثواب و الأجر و المدح و حسن الذكر و إنما تحبط الطاعة حتى تصير كأنها لم تفعل إذا وقعت على خلاف الوجه المأمور به « و ما لهم من ناصرين » يدفعون عنهم العذاب .

(2/234)


أَ لَمْ تَرَ إِلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِّنَ الْكتَبِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتَبِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَ هُم مُّعْرِضونَ(23) ذَلِك بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسنَا النَّارُ إِلا أَيَّاماً مَّعْدُودَت وَ غَرَّهُمْ فى دِينِهِم مَّا كانُوا يَفْترُونَ(24)
اللغة
النصيب الحظ من الشيء و هو القسم المجعول لمن أضيف إليه و الدعاء استدعاء الفعل ثم قد يكون بصيغة الأمر و بالخبر و بالدلالة و الحكم و الخبر الذي يفصل الحق من الباطل مأخوذ من الحكمة و هي المنع و الغرور الأطماع فيما لا يصح غره يغره غرورا فهو مغرور و الغرور الشيطان لأنه يغر الناس و الغار الغافل لأنه كالمغتر و الغرارة الدنيا تغر أهلها و الغر الغمر الذي لم يجرب الأمور و مصدره الغرارة لأنه من شأنه أن يقبل الغرور و الغرر الخطر أخذ منه و الغر آثار طي الثوب اطوه على غره أي على آثار طيه و الغر زق الطائر فرخه و الافتراء الكذب و فرى فلان كذبا يفريه فرية و الفري الشق و فرية مفرية أي مشقوقة و قد تفرى خرزها أي تشفق و فريت الأرض سرتها و قطعتها .
الإعراب
يدعون جملة في موضع الحال من أوتوا « يتولى فريق » جملة معطوفة على يدعون « و هم معرضون » في موضع نصب أيضا على الحال من يتولى أياما نصب على الظرف لأن مس النار يكون في تلك الأيام و معدودات صفة الأيام .
المعنى
لما قدم تعالى ذكر الحجاج بين أنهم إذا عضتهم الحجة فروا إلى الضجة و أعرضوا عن المحجة فقال « أ لم تر » معناها ينته علمك « إلى الذين أوتوا نصيبا » أي أعطوا نصيبا أي حظا « من الكتاب » يدعون إلى كتاب الله اختلف فيه فقيل معناه التوراة عن ابن عباس دعا إليها اليهود فأبوا لعلمهم بلزوم الحجة لهم لما فيه من الدلالات على نبوة محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و صدقه و إنما قال أعطوا نصيبا من الكتاب لأنهم كانوا يعلمون بعض ما فيه و قيل معناه القرآن عن الحسن و قتادة دعوا إلى القرآن لأن ما فيه موافق لما في التوراة من أصول الديانة و أركان الشريعة و في الصفة التي تقدمت البشارة بها « ليحكم بينهم » يحتمل ثلاثة أشياء ( أحدها ) أن معناه ليحكم بينهم في نبوة محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) عن أبي مسلم و جماعة ( و الثاني ) أن معناه ليحكم بينهم في أمر إبراهيم و أن دينه الإسلام ( و الثالث ) معناه ليحكم بينهم في أمر الرجم فقد روي عن ابن عباس أن رجلا و امرأة من أهل خيبر زنيا و كانا ذوي شرف فيهم و كان في كتابهم الرجم فكرهوا رجمهما لشرفهما و رجوا أن يكون عند رسول الله

(2/235)


رخصة في أمرهما فرفعوا أمرهما إلى رسول الله فحكم عليهما بالرجم فقال له النعمان بن أوفى و بحري بن عمرو جرت عليهما يا محمد ليس عليهما الرجم فقال لهم رسول الله بيني و بينكم التوراة قالوا قد أنصفتنا قال فمن أعلمكم بالتوراة قالوا رجل أعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا فأرسلوا إليه فقدم المدينة و كان جبرائيل قد وصفه لرسول الله فقال له رسول الله أنت ابن صوريا قال نعم قال أنت أعلم اليهود قال كذلك يزعمون قال فدعا رسول الله بشيء من التوراة فيها الرجم مكتوب فقال له اقرأ فلما أتى على آية الرجم وضع كفه عليها و قرأ ما بعدها فقال ابن سلام يا رسول الله قد جاوزها و قام إلى ابن صوريا و رفع كفه عنها ثم قرأ على رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و على اليهود بأن المحصن و المحصنة إذا زنيا و قامت عليهما البينة رجما و إن كانت المرأة حبلى أنتظر بها حتى تضع ما في بطنها فأمر رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) باليهوديين فرجما فغضب اليهود لذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية « ثم يتولى فريق منهم » أي طائفة منهم عن الداعي « و هم معرضون » عن اتباع الحق « ذلك » معناه شأنهم ذلك فهو خبر مبتدإ محذوف فالله تعالى بين العلة في إعراضهم عنه مع معرفتهم به و السبب الذي جرأهم على الجحد و الإنكار « بأنهم قالوا لن تمسنا النار » أي لن تصيبنا النار « إلا أياما معدودات » و فيه قولان ( أحدهما ) أنها الأيام التي عبدوا فيها العجل و هي أربعون يوما عن الربيع و قتادة و الحسن إلا أن الحسن قال سبعة أيام ( و الثاني ) أنهم أرادوا أياما منقطعة عن الجبائي « و غرهم في دينهم » أي أطمعهم في غير مطمع « ما كانوا يفترون » أي افتراءهم و كذبهم و اختلفوا في الافتراء الذي غرهم على قولين ( أحدهما ) قولهم نحن أبناء الله و أحباؤه عن قتادة ( و الآخر ) قولهم « لن تمسنا النار إلا أياما معدودات » عن مجاهد و هذا لا يدل على خلاف ما نذهب إليه من جواز العفو و إخراج المعاقبين من أهل الصلاة من النار لأنا نقول أن عقاب من ثبت دوام ثوابه بإيمانه لا يكون إلا منقطعا و إن لم يحط علما بقدر عقابه و لا نقول أيام عقابه بعدد أيام عصيانه كما قالوا و بين القولين بون ظاهر .
فَكَيْف إِذَا جَمَعْنَهُمْ لِيَوْم لا رَيْب فِيهِ وَ وُفِّيَت كلُّ نَفْس مَّا كسبَت وَ هُمْ لا يُظلَمُونَ(25)
اللغة
كيف موضوعة للسؤال عن الحال و معناه هاهنا التنبيه بصيغة السؤال على حال من يساق إلى النار و فيه بلاغة و اختصار شديد لأن تقديره أي حال يكون حال من اغتر

(2/236)


بالدعاوي الباطلة حتى أداه ذلك إلى الخلود في النار و نظيره قول القائل ( أنا أكرمك و إن لم تجىء فكيف إذا جئتني ) معناه فكيف إكرامي لك إذا جئتني يريد عظم الإكرام و التقدير فكيف حالهم إذا جمعناهم أي في وقت جمعهم لأنه خبر مبتدإ محذوف .
المعنى
ثم أكد سبحانه ما تقدم فقال « فكيف » حالهم « إذا جمعناهم » أي وقت جمعهم و حشرهم « ليوم » أي لجزاء يوم « لا ريب فيه » لا شك فيه لمن نظر في الأدلة إذ ليس فيه موضع ريبة و شك و لو قال جمعناهم في يوم لم يدل على الجزاء و اللام يدل على ذلك كما يقال جئته ليوم الخميس أي لما يكون في يوم الخميس و لا يعطي جئته في يوم الخميس هذا المعنى « و وفيت كل نفس ما كسبت » فيه قولان ( أحدهما ) أن معناه و وفرت على كل نفس جزاء ما كسبت من ثواب أو عقاب ( و الثاني ) أعطيت ما كسبت أي اجتلبت بعملها من الثواب و العقاب كما يقال كسب فلان المال بالتجارة و الزراعة « و هم لا يظلمون » أي لا ينقصون عما استحقوه من الثواب و لا يزادون على ما استحقوه من العقاب .
قُلِ اللَّهُمَّ مَلِك الْمُلْكِ تُؤْتى الْمُلْك مَن تَشاءُ وَ تَنزِعُ الْمُلْك مِمَّن تَشاءُ وَ تُعِزُّ مَن تَشاءُ وَ تُذِلُّ مَن تَشاءُ بِيَدِك الْخَيرُ إِنَّك عَلى كلِّ شىْء قَدِيرٌ(26) تُولِجُ الَّيْلَ فى النَّهَارِ وَ تُولِجُ النَّهَارَ فى الَّيْلِ وَ تُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ تُخْرِجُ الْمَيِّت مِنَ الْحَىِّ وَ تَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيرِ حِساب(27)
فضل الآية
روى جعفر بن محمد (عليهماالسلام) عن أبيه عن آبائه عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال لما أراد الله أن ينزل فاتحة الكتاب و آية الكرسي و شهد الله و « قل اللهم مالك الملك » إلى قوله « بغير حساب » تعلقن بالعرش و ليس بينهن و بين الله حجاب و قلن يا رب تهبطنا إلى دار الذنوب و إلى من يعصيك و نحن معلقات بالطهور و بالعرش فقال و عزتي و جلالي ما من عبد قرأكن في دبر كل صلاة مكتوبة إلا أسكنته حظيرة القدس على ما كان فيه و إلا نظرت إليه بعيني المكنونة في كل يوم سبعين نظرة و إلا قضيت له في كل يوم سبعين حاجة أدناها

(2/237)


المغفرة و إلا أعذته من كل عدو و نصرته عليه و لا يمنعه دخول الجنة إلا أن يموت و قال معاذ بن جبل احتبست عن رسول الله يوما لم أصل معه الجمعة فقال يا معاذ ما يمنعك عن صلاة الجمعة قلت يا رسول الله كان ليوحنا اليهودي علي أوقية من تبر و كان على بابي يرصدني فأشفقت أن يحبسني دونك قال أ تحب يا معاذ أن يقضي الله دينك قلت نعم يا رسول الله قال « قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء » إلى قوله « بغير حساب » يا رحمان الدنيا و رحيمهما تعطي منهما ما تشاء و تمنع منهما ما تشاء اقض عني ديني فإن كان عليك ملء الأرض ذهبا لأداه الله عنك .
القراءة
قرأ نافع و حمزة و الكسائي و حفص و يعقوب « الميت » بالتشديد و الباقون بالتخفيف .
الحجة
قال المبرد لا خلاف بين علماء البصرة أنهما سواء و أنشد لابن رعلاء الغساني :
ليس من مات فاستراح بميت
إنما الميت ميت الأحياء
إنما الميت من يعيش كئيبا
كاسفا باله قليل الرجاء فجمع بين اللغتين و ما مات و ما لم يمت في هذا الباب يستويان في الاستعمال و قال بعضهم الميت بالتشديد الذي لم يمت بعد و بالتخفيف الذي قد مات و الصحيح الأول أ لا ترى أنه قل ما جاء :
و منهل فيه الغراب ميت
سقيت منه القوم و استقيت فهذا قد مات .
اللغة
النزع قلع الشيء عن الشيء يقال نزع فلان إلى أخواله أي نزع إليهم بالشبه فصار واحدا منهم بشبهه لهم و النزاع الحنين إلى الشيء و النزوع عن الشيء الترك له الإيلاج الإدخال يقال أولجه فولج ولوجا و ولجا ولجة و الوليجة بطانة الرجل لأنه يطلعه على دخلة أمره و التولج كناس الظبي لأنه يدخله و الولج و الولجة شيء يكون بين يدي فناء القوم .
الإعراب
اللهم بمعنى يا الله و الميم المشددة عند سيبويه و الخليل عوض عن يا لأن يا لا يوجد مع الميم في كلامهم فعلم أن الميم في آخر الكلمة بمنزلة يا في أولها

(2/238)


و الضمة التي في أولها ضمة الاسم المنادى المفرد و الميم مفتوحة لسكونها و سكون الميم التي قبلها و قال الفراء أصله يا الله أم بخير فألقيت الهمزة و طرحت حركتها على ما قبلها و مثله هلم إنما أصله هل أم و اعترض على قول الخليل بأن الميم إنما تزاد مخففة في مثل فم و ابنم و بأنها اجتمعت مع يا في قول الشاعر :
و ما عليك أن تقولي كلما
سبحت أو صليت يا اللهما
اردد علينا شيخنا مسلما و قال علي بن عيسى هذا ليس بشيء لأن الميم هاهنا عوض من حرفين فشددت كما قيل قمتن و ضربتن لما كانت النون عوضا من حرفين في قمتموا أو ضربتموا فأما قمن و ذهبن فالنون هناك عوض عن حرف واحد و أما البيت فإنما جاز ذلك فيه لضرورة الشعر و أما هلم فإن الأصل فيه أن حرف التنبيه و هي ها دخلت على لم عند الخليل و قوله « مالك الملك » أكثر النحويين على أنه منصوب بأنه منادى مضاف قال الزجاج و يحتمل أن يكون صفة من اللهم لأن اللهم بمنزلة يا الله فيكون مثل قولك يا زيد ذا الجمة « تؤتي الملك » فعل و فاعل و مفعول في موضع النصب على الحال و العامل فيه حرف النداء و ذو الحال اللهم أو مالك و « من تشاء » مفعول ثان و التقدير تؤتي الملك من تشاء أن تؤتيه و تنزع الملك ممن تشاء أن تنزعه منه و كذا الباء في « بيدك الخير » مبتدأ و خبر في موضع الحال أيضا و العامل فيه تؤتي و تنزع و تعز و تذل و ذو الحال الضمير المستكن فيها .
النزول
قيل لما فتح رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) مكة و وعد أمته ملك فارس و الروم قال المنافقون و اليهود هيهات من أين لمحمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) ملك فارس و الروم أ لم يكفه المدينة و مكة حتى طمع في الروم و فارس و نزلت هذه الآية عن ابن عباس و أنس بن مالك و قيل أن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) خط الخندق عام الأحزاب و قطع لكل عشرة أربعين ذراعا فاحتج المهاجرون و الأنصار في سلمان الفارسي و كان رجلا قويا فقال المهاجرون سلمان منا و قال الأنصار سلمان منا فقال النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) سلمان منا أهل البيت قال عمرو بن عوف كنت أنا و سلمان و حذيفة و نعمان بن مقرن المزني و ستة من الأنصار في أربعين ذراعا فحفرنا حتى إذا كنا بجب ذي ناب أخرج الله من بطن الخندق صخرة مروة كسرت حديدنا و شقت علينا فقلنا يا سلمان أرق إلى رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و أخبره خبر هذه الصخرة فأما أن نعدل عنها فإن المعدل قريب و أما أن يأمرنا فيه بأمره فإنا لا نحب أن نجاوز خطه قال فرقي سلمان إلى رسول الله و هو ضارب عليه قبة تركية فقال يا رسول الله خرجت صخرة بيضاء مروة من بطن الخندق

(2/239)


فكسرت حديدنا و شقت علينا حتى ما يحتك فيها قليل و لا كثير فمرنا فيها بأمرك فإنا لا نحب أن نجاوز خطك قال فهبط رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) مع سلمان الخندق و التسعة على شفة الخندق فأخذ رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) المعول من يد سلمان فضربها به ضربة صدعها و برق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى كان لكان مصباحا في جوف بيت مظلم فكبر رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) تكبيرة فتح و كبر المسلمون ثم ضربها رسول الله الثانية فكسرها و برق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكان مصباحا في جوف بيت مظلم فكبر رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) تكبيرة فتح و كبر المسلمون ثم ضربها رسول الله الثالثة فكسرها فبرق منها برق أضاء بها ما بين لابتيها حتى لكان مصباحا في جوف بيت مظلم فكبر رسول الله تكبير فتح و كبر المسلمون و أخذ بيد سلمان و رقي فقال سلمان بأبي أنت و أمي يا رسول الله لقد رأيت شيئا ما رأيت منك قط فالتفت رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) إلى القوم و قال رأيتم ما يقول سلمان قالوا نعم يا رسول الله قال ضربت ضربتي الأولى فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور الحيرة و مدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب فأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة عليها ثم ضربت ضربتي الثانية فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب و أخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة عليها ثم ضربت ضربتي الثالثة فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب و أخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة عليها فأبشروا فاستبشر المسلمون و قالوا الحمد لله موعد صدق وعدنا النصر بعد الحصر فقال المنافقون أ لا تعجبون يمنيكم و بعدكم الباطل و يخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة و مدائن كسرى و أنها تفتح لكم و أنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق و لا تستطيعون أن تبرزوا فنزل القرآن و إذ يقول المنافقون الذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله و رسوله إلا غرورا و أنزل الله في هذه القصة « قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك » الآية رواه الثعلبي بإسناده عن عمرو بن عوف .
المعنى
لما ذكر سبحانه مكائد أهل الكتاب علم رسوله محاجتهم و كيف يجيبهم إذا سألوا و أجابوا فقال « قل » يا محمد « اللهم » يا الله « مالك الملك » مالك كل ملك و ملك فكل مالك دونك هالك و كل ملك دونك يهلك و قيل مالك العباد و ما ملكوا عن الزجاج و قيل مالك أمر الدنيا و الآخرة و قيل مالك النبوة عن مجاهد و سعيد بن جبير « تؤتي الملك من تشاء » تعطي الملك من تشاء و فيه محذوف أي من تشاء أن تؤتيه « و تنزع الملك ممن تشاء » أن تنزعه منه كما تقول خذ ما شئت و دع ما شئت و معناه و تقطع الملك عمن تشاء أن تقطعه عنه على ما توجبه الحكمة و تقتضيه المصلحة و اختلف في معناه فقيل

(2/240)


تؤتي الملك و أسباب الدنيا محمدا و أصحابه و أمته و تنزعه عن صناديد قريش و من الروم و فارس فلا تقوم الساعة حتى يفتحها أهل الإسلام عن الكلبي و قيل تؤتي النبوة و الإمامة من تشاء من عبادك و توليه التصرف في خلقك و بلادك و تنزع الملك على هذا الوجه من الجبارين بقهرهم و إزالة أيديهم فإن الكافر و الفاسق و إن غلب أو ملك فليس ذلك بملك يؤتيه الله لقوله تعالى « لا ينال عهدي الظالمين » و كيف يكون ذلك من إيتاء الله و قد أمر بقصر يده عنه و إزالة ملكه « و تعز من تشاء » بالإيمان و الطاعة « و تذل من تشاء » بالكفر و المعاصي و قيل تعز المؤمن بتعظيمه و الثناء عليه و تذل الكافر بالجزية و السبي و قيل تعز محمدا و أصحابه و تذل أبا جهل و إضرابه من المقتولين يوم بدر في القليب و قيل تعز من تشاء من أوليائك بأنواع العزة في الدنيا و الدين و تذل من تشاء من أعدائك في الدنيا و الآخرة لأن الله تعالى لا يذل أولياءه و إن أفقرهم و ابتلاهم فإن ذلك ليس على سبيل الإذلال بل ليكرمهم بذلك في الآخرة يعزهم و يجلهم غاية الإعزاز و الإجلال « بيدك الخير » اللام للجنس أي الخير كله في الدنيا و الآخرة من قبلك و إنما قال « بيدك الخير » و إن كان بيده كل شيء من الخير و الشر لأن الآية تضمنت إيجاب الرغبة إليه فلا يحسن في هذه الحالة إلا ذكر الخير لأن الترغيب لا يكون إلا في الخير و هذا كما يقال أمر فلان بيد فلان « إنك على كل شيء قدير » أي قادر على جميع الأشياء لا يعجزك شيء تقدر على إيجاد المعدوم و إفناء الموجود و إعادة ما كان موجودا « تولج الليل في النهار و تولج النهار في الليل » قيل في معناه قولان ( أحدهما ) أن معناه ينقص من الليل فيجعل ذلك النقصان زيادة في النهار و ينقص من النهار فيجعل ذلك النقصان زيادة في الليل على قدر طول النهار و قصره عن ابن عباس و الحسن و مجاهد و عامة المفسرين ( و الآخر ) معناه يدخل أحدهما في الآخرة بإتيانه بدلا منه في مكانه عن أبي علي الجبائي « و تخرج الحي من الميت » أي من النطفة و هي ميتة بدليل قوله « و كنتم أمواتا فأحياكم » « و تخرج الميت من الحي » أي النطفة من الحي و كذلك الدجاجة من البيضة و البيضة من الدجاجة عن ابن عباس و ابن مسعود و مجاهد و قتادة و السدي و قيل أن معناه تخرج المؤمن من الكافر و الكافر من المؤمن عن الحسن و روي ذلك عن أبي جعفر (عليه السلام) و أبي عبد الله (عليه السلام) « و ترزق من تشاء بغير حساب » معناه بغير تقتير كما يقال فلان ينفق بغير حساب لأن من عادة المقتر أن لا ينفق إلا بحساب ذكره الزجاج و قيل معناه بغير مخافة نقصان لما عنده فإنه لا نهاية لمقدوراته فما يؤخذ منها لا ينقصها و لا هو على حساب جزء من كذا كما يعطي الواحد منا العشرة من المائة و المائة من الألف و قيل أن المراد بمن يشاء أن يرزقه ،

(2/241)


أهل الجنة لأنه يرزقهم رزقا لا يتناوله الحساب و لا العد و لا الإحصاء من حيث أنه لا نهاية له و يطابقه قوله فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب .
لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَن يَفْعَلْ ذَلِك فَلَيْس مِنَ اللَّهِ فى شىْء إِلا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَ يُحَذِّرُكمُ اللَّهُ نَفْسهُ وَ إِلى اللَّهِ الْمَصِيرُ(28)
القراءة
قرأ يعقوب و سهل تقية و هو قراءة الحسن و مجاهد و الباقون « تقاة » و أمال الكسائي تقاة و قرأ نافع و حمزة بين التفخيم و الإمالة و الباقون بالتفخيم .
الحجة
الأجود في تقاة التفخيم من أجل الحرف المستعلي و هو القاف و إنما جازت الإمالة لتؤذن أن الألف منقلبة من الياء و تقاة وزنها فعلة نحو تؤدة و تخمة فهما جميعا مصدرا اتقى تقية و تقاة و اتقاء و تقوى و أصله وقاء إلا أن الواو المضمومة أبدلت تاء استثقالا لها فإنهم يفرون من ضمة الواو إلى الهمزة و إلى التاء فأما التاء فلقربها من الواو مع أنها من حروف الزيادات و أما الهمزة فلأنها نظيرتها في الطرف الآخر من مخارج الحروف مع حسن زيادتها أولا و التقية الإظهار باللسان خلاف ما ينطوي عليه القلب للخوف على النفس .
الإعراب
معنى من ابتداء الغاية من قوله « من دون المؤمنين » على تقدير لا تجعلوا ابتداء الولاية مكانا دون المؤمنين لأن مكان المؤمن الأعلى و مكان الكافر الأدنى كما تقول زيد دونك و لست تريد أن زيدا في موضع مستفل أو أنه في موضع مرتفع لكن جعلت الشرف بمنزلة الارتفاع و الخسة كالاستفال و قوله « فليس من الله في شيء » من في « من الله » يتعلق بمحذوف و هو حال و العامل فيه ما يتعلق به في و تقديره فليس في شيء من الله فمن الله في موضع الصفة لشيء فلما تقدمه انتصب على الحال و قوله « أن تتقوا » في محل الجر بباء محذوف أو في محل النصب بحذف الباء على ما مر أمثاله .
المعنى
لما بين سبحانه أنه مالك الدنيا و الآخرة و القادر على الإعزاز و الإذلال نهى المؤمنين عن موالاة من لا إعزاز عندهم و لا إذلال من أعدائه ليكون الرغبة فيما عنده

(2/242)


و عند أوليائه المؤمنين دون أعدائه الكافرين فقال « لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء » أي لا ينبغي للمؤمنين أن يتخذوا الكافرين أولياء لنفوسهم و أن يستعينوا بهم و يلتجئوا إليهم و يظهروا المحبة لهم كما قال في عدة مواضع من القرآن نحو قوله « لا تجد قوما يؤمنون بالله و اليوم الآخر يوادون من حاد الله و رسوله » الآية و قوله « لا تتخذوا اليهود و النصارى أولياء و لا تتخذوا عدوي و عدوكم أولياء » و قوله « من دون المؤمنين » معناه يجب أن يكون الموالاة مع المؤمنين و هذا نهي عن موالاة الكفار و معاونتهم على المؤمنين و قيل نهي عن ملاطفة الكفار عن ابن عباس و الأولياء جمع الولي و هو الذي يلي أمر من ارتضى فعله بالمعونة و النصرة و يجري على وجهين ( أحدهما ) المعين بالنصرة ( و الآخر ) المعان فقوله تعالى « الله ولي الذين آمنوا » معناه معينهم بنصرته و يقال المؤمن ولي الله أي معان بنصرته و قوله « و من يفعل ذلك » معناه من اتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين « فليس من الله في شيء » أي ليس هو من أولياء الله و الله بريء منه و قيل ليس هو من ولاية الله تعالى في شيء و قيل ليس من دين الله في شيء ثم استثنى فقال « إلا أن تتقوا منهم تقاة » و المعنى إلا أن يكون الكفار غالبين و المؤمنون مغلوبين فيخافهم المؤمن إن لم يظهر موافقتهم و لم يحسن العشرة معهم فعند ذلك يجوز له إظهار مودتهم بلسانه و مداراتهم تقية منه و دفعا عن نفسه من غير أن يعتقد ذلك و في هذه الآية دلالة على أن التقية جائزة في الدين عند الخوف على النفس و قال أصحابنا إنها جائزة في الأحوال كلها عند الضرورة و ربما وجبت فيها لضرب من اللطف و الاستصلاح و ليس تجوز من الأفعال في قتل المؤمن و لأن يعلم أو يغلب على الظن أنه استفساد في الدين قال المفيد أنها قد تجب أحيانا و تكون فرضا و يجوز أحيانا من غير وجوب و تكون في وقت أفضل من تركها و قد يكون تركها أفضل و إن كان فاعلها معذورا و معفوا عنه متفضلا عليه بترك اللوم عليها و قال الشيخ أبو جعفر الطوسي ( قده ) ظاهر الروايات تدل على أنها واجبة عند الخوف على النفس و قد روي رخصة في جواز الإفصاح بالحق عنده و روى الحسن أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فقال لأحدهما أ تشهد أن محمدا رسول الله قال نعم قال أ فتشهد أني رسول الله فقال نعم ثم دعا بالآخر فقال أ تشهد أن محمدا رسول الله قال نعم ثم قال أ فتشهد أني رسول الله فقال إني أصم قالها ثلاثا كل ذلك يجيبه بمثل الأول فضرب عنقه فبلغ ذلك رسول الله فقال أما ذلك المقتول فمضى على صدقه و يقينه و أخذ بفضله فهنيئا له و أما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه فعلى هذا تكون التقية رخصة و الإفصاح بالحق فضيلة و قوله « و يحذركم الله نفسه » يعني إياه فوضع نفسه مكان إياه و معناه و يحذركم

(2/243)


الله عقابه على اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين و على سائر المعاصي و ذكر « نفسه » لتحقيق الإضافة كما يقال احذر الأسد أي صولته و افتراسه دون عينه « و إلى الله المصير » معناه و إلى جزاء الله المرجع و قيل إلى حكمه .
قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فى صدُورِكمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَ يَعْلَمُ مَا فى السمَوَتِ وَ مَا فى الأَرْضِ وَ اللَّهُ عَلى كلِّ شىْء قَدِيرٌ(29)
اللغة
الصدر معروف و هو أعلى مقدم كل شيء و الصدر الانصراف عن الماء بعد الري و التصدير حسام الرجل لميله إلى الصدر و الصدار شبيه بالبقيرة تلبسها المرأة لأنه قصير يغطي الصدر و ما حاذاه .
الإعراب
« يعلمه الله » جزم لأنه جواب الشرط و إن كان الله يعلمه كان أو لم يكن و معناه يعلمه كائنا و لا يصح وصفه بذلك قبل أن يكون و رفع « و يعلم ما في السماوات » على الاستئناف .
المعنى
لما تقدم النهي عن اتخاذ الكفار أولياء خوفها من الإبطان بخلاف الإظهار فيما نهوا عنه فقال سبحانه « قل » يا محمد « إن تخفوا » أي إن تستروا « ما في صدوركم » يعني ما في قلوبكم و إنما ذكر الصدر لأنه محل القلب « أو تبدوه » أي تظهروه « يعلمه الله » فلا ينفعكم إخفاؤه و هو مع ذلك « يعلم ما في السماوات و ما في الأرض » و إنما قال ذلك ليذكر بمعلوماته على التفصيل فيتم التحذير إذ كان من يعلم ما في السماوات و ما في الأرض على التفصيل يعلم الضمير « و الله على كل شيء قدير » فيقدر على أخذكم و مجازاتكم .
يَوْمَ تَجِدُ كلُّ نَفْس مَّا عَمِلَت مِنْ خَير محْضراً وَ مَا عَمِلَت مِن سوء تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَ بَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيداً وَ يُحَذِّرُكمُ اللَّهُ نَفْسهُ وَ اللَّهُ رَءُوف بِالْعِبَادِ(30)

(2/244)


اللغة
الأمد الغاية التي ينتهي إليها قال النابغة :
إلا لمثلك أو من أنت سابقه
سبق الجواد إذا استولى على الأمد .
الإعراب
في انتصاب يوم وجوه ( أحدها ) أنه منصوب بيحذركم أي يحذركم الله نفسه يوم تجد ( و الثاني ) بالمصير تقديره إلى الله المصير يوم تجد ( و الثالث ) اذكر يوم تجد و قوله « ما عملت » ما هاهنا بمعنى الذي لأنه عمل فيه تجد فهي في موضع نصب و يحتمل أن يكون مع ما بعدها بمعنى المصدر و تقديره يوم تجد كل نفس عملها بمعنى جزاء عملها محضرا منصوب على الحال من تجد إذا جعلته من الوجدان فإن جعلته من العلم فهو مفعول ثان و قوله « و ما عملت من سوء » يصلح فيها معنى الذي و يقويه قوله « تود » بالرفع و لو كان بمعنى الجزاء لكان تود مفتوحا أو مكسورا و الرفع جائز على ضعف و أقول أن جواب لو هنا محذوف و تقدير الكلام تود أن بينها و بينه أمدا بعيدا لو ثبت ذلك لأن لو يقتضي الفعل و لا يدخل على الاسم و أن مع اسمه و خبره بمنزلة مصدر فيكون تقديره لو ثبت أن بينها و بينه أمدا بعيدا فيكون في ذكر فاعل الفعل المقدر بعد لو دلالة على مفعول تود المحذوف و في لفظ تود دلالة على جواب لو هذا مما سنح لي الآن و هو واضح بحمد الله تعالى و منه .
المعنى
لما حذر العقاب في الآية المتقدمة بين وقت العقاب فقال « يوم تجد كل نفس ما عملت » في الدنيا « من » طاعة و « خير محضرا » و نظيره قوله « و وجدوا ما عملوا حاضرا » و « علمت نفس ما أحضرت » ثم اختلف في كيفية وجود العمل محضرا فقيل تجد صحائف الحسنات و السيئات عن أبي مسلم و غيره و هو اختيار القاضي و قيل ترى جزاء عملها من الثواب و العقاب فأما أعمالهم فهي أعراض قد بطلت و لا يجوز عليها الإعادة فيستحيل أن ترى محضرة « و ما عملت من سوء » معناه تجد كل نفس الذي عملته من معصية محضرا « تود لو أن بينها و بينه » أي بين معصيتها « أمدا بعيدا » أي غاية بعيدة أي تود أنها لم تكن فعلتها و قيل معناه مكانا بعيدا عن السدي و قيل ما بين المشرق و المغرب عن مقاتل « و يحذركم الله نفسه » قد مر ذكره « و الله رءوف بالعباد » أي رحيم بهم قال الحسن و من تمام رأفته بهم أن حظرهم عقابه على معاصيه .

(2/245)


قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونى يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَ يَغْفِرْ لَكمْ ذُنُوبَكمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ الرَّسولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يحِب الْكَفِرِينَ(32)
اللغة
المحبة هي الإرادة إلا أنها تضاف إلى المراد تارة و إلى متعلق المراد أخرى تقول أحب زيدا و أحب إكرام زيد و لا تقول في الإرادة ذلك لأنك تقول أريد إكرام زيد و لا تقول أريد زيدا و إنما كان كذلك لقوة تصرف المحبة في موضع ميل الطباع الذي يجري مجرى الشهوة فعوملت تلك المعاملة في الإضافة و محبة الله تعالى للعبد هي إرادة ثوابه و محبة العبد لله هي إرادته لطاعاته و قالوا أحببت فلانا فهو محبوب استغنوا به عن محب كما استغنوا بأحببت عن حببت و قال عنترة :
و لقد نزلت فلا تظني غيره
مني بمنزلة المحب المكرم فجاء به على الأصل و حكى الزجاج عن الكسائي حببت من الثلاثي و قوله « و يغفر لكم » لا يجوز في القياس إدغام الراء في اللام كما جاز إدغام اللام في الراء في هل رأيت لأن الراء مكررة و لا يدغم الزائد في الناقص للإخلال به و الطاعة اتباع الداعي فيما دعاه إليه بأمره أو إرادته و لذلك قد يكون الإنسان مطيعا للشيطان فيما يدعوه إليه و إن لم يقصد أن يطيعه لأنه إذا مال مع ما يجده في نفسه من الدعاء إلى المعصية فقد أطاع الداعي إليها .
النزول
قال محمد بن جعفر بن الزبير نزلت الآيتان في وفد نجران من النصارى لما قالوا إنا نعظم المسيح حبا لله .
المعنى
ثم بين سبحانه أن الإيمان به لا يجدي إلا إذا قارنه الإيمان برسوله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فقال « قل » يا محمد « إن كنتم تحبون الله » كما تزعمون « فاتبعوني يحببكم الله و يغفر لكم ذنوبكم » و قيل معناه إن كنتم تحبون دين الله فاتبعوا ديني يزدد لكم حبا عن ابن عباس و قيل إن كنتم صادقين في دعوة محبة الله تعالى فاتبعوني فإنكم إن فعلتم ذلك أحبكم الله و يغفر لكم « و الله غفور رحيم » أي كثير المغفرة و الرحمة « قل أطيعوا الله و الرسول » أي قل يا محمد إن كنتم تحبون الله كما تدعون فأظهروا دلالة صدقكم بطاعة الله و طاعة رسوله فذلك أمارة صدق الدعوة « فإن تولوا » أي فإن أعرضوا عن طاعة الله و طاعة رسوله « فإن الله لا يحب الكافرين » معناه أنه يبغضهم و لا يريد ثوابهم فدل بالنفي

(2/246)


على الإثبات و ذلك أبلغ لأنه لو قال يبغضهم لجاز أن يتوهم أنه يبغضهم من وجه و يحبهم من وجه آخر كما يجوز أن يعلم الشيء من وجه و يجهل من وجه و في هذا دلالة على بطلان مذهب المجبرة لأنه إذا لم يحب الكافرين من أجل كفرهم و لم يرد ثوابهم لذلك فلا يريد إذا كفرهم لأنه لو أراد لم يكن نفي محبته لهم لكفرهم .
* إِنَّ اللَّهَ اصطفَى ءَادَمَ وَ نُوحاً وَ ءَالَ إِبْرَهِيمَ وَ ءَالَ عِمْرَنَ عَلى الْعَلَمِينَ(33) ذُرِّيَّةَ بَعْضهَا مِن بَعْض وَ اللَّهُ سمِيعٌ عَلِيمٌ(34)
اللغة
الاصطفاء الاختيار و الاجتباء نظائر و هو افتعل من الصفوة و هذا من أحسن البيان الذي يمثل به المعلوم بالمرئي و ذلك أن الصافي هو النقي من شائب الكدر فيما يشاهد فمثل الله تعالى خلوص هؤلاء القوم من الفساد بخلوص الصافي من شائب الأدناس و قد بينا معنى الآل فيما مضى عند قوله « و إذ نجيناكم من آل فرعون » الآية و معنى الذرية و أصله عند قوله « من ذريتي » .
الإعراب
يحتمل نصب ذرية على وجهين ( أحدهما ) أن يكون حالا و العامل فيها اصطفى ( و الثاني ) أن يكون على البدل من مفعول اصطفى .
المعنى
« إن الله اصطفى » أي اختار و اجتبى « آدم و نوحا » لنبوته « و آل إبراهيم و آل عمران على العالمين » أي على عالمي زمانهم بأن جعل الأنبياء منهم و قيل اختار دينهم كقوله « و اسئل القرية » عن الفراء و قيل اختارهم بالتفضيل على غيرهم بالنبوة و غيرها من الأمور الجليلة التي رتبها الله لهم في ذلك من مصالح الخلق و قيل اختار آدم بأن خلقه من غير واسطة و أسكنه جنته و أسجد له ملائكته و أرسله إلى الملائكة و الإنس و اختار نوحا بالنبوة و طول العمر و إجابة دعائه و غرق قومه و نجاته في السفينة و اختار إبراهيم بالخلة و تبريد النار و إهلاك نمرود و قوله « و آل إبراهيم و آل عمران » قيل أراد به نفس إبراهيم و نفس عمران كقوله « و بقية مما ترك آل موسى و آل هارون » يعني موسى و هارون و قيل آل إبراهيم أولاده إسماعيل و إسحاق و يعقوب و الأسباط و فيهم داود و سليمان

(2/247)


و يونس و زكريا و يحيى و عيسى و فيهم نبينا لأنه من ولد إسماعيل و قيل آل إبراهيم هم المؤمنون المتمسكون بدينه و هو دين الإسلام عن ابن عباس و الحسن و أما آل عمران فقيل هم من آل إبراهيم أيضا كما قال « ذرية بعضها من بعض » فهم موسى و هارون ابنا عمران و هو عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب و قيل يعني ب آل عمران مريم و عيسى و هو عمران بن الهشم بن أمون من ولد سليمان بن داود و هو أبو مريم لأن آل الرجل أهل البيت الذي ينتسب إليه عن الحسن و وهب و في قراءة أهل البيت و آل محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) على العالمين و قالوا أيضا أن آل إبراهيم هم آل محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) الذين هم أهله و يجب أن يكون الذين اصطفاهم الله تعالى مطهرين معصومين منزهين عن القبائح لأنه تعالى لا يختار و لا يصطفي إلا من كان كذلك و يكون ظاهره مثل باطنه في الطهارة و العصمة فعلى هذا يختص الاصطفاء بمن كان معصوما من آل إبراهيم و آل عمران سواء كان نبيا أو إماما و يقال الاصطفاء على وجهين ( أحدهما ) أنه اصطفاه لنفسه أي جعله خالصا له يختص به ( و الثاني ) أنه اصطفاه على غيره أي اختصه بالتفضيل على غيره و على هذا الوجه معنى الآية فإن قيل كيف اختصهم الله بالتفضيل قبل العمل فالجواب أنه إذا كان المعلوم أن صلاح المكلفين لا يتم إلا بهم فلا بد من تقديم البشارة بهم و الإخبار بما يكون من حسن شمائلهم و أفعالهم و التشويق إليهم كما يكون من جلالة أقدارهم و زكاء خلالهم ليكون ذلك داعيا للناس إلى القبول منهم و الانقياد لهم و في هذه الآية دلالة على تفضيل الأنبياء على الملائكة عليهم أجمعين الصلاة و السلام لأن العالمين يعم الملائكة و غيرهم من المخلوقين و قد فضلهم سبحانه و اختارهم على الكل و قوله « ذرية » أي أولادا و أعقابا بعضها من بعض قيل معناه في التناصر في الدين و هو الإسلام أي دين بعضها من دين بعض كما قال المنافقون و المنافقات بعضهم من بعض أي في التناصر و التعاضد على الضلال و هو قول الحسن و قتادة و قيل بعضها من بعض في التناسل و التوالد فإنهم ذرية آدم ثم ذرية نوح ثم ذرية إبراهيم و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) لأنه قال الذين اصطفاهم الله بعضهم من نسل بعض و اختاره أبو علي الجبائي « و الله سميع عليم » فيه قولان ( أحدهما ) أن معناه سميع لما تقوله الذرية عليم بما يضمرونه فلذلك فضلهم على غيرهم لما في معلومه من استقامتهم في أقوالهم و أفعالهم ( و الثاني ) أن معناه سميع لما تقوله امرأة عمران من النذر عليم بما تضمره و نبه بذلك على استحسان ذلك منها .
النظم
وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنه لما وقعت المنازعة في إبراهيم و عيسى و اختلف أقوال النصارى و اليهود فيهما بين تعالى أن من أطاع الرسول قال فيهما ما يقوله هو

(2/248)


و قيل أنه لما أمر بطاعة نبيه (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و أبى ذلك المشركون بين تعالى أنه كما اصطفاه لرسالته اصطفى من قبله من الأنبياء فلا وجه لإنكارهم رسالته .
إِذْ قَالَتِ امْرَأَت عِمْرَنَ رَب إِنى نَذَرْت لَك مَا فى بَطنى مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنى إِنَّك أَنت السمِيعُ الْعَلِيمُ(35) فَلَمَّا وَضعَتهَا قَالَت رَب إِنى وَضعْتهَا أُنثى وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضعَت وَ لَيْس الذَّكَرُ كالأُنثى وَ إِنى سمَّيْتهَا مَرْيَمَ وَ إِنى أُعِيذُهَا بِك وَ ذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشيْطنِ الرَّجِيمِ(36)
القراءة
قرأ ابن عامر و أبو بكر عن عاصم و يعقوب بما وضعت بضم التاء و روي عن علي (عليه السلام) و قرأ الباقون « وضعت » على الحكاية .
الحجة
من قرأ بضم التاء جعله من كلام أم مريم و من قرأ بإسكان التاء جعل ذلك من قول الله تعالى و يقوي قول من أسكن التاء قوله « و الله أعلم بما وضعت » و لو كان من قول أم مريم لقالت ( و أنت أعلم بما وضعت ) لأنها تخاطب الله تعالى .
اللغة
معنى المحرر في اللغة يحتمل أمرين ( أحدهما ) المعتق من الحرية يقال حررته تحريرا أعتقته أي جعلته حرا ( و الآخر ) من تحرير الكتاب يقال حررت الكتاب تحريرا أي أخلصته من الفساد و أصلحته و التقبل أخذ الشيء على الرضا به كتقبل الهدية و أصل التقبل المقابلة و أصل الوضع الحط وضعت المرأة الولد بمعنى ولدت و الموضع مكان الوضع و الضعة الخساسة لأنها تضع من قدر صاحبها و الإيضاع في السير الرفق فيه لأنه حط عن شدة الإسراع و الشيطان الرجيم مر تفسيرهما في أول الكتاب .
الإعراب
في موضع « إذ قالت » أقوال ( أحدها ) أنه نصب باذكر عن الأخفش و المبرد ( و الثاني ) أنه متعلق باصطفى آل عمران عن الزجاج ( و الثالث ) أنه متعلق بسميع عليم فيعمل فيه معنى الصفتين تقديره و الله مدرك لقولها و نيتها إذ قالت عن علي بن عيسى ( و الرابع ) أن إذ زائدة فلا موضع لها من الإعراب عن أبي عبيدة و هذا خطأ عند البصريين

(2/249)


و محررا نصب على الحال من ما و تقديره نذرت لك الذي في بطني محررا و العامل فيه نذرت و قوله « أنثى » نصب على الحال .
المعنى
لما ذكر سبحانه اصطفى آل عمران عقبه بذكر مريم بنت عمران فقال « إذ قالت امرأة عمران » و قد مضى القول فيه و اسمها حنة جدة عيسى و كانتا أختين إحداهما عند عمران بن الهشم من ولد سليمان بن داود و قيل هو عمران بن ماثان عن ابن عباس و مقاتل و ليس بعمران أبي موسى و بينهما ألف و ثمانمائة سنة و كان بنو ماثان رءوس بني إسرائيل و الأخرى كانت عند زكريا و اسمها اشياع و اسم أبيها قاقود بن قبيل فيحيى و مريم ابنا خالة « رب إني نذرت لك ما في بطني » أي أوجبت لك بأن أجعل ما في بطني « محررا » أي خادما للبيعة يخدم في متعبداتنا عن مجاهد و قيل محررا للعبادة مخلصا لها عن الشعبي و قيل عتيقا خالصا لطاعتك لا أستعمله في منافعي و لا أصرفه في الحوائج عن محمد بن جعفر بن الزبير قالوا و كان المحرر إذا حرر جعل في الكنيسة يقوم عليها و يكنسها و يخدمها لا يبرح حتى يبلغ الحلم ثم يخير فإن أحب أن يقيم فيه أقام و إن أحب أن يذهب ذهب حيث شاء قالوا و كانت حنة قد أمسك عنها الولد فدعت حتى أيست فبينا هي تحت شجرة إذ رأت طائرا يزق فرخا له فتحركت نفسها للولد فدعت الله أن يرزقها ولدا فحملت بمريم و روي عن أبي عبد الله قال أوحى الله تعالى إلى عمران إني واهب لك ذكرا مباركا يبريء الأكمه و الأبرص و يحيي الموتى بإذن الله و جاعله رسولا إلى بني إسرائيل فحدث امرأته حنة بذلك و هي أم مريم فلما حملت بها قالت « رب إني نذرت لك ما في بطني محررا » « فتقبل مني » أي نذري قبول رضا « إنك أنت السميع » لما أقوله « العليم » بما أنوي فلهذا صحت الثقة لي « فلما وضعتها » قيل أن عمران هلك و هي حامل فوضعت بعد ذلك يعني ولدت مريم و كانت ترجو أن يكون غلاما فلما وضعتها خجلت و استحيت و « قالت » منكسة رأسها « رب إني وضعتها أنثى » و قيل فيه قولان ( أحدهما ) إن المراد به الاعتذار من العدول عن النذر لأنها أنثى ( و الآخر ) إن المراد تقديم الذكر في السؤال لها بأنها أنثى لأن سعيها أضعف و عقلها أنقص فقدم ذكرها ليصح القصد لها في السؤال بقولها « و إني أعيذها بك » « و الله أعلم بما وضعت » إخبار منه تعالى بأنه أعلم بوضعها لأنه هو الذي خلقها و صورها و على القراءة الأخرى و أنت يا رب أعلم مني بما وضعت « و ليس الذكر كالأنثى » لأنها لا تصلح لما يصلح الذكر له و إنما كان يجوز لهم التحرير في الذكور دون الإناث لأنها لا تصلح لما يصلح له الذكر من التحرير لخدمة بيت المقدس لما يلحقها من الحيض و النفاس و الصيانة عن التبرج للناس و قال قتادة لم

(2/250)


يكن التحرير إلا في الغلمان فيما جرت به العادة و قيل أرادت أن الذكر أفضل من الأنثى على العموم و أصلح للأشياء و الهاء في قوله « وضعتها » كناية عن ما في قوله « ما في بطني » و جاز ذلك لوقوع ما على مؤنث و يحتمل أن يكون كناية عن معلوم دل عليه الكلام « و إني سميتها » أي جعلت اسمها « مريم » و هي بلغتهم العابدة و الخادمة فيما قيل و كانت مريم أفضل النساء في وقتها و أجلهن و روى الثعلبي بإسناده عن أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال حسبك من نساء العالمين أربع مريم بنت عمران و آسية بنت مزاحم امرأة فرعون و خديجة بنت خويلد و فاطمة بنت محمد « و إني أعيذها بك و ذريتها من الشيطان الرجيم » خافت عليها ما يغلب على النساء من الآفات فقالت ذلك و قيل إنما استعاذتها من طعنة الشيطان في جنبها التي لها يستهل الصبي صارخا فوقاها الله تعالى و ولدها عيسى منه بحجاب فقد روى أبو هريرة أن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال ما من مولود إلا و الشيطان يمسه حين يولد فيستدل صارخا من مس الشيطان إياه إلا مريم و ابنها و قيل إنها استعاذت من إغواء الشيطان الرجيم إياها عن الحسن .
فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُول حَسن وَ أَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسناً وَ كَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَاب وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَمَرْيَمُ أَنى لَكِ هَذَا قَالَت هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيرِ حِساب(37)
القراءة
قرأ أهل الكوفة « كفلها » بالتشديد و الباقون بالتخفيف و قرأ أهل الكوفة إلا أبا بكر « زكريا » مقصورا و الباقون بالمد و نصب زكرياء مع المد أبو بكر وحده و الباقون بالرفع .
الحجة
قال أبو علي حجة من خفف كفلها قوله تعالى أيهم يكفل مريم و « زكريا » مرتفع لأن الكفالة مسندة إليه و من شدد « كفلها » ففاعله الضمير العائد إلى ربها من قوله « فتقبلها ربها » و صار زكريا مفعولا بعد تضعيف العين و المد و القصر في زكريا لغتان .
اللغة
إنما جاء مصدر تقبلها على القبول دون التقبل لأن فيه معنى قبلها كما يقال

(2/251)


تكرم كرما لأن فيه معنى كرم و مثله « و أنبتها نباتا حسنا » لأن فيه معنى فنبت و قال أبو عمرو و لا نظير لقبول في المصادر بفتح فاء الفعل و الباب كله مضموم الفاء كالدخول و الخروج و قال سيبويه جاءت خمس مصادر على فعول بالفتح قبول و وضوء و طهور و ولوغ و وقود إلا أن الأكثر في وقود الضم إذا أريد المصدر و أجاز الزجاج في قبول الضم و القبيل الكفيل و هو الضامن يقال كفلته أكفله كفلا و كفولا و كفالا فأنا كافل إذا تكفلت مئونته و منه الحديث و أنت خير المكفولين أي أحق من كفل في صغره و أرضع حتى نشأ و المكفول عنه في الفقه هو الذي عليه الدين و المكفول له هو الذي له الدين و المكفول به هو الدين و الكفيل هو الذي ثبت عليه الدين و المحراب مقام الإمام من المسجد و أصله أكرم موضع في المجلس و أشرفه و قال الزجاج هو المكان العالي الشريف قال :
ربة محراب إذا جئتها
لم ألقها أو أرتقي سلما و يقال للمسجد أيضا محراب و منه ما يشاء من محاريب أي مساجد و قيل أنه أخذ من الحرب لأنه يحارب فيها الشيطان .
المعنى
« فتقبلها ربها » مع أنوثتها و رضي بها في النذر الذي نذرته حنة للعبادة في بيت المقدس و لم يقبل قبلها أنثى في ذلك المعنى و قيل معناه تكفل بها في تربيتها و القيام بشأنها عن الحسن و قبوله إياها أنه ما عرتها علة ساعة من ليل أو نهار « بقبول حسن » أصله بتقبل حسن و لكنه محمول على قوله فتقبلها قبولا حسنا و قيل معناه سلك بها طريق السعداء عن ابن عباس « و أنبتها نباتا حسنا » أي جعل نشوءها نشوءا حسنا و قيل سوى خلقها فكانت تنبت في يوم ما ينبت غيرها في عام عن ابن عباس و قيل أنبتها في رزقها و غذائها حتى تمت امرأة بالغة تامة عن ابن جريج و قال ابن عباس لما بلغت تسع سنين صامت النهار و قامت الليل و تبتلت حتى غلبت الأحبار « و كفلها زكريا » بالتشديد معناه ضمها الله إلى زكريا و جعله كفيلها فيقوم بها و بالتخفيف معناه ضمها زكريا إلى نفسه و ضمن القيام بأمرها و قالوا إن أم مريم أتت بها ملفوفة في خرقة إلى المسجد و قالت دونكم النذيرة فتنافس فيها الأحبار لأنها كانت بنت إمامهم و صاحب قربانهم فقال لهم زكريا أنا أحق بها لأن خالتها عندي فقالت له الأحبار إنها لو تركت لأحق الناس بها لتركت لأمها التي ولدتها و لكنا نقترع عليها فتكون عند من خرج سهمه فانطلقوا و هم تسعة و عشرون رجلا إلى نهر جار فألقوا أقلامهم في الماء فارتز قلم زكريا و ارتفع فوق الماء و رسبت أقلامهم عن ابن اسحاق و جماعة و قيل بل ثبت قلم زكريا و قام فوق الماء كأنه في طين

(2/252)


و جرت أقلامهم مع جرية الماء فذهب بها الماء عن السدي فسهمهم زكريا و قرعهم و كان رأس الأحبار و نبيهم فذلك قوله « و كفلها زكريا » و زكريا كان من ولد سليمان بن داود و فيه ثلاث لغات المد و القصر و زكري مشدد قالوا فلما ضم زكريا مريم إلى نفسه بنى لها بيتا و استرضع لها فقال محمد بن إسحاق ضمها إلى خالتها أم يحيى حتى إذا شبت و بلغت مبلغ النساء بنى لها محرابا في المسجد و جعل بابه في وسطها لا يرقى إليها إلا بسلم مثل باب الكعبة و لا يصعد إليها غيره و كان يأتيها بطعامها و شرابها و دهنها كل يوم « كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا » يعني وجد زكريا عندها فاكهة في غير حينها فاكهة الصيف في الشتاء و فاكهة الشتاء في الصيف غضا طريا عن ابن عباس و قتادة و مجاهد و السدي و قيل أنها لم ترضع قط و إنما كان يأتيها رزقها من الجنة عن الحسن « قال يا مريم أنى لك هذا » يعني قال لها زكريا كيف لك و من أين لك هذا كالمتعجب منه « قالت هو من عند الله » أي من الجنة و هذه تكرمة من الله تعالى لها و إن كان ذلك خارقا للعادة فإن عندنا يجوز أن تظهر الآيات الخارقة للعادة على غير الأنبياء من الأولياء و الأصفياء و من منع ذلك من المعتزلة قالوا فيه قولين ( أحدهما ) أن ذلك كان تأسيسا لنبوة عيسى عن البلخي ( و الآخر ) أنه كان بدعاء زكريا لها بالرزق في الجملة و كانت معجزة له عن الجبائي « إن الله يرزق من يشاء بغير حساب » تقدم تفسيره .
النظم
و وجه اتصالها بما تقدم أن يكون حكاية لقول مريم و على هذا يكون معنى قوله « بغير حساب » الاستحقاق على العمل لأنه تفضل يبتدىء به من يشاء من خلقه و يحتمل أن يكون إخبارا من الله تعالى على الاستئناف .
هُنَالِك دَعَا زَكرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَب هَب لى مِن لَّدُنك ذُرِّيَّةً طيِّبَةً إِنَّك سمِيعُ الدُّعَاءِ(38) فَنَادَتْهُ الْمَلَئكَةُ وَ هُوَ قَائمٌ يُصلى فى الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشرُك بِيَحْيى مُصدِّقَا بِكلِمَة مِّنَ اللَّهِ وَ سيِّداً وَ حَصوراً وَ نَبِيًّا مِّنَ الصلِحِينَ(39)
القراءة
قرأ أهل الكوفة غير عاصم فناداه الملائكة على التذكير و الإمالة و الباقون « فنادته » على التأنيث و قرأ ابن عامر و حمزة إن الله بكسر الهمزة و الباقون بفتحها و قرأ حمزة

(2/253)


و الكسائي يبشرك بفتح الياء و التخفيف و الباقون بضم الياء و التشديد .
الحجة
من قرأ « فنادته » بالتاء فلموضع الجماعة كما تقول هي الرجال و من قرأ فناداه فعلى المعنى و من فتح إن كان المعنى فنادته بأن الله فحذف الجار و أوصل الفعل في موضع نصب على قياس قول الخليل في موضع الجر و من كسر أضمر القول كأنه نادته فقالت إن الله فحذف القول كما حذف في قول من كسر في قوله فدعا ربه أني مغلوب و إضمار القول كثير و أما يبشرك فقال أبو عبيدة يبشرك و « يبشرك » واحد و قال الزجاج هذا من بشر يبشر إذا فرح و أصل هذه كله إن بشرة الإنسان تنبسط عند السرور .
اللغة
الهبة تمليك الشيء من غير ثمن و السيد مأخوذ من سواد الشخص فقيل سيد القوم بمعنى مالك السواد الأعظم و هو الشخص الذي يجب طاعته لمالكه هذا إذا استعمل مضافا أو مقيدا فأما إذا أطلق فلا ينبغي إلا لله و الحصور الممتنع عن الجماع و منه قيل للذي يمتنع أن يخرج مع ندمائه شيئا للنفقة حصور قال الأخطل :
و شارب مربح بالكأس نادمني
لا بالحصور و لا فيها بسوار و يقال للذي يكتم سره حصور .
الإعراب
هنالك الأصل فيه الظرف من المكان نحو رأيته هنا و هناك و هنالك و الفرق أن هنا للتقريب و هنالك للتبعيد و هناك لما بينهما قال الزجاج و يستعمل في الحال كقولك من هاهنا قلت كذا أي من هذا الوجه و فيه معنى الإشارة كقولك ذا و ذاك و زيدت اللام لتأكيد التعريف و كسرت لالتقاء الساكنين كما كسرت في ذلك و إنما بني لدن و لم يبن عند و إن كان بمعناه لأنه استبهم استبهام الحروف لأنه لا يقع في جواب أين كما يقع عند في نحو قولهم أين زيد فيقال عندك و لا يقال لدنك و هو قائم جملة في موضع الحال من الهاء في نادته و قوله « يصلي في المحراب » جملة في موضع الحال من الضمير في قائم و قوله « مصدقا » نصب على الحال من يحيى و قوله « من الصالحين » من هاهنا لتبيين الصفة و ليس المراد التبعيض لأن النبي لا يكون إلا صالحا .
المعنى
« هنالك » أي عند ذلك الذي رأى من فاكهة الصيف في الشتاء و فاكهة الشتاء في الصيف على خلاف ما جرت به العادة « دعا زكريا ربه » قال « رب هب لي

(2/254)


من لدنك ذرية طيبة » أي طمع في رزق الولد من العاقر على خلاف مجرى العادة فسأل ذلك و قوله « طيبة » أي مباركة عن السدي و قيل صالحة تقية نقية العمل و إنما أنث طيبة و إنما سأل ولدا ذكرا على لفظ الذرية كما قال الشاعر :
أبوك خليفة ولدته أخرى
و أنت خليفة ذاك الكمال « إنك سميع الدعاء » بمعنى قابل الدعاء و مجيب له و منه قول القائل سمع الله لمن حمده أي قبل الله دعاءه و إنما قيل السامع للقابل المجيب لأن من كان أهلا أن يسمع منه فهو أهل أن يقبل منه و من لا يعتد بكلامه فكلامه بمنزلة ما لا يسمع « فنادته الملائكة » قيل ناداه جبرائيل عن السدي فعلى هذا يكون المعنى أن النداء أتاه من هذا الجنس كما يقال ركب فلان السفن و إنما ركب سفينة واحدة و المراد جاءه النداء من جهة الملائكة و قيل نادته جماعة من الملائكة « و هو قائم يصلي في المحراب » أي في المسجد و قيل في محراب المسجد « إن الله يبشرك بيحيى » سماه الله بهذا الاسم قبل مولده و اختلف فيه لم سمي بيحيى فقيل لأن الله أحيا به عقر أمه عن ابن عباس و قيل أنه تعالى أحياه بالإيمان عن قتادة و قيل لأنه تعالى أحيا قلبه بالنبوة و لم يسم قبله أحد يحيى « مصدقا بكلمة من الله » أي مصدقا بعيسى و عليه جميع المفسرين و أهل التأويل إلا ما حكي عن أبي عبيدة أنه قال بكتاب الله كما يقولون أنشدت كلمة فلان أي قصيدته و إن طالت و إنما سمي المسيح كلمة الله لأنه حصل بكلام الله من غير أب و قيل إنما سمي به لأن الناس يهتدون به كما يهتدون بكلام الله كما سمي روح الله لأن الناس كانوا يحيون به في أديانهم كما يحيون بأرواحهم و كان يحيى أكبر سنا من عيسى بستة أشهر و كلف التصديق به فكان أول من صدقه و شهد أنه كلمة الله و روحه و كان ذلك إحدى معجزات عيسى (عليه السلام) و أقوى الأسباب لإظهار أمره فإن الناس كانوا يقبلون قول يحيى لمعرفتهم بصدقة و زهده « و سيدا » في العلم و العبادة عن قتادة و قيل في الحلم و التقى و حسن الخلق عن الضحاك و قيل كريما على ربه عن ابن عباس و قيل فقيها عالما عن سعيد بن المسيب و قيل مطيعا لربه عن سعيد بن جبير و قيل مطاعا عن الخليل و قيل سيدا للمؤمنين بالرئاسة عليهم عن الجبائي و الجميع يرجع إلى أصل واحد و هو أنه أهل لتمليكه تدبير من يجب عليه طاعته لما هو عليه من هذه الأحوال « و حصورا » و هو الذي لا يأتي النساء عن ابن عباس و ابن مسعود و الحسن و قتادة و هو المروي عن أبي عبد الله و معناه أنه يحصر

(2/255)


نفسه عن الشهوات أي يمنعها و قيل الحصور الذي لا يدخل في اللعب و الأباطيل عن المبرد و قيل هو العنين عن ابن المسيب و الضحاك و هذا لا يجوز على الأنبياء لأنه عيب و ذم و لأن الكلام خرج مخرج المدح « و نبيا من الصالحين » أي رسولا شريفا رفيع المنزلة من جملة الأنبياء لأن الأنبياء كلهم كانوا صالحين و في هذه الآية دلالة على أن زكريا إنما طمع في الولد لما رأى تلك المعجزات و هو إن كان عالما بأنه تعالى يقدر على أن يخلق الولد من العاقر فقد كان يجوز أن لا يفعل ذلك لبعض التدبير فلما رأى خرق العادة بخلق الفاكهة في غير وقتها قوي ظنه في أنه يفعل ذلك إذا اقتضته المصلحة كما أن إبراهيم و إن كان عالما بأنه تعالى يقدر على إحياء الموتى سأل ذلك مشاهدة ليتأكد معرفته و فيها دلالة على أن الولد الصالح نعمة من الله تعالى على العبد فلذلك بشره به .
قَالَ رَب أَنى يَكُونُ لى غُلَمٌ وَ قَدْ بَلَغَنىَ الْكبَرُ وَ امْرَأَتى عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِك اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشاءُ(40)
اللغة
العاقر من الرجال الذي لا يولد له و من النساء التي لا تلد يقال عقرت تعقر عقرا فهي عاقر قال عبيد :
أ عاقر مثل ذات رحم
أم غانم مثل من يخيب و العقر دية فرج المرأة إذا غصبت نفسها و بيضة العقر آخر بيضة و العقر محلة القوم و العقر أصل كل شيء و يقال غلام بين الغلومية و الغلومة و هو الشاب من الناس و الغلمة و الاغتلام شدة طلب النكاح و سمي الغلام غلاما لأنه في حال يطلب في مثلها النكاح و الغيلم منبع الماء من الآبار لأنه يطلب الظهور .
المعنى
« قال » زكريا « رب » لله عز و جل لا لجبرائيل « أنى يكون » أي من أين يكون و قيل كيف يكون « لي غلام » أي ولد « و قد بلغني الكبر » أي أصابني الشيب و نالني الهرم و إنما جاز أن تقول بلغني الكبر لأن الكبر بمنزلة الطالب له فهو يأتيه بحدوثه فيه و الإنسان أيضا يأتي الكبر بمرور السنين عليه و لو قلت بلغني البلد بمعنى بلغت البلد لم يجز لأن البلد لا يأتيك أصلا و قال ابن عباس كان زكريا يوم بشر بالولد ابن

(2/256)


عشرين و مائة سنة و كانت امرأته بنت ثمان و تسعين سنة « و امرأتي عاقر » أي عقيم لا تلد فإن قيل لم راجع زكريا هذه المراجعة و قد بشره الله بأن يهب له ذرية طيبة بعد أن سأل ذلك قيل إنما قال ذلك على سبيل التعرف عن كيفية حصول الولد أ يعطيهما الله إياه و هما على ما كانا عليه من الشيب أم يصرفهما إلى حال الشباب ثم يرزقهما الولد عن الحسن و يحتمل أن يكون اشتبه الأمر عليه أ يعطيه الولد من امرأته العجوز أم من امرأة أخرى شابة فقال الله « كذلك » و تقديره كذلك الأمر الذي أنتما عليه و على تلك الحال « الله يفعل ما يشاء » معناه يرزقك الله الولد منها فإنه هين عليه كما أنشأكما و لم تكونا شيئا فإنه تعالى قادر يفعل ما يشاء و قيل فيه وجه آخر و هو أنه إنما قال ذلك على سبيل الاستعظام لمقدور الله و التعجب الذي يحصل للإنسان عند ظهور آية عظيمة كمن يقول لغيره كيف سمحت نفسك بإخراج ذلك المال النفيس من يدك تعجبا من جوده و قيل أنه قال ذلك على وجه التعجب من أنه كيف أجابه الله إلى مراده فيما دعا و كيف استحق ذلك و من زعم أنه إنما قال ذلك للوسوسة التي خالطت قلبه من قبل الشيطان أو خيلت إليه أن النداء كان من غير الملائكة فقد أخطأ لأن الأنبياء لا بد أن يعرفوا الفرق بين كلام الملك و وسوسة الشيطان و لا يجوز أن يتلاعب الشيطان بهم حتى يختلط عليهم طريق الأفهام .
قَالَ رَب اجْعَل لى ءَايَةً قَالَ ءَايَتُك أَلا تُكلِّمَ النَّاس ثَلَثَةَ أَيَّام إِلا رَمْزاً وَ اذْكُر رَّبَّك كثِيراً وَ سبِّحْ بِالْعَشىِّ وَ الابْكرِ(41)
الإعراب
في وزن آية فيه ثلاثة أقوال ( أحدها ) فعلة إلا أنه شذ من جهة إعلال العين مع كون اللام حرف علة و إنما القياس في مثله إعلال اللام نحو حياة و نواة و نظيرها راية و غاية و طاية ( و الثاني ) فعلة و تقديره آيية إلا أنها قلبت كراهة التضعيف نحو طائي من طي ( و الثالث ) فاعلة منقوصة قال علي بن عيسى و هذا ضعيف لأن تصغيرها أيية و لو كانت فاعلة لقالوا أويية إلا أنه يجوز على ترخيم التصغير نحو فطيمة و الرمز الإيماء بالشفتين و قد يستعمل في الإيماء بالحاجب و العين و اليد و الأول أغلب و قال جوبة بن عابد :
كان تكلم الأبطال رمزا
و غمغمة لهم مثل الهرير

(2/257)


و العشي من حين زوال الشمس إلى غروبها في قول مجاهد قال الشاعر :
فلا الظل من برد الضحى يستطيعه
و لا الفيء من برد العشي يذوق و العشاء من لدن غروب الشمس إلى أن يولي صدر الليل و العشاء طعام العشي و العشاء مقصورا ضعف العين و أصل الباب الظلمة و الإبكار من حين طلوع الفجر إلى وقت الضحى و أصله التعجيل بالشيء يقال أبكر و بكر بكورا و منه الباكورة .
المعنى
ثم سأل الله تعالى زكريا علامة يعرف بها وقت حمل امرأته ليزيد في العبادة شكرا و قيل ليتعجل السرور به عن الحسن ف « قال رب اجعل لي آية » أي علامة لوقت الحمل و الولد فجعل الله تعالى تلك العلامة في إمساك لسانه عن الكلام إلا إيماء من غير آفة حدثت فيه بقوله « قال آيتك » أي قال الله و يحتمل أن يكون المراد قال جبرائيل آيتك أي علامتك « ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا » أي إيماء عن قتادة و قيل الرمز تحريك الشفتين عن مجاهد و قيل أراد به صوم ثلاثة أيام لأنهم كانوا إذا صاموا لم يتكلموا إلا رمزا عن عطا « و اذكر ربك كثيرا » أي في هذه الأيام الثلاثة و معناه أنه لما منع من الكلام عرف أنه لم يمنع من الذكر لله تعالى و التسبيح له و ذلك أبلغ في الإعجاز « و سبح » أي نزه الله و أراد التسبيح المعروف و قيل معناه صل كما يقال فرغت من سبحتي أي صلاتي « بالعشي و الإبكار » في آخر النهار و أوله .
وَ إِذْ قَالَتِ الْمَلَئكةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصطفَاكِ وَ طهَّرَكِ وَ اصطفَاكِ عَلى نِساءِ الْعَلَمِينَ(42) يَمَرْيَمُ اقْنُتى لِرَبِّكِ وَ اسجُدِى وَ ارْكَعِى مَعَ الرَّكِعِينَ(43)
المعنى
قدم تعالى ذكر امرأة عمران و فضل بنتها على الجملة ثم ذكر تفصيل تلك الجملة فقال « و إذ قالت الملائكة » إذ هذه معطوفة على إذ في قوله إذ قالت امرأة عمران أو يكون معناه اذكر إذ قالت الملائكة و قيل يعني جبريل وحده « يا مريم إن الله اصطفاك » أي اختارك و ألطف لك حتى تفرغت لعبادته و اتباع مرضاته و قيل معناه اصطفيك لولادة المسيح عن الزجاج « و طهرك » بالإيمان عن الكفر و بالطاعة عن المعصية عن الحسن و سعيد بن جبير و قيل طهرك من الأدناس و الأقذار التي تعرض للنساء

(2/258)


من الحيض و النفاس حتى صرت صالحة لخدمة المسجد عن الزجاج و قيل طهرك من الأخلاق الذميمة و الطبائع الردية « و اصطفاك على نساء العالمين » أي على نساء عالمي زمانك لأن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليها و على أبيها و بعلها و بنيها سيدة نساء العالمين و هو قول أبي جعفر (عليه السلام) و روي عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال فضلت خديجة على نساء أمتي كما فضلت مريم على نساء العالمين و قال أبو جعفر معنى الآية اصطفاك من ذرية الأنبياء و طهرك من السفاح اصطفاك لولادة عيسى (عليه السلام) من غير فحل و خرج بهذا من أن يكون تكريرا إذ يكون الاصطفاء على معنيين مختلفين « يا مريم اقنتي لربك » أي اعبديه و أخلصي له العبادة عن سعيد بن جبير و قيل معناه أديمي الطاعة له عن قتادة و قيل أطيلي القيام في الصلاة عن مجاهد « و اسجدي و اركعي مع الراكعين » أي كما يعمل الساجدون و الراكعون لا أن يكون ذلك أمرا لها بأن تعمل السجود و الركوع معهم في الجماعة و قدم السجود على الركوع لأن الواو لا توجب الترتيب فإنها في الأشياء المتغايرة نظيرة التثنية في المتماثلة و إنما توجب الجمع و الاشتراك و قيل معناه و اسجدي لله شكرا و اركعي أي و صلي مع المصلين و قيل معناه صلي في الجماعة عن الجبائي .
ذَلِك مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْك وَ مَا كُنت لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَ مَا كنت لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ(44)
اللغة
الأنباء الأخبار الواحد نبأ و الإيحاء هو إلقاء المعنى إلى الغير على وجه يخفى و الإيحاء الإرسال إلى الأنبياء تقول أوحى الله إليه أي أرسل إليه ملكا و الإيحاء الإلهام و منه قوله تعالى و أوحى ربك إلى النحل و قوله بأن ربك أوحى لها معناه ألقى إليها معنى ما أراد منها قال العجاج :
أوحى لها القرار فاستقرت
و شدها بالراسيات الثبت و الإيحاء الإيماء قال :
فأوحت إلينا و الأنامل رسلها و منه قوله تعالى فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة و عشيا أي أشار إليهم و الوحي الكتابة قال رؤبة :
لقدر كان وحاه الواحي و قال :
في سور من ربنا موحية ) .
و القلم الذي يكتب به و القلم الذي يجال بين القوم كل إنسان و قلمه و هو القدح و القلم قص الظفر و مقالم الرمح كعوبه و أصله قطع طرف الشيء .

(2/259)


الإعراب
قال أبو علي إذ في قوله « إذ يلقون » متعلق بكنت و إذ في قوله إذ قالت الملائكة بعد يختصمون متعلق بيختصمون و يجوز أيضا أن يكون متعلقا بكنت كأنه قال و ما كنت لديهم إذ قالت الملائكة و هذا إنما يجوز عندي إذا قدرت إذ الثانية بدلا من الأولى فإن لم تقدره هذا التقدير لم يجز و إنما يجوز البدل في هذا إذا كان وقت اختصامهم وقت قول الملائكة ليكون البدل المبدل منه في المعنى .
المعنى
« ذلك » إشارة إلى ما تقدم ذكره من حديث مريم و زكريا و يحيى « من أنباء الغيب » أي من أخبار ما غاب عنك و عن قومك « نوحيه إليك » أي نلقيه عليك معجزة و تذكيرا و تبصرة و موعظة و عبرة و وجه الإعجاز فيه أن ما غاب عن الإنسان يمكن أن يحصل علمه بدراسة الكتب أو التعلم أو الوحي و النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لم يشاهد هذه القصص و لا قرأها من الكتب و لا تعلمها إذ كان نشوءه بين أهل مكة و لم يكونوا أهل كتاب فوضح الله أن أوحى إليه بها و في ذلك صحة نبوته « و ما كنت » يا محمد « لديهم » عندهم « إذ يلقون أقلامهم » التي كانوا يكتبون بها التوراة في الماء على ما تقدم ذكره قبل و قيل أقلامهم أقداحهم للاقتراع جعلوا عليها علامات يعرفون بها من يكفل مريم على جهة القرعة « أيهم يكفل مريم » و فيه حذف أي لينظروا أيهم تظهر قرعته ليكفل مريم و هذا تعجيب من الله نبيه (صلى الله عليهوآلهوسلّم) من شدة حرصهم على كفالة مريم و القيام بأمرها عن قتادة و قيل هو تعجيب من تدافعهم لكفالتها لشدة الأزمة التي لحقتهم حتى وفق لها خير الكفلاء لها زكريا « و ما كنت لديهم إذ يختصمون » فيه دلالة على أنهم قد بلغوا في التشاح عليها إلى حد الخصومة و في وقت التشاح قولان ( أحدهما ) حين ولادتها و حمل أمها إياها إلى الكنيسة تشاحوا في الذي يحضنها و يكفل تربيتها و هذا قول الأكثر و قال بعضهم كان ذلك وقت كبرها و عجز زكريا عن تربيتها و في هذه الآية دلالة على أن للقرعة مدخلا في تميز الحقوق و قد قال الصادق (عليه السلام) ما تقارع قوم ففوضوا أمورهم إلى الله تعالى إلا خرج سهم المحق و قال أي قضية أعدل من القرعة إذا فوض الأمر إلى الله تعالى يقول فساهم فكان من المدحضين و قال الباقر أول من سوهم عليه مريم ابنة عمران ثم تلا « و ما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم » الآية و السهام ستة ثم استهموا في يونس ثم كان عبد المطلب ولد له تسعة بنين فنذر في العاشر إن يرزقه الله غلاما أن يذبحه فلما ولد له عبد الله لم يقدر أن يذبحه و رسول الله في صلبه فجاء بعشرة من الإبل فساهم عليها و على عبد الله فخرجت السهام على عبد الله فزاد عشرا فلم

(2/260)


تزل السهام تخرج على عبد الله و يزيد عشرا فلما أن أخرجت مائة خرجت السهام على الإبل فقال عبد المطلب ما أنصفت ربي فأعاد السهام ثلاثا فخرجت على الإبل فقال الآن علمت أن ربي قد رضي بها فنحرها .
إِذْ قَالَتِ الْمَلَئكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشرُكِ بِكلِمَة مِّنْهُ اسمُهُ الْمَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فى الدُّنْيَا وَ الاَخِرَةِ وَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ(45) وَ يُكلِّمُ النَّاس فى الْمَهْدِ وَ كهْلاً وَ مِنَ الصلِحِينَ(46)
القراءة
ذكرنا القراءة في « يبشرك » و القول فيه .
اللغة
المسيح فعيل بمعنى مفعول و أصله أنه مسح من الأقذار و طهر و المسيح أيضا الذي أحد شقي وجهه ممسوح لا عين له و لا حاجب و لذلك سمي الدجال به و قيل المسيح عيسى بفتح الميم و التخفيف و هو الصديق و المسيح بكسر الميم و تشديد السين نحو الشرير الدجال عن إبراهيم النخعي و أنكره غيره قال الشاعر :
إذ المسيح يقتل المسيحا و الوجيه الكريم على من يسأله فلا يرده لكرم وجهه عنده خلاف من يبذل وجهه للمسألة فيرد يقال وجه الرجل يوجه وجاهة و له وجاهة عند الناس و جاه أي منزلة رفيعة و الكهل ما بين الشاب و الشيخ و منه اكتهل النبت إذا طال و قوي و المرأة كهلة قال الشاعر :
و لا أعود بعدها كريا
أمارس الكهلة و الصبيا و منه الكاهل ما فوق الظهر إلى ما يلي العنق و قيل الكهولة بلوغ أربع و ثلاثين سنة .
الإعراب
وجيها منصوب على الحال المعنى يبشرك الله بهذا الولد وجيها و يكلم في موضع النصب أيضا على الحال عطفا على وجيها و جائز أن يعطف بلفظ يفعل على فاعل لمضارعة يفعل فاعلا قال الشاعر :
بات يغشيها بعضب باتر
يقصد في أسوقها و جائر أي قاصد أسوقها و جائر و كهلا حال من يكلم .
المعنى
« إذ قالت الملائكة » قال ابن عباس يريد جبرائيل « يا مريم إن الله

(2/261)


يبشرك » يخبرك بما يسرك « بكلمة منه » فيه قولان أحدهما أنه المسيح سماه كلمة عن ابن عباس و قتادة و جماعة من المفسرين و إنما سمي بذلك لأنه كان بكلمة من الله من غير والد و هو قوله كن فيكون يدل عليه قوله إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه الآية و قيل سمي بذلك لأن الله بشر به في الكتب السالفة كما يقال الذي يخبرنا بالأمر إذا خرج موافقا لأمره قد جاء كلامي فمما جاء من البشارة به في التوراة أتانا الله من سيناء و أشرق من ساعير و استعلن من جبال فاران و ساعير هو الموضع الذي بعث منه المسيح و قيل لأن الله يهدي به كما يهدي بكلمته و القول الثاني أن الكلمة بمعنى البشارة كأنه قال ببشارة منه ولد « اسمه المسيح » فالأول أقوى و يؤيده قوله إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله و كلمته ألقاها إلى مريم و روح منه و إنما ذكر الضمير في اسمه و هو عائد إلى الكلمة لأنه واقع على مذكر فذهب إلى المعنى و اختلف في أنه لم سمي بالمسيح فقيل لأنه مسح بالبركة و اليمن عن الحسن و قتادة و سعيد و قيل لأنه مسح بالتطهير من الذنوب و قيل لأنه مسح بدهن زيت بورك فيه و كانت الأنبياء تمسح به عن الجبائي و قيل لأنه مسحه جبرائيل بجناحه وقت ولادته ليكون عوذة من الشيطان و قيل لأنه كان يمسح رأس اليتامى لله و قيل لأنه كان يمسح عين الأعمى فيبصر عن الكلبي و قيل لأنه كان لا يمسح ذا عاهة بيده إلا برأ عن ابن عباس في رواية عطا و الضحاك و قال أبو عبيدة هو بالسريانية مشيحا فعربته العرب « عيسى بن مريم » نسبة إلى أمه ردا على النصارى قولهم إنه ابن الله « وجيها » ذا جاه و قدر و شرف « في الدنيا و الآخرة و من المقربين » إلى ثواب الله و كرامته « و يكلم الناس في المهد » أي صغيرا و المهد الموضع الذي يمهد لنوم الصبي و يعني بكلامه في المهد قوله إني عبد الله آتاني الكتاب الآية و وجه كلامه في المهد أنه تبرئة لأمه مما قذفت به و جلالة له بالمعجزة التي ظهرت فيه « و كهلا » أي و يكلمهم كهلا بالوحي الذي يأتيه من الله أعلمها الله تعالى أنه يبقى إلى حال الكهولة و في ذلك إعجاز لكون المخبر على وفق الخبر و قيل إن المراد به الرد على النصارى بما كان فيه من التقلب في الأحوال لأن ذلك مناف لصفة الإله « و من الصالحين » أي و من النبيين مثل إبراهيم و موسى و قيل إن المراد بالآية و يكلمهم في المهد دعاء إلى الله و كهلا بعد نزوله من السماء ليقتل الدجال و ذلك لأنه رفع إلى السماء و هو ابن ثلاث و ثلاثين سنة و ذلك قبل الكهولة عن زيد بن أسلم و في ظهور المعجزة في المهد قولان ( أحدهما ) أنها كانت مقرونة بنبوة المسيح لأنه تعالى أكمل عقله في تلك الحال و جعله نبيا و أوحى إليه بما تكلم به عن الجبائي و قيل كان ذلك على التأسيس و الإرهاص

(2/262)


لنبوته عن ابن الإخشيد و يجوز عندنا الوجهان و يجوز أيضا أن يكون معجزة لمريم تدل على طهارتها و براءة ساحتها إذ لا مانع من ذلك و قد دلت الأدلة الواضحة على جوازه و إنما جحدت النصارى كلام المسيح في المهد مع كونه آية و معجزة لأن في ذلك إبطالا لمذهبهم لأنه قال إني عبد الله و هذا ينافي قولهم أنه ابن الله فاستمروا على تكذيب من أخبر أنه شاهده كذلك .
قَالَت رَب أَنى يَكُونُ لى وَلَدٌ وَ لَمْ يَمْسسنى بَشرٌ قَالَ كذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ إِذَا قَضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ(47)
الإعراب
فيكون هاهنا لا يجوز فيه غير الرفع لأنه لا يصلح أن يكون جوابا للأمر الذي هو كن لأن الجواب يجب بوجود الأول نحو ائتني فأكرمك و قم فأقوم معك و لا يجوز قم فيقوم لأنه يكون على تقدير قم فإنك إن تقم يقم و هذا لا معنى له و لكن الوجه الرفع على الإخبار بأنه سيقوم و يجوز في قوله « أن يقول له كن فيكون » النصب عطفا على يقول .
المعنى
« قالت » مريم يا « رب أنى يكون » أي كيف يكون « لي ولد و لم يمسسني بشر » لم تقل ذلك استبعادا و استنكارا بل إنما قالت استفهاما و استعظاما لقدرة الله لأن في طبع البشر التعجب مما خرج عن المعتاد و قيل إنما قالت ذلك لتعلم أن الله تعالى يرزقها الولد و هي على حالتها لم يمسها بشر أو يقر لها زوجا ثم يرزقها الولد على مجرى العادة « قال كذلك الله يخلق ما يشاء » أي يخلق ما يشاء مثل ذلك و هو حكاية ما قال لها الملك أي يرزقك الولد و أنت على هذه الحالة لم يمسك بشر « إذا قضى أمرا » أي خلق أمرا و قيل إذا قدر أمرا « فإنما يقول له كن فيكون » و قيل في معناه قولان ( أحدهما ) أنه إخبار بسرعة حصول مراد الله في كل شيء أراد حصوله من غير مهلة و لا معاناة و لا تكلف سبب و لا أداة و إنما كنى بهذا اللفظ لأنه لا يدخل في وهم العباد شيء أسرع من كن فيكون ( و الآخر ) أن هذه الكلمة كلمة جعلها الله علامة للملائكة فيما يريد إحداثه و إيجاده لما فيه من المصلحة و الاعتبار و إنما استعمل لفظة الأمر فيما ليس بأمر هنا ليدل بذلك على أن فعله بمنزلة فعل المأمور في أنه لا كلفة فيه على الآمر .

(2/263)


وَ يُعَلِّمُهُ الْكِتَب وَ الْحِكمَةَ وَ التَّوْرَاةَ وَ الانجِيلَ(48) وَ رَسولاً إِلى بَنى إِسرءِيلَ أَنى قَدْ جِئْتُكُم بِئَايَة مِّن رَّبِّكمْ أَنى أَخْلُقُ لَكم مِّنَ الطينِ كَهَيْئَةِ الطيرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طيرَا بِإِذْنِ اللَّهِ وَ أُبْرِىُ الأَكمَهَ وَ الأَبْرَص وَ أُحْىِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَ أُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكلُونَ وَ مَا تَدَّخِرُونَ فى بُيُوتِكمْ إِنَّ فى ذَلِك لاَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(49)
عد أهل الكوفة « التوراة و الإنجيل » آية و لم يعدوا « بني إسرائيل » لتنكر الاستئناف بأن المفتوحة و عد غيرهم « بني إسرائيل » و لم يعدوا « الإنجيل » طلبوا تمام صفة المسيح لأن تقديره و معلما و رسولا .
القراءة
قرأ أهل المدينة و عاصم و يعقوب و سهل « و يعلمه » بالياء و الباقون بالنون و قرأ نافع إني أخلق بكسر الألف و الباقون « أني » بالفتح و قرأ أهل المدينة و يعقوب طائرا و مثله في المائدة و أبو جعفر كهيئة الطائر فيهما و الباقون « طيرا » بغير ألف .
الحجة
من قرأ « و يعلمه » عطفه على قوله إن الله يبشرك و من قرأ و نعلمه جعله على نحو نحن قدرنا بينكم الموت و من فتح « أني أخلق » جعلها بدلا من آية كأنه قال و جئتكم بأني أخلق لكم و من كسر احتمل وجهين ( أحدهما ) الاستئناف و قطع الكلام مما قبله ( و الآخر ) أنه فسر الآية بقوله « أني أخلق » كما فسر الوعد في قوله وعد الله الذين آمنوا بقوله لهم مغفرة و فسر المثل في قوله كمثل آدم بقوله خلقه من تراب و هذا الوجه أحسن لأنه في المعنى كمن فتح و أبدل من آية و من قرأ طائرا أراد فيكون ما أنفخ فيه أو ما أخلقه طائرا فأفرد لذلك فسر أو أراد يكون كل واحد من ذلك طائرا كما قال فاجلدوهم ثمانين جلدة أي اجلدوا كل واحد منهم .
اللغة
الحكمة و الحكم بمعنى و نظيره الذلة و الذل و الطين معروف و طنت الكتاب جعلت عليه طينا لأختمه به و طينت البيت تطيينا و الهيأة الحال الظاهرة هاء فلان يهاء هيئة و النفخ معروف نفخ ينفخ نفخا و النفاخة للماء و الكمة العمى قال سويد بن أبي كاهل :
كمهت عيناه حتى ابيضتا
فهو يلحي نفسه لما نزع

(2/264)


و الإدخار الافتعال من الدخر و جوز النحويون تذخرون بالذال .
الإعراب
موضع يعلمه يحتمل أن يكون نصبا بالعطف على وجيها و يحتمل أن يكون لا موضع له من الإعراب لأنه عطف على جملة لا موضع لها من الإعراب و هي قوله كذلك الله يخلق ما يشاء و قيل هو عطف على نوحيه إليك و هذا لا يجوز لأنها تخرج من معنى البشارة لمريم و رسولا نصب على تقدير و نجعله رسولا فحذف لدلالة البشارة عليه و يجوز أن يكون نصبا على الحال عطفا على وجيها لا أنه في ذلك الوقت يكون رسولا بل بمعنى أنه يرسل رسولا و قال الزجاج المعنى يكلمهم رسولا بأني قد جئتكم و لو قرأت بالكسر إني قد جئتكم لكان صوابا و المعنى يقول إني قد جئتكم و موضع « أني أخلق لكم » يحتمل أن يكون خفضا و رفعا فالخفض على البدل من آية و الرفع على ما ذكرناه قبل و « بما تأكلون » جائز أن يكون ما هنا بمعنى الذي أي بما تأكلونه و تدخرونه و يجوز أن يكون بمعنى المصدر أي أنبئكم بأكلكم و ادخاركم و الأول أجود .
المعنى
« و يعلمه الكتاب » أراد الكتابة عن ابن جريج قال أعطى الله عيسى تسعة أجزاء من الخط و سائر الناس جزءا و قيل أراد به بعض الكتب التي أنزلها الله تعالى على أنبيائه سوى التوراة و الإنجيل مثل الزبور و غيره عن أبي علي الجبائي و هو أليق بالظاهر « و الحكمة » أي الفقه و علم الحلال و الحرام عن ابن عباس كما روي عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال أوتيت القرآن و مثليه قالوا أراد به السنن و قيل أراد بذلك جميع ما علمه من أصول الدين « و التوراة و الإنجيل » إن قيل لم أفردهما بالذكر مع دخولهما في الحكمة قيل تنبيها عن جلالة موقعهما كقوله و ملائكته و رسله و جبريل و ميكال و قطع هاهنا قصة مريم و ولادتها و يأتي تمام قصتها في سورة مريم و ابتدأ بقصة عيسى فقال « و رسولا إلى بني إسرائيل » و قد ذكرنا تقديره و معناه يدور عليه « أني قد جئتكم » أي قال لهم و كلمهم لما بعث إليهم بأني قد جئتكم « ب آية » أي بدلالة و حجة « من ربكم » دالة على نبوتي ثم حذف الباء فوصل الفعل « أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير » معناه و هذه الآية أني أقدر لكم و أصور لكم من الطين مثل صورة الطير « فأنفخ فيه » أي في الطير المقدر من الطين و قال في موضع آخر فيها أي في الهيأة المقدرة « فيكون طيرا بإذن الله » و قدرته و قيل بأمر الله تعالى و إنما وصل قوله « بإذن الله » بقوله « فيكون طيرا » دون ما قبله لأن تصور الطين على هيئة الطير و النفخ فيه مما يدخل تحت مقدور العباد فأما جعل الطين طيرا حتى يكون لحما و دما و خلق الحياة فيه فيما لا يقدر عليه غير الله فقال « بإذن الله » ليعلم أنه من فعله تعالى و ليس

(2/265)


بفعل عيسى و في التفسير أنه صنع من الطين كهيئة الخفاش و نفخ فيه فصار طائرا « و أبرىء الأكمه » أي الذي ولد أعمى عن ابن عباس و قتادة و قيل هو الأعمى عن الحسن و السدي « و الأبرص » الذي به وضح و قال وهب و ربما اجتمع على عيسى من المرضى في اليوم خمسون ألفا من أطاق منهم أن يبلغه بلغه و من لم يطق أتاه عيسى يمشي إليه و إنما كان يداويهم بالدعاء على شرط الإيمان « و أحيي الموتى بإذن الله » إنما أضاف الإحياء إلى نفسه على وجه المجاز و التوسع و لأن الله تعالى كان يحيي الموتى عند دعائه و قيل أنه أحيا أربعة أنفس عازر و كان صديقا له و كان قد مات منذ ثلاثة أيام فقال لأخته انطلقي بنا إلى قبره ثم قال اللهم رب السماوات السبع و رب الأرضين السبع إنك أرسلتني إلى بني إسرائيل أدعوهم إلى دينك و أخبرهم بأني أحيي الموتى فأحي عازر فخرج من قبره و بقي و ولد له و ابن العجوز مر به مبيتا على سريره فدعا الله عيسى (عليه السلام) فجلس على سريره و نزل عن أعناق الرجال و لبس ثيابه و رجع إلى أهله و بقي و ولد له و ابنة العاشر قيل له أ تحييها و قد ماتت أمس فدعا الله فعاشت و بقيت و ولدت و سام بن نوح دعا عليه باسم الله الأعظم فخرج من قبره و قد شاب نصف رأسه فقال قد قامت القيامة قال لا و لكني دعوتك باسم الله الأعظم قال و لم يكونوا يشيبون في ذلك الزمان لأن سام بن نوح قد عاش خمس مائة سنة و هو شاب ثم قال له مت قال بشرط أن يعيذني الله من سكرات الموت فدعا الله ففعل و قال الكلبي كان يحيي الأموات بيا حي يا قيوم و إنما خص عيسى (عليه السلام) بهذه المعجزات لأن الغالب كان في زمانه الطب فأراهم الله الآيات من جنس ما هم عليه لتكون المعجزة أظهر كما أن الغالب لما كان في زمن موسى السحر أتاهم من جنس ذلك بما أعجزهم عن الإتيان بمثله و كان الغالب في زمان نبينا (صلى الله عليهوآلهوسلّم) البيان و البلاغة و الفصاحة فأراهم الله تعالى المعجزة بالقرآن الذي بهرهم ما فيه من عجائب النظم و غرائب البيان ليكون أبلغ في باب الإعجاز بأن يأتي كلا من أمم الأنبياء بمثل ما هم عليه و يعجزون عن الإتيان بمثله إذ لو أتاهم بما لا يعرفونه لكان يجوز أن يخطر ببالهم أن ذلك مقدور للبشر غير أنهم لا يهتدون إليه « و أنبئكم بما تأكلون و ما تدخرون في بيوتكم » أي أخبركم بالذي تأكلونه و تدخرونه كان يقول للرجل تغديت بكذا و كذا و رفعت إلى الليل كذا و كذا « إن في ذلك » أي فيما ذكرت لكم « لآية » أي حجة و معجزة و دلالة « لكم إن كنتم مؤمنين » بالله إذ كان

(2/266)


لا يصح العلم بمدلول المعجزة إلا لمن آمن بالله لأن العلم بالمرسل لا بد أن يكون قبل العلم بالرسول و في الآية دلالة على أن عيسى (عليه السلام) كان مبعوثا إلى جميع بني إسرائيل و قوله « أني أخلق لكم » يدل على أن العبد يحدث و يفعل و يخلق خلافا لقول المجبرة لكن الخالق على الإطلاق هو الله تعالى .
وَ مُصدِّقاً لِّمَا بَينَ يَدَى مِنَ التَّوْرَاةِ وَ لأُحِلَّ لَكم بَعْض الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكمْ وَ جِئْتُكم بِئَايَة مِّن رَّبِّكمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ(50) إِنَّ اللَّهَ رَبى وَ رَبُّكمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صرَاطٌ مُّستَقِيمٌ(51)
اللغة
الفرق بين التصديق و التقليد أن التصديق لا يكون إلا فيما تبرهن عند صاحبه و التقليد قد يكون فيما لا يتبرهن و لهذا لا نكون مقلدين للنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و إن كنا مصدقين له و الإحلال هو الإطلاق للفعل بتحسينه و التحريم هو حظر الفعل بتقبيحه و الاستقامة خلاف الاعوجاج .
الإعراب
مصدقا نصب على الحال و تقديره و جئتكم مصدقا لأن أول الكلام يدل عليه و نظيره جئته بما يجب و معرفا له و لا يكون عطفا لا على وجيها و لا رسولا لقوله « لما بين يدي » و لم يقل لما بين يديه و قال أبو عبيدة أراد بقوله « بعض الذي حرم » كل الذي حرم و يستشهد بقول لبيد :
تراك أمكنة إذا لم أرضها
أو يعتلق بعض النفوس حمامها قال معناه أو تعتلق كل النفوس و أنكر الزجاج ذلك و قال معناه أو تعتلق نفسي حمامها و خطأ أبا عبيدة من وجهين ( أحدهما ) أن البعض لا يكون بمعنى الكل ( و الثاني ) أنه لا يجوز تحليل جميع المحرمات لأنه يدخل الكذب و الظلم و القتل في ذلك .
المعنى
« و مصدقا لما بين يدي » أي لما أنزل قبلي من التوراة و ما فيه البشارة بي و من أرسل قبلي من الأنبياء « و لأحل لكم بعض الذي حرم عليكم » هذا معطوف على معنى قوله « مصدقا » و تقديره و لأصدق ما بين يدي من التوراة و لأحل لكم كما تقول جئته

(2/267)


معتذرا و لأجتلب عطفه و قيل إن الذي أحل لهم لحوم الإبل و الشروب و بعض الطيور و الحيتان مما كان قد حرم على بني إسرائيل عن قتادة و الربيع و ابن جريج و وهب و قيل أحل لكم السبت عن الكلبي « و جئتكم ب آية من ربكم » أي بحجة تشهد بصدقي « فاتقوا الله » في مخالفتي و تكذيبي « و أطيعون » كما أمركم الله به « إن الله ربي و ربكم » أي مالكي و مالككم و إنما قال ذلك ليكون حجة على النصارى في قولهم المسيح ابن الله و المعنى لا تنسبوني إليه فأنا عبده كما أنكم عبيد له « فاعبدوه » وحده « هذا صراط مستقيم » أي دين الله أي عبادته دين مستقيم و قد استوفينا الكلام في الرب و في الصراط المستقيم في سورة الحمد .
* فَلَمَّا أَحَس عِيسى مِنهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصارِى إِلى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نحْنُ أَنصارُ اللَّهِ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَ اشهَدْ بِأَنَّا مُسلِمُونَ(52) رَبَّنَا ءَامَنَّا بِمَا أَنزَلْت وَ اتَّبَعْنَا الرَّسولَ فَاكتُبْنَا مَعَ الشهِدِينَ(53) وَ مَكرُوا وَ مَكرَ اللَّهُ وَ اللَّهُ خَيرُ الْمَكِرِينَ(54)
اللغة
الإحساس الإدراك بالحاسة و الحس القتل لأنه يحس بالمه و الحس العطف لإحساس الرقة على صاحبه و الأنصار جمع نصير كالأشراف جمع شريف و أصل الحواري الحور و هو شدة البياض و منه الحواري من الطعام لشدة بياضه قال الحرث بن حلزة :
فقل للحواريات يبكين غيرنا
و لا تبكنا إلا الكلاب النوابح يعني النساء لبياضهن و الشاهد هو المخبر بالشيء عن مشاهدة هذا حقيقة و قد يتصرف فيه فيقال البرهان شاهد بحق أي هو بمنزلة المخبر به عن مشاهدة و يقال هذا شاهد أي معد للشهادة و المكر الالتفاف و منه قولهم لضرب من الشجر مكر لالتفافه و الممكورة من النساء الملتفة الخلق و حد المكر حب يختدع به العبد لإيقاعه في الضر و الفرق بين المكر و الحيلة أن الحيلة قد تكون لإظهار ما يعسر من الفعل من غير قصد إلى الإضرار بالعبد و المكر حيلة على العبد توقعه في مثل الوهق .
الإعراب
قيل إن إلى بمعنى مع كقولهم الذود إلى الذود إبل أي مع الذود قال

(2/268)


الزجاج لا يجوز أن يقال أن بعض الحروف من حروف المعاني بمعنى الآخر و إنما معنى هذا أن اللفظ لو عبر عنه بمع أفاد هذا المعنى لا أن إلى بمعنى مع لو قلت ذهب زيد إلى عمرو لم يجز أن يقول ذهب زيد مع عمرو لأن إلى غاية و مع يضم الشيء إلى الشيء و الحروف قد تتقارب في الفائدة فيظن الضعيف العلم باللغة أن معناهما واحد من ذلك قوله تعالى و لأصلبنكم في جذوع النخل و لو كانت على هاهنا لأدت هذه الفائدة و أصل في إنما هو للوعاء و أصل على لما علا الشيء فقولك التمر في الجراب لو قلت على الجراب لم يصح ذلك و لكن جاز في جذوع النخل لأن الجذع مشتمل على المصلوب لأنه قد أخذه من أقطاره و لو قلت زيد على الجبل أو في الجبل يصلح لأن الجبل قد اشتمل على زيد فعلى هذا مجاز هذه الحروف .
المعنى
« فلما أحس » أي وجد و قيل أبصر و رأى و قيل علم « عيسى منهم الكفر » و أنهم لا يزدادون إلا إصرارا على الكفر بعد ظهور الآيات و المعجزات امتحن المؤمنين من قومه بالسؤال و التعريف عما في اعتقادهم من نصرته ف « قال من أنصاري إلى الله » و قيل أنه لما عرف منهم العزم على قتله قال « من أنصاري إلى الله » و فيه أقوال ( أحدها ) أن معناه من أعواني على هؤلاء الكفار مع معونة الله عن السدي و ابن جريج ( و الثاني ) أن معناه من أنصاري في السبيل إلى الله عن الحسن لأنه دعاهم إلى سبيل الله ( و الثالث ) أن معناه من أعواني على إقامة الدين المؤدي إلى الله أي إلى نيل ثوابه كقوله إني ذاهب إلى ربي سيهدين و مما يسأل على هذا أن عيسى إنما بعث للوعظ دون الحرب فلم استنصر عليهم فيقال لهم للجماعة من الكافرين الذين أرادوا قتله عند إظهار الدعوة عن الحسن و مجاهد و قيل أيضا يجوز أن يكون طلب النصرة للتمكين من إقامة الحجة و لتميز الموافق من المخالف « قال الحواريون » و اختلف في سبب تسميتهم بذلك على أقوال ( أولها ) أنهم سموا بذلك لنقاء ثيابهم عن سعيد بن جبير ( و ثانيها ) أنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب عن ابن أبي نجيح عن أبي أرطاة ( و ثالثها ) أنهم كانوا صيادين يصيدون السمك عن ابن عباس و السدي ( و رابعها ) أنهم كانوا خاصة الأنبياء عن قتادة و الضحاك و هذا أوجه لأنهم مدحوا بهذا الاسم كأنه ذهب إلى نقاء قلوبهم كنقاء الثوب الأبيض بالتحوير و يروى عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم)

(2/269)


أنه قال الزبير ابن عمتي و حواريي من أمتي و قال الحسن الحواري الناصر و الحواريون الأنصار و قال الكلبي و أبو روق الحواريون أصفياء عيسى و كانوا اثني عشر رجلا و قال عبد الله بن المبارك سموا حواريين لأنهم كانوا نورانيين عليهم أثر العبادة و نورها و حسنها كما قال تعالى سيماهم في وجوههم من أثر السجود « نحن أنصار الله » معناه نحن أعوان الله على الكافرين من قومك أي أعوان رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و أعوان دين الله « آمنا بالله » أي صدقنا بالله أنه واحد لا شريك له « و اشهد » يا عيسى « بأنا مسلمون » أي لنا كن شهيدا عند الله أشهدوه على إسلامهم لأن الأنبياء شهداء على خلقه يوم القيامة كما قال تعالى و يوم نبعث من كل أمة شهيدا « ربنا » أي يا ربنا « آمنا بما أنزلت » على عيسى « و اتبعنا الرسول » أي اتبعناه « فاكتبنا مع الشاهدين » أي في جملة الشاهدين بجميع ما أنزلت لنفوز بما فازوا به و ننال ما نالوا من كرامتك و قيل معناه و اجعلنا مع محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و أمته عن ابن عباس و قد سماهم الله شهداء بقوله لتكونوا شهداء على الناس أي من الشاهدين بالحق من عندك هذا كله حكاية قول الحواريين و روي أنهم اتبعوا عيسى و كانوا إذا جاعوا قالوا يا روح الله جعنا فيضرب بيده على الأرض سهلا كان أو جبلا فيخرج لكل إنسان منهم رغيفين يأكلهما و إذا عطشوا قالوا يا روح الله عطشنا فيضرب بيده على الأرض سهلا كان أو جبلا فيخرج ماء فيشربون قالوا يا روح الله من أفضل منا إذا شئنا أطعمتنا و إذا شئنا سقيتنا و قد آمنا بك و اتبعنا قال أفضل منكم من يعمل بيده و يأكل من كسبه فصاروا يغسلون الثياب بالكراء و قوله « و مكروا » يعني كفار بني إسرائيل الذين عناهم الله بقوله فلما أحس عيسى منهم الكفر الآية و معناه دبروا لقتل عيسى (عليه السلام) « و مكر الله » أي جازاهم على مكرهم و سمي المجازاة على المكر مكرا كما قال الله تعالى الله يستهزىء بهم و جاء في التفسير أن عيسى بعد إخراج قومه إياه من بين أظهرهم عاد إليهم مع الحواريين و صاح فيهم بالدعوة فهموا بقتله و تواطئوا على الفتك به فذلك مكرهم به و مكر الله بهم إلقاؤه الشبه على صاحبهم الذي أراد قتل عيسى حتى قتل و صلب و رفع عيسى إلى السماء و قال ابن عباس لما أراد ملك بني إسرائيل قتل عيسى (عليه السلام) دخل خوخته و فيها كوة فرفعه جبرائيل من الكوة إلى السماء و قال الملك لرجل منهم خبيث أدخل عليه فاقتله فدخل الخوخة فألقى الله عليه شبه عيسى فخرج إلى أصحابه يخبرهم أنه ليس في البيت فقتلوه و صلبوه و ظنوا أنه عيسى و قال وهب أسروه و نصبوا له خشبة ليصلبوه فأظلمت الأرض و أرسل الله الملائكة فحالوا بينه و بينهم فأخذوا رجلا يقال له يهوذا و هو الذي دلهم على المسيح و ذلك أن عيسى جمع الحواريين تلك الليلة و أوصاهم ثم قال ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك و يبيعني بدراهم

(2/270)


يسيرة فخرجوا و تفرقوا و كانت اليهود تطلبه فأتى أحد الحواريين إليهم فقال ما تجعلوا لي أن أدلكم عليه فجعلوا له ثلاثين درهما فأخذها و دلهم عليه فألقى الله عليه شبه عيسى (عليه السلام) لما دخل البيت و رفع عيسى فأخذ فقال أنا الذي دللتكم عليه فلم يلتفتوا إلى قوله و صلبوه و هم يظنون أنه عيسى فلما صلب شبه عيسى (عليه السلام) و أتى على ذلك سبعة أيام قال الله عز و جل لعيسى اهبط على مريم لتجمع لك الحواريين و تبثهم في الأرض دعاة فهبط و اشتعل الجبل نورا فجمعت له الحواريين فبثهم في الأرض دعاة ثم رفعه الله سبحانه و تلك الليلة هي الليلة التي تدخن فيها النصارى فلما أصبح الحواريون حدث كل واحد منهم بلغة من أرسله عيسى (عليه السلام) إليهم فذلك قوله تعالى « و مكروا و مكر الله و الله خير الماكرين » أي أفضل المعاونين و قيل أنصف الماكرين و أعدلهم لأن مكرهم ظلم و مكره عدل و إنصاف و إنما أضاف الله المكر إلى نفسه على مزاوجة الكلام كما قال فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم و الثاني ليس باعتداء و إنما هو جزاء و هذا أحد وجوه البلاغة كالمجانسة و المطابقة و المقابلة فالمجانسة كقوله تتقلب فيه القلوب و الأبصار و المطابقة كقوله « ما ذا أنزل ربكم قالوا خيرا » بالنصب على مطابقة السؤال و المقابلة نحو قوله « وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة و وجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة » .
إِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسى إِنى مُتَوَفِّيك وَ رَافِعُك إِلىَّ وَ مُطهِّرُك مِنَ الَّذِينَ كفَرُوا وَ جَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوك فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيَمَةِ ثُمَّ إِلىَّ مَرْجِعُكمْ فَأَحْكمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ(55)
الإعراب
العامل في « إذ » قوله « و مكروا و مكر الله و الله خير الماكرين » إذ قال و يحتمل أن يكون تقديره ذاك إذ قال الله و تمثيله ذاك واقع إذ قال الله ثم حذفت واقع و هو العامل في إذ و أقيمت إذ مقامه و « عيسى » في موضع الضم لأنه منادي مفرد لكن لا يتبين فيه الإعراب لأنه منقوص و هو لا ينصرف لاجتماع العجمة و التعريف .
المعنى
لما بين سبحانه ما هم به قوم عيسى من المكر به و قتله عقبه بما أنعم عليه من لطف التدبير و حسن التقدير فقال « إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك » و قيل في

(2/271)


معناه أقوال ( أحدها ) أن المراد به إني قابضك برفعك من الأرض إلى السماء من غير وفاة بموت عن الحسن و كعب و ابن جريج و ابن زيد و الكلبي و غيرهم و على هذا القول يكون للمتوفي تأويلان ( أحدهما ) إني رافعك إلى وافيا لم ينالوا منك شيئا من قولهم توفيت كذا و استوفيته أي أخذته تاما ( و الآخر ) إني متسلمك من قولهم توفيت منه كذا أي تسلمته ( و ثانيها ) إني متوفيك وفاة نوم و رافعك إلى في النوم عن الربيع قال رفعه نائما و يدل عليه قوله « و هو الذي يتوفاكم بالليل » أي يميتكم لأن النوم أخو الموت و قال الله يتوفى الأنفس حين موتها و التي لم تمت في منامها الآية ( و ثالثها ) إني متوفيك وفاة نوم عن ابن عباس و وهب قالا أماته الله ثلاث ساعات فأما النحويون فيقولون هو على التقديم و التأخير أي إني رافعك و متوفيك لأن الواو لا توجب الترتيب بدلالة قوله فكيف كان عذابي و نذر و النذر قبل العذاب بدلالة قوله « و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا » و هذا مروي عن الضحاك و يدل عليه ما روي عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال إن عيسى بن مريم لم يمت و أنه راجع إليكم قبل يوم القيامة و قد صح عنه (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم و إمامكم منكم رواه البخاري و مسلم في الصحيح فعلى هذا يكون تقديره إني قابضك بالموت بعد نزولك من السماء و قوله « و رافعك إلي » فيه قولان ( أحدهما ) إني رافعك إلى سمائي و سمي رفعه إلى السماء رفعا إليه تفخيما لأمر السماء يعني رافعك لموضع لا يكون عليك إلا أمري ( و الآخر ) أن معناه رافعك إلى كرامتي كما قال حكاية عن إبراهيم (عليه السلام) إني ذاهب إلى ربي سيهدين أي إلى حيث أمرني ربي سمي ذهابه إلى الشام ذهابا إلى ربه و قوله « و مطهرك من الذين كفروا » و فيه قولان ( أحدهما ) مطهرك بإخراجك من بينهم و إنجائك منهم فإنهم أرجاس جعل مقامه فيما بينهم كملاقاة النجاسة من حيث كان يحتاج إلى مجاورتهم و مجاراتهم ( و الآخر ) أن تطهيره منعه من كفر يفعلونه بالقتل الذي كانوا هموا به لأن ذلك رجس طهره الله منه عن الجبائي و قوله « و جاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة » معناه و جعل الذين آمنوا بك فوق الذين كذبوا عليك و كذبوك في العز و الغلبة و الظفر و النصرة و قيل في البرهان و الحجة و المعني به النصارى قال ابن زيد و لهذا لا ترى اليهود حيث كانوا إلا أذل من النصارى و لهذا أزال الملك عنهم و إن كان ثابتا في النصارى على بلاد الروم و غيرها فهم أعز منهم و فوقهم إلى يوم القيامة و قال الجبائي فيه دلالة على أنه لا يكون لليهود مملكة إلى يوم القيامة كما للروم و قيل المعني به أمة محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و إنما سماهم تبعا و إن كانت لهم شريعة على حدة لأنه وجد فيهم التبعية صورة و معنى أما صورة فإنه يقال فلان يتبع فلانا إذا جاء بعده و أما معنى فلأن نبينا (صلى الله عليهوآلهوسلّم) كان

(2/272)


مصدقا بعيسى و بكتابه و يقال لمن يصدق غيره أنه يتبعه على أن شريعة نبينا و سائر الأنبياء متحدة في أبواب التوحيد فعلى هذا هو متبع له إذ كان معتقدا اعتقاده و قائلا بقوله و هذا القول أوجه لأن فيه ترغيبا في الإسلام و دلالة على أن أمة محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) يكونون ظاهرين إلى يوم القيامة و لأن من دعاه إلها لا يكون في الحقيقة تابعا له « ثم إلي مرجعكم » أي مصيركم « فأحكم بينكم » فأقضي بينكم « فيما كنتم فيه تختلفون » من أمر عيسى .
فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شدِيداً فى الدُّنْيَا وَ الاَخِرَةِ وَ مَا لَهُم مِّن نَّصرِينَ(56) وَ أَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَ اللَّهُ لا يُحِب الظلِمِينَ(57) ذَلِك نَتْلُوهُ عَلَيْك مِنَ الاَيَتِ وَ الذِّكْرِ الْحَكِيمِ(58)
القراءة
قرأ حفص و رويس عن يعقوب فيوفيهم بالياء و الباقون بالنون .
الحجة
من قرأ بالنون فهو مثل « فأعذبهم » و يحسنه قوله « ذلك نتلوه عليك من الآيات » و من قرأ بالياء فلأن ذكر الله قد تقدم في قوله إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك و رافعك أو صار من لفظ الخطاب إلى الغيبة كقوله فأولئك هم المضعفون بعد قوله و ما آتيتم من زكاة .
الإعراب
« نتلوه عليك » في موضع رفع بأنه خبر « ذلك » و يجوز أن يكون صلة لذلك و يكون ذلك بمعنى الذي فعلى هذا لا موضع لقوله « نتلوه » و تقديره الذي نتلوه و قوله « من الآيات » في موضع رفع بأنه خبره و أنشدوا في مثله :
عدس ما لعباد عليك إمارة
نجوت و هذا تحملين طليق تقديره و الذي تحملين طليق .
المعنى
« فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا و الآخرة » عذابهم في الدنيا إذلالهم بالقتل و الأسر و السبي و الخسف و الجزية و كل ما فعل على وجه

(2/273)


الاستخفاف و الإهانة و في الآخرة عذاب الأبد في النار « و ما لهم من ناصرين » أي أعوان يدفعون عنهم عذاب الله تعالى « و أما الذين آمنوا و عملوا الصالحات فيوفيهم » أي يوفر عليهم و يتمم « أجورهم » أي جزاء أعمالهم « و الله لا يحب الظالمين » أي لا يريد تعظيمهم و إثابتهم و لا يرحمهم و لا يثني عليهم و هذه الآية حجة على من قال بالإحباط لأنه سبحانه وعد بتوفية الأجر و هو الثواب و التوفية منافية للإحباط « ذلك » إشارة إلى الإخبار عن عيسى و زكريا و يحيى و غيرهم « نتلوه عليك » نقرأه عليك و نكلمك به و قيل نأمر جبرائيل أن يتلوه عليك عن الجبائي « من الآيات » أي من جملة الآيات و الحجج الدالة على صدق نبوتك إذا علمتهم بما لا يعلمه إلا قارىء كتاب أو معلم و لست بواحد منها فلم يبق إلا أنك قد عرفته من طريق الوحي « و الذكر الحكيم » القرآن المحكم و إنما وصفه بأنه حكيم لأنه بما فيه من الحكمة كأنه ينطق بالحكمة كما تسمى الدلالة دليلا لأنها بما فيها من البيان كأنها تنطق بالبيان و البرهان و إن كان الدليل في الحقيقة هو الدال .
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ(59) الْحَقُّ مِن رَّبِّك فَلا تَكُن مِّنَ الْمُمْترِينَ(60) فَمَنْ حَاجَّك فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَك مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَ أَبْنَاءَكمْ وَ نِساءَنَا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنفُسنَا وَ أَنفُسكُمْ ثُمَّ نَبْتهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَت اللَّهِ عَلى الْكذِبِينَ(61)
اللغة
المثل ذكر سائر يدل على أن سبيل الثاني سبيل الأول و تعالوا أصله من العلو يقال تعاليت أتعالى أي جئت و أصله المجيء إلى ارتفاع إلا أنه كثر في الاستعمال حتى صار بمعنى هلم و قيل في الابتهال قولان ( أحدهما ) أنه بمعنى الالتعان و افتعلوا بمعنى تفاعلوا كقولهم اشتوروا بمعنى تشاوروا مهلة الله أي لعنه الله و عليه مهلة الله أي لعنة الله ( و الآخر ) أنه بمعنى الدعاء بالهلاك قال لبيد :
نظر الدهر إليهم فابتهل أي دعا عليهم بالهلاك فالبهل كاللعن و هو المباعدة عن رحمة الله عقابا على معصيته و لذلك لا

(2/274)


يجوز أن يلعن من ليس بعاص من طفل أو بهيم أو نحوهما .
الإعراب
قوله « خلقه من تراب » لا موضع له من الإعراب لأنه لا يصلح أن يكون صفة لآدم من حيث هو نكرة و لا يكون حالا له لأنه ماض فهو متصل في المعنى غير متصل في اللفظ بعلامة من علامات الاتصال فيكون الرفع على تقدير فهو يكون و « الحق » رفع لأنه خبر مبتدإ محذوف و تقديره ذلك الإخبار في أمر عيسى الحق من ربك فحذف ذلك لدلالة شاهد الحال عليه كما يقال الهلال و الله أي هذا الهلال و قيل الحق مبتدأ و خبره قوله « من ربك » .
النزول
قيل نزلت الآيات في وفد نجران العاقب و السيد و من معهما قالوا لرسول الله هل رأيت ولدا من غير ذكر فنزل « إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم » الآيات فقرأها عليهم عن ابن عباس و قتادة و الحسن فلما دعاهم رسول الله إلى المباهلة استنظروه إلى صبيحة عد من يومهم ذلك فلما رجعوا إلى رجالهم قال لهم الأسقف انظروا محمدا في غد فإن غدا بولده و أهله فاحذروا مباهلته و إن غدا بأصحابه فباهلوه فإنه على غير شيء فلما كان الغد جاء النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) آخذا بيد علي بن أبي طالب (عليه السلام) و الحسن (عليه السلام) و الحسين (عليه السلام) بين يديه يمشيان و فاطمة (عليهاالسلام) تمشي خلفه و خرج النصارى يقدمهم أسقفهم فلما رأى النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قد أقبل بمن معه سأل عنهم فقيل له هذا ابن عمه و زوج ابنته و أحب الخلق إليه و هذان ابنا بنته من علي (عليه السلام) و هذه الجارية بنته فاطمة أعز الناس عليه و أقربهم إلى قلبه و تقدم رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فجشا على ركبتيه قال أبو حارثة الأسقف جثا و الله كما جثا الأنبياء للمباهلة فكع و لم يقدم على المباهلة فقال السيد ادن يا أبا حارثة للمباهلة فقال لا إني لأرى رجلا جريئا على المباهلة و أنا أخاف أن يكون صادقا و لئن كان صادقا لم يحل و الله علينا الحول و في الدنيا نصراني يطعم الماء فقال الأسقف يا أبا القاسم إنا لا نباهلك و لكن نصالحك فصالحنا على ما ينهض به فصالحهم رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) على ألفي حلة من حلل الأواقي قيمة كل حلة أربعون درهما فما زاد أو نقص فعلى حساب ذلك و على عارية ثلاثين درعا و ثلاثين رمحا و ثلاثين فرسا إن كان باليمن كيد و رسول الله ضامن حتى يؤديها و كتب لهم بذلك كتابا و روي أن الأسقف قال لهم إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله فلا تبتهلوا فتهلكوا و لا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة و قال النبي و الذي نفسي بيده لو لا عنوني لمسخوا قردة و خنازير و لاضطرم الوادي عليهم نارا و لما حال الحول

(2/275)


على النصارى حتى يهلكوا كلهم قالوا فلما رجع وفد نجران لم يلبث السيد و العاقب إلا يسيرا حتى رجعا إلى النبي و أهدى العاقب له حلة و عصا و قدحا و نعلين و أسلما .
المعنى
ثم رد الله تعالى على النصارى قولهم في المسيح أنه ابن الله فقال « إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم » أي مثل عيسى في خلق الله إياه من غير أب كمثل آدم في خلق الله إياه من غير أب و لا أم فليس هو بأبدع و لا أعجب من ذلك فكيف أنكروا هذا و أقروا بذلك ثم بين سبحانه كيف خلقه فقال « خلقه » أي أنشأه « من تراب » و هذا إخبار عن آدم و معناه خلق عيسى من الريح و لم يخلق قبل أحدا من الريح كما خلق آدم من التراب و لم يخلق قبله أحدا من التراب « ثم قال له » أي لآدم و قيل لعيسى « كن » أي كن حيا بشرا سويا « فيكون » أي فكان في الحال على ما أراد و قد مر تفسير هذه الكلمة فيما قبل في سورة البقرة مشروحا و في هذه الآية دلالة على صحة النظر و الاستدلال لأن الله احتج على النصارى و دل على جواز خلق عيسى من غير أب كخلقه آدم من غير أب و لا أم « الحق من ربك » أي هذا هو الحق من ربك أضاف إلى نفسه تأكيدا و تعليلا أي هو الحق لأنه من ربك « فلا تكن » أيها السامع « من الممترين » و قد مر تفسيره في سورة البقرة « فمن حاجك » معناه فمن خاصمك و جادلك يا محمد « فيه » أي في قصة عيسى « من بعد ما جاءك من العلم » أي من البرهان الواضح على أنه عبدي و رسولي عن قتادة في معناه و قيل فمن حاجك في الحق و الهاء في فيه عائدة إلى قوله « الحق من ربك » « فقل » يا محمد لهؤلاء النصارى « تعالوا » إلى كلمة أي هلموا إلى حجة أخرى ماضية فاصلة تميز الصادق من الكاذب « ندع أبناءنا و أبناءكم » أجمع المفسرون على أن المراد بأبنائنا الحسن و الحسين قال أبو بكر الرازي هذا يدل على أن الحسن و الحسين ابنا رسول الله و أن ولد الابنة ابن في الحقيقة و قال ابن أبي علان و هو أحد أئمة المعتزلة هذا يدل على أن الحسن و الحسين كانا مكلفين في تلك الحال لأن المباهلة لا تجوز إلا مع البالغين و قال أصحابنا إن صغر السن و نقصانها عن حد بلوغ الحلم لا ينافي كمال العقل و إنما جعل بلوغ الحلم حدا لتعلق الأحكام الشرعية و قد كان سنهما في تلك الحال سنا لا يمتنع معها أن يكونا كاملي العقل على أن عندنا يجوز أن يخرق الله العادات للأئمة و يخصهم بما لا يشركهم فيه غيرهم فلو صح أن كمال العقل غير معتاد في تلك السن لجاز ذلك فيهم إبانة لهم عمن سواهم و دلالة على مكانهم من الله تعالى و اختصاصهم و مما يؤيده من الأخبار قول النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا « و نساءنا » اتفقوا على أن المراد به فاطمة (عليهاالسلام) لأنه لم يحضر المباهلة غيرها من النساء و هذا يدل على تفضيل الزهراء على جميع

(2/276)


النساء و يعضده ما جاء في الخبر أن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها و قال إن الله يغضب لغضب فاطمة و يرضى لرضائها و قد صح عن حذيفة أنه قال سمعت النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) يقول أتاني ملك فبشرني أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة أو نساء أمتي و عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت أسر النبي إلى فاطمة شيئا فضحكت فسألتها فقالت قال لي أ لا ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة أو نساء المؤمنين فضحكت لذلك « و نساءكم » أي من شئتم من نسائكم « و أنفسنا » يعني عليا خاصة و لا يجوز أن يكون المعني به النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لأنه هو الداعي و لا يجوز أن يدعو الإنسان نفسه و إنما يصح أن يدعو غيره و إذا كان قوله « و أنفسنا » لا بد أن يكون إشارة إلى غير الرسول وجب أن يكون إشارة إلى علي لأنه لا أحد يدعي دخول غير أمير المؤمنين علي و زوجته و ولديه في المباهلة و هذا يدل على غاية الفضل و علو الدرجة و البلوغ منه إلى حيث لا يبلغه أحد إذ جعله الله نفس الرسول و هذا ما لا يدانيه فيه أحد و لا يقاربه و مما يعضده من الروايات ما صح عن النبي إنه سأل عن بعض أصحابه فقال له قائل فعلي فقال ما سألتني عن الناس و لم تسألني عن نفسي و قوله لبريدة الأسلمي يا بريدة لا تبغض عليا فإنه مني و أنا منه إن الناس خلقوا من شجر شتى و خلقت أنا و علي من شجرة واحدة و قوله (عليه السلام) بأحد و قد ظهرت نكايته في المشركين و وقايته إياه بنفسه حتى قال جبرائيل إن هذا لهي المواساة فقال يا جبرائيل أنه مني و أنا منه فقال جبرائيل و أنا منكما « و أنفسكم » يعني من شئتم من رجالكم « ثم نبتهل » أي نتضرع في الدعاء عن ابن عباس و قيل نلتعن فنقول لعن الله الكاذب « فنجعل لعنة الله على الكاذبين » منا و في هذه الآية دلالة على أنهم علموا أن الحق مع النبي لأنهم امتنعوا عن المباهلة و أقروا بالذل و الخزي لقبول الجزية فلو لم يعلموا ذلك لباهلوه فكان يظهر ما زعموا من بطلان قوله في الحال و لو لم يكن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) متيقنا بنزول العقوبة بعدوه دونه لما أدخل أولاده و خواص أهله في ذلك مع شدة إشفاقه عليهم .
إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصص الْحَقُّ وَ مَا مِنْ إِلَه إِلا اللَّهُ وَ إِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(62) فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمُ بِالْمُفْسِدِينَ(63)
اللغة
القصص القصة و فعل بمعنى مفعول كالنقض و القبض و القصص جمع القصة و يقال اقتصصت الحديث و قصصته قصا و قصصا رويته على جهته و هو من اقتصصت

(2/277)


الأثر أي اتبعته و منه اشتق القصاص و القصص الخبر الذي تتابع فيه المعاني و التولي عن الحق اعتقاد خلافه لأنه كالإدبار عنه بعد الإقبال عليه و أصل التولي كون الشيء يلي غيره من غير فصل بينه و بينه و الإفساد إيقاع الشيء على خلاف ما توجبه الحكمة و الإصلاح إيقاعه على ما توجبه الحكمة و الفرق بين الفساد و القبيح أن الفساد تغيير عن المقدار الذي تدعو إليه الحكمة و ليس كذلك القبيح لأنه ليس فيه معنى المقدار و إنما هو ما تزجر عنه الحكمة كما أن الحسن ما تدعو إليه الحكمة .
الإعراب
« ما من إله إلا الله » دخول من فيه لعموم النفي لكل إله غير الله و إنما أفادت من هذا المعنى لأن أصلها لابتداء الغاية فدلت على استغراق النفي لابتداء الغاية إلى انتهائها و قوله « لهو » يجوز أن يكون هو فصلا و يسميه الكوفيون عمادا فلا يكون له موضع من الإعراب و يكون « القصص » خبر إن و يجوز أن يكون مبتدأ و القصص خبره و الجملة خبر إن .
المعنى
« أن هذا لهو القصص الحق » معناه أن هذا الذي أوحينا إليك في أمر عيسى (عليه السلام) و غيره لهو الحديث الصدق فمن خالفك فيه مع وضوح الأمر فهو معاند « و ما من إله إلا الله » أي و ما لكم أحد يستحق إطلاق اسم الإلهية إلا الله و أن عيسى ليس بإله كما زعموا و إنما هو عبد الله و رسوله و لو قالوا ما إله إلا الله بغير « من » لم يفد هذا المعنى « و إن الله لهو العزيز » أي القادر على الكمال « الحكيم » في الأقوال و الأفعال و التقدير و التدبير « فإن تولوا » أي فإن أعرضوا عن اتباعك و تصديقك و عما أتيت به من الدلالات و البينات « فإن الله عليم بالمفسدين » أي بمن يفسد من خلقه فيجازيهم على إفسادهم و إنما ذكر ذلك على جهة الوعيد و إلا فإنه تعالى عليم بالمفسد و المصلح جميعا و نظيره قول القائل لغيره أنا عالم بشرك و فسادك و قيل معناه أنه عليم بهؤلاء المجادلين بغير حق و بأنهم لا يقدمون على مباهلتك لمعرفتهم بنبوتك .

(2/278)


قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ تَعَالَوْا إِلى كلِمَة سوَاءِ بَيْنَنَا وَ بَيْنَكمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَ لا نُشرِك بِهِ شيْئاً وَ لا يَتَّخِذَ بَعْضنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشهَدُوا بِأَنَّا مُسلِمُونَ(64)
اللغة
قال الزجاج معنى كلمة كلام فيه شرح قصة و إن طال و لذلك تقول العرب للقصيدة كلمة ، يروى أن حسان بن ثابت كان إذا قيل له أنشدنا قال هل أنشد كلمة الحويدرة يعني قصيدته التي أولها :
بكرت سمية غدوة فتمنع و معنى سواء أي عدل و سوي بمعناه قال زهير :
أروني خطة لا ضيم فيها
يسوي بيننا فيها السواء
فإن ترك السواء فليس بيني
و بينكم بني حصن بقاء و قيل سواء مستو هو مصدر وضع موضع اسم الفاعل و معناه إلى كلمة مستوية و هو عند الزجاج اسم ليس بصفة و إنما جر بتقدير ذات سواء و جوز نصبه على المصدر .
الإعراب
موضع « ألا نعبد » فيه وجهان ( أحدهما ) أن يكون في موضع جر على البدل من « كلمة » فكأنه قال تعالوا إلى أن لا نعبد إلا الله ( و الآخر ) أن يكون في موضع رفع على تقدير هي أن لا نعبد إلا الله و لو قرىء أن لا نعبد بالرفع كان أن هي المخففة من المثقلة فكأنه قال أنه لا نعبد إلا الله كقوله « أ فلا يرون ألا يرجع إليهم قولا » و على هذا يثبت النون في الخط و يكون أن من العوامل في الأسماء و على الأول يكون من العوامل في الأفعال و لا يثبت في الخط النون و لو قرىء أن لا نعبد إلا الله بالإسكان فأن مفسرة كالتي في قوله أن امشوا و لا نعبد نهي .
النزول
قيل في سبب نزول الآية أقوال ( أحدها ) أنها نزلت في نصارى نجران عن الحسن و السدي و ابن زيد و محمد بن جعفر بن الزبير ( و ثانيها ) أنها نزلت في يهود المدينة عن قتادة و الربيع و ابن جريج و قد رواه أصحابنا أيضا ( و ثالثها ) أنها نزلت في الفريقين من أهل الكتاب على الظاهر عن أبي علي الجبائي و هذا أولى لعمومه .
المعنى
لما تم الحجاج على القوم دعاهم تعالى إلى التوحيد و إلى الاقتداء بمن اتفقوا أنه كان على الحق فقال « قل » يا محمد « يا أهل الكتاب تعالوا » أي هلموا « إلى كلمة سواء » أي عدل « بيننا و بينكم » أي عادلة لا ميل لها كما يقال رجل عدل أي عادل لا ميل فيه و قيل معناه كلمة مستوية بيننا و بينكم فيها ترك العبادة لغير الله و هي « ألا نعبد

(2/279)


إلا الله » لأن العبادة لا تحق إلا له « و لا نشرك به » في العبادة « شيئا و لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله » اختلف في معناه فقيل معناه و لا يتخذ بعضنا عيسى ربا فإنه كان بعض الناس و قيل معناه أن لا نتخذ الأحبار أربابا بأن نطيعهم طاعة الأرباب لقوله « اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله » و روي عن أبي عبد الله أنه قال ما عبدوهم من دون الله و لكن حرموا لهم حلالا و أحلوا لهم حراما فكان ذلك اتخاذهم أربابا من دون الله و قد روي أيضا أنه لما نزلت هذه الآية قال عدي بن حاتم ما كنا نعبدهم يا رسول الله فقال (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أ ما كانوا يحلون لكم و يحرمون فتأخذون بقولهم فقال نعم فقال النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) هو ذاك « فإن تولوا » أي أعرضوا عن الإقرار بالعبودية و إن أحدا لا يستحق العبادة غيره « فقولوا » أنتم أيها المسلمون مقابلة لإعراضهم عن الحق و تجديدا للإقرار و مخالفتهم « اشهدوا بأنا مسلمون » أي مخلصون مقرون بالتوحيد و قيل مستسلمون منقادون لما أتى به النبي و الأنبياء من الله و قيل مقيمون على الإسلام و هذا تأديب من الله لعبده المؤمن و تعليم له كيف يفعل عند إعراض المخالف بعد ظهور الحجة ليعلم المبطل أن مخالفته لا يؤثر في حقه و ليدل على أن الحق يجب اتباعه من غير اعتبار بالقلة و الكثرة .
يَأَهْلَ الْكتَبِ لِمَ تُحَاجُّونَ فى إِبْرَهِيمَ وَ مَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَ الانجِيلُ إِلا مِن بَعْدِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ(65) هَأَنتُمْ هَؤُلاءِ حَجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْس لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ(66)
القراءة
قرأ أهل الكوفة « ها أنتم » بالمد و الهمز و قرأ أهل المدينة و أبو عمرو بغير مد و لا همز إلا بقدر خروج الألف الساكنة و قرأ ابن كثير و يعقوب بالهمزة و القصر من غير مد على وزنها عنتم و قرأ ابن عامر بالمد دون الهمز .
الحجة
الكلام في المد و الهمز كثير و الوجه أن من حقق فعلى الأصل لأنهما حرفان ها و أنتم و من لم يمد و لم يهمز فللتخفيف من غير إخلال .
اللغة
الفرق بين الحجاج و الجدال أن الحجاج يتضمن إما حجة أو شبهة في

(2/280)


صورة الحجة و الجدال هو فتل الخصم إلى المذهب بحجة أو شبهة أو إيهام في الحقيقة لأن أصله من الجدل و هو شدة الفتل و الحجة هي البيان الذي شهد بصحة المقال و هو و الدلالة بمعنى واحد .
الإعراب
« ها أنتم » للتنبيه و قد كثر التنبيه في هذا و لم يكثر في ها أنت لأن ذا مبهم من حيث يصلح لكل حاضر و المعنى فيه واحد بعينه مما يصلح له فقوي بالتنبيه لتحريك النفس على طلبه بعينه و ليس كذلك أنت لأنه لا يصلح لكل حاضر في الجملة و إنما هو للمخاطب و خبر هؤلاء على أن أولاء بمعنى الذين و ما بعده صلة له .
النزول
قال ابن عباس و الحسن و قتادة إن أحبار اليهود و نصارى نجران اجتمعوا عند رسول الله فتنازعوا في إبراهيم فقالت اليهود ما كان إلا يهوديا و قالت النصارى ما كان إلا نصرانيا فأنزل الله هذه الآية .
المعنى
« يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم » أي لم تنازعون و تجادلون فيه و تدعون أنه على دينكم « و ما أنزلت التوراة و الإنجيل إلا من بعده » أي من بعد إبراهيم « أ فلا تعقلون » إن الإقامة على الدعوى من غير برهان غير جائزة في العقل فكيف يجوز الإقامة على الدعوى بعد ما ظهر فسادها فإن قيل لو دل نزول التوراة و الإنجيل بعد إبراهيم على أنه لم يكن على اليهودية و النصرانية لوجب أن يدل نزول القرآن بعده على أنه لم يكن على الإسلام فالجواب أن الكل متفقون على أنه متسم باسم الإسلام غير أن اليهود ادعوا أن الإسلام هو اليهودية و النصارى ادعوا أنه هو النصرانية و التوراة و الإنجيل أنزلتا من بعد إبراهيم و اسمه فيهما اسم الإسلام و ليس في واحد منهما أنه كان على دين اليهودية و النصرانية و أما القرآن و إن كان منزلا بعده ففيه وصف إبراهيم بدين الإسلام و نفي اليهودية و النصرانية عنه ففي هذا أوضح حجة على أنه كان مسلما و أن محمدا (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و أمته الذين لهم اسم الإسلام أولى به منهم و قد قيل إن اليهود اعتقدوا أن اليهودي اسم لمن تمسك بالتوراة و اعتقد شريعته و النصارى اعتقدوا أن النصراني اسم لمن تمسك بالإنجيل و اعتقد شريعته فرد الله تعالى دعوى الفريقين و أخبر أن التوراة و الإنجيل ما أنزلا إلا من بعد إبراهيم فكيف يكون متمسكا بحكمهما و أما نحن فلم ندع أن المسلم هو المتمسك بحكم القرآن إذ

(2/281)


الإسلام عبارة عن الدين دون أحكام الشريعة فوصفناه بالإسلام كما وصفه الله به فإن قيل فهل كان إبراهيم متمسكا بشرائع الإسلام كلها التي نحن عليها قلنا أنه كان متمسكا بدين الإسلام و ببعض أحكام شريعة نبينا (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لا بجميعها لأن من حكم الشريعة قراءة القرآن في الصلاة و لم يكن ذلك في شريعته و إنما قلنا أنه مسلم و إن كان متمسكا ببعض أحكام الشريعة لأن أصحاب النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) في بدو الإسلام كانوا مسلمون قبل استكمال الشرع و قبل نزول تمام القرآن و الواحد منا مسلم على الحقيقة و إن لم يعمل بجميع أحكام الشرعية « ها أنتم » يا معشر اليهود و النصارى و هو في الظاهر تنبيه على أنفسهم و المراد به التنبيه على حالهم إذ التنبيه إنما يكون فيما قد يغفل عنه الإنسان دون ما يعلمه « حاججتم » جادلتم و خاصمتم « فيما لكم به علم » معناه حاججتم و لكم به علم لوجود اسمه في التوراة و الإنجيل « فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم » أي فلم تحاجون في دينه و شرعه و ليس لكم به علم لم ينكر الله تعالى عليهم محاجتهم فيما علموه و إنما أنكر عليهم محاجتهم فيما لم يعلموا « و الله يعلم » شأن إبراهيم و دينه و كل ما ليس عليه دليل لأنه العالم لجميع المعلومات « و أنتم لا تعلمون » ذلك فلا تتكلموا فيه و لا تضيفوا إليه ما لا تعلمونه و اطلبوا علم ذلك ممن يعلمه .
مَا كانَ إِبْرَهِيمُ يهُودِيًّا وَ لا نَصرَانِيًّا وَ لَكِن كانَ حَنِيفاً مُّسلِماً وَ مَا كانَ مِنَ الْمُشرِكِينَ(67) إِنَّ أَوْلى النَّاسِ بِإِبْرَهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هَذَا النَّبىُّ وَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ اللَّهُ وَلىُّ الْمُؤْمِنِينَ(68)
اللغة
قد ذكرنا الأصل في اليهود و النصارى و الحنيف في سورة البقرة و أولى الذي هو بمعنى أفعل من غيره لا يثنى و لا يجمع لأنه يتضمن معنى الفعل و المصدر على تقدير يزيد فضله على فضله في أفضل منه و معنى قولنا هذا الفعل أولى من غيره أي بأن يفعل و قولنا زيد أولى من غيره معناه أنه على حال هو أحق بها من غيره و الاتباع جريان الثاني على طريقة الأول من حيث هو عليه كالمدلول الذي يتبع الدليل في سلوك الطريق أو في التصحيح لأنه إن صح الدليل صح المدلول عليه بصحته و كذلك المأموم الذي يتبع طريقة الإمام .

(2/282)


المعنى
ثم كذب الله اليهود و النصارى فقال « ما كان إبراهيم يهوديا و لا نصرانيا » نزه إبراهيم و برأه عن اليهودية و النصرانية لأنهما صفتا ذم قد دل القرآن و الإجماع على ذلك و هذا يدل على أن موسى أيضا لم يكن يهوديا و لم يكن عيسى نصرانيا فإن الدين عند الله الإسلام و اليهودية ملة محرفة عن شرع موسى و النصرانية ملة محرفة عن شرع عيسى فهما صفتا ذم جرتا على فرقتين ضالتين « و لكن كان حنيفا » أي مائلا عن الأديان كلها إلى دين الإسلام و قيل معناه مستقيما في دينه « مسلما » أي كائنا على دين الإسلام « و ما كان من المشركين » قيل إن هذا يتضمن كون اليهودية و النصرانية شركا و قيل إن معناه لم يكن مشركا على ما يدعيه مشركو العرب « إن أولى الناس بإبراهيم » يعني أن أحق الناس بنصرة إبراهيم بالحجة أو بالمعونة « للذين اتبعوه » في وقته و زمانه و تولوه بالنصرة على عدوه حتى ظهر أمره و علت كلمته « و هذا النبي و الذين آمنوا » يتولون نصرته بالحجة لما كان عليه من الحق و تبرئة كل عيب عنه أي هم الذين ينبغي لهم أن يقولوا إنا على دين إبراهيم و لهم ولايته « و الله ولي المؤمنين » لأنه يتولى نصرتهم و المؤمن ولي الله لهذا المعنى بعينه و قيل لأنه يتولى نصرة ما أمر الله به من الدين و إنما أفرد الله النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) بالذكر تعظيما لأمره و إجلالا لقدره كما أفرد جبرائيل و ميكائيل و قيل ليدخل في الولاية و تعود إليه الكتابة فإن التقدير و الذين آمنوا به و في هذه الآية دلالة على أن الولاية تثبت بالدين لا بالنسب و يعضد ذلك قول أمير المؤمنين إن أولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جاءوا به ثم تلا هذه الآية و قال إن ولي محمد من أطاع الله و إن بعدت لحمته و إن عدو محمد من عصى الله و إن قربت قرابته و روى عمر بن يزيد قال قال أبو عبد الله أ هم و الله من آل محمد قلت من أنفسهم جعلت فداك نعم و الله من أنفسهم قالها ثلاثا ثم نظر إلي و نظرت إليه فقال يا عمر إن الله يقول في كتابه إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه الآية رواه علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن منصور بن يونس عنه .
وَدَّت طائفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَوْ يُضِلُّونَكمْ وَ مَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسهُمْ وَ مَا يَشعُرُونَ(69)
اللغة
ودت أي تمنت فلما كان بمعنى تمنى صلح للماضي و الحال و الاستقبال فلذلك جاز بلو و ليس كذلك المحبة و الإرادة لأنهما لا يتعلقان إلا بالمستقبل فلا يجوز أن

(2/283)


يقال أرادوا لو يضلونكم لأن الإرادة يجري مجرى الاستدعاء إلى الفعل أو مجرى العلة في ترتيب الفعل فأما التمني فهو تقرير شيء في النفس يستمتع بتقريره و الفرق بين ود لو تضله و بين ود إن تضله أن أن للاستقبال و ليس كذلك لو .
المعنى
ثم بين سبحانه أن هؤلاء كما ضلوا دعوا إلى الضلال فقال « ودت » أي تمنت و قيل أرادت « طائفة » أي جماعة « من أهل الكتاب » أي من اليهود و النصارى و قيل من اليهود خاصة « لو يضلونكم » أي يهلكونكم بإدخالكم في الضلال و دعائكم إليه و يستعمل الضلال بمعنى الهلاك نحو قوله « أ إذا ضللنا في الأرض » و معناه هلكنا و بطلت صورنا « و ما يضلون إلا أنفسهم » معناه لا يرجع وبال إضلالهم إلا على أنفسهم و لا يلحق ضرره إلا بهم فإن المسلمين لا يجيبونهم إلى ما يدعونهم إليه من ترك الإسلام إلى غيره من الأديان فيبقى عليهم إثم الكفر و وبال الدعاء إلى الكفر و قيل معناه و ما يهلكون إلا أنفسهم أي لا يعتد بما يحصل لغيرهم من الهلاك في جنب ما يحصل لهم « و ما يشعرون » أي و ما يعلمون أن وبال ذلك يعود إليهم و قيل و ما يشعرون أن الله تعالى يدل المؤمنين على ضلالهم و إضلالهم و قيل و ما يشعرون أنهم ضلال لجهلهم عن أبي علي الجبائي .
يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِئَايَتِ اللَّهِ وَ أَنتُمْ تَشهَدُونَ(70) يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَلْبِسونَ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ وَ تَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ أَنتُمْ تَعْلَمُونَ(71)
الإعراب
لم أصله لما حذفت الألف لاتصالها بالحرف الجار مع وقوعها ظرفا و لدلالة الفتحة عليها و كذلك بم و عم .
المعنى
ثم خاطب الله الفريقين فقال « يا أهل الكتاب لم تكفرون » بما يتلى عليكم من « آيات الله » يعني القرآن « و أنتم تشهدون » أي تعلمون و تشاهدون ما يدل على صحتها و وجوب الإقرار بها من التوراة و الإنجيل إذ فيهما ذكر النبي و الإخبار بصدق نبوته و بيان صفته و قيل يعني ب آيات الله ما في كتبهم من البشارة بنبوته و أنتم تشهدون الحجج

(2/284)


الدالة على نبوته و قيل يعني بالآيات ما في كتبهم أن إبراهيم كان حنيفا مسلما و إن الدين هو الإسلام و أنتم تشاهدون ذلك و قيل يعني بها ما يتلى عليهم من غرائب أخبارهم التي علموا أنها في كتبهم عن أبي مسلم و قيل يعني بالآيات الحجج الدالة على نبوة محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و أنتم تشهدون أن الأول لمعجزة يدل على صدق الرسالة و ثبوت النبوة و قيل و أنتم تشهدون إذا خلوتم بصحة دين الإسلام « يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل » معناه لم تخلطون الحق بالباطل و فيه أقوال ( أحدها ) أن المراد به تحريفهم التوراة و الإنجيل عن الحسن و ابن زيد ( و ثانيها ) إن المراد به إظهارهم الإسلام و إبطانهم النفاق في قلوبهم من اليهودية و النصرانية لأنهم تداعوا إلى إظهار الإسلام في صدر النهار و الرجوع عنه في آخره تشكيكا للناس عن ابن عباس و قتادة ( و ثالثها ) أن المراد به الإيمان بموسى و عيسى و الكفر بمحمد ( و رابعها ) أن المراد ما يعلمونه في قلوبهم من أن محمدا أحق بما يظهرونه من تكذيبه عن الجبائي و أبي مسلم « و تكتمون الحق » أي نبوة محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و ما وجدتموه في كتبكم من نعته و البشارة به « و أنتم تعلمون » أنه حق و إنما نزلت هذه في طائفة من علمائهم لأن الكتمان إنما يجوز على الطائفة القليلة دون الكثيرة و قيل معناه و أنتم تعلمون الأمور التي تصح بها التكليف و الأول أصح لما في الآية من الذم على الكتمان .
وَ قَالَت طائفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ ءَامِنُوا بِالَّذِى أُنزِلَ عَلى الَّذِينَ ءَامَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَ اكْفُرُوا ءَاخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(72) وَ لا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَن تَبِعَ دِينَكمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَن يُؤْتى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ وَ اللَّهُ وَسِعٌ عَلِيمٌ(73) يَخْتَص بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضلِ الْعَظِيمِ(74)
القراءة
قرأ ابن كثير أن يؤتى أحد ممدودا و الباقون « أن يؤتى » بغير مد و استفهام .

(2/285)


الحجة
قال أبو علي من قرأ « أن يؤتى أحد » فتقديره لا تؤمنوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم و قوله « قل إن الهدى هدى الله » اعتراض بين المفعول و فعله و إذا حذفت الجار من أن كان على الخلاف يكون في قول الخليل جرا و في قول سيبويه نصبا فأما اللام في قوله « لمن تبع دينكم » فلا يسهل أن تعلقه بتؤمنوا و أنت قد أوصلته بحرف آخر جار فتعلق بالفعل جارين كما لا يستقيم أن تعديه إلى مفعولين إذا كان يتعدى إلى مفعول واحد أ لا ترى أن تعدية الفعل بالجار كتعديته بالهمز و تضعيف العين فكما لا يتكرر هذان كذلك لا يتكرر الجار فإذا لم يسهل تعليق المفعولين به حملته على المعنى و المعنى لا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم كما تقول أقررت لزيد بألف فيكون اللام متعلقا بالمعنى و لا تكون زائدة على حد أن كنتم للرؤيا تعبرون و لكن يتعلق بالإقرار و إن شئت عملت الكلام على معنى الجحود فكأنه قال اجحدوا الناس إلا لمن تبع دينكم فيكون اللام على هذا زائدة و قد تعدى آمن باللام في غير هذا قال الله تعالى « فما آمن لموسى إلا ذرية » و قال « آمنتم له قبل أن آذن لكم » و قال « يؤمن بالله و يؤمن للمؤمنين » فتعدى مرة بالباء و مرة باللام و وجه قراءة ابن كثير أن في موضع رفع بالابتداء لأنه لا يجوز أن يحمل على ما قبله من الفعل لقطع الاستفهام بينهما و خبره تصدقون به و تعترفون به و نحو ذلك مما دل عليه قوله « و لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم » هذا على قول من قال أ زيد ضربته و من قال أ زيدا ضربته كان أن عنده في موضع نصب و يجوز أن يكون موضع أن نصبا على معنى تذكرون أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو تشيعون و يدل على ذلك قوله تعالى « أ تحدثونهم بما فتح الله عليكم » فحديثهم بذلك إشاعة منهم و إفشاء وبخ بعضهم بعضا بالحديث لما علموه من أمر النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و عرفوه من وصفه فهذه الآية في معنى قراءة ابن كثير و لعله اعتبرها في قراءته .
اللغة
الطائفة الجماعة و في أصلها قولان ( أحدهما ) أنه كالرفقة التي من شأنها أن تطوف البلاد في السفر الذي يقع عليه الاجتماع ( و الآخر ) أنها جماعة يستوي بها حلقة يطاف حولها و « وجه النهار » أوله و سمي وجها لأنه أول ما يواجهك منه كما يقال لأول الثوب وجه الثوب و قيل لأنه كالوجه في أنه أعلاه و أشرف ما فيه قال الربيع بن زياد :
من كان مسرورا بمقتل مالك
فليأت نسوتنا بوجه نهار .
النزول
قال الحسن و السدي تواطأ اثنا عشر رجلا من أحبار يهود خيبر و قرى

(2/286)


عرينة و قال بعضهم لبعض ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان دون الاعتقاد و أكفروا به آخر النهار و قولوا أنا نظرنا في كتبنا و شاورنا علماءنا فوجدنا محمدا ليس بذلك و ظهر لنا كذبه و بطلان دينه فإذا فعلتم ذلك شك أصحابه في دينه و قالوا أنهم أهل الكتاب و هم أعلم به منا فيرجعون عن دينهم إلى دينكم و قال مجاهد و مقاتل و الكلبي كان هذا في شأن القبلة لما حولت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود فقال كعب بن الأشرف لأصحابه آمنوا بالله و بما أنزل على محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) من أمر الكعبة و صلوا إليها أول النهار و ارجعوا إلى قبلتكم آخره لعلهم يشكون .
المعنى
لما ذكر تعالى صدرا من كياد القوم عقبه بذكر هذه المكيدة الشديدة فقال « و قالت طائفة » أي جماعة « من أهل الكتاب » أي بعضهم لبعض « آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا » يعنون النبي و أصحابه « وجه النهار و أكفروا آخره » و اختلف في معناه على أقوال ( أحدها ) أظهروا الإيمان لهم أول النهار و ارجعوا عنه في آخره فإنه أحرى أن ينقلبوا عن دينهم عن الحسن و جماعة ( و ثانيها ) آمنوا بصلاتهم إلى الكعبة أول النهار و أكفروا آخره ليرجعوا بذلك عن دينهم عن مجاهد ( و ثالثها ) أظهروا الإيمان في صدر النهار بما سلف لكم من الإقرار بصفة محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) ثم ارجعوا في آخره لتوهموهم أنه كان قد وقع غلط في صفته « لعلهم يرجعون » عن دينهم الإسلام عن ابن عباس و جماعة « و لا تؤمنوا » أي و لا تصدقوا « إلا لمن تبع دينكم » اليهودية و قام بشرائعكم و هو عطف على ما مضى و اختلف في معنى الآية على أقوال ( أحدها ) أن معناه و لا تصدقوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من العلم و الحكمة و البيان و الحجة إلا لمن تبع دينكم من أهل الكتاب و قيل إنما قال ذلك يهود خيبر ليهود المدينة لئلا يعترفوا به فيلومونهم به لإقرارهم بصحته و قيل معناه لا تعترفوا بالحق إلا لمن تبع دينكم و قوله « أو يحاجوكم عند ربكم » لأنكم أصح دينا منهم فلا تكون لهم الحجة عليكم عند الله فيكون هذا كله من كلام اليهود و قوله « قل إن الهدى هدى الله » و « قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء » كلام الله جوابا لليهود و ردا عليهم أي « قل » يا محمد « إن الهدى هدى الله » و « قل إن الفضل بيد الله » فلا ينبغي لهم أن ينكروا أن يؤتى أحد مثل ما أوتوا و هذا معنى الحسن و أبي علي الفارسي ( و ثانيها ) أن يكون قوله « و لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم » كلام اليهود و ما بعده من الله و يكون المعنى

(2/287)


« قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم » أيها المسلمون كقوله « يبين الله لكم أن تضلوا » أي أن لا تضلوا و إن لا يحاجوكم عند ربكم لأنه لا حجة لهم و يكون هدى الله بدلا من الهدى و الخبر أن لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم و هذا قول السدي و ابن جريج و قال أبو العباس المبرد أن لا ليست مما تحذف هاهنا و لكن الإضافة هنا معلومة فحذفت الأول و أقيمت الثانية مقامه و المعنى « قل إن الهدى هدى الله » كراهة « أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم » أي مما خالف دين الله لأن الله لا يهدي من هو كاذب كفار فهدى الله بعيد من غير المؤمنين و كذلك تقدير قوله يبين الله لكم كراهة أن تضلوا و قال قوم أن تقديره قل يا محمد أن الهدى إلى الخير هدى الله فلا تجحدوا أيها اليهود أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من النبوة « أو » أن « يحاجوكم » بذلك « عند ربكم » إن لم تقبلوا ذلك منهم عن قتادة و الربيع و الجبائي و قيل « إن الهدى هدى الله » معناه أن الحق ما أمر الله به ثم فسر الهدى فقال « أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم » فالمؤتى هو الشرع و ما يحاج به هو العقل و تقدير الكلام أن هدى الله ما شرع أو ما عهد به في العقل فهذه أربعة أقوال ( و ثالثها ) أن يكون الكلام من أول الآية إلى آخرها لله تعالى و تقديره و لا تؤمنوا أيها المؤمنون إلا لمن تبع دينكم و هو دين الإسلام و لا تصدقوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الدين فلا نبي بعد نبيكم و لا شريعة بعد شريعتكم إلى يوم القيامة و لا تصدقوا بأن يكون لأحد حجة عليكم عند ربكم لأن دينكم خير الأديان و « إن الهدى هدى الله » و « أن الفضل بيد الله » فتكون الآية كلها خطابا للمؤمنين من الله تعالى عند تلبيس اليهود عليهم لئلا يزلوا و يدل عليه ما قاله الضحاك أن اليهود قالوا إنا نحاج عند ربنا من خالفنا في ديننا فبين الله تعالى أنهم هم المدحضون المغلوبون و أن المؤمنين هم الغالبون و قوله « قل إن الفضل بيد الله » قيل يريد به النبوة و قيل الحجج التي أوتيها محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و من معه و قيل نعم الدين و الدنيا و قوله « بيد الله » أي في ملكه و هو القادر عليه العالم بمحله « يؤتيه من يشاء » و في هذه دلالة على أن النبوة ليست بمستحقة و كذلك الإمامة لأن الله سبحانه علقه بالمشيئة « و الله واسع » الرحمة جواد و قيل واسع المقدور يفعل ما يشاء « عليم » بمصالح الخلق و قيل يعلم حيث يجعل رسالته « يختص برحمته من يشاء و الله ذو الفضل العظيم » مر تفسيره في سورة البقرة في العشر التي بعد المائة و في هذه الآيات معجزة باهرة لنبينا إذ فيها إخبار عن سرائر القوم التي لا يعلمها إلا علام الغيوب و فيها دفع لمكائدهم و لطف للمؤمنين في الثبات على عقائدهم .

(2/288)


* وَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطار يُؤَدِّهِ إِلَيْك وَ مِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَار لا يُؤَدِّهِ إِلَيْك إِلا مَا دُمْت عَلَيْهِ قَائماً ذَلِك بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْس عَلَيْنَا فى الأُمِّيِّينَ سبِيلٌ وَ يَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الْكَذِب وَ هُمْ يَعْلَمُونَ(75) بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَ اتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِب الْمُتَّقِينَ(76)
القراءة
قرأ حمزة و أبو بكر عن عاصم يؤده بسكون الهاء و روي نحوه عن أبي عمرو و قرأ أبو جعفر و يعقوب بكسر الهاء مع الاختلاس و هو الصحيح من مذهب أبي عمرو و الباقون بالكسر و الإشباع .
الحجة
أما سكون الهاء فإن أكثر النحويين على أنه لا يجوز و غلط الزجاج الراوي فيه عن أبي عمرو قال و حكى سيبويه عنه و هو ضابط لمثل هذا أنه كان يكسر كسرا خفيفا و قال الفراء هذا مذهب لبعض العرب يسكنون الهاء إذا تحرك ما قبلها يقولون ضربته كما يسكنون ميم أنتم و قمتم و أما الاختلاس فإنه للاكتفاء بالكسرة عن الياء و أما الإشباع فعلى الأصل .
اللغة
القنطار قد ذكرنا الخلاف في مقداره في أول السورة و الدينار أصله دنار بنونين فقلبت إحدى النونين ياء لكثرة الاستعمال طلبا للخفة و جمعه دنانير و دمت و دمت لغتان مثل مت و مت و لكن من كسر الدال و الميم قال في المضارع تمات و تدام و هي لغة أزد السراة و وفى و أوفى لغتان و أهل الحجاز يقولون أوفيت و أهل نجد يقولون وفيت .
الإعراب
الفرق بين أن تقول تأمنه بقنطار و بين أن تقول على قنطار أن معنى الباء إلصاق الأمانة و معنى على استعلاء الأمانة و هما يتعاقبان في هذا الموضع لتقارب المعنى كما تقول مررت به و مررت عليه و بلى يحتمل معنيين ( أحدهما ) الإضراب عن الأول على جهة الإنكار للأول و على هذا الوجه يكون « من أوفى بعهده » مكتفية نحو قولك ما قدم زيد فيقال بلى أي بلى قد قدم زيد قال الزجاج هاهنا وقف تام ثم استأنف من أوفى إلى الآخرة

(2/289)


لأنهم لما « قالوا ليس علينا في الأميين سبيل » قيل بلى عليهم سبيل ( الثاني ) الإضراب عن الأول و الاعتماد على البيان الثاني و على هذا الوجه لا تكون مكتفية و الفرق بين بلى و نعم أن بلى جواب النفي و نعم جواب الإثبات إنما جاز إمالة بلى لمشابهتها الاسم من وجهين ( أحدهما ) أنه توقف عليها كما توقف على الاسم ( و الآخر ) أنها على ثلاثة أحرف و لذلك خالفت لا في الإمالة .
النزول
عن ابن عباس قال يعني بقوله « من أن تأمنه بقنطار يؤده إليك » عبد الله بن سلام أودعه رجل ألفا و مائتي أوقية من ذهب فأداه إليه فمدحه الله سبحانه و يعني بقوله « من أن تأمنه بدينار لا يؤده إليك » فنحاص بن عازورا و ذلك أن رجلا من قريش استودعه دينارا فخانه و في بعض التفاسير أن الذي يؤدي الأمانة النصارى و الذين لا يؤدونه اليهود .
المعنى
ثم ذكر سبحانه معائب القوم و أن فيهم من تحرج عن العيب فقال « و من أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار » أي تجعله أمينا على قنطار أي مال كثير على ما قيل فيه من الأقوال التي مضى ذكرها في أول السورة « يؤده إليك » عند المطالبة و لا يخون فيه « و منهم من إن تأمنه بدينار » أي على ثمن دينار و المراد تجعله أمينا على قليل من المال « لا يؤده إليك » عند المطالبة و هم كفار اليهود بالإجماع « إلا ما دمت عليه قائما » معناه إلا أن تلازمه و تتقاضاه عن الحسن و ابن زيد و قيل إلا أن تدوم قائما بالتقاضي و المطالبة عن قتادة و مجاهد و قيل إلا ما دمت عليه قائما بالاجتماع معه و الملازمة عن السدي قال « ما دمت عليه قائما » أي ملحا عن ابن عباس « ذلك » أي ذلك الاستحلال و الخيانة « بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل » هذا بيان العلة التي كانوا لأجلها لا يؤدون الأمانة و يميلون إلى الخيانة أي قالت اليهود ليس علينا في أموال العرب التي أصبناها سبيل لأنهم مشركون عن قتادة و السدي و قيل لأنهم تحولوا عن دينهم الذي عاملناهم عليه و ذلك أنهم عاملوا جماعة منهم ثم أسلم من له الحق و امتنع من عليه الحق من أداء الحق و قالوا إنما عاملناكم و أنتم على ديننا فإذا فارقتموه سقط حقكم و ادعوا أن ذلك في كتبهم فأكذبهم الله في ذلك بقوله « و يقولون على الله الكذب و هم يعلمون » أنهم يكذبون لأن الله أمرهم بخلاف ما قالوا عن الحسن و ابن جريج و إنما سموهم أميين لعدم كونهم من أهل الكتاب أو لكونهم من مكة و هي أم القرى ثم الله تعالى رد عليهم قولهم فقال « بلى » و فيه نفي لما قبله و إثبات لما بعده كأنه قال ما أمر الله بذلك و لا أحبه و لا أراده بل أوجب الوفاء بالعهد و أداء الأمانة « من أوفى بعهده » يحتمل أن يكون الهاء في

(2/290)


بعهده عائدة على اسم الله في قوله « و يقولون على الله الكذب » فيكون معناه بعهد الله ، و عهد الله إلى عباده أمره و نهيه ، و يحتمل أن يكون عائدة إلى من و معناه من أوفى بعهد نفسه لأن العهد يضاف تارة إلى العاهد و تارة إلى المعهود له « و اتقى » الخيانة و نقض العهد « فإن الله يحب المتقين » معناه فإن الله يحبه إلا أنه عدل إلى ذكر المتقين ليبين الصفة التي يجب بها محبة الله و هذه صفة المؤمن فكأنه قال و الله يحب المؤمنين و لا يحب اليهود و روي عن النبي أنه قال لما قرأ هذه الآية قال كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلا و هو تحت قدمي إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر و الفاجر و عنه قال ثلاث من كن فيه فهو منافق و إن صلى و صام و زعم أنه مؤمن من إذا حدث كذب و إذا وعد أخلف و إذا اؤتمن خان و عنه (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال من اؤتمن على أمانة فأداها و لو شاء لم يؤدها زوجه الله من الحور العين ما شاء .
إِنَّ الَّذِينَ يَشترُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَ أَيْمَنهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئك لا خَلَقَ لَهُمْ فى الاَخِرَةِ وَ لا يُكلِّمُهُمُ اللَّهُ وَ لا يَنظرُ إِلَيهِمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَ لا يُزَكيهِمْ وَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(77)
النزول
نزلت في جماعة من أحبار اليهود أبي رافع و كنانة بن أبي الحقيق و حي بن الأخطب و كعب بن الأشرف كتموا ما في التوراة من أمر محمد و كتبوا بأيديهم غيره و حلفوا أنه من عند الله لئلا تفوتهم الرياسة و ما كان لهم على أتابعهم عن عكرمة و قيل نزلت في الأشعث بن قيس و خصم له في أرض قام ليحلف عند رسول الله فلما نزلت الآية نكل الأشعث و اعترف بالحق و رد الأرض عن ابن جريج و قيل نزلت في رجل حلف يمينا فاجرة في تنفيق سلعة عن مجاهد و الشعبي .
المعنى
ثم ذكر تعالى الوعيد لهم على أفعالهم الخبيثة فقال « إن الذين يشترون بعهد الله » أي يستبدلون « بعهد الله » أي بأمر الله و ما يلزمهم الوفاء به و قيل معناه أن الذين يحصلون بنكث عهد الله و نقضه « و أيمانهم » أي و بالأيمان الكاذبة « ثمنا قليلا » أي عوضا نزرا و سماه قليلا لأنه قليل في جنب ما يفوتهم من الثواب و يحصل لهم من

(2/291)


العقاب و قيل العهد ما أوجبه الله على الإنسان من الطاعة و الكف عن المعصية و قيل هو ما في عقل الإنسان من الزجر عن الباطل و الانقياد للحق « أولئك لا خلاق لهم » أي لا نصيب وافر لهم في نعيم الآخرة « و لا يكلمهم الله » فيه قولان ( أحدهما ) أنه لا يكلمهم بما يسرهم بل بما يسوءهم وقت الحساب لهم عن الجبائي ( و الآخر ) أنه لا يكلمهم أصلا و تكون المحاسبة بكلام الملائكة لهم بأمر الله إياهم استهانة بهم « و لا ينظر إليهم يوم القيامة » معناه لا يعطف عليهم و لا يرحمهم كما يقول القائل للغير أنظر إلي يريد ارحمني و في هذا دلالة على أن النظر إذا عدي بحرف إلى لا يفيد الرؤية لأنه لا يجوز حملها هنا على أنه لا يراهم بلا خلاف « و لا يزكيهم » أي لا يطهرهم و قيل لا ينزلهم منزلة الأزكياء عن الجبائي و قيل لا يطهرهم من دنس الذنوب و الأوزار بالمغفرة بل يعاقبهم و قيل لا يحكم بأنهم أزكياء و لا يسميهم بذلك بل يحكم بأنهم كفرة فجرة عن القاضي « و لهم عذاب أليم » مؤلم موجع و في تفسير الكلبي عن ابن مسعود قال سمعت رسول الله يقول من حلف على يمين كاذبة ليقطع بها مال أخيه المسلم لقي الله تعالى و هو عليه غضبان و تلا هذه الآية و روى مسلم بن الحجاج في الصحيح بإسناده من عدة طرق عن أبي ذر الغفاري عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة و لا ينظر إليهم و لا يزكيهم و لهم عذاب أليم المنان الذي لا يعطي شيئا إلا منة و المنفق سلعته بالحلف الفاجر و المسبل إزاره و عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرىء مسلم هو فيها فاجر لقي الله و هو عليه غضبان أورده مسلم أيضا في الصحيح .
وَ إِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُنَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَبِ لِتَحْسبُوهُ مِنَ الْكتَبِ وَ مَا هُوَ مِنَ الْكِتَبِ وَ يَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَ مَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَ يَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الْكَذِب وَ هُمْ يَعْلَمُونَ(78)
اللغة
أصل اللي الفتل من قولك لويت يده إذا فتلتها و منه لويت الغريم لويا و ليانا إذا مطلته حقه قال الشاعر :
تطيلين لياني و أنت ملية
و أحسن يا ذات الوشاح التقاضيا

(2/292)


و منه الحديث لي الواجد ظلم و الألسنة جمع اللسان على التذكير كحمار و أحمرة و يقال ألسن على التأنيث كعناق و أعنق و الفرق بين حسبت و زعمت أن زعمت يحتمل أن يكون يقينا و ظنا و حسبت لا يحتمل اليقين أصلا .
الإعراب
لفريقا نصب بأنه اسم أن و اللام للتأكيد دخلت على اسم أن إذا كان مؤخرا و لا يجوز إن لزيدا في الدار لئلا يجتمع حرفا تأكيد كما لا يجوز دخول التعريف على التعريف فأما قولهم جاءني القوم كلهم أجمعون فكلهم تأكيد للقوم و أجمعون تأكيد للكل .
النزول
قيل نزلت في جماعة من أحبار اليهود كتبوا بأيديهم ما ليس في كتاب الله من نعت النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و غيره و أضافوه إلى كتاب الله و قيل نزلت في اليهود و النصارى حرفوا التوراة و الإنجيل و ضربوا كتاب الله بعضه ببعض و ألحقوا به ما ليس منه و أسقطوا منه الدين الحنيف عن ابن عباس .
المعنى
« و إن منهم » أي من أهل الكتاب و هو عطف على قوله و من أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار « لفريقا » أي طائفة « يلوون ألسنتهم بالكتاب » معناه يحرفون الكتاب عن جهته و يعدلون به عن القصد بألسنتهم فجعل الله تحريف الكتاب عن الجهة ليا باللسان و هذا قول مجاهد و قتادة و ابن جريج و الربيع و قيل يفسرونه بخلاف الحق « لتحسبوه من الكتاب » أي لتظنوه أيها المسلمون من كتاب الله تعالى و ما هو من الكتاب المنزل على موسى و لكنهم يخترعونه و يبتدعونه و يقولون هو من عند الله « و ما هو من عند الله » و في هذا دليل على أن المعاصي ليست من عند الله و لا من فعله لأنها لو كانت من فعله لكانت من عنده على آكد الوجوه فلم يجز إطلاق النفي بأنها ليست من عند الله و كما لا يجوز أن يكون من الكتاب على وجه من الوجوه لإطلاق النفي بأنه ليست من الكتاب كله لا يجوز أن يكون من عند الله لإطلاق النفي بأنه ليس من عند الله « و يقولون على الله الكذب » في نسبتهم ذلك إلى الكتاب « و هم يعلمون » إن ذلك كذب و قيل و هم يعلمون ما عليهم في ذلك من العقاب .
مَا كانَ لِبَشر أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَب وَ الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لى مِن دُونِ اللَّهِ وَ لَكِن كُونُوا رَبَّنِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَب وَ بِمَا كُنتُمْ تَدْرُسونَ(79) وَ لا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا المَْلَئكَةَ وَ النَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَ يَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسلِمُونَ(80)

(2/293)


القراءة
قرأ ابن عامر و أهل الكوفة « تعلمون » بالتشديد و الباقون تعلمون و قرأ عاصم غير الأعشى و البرجمي و حمزة و ابن عامر و يعقوب « و لا يأمركم » بنصب الراء و الباقون بالرفع .
الحجة
حجة من قال « تعلمون » بالتشديد أن التعليم أبلغ في هذا الموضع لأنه إذا علم الناس و لم يعمل بعلمه كان مع استحقاق الذم بترك عمله داخلا في جملة من وبخ بقوله « أ تأمرون الناس بالبر و تنسون أنفسكم » و حجة من قرأ تعلمون أن العالم الدارس قد يدرك بعلمه و درسه مما يكون داعيا إلى التمسك بعلمه و العمل به ما لا يدركه العالم المعلم في تدريسه و من قرأ يأمركم فعلى القطع من الأول أراد و لا يأمركم الله و من نصبه فعلى قوله « ما كان لبشر » أن « يأمركم أن تتخذوا » و مما يقوي الرفع ما روي في حرف ابن مسعود يأمركم فهذا يدل على الانقطاع من الأول و مما يقوي النصب ما جاء في السير أن اليهود قالوا للنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) يا محمد أ تريد أن نتخذك ربا فقال الله عز و جل « ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب » و لا أن يأمركم .
اللغة
البشر يقع على القليل و الكثير فهو بمنزلة المصدر مثل الخلق تقول هذا بشر و هؤلاء بشر كما تقول هذا خلق و هؤلاء خلق و إنما وقع المصدر على القليل و الكثير لأنه جنس الفعل فصار كأسماء الأجناس مثل الماء و التراب و نحوه و الرباني هو الرب يرب أمر الناس بتدبيره و إصلاحه إياه يقال رب فلان أمره ربابة و هو ربان إذا دبره و أصلحه و نظيره نعس ينعس و هو نعسان و أكثر ما يجيء فعلان من فعل يفعل فيكون العالم ربانيا لأنه بالعلم رب الأمر و يصلحه و قيل أنه مضاف إلى علم الرب و هو علم الدين الذي يأمره به إلا أنه غير في الإضافة ليدل على هذا المعنى كما قيل في الإضافة إلى البحرين بحراني و كما

(2/294)


قيل للعظيم الرقبة رقباني و للعظيم اللحية لحياني فقيل لصاحب علم الدين الذي أمر به الرب رباني .
النزول
قيل أن أبا رافع القرضي من اليهود و رئيس وفد نجران قالا يا محمد أ تريد أن نعبدك و نتخذك إلها فقال معاذ الله أن أعبد غير الله أو آمر بعبادة غير الله ما بذلك بعثني و لا بذلك أمرني فأنزل الله الآية عن ابن عباس و عطاء و قيل نزلت في نصارى نجران عن الضحاك و مقاتل و قيل أن رجلا قال يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أ فلا نسجد لك قال لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله و لكن أكرموا نبيكم و اعرفوا الحق لأهله فأنزل الله الآية .
المعنى
لما تقدم ذكر أهل الكتاب و أنهم أضافوا ما يتدينون به إلى الأنبياء نزههم الله عن ذلك فقال « ما كان لبشر » يعني ما ينبغي لبشر كقوله « و ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا » « و ما يكون لنا أن نتكلم بهذا » أي لا ينبغي و قيل لا يجوز معناه لبشر و لا يحل له « أن يؤتيه الله » أن يعطيه الله « الكتاب و الحكمة و النبوة » أي العلم أو الرسالة إلى الخلق « ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله » أي اعبدوني من دونه أو اعبدوني معه عن الجبائي و قيل معناه ليس من صفة الأنبياء الذين خصهم الله لرسالته و اجتباهم لنبوته و أنزل عليهم كتبه و جعلهم حكماء علماء أن يدعوا الناس إلى عبادتهم و إنما قال ذلك على جهة التنزيه للنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) عن مثل هذا القول لا على وجه النهي و قوله « عبادا » هو من العبادة قال القاضي و عبيد بخلافه لأنه بمعنى العبودية و لا يمتنع أن يكونوا عبادا لغيره « و لكن كونوا ربانيين » فيه حذف أي لا ينبغي لهذا النبي أن يقول للناس اعبدوني و لكن ينبغي أن يقول لهم كونوا ربانيين و فيه أقوال ( أحدها ) أن معناه كونوا علماء فقهاء عن علي و ابن عباس و الحسن ( و ثانيها ) كونوا علماء حكماء عن قتادة و السدي و ابن أبي رزين ( و ثالثها ) كونوا حكماء أتقياء عن سعيد بن جبير ( و رابعها ) كونوا مدبري أمر الناس في الولاية بالإصلاح عن ابن زيد ( و خامسها ) كونوا معلمين للناس من علمكم كما يقال أنفق بمالك أي أنفق من مالك عن الزجاج و روي عن النبي أنه قال ما من مؤمن و لا مؤمنة و لا حر و لا مملوك إلا و لله عليه حق واجب أن يتعلم من العلم و يتفقه فيه و قال أبو عبيدة سمعت رجلا عالما يقول الرباني العالم بالحلال و الحرام و الأمر و النهي و ما كان و ما يكون و قال أبو عبيدة لم تعرف العرب الرباني و هذا فاسد لأن القرآن نزل بلغتهم و روي عن محمد بن الحنفية أنه قال يوم مات ابن عباس مات رباني هذه الأمة و قد ذكرنا اشتقاقه قبل « بما كنتم تعلمون الكتاب »

(2/295)


أي القرآن « و بما كنتم تدرسون » أي الفقه و من قرأ بالتشديد أراد تعلمونه لسواكم فيفيد أنهم يعلمون و يعلمون غيرهم و التخفيف لا يفيد أكثر من كونهم عالمين و دخلت الباء في قوله « بما كنتم تعلمون » لأحد ثلاثة أشياء إما أن يريد كونوا معلمي الناس بعلمكم كما يقال أنفقوهم بمالكم أو يريد كونوا ربانيين في علمكم و دراستكم و وقعت الباء موقع في أو يريد كونوا ممن يستحق أن يطلق له صفة عالم بعلمه على جهة المدح بأن تعملوا بما علمتم و ذلك أن الإنسان إنما يستحق الوصف بأنه عالم إذا عمل بعلمه و يدل عليه قوله « إنما يخشى الله من عباده العلماء » « و لا يأمركم » أي و لا يأمركم الله عن الزجاج و قيل و لا يأمركم محمد عن ابن جريج و قيل و لا يأمركم عيسى و من نصب الراء عطفه على « أن يؤتيه الله » فمعناه و لا كان لهذا النبي أن يأمركم « أن تتخذوا الملائكة و النبيين أربابا » أي آلهة كما فعله الصابئون و النصارى « أ يأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون » ألف إنكار أصله الاستفهام و إنما استعمل في الإنكار لأنه مما لو أقر به المخاطب لظهرت فضيحته فلذلك جاء على السؤال و إن لم يكن الغرض تعرف الجواب و معناه أن الله تعالى إنما يبعث النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) ليدعو الناس إلى الإيمان فلا يبعث من يدعو المسلمين إلى الكفر .
وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ النَّبِيِّينَ لَمَا ءَاتَيْتُكم مِّن كتَب وَ حِكْمَة ثُمَّ جَاءَكمْ رَسولٌ مُّصدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنصرُنَّهُ قَالَ ءَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى ذَلِكُمْ إِصرِى قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُم مِّنَ الشهِدِينَ(81) فَمَن تَوَلى بَعْدَ ذَلِك فَأُولَئك هُمُ الْفَسِقُونَ(82)
القراءة
قرأ حمزة وحده لما آتيتكم بكسر اللام و الباقون بفتحها و قرأ نافع آتيناكم على الجمع و الباقون « آتيتكم » على التوحيد .
الحجة
الوجه في قراءة حمزة لما آتيتكم بكسر اللام أنه يتعلق بالأخذ كان المعنى أخذ ميثاقهم لهذا و يكون ما على هذا موصولة و العائد إلى الموصول من الجملة المعطوفة على صلته و هي قوله « جاءكم رسول مصدق لما معكم » مظهر بمنزلة المضمر و هي

(2/296)


قوله « ما معكم » لأنه بمنزلة ما أوتوه من الكتاب و الحكمة فهذا يكون مثل قوله « إنه من يتق و يصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين » لأنه في معنى لا يضيع أجرهم و يجوز أن يكون ما على هذه القراءة حرفا فيكون بمعنى المصدر قال أبو علي و من فتح اللام فقال « لما آتيتكم » فإن ما فيه يحتمل تأويلين ( أحدهما ) أن يكون موصولة ( و الآخر ) أن يكون للجزاء فمن قدر ما موصولة فالقول فيما يقتضيه قوله « ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم » من الراجع إلى الموصول ما تقدم ذكره في قراءة حمزة و أما الراجع إلى الموصول من الجملة الأولى فالضمير المحذوف من الصلة تقديره لما آتيتكموه و اللام في لما فيمن قدر ما موصولة لام ابتداء و هي المتلقية لما أجري مجرى القسم من قوله « و إذ أخذ الله ميثاق النبيين » و موضع ما رفع بالابتداء و الخبر « لتؤمنن به » و لتؤمنن متعلق بقسم محذوف و المعنى و الله لتؤمنن به و الذكر الذي في به يعود إلى الذي آتيتكموه الذي هو المبتدأ و نحوه قولك لعبد الله و الله لتأتينه و الذكر الذي في لتنصرنه يعود إلى رسول الله المتقدم ذكره و إذا قدرت ما للجزاء كانت ما في موضع نصب بأتيتكم و آتيتكم في موضع جزم بالشرط و جاءكم في موضع جزم بالعطف على آتيتكم و اللام الداخلة على ما لا يكون المتلقية للقسم و لكن يكون بمنزلة اللام في لئن لم ينته المنافقون و المتلقية قوله « لتؤمنن به » كما أنها في قوله « لئن لم ينته المنافقون » قوله « لنغرينك بهم » و هذه اللام الداخلة على أن لا يعتمد القسم عليها فلذلك جاز حذفها تارة و إثباتها تارة كما قال « و إن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا » فيلحق هذه اللام إن مرة و لا تلحق أخرى كما أن كذلك في قوله و الله أن لو فعلت لفعلت و و الله لو فعلت لفعلت .
المعنى
لما تقدم ذكر النبيين عقبه سبحانه بذكر نبينا و ما أخذ من عهده عليهم أجمعين فقال « و إذ أخذ الله ميثاق النبيين » العامل في إذ محذوف و تقديره و اذكر إذ أخذ الله و قيل هو عطف على ما تقدم من قوله « إذ قالت الملائكة » و روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) و ابن عباس و قتادة أن الله أخذ الميثاق على الأنبياء قبل نبينا (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أن يخبروا أممهم بمبعثه و نعته و يبشروهم به و يأمروهم بتصديقه و قال طاووس أخذ الله الميثاق على الأنبياء (عليهم السلام) على الأول و الآخر فأخذ الله ميثاق الأول لتأمنن بما جاء به الآخر و قال الصادق تقديره و إذ أخذ الله ميثاق أمم النبيين بتصديق نبيها و العمل بما جاءهم به و أنهم خالفوهم فيما بعد و ما وفوا به و تركوا كثيرا من شريعته و حرفوا كثيرا منها و قوله « لما آتيتكم » بفتح اللام إذا كانت ما موصولة فتقديره للذي آتيتكموه أي أعطيتكموه « من كتاب و حكمة ثم جاءكم رسول » أي نبي و قيل يعني محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) « مصدق لما معكم » أي لما آتيتكم من الكتب

(2/297)


« لتؤمنن به » أي لتؤمنن بالرسول و لتنصرنه أو يريد لتؤمنن بالذي آتيتكموه و لتنصرن الرسول و على هذا يكون المعنى أنه إنما أخذ الميثاق على الأنبياء ليصدق بعضهم بعضا و يأمر بعضهم بالإيمان ببعض و يكون النصرة بالتصديق و الحجة و هو المروي عن الحسن و سعيد بن جبير و طاووس و إذا كانت ما للجزاء فتقديره أي شيء آتيتكم و مهما آتيتكم من كتاب لتؤمنن فالشرط إيتاؤه إياهم الكتاب و الحكمة و مجيء الرسول و الجزاء القسم و المقسم عليه و هو قوله « لتؤمنن به » فأغنى جواب القسم عن الجزاء كقوله لئن أشركت ليحبطن عملك و قوله « من كتاب » من هذه للتبيين لما نحو قولك ما عندك من ورق و عين و هذا خاتم من فضة و يكون على هذا تقديره أن الله تعالى قال لهم مهما أوتيكم كتابا و حكمة ثم يجيئكم به رسول مصدق لما معكم من ذلك الكتاب و الحكمة و الله لتؤمنن به و لتنصرنه فأقروا بذلك و أعطوا عليه مواثيقهم و هذا أشبه بما ذكر أن الميثاق أخذ على الأنبياء ليأخذوا على أممهم بتصديق محمد إذا بعث و يأمروهم بنصرته على أعدائه إن أدركوه و هو المروي عن علي و ابن عباس و قتادة و السدي و اختاره أبو علي الجبائي و أبو مسلم و يكون معنى قوله « جاءكم » جاء أممكم و أتباعكم و إنما خرج الكلام على النبيين لأن ما لزمهم لزم أممهم و من قرأ لما آتيتكم بكسر اللام فالمعنى أخذ الله ميثاقهم لما أوتوه أي لأجل ما أوتوه من الكتاب و الحكمة و لأنهم الأفاضل و خيار الناس و يكون اللام للتعليل فيقتضي أن يكون الإيتاء سابقا لأخذ الميثاق و قوله « لتؤمنن » متعلق بأخذ الميثاق و هو في الحاصل راجع إلى معنى الشرط و الجزاء و قوله « و لتنصرنه » أي البشارة للأمم به قال أي قال الله لأنبيائه « أ أقررتم به » و صدقتموه « و أخذتم على ذلكم إصري » معناه و قبلتم على ذلكم عهدي و نظيره إن أوتيتم هذا فخذوه و قيل معناه و أخذتم العهد بذلك على أممكم « قالوا » أي قال الأنبياء و أممهم « أقررنا » بما أمرتنا بالإقرار به « قال » الله « فاشهدوا » بذلك على أممكم « و أنا معكم من الشاهدين » عليكم و على أممكم عن علي و قيل فاشهدوا أي فاعلموا ذلك أنا معكم أعلم عن ابن عباس و قيل معناه ليشهد بعضكم على بعض و قيل قال الله للملائكة اشهدوا عليهم فيكون ذلك كناية عن غير مذكور عن سعيد بن المسيب و هذه الآية من مشكلات آيات القرآن و قد غاص النحويون في وجوه إعرابها و تحقيقها و شقوا الشعر في تدقيقها و لا تراها في موضع أوجز لفظا و أكثر فائدة و أشد تهذيبا مما ذكرته هنا و بالله التوفيق « فمن تولى بعد ذلك » أي فمن أعرض عن الإيمان بمحمد بعد هذه الدلالات و الحجج و بعد أخذ الميثاق على النبيين الذين سبق ذكرهم و المقصود بهذه الأمم دون النبيين لأنه قد مضى أزمانهم و جاز ذلك لأن أخذ الميثاق على

(2/298)


النبيين يتضمن الأخذ على أممهم و قد روي عن علي (عليه السلام) أنه قال لم يبعث الله نبيا آدم و من بعده إلا أخذ عليه العهد لئن بعث الله محمدا و هو حي ليؤمنن به و لينصرنه و أمره بأن يأخذ العهد بذلك على قومه « فأولئك هم الفاسقون » و لم يقل الكافرون لأن المراد الخارجون في الكفر إلى أفحش مراتب الكفر بتمردهم و ذلك أن أصل الفسق الخروج عن أمر الله إلى حال توبقه و في الكفر ما هو أكبر كما أن فيما دون الكفر من المعاصي ما هو أكبر و ما هو أصغر بالإضافة إليه .
أَ فَغَيرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَ لَهُ أَسلَمَ مَن فى السمَوَتِ وَ الأَرْضِ طوْعاً وَ كرْهاً وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ(83) قُلْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَ مَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَ مَا أُنزِلَ عَلى إِبْرَهِيمَ وَ إِسمَعِيلَ وَ إِسحَقَ وَ يَعْقُوب وَ الأَسبَاطِ وَ مَا أُوتىَ مُوسى وَ عِيسى وَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَد مِّنْهُمْ وَ نَحْنُ لَهُ مُسلِمُونَ(84) وَ مَن يَبْتَغ غَيرَ الاسلَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فى الاَخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ(85)
القراءة
قرأ أبو عمرو « يبغون » بالياء و إليه ترجعون بالتاء مضمومة و قرأ بالياء فيهما ابن عباس و حفص و يعقوب و سهل و الباقون بالتاء فيهما جميعا .
الحجة
من قرأ بالتاء فيهما فلأن أول الآية خطاب للنبي و من قرأ بالياء فعلى تقدير قل لهم « أ فغير دين الله يبغون » فجاء على لفظ الغيبة لأنهم غيب و قد تقدم القول في يرجعون و ترجعون .
الإعراب
« أ فغير دين الله يبغون » عطف جملة على جملة كما لو قيل أ و غير دين الله يبغون إلا أن الفاء رتبت فكأنه قيل أ بعد تلك الآيات غير دين الله يبغون و طوعا و كرها مصدران وقعا موقع الحال و تقديره طائعين و كارهين كما يقال أتاني ركضا أي راكضا و لا

(2/299)


يجوز أن تقول أتاني كلاما أي متكلما لأن الكلام ليس بضرب من الإتيان و الركض ضرب منه .
النزول
عن ابن عباس قال اختصم أهل الكتاب إلى رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فيما اختلفوا بينهم من دين إبراهيم كل فرقة زعمت أنهم أولى بدينه فقال النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم فغضبوا و قالوا و الله ما نرضى بقضائك و لا نأخذ بدينك فأنزل الله « أ فغير دين الله يبغون » .
المعنى
لما بين سبحانه بطلان اليهودية و سائر الملل غير الإسلام بين عقيبه أن من يبتغ غير دينه فهو ضال لا يجوز القبول منه فقال « أ فغير دين الله يبغون » أي أ فبعد هذه الآيات و الحجج يطلبون دينا غير دين الله « و له أسلم من في السماوات و الأرض طوعا و كرها » قيل فيه أقوال ( أحدها ) أن معناه أسلم من في السماوات و الأرض بحاله الناطقة عنه الدالة عليه عند أخذ الميثاق عليه عن ابن عباس ( و ثانيها ) أسلم أي أقر بالعبودية و إن كان فيهم من أشرك بالعبادة كقوله تعالى « و لئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله » و معناه ما ركب الله في عقول الخلائق من الدعاء إلى الإقرار له بالربوبية ليتنبهوا على ما فيه من الدلالة عن مجاهد و أبي العالية ( و ثالثها ) أسلم المؤمن طوعا و الكافر كرها عند موته كقوله « فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا » عن قتادة و اختاره البلخي و معناه التخفيف لهم من التأخر عما هذه سبيله ( و رابعها ) أن معناه استسلم له بالانقياد و الذكر كقوله « قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا و لكن قولوا أسلمنا » أي استسلمنا عن الشعبي و الجبائي و الزجاج ( و خامسها ) أن معناه أكره أقوام على الإسلام و جاء أقوام طائعين عن الحسن و هو المروي عن أبي عبد الله قال كرها أي فرقا من السيف و قال الحسن و المفضل الطوع لأهل السماوات خاصة و أما أهل الأرض فمنهم من أسلم طوعا و منهم من أسلم كرها « و إليه ترجعون » أي إلى جزائه تصيرون فبادروا إلى دينه و لا تخالفوا الإسلام « قل آمنا بالله » خطاب للنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و أمر له بأن يقول عن نفسه و عن أمته « آمنا بالله » « و ما أنزل علينا » الآية كما يخاطب رئيس قوم بأن يقول عن نفسه و عن رعيته و قد سبق معنى الآية في سورة البقرة فإن قيل ما معنى قوله « و نحن له مسلمون » بعد ما سبق من الإقرار بالإيمان على التفصيل قلنا معناه و نحن له مسلمون بالطاعة و الانقياد في جميع ما أمر به و نهي عنه و أيضا فإن أهل الملل المخالفة للإسلام كانوا يقرون كلهم بالإيمان و لكن

(2/300)


لم يقروا بلفظ الإسلام فلهذا قال « و نحن له مسلمون » « و من يبتغ غير الإسلام » أي يطلب « دينا » يدين به « فلم يقبل منه » بل يعاقب عليه و يدل عليه قوله « و هو في الآخرة من الخاسرين » أي من الهالكين لأن الخسران ذهاب رأس المال و في هذه الآية دلالة على أن من ابتغى الإسلام دينا يقبل منه فدل ذلك على أن الدين و الإسلام و الإيمان واحد و هي عبارات من معبر واحد .
كَيْف يَهْدِى اللَّهُ قَوْماً كفَرُوا بَعْدَ إِيمَنهِمْ وَ شهِدُوا أَنَّ الرَّسولَ حَقُّ وَ جَاءَهُمُ الْبَيِّنَت وَ اللَّهُ لا يَهْدِى الْقَوْمَ الظلِمِينَ(86) أُولَئك جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَ الْمَلَئكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ(87) خَلِدِينَ فِيهَا لا يخَفَّف عَنْهُمُ الْعَذَاب وَ لا هُمْ يُنظرُونَ(88) إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِك وَ أَصلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(89)
اللغة
الخلود في اللغة طول المكث و لذلك يقال خلد فلان في السجن و قيل للأتافي خوالد ما دامت في مواضعها و إذا زالت لا يسمى خوالد و الفرق بين الخلود و الدوام أن الخلود يقتضي طول المكث في نحو قولك خلد فلان في الحبس و لا يقتضي ذلك الدوام و لذلك وصف سبحانه بالدوام دون الخلود إلا أن خلود الكفار المراد به التأبيد بلا خلاف بين الأمة و الإنظار التأخير للعبد لينظر في أمره و الفرق بينه و بين الإمهال أن الإمهال هو تأخيره لتسهيل ما يتكلفه من عمله .
الإعراب
كيف أصله الاستفهام و المراد به هنا الإنكار لأنه لا تقع هذه الهداية من الله أي لا يهديهم الله كقوله كيف يكون للمشركين عهد عند الله و عند رسوله أي لا يكون قال الشاعر :
كيف نوما على الفراش و لما
يشمل الشام غارة شعواء

(2/301)


و إنما دخله معنى الإنكار مع أن أصله الاستفهام لأن المسئول يسأل عن أغراض مختلفة فقد يسأل للتعجيز عن إقامة البرهان و قد يسأل للتوبيخ مما يظهر من معنى الجواب في السؤال و قد يسأل لما يظهر فيه من الإنكار و إنما عطف قوله « شهدوا » و هو فعل على إيمانهم و هو اسم لأن الإيمان مصدر و المراد به الفعل و التقدير بعد أن آمنوا و شهدوا و أجمعين تأكيد للناس و دخلت الفاء في قوله « فإن الله غفور رحيم » لأنه يشبه الجزاء إذ كان الكلام قد تضمن معنى إن تابوا فإن الله يغفر لهم و لا يجوز أن يكون في موضع خبر الذين لأن الذين في موضع نصب بالاستثناء من الجملة التي هي قوله « أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله » و لا يحمل على المنقطع مع حسن الاتصال لأنه الأصل في الكلام و الأسبق إلى الأفهام .
النزول
قيل نزلت الآيات في رجل من الأنصار يقال له حارث بن سويد بن الصامت و كان قتل المحذر بن زياد البلوي غدرا و هرب و ارتد عن الإسلام و لحق بمكة ثم ندم فأرسل إلى قومه أن يسألوا رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) هل لي من توبة فسألوا فنزلت الآية إلى قوله « إلا الذين تابوا » فحملها إليه رجل من قومه فقال إني لأعلم أنك لصدوق و رسول الله أصدق منك و أن الله أصدق الثلاثة و رجع إلى المدينة و تاب و حسن إسلامه عن مجاهد و السدي و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) و قيل نزلت في أهل الكتاب الذين كانوا يؤمنون بالنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قبل مبعثه ثم كفروا بعد البعثة حسدا و بغيا عن الحسن و الجبائي و أبي مسلم .
المعنى
لما بين تعالى أن الإسلام هو الدين الذي به النجاة بين حال من خالفه فقال « كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم » فيه وجوه ( أحدها ) أن معناه كيف يسلك الله بهم سبيل المهتدين بالإثابة لهم و الثناء عليهم و قد كفروا بعد إيمانهم - ( و ثانيها ) أنه على طريق التبعيد كما يقال كيف أهديك إلى الطريق و قد تركته أي لا طريق يهديهم به إلى الإيمان إلا من الوجه الذي هداهم به و قد تركوه و لا طريق غيره - ( و ثالثها ) أن المراد كيف يهديهم الله إلى الجنة و يثيبهم و الحال هذه و قوله « و شهدوا أن الرسول حق » عطف على قوله « بعد إيمانهم » دون قوله « كفروا » و تقديره بعد أن آمنوا و شهدوا أن الرسول حق « و جاءهم البينات » أي البراهين و الحجج و قيل القرآن و قيل جاءهم ما في كتبهم من البشارة لمحمد « و الله لا يهدي القوم الظالمين » أي لا يسلك بالقوم الظالمين مسلك المهتدين و لا يثيبهم و لا يهديهم إلى طريق الجنة لأن المراد الهداية المختصة

(2/302)


بالمهتدين دون الهداية العامة المرادة في قوله « و أما ثمود فهديناهم » و المراد بالإيمان هاهنا إظهار الإيمان دون الإيمان الذي يستحق به الثواب و ليس في الآية ما يدل على أنهم قد كانوا في باطنهم مؤمنين مستحقين الثواب فزال ذلك بالكفر فلا متعلق للمخالف به « أولئك جزاؤهم » على أعمالهم « إن عليهم لعنة الله » و هي إبعاده إياهم من رحمته و مغفرته « و الملائكة و الناس أجمعين » و هي دعاؤهم عليهم باللعنة و بأن يبعدهم الله من رحمته « خالدين فيها » أي في اللعنة لخلودهم فيما استحقوا باللعنة و هو العذاب « و لا يخفف عنهم العذاب » و لا يسهل عليهم « و لا هم ينظرون » أي و لا يمهلون للتوبة و لا يؤخر عنهم العذاب من وقت إلى وقت آخر و إنما نفى إنظارهم للتوبة و الإنابة لما علم من حالهم أنهم لا ينيبون و لا يتوبون كما قال و لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه على أن التبقية ليست بواجبة و إن علم أنه لو أبقاه لتاب و أناب عند أكثر المتكلمين « إلا الذين تابوا من بعد ذلك و أصلحوا » أي تابوا من الكفر و رجعوا إلى الإيمان و أصلحوا ضمائرهم و عزموا على أن يثبتوا على الإسلام و هذا أحسن من قول من قال و أصلحوا أعمالهم بعد التوبة و صلوا و صاموا فإن ذلك ليس بشرط في صحة التوبة إذ لو مات قبل فعل الصالحات مات مؤمنا بالإجماع « فإن الله غفور » يغفر ذنوبهم « رحيم » يوجب الجنة لهم و ذكر المغفرة دليل على أن إسقاط العقاب بالتوبة تفضل منه سبحانه و أن ما لا يجوز المؤاخذة به أصلا لا يجوز تعليقه بالمغفرة و إن ما يعلق بالمغفرة ما يكون له المؤاخذة به .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَنِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَ أُولَئك هُمُ الضالُّونَ(90)
النزول
قيل نزلت في أهل الكتاب الذين آمنوا برسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قبل مبعثه ثم كفروا به بعد مبعثه عن الحسن و قيل نزلت في اليهود كفروا بعيسى و الإنجيل بعد إيمانهم بأنبيائهم و كتبهم ثم ازدادوا كفرا بكفرهم بمحمد و القرآن عن قتادة و عطاء و قيل نزلت في أحد عشر من أصحاب الحرث بن سويد لما رجع الحرث قالوا نقيم بمكة على الكفر ما بدا لنا فمتى ما أردنا الرجعة رجعنا فينزل فينا ما نزل في الحرث فلما افتتح رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) مكة دخل في الإسلام من دخل منهم فقبلت توبته فنزل فيمن مات منهم كافرا « إن الذين كفروا و ماتوا و هم كفار » الآية .
المعنى
لما تقدم ذكر التوبة المقبولة عقبه الله بما لا يقبل منها فقال « إن الذين

(2/303)


كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا » قد ذكرنا الاختلاف في سبب نزوله و على ذلك يدور معناه و قيل كلما نزلت آية كفروا بها فازدادوا كفرا إلى كفرهم « لن تقبل توبتهم » لأنها لم تقع على وجه الإخلاص و يدل عليه قوله « و أولئك هم الضالون » و لو حققوا في التوبة لكانوا مهتدين و قيل لن تقبل توبتهم عند رؤية البأس لأنها تكون في حال الإلجاء و معناه أنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت و المعاينة عن الحسن و قتادة و الجبائي و قيل لأنها أظهرت الإسلام تورية فأطلع الله تعالى رسوله على سرائرهم عن ابن عباس و قد دل السمع على وجوب قبول التوبة إذا حصلت شرائطها و عليه إجماع الأمة « و أولئك هم الضالون » عن الحق و الصواب و قيل الهالكون المعذبون .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ مَاتُوا وَ هُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأَرْضِ ذَهَباً وَ لَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئك لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَ مَا لَهُم مِّن نَّصِرِينَ(91)
اللغة
الملء أصله الملأ و هو تطفيح الإناء و منه الملأ الأشراف لأنهم يملئون العين هيبة و جلالة و منه رجل مليء بالأمر و هو أملأ به من غيره فالملء اسم للمقدار الذي يملأ و الملؤ المصدر و الفدية البدل من الشيء في إزالة الأذية و منه فداء الأسير لأنه بدل منه في إزالة القتل و الأسر عنه إذا كسر مد و إذا فتح قصر تقول فدى لك أو فداء لك و يجوز قصر هذا الممدود للضرورة و الافتداء افتعال من الفدية .
الإعراب
ذهبا منصوب على التمييز و إنما استحق النصب لاشتغال العامل بالإضافة أو ما عاقبها من النون الزائدة فجرى ذلك مجرى الحال في اشتغال العامل بصاحبها و مجرى المفعول في اشتغال العامل عنه بالفاعل و قوله « و لو افتدى به » قال الفراء هذه الواو زائدة و غلطه الزجاج لأن الكلام إذا أمكن حمله على فائدة يحمل عليها و لا يحمل على الزيادة و قال إذا دخلت الواو في مثل هذا كان أبلغ في التأكيد كقولك لا آتيك و إن أعطيتني لأنها دخلت لتفصيل نفي القبول بعد الإجمال و لو جعلنا الواو زائدة لأوهم ذلك أنه لا يقبل منه ملء الأرض ذهبا في الافتداء و يقبل في غيره .
المعنى
« إن الذين كفروا و ماتوا و هم كفار » أي على كفرهم « فلن يقبل من

(2/304)


أحدهم ملء الأرض ذهبا » أي مقدار ما يملأ الأرض من الذهب « و لو افتدى به » بذله عوضا و معناه أن الكافر الذي يعتقد الكفر و إن أظهر الإيمان لا ينفعه الإنفاق بمعنى أنه لا يوجب له الثواب و قيل معناه أنه لا يقبل منه في الآخرة لو وجد إليه السبيل قال قتادة يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له أ رأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا لكنت تفتدي به فيقول نعم فيقال له لقد سألت أيسر من ذلك فلم تفعل و رواه أيضا أنس عن النبي « أولئك لهم عذاب أليم و ما لهم من ناصرين » قد ذكرنا معناه .
لَن تَنَالُوا الْبرَّ حَتى تُنفِقُوا مِمَّا تحِبُّونَ وَ مَا تُنفِقُوا مِن شىْء فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ(92)
اللغة
البر أصله من السعة و منه البر خلاف البحر و الفرق بين البر و الخير أن البر هو النفع الواصل إلى الغير مع القصد إلى ذلك و الخير يكون خيرا و إن وقع عن سهو و ضد البر العقوق و ضد الخير الشر .
المعنى
« لن تنالوا البر » أي لن تدركوا بر الله تعالى بأهل طاعته و اختلف في البر هنا فقيل هو الجنة عن ابن عباس و مجاهد و قيل هو الطاعة و التقوى عن مقاتل و عطاء و قيل معناه لن تكونوا أبرارا أي صالحين أتقياء عن الحسن « حتى تنفقوا مما تحبون » أي حتى تنفقوا المال و إنما كني بهذا اللفظ عن المال لأن جميع الناس يحبون المال و قيل معناه ما تحبون من نفائس أموالكم دون أرذالها كقوله تعالى : « و لا تيمموا الخبيث منه تنفقون » و قيل هو الزكاة الواجبة و ما فرضه الله في الأموال عن ابن عباس و الحسن و قيل هو جميع ما ينفقه المرء في سبيل الخيرات عن مجاهد و جماعة و قد روي عن أبي الطفيل قال اشترى علي (عليه السلام) ثوبا فأعجبه فتصدق به و قال سمعت رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) يقول من آثر على نفسه آثره الله يوم القيامة بالجنة و من أحب شيئا فجعله لله قال الله تعالى يوم القيامة قد كان العباد يكافئون فيما بينهم بالمعروف و أنا أكافيك اليوم بالجنة و روي أن أبا طلحة قسم حائطا له في أقاربه عند نزول هذه الآية و كان أحب أمواله إليه فقال له رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) بخ بخ ذلك مال رابح لك و جاء زيد بن حارثة بفرس له كان يحبها فقال هذه في سبيل الله

(2/305)


فحمل عليها رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أسامة بن زيد فكأن زيدا وجد في نفسه و قال إنما أردت أن أتصدق به فقال رسول الله أما إن الله قد قبلها منك و أعتق ابن عمر جارية كان يحبها و تلا هذه الآية و قال لو لا أني لا أعود في شيء جعلته لله تعالى لنكحتها و أضاف أبو ذر الغفاري ضيفا فقال للضيف إني مشغول و إن لي إبلا فاخرج و أتني بخيرها فذهب فجاء بناقة مهزولة فقال له أبو ذر خنتني بهذه فقال وجدت خير الإبل فحلها فذكرت يوم حاجتكم إليه فقال أبو ذر إن يوم حاجتي إليه ليوم أوضع في حفرتي مع أن الله يقول « لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون » و قال أبو ذر في المال ثلاثة شركاء القدر لا يستأمرك أن يذهب بخيرها أو شرها من هلك أو موت و الوارث ينتظرك أن تضع رأسك ثم يستاقها و أنت ذميم و أنت الثالث فإن استطعت أن لا تكون أعجز الثلاثة فلا تكن إن الله يقول « لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون » و إن هذا الجمل كان مما أحب من مالي فأحببت أن أقدمه لنفسي و قال بعضهم دلهم بهذه الآية على الفتوة فقال « لن تنالوا البر » أي بري بكم إلا ببركم بإخوانكم و الإنفاق عليهم من مالكم و جاهكم و ما تحبون فإذا فعلتم ذلك نالكم بري و عطفي « و ما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم » جاء بالفاء على جواب الشرط و إن كان الله يعلم ذلك على كل حال و فيه وجهان ( أحدهما ) أن تقديره و ما تنفقوا من شيء فإن الله يجازيكم به قل أو كثر لأنه عليم لا يخفى عليه شيء منه ( و الآخر ) أن تقديره فإنه يعلمه الله موجودا على الحد الذي تفعلونه من حسن النية أو قبحها فإن قيل كيف قال سبحانه « لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون » و الفقير ينال الجنة و إن لم ينفق قيل الكلام خرج مخرج الحث على الإنفاق و هو مقيد بالإمكان و إنما أطلق على سبيل المبالغة في الترغيب و الأولى أن يكون المراد لن تنالوا البر الكامل الواقع على أشرف الوجوه حتى تنفقوا مما تحبون و روي عن ابن عمر أن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) سئل عن هذه الآية فقال هو أن ينفق العبد المال و هو شحيح يأمل الدنيا و يخاف الفقر .
النظم
وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنه لما ذكر في الآية الأولى « لن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا » وصل ذلك بقوله « لن تنالوا البر حتى تنفقوا » لئلا يؤدي امتناع غناء الفدية إلى الفتور في الصدقة و ما جرى مجراها من وجوه الطاعة .

(2/306)


* كلُّ الطعَامِ كانَ حِلاًّ لِّبَنى إِسرءِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسرءِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صدِقِينَ(93) فَمَنِ افْترَى عَلى اللَّهِ الكَذِب مِن بَعْدِ ذَلِك فَأُولَئك هُمُ الظلِمُونَ(94)
اللغة
الافتراء اقتراف الكذب و أصله قطع ما قدر من الأديم يفريه فريا إذا قطعه و على للاستعلاء و معناه هنا إضافة الكذب إلى النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) من جهة أنه أمر بما لم يأمر به الله و أوجب ما لم يوجبه الله و فرق بين من كذب عليه و كذب له لأن من كذب عليه يفيد أنه كذب فيما يكرهه و كذب له يجوز أن يكون فيما يريده .
النزول
أنكر اليهود تحليل النبي لحوم الإبل فقال كل ذلك كان حلا لإبراهيم فقالت اليهود كل شيء تحرمه فإنه محرم على نوح و إبراهيم و هلم جرا حتى انتهى إلينا فنزلت الآية عن الكلبي و أبي روق .
المعنى
« كل الطعام » أي كل المأكولات « كان حلا » أي كان حلالا « لبني إسرائيل » و إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم « إلا ما حرم إسرائيل » أي يعقوب « على نفسه » اختلفوا في ذلك الطعام فقيل أن يعقوب أخذه وجع العرق الذي يقال له عرق النساء فنذر إن شفاه الله أن يحرم العروق و لحم الإبل و هو أحب الطعام إليه عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و الضحاك و قيل حرم إسرائيل على نفسه لحم الجزور تعبدا لله تعالى و سأل الله أن يجيز له فحرم الله ذلك على ولده عن الحسن و قيل حرم زائدتي الكبد و الكليتين و الشحم إلا ما حملته الظهور عن عكرمة و اختلف في أنه كيف حرمه على نفسه فقيل بالاجتهاد و قيل بالنذر و قيل بنص ورد عليه و قيل حرمه كما يحرم المستظهر في دينه من الزهاد اللذة على نفسه « من قبل أن تنزل التوراة » معناه أن كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل قبل أن تنزل التوراة على موسى فإنها تضمنت تحريم بعض ما كان حلالا لبني إسرائيل و اختلفوا فيما حرم عليهم و حالها بعد نزول التوراة فقيل أنه حرم عليهم ما كانوا يحرمونه قبل نزولها اقتداء بأبيهم يعقوب (عليه السلام) عن السدي و قيل لم يحرم الله عليهم في التوراة و إنما حرم عليهم بعد التوراة بظلمهم و كفرهم و كانت بنو إسرائيل إذا أصابوا ذنبا عظيما حرم الله عليهم طعاما طيبا و صب عليهم رجزا و هو الموت و ذلك قوله « فبظلم من

(2/307)


الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم » عن الكلبي و قيل لم يكن شيء من ذلك حراما عليهم في التوراة و إنما هو شيء حرموه على أنفسهم اتباعا لأبيهم و أضافوا تحريمه إلى الله تعالى عن الضحاك فكذبهم الله و قال « قل » يا محمد « فأتوا بالتوراة فاتلوها » حتى يتبين أنه كما قلت لا كما قلتم « إن كنتم صادقين » في دعواكم فاحتج عليهم بالتوراة و أمرهم بالإتيان بها و إن لم يقرءوا ما فيها فإن كان في التوراة أنها كانت حلالا للأنبياء و إنما حرمها إسرائيل فلم يجسروا على إتيان التوراة لعلمهم بصدق النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و بكذبهم و كان ذلك دليلا ظاهرا على صحة نبوة نبينا محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) إذ علم بأن في التوراة ما يدل على كذبهم من غير تعلم التوراة و قراءتها « فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك » أي فمن افترى الكذب على الله تعالى من بعد قيام الحجة و ظهور البينة « فأولئك » هم المفترون على الله الكذب و « هم الظالمون » لأنفسهم بفعل ما أوجب العقاب عليهم و إنما قال « من بعد ذلك » مع أنه يستحق الوعيد بالكذب على الله على كل حال لأنه أراد بيان أنه إنما يؤاخذ به بعد إقامة الحجة عليه و من كذب فيما ليس بمحجوج فيه جرى مجرى الصبي الذي لا يستحق الوعيد بكذبه .
النظم
و وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنها تفصيل للجملة المتقدمة فإنه ذكر الترغيب في الإنفاق من المحبوب و الطعام مما يجب فرغب فيه و ذكر حكمه عن علي بن عيسى و قيل أنه لما تقدم محاجتهم في ملة إبراهيم و كان فيما أنكروا على نبينا (صلى الله عليهوآلهوسلّم) تحليل لحم الجزور و ادعوا تحريمه على إبراهيم (عليه السلام) و أن ذلك مذكور في التوراة فأنزل الله هذه الآية تكذيبا لهم .
قُلْ صدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفاً وَ مَا كانَ مِنَ المُْشرِكِينَ(95)
اللغة
الاتباع لحاق الثاني بالأول لما له به من التعلق فالقوة للأول و الثاني يستمد منه و التابع ثان متدبر بتدبير الأول متصرف بتصريفه في نفسه و أصل الحنيف الاستقامة و إنما وصف المائل القدم بأحنف تفاؤلا و قيل أصله الميل فالحنيف هو المائل إلى الحق فيما كان عليه إبراهيم من الشرع .
المعنى
ثم بين تعالى أن الصدق فيما أخبر به فقال « قل صدق الله » في أن كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه و في أن محمدا (صلى الله عليهوآلهوسلّم) على دين

(2/308)


إبراهيم و أن دينه الإسلام « فاتبعوا ملة إبراهيم » في استباحة لحوم الإبل و ألبانها « حنيفا » أي مستقيما على الدين الذي هو شريعته في حجة و نسكه و طيب مأكله و تلك الشريعة هي الحنيفية و قيل مائلا عن سائر الأديان الباطلة إلى دين الحق « و ما كان من المشركين » برأ الله تعالى إبراهيم مما كان ينسبه اليهود و النصارى إليه بزعمهم أنهم على دينه و كذلك مشركو العرب و أخبر أن إبراهيم كان بريئا من المشركين و دينهم و الصحيح أن نبينا (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لم يكن متعبدا بشريعة من تقدم من الأنبياء و لكن وافقت شريعته شريعة إبراهيم فلذلك قال « فاتبعوا ملة إبراهيم » و إلا فالله تعالى هو الذي أوحى بها إليه و أوجبها عليه و كانت شريعة له و إنما رغب الله في شريعة الإسلام بأنها ملة إبراهيم لأن المصالح إذا وافقت ما تسكن إليه النفس و يقبله العقل بغير كلفة كانت أحق بالرغبة فيها و كان المشركون يميلون إلى اتباع ملة إبراهيم (عليه السلام) فلذلك خوطبوا بذلك .
إِنَّ أَوَّلَ بَيْت وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَ هُدًى لِّلْعَلَمِينَ(96) فِيهِ ءَايَت بَيِّنَتٌ مَّقَامُ إِبْرَهِيمَ وَ مَن دَخَلَهُ كانَ ءَامِناً وَ للَّهِ عَلى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ استَطاعَ إِلَيْهِ سبِيلاً وَ مَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ(97)
القراءة
قرأ أهل الكوفة غير أبي بكر و أبي جعفر « حج البيت » بكسر الحاء و الباقون بفتحها .
الحجة
قال سيبويه حج حجا مثل ذكر ذكرا فحج على هذا مصدر فهذا حجة لمن كسر الحاء و قال أبو زيد الحجج السنون واحدتها حجة قال أبو علي يدل على ذلك قوله ثماني حجج قال الحجة من حج البيت الواحدة قال سيبويه قالوا حجة أرادوا عمل سنة و لم يجيئوا بها على الأصل و لكنه اسم له فقوله لم يجيئوا بها على الأصل أراد أنه للدفعة من الفعل و لكن كسروه فجعلوه اسما لهذا المعنى كما قالوا غزاة لعمل وجه واحد و لم يجيء فيه الغزوة و كان القياس .
اللغة
أول الشيء ابتداؤه و يجوز أن يكون المبتدأ له آخر و يجوز أن لا يكون آخر

(2/309)


له لأن الواحد أول العدد و لا نهاية لآخره و نعيم أهل الجنة له أول و لا نهاية له و أصل بكة البك و هو الزحم يقال بكة يبكه بكا إذا زحمه و يباك الناس إذا ازدحموا فبكة مزدحم الناس للطواف و هو ما حول الكعبة من داخل المسجد الحرام و قيل سميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة إذا ألحدوا فيها بظلم و لم يمهلوا و البك دق العنق و أما مكة فيجوز أن يكون اشتقاقها كاشتقاق بكة و إبدال الميم من الباء كقوله ( ضربة لازب و لازم ) و يجوز أن يكون من قولهم أمتك الفصيل ما في ضرع الناقة إذا مص مصا شديدا حتى لا يبقى منه شيء و مك المشاش مكا إذا تمشش بفيه فسميت مكة بذلك لقلة مائها و أصل البركة الثبوت من قولهم برك بروكا أو بركا إذا ثبت على حاله فالبركة ثبوت الخير بنموه و منه البركة شبه الحوض يمسك الماء لثبوته فيه و منه قول الناس تبارك الله لثبوته لم يزل و لا يزال وحده .
الإعراب
قوله تعالى « مباركا » نصب على الحال بالظرف من ببكة على معنى الذي استقر ببكة مباركا و يجوز أن يكون من الضمير في وضع كأنه قيل وضع مباركا و على هذا يجوز أن يكون قد وضع قبله بيت و لا يجوز في التقدير الأول و أما رفع مقام إبراهيم فلأنه خبر مبتدإ محذوف و تقديره هي مقام إبراهيم عن الأخفش و قيل هو بدل من آيات عن أبي مسلم و « من استطاع إليه سبيلا » في موضع جر بدلا من الناس و هو بدل البعض من الكل .
النزول
قال مجاهد تفاخر المسلمون و اليهود فقالت اليهود بيت المقدس أفضل و أعظم من الكعبة لأنه مهاجر الأنبياء و الأرض المقدسة و قال المسلمون بل الكعبة أفضل فأنزل الله تعالى « إن أول بيت » .
المعنى
« إن أول بيت وضع للناس » أي بني للناس و لم يكن قبله بيت مبني و إنما دحيت الأرض من تحتها و هو أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق الله تعالى السماء و الأرض من تحتها و هو خلقة الله قبل الأرض بألفي عام و كانت زبدة بيضاء على الماء عن مجاهد و قتادة و السدي و روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال أنها كانت مهاة بيضاء يعني درة بيضاء و روى أبو خديجة عنه (عليه السلام) قال إن الله أنزله لآدم من الجنة و كان درة بيضاء فرفعه الله تعالى إلى السماء و بقي رأسه و هو بحيال هذا البيت يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يرجعون إليه أبدا فأمر الله تعالى إبراهيم (عليه السلام) و إسماعيل (عليه السلام) ببنيان البيت على القواعد و قيل معناه إن أول بيت وضع للعبادة و لم يكن قبله بيت يحج إليه البيت الحرام و قد كانت قبله بيوت كثيرة و لكنه أول بيت مبارك و هدى وضع للناس عن علي (عليه السلام) )

(2/310)


و الحسن و قيل أول بيت رغب فيه و طلب منه البركة مكة عن الضحاك و روى أصحابنا أن أول شيء خلقه الله من الأرض موضع الكعبة ثم دحيت الأرض من تحتها و روى أبو ذر أنه سئل النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) عن أول مسجد وضع للناس فقال المسجد الحرام ثم بيت المقدس « للذي ببكة » قيل بكة المسجد و مكة الحرام كله يدخل فيه البيوت عن الزهري و ضمرة بن ربيعة و هو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) و قيل بكة بطن مكة عن أبي عبيدة و قيل بكة موضع البيت و المطاف و مكة اسم البلدة و عليه الأكثر و قيل بكة هي مكة و العرب تبدل الباء ميما مثل سبد رأسه و سمده عن مجاهد و الضحاك « مباركا » يعني كثير الخير و البركة و قيل مباركا لثبوت العبادة فيه دائما حتى يحكى على أن الطواف به لا ينقطع أبدا و قيل لأنه يضاعف فيه ثواب العبادة عن ابن عباس و رووا فيه حديثا طويلا و قيل لأنه يغفر فيه الذنوب و يجوز حمله على الجميع إذ لا تنافي « و هدى للعالمين » أي دلالة لهم على الله تعالى لإهلاكه كل من قصده من الجبابرة كأصحاب الفيل و غيرهم و باجتماع الظبي في حرمه مع الكلب و الذئب فلا ينفر عنه مع نفرته عنه في غيره من البلاد و بانمحاق الجمار على كثرة الرماة فلو لا أنها ترفع لكان يجتمع هناك من الحجارة مثل الجبال و باستئناس الطيور فيه بالناس و باستشفاء المريض بالبيت و بأن لا يعلوه طير إعظاما له إلى غير ذلك من الدلالات و قيل معناه أنهم يهتدون به إلى جهة صلاتهم أو يهتدون إلى الجنة بحجة و طوافه « فيه آيات بينات » أي دلالات واضحات و الهاء في فيه عائد إلى البيت و روي عن ابن عباس أنه قرأ فيه آية بينة مقام إبراهيم فجعل مقام إبراهيم وحده هو الآية و قال أثر قدميه في المقام آية بينة و الأول عليه القراء و المفسرون أرادوا مقام إبراهيم و الحجر الأسود و الحطيم و زمزم و المشاعر كلها و أركان البيت و ازدحام الناس عليها و تعظيمهم لها و قد مضى ذكر مقام إبراهيم في سورة البقرة و سئل الصادق (عليه السلام) عن الحطيم فقال هو ما بين الحجر الأسود و الباب قيل و لم سمي الحطيم قال لأن الناس يحطم بعضهم بعضا و هو الموضع الذي فيه تاب الله على آدم و قال (عليه السلام) إن تهيأ لك أن تصلي صلاتك كلها الفرائض و غيرها عند الحطيم فافعل فإنه أفضل بقعة على وجه الأرض و بعده الصلاة في الحجر أفضل و روي عن أبي حمزة الثمالي قال قال لنا علي بن الحسين أي البقاع أفضل فقلنا الله تعالى و رسوله و ابن رسوله أعلم فقال لنا أفضل البقاع ما بين الركن و المقام و لو أن رجلا عمر ما عمر نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يصوم النهار و يقوم الليل في ذلك المكان ثم لقي الله تعالى بغير ولايتنا لا ينفعه ذلك شيئا و قال الصادق (عليه السلام) الركن اليماني بابنا الذي ندخل منه الجنة و روي أنه من روي من ماء زمزم أحدث له به شفاء و صرف عنه داء قال

(2/311)


المفسرون و من تلك الآيات مقام إبراهيم (عليه السلام) و أمن الداخل فيه و أمن الوحوش من السباع الضارية و أنه ما علا عبد على الكعبة إلا عتق و إذا كان الغيث من ناحية الركن اليماني كان الخصب باليمن و إذا كان من ناحية الركن الشامي كان الخصب بالشام و إذا عم البيت كان في جميع البلدان و سائر ما ذكرناه قبل من الآيات و قوله « و من دخله كان آمنا » عطف على مقام إبراهيم و في مقام إبراهيم دلالة واضحة لأنه حجر صلد يرى فيه أثر قدميه و لا يقدر أحد أن يجعل الحجر كالطين إلا الله و روي عن ابن عباس أنه قال أن الحرم كله مقام إبراهيم و من دخل مقام إبراهيم يعني الحرم كان آمنا و قيل فيه أقوال ( أحدها ) إن الله عطف قلوب العرب في الجاهلية على ترك التعرض لمن لاذ بالحرم و التجأ إليه و إن كثرت جريمته و لم يزده الإسلام إلا شدة عن الحسن ( و ثانيها ) أنه خبر و المراد به الأمر و معناه أن من وجب عليه حد فلاذ بالحرم لا يبايع و لا يشاري و لا يعامل حتى يخرج من الحرم فيقام عليه الحد عن ابن عباس و ابن عمر و هو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) و أبي عبد الله (عليه السلام) و على هذا يكون تقديره و من دخله فأمنوه ( و ثالثها ) إن معناه من دخله عارفا بجميع ما أوجبه الله عليه كان آمنا في الآخرة من العذاب الدائم و هو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) و أجمعت الأمة على أن من أصاب فيه ما يوجب الحد أقيم عليه الحد فيه ثم لما بين الله فضيلة بيته الحرام عقبه بذكر وجوب حجة الإسلام فقال « و لله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا » و معناه و لله على من استطاع إلى حج البيت سبيلا من الناس حج البيت أي من وجد إليه طريقا بنفسه و ماله و اختلف في الاستطاعة فقيل هي الزاد و الراحلة عن ابن عباس و ابن عمر و قيل ما يمكنه معه بلوغ مكة بأي وجه يمكن عن الحسن و معناه القدرة على الوصول إليه و المروي عن أئمتنا أنه وجود الزاد و الراحلة و نفقة من يلزمه نفقته و الرجوع إلى كفاية إما من مال أو ضياع أو حرفة مع الصحة في النفس و تخلية السرب من الموانع و إمكان السير « و من كفر » معناه و من جحد فرض الحج و لم يره واجبا عن ابن عباس و الحسن « فإن الله غني عن العالمين » لم يتعبدهم بالعبادة لحاجته إليها و إنما تعبدهم بها لما علم فيها من مصالحهم و قيل إن المعني به اليهود فإنه لما نزل قوله « و من يبتغ غير الإسلام دينا » فلن يقبل منه قالوا نحن مسلمون فأمروا بالحج فلم يحجوا و على هذا يكون معنى « من كفر » من ترك الحج من هؤلاء فهو كافر و الله غني عن العالمين و قيل المراد به كفران النعمة لأن امتثال أمر الله شكر لنعمته و قد روي عن أبي أمامة عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال من لم يحبسه حاجة ظاهرة من مرض حابس أو سلطان جائر و لم يحج فليمت إن شاء يهوديا و إن شاء نصرانيا و روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال

(2/312)


رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) الحج و العمرة ينفيان الفقر و الذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد و في هذه الآية دلالة على فساد قول من قال إن الاستطاعة مع الفعل لأن الله أوجب الحج على المستطيع و لم يوجب على غير المستطيع و ذلك لا يمكن إلا قبل فعل الحج .
النظم
وجه اتصال الآية بما قبلها إن الله تعالى أمر أهل الكتاب باتباع ملة إبراهيم و من ملته تعظيم بيت الله الحرام فذكر تعالى البيت و فضله و حرمته و ما يتعلق به في قوله « إن أول بيت وضع للناس » .
قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِئَايَتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ شهِيدٌ عَلى مَا تَعْمَلُونَ(98) قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَصدُّونَ عَن سبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونهَا عِوَجاً وَ أَنتُمْ شهَدَاءُ وَ مَا اللَّهُ بِغَفِل عَمَّا تَعْمَلُونَ(99)
اللغة
البغية الطلب يقال بغيت الشيء أبغيه قال عبد بني الحسحاس :
بغاك و ما تبغيه حتى وجدته
كأنك قد واعدته أمس موعدا أي طلبك و ما تطلبه و يقال ابغني بكذا بكسر الهمزة أي اطلبه لي و أصله ابغ لي فحذفت اللام لكثرة الاستعمال و إذا قلت أبغني بفتح الهمزة فمعناه أعني على طلبه و مثله احملني و احمل لي و احلب لي و احلبني أي أعني على الحلبة و العوج بفتح العين ميل كل شيء منتصب نحو القناة و الحائط و بكسر العين هو الميل عن طريق الاستواء في طريق الدين و في القول و في الأرض و منه قوله لا ترى فيه عوجا و لا أمتا .
الإعراب
« من آمن » في موضع نصب بأنه مفعول تصدون و الكناية في قوله « تبغونها » راجعة إلى السبيل .
المعنى
ثم عاد سبحانه الكلام إلى حجاج أهل الكتاب فقال مخاطبا للنبي يأمره بخطاب اليهود و النصارى و قيل اليهود خاصة « قل يا أهل الكتاب » أي قل يا محمد لهم

(2/313)


« لم تكفرون ب آيات الله » أي بالمعجزات التي أتاها محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و العلامات التي وافقت في صفته ما تقدمت البشارة به و سماهم أهل الكتاب و إن لم يعملوا به و لم يجز مثل ذلك في أهل القرآن لوجهين ( أحدهما ) أن القرآن اسم خاص لكتاب الله تعالى و أما الكتاب فلا ينبىء عن ذلك بل يجوز أن يراد به يا أهل الكتاب المحرف عن وجهته ( و الثاني ) الاحتجاج عليهم بالكتاب لإقرارهم به فكأنه قيل يا من يقر بأنه من أهل كتاب الله لم تكفرون ب آيات الله و اللفظ لفظ الاستفهام و المراد به التوبيخ و إنما جاز التوبيخ على لفظ الاستفهام من حيث أنه سؤال يعجز عن إقامة العذر فكأنه قال هاتوا العذر في ذلك إن أمكنكم « و الله شهيد على ما تعملون » أي حفيظ على أعمالكم محص لها ليجازيكم عليها قيل معناه مطلع عليها عالم بها مع قيام الحجة عليكم فيها و قال عز اسمه في هذا الموضع « قل يا أهل الكتاب » و في موضع آخر يا أهل الكتاب لأنه تعالى خاطبهم في موضع على جهة التلطف في استدعائهم إلى الإيمان و أعرض عن خطابهم في موضع آخر و أمر سبحانه نبيه استخفافا بهم لصدهم عن الحق « قل » يا محمد « يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن » أي لم تمنعون المؤمنين عن دين الإسلام الذي هو دين الله و سبيله و اختلف في كيفية صدهم عن سبيل الله فقيل أنهم كانوا يغرون بين الأوس و الخزرج بتذكيرهم الحروب التي كانت بينهم في الجاهلية حتى تدخلهم الحمية و العصبية فينسلخون عن الدين عن زيد بن أسلم فعلى هذا يكون الآية في اليهود خاصة و قيل الآية في اليهود و النصارى و معناه لم تصدون بالتكذيب بالنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و إن صفته ليست في كتبكم عن الحسن و قيل بالتحريف و البهت عن الأصم « تبغونها عوجا » أي تطلبون لسبيل الله عوجا عن سمت الحق و هو الضلال فكأنه قال تبغونها ضلالا بالشبه التي تدخلونها على الناس و قيل معناه تطلبون ذلك السبيل لا على وجه الاستقامة أي على غير الوجه الذي ينبغي أن يطلب و قوله « و أنتم شهداء » فيه قولان - ( أحدهما ) - أن معناه أنتم شهداء بتقديم البشارة بمحمد في كتبكم فكيف تصدون عنه من يطلبه و تريدون عدوله عنه - ( و الآخر ) - أن المراد و أنتم عقلاء كما قال أو ألقى السمع و هو شهيد أي عاقل و ذلك أنه يشهد الذي يميز به بين الحق و الباطل فيما يتعلق بالدين « و ما الله بغافل عما تعملون » هذا تهديد لهم على الكفر .

(2/314)


يَأَيهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَب يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَنِكُمْ كَفِرِينَ(100) وَ كَيْف تَكْفُرُونَ وَ أَنتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ ءَايَت اللَّهِ وَ فِيكمْ رَسولُهُ وَ مَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِى إِلى صرَط مُّستَقِيم(101)
اللغة
الطاعة موافقة الإرادة الجاذبة للفعل بالترغيب فيه و الإجابة موافقة الإرادة الداعية إلى الفعل و لذلك يجوز أن يكون الله مجيبا إلى عبده إذا فعل ما دعا العبد به و لم يجز أن يكون مطيعا له و أصل الاعتصام الامتناع و عصمه يعصمه إذا منعه و لا عاصم اليوم من أمر الله أي و لا مانع و العصام الحبل لأنه يعتصم به و العصم الأوعال لامتناعها بالجبال .
النزول
نزلت في الأوس و الخزرج لما أغرى قوم من اليهود بينكم بذكر حروبهم في الجاهلية ليفتنوهم عن دينهم عن زيد بن أسلم و السدي و قيل نزل قوله « و كيف تكفرون » في مشركي العرب عن الحسن .
المعنى
ثم حذر المؤمنين عن قبول قولهم فقال « يا أيها الذين آمنوا » أي صدقوا الله و رسوله و هو خطاب للأوس و الخزرج و يدخل غيرهم من المؤمنين في عموم اللفظ « إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب » معناه إن تطيعوا هؤلاء اليهود في قبول قولهم و إحياء الضغائن التي كانت بينكم في الجاهلية « يردوكم بعد إيمانكم كافرين » أي يرجعوكم كفارا بعد إيمانكم ثم أكد تعالى الأمر و عظم الشأن فقال « و كيف تكفرون » أي و على أي حال يقع منكم الكفر « و أنتم تتلى عليكم آيات الله » و هذا استبعاد أن يقع منهم الكفر مع معرفتهم ب آيات الله و فيهم داع يدعوهم إلى الإيمان و قيل هو على التعجيب أي لا ينبغي لكم أن تكفروا مع ما يقرأ عليكم في القرآن المجيد من الآيات الدالة على وحدانية الله و نبوة نبيه (صلى الله عليهوآلهوسلّم) « و فيكم رسوله » يعني محمدا ترون معجزاته و الكفر و إن كان فظيعا في كل حال فهو في مثل هذه الحالة أفظع و يجوز أن يكون المراد بقوله « و فيكم رسوله » القوم الذين كان النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) بين أظهرهم خاصة و يجوز أن يكون المراد به جميع أمته لأن آثاره و علاماته من القرآن و غيره فينا قائمة باقية و ذلك بمنزلة وجوده فينا حيا « و من يعتصم

(2/315)


بالله » أي يتمسك بكتابه و آياته و بدينه و قيل من يمتنع بالله عمن سواه بأن يعبده لا يشرك به شيئا و قيل من يمتنع عن الكفر و الهلاك بالإيمان بالله و برسوله « فقد هدي إلى صراط مستقيم » أي إلى طريق واضح قال قتادة في هذه الآية علمان بينان كتاب الله و نبي الله فأما نبي الله فقد مضى و أما كتاب الله فأبقاه الله بين أظهركم رحمة منه و نعمة فيه حلاله و حرامه و طاعته و معصيته و قيل أنهم قد شاهدوا في نفسه (صلى الله عليهوآلهوسلّم) معجزات كثيرة منها أنه كان يرى من خلفه كما يرى من قدامه و منها أنه كان ينام عينه و لا ينام قلبه و منها أن ظله لم يقع على الأرض و منها أن الذباب لم يقع عليه و منها أن الأرض كانت تبتلع ما يخرج منه و كان لا يرى له بول و لا غائط و منها أنه كان لا يطوله أحد و إن طال و منها أنه كان بين كتفيه خاتم النبوة و منها أنه كان إذا مر بموضع يعلمه الناس لطيبه و منها أنه كان يسطع نور من جبهته في الليلة المظلمة و منها أنه قد ولد مختونا إلى غير ذلك من الآيات .
يَأَيهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَ لا تمُوتُنَّ إِلا وَ أَنتُم مُّسلِمُونَ(102) وَ اعْتَصِمُوا بحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا وَ اذْكُرُوا نِعْمَت اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّف بَينَ قُلُوبِكُمْ فَأَصبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَ كُنتُمْ عَلى شفَا حُفْرَة مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنهَا كَذَلِك يُبَينُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ لَعَلَّكمْ تهْتَدُونَ(103)
اللغة
تقاة من وقيت قال الزجاج يجوز فيه ثلاثة أوجه تقاة و وقاة و أقاة حمله على قياس وجوه و أجوه و إن كان هذا المثال لم يجيء منه شيء على الأصل نحو تخمة و تكأة غير أنه حمله على الأكثر من نظائره و الحبل السبب الذي يوصل به إلى البغية كالحبل الذي يتمسك به للنجاة من بئر أو نحوها و منه الحبل للأمان لأنه سبب النجاة قال الأعشى :
و إذا تجوزها حبال قبيلة
أخذت من الأخرى إليك حبالها

(2/316)


و منه الحبل للحمل في البطن و أصل الحبل المفتول قال ذو الرمة :
هل حبل خرقاء بعد اليوم مرموم
أم هل لها آخر الأيام تكليم و شفا الشيء مقصور حرفه و يثني شفوان و جمعه أشفاء و أشفى على الشيء أشرف عليه و أشفى المريض على الموت من ذلك .
الإعراب
قوله « و أنتم مسلمون » جملة في موضع الحال و قوله « جميعا » نصب على الحال أيضا أي و اعتصموا في حال اجتماعكم أي كونوا مجتمعين على الاعتصام لا تفرقوا أصله أي لا تتفرقوا فحذف أحد التاءين كراهة لاجتماع المثلين و المحذوفة الثانية لأن الأولى علامة للاستقبال و هو مجزوم بالنهي و علامة الجزم سقوط النون و قوله تعالى « فأنقذكم منها » الكناية في منها عادت إلى الحفرة و ترك شفا و مثله قول العجاج :
طول الليالي أسرعت في نقضي
طوين طولي و طوين عرضي فترك الطول و أخبر عن الليالي .
النزول
قال مقاتل افتخر رجلان من الأوس و الخزرج ثعلبة بن غنم من الأوس و أسعد بن زرارة من الخزرج فقال الأوسي منا خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين و منا حنظلة غسيل الملائكة و منا عاصم بن ثابت بن أفلح حمي الدين و منا سعد بن معاذ الذي اهتز عرش الرحمن له و رضي الله بحكمه في بني قريظة و قال الخزرجي منا أربعة أحكموا القرآن أبي بن كعب و معاذ بن جبل و زيد بن ثابت و أبو زيد و منا سعد بن عبادة خطيب الأنصار و رئيسهم فجرى الحديث بينهما فغضبا و تفاخرا و ناديا فجاء الأوس إلى الأوسي و الخزرج إلى الخزرجي و معهم السلاح فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فركب حمارا و أتاهم فأنزل الله هذه الآيات فقرأها عليهم فاصطلحوا .
المعنى
لما نهى تعالى عن قبول أقوال الكافرين بين في هذه الآية ما يجب قبوله فقال « يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته » معناه و اتقوا عذاب الله أي احترسوا و امتنعوا بالطاعة من عذاب الله كما يحق فكما يجب أن يتقي ينبغي أن يحترس منه و ذكر في قوله « حق تقاته » وجوه ( أحدها ) إن معناه أن يطاع فلا يعصى و يشكر فلا يكفر و يذكر فلا ينسى عن ابن عباس و ابن مسعود و الحسن و قتادة و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) ( و ثانيها ) أنه اتقاء جميع معاصيه عن أبي علي الجبائي ( و ثالثها ) أنه المجاهدة في

(2/317)


الله تعالى و أن لا تأخذه فيه لومة لائم و أن يقام له بالقسط في الخوف و الأمن عن مجاهد ثم اختلف فيه أيضا على قولين ( أحدهما ) أنه منسوخ بقوله « فاتقوا الله ما استطعتم » عن قتادة و الربيع و السدي و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله ( و الآخر ) أنه غير منسوخ عن ابن عباس و طاووس و أنكر الجبائي نسخ الآية لما فيه من إباحة بعض المعاصي قال الرماني و الذي عندي أنه إذا وجه قوله « و اتقوا الله حق تقاته » على أن يقوموا له بالحق في الخوف و الأمن لم يدخل عليه ما ذكره أبو علي لأنه لا يمتنع أن يكون أوجب عليهم أن يتقوا الله على كل حال ثم أباح ترك الواجب عند الخوف على النفس كما قال إلا من أكره و قلبه مطمئن بالإيمان و قوله « و لا تموتن إلا و أنتم مسلمون » و قد ذكرنا في سورة البقرة أن معناه لا تتركوا الإسلام و كونوا عليه حتى إذا ورد عليكم الموت صادفكم عليه و إنما كان بلفظ النهي عن الموت من حيث أن الموت لا بد منه و إنما النهي في الحقيقة عن ترك الإسلام لأن لا يهلكوا بالانقطاع عن التمكن منه بالموت إلا أنه وضع كلام موضع كلام على جهة التصرف و الإبدال بحسن الاستعارة و زوال اللبس و روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) و أنتم مسلمون بالتشديد و معناه مستسلمون لما أتى به النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) مقادون له « و اعتصموا بحبل الله » أي تمسكوا به و قيل امتنعوا به من غيره و قيل في معنى حبل الله أقوال ( أحدها ) أنه القرآن عن أبي سعيد الخدري و عبد الله و قتادة و السدي و يروي ذلك مرفوعا ( و ثانيها ) أنه دين الله الإسلام عن ابن عباس و أبي زيد ( و ثالثها ) ما رواه أبان بن تغلب عن جعفر بن محمد (عليهماالسلام) قال نحن حبل الله الذي قال « و اعتصموا بحبل الله جميعا » و الأولى حمله على الجميع و الذي يؤيده ما رواه أبو سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال أيها الناس إني قد تركت فيكم حبلين إن أخذتم بهما لن تضلوا بعدي أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض و عترتي أهل بيتي ألا و إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض « و لا تفرقوا » معناه و لا تتفرقوا عن دين الله الذي أمركم فيه بلزوم الجماعة و الائتلاف على الطاعة و أثبتوا عليه عن ابن مسعود و قتادة و قيل معناه لا تتفرقوا عن رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) عن الحسن و قيل عن القرآن بترك العمل به « و اذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم » قيل أراد ما كان بين الأوس و الخزرج من الحروب التي تطاولت مائة و عشرين سنة إلى أن ألف الله بين قلوبهم بالإسلام فزالت تلك الأحقاد عن ابن عباس و قيل هو ما كان بين مشركي العرب من الطوائل عن الحسن و المعنى احفظوا نعمة الله و منته عليكم بالإسلام و بالائتلاف و رفع ما كان بينكم من التنازع و الاختلاف فهذا هو النفع الحاصل لكم في العاجل مع ما أعد لكم من الثواب الجزيل في الأجل « إذ كنتم

(2/318)


أعداء فألف بين قلوبكم » بجمعكم على الإسلام و رفع البغضاء و الشحناء عن قلوبكم « فأصبحتم بنعمته » أي بنعمة الله « إخوانا » متواصلين و أحبابا متحابين بعد أن كنتم متحاربين متعادين و صرتم بحيث يقصد كل واحد منكم مراد الآخرين لأن أصل الأخ من توخيت الشيء إذا قصدته و طلبته « و كنتم على شفا حفرة من النار » أي و كنتم يا أصحاب محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) على طرف حفرة من جهنم لم يكن بينها و بينكم إلا الموت فأنقذكم الله منها بأن أرسل إليكم رسولا و هداكم للإيمان و دعاكم إليه فنجوتم بإجابته من النار و إنما قال « فأنقذكم منها » و إن لم يكونوا فيها لأنهم كانوا بمنزلة من هو فيها من حيث كانوا مستحقين لدخولها قال أبو الجوزاء قرأ ابن عباس « و كنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها » و أعرابي يسمع فقال و الله ما أنقذهم منها و هو يريد أن يقحمهم فيها فقال ابن عباس اكتبوها من غير فقيه « كذلك يبين الله لكم آياته » أي مثل البيان الذي تلي عليكم يبين الله لكم الآيات أي الدلالات و الحجج فيما أمركم به و نهاكم عنه « لعلكم تهتدون » أي لكي تهتدوا إلى الحق و الصواب .
وَ لْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلى الخَْيرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالمَْعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ أُولَئك هُمُ الْمُفْلِحُونَ(104) وَ لا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَ اخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَت وَ أُولَئك لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(105)
اللغة
الأمة اشتقاقها من الأم الذي هو القصد في اللغة تستعمل على ثمانية أوجه منها الجماعة و منها اتباع الأنبياء لاجتماعهم على مقصد واحد و منها القدوة لأنه يأتم به الجماعة و منها الدين و الملة كقوله « إنا وجدنا آباءنا على أمة » و منها الحين و الزمان كقوله تعالى « و ادكر بعد أمة » و إلى أمة معدودة و منها القامة يقال رجل حسن الأمة أي القامة و منها النعمة و منها الأمة بمعنى الأم .
الإعراب
« منكم أمة » من هاهنا للتبعيض على قول أكثر المفسرين لأن الأمر بالمعروف و إنكار المنكر ليسا بفرضين على الأعيان و هما من فروض الكفايات فأي فرقة قامت بهما سقطا عن الباقين و من قال إنهما من فروض الأعيان قال أن من هاهنا للتبيين و لتخصيص المخاطبة دون سائر الأجناس كقوله فاجتنبوا الرجس من الأوثان و قول الشاعر :

(2/319)


أخو رغائب يعطيها و يسلبها
يأبى الظلامة منه النوفل الزفر لأنه وصفه بإعطاء الرغائب و النوفل الكثير الإعطاء و الزفر الذي يحمل الأثقال .
المعنى
« و لتكن منكم أمة » أي جماعة « يدعون إلى الخير » أي إلى الدين « و يأمرون بالمعروف » أي بالطاعة « و ينهون عن المنكر » أي عن المعصية « و أولئك هم المفلحون » أي الفائزون و قيل كل ما أمر الله و رسوله به فهو معروف و ما نهى الله و رسوله عنه فهو منكر و قيل المعروف ما يعرف حسنه عقلا أو شرعا و المنكر ما ينكره العقل أو الشرع و هذا يرجع في المعنى إلى الأول و يروى عن أبي عبد الله (عليه السلام) و لتكن منكم أئمة و كنتم خير أئمة أخرجت للناس و في هذه الآية دلالة على وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و عظم موقعهما و محلهما من الدين لأنه تعالى علق الفلاح بهما و أكثر المتكلمين على أنهما من فروض الكفايات و منهم من قال إنهما من فروض الأعيان و اختاره الشيخ أبو جعفر ( ره ) و الصحيح أن ذلك إنما يجب في السمع و ليس في العقل ما يدل على وجوبه إلا إذا كان على سبيل دفع الضرر و قال أبو علي الجبائي يجب عقلا و السمع يؤكده و مما ورد فيه ما رواه الحسن عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال من أمر بالمعروف و نهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه و خليفة رسول الله و خليفة كتابه و عن درة ابنة أبي لهب قالت جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و هو على المنبر فقال يا رسول الله من خير الناس قال آمرهم بالمعروف و أنهاهم عن المنكر و أتقاهم لله و أرضاهم و قال أبو الدرداء لتأمرن بالمعروف و لتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم سلطانا ظالما لا يجل كبيركم و لا يرحم صغيركم و تدعو خياركم فلا يستجاب لهم و تستنصرون فلا تنصرون و تستغيثون فلا تغاثون و تستغفرون فلا تغفرون و قال حذيفة يأتي على الناس زمان لأن يكون فيهم جيفة حمار أحب إليهم من مؤمن يأمرهم بالمعروف و ينهاهم عن المنكر ثم أمر سبحانه بالجماعة و ترك التفرق فقال سبحانه « و لا تكونوا كالذين تفرقوا » في الدين و هم اليهود و النصارى « و اختلفوا » قيل معناه تفرقوا أيضا و ذكرهما للتأكيد و اختلاف اللفظين كقول الشاعر :
متى أدن منه ينأ عني و يبعد و قيل معناه كالذين تفرقوا بالعداوة و اختلفوا في الديانة « من بعد ما جاءهم البينات » أي الحجج و الكتب و بين لهم الطرق « و أولئك لهم عذاب عظيم » عقوبة لهم

(2/320)


على تفرقهم و اختلافهم بعد مجيء الآيات و البينات و الآية تدل على تحريم الاختلاف في الدين و إن ذلك مذموم قبيح منهي عنه .
يَوْمَ تَبْيَض وُجُوهٌ وَ تَسوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسوَدَّت وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَنِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ(106) وَ أَمَّا الَّذِينَ ابْيَضت وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ(107)
الإعراب
العامل في قوله « يوم » قوله عظيم و تقديره عظيم عذابهم يوم تبيض وجوه و لا يجوز أن يكون العامل فيه عذاب لأنه موصوف قد فصلت صفة بينه و بين معموله لكن يجوز أن تعمل فيه الجملة لأنها في معنى يعذبون كما يقال المال لزيد يوم الجمعة فالعامل الفعل و الجملة خلف منه و جواب أما في قوله « فأما الذين اسودت وجوههم » فيقال لهم « أ كفرتم » فحذف لدلالة اسوداد الوجوه على حال التوبيخ حتى كأنه ناطق به و قد يحذف القول في مواضع كثيرة استغناء بما قبله من البيان كقوله « و لو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا » أي يقولون ربنا أبصرنا لدلالة تنكيس الرأس من المجرمين على سؤال الإقالة و مثله كثير .
المعنى
« يوم تبيض وجوه و تسود وجوه » أخبر سبحانه بوقت ذلك العذاب أي ثبت لهم العذاب في يوم هذه صفته و إنما تبيض فيه الوجوه للمؤمنين ثوابا لهم على الإيمان و الطاعة و تسود فيه الوجوه للكافرين عقوبة لهم على الكفر و السيئات بدلالة ما بعده و هو قوله « فأما الذين اسودت وجوههم أ كفرتم » أي يقال لهم أ كفرتم بعد إيمانكم و اختلف فيمن عنوا به على أقوال ( أحدها ) أنهم الذين كفروا بعد إظهار الإيمان بالنفاق عن الحسن ( و ثانيها ) أنهم جميع الكفار لإعراضهم عما وجب عليهم الإقرار به من التوحيد حين أشهدهم على أنفسهم أ لست بربكم قالوا بلى فيقول أ كفرتم بعد إيمانكم يوم الميثاق عن أبي بن كعب ( و ثالثها ) أنهم أهل الكتاب كفروا بالنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) بعد إيمانهم به أي

(2/321)


بنعته و صفته قبل مبعثه عن عكرمة و اختاره الزجاج و الجبائي ( و رابعها ) أنهم أهل البدع و الأهواء من هذه الأمة عن علي (عليه السلام) و مثله عن قتادة أنهم الذين كفروا بالارتداد و يروى عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال و الذي نفسي بيده ليردن علي الحوض ممن صحبني أقوام حتى إذا رأيتهم اختلجوا دوني فلأقولن أصحابي أصحابي أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعد إيمانهم ارتدوا على أعقابهم القهقرى ذكره الثعلبي في تفسيره فقال أبو أمامة الباهلي هم الخوارج و يروى عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية و الألف في « أ كفرتم » أصله الاستفهام و المراد به هنا التقريع أي لم كفرتم و قيل المراد التقرير أي قد كفرتم « فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون » أي بلفظ الذوق على التوسع و معناه انظروا ما صار إليه عاقبتكم من عذاب الله « بما كنتم تكفرون » أي بكفركم « و أما الذين ابيضت وجوههم » و هم المؤمنون « ففي رحمة الله » أي ثواب الله و قيل جنة الله « هم فيها خالدون » أعاد كلمة الظرف و هي قوله « فيها » تأكيدا لتمكين المعنى في النفس و قيل إنما أعادها لأنه دل بقوله « ففي رحمة الله » على إدخاله إياهم في الرحمة و بقوله « هم فيها خالدون » على خلودهم فيها و سمى الله تعالى الثواب رحمة و الرحمة نعمة يستحق بها الشكر و كل نعمة تفضل و الوجه في ذلك أن سبب الثواب الذي هو التكليف تفضل فيكون الثواب على هذا الوجه تفضلا و قيل إنما جاز أن يكون تفضلا لأنه بمنزلة إنجاز الوعد في أنه تفضل مستحق لأن المبتدىء به قد كان له أن لا يفعله فلما فعله وجب عليه الوفاء به لأن الخلف قبيح و هو مع ذلك تفضل لأنه جر إليه تفضل و قال بعضهم المراد بابيضاض الوجوه إشراقها و إسفارها بالسرور بنيل البغية و الظفر بالمنية و الاستبشار بما يصير إليه من الثواب كقوله وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة و المراد باسودادها ظهور أثر الحزن عليها لما يصير إليه من العقاب كقوله « وجوه يومئذ باسرة » « و وجوه يومئذ عليها غبرة » و في هذا القول عدول عن حقيقة اللفظ من غير ضرورة و الأصح الأول .
تِلْك ءَايَت اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْك بِالْحَقِّ وَ مَا اللَّهُ يُرِيدُ ظلْماً لِّلْعَلَمِينَ(108) وَ للَّهِ مَا فى السمَوَتِ وَ مَا فى الأَرْضِ وَ إِلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ(109)

(2/322)


المعنى
« تلك آيات الله » أي تلك التي قد جرى ذكرها حجج الله و علاماته و بيناته « نتلوها عليك بالحق » نقرأها عليك بالحق يا محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و على أمتك و نذكرها لك و نعرفك إياها و نقصها عليك « بالحق » أي بالحكمة و الصواب « و ما الله يريد ظلما للعالمين » معناه لا يظلمهم بأن يحملهم من العقاب ما لم يستحقوه أو ينقصهم من الثواب عما استحقوه و إنما يظلم من يظلم لجهله بقبح الظلم أو لحاجة إليه من دفع ضرر و جر نفع و تعالى الله عن صفة الجهل و الحاجة و سائر صفات النقص علوا كبيرا و كيف يجوز أن يظلم أحدا و هو الذي خلقهم و أنشأهم و ابتدعهم و آتاهم من النعم ما لا تسمو إليه هممهم و عرضهم بها لما هو أعظم منها قدرا و أجل خطرا و هو نعيم الآخرة ثم ذكر سبحانه وجه غناه عن الظلم فقال « و لله ما في السماوات و ما في الأرض » ملكا و ملكا و خلقا « و إلى الله ترجع الأمور » اختلفوا في كيفية رجوع الأمل إلى الله تعالى فقيل أن الأمور تذهب بالفناء ثم يعيدها الله للمجازاة و قيل أن الله تعالى قد ملك عباده في الدنيا أمورا و جعل لهم تصرفا و يزول جميع ذلك في الآخرة و يرجع إليه كله كما قال لمن الملك اليوم و في وقوع المظهر موقع المضمر في قوله « و إلى الله ترجع الأمور » قولان ( أحدهما ) ليكون كل واحد من الكلامين مكتفيا بنفسه ( و الآخر ) ليكون أفخم في الذكر و الموضع موضع التفخيم و ليس كقول الشاعر :
لا أرى الموت يسبق الموت شيء
نغص الموت ذا الغنى و الفقيرا لأن البيت مفتقر إلى الضمير و الآية مستغنية عنه .
كُنتُمْ خَيرَ أُمَّة أُخْرِجَت لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكرِ وَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لَوْ ءَامَنَ أَهْلُ الْكتَبِ لَكانَ خَيراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَ أَكثرُهُمُ الْفَسِقُونَ(110)
المعنى
لما تقدم ذكر الأمر و النهي عقبه تعالى بذكر من تصدى للقيام بذلك و مدحهم ترغيبا في الاقتداء بهم فقال « كنتم خير أمة أخرجت للناس » قيل فيه أقوال ( أحدها ) أن معناه أنتم خير أمة و إنما قال « كنتم » لتقدم البشارة لهم في الكتب الماضية عن الحسن و يعضده ما روي عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال أنتم وفيتم سبعين أمة أنتم خيرها و أكرمها

(2/323)


على الله ( و ثانيها ) أن المراد كنتم خير أمة عند الله في اللوح المحفوظ عن الفراء و الزجاج ( و ثالثها ) أن كان هاهنا تامة و « خير أمة » نصب على الحال و معناه وجدتم خير أمة و خلقتم خير أمة ( و رابعها ) أن كان مزيدة دخولها كخروجها إلا أن فيها تأكيدا لوقوع الأمر لا محالة لأنه بمنزلة ما قد كان في الحقيقة فهي بمنزلة قوله تعالى « و اذكروا إذ أنتم قليل » و في موضع آخر إذ كنتم قليلا فكثركم و نظيره قوله « و كان الله غفورا رحيما » لأن مغفرته المستأنفة كالماضية في تحقيق الوقوع ( و خامسها ) أن كان بمعنى صار كما في قول الشاعر :
فخر على الألاء توسدته
و قد كان الدماء له خمارا و معناه صرتم خير أمة خلقت لأمركم بالمعروف و نهيكم عن المنكر و إيمانكم بالله فتصير هذه الخصال على هذا القول شرطا في كونهم خيرا و قد روي عن بعض الصحابة أنه قال من أراد أن يكون خير هذه الأمة فليؤد شرط الله فيه من الإيمان بالله و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و اختلف في المعنى بالخطاب فقيل هم المهاجرون خاصة عن ابن عباس و السدي و قيل نزلت في ابن مسعود و أبي بن كعب و معاذ بن جبل و سالم مولى أبي حذيفة عن عكرمة و قيل أراد بهم أصحاب رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) خاصة عن الضحاك و قيل هو خطاب للصحابة و لكنه يعم سائر الأمة ثم ذكر مناقبهم فقال « تأمرون بالمعروف » بالطاعات « و تنهون عن المنكر » عن المعاصي و يسأل فيقال أن القبيح أيضا يعرف أنه قبيح فلم خص الحسن باسم المعروف و جوابه أن القبيح جعل بمنزلة ما لا يعرف لخموله و سقوطه و جعل الحسن بمنزلة النبيه الجليل القدر يعرف لنباهته و علو قدره « و تؤمنون بالله » أي بتوحيده و عدله و دينه « و لو آمن أهل الكتاب » أي لو صدقوا بالنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و بما جاء به « لكان خيرا لهم » أي لكان ذلك الإيمان خيرا لهم في الدنيا و الآخرة لأنهم ينجون بها في الدنيا من القتل و في الآخرة من العذاب و يفوزون بالجنة « منهم » أي من أهل الكتاب « المؤمنون » أي المعترفون بما دلت عليه كتبهم من صفة نبينا و البشارة به كعبد الله بن سلام و أصحابه من اليهود و النجاشي و أصحابه من النصارى « و أكثرهم الفاسقون » أي الخارجون عن طاعة الله تعالى و إنما وصفهم بالفسق دون الكفر الذي هو أعظم لأن الغرض الإيذان بأنهم خرجوا عما يوجبه كتابهم من الإقرار بالحق في نبوة نبينا و قيل لأنهم في الكفار بمنزلة الفساق العصاة لخروجهم إلى الحال

(2/324)


الفاحشة التي هي أشنع و أفظع .
لَن يَضرُّوكمْ إِلا أَذًى وَ إِن يُقَتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنصرُونَ(111) ضرِبَت عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بحَبْل مِّنَ اللَّهِ وَ حَبْل مِّنَ النَّاسِ وَ بَاءُو بِغَضب مِّنَ اللَّهِ وَ ضرِبَت عَلَيهِمُ الْمَسكَنَةُ ذَلِك بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِئَايَتِ اللَّهِ وَ يَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيرِ حَقّ ذَلِك بِمَا عَصوا وَّ كانُوا يَعْتَدُونَ(112)
الإعراب
« إلا أذى » استثناء متصل و قوله « أذى » في تقدير النصب و معناه لن يضروكم إلا ضررا يسيرا فالأذى وقع موقع المصدر و قيل هو استثناء منقطع لأن الأذى ليس من الضرر كقوله « لا يذوقون فيها بردا و لا شرابا إلا حميما و غساقا » قال علي بن عيسى هذا ليس بصحيح لأن الكلام إذا أمكن فيه الاستثناء الحقيقي لم يجز حمله على المنقطع و إن يقاتلوكم شرط و يولوكم جزاء و علامة الجزم فيهما سقوط النون و قوله « ثم لا ينصرون » رفع على الاستئناف و لم يجزم على العطف لأن سبب التولية القتال و ليس كذلك منع النصر لأن سببه الكفر و لأن الرفع أشكل برءوس الآي المتقدمة و هو مع ذلك عطف جملة على جملة و العامل في الباء من قوله « بحبل من الله » ضربت على معنى ضربت عليهم الذلة بكل حال إلا بحبل و قال الفراء العامل فيه محذوف و تقديره إلا أن يعتصموا بحبل من الله و أنشد :
رأتني بحبليها فصدت مخافة
و في الحبل روعاء الفؤاد فروق أراد رأتني أقبلت بحبليها فحذف الفاعل في الباء و قال آخر :

(2/325)


قصير الخطو يحسب من رآني
و لست مقيدا أني بقيد أراد أنني قيدت بقيد قال علي بن عيسى ما ذكره الفراء ضعيف من وجهين ( أحدهما ) أن حذف الموصول عند البصريين لا يجوز لأنه إذا احتاج إلى الصلة تبين عنه فالحاجة إلى البيان عنه بذكره أشد و إنما يجوز حذف الشيء للاستغناء عنه بدلالة غيره عليه و لو دل عليه لحذف مع صلته لأنه معها بمنزلة شيء واحد و ( الوجه الآخر ) أن الكلام إذا صح معناه من غير حذف لم يجز تأويله على الحذف و قيل في هذا الاستثناء أنه منقطع لأن الذلة لازمة لهم على كل حال فجرى مجرى قوله و ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ فعامل الإعراب موجود و المعنى على الانقطاع و مثله لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما فكل انقطاع ففيه إزالة الإبهام الذي يلحق الكلام فقوله « لا يسمعون فيها لغوا » قد يوهم أنهم من حيث لا يسمعون فيها لغوا لا يسمعون كلاما فقيل لذلك إلا سلاما و كذلك قوله « و ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا » قد يتوهم أنه لا يقتل مؤمن مؤمنا على وجه فقيل لذلك إلا خطأ و كذلك « ضربت عليهم الذلة » قد يتوهم أنه من غير جواز موادعة فقيل إلا بحبل من الله و قيل إن الاستثناء متصل لأن عز المسلمين عز لهم بالذمة و هذا لا يخرجهم من الذلة في أنفسهم .
النزول
قال مقاتل أن رءوس اليهود مثل كعب و أبي رافع و أبي ياسر و كنانة و ابن صوريا عمدوا إلى مؤمنيهم كعبد الله بن سلام و أصحابه فأنبوهم لإسلامهم فنزلت الآية .
المعنى
« لن يضروكم إلا أذى » وعد الله المؤمنين أنهم منصورون و أن أهل الكتاب لا يقدرون عليهم و لا ينالهم من جهتهم مضرة إلا أذى من جهة القول ثم اختلفوا في هذا القول فقيل هو كذبهم على الله و تحريفهم كتاب الله و قيل هو ما كانوا يسمعون المؤمنين من الكلام المؤذي « و أن يقاتلوكم » أي و أن يجاوزوا عن الإيذاء باللسان إلى القتال و المحاربة « يولوكم الأدبار » منهزمين « ثم لا ينصرون » أي ثم لا يعاونون لكفرهم ففي هذه الآية دلالة على صحة نبوة نبينا (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لوقوع مخبره على وفق خبره لأن يهود المدينة من بني قريظة و النضير و بني قينقاع و يهود خيبر الذين حاربوا النبي و المسلمين لم يثبتوا لهم قط و انهزموا و لم ينالوا من المسلمين إلا بالسب و الطعن « ضربت عليهم الذلة » أي أثبت عليهم الذلة و أنزلت بهم و جعلت محيطة بهم و هو استعارة من ضرب القباب و الخيام عن أبي مسلم و قيل معناه ألزموا الذلة فثبتت فيه من قولهم ضرب فلان الضريبة على عبده أي ألزمها إياه قال الحسن ضربت الذلة على اليهود فلا يكون لها منعة

(2/326)


أبدا و قيل معناه فرضت عليهم الجزية و الهوان فلا يكونون في موضع إلا بالجزية و لقد أدركهم الإسلام و هم يؤدون الجزية إلى المجوس « أينما ثقفوا » أي وجدوا و يقال أخذوا و ظفر بهم « إلا بحبل من الله » أي بعهد من الله « و حبل من الناس » أي و عهد من الناس على وجه الذمة و غيرها من وجوه الأمان عن ابن عباس و مجاهد و الحسن و قتادة و سمي العهد حبلا لأنه يعقد به الأمان كما يعقد الشيء بالحبل « و باءو بغضب من الله » أي رجعوا بغضب الله الذي هو عقابه و لعنه و قيل معناه استوجبوا غضبا من الله « و ضربت عليهم المسكنة » أي الذلة لأن المسكين لا يكون إلا ذليلا فسمي الذلة مسكنة عن أبي مسلم و قيل المراد به الفقر لأن اليهود أبدا يتفاقرون و إن كانوا أغنياء و قد ذكرنا تفسير ما بقي من الآية في سورة البقرة .
النظم
وجه اتصال الآية بما قبلها اتصال البشارة بالظفر لما تقدم أمر المحاربة لأن الأمر قد تقدم بإنكار المنكر و قيل إنه لما تقدم أن أكثرهم الفاسقون اتصل به ما يسكن قلوب المؤمنين من عاديتهم و يؤمن مضرتهم .
* لَيْسوا سوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَائمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَتِ اللَّهِ ءَانَاءَ الَّيْلِ وَ هُمْ يَسجُدُونَ(113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الاَخِرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُسرِعُونَ فى الْخَيرَتِ وَ أُولَئك مِنَ الصلِحِينَ(114)
اللغة
قيل في واحد آناء قولان ( أحدهما ) إني مثل نحي و الآخر إني مثل معي قال الشاعر :
حلو و مر كعطف القدح مرته
بكل إني قضاه الليل ينتعل و حكى الأخفش أنو بالواو و المسارعة المبادرة و هي من السرعة و الفرق بين السرعة و العجلة أن السرعة هي التقدم فيما يجوز أن يتقدم فيه و هي محمودة و ضدها الإبطاء و هو

(2/327)


مذموم و العجلة هي التقدم فيما لا ينبغي أن يتقدم فيه و هي مذمومة و ضدها الأناة و هي محمودة .
النزول
قيل سبب نزول هذه الآية أنه لما أسلم عبد الله بن سلام و جماعة قالت أحبار اليهود ما آمن بمحمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) إلا شرارنا فأنزل الله « ليسوا سواء » إلى قوله « من الصالحين » عن ابن عباس و قتادة و ابن جريج و قيل إنها نزلت في أربعين من أهل نجران و اثنين و ثلاثين من الحبشة و ثمانية من الروم كانوا على عهد عيسى (عليه السلام) فصدقوا بمحمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) عن عطاء .
المعنى
« ليسوا سواء » اختلفوا في تقديره و القول الصحيح أن هذا وقف تام و قوله « من أهل الكتاب » ابتداء كلام و معناه ليس الذين ذكرنا من أهل الكتاب سواء أي ليس الذين آمنوا من أهل الكتاب « أمة قائمة » كعبد الله بن سلام و أصحابه و الذين لم يؤمنوا سواء في الدرجة و المنزلة ثم استأنف و بين افتراقهم فقال « من أهل الكتاب أمة قائمة » فحصل بهذا بيان الافتراق و هذا كما لو أخبر القائل عن قوم بخبر فقال بنو فلان يعملون كذا و كذا ثم قال ليسوا سواء فإن منهم من يفعل كذا و كذا و كذلك لو ذم قبيلة بالبخل و الجبن فقال غيره ليسوا سواء منهم الجواد و منهم الشجاع فيكون منهم الجواد و منهم الشجاع ابتداء كلام و قال أبو عبيدة هو على لغة أكلوني البراغيث و مثله قوله تعالى « ثم عموا و صموا كثير منهم » و قال الشاعر :
رأين الغواني الشيب لاح بعارضي
فأعرضن عني بالخدود النواضر قال الزجاج و الرماني و ليس الأمر كما قال لأن ذكر أهل الكتاب قد جرى فأخبر الله أنهم غير متساويين و لأن هذه اللغة رديئة في القياس و الاستعمال و قال الفراء المعنى منهم أمة قائمة و أمة غير قائمة اكتفاء بذكر أحد الفريقين كما قال أبو ذويب :
عصيت إليها القلب إني لأمرها
مطيع فما أدري أ رشد طلابها و لم يقل أم غي و قال آخر :
أواك فلا أدري أ هم هممته
و ذو الهم قدما خاشع متضائل و لم يقل أم غيره لأن حاله في التغير ينبىء أن الهم غيره أم غيره فعلى هذا يكون

(2/328)


رفع أمة على معنى الفعل و تقديره لا يستوي أمة هادية و أمة ضالة و على القول الأول رفع بالابتداء و أنكر الزجاج هذا القول و قال ما بنا حاجة هنا إلى محذوف لأن ذكر الفريقين قد جرى في قوله منهم المؤمنون و أكثرهم الفاسقون ثم قال ليسوا سواء و لا يحتاج إلى أن يقدروا أمة غير قائمة و قد تقدم صفتهم في قوله و يكفرون ب آيات الله و يقتلون الأنبياء و قوله « أمة قائمة » فيه وجوه ( أحدها ) أن معناها جماعة ثابتة على أمر الله عن ابن عباس و قتادة و الربيع ( و ثانيها ) عادلة عن الحسن و مجاهد و ابن جريج ( و ثالثها ) قائمة بطاعة الله عن السدي - ( و رابعها ) أن التقدير ذو أمة قائمة أي ذو طريقة مستقيمة عن الزجاج و أنشد للنابغة :
و هل يأتمر ذو أمة و هو طائع ) أي ذو طريقة من طرائق الدين قال علي بن عيسى و هذا القول ضعيف لأنه عدول عن الظاهر و حكم بالحذف من غير دلالة « يتلون آيات الله » يقرءون كتاب الله و هو القرآن « آناء الليل » ساعاته و أوقاته عن الحسن و الربيع و قيل يعني جوف الليل عن السدي و قيل أراد به وقت صلاة العتمة لأن أهل الكتاب لا يصلونها يعني أنهم يصلون صلاة العتمة عن ابن مسعود و قيل إنه الصلاة ما بين المغرب و العشاء الآخرة عن الثوري و هي الساعة التي تسمى ساعة الغفلة « و هم يسجدون » قيل أراد السجود المعروف في الصلاة فعلى هذا يكون معناه و هم مع ذلك يسجدون و يكون الواو لعطف جملة على جملة و قيل معناه يصلون بغير السجود فعبر بالسجود عن الصلاة لأن السجود أبلغ الأركان في التواضع عن الزجاج و الفراء و البلخي قالوا لأن القراءة لا تكون في السجود و لا في الركوع و على هذا يكون الواو للحال أي يتلون آيات الله بالليل في صلاتهم و هو قول الجبائي أيضا « يؤمنون بالله » أي بتوحيده و صفاته « و اليوم الآخر » المتأخر عن الدنيا يعني البعث يوم القيامة « و يأمرون بالمعروف » بالإقرار بنبوة محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) « و ينهون عن المنكر » عن إنكار نبوته « و يسارعون في الخيرات » أي يبادرون إلى فعل الخيرات و الطاعات خوف الفوات بالموت و قيل معناه يعملون الأعمال الصالحة غير متثاقلين فيها لعلمهم بجلالة موقعها و حسن عاقبتها « و أولئك من الصالحين » أي من جملتهم و في عدادهم و هذا نفي لقولهم ما آمن به إلا شرارنا و في هذه الآية دلالة على عظم موقع صلاة الليل من الله تعالى و قد صح عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال ركعتان يركعهما العبد في جوف الليل الأخير خير له من الدنيا و ما فيها و لو لا أني أشق على أمتي لفرضتها عليهم و قال أبو عبد الله إن البيوت التي يصلى فيها بالليل بتلاوة القرآن تضيء لأهل السماء كما تضيء نجوم السماء لأهل الأرض و قال (عليه السلام) عليكم بصلاة الليل فإنها سنة نبيكم و دأب الصالحين قبلكم و مطردة الداء عن أجسادكم .

(2/329)


وَ مَا يَفْعَلُوا مِنْ خَير فَلَن يُكفَرُوهُ وَ اللَّهُ عَلِيمُ بِالْمُتَّقِينَ(115)
القراءة
قرأ أهل الكوفة إلا أبا بكر بالياء فيهما و الباقون بالتاء إلا أبا عمرو فإنه كان يحير .
الحجة
وجه القراءة بالياء أن يكون كناية عمن تقدم ذكره من أهل الكتاب ليكون الكلام على طريقة واحدة و وجه التاء أنه خلطهم بغيرهم من المكلفين و يكون خطابا للجميع في أن حكمهم واحد .
الإعراب
« و ما يفعلوا » ما للمجازاة و يفعلوا مجزوم بالشرط و إنما جوزي بما و لم يجاز بكيف لأن ما أمكن من كيف لأنها تكون معرفة و نكرة لأنها للجنس و كيف لا تكون إلا نكرة لأنها للحال و الحال لا يكون إلا نكرة لأنها للفائدة .
المعنى
« و ما تفعلوا من خير » أي من طاعة « فلن تكفروه » أي لم يمنع عنكم جزاؤه و سمي منع الجزاء كفرا على الاتساع لأنه بمنزلة الجحد و الستر له و معناه لا تجحد طاعتكم و لا تستر بمنع الجزاء و هذا كما يوصف الله تعالى بأنه شاكر و حقيقة أنه يثبت على الطاعة ثواب الشاكرين على النعمة فلما استعير للثواب الشكر استعير لنقيضه من منع الثواب الكفر لأن الشكر في الأصل هو الاعتراف بالنعمة و الكفر ستر النعمة في المنعم عليه بتضييع حقها « و الله عليم بالمتقين » أي بأحوالهم فيجازيهم و إنما خص المتقين بالذكر و إن كان عليما بالكل لأن الكلام اقتضى ذكر جزاء المتقين فنبه بذلك على أنه لا يضيع شيء من عملهم قل أم كثر لأن المجازي عليهم بكل ذلك و هذه الآية تدل على أن شيئا من أعمال الخير و الطاعة لا يبطل البتة خلافا لقول من قال بالإحباط .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنىَ عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَ لا أَوْلَدُهُم مِّنَ اللَّهِ شيْئاً وَ أُولَئك أَصحَب النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ(116) مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فى هَذِهِ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا كمَثَلِ رِيح فِيهَا صرُّ أَصابَت حَرْث قَوْم ظلَمُوا أَنفُسهُمْ فَأَهْلَكتْهُ وَ مَا ظلَمَهُمُ اللَّهُ وَ لَكِنْ أَنفُسهُمْ يَظلِمُونَ(117)

(2/330)


اللغة
يقال أغنى عنه إذا دفع عنه ضررا لولاه لنزل به و إذا قيل أغناه كذا عن كذا أفاد أن أحد الشيئين صار بدلا من الآخر في نفي الحاجة و الغنى الاختصاص بما ينفي الحاجة فإن اختص بمال ينفي الحاجة فذلك غني و كذلك الغنى بالجاه و الأصحاب و غير ذلك فأما الغني في صفات الله فهو اختصاصه بكونه قادرا على وجه لا يعجزه شيء و قولنا فيه أنه غني معناه أنه لا تجوز عليه الحاجة أصحاب النار إنما سموا بذلك لملازمتهم فيها كما يقال هؤلاء أصحاب الصحراء إذا كانوا ملازمين لها و قد يقال أصحاب العقار بمعنى ملاكه و أصحاب الرجل أتباعه و أعوانه و أصحاب العالم المتعلمون منه فالإضافات مختلفة و أصل المصاحبة الملازمة و النار أصله من النور و هو جسم لطيف فيه حرارة و نور و اعتماد علوي و الريح واحدة الرياح و منه الروح لدخول الريح الطيبة على النفس و كذلك الارتياح و التروح و الراحة من التعب و منه الروح لأنها كالريح في اللطافة و منه الرائحة لأن الريح تحملها إلى الحس و الصر البرد الشديد و أصله من الصرير و هو الصوت قال الزجاج الصر صوت لهب النار التي كانت في تلك الريح و يجوز أن يكون الصر صوت الريح الباردة الشديدة و ذلك من صفات الشمال فإنها توصف بأن لها قعقعة و الصرة شدة الصياح .
المعنى
لما تقدم وصف المؤمنين عقبه سبحانه ببيان حال الكافرين فقال « إن الذين كفروا بالله و رسوله لن تغني عنهم » أي لن تدفع عنهم « أموالهم و لا أولادهم من » عذاب « الله شيئا » و إنما خص الأموال و الأولاد بالذكر لأن هذين معتمد الخلق و أعز الأشياء عليهم فإذا لم يغنيا عن الإنسان شيئا فغيرهما غناؤه أبعد « و أولئك أصحاب النار » أي ملازموها « هم فيها خالدون » أي دائمون ثم ضرب مثلا لإنفاقهم فقال « مثل ما ينفقون » أي شبه ما ينفقون من أموالهم « في هذه الحياة الدنيا » قيل هو ما ينفقون على الكفار في عداوة الرسول و قيل هو ما أنفقه أبو سفيان و أصحابه ببدر و أحد لما تظاهروا على النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و قيل هو ما أنفقه سفلة اليهود على علمائهم و قيل هو مثل لجميع صدقات الكفار و نفقاتهم في الدنيا عن مجاهد و في الآية حذف و تقديره مثل إهلاك ما ينفقون « كمثل » إهلاك « ريح » فيها صر فحذف الإهلاك لدلالة آخر الكلام عليه و فيه تقدير آخر مثل ما ينفقون كمثل مهلك ريح فيكون تشبيه ذلك الإنفاق من الحرث بالريح « فيها صر » قيل برد شديد عن ابن عباس و الحسن و قتادة و جماعة و قيل السموم الحارة القاتلة عن ابن عباس أيضا « أصابت حرث قوم » أي زرع قوم « ظلموا أنفسهم » بالمعاصي فظلمهم

(2/331)


اقتضى هلاك حرثهم عقوبة لهم و قيل ظلموا أنفسهم بأن زرعوا في غير موضع الزراعة أو في غير وقتها فجاءت الريح « فأهلكته » تأديبا لهم من الله في وضع الشيء غير موضعه الذي هو حقه « و ما ظلمهم الله » في إهلاك زرعهم لأنهم استحقوا ذلك بظلمهم و قيل في قتلهم و سبيهم لأنهم استحقوهما بكفرهم « و لكن أنفسهم يظلمون » حيث فعلوا ما استحقوا به ذلك .
يَأَيهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِّن دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْوَهِهِمْ وَ مَا تُخْفِى صدُورُهُمْ أَكْبرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الاَيَتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ(118)
اللغة
البطانة خاصة الرجل الذين يستبطنون أمره مأخوذة من بطانة الثوب الذي يلي البدن لقربه منه و هي نقيض الظهارة و يسمى بها الواحد و الجمع و المذكر و المؤنث قال الشاعر :
أولئك خلصاني نعم و بطانتي
و هم عيبتي من دون كل قريب « لا يألونكم » أي لا يقصرون في أمركم خبالا و لا يتركون جهدهم يقال ألا يألو ألوا إذا فتر و ضعف و قصر و ما ألوته خيرا و شرا أي ما قصرت في فعل ذلك و قال امرؤ القيس :
و ما المرء ما دامت حشاشة نفسه
بمدرك أطراف الخطوب و لا ألي أي مقصر في الطلب و الخبال الشر و الفساد و منه الخبل بفتح الباء و سكونها للجنون لأنه فساد العقل و رجل مخبل الرأي أي فاسد الرأي و منه الاستخبال طلب إعارة المال لفساد الزمان قال زهير :
هنالك إن يستخبلوا المال يخبلوا
و إن يسألوا يعطوا و إن ييسروا يغلوا و أصل العنت المشقة عنت الرجل يعنت عنتا دخلت عليه المشقة و أكمة عنوت صعبة المسلك لمشقة السلوك فيها و أعنت فلان فلانا حمله على المشقة الشديدة فيما يطالبه فيه و منه قوله تعالى و لو شاء الله لأعنتكم .

(2/332)


الإعراب
« من دونكم » من للتبعيض و التقدير لا تتخذوا بعض المخالفين في الدين بطانة و يجوز أن يكون لتبيين الصفة فكأنه قال لا تتخذوا بطانة من المشركين و هذا أولى لأنه أعم و لا يجوز أن يتخذ المؤمن الكافر بطانة على كل حال و قيل إن من هاهنا زائدة و هذا غير حسن لأن الحرف إذا صح حمله في الفائدة لا يحكم فيه بالزيادة و قوله « خبالا » نصب بأنه المفعول الثاني لأن الألو يتعدى إلى مفعولين و يجوز أن يكون مصدرا لأن المعنى يخبلونكم خبالا و موضع قوله « ودوا ما عنتم » يجوز أن يكون نصبا بأنه صفة لبطانة و يجوز أن يكون لا موضع له من الإعراب لأنه استئناف جملة و ما في قوله « ما عنتم » مصدرية و تقديره ودوا عنتكم .
النزول
نزلت في رجال من المسلمين كانوا يواصلون رجالا من اليهود لما كان بينهم من الصداقة و القرابة و الجوار و الحلف و الرضاع عن ابن عباس و قيل نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يصادقون المنافقين و يخالطونهم عن مجاهد .
المعنى
نهى الله المؤمنين عن موالاة الكفار و مخالطتهم خوف الفتنة منهم عليهم فقال « يا أيها الذين آمنوا » أي صدقوا « لا تتخذوا بطانة من دونكم » أي لا تتخذوا الكافرين أولياء و خواص من دون المؤمنين تفشون إليهم أسراركم و قوله « من دونكم » أي من غير أهل ملتكم ثم بين تعالى العلة في منع مواصلتهم فقال « لا يألونكم خبالا » أي لا يقصرون فيما يؤدي إلى فساد أمركم و لا يدعون جهدهم في مضرتكم و قال الزجاج لا يتقون في إلقائكم فيما يضركم قال و أصل الخبال ذهاب الشيء و قوله « ودوا ما عنتم » معناه تمنوا إدخال المشقة عليكم و قيل تمنوا إضلالكم عن دينكم عن السدي و قيل تمنوا أن يعنتوكم في دينكم أي يحملونكم على المشقة فيه عن ابن عباس و قوله « قد بدت البغضاء من أفواههم » معناه ظهرت أمارة العداوة لكم على ألسنتهم و في فحوى أقوالهم و فلتات كلامهم « و ما تخفي صدورهم » من البغضاء « أكبر » مما يبدون بألسنتهم « قد بينا لكم الآيات » أي أظهرنا لكم الدلالات الواضحات التي بها يتميز الولي من العدو « إن كنتم تعقلون » أي تعلمون الفضل بين الولي و العدو و قيل إن كنتم تعلمون مواعظ الله و منافعها و قيل إن كنتم عقلاء فقد آتاكم الله من البيان الشافي .

(2/333)


هَأَنتُمْ أُولاءِ تحِبُّونهُمْ وَ لا يحِبُّونَكُمْ وَ تُؤْمِنُونَ بِالْكِتَبِ كلِّهِ وَ إِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا ءَامَنَّا وَ إِذَا خَلَوْا عَضوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمُ بِذَاتِ الصدُورِ(119)
اللغة
العض بالأسنان معروف و منه العض علف الأمصار لأن له مضغة في العض يسمن عليها المال و رجل عض لزاز الخصم لأنه يعضه بالخصومة و الأنامل أطراف الأصابع و أصله النمل المعروف فهي مشبهة به في الدقة و التصرف بالحركة و منه رجل نمل أي نمام لأنه ينقل الأحاديث الكرهة كنقل النملة في الخفاء و الكثرة .
الإعراب
قال الأزهري يحتمل أن يكون أولاء منادي كأنه قال يا أولاء و قال غيره ها للتنبيه و أنتم مبتدأ و أولا خبره و تحبونهم حال و قال الزجاج جائز أن يكون أولاء في معنى الذين كأنه قال ها أنتم الذين تحبونهم و لا يحبونكم و جائز أن يكون تحبونهم حالا و تؤمنون عطف على يحبون و لا يجوز أن يقول ها قومك أولاء لأن المضمر أحق بالهاء التي للتنبيه لأنه كالمبهم في عموم ما يصلح له و ليس كذلك الظاهر .
المعنى
ثم بين سبحانه ما هم عليه من عداوة المؤمنين تأكيدا للنهي عن مصافاتهم فقال « ها أنتم أولاء تحبونهم » و قد مر ذكر معناه في الإعراب و تقديره ها أنتم الذين تحبونهم أو ها أنتم أولاء محبين إذا قلنا أنه بمعنى الحال أي تنبهوا في حال محبتكم إياهم و لا يحبونكم هم لما بينكم من مخالفة الدين و قيل تحبونهم لأنكم تريدون لهم الإسلام و تدعونهم إلى الجنة « و لا يحبونكم » لأنهم يريدون لكم الكفر و الضلال و فيه الهلاك « و تؤمنون بالكتاب كله » الكتاب واحد في معنى الجمع لأنه أراد الجنس كما يقال كثر الدرهم في أيدي الناس و يجوز أن يكون مصدرا من قولك كتبت كتابا و المراد به كتب الله التي أنزلها على أنبيائه و في إفراده ضرب من الإيجاز و إشعار بالتفصيل في الاعتقاد و معناه إنكم تصدقون بها في الجملة و التفصيل من حيث تؤمنون بما أنزل على إبراهيم و موسى و عيسى و محمد صلى الله عليه و عليهم و سائر الأنبياء و هم لا يصدقون بكتابكم « و إذا لقوكم قالوا آمنا » معناه إذا رأوكم قالوا صدقنا « و إذا خلوا » مع أنفسهم « عضوا عليكم الأنامل » أي أطراف الأصابع « من الغيظ » أي من الغضب و الحنق لما يرون من ائتلاف المؤمنين و اجتماع كلمتهم و نصرة الله إياهم و هذا مثل و ليس هناك عض كقول الشاعر :
إذا رأوني أطال الله غيظهم
عضوا من الغيظ أطراف الأباهيم

(2/334)


و قول أبي طالب :
يعضون غيظا خلفنا بالأنامل ) « قل » يا محمد لهم « موتوا بغيظكم » صيغته صيغة الأمر و المعنى الدعاء فكأنه قال أماتكم الله بغيظكم و فيه معنى الذم لهم لأنه لا يجوز أن يدعى عليهم هذا الدعاء إلا و قد استحقوه بما أتوه من القبيح و قيل معناه دام هذا الغيظ لما ترون من علو كلمة الإسلام إلى أن تموتوا « إن الله عليم بذات الصدور » أي بما يضمرونه من النفاق و الغيظ على المسلمين .
إِن تمْسسكُمْ حَسنَةٌ تَسؤْهُمْ وَ إِن تُصِبْكُمْ سيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَ إِن تَصبرُوا وَ تَتَّقُوا لا يَضرُّكمْ كَيْدُهُمْ شيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ محِيطٌ(120)
القراءة
قرأ نافع و ابن كثير و أبو عمرو و يعقوب لا يضركم خفيفة مكسورة الضاد و الباقون مشددة مضمومة الضاد و الراء و قرأ الحسن و أبو حاتم تعملون بالتاء على الخطاب و القراءة المشهورة بالياء .
الحجة
من قرأ لا يضركم فهو من ضاره يضيره ضيرا و من قرأ « لا يضركم » فهو من ضره يضر ضرا و الضير و الضر بمعنى واحد و قد جاء في القرآن لا ضير و إذا مسكم الضر و « لا يضركم » أصله لا يضرركم نقلت ضمة الراء الأولى إلى الضاد و أدغمت في الراء الثانية بعد أن ضمت اتباعا لأقرب الحركات إليها و العرب تدغم في موضع الجزم و أهل الحجاز يظهرون التضعيف قال الزجاج و هذه الآية جاءت فيها اللغتان جميعا فقوله « إن تمسسكم » على لغة أهل الحجاز و قوله « يضركم » على لغة غيرهم من العرب و يجوز لا يضركم و لا يضركم فمن قال بالفتح فلأن الفتح خفيف يستعمل في التقاء الساكنين في التضعيف و من قال بالكسر فعلى أصل التقاء الساكنين .
اللغة
الكيد و المكيدة المكر الذي يغتال به صاحبه من جهة حيلة عليه ليقع في مكروه به و أصله الشقة يقال رأيت فلانا يكيد بنفسه أي يقاسي المشقة في سياق المنية و منه المكائدة لا يراد ما فيه من المشقة .
المعنى
ثم أخبر سبحانه عن حال من تقدم ذكرهم فقال « إن تمسسكم حسنة » أي تصبكم أيها المؤمنون نعمة من الله تعالى عليكم بها من ألفة أو اجتماع كلمة أو ظفر

(2/335)


بالأعداء « تسؤهم » أي تحزنهم « و إن تصبكم سيئة » أي محنة بإصابة العدو منكم لاختلاف الكلمة و ما يؤدي إليه من الفرقة « يفرحوا بها » هذا قول الحسن و قتادة و الربيع و جماعة من المفسرين « و أن تصبروا » على أذاهم و على طاعة الله تعالى و طاعة رسوله و الجهاد في سبيله « و تتقوا » الله بالامتناع عن معاصيه و فعل طاعته « لا يضركم » أيها الموحدون « كيدهم » أي مكر المنافقين و ما يحتالون به عليكم « شيئا » أي لا قليلا و لا كثيرا لأنه تعالى ينصركم و يدفع شرهم عنكم « إن الله بما تعملون محيط » أي عالم بذلك من جميع جهاته مقتدر عليه لأن أصل المحيط بالشيء هو المطيف به من حواليه و ذلك من صفات الأجسام فلا يليق به سبحانه .
وَ إِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلِك تُبَوِّىُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَعِدَ لِلْقِتَالِ وَ اللَّهُ سمِيعٌ عَلِيمٌ(121) إِذْ هَمَّت طائفَتَانِ مِنكمْ أَن تَفْشلا وَ اللَّهُ وَلِيهُمَا وَ عَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكلِ الْمُؤْمِنُونَ(122)
اللغة
التبوئة اتخاذ الموضع للغير يقال بوأت القوم منازلهم و بوأت لهم أيضا أي أوطنتهم و أسكنتهم إياها و تبوأوهم أي توطنوا و منه المباءة المراح لأنه رجوع إلى المستقر المتخذ و منه بوأت بالذنب أي رجعت به محتملا له و الفشل الجبن يقال فشل يفشل فشلا و الفشل الرجل الضعيف .
الإعراب
العامل في إذ محذوف و تقديره و اذكر إذ غدوت و قيل هو عطف على ما تقدم في السورة من قوله قد كان لكم آية في فئتين التقتا أي في نصرة تلك الطائفة القليلة على الطائفة الكثيرة إذ غدا النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) عن أبي مسلم و قيل العامل فيه قوله محيط و تقديره و الله عالم بأحوالكم و أحوالهم إذ غدوت من أهلك و تبوىء حال من غدوت .
المعنى
و اذكر يا محمد « إذ غدوت من أهلك » أي خرجت من المدينة غدوة « تبوىء المؤمنين مقاعد » أي تهيىء للمؤمنين مواطن « للقتال » و قيل معناه تجلسهم و تقعدهم في مواضع القتال ليقفوا فيها و لا يفارقوها و اختلف في أي يوم كان ذلك فقيل يوم أحد عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و الربيع و السدي و ابن أبي إسحاق و هو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) و قيل كان يوم الأحزاب عن مقاتل و قيل يوم بدر عن الحسن « و الله سميع » أي

(2/336)


يسمع ما يقوله النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) « عليم » بما يضمرونه لأنهم اختلفوا فمنهم من أشار بالخروج و منهم من أشار بالمقام و فيه تزكية للزاكي و تهديد للغاوي و قيل سميع بقول المشيرين على النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) عليم بضمائرهم و قيل سميع بجميع المسموعات عليم بجميع المعلومات « إذ همت » أي قصدت و عزمت « طائفتان » أي فرقتان « منكم » أي من المسلمين « أن تفشلا » أي تجبنا و الطائفتان هما بنو سلمة و بنو حارثة حيان من الأنصار عن ابن عباس و جابر بن عبد الله و الحسن و قتادة و مجاهد و الربيع و أبي جعفر (عليه السلام) و أبي عبد الله (عليه السلام) و قال الجبائي نزلت في طائفة من المهاجرين و طائفة من الأنصار و كان سبب همهم بالفشل أن عبد الله بن أبي سلول دعاهما إلى الرجوع إلى المدينة عن لقاء المشركين يوم أحد فهما به و لم يفعلاه « و الله وليهما » أي ناصرهما روي عن جابر بن عبد الله أنه قال فينا نزلت و ما أحب إنها لم تكن لقوله « و الله وليهما » و قال بعض المحققين هذا هم خطرة لا هم عزيمة لأن الله تعالى مدحهما و أخبر أنه وليهما و لو كان هم عزيمة و قصد لكان ذمهم أولى من مدحهم « و على الله فليتوكل المؤمنون » في جميع أحوالهم و أمورهم .
ذكر غزوة أحد
عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال كان سبب غزوة أحد أن قريشا لما رجعت من بدر إلى مكة و قد أصابهم ما أصابهم من القتل و الأسر لأنه قتل منهم سبعون و أسر سبعون قال أبو سفيان يا معشر قريش لا تدعوا نساءكم يبكين على قتلاكم فإن الدمعة إذا خرجت أذهبت الحزن و العداوة لمحمد فلما غزوا رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) يوم أحد أذنوا لنسائهم في البكاء و النوح و خرجوا من مكة في ثلاثة آلاف فارس و ألفي راجل و أخرجوا معهم النساء فلما بلغ رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) ذلك جمع أصحابه و حثهم على الجهاد فقال عبد الله بن أبي سلول يا رسول الله لا نخرج من المدينة حتى نقاتل في أزقتها فيقاتل الرجل الضعيف و المرأة و العبد و الأمة على أفواه السكك و على السطوح فما أرادها قوم قط فظفروا بنا و نحن في حصوننا و دروبنا و ما خرجنا إلى عدو لنا قط إلا كان الظفر لهم علينا فقام سعد بن معاذ و غيره من الأوس فقالوا يا رسول الله ما طمع فينا أحد من العرب و نحن مشركون نعبد الأصنام فكيف يطمعون فينا و أنت فينا لا حتى نخرج إليهم فنقاتلهم فمن قتل منا كان شهيدا و من نجا منا كان قد جاهد في سبيل الله فقبل رسول الله رأيه و خرج مع نفر من أصحابه يتبوءون موضع القتال كما قال تعالى « و إذ غدوت من أهلك » الآية و قعد عنه عبد الله بن أبي سلول و جماعة من الخزرج اتبعوا رأيه و وافت قريش إلى أحد و كان رسول الله عبا أصحابه و كانوا سبع مائة رجل و وضع عبد الله بن جبير في خمسين من الرماة على باب الشعب و أشفق أن يأتي كمينهم من ذلك المكان فقال لعبد الله بن جبير و أصحابه أن

(2/337)


رأيتمونا قد هزمناهم حتى أدخلناهم مكة فلا تبرحوا من هذا المكان و إن رأيتموهم قد هزمونا حتى أدخلونا المدينة فلا تبرحوا و ألزموا مراكزكم و وضع أبو سفيان خالد بن الوليد في مائتي فارس كمينا و قال إذا رأيتمونا قد اختلطنا فاخرجوا عليهم من هذا الشعب حتى تكونوا وراءهم و عبا رسول الله أصحابه و دفع الراية إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) و حمل الأنصار على مشركي قريش فانهزموا هزيمة قبيحة و وقع أصحاب رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) في سوادهم و انحط خالد بن الوليد في مائتي فارس على عبد الله بن جبير فاستقبلوهم بالسهام فرجع و نظر أصحاب عبد الله بن جبير إلى أصحاب رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) ينتهبون سواد القوم فقالوا لعبد الله بن جبير قد غنم أصحابنا و نبقى نحن بلا غنيمة فقال لهم عبد الله اتقوا الله فإن رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قد تقدم إلينا أن لا نبرح فلم يقبلوا منه و أقبلوا ينسل رجل فرجل حتى أخلوا مراكزهم و بقي عبد الله بن جبير في اثني عشر رجلا و كانت راية قريش مع طلحة بن أبي طلحة العبدي من بني عبد الدار فقتله علي (عليه السلام) و أخذ الراية أبو سعيد بن أبي طلحة فقتله علي و سقطت الراية فأخذها مسافع بن أبي طلحة فقتله علي حتى قتل تسعة نفر من بني عبد الدار حتى صار لواهم إلى عبد لهم أسود يقال له ثواب فانتهى إليه علي (عليه السلام) فقطع يده اليمني فأخذ اللواء باليسرى فضرب يسراه فقطعها فاعتنقها بالجذماوين إلى صدره ثم التفت إلى أبي سفيان فقال هل أعذرت في بني عبد الدار فضربه علي على رأسه فقتله و سقط اللواء فأخذتها عمرة بنت علقمة الكنانية فرفعتها و انحط خالد بن الوليد على عبد الله بن جبير و قد فر أصحابه و بقي في نفر قليل فقتلهم على باب الشعب ثم أتى المسلمين من أدبارهم و نظرت قريش في هزيمتها إلى الراية قد رفعت فلاذوا بها و انهزم أصحاب رسول الله هزيمة عظيمة و أقبلوا يصعدون في الجبال و في كل وجه فلما رأى رسول الله الهزيمة كشف البيضة عن رأسه و قال إلي أنا رسول الله إلى أين تفرون عن الله تعالى و عن رسوله و كانت هند بنت عتبة في وسط العسكر فكلما انهزم رجل من قريش دفعت إليه ميلا و مكحلة و قالت إنما أنت امرأة فاكتحل بهذا و كان حمزة بن عبد المطلب يحمل على القوم فإذا رأوه انهزموا و لم يثبت له أحد و كانت هند قد أعطت وحشيا عهدا لئن قتلت محمدا أو عليا أو حمزة لأعطينك كذا و كذا و كان وحشي عبدا لجبير بن مطعم حبشيا فقال وحشي أما محمد فلم أقدر عليه و أما علي فرأيته حذرا كثير الالتفات فلا مطمع فيه فكمنت لحمزة فرأيته يهد الناس هدا فمر بي فوطىء على جرف نهر فسقط و أخذت حربتي فهززتها و رميته بها فوقعت في خاصرته و خرجت من ثنته فسقط فأتيته فشققت بطنه و أخذت كبده و جئت

(2/338)


به إلى هند فقلت هذه كبد حمزة فأخذتها في فمها فلاكتها فجعله الله في فمها مثل الداعضة و هي عظم رأس الركبة فلفظتها و رمت بها فقال رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فبعث الله ملكا فحمله و رده إلى موضعه قال فجاءت إليه فقطعت مذاكيره و قطعت أذنيه و قطعت يده و رجله و لم يبق مع رسول الله إلا أبو دجانة سماك بن خرشة و علي فكلما حملت طائفة على رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) استقبلهم علي فدفعهم عنه حتى تقطع سيفه فدفع إليه رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) سيفه ذا الفقار و انحاز رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) إلى ناحية أحد فوقف و كان القتال من وجه واحد فلم يزل علي (عليه السلام) يقاتلهم حتى أصابه في رأسه و وجهه و يديه و بطنه و رجليه سبعون جراحة كذا أورده علي بن إبراهيم في تفسيره فقال جبرائيل إن هذه لهي المواساة يا محمد فقال محمد أنه مني و أنا منه فقال جبرائيل و أنا منكما قال أبو عبد الله نظر رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) إلى جبرائيل بين السماء و الأرض على كرسي من ذهب و هو يقول لا سيف إلا ذو الفقار و لا فتى إلا علي و روى ابن أبي إسحاق و السدي و الواقدي و ابن جرير و غيرهم قالوا كان المشركون نزلوا بأحد يوم الأربعاء في شوال سنة ثلاث من الهجرة و خرج رسول الله إليهم يوم الجمعة و كان القتال يوم السبت للنصف من الشهر و كسرت رباعية رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و شج في وجهه ثم رجع المهاجرون و الأنصار بعد الهزيمة و قد قتل من المسلمين سبعون و شد رسول الله بمن معه حتى كشفهم و كان الكفار مثلوا بجماعة و كان حمزة أعظم مثلة و ضربت يد طلحة فشلت و سعد بن أبي وقاص كان يرمي بين يديه و هو (عليه السلام) يقول ارم فداك أبي و أمي .
النظم
لما أمر تعالى بالصبر في قوله و أن تصبروا و تتقوا عقبه بنصرة المسلمين يوم بدر و صبرهم على القتال ثم ذكر امتحانهم يوم أحد لما تركوا الصبر و قيل نظمه و إن تصبروا ينصركم كما نصركم يوم بدر و إن لم تصبروا نزل بكم ما نزل يوم أحد حيث خالفتم أمر رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و ذكر أبو مسلم أنه متصل بقوله قد كان لكم آية في فئتين كما تقدم ذكره .

(2/339)


وَ لَقَدْ نَصرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْر وَ أَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشكُرُونَ(123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَثَةِ ءَالَف مِّنَ الْمَلَئكَةِ مُنزَلِينَ(124) بَلى إِن تَصبرُوا وَ تَتَّقُوا وَ يَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بخَمْسةِ ءَالَف مِّنَ الْمَلَئكَةِ مُسوِّمِينَ(125) وَ مَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشرَى لَكُمْ وَ لِتَطمَئنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَ مَا النَّصرُ إِلا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الحَْكِيمِ(126)
القراءة
قرأ ابن عامر منزلين مشددة الزاي و قرأ الآخرون « منزلين » مخففة و قرأ ابن كثير و أبو عمرو و عاصم « مسومين » بكسر الواو و قرأ الباقون بفتحها .
الحجة
حجة من قرأ « منزلين » بالتخفيف قوله و قالوا لو لا أنزل عليه ملك و لو أنزلنا ملكا و لأن الإنزال يعم التنزيل و غيره و حجة ابن عامر ما ننزل الملائكة و تنزل الملائكة و الروح فيها لأن تنزل مطاوع نزل و لو أننا نزلنا إليهم الملائكة و قال أبو الحسن من قرأ « مسومين » بالكسر فلأنهم سوموا الخيل و من قرأ مسومين فلأنهم سوموا و قال مسومين معلمين و يكون مرسلين من سوم الخيل إذا أرسلها و منه السائمة و قال علي بن عيسى أن اختيار الكسر لتظاهر الأخبار بأنهم سوموا خيلهم بعلامة و قال رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) سوموا فإن الملائكة قد سومت .
اللغة
بدر ما بين مكة و المدينة و قال الشعبي سمي بدرا لأن هناك ماء لرجل يسمى بدرا فسمي الموضع باسم صاحبه و قال الواقدي هو اسم للموضع و كل شيء تم فهو بدر و سمي بدر السماء بدرا لتمامه و امتلائه و عين بدرة ممتلئة يقال استكفيته الأمر فكفاني و كفاك هذا الأمر أي حسبك و الفرق بين الاكتفاء و الاستغناء أن الاكتفاء هو الاقتصار على ما ينفي الحاجة و الاستغناء الاتساع فيما ينفي الحاجة و الأمداد هو إعطاء الشيء حالا بعد حال و المد في السير هو الاستمرار عليه و امتد بهم السير إذا طال و استمر و أمددت الجيش بمدد و أمد الجرح فهو ممد إذا صارت فيه المدة و مد النهر إذا جرى يقال مد النهر و مده نهر آخر و يقال مده في الشر و أمده في الخير و أصل الفور فور القدر فهو غليانها عند شدة الحمى و منه فورة الغضب لأنه كفور القدر و منه فارت العين بالماء إذا جاشت به و منه الفوارة لأنها تفور بالماء كما تفور القدر بما فيها و منه جاء على الفور أي على ابتداء الحمى قبل أن تبرد عنه نفسه و قيل الفور القصد إلى الشيء بحدة .
الإعراب
« و أنتم أذلة » في موضع نصب على الحال و « أن يمدكم ربكم » في موضع

(2/340)


رفع بأنه فاعل « أ لن يكفيكم » إمدادكم و قوله « من فورهم » هذا في موضع جر صفة لفورهم و قوله « و لتطمئن قلوبكم به » معطوف على قوله « بشرى لكم » لأن تقديره لتبشروا به و لتطمئن .
المعنى
ثم بين الله تعالى ما فعله بهم من النصر يوم بدر فقال « و لقد نصركم الله » أيها المؤمنون « ببدر » بتقوية قلوبكم و بما أمدكم به من الملائكة و بإلقاء الرعب في قلوب أعدائكم « و أنتم أذلة » أي ضعفاء عن المقاومة قليلو العدد قليلو العدة جمع ذليل و روي عن ابن عباس أنه قال كان المهاجرون يوم بدر سبعة و سبعين رجلا و الأنصار مائتين و ستة و ثلاثين رجلا و الجميع ثلاثمائة و ثلاث عشر رجلا و كان المشركون نحوا من ألف رجل و روي عن بعض الصادقين أنه قرأ و أنتم ضعفاء و قال لا يجوز وصفهم بأنهم أذلة و فيهم رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و كان صاحب راية رسول الله يوم بدر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) و صاحب راية الأنصار سعد بن عبادة و قيل سعد بن معاذ « فاتقوا الله » أي اجتنبوا معاصيه و اعملوا بطاعته « لعلكم تشكرون » أي لتقوموا بشكر نعمته « إذ تقول » خطاب للنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أي إذ تقول يا محمد للمؤمنين من أصحابك « أ لن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة » هو إخبار بأن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال لقومه أ لن يكفيكم يوم بدر أن جعل ربكم ثلاثة آلاف من الملائكة مددا لكم قال ابن عباس و الحسن و قتادة و غيرهم إن الأمداد بالملائكة كان يوم بدر و قال ابن عباس لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر و كانوا في غيره من الأيام عدة و مددا و قال الحسن كان جميعهم خمسة آلاف فمعناه يمددكم ربكم بتمام خمسة آلاف و قال غيره كانوا ثمانية آلاف فمعناه بخمسة آلاف أخر و قيل إن الوعد بالإمداد بالملائكة كان يوم أحد وعدهم الله المدد أن صبروا عن عكرمة و الضحاك « منزلين » أنزلهم الله من السماء إلى الأرض لنصرتكم « بلى » تصديق للوعد أي يفعل كما وعدكم و يزيدكم « إن تصبروا » معناه إن صبرتم على الجهاد و على ما أمركم الله ( تعالى ) « و تتقوا » معاصي الله و مخالفة رسوله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) « و يأتوكم » يعني المشركين أن رجعوا إليكم « من فورهم هذا » أي من وجههم هذا عن ابن عباس و الحسن و قتادة و الربيع و السدي و على هذا فإنما هو من فور الابتدار لهم و هو ابتداؤه و قيل معناه من غضبهم هذا عن مجاهد و أبي صالح و الضحاك و كانوا قد غضبوا يوم أحد ليوم بدر مما لقوا فهو من فور الغضب و هو غليانه « يمددكم بخمسة آلاف من الملائكة » أي يعطكم مددا لكم و نصرة و إنما قال ذلك لأن الكفار في غزوة أحد ندموا بعد انصرافهم لم لم يغيروا المدينة و هموا بالرجوع

(2/341)


فأوحى الله إلى نبيه (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أن يأمر أصحابه بالتهيء للرجوع إليهم و قال لهم إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ثم قال إن صبرتم على الجهاد و راجعتم الكفار أمدكم الله بخمسة آلاف من الملائكة مسومين فأخذوا في الجهاد و خرجوا يتبعون الكفار على ما كان بهم من الجراح فأخبر المشركين من مر برسول الله أنه خرج يتبعكم فخاف المشركون أن رجعوا أن تكون الغلبة للمسلمين و أن يكون قد التام إليهم من كان تأخر عنهم و انضم إليهم غيرهم فدسوا نعيم بن مسعود الأشجعي حتى يصدهم بتعظيم أمر قريش و أسرعوا في الذهاب إلى مكة و كفى الله المسلمين أمرهم و القصة معروفة و لذلك قال قوم من المفسرين إن جميعهم ثمانية آلاف و قال الحسن خمسة آلاف جميعهم منهم ثلاثة آلاف المنزلين على أن الظاهر يقتضي أن الأمداد بثلاثة آلاف كان يوم بدر لأن قوله إذ تقول للمؤمنين الآية يتعلق بقوله و لقد نصركم الله ببدر الآية ثم استأنف حكم يوم أحد فقال بلى أن تصبروا و تتقوا و يأتوكم من فورهم هذا أي إن يرجعوا إليكم بعد انصرافهم أمدكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين و هذا قول البلخي رواه عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال لم يمدوا يوم أحد و لا بملك واحد و على هذا فلا تنافي بين الآيتين فمتى يسأل كيف لم يمدوا بالملائكة في سائر الحروب فالجواب أن ذلك تابع للمصلحة فإذا علم الله في إمدادهم المصلحة أمدهم و قوله « مسومين » بالكسر أي معلمين أعلموا أنفسهم و مسومين بالفتح سومهم الله أي أعلمهم قال ابن عباس و الحسن و قتادة و غيرهم كانوا أعلموا بالصوف في نواصي الخيل و أذنابها و قال عروة نزلت الملائكة يوم بدر على خيل بلق و عليهم عمائم صفر و قال علي و ابن عباس كانت عليهم عمائم بيض و أرسلوا أذنابها بين أكتافهم قال السدي معنى مسومين بالفتح مرسلين من الناقة السائمة أي المرسلة في المرعى « و ما جعله الله إلا بشرى لكم » أي و ما جعل الله الأمداد و الوعد به فالهاء عائدة على غير مذكور باسمه و هو معلوم بدلالته عليه لأن يمدد يدل على الأمداد و « بشرى لكم » أي بشارة لكم لتستبشروا به و لتطمئن قلوبكم به أي و لتسكن قلوبكم فلا تخافوا كثرة عدد العدو و قلة عددكم « و ما النصر » أي و ما المعونة « إلا من عند الله » و معناه أن الحاجة إلى الله تعالى لازمة في المعونة و إن أمدكم بالملائكة فلا استغناء لكم عن معونته طرفة عين في تقوية قلوبكم و خذلان عدوكم بضعف قلوبهم إلى غير ذلك و قيل إن معناه و ما هذا النصر إلا بإمداد الملائكة إلا من عند الله « العزيز » أي القادر على انتقامه من الكفار بأيدي المؤمنين « الحكيم » في تدبيره للمؤمنين و للعالمين و إنما قال ذلك ليعلمهم أن حربهم للمشركين إنما هو لإعزاز الدين و قيل العزيز المنيع باقتداره و الحكيم في تدبيره للخلق .
]

(2/342)


فصل وجيز في ذكر مغازي رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم)
[ قال المفسرون جميع ما غزا رسول الله بنفسه ستة و عشرون غزاة و أول غزاة غزاها غزوة الأبواء ثم غزوة بواط ثم غزوة العشيرة ثم غزوة بدر الأولى ثم غزوة بدر الكبرى ثم غزوة بني سليم ثم غزوة السويق ثم غزوة ذي أمر ثم غزوة أحد ثم غزوة الأسد ثم غزوة بني النضير ثم غزوة ذات الرقاع ثم غزوة بدر الأخيرة ثم غزوة دومة الجندل ثم غزوة بني قريظة ثم غزوة بني لحيان ثم غزوة بني قرد ثم غزوة بني المصطلق ثم غزوة الحديبية ثم غزوة خيبر ثم غزوة الفتح فتح مكة ثم غزوة حنين ثم غزوة الطائف ثم غزوة تبوك قاتل منها في تسع غزوات غزوة بدر الكبرى و هو يوم الجمعة السابع عشر من رمضان سنة اثنتين من الهجرة و أحد و هو في شوال سنة ثلاث من الهجرة و الخندق و بني قريظة في شوال سنة أربع و بني المصطلق و بني لحيان في شعبان سنة خمس و خيبر سنة ست و الفتح في رمضان ثمان و حنين و الطائف في شوال سنة ثمان فأول غزوة غزاها بنفسه فقاتل فيها بدر و آخرها تبوك و أما عدد سراياه فست و ثلاثون سرية على ما عد في مواضعه .
لِيَقْطعَ طرَفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتهُمْ فَيَنقَلِبُوا خَائبِينَ(127) لَيْس لَك مِنَ الأَمْرِ شىْءٌ أَوْ يَتُوب عَلَيهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظلِمُونَ(128)
اللغة
الكبت الخزي و هو مصدر كبت الله العدو أي أخزاه و أذله و قال الخليل الكبت صرح الشيء على وجهه كبتهم الله فانكبتوا و حقيقة الكبت شدة الوهن الذي يقع في القلب و ربما صرع الإنسان لوجهه للخور الذي يدخله و الخائب المنقطع عما أمل و لا يكون الخيبة إلا بعد الأمل لأنها امتناع نيل ما أمل و اليأس قد يكون قبل الأمل و قد يكون بعده و اليأس و الرجاء نقيضان يتعاقبان كتعاقب الخيبة و الظفر .
الإعراب
نصب « أو يتوب عليهم » على وجهين أحدهما أن يكون عطفا على ليقطع و يكون قوله « ليس لك من الأمر شيء » اعتراضا بين المعطوف و المعطوف عليه كما تقول ضربت زيدا فافهم ذلك و عمرا و الآخر أن يكون أو بمعنى إلا أن فكأنه قال ليس لك من الأمر شيء إلا أن يتوب الله عليهم أو يعذبهم فيكون أمرك تابعا لأمر الله لرضاك بتدبيره فيهم .

(2/343)


المعنى
« ليقطع طرفا من الذين كفروا » اختلف في وجه اتصاله بما قبله فقيل يتصل بقوله « و ما النصر إلا من عند الله » و معناه أعطاكم الله هذا النصر و خصكم به ليقطع طائفة من الذين كفروا بالأسر و القتل و قيل هو متصل بقوله « و لقد نصركم الله ببدر » أي و لقد نصركم الله ببدر ليقطع طرفا و قيل معناه ذلك التدبير ليقطع طرفا أي قطعة منهم و المعنى ليهلك طائفة منهم و قيل ليهدم ركنا من أركان الشرك بالقتل و الأسر و أما اليوم الذي قطع الله فيه الطرف من الذين كفروا فيوم بدر قتل فيه صناديدهم و رؤساءهم و قادتهم إلى الكفر في قول الحسن و الربيع و قتادة و قيل هو يوم أحد قتل فيه منهم ثمانية عشر رجلا و إنما قال « ليقطع طرفا » منهم و لم يقل ليقطع وسطا منهم لأنه لا يوصل إلى الوسط منهم إلا بقطع الطرف و لأن الطرف أقرب إلى المؤمنين فهو كما قال « قاتلوا الذين يلونكم من الكفار » « أو يكبتهم » معناه أو يخزيهم بالخيبة مما أملوا من الظفر بكم عن قتادة و الربيع و قيل معناه يردهم عنكم منهزمين عن الجبائي و الكلبي و قيل يصرعهم الله على وجوههم و قيل معناه يردهم عنكم منهزمين عن الجبائي و الكلبي و قيل يصرعهم الله على وجوههم و قيل يظفركم عليهم عن المبرد و قيل يلعنهم عن السدي و قيل يهلكهم عن أبي عبيدة « فينقلبوا خائبين » لم ينالوا مما أملوا شيئا « ليس لك من الأمر شيء » قيل هو متصل بقوله « و ما النصر إلا من عند الله » فيكون معناه نصركم الله ليقطع طرفا منهما و يكبتهم و ليس لك و لا لغيرك من هذا النصر شيء عن أبي مسلم و قيل أنه اعتراض بين الكلامين و قوله « أو يتوب » عليهم متصل بقوله « ليقطع طرفا » فيكون التقدير ليقطع طرفا منهم أو يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم قد استحقوا العذاب و ليس لك أي ليس إليك من هذه الأربعة شيء و ذلك إلى الله تعالى و اختلف في سبب نزوله فروي عن أنس بن مالك و ابن عباس و الحسن و قتادة و الربيع أنه لما كان من المشركين يوم أحد ما كان من كسر رباعية الرسول و شجه حتى جرت الدماء على وجهه قال كيف يفلح قوم نالوا هذا من نبيهم (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و هو مع ذلك حريص على دعائهم إلى ربهم فأعلمه الله أنه ليس إليه فلاحهم و أنه ليس إليه إلا أن يبلغ الرسالة و يجاهد حتى يظهر الدين و إنما ذلك إلى الله تعالى و كان الذي كسر رباعيته و شجه في وجهه عتبة بن أبي وقاص فدعا عليه بأن لا يحول عليه الحول حتى يموت كافرا فمات كافرا قبل أن يحول الحول و أدمى وجهه رجل من هذيل يقال له عبد الله بن قمية فدعا عليه فكان حتفه أن سلط الله عليه تيسا فنطحه حتى قتله و روي أنه كان يمسح الدم على وجهه و يقول اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون فعلى هذا يمكن أن يكون على وجل من عنادهم و إصرارهم على الكفر فأخبره تعالى ( أنه ليس إليه إلا ما أمر به من تبليغ الرسالة و دعائهم إلى الهدى ) و ذلك مثل قوله « لعلك باخع نفسك ألا

(2/344)


يكونوا مؤمنين » و قيل أنه استأذن ربه في يوم أحد في الدعاء عليهم فنزلت الآية فلم يدع عليهم بعذاب الاستيصال و إنما لم يؤذن له فيه لما كان في المعلوم من توبة بعض عن أبي علي الجبائي و قيل أراد رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أن يدعو على المنهزمين عنه من أصحابه يوم أحد فنهاه الله عن ذلك و تاب عليهم و نزلت الآية « ليس لك من الأمر شيء » أي ليس لك أن تلعنهم و تدعو عليهم عن عبد الله بن مسعود و قيل لما رأى رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و المسلمون ما فعل بأصحابه و بعمه حمزة من المثلة من جدع الأنوف و الآذان و قطع المذاكير قالوا لئن أدالنا الله منهم لنفعلن بهم مثل ما فعلوا بنا و لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط فنزلت الآية عن محمد بن إسحاق و الشعبي و قيل نزلت في أهل بئر معونة و هم سبعون رجلا من قراء أصحاب رسول الله و أميرهم المنذر بن عمرو بعثهم رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) إلى بئر معونة في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد ليعلموا الناس القرآن و العلم فقتلهم جميعا عامر بن الطفيل و كان فيهم عامر بن فهيرة مولى أبي بكر فوجد رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) من ذلك وجدا شديدا و قنت عليهم شهرا فنزل « ليس لك من الأمر شيء » عن مقاتل و الأصح أنها نزلت في أحد لأن أكثر العلماء عليه و يقتضيه سياق الكلام و إنما قال « ليس لك من الأمر شيء » مع أن له (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أن يدعوهم إلى الله و يؤدي إليهم بتبليغهم لأن معناه ليس لك شيء من أمر عقابهم و استيصالهم أو الدعاء عليهم أو لعنهم حتى تقع إنابتهم فجاء الكلام على الإيجاز لأن المعنى مفهوم لدلالة الكلام عليه و أيضا فإنه لا يعتد بما له (صلى الله عليهوآلهوسلّم) في تدبيرهم مع تدبير الله لهم فكأنه قال ليس لك من الأمر شيء على وجه من الوجوه و قوله « أو يتوب عليهم » قيل في معناه وجهان أحدهما أو يلطف لهم بما يقع معه توبتهم فيتوب عليهم بلطفه لهم و الآخر أو يقبل توبتهم إذا تابوا كقوله غافر الذنب و قابل التوب و لا يصح هذه الصفة إلا لله تعالى لأنه يملك الجزاء بالثواب و العقاب « أو يعذبهم » أي يعذبهم الله تعالى إن لم يتوبوا « فإنهم ظالمون » أي مستحقون للعذاب بظلمهم و في هذه الآية دلالة على أن ما يتعلق بالنصر و الظفر و قبول التوبة و التعذيب فإنما هو إلى الله و ليس للنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) من ذلك شيء و إنما إليه الهداية و الدعاء فكأنه قال لا ترفع عنهم السيف إلى أن يتوبوا فيتوب عليهم أو يقوموا على كفرهم فيعذبهم بظلمهم .
وَ للَّهِ مَا فى السمَوَتِ وَ مَا فى الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ وَ يُعَذِّب مَن يَشاءُ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(129)

(2/345)


اللغة
إنما ذكر لفظ ما لأنها أعم من من فإنها تتناول ما يعقل و ما لا يعقل لأنها تفيد الجنس و لو قال من في السماوات لم يدخل فيه إلا العقلاء إلا أن يحمل على التغليب و ذلك ليس بحقيقة .
المعنى
لما قال تعالى « ليس لك من الأمر شيء » عقب ذلك بأن الأمر كله له فقال « و لله ما في السماوات و ما في الأرض » ملكا و ملكا و خلقا و اقتدارا على الجميع يصرفهم كيف يشاء إيجادا و إفناء و إعادة « يغفر لمن يشاء » من المؤمنين ذنوبهم فلا يؤاخذهم بها و لا يعاقبهم عليها رحمة منه و فضلا « و يعذب من يشاء » أي و يعذب الكافرين و من يشاء من مذنبي المؤمنين إن مات قبل التوبة عدلا و يدل عليه مفسرا قوله إن الله لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء و لو لا ذلك لكنا نجوز العفو على الجميع عقلا و قيل إنما أبهم الله الأمر بالتعذيب و المغفرة فلم يبين من يغفر له و من يشاء تعذيبه ليقف المكلف بين الخوف و الرجاء فلا يأمن من عذاب الله تعالى و لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون و يلتفت إلى هذا قول الصادق لو وزن رجاء المؤمن و خوفه لاعتدلا و قيل إنما علق الغفران أو العذاب بالمشيئة لأن المشيئة مطابقة للحكمة فلا يشاء إلا ما تقتضي الحكمة مشيئة و سئل بعضهم كيف يعذب الله عباده بالأجرام مع سعة رحمته فقال رحمته لا تغلب حكمته إذ لا تكون رحمته برقة القلب كما تكون الرحمة منا و عن ابن عباس قال معنى الآية يغفر لمن يشاء و يعذب من يشاء ممن لم يتب .
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَأْكلُوا الرِّبَوا أَضعَفاً مُّضعَفَةً وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(130) وَ اتَّقُوا النَّارَ الَّتى أُعِدَّت لِلْكَفِرِينَ(131) وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ الرَّسولَ لَعَلَّكمْ تُرْحَمُونَ(132)
المعنى
لما ذكر سبحانه أن له التعذيب لمن يشاء و المغفرة لمن يشاء وصل ذلك بالنهي عما لو فعلوا لاستحقوا عليه العذاب و هو الربا فقال تعالى « يا أيها الذين آمنوا » أي صدقوا الله و رسوله « لا تأكلوا الربوا » ذكر الأكل لأنه معظم الانتفاع و إن كان غيره

(2/346)


من التصرفات أيضا منهيا عنه و الرباء الزيادة على أصل المال بالتاخير عن الأجل الحال و قيل هو ربا الجاهلية عن عطا و مجاهد « أضعافا مضاعفة » قيل في معناه قولان أحدهما أن يضاعف بالتاخير أجلا بعد أجل كلما أخر عن أجل إلى غيره زيد زيادة على المال و الثاني معناه تضاعفون به أموالكم و يدخل فيه كل زيادة محرمة في المعاملة من جهة المضاعفة و وجه تحريم الربا هو المصلحة التي علمها الله و ذكر فيه وجوه على وجه التقريب منها أنه للفصل بينه و بين البيع و منها أنه يدعو إلى العدل و يحض عليه و منها أنه يدعو إلى مكارم الأخلاق بالإقراض و إنظار المعسر من غير زيادة و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) و إنما أعاد تحريم الربا مع ما سبق ذكره في سورة البقرة لأمرين أحدهما التصريح بالنهي عنه بعد الإخبار بتحريمه لما في ذلك من تصريف الخطر له و شدة التحذير منه و الثاني لتأكيد النهي عن هذا الضرب منه الذي يجري على الأضعاف المضاعفة « و اتقوا الله » أي اتقوا معاصيه و قيل اتقوا عقابه بترك معاصيه « لعلكم تفلحون » لكي تنجحوا بإدراك ما تأملونه و تفوزوا بثواب الجنة « و اتقوا النار » أي اتقوا الأفعال الموجبة لدخول النار التي « أعدت للكافرين » أي هيئت و اتخذت للكافرين و الوجه في تخصيص الكفار بإعداد النار لهم أنهم معظم أهل النار فهم العمدة في إعداد النار لهم و غيرهم من الفاسقين يدخلونها على وجه التبع فهو كقوله « أعدت للمتقين » و معلوم أنه قد يدخلها غير المتقين من الأطفال و المجانين و قال الحسن تخصيص الكفار بإعداد النار لهم لا يمنع من مشاركة غيرهم إياهم كما أن تخصيص المرتدين باسوداد الوجوه لا يمنع من مشاركة سائر الكفار إياهم و مثله في القرآن كثير و الأصل أن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على أن ما عداه بخلافه « و أطيعوا الله » فيما أمركم به و أطيعوا الرسول فيما شرع لكم « لعلكم ترحمون » أي لكي ترحموا فلا يعذبكم و مما يسأل على هذا أن يقال إذا كانت طاعة الرسول طاعة الله فما وجه التكرار فالجواب عنه شيئان ( أحدهما ) إن المقصد بها طاعة الرسول فيما دعا إليه مع القصد لطاعة الله ( و الثاني ) إنما قال ذلك ليعلم أن من أطاعه فيما دعا إليه فهو كمن أطاع الله فيسارع إلى ذلك بأمر الله .
النظم
و قد قيل في وجه اتصال هذه الآية بما قبلها قولان ( أحدهما ) لاتصال الأمر بالطاعة بالنهي عن أكل الربا فكأنه قال و أطيعوا الله فيما نهاكم عنه من أكل الربا و غيره ( و الثاني ) ما قاله محمد بن إسحاق بن يسار أنه معاتبة للذين عصوا رسول الله

(2/347)


لما أمرهم به يوم أحد من لزوم مراكزهم فخالفوا و اشتغلوا بالغنيمة و كان ذلك سبب هزيمة أصحاب رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) .
* وَ سارِعُوا إِلى مَغْفِرَة مِّن رَّبِّكمْ وَ جَنَّة عَرْضهَا السمَوَت وَ الأَرْض أُعِدَّت لِلْمُتَّقِينَ(133) الَّذِينَ يُنفِقُونَ فى السرَّاءِ وَ الضرَّاءِ وَ الْكظِمِينَ الْغَيْظ وَ الْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَ اللَّهُ يحِب الْمُحْسِنِينَ(134)
القراءة
قرأ أهل المدينة و الشام سارعوا بغير واو و كذلك هو في مصاحفهم و الباقون بالواو و كذلك هو في مصاحف مكة و العراق .
الحجة
و الفرق بينهما استئناف الكلام إذا كان بغير واو و وصلها بما تقدم إذا قرىء بواو لأنه يكون عطفا على ما تقدم و يجوز أيضا ترك الواو لأن الجملة الثانية ملتبسة بالأولى مستغنية بذلك عن عطفها بالواو كما جاء في التنزيل ثلاثة رابعهم كلبهم و قال سبعة و ثامنهم كلبهم .
اللغة
أصل الكظم شد رأس القربة عن ملئها تقول كظمت القربة إذ ملأتها ماء ثم شددت رأسها و فلان كظيم و مكظوم إذا كان ممتلئا حزنا و كذلك إذا كان ممتلئا غضبا لم ينتقم و كظم البعير إذا لم يجتر و الكظامة القناة التي تجري تحت الأرض سميت بذلك لامتلائها تحت الأرض و في غريب الحديث لأبي عبيدة عن أوس بن أبي أوس أنه رأى النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أتى كظامة قوم فتوضأ و مسح على قدميه و يقال أخذ بكظمه أي مجرى نفسه لأنه موضع الامتلاء بالنفس و الفرق بين الغيظ و الغضب إن الغضب ضد الرضا و هو إرادة العقاب المستحق بالمعاصي و لعنه و ليس كذلك الغيظ لأنه هيجان الطبع بتكره ما يكون من المعاصي و لذلك يقال غضب الله على الكفار و لا يقال اغتاظ منهم .

(2/348)


المعنى
لما حذر الله تعالى عن الأفعال الموجبة للعقاب عقبه بالحث على الأفعال الموجبة للثواب فقال « و سارعوا » أي بادروا « إلى مغفرة من ربكم » باجتناب معاصيه و معناه إلى الأعمال التي توجب المغفرة و اختلف في ذلك فقيل سارعوا إلى الإسلام عن ابن عباس و قيل إلى أداء الفرائض عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) و قيل إلى الهجرة عن أبي العالية و قيل إلى التكبيرة الأولى عن أنس بن مالك و قيل إلى أداء الطاعات عن سعيد بن جبير و قيل إلى الصلوات الخمس عن يمان و قيل إلى الجهاد عن الضحاك و قيل إلى التوبة عن عكرمة « و جنة » أي و إلى جنة « عرضها السماوات و الأرض » و اختلف في معناه على أقوال أحدها أن المعنى عرضها كعرض السماوات السبع و الأرضين السبع إذا ضم بعض ذلك إلى بعض عن ابن عباس و الحسن و اختاره الجبائي و البلخي و إنما ذكر العرض بالعظم دون الطول لأنه يدل على أن الطول أعظم من العرض و ليس كذلك لو ذكر الطول دون العرض و مثل الآية قوله « ما خلقكم و لا بعثكم إلا كنفس واحدة » و معناه إلا كخلق و بعث نفس واحدة و قال الشاعر :
كان عذيرهم بجنوب سلي
نعام قاق في بلد قفار أي عذير نعام و قال آخر :
حسبت بغام راحلتي عناقا
و ما هي ويب غيرك بالعناق أي صوت عناق و ثانيها أن معناه ثمنها لو بيعت كثمن السماوات و الأرض لو بيعتا كما يقال عرضت هذا المتاع للبيع و المراد بذلك عظم مقدارها و جلالة قدرها و أنه لا يساويها شيء و إن عظم عن أبي مسلم الأصفهاني و هذا وجه مليح إلا أن فيه تعسفا و ثالثها أن عرضها لم يرد به العرض الذي هو خلاف الطول و إنما أراد سعتها و عظمها و العرب إذا وصفت الشيء بالسعة وصفته بالعرض قال امرؤ القيس :
بلاد عريضة و أرض أريضة
مواقع عيث في فضاء عريض و قال ذو الرمة :
فأعرض في المكارم و استطالا أي توسع فيها و يسأل فيقال إذا

(2/349)


كانت الجنة عرضها كعرض السماء و الأرض فأين تكون النار فجوابه أنه روي أن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) سئل عن ذلك فقال سبحان الله إذا جاء النهار فأين الليل و هذه معارضة فيها إسقاط المسألة لأن القادر على أن يذهب بالليل حيث شاء قادر على أن يخلق النهار حيث شاء و يسأل أيضا فيقال إذا كانت الجنة في السماء فكيف يكون لها هذا العرض و الجواب أنه قيل أن الجنة فوق السماوات السبع تحت العرش عن أنس بن مالك و قيل إن الجنة فوق السماوات السبع و النار تحت الأرضين السبع عن قتادة و قيل إن معنى قولهم أن الجنة في السماء أنها في ناحية السماء و جهة السماء لا أن السماء تحويها و لا ينكر أن يخلق الله في العلو أمثال السماوات و الأرضين فإن صح الخبر أنها في السماء الرابعة كان كما يقال في الدار بستان لاتصاله بها و كونه في ناحية منها أو يشرع إليها بابها و إن كان أضعاف الدار و قيل أن الله يريد في عرضها يوم القيامة فيكون المراد عرضها السماوات و الأرض يوم القيامة لا في الحال عن أبي بكر أحمد بن علي مع تسليم أنها في السماء و قوله « أعدت للمتقين » أي المطيعين لله و لرسوله لاجتنابهم المقبحات و فعلهم الطاعات و يجوز لاحتجازهم بالطاعة عن العقوبة و إنما أضيفت إلى المتقين لأنهم المقصودون بها و إن دخلها غيرهم من الأطفال و المجانين فعلى وجه التبع و كذلك حكم الفساق لو عفي عنهم و قيل معناه أنه لو لا المتقون لما خلقت الجنة كما يقال وضعت المائدة للأمير و هذا يدل على أن الجنة مخلوقة اليوم لأنها لا تكون معدة إلا و هي مخلوقة « الذين ينفقون في السراء و الضراء » صفة للمتقين و في معنى السراء و الضراء قولان ( أحدهما ) أن معناه في اليسر و العسر عن ابن عباس أي في حال كثرة المال و قلته ( و الثاني ) في حال السرور و الاغتمام أي لا يقطعهم شيء من ذلك عن إنفاق المال في وجوه البر « و الكاظمين الغيظ » أي المتجرعين للغيظ عند امتلاء نفوسهم منه فلا ينتقمون ممن يدخل عليهم الضرر بل يصبرون على ذلك « و العافين عن الناس » يعني الصافحين عن الناس المتجاوزين عما يجوز العفو و التجاوز عنه مما لا يؤدي إلى الإخلال بحق الله تعالى و قيل العافين عن المملوكين « و الله يحب المحسنين » أي من فعل ذلك فهو محسن و الله يحبه بإيجاب الثواب له و يحتمل أن يكون الإحسان شرطا مضموما إلى هذه الشرائط قال الثوري الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك فأما من أحسن إليك فإنه متاجرة كنقد السوق خذ مني و هات .
] فصل [
فأول ما عدد الله من أخلاق أهل الجنة السخاء و مما يؤيد ذلك من الأخبار ما رواه أنس بن مالك عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال السخاء شجرة في الجنة أغصانها في الدنيا

(2/350)


من تعلق بغصن من أغصانها قادته إلى الجنة و البخل شجرة في النار أغصانها في الدنيا فمن تعلق بغصن من أغصانها قادته إلى النار و قال علي (عليه السلام) الجنة دار الأسخياء و قال (عليه السلام) السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار و البخيل بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار ثم عد تعالى بعد ذلك من أخلاق أهل الجنة كظم الغيظ و مما جاء فيه من الأخبار ما رواه أبو أمامة قال قال رسول الله من كظم غيظه و هو قادر على إنفاذه ملأه الله يوم القيامة رضا و في خبر آخر ملأه الله يوم القيامة أمنا و إيمانا و قال أيضا كاظم الغيظ كضارب السيف في سبيل الله في وجه عدوه و ملأ الله قلبه رضا و في خبر آخر ملأ الله قلبه يوم القيامة أمنا و أمانا و قال (عليه السلام) ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ثم ذكر « العافين عن الناس » و روي أن رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال أن هؤلاء في أمتي قليل إلا من عصم الله و قد كانوا كثيرا في الأمم التي مضت و في هذا دليل واضح على أن العفو عن المعاصي مرغب فيه مندوب إليه و إن لم يكن واجبا و قال النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) ما عفا رجل عن مظلمة قط إلا زاده الله بها عزا ثم ذكر سبحانه أنه يحب المحسنين و المحسن هو المنعم على غيره على وجه عار من وجوه القبح و يكون المحسن أيضا هو الفاعل للأفعال الحسنة من وجوه الطاعات و القربات و روي أن جارية لعلي بن الحسين جعلت تسكب عليه الماء ليتهيأ للصلاة فسقط الإبريق من يدها فشجه فرفع رأسه إليها فقالت له الجارية إن الله تعالى يقول « و الكاظمين الغيظ » فقال لها قد كظمت غيظي قالت « و العافين عن الناس » قال قد عفا الله عنك قالت « و الله يحب المحسنين » قال اذهبي فأنت حرة لوجه الله .
وَ الَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَحِشةً أَوْ ظلَمُوا أَنفُسهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاستَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَ مَن يَغْفِرُ الذُّنُوب إِلا اللَّهُ وَ لَمْ يُصرُّوا عَلى مَا فَعَلُوا وَ هُمْ يَعْلَمُونَ(135) أُولَئك جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَ جَنَّتٌ تجْرِى مِن تحْتِهَا الأَنهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا وَ نِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ(136)
اللغة
أصل الفاحشة الفحش و هو الخروج إلى عظيم القبح أو رأي العين فيه

(2/351)


و لذلك قيل للطويل المفرط أنه لفاحش الطول و أفحش فلان إذا أفصح بذكر الفحش و الإصرار أصله الشد من الصرة و الصر شدة البرد فكأنما هو ارتباط الذنب بالإقامة عليه و قيل أصله الثبات على الشيء و قال الحطيئة يصف الخيل :
عوابس بالشعث الكمأة إذا انتقوا
علالتها بالمخصرات أصرت أي إذا اختاروا بقية جريها بالسياط ثبتت على جريها .
الإعراب
و الذين عطف على المتقين و قيل رفع على الاستئناف كأنه عطف جملة على جملة فعلى القول الأول هم فرقة واحدة و على القول الثاني هم فرقتان و يجوز أن يكون راجعا إلى الأولين و يكون محله رفعا على المدح و قوله « إلا الله » يرتفع الله حملا على المعنى لا على اللفظ إذ ليس قبله جحد و تقديره و هل يغفر الذنوب أحد إلا الله أو هل رأى أحد يغفر الذنوب إلا الله و معناه لا يغفر الذنوب إلا الله لأن الاستفهام قد يقع موقع النفي « و نعم أجر العاملين » المخصوص بالمدح محذوف و تقديره و نعم أجر العاملين أجرهم .
النزول
روي أن قوما من المؤمنين قالوا يا رسول الله بنو إسرائيل أكرم على الله منا كان أحدهم إذا أذنب أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة على عتبة بابه ( أجدع أنفك أو أذنك افعل كذا ) فسكت رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فنزلت الآية فقال أ لا أخبركم بخير من ذلكم و قرأ عليهم هذه الآية عن ابن مسعود و في ذلك تسهيل لما كان قد شدد فيه على بني إسرائيل إذ جعل الاستغفار بدلا منه و قيل نزلت في نبهان التمار أتته امرأة تبتاع منه تمرا فقال لها إن هذا التمر ليس بجيد و في البيت أجود منه و ذهب بها إلى بيته فضمها إلى نفسه فقبلها فقالت له اتق الله فتركها و ندم و أتى النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و ذكر له ذلك فنزلت الآية عن عطاء .
المعنى
« و الذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم » اختلفوا في الفاحشة و ظلم النفس فقيل الفاحشة الزنا و ظلم النفس سائر المعاصي عن السدي و جابر و قيل الفاحشة الكبائر و ظلم النفس الصغائر عن القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني و قيل الفاحشة اسم لكل معصية ظاهرة و باطنة إلا أنها لا تكاد تقع إلا على الكبيرة عن علي بن عيسى و قيل فعلوا فاحشة فعلا أو ظلموا أنفسهم قولا « ذكروا الله » أي ذكروا وعيد الله فانزجروا عن المعصية و استغفروا لذنوبهم فيكون من الذكر بعد النسيان و إنما مدحهم

(2/352)


لأنهم تعرضوا للذكر و قيل ذكروا الله بأن قالوا اللهم اغفر لنا ذنوبنا فإنا تبنا نادمين عليها مقلعين عنها و قوله « و من يغفر الذنوب إلا الله » من لطيف فضل الله تعالى و بليغ كرمه و جزيل منته و هو الغاية في ترغيب العاصين في التوبة و طلب المغفرة و النهاية في تحسين الظن للمذنبين و تقوية رجاء المجرمين و هذا كما يقول السيد لعبده و قد أذنب ذنبا اعتذر إلي و من يقبل عذرك سواي و إذا سئل أن العباد قد يغفر بعضهم لبعض الإساءة فالجواب أن الذنوب التي يستحق عليها العقاب لا يغفرها إلا الله و أيضا فإنه أراد سبحانه غفران الكبائر العظام و الإساءة من بعضنا إلى بعض صغيرة بالإضافة إليها « و لم يصروا على ما فعلوا » أي لم يقيموا على المعصية و لم يواظبوا عليها و لم يلزموها و قال الحسن هو فعل الذنب من غير توبة و هو قريب من الأول و ذلك لا يكفي فإن التوبة مجرد الاستغفار مع الإصرار و ذلك إن الاستغفار إنما يؤثر عند ترك الإصرار و قد روي عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال لا صغيرة مع الإصرار و لا كبيرة مع الاستغفار يعني لا تبقى الكبيرة كبيرة مع التوبة و الاستغفار و لا تبقى الصغيرة صغيرة مع الإصرار و في تفسير ابن عباس الإصرار السكون على الذنب بترك التوبة و الاستغفار منه و قوله « و هم يعلمون » يحتمل وجوها ( أحدها ) أن معناه و هم يعلمون الخطيئة ذاكرين لها غير ساهين و لا ناسين لأنه تعالى يغفر للعبد ما نسيه من ذنوبه و إن لم يتب منه بعينه عن الجبائي و السدي ( و ثانيها ) إن معناه و هم يعلمون الحجة في أنها خطيئة فإذا لم يعلموا و لا طريق لهم إلى العلم به كان الإثم موضوعا عنهم كمن تزوج أمة من الرضاع و النسب و هو لا يعلم به فإذا لا يأثم و هذا معنى قول ابن عباس و الحسن ( و ثالثها ) إن المراد و هم يعلمون إن الله يملك مغفرة ذنوبهم عن الضحاك « أولئك » إشارة إلى من تقدم وصفهم من المتقين الذين ينفقون في السراء و الضراء إلى آخر الكلام أي هؤلاء « جزاؤهم » على أعمالهم و توبتهم « مغفرة من ربهم » أي ستر لذنوبهم « و جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها » قد مر تفسيرها في سورة البقرة « و نعم أجر العاملين » هذا يعني ما وصفه من الجنات و أنواع الثواب و المغفرة بستر الذنوب حتى تصير كأنها لم تعمل في زوال العار بها و العقوبة عليها و الله تعالى متفضل بذلك لأن إسقاط العقاب عند التوبة تفضل منه و أما استحقاق الثواب بالتوبة فواجب لا محالة عقلا لأنه لو لم يكن مستحقا بالتوبة لقبح تكليفه التوبة لما فيها من المشقة .
النظم
قيل إن الآية اتصلت بما قبلها لأنها من صفة المتقين و قيل بل هما فرقتان بين تعالى أن الجنة للمتقين المنفقين في السراء و الضراء إلى آخر الآية و لمن عثر ثم تاب و لم يصر .

(2/353)


قَدْ خَلَت مِن قَبْلِكُمْ سنَنٌ فَسِيرُوا فى الأَرْضِ فَانظرُوا كَيْف كانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ(137) هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَ هُدًى وَ مَوْعِظةٌ لِّلْمُتَّقِينَ(138)
اللغة
السنة الطريقة المجعولة ليقتدى بها و من ذلك سنة رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال لبيد :
من معشر سنت لهم آباؤهم
و لكل قوم سنة و إمامها و قال سليمان بن قتة :
و إن الأولى بالطف من آل هاشم
تأسوا فسنوا للكرام الت آسيا و أصل السنة الاستمرار في جهة يقال سن الماء إذا صبه حتى يفيض من الإناء و سن السكين بالمسن إذا أمره عليه لتحديده و منه السن واحد الأسنان لاستمرارها على منهاج و السنان لاستمرار الطعن به و السنن استمرار الطريق و العاقبة ما يؤدي إليها السبب المتقدم و ليس كذلك الآخرة لأنه قد كان يمكن أن تجعل هي الأولى في العدة و الموعظة ما يلين القلب و يدعو إلى التمسك بما فيه من الزجر عن القبيح و الدعاء إلى الجميل و قيل الموعظة هو ما يدعو بالرغبة و الرهبة إلى الحسنة بدلا من السيئة .
المعنى
لما بين سبحانه ما يفعله بالمؤمن و الكافر في الدنيا و الآخرة بين أن ذلك عادته في خلقه فقال « قد خلت » أي قد مضت « من قبلكم » يا أصحاب محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و قيل هو خطاب لمن انهزم يوم أحد « سنن » من الله في الأمم السالفة إذا كذبوا رسله و جحدوا نبوتهم بالاستيصال و تبقية آثارهم في الديار للاعتبار و الاتعاظ عن الحسن و ابن إسحاق و قيل سنن أي أمثال عن ابن زيد و قيل سنن أمم و السنة الأمة عن المفضل و قال الشاعر :
ما عاين الناس من فضل كفضلكم
و لا رأوا مثلكم في سالف السنن و قيل معناه أهل سنن و قيل معناه قد مضت لكل أمة سنة و منهاج إذا اتبعوها رضي الله عنهم عن الكلبي « فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين » أي تعرفوا أخبار المكذبين و ما نزل بهم لتتعظوا بذلك و تنتهوا عن مثل ما فعلوه و لا تسلكوا في

(2/354)


التكذيب و الإنكار طريقتهم فيحل بكم من العذاب ما حل بهم و أراد بالمكذبين الجاحدين للبعث و النشور و الثواب و العقاب جازاهم الله تعالى في الدنيا بعذاب الاستيصال و في الآخرة باليم العذاب و عظيم النكال « هذا » إشارة إلى القرآن « بيان للناس » أي دلالة و حجة لهم كافة عن الحسن و قتادة و قيل إشارة إلى ما تقدم من قوله « قد خلت من قبلكم سنن » أي هذا الذي عرفتكم بيان للناس عن ابن أبي إسحاق و اختاره البلخي و الطبري « و هدى » قال علي بن عيسى الفرق بين البيان و الهدى إن البيان إظهار المعنى للغير كائنا ما كان و الهدى بيان لطريق الرشد ليسلك دون طريق الغي « و موعظة للمتقين » و إنما خص المتقين به مع كونه بيانا و هدى و موعظة للناس كافة لأن المتقين هم المنتفعون به و المهتدون بهداه و المتعظون بمواعظه .
وَ لا تَهِنُوا وَ لا تحْزَنُوا وَ أَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(139) إِن يَمْسسكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَس الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَ تِلْك الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَينَ النَّاسِ وَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ يَتَّخِذَ مِنكُمْ شهَدَاءَ وَ اللَّهُ لا يحِب الظلِمِينَ(140)
القراءة
قرأ أهل الكوفة غير حفص قرح بضم القاف فيهما و كذلك قوله ( من بعد ما أصابهم القرح ) و الباقون بفتح القاف .
الحجة
قال أبو علي قرح و قرح مثل ضعف و ضعف و الكره و الكره و الدفء و الدفء و الشهد و الشهد قال أبو الحسن قرح يقرح قرحا و قرحا فهذا يدل على أنهما مصدران و من قال أن القرح الجراحات بأعيانها و القرح ألم الجراحات قبل ذلك منه إذا أتى فيه برواية لأن ذلك مما لا يعلم بالقياس .
اللغة
الوهن الضعف و الوهن و الموهن ساعة تمضي في الليل الأعلون واحده الأعلى و مؤنثه العلياء و جمعه العليات و العلى و الفرق بين اللمس و المس أن اللمس لصوق بإحساس و المس لصوق فقط و الدولة الكرة لفريق بنيل المراد و أدال الله فلانا من فلان إذا جعل الكرة له عليه و تداول القوم الشيء إذا صار من بعضهم إلى بعض و ضم الدال في الدولة و فتحها لغتان و قيل الضم في المال و الفتح في الحرب .

(2/355)


الإعراب
« و أنتم الأعلون » جملة في موضع الحال كأنه قال لا تحزنوا عالين أي منصورين على الأعداء و يحتمل أن يكون لا موضع لها في الإعراب لأنها اعتراض بوعد مؤكد و تقديره و لا تهنوا و لا تحزنوا إن كنتم مؤمنين و أنتم الأعلون مع ذلك و قوله « و ليعلم الله » العامل في اللام محذوف يدل عليه أول الكلام و تقديره و ليعلم الله الذين آمنوا نداولها و يجوز أن يعمل فيه نداولها الذي في اللفظ و تقديره نداولها بين الناس بضروب من التدبير و ليعلم الله الذين آمنوا .
النزول
قيل نزلت الآية تسلية للمؤمنين لما نالهم يوم أحد من القتل و الجراح عن الزهري و قتادة و ابن أبي نجيح و قيل لما انهزم المسلمون في الشعب و أقبل خالد بن الوليد بخيل من المشركين يريد أن يعلو عليهم الجبل فقال النبي اللهم لا يعلن علينا اللهم لا قوة لنا إلا بك اللهم ليس يعبدك بهذه البلدة إلا هؤلاء النفر فأنزل الله تعالى الآية و تاب نفر رماة فصعدوا الجبل و رموا خيل المشركين حتى هزموهم و علا المسلمون الجبل فذلك قوله « و أنتم الأعلون » عن ابن عباس و قيل نزلت الآية بعد يوم أحد حين أمر رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أصحابه بطلب القوم و قد أصابهم من الجراح ما أصابهم و قال (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لا يخرج إلا من شهد معنا بالأمس فاشتد ذلك على المسلمين فأنزل الله تعالى هذه الآية عن الكلبي و دليله قوله تعالى « و لا تهنوا في ابتغاء القوم » الآية .
المعنى
ثم حث الله تعالى المسلمين على النجدة و نهاهم عن الوهن و الحزن و وعدهم الغلبة في الحال و حسن العاقبة في المال فقال « و لا تهنوا » أي و لا تضعفوا عن قتال عدوكم « و لا تحزنوا » بما يصيبكم في أموالكم و أبدانكم و قيل لا تضعفوا بما نالكم من الجراح و لا تحزنوا على ما نالكم من المصائب بقتل الإخوان و قيل لا تهنوا بما نالكم من الهزيمة و لا تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة « و أنتم الأعلون » أي الظافرون المنصورون الغالبون عليهم في العاقبة و قيل أراد و أنتم الأعلون في المكان « إن كنتم مؤمنين » معناه إن من كان مؤمنا يجب أن لا يهن و لا يحزن لثقته بالله و يحتمل أن يكون معناه إن كنتم مصدقين بوعدي لكم بالنصرة و الظفر على عدوكم فلا تهنوا و لا تحزنوا ثم أخذ سبحانه في تسلية المؤمنين فقال « إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله » معناه إن يصبكم جراح فقد أصاب القوم جراح مثله عن ابن عباس و قيل إن يصبكم ألم و جراح يوم أحد فقد أصاب القوم ذلك يوم بدر و قال أنس بن مالك أتي رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) بعلي (عليه السلام) يومئذ و فيه نيف و ستون جراحة من طعنة و ضربة و رمية فجعل رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) )

(2/356)


يمسحها و هي تلتئم بإذن الله كأن لم تكن و عن ابن عباس قال لما كان يوم أحد صعد أبو سفيان الجبل فقال رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) اللهم أنه ليس لهم أن يعلونا فمكث أبو سفيان ساعة و قال يوما بيوم و أن الأيام دول و إن الحرب سجال فقال (عليه السلام) أجيبوه فقالوا لا سواء قتلانا في الجنة و قتلاكم في النار فقال لنا عزى و لا عزى لكم فقال النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و الله مولانا و لا مولى لكم فقال أبو سفيان أعل هبل فقال (صلى الله عليهوآلهوسلّم) الله تعالى أعلى و أجل « و تلك الأيام نداولها بين الناس » أي نصرفها مرة لفرقة و مرة عليها عن الحسن و قتادة و الربيع و السدي و ابن إسحاق و إنما يصرف الله الأيام بين المسلمين و بين الكفار بتخفيف المحنة عن المسلمين أحيانا و تشديدها عليهم أحيانا لا بنصرة الكفار عليهم لأن الله لا ينصر الكفار على المسلمين لأن النصرة تدل على المحبة و الله تعالى لا يحب الكافرين و إنما جعل الله الدنيا متقلبة لكيلا يطمئن المسلم إليها و لتقل رغبته فيها أو حرصه عليها إذ تفنى لذاتها و يطعن مقيمها و يسعى للآخرة التي يدوم نعيمها و إنما جعل الدولة مرة للمؤمنين و مرة عليهم ليدخل الناس في الإيمان على الوجه الذي يجب الدخول فيه كذلك و هو قيام الحجة فإنه لو كانت الدولة أبدا للمؤمنين لكان الناس يدخلون في الإيمان على سبيل اليمن و الفال على أن كل موضع حضره النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لم يخل من ظفر إما في ابتداء الأمر و إما في انتهائه و إنما لم يستمر ذلك لما بيناه و قوله « و ليعلم الله الذين آمنوا » المفعول الثاني ليعلم محذوف و تقديره و تلك الأيام نداولها بين الناس لوجوه من المصالح و ضروب من الحكمة و ليعلم الله الذين آمنوا متميزين بالإيمان من غيرهم و على هذا لا يكون يعلم بمعنى يعرف لأنه ليس المعنى أنه يعرف الذوات بل المعنى أنه يعلم تميزها بالإيمان و يجوز أن يكون المعنى ليعلم الله الذين آمنوا بما يظهر من صبرهم على جهاد عدوهم أي يعاملهم معاملة من يعرفهم بهذه الحال و إذا كان الله تعالى يعلمهم قبل إظهارهم الإيمان كما يعلمهم بعده فإنما يعلم قبل الإظهار أنهم سيميزون فإذا أظهروه علمهم متميزين و يكون التغير حاصلا في المعلوم لا في العالم كما أن أحدنا يعلم الغد قبل مجيئه على معنى أنه سيجيء فإذا جاء علمه جائيا و علمه يوما لا غدا فإذا انقضى فإنما يعلمه الأمس لا يوما و لا غدا و يكون التغير واقعا في المعلوم لا في العالم و قيل معناه و ليعلم أولياء الله الذين آمنوا و إنما أضاف إلى نفسه تفخيما و قيل معناه ليظهر المعلوم من صبر من يصبر و جزع من يجزع و إيمان من يؤمن و قيل ليظهر المعلوم من الإخلاص و النفاق و معناه ليعلم

(2/357)


الله المؤمن من المنافق فاستغنى بذكر أحدهما عن الآخر و قوله « و يتخذ منكم شهداء » قيل فيه قولان ( أحدهما ) إن معناه ليكرم بالشهادة من قتل يوم أحد عن الحسن و قتادة و ابن إسحاق ( و الآخر ) و يتخذ منكم شهداء على الناس بما يكون منهم من العصيان لما لكم في ذلك من جلالة القدر و علو المرتبة و الشهداء يكون جمع شاهد و جمع شهيد عن أبي علي الجبائي و إنما سموا شهداء لمشاهدتهم الأعمال التي يشهدون بها و أما في جمع الشهيد فلأنهم بذلوا الروح عند شهود الوقعة و لم يفروا « و الله لا يحب الظالمين » ظاهر المعنى و فائدته أنه تعالى بين أنه لا يمكن الظالمين منهم لمحبته لهم و لكن لأحد المعاني التي ذكرها و ليمحص ذنوب المؤمنين كما قاله فيما بعد .
وَ لِيُمَحِّص اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ يَمْحَقَ الْكَفِرِينَ(141)
اللغة
أصل التمحيص التخليص قال الخليل المحص الخلوص من العيب و محصته أمحصه محصا إذا خلصته من كل عيب و يقال اللهم محص عنا ذنوبنا أي أذهبها عنا لأنه تخليص الحسنات بتكفير السيئات و أصل المحق فناء الشيء حالا بعد حال و لهذا دخله معنى النقصان و انمحق الشيء انمحاقا و امتحق الشيء و تمحق إذا ذهبت بركته حالا بعد حال و المحاق آخر الشهر لذهاب ضوء الهلال حالا بعد حال .
المعنى
ثم بين تعالى وجه المصلحة في مداولة الأيام بين الناس فقال « و ليمحص الله الذين آمنوا » قيل في معنى الآية أقوال ( أحدها ) « و ليمحص الله » أي و ليبتلي الله الذين آمنوا « و يمحق الكافرين » ينقصهم عن ابن عباس و مجاهد و السدي ( و ثانيها ) ليخلص الله ذنوب المؤمنين عن الزجاج - ( و ثالثها ) - ينجي الله الذين آمنوا من الذنوب بالابتلاء و يهلك الكافرين بالذنوب عند الابتلاء عن علي بن عيسى و إنما قابل بين التمحيص و المحق لأن محص هؤلاء بإهلاك ذنوبهم نظير محق أولئك بإهلاك أنفسهم و هذه مقابلة في المعنى و في هذه الآية دلالة على أنه تعالى إنما يداول بين الناس لتمحيص ذنوب المؤمنين و محق الكافرين و إنما يمحصهم بالمداولة لشيئين - ( أحدهما ) - إن في تخليتهم و تمكين الكافرين منهم تعريضا لهم للصبر الذي يستحقون به عظيم الأجر و يحط به عنهم كثيرا من أثقال الوزر - ( و الثاني ) - إن في ذلك لطفا لهم يعصمهم عن اقتراف نفوسهم الإثم .

(2/358)


أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُوا مِنكُمْ وَ يَعْلَمَ الصبرِينَ(142) وَ لَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْت مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَ أَنتُمْ تَنظرُونَ(143)
اللغة
الفرق بين التمني و الإرادة أن الإرادة من أفعال القلوب و التمني قول القائل ليت كان كذا أو ليت لم يكن و قيل إن التمني معنى في القلب يطابق هذا القول و الصحيح هو الأول .
الإعراب
أم في قوله « أم حسبتم » هي المنقطعة و تقديره بل أ حسبتم و هو استفهام على وجه الإنكار و الفرق بين لم و لما أن لما جواب لقول القائل قد فعل فلان يريد به الحال و إذا قال فعل فجوابه لم يفعل لما كان أصلها لم مؤكدة بحرف كانت جوابا لما هو مؤكد بحرف و قوله « و يعلم الصابرين » نصب على الصرف عن العطف إذ ليس المعنى على نفي الثاني و الأول و إنما هو على نفي اجتماع الثاني و الأول و تقديره و إن يعلم فيكون منصوبا بإضمار أن و المعنى و لما يقع العلم بالجهاد و العلم بصبر الصابرين و روي عن الحسن أنه قرأ و يعلم الصابرين بالكسر عطفا على الأول .
المعنى
لما حث الله على الجهاد و رغب فيه زاد في البيان و الأخبار بأن الجنة لا تنال إلا بالبلوى و الاختبار فقال « أم حسبتم أن تدخلوا الجنة » المراد به الإنكار أي أ ظننتم أيها المؤمنون أنكم تدخلون الجنة « و لما يعلم الله الذين جاهدوا منكم و يعلم الصابرين » أي و لما يجاهد المجاهدون منكم فيعلم الله جهادهم و يصبر الصابرون منكم فيعلم صبرهم على القتال و إنما جاز « و لما يعلم الله الذين جاهدوا منكم » على معنى نفي الجهاد دون العلم لما في ذلك من الإيجاز في انتفاء جهادهم لأنه لو كان لعلمه و تقديره و لما لم يكن المعلوم من الجهاد الذي أوجب عليكم لأن المعنى مفهوم لا يشتبه « و لقد كنتم » يا أصحاب محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) « تمنون الموت » أي تتمنون الموت فحذف إحدى التاءين للتخفيف و ذلك أن قوما ممن فاتهم شهود بدر كانوا يتمنون الموت بالشهادة بعد بدر قبل أحد فلما رأوه يوم أحد أعرض كثير منهم عنه فانهزموا فعاتبهم الله على ذلك عن الحسن و مجاهد و الربيع و قتادة و السدي « من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه » الهاء في تلقوه و رأيتموه راجعة إلى الموت أي من قبل أن تلقوا أسباب الموت و هو الحرب فقد رأيتموها لأن

(2/359)


الموت لا يرى و نحو ذلك قول الشاعر :
و الموت تحت لواء آل محلم ) أي أسباب الموت و قيل الهاء راجعة إلى الجهاد « و أنتم تنظرون » قيل أنه تأكيد للرؤية كما يقال رأيته عيانا فرأيته بعيني و سمعته بإذني لأن لا يتوهم رؤية القلب و سمع العلم و قيل معناه و أنتم تتأملون الحال في ذلك كيف هي فعلى هذا يكون النظر بمعنى الفكر و قيل معناه و أنتم تنظرون إلى محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و فيه حذف أي فلم انهزمتم لأنه موضع عتاب فإن قيل كيف يتمنى قتل المشركين لهم لينالوا منزلة الشهادة و هل يجوز ذلك قلنا ذلك لا يجوز لأن قتل المشركين لهم معصية و لا يجوز تمني المعاصي كما لا يجوز إرادتها و لا الأمر بها فإذا ثبت ذلك فإنما تمنوا الشهادة بالصبر على الجهاد إلى أن يقتلوا .
وَ مَا محَمَّدٌ إِلا رَسولٌ قَدْ خَلَت مِن قَبْلِهِ الرُّسلُ أَ فَإِين مَّات أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِب عَلى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرَّ اللَّهَ شيْئاً وَ سيَجْزِى اللَّهُ الشكرِينَ(144)
اللغة
محمد أخذ من الحمد ، و التحميد فوق الحمد فمعناه المستغرق لجميع المحامد لأن التحميد لا يستوجبه إلا المستولي على الأمر في الكمال فأكرم الله عز اسمه نبيه و حبيبه (صلى الله عليهوآلهوسلّم) باسمين مشتقين من اسمه تعالى محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و أحمد و إليه أشار حسان بن ثابت في قوله :
نبي أتانا بعد بأس و فترة
من الدين و الأوثان في الأرض تعبد
أ لم تر أن الله أرسل عبده
برهانه و الله أعلى و أمجد و شق له من اسمه ليجله
فذو العرش محمود و هذا محمد .
الإعراب
إنما دخل حرف الاستفهام على حرف الشرط و تقديره أ تنقلبون إن مات أو قتل لأن الشرط لما انعقد به صار جملة واحدة و خبرا واحدا فكان بمنزلة تقديم الاسم على الفعل في الذكر إذا قيل أ زيد قام فكذلك تقديمه في القسم و الاكتفاء بجواب الشرط عن جواب القسم كما قال الشاعر :
حلفت له إن تدلج الليل لا يزل
أمامك بيت من بيوتي سائر .

(2/360)


النزول
قال أهل التفسير سبب نزول هذه الآية أنه لما أرجف بأن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قد قتل يوم أحد و أشيع ذلك قال أناس لو كان نبيا لما قتل و قال آخرون نقاتل على ما قاتل عليه حتى نلحق به و ارتد بعضهم و انهزم بعضهم و كان سبب انهزامهم و تضعضعهم إخلال الرماة لمكانهم من الشعب و كان رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) نهاهم عن الإخلال به و أمر عبد الله بن جبير و هو أخو خوات بن جبير على الرماة و هم خمسون رجلا و قال لا تبرحوا مكانكم فإنا لا نزال غالبين ما ثبتم بمكانكم و جاءت قريش على ميمنتهم خالد بن الوليد و على ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل و معهم النساء يضربن بالدفوف و ينشدن الأشعار فقالت هند :
نحن بنات طارق
نمشي على النمارق
إن تقبلوا نعانق
أو تدبروا نفارق
فراق غير وامق و كان أبو عامر عبد عمرو بن الصيفي أول من لقيهم بالأحابيش و عبيد أهل مكة فقاتلهم قتالا شديدا و حميت الحروب فقال رسول الله من يأخذ هذا السيف بحقه و يضرب به العدو أو العبيد حتى ينحني فأخذه أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري فلما أخذ السيف اعتم بعمامة حمراء و جعل يفتخر تبخترا و يقول :
أنا الذي عاهدني خليلي
أن لا أقيم الدهر في الكيول
أضرب بسيف الله و الرسول فقال رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) إنها لمشية يبغضها الله و رسوله إلا في هذا الموضع ثم حمل النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و أصحابه على المشركين فهزموهم و قتل علي بن أبي طالب (عليه السلام) أصحاب اللواء كما تقدم بيانه و أنزل الله نصرته على المسلمين قال الزبير فرأيت هندا و صواحبها هاربات مصعدات في الجبال نادية خدامهن ما دون أخذهن شيء فلما نظرت الرماة إلى القوم قد انكشفوا و رأوا النبي و أصحابه ينتهبون الغنيمة أقبلوا يريدون النهب و اختلفوا فقال بعضهم لا تتركوا أمر الرسول و قال بعضهم ما بقي من الأمر شيء ثم انطلق عامتهم و لحقوا بالعسكر فلما رأى خالد بن الوليد قلة الرماة و اشتغال المسلمين بالغنيمة و رأى ظهورهم خالية صاح

(2/361)


في خيله من المشركين و حمل على أصحاب النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) من خلفهم فهزموهم و قتلوهم و رمى عبد الله بن قمية الحارثي رسول الله بحجر و كسر أنفه و رباعيته و شجه في وجهه فأثقله و تفرق عنه أصحابه و أقبل يريد قتله فذب مصعب بن عمير و هو صاحب راية رسول الله يوم بدر و يوم أحد و كان اسم رايته العقاب عن رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) حتى قتل مصعب بن عمير قتله ابن قمية فرجع و هو يرى أنه قتل رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و قال إني قتلت محمدا و صاح صائح ألا إن محمدا قد قتل و يقال أن ذلك الصائح كان إبليس لعنه الله فانكف الناس و جعل رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) يدعو الناس و يقول إلي عباد الله فاجتمع إليه ثلاثون رجلا فحموه حتى كشفوا عنه المشركين و رمى سعد بن أبي وقاص حتى اندقت سية قوسه و أصيبت يد طلحة بن عبيد الله فيبست و أصيبت عين قتادة بن النعمان يومئذ حتى وقعت على وجنته فردها رسول الله مكانها فعادت كأحسن ما كانت فلما انصرف رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أدركه أبي بن خلف الجمحي و هو يقول لا نجوت إن نجوت فقال القوم يا رسول الله أ لا يعطف عليه أحد منا فقال دعوه حتى إذا دنا منه و كان أبي قبل ذلك يلقى رسول الله فيقول عندي رمكة أعلفها كل يوم فرق ذرة أقتلك عليها فقال رسول الله بل أنا أقتلك إن شاء الله فلما كان يوم أحد و دنا منه تناول رسول الله الحربة من الحرث بن الصمة ثم استقبله فطعنه في عنقه و خدش خدشة فتدهده عن فرسه و هو يخور كما يخور الثور و هو يقول قتلني محمد فاحتمله أصحابه و قالوا ليس عليك بأس قال بلى لو كانت هذه بربيعة و مضر لقتلتهم أ ليس قال لي أقتلك فلو بزق علي بعد تلك المقالة لقتلني فلم يلبث إلا يوما حتى مات قال و فشا في الناس أن رسول الله قد قتل فقال بعض المسلمين ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي فيأخذ لنا أمانا من أبي سفيان و بعضهم جلسوا و ألقوا بأيديهم و قال أناس من أهل النفاق إن كان محمد قد قتل فألحقوا بدينكم الأول فقال أنس بن نضر عم أنس بن مالك يا قوم إن كان قد قتل محمد فرب محمد لم يقتل و ما تصنعون بالحياة بعد رسول الله فقاتلوا على ما قاتل عليه رسول الله و موتوا على ما مات عليه ثم قال اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء يعني المسلمين و أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء يعني المنافقين ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل ثم أن رسول الله انطلق إلى الصخرة و هو يدعو الناس فأول من عرف رسول الله كعب بن مالك قال عرفت عينيه تحت المغفر تزهران فناديت بأعلى صوتي يا معشر المسلمين أبشروا فهذا رسول الله فأشار إلي أن أسكت فانحازت إليه طائفة من أصحابه فلامهم النبي على الفرار فقالوا يا رسول الله فديناك ب آبائنا و أمهاتنا أتانا الخبر بأنك قتلت فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين فأنزل الله تعالى « و ما محمد إلا رسول » الآية .

(2/362)


المعنى
ثم بين سبحانه أنه لا ينبغي أن يترك أمر الله تعالى كان الرسول بين أظهرهم أو لم يكن فقال « و ما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل » يعني أنه بشر اختاره الله لرسالته إلى خلقه قد مضت قبله رسل بعثوا فأدوا الرسالة و مضوا و ماتوا و قتل بعضهم و أنه يموت كما ماتت الرسل قبله فليس الموت بمستحيل عليه و لا القتل و قيل أراد أن أصحاب الأنبياء لم يرتدوا عند موتهم أو قتلهم فاقتدوا بهم ثم أكد ذلك فقال « أ فإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم » معناه أ فإن أماته الله أو قتله الكفار ارتددتم كفارا بعد إيمانكم فسمي الارتداد انقلابا على العقب و هو الرجوع القهقرى لأن الردة خروج إلى أقبح الأديان كما أن الانقلاب خروج إلى أقبح ما يكون من المشي و الألف في قوله « أ فإن مات » ألف إنكار صورته صورة الاستفهام و مثله أ تختار الفساد على الصلاح و الخطأ على الصواب و في قوله « مات أو قتل » دلالة على أن الموت غير القتل لأن الشيء لا يعطف على نفسه فالقتل هو نقض بنية الحياة و الموت فساد البنية التي تحتاج إليها الحياة و قيل الموت معنى يضاد الحياة و الصحيح الأول « و من ينقلب على عقبيه » يعني من يرتد عن دينه « فلن يضر الله شيئا » لأنه لا يجوز عليه المضار بل مضرته عائدة عليه لأنه مستحق للعقاب الدائم « و سيجزي الله الشاكرين » أي يثيب الله الشاكرين على شكرهم لنعم الله و اعترافهم بها و قيل المراد بالشاكرين المطيعين لأن الطاعات هي شكر الله على نعمه و هذا يتصل بما قبله اتصال الوعد بالوعيد لأن قوله فلن يضر الله شيئا دليل على معنى الوعيد فكأنه قال من يرتد عاد ضرره عليه و من شكر و آمن فنفعه يعود إليه .
] فصل في ذكر ما جاء في اسم محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم)
[ كانت كفار قريش يشتمون مذمما يعنون اسم النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فروى أبو هريرة عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال أ لم تروا كيف صرف الله عني لعن قريش و شتمهم يشتمون مذمما و أنا محمد و في مسند علي بن موسى الرضا عن آبائه عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال إذا سميتم الولد محمدا فأكرموه و أوسعوا له في المجلس و لا تقبحوا له وجها و ما من قوم كان لهم مشورة فحضر معهم من اسمه محمد أو أحمد فأدخلوه في مشورتهم إلا خير لهم و ما من مائدة وضعت فحضرها من اسمه محمد أو أحمد إلا قدس في كل يوم ذلك المنزل مرتين و عن أنس بن مالك قال كان النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) في السوق فقال رجل يا أبا القاسم فالتفت إليه رسول الله فقال الرجل إنما أدعو ذاك فقال رسول الله تسموا باسمي و لا تكنوا بكنيتي و عن أبي هريرة قال قال رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم)

(2/363)


لا تجمعوا بين اسمي و كنيتي أنا أبو القاسم الله يعطي و أنا أقسم ثم رخص في ذلك لعلي (عليه السلام) و ابنه و عن علي بن أبي طالب قال قال لي رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أن ولد لك غلام نحلته اسمي و كنيتي .
وَ مَا كانَ لِنَفْس أَن تَمُوت إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَباً مُّؤَجَّلاً وَ مَن يُرِدْ ثَوَاب الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنهَا وَ مَن يُرِدْ ثَوَاب الاَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنهَا وَ سنَجْزِى الشكِرِينَ(145)
الإعراب
كتابا نصب على المصدر لفعل محذوف دل عليه أول الكلام مع العلم بأن كل ما يكون فقد كتبه الله فتقديره كتب الله ذلك كتابا و قال الأخفش اللام في قوله « و ما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله » منقولة عما دخل عليه في غيره و تقديره و ما كان لنفس لتموت أي لأن تموت .
المعنى
« و ما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله » و معناه ما كان نفس لتموت إلا بإذن الله و مثله « و ما كان الله أن يتخذ من ولد » أي و ما كان الله ليتخذ ولدا و قوله « و ما كان لكم أن تنبتوا شجرها » معناه ما كنتم لتنبتوا شجرها لأن إنبات الشجر لا يدخل تحت قدرة البشر ففي الآية إخبار بأن الموت لا يكون إلا بإذن الله و هذا تسلية عما لحق النفوس بموت النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) من جهة أنه بإذن الله و معناه أنه إن مات فإنما يموت بإذن الله و علمه كغيره من الناس فلا عذر لأحد في ترك دينه بعد موته و قيل أن فيه حضا على الجهاد من حيث لا يموت أحد إلا بإذن الله أي لا تتركوا الجهاد خشية القتل فإن ذلك لا يؤخر أجلا قد حضر و لا يقدم الجهاد أجلا لم يحضر فلا معنى للانهزام و قوله « بإذن الله » يحتمل أمرين ( أحدهما ) بعلم الله ( و الثاني ) بأمر الله و قال أبو علي الجبائي فيه دلالة على أنه لا يقدر على الموت غير الله كما لا يقدر على ضده من الحياة غير الله و لو كان من مقدور غيره لم يكن بإذنه و قوله « كتابا مؤجلا » معناه كتب الله لكل حي أجلا و وقتا لحياته و وقتا لموته لا يتقدم و لا يتأخر و قيل حتما موقتا و حكما لازما مبرما « و من يرد ثواب الدنيا نؤته منها » قيل في معناه أقوال ( أحدها ) أن المراد من عمل للدنيا لم نحرمه ما قسمنا له فيها من غير حظ في الآخرة عن ابن إسحاق أي فلا يغتر بحاله في الدنيا ( و ثانيها ) من أراد بجهاده ثواب الدنيا و هو النصيب من الغنيمة نؤته منها فبين أن حصول الدنيا للإنسان ليس بموضع غبطة

(2/364)


لأنها مبذولة للبر و الفاجر عن أبي علي الجبائي ( و ثالثها ) من تعرض لثواب الدنيا بعمل النوافل مع مواقعة الكبائر جوزي بها في الدنيا دون الآخرة لإحباط عمله بفسقه و هذا على مذهب من يقول بالإحباط « و من يرد ثواب الآخرة نؤته منها » أي و من يرد بالجهاد و أعماله ثواب الآخرة نؤته منها فلا ينبغي لأحد أن يطلب بطاعاته غير ثواب الله و مثله قوله تعالى « و من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه » الآية ، و قريب منها قول النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) من طلب الدنيا بعمل الآخرة فما له في الآخرة من نصيب و من في قوله « منها » يحتمل أن تكون زائدة و يحتمل أن تكون للتبعيض لأنه إنما يستحق الثواب على قدر العمل « و سنجزي الشاكرين » أي نعطيهم جزاء الشكر و في تكراره قولان ( أحدهما ) أنه للتأكيد و للتنبيه على عظم منزلة الشاكرين ( و الثاني ) أن معناه و سنجزي الشاكرين من الرزق في الدنيا لئلا يتوهم أن الشاكر يحرم ما يعطى الكافر من نعيم الدنيا عن ابن إسحاق و روى أبان بن عثمان عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه أصاب عليا (عليه السلام) يوم أحد ستون جراحة و أن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أمر أم سليم و أم عطية أن تداوياه فقالتا أنا لا نعالج منه مكانا إلا انفتق مكان آخر و قد خفنا عليه فدخل رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و المسلمون يعودونه و هو قرحة واحدة فجعل يمسحه بيده و يقول إن رجلا لقي هذا في الله فقد أبلى و أعذر و كان القرح الذي يمسحه رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) يلتئم فقال علي (عليه السلام) الحمد لله إذ لم أفر و لم أولي الدبر فشكر الله له ذلك في موضعين من القرآن و هو قوله « و سيجزي الله الشاكرين » من الرزق في الدنيا « و سنجزي الشاكرين » قال أبو علي الجبائي و في هذه الآية دلالة على أن أجل الإنسان إنما هو أجل واحد و هو الوقت الذي يموت فيه لأنه لا ينقطع بالقتل عن الأجل الذي أخبر الله بأنه أجل لموته و قال ابن الإخشيد لا دليل فيه على ذلك لأن للإنسان أجلين أجلا يموت فيه لا محالة و أجلا هو موهبة من الله له و مع ذلك فلن يموت إلا عند الأجل الذي جعله الله أجلا لموته و الأقوى الأول .
النظم
اتصل قوله « و ما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله » بما قبله لأنه حث على الجهاد و قيل لأنه تسلية عما حق النفوس من الوجوم بموت النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و قيل للبيان بأن حالهم لا تختلف في التكليف بأن يموت النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فينبغي أن يتمسك بأمره في حياته و بعد وفاته .

(2/365)


وَ كَأَيِّن مِّن نَّبىّ قَتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصابهُمْ فى سبِيلِ اللَّهِ وَ مَا ضعُفُوا وَ مَا استَكانُوا وَ اللَّهُ يحِب الصبرِينَ(146) وَ مَا كانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَ إِسرَافَنَا فى أَمْرِنَا وَ ثَبِّت أَقْدَامَنَا وَ انْصرْنَا عَلى الْقَوْمِ الْكفِرِينَ(147) فَئَاتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَاب الدُّنْيَا وَ حُسنَ ثَوَابِ الاَخِرَةِ وَ اللَّهُ يحِب المُْحْسِنِينَ(148)
القراءة
قرأ ابن كثير كائن على وزن كاعن و أبو جعفر يلين الهمزة و هو قراءة الحسن و الباقون « كأين » على وزن كعين و قرأ أهل البصرة و ابن كثير و نافع قتل بضم القاف بغير ألف و هي قراءة ابن عباس و الباقون « قاتل » بالألف و هي قراءة ابن مسعود .
الحجة
أصل كائن أي دخلت عليه كاف التشبيه كما دخلت على ذا من كذا و على أن من كأن و كثر استعمال الكلمة فصارت ككلمة واحدة فقلبت قلب الكلمة الواحدة فصار كيان فحذفت الياء الثانية كما حذفت في كينونة فصار كيان مثل كيعن ثم أبدلت من الياء الألف كما أبدلت من طائي فصار كائن ثم لينت الهمزة على قراءة أبي جعفر قال الشاعر :
و كائن رددنا عنكم من مدجج
يجيء أمام القوم يردي مقنعا و قال آخر :
و كائن إليكم عاد من رأس فنية
جنودا و أمثال الجبال كتائبه و قد حذفت الياء من أي في قول الفرزدق :
تنورت نسرا و المساكين أيهما
علي من الغيث استهلت مواطره و أما قتل فيجوز أن يكون مسندا إلى ضمير نبي و إذا أسند هذا إلى الضمير احتمل هذا « معه ربيون » أمرين ( أحدهما ) أن يكون صفة لنبي فإذا قدرته هذا التقدير كان قوله

(2/366)


« ربيون » مرتفعا بالظرف بلا خلاف لأن الظرف إذا اعتمد على ما قبله جاز أن يرفع على مذهب سيبويه أيضا ( و الآخر ) ألا تجعله صفة و لكن حالا من الضمير في قتل و الأحسن أن يكون الاسم الذي أسند إليه قتل قوله « ربيون » فيكون على هذا التقدير قوله « معه » متعلقا بقتل و على القبيلتين الآخرين اللذين هما الصفة و الحال متعلقا في الأصل بمحذوف و كذلك من قرأ « قاتل معه ربيون » فهو يجوز فيه ما جاز في قراءة من قرأ قتل و حجة من قرأ قتل قوله « أ فإن مات أو قتل » و حجة من قرأ « قاتل » أن القاتل قد مدح كما يمدح المقتول قال تعالى « و قاتلوا و قتلوا » و من جعل قوله « معه ربيون » صفة أضمر للمبتدأ الذي هو كأين خبرا و موضع الكاف الجارة هي في كأين مع المجرور رفع كما أن موضع الكاف في قوله كذا و كذا رفع و لا معنى للتشبيه فيها كما أنه لا معنى للتشبيه في كذا و كذا .
اللغة
الوهن الضعف و قال « و ما ضعفوا » من حيث إن انكسار الجسم بالخوف و غيره و الضعف نقصان القوة و الاستكانة أصلها من الكينة و هي الحالة السيئة يقال فلان بات بكينة أي بنية سوء و الإسراف مجاوزة المقدار و الإفراط بمعناه و ضدهما التقتير و قيل الإسراف مجاوزة الحق إلى الباطل بزيادة أو نقصان و الأول أظهر يقال أسرفت الشيء أي نسيته لأنه جاوزه إلى غيره بالسهو عنه .
المعنى
ثم أكد سبحانه ما تقدم بقوله « و كأين من نبي » أي و كم من رسول « قاتل » أي حارب أو قتل « معه ربيون كثير » ذكرنا تقديره في الحجة و قيل في ربيون أقوال ( أحدها ) أنهم علماء فقهاء صبر عن ابن عباس و الحسن ( و ثانيها ) أنهم جموع كثيرة عن مجاهد و قتادة ( و ثالثها ) أنهم منسوبون إلى الرب و معناه المتمسكون بعبادة الله عن الأخفش و قال غيره أنهم منسوبون إلى علم الرب ( و رابعها ) أن الربيون عشرة آلاف عن الزجاج و هو المروي عن أبي جعفر ( و خامسها ) أن الربيون الأتباع و الربانيون الولاة عن ابن زيد و من أسند الضمير الذي في قتل إلى نبي فالمعنى كم من قتل ذلك النبي و كان معه جماعة كثيرة فقاتل أصحابه بعد « فما وهنوا » و ما فتروا و من أسند قتل إلى الربيين دون ضمير نبي فالمعنى ما وهن باقيتهم بعد ما قتل كثير منهم في سبيل الله إلى هذا ذهب الحسن لأنه كان يقول لم يقتل نبي قط في معركة و إلى الأول ذهب ابن إسحاق و قتادة و الربيع و السدي فعلى هذا يكون النبي المقتول و الذين معه لا يهنون ، بين الله سبحانه أنه لو قتل النبي كما أرجف بذلك يوم أحد لما أوجب ذلك أن يضعفوا و يهنوا كما لم يهن من

(2/367)


كان مع الأنبياء بقتلهم و هو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) و قيل معناه فما وهنوا بقتل نبيهم و لا ضعفوا عن عدوهم و لا استكانوا لما أصابهم في الجهاد عن دينهم عن ابن عباس و قيل « فما وهنوا » أي فما جبنوا عن قتال عدوهم « و ما ضعفوا » أي ما فتروا « و ما استكانوا » أي و ما خضعوا لعدوهم عن الزجاج « و الله يحب الصابرين » في الجهاد قال ابن الأنباري أي فقد كان واجبا عليكم أن تقاتلوا على أمر نبيكم لو قتل كما قاتل أمم الأنبياء بعد قتلهم و لم يرجعوا عن دينهم « و ما كان قولهم » عند لقاء العدو « إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا » و المعنى ما كان قولهم إلا استغفارهم أي إلا قولهم « ربنا اغفر لنا ذنوبنا » و قوله « أن قالوا » اسم كان و قولهم خبره و الضمير يعود إلى النبي و من معه على أحد القولين و إلى الربيين في قول الآخر و قوله « اغفر لنا ذنوبنا » أي استرها علينا بترك عقابنا و مجازاتنا عليها « و إسرافنا في أمرنا » أي تجاوزنا الحد و تفريطنا و تقصيرنا ، رغب الله تعالى أصحاب الرسول في أن يقولوا هذا القول و لا يقولوا قولا يدل على الضعف فيطمع الأعداء فيهم « و ثبت أقدامنا » في جهاد عدوك بتقوية القلوب و فعل الألطاف التي معها تثبت الأقدام فلا تزول للانهزام و قيل معناه ثبتنا على الدين فتثبت به أقدامنا « و انصرنا » على القوم و أعنا « على القوم الكافرين » بإلقاء الرعب في قلوبهم و إمدادنا بالملائكة ثم بين تعالى ما آتاهم عقيب دعائهم فقال « فأتاهم الله » يعني الذين وصفهم أعطاهم الله « ثواب الدنيا » و هو نصرهم على عدوهم حتى ظفروا بهم و قهروهم و غلبوهم و نالوا منهم الغنيمة و حسن ثواب الآخرة و هو الجنة و المغفرة و يجوز أن يكون ما آتاهم في الدنيا من الظفر و الفتح و النصر و أخذ الغنيمة ثوابا مستحقا لهم على طاعاتهم لأن في ذلك التعظيم لهم و الإجلال و لذلك تقول إن المدح على فعل الطاعة و التسمية بالأسماء الشريفة بعض الثواب و يجوز أن يكون أعطاهم الله ذلك تفضلا منه تعالى أو لما لهم فيه من اللطف فيكون تسميته بأنه ثواب مجازا و توسعا و الثواب هو النفع الخالص المستحق المقارن للتعظيم و التبجيل « و الله يحب المحسنين » في أقوالهم و أفعالهم و المحسن فاعل الحسن و قيل المحسن الذي يحسن إلى نفسه بطاعة ربه و قيل الذي يحسن إلى غيره .
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكمْ عَلى أَعْقَبِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَسرِينَ(149) بَلِ اللَّهُ مَوْلَامْ وَ هُوَ خَيرُ النَّصرِينَ(150)
اللغة
الطاعة موافقة الإرادة المرغبة في الفعل و بالترغيب ينفصل عن الإجابة و إن

(2/368)


كان موافقة الإرادة حاصلة و في الناس من قال الطاعة هي موافقة الأمر و الأول أصح لأن من فعل ما يقتضي العقل وجوبه أو حسنه كان مطيعا لله و إن لم يكن هناك أمر .
الإعراب
يردوكم جزم لأنه جواب الشرط فتنقلبوا عطف عليه و خاسرين نصب على الحال و بل حقيقته الإضراب عن الأول إلى الثاني .
النزول
قيل نزلت في المنافقين إذ قالوا للمؤمنين يوم أحد عند الهزيمة ارجعوا إلى إخوانكم و ارجعوا إلى دينهم عن علي (عليه السلام) و قيل هم اليهود و النصارى عن الحسن و ابن جريج .
المعنى
ثم أمر سبحانه بترك الائتمار لمن ثبطهم عن الجهاد من الكفار و قال « يا أيها الذين آمنوا » أي صدقوا الله و رسوله « إن تطيعوا الذين كفروا » أي إن أصغيتم إلى قول اليهود و المنافقين إن محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قتل فارجعوا إلى عشائركم « يردوكم على أعقابكم » أي يرجعوكم كفارا كما كنتم « فتنقلبوا » أي ترجعوا « خاسرين » لأنفسكم فلا خسران أعظم من أن تبدلوا الكفر بالإيمان و النار بالجنة « بل الله مولاكم » أي لهو أولى بأن تطيعوه و هو أولى بنصرتكم « و هو خير الناصرين » إنما قال ذلك و إن كان نصر غيره لا يعتد به مع نصره استظهارا في الحجة أي إن اعتد بنصرة غيره فهو خير ناصر لأنه لا يجوز أن يغلب و غيره يجوز أن يغلب و إن نصر فهو الناصر في الحقيقة إن شاء أمدكم بأهل الأرض و إن شاء نصركم بإلقاء الرعب في قلوب أعدائكم .
سنُلْقِى فى قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْب بِمَا أَشرَكوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزِّلْ بِهِ سلْطناً وَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ وَ بِئْس مَثْوَى الظلِمِينَ(151)
القراءة
قرأ ابن عامر و أبو جعفر و الكسائي و يعقوب و أبو حاتم الرعب بضمتين و الآخرون بتسكين العين و قد تقدم القول في مثله .
اللغة
السلطان هنا معناه الحجة و البرهان و أصله القوة فسلطان الملك قوته

(2/369)


و السلطان البرهان لقوته على دفع الباطل و التسليط على الشيء التقوية على الشيء مع الإغراء به و السلاطة حدة اللسان مع شدة الصحب للقوة على ذلك مع إيثار فعله و السليط الزيت لقوة استعماله بحدته و الإلقاء أصله في الأعيان يدل عليه قوله و ألقى الألواح فألقوا حبالهم و استعمل في غير عين اتساعا إذ ليس الرعب و كذلك قوله و ألقيت عليك محبة مني و مثل الإلقاء في ذلك الرمي قال سبحانه الذين يرمون أزواجهم أي بالزنا فهذا اتساع لأنه ليس بعين و كذلك قوله :
رماني بأمر كنت منه و والدي
بريا و من حول الطوي رماني و المثوى المنزل و أصله من الثواء و هو طول الإقامة و أم المثوى ربة البيت و الثوي الضعيف لأنه مقيم مع القوم .
النزول
قال السدي لما ارتحل أبو سفيان و المشركون يوم أحد متوجهين إلى مكة قالوا بئس ما صنعنا قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد تركناهم ارجعوا فاستأصلوهم فلما عزموا على ذلك ألقى الله في قلوبهم الرعب حتى رجعوا عما هموا به و ستأتي هذه القصة فيما بعد إن شاء الله فنزلت الآية .
المعنى
ثم بين سبحانه أن من جملة نصرته للمؤمنين إلقائه الرعب في قلوب المشركين فقال « سنلقي » أي سنقذف « في قلوب الذين كفروا الرعب » أي الخوف و الفزع « بما أشركوا بالله » أي بشركهم بالله و قولهم عليه ما لا يجوز من الند و الشريك « ما لم ينزل به سلطانا » أي برهانا و حجة يعني لم يجعل لهم في ذلك حجة « و مأويهم » أي مستقرهم « النار » يعذبون بها « و بئس مثوى الظالمين » معناه و بئس مقام الظالمين النار و روي أن الكفار دخلوا مكة كالمنهزمين مخافة أن يكون لرسول الله و أصحابه الكرة عليهم و قال رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) نصرت بالرعب مسيرة شهر .

(2/370)


وَ لَقَدْ صدَقَكمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسونَهُم بِإِذْنِهِ حَتى إِذَا فَشِلْتُمْ وَ تَنَزَعْتُمْ فى الأَمْرِ وَ عَصيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَ مِنكم مَّن يُرِيدُ الاَخِرَةَ ثُمَّ صرَفَكمْ عَنهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَ لَقَدْ عَفَا عَنكمْ وَ اللَّهُ ذُو فَضل عَلى الْمُؤْمِنِينَ(152)
اللغة
الحس القتل على وجه الاستئصال و أصله من الإحساس و منه هل تحس منهم من أحد و سمي القتل حسا لأنه يبطل الحس و الفشل الجبن .
الإعراب
صدق يتعدى إلى مفعولين و جواب إذا في قوله « حتى إذا فشلتم » قيل فيه وجهان ( أحدهما ) أنه محذوف و تقديره حتى إذا فشلتم امتحنتم ( و الثاني ) أنه على زيادة الواو و التقديم و التأخير و تقديره حتى إذا تنازعتم في الأمر فشلتم عن الفراء و قال هذا كقوله فلما أسلما و تله للجبين و ناديناه و معناه ناديناه و الواو زيادة و حتى إذا جاءوها و فتحت أبوابها و أنشد :
حتى إذا قملت بطونكم
و رأيتم أبناءكم شبوا
و قلبتم ظهر المجن لنا
إن اللئيم العاجز الخب و البصريون لا يجيزون هذا و يأولون جميع ما استشهد به على الحذف لأنه أبلغ في الكلام و أحسن .
النزول
ذكر ابن عباس و البراء بن عازب و الحسن و قتادة أن الوعد المذكور في الآية كان يوم أحد لأن المسلمين كانوا يقتلون المشركين حتى إذا أخل الرماة بمكانهم الذي أمرهم الرسول بالمقام عنده فأتاهم خالد من ورائهم و قتل عبد الله بن جبير و من معه و تراجع المشركون و قتل من المسلمين سبعون رجلا و نادى مناد قتل محمد ثم من الله على المسلمين فرجعوا و في ذلك نزلت الآية .
المعنى
ثم بين تعالى أنه صدقهم وعده فقال « و لقد صدقكم الله وعده » معناه وفى الله لكم بما وعدكم من النصر على عدوكم في قوله بلى أن تصبروا و تتقوا و يأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم الآية و قيل كان الوعد قول رسول الله للرماة لا تبرحوا هذا المكان فإنا لا نزال غالبين ما ثبتم مكانكم « إذ تحسونهم » أي تقتلونهم « بإذنه » أي بعلمه و قيل بلطفه لأن أصل الأذن هو الإطلاق في الفعل و اللطف تيسير للفعل كما أن الأذن كذلك فحسن إجراء اسمه عليه « حتى إذا فشلتم » معناه جبنتم عن عدوكم و كففتم

(2/371)


« و تنازعتم في الأمر » أي اختلفتم « و عصيتم » أمر نبيكم في حفظ المكان « من بعد ما أراكم ما تحبون » من النصرة على الكفار و هزيمتهم و الظفر بهم و الغنيمة و أكثر المفسرين على أن المراد بالجميع يوم أحد و قال أبو علي الجبائي معناه أن تحسونهم يوم بدر حتى إذا فشلتم يوم أحد و تنازعتم و عصيتم يوم أحد من بعد ما أراكم ما تحبون يوم بدر و الأولى أن يكون حكاية عن يوم أحد على ما بيناه و جواب إذا هاهنا محذوف يدل الكلام عليه و تقديره حتى إذا فعلتم ذلك ابتلاكم و امتحنكم و رفع النصرة عنكم « منكم من يريد الدنيا » يعني الغنيمة و هم الذين أخلوا المكان الذي رتبهم النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فيه و أمرهم بلزومه « و منكم من يريد الآخرة » أراد عبد الله بن جبير و من ثبت مكانه أي يقصد بجهاده إلى ما عند الله و روي عن ابن مسعود قال ما كنت أدري أن أحدا من أصحاب رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) يريد الدنيا حتى نزلت فينا هذه الآية يوم أحد « ثم صرفكم عنهم » قد ذكرنا في إضافة انصرافهم إلى الله سبحانه وجوه ( أحدها ) أنهم كانوا فريقين منهم من عصى بانصرافه و منهم من لم يعص لأنهم قلوا بعد انهزام تلك الفرقة فانصرفوا بإذن الله لئلا يقتلوا لأن الله تعالى أوجب ثبات المائة للمائتين فإذا نقصوا لا يجب عليهم ذلك فجاز أن يذكر الفريقين بأنه صرفهم و عفا عنهم يعني صرف بعضهم و عفا عن بعض عن أبي علي الجبائي ( و ثانيها ) أن معناه رفع النصرة عنكم و وكلكم إلى أنفسكم بخلافكم للنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فانهزمتم عن جعفر بن حرب ( و ثالثها ) أن معناه لمن يأمركم بمعاودتهم من فورهم ليبتليكم بالمظاهرة في الإنعام عليكم و التخفيف عنكم عن البلخي و قوله « ليبتليكم » معناه ليختبركم أي يعاملكم معاملة المختبر مظاهرة في العدل و ذلك أنه تعالى إنما يجازي عباده على ما يفعلونه دون ما قد علمه منهم « و لقد عفا عنكم » أي صفح عنكم بعد أن خالفتم أمر الرسول و قيل عفا عنكم تتبعهم بعد أن أمركم بالتتبع لهم عن البلخي قال لما بلغوا حمراء الأسد عفا عنهم في ذلك .
و قال أبو علي الجبائي هو خاص بمن لم يعص الله بانصرافه و الأولى أن يكون عاما في الجميع فإنه لا يمتنع أن يكون الله تعالى قد عفا لهم عن المعصية « و الله ذو فضل على المؤمنين » أي ذو من و نعمة عليهم بنعم الدنيا و الدين و قيل بغفران ذنوبهم و قيل بأن لا يستأصلهم كما فعل بمن كان قبلهم و روى الواحدي بإسناده عن سهل بن سعد الساعدي قال خرج رسول الله يوم أحد و كسرت رباعيته و هشمت البيضة على رأسه فكانت فاطمة بنته تغسل عنه الدم و علي بن أبي طالب (عليه السلام) يسكب عليها بالمجن فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة حصير فأحرقته حتى إذا صار رمادا ألزمته الجرح فاستمسك الدم .

(2/372)


* إِذْ تُصعِدُونَ وَ لا تَلْوُنَ عَلى أَحَد وَ الرَّسولُ يَدْعُوكمْ فى أُخْرَاكُمْ فَأَثَبَكمْ غَمَّا بِغَمّ لِّكيْلا تَحْزَنُوا عَلى مَا فَاتَكمْ وَ لا مَا أَصبَكمْ وَ اللَّهُ خَبِيرُ بِمَا تَعْمَلُونَ(153) ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشى طائفَةً مِّنكُمْ وَ طائفَةٌ قَدْ أَهَمَّتهُمْ أَنفُسهُمْ يَظنُّونَ بِاللَّهِ غَيرَ الْحَقِّ ظنَّ الجَْهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شىْء قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كلَّهُ للَّهِ يخْفُونَ فى أَنفُسِهِم مَّا لا يُبْدُونَ لَك يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فى بُيُوتِكُمْ لَبرَزَ الَّذِينَ كُتِب عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَ لِيَبْتَلىَ اللَّهُ مَا فى صدُورِكمْ وَ لِيُمَحِّص مَا فى قُلُوبِكُمْ وَ اللَّهُ عَلِيمُ بِذَاتِ الصدُورِ(154)
القراءة
قرأ أهل الكوفة غير عاصم تغشى طائفة بالتاء و الباقون « يغشي » بالياء و قرأ أهل البصرة كله لله بالرفع و الباقون بالنصب .
الحجة
قال أبو علي حجة من قرأ « يغشي » بالياء قوله إذ يغشيكم النعاس أمنة و النعاس هو الغاشي و لأن يغشي أقرب إلى النعاس فأسناد الفعل إليه أولى و يقال غشيني النعاس و غلب علي النعاس و لا يسهل غشيتني الأمنة و حجة من قرأ بالتاء أن النعاس و إن كان بدلا من الأمنة فليس المبدل منه في طريق ما يسقط من الكلام يدلك على ذلك قولهم الذي مررت به زيد أبو عبد الله و قال :
و كأنه لهق السراة كأنه
ما حاجبيه مغير بسواد فجعل الخبر على الذي أبدل منه و حجة من نصب كله أن كله بمنزلة أجمعين في

(2/373)


أنه الإحاطة و العموم فالوجه أن لا يلي العوامل كما لا يليها أجمعون و حجة أبي عمرو في رفعه كله و ابتداؤه به أنه و إن كان في أكثر الأمر بمنزلة أجمعين لعمومها فقد ابتدىء بها كما ابتدىء بسائر الأسماء نحو قوله و كلهم آتيه يوم القيامة فردا فابتدأ به في الآية .
اللغة
الفرق بين الإصعاد و الصعود أن الإصعاد في مستوى من الأرض و الصعود في ارتفاع يقال أصعدنا من مكة إذا ابتدأنا السفر منها و منه قول الشاعر :
هواي مع الركب اليمانين مصعد
جنيب و جثماني بمكة موثق و روي عن الحسن أنه قرأ تصعدون بفتح التاء و العين و قال إنهم صعدوا في الجبل فرارا و قال الفراء الإصعاد الابتداء في كل سفر و الانحدار الرجوع عنه و لا تلون أي لا تعرجون على أحد كما يفعله المنهزم و لا يذكر هذه إلا في النفي لا يقال لويت على كذا و أصله من لي العنق للالتفات و النعاس الوسن و ناقة نعوس توصف بالسماحة في الدر .
الإعراب
قوله « إذ تصعدون » العامل في إذ قوله و لقد عفا عنكم و اللام في قوله « لكيلا تحزنوا » يتعلق به أيضا و قيل يتعلق بقوله « فأثابكم » و لا تحزنوا منصوب بكي و أمنة مفعول أنزل و نعاسا بدل منها و طائفة الأولى مفعول يغشي و طائفة الثانية مرفوعة بالابتداء و خبرها يظنون و « قد أهمتهم أنفسهم » في موضع رفع بالصفة و يجوز أن يكون قد أهمتهم أنفسهم خبرا و الواو في طائفة واو الحال على تقدير يغشي النعاس طائفة في حال ما أهمت طائفة منهم أنفسهم فالجملة في موضع الحال و يجوز النصب على أن يجعل الواو واو العطف كما تقول ضربت زيدا و عمرا أكرمته فيكون منصوبا على إضمار فعل الذي قد ظهر تفسيره .
المعنى
ثم ذكر تعالى المنهزمين من أصحاب رسول الله يوم أحد فقال « إذ تصعدون » معناه و لقد عفا عنكم إذ تذهبون في وادي أحد للانهزام فرارا من العدو عن قتادة و الربيع « و لا تلوون على أحد » أي لا تقيمون على من خلفتم في الحرب و لا تلتفتون إليهم و لا يقف أحد منكم على أحد « و الرسول » يعني محمدا (صلى الله عليهوآلهوسلّم) « يدعوكم في أخراكم » أي يناديكم من ورائكم فيقول ارجعوا إلى عباد الله ارجعوا إلي أنا رسول الله يقال فلان جاء في آخر الناس و آخرة الناس و أخرى الناس إذا جاء خلفهم « فأثابكم غما بغم » اختلف فيه على أقوال ( أحدها ) أن معناه جعل مكان ما ترجونه من الثواب أن غمكم بالهزيمة و ظفر المشركين بكم بغمكم رسول الله إذ عصيتموه و ضيعتم أمره فالغم

(2/374)


الأول لهم و الثاني للنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و اختاره الزجاج ( و ثانيها ) أن معناه غما على غم أو غما مع غم أو غما بعد غم كما يقال نزلت بفلان و على فلأن حتى فعل كذا و يقال ما نزلت بزيد حتى فعل أي مع زيد و أراد به كثرة الغم بالندم على ما فعلوا و بما أصابهم من الشدائد و أنهم لا يدرون ما استحقوا به من عقاب الله ( و ثالثها ) أن الغم الأول القتل و الجراح و الثاني الإرجاف بقتل محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) عن قتادة و الربيع ( و رابعها ) أثابكم غما يوم أحد بغم ألحق المشركين يوم بدر عن الحسن و في هذا القول نظر لأن ما لحق المشركين من الغم يوم بدر من جهة المسلمين إنما توجب المجازاة بالكرامة دون الغم ( و خامسها ) أن المراد غم المشركين بما ظهر من قوة المسلمين على طلبهم و خروجهم إلى حمراء الأسد فجعل هذا الغم عوضا عن غم المسلمين بما نيل منهم عن الحسين بن علي المغربي و إنما قيل في الغم ثواب لأن أصله ما يرجع إلى المجازاة على الفعل طاعة كان أو معصية ثم كثر في جزاء الطاعة فهو كما قال الشاعر :
و أراني طربا في إثرهم
طرب الواله أو كالمختبل و قيل أنه مما وضع مكان غيره كقوله تعالى فبشرهم بعذاب أليم أي ضعه موضع البشارة فهو كما قال الشاعر :
أخاف زيادا إن يكون عطاؤه
أداهم سودا أو مدحرجة سمرا « لكيلا تحزنوا على ما فاتكم و لا ما أصابكم » معناه فعل بكم هذا الغم لئلا تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة و لا تتركوا أمر النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و لئلا تحزنوا على ما أصابكم من الشدائد في سبيل الله و ليكن غمكم بأن خالفتم النبي فقط و تقديره ليشغلكم حزنكم على سوء ما صنعتم عن الحزن على غيره و قيل معناه و لقد عفا عنكم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم فإن عفو الله تعالى يذهب كل حزن « و الله خبير بما تعملون » فيه ترغيب في الطاعة و ترهيب عن المعصية ثم ذكر ما أنعم به عليهم بعد ذلك حتى تراجعوا و أقبلوا يعتذرون إلى رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فأنزل النعاس عليهم في تلك الحالة حتى كانوا يسقطون على الأرض و كان المنافقون لا يستقرون حتى طارت عقولهم فقال « ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا » لفظ الإنزال توسع و معناه ثم وهب الله لكم أيها المؤمنون بعد ما نالكم من يوم أحد من الغم أمنة يعني أمنا نعاسا أي نوما و هو بدل الاشتمال عن أمنة لأن النوم يشتمل على الأمن لأن الخائف لا ينام ثم ذكر سبحانه إن تلك الأمنة لم تكن عامة بل

(2/375)


كانت لأهل الإخلاص و بقي لأهل النفاق الخوف و السهر فقال « يغشى طائفة منكم » يعني المؤمنين ألقي عليهم النوم و كان السبب في ذلك توعد المشركين لهم بالرجوع إلى القتال فقعد المسلمون تحت الجحف متهيئين للحرب فأنزل الله الأمنة على المؤمنين فناموا دون المنافقين الذين أزعجهم الخوف بأن يرجع الكفار عليهم أو يغيروا على المدينة لسوء الظن فطير عنهم النوم عن ابن إسحاق و ابن زيد و قتادة و الربيع « و طائفة قد أهمتهم أنفسهم » أي و جماعة قد شغلتهم أنفسهم و قيل حملتهم على الهم و منه قول العرب همك ما أهمك و معناه كان همهم خلاص أنفسهم و العرب تطلق هذا اللفظ على كل خائف وجل شغله هم نفسه عن غيره « يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية » أي يتوهمون أن الله لا ينصر محمدا و أصحابه كظنهم في الجاهلية و قيل كظن أهل الجاهلية و هم الكفار و المكذبون بوعد الله و وعيده فكان ظن المنافقين كظنهم و قيل ظنهم ما ذكر بعده من قوله « يقولون هل لنا من الأمر من شيء » فهذا تفسير لظنهم يعني يقول بعضهم لبعض هل لنا من النصر و الفتح و الظفر نصيب قالوا ذلك على سبيل التعجب و الإنكار أي أ نطمع أن يكون لنا الغلبة على هؤلاء أي ليس لنا من ذلك شيء و قيل إن معناه إنا أخرجنا كرها و لو كان الأمر إلينا ما خرجنا عن الحسن و كان هذا القائل عبد الله بن أبي و معتب بن قشير و أصحابهما عن الزبير بن العوام و ابن جريج « قل » يا محمد « إن الأمر كله لله » ينصر من يشاء و يخذل من يشاء لا خاذل لمن نصره و لا ناصر لمن خذله و ربما عجل النصر و ربما أخره لضرب من الحكمة و لا يكون لوعده خلف و المراد بالأمر في الموضعين النصر « يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك » أي يخفون في أنفسهم الشك و النفاق و ما لا يستطيعون إظهاره لك « يقولون لو كان لنا من الأمر » أي من الظفر كما وعدنا « شيء ما قتلنا هاهنا » أي ما قتل أصحابنا شكا منهم فيما وعده الله تعالى نبيه من الاستعلاء على أهل الشرك و تكذيبا به « قل » يا محمد لهم في جواب ذلك « لو كنتم في بيوتكم » و منازلكم « لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم » قيل فيه قولان ( أحدهما ) أن معناه لو لزمتم منازلكم أيها المنافقون و المرتابون و تخلفتم عن القتال لخرج إلى البراز المؤمنون الذين فرض عليهم القتال صابرين محتسبين فيقتلون و يقتلون و التقدير و لو تخلفتم عن القتال لما تخلف المؤمنون ( و الثاني ) إن معناه لو كنتم في منازلكم لخرج الذين كتب عليهم القتل أي كتب آجالهم و موتهم و قتلهم في اللوح المحفوظ في ذلك الوقت إلى مصارعهم و ذلك إن ما علم الله كونه فإنه يكون كما علمه لا محالة و ليس في ذلك أن المشركين غير قادرين على ترك القتال من حيث علم الله ذلك منهم و كتبه لأنه كما علم

(2/376)


أنهم لا يختارون ذلك علم أنهم قادرون و لو وجب ذلك لوجب أن يكون تعالى قادرا على ما علم أنه لا يفعله و القول بذلك كفر « و ليبتلي الله ما في صدوركم » أي يختبر الله ما في صدوركم بأعمالكم لأنه قد علمه غيبا فيعلمه شهادة لأن المجازاة إنما تقع على ما علم مشاهدة لا على ما هو معلوم منهم غير معمول عن الزجاج و قيل معناه ليعاملكم معاملة المبتلين مظاهرة في العدل عليكم و قيل أنه عطف على قوله ثم صرفكم عنهم ليبتليكم « و ليبتلي الله ما في صدوركم و ليمحص ما في قلوبكم » أي يخلص و قيل هذا خطاب للمنافقين أي يأمركم بالخروج فلا تخرجون فيظهر للمسلمين معاداتكم لهم و تنكشف أسراركم فلا يعدكم المسلمون من جملتهم و قيل معناه ليبتلي أولياء الله ما في صدوركم كما في قوله « الذين يحاربون الله و رسوله » و « يؤذون الله و رسوله » و قيل أنه عطف على قوله « أمنة نعاسا » أي ليظهر عند هذه الأحوال موافقة باطنكم ظاهركم « و ليمحص ما في قلوبكم » أي يطهرها من الشك بما يريكم من عجائب صنعه و يخلص نياتكم و هذا التمحيص خاص للمؤمنين دون المنافقين « و الله عليم بذات الصدور » معناه أن الله لا يبتليكم ليعلم ما في صدوركم فإن الله عليم بذلك و إنما ابتلاكم ليظهر أسراركم فيقع الجزاء على ما ظهر .
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الجَْمْعَانِ إِنَّمَا استزَلَّهُمُ الشيْطنُ بِبَعْضِ مَا كَسبُوا وَ لَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ(155)
المعنى
ثم ذكر الله الذين انهزموا يوم أحد أيضا فقال « إن الذين تولوا منكم » أي إن الذين ولوا الدبر على المشركين بأحد منكم أيها المسلمون عن قتادة و الربيع و قيل هم الذين هربوا إلى المدينة في وقت الهزيمة عن السدي « يوم التقى الجمعان » جمع المسلمين و سيدهم رسول الله و جمع المشركين و رئيسهم أبو سفيان « إنما استزلهم الشيطان » أي طلب زلتهم عن القتيبي و قيل أزل و استزل بمعنى « ببعض ما كسبوا » من معاصيهم السالفة فلحقهم شؤمها و قيل استزلهم بمحبتهم للغنيمة مع حرصهم على تبقية الحياة عن الجبائي قال و في ذلك الزجر عما يؤدي إلى الفتور فيما يلزم من الأمور و قيل استزلهم بذكر خطايا سلفت لهم فكرهوا القتل قبل إخلاص التوبة منها و الخروج من المظلمة فيها عن الزجاج « و لقد عفا الله عنهم » أعاد تعالى ذكر العفو تأكيدا لطمع المذنبين في العفو و منعا لهم عن اليأس و تحسينا لظنون المؤمنين « إن الله غفور حليم »

(2/377)


قد مر معناه و ذكر أبو القاسم البلخي أنه لم يبق مع النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) يوم أحد إلا ثلاثة عشر نفسا خمسة من المهاجرين و ثمانية من الأنصار فأما المهاجرون فعلي (عليه السلام) و أبو بكر و طلحة و عبد الرحمن بن عوف و سعد بن أبي وقاص و قد اختلف في الجميع إلا في علي (عليه السلام) و طلحة و قد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال و رأيتني أصعد في الجبل كأني أروى و لم يرجع عثمان من الهزيمة إلا بعد ثلاث فقال له النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لقد ذهبت فيها عريضة .
يَأَيهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا وَ قَالُوا لاخْوَنِهِمْ إِذَا ضرَبُوا فى الأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَّوْ كانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَ مَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِك حَسرَةً فى قُلُوبهِمْ وَ اللَّهُ يحْىِ وَ يمِيت وَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(156) وَ لَئن قُتِلْتُمْ فى سبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَ رَحْمَةٌ خَيرٌ مِّمَّا يجْمَعُونَ(157) وَ لَئن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لالى اللَّهِ تحْشرُونَ(158)
القراءة
قرأ ابن كثير و أهل الكوفة غير عاصم بما يعملون بالياء و الباقون بالتاء و قرأ نافع و أهل الكوفة غير عاصم متم بالكسر و وافقهم حفص في سائر المواضع إلا هاهنا و قرأ الباقون « متم » بضم الميم و قرأ « مما يجمعون » بالياء حفص عن عاصم و الباقون تجمعون بالتاء .
الحجة
قال أبو علي حجة من قرأ بالتاء قوله « و لا تكونوا كالذين كفروا » و حجة من قرأ بالياء أن قبلها أيضا غيبة و هو قوله « و قالوا لإخوانهم » و ما بعده فحمل الكلام على الغيبة و الأشهر الأقيس في « متم ضم الميم و الكسر شاذ في القياس و نحوه مما شذ فضل يفضل في الصحيح و أنشدوا :
ذكرت ابن عباس بدار ابن عامر
و ما مر من عمري ذكرت و ما فضل

(2/378)


و أما « تجمعون » بالتاء فالمعنى على تجمعون أيها المقتولون في سبيل الله أو المائتون و معنى الياء أنه لمغفرة من الله خير مما يجمعه غيركم .
اللغة
الضرب في الأرض السير فيها و أصله الضرب باليد و قيل هو الإيغال في السير و غزى جمع غاز نحو ضارب و ضرب و طالب و طلب .
الإعراب
قوله « و قالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض » وضع إذا موضع إذ لأحد أمرين إما لأنه متصل بلا تكونوا كهؤلاء إذا ضرب إخوانهم في الأرض و إما لأن ( الذي ) إذا كان مبهما غير موقت يجري مجرى ما في الجزاء فيقع الماضي فيه موضع المستقبل نحو إن الذين كفروا و يصدون عن سبيل الله معناه يكفرون و يصدون و يجوز لأكرمن الذي أكرمك إذا زرته لإبهام الذي و لا يجوز لأكرمن هذا الذي أكرمك إذا زرته لتوقيت الذي من أجل الإشارة إليه بهذا و قوله « ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم » اللام فيه يتعلق بلا تكونوا أي لا تكونوا كهؤلاء الكفار في هذا القول « ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم » دونكم و قيل أنه يتعلق بقوله « و قالوا لإخوانهم » فيكون لام العاقبة عن أبي علي الجبائي و قوله « لئن قتلتم » استغنى عن جواب الجزاء فيه بجواب القسم في قوله « لمغفرة من الله و رحمة خير مما يجمعون » و قد اجتمع شيئان كل واحد منهما يحتاج إلى جواب و كان جواب القسم أولى بالذكر لأن له صدر الكلام مما يذكر في حشوه و اللام في قوله « و لئن متم » تحتمل أمرين ( أحدهما ) أن يكون خلفا من القسم و يكون اللام في قوله « لألى الله » جوابا كقولك ( و الله إن متم أو قتلتم لتحشرون إلى الله ) ( و الثاني ) أن تكون مؤكدة لما بعدها كما تؤكد أن ما بعدها و تكون الثانية جوابا لقسم محذوف و النون لا بد منها في الفعل المضارع مع لام القسم لأن القسم أحق بالتأكيد من كل ما يدخله النون من جهة أن ذكر القسم دليل على أنه من مواضع التأكيد فإذا جازت في غيره من الأمر و النهي و الاستفهام و العرض و الجزاء مع ما لزمت في القسم لأنه أحق بها من غيره و الفرق بين لام القسم و لام الابتداء إن لام الابتداء يصرف الاسم إليه فلا يعمل فيه ما قبلها نحو قد علمت لزيد خير منك و قد علمت أن زيدا ليقوم و ليس كذلك لام القسم لأنها لا تدخل على الاسم و لا يكسر لها إن نحو قد علمت أن زيدا ليقومن و يلزمها النون في المستقبل .
المعنى
ثم نهى الله سبحانه المؤمنين عن الاقتداء بالمنافقين في أقوالهم و أفعالهم

(2/379)


فقال « يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا » يريد عبد الله بن أبي سلول و أصحابه من المنافقين عن السدي و مجاهد و قيل هو عام « و قالوا لإخوانهم » من أهل النفاق « إذا ضربوا في الأرض » أي سافروا فيها لتجارة أو طلب معاش فماتوا عن السدي و ابن إسحاق و إنما خص الأرض بالذكر لأن أكثر أسفارهم كان في البر و قيل اكتفي بذكر البر عن ذكر البحر كقوله تعالى « سرابيل تقيكم الحر » و قيل لأن الأرض تشتمل على البر و البحر « أو كانوا غزى » أي غزاة محاربين للعدو فقتلوا « لو كانوا » مقيمين « عندنا ما ماتوا و ما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم » معناه قالوا هذا القول ليثبطوا المؤمنين عن الجهاد فلم يقبل المؤمنون ذلك و خرجوا و نالوا العز و الغنيمة فصار حسرة في قلوبهم و اللام على هذا في ليجعل لام العاقبة و قيل معناه و لا تكونوا كهؤلاء الكفار في هذه المقالة لكي يجعل الله تلك المقالة سببا لإلزام الحسرة و الحزن في قلوبهم لما يحصل لهم من الخيبة فيما أملوا من الموافقة و لما فاتهم من عز الظفر و الغنيمة « و الله يحيي و يميت » أي هو الذي يحيي و يميت في السفر و الحضر عند حضور الأجل لا مقدم لما أخر و لا مؤخر لما قدم و لا راد لما قضى و لا محيص عما قدر و هذا يتضمن منع الناس عن التخلف في الجهاد خشية القتل فإن الإحياء و الإماتة بيد الله سبحانه فلا حياة لمن قدر الله موته و لا موت لمن قدر الله حياته « و الله بما تعملون بصير » أي مبصر و قيل عليم و هذا يتضمن الترغيب في الطاعة و الترهيب عن المعصية ثم حث سبحانه على الجهاد و بين أن الشهادة خير من أموال الدنيا المستفادة بأن قال « و لئن قتلتم » أيها المؤمنون « في سبيل الله » أي في الجهاد « أو متم » قاصدين مجاهدة الكفار استوجبتم « مغفرة من الله و رحمة » و المغفرة الصفح عن الذنوب و الرحمة الثواب و الجنة و هاتان « خير مما يجمعون » من الأموال و المقاصد الدنيوية و هذا يتضمن تعزية المؤمنين و تسليتهم عما أصابهم في سبيل الله و فيه تقوية لقلوبهم و تهوين للموت و القتل عليهم ثم قال « و لئن متم أو قتلتم لألى الله تحشرون » أي سواء متم أو قتلتم فإن مرجعكم إلى الله فيجزي كلا منكم كما يستحقه المحسن على إحسانه و المسيء على إساءته ف آثروا ما يقربكم منه و يوجب لكم رضاه من العمل بطاعته و الجهاد في سبيله و لا تركنوا إلى الدنيا و في هذا المعنى البيت الذي ينسب إلى الإمام الحسين بن علي :
فإن تكن الأبدان للموت أنشئت
فقتل امرىء بالسيف في الله أفضل ( سؤال ) إن قيل كيف عادل بين مغفرة الله و رحمته و بين حطام الدنيا مع تفاوت ما

(2/380)


بينهما و لا يقول أحد الدرة خير من البعرة ( فجوابه ) إن الناس يؤثرون الدنيا على الآخرة حتى أنهم يتركون الجهاد في سبيل الله محبة للاستكثار من الدنيا و إيثارا للمقام فيها فعلى هذا جاز ذلك .
فَبِمَا رَحْمَة مِّنَ اللَّهِ لِنت لَهُمْ وَ لَوْ كُنت فَظاًّ غَلِيظ الْقَلْبِ لانفَضوا مِنْ حَوْلِك فَاعْف عَنهُمْ وَ استَغْفِرْ لَهُمْ وَ شاوِرْهُمْ فى الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْت فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يحِب الْمُتَوَكلِينَ(159)
اللغة
( الفظ الغليظ ) الجافي القاسي القلب يقال منه فظظت تفظ فظاظة و أنت فظ على وزن فعل إلا أنه أدغم كصب و الفظاظة خشونة الكلام و الافتظاظ شرب ماء الكرش لجفائه على الطبائع فإن أصل الفظاظة الجفوة و الفظ ماء الكرش و الفض بالضاد تفريق الشيء و الانفضاض التفرق و شاورت الرجل مشاورة و شوارا و الاسم المشورة و قيل المشورة و فلان حسن الشورة و الصورة أي الهيأة و اللباس و أنه لصير شير و هو حسن الشارة و معنى قولهم شاورت فلانا أظهرت في الرأي ما عندي و ما عنده و شرت الدابة أشورها إذا امتحنتها فعرقت هيئتها في سيرها و شرت العسل و أشرته إذا أخذته من مواضع النحل و عسل مشور و مشار قال الشاعر :
كان القرنفل و الزنجبيل
باتا بفيها و أريا مشورا و قال عدي بن زيد :
و غناء يأذن الشيخ له
و حديث مثل ما ذي مشار و العزم عقد القلب على الشيء تريد أن تفعله و العزيمة كذلك قال ابن دريد يقال عزمت عليك يعني أقسمت عليك و التوكل إظهار العجز و الاعتماد على الغير و التوكل على الله هو تفويض الأمر إليه و الثقة بحسن تدبيره و أصله الاتكال و هو الاكتفاء في فعل ما يحتاج إليه ممن يستند إليه و منه الوكالة لأنه عقد على الكفاية بالنيابة و الوكيل هو المتكل عليه بتفويض الأمر إليه .

(2/381)


الإعراب
« فبما رحمة » ما زائدة بإجماع المفسرين و مثله قوله عما قليل جاءت ما مؤكدة للكلام و دخولها تحسن النظم كدخولها لاتزان الشعر في نحو قول عنترة :
يا شاة ما قنص لمن حلت له
حرمت علي و وليتها لم تحرم و قال الفرزدق :
ناديت أنك إن نجوت فبعد ما
يأس و قد نظرت إليك شعوب و ذلك ليتمكن المعنى في النفس فجرى مجرى التكرير .
المعنى
ثم بين سبحانه أن مساهلة النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) إياهم و مجاوزته عنهم من رحمته تعالى حيث جعله لين العطف حسن الخلق « فبما رحمة » أي فبرحمة « من الله لنت لهم » معناه أن لينك لهم مما يوجب دخولهم في الدين لأنك تأتيهم مع سماحة أخلاقك و كرم سجيتك بالحجج و البراهين « و لو كنت » يا محمد « فظا » أي جافيا سيء الخلق « غليظ القلب » أي قاسي الفؤاد غير ذي رحمة و لا رأفة « لانفضوا من حولك » أي لتفرق أصحابك عنك و نفروا منك و قيل إنما جمع بين الفظاظة و الغلظة و إن كانتا متقاربتين لأن الفظاظة في الكلام فنفى الجفاء عن لسانه و القسوة عن قلبه « فاعف عنهم » ما بينك و بينهم « و استغفر لهم » ما بينهم و بيني و قيل معناه فاعف عنهم فرارهم من أحد و استغفر لهم من ذلك الذنب « و شاورهم في الأمر » أي استخرج آراءهم و اعلم ما عندهم و اختلفوا في فائدة مشاورته إياهم مع استغنائه بالوحي عن تعرف صواب الرأي من العباد على أقوال ( أحدها ) أن ذلك على وجه التطييب لنفوسهم و الت آلف لهم و الرفع من أقدارهم ليبين أنهم ممن يوثق بأقوالهم و يرجع إلى آرائهم عن قتادة و الربيع و ابن إسحاق ( و ثانيها ) أن ذلك لتقتدي به أمته في المشاورة و لم يروها نقيصة كما مدحوا بأن أمرهم شورى بينهم عن سفيان بن عيينة ( و ثالثها ) أن ذلك ليمتحنهم بالمشاورة ليتميز الناصح من الغاش ( و خامسها ) أن ذلك في أمور الدنيا و مكائد الحرب و لقاء العدو و في مثل ذلك يجوز أن يستعين ب آرائهم عن أبي علي الجبائي « فإذا عزمت » أي فإذا عقدت قلبك على الفعل و إمضائه و رووا عن جعفر بن محمد و عن جابر بن يزيد فإذا عزمت بالضم فعلى هذا يكون معناه فإذا عزمت لك و وفقتك و أرشدتك « فتوكل على الله » أي فاعتمد على الله و ثق به و فوض أمرك إليه

(2/382)


« إن الله يحب المتوكلين » يعني الواثقين به و المعتمدين عليه و المنقطعين إليه الواكلين أمرهم إلى لطفه و تدبيره و في هذه الآية دلالة على اختصاص نبينا بمكارم الأخلاق و محاسن الأفعال و من عجيب أمره (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه كان أجمع الناس لدواعي الترفع ثم كان أدناهم إلى التواضع و ذلك أنه كان أوسط الناس نسبا و أوفرهم حسبا و أسخاهم و أشجعهم و أزكاهم و أفصحهم و هذه كلها من دواعي الترفع ثم كان من تواضعه أنه كان يرقع الثوب و يخصف النعل و يركب الحمار و يعلف الناضح و يجيب دعوة المملوك و يجلس في الأرض و يأكل على الأرض و كان يدعو إلى الله من غير زئر و لا كهر و لا زجر و لقد أحسن من مدحه في قوله :
فما حملت من ناقة فوق ظهرها
أبر و أوفى ذمة من محمد و في الآية أيضا ترغيب للمؤمنين في العفو عن المسيء و حثهم على الاستغفار لمن يذنب منهم و على مشاورة بعضهم بعضا فيما يعرض لهم من الأمور و نهيهم عن الفظاظة في القول و الغلظة و الجفاء في الفعل و دعائهم إلى التوكل عليه و تفويض الأمر إليه و فيها أيضا دلالة على ما نقوله في اللطف لأنه سبحانه نبه على أنه لو لا رحمته لم يقع اللين و التواضع و لو لم يكن كذلك لما أجابوه فبين أن الأمور المنفرة منفية عنه و عن سائر الأنبياء و من يجري مجراهم في أنه حجة على الخلق و هذا يوجب تنزيههم أيضا عن الكبائر لأن التنفير في ذلك أكثر .
إِن يَنصرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِب لَكُمْ وَ إِن يخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِى يَنصرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَ عَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكلِ الْمُؤْمِنُونَ(160)
المعنى
لما أمر الله سبحانه نبيه بالتوكل بين معنى وجوب التوكل عليه فقال « إن ينصركم الله » على من ناواكم « فلا غالب لكم » أي فلا يقدر أحد على غلبتكم و إن كثر عدد من يناوئكم و قل عددكم « و إن يخذلكم » أي يمنعكم معونته و يخل بينكم و بين أعدائكم بمعصيتكم إياه « فمن ذا الذي ينصركم من بعده » الهاء عائدة إلى اسم الله على الظن و المعنى على حذف المضاف و تقديره من بعد خذلانه يعني أنه لا ناصر لكم ينصركم بعد خذلان الله إياكم و من هاهنا معناه التقرير بالنفي في صورة الاستفهام أي لا

(2/383)


ينصركم أحد من بعده و إنما تضمن حرف الاستفهام معنى النفي لأن جوابه يجب أن يكون بالنفي فصار ذكره يغني عن ذكر جوابه و كان أبلغ لتقرير المخاطب فيه « و على الله فليتوكل المؤمنون » ظاهر المراد و تضمنت الآية الترغيب في طاعة الله التي يستحق بها النصرة و التحذير من معصية الله التي يستحق بها الخذلان مع إيجاب التوكل عليه الذي يؤمن معه أن يكلهم إلى أنفسهم فيهلكوا قال أبو علي الجبائي و في الآية دليل على أن من غلبه أعداء الله من الباغين لم ينصره الله لأنه لو نصره لما غلبوه و ذلك بحسب ما في المعلوم من مصالح العباد مع تعريض المؤمنين لمنازل الأبرار بالصبر على الجهاد مع خوف القتل من حيث لم يجعل على أمان من غلبة الفجار و هذا إنما هو في النصرة بالغلبة فأما النصرة بالحجة فإن الله نصر المؤمنين من حيث هداهم إلى طريق الحق بما نصب لهم من الأدلة الواضحة و البراهين القاطعة و لو لا ذلك لما حسن التكليف و قال أبو القاسم البلخي المؤمنون منصورون أبدا إن غلبوا فهم المنصورون بالغلبة و إن غلبوا فهم المنصورون بالحجة و لا يجوز أن ينصر الله الكافر على وجه و قال الجبائي النصرة بالغلبة ثواب لأنه لا يجوز أن ينصر الله الظالمين من حيث لا يريد استعلاءهم بالظلم على غيرهم و قال ابن الإخشيد ليس بصواب كيف تصرفت الحال لأن الله تعالى أمرنا أن ننصر الفئة المبغى عليها و قد لا تكون مستحقة للثواب فأما الخذلان فلا خلاف أنه عقاب و الخذلان هو الامتناع من المعونة على عدو في وقت الحاجة إليها لأنه لو امتنع إنسان من معونة من يستغني عن معونته لم يكن خاذلا له .
وَ مَا كانَ لِنَبى أَن يَغُلَّ وَ مَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ ثُمَّ تُوَفى كلُّ نَفْس مَّا كَسبَت وَ هُمْ لا يُظلَمُونَ(161)
القراءة
قرأ ابن كثير و أبو عمرو و عاصم « أن يغل » بفتح الياء و ضم الغين و قرأ الباقون بضم الياء و فتح الغين .
الحجة
من قرأ « يغل » فمعناه يخون .
يقال غل في الغنيمة يغل إذا خان فيها و أغل بمعناه و قال النمر بن تولب :
جزى الله عنا جمرة بنت نوفل
جزاء مغل بالأمانة كاذب
بما سألت عني الوشاة ليكذبوا
علي و قد أوليتها في النوائب

(2/384)


و من قرأ يغل فمعناه على وجهين ( أحدهما ) ما كان لنبي أن يخون أي ينسب إلى الخيانة أي يقال له غللت كقولك أسقيته أي قلت له سقاك الله قال ذو الرمة :
و أسقيه حتى كاد مما أبثه
تكلمني أحجاره و ملاعبه و قال الكميت :
و طائفة قد أكفرتني بحبكم
و طائفة قالت مسيء و مذنب أي نسبتني إلى الكفر ( و الآخر ) ما كان لنبي أن يخان بمعنى يسرق منه و يؤخذ من الغنيمة التي حازها و يكون تخصيص النبي بذلك تعظيما للذنب قال أبو علي الفسوي الحجة لمن قرأ « أن يغل » إنما جاء في التنزيل من هذا النحو أسند الفعل فيه إلى الفاعل نحو ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء و ما كان ليأخذ أخاه و ما كان لنفس أن تموت و ما كان الله ليضل قوما و ما كان الله ليطلعكم على الغيب و لا يكاد يقال ما كان لزيد أن يضرب و ما كان لزيد ليضرب فيسند الفعل فيه إلى المفعول به فكذلك قوله و ما كان لنبي أن يغل يسند الفعل فيه إلى الفاعل و يروي عن ابن عباس أنه قرأ « يغل » فقيل له أن عبد الله قرأ يغل فقال ابن عباس بلى و الله و يقتل و روي عن ابن عباس أيضا أنه قال و قد كان النبي يقتل فكيف لا يخون .
اللغة
أصل الغلول من الغلل و هو دخول الماء في خلل الشجر يقال انغل الماء في أصول الشجر و الغلول الخيانة لأنها تجري في الملك على خفاء من غير الوجه الذي يحل كالغلل و منه الغل الحقد لأنه يجري في النفس كالغلل و منه الغليل حرارة العطش و الغلة كأنها تجري في الملك من جهات مختلفة و الغلالة لأنها شعار تحت البدن .
النزول
روي عن ابن عباس و سعيد بن جبير أنها نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر من المغنم فقال بعضهم لعل النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أخذها و في رواية الضحاك عنه أن رجلا غل بمخيط أي بإبرة من غنائم هوازن يوم حنين فنزلت الآية و عن مقاتل أنها نزلت في غنائم أحد حين ترك الرماة المركز طلبا للغنيمة و قالوا نخشى أن يقول رسول الله من أخذ شيئا فهو له و لا يقسم كما لم يقسم يوم بدر و وقعوا في الغنائم فقال رسول الله أ ظننتم أنا نغل و لا نقسم لكم فأنزل الله الآية و قيل أنه قسم المغنم و لم يقسم للطلائع فلما قدمت

(2/385)


الطلائع قالوا أقسم الفيء و لم يقسم لنا فعرفه الله الحكم فنزلت الآية و قيل نزلت في أداء الوحي كان النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) يقرأ القرآن و فيه عيب دينهم و سب آلهتهم فسألوه أن يطوي ذلك فأنزل الله الآية .
المعنى
لما قدم تعالى أمر الجهاد و ذكر بعده ما يتعلق به من حديث الغنائم و النهي عن الخيانة فيها فقال « و ما كان لنبي أن يغل » و تقديره و ما كان لنبي الغلول لأن أن مع الفعل بمعنى المصدر أي لا تجتمع النبوة و الخيانة و قيل معناه ما كان له أن يكتم شيئا من الوحي عن ابن إسحاق و تقديره ما كان له أن يغل أمته فيما يؤدي إليهم و قيل اللام منقولة و تقديره ما كان النبي ليغل كقوله ما كان لله أن يتخذ من ولد معناه ما كان الله ليتخذ ولدا و على القراءة الأخرى ما كان لنبي أن يخون أي يخونه أصحابه أو بمعنى يكتمونه شيئا من المغنم على ما مضى القول فيه و خصه بالذكر و إن كان لا يجوز أن يغل غيره من إمام أو أمير للمسلمين لوجهين ( أحدهما ) لعظم خيانته و أنها أعظم من خيانة غيره و هذا كقوله « فاجتنبوا الرجس من الأوثان » و إن كان اجتناب جميع الأرجاس واجبا ( و الآخر ) أن النبي إنما خص بالذكر لأنه القائم بأمر الغنائم فإذا حرمت الخيانة عليه و هو صاحب الأمر فحرمتها على غيره أولى و أجدر و قوله « و من يغلل يأت بما غل يوم القيامة » معناه أنه يأتي حاملا على ظهره كما روي في حديث طويل ألا لا يغلن أحد بعيرا فيأتي به على ظهره يوم القيامة له رغاء ألا لا يغلن أحد فرسا فيأتي به على ظهره له حمحمة فيقول يا محمد يا محمد فأقول قد بلغت قد بلغت لا أملك لك من الله شيئا عن ابن عباس و أبي حميد و أحمد الساعدي و ابن عمر و قتادة و قال الجبائي و ذلك ليفضح به على رءوس الأشهاد و قال البلخي فيجوز أن يكون ما تضمنه الخبر على وجه المثل كان الله إذا فضحه يوم القيامة جرى ذلك مجرى أن يكون حاملا له و له صوت و قد روي في خبر آخر أن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) كان يأمر مناديا فينادي في الناس ردوا الخيط و المخيط فإن الغلول عار و شنار يوم القيامة فجاء رجل بكبة شعر فقال إني أخذتها لأخيط بردعة بعيري فقال النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أما نصيبي منها فهو لك فقال الرجل أما إذا بلغ الأمر هذا المبلغ فلا حاجة لي فيها و الأولى أن يكون معناه و من يغلل يواف بما غل يوم القيامة فيكون حمل غلوله على عنقه أمارة يعرف بها و ذلك حكم الله تعالى في كل من وافى يوم القيامة بمعصيته لم يتب منها أو أراد الله تعالى أن يعامله بالعدل أظهر عليه من معصيته علامة تليق بمعصيته ليعلمه أهل القيامة بها و يعلموا سبب استحقاقه العقوبة كما قال تعالى « فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس و لا جان » و هكذا حكمه تعالى في كل من وافى القيامة بطاعة فإنه تعالى يظهر من طاعته علامة يعرف

(2/386)


بها « ثم توفي كل نفس ما كسبت » أي يعطي كل نفس جزاء ما عملت تاما وافيا « و هم لا يظلمون » أي لا ينقص أحد مقدار ما يستحقه من الثواب و لا يزاد أحد عن مقدار ما استحقه من العذاب و في هذه الآية دلالة على فساد قول المجبرة إن الله لو عذب أولياءه لم يكن ذلك منه ظلما لأنه قد بين أنه لو لم يوفها ما كسبت لكان ظلما .
أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضوَنَ اللَّهِ كَمَن بَاءَ بِسخَط مِّنَ اللَّهِ وَ مَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْس المَْصِيرُ(162) هُمْ دَرَجَتٌ عِندَ اللَّهِ وَ اللَّهُ بَصِيرُ بِمَا يَعْمَلُونَ(163)
اللغة
باء أي رجع يقال باء بذنبه يبوء بوءا إذا رجع به و بوأته منزلا أي هيأته له لأنه يرجع إليه و السخط من الله هو إرادة العقاب لمستحقه و لعنه و هو مخالف للغيظ لأن الغيظ هو هيجان الطبع و انزعاج النفس فلا يجوز إطلاقه على الله تعالى و المصير المرجع و يفرق بينهما بأن المرجع هو انقلاب الشيء إلى حال قد كان عليها و المصير انقلاب الشيء إلى خلاف الحال التي هو عليها نحو مصير الطين خزفا و لا يقال رجع الطين خزفا لأنه لم يكن قبل خزفا و الدرجة الرتبة و الدرجان مشي الصبي لتقارب الرتب و الترقي في العلم درجة بعد درجة أي منزلة بعد منزلة كالدرجة المعروفة .
النزول
لما أمر رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) بالخروج إلى أحد قعد عنه جماعة من المنافقين و اتبعه المؤمنون فأنزل الله تعالى هذه الآية .
المعنى
لما بين تعالى أن كل نفس توفى جزاء ما كسبت من خير و شر عقبه ببيان من كسب الخير و الشر فقال « أ فمن اتبع رضوان الله » و فيه أقوال ( أحدها ) أن معناه أ فمن اتبع رضوان الله في ترك الغلول كمن باء بسخط من الله في فعل الغلول عن الحسن و الضحاك و اختاره الطبري لأنه أشبه بما تقدم ( و ثالثها ) أ فمن اتبع رضوان الله بالجهاد في سبيله « كمن باء بسخط من الله » في الفرار منه رغبة عنه عن الزجاج و الجبائي و هذا الوجه يطابق ما سبق ذكره من سبب النزول « و ماواه جهنم » أي مصيره و مرجعه جهنم « و بئس المصير » أي المكان الذي صار إليه و المستقر و الآية استفهام و المراد به التقرير و الفرق بين الفريقين أي ليس من اتبع رضوان الله أي رضاءه كمن باء بسخطه « هم

(2/387)


درجات » أي هم ذوو درجات « عند الله » فالمؤمنون ذوو درجة رفيعة و الكافرون ذوو درجة خسيسة و قيل في معناه قولان ( أحدهما ) أن المراد اختلاف مرتبتي أهل الثواب و العقاب بما لهؤلاء من النعيم و الكرامة و لأولئك من العقاب و المهانة و عبر عن ذلك بدرجات مجازا و توسعا ( و الثاني ) أن المراد اختلاف مراتب كل من الفريقين فإن الجنة طبقات بعضها أعلى من بعض كما جاء في الخبر أن أهل الجنة ليرون أهل عليين كما يرى النجم في أفق السماء و النار دركات بعضها أسفل من بعض و مثله في حذف المضاف قول ابن هرمة أنشده سيبويه :
أنصب للمنية تعتريهم
رجالي أم هم درج السيول أي هم ذوو درج « و الله بصير بما يعملون » أي عليم و في هذا ترغيب للناس في اتباع مرضاة الله تعالى و تحذيرهم عما يوجب سخطه و إعلام بأن أسرار العباد عنده علانية و فيه توثيق بأنه لا يضيع عمل عامل لديه إذ لا يخفى شيء من ذلك عليه فيثيب على الطاعة و يعاقب على المعصية .
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَث فِيهِمْ رَسولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيهِمْ ءَايَتِهِ وَ يُزَكيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَب وَ الْحِكمَةَ وَ إِن كانُوا مِن قَبْلُ لَفِى ضلَل مُّبِين(164)
اللغة
أصل المن القطع يقال منه يمنه إذا قطعه و المن النعمة لأنه يقطع بها عن البلية يقال من فلان علي بكذا أي استنقذني به مما أنا فيه و المن تكدير النعمة لأنه قطع لها عن وجوب الشكر عليها و المنة القوة لأنه يقطع بها الأعمال .
المعنى
ثم ذكر سبحانه عظيم نعمته على الخلق ببعثه نبينا فقال « لقد من الله » أي أنعم الله « على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا » منهم خص المؤمنين بالذكر و إن كان (صلى الله عليهوآلهوسلّم) مبعوثا إلى جميع الخلق لأن النعمة عليهم أعظم لاهتدائهم به و انتفاعهم ببيانه

(2/388)


و نظير ذلك ما تقدم بيانه من قوله هدى للمتقين و قوله « من أنفسهم » فيه أقوال ( أحدها ) أن المراد به من رهطهم يعرفون منشأه و صدقه و أمانته و كونه أميا لم يكتب كتابا و لم يقرأه ليعلموا أن ما أتى به وحي منزل و يكون ذلك شرفا لهم و داعيا إياهم إلى الإيمان ( و ثانيها ) أن المراد به أنه يتكلم بلسانهم فيسهل عليهم تعلم الحكمة منه فيكون خاصا بالعرب ( و ثالثها ) أنه عام لجميع المؤمنين و المراد بأنفسهم أنه من جنسهم لم يبعث ملكا و لا جنيا و موضع المنة فيه أنه بعث فيهم من عرفوا أمره و خبروا شأنه و قوله « يتلو عليهم آياته » يعني القرآن « و يزكيهم و يعلمهم الكتاب و الحكمة » مضى بيانه في سورة البقرة « و إن كانوا من قبل لفي ضلال مبين » يعني أنهم كانوا في ضلال ظاهر بين أي كفارا و كفرهم هو ضلالهم فأنقذهم الله بالنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) .
أَ وَ لَمَّا أَصبَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصبْتُم مِّثْلَيهَا قُلْتُمْ أَنى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كلِّ شىْء قَدِيرٌ(165)
الإعراب
إنما دخلت الواو في « أ و لما » لعطف جملة على جملة إلا أنه تقدمها ألف الاستفهام لأن له صدر الكلام و إنما وصلت هذه الواو الكلام الثاني بالأول ليدل على تعلقه به في المعنى و ذلك أنها وصلت التفريع على الخطيئة بالتذكير بالنعمة لفرقة واحدة .
المعنى
ثم عاد الكلام إلى ذكر الجهاد فقال « أ و لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها » أي حين أصابكم القتل و الجرح و ذلك ما أصاب المسلمين يوم أحد فإنه قتل من المسلمين سبعون رجلا و كانوا هم أصابوا من المشركين يوم بدر مثليها فإنهم كانوا قتلوا من المشركين سبعين رجلا و أسروا سبعين عن قتادة و عكرمة و الربيع و السدي أي و قد أصبتم أيها المسلمون يوم بدر مثليها و قيل قتلهم منهم ببدر سبعين و بأحد سبعين عن الزجاج و هذا ضعيف لأنه خلاف ما ذكره أهل السير فإنه لا خلاف بينهم أنه قتل منهم بأحد نفر يسير فقوله خلاف الجمهور « قلتم أنى يكون هذا » أي من أي وجه أصابنا هذا و نحن مسلمون و فينا رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و ينزل عليه الوحي و هم مشركون و قيل إنهم إنما استنكروا ذلك لأنه وعدهم بالنصر من الله إن أطاعوه عن الجبائي و قوله « قل هو من عند أنفسكم » أي قل يا محمد ما أصابكم من الهزيمة و القتل من عند أنفسكم أي بخلافكم أمر ربكم و ترككم طاعة الرسول (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و فيه أقوال ( أحدها ) أن ذلك بمخالفتهم الرسول في الخروج من

(2/389)


المدينة للقتال يوم أحد و كان النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) دعاهم إلى أن يتحصنوا بها و يدعوا المشركين إلى أن يقصدوهم فيها فقالوا كنا نمتنع من ذلك في الجاهلية و نحن الآن في الإسلام و أنت يا رسول الله نبينا أحق بالامتناع و أعز عن قتادة و الربيع ( و ثانيها ) أن ذلك باختيارهم الفداء من الأسرى يوم بدر و كان الحكم فيهم القتل و شرط عليهم أنكم إن قبلتم الفداء قتل منكم في القابل بعدتهم فقالوا رضينا فإنا نأخذ الفداء و ننتفع به و إذا قتل منا فيما بعد كنا شهداء عن علي (عليه السلام) و عبيدة السلماني و هو المروي عن الباقر (عليه السلام) ( و ثالثها ) أن ذلك بخلاف الرماة يوم أحد لما أمرهم رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) به من ملازمة مراكزهم « إن الله على كل شيء قدير » أي فهو قادر على نصركم فيما بعد و إن لم ينصركم في الحال لمخالفتكم .
وَ مَا أَصبَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الجَْمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَ لِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ(166) وَ لِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَ قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَتِلُوا فى سبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاتَّبَعْنَكُمْ هُمْ لِلْكفْرِ يَوْمَئذ أَقْرَب مِنهُمْ لِلايِمَنِ يَقُولُونَ بِأَفْوَهِهِم مَّا لَيْس فى قُلُوبهِمْ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بمَا يَكْتُمُونَ(167)
الإعراب
الفاء إنما دخلت في قوله « فبإذن الله » لأن خبر ما الذي بمعنى الذي يشبه جواب الجزاء لأنه معلق بالفعل في الصلة كتعليقه بالفعل في الشرط كقولك الذي قام فمن أجل أنه كريم أي لأجل قيامه صح أنه كريم و من أجل كرمه قام .
المعنى
« و ما أصابكم » أيها المؤمنون « يوم التقى الجمعان » جمع المسلمين و جمع المشركين يعني يوم أحد من النكبة بقتل من قتل منكم « فبإذن الله » أي بعلم الله و منه قوله و أذان من الله أي إعلام و قيل بتخلية الله بينكم و بينهم التي تقوم مقام الإطلاق في الفعل برفع الموانع و التمكين من الفعل الذي يصح معه التكليف و قيل بعقوبة الله فإن الله تعالى جعل لكل ذنب عقوبة و كان ذلك عقوبة لهم من الله على ترك أمر رسول الله و لا يجوز أن يكون المراد بالإذن هاهنا الإباحة و الإطلاق كما يقتضيه اللفظ لأن الله

(2/390)


لا يبيح المعاصي و لا يطلقها و قتل الكافر المسلم من أعظم المعاصي فكيف يأذن فيه « و ليعلم » الله « المؤمنين و ليعلم الذين نافقوا » معناه و ليميز المؤمنين من المنافقين لأن الله عالم بالأشياء قبل كونها فلا يجوز أن يعلم عند ذلك ما لم يكن عالما به إلا أن الله أجرى على المعلوم لفظ العلم مجازا أي ليظهر المعلوم من المؤمن و المنافق « قيل لهم » أي للمنافقين « تعالوا قاتلوا في سبيل الله » قالوا إن عبد الله بن أبي و المنافقين معه من أصحابه انخذلوا يوم أحد نحوا من ثلثمائة رجل و قالوا علام نقتل أنفسنا و قال لهم عبد الله بن عمرو بن حزام الأنصاري « تعالوا قاتلوا في سبيل الله » و اتقوا الله و لا تخذلوا نبيكم « أو ادفعوا » عن حريمكم و أنفسكم إن لم تقاتلوا في سبيل الله و قيل معناه أقيموا معنا و كثروا سوادنا و هذا يدل على أن تكثير سواد المجاهدين معدود في الجهاد و بمنزلة القتال « قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم » يعني قال المنافقون لو علمنا قتالا لقاتلناهم قالوا ذلك إبلاء لعذرهم في ترك القتال و الرجوع إلى المدينة فقال لهم أبعدكم الله ، الله يغني عنكم و قيل إنما القائل لذلك رسول الله يدعوهم إلى القتال عن الأصم « هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان » يعني بإظهار هذا القول صاروا أقرب إلى الكفر إذ كانوا قبل ذلك في ظاهر أحوالهم أقرب إلى الإيمان حتى هتكوا الستر فعلم المؤمنون منهم ما لم يعلموه و اللام بمعنى إلى يعني هم إلى الكفر أقرب منهم إلى الإيمان كقوله تعالى « الحمد لله الذي هدانا لهذا » أي إلى هذا « يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم » ذكر الأفواه تأكيدا لأن القول قد يضاف إليها و قيل إنما ذكر الأفواه فرقا بين قول اللسان و قول الكتاب و المراد به قولهم لو نعلم قتالا لاتبعناكم و إضمارهم أنه لو كان قتال لم يقاتلوا معهم و لم ينصروا النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و قيل معناه يقولون بأفواههم من التقرب إلى الرسول و الإيمان ما ليس في قلوبهم فإن في قلوبهم الكفر « و الله أعلم بما يكتمون » أي بما يضمرونه من النفاق و الشرك .
الَّذِينَ قَالُوا لاخْوَنهِمْ وَ قَعَدُوا لَوْ أَطاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكمُ الْمَوْت إِن كُنتُمْ صدِقِينَ(168)
اللغة
الدرء الدفع يقال درأ عنه أي دفع عنه قال الشاعر :

(2/391)


تقول إذا درأت لها وضيني
أ هذا دينه أبدا و ديني .
الإعراب
موضع الذين يحتمل أن يكون نصبا على البدل من الضمير في يكتمون و يحتمل أن يكون رفعا على خبر الابتداء على تقديرهم الذين قالوا .
المعنى
« الذين قالوا » يعني المنافقين « لإخوانهم » في النسب لا في الدين يعني عبد الله بن أبي و أصحابه قالوا في قتلي أحد « و قعدوا » هم يعني هؤلاء القائلون عن جابر و قتادة و السدي و الربيع « لو أطاعونا » في القعود في البيت و ترك الخروج إلى القتال « ما قتلوا قل » لهم يا محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) « فادرءوا » أي فادفعوا « عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين » في هذه المقالة و لا يمكنهم دفع الموت لأنه يجوز أن يدخل عليهم العدو فيقتلهم في قعر بيوتهم و إنما ألزمهم الله دفع الموت عن أنفسهم بمقالتهم أنهم لو لم يخرجوا لم يقتلوا لأن من علم الغيب في السلامة من القتل يجب أن يمكنه أن يدفع عن نفسه الموت فينبغي أن يدفعه هذا القائل فإنه أجدى عليه و في هذا ترغيب في الجهاد و بيان أن كل أحد يموت بأجله .
فلا ينبغي أن يجعل ذلك عذرا في القعود عن الجهاد لأن المجاهد ربما يسلم و القاعد ربما يموت فيجب أن يكون على الله التكلان .
وَ لا تحْسبنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فى سبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ(169) فَرِحِينَ بِمَا ءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضلِهِ وَ يَستَبْشرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ(170) *يَستَبْشرُونَ بِنِعْمَة مِّنَ اللَّهِ وَ فَضل وَ أَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ(171)
القراءة
قرأ ابن عامر قتلوا بالتشديد و الباقون بالتخفيف و قرأ الكسائي وحده إن الله

(2/392)


لا يضيع بكسر الألف و الباقون بالفتح .
الحجة
من قرأ « قتلوا » بالتخفيف فالوجه فيه إن التخفيف يصلح للقليل و الكثير و وجه الفتح في أن أن المعنى و يستبشرون بأن الله لا يضيع أجرهم و يتوفر ذلك عليهم و يوصله إليهم من غير نقص و بخس و وجه الكسر على الاستئناف .
اللغة
أصل البشارة من البشرة لظهور السرور فيها و منه البشر لظهور بشرته و المستبشر من طلب السرور في البشارة فوجده و لحقت الشيء و ألحقته غيري و قيل لحقت و ألحقت لغتان بمعنى واحد و جاء في الدعاء أن عذابك بالكفار ملحق بكسر الحاء أي لاحق و النعمة هي المنفعة التي يستحق بها الشكر إذا كانت خالية من وجوه القبح لأن المنفعة على ضربين - ( أحدهما ) - منفعة اغترار و حيلة - ( و الآخر ) - منفعة خالصة من شائبة الإساءة و النعمة تعظم بفعل غير المنعم كنعمة النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) على من دعاه إلى الإسلام فاستجاب له لأن دعاءه أنفع من وجهين - ( أحدهما ) - حسن النية في دعائه إلى الحق ليستجيب له ( و الآخر ) بقصده الدعاء إلى حق يعلم أن يستجيب له المدعو و إنما يستدل بفعل غير المنعم على موضع النعمة في الجلالة و عظم المنزلة .
الإعراب
أحياء رفع بأنه خبر مبتدإ محذوف أي بل هم أحياء و لا يجوز النصب فيه بحال لأنه يصير التقدير فيه بل احسبهم أحياء و المراد بل أعلمهم أحياء و يرزقون في موضع رفع صفة لأحياء و فرحين نصب على الحال من يرزقون و هو أولى من رفعه عطفا على بل أحياء لأن النصب ينبىء عن اجتماع الرزق و الفرح في حال واحدة و لو رفع على الاستئناف لكان جائزا و قال الخليل موضع « ألا خوف عليهم » جر بالباء على تقدير بأن لا خوف عليهم و قال غيره موضعه نصب على أنه بدل من قوله « الذين لم يلحقوا » و هو بدل الاشتمال مثل قوله يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه .
النزول
قيل نزلت في شهداء بدر و كانوا أربعة عشر رجلا ثمانية من الأنصار و ستة من المهاجرين و قيل نزلت في شهداء أحد و كانوا سبعين رجلا أربعة من المهاجرين حمزة بن عبد المطلب و مصعب بن عمير و عثمان بن شماس و عبد الله بن جحش و سائرهم

(2/393)


من الأنصار عن ابن مسعود و الربيع و قتادة و قال الباقر (عليه السلام) و كثير من المفسرين أنها تتناول قتلي بدر و أحد معا و قيل نزلت في شهداء بئر معونة و كان سبب ذلك ما رواه محمد بن إسحاق بن يسار بإسناده عن أنس بن مالك و غيره قالوا قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة و كان سيد بني عامر بن صعصعة على رسول الله المدينة و أهدى له هدية فأبى رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أن يقبلها و قال يا أبا براء لا أقبل هدية مشرك فأسلم إن أردت أن أقبل هديتك و قرأ عليه القرآن فلم يسلم و لم يعد و قال يا محمد إن أمرك هذا الذي تدعو إليه حسن جميل فلو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوتهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك فقال رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) إني أخشى عليهم أهل نجد فقال أبو براء أنا لهم جار فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك فبعث رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة في سبعين رجلا من خيار المسلمين منهم الحارث بن الصمة و حرام بن ملحان و عروة بن أسماء بن صلت السلمي و نافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي و عامر بن فهيرة مولى أبي بكر و ذلك في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد فساروا حتى نزلوا بئر معونة فلما نزلوا قال بعضهم لبعض أيكم يبلغ رسالة رسول الله أهل هذه الماء فقال حرام بن ملحان أنا فخرج بكتاب رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) إلى عامر بن الطفيل فلما أتاهم لم ينظر عامر في كتاب رسول الله فقال حرام يا أهل بئر معونة أني رسول رسول الله إليكم و أشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أن محمدا رسول الله ف آمنوا بالله تعالى و رسوله فخرج إليه رجل من كسر البيت برمح فضرب به في جنبه حتى خرج من الشق الآخر فقال الله أكبر فزت و رب الكعبة ثم استصرخ عامر بن الطفيل بني عامر على المسلمين فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه و قالوا لن نخفر أبا براء قد عقد لهم عقدا و جوارا فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم عصية و رعلا و ذكوانا فأجابوه إلى ذلك فخرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم في رحالهم فلما رأوهم أخذوا السيوف فقاتلوهم حتى قتلوا عن آخرهم إلا كعب بن زيد فإنهم تركوه و به رمق فارتث بين القتلى فعاش حتى قتل يوم الخندق و كان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمري و رجل من الأنصار أحد بني عمرو بن عوف فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلا الطير يحوم حول العسكر فقالوا و الله إن لهذا الطير لشأنا فأقبلا لينظرا إليه فإذا القوم في دمائهم و إذا الخيل التي أصابتهم واقفة فقال الأنصاري

(2/394)


لعمرو بن أمية ما ذا ترى قال أرى أن نلحق برسول الله فنخبره الخبر فقال الأنصاري لكني ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو ثم قاتل القوم حتى قتل و أخذوا عمرو بن أمية أسيرا فلما أخبرهم أنه من ضمر أطلقه عامر بن الطفيل و جز ناصيته و أعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أبيه فقدم عمرو بن أمية على رسول الله و أخبره الخبر فقال رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) هذا عمل أبي براء و قد كنت لهذا كارها متخوفا فبلغ ذلك أبا براء فشق عليه إخفار عامر إياه و ما أصاب رسول الله بسببه فقال حسان بن ثابت يحرض أبا براء على عامر بن الطفيل :
بني أم البنين أ لم يرعكم
و أنتم من ذوائب أهل نجد
تهكم عامر بأبي براء
ليخفره و ما خطأ كعمد
ألا أبلغ ربيعة ذا المساعي
فما أحدثت في الحدثان بعدي
أبوك أبو الحروب أبو براء
و خالك ماجد حكم بن سعد و قال كعب بن مالك :
لقد طارت شعاعا كل وجه
خفارة ما أجار أبو براء
بني أم البنين أ ما سمعتم
دعاء المستغيث مع النساء
و تنوية الصريخ بلى و لكن
عرفتم أنه صدق اللقاء فلما بلغ ربيعة بن أبي براء قول حسان و قول كعب حمل على عامر بن الطفيل و طعنه فخر عن فرسه فقال هذا عمل أبي براء إن مت فدمي لعمي و لا يتبعن سواي و إن عشت فسأرى فيه رأيي قال فأنزل الله في شهداء بئر معونة قرآنا بلغوا قومنا عنا بأنا قد لقينا ربنا فرضي عنا و رضينا عنه ثم نسخت و رفعت بعد ما قرأناها و أنزل الله تعالى « و لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله » الآية .
المعنى
لما حكى الله سبحانه قول المنافقين في المقتولين الشهداء تثبيطا للمؤمنين عن جهاد الأعداء ذكر بعده ما أعد الله للشهداء من الكرامة و خصهم به من النعيم في دار المقامة فقال « و لا تحسبن » و الخطاب للنبي أو يكون على معنى لا تحسبن أيها السامع أو أيها الإنسان « الذين قتلوا في سبيل الله » أي في الجهاد و في نصرة دين الله

(2/395)


« أمواتا » أي موتى كما مات من لم يقتل في سبيل الله في الجهاد « بل أحياء » أي بل هم أحياء و قد مر تفسيره في سورة البقرة عند قوله « و لا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات » الآية و قوله « عند ربهم » فيه وجهان ( أحدهما ) أنهم بحيث لا يملك لهم أحد نفعا و لا ضرا إلا ربهم و ليس المراد بذلك قرب المسافة لأن ذلك من صفة الأجسام و ذلك مستحيل على الله تعالى ( و الآخر ) أنهم عند ربهم أحياء من حيث يعلمهم كذلك دون الناس عن أبي علي الجبائي و روي عن ابن عباس و ابن مسعود و جابر أن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في حواصل طير خضر ترد أنهار الجنة و تأكل من ثمارها و روي عنه أنه قال لجعفر بن أبي طالب و قد استشهد في غزاة موته رأيته و له جناحان يطير بهما مع الملائكة في الجنة و أنكر بعضهم حديث الأرواح و قال الروح عرض لا يجوز أن يتنعم و هذا لا يصح لأن الروح جسم رقيق هوائي مأخوذ من الريح و يدل على ذلك أنه يخرج من البدن و يرد إليه و هي الحساسة الفعالة دون البدن و ليست من الحياة في شيء لأن ضد الحياة الموت و ليس كذلك الروح و هذا قول علي بن عيسى « يرزقون » من نعيم الجنة غدوا و عشيا و قيل يرزقون النعيم في قبورهم « فرحين بما آتاهم الله من فضله » أي يسرون بما أعطاهم الله من ضروب نعمه في الجنة و قيل في قبورهم و قيل معناه فرحين بما نالوا من الشهادة و جزائها « و يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم » أي يسرون بإخوانهم الذين فارقوهم و هم أحياء في الدنيا على مناهجهم من الإيمان و الجهاد لعلمهم بأنهم إن استشهدوا لحقوا بهم و صاروا من كرامة الله إلى مثل ما صاروا هم إليه يقولون إخواننا يقتلون كما قتلنا فيصيبون من النعيم مثل ما أصبنا عن ابن جريج و قتادة و قيل أنه يؤتى الشهيد بكتاب فيه ذكر من تقدم عليه من إخوانه فيسر بذلك و يستبشر كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا عن السدي و قيل معناه لم يلحقوا بهم في الفضل إلا أن لهم فضلا عظيما بتصديقهم و إيمانهم عن الزجاج « ألا خوف عليهم و لا هم يحزنون » أي يستبشرون بأن لا خوف عليهم و ذلك لأنه بدل من قوله « الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم » لأن الذين يلحقون بهم مشتملون على عدم الحزن فالاستبشار هنا إنما يقع بعدم خوف هؤلاء اللاحقين و معناه لا خوف عليهم فيمن خلفوه من ذريتهم لأن الله تعالى يتولاهم و لا هم يحزنون على ما خلفوا من أموالهم لأن الله قد أجزل ما عوضهم و قيل معناه لا خوف عليهم فيما يقدمون عليه لأن الله محص ذنوبهم بالشهادة و لا

(2/396)


هم يحزنون على مفارقة الدنيا فرحا بالآخرة « يستبشرون » يعني هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله الذين وصفهم الله بأنهم يرزقون فرحين بما أتاهم الله من فضله « بنعمة من الله و فضل » الفضل و النعمة عبارتان يعبر بهما عن معنى واحد قيل في تكراره قولان ( أحدهما ) إن المراد أنها ليست نعمة على قدر الكفاية من غير مضاعفة السرور و اللذة فالنعمة ما استحقوه بطاعتهم و الفضل ما زادهم من المضاعفة في الأجر ( و الآخر ) إنه للتأكيد و تمكين المعنى في النفس و المبالغة « و أن الله لا يضيع أجر المؤمنين » أي يوفر جزاءهم و إنما ذكر ذلك و إن كان غيرهم يعلم ذلك لأنهم يعلمونه بعلم الموت ضرورة و إنما يعلمونه في دار التكليف استدلالا و ليس الاستدلال كالمشاهدة و لا الخبر كالمعاينة فإن مع الضرورة و العيان يتضاعف سرورهم و يشتد ارتباطهم و فيه دلالة على أن الثواب مستحق و إن الله لا يبطله البتة و إن الإثابة لا تكون إلا من قبله تعالى و لذلك أضاف نفي الإضاعة إلى نفسه و ما روي في الأخبار من ثواب الشهداء أكثر من أن يحصى أعلاها إسنادا ما رواه علي بن موسى الرضا (عليهماالسلام) عن الحسين بن علي (عليهماالسلام) قال بينما أمير المؤمنين يخطب و يحضهم على الجهاد إذ قام إليه شاب فقال يا أمير المؤمنين أخبرني عن فضل الغزاة في سبيل الله فقال كنت رديف رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) على ناقته العضباء و نحن منقلبون عن غزوة ذات السلاسل فسألته عما سألتني عنه فقال الغزاة إذا هموا بالغزو كتب الله لهم براءة من النار فإذا تجهزوا لغزوهم باهى الله بهم الملائكة فإذا ودعهم أهلوهم بكت عليهم الحيطان و البيوت و يخرجون من الذنوب كما تخرج الحية من سلخها و يوكل الله بكل رجل أربعين ملكا يحفظونه من بين يديه و من خلفه و عن يمينه و عن شماله و لا يعمل حسنة إلا ضعف له و يكتب له كل يوم عبادة ألف رجل يعبدون الله ألف سنة كل سنة ثلاثمائة و ستون يوما اليوم مثل عمر الدنيا و إذا صاروا بحضرة عدوهم انقطع علم أهل الدنيا عن ثواب الله إياهم فإذا برزوا لعدوهم و أشرعت الأسنة و فوقت السهام و تقدم الرجل إلى الرجل حفتهم الملائكة بأجنحتها يدعون الله بالنصرة و التثبيت فينادي مناد الجنة تحت ظلال السيوف فتكون الطعنة و الضربة على الشهيد أهون من شرب الماء البارد في اليوم الصائف و إذا زال الشهيد من فرسه بطعنة أو ضربة لم يصل إلى الأرض حتى يبعث الله إليه زوجته من الحور العين فتبشره بما أعد الله له من الكرامة فإذا وصل إلى الأرض تقول له الأرض مرحبا بالروح الطيب الذي أخرج من البدن الطيب أبشر فإن لك ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر و يقول الله عز و جل أنا خليفته في أهله من أرضاهم فقد أرضاني و من أسخطهم فقد أسخطني و يجعل الله روحه في حواصل طير

(2/397)


خضر تسرح في الجنة حيث يشاء تأكل من ثمارها و تأوي إلى قناديل من ذهب معلقة بالعرش و يعطي الرجل منهم سبعين غرفة من غرف الفردوس سلوك كل غرفة ما بين صنعاء و الشام يملأ نورها ما بين الخافقين في كل غرفة سبعون بابا على كل باب سبعون مصراعا من ذهب على كل باب سبعون غرفة مسبلة في كل غرفة سبعون خيمة في كل خيمة سبعون سريرا من ذهب قوائمها الدر و الزبرجد مرمولة بقضبان الزمرد على كل سرير أربعون فراشا غلظ كل فراش أربعون ذراعا على كل فراش زوجة من الحور العين عربا أترابا فقال أخبرني يا أمير المؤمنين عن العروبة فقال هي الغنجة الرضية الشهية لها سبعون ألف وصيف و سبعون ألف وصيفة صفر الحلي بيض الوجوه عليهن تيجان اللؤلؤ على رقابهم المناديل بأيديهم الأكوبة و الأباريق فإذا كان يوم القيامة فو الذي نفسي بيده لو كان الأنبياء على طريقهم لترجلوا لهم لما يرون من بهائهم حتى يأتوا إلى موائد من الجواهر فيقعدون عليها و يشفع الرجل منهم في سبعين ألفا من أهل بيته و جيرانه حتى أن الجارين يتخاصمان أيهما أقرب جوارا فيقعدون معي و مع إبراهيم على مائدة الخلد فينظرون إلى الله عز و جل في كل يوم بكرة و عشيا .
الَّذِينَ استَجَابُوا للَّهِ وَ الرَّسولِ مِن بَعْدِ مَا أَصابهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسنُوا مِنهُمْ وَ اتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ(172) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاس إِنَّ النَّاس قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَناً وَ قَالُوا حَسبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكيلُ(173) فَانقَلَبُوا بِنِعْمَة مِّنَ اللَّهِ وَ فَضل لَّمْ يَمْسسهُمْ سوءٌ وَ اتَّبَعُوا رِضوَنَ اللَّهِ وَ اللَّهُ ذُو فَضل عَظِيم(174)
اللغة
استجاب و أجاب بمعنى و قيل استجاب طلب الإجابة و أجاب فعل الإجابة و القرح الجرح و أصله الخلوص من الكدر و منه ماء قراح أي خالص و القراح من الأرض ما خلص طينه من السبخ و غيره و القريحة خالص الطبيعة و اقترحت عليه كذا أي اشتهيته عليه لخلوصي على ما تتوق نفسه إليه كأنه قال استخلصته و فرس قارح طلع نابه لخلوصه عن

(2/398)


نقص الصغار ببلوغ تلك الحال و القرح الجراح لخلوص ألمه إلى النفس و الإحسان هو النفع الحسن و الإفضال النفع الزائد على أقل المقدار حسبنا الله أي كافينا الله و أصله من الحساب لأن الكفاية بحسب الحاجة و بحساب الحاجة و منه الحسبان و هو الظن و الوكيل الحفيظ و قيل هو الولي و أصله القيام بالتدبير فمعنى الوكيل في صفات الله هو المتولي للقيام بتدبير خلقه لأنه مالكهم الرحيم بهم و هو في صفة غيره و إنما يعتد بالتوكيل .
الإعراب
موضع الذين يحتمل ثلاثة أوجه من