الجزء الاول

                                       الجزء الثاني    الجزء الثالث

                                       الجزء الرابع    الجزء الخامس    الجزء السادس

                                       الجزء السابع    الجزء الثامن    الجزء التاسع    الجزء العاشر

                                           ملاحظة :  للبحث عن كلمة او اكثر اضغط  (  ctrl+f  )

 

مجمع البيان في تفسير القران
تأليف امين الاسلام أبي على الفضل بن الحسن الطبرسي
من أعلام القرن السادس الهجري

الجزء الخامس

(5/1)


( 9 ) سورة التوبة مدنية و آياتها تسع و عشرون و مائة ( 129 )
و هي مدنية كلها و قال بعضهم غير آيتين « لقد جاءكم رسول من أنفسكم » إلى آخر السورة نزلت سنة تسع من الهجرة و فتحت مكة سنة ثمان و حج رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) حجة الوداع سنة عشر و قال قتادة و مجاهد و هي آخر ما نزلت على النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) بالمدينة
عدد آيها
هي مائة و تسع و عشرون آية كوفي و ثلاثون في الباقين .
اختلافها
ثلاث آيات « بريء من المشركين » بصري « عذابا أليما » شامي و « عاد و ثمود » حجازي .
أسماؤها عشرة
سورة براءة سميت بذلك لأنها مفتتحة بها و نزلت بإظهار البراءة من الكفار - التوبة - سميت بذلك لكثرة ما فيها من التوبة كقوله « و يتوب الله على من يشاء » « فإن يتوبوا يك خيرا لهم » « ثم تاب عليهم ليتوبوا » - الفاضحة - عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس سورة التوبة فقال تلك الفاضحة ما زال ينزل حتى خشينا أن لا يبقى منهم أحد إلا ذكر و سميت بذلك لأنها فضحت المنافقين بإظهار نفاقهم - المبعثرة - عن ابن عباس أيضا سماها بذلك لأنها تبعثر عن أسرار المنافقين أي تبحث عنها - المقشقشة - عن ابن عباس سماها بذلك لأنها تبرىء من آمن بها من النفاق و الشرك لما فيها من الدعاء إلى الإخلاص و في الحديث كان يقال لسورتي ( قل يا أيها الكافرون ) و ( قل هو الله أحد ) المقشقشتان سميتا بذلك لأنهما تبرئان من الشرك و النفاق يقال قشقشه إذا برأه و تقشقش المريض من علته إذا أفاق و برأ منها - البحوث - عن أبي أيوب الأنصاري سماها بذلك لأنها تتضمن ذكر المنافقين و البحث عن سرائرهم - المدمدمة - عن سفيان بن عيينة أي المهلكة و منه قوله

(5/2)


« فدمدم عليهم ربهم » ( الحافرة ) عن الحسن لأنها حفرت عن قلوب المنافقين ما كانوا يسترونه - المثيرة - عن قتادة لأنها أثارت مخازيهم و مقابحهم - سورة العذاب - عن حذيفة بن اليمان لأنها نزلت بعذاب الكفار و روى عاصم عن زر بن حبيش عن حذيفة قال يسمونها سورة التوبة و هي سورة العذاب فهذه عشرة أسماء .
فضلها
أبي بن كعب عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال من قرأ سورة الأنفال و براءة فأنا شفيع له الخبر بتمامه و قد مضى ذكره مع ما في معناه في أول الأنفال و قد روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال الأنفال و البراءة واحد و روي ذلك عن سعيد بن المسيب و روى الثعلبي بإسناده عن عائشة عن رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال ما نزل علي القرآن إلا آية آية و حرفا حرفا خلا سورة البراءة و قل هو الله أحد فإنهما نزلتا علي و معهما سبعون ألف صف من الملائكة كل يقول يا محمد استوص بنسبة الله خيرا
علة ترك التسمية - في أولها قراءة و كتابة
للعلماء و المفسرين فيه أقوال - ( أحدها ) - أنها ضمت إلى الأنفال بالمقاربة فصارتا كسورة واحدة إذ الأولى في ذكر العهود و الثانية في رفع العهود عن أبي بن كعب - ( و ثانيها ) - أنه لم ينزل بسم الله الرحمن الرحيم على رأس سورة براءة لأن بسم الله للأمان و الرحمة و نزلت براءة لرفع الأمان بالسيف عن علي (عليه السلام) و سفيان بن عيينة اختاره أبو العباس المبرد - ( و ثالثها ) - ما روي عن ابن عباس أنه قال قلت لعثمان بن عفان ما حملكم على أن عمدتهم إلى براءة و هي من المئين و إلى الأنفال و هي من المثاني فجعلتموهما في السبع الطوال و لم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم فقال كان النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) تنزل عليه الآيات فيدعو بعض من يكتب له فيقول له ضع هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا و كذا و كانت الأنفال من أول ما نزل من القرآن بالمدينة و كانت براءة من آخر ما نزل من القرآن و كانت قصتها شبيهة بقصتها فظننا أنها منها و قبض رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و لم يبين أنها منها فوضعناهما في السبع الطوال و لم نكتب سطر بسم الله الرحمن الرحيم و كانتا تدعيان القرينتين .
تفسيرها
لما ختم الله سبحانه سورة الأنفال بإيجاب البراءة عن الكفار افتتح هذه السورة بأنه تعالى و رسوله بريئان منهم كما أمر المسلمين بالبراءة منهم فقال .

(5/3)


سورة التوبة
بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَ رَسولِهِ إِلى الَّذِينَ عَهَدتم مِّنَ الْمُشرِكِينَ(1) فَسِيحُوا فى الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشهُر وَ اعْلَمُوا أَنَّكمْ غَيرُ مُعْجِزِى اللَّهِ وَ أَنَّ اللَّهَ مخْزِى الْكَفِرِينَ(2)
اللغة
معنى البراءة انقطاع العصمة يقال برأ يبرأ براءة و تبرء تبرءا و أبرأه إبراء و السيح السير على مهل يقال ساح سيح سيحا و سياحة و سيوحا و سيحانا و الإعجاز إيجاد العجز و العجز ضد القدرة عند من أثبته معنى و الإخزاء الإذلال بما فيه الفضيحة و العار و الخزي النكال الفاضح .
الإعراب
براءة ترتفع على أنها خبر مبتدإ محذوف و تقديره هذه الآيات براءة و يحتمل أن يكون مبتدأ و خبره في الظرف و هو قوله « إلى الذين » و جاز أن يكون المبتدأ نكرة لأنها موصوفة و الأول أجود لأنه يدل على حضور المدرك كما تقول لمن تراه حاضرا حسن و الله أي هذا حسن .
المعنى
« براءة من الله » أي هذه براءة من الله « و رسوله » أي انقطاع للعصمة و رفع للأمان و خروج من العهود « إلى الذين عاهدتم من المشركين » الخطاب للنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و للمسلمين و المعنى تبرؤا ممن كان بينكم و بينهم عهد من المشركين فإن الله و رسوله بريئان منهم قال الزجاج معناه قد برىء الله و رسوله من إعطائهم العهود و الوفاء لهم بهما إذ نكثوا و إذا قيل كيف يجوز أن ينقض النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) العهد فالقول فيه أنه يجوز أن ينقض ذلك على أحد ثلاثة أوجه إما أن يكون العهد مشروطا بأن يبقى إلى أن يرفعه الله تعالى بوحي و إما أن يكون قد ظهر من المشركين خيانة و نقض فأمر الله سبحانه بأن ينبذ إليهم عهدهم و إما أن يكون مؤجلا إلى مدة فتنقضي المدة و ينتقض العهد و قد وردت الرواية بأن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) شرط عليهم ما ذكرناه و روي أيضا أن المشركين كانوا قد نقضوا العهد أو هموا بذلك فأمره الله سبحانه أن ينقض عهودهم ثم خاطب الله سبحانه المشركين فقال « فسيحوا في الأرض » أي سيروا في الأرض على وجه المهل و تصرفوا في حوائجكم آمنين من السيف « أربعة أشهر » فإذا انقضت هذه المدة و لم تسلموا انقطعت العصمة عن دمائكم و أموالكم « و اعلموا أنكم غير معجزي الله » أي غير فائتين عن الله كما يفوت ما يعجز عنه لأنكم حيث كنتم في سلطان الله و ملكه « و أن الله مخزي الكافرين » أي مذلهم و مهينهم و اختلف في هذه الأشهر الأربعة فقيل كان ابتداؤها يوم النحر إلى العاشر من شهر ربيع الآخر عن مجاهد و محمد بن كعب القرظي و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) و قيل إنما ابتداء أجلهم الأشهر الأربعة من أول شوال إلى آخر المحرم لأن هذه الآية نزلت في شوال عن ابن عباس و الزهري قال الفراء كانت المدة إلى آخر المحرم لأنه كان فيهم

(5/4)


من كانت مدته خمسين ليلة و هو من لم يكن له عهد من النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فجعل الله له ذلك و قيل إن من كان له عهد من النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أكثر من أربعة أشهر حط إلى أربعة أشهر و من كان له عهد أقل منها رفع إليها عن الحسن و ابن إسحاق قيل كان ابتداء الأشهر الأربعة يوم النحر لعشرين من ذي القعدة إلى عشرين من شهر ربيع الأول لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت ثم صار في السنة الثانية في ذي الحجة و فيها حجة الوداع و كان سبب ذلك النسيء الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية على ما سيأتي بيانه إن شاء تعالى عن الجبائي .
] القصة [
أجمع المفسرون و نقلة الأخبار أنه لما نزلت براءة دفعها رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) إلى أبي بكر ثم أخذها منه و دفعها إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) و اختلفوا في تفصيل ذلك فقيل أنه بعثه و أمره أن يقرأ عشر آيات من أول هذه السورة و أن ينبذ إلى كل ذي عهد عهده ثم بعث عليا خلفه ليأخذها و يقرأها على الناس فخرج على ناقة رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) العضباء حتى أدرك أبا بكر بذي الحليفة فأخذها منه و قيل أن أبا بكر رجع فقال هل نزل في شيء فقال (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لا إلا خيرا و لكن لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني و قيل أنه قرأ علي براءة على الناس و كان أبو بكر أميرا على الموسم عن الحسن و قتادة و قيل أنه (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أخذها من أبي بكر قبل الخروج و دفعها إلى علي (عليه السلام) و قال لا يبلغ عني إلا أنا أو رجل مني عن عروة بن الزبير و أبي سعيد الخدري و أبي هريرة و روى أصحابنا أن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) ولاه أيضا الموسم و أنه حين أخذ البراءة من أبي بكر رجع أبو بكر و روى الحاكم أبو القاسم الحسكاني بإسناده عن سماك بن حرب عن أنس بن مالك أن رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) بعث ببراءة مع أبي بكر إلى أهل مكة فلما بلغ ذا الحليفة بعث إليه فرده و قال لا يذهب بهذا إلا رجل من أهل بيتي فبعث عليا (عليه السلام) و روى الشعبي عن محرز بن أبي هريرة عن أبي هريرة قال كنت أنادي مع علي حين أذن المشركين فكان إذا صحل صوته فيما ينادي دعوت مكانه قال فقلت يا أبت أي شيء كنتم تقولون قال كنا نقول لا يحج بعد عامنا هذا مشرك و لا يطوفن بالبيت عريان و لا يدخل البيت إلا مؤمن و من كانت بينه و بين رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) مدة فإن أجله إلى أربعة أشهر فإذا انقضت الأربعة الأشهر فإن الله بريء من المشركين و رسوله و روى عاصم بن حميد عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال خطب علي (عليه السلام) الناس و اخترط

(5/5)


سيفه فقال لا يطوفن بالبيت عريان و لا يحجن البيت مشرك و من كانت له مدة فهو إلى مدته و من لم يكن له مدة فمدته أربعة أشهر و كان خطب يوم النحر و كانت عشرون من ذي الحجة و المحرم و صفر و شهر ربيع الأول و عشر من شهر ربيع الآخر و قال يوم النحر يوم الحج الأكبر و ذكر أبو عبد الله الحافظ بإسناده عن زيد بن نفيع قال سألنا عليا (عليه السلام) بأي شيء بعثت في ذي الحجة قال بعثت بأربعة لا يدخل الكعبة إلا نفس مؤمنة و لا يطوف بالبيت عريان و لا يجتمع مؤمن و كافر في المسجد الحرام بعد عامه هذا و من كان بينه و بين رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) عهد فعهده إلى مدته و من لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر و روي أنه (عليه السلام) قام عند جمرة العقبة و قال يا أيها الناس إني رسول الله إليكم بأن لا يدخل البيت كافر و لا يحج البيت مشرك و لا يطوف بالبيت عريان و من كان له عهد عند رسول الله فله عهده إلى أربعة أشهر و من لا عهد له فله مدة بقية الأشهر الحرم و قرأ عليهم سورة براءة و قيل قرأ عليهم ثلاث عشرة آية من أول براءة و روي أنه (عليه السلام) لما نادى فيهم أن الله بريء من المشركين أي من كل مشرك قال المشركون نحن نتبرأ من عهدك و عهد ابن عمك ثم لما كانت السنة المقبلة و هي سنة عشر حج النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) حجة الوداع و قفل إلى المدينة و مكث بقية ذي الحجة الحرام و المحرم و صفر و ليالي من شهر ربيع الأول حتى لحق بالله عز و جل .
وَ أَذَنٌ مِّنَ اللَّهِ وَ رَسولِهِ إِلى النَّاسِ يَوْمَ الحَْجّ الأَكبرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِىءٌ مِّنَ الْمُشرِكِينَ وَ رَسولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيرٌ لَّكمْ وَ إِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيرُ مُعْجِزِى اللَّهِ وَ بَشرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَاب أَلِيم(3) إِلا الَّذِينَ عَهَدتُّم مِّنَ الْمُشرِكِينَ ثمَّ لَمْ يَنقُصوكُمْ شيْئاً وَ لَمْ يُظهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتهِمْ إِنَّ اللَّهَ يحِب الْمُتَّقِينَ(4)
القراءة
قرأ يعقوب برواية روح و زيد و رسوله بالنصب و هي قراءة الحسن و ابن أبي

(5/6)


إسحاق و عيسى بن عمرو و قرأ سائر القراء « و رسوله » بالرفع و في الشواذ قراءة عكرمة و عطا لم ينقضوكم بالضاد المعجمة
الحجة
من قرأ « و رسوله » بالرفع فإنه على الابتداء و خبره محذوف و يدل عليه ما تقدمه و تقديره و رسوله أيضا بريء منهم و يجوز أن يكون معطوفا على المضمر في بريء و حسن العطف عليه و إن كان غير مؤكد لأن قوله « من المشركين » قام مقام التوكيد و ذكر سيبويه وجها ثالثا و هو أن يكون معطوفا على موضع أن و هذا وهم منه لأن أن المفتوحة مع ما بعدها في تأويل المصدر فقد تغيرت عن حكم المبتدأ و صارت في حكم ليت و لعل و كان في إحداثها معنى يفارق المبتدأ فكما لا يجوز العطف على مواضعهن فكذا لا يجوز العطف على موضع أن و إنما يجوز العطف على موضع إن المكسورة كما قال الشاعر :
فمن يك أمسى بالمدينة رحله
فإني و قيار بها لغريب و لعل سيبويه توهم أنها مكسورة فحمل على موضعها فقد قرأ في الشواذ إن الله بريء بالكسر فلعله تأول على هذه القراءة و من نصب عطفه على اسم الله تعالى و على هذا فيكون خبره محذوفا أيضا و من قرأ لم ينقضوكم فمعناه لم ينقضوا أموركم و عهودكم .
اللغة
الأذان الإعلام يقال أذنته بكذا فأذن أي أعلمته فعلم و قيل إن أصله من النداء الذي يسمع بالأذن و معناه أوقعه في أذنه و تأذن بمعنى آذن كما يقال تيقن و أيقن و المدة و الزمان و الحين نظائر و أصله من مددت الشيء مدا فكأنه زمان طويل الفسحة و المدة عند المتكلمين اسم للمعدود من حركات الفلك و هو محدث .
الإعراب
و أذان عطف على براءة عن الزجاج و قيل إن تقديره عليكم أذان لأن فيه معنى الأمر فيكون مبتدأ و خبره محذوف عن علي بن عيسى و يجوز أن يكون مبتدأ و الخبر قوله « أن الله بريء » على حذف الباء كأنه قال بأن الله و على الوجهين الأولين يكون موضع أن نصبا على أنه مفعول له و قوله « الذين عاهدتم » في موضع نصب على الاستثناء و بشر معطوف على معنى الأذان أي أذن و بشر عن أبي مسلم .
المعنى
ثم بين سبحانه أنه يجب إعلام المشركين ببراءة منهم لئلا ينسبوا المسلمين إلى الغدر قال « و أذان من الله و رسوله إلى الناس » معناه و إعلام و فيه معنى الأمر أي أذنوا

(5/7)


الناس يعني أهل العهد و قيل المراد بالناس المؤمن و المشرك لأن الكل داخلون في هذا الإعلام و قوله « إلى الناس » أي للناس يقال هذا إعلام لك و إليك « يوم الحج الأكبر » فيه ثلاثة أقوال ( أحدها ) أنه يوم عرفة عن عمر و سعيد بن المسيب و عطا و طاووس و مجاهد و روي ذلك عن علي (عليه السلام) و رواه المسور بن مخزمة عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال عطا الحج الأكبر الذي فيه الوقوف و الحج الأصغر الذي ليس فيه وقوف و هو العمرة ( و ثانيها ) أنه يوم النحر عن علي و ابن عباس و سعيد بن جبير و ابن زيد و النخعي و مجاهد و الشعبي و السدي و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) و رواه ابن أبي أوفى عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال الحسن و سمي الحج الأكبر لأنه حج فيه المشركون و المسلمون و لم يحج بعدها مشرك ( و ثالثها ) أنه جميع أيام الحج عن مجاهد أيضا و سفيان فمعناه أيام الحج كلها كما يقال يوم الجمل و يوم صفين و يوم بعاث يراد به الحين و الزمان لأن كل حرب من هذه الحروب دامت أياما « أن الله بريء من المشركين » أي من عهد المشركين فحذف المضاف « و رسوله » معناه و رسوله أيضا بريء منه و قيل إن البراءة الأولى لنقض العهد و البراءة الثانية لقطع الموالاة و الإحسان فليس بتكرار « فإن تبتم فهو خير لكم » معناه فإن تبتم في هذه المدة أيها المشركون و رجعتم عن الشرك إلى توحيد الله فهو خير لكم من الإقامة على الشرك لأنكم تنجون به من خزي الدنيا و عذاب الآخرة « و إن توليتم » عن الإيمان و صبرتم على الكفر « فاعلموا أنكم غير معجزي الله » أي لا تعجزونه عن تعذيبكم و لا تفوتون بأنفسكم من أن يحل بكم عذابه في الدنيا و في هذا إعلام بأن الإمهال ليس بعجز و إنما هو لإظهار الحجة و المصلحة ثم أوعدهم بعذاب الآخرة فقال « و بشر الذين كفروا بعذاب أليم » أي أخبرهم مكان البشارة بعذاب موجع و هو عذاب النار في الآخرة « إلا الذين عاهدتم من المشركين » قال الفراء استثنى الله تعالى من براءته و براءة رسوله من المشركين قوما من بني كنانة و بني ضمرة كان قد بقي من أجلهم تسعة أشهر أمر بإتمامها لهم لأنهم لم يظاهروا على المؤمنين و لم ينقضوا عهد رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و قال ابن عباس عنى به كل من كان بينه و بين رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) عهد قبل براءة و ينبغي أن يكون ابن عباس أراد بذلك من كان بينه و بينه عقد هدنة و لم يتعرض له بعداوة و لا ظاهر عليه عدوا لأن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) صالح أهل هجر و أهل البحرين و إيلة و دومة الجندل

(5/8)


و له عهود بالصلح و الجزية و لم ينبذ إليهم بنقض عهد و لا حاربهم بعد و كانوا أهل ذمة إلى أن مضى لسبيله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و وفى لهم بذلك من بعده « ثم لم ينقصوكم شيئا » معناه لم ينقصوكم من شروط الهدنة شيئا و قيل معناه لم يضروكم شيئا « و لم يظاهروا عليكم أحدا » أي لم يعاونوا عليكم أيها المؤمنون أحدا من أعدائكم « فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم » أي إلي انقضاء مدتهم التي وقعت المعاهدة بينكم إليها « إن الله يحب المتقين » لنقض العهود .
فَإِذَا انسلَخَ الأَشهُرُ الحُْرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشرِكِينَ حَيْث وَجَدتُّمُوهُمْ وَ خُذُوهُمْ وَ احْصرُوهُمْ وَ اقْعُدُوا لَهُمْ كلَّ مَرْصد فَإِن تَابُوا وَ أَقَامُوا الصلَوةَ وَ ءَاتَوُا الزَّكوةَ فَخَلُّوا سبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(5) وَ إِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشرِكِينَ استَجَارَك فَأَجِرْهُ حَتى يَسمَعَ كلَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِك بِأَنهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ(6)
اللغة
الانسلاخ خروج الشيء مما لابسه و أصله من سلخ الشاة و هو نزع الجلد عنها و سلخنا شهر كذا نسلخه سلخا و سلوخا و الحصر المنع من الخروج عن محيط و الحصر و الحبس و الأسر نظائر و المرصد الطريق و مثله المرقب و المربا و رصده يرصده رصدا .
الإعراب
قال أبو الحسن الأخفش قوله « كل مرصد » المعنى على كل مرصد فحذفت على و أنشد :
نغالي اللحم للأضياف نيا
و نرخصه إذا نضج القدور المعنى نغالي باللحم فحذفت الباء قال الزجاج « كل مرصد » ظرف كقولك ذهبت مذهبا و ذهبت طريقا و ذهبت كل طريق قال أبو علي لا يحتاج في هذا إلى تقدير على إذا كان المرصد اسما للمكان كما إنك إذا قلت ذهبت مذهبا و دخلت مدخلا إذا جعلت المذهب و المدخل اسمين للمكان لم يحتج إلى على و لا إلى تقدير حرف جر إلا أن أبا الحسن ذهب

(5/9)


إلى أن المرصد اسم للطريق و إذا كان اسما للطريق كان مخصوصا و إذا كان مخصوصا وجب أن لا يصل الفعل الذي لا يتعدى إليه إلا بحرف جر نحو قعدت على الطريق إلا أن يجيء في ذلك اتساع نحو ما حكاه سيبويه من قولهم ذهبت الشام و دخلت البيت و قد غلط أبو إسحاق الزجاج في قوله « كل مرصد » ظرف كقولك ذهبت مذهبا و ذهبت طريقا في أن جعل الطريق ظرفا كالمذهب و ليس الطريق بظرف لأنه مكان مخصوص و قد نص سيبويه على اختصاصه أ لا ترى أنه حمل قول ساعدة :
لدن بهز الكف يعسل متنه
فيه كما عسل الطريق الثعلب على أنه قد حذف منه الحرف اتساعا كما حذف من ذهبت الشام و إذا أثبت ذلك فالمرصد مثله أيضا في الاختصاص و أن لا يكون ظرفا إذا كان اسما للطريق و قوله « أحد » فإعرابه أنه مرفوع بفعل مضمر الذي ظهر تفسيره ، المعنى و أن استجارك أحد قال الزجاج و من زعم أنه يرفع أحدا بالابتداء فقد أخطأ لأن إن الجزاء لا يتخطى ما يرفع بالابتداء و يعمل فيما بعده فلو أظهرت المستقبل لقلت أن أحد يقم أكرمه و لا يجوز أن أحد يقم زيد يقم لا يجوز أن يرفع زيد بفعل مضمر الذي ظهر تفسيره و يجزم و إنما جاز في أن لأن أن يلزمها الفعل و جواب الجزاء يكون بالفعل و غيره و لا يجوز أن تضمر و تجزم بعد المبتدأ لأنك تقول هاهنا إن تأتني فزيد يقوم فالموضع موضع ابتداء قال أبو علي اعلم أن جواب الشرط و إن كان بغير الفعل فالأصل فيه الفعل و الفاء و إذا واقعان موقع الفعل بدلالة أن قوله و يذرهم على قراءة من قرأ بالجزم فمحمول على الموضع من قوله فلا هادي له و أما قول أبي إسحاق لا يجوز أن تضمر و تجزم بعد المبتدأ و لعمري أنه لا يجوز أن يضمر الفعل فيرفع الاسم الذي يرتفع بالابتداء بالفعل المضمر في نحو قولك إن تأتني فزيد يقوم لأن الجزم لا يقع بعد المبتدأ و لكن لا يمتنع أن يقع الجزم بعد الفاعل في الجزاء كما يقع في الشرط لأن الجزاء موضع فعل كما أن الشرط موضع فعل فالمسألة التي منع أبو إسحاق إجازتها جائزة لا إشكال في جوازها و هي قوله إن يقم أحد زيد يقم و قد نص سيبويه على إجازة ذلك قال الزجاج و إنما يجوز الفصل في باب إن لأن إن أم الجزاء و لا يزول عنه إلى غيره فأما أخواتها فلا يجوز ذلك فيها إلا في الشعر قال :

(5/10)


فمتى واغل ينبهم يحيوه
و تعطف عليه كأس الساقي .
المعنى
ثم بين سبحانه الحكم في المشركين بعد انقضاء المدة فقال « فإذا انسلخ الأشهر الحرم » قيل هي الأشهر الحرم المعروفة ذو القعدة و ذو الحجة و المحرم و رجب ثلاثة سرد و واحد فرد عن جماعة و قيل هي الأشهر الأربعة التي حرم القتال فيها و جعل الله للمشركين أن يسيحوا في الأرض آمنين على ما ذكرناه من اختلاف المفسرين فيها و على هذا فمنهم من قال معناه فإذا انسلخ الأشهر بانسلاخ المحرم لأن المشركين من كان منهم لهم عهد أمهلوا أربعة أشهر من حين نزلت براءة و نزلت في شوال و من لا عهد لهم فأجلهم من يوم نزول النداء و هو يوم عرفة أو يوم النحر إلى تمام الأشهر الحرم و هي بقية ذي الحجة و المحرم كله فيكون ذلك خمسين يوما فإذا انقضت هذه الخمسون يوما انقضى الأجلان و حل قتالهم سواء كان لهم عهد خاص أو عام و منهم من قال معناه إذا انسلخ الأشهر الأربعة التي هي عشرون من ذي الحجة و المحرم و صفر و شهر ربيع الأول و عشر من شهر ربيع الآخر إذ حرمنا فيها دماء المشركين و جعلنا لهم أن يسيحوا فيها آمنين « فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم » أي فضعوا السيف فيهم حيث كانوا في الأشهر الحرم و غيرها في الحل أو في الحرم و هذا ناسخ لكل آية وردت في الصلح و الإعراض عنهم « و خذوهم » قيل فيه تقديم و تأخير و تقديره فخذوا المشركين حيث وجدتموهم و اقتلوهم و قيل ليس فيه تقديم و تأخير و تقديره فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم أو خذوهم و احصروهم على وجه التخيير في اعتبار الأصلح من الأمرين و قوله « و احصروهم » معناه و احبسوهم و استرقوهم أو فادوهم بمال و قيل و امنعوهم دخول مكة و التصرف في بلاد الإسلام « و اقعدوا لهم كل مرصد » أي بكل طريق و بكل مكان تظنون أنهم يمرون فيه و ضيقوا المسالك عليهم لتمكنوا من أخذهم و قوله « لهم » معناه لقتلهم و أسرهم « فإن تابوا » أي رجعوا من الكفر و انقادوا للشرع « و أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة » أي قبلوا إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة لأن عصمة الدم لا تقف على إقامة الصلاة و أداء الزكاة فثبت أن المراد به القبول « فخلوا سبيلهم » أي دعوهم يتصرفون في بلاد الإسلام لهم ما للمسلمين و عليهم ما عليهم و قيل معناه فخلوا سبيلهم إلى البيت أي دعوهم يحجوا معكم « إن الله غفور رحيم » و استدلوا بهذه الآية على أن من ترك الصلاة متعمدا يجب قتله لأن الله تعالى أوجب الامتناع من قتل المشركين بشرط أن يتوبوا و يقيموا

(5/11)


الصلاة فإذا لم يقيموها وجب قتلهم « و إن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله » معناه و إن طلب أحد من المشركين الذين أمرتك بقتالهم منك الأمان من القتل بعد الأشهر الأربعة ليسمع دعوتك و احتجاجك عليه بالقرآن ف آمنه و بين له ما يريد و أمهله حتى يسمع كلام الله و يتدبره و إنما خص كلام الله لأن معظم الأدلة فيه « ثم أبلغه مأمنه » معناه فإن دخل في الإسلام نال خير الدارين و إن لم يدخل في الإسلام فلا تقتله فتكون قد غدرت به و لكن أوصله إلى ديار قومه التي يأمن فيها على نفسه و ماله « ذلك بأنهم قوم لا يعلمون » أي ذلك الأمان لهم بأنهم قوم لا يعلمون الإيمان و الدلائل ف آمنهم حتى يسمعوا و يتدبروا و يعلموا و في هذا دلالة على بطلان قول من قال المعارف ضرورية و في الآية دلالة على أن المتلو و المسموع كلام الله لأن الشرع و العرب جعلا الحكاية كعين المحكي يقال هذا كلام سيبويه و شعر امرىء القيس و من ظن أن الحكاية تفارق المحكي لأجل هذا الظاهر فقد غلط لأن المراد ما ذكرناه .
كيْف يَكُونُ لِلْمُشرِكينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَ عِندَ رَسولِهِ إِلا الَّذِينَ عَهَدتُّمْ عِندَ الْمَسجِدِ الحَْرَامِ فَمَا استَقَمُوا لَكُمْ فَاستَقِيمُوا لهَُمْ إِنَّ اللَّهَ يحِب الْمُتَّقِينَ(7) كيْف وَ إِن يَظهَرُوا عَلَيْكمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَ لا ذِمَّةً يُرْضونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَ تَأْبى قُلُوبُهُمْ وَ أَكثرُهُمْ فَسِقُونَ(8)
القراءة
في الشواذ قراءة عكرمة إيلا بياء بعد الهمزة .
الحجة
يمكن أن يكون أراد « إلا » كقراءة الجماعة إلا أنه أبدل اللام الأولى ياء لثقل الإدغام و لكسر الهمزة كما قالوا دينار و قيراط و الأصل دنار و قراط لقولهم دنانير و قراريط و قد جاء مع التضعيف وحده قال :
يا ليتما أمنا شالت نعامتها
أيما إلى جنة أيما إلى نار .

(5/12)


اللغة
الظهور العلو بالغلبة و أصله خروج الشيء إلى حيث يصح أن يدرك الرقبة و الانتظار و المراقبة و المراعاة و المحافظة نظائر و الرقيب الحافظ و الإل العهد مأخوذ من الأليل و هو البريق يقال أل يؤول ألا إذا لمع و الآلة الحربة للمعانها و أذن مؤللة مشبهة للحربة في تحديدها قال الشاعر :
وجدناهم كاذبا إلهم
و ذو الإل و العهد لا يكذب و الإل القرابة قال حسان :
لعمرك إن إلك من قريش
كإل السقب من رأل النعام .
المعنى
لما أمر سبحانه بنبذ العهد إلى المشركين بين أن العلة في ذلك ما ظهر منهم من الغدر و أمر بإتمام العهد لمن استقام على الأمر فقال « كيف يكون للمشركين عهد عند الله و عند رسوله » أي كيف يكون لهؤلاء عهد صحيح مع إضمارهم الغدر و النكث و هذا يكون على التعجب أو على الجحد و يدل عليه ما روي أن في قراءة عبد الله كيف يكون عهد عند الله « و لا ذمة » فأدخل الكلام لا لأن معنى الأول جحد أي لا يكون لهم عهد و قيل معناه كيف يأمر الله و رسوله بالكف عن دماء المشركين ثم استثنى سبحانه فقال « إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام » أي فإن لهم عهدا عند الله لأنهم لهم يضمروا الغدر بك و الخيانة لك و اختلف في هؤلاء من هم فقيل هم قريش عن ابن عباس و قيل هم أهل مكة الذين عاهدهم رسول الله يوم الحديبية فلم يستقيموا و نقضوا العهد بأن أعانوا بني بكر على خزاعة فضرب لهم رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) بعد الفتح أربعة أشهر يختارون أمرهم إما أن يسلموا و إما أن يلحقوا بأي بلاد شاءوا فأسلموا قبل الأربعة الأشهر عن قتادة و ابن زيد و قيل هم من قبائل بكر بنو خزيمة و بنو مدلج و بنو ضمرة و بنو الدئل و هم الذين كانوا قد دخلوا عهد قريش يوم الحديبية إلى المدة التي كانت بين رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و بين قريش فلم يكن نقضها إلا قريش و بنو الدئل من بكر فأمر بإتمام العهد لمن لم يكن له نقض إلى مدته و هذا القول أقرب إلى الصواب لأن هذه الآيات نزلت بعد نقض قريش العهد و بعد فتح مكة « فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم » معناه فما استقاموا لكم على العهد أي ما داموا باقين معكم على الطريقة المستقيمة فكونوا معهم كذلك « إن الله يحب المتقين » للنكث و الغدر « كيف و إن يظهروا

(5/13)


عليكم » هاهنا حذف و تقديره كيف يكون لهم عهد و كيف لا تقتلونهم و إنما حذفه لأن ما قبله من قوله كيف يكون للمشركين عهد يدل على ذلك و مثله قول الشاعر يرثي أخا له قد مات :
و خبرتماني أنما الموت بالقرى
فكيف و هاتا هضبة و قليب أي فكيف مات و ليس بقرية و مثله قول الحطيئة :
فكيف و لم أعلمهم حدلوكم
على معظم و لا أديمكم قدوا أي و كيف تلومونني على مدح قوم و تذمونهم فاستغنى عن ذكر ذلك لأنه جرى في القصيدة ما يدل على ما أضمره و معناه كيف يكون لهؤلاء عهد عند الله و عند رسوله و هم بحال إن يظهروا عليكم و يظفروا بكم و يغلبوكم « لا يرقبوا فيكم إلا و لا ذمة » أي لا يحفظوا و لا يراعوا فيكم قرابة و لا عهدا و الإل القرابة عن ابن عباس و الضحاك و العهد عن مجاهد و السدي و الجوار عن الحسن و الحلف عن قتادة و اليمين عن أبي عبيدة و قيل أن الإل اسم الله تعالى عن مجاهد و روي أن أبا بكر قرىء عليه كلام مسيلمة فقال لم يخرج هذا من إل فأين يذهب بكم و من قال إن الإل هو العهد قال جمع بينه و بين الذمة و إن كان بمعناه لاختلاف معنى اللفظين كما قال :
و ألفى قولها كذبا و مينا و قال :
متى أدن منه ينأ عني و يبعد « يرضونكم بأفواههم و تأبى قلوبهم » معناه يتكلمون بكلام الموالين لكم لترضوا عنهم و تأبى قلوبهم إلا العداوة و الغدر و نقض العهد « و أكثرهم فاسقون » أي متمردون في الكفر و الشرك عن ابن الإخشيد و قال الجبائي أراد كلهم فاسقون لكنه وضع الخصوص موضع العموم و قال القاضي معناه أكثرهم خارجون عن طريق الوفاء بالعهد و أراد بذلك رؤساءهم .

(5/14)


اشترَوْا بِئَايَتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصدُّوا عَن سبِيلِهِ إِنهُمْ ساءَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ(9) لا يَرْقُبُونَ فى مُؤْمِن إِلاًّ وَ لا ذِمَّةً وَ أُولَئك هُمُ الْمُعْتَدُونَ(10) فَإِن تَابُوا وَ أَقَامُوا الصلَوةَ وَ ءَاتَوُا الزَّكوةَ فَإِخْوَنُكُمْ فى الدِّينِ وَ نُفَصلُ الاَيَتِ لِقَوْم يَعْلَمُونَ(11) وَ إِن نَّكَثُوا أَيْمَنَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَ طعَنُوا فى دِينِكمْ فَقَتِلُوا أَئمَّةَ الْكفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ(12) أَ لا تُقَتِلُونَ قَوْماً نَّكثُوا أَيْمَنَهُمْ وَ هَمُّوا بِإِخْرَاج الرَّسولِ وَ هُم بَدَءُوكمْ أَوَّلَ مَرَّة أَ تخْشوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تخْشوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(13)
القراءة
قرأ أهل الكوفة و الشام « أئمة الكفر » بهمزتين و قرأ الباقون أيمة بهمزة واحدة و ياء بعدها و قرأ ابن عامر لا إيمان بكسر الهمزة و رواه ابن عقدة بإسناده عن عريف بن الوضاح الجعفي عن جعفر بن محمد (عليهماالسلام) و الباقون بفتحها .
الحجة
قال أبو علي أئمة أصله أفعلة واحدها إمام فإذا جمعته على أفعلة ففيه همزة هي فاء الفعل و يزيد عليها همزة أفعلة الزائدة فيجتمع همزتان و اجتماع الهمزتين في كلمة لا يستعمل بحقيقتهما قال الزجاج أصله أئمة و لكن الميمين لما اجتمعتا أدغمت الأولى في الثانية و ألقيت حركتها على الهمزة فصارت أئمة فأبدل النحويون من الهمزة المكسورة الياء قال و من قال هذا أوم من هذا كان أصله أأم فجعلها واوا مفتوحة كما قالوا في جمع آدم أوادم قال أبو علي و من جمع بين الهمزتين في أئمة فحجته أن سيبويه قال زعموا أن ابن أبي إسحاق كان يحقق الهمزتين في أناس معه و قد يتكلم ببعضه العرب و هو رديء و وجهه من القياس أن تقول أن الهمزة حرف من حروف الحلق كالعين و غيره و قد جمع بينهما في نحو كعاعة وكع يكع فكما جاز اجتماع العينين جاز اجتماع الهمزتين قال علي بن عيسى إنما جاز اجتماع الهمزتين هنا لئلا يجتمع على الكلمة تغيران الإدغام و القلب مع خفة التحقيق لأجل ما بعده من السكون و على هذا تقول هذا أءم من هذا بهمزتين قال و إنما قلبت الهمزة من أئمة دون حركة ما قبلها لأن الحركة إنما نقلت من الميم إلى الهمزة لبيان زنة الكلمة فلو ذهبت بقلبها على ما قبلها لكنت مناقضا للغرض فيها و أما قوله « لا أيمان لهم » فمن فتح الهمزة قال هو أشبه بالموضع فقد قال نكثوا أيمانهم و من كسرها جعله مصدر آمنته إيمانا

(5/15)


خلاف خوفته و لا يريد مصدرا من الذي هو صدق فيكون تكرارا لدلالة ما تقدم من قوله فقاتلوا أئمة الكفر على أن أهل الكفر لا أيمان لهم .
اللغة
الأيمان جمع يمين و هو القسم و الطعن الاعتماد بالعيب و أصله الطعن بالرمح و الإمام هو المتقدم للاتباع فالإمام في الخير مهتد هاد و في الشر ضال مضل و الهم مقارنة الفعل بالعزم من غير إيقاع له و قد ذموا بهذا الهم ففيه دليل على العزم و قد يستعمل الهم على مقارنة العزم و البدء فعل الشيء من قبل غيره و هو فعل الشيء أولا و المرة فعل لم يتكرر و هي الفعلة من المر و المرة و الدفعة و الكرة نظائر .
المعنى
ثم بين سبحانه خصال القوم فقال « اشتروا ب آيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله » و معناه أعرضوا عن دين الله و صدوا الناس عنه بشيء يسير نالوه من الدنيا و أصل الاشتراء استبدال ما كان من المتاع بالثمن و نقيضه البيع و هو العقد على تسليم المتاع بالثمن و معنى الفاء هنا أن اشتراءهم هذا أداهم إلى الصد عن الإسلام و هذا ورد في قوم من العرب جمعهم أبو سفيان على طعامه ليستميلهم على عداوة النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) عن مجاهد و قيل ورد في اليهود الذين كانوا يأخذون الرشا من العوام على الحكم بالباطل عن الجبائي « إنهم ساء ما كانوا يعملون » أي بئس العمل عملهم « لا يرقبون في مؤمن إلا و لا ذمة » سبق معناه و الفائدة في الإعادة أن الأول في صفة الناقضين للعهد و الثاني في صفة الذين اشتروا ب آيات الله ثمنا قليلا و قيل إنما كرر تأكيدا « و أولئك هم المعتدون » أي المجاوزون الحد في الكفر و الطغيان « فإن تابوا » أي ندموا على ما كان منهم من الشرك و عزموا على ترك العود إليه و قبلوا الإسلام « و أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة » أي قبلوهما و أدوهما عند لزومهما « فإخوانكم في الدين » أي فهم إخوانكم في الدين فعاملوهم معاملة إخوانكم من المؤمنين « و نفصل الآيات » أي نبينها و نميزها بخاصة لكل واحدة منها تتميز بها من غيرها حتى يظهر مدلولها على أتم ما يكون من الظهور فيها « لقوم يعلمون » ذلك و يتبينونه دون الجهال الذين لا يتفكرون « و إن نكثوا » أي نقضوا « أيمانهم » أي عهودهم و ما حلفوا عليه « من بعد عهدهم » أي من بعد أن عقدوه « و طعنوا في دينكم » أي عابوه و قدحوا فيه « فقاتلوا أئمة الكفر » أي رؤساء الكفر و الضلالة و خصهم بالأمر بقتالهم لأنهم يضلون أتباعهم قال الحسن و أراد به جماعة الكفار و كل كافر إمام لنفسه في الكفر و لغيره في الدعاء إليه و قال ابن عباس و قتادة أراد به رؤساء قريش مثل الحرث بن هشام و أبي سفيان بن حرب و عكرمة بن أبي جهل و سائر رؤساء قريش الذين نقضوا العهد و كان حذيفة بن اليمان يقول لم يأت أهل

(5/16)


هذه الآية بعد و قال مجاهد هم أهل فارس و الروم و قرأ علي (عليه السلام) هذه الآية يوم البصرة ثم قال أما و الله لقد عهد إلي رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و قال لي يا علي لتقاتلن الفئة الناكثة و الفئة الباغية و الفئة المارقة « إنهم لا أيمان لهم » من قرأ بفتح الهمزة فمعناه أنهم لا يحفظون العهد و اليمين كما يقال فلان لا عهد له أي لا وفاء له بالعهد و من قرأ بالكسر فمعناه لا تؤمنوهم بعد نكثهم العهد و يحتمل أن يكون معناه أنهم إذا آمنوا إنسانا لا يفون به و يحتمل أن يكون معناه أنهم كفروا فلا إيمان لهم « لعلهم ينتهون » معناه قاتلوهم لينتهوا عن الكفر فإنهم لا ينتهون عنه بدون القتال و قيل معناه ليكن قصدكم في قتالكم انتهاؤهم عن الشرك فإن قيل كيف نفى بقوله « لا أيمان لهم » ما أثبته بقوله و إن نكثوا أيمانهم قيل له إن الإيمان التي أثبتها هي ما حلفوا بها و عقدوا عليها و إنما نفاها من بعد لأنهم لم يفوا بها و لم يتمسكوا بموجبها « أ لا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم و هموا بإخراج الرسول » الألف للاستفهام و المراد به التحضيض و الإيجاب و معناه هلا تقاتلونهم و قد نقضوا عهودهم التي عقدوها و اختلف في هؤلاء فقيل هم اليهود الذين نقضوا العهد و خرجوا مع الأحزاب و هموا بإخراج الرسول من المدينة كما أخرجه المشركون من مكة عن الجبائي و القاضي و قيل هم مشركو قريش و أهل مكة « و هم بدءوكم أول مرة » أي بدءوكم بنقض العهد عن ابن إسحاق و الجبائي و قيل بدءوكم بقتال حلفاء النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) من خزاعة عن الزجاج و قيل بدءوكم بالقتال يوم بدر و قالوا حين سلم العير لا ننصرف حتى نستأصل محمدا و من معه « أ تخشونهم » أي أ تخافون أن ينالكم من قتالكم مكروه لفظه استفهام و المراد به تشجيع المؤمنين و في ذلك غاية الفصاحة لأنه جمع بين التقريع و التشجيع « فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين » المعنى لا تخشوهم و لا تتركوا قتالهم خوفا على أنفسكم منهم فإنه سبحانه أحق أن تخافوا عقابه في ترك أمره بقتالهم إن كنتم مصدقين بعقاب الله و ثوابه أي إن كنتم مؤمنين فخشية الله أحق بكم من خشية غيره و الله أعلم و أحكم .
قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكمْ وَ يخْزِهِمْ وَ يَنصرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَ يَشفِ صدُورَ قَوْم مُّؤْمِنِينَ(14) وَ يُذْهِب غَيْظ قُلُوبِهِمْ وَ يَتُوب اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(15)
القراءة
في الشواذ قراءة الأعرج و ابن أبي إسحاق و عيسى الثقفي و عمرو بن عبيد و يتوب الله بالنصب و رويت عن أبي عمرو أيضا .

(5/17)


الحجة
قال ابن جني إذا نصب فالتوبة داخلة في جواب الشرط و إذا رفع فهو استئناف و تقديره في النصب أن تقاتلوهم تكن هذه الأشياء كلها التي أحدها التوبة من الله على من يشاء و الوجه قراءة الجماعة على الاستئناف لأنه تم الكلام على قوله و يذهب غيظ قلوبهم ثم استأنف فقال « و يتوب الله على من يشاء » لأن التوبة منه سبحانه على من يشاء ليست مسببة عن قتالهم .
المعنى
ثم أكد سبحانه ما تقدم بأن أمر المسلمين بقتالهم و بشرهم بالنصر و الظفر عليهم فقال « قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم » قتلا و أسرا « و يخزهم » أي و يذلهم « و ينصركم عليهم » أي و يعنكم أيها المؤمنون عليهم « و يشف صدور قوم مؤمنين » يعني صدور بني خزاعة الذين بيت عليهم بنو بكر عن مجاهد و السدي لأنهم كانوا حلفاء النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) « و يذهب غيظ قلوبهم » معناه و يكون ذلك النصر شفاء لقلوب المؤمنين التي امتلأت غيظا لكثرة ما نالهم من الأذى من جهتهم ثم استأنف سبحانه فقال « و يتوب الله على من يشاء » أي و يقبل توبة من تاب منهم مع فرط تعديهم رحمة و فضلا « و الله عليم حكيم » عليهم بتوبتهم إذا تابوا حكيم في أمركم بقتالهم إذا نكثوا قبل أن يتوبوا و يرجعوا لأن أفعاله كلها صواب و حكمة و في هذا دلالة على نبوة نبينا (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لأنه وافق خبره المخبر .
النظم
و الوجه في اتصال قوله « و يتوب الله على من يشاء » بما قبله شيئان ( أحدهما ) البشارة بأن فيهم من يتوب و يرجع عن الكفر إلى الإيمان ( و الآخر ) بيان أنه ليس في قتالهم اقتطاع لأحد منهم عن التوبة .
أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُترَكُوا وَ لَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُوا مِنكُمْ وَ لَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ وَ لا رَسولِهِ وَ لا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَ اللَّهُ خَبِيرُ بِمَا تَعْمَلُونَ(16)
اللغة
الحسبان قوة المعنى في النفس من غير قطع و هو مشتق من الحساب لدخوله فيما يحتسب به و الترك ضد ينافي الفعل المبتدأ في محل القدرة عليه و يستعمل بمعنى أن لا يفعل كقوله و تركهم في ظلمات لا يبصرون و الوليجة الدخيلة في القوم من غيرهم و البطانة مثله وليجة الرجل من يختص بدخلة أمره دون الناس الواحد و الجمع فيه سواء و كل شيء دخل في شيء ليس منه فهو وليجة قال طرفة :

(5/18)


فإن القوافي يتلجن موالجا
تضايق عنه أن تولجه الإبر .
الإعراب
أم حرف عطف يعطف به الاستفهام و « أم حسبتم » معطوف على ما تقدم من قوله أ لا تقاتلون و هو من الاستفهام المعترض في وسط الكلام فجعل نفي الفعل مع تقريب لوقوعه و لم يفعل نفي الفعل بعد إطماع في وقوعه .
المعنى
ثم نبه سبحانه على جلالة موقع الجهاد فقال « أم حسبتم أن تتركوا » معناه أ ظننتم أيها المؤمنون أن تتركوا من دون أن تكلفوا الجهاد في سبيل الله مع الإخلاص « و لما يعلم الله الذين جاهدوا منكم » معناه و لما يظهر ما علم الله منكم فذكر نفي العلم و المراد نفي المعلوم تأكيدا للنفي و إلا فإن الله عز اسمه عالم بما يكون قبل أن كان و بما لا يكون لو كان كيف كان يكون و تقديره أ ظننتم أن تتركوا و لم تجاهدوا « و لم يتخذوا من دون الله و لا رسوله و لا المؤمنين وليجة » أي و لم يعلم الله الذين لم يتخذوا سوى الله و سوى رسوله و المؤمنين بطانة و أولياء يوالونهم و يفشون إليهم أسرارهم و قال الجبائي هو أن يكونوا منافقين و هو قول الحسن و في هذه دلالة على تحريم موالاة الكفار و الفساق و الألف بهم « و الله خبير بما تعملون » أي عليم بأعمالكم فيجازيكم عليها .
النظم
وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنه لما تقدم الأمر بالقتال عطف عليه بهذا الشرط و هو الإخلاص في الجهاد على وجه قطع العصمة ليظهر الظفر و يستحق الثواب .
مَا كانَ لِلْمُشرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسجِدَ اللَّهِ شهِدِينَ عَلى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ أُولَئك حَبِطت أَعْمَلُهُمْ وَ فى النَّارِ هُمْ خَلِدُونَ(17) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الاَخِرِ وَ أَقَامَ الصلَوةَ وَ ءَاتى الزَّكوةَ وَ لَمْ يخْش إِلا اللَّهَ فَعَسى أُولَئك أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ(18)
القراءة
قرأ أهل البصرة و ابن كثير مسجد الله على الواحد و هو قراءة ابن عباس و سعيد بن جبير و مجاهد و الباقون « مساجد الله » .

(5/19)


الحجة
حجة من أفرد أنه عني به المسجد الحرام و حجة من جمع أنه عني به المسجد الحرام و غيره من المساجد و يحتمل أن يكون أراد المسجد الحرام و إنما جمع لأن كل موضع منه مسجد يسجد عليه فيكون القراءتان بمعنى .
اللغة
الأصل في المسجد هو موضع السجود في العرف و يعبر به عن البيت المهيا لصلاة الجماعة فيه و العمارة أن يجدد منه ما استرم من الأبنية و منه اعتمر إذا زار لأنه يجدد بالزيارة ما استرم من الحال .
المعنى
لما أمر الله سبحانه بقتال المشركين و قطع العصمة و الموالاة عنهم أمر بمنعهم عن المساجد فقال « ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله » معناه لا ينبغي للمشركين أن يكونوا قواما على عمارة مساجد الله و متولين لأمرها و ينبغي أن يعمرها المسلمون و قيل أن المراد بذلك المسجد الحرام خاصة و قيل هي عامة في جميع المساجد « شاهدين على أنفسهم بالكفر » أي حال شهادتهم على أنفسهم بالكفر أو مع شهادتهم و اختلف في العمارة للمسجد فقيل هي بدخوله و نزوله كما يقال فلان يعمر مجلس فلان إذا أكثر غشيانه لأن المسجد تكون عمارته بطاعة الله و عبادته و قيل هي باستصلاحه و رم ما استرم منه لأنه إنما يعمر للعبادة عن الجبائي و قيل هي بأن يكونوا من أهله أي لا ينبغي أن يترك المشركون فيكونوا أهل المسجد الحرام عن الحسن و اختلف في شهادتهم على أنفسهم بالكفر كيف هي فقيل هي أن النصراني يسأل ما أنت فيقول أنا نصراني و اليهودي يقول أنا يهودي و كذلك المشرك إذا سئل ما دينك يقول مشرك لا يقولها أحد غير العرب عن السدي و قيل معناه إن كلامهم يدل على كفرهم كما يقال كلام فلان يدل على بطلان دعواه عن الحسن و قيل هي قولهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه و ما ملك و قيل شهادتهم سجودهم لأصنامهم مع إقرارهم بأنها مخلوقة عن ابن عباس و معناه أنهم يشهدون على أنفسهم بأفعالهم و أحوالهم و من أظهر شيئا و بينه يقال قد شهد به « أولئك حبطت أعمالهم » التي هي من جنس الطاعة من المؤمنين أي بطلت لأنهم أوقعوها على الوجه الذي لا يستحق لأجله الثواب عليها عند الله « و في النار هم خالدون » أي مقيمون مؤبدون « إنما يعمر مساجد الله » و لفظة إنما لإثبات المذكور و نفي ما عداه فمعناه لا يعمر مساجد الله بزيارتها و إقامة العبادات فيها أو ببنائها و رم المسترم منها إلا « من آمن بالله و اليوم الآخر » أي من أقر بوحدانية الله و اعترف بالقيامة « و أقام الصلاة » بحدودها « و آتى الزكاة » أي أعطاها إن وجبت عليه إلى مستحقها « و لم يخش إلا الله » أي لم يخف سوى الله أحدا من المخلوقين

(5/20)


و هذا راجع إلى قوله « أ تخشونهم فالله أحق أن تخشوه » أي إن خشيتموهم فقد ساويتموهم في الإشراك كما قال فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله الآية « فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين » إلى الجنة و نيل ثوابها لأن عسى من الله واجبة عن ابن عباس و الحسن و في ذكر الصلاة و الزكاة و غير ذلك بعد ذكر الإيمان بالله دلالة على أن الإيمان لا يتناول أفعال الجوارح إذ لو تناولها جاز عطف ما دخل فيه عليه و من قال إن المراد فيه التفصيل و زيادة البيان فقد ترك الظاهر .
* أَ جَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَْاجّ وَ عِمَارَةَ الْمَسجِدِ الحَْرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الاَخِرِ وَ جَهَدَ فى سبِيلِ اللَّهِ لا يَستَوُنَ عِندَ اللَّهِ وَ اللَّهُ لا يهْدِى الْقَوْمَ الظلِمِينَ(19) الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ هَاجَرُوا وَ جَهَدُوا فى سبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلهِِمْ وَ أَنفُسِهِمْ أَعْظمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَ أُولَئك هُمُ الْفَائزُونَ(20) يُبَشرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَة مِّنْهُ وَ رِضوَن وَ جَنَّت لهَُّمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ(21) خَلِدِينَ فِيهَا أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ(22)
القراءة
في الشواذ قراءة محمد بن علي الباقر (عليهماالسلام) و ابن الزبير و أبي وجرة السواري و أبي جعفر السعدي القارىء أ جعلتم سقاة الحاج و عمرة المسجد الحرام و قرأ الضحاك سقاية الحاج بالضم و عمرة المسجد .
الحجة
أما سقاة فهو جمع ساق و عمرة جمع عامر و أما « سقاية » فقد قال ابن جني فيه نظر و وجهه أن يكون جمعا جاء على فعال كعرق و عراق و رخل و رخال و ظئر و ظؤار و توم

(5/21)


و توأم و بريء و براء و إنسان و إناس ثم أنث كما يؤنث من المجموع أشياء نحو حجارة و عيورة و كان من عدل عن قراءة الجماعة « سقاية الحاج و عمارة المسجد » إلى هذا إنما هرب من أن يقابل الحدث بالجواهر و ذلك أن من آمن جوهر و سقاية و عمارة مصدران فلا بد إذن من حذف المضاف أي أ جعلتم هذين الفعلين كفعل من آمن بالله فلما رأى أنه لا بد من حذف المضاف قرأ سقاة و عمرة على ما مضى .
اللغة
السقاية آلة تتخذ لسقي الماء و السقاية مصدر كالسقي أيضا و قيل إنهم كانوا يسقون الحجيج الماء و الشراب و بيت البئر سقاية أيضا و البشارة الدلالة على ما يظهر به السرور في بشرة الوجه كما يقال بشرته أبشره بشرى و رضوان هو معنى يستحق بالإحسان و يدعو إلى الحمد على ما كان و يضاد سخط العصيان و النعيم مشتق من النعمة و هي اللين فأما النعمة بكسر النون فهي منفعة يستحق بها الشكر لأنها كنعمة العيش و أبدا للزمان المستقبل من غير آخر كما أن قط للماضي يقال ما رأيته قط و لا أراه أبدا و جمع الأبد آباد و أبود يقال لا أفعل ذلك أبد الأبيد و أبد الآبدين و تأبد المنزل أتى عليه و الأوابد الوحش سميت بذلك لطول أعمارها و قيل لم يمت وحشي حتف أنفه و إنما يموت ب آفة و الآبدة الداهية .
النزول
قيل أنها نزلت في علي بن أبي طالب (عليه السلام) و العباس بن عبد المطلب و طلحة بن شيبة و ذلك أنهم افتخروا فقال طلحة أنا صاحب البيت و بيدي مفتاحه و لو أشاء بت فيه و قال العباس أنا صاحب السقاية و القائم عليها و قال علي (عليه السلام) ما أدري ما تقولان لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس و أنا صاحب الجهاد عن الحسن و الشعبي و محمد بن كعب القرظي و قيل أن عليا (عليه السلام) قال للعباس يا عم أ لا تهاجر و أ لا تلحق برسول الله فقال أ لست في أفضل من الهجرة أعمر المسجد الحرام و أسقي حاج بيت الله فنزلت « أ جعلتم سقاية الحاج » عن ابن سيرين و مرة الهمداني و روى الحاكم أبو القاسم الحسكاني بإسناده عن ابن بريدة عن أبيه قال بينا شيبة و العباس يتفاخران إذا مر بهما علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال بما ذا تتفاخران فقال العباس لقد أوتيت من الفضل ما لم يؤت أحد سقاية الحاج و قال شيبة أوتيت عمارة المسجد الحرام فقال علي (عليه السلام) استحييت لكما فقد أوتيت على صغري ما لم تؤتيا فقالا و ما أوتيت يا علي قال ضربت خراطيمكما بالسيف حتى آمنتما بالله و رسوله فقام العباس مغضبا يجر ذيله حتى دخل على رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و قال أ ما ترى إلى ما يستقبلني به

(5/22)


علي فقال ادعوا لي عليا فدعي له فقال ما حملك على ما استقبلت به عمك فقال يا رسول الله صدمته بالحق فمن شاء فليغضب و من شاء فليرض فنزل جبرائيل (عليه السلام) فقال يا محمد إن ربك يقرأ عليك السلام و يقول اتل عليهم « أ جعلتم سقاية الحاج » الآيات فقال العباس إنا قد رضينا ثلاث مرات و في تفسير أبي حمزة أن العباس لما أسر يوم بدر أقبل عليه أناس من المهاجرين و الأنصار فعيروه بالكفر و قطيعة الرحم فقال ما لكم تذكرون مساوئنا و تكتمون محاسننا قالوا و هل لكم من محاسن قال نعم و الله لنعمر المسجد الحرام و نحجب الكعبة و نسقي الحاج و نفك العاني فأنزل الله تعالى « ما كان للمشركين أن يعمروا » إلى آخر الآيات .
المعنى
« أ جعلتم سقاية الحاج و عمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله » هذا استفهام معناه الإنكار أي لا تجعلوا و فيه حذف يدل الكلام عليه و تقديره أ جعلتم أهل سقاية الحاج و أهل عمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله حتى يكون مقابلة الشخص بالشخص أو يكون تقديره أ جعلتم السقاية و العمارة كإيمان من آمن بالله حتى تكون مقابلة الفعل بالفعل و سقاية الحاج سقيهم الشراب قال الحسن و كان نبيذ زبيب يسقون الحاج في الموسم بين الله سبحانه أنه لا يقابل هذه الأشياء بالإيمان بالله « و اليوم الآخر » و بالجهاد في سبيله فإنه لا مساواة بين الأمرين « لا يستوون عند الله » في الفضل و الثواب « و الله لا يهدي » إلى طريق ثوابه « القوم الظالمين » كما يهدي إليه من كان عارفا به فاعلا لطاعته مجتنبا لمعصيته ثم ابتدأ سبحانه فقال « الذين آمنوا » أي صدقوا و اعترفوا بوحدانية الله « و هاجروا » أوطانهم التي هي دار الكفر إلى دار الإسلام « و جاهدوا في سبيل الله » أي تحملوا المشاق في ملاقاة أعداء الدين « بأموالهم و أنفسهم أعظم درجة عند الله » من غيرهم من المؤمنين الذين لم يفعلوا هذه الأشياء « و أولئك هم الفائزون » أي الظافرون بالبغية « يبشرهم ربهم » برحمة في الدنيا على ألسنة الرسل و بما بين في كتبه من الثواب الموعود على الجهاد « برحمة منه و رضوان » في الآخرة « و جنات لهم فيها نعيم مقيم » أي دائم لا يزول و لا ينقطع « خالدين فيها أبدا » أي دائمين فيها مع كون النعيم مقيما لهم « إن الله عنده أجر » أي جزاء على العمل « عظيم » أي كثير متضاعف لا يبلغه نعمة غيره من الخلق .

(5/23)


يَأَيهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَتَّخِذُوا ءَابَاءَكُمْ وَ إِخْوَنَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ استَحَبُّوا الْكفْرَ عَلى الايمَنِ وَ مَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُولَئك هُمُ الظلِمُونَ(23) قُلْ إِن كانَ ءَابَاؤُكُمْ وَ أَبْنَاؤُكمْ وَ إِخْوَنُكُمْ وَ أَزْوَجُكمْ وَ عَشِيرَتُكمْ وَ أَمْوَلٌ اقْترَفْتُمُوهَا وَ تجَرَةٌ تخْشوْنَ كَسادَهَا وَ مَسكِنُ تَرْضوْنَهَا أَحَب إِلَيْكم مِّنَ اللَّهِ وَ رَسولِهِ وَ جِهَاد فى سبِيلِهِ فَترَبَّصوا حَتى يَأْتىَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَ اللَّهُ لا يهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ(24)
القراءة
قرأ أبو بكر عن عاصم و عشيراتكم على الجمع و الباقون « و عشيرتكم » على التوحيد .
الحجة
من أفرد فلان العشيرة يقع على الجمع و قال أبو الحسن العرب لا تجمع العشيرة عشيرات و إنما تقول عشائر و من جمع فلأن كل واحد من المخاطبين له عشيرة .
اللغة
الاستحباب طلب المحبة و يجوز أن يكون استحب بمعنى أحب كما أن استجاب يكون بمعنى أجاب فيكون كأنه طلب محبة فوقع له و العشيرة الجماعة ترجع إلى عقد واحد كالعشرة و منه المعاشرة و الاقتراف اقتطاع الشيء من مكانه إلى غيره من قرفت القرحة إذا قشرتها و القرف القشر و التربص التثبت في الشيء حتى يجيء وقته و التربص و التثبت و التنظر و التوقف نظائر و نقيضه التعجل .
النزول
روي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه السلام) أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حيث كتب إلى قريش يخبرهم بخبر النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لما أراد فتح مكة .
المعنى
ثم نهى الله سبحانه المؤمنين عن موالاة الكافرين و إن كانوا في النسب الأقربين فقال « يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم و إخوانكم أولياء » و هذا في أمر الدين فأما في أمر الدنيا فلا بأس بمجالستهم و معاشرتهم لقوله سبحانه و صاحبهما في الدنيا معروفا قال ابن عباس لما أمر الله تعالى المؤمنين بالهجرة و أرادوا الهجرة فمنهم من تعلقت به زوجته و منهم من تعلق به أبواه و أولاده فكانوا يمنعونهم من الهجرة فيتركون الهجرة لأجلهم فبين

(5/24)


سبحانه أن أمر الدين مقدم على النسب و إذا وجب قطع قرابة الأبوين فالأجنبي أولى « إن استحبوا الكفر على الإيمان » أي إن اختاروا الكفر و آثروه على الإيمان قال الحسن من تولى الشرك فهو مشرك و هذا إذا كان راضيا بشركه « و من يتولهم منكم » فترك طاعة الله لأجلهم و أطلعهم على أسرار المسلمين « فأولئك هم الظالمون » نفوسهم و الباخسون حقها من الثواب لأنهم وضعوا الموالاة في غير موضعها لأن موضعها أهل الإيمان « قل » يا محمد لهؤلاء المتخلفين عن الهجرة إلى دار الإسلام « إن كان آباؤكم » الذين ولدوكم « و أبناؤكم » الذي ولدتموهم و هم الأولاد الذكور « و إخوانكم » في النسب « و أزواجكم » اللاتي عقدتم عليهن عقدة النكاح « و عشيرتكم » أي و أقاربكم « و أموال اقترفتموها » أي اكتسبتموها و أقطعتموها و جمعتموها « و تجارة تخشون كسادها » أي تخشون أنها تكسد إذا اشتغلتم بطاعة الله تعالى و الجهاد « و مساكن ترضونها » أي مساكن اخترتموها لأنفسكم و يعجبكم المقام فيها « أحب إليكم » أي آثر في نفوسكم و أقرب إلى قلوبكم « من الله و رسوله » أي من طاعة الله و طاعة رسوله « و جهاد في سبيله » أي و من الجهاد في سبيل الله « فتربصوا » أي انتظروا « حتى يأتي الله بأمره » أي بحكمه فيكم و قيل بعقوبتكم على اختياركم هذه الأشياء على الجهاد و طاعة الله إما عاجلا و إما آجلا و فيه وعيد شديد عن الحسن و الجبائي و قيل بفتح مكة عن مجاهد و قال بعضهم و هذا لا يصح لأن سورة براءة نزلت بعد فتح مكة « و الله لا يهدي القوم الفاسقين » مضى تفسيره .
لَقَدْ نَصرَكمُ اللَّهُ فى مَوَاطِنَ كثِيرَة وَ يَوْمَ حُنَين إِذْ أَعْجَبَتْكمْ كَثرَتُكمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكمْ شيْئاً وَ ضاقَت عَلَيْكمُ الأَرْض بِمَا رَحُبَت ثمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ(25) ثمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سكِينَتَهُ عَلى رَسولِهِ وَ عَلى الْمُؤْمِنِينَ وَ أَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَ عَذَّب الَّذِينَ كَفَرُوا وَ ذَلِك جَزَاءُ الْكَفِرِينَ(26) ثُمَّ يَتُوب اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِك عَلى مَن يَشاءُ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(27)
اللغة
الموطن الموضع الذي يقيم فيه صاحبه و هو مفعل من الوطن و استوطن

(5/25)


بالمكان إذا اتخذه وطنا و حنين اسم واد بين مكة و الطايف و الإعجاب السرور بما يتعجب منه و العجب السرور بالنفس و الرحب السعة في المكان و ضده الضيق و قولهم مرحبا معناه أتيت سعة و السكينة الطمأنينة و الأمنة و هي فعيلة من السكون قال الشاعر :
لله قبر عالها ما ذا أجن
لقد أجن سكينة و وقارا و الجنود الجموع التي تصلح للحروب .
الإعراب
مواطن لا ينصرف لأنه جمع ليس على مثال الآحاد « و يوم حنين » أي و في يوم حنين عطف على مواطن أي و نصركم في يوم حنين و إنما صرف حنينا لأنه اسم لمذكر و هو واد و لو ترك صرفه على أنه اسم للبقعة لجاز قال الشاعر :
نصروا نبيهم و شدوا أزرهم
بحنين يوم تواكل الأبطال و ما في قوله « بما رحبت » مصدرية أي برحبها و سعتها .
المعنى
لما تقدم أمر المؤمنين بالقتال ذكرهم بعده بما أتاهم من النصر حالا بعد حال فقال « لقد نصركم الله في مواطن كثيرة » اللام للقسم فكأنه سبحانه أقسم بأنه نصر المؤمنين أي أعانهم على أعدائهم في مواضع كثيرة على ضعفهم و قلة عددهم حثا لهم على الانقطاع إليه و مفارقة الأهلين و الأقربين في طاعته و ورد عن الصادقين (عليهماالسلام) إنهم قالوا كانت المواطن ثمانين موطنا و روي أن المتوكل اشتكى شكاية شديدة فنذر أن يتصدق بمال كثير إن شفاه الله فلما عوفي سأل العلماء عن حد المال الكثير فاختلفت أقوالهم فأشير عليه أن يسأل أبا الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى (عليهماالسلام) و قد كان حبسه في داره فأمر أن يكتب إليه فكتب يتصدق بثمانين درهما ثم سألوه عن العلة في ذلك فقرأ هذه الآية و قال عددنا تلك المواطن فبلغت ثمانين موطنا « و يوم حنين » أي و في يوم حنين « إذ أعجبتكم كثرتكم » أي سرتكم و صرتم معجبين بكثرتكم قال قتادة و كان سبب انهزام المسلمين يوم حنين أن بعضهم قال حين رأى كثرة المسلمين لن نغلب اليوم عن قلة فانهزموا بعد ساعة و كانوا اثني عشر ألفا و قيل إنهم كانوا عشرة آلاف و قيل ثمانية آلاف و الأول أصح و أكثر في الرواية « فلم تغن عنكم

(5/26)


شيئا » أي فلم يدفع عنكم كثرتكم سوءا « و ضاقت عليكم الأرض بما رحبت » أي برحبتها و الباء بمعنى مع و المعنى ضاقت عليكم الأرض مع سعتها كما يقال أخرج بنا إلى موضع كذا أي معنا و المراد لم تجدوا من الأرض موضعا للفرار إليه « ثم وليتم مدبرين » أي وليتم عن عدوكم منهزمين و تقديره وليتموهم أدباركم و انهزمتم « ثم أنزل الله سكينته » أي رحمته التي تسكن إليها النفس و يزول معها الخوف « على رسوله و على المؤمنين » حين رجعوا إليهم و قاتلوهم و قيل على المؤمنين الذين ثبتوا مع رسول الله علي و العباس في نفر من بني هاشم عن الضحاك بن مزاحم و روى الحسن بن علي بن فضال عن أبي الحسن الرضا أنه قال السكينة ريح من الجنة تخرج طيبة لها صورة كصورة وجه الإنسان فتكون مع الأنبياء أورده العياشي مسندا « و أنزل جنودا لم تروها » أراد به جنودا من الملائكة و قيل إن الملائكة نزلوا يوم حنين بتقوية قلوب المؤمنين و تشجيعهم و لم يباشروا القتال يومئذ و لم يقاتلوا إلا يوم بدر خاصة عن الجبائي « و عذب الذين كفروا » بالقتل و الأسر و سلب الأموال و الأولاد « و ذلك جزاء الكافرين » أي و ذلك العذاب جزاء الكافرين على كفرهم « ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء » ذكر سبحانه ثم في ثلاثة مواضع متقاربة ( الأول ) « ثم وليتم مدبرين » عطف على ما قبله من الفعل و هو قوله « ضاقت عليكم » ( و الثاني ) « ثم أنزل الله سكينته » عطف على « وليتم مدبرين » ( و الثالث ) « ثم يتوب الله » عطف على « أنزل » و إنما حسن عطف المستقبل على الماضي لأنه يشاكله فإن الأول تذكير بنعمة الله و الثاني وعد بنعمة الله و المعنى ثم يقبل الله توبة من تاب عن الشرك و رجع إلى طاعة الله و الإسلام و ندم على ما فعل من القبيح و يجوز أن يريد ثم يقبل الله توبة من انهزم من بعد هزيمته و يجوز أن يريد يقبل توبتهم عن إعجابهم بالكثرة و إنما علقه بالمشيئة لأن قبول التوبة تفضل من الله و لو كان واجبا على ما قاله أهل الوعيد لما جاز تعليقه بالمشيئة كما لا يجوز تعليق الثواب على الطاعة بالمشيئة و من خالف في ذلك قال إنما علقها بالمشيئة لأن منهم من له لطف يصلح به و يتوب و يؤمن عنده و منهم من لا لطف له منه « و الله غفور » أي ستار للذنوب « رحيم » بعباده .
] القصة [
ذكر أهل التفسير و أصحاب السير أن رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لما فتح مكة خرج منها متوجها إلى حنين لقتال هوازن و ثقيف في آخر شهر رمضان أو في شوال من سنة ثمان من الهجرة و قد اجتمع رؤساء هوازن إلى مالك بن عوف النصري و ساقوا معهم أموالهم و نساءهم و ذراريهم و نزلوا بأوطاس و قال كان دريد بن الصمة في القوم و كان رئيس جشم و كان

(5/27)


شيخا كبيرا قد ذهب بصره من الكبر فقال بأي واد أنتم قالوا بأوطاس قال نعم مجال الخيل لا حزن ضرس و لا سهل دهس ما لي أسمع رغاء البعير و نهيق الحمير و خوار البقر و ثغاء الشاة و بكاء الصبيان فقالوا إن مالك بن عوف ساق مع الناس أبناءهم و أموالهم و نساءهم ليقاتل كل منهم عن أهله و ماله فقال دريد راعي ضان و رب الكعبة ثم قال ائتوني بمالك فلما جاءه قال يا مالك إنك أصبحت رئيس قومك و هذا يوم له ما بعده رد قومك إلى عليا بلادهم و ألق الرجال على متون الخيل فإنه لا ينفعك إلا رجل بسيفه و فرسه فإن كانت لك لحق بك من ورائك و إن كانت عليك لا تكون فضحت في أهلك و عيالك فقال له مالك إنك قد كبرت و ذهب علمك و عقلك و عقد رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لواءه الأكبر و دفعه إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) و كل من دخل مكة براية أمره أن يحملها و خرج بعد أن قام بمكة خمسة عشر يوما و بعث إلى صفوان بن أمية فاستعار منه مائة درع فقال صفوان عارية أم غصب فقال (صلى الله عليهوآلهوسلّم) عارية مضمونة مؤداة فأعاره صفوان مائة درع و خرج معه و خرج من مسلمة الفتح ألفا رجل و كان (عليه السلام) دخل مكة في عشرة آلاف رجل و خرج منها في اثني عشر ألفا و بعث رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) رجلا من أصحابه فانتهى إلى مالك بن عوف و هو يقول لقومه ليصير كل رجل منكم أهله و ماله خلف ظهر و اكسروا جفون سيوفكم و أكمنوا في شعاب هذا الوادي و في الشجر فإذا كان في غبش الصبح فاحملوا حملة رجل واحد فهدوا القوم فإن محمدا لم يلق أحدا يحسن الحرب و لما صلى رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) بأصحابه الغداة انحدر في وادي حنين فخرجت عليهم كتائب هوازن من كل ناحية و انهزمت بنو سليم و كانوا على المقدمة و انهزم ما وراءهم و خلى الله تعالى بينهم و بين عدوهم لإعجابهم بكثرتهم و بقي علي (عليه السلام) و معه الراية يقاتلهم في نفر قليل و مر المنهزمون برسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لا يلوون على شيء و كان العباس بن عبد المطلب آخذ بلجام بغلة رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و الفضل عن يمينه و أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب عن يساره و نوفل بن الحرث و ربيعة بن الحرث في تسعة من بني هاشم و عاشرهم أيمن بن أم أيمن و قتل يومئذ و في ذلك يقول العباس :
نصرنا رسول الله في الحرب تسعة
و قد فر من قد فر عنه فأقشعوا

(5/28)


و قولي إذا ما الفضل كر بسيفه
على القوم أخرى يا بني ليرجعوا
و عاشرنا لاقى الحمام بنفسه
لما ناله في الله لا يتوجع و لما رأى رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) هزيمة القوم عنه قال للعباس و كان جهوريا صيتا اصعد هذا الظرب فناد يا معشر المهاجرين و الأنصار يا أصحاب سورة البقرة يا أهل بيعة الشجرة إلى أين تفرون هذا رسول الله فلما سمع المسلمون صوت العباس تراجعوا و قالوا لبيك لبيك و تبادر الأنصار خاصة و قاتلوا المشركين حتى قال رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) الآن حمي الوطيس :
أنا النبي لا كذب
أنا ابن عبد المطلب و نزل النصر من عند الله تعالى و انهزمت هوازن هزيمة قبيحة فمروا في كل وجه و لم يزل المسلمون في آثارهم و مر مالك بن عوف فدخل حصن الطايف و قتل منهم زهاء مائة رجل و أغنم الله المسلمين أموالهم و نساءهم و أمر رسول الله بالذراري و الأموال أن تحدر إلى الجعرانة و ولى على الغنائم بديل بن ورقاء الخزاعي و مضى (صلى الله عليهوآلهوسلّم) في أثر القوم فوافى الطايف في طلب مالك بن عوف فحاصر أهل الطايف بقية الشهر فلما دخل ذو القعدة انصرف و أتى الجعرانة و قسم بها غنائم حنين و أوطاس قال سعيد بن المسيب حدثني رجل كان في المشركين يوم حنين قال لما التقينا نحن و أصحاب رسول الله لم يقفوا لنا حلب شاة فلما كشفناهم جعلنا نسوقهم حتى إذا انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء يعني رسول الله فتلقانا رجال بيض الوجوه فقالوا لنا شاهت الوجوه ارجعوا فرجعنا و ركبوا أكتافنا فكانوا إياها يعني الملائكة قال الزهري و بلغني أن شيبة بن عثمان قال استدبرت رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) يوم حنين و أنا أريد أن أقتله بطلحة بن عثمان و عثمان بن طلحة و كانا قد قتلا يوم أحد فأطلع الله رسوله على ما في نفسي فالتفت إلى و ضرب في صدري و قال أعيذك بالله يا شيبة فأرعدت فرائصي فنظرت إليه هو أحب إلي من سمعي و بصري فقلت أشهد أنك رسول الله و أن الله أطلعك على ما في نفسي و قسم رسول الله الغنائم بالجعرانة و كان معه من سبي هوازن ستة آلاف من الذراري و النساء و من الإبل و الشاة ما لا يدري عدته قال أبو سعيد الخدري قسم رسول الله للمتألفين من قريش من سائر العرب ما قسم و لم يكن في الأنصار منها شيء قليل و لا كثير فمشى سعد بن عبادة إلى رسول الله فقال يا رسول الله أن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في قسمك هذه الغنائم في قومك و في سائر العرب و لم يكن

(5/29)


فيهم من ذلك شيء فقال (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فأين أنت من ذلك يا سعد فقال ما أنا إلا امرؤ من قومي فقال رسول الله فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة فجمعهم فخرج رسول الله فقام فيهم خطيبا فحمد الله و أثنى عليه ثم قال يا معشر الأنصار أ و لم آتكم ضلالا فهداكم الله و عالة فأغناكم الله و أعداء فألف بين قلوبكم قالوا بلى يا رسول الله ثم قال أ لا تجيبوني يا معشر الأنصار فقالوا و ما نقول و بما ذا نجيبك المن لله و لرسوله فقال رسول الله أما و الله لو شئتم لقلتم فصدقتم جئتنا طريدا ف آويناك و عائلا فأسيناك و خائفا ف آمناك و مخذولا فنصرناك فقالوا المن لله و لرسوله فقال رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) وجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا و وكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام أ فلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاء و البعير و تذهبون برسول الله إلى رحالكم فو الذي نفسي بيده لو أن الناس سلكوا شعبا و سلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار و لو لا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار اللهم ارحم الأنصار و أبناء الأنصار و أبناء أبناء الأنصار فبكى القوم حتى اخضلت لحاهم و قالوا رضينا بالله و رسوله قسما ثم تفرقوا و قال أنس بن مالك و كان رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أمر مناديا فنادى يوم أوطاس أ لا لا توطأ الحبالى حتى يضعن و لا غير الحبالى حتى يستبرئن بحيضة ثم أقبلت وفود هوازن و قدمت على رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) بالجعرانة مسلمين فقام خطيبهم و قال يا رسول الله إنما في الحظائر من السبايا خالاتك و حواضنك اللاتي كن يكفلنك فلو أنا ملكنا ابن أبي شمر أو النعمان بن المنذر ثم أصابنا منهما مثل الذي أصابنا منك رجونا عائدتهما و عطفهما و أنت خير الكفولين ثم أنشد أبياتا فقال (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أي الأمرين أحب إليكم السبي أو الأموال قالوا يا رسول الله خيرتنا بين الحسب و بين الأموال و الحسب أحب إلينا و لا نتكلم في شاة و لا بعير فقال رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أما الذي لبني هاشم فهو لكم و سوف أكلم لكم المسلمين و أشفع لكم فكلموهم و أظهروا إسلامكم فلما صلى رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) الهاجرة قاموا فتكلموا فقال النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قد رددت الذي لبني هاشم و الذي بيدي عليهم فمن أحب منكم أن يعطي غير مكره فليفعل و من كره أن يعطي فليأخذ الفداء و علي فداؤهم فأعطى الناس ما كان بأيديهم منهم إلا قليلا من الناس سألوا الفداء و أرسل رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) إلى مالك بن عوف و قال إن جئتني مسلما رددت إليك أهلك و مالك و لك عندي مائة ناقة فخرج إليه من الطائف فرد عليه أهله و ماله و أعطاه مائة من الإبل و استعمله على من أسلم من قومه .

(5/30)


يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا الْمُشرِكُونَ نجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَ إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسوْف يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضلِهِ إِن شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكيمٌ(28)
القراءة
في الشواذ قراءة ابن السميفع أنجاس على الجمع و في مصحف عبد الله ابن مسعود و إن خفتم عائلة .
الحجة
قال ابن جني هذا من المصادر التي جاءت على فاعله كالعاقبة و العافية و اللاغية .
اللغة
كل مستقذر نجس يقال رجل نجس و امرأة نجس و قوم نجس لأنه مصدر و إذا استعملت هذه اللفظة مع الرجس قيل رجس نجس بكسر النون و العيلة الفقر تقول عال يعيل إذا افتقر قال الشاعر :
و ما يدري الفقير متى غناه
و ما يدري الغني متى يعيل .
المعنى
لما تقدم النهي عن ولاية المشركين أزال سبحانه ولايتهم عن المسجد الحرام و حظر عليهم دخوله فقال « يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس » معناه أن الكافرين أنجاس « فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا » أي فامنعوهم عن المسجد الحرام قيل المراد به منعهم من دخول الحرم عن عطا قال و الحرم كله مسجد و قبلة و العام الذي أشار إليه هو سنة تسع الذي نادى فيه علي (عليه السلام) بالبراءة و قال لا يحجن بعد هذا العام مشرك و قيل المراد به منعهم من دخول المسجد الحرام على طريق الولاية للموسم و العمرة و قيل منعوا من الدخول أصلا في المسجد و منعوا من حضور الموسم و دخول الحرم عن الجبائي و اختلف في نجاسة الكافر فقال قوم من الفقهاء إن الكافر نجس العين و ظاهر الآية يدل على ذلك و روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب امنعوا اليهود و النصارى من دخول مساجد المسلمين و أتبع نهيه قول الله تعالى « إنما المشركون نجس » الآية و عن الحسن قال لا تصافحوا المشركين فمن صافحهم فليتوضأ و هذا يوافق ما ذهب إليه أصحابنا من أن من صافح الكافر و يده رطبة وجب أن يغسل يده و إن كانت أيديهما يابستين مسحهما بالحائط و قال آخرون إنما سماهم الله نجسا لخبث اعتقادهم و أفعالهم و أقوالهم و أجازوا للذمي دخول

(5/31)


المساجد قالوا إنما يمنعون من دخول مكة للحج قال قتادة سماهم نجسا لأنهم يجنبون و لا يغتسلون و يحدثون و لا يتوضئون فمنعوا من دخول المسجد لأن الجنب لا يجوز له دخول المسجد « و إن خفتم عيلة » أي فقرا و حاجة و كانوا قد خافوا انقطاع المتاجر بمنع المشركين عن دخول الحرم « فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء » أي فسوف يغنيكم الله من جهة أخرى إن شاء أن يغنيكم بأن يرغب الناس من أهل الآفاق في حمل الميرة إليكم رحمة منه و نعمة عليكم قال مقاتل أسلم أهل نجدة و صنعاء و جرش من اليمن و حملوا الطعام إلى مكة على ظهور الإبل و الدواب و كفاهم الله تعالى ما كانوا يتخوفون و قيل معناه يغنيكم بالجزية المأخوذة من أهل الكتاب و قيل بالمطر و النبات و قيل بإباحة الغنائم و إذا سئل عن معنى المشيئة في قوله « إن شاء » فالقول فيه أن الله تعالى قد علم أن منهم من يبقى إلى وقت فتح البلاد و اغتنام أموال الأكاسرة فيستغني و منهم من لا يبقى إلى ذلك الوقت فلهذا علقه بالمشيئة و قيل إنما علقه بالمشيئة ليرغب الإنسان إلى الله تعالى في طلب الغنى منه و ليعلم أن الغنى لا يكون بالاجتهاد « إن الله عليم » بالمصالح و تدبير العباد و بكل شيء « حكيم » فيما يأمر و ينهى .
قَتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لا بِالْيَوْمِ الاَخِرِ وَ لا يحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَ رَسولُهُ وَ لا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكتَب حَتى يُعْطوا الْجِزْيَةَ عَن يَد وَ هُمْ صغِرُونَ(29)
اللغة
الدين في الأصل الطاعة قال زهير :
لئن حللت بجو في بني أسد
في دين عمرو و حالت بيننا فدك و الجزية فعلة من جزى يجزي مثل القعدة و الجلسة و هي عطية مخصوصة و جزاء لهم على تمسكهم بالكفر عقوبة لهم عن علي بن عيسى و الصغار و الذل و النكال الذي يصغر قدر صاحبه يقال صغر يصغر صغارا فهو صاغر .

(5/32)


الإعراب
« عن يد » في موضع نصب على الحال أي نقدا كما يقال باعه يدا بيد .
النزول
قيل هذه الآية نزلت حين أمر رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) بحرب الروم فغزا بعد نزولها غزوة تبوك عن مجاهد و قيل هي على العموم .
المعنى
ثم بين الله سبحانه أن من الكفار من يجوز تبقيته بالجزية فقال « قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله و لا باليوم الآخر » يعني الذين لا يعترفون بتوحيد الله و لا يقرون بالبعث و النشور و هذا يدل على صحة ما يذهب أصحابنا إليه من أنه لا يجوز أن يكون في جملة الكفار من هو عارف بالله و إن أقر باللسان و إنما يكونون معتقدين لذلك اعتقادا ليس بعلم لأنه صريح في أن أهل الكتاب الذين يؤخذ منهم الجزية لا يؤمنون بالله و اليوم الآخر و من قال إنه يجوز أن يكونوا عارفين بالله قال إن الآية خرجت مخرج الذم لهم لأنهم بمنزلة من لا يقر به في عظم الجرم قال الجبائي لأنهم يضيفون إليه ما لا يليق به فكأنهم لا يعرفونه و إنما جمعت هذه الأوصاف لهم و لم يذكروا بالكفار من أهل الكتاب للتحريض على قتالهم لما هم عليه من صفات الذم التي توجب البراءة منهم و العداوة لهم « و لا يحرمون ما حرم الله و رسوله » موسى و عيسى (عليهماالسلام) من كتمان نعت محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و قيل يعني ما حرمه محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) « و لا يدينون دين الحق » و قيل الحق هاهنا هو الله تعالى أي دين الله و العمل بما في التوراة من اتباع نبينا (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و قيل الحق هو الله و دينه الإسلام عن قتادة و قيل معناه و لا يطيعون الله طاعة أهل الإسلام عن أبي عبيدة و قيل معناه لا يعترفون بالإسلام الذي هو الدين الحق « من الذين أوتوا الكتاب » وصف الذين ذكرهم بأنهم من أهل الكتاب و هم اليهود و النصارى و قال أصحابنا إن المجوس حكمهم حكم اليهود و النصارى « حتى يعطوا الجزية عن يد » أي نقدا من يده إلى يد من يدفعه إليه من غير نائب كما يقال كلمته فما بفم و قيل معناه عن قدرة لكم عليهم و قهر لهم كما يقال كان اليد لفلان و قيل يد لكم عليهم و نعمة تسدونها إليهم بقبول الجزية منهم « و هم صاغرون » أي ذليلون مقهورون يجرون إلى الموضع الذي يقبض منهم فيه بالعنف حتى يؤدوها و قيل هو أن يعطوا الجزية قائمين و الآخذ جالس عن عكرمة .

(5/33)


وَ قَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَ قَالَتِ النَّصرَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِك قَوْلُهُم بِأَفْوَهِهِمْ يُضهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كفَرُوا مِن قَبْلُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ أَنى يُؤْفَكونَ(30) اتخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَ رُهْبَنَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ وَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَ مَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَحِداً لا إِلَهَ إِلا هُوَ سبْحَنَهُ عَمَّا يُشرِكونَ(31)
القراءة
قرأ عاصم و الكسائي و يعقوب و سهل « عزير » منونا و الباقون عزير ابن الله بغير تنوين و قرأ عاصم وحده « يضاهئون » بالهمزة و قرأ الباقون يضاهون بغير الهمزة .
الحجة
قال أبو علي من نون عزيرا جعله مبتدأ و جعل ابنا خبره و إذا كان كذلك فلا بد من إثبات التنوين في حال السعة و الاختيار لأن عزيرا و نحوه ينصرف عجميا كان أو عربيا و أما من حذف التنوين فإنه حذفه على وجهين ( أحدهما ) أنه جعل الصفة و الموصوف بمنزلة اسم واحد كما جعلهما كذلك في قوله لا رجل ظريف و حذف التنوين و لم يحرك لالتقاء الساكنين كما يحرك في زيد العاقل لأن الساكنين كأنهما التقيا في تضاعيف كلمة واحدة فحذف الأول منهما و لم يحرك لكثرة الاستعمال و لا يجوز إثبات التنوين في هذا الباب إذا كان صفة و إن كان الأصل لأنهم جعلوا من الأصول المرفوضة كما أن إظهار الأول من المثلين في نحو ظنوا لا يجوز في الكلام فإذا كانا بمنزلة اسم مفرد و المفرد لا يكون جملة مستقلة بنفسها مفيدة في هذا النحو فلا بد من إضمار جزء آخر يقدر انضمامه إليه ليتم جملة و يجعله الظاهر إما مبتدأ أو خبر مبتدإ فيكون التقدير صاحبنا أو نسيبنا أو نبينا عزير ابن الله إن قدرت المضمر المبتدأ و إن قدرت بعكس ذلك جاز فهذا أحد الوجهين و الوجه الآخر أن لا تجعلهما اسما واحدا و لكن يجعل الأول من الاسمين المبتدأ و الآخر الخبر فيكون المعنى فيه على هذا كالمعنى في إثبات التنوين و تكون القراءتان متفقتين إلا أنك حذفت التنوين لالتقاء الساكنين و على هذا ما يروى من قراءة بعضهم أحد الله الصمد فحذف التنوين لالتقاء الساكنين و قد جاء ذلك في الشعر كثيرا قال الشاعر :
حميد الذي أمج داره
أخو الخمر ذو الشييبة الأصلع و قال :
و حاتم الطائي وهاب المثي فأما « يضاهئون » فقد قال الزجاج أصل المضاهاة

(5/34)


المشابهة و الأكثر ترك الهمزة و اشتقاقه من قولهم امرأة ضهياء و هي التي لا ينبت لها ثدي و قيل هي التي لا تحيض و معناها أنها قد أشبهت الرجال في أنه لا ثدي لها و كذلك إذا لم تحض و ضهياء فعلاء الهمزة زائدة كما زيدت في شمال و غرقىء البيض و لا نعلم الهمزة زيدت غير أول إلا في هذه الأشياء و يجوز أن يكون فعيلا و إن كانت بنية ليس لها في الكلام نظير قال أبو علي ليس قوله « يضاهئون » من امرأة ضهياء لأن هذه الهمزة زائدة غير أصلية و ليس بفعيل لأنه لو كان إياه لكان مكسور الصدر و إنما أدخله في هذا ما رامه من اشتقاق « يضاهئون » و قد يجوز أن تجيء الكلمة من غير مشتقة و ذلك أكثر من أن يحصى .
اللغة
الحبر العالم الذي صنعته تحبير المعاني بحسن البيان عنها و هو الحبر و الحبر بفتح الحاء و كسرها و الرهبان جمع الراهب و هو الخاشي الذي يظهر عليه لباس الخشية و قد كثر استعماله على متنسكي النصارى .
المعنى
ثم حكى الله سبحانه عن اليهود و النصارى أقوالهم الشنيعة فقال « و قالت اليهود عزير ابن الله » و قال ابن عباس القائل لذلك جماعة منهم جاءوا إلى النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) منهم سلام بن مشكم و نعمان بن أوفى و شاس بن قيس و مالك بن الضيف فقالوا ذلك قيل و إنما قال ذلك جماعة منهم من قبل و قد انقرضوا و إن عزيرا أملى التوراة من ظهر قلبه و قد علمه جبرائيل (عليه السلام) فقالوا أنه ابن الله إلا أن الله تعالى أضاف ذلك إلى جميعهم و إن كانوا لا يقولون ذلك اليوم كما يقال إن الخوارج يقولون بتعذيب أطفال المشركين و إنما يقوله الأزارقة منهم خاصة و يدل على أن هذا مذهب اليهود أنهم لم ينكروا ذلك لما سمعوا هذه الآية مع شدة حرصهم على تكذيب الرسول (صلى الله عليهوآلهوسلّم) « و قالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم » معناه أنهم اخترعوا ذلك القول بأفواههم لم يأتهم به كتاب و لا رسول و ليس عليه حجة و لا برهان و لا له صحة و قيل إنه لم يذكر القول مقرونا بالأفواه إلا إذا كان ذلك القول زورا كقوله يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم « يضاهئون » يشابهون عن ابن عباس و قيل يوافقون عن الحسن « قول الذين كفروا » يعني عباد الأوثان في عبادتهم اللات و العزى و مناة الثالثة الأخرى عن ابن عباس و مجاهد و الفراء و قيل في عبادتهم الملائكة و قولهم إنهم بنات الله « من قبل » أي ضاهت النصارى قول اليهود من قبل فقالت النصارى المسيح ابن الله كما قالت اليهود عزير ابن الله عن قتادة و السدي و قيل شبه كفرهم بكفر الذين مضوا من الأمم

(5/35)


الكافرة عن الحسن « قاتلهم الله » أي لعنهم الله عن ابن عباس قال ابن الأنباري المقاتلة أصلها من القتل فإذا أخبر عن الله بها كانت بمعنى اللعنة لأن من لعنه الله فهو بمنزلة المقتول الهالك « أنى يؤفكون » أي كيف يصرفون عن الحق إلى الإفك الذي هو الكذب فكأنه قال لأي داع مالوا إلى ذلك القول « اتخذوا أحبارهم » أي علماءهم « و رهبانهم » أي عبادهم « أربابا من دون الله » روي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه السلام) أنهما قالا أما و الله ما صاموا و لا صلوا و لكنهم أحلوا لهم حراما و حرموا عليهم حلالا فاتبعوهم و عبدوهم من حيث لا يشعرون و روى الثعلبي بإسناده عن عدي بن حاتم قال أتيت رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و في عنقي صليب من ذهب فقال لي يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك قال فطرحته ثم انتهيت إليه و هو يقرأ من سورة البراءة هذه الآية « اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا » حتى فرغ منها فقلت له إنا لسنا نعبدهم فقال أ ليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه و يحلون ما حرم الله فتستحلونه قال فقلت بلى قال فتلك عبادتهم « و المسيح ابن مريم » أي اتخذوا المسيح إلها من دون الله « و ما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا » أي معبودا واحدا هو الله تعالى « لا إله إلا هو » أي لا تحق العبادة إلا له و لا يستحق العبادة سواه « سبحانه عما يشركون » أي عن شركهم و عما يقولونه و عما لا يليق به .
يُرِيدُونَ أَن يُطفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَهِهِمْ وَ يَأْبى اللَّهُ إِلا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كرِهَ الْكَفِرُونَ(32) هُوَ الَّذِى أَرْسلَ رَسولَهُ بِالْهُدَى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظهِرَهُ عَلى الدِّينِ كلِّهِ وَ لَوْ كرِهَ الْمُشرِكُونَ(33)
اللغة
الإطفاء إذهاب نور النار ثم استعمل في إذهاب كل نور و الأفواه جمع فم و أصله فوه فحذفت الهاء و أبدلت من الواو ميم لأنه حرف صحيح من مخرج الواو مشاكل لها و الإباء الامتناع مما طلب من المعنى قال الشاعر :
و إن أرادوا ظلمنا أبينا أي منعنا من الظلم .
الإعراب
قوله « إلا أن يتم نوره » إنما دخلت إلا لأن في أبيت ضربا من الجحد تقول أبيت أن أفعل كذا فيكون معناه لم أفعل كذا قال الشاعر :
و هل لي أم غيرها إن تركتها
أبى الله إلا أن أكون لها ابنا قال الزجاج في الآية حذف تقديره يأبى الله كل شيء إلا إتمام نوره قال و لا يكون

(5/36)


الإيجاب جحدا و لو جاز ذلك على أن يكون فيه طرف من الجحد لجاز كرهت إلا أخاك مثل أبيت إلا أن أبيت الحذف مستعمل معها .
المعنى
ثم أخبر سبحانه عن هؤلاء الكفار من اليهود و النصارى أنهم « يريدون أن يطفئوا نور الله » و هو القرآن و الإسلام عن أكثر المفسرين و قيل نور الله الدلالة و البرهان لأنهما يهتدى بهما كما يهتدى بالأنوار عن الجبائي قال و لما سمى سبحانه الحجج و البراهين أنوارا سمي معارضتهم لذلك إطفاء ثم قال « بأفواههم » لأن الإطفاء يكون بالأفواه و هو النفخ و هذا من عجيب البيان مع ما فيه من تصغير شأنهم و تضعيف كيدهم لأن الفم يؤثر في الأنوار الضعيفة دون الأقباس العظيمة « و يأبى الله إلا أن يتم نوره » معناه و يمنع الله إلا أن يظهر أمر القرآن و أمر الإسلام و حجته على التمام و أصل الإباء المنع و الامتناع دون الكراهية على ما ادعته المجبرة و لهذا تقول العرب فلان يأبى الضيم و هو أبي الضيم و لا مدحة في كراهية الضيم لأنه يستوي فيه القوي و الضعيف و إنما المدحة في الامتناع أو المنع منه « و لو كره الكافرون » أي على كره من الكافرين « هو الذي أرسل رسوله » محمدا و حمله الرسالات التي يؤديها إلى أمته « بالهدى » أي بالحجج و البينات و الدلائل و البراهين « و دين الحق » و هو الإسلام و ما تضمنه من الشرائع التي يستحق عليها الجزاء بالثواب و كل دين سواه باطل يستحق به العقاب « ليظهره على الدين كله » معناه ليعلي دين الإسلام على جميع الأديان بالحجة و الغلبة و القهر لها حتى لا يبقى على وجه الأرض دين إلا مغلوبا و لا يغلب أحد أهل الإسلام بالحجة و هم يغلبون أهل سائر الأديان بالحجة و أما الظهور بالغلبة فهو أن كل طائفة من المسلمين قد غلبوا على ناحية من نواحي أهل الشرك و لحقهم قهر من جهتهم و قيل أراد عند نزول عيسى بن مريم لا يبقى أهل دين إلا أسلم أو أدى الجزية عن الضحاك و قال أبو جعفر (عليه السلام) إن ذلك يكون عند خروج المهدي من آل محمد فلا يبقى أحد إلا أقر بمحمد و هو قول السدي و قال الكلبي لا يبقى دين إلا ظهر عليه الإسلام و سيكون ذلك و لم يكن بعد و لا تقوم الساعة حتى يكون ذلك و قال المقداد بن الأسود سمعت رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) يقول لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر و لا وبر إلا أدخله الله كلمة الإسلام إما بعز عزيز و إما بذل ذليل إما يعزهم فيجعلهم الله من أهله فيعزوا به و إما يذلهم فيدينون له و قيل إن الهاء في « ليظهره » عائدة إلى الرسول (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أي ليعلمه الله الأديان كلها حتى لا يخفى عليه شيء منها عن ابن عباس « و لو كره المشركون » أي و إن كرهوا هذا الدين فإن الله يظهره رغما لهم .

(5/37)


* يَأَيهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّ كثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَ الرُّهْبَانِ لَيَأْكلُونَ أَمْوَلَ النَّاسِ بِالْبَطِلِ وَ يَصدُّونَ عَن سبِيلِ اللَّهِ وَ الَّذِينَ يَكْنزُونَ الذَّهَب وَ الْفِضةَ وَ لا يُنفِقُونهَا فى سبِيلِ اللَّهِ فَبَشرْهُم بِعَذَاب أَلِيم(34) يَوْمَ يحْمَى عَلَيْهَا فى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَ جُنُوبهُمْ وَ ظهُورُهُمْ هَذَا مَا كنزْتُمْ لأَنفُسِكمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنزُونَ(35)
اللغة
الكنز في الأصل هو الشيء الذي جمع بعضه إلى بعض و يقال للشيء المجتمع مكتنز و ناقة كناز اللحم مجتمعة قال نفطويه سمي الذهب ذهبا لأنه يذهب و لا يبقى و سميت الفضة فضة لأنها تنفض أي تتفرق فلا تبقى و حسبك بالاسمين دلالة على فنائهما و الإحماء جعل الشيء حارا في الإحساس و هو فوق الإسخان و ضده التبريد يقال حمى يحمي حمى و أحماه غيره و الكي إلصاق الشيء الحار بالعضو من البدن
الأعراب
« الذين يكنزون » موضعه نصب لأنه معطوف على اسم إن و يكون المعنى و إن الذين يكنزون الذهب و الفضة و لا يأكلونها و يجوز أن يكون رفعا على الاستئناف و ذكر في قوله « و لا ينفقونها » وجوه ( أحدها ) أنه أراد لا ينفقون الكنوز فرجع الضمير إلى ما دل عليه الكلام ( و الثاني ) أنه لما ذكر الذهب و الفضة دل على الأموال فكأنه قال و لا ينفقون الأموال ( و الثالث ) أن الذهب مؤنث و هو جمع واحدة ذهبة و هذا الجمع الذي ليس بينه و بين واحدة إلا الهاء يذكر و يؤنث ثم لما اجتمعا في التأنيث و كان كل واحد منهما يؤخذ عن صاحبه في الزكاة على قول جمهور العلماء جعلهما كالشيء الواحد و رد الضمير إليهما بلفظ التأنيث ( و الرابع ) أنه اكتفى بأحدهما عن الآخر للإيجاز و رد الضمير إلى الفضة لأنها أقرب إليه كما قال حسان :
إن شرخ الشباب و الشعر الأسود
ما لم يعاص كان جنونا و قد مر ذكر أمثاله فيما مضى :
المعنى
ثم بين سبحانه حال الأحبار و الرهبان فقال « يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من

(5/38)


الأحبار و الرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل » أي يأخذون الرشى على الحكم عن الحسن و الجبائي و أكل المال بالباطل تملكه من الجهات التي يحرم منها أخذه إلا أنه لما كان معظم التصرف و التملك للأكل وضع الأكل موضع ذلك و قيل إن معناه يأكلون متاع أموال الناس من الطعام فكأنهم يأكلون الأموال لأنها ثمن المأكول كما قال الشاعر :
ذر الآكلين الماء لوما فما أرى
ينالون خيرا بعد أكلهم الماء أي ثمن الماء « و يصدون عن سبيل الله » أي يمنعون غيرهم عن اتباع الإسلام الذي هو سبيل الله التي دعاهم إلى سلوكها و عن اتباع محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) « و الذين يكنزون الذهب و الفضة و لا ينفقونها في سبيل الله » أي يجمعون المال و لا يؤدون زكاته فقد روي عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال كل ما لم تؤد زكاته فهو كنز و إن كان ظاهرا و كل مال أديت زكاته فليس بكنز و إن كان مدفونا في الأرض و به قال ابن عباس و الحسن و الشعبي و السدي قال الجبائي و هو إجماع و روي عن علي (عليه السلام) ما زاد على أربعة آلاف فهو كنز أدي زكاته أو لم يؤد و ما دونها فهو نفقة و تقدير الآية و الذين يكنزون الذهب و لا ينفقونه في سبيل الله و يكنزون الفضة و لا ينفقونها في سبيل الله فحذف المعطوف من الأول لدلالة الثاني عليه كما حذف المفعول في الثاني لدلالة الأول عليه في قوله « و الذاكرين الله كثيرا و الذاكرات » و تقديره و الذاكرات الله و أكثر المفسرين على أن قوله « و الذين يكنزون » على الاستئناف و أن المراد بذلك مانعوا الزكاة من هذه الأمة و قيل إنه معطوف على ما قبله و الأولى أن يكون محمولا على العموم في الفريقين « فبشرهم بعذاب أليم » أي أخبرهم بعذاب موجع و روى سالم بن أبي الجعد أن رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لما نزلت هذه الآية قال تبا للذهب تبا للفضة يكررها ثلاثا فشق ذلك على أصحابه فسأله عمر فقال يا رسول الله أي المال نتخذ فقال لسانا ذاكرا و قلبا شاكرا و زوجة مؤمنة تعين أحدكم على دينه « يوم يحمى عليها في نار جهنم » أي يوقد على الكنوز أو على الذهب و الفضة في نار جهنم حتى تصير نارا « فتكوى بها » أي بتلك الكنوز المحماة و الأموال التي منعوا حق الله فيها بأعيانها « جباههم و جنوبهم و ظهورهم » و إنما خص هذه الأعضاء لأنها معظم البدن و كان أبو ذر الغفاري يقول بشر الكانزين بكي في الجباه و كي في الجنوب و كي في الظهور حتى يلتقي الحر في أجوافهم و في هذا المعنى الذي أشار إليه أبو ذر خصت هذه المواضع بالكي لأن داخلها جوف بخلاف اليد و الرجل و قيل إنما خصت هذه المواضع بالعذاب لأن الجبهة محل الوسم لظهورها و الجنب محل الألم و الظهر محل الحدود و قيل لأن الجبهة محل السجود فلم تقم فيه بحقه و الجنب يقابل القلب الذي لم

(5/39)


يخلص في معتقده و الظهر محمل الأوزار قال « يحملون أوزارهم على ظهورهم » عن الماوردي و قيل لأن صاحب المال إذا رأى الفقير قبض جبهته و زوي عينيه و طوى عنه كشحه و ولاه ظهره عن أبي بكر الوراق « هذا ما كنزتم لأنفسكم » أي يقال لهم في حال الكي أو بعده هذا جزاء ما كنزتم و جمعتم المال و لم تؤدوا حق الله عنها و جعلتموها ذخيرة لأنفسكم « فذوقوا ما كنتم تكنزون » أي فذوقوا العذاب بسبب ما كنتم تكنزون أي تجمعون و تمنعون حق الله منه فحذف لدلالة الكلام عليه و قال رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) ما من عبد له مال و لا يؤدي زكاته إلا جمع يوم القيامة صفائح يحمى عليها في نار جهنم فتكوى به جبهته و جنباه و ظهره حتى يقضي الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون ثم يرى سبيله إما إلى الجنة و إما إلى النار أورده مسلم بن الحجاج في الصحيح و روي ثوبان عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال من ترك كنزا مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يتبعه و يقول ويلك ما أنت فيقول أنا كنزك الذي تركت بعدك فلا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيقصمها ثم يتبعه سائر جسده و روى الثعلبي بإسناده عن الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر قال أتيت رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و هو في ظل الكعبة فلما رآني قد أقبلت قال هم الأخسرون و رب الكعبة هم الأخسرون و رب الكعبة قال فدخلني غم و جعلت أتنفس و قلت هذا شيء حدث في قال قلت من هم فداك أبي و أمي قال الأكثرون إلا من قال بالمال في عباد الله هكذا و هكذا عن يمينه و شماله و من خلفه و قليل ما هم و روي عن أبي ذر أنه قال من ترك بيضاء أو حمراء كوي به يوم القيامة .
إِنَّ عِدَّةَ الشهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشرَ شهْراً فى كتَبِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السمَوَتِ وَ الأَرْض مِنهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِك الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسكمْ وَ قَتِلُوا الْمُشرِكينَ كافَّةً كمَا يُقَتِلُونَكُمْ كافَّةً وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ(36)
القراءة
قرأ أبو جعفر اثنا عشر و أحد عشر و تسعة عشر بسكون العين و الباقون بفتحها .

(5/40)


الحجة
الوجه في ذلك أن الاسمين لما جعلا كالاسم الواحد و بني الأول منهما لأنه كصدر الاسم و الثاني منهما لتضمنه معنى واو العطف جعل تسكين أول الثاني دليلا على أنهما قد صارا كالاسم الواحد .
اللغة و الإعراب
كافة بمعنى الإحاطة مأخوذ من كافة الشيء و هي حرفة و إذا انتهى الشيء إلى ذلك كف عن الزيادة و أصل الكف المنع و منه المكفوف و هو الممنوع البصر و كافة نصب على المصدر و لا يدخل عليها الألف و اللام لأنه من المصادر التي لا تتصرف لوقوعه موقع معا و جميعا بمعنى المصدر الذي في موضع الحال المؤكدة فهو في لزوم النكرة نظير أجمعين في لزوم المعرفة هذا قول الفراء و قال الزجاج كافة تنصب على الحال و هو مصدر على فاعله كالعافية و العاقبة و هو في موضع قاتلوا المشركين محيطين بهم باعتقاد مقاتلهم و لا يثنى و لا يجمع فلا يقال قاتلوهم كافات و لا كافين كما أنك إذا قلت قاتلوهم عامة لم تثن و لم تجمع و كذلك خاصة هذا مذهب النحويين .
المعنى
لما ذكر الله سبحانه وعيد الظالم لنفسه بكنز المال من غير إخراج الزكاة و غيرها من حقوق الله منه اقتضى ذلك أن يذكر النهي عن مثل حاله و هو الظلم في الأشهر الحرم الذي يؤدي إلى مثل حاله أو شر منه في المنقلب فقال « إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا » أي عدد شهور السنة في حكم الله و تقديره اثنا عشر شهرا و إنما تعبد الله المسلمين أن يجعلوا سنيهم على اثني عشر شهرا ليوافق ذلك عدد الأهلة و منازل القمر دون ما دان به أهل الكتاب و الشهر مأخوذ من شهرة الأمر لحاجة الناس إليه في معاملاتهم و محل ديونهم و حجهم و صومهم و غير ذلك من مصالحهم المتعلقة بالشهور و قوله « في كتاب الله » معناه فيما كتب الله في اللوح المحفوظ و في الكتب المنزلة على أنبيائه و قيل في القرآن و قيل في حكمه و قضائه عن أبي مسلم و قوله « يوم خلق السماوات و الأرض » متصل بقوله عند الله و العامل فيهما الاستقرار و إنما قال ذلك لأنه يوم خلق السماوات و الأرض أجرى فيها الشمس و القمر و بمسيرهما تكون الشهور و الأيام و بهما تعرف الشهور « منها أربعة حرم » أي من هذه الاثني عشر شهرا أربعة أشهر حرم ثلاثة منها سرد ذو القعدة و ذو الحجة و المحرم و واحد فرد و هو رجب و معنى حرم أنه يعظم انتهاك المحارم فيها أكثر مما يعظم في غيرها و كانت العرب تعظمها حتى لو أن رجلا لقي قاتل أبيه فيها لم يهجه لحرمتها و إنما جعل الله تعالى بعض هذه الشهور أعظم حرمة من بعض لما علم من المصلحة في الكف عن الظلم فيها لعظم منزلتها و لأنه ربما أدى ذلك إلى ترك الظلم أصلا لانطفاء النائرة و انكسار

(5/41)


الحمية في تلك المدة فإن الأشياء تجر إلى أشكالها و شهور السنة المحرم سمي بذلك لتحريم القتال فيه و صفر سمي بذلك لأن مكة تصفر من الناس فيه أي تخلو و قيل لأنه وقع وباء فيه فاصفرت وجوههم و قال أبو عبيدة سمي بذلك لأنه صفرت فيه أوطابهم عن اللبن و شهرا ربيع سميا بذلك لإنبات الأرض و إمراعها فيهما و قيل لارتباع القوم أي إقامتهم و جماديان سميتا بذلك لجمود الماء فيهما و رجب سمي بذلك لأنهم كانوا يرجبونه أي يعظمونه يقال رجبته و رجبته بالتخفيف و التشديد قال الكميت :
و لا غيرهم أبغي لنفسي جنة
و لا غيرهم ممن أجل و أرجب و قيل سمي بذلك لترك القتال فيه من قولهم رجل أرجب إذا كان أقطع لا يمكنه العمل و روي عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال إن في الجنة نهرا يقال له رجب ماؤه أشد بياضا من الثلج و أحلى من العسل من صام يوما من رجب شرب منه و شعبان سمي بذلك لتشعب القبائل فيه عن أبي عمرو و روى زياد بن ميمون أن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال إنما سمي شعبان لأنه يشعب فيه خير كثير لرمضان و شهر رمضان سمي بذلك لأنه يرمض الذنوب و قيل سمي بذلك لشدة الحر و قيل إن رمضان من أسماء الله و شوال سمي بذلك لأن القبائل كانت تشول فيه أي تبرح عن أمكنتها و قيل لشولان النوق أذنابها فيه و ذو القعدة سمي بذلك لقعودهم فيه عن القتال و ذو الحجة لقضاء الحج فيه « ذلك الدين القيم » أي ذلك الحساب المستقيم الصحيح لا ما كانت العرب تفعله من النسيء و منه قوله الكيس من دان نفسه أي حاسبها و سمي الحساب دينا لوجوب الدوام عليه و لزومه كلزوم الدين و العبادة و قيل معناه ذلك القضاء المستقيم الحق عن الكلبي و قيل معناه ذلك الدين تعبد به فهو اللازم « فلا تظلموا فيهن » أي في هذه الشهور كلها عن ابن عباس و قيل في هذه الأشهر الحرم الأربعة عن قتادة و اختاره الفراء قال لأنه لو أراد الاثني عشر شهرا لقال فيها « أنفسكم » بترك أوامر الله و ارتكاب نواهيه و إذا عاد الضمير إلى جميع الشهور فإنه يكون نهيا عن الظلم في جميع العمر و إذا عاد إلى الأشهر الحرم ففائدة التخصيص أن الطاعة فيها أعظم ثوابا و المعصية أعظم عقابا و ذلك حكم الله في جميع الأوقات الشريفة و البقاع المقدسة « و قاتلوا المشركين كافة » أي قاتلوهم جميعا مؤتلفين غير مختلفين « كما يقاتلونكم كافة » أي جميعا كذلك فتكون كافة حالا عن المسلمين و يجوز أن تكون حالا من المشركين أي قاتلوا المشركين جميعا و لا تمسكوا منهم

(5/42)


بعهد و لا ذمة إلا من كان من أهل الجزية و أعطاها عن صغار و الظاهر هو الأول و قيل معناه قاتلوهم خلفا بعد سلف كما أنه يخلف بعضهم بعضا في قتالكم عن الأصم « و اعلموا أن الله مع المتقين » بالنصرة و الولاية و في هذه الآية دلالة على أن الاعتبار في السنين بالشهور القمرية لا بالشمسية و الأحكام الشرعية معلقة بها و ذلك لما علم الله سبحانه فيه من المصلحة و لسهولة معرفة ذلك على الخاص و العام .
إِنَّمَا النَّسىءُ زِيَادَةٌ فى الْكفْرِ يُضلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يحِلُّونَهُ عَاماً وَ يحَرِّمُونَهُ عَاماً لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سوءُ أَعْمَلِهِمْ وَ اللَّهُ لا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكفِرِينَ(37)
القراءة
قرأ أبو جعفر النسيء بالتشديد من غير همزة و قرأ جعفر بن محمد (عليهماالسلام) و الزهري النسي مخففا في وزن الهدي بغير همز و روي مثل ذلك أيضا عن شبل عن ابن كثير و الباقون « النسيء » بالمد و الهمز و قرأ « يضل » بضم الياء و فتح الضاد أهل الكوفة غير أبي بكر و قرأ يضل بضم الياء و كسر الضاد أوقية من طريق ابن مقسم عن أبي عمرو و رويس عن يعقوب و الباقون يضل بفتح الياء و كسر الضاد .
الحجة
قال أبو علي النسيء مصدر كالنذير و النكير و عذير الحي و لا يجوز أن يكون فعيلا بمعنى مفعول كما قاله بعض الناس لأنه إن حمل على ذلك كان معناه إنما المؤخر زيادة في الكفر و المؤخر الشهر و ليس الشهر نفسه بزيادة في الكفر و إنما الزيادة في الكفر تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر ليست له تلك الحرمة فأما نفس الشهر فلا و أما ما روي من النسي بالياء فذلك يكون على إبدال الياء من الهمزة و لا أعلمها لغة في التأخير كما أن أرجيت لغة في أرجأت و ما روي من النسي بتشديد الياء فعلى تخفيف الهمزة و ليس هذا القلب مثل القلب في النسي بالياء لأن النسي بتشديد الياء على وزن فعيل تخفيف قياسي كما أن مقروة في مقرؤة تخفيف قياسي و ليس « النسيء » كذلك و ذكر ابن جني فيه ثلاثة أوجه ( أحدها ) أن يكون أراد النسيء ثم خفف بأن أبدلت الهمزة ياء كما قال الشاعر :
أهبي التراب فوقه إهبايا أراد إهباء

(5/43)


( و الثاني ) أن يكون فعلا من نسيت لأن الشيء إذا أخر فكأنه نسي ( و الثالث ) و في الصيغة أن يكون أراد النسيء على فعيل ثم خفف و أدغم فصار النسي ثم قصر فعيلا بحذف يائه فصار نسي ثم أسكن عين فعل فصار نسي كما قيل في سميح سمح و في رطيب رطب و في جديب جدب فأما قوله « يضل » فليس في يضل إشكال و لا في يضل لأن المضل لغيره ضال بفعله إضلال غيره فأما يضل فالمعنى فيه أن كبراءهم و أشرافهم يضلونهم بحملهم على هذا التأخير في الشهور و قرىء في الشواذ يضل بفتح الياء و الضاد و هذه لغة أعني ضللت أضل
اللغة
قال أبو زيد نسأت الإبل في ظمئها يوما أو يومين أو أكثر من ذلك و المصدر النسيء يقال نسأت الإبل عن الحوض أنسأها نساء إذا أخرتها عنه و المواطاة الموافقة يقال واطأ في الشعر إذا قال بيتين على قافية واحدة و أوطأ مثله .
المعنى
لما قدم سبحانه ذكر السنة و الشهر عقبه بذكر ما كانوا يفعلونه من النسيء فقال « إنما النسيء زيادة في الكفر » يعني تأخير الأشهر الحرم عما رتبها الله سبحانه عليه و كانت العرب تحرم الشهور الأربعة و ذلك مما تمسكت به من ملة إبراهيم و إسماعيل و هم كانوا أصحاب غارات و حروب فربما كان يشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغزون فيها فكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر فيحرمونه و يستحلون المحرم فيمكثون بذلك زمانا ثم يزول التحريم إلى المحرم و لا يفعلون ذلك إلا في ذي الحجة قال ابن عباس و معنى قوله « زيادة في الكفر » أنهم كانوا أحلوا ما حرم الله و حرموا ما أحل الله قال الفراء و الذي كان يقوم به رجل من كنانة يقال له نعيم بن ثعلبة و كان رئيس الموسم فيقول أنا الذي لا أعاب و لا أخاب و لا يرد لي قضاء فيقولون نعم صدقت أنسئنا شهرا أو أخر عنا حرمة المحرم و اجعلها في صفر و أحل المحرم فيفعل ذلك و الذي كان ينساها حين جاء الإسلام جنادة بن عوف بن أمية الكناني قال ابن عباس و أول من سن النسيء عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف و قال أبو مسلم بن أسلم بل رجل من بني كنانة يقال له القلمس كان يقول إني قد نسأت المحرم العام و هما العام صفران فإذا كان العام القابل قضينا فجعلناهما مجرمين قال شاعرهم :
و ما ناسىء الشهر القلمس و قال الكميت :
و نحن الناسئون على معد
شهور الحل نجعلها حراما و قال مجاهد كان المشركون يحجون في كل شهر عامين فحجوا في ذي الحجة عامين ثم حجوا في المحرم عامين ثم حجوا في صفر عامين و كذلك في الشهور حتى وافقت الحجة

(5/44)


التي قبل حجة الوداع في ذي القعدة ثم حج النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) في العام القابل حجة الوداع فوافقت في ذي الحجة فذلك حين قال النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و ذكر في خطبته إلا و إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات و الأرض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاثة متواليات ذو القعدة و ذو الحجة و المحرم و رجب مضر الذي بين جمادى و شعبان أراد (عليه السلام) الأشهر الحرم رجعت إلى مواضعها و عاد الحج إلى ذي الحجة و بطل النسيء « يضل به الذين كفروا » أي يضل بهذا النسيء الذين كفروا و من قرأ بضم الباء فمعناه يضلون به غيرهم و إضلالهم أنهم فعلوا ذلك ليحللوا للناس الأشهر الحرم التي حرم الله القتال فيها و أوجب الحج في بعضها فيستحلون ترك الحج في الوقت الذي هو واجب فيه و يوجبونه في الوقت الذي لا يجب فيه و جوزوا ذلك عليهم حتى ضلوا باتباعهم « يحلونه عاما و يحرمونه عاما » أي يجعلون الشهر الحرام حلالا إذا احتاجوا إلى القتال فيه و يجعلون الشهر الحلال حراما و يقولون شهر بشهر و إذا لم يحتاجوا إلى القتال لم يفعلوا ذلك « ليواطئوا عدة ما حرم الله » معناه أنهم لم يحلوا شهرا من الحرم إلا حرموا مكانه شهرا من الحلال و لم يحرموا شهرا من الحلال إلا أحلوا مكانه شهرا من الحرم ليكون موافقة في العدد و ذلك المواطاة « زين لهم سوء أعمالهم » أي زينت لهم أنفسهم أو زين لهم الشيطان سوء أعمالهم عن الحسن و قيل معناه استحسنوا ذلك بهواهم « و الله لا يهدي القوم الكافرين » مر تفسيره .
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَا لَكمْ إِذَا قِيلَ لَكمُ انفِرُوا فى سبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلى الأَرْضِ أَ رَضِيتُم بِالْحَيَوةِ الدُّنْيَا مِنَ الاَخِرَةِ فَمَا مَتَعُ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا فى الاَخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ(38) إِلا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكمْ عَذَاباً أَلِيماً وَ يَستَبْدِلْ قَوْماً غَيرَكمْ وَ لا تَضرُّوهُ شيْئاً وَ اللَّهُ عَلى كلِّ شىْء قَدِيرٌ(39)
اللغة
النفر الخروج إلى الشيء لأمر هيج عليه و منه نفور الدابة يقال نفرت الدابة نفورا و نفر إلى الثغر نفرا و نفيرا و التثاقل تعاطي إظهار ثقل النفس و مثله التباطؤ و ضده التسرع و المتاع الانتفاع بما يظهر للحواس و منه قولهم تمتع بالرياض و المناظر الحسان و يقال للأشياء

(5/45)


التي لها أثمان متاع تشبيها به و الاستبدال جعل أحد الشيئين بدل الآخر مع الطلب له .
الإعراب
« اثاقلتم » افاعلتم و أصله تفاعلتم أدغمت التاء في الثاء لمناسبتها لها ثم أدخلت ألف الوصل ليمكن الابتداء بها و مثله اداركوا و أتابع في قول الشاعر :
تولي الضجيع إذا ما أشتاقها خصرا
عذب المذاق إذا ما أتابع القبل
النزول
قالوا لما رجع رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) من الطائف أمر بالجهاد لغزوة الروم و ذلك في زمان إدراك الثمار فأحبوا المقام في المسكن و المال و شق عليهم الخروج إلى القتال و كان (عليه السلام) قلما خرج في غزوة إلا كنى عنها و وري بغيرها إلا غزوة تبوك لبعد شقتها و كثرة العدو ليتأهب الناس فأخبرهم بالذي يريد فلما علم الله سبحانه تثاقل الناس أنزل الآية .
المعنى
ثم عاتب سبحانه المؤمنين في التثاقل عن الجهاد فقال « يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم » أي إذا دعاكم رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و قال لكم « انفروا في سبيل الله » أي أخرجوا إلى مجاهدة المشركين و هو هاهنا غزوة تبوك عن الحسن و مجاهد « اثاقلتم إلى الأرض » أي تثاقلتم و ملتم إلى الإقامة في الأرض التي أنتم عليها قال الجبائي هذا الاستبطاء مخصوص بنفر من المؤمنين لأن جميعهم لم يتثاقلوا عن الجهاد فهو عموم أريد به الخصوص بدليل « أ رضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة » هذا استفهام يراد به الإنكار و معناه آثرتم الحياة الدنيا الفانية على الحياة في الآخرة الباقية في النعيم الدائم « فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل » أي فما فوائد الدنيا و مقاصدها في فوائد الآخرة و مقاصدها إلا قليل لانقطاع هذه و دوام تلك ثم عقبه سبحانه بالتهديد و الوعيد فقال « إلا تنفروا يعذبكم الله عذابا أليما » و معناه لا تخرجوا إلى القتال الذي دعاكم إليه الرسول و تقعدوا عنه يعذبكم الله عذابا أليما مؤلما في الآخرة و قيل في الدنيا « و يستبدل » بكم « قوما غيركم » لا يتخلفون عن الجهاد و قيل هم أبناء فارس عن سعيد بن جبير و قيل هم أهل اليمن عن أبي روق و قيل هم الذين أسلموا بعد نزول هذه الآية عن الجبائي « و لا تضروه شيئا » أي و لا تضروا الله بهذا القعود شيئا لأنه غني لنفسه لا يحتاج إلى شيء عن الحسن و أبي علي و قيل معناه و لا تضروا الرسول شيئا لأن الله عصمه من جميع الناس و ينصره بالملائكة أو بقوم آخرين من المؤمنين « و الله على كل شيء قدير » فهو القادر على الاستبدال بكم و على غير ذلك من الأشياء قال الزجاج و هذا وعيد شديد في التخلف عن الجهاد .

(5/46)


إِلا تَنصرُوهُ فَقَدْ نَصرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كفَرُوا ثَانىَ اثْنَينِ إِذْ هُمَا فى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصحِبِهِ لا تحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سكينَتَهُ عَلَيْهِ وَ أَيَّدَهُ بِجُنُود لَّمْ تَرَوْهَا وَ جَعَلَ كلِمَةَ الَّذِينَ كفَرُوا السفْلى وَ كلِمَةُ اللَّهِ هِىَ الْعُلْيَا وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(40)
القراءة
قرأ يعقوب وحده كلمة الله بالنصب و الباقون بالرفع .
الحجة
من نصب عطفه على قوله « و جعل كلمة الذين كفروا السفلى » و جعل كلمة الله هي العليا » و من رفع استأنف و هو أبلغ لأنه يفيد أن كلمة الله هي العليا على كل حال .
الإعراب
« ثاني اثنين » نصب على الحال و للعرب في هذا مذهبان ( أحدهما ) قولهم هذا ثاني اثنين و ثالث ثلاثة و رابع أربعة و خامس خمسة أي أحد اثنين و أحد ثلاثة و أحد أربعة و أحد خمسة ( و الآخر ) قولهم ثالث اثنين و خامس أربعة بمعنى أنه ثلث اثنين و خمس أربعة فالأول إضافة حقيقية محضة و الثاني إضافة غير محضة إذ هو في تقدير الانفصال ، « إذ هما في الغار » بدل من قوله « إذ أخرجه الذين كفروا » وضع أحد الزمانين في موضع الآخر لتقاربهما .
المعنى
ثم أعلمهم الله سبحانه أنهم إن تركوا نصرة رسوله لم يضره ذلك شيئا كما لم يضره قلة ناصريه حين كان بمكة و هم به الكفار فتولي الله نصره فقال « إلا تنصروه فقد نصره الله » معناه إن لم تنصروا النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) على قتال العدو فقد فعل الله به النصر « إذ أخرجه الذين كفروا » من مكة فخرج يريد المدينة « ثاني اثنين » يعني أنه كان هو و أبو بكر « إذ هما في الغار » ليس معهما ثالث أي و هو أحد اثنين و معناه فقد نصره الله منفردا من كل شيء إلا من أبي بكر و الغار الثقب العظيم في الجبل و أراد به هنا غار ثور و هو جبل بمكة « إذ يقول لصاحبه » أي إذ يقول الرسول لأبي بكر « لا تحزن » أي لا تخف « إن الله معنا » يريد أنه مطلع علينا عالم بحالنا فهو يحفظنا و ينصرنا قال الزهري لما دخل رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و أبو بكر الغار أرسل الله زوجا من حمام حتى باضا

(5/47)


في أسفل الثقب و العنكبوت حتى تنسج بيتا فلما جاء سراقة بن مالك في طلبهما فرأى بيض الحمام و بيت العنكبوت قال لو دخله أحد لانكسر البيض و تفسخ بيت العنكبوت فانصرف و قال النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) اللهم أعم أبصارهم فعميت أبصارهم عن دخوله و جعلوا يضربون يمينا و شمالا حول الغار و قال أبو بكر لو نظروا إلى أقدامهم لرأونا و روى علي بن إبراهيم بن هاشم قال كان رجل من خزاعة فيهم يقال له أبو كرز فما زال يقفو أثر رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) حتى وقف بهم باب الغار فقال لهم هذه قدم محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) هي و الله أخت القدم التي في المقام و قال هذه قدم أبي قحافة أو ابنه و قال ما جازوا هذا المكان إما أن يكونوا قد صعدوا في السماء أو دخلوا في الأرض و جاء فارس من الملائكة في صورة الإنس فوقف على باب الغار و هو يقول لهم اطلبوه في هذه الشعاب فليس هاهنا و كانت العنكبوت نسجت على باب الغار و نزل رجل من قريش فبال على باب الغار فقال أبو بكر قد أبصرونا يا رسول الله فقال (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لو أبصرونا ما استقبلونا بعوراتهم « فأنزل الله سكينته عليه » يعني على محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أي ألقى في قلبه ما سكن به و علم أنهم غير واصلين إليه عن الزجاج « و أيده » أي قواه و نصره « بجنود لم تروها » أي بملائكة يضربون وجوه الكفار و أبصارهم عن أن يروه عن الزجاج و قيل معناه قواه بملائكة يدعون الله تعالى له عن ابن عباس و قيل معناه و أعانه بالملائكة يوم بدر و أخبر الله سبحانه أنه صرف عنه كيد أعدائه و هو في الغار ثم أظهر نصره بالملائكة يوم بدر عن مجاهد و الكلبي و قال بعضهم يجوز أن تكون الهاء التي في عليه راجعة إلى أبي بكر و هذا بعيد لأن الضمائر قبل هذا و بعده تعود إلى النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) بلا خلاف و ذلك في قوله « إلا تنصروه فقد نصره الله » و في قوله « إذ أخرجه » و قوله « لصاحبه » و قوله فيما بعد و « أيده » فكيف يتخللها ضمير عائد إلى غيره هذا و قد قال سبحانه في هذه السورة « ثم أنزل الله سكينته على رسوله و على المؤمنين » و قال في سورة الفتح « فأنزل الله سكينته على رسوله و على المؤمنين » و قد ذكرت الشيعة في تخصيص النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) في هذه الآية بالسكينة كلاما رأينا الإضراب عن ذكره أحرى لئلا ينسبنا ناسب إلى شيء « و جعل كلمة الذين كفروا السفلى » معناه أن الله سبحانه جعل كلمتهم نازلة دنية و أراد به أنه سفل وعيدهم للنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و تخويفهم إياه و أبطله بأن نصره عليهم فعبر عن ذلك بأنه جعل كلمتهم السفلى لا أنه خلق كلمتهم « و كلمة الله هي العليا » أي هي المرتفعة المنصورة بغير جعل جاعل لأنها لا يجوز أن تدعو إلى خلاف الحكمة و قيل إن كلمة الكفار كلمة الشرك و كلمة الله هي كلمة التوحيد و هي قوله لا إله إلا الله فمعناه جعل

(5/48)


كلمة الكفار السفلى بأن جعلهم أذلة أسفلين و أعلى كلمة الله بأن أعز الإسلام و المسلمين « و الله عزيز » في انتقامه من أهل الشرك « حكيم » في تدبيره .
انفِرُوا خِفَافاً وَ ثِقَالاً وَ جَهِدُوا بِأَمْوَلِكمْ وَ أَنفُسِكُمْ فى سبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(41) لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَ سفَراً قَاصِداً لاتَّبَعُوك وَ لَكِن بَعُدَت عَلَيهِمُ الشقَّةُ وَ سيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ استَطعْنَا لخََرَجْنَا مَعَكُمْ يهْلِكُونَ أَنفُسهُمْ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنهُمْ لَكَذِبُونَ(42) عَفَا اللَّهُ عَنك لِمَ أَذِنت لَهُمْ حَتى يَتَبَينَ لَك الَّذِينَ صدَقُوا وَ تَعْلَمَ الْكَذِبِينَ(43)
القراءة
في الشواذ قراءة الأعمش لو استطعنا بضم الواو و قد مضى الكلام فيه في أوائل سورة البقرة .
اللغة
القاصد السهل المقصد عن غير طول لأنه مما يقصد لسهولته و سمي العدل قصدا لأنه مما ينبغي أن يقصد و الشقة القطعة من الأرض التي يشق ركوبها على صاحبها لبعدها و يحتمل أن يكون من الشق الذي هو الناحية من الجبل و يحتمل أن يكون من المشقة و الشقة السفر و المسافة و قريش يضمون الشين و قيس يكسرونها و قريش يضمون العين من بعدت و قيس يكسرونها .
المعنى
ثم أمر سبحانه بالجهاد و بين تأكيد وجوبه على العباد فقال « انفروا » أي أخرجوا إلى الغزو « خفافا و ثقالا » أي شبانا و شيوخا عن الحسن و مجاهد و عكرمة و الضحاك و غيرهم و قيل نشاطا و غير نشاط عن ابن عباس و قتادة و قيل مشاغيل و غير مشاغيل عن الحكم و قيل أغنياء و فقراء عن أبي صالح و قيل أراد بالخفاف أهل العسرة من المال و قلة العيال و بالثقال أهل الميسرة في المال و كثرة العيال عن الفراء و قيل معناه ركبانا و مشاة عن أبي عمرو و عطية العوفي و قيل ذا صنعة و غير ذي صنعة عن ابن زيد و قيل عزابا و متأهلين عن يمان و الوجه أن يحمل على الجميع فيقال معناه أخرجوا إلى الجهاد خف عليكم أو شق على أي

(5/49)


حالة كنتم لأن أحوال الإنسان لا تخلو من أحد هذه الأشياء « و جاهدوا بأموالكم و أنفسكم في سبيل الله » و هذا يدل على أن الجهاد بالنفس و المال واجب على من استطاع بهما و من لم يستطع على الوجهين فعليه أن يجاهد بما استطاع « ذلكم خير لكم » معناه أن الخروج و الجهاد بالنفس و المال خير لكم من التثاقل و ترك الجهاد إلى مباح « إن كنتم تعلمون » إن الله عز اسمه صادق في وعده و وعيده و قيل معناه إن كنتم تعلمون الخير في الجملة فاعلموا أن هذا خير قال السدي لما نزلت هذه الآية اشتد شأنها على الناس فنسخها الله تعالى بقوله « ليس على الضعفاء و لا على المرضى » الآية « لو كان عرضا قريبا » معناه لو كان ما دعوتهم إليه غنيمة حاضرة « و سفرا قاصدا » أي قريبا هينا و قيل قاصدا أي ذا قصد نحو تأمر و لابن عن المبرد و قيل سهلا متوسطا غير شاق « لاتبعوك » طمعا في المال « و لكن بعدت عليهم الشقة » أي المسافة يعني غزوة تبوك أمروا فيها بالخروج إلى الشام « و سيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم » معناه إن هؤلاء سيعتذرون إليك في قعودهم عن الجهاد و يحلفون لو استطعنا و قدرنا و تمكنا من الخروج لخرجنا معكم ثم أخبر سبحانه أنهم « يهلكون أنفسهم » بما أسروه من الشرك و قيل باليمين الكاذبة و العذر الباطل لما يستحقون عليها من العقاب « و الله يعلم إنهم لكاذبون » في هذا الاعتذار و الحلف و في هذه دلالة على صحة نبوة نبينا (صلى الله عليهوآلهوسلّم) إذ أخبر أنهم سيحلفون قبل وقوعه فحلفوا و كان مخبره على ما أخبر به و فيه أيضا دلالة واضحة على أن القدرة قبل الفعل لأن هؤلاء لا يخلو إما أن يكونوا مستطيعين من الخروج قادرين عليه و لم يخرجوا أو لم يكونوا قادرين عليه و إنما حلفوا لو أنهم قدروا في المستقبل لخرجوا فإن كان الأول فقد ثبت أن القدرة قبل الفعل و إن كان الثاني فقد كذبهم الله تعالى في ذلك و بين أنه لو فعل لهم الاستطاعة لما خرجوا و في ذلك أيضا وجوب تقدم القدرة على المقدور فإن حملوا الاستطاعة على وجود الآلة و عدة السفر فقد تركوا الظاهر من غير ضرورة فإن حقيقة الاستطاعة القدرة على أنه لو كان عدم الآلة و العدة عذرا في التأخر فعدم القدرة أصلا أحرى و أولى أن يكون عذرا فيه ثم خاطب النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) بما فيه بعض العتاب في إذنه لمن استأذنه في التأخر عن الخروج معه إلى تبوك فقال « عفا الله عنك لم أذنت لهم » في التخلف عنك قال قتادة و عمرو بن ميمون اثنان فعلهما النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لم يؤمر بهما إذنه للمنافقين و أخذه الفداء من الأسارى فعاتبه الله كما تسمعون و هذا من لطيف المعاتبة بدأه بالعفو قبل

(5/50)


العتاب و هل كان هذا الأذن قبيحا أم لا قال الجبائي كان قبيحا و وقع صغيرا لأنه لا يقال في المباح لم فعلته و هذا غير صحيح لأنه يجوز أن يقال فيما غيره أفضل منه لم فعلته كما يقول القائل لغيره إذا رآه يعاتب أخا له عاتبته و كلمته بما يشق عليه و إن كان يجوز له معاتبته بما يشق عليه و كيف يكون إذنه لهم قبيحا و قد قال سبحانه في موضع آخر « فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم » و قيل معناه أدام الله لك العفو لم أذنت لهؤلاء في الخروج لأنهم استأذنوا فيه تملقا و لو خرجوا لأرادوا الخبال و الفساد و لم يعلم النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) ذلك من سريرتهم عن أبي مسلم « حتى يتبين لك الذين صدقوا و تعلم الكاذبين » أي حتى تعرف من له العذر منهم في التخلف و من لا عذر له فيكون إذنك لمن أذنت له على علم قال ابن عباس و ذلك لأن رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لم يكن يعرف المنافقين يومئذ و قيل أنه (عليه السلام) إنما خيرهم بين الظعن و الإقامة متوعدا لهم و لم يأذن فاغتنم القوم ذلك و في هذا إخبار من الله سبحانه أنه كان الأولى أن يلزمهم الخروج معه حتى إذا لم يخرجوا أظهر نفاقهم لأنه متى أذن لهم ثم تأخروا لم يعلم أ لنفاق كان تأخرهم أم لغيره و كان الذين استأذنوه منافقين و منهم جد بن قيس و معتب بن قشير و هما من الأنصار .
لا يَستَئْذِنُك الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الاَخِرِ أَن يُجَهِدُوا بِأَمْوَلِهِمْ وَ أَنفُسِهِمْ وَ اللَّهُ عَلِيمُ بِالْمُتَّقِينَ(44) إِنَّمَا يَستَئْذِنُك الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الاَخِرِ وَ ارْتَابَت قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فى رَيْبِهِمْ يَترَدَّدُونَ(45)
المعنى
ثم بين سبحانه حال المؤمنين و المنافقين في الاستئذان فقال « لا يستأذنك » أي لا يطلب منك الإذن في القعود عن الجهاد معك بالمعاذير الفاسدة و قيل معناه لا يستأذنك في الخروج لأنه مستغن عنه بدعائك إلى ذلك بل يتأهب له عن أبي مسلم « الذين يؤمنون بالله و اليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم و أنفسهم » و المعنى في أن يجاهدوا فحذف في فأفضى الفعل « و الله عليم بالمتقين » قال ابن عباس هذا تعيير للمنافقين حين استأذنوه في القعود عن الجهاد و عذر للمؤمنين في قوله « لم يذهبوا حتى يستأذنوه » و المعنى أنه لم يخرجهم من صفة المتقين إلا لأنه علم أنهم ليسوا منهم « إنما يستأذنك »

(5/51)


في التأخر عن الجهاد و التخلف عن القتال معك و قيل في الخروج لأن المنافق إنما يستأذنك في الخروج تملقا و لا يتأهب المؤمنون عن أبي مسلم « الذين لا يؤمنون بالله » أي لا يصدقون به « و اليوم الآخر » يعني بالبعث و النشور « و ارتابت قلوبهم » أي اضطربت و شكت « فهم في ريبهم يترددون » فهم في شكهم يذهبون و يرجعون و التردد هو التصرف بالذهاب و الرجوع مرات متقاربة مثل التحير و أراد به المنافقين أي يتوقعون الإذن لشكهم في دين الله و فيما وعد المجاهدين و لو أنهم كانوا مخلصين لوثقوا بالنصر و بثواب الله فبادروا إلى الجهاد و لم يستأذنوك فيه .
* وَ لَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَ لَكِن كرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطهُمْ وَ قِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَعِدِينَ(46) لَوْ خَرَجُوا فِيكم مَّا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالاً وَ لأَوْضعُوا خِلَلَكُمْ يَبْغُونَكمُ الْفِتْنَةَ وَ فِيكمْ سمَّعُونَ لهَُمْ وَ اللَّهُ عَلِيمُ بِالظلِمِينَ(47) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَ قَلَّبُوا لَك الأُمُورَ حَتى جَاءَ الْحَقُّ وَ ظهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَ هُمْ كرِهُونَ(48)
اللغة
العدة و الأهبة و الآلة نظائر و الانبعاث الانطلاق بسرعة في الأمر و فلان لا ينبعث في الحاجة أي ليس له نفاذ فيها و التثبيط التوقيف عن الأمر بالتزهيد فيه و مثله التربيث و الخبال الفساد و الخبال الموت و الخبال الاضطراب في الرأي و الخبل بسكون الباء و فتحها الجنون و الخبل فساد الأعضاء قال :
أ بني لبينى لستم بيد
إلا يدا مخبولة العضد و الإيضاع الإسراع في السير قال امرؤ القيس :

(5/52)


أرانا موضعين لحتم غيب
و نسخر بالطعام و بالشراب و ربما قالوا للراكب وضع بغير ألف و وضعت الناقة تضع وضعا و وضوعا و أوضعتها إيضاعا قال :
يا ليتني فيها جذع
أخب فيها و أضع خلالكم أي بينكم مشتق من التخلل و في الحديث تراصوا بين الصفوف لا يتخللكم الشياطين كأنها ببنات حذف و التقليب تصريف الشيء بجعل أعلاه أسفله و رجل حول قلب كأنه يقلب الآراء في الأمور و يحولها .
المعنى
ثم أخبر سبحانه عن هؤلاء المنافقين فقال « و لو أرادوا الخروج » مع النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) نصرة له أو رغبة في جهاد الكفار كما أراد المؤمنون ذلك « لأعدوا له عدة » أي لاستعدوا للخروج عدة و هي ما يعد لأمر يحدث قبل وقوعه و المراد لأخذوا أهبة الحرب من الكراع و السلاح لأن أمارة من أراد أمرا أن يتأهب له قبل حدوثه « و لكن كره الله انبعاثهم » معناه و لكن كره الله خروجهم إلى الغزو لعلمه أنهم لو خرجوا لكانوا يمشون بالنميمة بين المسلمين و كانوا عيونا للمشركين و كان الضرر في خروجهم أكثر من الفائدة « فثبطهم » عن الخروج الذي عزموا عليه لا عن الخروج الذي أمرهم به لأن الأول كفر و الثاني طاعة و لا ينبغي أن يقال كيف كره انبعاثهم بعد ما أمر به في الآية الأولى لأنه إنما أمر بذلك على وجه الذب عن الدين و نية الجهاد و كره ذلك على نية التضريب و الفساد فقد كره غير ما أمر به و معنى ثبطهم بطأ بهم و خذلهم لما يعلم منهم من الفساد « و قيل اقعدوا مع القاعدين » أي و قيل لهم اقعدوا مع النساء و الصبيان و يحتمل أن يكون القائلون لهم ذلك أصحابهم الذين نهوهم عن الخروج مع النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) للجهاد و يحتمل أن يكون ذلك من كلام النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لهم على وجه التهديد و الوعيد لا على وجه الإذن و يجوز أن يكون أيضا على وجه الإذن لهم في القعود الذي عاتبه الله تعالى عليه إذ كان الأولى أن لا يأذن لهم ليظهر للناس نفاقهم قال أبو مسلم هذا يدل على

(5/53)


أن الاستئذان كان في الخروج و أن الإذن من النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لهم كان في الخروج لأنه إذا كره الله سبحانه خروجهم و أراد قعودهم و أذن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) في قعودهم فلا عتب عليه و لكنهم استأذنوا في الخروج تملقا و إرادة للفساد فأذن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لهم فيه و لم يعلم ضمائرهم فعلم الله تعالى ذلك من نياتهم و منعهم من الخروج إذ كره خروجهم ثم بين سبحانه وجه الحكمة في كراهية انبعاثهم و تثبيطهم عن الخروج فقال « لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا » معناه لو خرج هؤلاء المنافقون معكم إلى الجهاد ما زادوكم بخروجهم إلا شرا و فسادا و قيل غدرا و مكرا عن الضحاك و قيل يريد عجزا و جبنا عن ابن عباس أي أنهم كانوا يجبنونكم عن لقاء العدو بتهويل الأمر عليكم « و لأوضعوا خلالكم » أي لأسرعوا في الدخول بينكم بالتضريب و الإفساد و النميمة يريد و لسعوا فيما بينكم بالتفريق بين المسلمين و يكون تقديره و لأعدوا الإبل وسطكم و قيل معناه لأوضعوا إبلهم خلالكم يتخلل الراكب الرجلين حتى يدخل بينهما فيقول ما لا ينبغي « يبغونكم الفتنة » بعدو الإبل وسطكم و معنى يبغونكم يبغون لكم أو فيكم أي يطلبون لكم المحنة باختلاف الكلمة و الفرقة و قيل معناه يبغونكم أن تكونوا مشركين و الفتنة الشرك عن الحسن و قيل معناه يخوفونكم بالعدو و يخبرونكم أنكم منهزمون و إن عدوكم سيظهر عليكم عن الضحاك « و فيكم سماعون لهم » أي و فيكم عيون للمنافقين ينقلون إليهم ما يسمعون منكم عن مجاهد و ابن زيد و قيل معناه و فيكم قائلون منهم عند سماع قولهم يريد ضعفة المسلمين عن قتادة و ابن إسحاق و جماعة « و الله عليم بالظالمين » أي بهؤلاء المنافقين الذين ظلموا أنفسهم لما أضمروا عليه من الفساد منهم عبد الله بن أبي و جد بن قيس و أوس بن قبطي ثم أقسم الله سبحانه فقال « لقد ابتغوا الفتنة من قبل » الفتنة اسم يقع على كل سوء و شر و المعنى لقد طلب هؤلاء المنافقون اختلاف كلمتكم و تشتيت أهوائكم و افتراق آرائكم من قبل غزوة تبوك أي في يوم أحد حين انصرف عبد الله بن أبي بأصحابه و خذل النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فصرف الله سبحانه عن المسلمين فتنتهم و قيل أراد بالفتنة صرف الناس عن الإيمان و إلقاء الشبهة إلى ضعفاء المسلمين عن الحسن و قيل أراد بالفتنة الفتك بالنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) في غزوة تبوك ليلة العقبة و كانوا اثني عشر رجلا من المنافقين وقفوا على الثنية ليفتكوا بالنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) عن سعيد بن جبير و ابن جريج « و قلبوا لك الأمور » أي احتالوا في توهين أمرك و إيقاع الاختلاف بين المؤمنين و في قتلك بكل ما أمكنهم فيه فلم يقدروا عليه و قيل أنهم كانوا يريدون في كيده وجها من التدبير فإذا لم يتم ذلك فيه تركوه و طلبوا المكيدة في غيره فهذا تقليب الأمور عن أبي مسلم « حتى

(5/54)


جاء الحق » معناه حتى جاء النصر و الظفر الذي وعده الله به « و ظهر أمر الله » أي دينه و هو الإسلام على الكفار على رغمهم « و هم كارهون » أي في حال كراهيتهم لذلك فهي جملة في موضع الحال .
وَ مِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لى وَ لا تَفْتِنى أَلا فى الْفِتْنَةِ سقَطوا وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطةُ بِالْكفِرِينَ(49) إِن تُصِبْك حَسنَةٌ تَسؤْهُمْ وَ إِن تُصِبْك مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَ يَتَوَلَّوا وَّ هُمْ فَرِحُونَ(50) قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلا مَا كتَب اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَ عَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكلِ الْمُؤْمِنُونَ(51) قُلْ هَلْ تَربَّصونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الْحُسنَيَينِ وَ نحْنُ نَترَبَّص بِكُمْ أَن يُصِيبَكمُ اللَّهُ بِعَذَاب مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَترَبَّصوا إِنَّا مَعَكم مُّترَبِّصونَ(52)
القراءة
القراءة المشهورة « لن يصيبنا » و قرأ طلحة بن مصرف قل هل يصيبنا و كذلك هو في مصحف ابن مسعود .
النزول
قيل إن رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لما استنفر الناس إلى تبوك قال انفروا لعلكم تغنمون بنات الأصفر فقام جد بن قيس أخو بني سلمة بن بني الخزرج فقال يا رسول الله ائذن لي و لا تفتني ببنات الأصفر فإني أخاف أن أفتتن بهن فقال قد أذنت لك فأنزل الله تعالى « و منهم من يقول ائذن لي » الآيات عن ابن عباس و مجاهد فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لبني سلمة من سيدكم قالوا جد بن قيس غير أنه

(5/55)


بخيل جبان فقال (عليه السلام) و أي داء أدوى من البخل بل سيدكم الفتى الأبيض الجعد بشر بن البراء بن المعرور فقال في ذلك حسان بن ثابت :
و قال رسول الله و القول لاحق
بمن قال منا من تعدون سيدا
فقلنا له جد بن قيس على الذي
نبخله فينا و إن كان أنكدا
فقال و أي الداء أدوى من الذي
رميتم به جدا و إن كان أمجدا
و سود بشر بن البراء لجوده
و حق لبشر ذي الندا أن يسودا
إذا ما أتاه الوفد أنهب ماله
و قال خذوه إنه عائد غدا
المعنى
« و منهم » أي و من المنافقين « من يقول ائذن لي » في القعود عن الجهاد « و لا تفتني » ببنات الأصفر عن ابن عباس و مجاهد قال الفراء سميت الروم أصفر لأن حبشيا غلب على ناحية الروم و كان له بنات قد أخذن من بياض الروم و سواد الحبشة فكن صفرا لعسا و قيل معناه لا تؤثمني أي لا توقعني في الإثم بالعصيان لمخالفة أمرك بالخروج إلى الجهاد و ذلك غير متيسر لي عن الحسن و قتادة و الجبائي و الزجاج « ألا في الفتنة سقطوا » معناه ألا في العصيان و الكفر وقعوا بمخالفتهم أمرك في الخروج و الجهاد و قيل معناه لا تعذبني بتكليف الخروج في شدة الحر ألا قد سقطوا في حر أعظم من ذلك و هو حر نار جهنم عن أبي مسلم و يدل عليه قوله « و قالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا » « و إن جهنم لمحيطة بالكافرين » أي ستحيط بهم فلا مخلص لهم منها « إن تصبك حسنة تسؤهم » هذا خطاب من الله سبحانه للنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و معناه أن تلك نعمة من الله و فتح و غنيمة يحزن المنافقون « و إن تصبك مصيبة » معناه و إن تصبك شدة و نكبة و آفة في النفس أو المال « يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل » أي أخذنا حذرنا و احترزنا بالقعود من قبل هذه المصيبة عن مجاهد و معناه أخذنا أمرنا من مواضع الهلكة فسلمنا مما وقعوا فيه « و يتولوا و هم فرحون » أي رجعوا إلى بيوتهم فرحين بما أصاب المؤمنين من الشدة « قل » يا محمد لهم « لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا » أي كل ما يصيبنا من خير أو شر فهو ما كتبه الله في اللوح المحفوظ من أمرنا و ليس على ما تظنون و تتوهمون من إهمالنا من غير أن يرجع أمرنا إلى تدبير عن الحسن و قيل معناه لن يصيبنا في عاقبة أمرنا إلا ما كتب الله لنا في القرآن من النصر الذي وعدنا و أنا نظفر بالأعداء فتكون النصرة حسني لنا أو نقتل فتكون

(5/56)


الشهادة حسني لنا أيضا أي فقد كتب الله لنا ما يصيبنا و علمنا ما لنا فيه من الحظ عن الزجاج و الجبائي « هو مولانا » أي هو مالكنا و نحن عبيده و قيل هو ولينا و ناصرنا يحفظنا و يتولى حياطتنا و دفع الضرر عنا « و على الله فليتوكل المؤمنون » هذا أمر من الله تعالى للمؤمنين بالتوكل عليه و الرضا بتدبيره و تقديره فليتوكل على الله المؤمنون « قل » يا محمد لهؤلاء المنافقين « هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين » معناه هل تنتظرون لنا إلا إحدى الخصلتين الحميدتين و النعمتين العظيمتين إما الغلبة و الغنيمة في العاجل و إما الشهادة مع الثواب الدائم في الآجل عن ابن عباس و الحسن و مجاهد و غيرهم و هل و إن كان حرف الاستفهام فمعناه هنا التقريع بالتربص المؤدي صاحبه إلى كل ما كرهه من خيبة و فوز خصمه و من هلاكه و نجاة خصمه و من شقوته و سعادة خصمه « و نحن نتربص بكم » أي و نحن نتوقع بكم « أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا » أي يوقع الله بكم عذابا من عنده يهلككم به أو بأن ينصرنا عليكم فيقتلكم بأيدينا « فتربصوا » صورته صورة الأمر و المراد به التهديد كقوله « اعملوا ما شئتم » لأنه لو كان أمرا لهم لكانوا في تربصهم بالمؤمنين القتل مطيعين الله « إنا معكم متربصون » أي منتظرون إما الشهادة و الجنة و إما الغنيمة و الأجر لنا و إما البقاء في الذل و الخزي و إما الموت أو القتل مع المصير إلى النار لكم و هذه الآية تفسير لقوله تعالى « قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا » و قيل معناه فتربصوا هلاكنا فإنا متربصون هلاككم و قيل تربصوا مواعيد الشيطان في إبطال دين الله و نحن متربصون مواعيد الله في إظهار دينه و نصرة نبيه و استئصال مخالفيه .

(5/57)


قُلْ أَنفِقُوا طوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كنتُمْ قَوْماً فَسِقِينَ(53) وَ مَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنهُمْ نَفَقَتُهُمْ إِلا أَنَّهُمْ كفَرُوا بِاللَّهِ وَ بِرَسولِهِ وَ لا يَأْتُونَ الصلَوةَ إِلا وَ هُمْ كسالى وَ لا يُنفِقُونَ إِلا وَ هُمْ كَرِهُونَ(54) فَلا تُعْجِبْك أَمْوَلُهُمْ وَ لا أَوْلَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبهُم بهَا فى الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَ تَزْهَقَ أَنفُسهُمْ وَ هُمْ كَفِرُونَ(55)
القراءة
قرأ أهل الكوفة غير عاصم أن يقبل بالياء و الباقون بالتاء .
الحجة
وجه القراءة بالتاء أن الفعل مسند إلى مؤنث في اللفظ و وجه الياء إن التأنيث ليس بحقيقي فجاز أن يذكر كما جاء فمن جاءه موعظة .
اللغة
الطوع الانقياد بإرادة لم يحمل عليها و الكره فعل الشيء بكراهة حمل عليها المنع أمر يضاد الفعل و ينافيه و هو على وجهين منع أن يفعل و منع أن يفعل به فهؤلاء منعوا من أن يفعل بهم قبول نفقتهم و الزهق الخروج بصعوبة و أصله الهلاك و كل هالك زاهق زهق يزهق زهوقا و الزاهق من الدواب السمين الشديد السمن لأنه هالك بثقل بدنه في السير و الكر و الفر و زهق فلان بين أيدي القوم إذا ذهب سابقا لهم حتى يهلك منهم و الإعجاب السرور بما يتعجب منه يقال أعجبني حديثه أي سرني .
الإعراب
« أنفقوا طوعا أو كرها » لفظ أمر و معناه معنى الشرط و الجزاء ، المعنى إن أنفقتم طائعين أو مكرهين لن يتقبل منكم و مثله من الشعر قول كثير :
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة
لدينا و لا مقلية إن تقلت فلم يأمرها بالإساءة و لكن أعلمها إن أساءت أو أحسنت فهو على عهدها فكأنه قال إن أحسنت أو أسأت فلا تلامي قال الزجاج فإن قال قائل كيف يكون الأمر في معنى الخبر قيل له إذا كان في الكلام دليل عليه جاز كما يكون لفظ الخبر في معنى الأمر و الدعاء كقولك غفر الله لزيد و رحمه الله و معناه اللهم اغفر له و ارحمه و قوله « أن تقبل » في موضع نصب و تقديره من أن تقبل ، و « أنهم كفروا بالله » في موضع رفع ، المعنى ما منعهم من قبول نفقاتهم إلا كفرهم و يجوز أن يكون التقدير و ما منعهم الله منه إلا لأنهم كفروا .
المعنى
ثم بين سبحانه أن هؤلاء المنافقين لا ينتفعون بما ينفقونه مع إقامتهم على الكفر فقال « قل » يا محمد لهؤلاء « أنفقوا طوعا أو كرها » أي طائعين أو مكرهين « لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين » معناه و إنما لم يتقبل منكم لأنكم كنتم متمردين عن طاعة الله و الله سبحانه إنما يتقبل من المؤمنين المخلصين « و ما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله و برسوله » أي و ما يمنع هؤلاء المنافقين أن يثابوا على نفقاتهم إلا كفرهم بالله و برسوله و ذلك مما يحبط الأعمال و يمنع من استحقاق الثواب عليها « و لا

(5/58)


يأتون الصلاة إلا و هم كسالى » أي متثاقلين و المعنى لم يؤدوها على الوجه الذي أمروا أن يؤدوها على ذلك الوجه « و لا ينفقون إلا و هم كارهون » لذلك لأنهم إنما يصلون و ينفقون للرياء و التستر بالإسلام لا لابتغاء مرضاة الله تعالى و في هذا دلالة على أن الكفار مخاطبون بالشرائع لأنه سبحانه ذمهم على ترك الصلاة و الزكاة و لو لا وجوبهما عليهم لم يذموا بتركهما « فلا تعجبك أموالهم و لا أولادهم » الخطاب للنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و المراد جميع المؤمنين و قيل يريد لا تعجبك أيها السامع أي لا يأخذ بقلبك ما تراه من كثرة أموال هؤلاء المنافقين و كثرة أولادهم و لا تنظر إليهم بعين الإعجاب « إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا » قد ذكر في معناه وجوه ( أحدها ) أن فيه تقديما و تأخيرا أي لا يسرك أموالهم و أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة عن ابن عباس و قتادة فيكون الظرف على هذا متعلقا بأموالهم و أولادهم و مثله قوله تعالى « فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ما ذا يرجعون » و التقدير فألقه إليهم فانظر ما ذا يرجعون ثم تول عنهم ( و ثانيها ) إن معناه إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا بالتشديد عليهم في التكليف و أمرهم بالإنفاق في الزكاة و الغزو فيؤدونها على كره منهم و مشقة إذ لا يرجون به ثوابا في الآخرة فيكون ذلك عذابا لهم عن الحسن و البلخي ( و ثالثها ) إن معناه إنما يريد الله ليعذبهم بحفظها و المصائب فيها مع حرمان المنفعة بها عن ابن زيد ( و رابعها ) إن معناه إنما يريد الله ليعذبهم بها في الدنيا أي بسبي الأولاد و غنيمة الأموال عند تمكن المؤمنين من أخذها و غنمها فيتحسرون عليها فيكون ذلك جزاء على كفرهم عن الجبائي ( و خامسها ) إن المراد يعذبهم بجمعها و حفظها و حبها و البخل بها و الحزن عليها و كل هذا عذاب و كذلك خروجهم عنها بالموت لأنهم يفارقونها و لا يدرون إلى ما ذا يصيرون و اللام في قوله « ليعذبهم » يحتمل أن يكون بمعنى أن و يحتمل أن يكون لام العاقبة و التقدير إنما يريد الله أن يملي لهم فيها ليعذبهم « و تزهق أنفسهم » أي تهلك و تذهب بالموت « و هم كافرون » جملة في موضع الحال أي حال كونهم كافرين و الإرادة تعلقت بزهوق أنفسهم لا بالكفر و هذا كما تقول أريد أن أضربه و هو عاص فالإرادة تعلقت بالضرب لا بالعصيان .

(5/59)


وَ يحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنهُمْ لَمِنكمْ وَ مَا هُم مِّنكمْ وَ لَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ(56) لَوْ يجِدُونَ مَلْجَئاً أَوْ مَغَرَت أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْا إِلَيْهِ وَ هُمْ يجْمَحُونَ(57)
القراءة
قرأ يعقوب و سهل أو مدخلا بفتح الميم و سكون الدال و هو قراءة ابن أبي إسحاق و الحسن و الباقون « مدخلا » و في الشواذ قراءة مسلمة بن محارب و مدخلا بضم الميم و سكون الدال و قراءة الأعرج مدخلا بتشديد الدال و الخاء و قرأ أنس و هم يجمزون رواه الأعمش عنه .
الحجة
أما قوله « مدخلا » في القراءة المشهورة فأصله مدتخلا لكن التاء تبدل بعد الدال دالا لأن التاء مهموسة و الدال مجهورة و التاء و الدال من مكان واحد فكان الكلام من وجه أحد أخف و من قرأ مدخلا فهو من دخل يدخل مدخلا و من قرأ مدخلا فهو من أدخلته مدخلا قال :
الحمد لله ممسانا و مصبحنا
بالخير صبحنا ربي و مسأنا و من قرأ مدخلا بتشديد الدال و الخاء جعله متدخلا ثم أدغم التاء في الدال و في رواية الأعمش أنه سمع أنسا يقرأ يجمزون فقال و ما يجمزون قال يجمزون و يجمحون و يشتدون واحد .
اللغة
الفرق انزعاج النفس بتوقع الضرر و أصله من مفارقة الأموال حال الانزعاج و الملجأ الموضع الذي يتحصن فيه و مثله المعقل و الموئل و المعتصم و المعتمد .
و المغارات جمع مغارة مفعلة من غار الشيء في الشيء يغور إذا دخل منه في موضع يستره و الغار النقب في الجبل و المدخل المسلك الذي يتدسس بالدخول فيه و هو مفتعل و الجماح مضي المار مسرعا على وجهه لا يرده شيء عنه و قيل هو المشي بين الشيئين قال مهلهل :
لقد جمحت جماحا في دمائهم
حتى رأيت ذوي أحسابهم خمدوا و الجموح الراكب هواه قال :
خلعت عذاري جامحا ما يردني
عن البيض أمثال الدمى زجر زاجر
المعنى
ثم أظهر سبحانه سرا من أسرار القوم فقال « و يحلفون بالله إنهم لمنكم » أي يقسم هؤلاء المنافقون أنهم لمن جملتكم أيها المؤمنون أي مؤمنون أمثالكم « و ما هم منكم » أي ليسوا مؤمنين بالله كما أنتم كذلك « و لكنهم قوم يفرقون » أي يخافون القتل

(5/60)


و الأسر إن لم يظهروا الإيمان « لو يجدون ملجأ » أي لو يجد هؤلاء المنافقون حرزا عن ابن عباس و قيل حصنا عن قتادة « أو مغارات » أي غيرانا في الجبال عن ابن عباس و قيل سراديب عن عطا « أو مدخلا » أي موضع دخول يأوون إليه عن الضحاك و قيل نفقا كنفق اليربوع عن ابن زيد و قيل أسرابا في الأرض عن ابن عباس و أبي جعفر (عليه السلام) و قيل وجها يدخلونه على خلاف رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) عن الحسن « لولوا إليه » أي لعدلوا إليه و قيل لأعرضوا عنكم إليه « و هم يجمحون » أي يسرعون في الذهاب إليه و معنى الآية أنهم من خبث دخلتهم و سوء سريرتهم و حرصهم على إظهار ما في نفوسهم من النفاق و الكفر لو أصابوا شيئا من هذه الأشياء لآووا إليه ليجاهروا بما يضمرونه و أعرضوا عنك .
وَ مِنهُم مَّن يَلْمِزُك فى الصدَقَتِ فَإِنْ أُعْطوا مِنهَا رَضوا وَ إِن لَّمْ يُعْطوْا مِنهَا إِذَا هُمْ يَسخَطونَ(58) وَ لَوْ أَنَّهُمْ رَضوا مَا ءَاتَاهُمُ اللَّهُ وَ رَسولُهُ وَ قَالُوا حَسبُنَا اللَّهُ سيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضلِهِ وَ رَسولُهُ إِنَّا إِلى اللَّهِ رَغِبُونَ(59)
القراءة
قرأ يعقوب يلمزك بضم الميم و هي قراءة الحسن و الأعرج و الباقون بكسر الميم .
اللغة
يقال لمزت الرجل لمزة و ألمزه إذا عبته و كذلك همزته قال الشاعر :
إذا لقيتك تبدي لي مكاشرة
و إن تغيبت كنت الهامز اللمزة و قيل الهمز العيب بكسر العين و غمزها أي يكسر عينه إذا غاب و اللمز العيب على وجه المسارة و قيل لأعرابي أ تهمز الفأرة قال الهر يهمزها فأوقع الهمز على الأكل و الهمز كاللمز .
النزول
عن أبي سعيد الخدري قال بينا رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) يقسم قسما و قال ابن عباس كانت غنائم هوازن يوم حنين إذ جاءه ابن أبي ذي الخويصرة التميمي

(5/61)


و هو حرقوص بن زهير أصل الخوارج فقال اعدل يا رسول الله فقال ويلك و من يعدل إذا لم أعدل فقال عمر يا رسول الله ائذن لي فأضرب عنقه فقال النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) دعه فإن له أصحابا يحتقر أحدكم صلاته مع صلاتهم و صيامه مع صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فينظر في قذذه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر في رصافه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر في نصله فلا يوجد فيه شيء قد سبق الفرث و الدم آيتهم رجل أسود في إحدى ثدييه أو قال في إحدى يديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر يخرجون على فترة من الناس و في حديث آخر فإذا خرجوا فاقتلوهم ثم إذا خرجوا فاقتلوهم فنزلت « و منهم من يلمزك » الآية قال أبو سعيد الخدري أشهد أني سمعت هذا من رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و أشهد أن عليا (عليه السلام) حين قتلهم و أنا معه جيء بالرجل على النعت الذي نعته رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) رواه الثعلبي بإسناده في تفسيره و قال الكلبي نزلت في المؤلفة قلوبهم و هم المنافقون قال رجل منهم يقال له ابن الجواظ لم يقسم بالسوية فأنزل الله الآية و قال الحسن أتاه رجل و هو يقسم فقال أ لست تزعم أن الله تعالى أمرك أن تضع الصدقات في الفقراء و المساكين قال بلى قال فما لك تضعها في رعاة الغنم قال أن نبي الله موسى (عليه السلام) كان راعي غنم فلما ولى الرجل قال (عليه السلام) احذروا هذا و قال ابن زيد قال المنافقون ما يعطيها محمد إلا من أحب و لا يؤثر بها إلا هواه فنزلت الآية .
المعنى
ثم أخبر سبحانه عنهم فقال « و منهم » أي و من هؤلاء المنافقين « من يلمزك في الصدقات » أي يعيبك و يطعن عليك في أمر الصدقات « فإن أعطوا منها » أي من تلك الصدقات « رضوا » و أقروا بالعدل « و إن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون » أي يغضبون و يعيبون و قال أبو عبد الله (عليه السلام) أهل هذه الآية أكثر من ثلثي الناس « و لو أنهم رضوا ما آتاهم الله و رسوله » معناه و لو أن هؤلاء المنافقين الذين طلبوا منك الصدقات و عابوك بها رضوا بما أعطاهم الله و رسوله « و قالوا » مع ذلك « حسبنا الله » أي كفانا الله أو كافينا الله « سيؤتينا الله من فضله و رسوله » أي سيعطينا الله من فضله و إنعامه و يعطينا رسوله مثل ذلك و قالوا « إنا إلى الله راغبون » في أن يوسع علينا من فضله فيغنينا عن أموال الناس و قيل يعني راغبون إليه فيما يعطينا من الثواب و يصرف عنا من العذاب و جواب أو محذوف و تقديره لكان خيرا لهم و أعود عليهم و حذف الجواب في مثل هذا الموضع أبلغ على ما تقدم بيانه .

(5/62)


* إِنَّمَا الصدَقَت لِلْفُقَرَاءِ وَ الْمَسكِينِ وَ الْعَمِلِينَ عَلَيهَا وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبهُمْ وَ فى الرِّقَابِ وَ الْغَرِمِينَ وَ فى سبِيلِ اللَّهِ وَ ابْنِ السبِيلِ فَرِيضةً مِّنَ اللَّهِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكيمٌ(60)
الإعراب
قال الزجاج فريضة منصوب على التوكيد لأن قوله إنما الصدقات لهؤلاء كقولك فرض الله الصدقات لهؤلاء .
المعنى
ثم بين سبحانه لمن الصدقات فقال « إنما الصدقات للفقراء و المساكين » و معناه ليست الصدقات التي هي زكاة الأموال إلا لهؤلاء و اختلف في الفرق بين الفقير و المسكين على قولين ( أحدهما ) أنهما صنف واحد و إنما ذكر الصنفان تأكيدا للأمر و هو قول أبي علي الجبائي و إليه ذهب أبو يوسف و محمد فقالا فيمن قال ثلث مالي للفقراء و المساكين و فلان إن لفلان نصف الثلث و نصفه الآخر للفقراء و المساكين لأنهما صنف واحد و الآخر و هو قول الأكثرين أنهما صنفان و هو قول الشافعي و أبي حنيفة فإنه قال في المسألة المذكورة أن لفلان ثلث الثلث و ثلثي الثلث للفقراء و المساكين ثم اختلف هؤلاء على أقوال فقيل إن الفقير هو المتعفف الذي لا يسأل و المسكين الذي يسأل عن ابن عباس و الحسن و الزهري و مجاهد ذهبوا إلى أن المسكين مشتق من المسكنة بالمسالة و روي ذلك عن أبي جعفر (عليه السلام) و قيل آت الفقير الذي يسأل و المسكين الذي لا يسأل و جاء في الحديث ما يدل على ذلك فقد روي عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال ليس المسكين الذي يرده الأكلة و الأكلتان و التمرة و التمرتان و لكن المسكين الذي لا يجد غنيا فيغنيه و لا يسأل الناس شيئا و لا يفطن به فيتصدق عليه و قيل الفقير هو الزمن المحتاج و المسكين هو الصحيح المحتاج عن قتادة و قيل الفقراء المهاجرون و المساكين غير المهاجرين عن الضحاك و إبراهيم ثم اختلفوا من وجه آخر فقيل إن الفقير أسوأ حالا من المسكين فإن الفقير هو الذي لا شيء له و المسكين الذي له بلغة من العيش لا تكفيه و إليه ذهب الشافعي و ابن الأنباري و احتجا بقوله تعالى « أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر » و بأن الفقير مشتق من فقار الظهر فكأن الحاجة قد كسرت فقار ظهره و قيل إن المسكين أسوأ حالا من الفقير الذي له بلغة من العيش و المسكين الذي لا شيء له و هو قول أبي حنيفة و القتيبي و ابن دريد و أئمة اللغة و أنشد يونس :

(5/63)


أما الفقير الذي كانت حلوبته
وفق العيال فلم يترك له سبد فسماه فقيرا و جعل له حلوبة و أجابوا عن السفينة بأنها كانت مشتركة بين جماعة و لكل واحد منهم الشيء اليسير و أيضا فإنه يجوز أن يكون سماهم مساكين على وجه الرحمة كما جاء في الحديث مساكين أهل النار و قال الشاعر :
مساكين أهل الحب حتى قبورهم
عليها تراب الذل بين المقابر و قيل أنهم كانوا يعملون عليها فأضيفت إليهم « و العاملين عليها » يعني سعاة الزكاة و جباتها « و المؤلفة قلوبهم » و كان هؤلاء قوما من الأشراف في زمن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و كان يعطيهم سهما من الزكاة ليتألفهم به على الإسلام و يستعين بهم على قتال العدو ثم اختلف في هذا السهم هل هو ثابت بعد النبي أم لا فقيل هو ثابت في كل زمان عن الشافعي و اختاره الجبائي و هو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) إلا أنه قال من شرطه أن يكون هناك إمام عادل يتألفهم على ذلك به و قيل إن ذلك كان خاصا على عهد رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) ثم سقط بعده لأن الله سبحانه أعز الإسلام و قهر الشرك عن الحسن و الشعبي و هو قول أبي حنيفة و أصحابه « و في الرقاب » يعني في فك الرقاب من العتق و أراد به المكاتبين و أجاز أصحابنا أن يشتري منه عبد مؤمن إذا كان في شدة و يعتق و يكون ولاؤه لأرباب الزكاة و هو قول ابن عباس و الحسن و مالك « و الغارمين » و هم الذين ركبتهم الديون في غير معصية و لا إسراف يقضي عنهم الديون « و في سبيل الله » و هو الجهاد بلا خلاف و يدخل فيه عند أصحابنا جميع مصالح المسلمين و هو قول ابن عمر و عطا و هو اختيار البلخي و جعفر بن مبشر قالوا يبنى منه المساجد و القناطر و غير ذلك « و ابن السبيل » و هو المسافر المنقطع به يعطي من الزكاة و إن كان غنيا في بلده ذا يسار و إنما سمي ابن السبيل للزومه الطريق فنسب إليه كما قال الشاعر :
أنا ابن الحرب ربتني وليدا
إلى أن شبت و اكتهلت لداتي و قيل هو الضيف عن قتادة « فريضة من الله » أي مقدرة واجبة قدرها الله و حتمها

(5/64)


« و الله عليم » بحاجة خلقه « حكيم » فيما فرض عليهم و أوجب من إخراج الصدقات و غير ذلك .
وَ مِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبىَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَير لَّكمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ رَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكمْ وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسولَ اللَّهِ لهَُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(61) يحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيرْضوكمْ وَ اللَّهُ وَ رَسولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضوهُ إِن كانُوا مُؤْمِنِينَ(62) أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يحَادِدِ اللَّهَ وَ رَسولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِداً فِيهَا ذَلِك الْخِزْى الْعَظِيمُ(63)
القراءة
قرأ عاصم في رواية الأعمش و البرجمي عن أبي بكر قل أذن خير لكم بالضم و التنوين فيهما و هو قراءة الحسن و قتادة و عيسى بن عمر و غيرهم و قرأ الباقون « أذن خير لكم » بالإضافة و قرأ نافع أذن خير ساكنة الذال في كل القرآن و قرأ حمزة وحده و رحمة للذين آمنوا بالجر و الباقون « و رحمة » بالرفع .
الحجة
قال أبو علي أذن في الآية إذا خففت أو ثقلت فإنه يجوز أن يطلق على الجملة و إن كانت عبارة عن جارحة منها كما قال الخليل في الناب من الإبل إنه سميت به لمكان الناب البازل فسميت الجملة كلها به و قالوا للرئيس هو عين القوم و للربيئة هو عينهم و يجوز فيه شيء آخر و هو أن الاسم يجري عليه كالوصف له لوجود معنى ذلك الاسم فيه كقول جرير :
تبدو فتبدي جمالا زانه خفر
إذا ترارأت السود العناكيب فأجرى العناكيب وصفا عليهن يريد أنهن من الحقارة و الدمامة كالعناكيب و قال آخر :

(5/65)


فلو لا الله و المهر المفدي
لأبت و أنت غربال الإهاب فجعله غربالا لكثرة الخروق فيه من آثار الطعن و كذلك قوله هو أذن أجري على الجملة اسم الجارحة لما أراد به من كثرة استعماله لها في الإصغاء بها و يجوز أن يكون فعلا من أذن يأذن أذنا إذا استمع و منه قوله تعالى « و أذنت لربها » أي استمعت و قوله « ائذن لي » أي استمع لي و في الحديث ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن فعلى هذا يكون معناه أنه كثير الاستماع مثل أنف و سجح قال أبو زيد رجل أذن إذا كان يصدق بكل ما يسمع و قوله « أذن خير لكم » بالإضافة و هو الأكثر في القراءة فمعناه أنه أذن خير أي مستمع خير و صلاح لكم و مصغ إليه لا مستمع شر و فساد من قرأ أذن خير لكم قال الزجاج معناه من يستمع منكم فيكون قريبا منكم قابلا للعذر خير لكم قال أبو علي و من رفع « و رحمة » كان المعنى هو أذن خير لكم و رحمة جعله الرحمة لكثرة هذا المعنى فيه و على هذا « و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين » و يجوز أن يقدر حذف المضاف من المصدر و إما الجر في رحمة فعلى العطف على خير كأنه أذن خير و رحمة فإن قلت فيكون أذن رحمة فإن هذا لا يمتنع لأن الأذن في معنى مستمع في الأقوال الثلاثة التي تقدمت فكأنه مستمع رحمة فجاز هذا كما جاز مستمع خير أ لا ترى أن الرحمة من الخير فإن قلت فهلا استغني بشمول الخير للرحمة و غيرها عن تقدير عطف الرحمة عليه فالقول فيه أن ذلك لا يمتنع كما لا يمتنع « اقرأ باسم ربك الذي خلق » ثم خص فقال خلق الإنسان و إن كان قوله خلق يعم الإنسان و غيره فكذلك الرحمة إذا كانت من الخير لم يمتنع أن تعطف فتخصص الرحمة بالذكر من ضروب الخير لغلبة من ذلك في وصفه كثرته كما خصص الإنسان بالذكر و إن كان الخلق قد عمه و غيره و البعد بين الجار و ما عطف عليه لا يمنع من العطف أ لا ترى أن من قرأ و قيله يا رب إنما يحمله علي و عنده علم الساعة و علم قيله .
اللغة
الفرق بين الأحق و الأصلح أن الأحق قد يكون من غير صفات الفعل كقولك زيد أحق بالمال و الأصلح لا يقع هذا الموقع لأنه من صفات الفعل و تقول الله أحق بأن يطاع و لا تقول أصلح و المحادة مجاوزة الحد بالمشاقة و هي و المخالفة و المجانبة و المعاداة نظائر و أصله المنع و المحادة ما يعتري الإنسان من النزق لأنه يمنعه من الواجب و الخزي الهوان و ما يستحيي منه .

(5/66)


الإعراب
« أذن خير » خبر مبتدإ محذوف و من لم يضف جعل خيرا صفة لأذن و اللام في قوله « يؤمن للمؤمنين » على حد اللام في قوله ردف لكم أو على المعنى لأن معنى يؤمن يصدق فعدي باللام كما عدي مصدقا به في نحو قوله مصدقا لما بين يديه و قيل إنما دخلت اللام للفرق بين إيمان التصديق و إيمان الأمان قوله « فإن له نار جهنم » يحتمل أن يكون العامل في أن أحد أمرين إما أن يكون على تقدير حذف الجار على معنى فلان له نار جهنم أو فبان له نار جهنم و إما أن يكون أعاد أن الأولى على التكرير للتوكيد بسبب طول الكلام عن الزجاج و أقول إن هذا على مذهب أبي الحسن و أبي علي الفارسي يرتفع قوله « إن له نار جهنم » بظرف مضمر محذوف من هذا الموضع لطول الكلام و تقديره فله أن له نار جهنم و المعنى فله وجوب نار جهنم و يجوز أن يكون خبر مبتدإ محذوف و التقدير فأمره أو و شأنه أن له نار جهنم و لا يجوز أن يرتفع بفعل مضمر لأن الفعل لا يقع بعد الفاء في جواب الشرط و إنما يدخل الفاء في جواب الشرط إذا كان مبتدأ أو خبرا أو جملة فعلية غير خبرية نحو قوله فقولي إني نذرت هذا مذهب سيبويه قال الزجاج و لو قرىء فإن له بكسر الهمزة على وجه الاستئناف لكان جائزا فيكون كقولك فله نار جهنم غير أنه لم يقرأ به أحد .
النزول
قيل نزلت في جماعة من المنافقين منهم الجلاس بن سويد و شاس بن قيس و مخشي بن حمير و رفاعة بن عبد المنذر و غيرهم قالوا ما لا ينبغي فقال رجل منهم لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغ محمدا ما تقولون فيوقع بنا فقال الجلاس بل نقول ما شئنا ثم نأتيه فيصدقنا بما نقول فإن محمدا أذن سامعة فأنزل الله الآية و قيل نزلت في رجل من المنافقين يقال له نبتل بن الحرث و كان رجلا أدلم أحمر العينين أسفع الخدين مشوه الخلقة و كان ينم حديث النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) إلى المنافقين فقيل له لا تفعل فقال إنما محمد أذن من حدثه شيئا صدقه نقول ما شئنا ثم نأتيه و نحلف له فيصدقنا و هو الذي قال فيه النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحرث عن محمد بن إسحاق و غيره و قوله « يحلفون بالله لكم ليرضوكم » الآية قيل أنها نزلت في رهط من المنافقين تخلفوا عن غزوة تبوك فلما رجع رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) من تبوك أتوا المؤمنين يعتذرون إليهم من تخلفهم و يعتلون و يحلفون فنزلت الآية عن مقاتل و الكلبي و قيل في جلاس بن سويد و غيره من المنافقين قالوا لئن كان ما يقول محمد حقا فنحن شر من الحمير و كان عندهم غلام من الأنصار يقال له عامر بن قيس فقال و الله إنما يقول محمد حق و أنتم شر من الحمير ثم أتى النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فأخبره فدعاهم فسألهم

(5/67)


فحلفوا أن عامرا كذاب فنزلت الآية عن قتادة و السدي .
المعنى
ثم رجع سبحانه إلى ذكر المنافقين فقال « و منهم » أي و من هؤلاء المنافقين « الذين يؤذون النبي » و الأذى قد يكون بالفعل و قد يكون بالقول و هو هنا بالقول « و يقولون هو أذن » معناه أنه يستمع إلى ما يقال له و يصغي إليه و يقبله « قل » يا محمد « أذن خير لكم » أي هو أذن خير يستمع إلى ما هو خير لكم و هو الوحي و قيل معناه هو يسمع الخير و يعمل به و من قرأ أذن خير لكم فمعناه قل كونه أذنا أصلح لكم لأنه يقبل عذركم و يستمع إليكم و لو لم يقبل عذركم لكان شرا لكم فكيف تعيبونه بما هو خير لكم و أصلح « يؤمن بالله و يؤمن للمؤمنين » معناه أنه لا يضره كونه آذنا فإنه أذن خير فلا يقبل إلا الخبر الصادق من الله و يصدق المؤمنين أيضا فيما يخبرونه و يقبل منهم دون المنافقين عن ابن عباس فإيمانه للمؤمنين تصديقه لهم على هذا القول و قيل يؤمن للمؤمنين أي يؤمنهم فيما يلقى إليهم من الأمان و لا يؤمن للمنافقين بل يكونون على خوف و إن حلفوا « و رحمة للذين آمنوا منكم » أي و هو رحمة لهم لأنهم إنما نالوا الإيمان بهدايته و دعائه إياهم « و الذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم » في الآخرة « يحلفون بالله لكم ليرضوكم » أخبر سبحانه أن هؤلاء المنافقين يقسمون بالله أن الذي بلغكم عنهم باطل اعتذارا إليكم و طلبا لمرضاتكم « و الله و رسوله أحق أن يرضوه » أي و الله و رسوله أحق و أولى بأن يطلبوا مرضاتهما « إن كانوا مؤمنين » مصدقين بالله مقرين بنبوة نبيه محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و تقديره و الله أحق أن يرضوه و رسوله أحق أن يرضوه فحذف للتخفيف و لدلالة الكلام عليه كما قال الشاعر :
نحن بما عندنا و أنت بما
عندك راض و الرأي مختلف و المعنى نحن بما عندنا راضون و أنت بما عندك راض ثم قال سبحانه على وجه التقريع و التوبيخ لهؤلاء المنافقين « أ لم يعلموا » أي و ما يعلموا « أنه من يحادد الله و رسوله » أي من تجاوز حدود الله التي أمر المكلفين ألا يتجاوزوها و إنما قال أ لم يعلما لمن لا يعلم على وجه الاستبطاء لهم و التخلف عن عمله أي هلا علموا بعد أن مكنوا من عمله و قيل هو أمر بالعلم أي يجب أن يعلموا بهذا الخبر و بالدلائل و قيل معناه أ لم يخبرهم النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) بذلك عن الجبائي « فإن له نار جهنم خالدا فيها » أي دائما « ذلك الخزي » أي الهوان و الذل « العظيم » .

(5/68)


يحْذَرُ الْمُنَفِقُونَ أَن تُنزَّلَ عَلَيْهِمْ سورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فى قُلُوبهِمْ قُلِ استهْزِءُوا إِنَّ اللَّهَ مخْرِجٌ مَّا تحْذَرُونَ(64) وَ لَئن سأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كنَّا نخُوض وَ نَلْعَب قُلْ أَ بِاللَّهِ وَ ءَايَتِهِ وَ رَسولِهِ كُنتُمْ تَستهْزِءُونَ(65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتم بَعْدَ إِيمَنِكمْ إِن نَّعْف عَن طائفَة مِّنكُمْ نُعَذِّب طائفَةَ بِأَنهُمْ كانُوا مجْرِمِينَ(66)
القراءة
قرأ عاصم « إن نعف » و « نعذب » فيهما بالنون طائفة بالنصب و قرأ الباقون أن يعف بالياء و ضمها و فتح الفاء تعذب بالتاء و ضمها طائفة بالرفع .
الحجة
قال أبو علي حجة من قرأ « إن نعف » قوله ثم عفونا عنكم و من قرأ أن يعف فالمعنى معنى نعف و أما تعذب بالتاء فلأن الفعل في اللفظ مسند إلى مؤنث ظاهر .
اللغة
الحذر إعداد ما ينفي الضرر و رجل حذر متيقظ متحرز و رجل حذريان كثير الحذر شديد الفزع و المنافق الذي يظهر من الإيمان خلاف ما يبطنه من الكفر مشتق من نافقاء اليربوع لأنه يخفي بابا و يظهر بابا ليكون إذا أتي من أحدهما خرج من الآخر و الخوض دخول القدم فيما كان مائعا من الماء و الطين ثم كثر حتى استعمل في غيره و اللعب فعل ما فيه سقوط المنزلة لتعجل اللذة كفعل الصبي و لذلك قالوا ملاعب الأسنة أي أنه لشجاعته يقدم على الأسنة كفعل الصبي الذي لا يفكر في عاقبة أمره و الاعتذار إظهار ما يقتضي العذر و الإجرام الانقطاع عن الحق إلى الباطل يقال جرم الثمر إذا صرمه و تجرمت السنة تصرمت .
النزول
قيل نزلت في اثني عشر رجلا وقفوا على العقبة ليفتكوا برسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) عند رجوعه من تبوك فأخبر جبريل رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) بذلك و أمره أن يرسل إليهم و يضرب وجوه رواحلهم و عمار كان يقود دابة رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و حذيفة يسوقها فقال لحذيفة اضرب وجوه رواحلهم فضربها حتى نحاهم فلما نزل قال لحذيفة من عرفت من القوم قال لم أعرف منهم أحدا فقال رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) إنه فلان و فلان حتى عدهم كلهم فقال حذيفة أ لا تبعث إليهم فتقتلهم فقال أكره أن تقول العرب لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم عن ابن كيسان و روي عن

(5/69)


أبي جعفر الباقر (عليه السلام) مثله إلا أنه قال ائتمروا بينهم ليقتلوه و قال بعضهم لبعض إن فطن نقول إنا كنا نخوض و نلعب و إن لم يفطن نقتله و قيل إن جماعة من المنافقين قالوا في غزوة تبوك يظن هذا الرجل أن يفتح قصور الشام و حصونها هيهات هيهات فأطلع الله نبيه (صلى الله عليهوآلهوسلّم) على ذلك فقال احبسوا على الركب فدعاهم فقال لهم قلتم كذا و كذا فقالوا يا نبي الله إنما كنا نخوض و نلعب و حلفوا على ذلك فنزلت الآية « و لئن سألتهم ليقولن » ( الخ ) عن الحسن و قتادة و قيل كان ذلك عند منصرفه من غزوة تبوك إلى المدينة و كان بين يديه أربعة نفر أو ثلاثة يستهزءؤن و يضحكون واحدهم يضحك و لا يتكلم فنزل جبريل و أخبر رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) بذلك فدعا عمار بن ياسر و قال أن هؤلاء يستهزءؤن بي و بالقرآن أخبرني جبرائيل بذلك و لئن سألتهم ليقولن كنا نتحدث بحديث الركب فاتبعهم عمار و قال لهم مم تضحكون قالوا نتحدث بحديث الركب فقال عمار صدق الله و رسوله احترقتم أحرقكم الله فأقبلوا إلى النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) يعتذرون فأنزل الله تعالى الآيات عن الكلبي و علي بن إبراهيم و أبي حمزة و قيل إن رجلا قال في غزوة تبوك ما رأيت أكذب لسانا و لا أجبن عند اللقاء من هؤلاء يعني رسول الله و أصحابه فقال له عوف بن مالك كذبت و لكنك منافق و أراد أن يخبر رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) بذلك فجاء و قد سبقه الوحي فجاء الرجل معتذرا و قال إنما كنا نخوض و نلعب ففيه نزلت الآية عن ابن عمر و زيد بن أسلم و محمد بن كعب و قيل أن رجلا من المنافقين قال يحدثنا محمد أن ناقة فلان بوادي كذا و كذا و ما يدريه ما الغيب فنزلت الآية عن مجاهد و قيل نزلت في عبد الله بن أبي و رهطه عن الضحاك .
المعنى
ثم أخبر سبحانه عنهم فقال « يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم » فيه قولان ( أحدهما ) أنه إخبار بأنهم يخافون أن يفشوا سرائرهم و يحذرون ذلك عن الحسن و مجاهد و الجبائي و أكثر المفسرين و المعنى أنه يحذرون من أن ينزل الله عليهم أي على النبي و المؤمنين سورة تخبر عما في قلوبهم من النفاق و الشرك و قد قيل إن ذلك الحذر إنما أظهره على وجه الاستهزاء لا على سبيل التصديق لأنهم حين رأوا رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) ينطق في كل شيء عن الوحي قال بعضهم لبعض احذروا ألا ينزل وحي فيكم يتناجون بذلك و يضحكون عن أبي مسلم و قيل أنهم كانوا يخافون أن يكون (عليه السلام) صادقا فينزل عليه الوحي فيفتضحون عن الجبائي و قيل أنهم كانوا يقولون القول فيما بينهم ثم يقولون عسى الله أن لا يفشي علينا سرنا عن مجاهد ( و الثاني ) إن هذا اللفظ لفظة الخبر و معناه الأمر فهو كقولك ليحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تخبرهم بما في قلوبهم من

(5/70)


النفاق و حسن ذلك لأن موضع الكلام على التهديد « قل استهزءوا » معناه قل يا محمد لهؤلاء المنافقين استهزءوا أي اطلبوا الهزء و هو وعيد بلفظ الأمر « إن الله مخرج ما تحذرون » أي مظهر ما تحذرون من ظهوره و المعنى أن الله يبين لنبيه باطن حالكم و نفاقكم « و لئن سألتهم » عن طعنهم في الدين و استهزائهم بالنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و بالمسلمين « ليقولن إنما كنا نخوض و نلعب » و اللام للتأكيد و القسم و معناه لقالوا كنا نخوض خوض الركب في الطريق لا على طريق الجد و لكن على طريق اللعب و اللهو فكان عذرهم أشد من جرمهم « قل » يا محمد « أ بالله و آياته » أي حججه و بيناته و كتابه « و رسوله » محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) « كنتم تستهزءون » ثم أمر الله سبحانه نبيه (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أن يقول لهؤلاء المنافقين « لا تعتذروا » بالمعاذير الكاذبة « قد كفرتم بعد إيمانكم » أي فإنكم بما فعلتموه قد كفرتم بعد أن كنتم مظهرين الإيمان الذي يحكم لمن أظهره بأنه مؤمن و لا يجوز أن يكونوا مؤمنين على الحقيقة مستحقين للثواب ثم يرتدون على ما تقرر بالدليل و ذكر في غير هذا الموضع أن المؤمن لا يجوز أن يكفر « إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين » أي كافرين مصرين على النفاق هذا إخبار منه سبحانه أنه إن عفا عن قوم منهم إذا تابوا يعذب طائفة أخرى لم يتوبوا و أقاموا على النفاق و الطائفة اسم للجماعة على الحقيقة لأنه اسم لما يطيف بغيره و يحيط به و قد سمي الواحد طائفة على معنى أنها نفس طائفة و قد ورد القرآن بذلك في قوله « و ليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين » فقد ورد في الآثار عن أئمتنا (عليهم السلام) أن أقل من يحذر عذابهما واحد من المؤمنين فصاعدا و روي أن هاتين الطائفتين كانوا ثلاثة نفر فهذا اثنان و ضحك واحد و هو الذي تاب من نفاقه و اسمه مخشي بن حمير فعفا الله عنه .

(5/71)


اَلْمُنَفِقُونَ وَ الْمُنَفِقَت بَعْضهُم مِّن بَعْض يَأْمُرُونَ بِالْمُنكرِ وَ يَنهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَ يَقْبِضونَ أَيْدِيهُمْ نَسوا اللَّهَ فَنَسِيهُمْ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ هُمُ الْفَسِقُونَ(67) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَ الْمُنَفِقَتِ وَ الْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَا هِىَ حَسبُهُمْ وَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ(68) كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كانُوا أَشدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَ أَكْثَرَ أَمْوَلاً وَ أَوْلَداً فَاستَمْتَعُوا بخَلَقِهِمْ فَاستَمْتَعْتُم بِخَلَقِكمْ كمَا استَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بخَلَقِهِمْ وَ خُضتُمْ كالَّذِى خَاضوا أُولَئك حَبِطت أَعْمَلُهُمْ فى الدُّنْيَا وَ الاَخِرَةِ وَ أُولَئك هُمُ الْخَسِرُونَ(69) أَ لَمْ يَأْتهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوح وَ عَاد وَ ثَمُودَ وَ قَوْمِ إِبْرَهِيمَ وَ أَصحَبِ مَدْيَنَ وَ الْمُؤْتَفِكتِ أَتَتْهُمْ رُسلُهُم بِالبَيِّنَتِ فَمَا كانَ اللَّهُ لِيَظلِمَهُمْ وَ لَكِن كانُوا أَنفُسهُمْ يَظلِمُونَ(70)
اللغة
الاستمتاع طلب المتعة و هي فعل ما فيه اللذة من المأكل و المشرب و المناكح و الخلاف النصيب سواء كان عاجلا أو آجلا و قال الزجاج النصيب الذي هو عند صاحبه وافر الحظ و المؤتفكات جمع مؤتفكة قد ائتفكت بهم الأرض أي انقلبت .
الإعراب
موضع الكاف من قوله « كالذين من قبلكم » نصب أي وعدكم الله على الكفر به كما وعد الذين من قبلكم و الكاف في قوله « كما استمتع » و « كالذي خاضوا » نصب بأنه صفة لمصدر محذوف و تقديره استمتعتم استمتاعا مثل استمتاعهم و خضتم خوضا مثل خوضهم قال جامع العلوم النحوي البصير « كالذي خاضوا » تقديره على قياس قول سيبويه كالذي خاضوا فيه فحذف في فصار كالذي خاضوه ثم حذف الهاء و هو على قول يونس و الأخفش الذي مصدري و التقدير كالخوض الذي خاضوا فيه و مثل هذا اختلافهم في قوله ذلك الذي يبشر الله عباده على قول سيبويه تقديره يبشر الله به على قول يونس و الأخفش ذلك تبشير الله عباده .
المعنى
ثم ذكر سبحانه أحوال أهل النفاق فقال « المنافقون و المنافقات بعضهم من بعض » أي بعضهم من جملة بعض و بعضهم مضاف إلى بعض في الاجتماع على النفاق و الشرك كما تقول أنا من فلان و فلان مني أي أمرنا واحد و كلمتنا واحدة و قيل معناه بعضهم على دين بعض عن الكلبي و قيل بعضهم من بعض على لحوق مقت الله بهم جميعا عن أبي

(5/72)


مسلم « يأمرون بالمنكر » أي بالشرك و المعاصي « و ينهون عن المعروف » أي عن الأفعال الحسنة التي أمر الله بها و حث عليها « و يقبضون أيديهم » أي يمسكون أموالهم عن إنفاقها في طاعة الله و مرضاته عن الحسن و قتادة و قيل معناه يمسكون أيديهم عن الجهاد في سبيل الله عن الجبائي « نسوا الله فنسيهم » أي تركوا طاعته فتركهم في النار و ترك رحمتهم و إثابتهم عن الأصم و قيل معناه جعلوا الله كالمنسي حيث لم يتفكروا في أن لهم صانعا يثيبهم و يعاقبهم ليمنعهم ذلك عن الكفر و الأفعال القبيحة فجعلهم سبحانه في حكم المنسي عن الثواب و ذكر ذلك لازدواج الكلام لأن النسيان لا يجوز عليه تعالى « إن المنافقين هم الفاسقون » أي الخارجون عن الإيمان بالله و رسوله و عن طاعته و قيل الفاسقون المترددون في الشرك « وعد الله المنافقين و المنافقات و الكفار نار جهنم » أخبر سبحانه أنه وعد الذين يظهرون الإسلام و يبطنون الكفر النار و كذلك الكفار و إنما فصل النفاق من الكفر و إن كان النفاق كفرا ليبين الوعيد على كل واحد من الصنفين « خالدين فيها » أي دائمين فيها « هي حسبهم » معناه نار جهنم و العقاب فيها كفاية ذنوبهم كما يقول عذبتك حسب ما فعلت و حسب فلان ما نزل به أي ذلك على قدر فعله « و لعنهم الله » أي أبعدهم من جنته و خيره « و لهم عذاب مقيم » أي دائم لا يزول « كالذين من قبلكم » أي وعدكم على النفاق و الاستهزاء كما وعد الذين من قبلكم من الكفار الذين فعلوا مثل فعلكم عن الزجاج و الجبائي و قيل معناه فعلكم كفعل الذين من قبلكم من كفار الأمم الخالية « كانوا أشد منكم قوة » في أبدانهم « و أكثر أموالا و أولادا » فلم ينفعهم ذلك شيئا و حل بهم عذاب الله تعالى « فاستمتعوا بخلاقهم » أي بنصيبهم و حظهم من الدنيا بأن صرفوها في شهواتهم المحرمة عليهم و فيما نهاهم الله عنه ثم أهلكوا « فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم » أي فاستمتعتم أنتم أيضا بحظكم في الدنيا كما استمتعوا هم « و خضتم كالذي خاضوا » أي و خضتم في الكفر و الاستهزاء بالمؤمنين كما خاض الأولون « أولئك » الذين « حبطت أعمالهم » التي تقع طاعة من المؤمنين مثل الإنفاق في وجوه الخير و صلة الرحم و غيرها « في الدنيا و الآخرة » إذ لم يستحقوا عليها ثوابا في الآخرة و لا تعظيما و تبجيلا في الدنيا لكفرهم و شركهم « و أولئك هم الخاسرون » خسروا أنفسهم و أهلكوها بفعل المعاصي المؤدية إلى الهلاك و وردت الرواية عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية ما أشبه الليلة بالبارحة كالذين من قبلكم هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم لا أعلم إلا أنه قال و الذي نفسي بيده لتتبعنهم حتى لو دخل الرجل منهم جحر ضب لدخلتموه و روي مثل ذلك عن أبي هريرة عن أبي سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال لتأخذن كما أخذت الأمم من قبلكم ذراعا بذراع و شبرا

(5/73)


بشبر و باعا بباع حتى لو أن أحدا من أولئك دخل جحر ضب لدخلتموه قالوا يا رسول الله كما صنعت فارس و الروم و أهل الكتاب قال فهل الناس إلا هم و قال عبد الله بن مسعود أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل سمتا و هديا تتبعون عملهم حذو القذة بالقذة غير أني لا أدري أ تعبدون العجل أم لا و قال حذيفة المنافقون الذين فيكم اليوم شر من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قلنا و كيف قال أولئك كانوا يخفون نفاقهم و هؤلاء أعلنوه أورد ذلك جميعا الثعلبي في تفسيره ثم قال سبحانه « أ لم يأتهم » أي أ لم يأت هؤلاء المنافقين الذين وصفهم « نبأ الذين من قبلهم » أي خبر من كان قبلهم « قوم نوح و عاد و ثمود و قوم إبراهيم و أصحاب مدين » ذكر سبحانه الأمم الماضية و القرون السالفة و أنه سبحانه أهلكها و دمر عليها لتكذيبها رسلها لئلا يأمنوا أن ينزل بهم مثل ما نزل بأولئك فأهلك سبحانه قوم نوح بالغرق و عادا قوم هود بالريح الصرصر و ثمود قوم صالح بالرجفة و قوم إبراهيم بسلب النعمة و هلاك نمرود و أصحاب مدين و هي البلدة التي فيها قوم شعيب بعذاب يوم الظلة و قيل إن مدين اسم نسبت البلد إليه و قد مر ذكره « و المؤتفكات » أي المنقلبات و هي ثلاث قرى كان فيها قوم لوط و لذلك جمعها بالألف و التاء عن الحسن و قتادة و قال في موضع آخر و المؤتفكة أهوى فجاء بها على طريق الجنس أهلكهم الله بالخسف و قلب المدينة عليهم « أتتهم رسلهم بالبينات » أي بالحجج و المعجزات « فما كان الله ليظلمهم » أي ما يظلمهم الله بإهلاكهم « و لكن كانوا أنفسهم يظلمون » أي و لكن عاقبهم
باستحقاق إذ كذبوا رسل الله كما فعلتم فأهلكهم بكفرهم و عصيانهم .

(5/74)


وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِنَت بَعْضهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَ يُقِيمُونَ الصلَوةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَ يُطِيعُونَ اللَّهَ وَ رَسولَهُ أُولَئك سيرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(71) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَتِ جَنَّت تجْرِى مِن تحْتِهَا الأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا وَ مَسكِنَ طيِّبَةً فى جَنَّتِ عَدْن وَ رِضوَنٌ مِّنَ اللَّهِ أَكبرُ ذَلِك هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(72) يَأَيهَا النَّبىُّ جَهِدِ الْكفَّارَ وَ الْمُنَفِقِينَ وَ اغْلُظ عَلَيهِمْ وَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَ بِئْس الْمَصِيرُ(73)
اللغة
العدن و الإقامة و الخلود نظائر و منه المعدن و قال الأعشى :
فإن يستضيفوا إلى حكمه
يضافوا إلى راجح قد عدن و الرضوان مصدر رضي يرضى رضى و رضوانا و الجهاد ممارسة الأمر الشاق و أصله من الجهد .
المعنى
لما ذكر الله تعالى المنافقين و وصفهم بقبيح خصالهم اقتضت الحكمة أن يذكر المؤمنين و يصفهم بضد أوصافهم ليتصل الكلام بما قبله اتصال النقيض بالنقيض فقال « و المؤمنون و المؤمنات بعضهم أولياء بعض » أي بعضهم أنصار بعض يلزم كل واحد منهم نصرة صاحبه و موالاته حتى أن المرأة تهيىء أسباب السفر لزوجها إذا خرج و تحفظ غيبة زوجها و هم يد واحدة على من سواهم « يأمرون بالمعروف » و هو ما أوجب الله فعله أو رغب فيه عقلا أو شرعا « و ينهون عن المنكر » و هو ما نهى الله عن فعله و زهد فيه عقلا أو شرعا « و يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و يطيعون الله و رسوله » أي يداومون على فعل الصلاة و إخراج الزكاة من أموالهم و وضعها حيث أمر الله تعالى بوضعها فيه و يمتثلون طاعة الله و رسوله و يتبعون إرادتهما و رضاهما « أولئك سيرحمهم الله » أي الذين هذه صفتهم يرحمهم الله في الآخرة « إن الله عزيز حكيم » أي قادر على الرحمة و العذاب واضع كل واحد منهما موضعه و في الآية دلالة على أن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر من فروض الأعيان لأنه جعلهما من صفات جميع المؤمنين و لم يخص قوما منهم دون قوم « وعد الله المؤمنين و المؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار » أي من تحت أشجارها الأنهار و الماء فيها « خالدين فيها و مساكن طيبة » يطيب العيش فيها بناها الله تعالى من اللآلىء و الياقوت الأحمر

(5/75)


و الزبرجد الأخضر لا أذى فيها و لا وصب و لا نصب عن الحسن « في جنات عدن » أي في جنات إقامة و خلد و قيل هي بطنان الجنة أي وسطها عن ابن مسعود و قيل هي مدينة في الجنة و فيها الرسل و الأنبياء و الشهداء و أئمة الهدى و الناس حولهم و الجنان حولها عن الضحاك و قيل إن عدنا أعلى درجة في الجنة و فيها عين التسنيم و الجنان حولها محدقة بها و هي مغطاة من يوم خلقها الله عز و جل حتى ينزلها أهلها الأنبياء و الصديقون و الشهداء و الصالحون و من شاء الله و فيها قصور الدر و اليواقيت و الذهب فتهب ريح طيبة من تحت العرش فتدخل عليهم كثبان المسك الأبيض عن مقاتل و الكلبي و روي عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال عدن دار الله التي لم ترها عين و لم تخطر على قلب بشر لا يسكنها غير ثلاثة النبيين و الصديقين و الشهداء يقول الله عز و جل طوبى لمن دخلك « و رضوان من الله أكبر » رفع على الابتداء أي و رضا الله تعالى عنهم أكبر من ذلك كله قال الجبائي إنما صار الرضوان أكبر من الثواب لأنه لا يوجد شيء منه إلا بالرضوان و هو الداعي إليه الموجب له و قال الحسن لأن ما يصل إلى القلب من السرور برضوان الله أكبر من جميع ذلك و إنما رفع رضوان لأنه استأنفه للتعظيم كما يقول القائل أعطيتك و وصلتك ثم يقول و حسن رأيي فيك و رضاي عنك خير من جميع ذلك « ذلك هو الفوز العظيم » أي ذلك النعيم الذي وصفت هو النجاح العظيم الذي لا شيء أعظم منه ثم أمر سبحانه بالجهاد فقال « يا أيها النبي جاهد الكفار » بالسيف و القتال « و المنافقين » و اختلفوا في كيفية جهاد المنافقين فقيل إن جهادهم باللسان و الوعظ و التخويف عن الجبائي و قيل جهادهم بإقامة الحدود عليهم و كان نصيبهم من الحدود أكثر و قيل هو بالأنواع الثلاثة بحسب الإمكان يريد باليد فإن لم يستطع فباللسان فإن لم يستطع فبالقلب فإن لم يقدر فليكفهر في وجوههم عن ابن مسعود و روي في قراءة أهل البيت جاهد الكفار بالمنافقين قالوا لأن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لم يكن يقاتل المنافقين . و إنما كان يتألفهم لأن المنافقين لا يظهرون الكفر و علم الله تعالى بكفرهم لا يبيح قتلهم إذا كانوا يظهرون الإيمان « و أغلظ عليهم » و معناه و أسمعهم الكلام الغليظ الشديد و لا ترق عليهم « و مأواهم جهنم » أي منزلهم و مقامهم و مسكنهم جهنم يريد مأوى الفريقين « و بئس المصير » أي بئس المرجع و المأوى .

(5/76)


يحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَ لَقَدْ قَالُوا كلِمَةَ الْكُفْرِ وَ كفَرُوا بَعْدَ إِسلَمِهِمْ وَ هَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَ مَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَ رَسولُهُ مِن فَضلِهِ فَإِن يَتُوبُوا يَك خَيراً لهَُّمْ وَ إِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبهُمُ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فى الدُّنْيَا وَ الاَخِرَةِ وَ مَا لهَُمْ فى الأَرْضِ مِن وَلىّ وَ لا نَصِير(74)
اللغة
الهم مقارنة الفعل بتقليبه في النفس تقول هم بالشيء يهم هما و ليس الهم من العزم في شيء إلا أن يبلغ نهاية القوة في النفس و النيل لحوق الأمر يقال نال ما اشتهى أو تمنى أي أدركه و نقم منه شيئا أي أنكر قال :
ما نقموا من بني أمية إلا
أنهم يحلمون إن غضبوا و الفضل الزيادة في الخير على مقدار ما و أما التفضل فهو الزيادة من الخير الذي كان للقادر عليه أن يفعله و أن لا يفعله .
النزول
اختلف في من نزلت فيه هذه الآية فقيل أن رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) كان جالسا في ظل شجرة فقال إنه سيأتيكم إنسان فينظر إليكم بعيني الشيطان فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق فدعاه رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فقال علا م تشتمني أنت و أصحابك فانطلق الرجل فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما قالوا فأنزل الله هذه الآية عن ابن عباس و قيل خرج المنافقون مع رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) إلى تبوك فكانوا إذا خلا بعضهم ببعض سبوا رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و أصحابه و طعنوا في الدين فنقل ذلك حذيفة إلى رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فقال لهم ما هذا الذي بلغني عنكم فحلفوا بالله ما قالوا شيئا من ذلك عن الضحاك و قيل نزلت في جلاس بن سويد بن الصامت و ذلك أن رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) خطب ذات يوم بتبوك و ذكر المنافقين فسماهم رجسا و عابهم فقال الجلاس و الله لئن كان محمد صادقا فيما يقول فنحن شر من الحمير فسمعه عامر بن قيس فقال أجل و الله إن محمدا لصادق و أنتم شر من الحمير فلما انصرف رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) إلى المدينة أتاه عامر بن قيس فأخبره بما قال الجلاس فقال الجلاس كذب يا رسول الله فأمرهما رسول الله أن يحلفا عند المنبر فقام الجلاس عند المنبر فحلف بالله ما قال ثم قام عامر فحلف بالله لقد قاله ثم قال اللهم أنزل على نبيك الصادق منا الصدق فقال رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و المؤمنون آمين فنزل جبرائيل (عليه السلام) قبل أن يتفرقا بهذه الآية حتى بلغ « فإن يتوبوا يك خيرا لهم » فقام الجلاس فقال يا رسول الله اسمع الله قد عرض علي التوبة صدق عامر بن قيس فيما قال لك لقد قلته و أنا أستغفر الله

(5/77)


و أتوب إليه فقبل رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) ذلك منه عن الكلبي و محمد بن إسحاق و مجاهد و قيل نزلت في عبد الله بن أبي سلول حين قال لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل عن قتادة و قيل نزلت في أهل العقبة فإنهم ائتمروا في أن يغتالوا رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) في عقبة عند مرجعهم من تبوك و أرادوا أن يقطعوا أنساع راحلته ثم ينخسوا به فأطلعه الله تعالى على ذلك و كان من جملة معجزاته لأنه لا يمكن معرفة مثل ذلك إلا بوحي من الله تعالى فسار رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) في العقبة و عمار و حذيفة معه أحدهما يقود ناقته و الآخر يسوقها و أمر الناس كلهم بسلوك بطن الوادي و كان الذين هموا بقتله اثني عشر رجلا أو خمسة عشر رجلا على الخلاف فيه عرفهم رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و سماهم بأسمائهم واحدا واحدا عن الزجاج و الواقدي و الكلبي و القصة مشروحة في كتاب الواقدي و قال الباقر (عليه السلام) كانت ثمانية منهم من قريش و أربعة من العرب .
المعنى
ثم أظهر سبحانه أسرار المنافقين فقال « يحلفون بالله ما قالوا » يعني أنهم حلفوا كاذبين ما قالوا ما حكي عنهم ثم حقق عليهم ذلك و أقسم سبحانه بأنهم قالوا ذلك لأن اللام في « لقد قالوا » لام القسم و « كلمة الكفر » كل كلمة فيها جحد لنعم الله تعالى و كانوا يطعنون في الإسلام « و كفروا بعد إسلامهم » أي بعد إظهار إسلامهم يعني ظهر كفرهم بعد أن كان باطنا « و هموا بما لم ينالوا » قيل فيه ثلاثة أقوال ( أحدها ) أنهم هموا بقتل النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) ليلة العقبة و التنفير بناقته عن الكلبي و مجاهد و غيرهما ( و ثانيها ) أنهم هموا بإخراج الرسول من المدينة فلم يبلغوا ذلك عن قتادة و السدي ( و ثالثها ) أنهم هموا بالفساد و التضريب بين أصحابه و لم ينالوا ذلك عن الجبائي « و ما نقموا إلا أن أغناهم الله و رسوله من فضله » معناه أنهم عملوا بضد الواجب فجعلوا موضع شكر النعمة أن نقموها و بيانه أنهم نقموا فيما ليس بموضع للنقمة فإنه لم يكن للمسلمين ذنب ينقمونه منهم بل الله تعالى أباح لهم الغنائم و أغناهم بذلك فقابلوا النعمة بالكفران و كان من حقهم أن يقابلوها بالشكر و قد مر هذا المعنى عند قوله « قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا » الآية في سورة المائدة و إنما لم يقل من فضلهما لأنه لا يجمع بين اسم الله و اسم غيره في الكناية تعظيما لله و لذلك قال النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لمن سمعه يقول من أطاع الله و رسوله فقد اهتدى و من عصاهما فقد غوى بئس خطيب القوم أنت فقال كيف أقول يا رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال قل و من يعص الله و رسوله و هكذا القول في قوله سبحانه « و الله و رسوله أحق أن يرضوه » و قيل إنما لم يقل من فضلهما لأن فضل الله سبحانه

(5/78)


منه و فضل رسول الله من فضل الله « فإن يتوبوا يك خيرا لهم » أي فإن يتب هؤلاء المنافقون و يرجعوا إلى الحق يكن ذلك خيرا لهم في الدنيا و الآخرة فإنهم ينالون بذلك رضا الله و رسوله و الجنة « و إن يتولوا » أي يعرضوا عن الرجوع إلى الحق و سلوك الطريق المستقيم « يعذبهم الله عذابا أليما » مؤلما « في الدنيا » بما ينالهم من الحسرة و الغم و سوء الذكر « و » في « الآخرة » بعذاب النار « و ما لهم في الأرض » أي ليس لهم في الأرض « من ولي » أي محب « و لا نصير » ينصرهم و يدفع عنهم عذاب الله .
* وَ مِنهُم مَّنْ عَهَدَ اللَّهَ لَئنْ ءَاتَانَا مِن فَضلِهِ لَنَصدَّقَنَّ وَ لَنَكُونَنَّ مِنَ الصلِحِينَ(75) فَلَمَّا ءَاتَاهُم مِّن فَضلِهِ بخِلُوا بِهِ وَ تَوَلَّوا وَّ هُم مُّعْرِضونَ(76) فَأَعْقَبهُمْ نِفَاقاً فى قُلُوبهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَ بِمَا كانُوا يَكْذِبُونَ(77) أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَ نَجْوَاهُمْ وَ أَنَّ اللَّهَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ(78)
اللغة
المعاهدة هي أن تقول علي عهد الله لأفعلن كذا فإنه يكون بذلك قد عقد على نفسه وجوب ما ذكره لأن الله تعالى قد حكم بذلك و قدر وجوبه عليه في الشرع و البخل منع السائل لشدة الإعطاء ثم صار في الشرع لمنع الواجب لأن من منع الزكاة فهو بخيل قال الرماني لا يجوز أن يكون البخل منع الواجب لمشقة الإعطاء كما قال زهير :
إن البخيل ملوم حيث كان و
لكن الجواد على علاته هرم قال لأنه يلزم على ذلك أن يكون الجود هو بذل الواجب من غير مشقة الإعطاء و كان من قضى دينا عليه يكون جوادا لأنه أدى الواجب من غير مشقة و إنما قال زهير ما قاله لأن البخل

(5/79)


صفة نقص قال و من منع ما لا يضره بذله و لا ينفعه منعه مما تدعو إليه الحكمة فهو بخيل لأنه لا يقع المنع على هذه الصفة إلا لشدة في النفس و إن لم يرجع إلى ضر إذ الشدة من غير ضر معقولة كما يصفون الجورة بأنها لئيمة لأجل الشدة و أعقبه و أورثه و أداه نظائر و قد يكون أعقبه بمعنى جازاه قال النابغة :
فمن أطاع فأعقبه بطاعته
كما أطاعك و أدلله على الرشد
و من عصاك فعاقبه معاقبة
تنهى الظلوم و لا تقعد على ضمد و النجوى الكلام الخفي يقال ناجيته و تناجوا و انتجوا و فلان نجي فلان و الجمع أنجية قال :
إني إذا ما القوم كانوا أنجية
و اضطرب القوم اضطراب الأرشية و أصله من النجوى و هو البعد كان المتناجين قد تباعدا من غيرهما و قيل هو من النجوة أي المكان المرتفع الذي لا يصل إليه السيل فكأنهما رجعا حديثهما إلى حيث لا يصل إليه غيرهما .
الإعراب
معنى لما معنى إذا لأن لما الغالب عليها الجزاء و هي اسم يقع في جواب متى يقال متى كان كذا فيقول السامع لما كان كذا و لما و لو لا يكونان لما مضى بخلاف إن و إذا فإنهما لما يستقبل إلا أن لو لا على تقدير نفي وجوب الثاني لانتفاء الأول و لما يدل على وقوع الثاني لوقوع الأول .
« فلما آتاهم من فضله » المفعول الثاني محذوف تقديره فلما آتاهم ما تمنوه من فضله « لنصدقن » أصله لنتصدقن أدغمت التاء في الصاد .
النزول
قيل نزلت في ثعلبة بن حاطب و كان من الأنصار فقال للنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) ادع الله أن يرزقني مالا فقال يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه أ ما لك في رسول الله أسوة حسنة و الذي نفسي بيده لو أردت أن تسير الجبال معي ذهبا و فضة لسارت ثم أتاه بعد ذلك فقال يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا و الذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالا لأعطين كل ذي حق حقه فقال (صلى الله عليهوآلهوسلّم) اللهم ارزق ثعلبة مالا قال فاتخذ غنما فنمت كما ينمو الدود فضاقت

(5/80)


عليه المدينة فتنحى عنها فنزل واديا من أوديتها ثم كثرت نموا حتى تباعد عن المدينة فاشتغل بذلك عن الجمعة و الجماعة و بعث رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) إليه المصدق ليأخذ الصدقة فأبى و بخل و قال ما هذه إلا أخت الجزية فقال رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة و أنزل الله الآيات عن أبي أمامة الباهلي و روي ذلك مرفوعا و قيل إن ثعلبة أتى مجلسا من الأنصار فأشهدهم فقال لئن أتاني الله من فضله تصدقت منه و آتيت كل ذي حق حقه و وصلت منه القرابة فابتلاه الله فمات ابن عم له فورثه مالا و لم يف بما قال فنزلت عن ابن عباس و سعيد بن جبير و قتادة و قيل نزلت في ثعلبة بن حاطب و معتب بن قشير و هما من بني عمرو بن عوف قالا لئن رزقنا الله مالا لنصدقن فلما رزقهما الله المال بخلا به عن الحسن و مجاهد و قيل نزلت في رجال من المنافقين نبتل بن الحارث و جد بن قيس و ثعلبة بن حاطب و معتب بن قشير عن الضحاك و قيل نزلت في حاطب بن أبي بلتعة كان له مال بالشام فأبطأ عليه و جهد لذلك جهدا شديدا فحلف لئن آتاه الله ذلك المال ليصدقن فأتاه الله تعالى ذلك فلم يفعل عن الكلبي .
المعنى
ثم أخبر سبحانه عنهم فقال « و منهم » أي من جملة المنافقين الذين تقدم ذكرهم « من عاهد الله لئن آتانا من فضله » أي لئن أعطانا من رزقه « لنصدقن » أي لنتصدقن على الفقراء « و لنكونن من الصالحين » بإنفاقه في طاعة الله و صلة الرحم و مؤاساة أهل الحاجة « فلما آتاهم من فضله » أي أعطاهم ما اقترحوه و رزقهم ما تمنوه من الأموال « بخلوا به » أي شحت نفوسهم عن الوفاء بالعهد و منعوا حق الله منه « و تولوا » عن فعل ما أمرهم الله به « و هم معرضون » عن دين الله تعالى « فأعقبهم نفاقا في قلوبهم » أي فأورثهم بخلهم بما أوجبوا الله تعالى على أنفسهم النفاق في قلوبهم و أداهم إلى ذلك عن الحسن كأنهم حصلوا على النفاق بسبب البخل و هذا كمن يقول لابنه أعقبك صحبة فلان ترك التعلم و قيل معناه أعقبهم الله بذلك حرمان التوبة كما حرم إبليس عن مجاهد و أراد بذلك أنه دلنا على أنه لا يتوب كما دلنا من حال إبليس على أنه لا يتوب لأنه سلب عنه قدرة التوبة « إلى يوم يلقونه » أي يلقون جزاء البخل فذكر البخل و أراد به جزاءه كقوله سبحانه « أعمالهم كرماد اشتدت به الريح » و على القول الثاني فمعناه إلى يوم يلقون الله أي اليوم الذي لا يملك فيه النفع و الضر إلا الله تعالى و هذا إخبار من الله تعالى عن هؤلاء المنافقين أنهم يموتون على النفاق و كان ذلك معجزة للنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لأنه خرج مخبره على وفق خبره « بما أخلفوا الله ما وعدوه و بما كانوا يكذبون » بين سبحانه أن هذا إنما أصابهم بفعلهم السيىء و هو إخلافهم الوعد و كذبهم « أ لم يعلموا » أي أ لم يعلم هؤلاء المنافقون « أن الله يعلم سرهم » أي ما يخفون في أنفسهم

(5/81)


« و نجواهم » ما يتناجون به بينهم و هذا استفهام يراد به التوبيخ المعنى أنه يجب عليهم أن يعلموا ذلك « و أن الله علام الغيوب » جمع غيب و هو كل ما غاب عن الأجسام و معناه يعلم كل ما غاب عن العباد و عن إدراكهم من موجود أو معدوم من كل وجه يصح أن يعلم منه لأن إلا صيغة مبالغة و في قوله « فأعقبهم نفاقا في قلوبهم » الآية دلالة على أن بعض المعاصي قد يدعو إلي بعض بأنهم لما تهاونوا بأداء هذا الحق دعاهم ذلك إلى الثبات على النفاق إلى الممات و كذلك يدعو بعض الطاعات إلى بعض و على ذلك ترتيب الشرائع و فيه دلالة على أن الإخلاف و الخيانة و الكذب من أخلاق أهل النفاق و قد صح في الحديث عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال للمنافق ثلاث علامات إذا حدث كذب و إذا وعد أخلف و إذا اؤتمن خان .
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فى الصدَقَتِ وَ الَّذِينَ لا يجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ فَيَسخَرُونَ مِنهُمْ سخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ وَ لهَُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(79) استَغْفِرْ لهَُمْ أَوْ لا تَستَغْفِرْ لهَُمْ إِن تَستَغْفِرْ لهَُمْ سبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لهَُمْ ذَلِك بِأَنهُمْ كفَرُوا بِاللَّهِ وَ رَسولِهِ وَ اللَّهُ لا يهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ(80)
اللغة
المطوع أصله المتطوع أدغمت التاء في الطاء لأنها من مخرجها و الطاء أفضل منها بالاستعلاء و الإطباق و التطوع كل فعل يستحق المدح بفعله و لا يستحق الذم بتركه و نظيره النافلة و الفضيلة و الجهد و الجهد بمعنى و هو الحمل على النفس بما يشق و قيل بينهما فرق و الجهد بالفتح في العمل و بالضم في القوت عن الشعبي و قيل الجهد بالفتح المشقة و بالضم الطاعة عن القتيبي .
الإعراب
يجوز أن يكون موضع « الذين يلمزون » جرا بأن يكون بدلا من الهاء و الميم في قوله « و منهم من عاهد الله » و يحتمل أن يكون رفعا على الابتداء و خبره « سخر الله منهم » و هذا أولى و قوله « في الصدقات » من صلة يلمزون و لا يكون من صلة المطوعين لأنه فضل بينهما قوله « من المؤمنين » و « الذين لا يجدون » عطف على « الذين يلمزون » .
المعنى
ثم وصفهم الله بصفة أخرى فقال « الذين يلمزون » أي يعيبون

(5/82)


« المطوعين » المتطوعين بالصدقة « من المؤمنين » و يطعنون عليهم « في الصدقات و الذين لا يجدون إلا جهدهم » أي و يعيبون الذين لا يجدون إلا طاقتهم فيتصدقون بالقليل قيل أتاه عبد الرحمن بن عوف بصرة من دراهم تملأ الكف و أتاه عقبة بن زيد الحارثي بصاع من تمر و قال يا رسول الله عملت في النخل بصاعين فصاعا تركته لأهلي و صاعا أقرضته ربي و جاء زيد بن أسلم بصدقة فقال معتب بن قشير و عبد الله بن نبتل إن عبد الرحمن رجل يحب الرياء و يبتغي الذكر بذلك و إن الله غني عن الصاع من التمر فعابوا المكثر بالرياء و المقل بالإقلال « فيسخرون منهم » أي فيستهزءون منهم « سخر الله منهم » أي جازاهم جزاء سخريتهم حيث صاروا إلى النار « و لهم عذاب أليم » أي موجع مؤلم و روي عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه سئل فقيل يا رسول الله أي الصدقة أفضل قال جهد المقل « استغفر لهم أو لا تستغفر لهم » صيغته صيغة الأمر و المراد به المبالغة في الإياس من المغفرة بأنه لو طلبها طلب المأمور بها أو تركها ترك المنهي عنها لكان ذلك سواء في أن الله تعالى لا يفعلها كما قال سبحانه في موضع آخر سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم « إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم » الوجه في تعليق الاستغفار بسبعين مرة المبالغة لا العدد المخصوص و يجري ذلك مجرى قول القائل لو قلت لي ألف مرة ما قبلت و المراد إني لا أقبل منك فكذلك الآية و المراد بذلك فيها نفي الغفران جملة و قيل إن العرب تبالغ بالسبعة و السبعين و لهذا قيل للأسد السبع لأنهم تأولوا فيه لقوته أنها ضوعفت له سبع مرات و أما ما ورد أن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال و الله لأزيدن عن السبعين فإنه خبر واحد لا يعول عليه و لا يتضمن أن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) يستغفر للكفار و ذلك غير جائز بالإجماع و قد روي أنه قال لو علمت أنه لو زدت على السبعين مرة غفر لهم لفعلت و يحتمل أن يكون النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) يرجو أن يكون لهم لطف يصلحون به فعزم على الاستغفار لهم فلما بين الله عز اسمه أنه ليس لهم لطف ترك ذلك و يحتمل أن يكون قد استغفر لهم قبل أن يعلم بكفرهم و نفاقهم و يحتمل أن يكون قد استغفر لهم قبل أن يخبر بأن الكافر لا يغفر له أو قبل أن يمنع منه و يجوز أن يكون استغفاره لهم واقعا بشرط التوبة من الكفر فمنعه الله منه و أخبره بأنهم لا يؤمنون أبدا فلا فائدة في الاستغفار لهم و الله أعلم بحقيقة الأمر « ذلك بأنهم كفروا بالله و رسوله » معناه أن حرمان المغفرة لهم بكفرهم بالله و رسوله « و الله لا يهدي القوم الفاسقين » مر معناه .

(5/83)


فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَف رَسولِ اللَّهِ وَ كَرِهُوا أَن يجَهِدُوا بِأَمْوَلهِِمْ وَ أَنفُسِهِمْ فى سبِيلِ اللَّهِ وَ قَالُوا لا تَنفِرُوا فى الحَْرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشدُّ حَرًّا لَّوْ كانُوا يَفْقَهُونَ(81) فَلْيَضحَكُوا قَلِيلاً وَ لْيَبْكُوا كَثِيراً جَزَاءَ بِمَا كانُوا يَكْسِبُونَ(82) فَإِن رَّجَعَك اللَّهُ إِلى طائفَة مِّنهُمْ فَاستَئْذَنُوك لِلْخُرُوج فَقُل لَّن تخْرُجُوا مَعِىَ أَبَداً وَ لَن تُقَتِلُوا مَعِىَ عَدُواًّ إِنَّكمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّة فَاقْعُدُوا مَعَ الخَْلِفِينَ(83)
اللغة
المخلف المتروك خلف من مضى و مثله المؤخر عمن مضى و الفرح ضد الغم و هو لذة في القلب بنيل المشتهى و مثله السرور و قال البصريون من المعتزلة إن السرور و الغم يرجعان إلي الاعتقاد فالسرور اعتقاد وصول منفعة إليه في المستقبل أو دفع ضرر مظنون عنه أو معلوم و الغم اعتقاد وصول ضرر إليه في المستقبل أو فوت منفعة عنه و إليه ذهب المرتضى قدس الله روحه و الخلاف مصدر خالفته مخالفة و خلافا و زعم أبو عبيدة أن معناه بعد و أنشد :
عقب الربيع خلافهم فكأنما
بسط الشواطب بينهن حصيرا و الشواطب النساء يقددن الأديم بعد ما يقدرنه و الخالف كل من تأخر عن الشاخص و المتخلف بمعناه و الضحك حال تفتح و انبساط يظهر في وجه الإنسان عن تعجب مع فرح و البكاء حال تقبض يظهر عن غم في الوجه مع جري الدموع على الخد .
الإعراب
خلاف نصب على المصدر بمعنى المفعول له إذا جعلته بمعنى المخالفة و إذا جعلته بمعنى خلف فهو نصب على الظرف « فليضحكوا » إنما سكنت لام الأمر و لم تسكن لام الإضافة لأنها تؤذن بعملها للجر المناسب لها فلذلك ألزمت الحركة مع أن العوامل في الأسماء أقوى من العوامل في الأفعال « جزاء » نصب على المصدر أي يجزون جزاء على أفعالهم التي اكتسبوها .
المعنى
ثم أخبر سبحانه أن جماعة من المنافقين الذين خلفهم النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و لم

(5/84)


يخرجهم معه إلى تبوك استأذنوه في التأخر فأذن لهم فرحوا بقعودهم فقال « فرح المخلفون بمقعدهم » أي بقعودهم عن الجهاد « خلاف رسول الله » أي بعده و قيل معناه لمخالفتهم النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) « و كرهوا أن يجاهدوا بأموالهم و أنفسهم في سبيل الله » ظاهر المعنى « و قالوا » أي قالوا للمسلمين ليصدوهم عن الغزو « لا تنفروا في الحر » أي لا تخرجوا إلى الغزو سراعا في هذا الحر و قيل بل معناه قال بعضهم لبعض ذلك طلبا للراحة و الدعة و عدولا عن تحمل المشاق في طاعة الله و مرضاته « قل » يا محمد لهم « نار جهنم » التي وجبت لهم بالتخلف عن أمر الله تعالى « أشد حرا » من هذا الحر فهي أولى بالاحتراز و الحذر عنها إذ لا يعتد بهذا الحر في جنب ذلك الحر « لو كانوا يفقهون » أوامر الله تعالى و وعده و وعيده « فليضحكوا قليلا و ليبكوا كثيرا » هذا تهديد لهم في صورة الأمر أي فليضحك هؤلاء المنافقون في الدنيا قليلا لأن ذلك يفنى و إن دام إلى الموت و لأن الضحك في الدنيا قليل لكثرة أحزانها و همومها و ليبكوا كثيرا في الآخرة لأن ذلك يوم مقداره خمسين ألف سنة و هم فيه يبكون فصار بكاؤهم كثيرا « جزاء بما كانوا يكسبون » من الكفر و النفاق و التخلف بغير عذر عن الجهاد قال ابن عباس إن أهل النفاق ليبكون في النار عمر الدنيا فلا يرقأ لهم دمع و لا يكتحلون بنوم و روى أنس بن مالك عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا و لبكيتم كثيرا « فإن رجعك الله » يا محمد أي فإن ردك الله من غزوتك هذه و سفرك هذا « إلى طائفة منهم » أي من المنافقين الذين تخلفوا عنك و عن الخروج معك « فاستأذنوك للخروج » معك إلى غزوة أخرى « فقل لن تخرجوا معي أبدا » إلى غزوة « و لن تقاتلوا معي عدوا » ثم بين سبحانه سبب ذلك فقال « إنكم رضيتم بالقعود أول مرة » أي عن غزوة تبوك « فاقعدوا مع الخالفين » في كل غزوة و اختلف في المراد بالخالفين فقيل معناه مع النساء و الصبيان عن الحسن و الضحاك و قيل مع الرجال الذين تخلفوا من غير عذر عن ابن عباس و قيل مع المخالفين قال الفراء يقال عبد خالف و صاحب خالف إذا كان مخالفا و قيل مع الخساس و الأدنياء يقال فلان خالفه أهله إذا كان أدونهم و قيل مع أهل الفساد من قولهم خلف الرجل على أهله يخلف خلوفا إذا فسد و نبيذ خالف أي فاسد و خلف فم الصائم إذا تغيرت ريحه و قيل مع المرضى و الزمنى و كل من تأخر لنقص عن الجبائي .

(5/85)


وَ لا تُصلِّ عَلى أَحَد مِّنهُم مَّات أَبَداً وَ لا تَقُمْ عَلى قَبرِهِ إِنهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَ رَسولِهِ وَ مَاتُوا وَ هُمْ فَسِقُونَ(84) وَ لا تُعْجِبْك أَمْوَلهُُمْ وَ أَوْلَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُعَذِّبهُم بهَا فى الدُّنْيَا وَ تَزْهَقَ أَنفُسهُمْ وَ هُمْ كفِرُونَ(85)
الإعراب
مات جملة في موضع جر صفة لأحد و تقديره على أحد ميت منهم و أبدا منصوب لأنه ظرف لقوله « تصل » و إنما كسر أن من قوله « إنهم كفروا » و إن كان في موضع التعليل لتحقيق الإخبار بأنهم على الصفة التي ذكرها .
المعنى
ثم نهى سبحانه نبيه (صلى الله عليهوآلهوسلّم) عن الصلاة عليهم فقال « و لا تصل » يا محمد « على أحد منهم » أي من المنافقين « مات أبدا » أي بعد موته فإنه (عليه السلام) كان يصلي عليهم و يجري عليهم أحكام المسلمين « و لا تقم على قبره » أي لا تقف على قبره للدعاء فإنه (عليه السلام) كان إذا صلى على ميت يقف على قبره ساعة و يدعو له فنهاه الله تعالى عن الصلاة على المنافقين و الوقوف على قبورهم و الدعاء لهم ثم بين سبحانه سبب الأمرين فقال « إنهم كفروا بالله و رسوله و ماتوا و هم فاسقون » فما صلى رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) بعد ذلك على منافق حتى قبض و في هذه الآية دلالة على أن القيام على القبر للدعاء عبادة مشروعة و لو لا ذلك لم يخص سبحانه بالنهي عنه الكافر و روي أنه (صلى الله عليهوآلهوسلّم) صلى على عبد الله بن أبي و ألبسه قميصه قبل أن ينهى عن الصلاة على المنافقين عن ابن عباس و جابر و قتادة و قيل إنه (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أراد أن يصلي عليه فأخذ جبرائيل بثوبه و تلا عليه « و لا تصل على أحد منهم » الآية عن أنس و الحسن و روي أنه قيل لرسول الله لم وجهت بقميصك إليه يكفن فيه و هو كافر فقال إن قميصي لن تغني عنه من الله شيئا و إني أؤمل من الله أن يدخل بهذا السبب في الإسلام خلق كثير فروي أنه أسلم ألف من الخزرج لما رأوه يطلب الاستشفاء بثوب رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) ذكره الزجاج قال و الأكثر في الرواية أنه لم يصل عليه « و لا تعجبك أموالهم و أولادهم » الخطاب للنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و المراد به الأمة « إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا » بما يلحقهم فيها من المصائب و الغموم و بما يأخذها منهم المسلمون على وجه الغنيمة و بما يشق عليهم من إخراجها في الزكاة و الإنفاق في سبيل الله مع اعتقادهم بطلان الإسلام فيشد عليهم فيكون ذلك عذابا لهم « و تزهق أنفسهم » أي تهلك بالموت « و هم كافرون » أي في حال كفرهم و قد مضى تفسير مثل هذه الآية و إنما كرر للتذكير في موطنين مع بعد أحدهما عن الآخر

(5/86)


و يجوز أن يكون الآيتان في فريقين من المنافقين فيكون كما يقول القائل لا تعجبك حال زيد و لا تعجبك حال عمرو عن الجبائي .
وَ إِذَا أُنزِلَت سورَةٌ أَنْ ءَامِنُوا بِاللَّهِ وَ جَهِدُوا مَعَ رَسولِهِ استَئْذَنَك أُولُوا الطوْلِ مِنْهُمْ وَ قَالُوا ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَعِدِينَ(86) رَضوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَ طبِعَ عَلى قُلُوبهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ(87) لَكِنِ الرَّسولُ وَ الَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ جَهَدُوا بِأَمْوَلهِِمْ وَ أَنفُسِهِمْ وَ أُولَئك لهَُمُ الْخَيرَت وَ أُولَئك هُمُ الْمُفْلِحُونَ(88) أَعَدَّ اللَّهُ لهَُمْ جَنَّت تجْرِى مِن تحْتهَا الأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا ذَلِك الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(89)
اللغة
قال الزجاج الخوالف النساء لتخلفهن عن الجهاد و يجوز أن يكون جمع خالفة في الرجال و الخالف و الخالفة الذي هو غير نجيب و لم يأت في فاعل فواعل صفة إلا في حرفين قالوا فارس و فوارس و هالك و هوالك و الطبع و الختم بمعنى واحد و الخيرات المنافع التي تسكن النفس إليها و ترتاح لها من النساء الحسان و غيرهن من نعيم الجنان واحدها خيرة قال الشاعر :
و لقد طعنت مجامع الربلات
ربلات هند خيرة الملكات و قال المبرد الخيرات الجواري الفاضلات جمع خيرة و قيل يجوز أن يكون خيرة بالتشديد فخففت نحو هين و هين و الإعداد جعل الشيء مهيئا لغيره و أصله من العدد لأنه قد عدد الله جميع ما يحتاج إلى تقديمه له من الأمور و مثله اتخاذ الأعتاد .
الإعراب
« أن آمنوا » في موضع نصب بحذف حرف الجر على تقدير بأن آمنوا أي

(5/87)


بالإيمان و لا يجوز الحذف مع صريح المصدر .
المعنى
ثم بين سبحانه تمام أخبار المنافقين فقال « و إذا أنزلت سورة » من القرآن على محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) « أن آمنوا بالله » أي بأن آمنوا و هو خطاب للمؤمنين و أمر لهم بأن يدوموا على الإيمان و يتمسكوا به في مستقبل الأوقات و يدخل فيه المنافق و يتناوله الأمر بأن يستأنف الإيمان و يترك النفاق « و جاهدوا مع رسوله » أي أخرجوا إلى الجهاد معه فكأنه قال آمنوا أنتم و ادعوا إلى الإيمان غيركم « استأذنك » أي طلب الإذن منك في القعود « أولوا الطول » أي أولوا المال و القدرة و الغنى عن ابن عباس و غيره « منهم » أي من المنافقين « و قالوا ذرنا » أي دعنا « نكن مع القاعدين » أي المتخلفين عن الجهاد من النساء و الصبيان و إنما لحق هؤلاء الذم لأنهم أقوى على الجهاد و « رضوا بأن يكونوا مع الخوالف » أي رضوا لنفوسهم أن يقعدوا مع النساء و الصبيان و المرضى و المقعدين « و طبع على قلوبهم » ذكرنا معنى الطبع فيما تقدم قال الحسن هؤلاء قوم قد بلغوا الحد الذي من بلغه مات قبله « فهم لا يفقهون » أوامر الله و نواهيه و لا يتدبرون الأدلة ثم مدح النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و المؤمنين فقال سبحانه « لكن الرسول و الذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم » ينفقونها في سبيل الله و مرضاته « و أنفسهم » يقاتلون الكفار ثم أخبر سبحانه عما أعد لهم من الجزاء على انقيادهم لله و رسوله فقال « و أولئك لهم الخيرات » من الجنة و نعيمها و قيل الخيرات المنافع و المدح و التعظيم في الدنيا و الثواب و الجنة في الآخرة « و أولئك هم المفلحون » أي الظافرون بالوصول إلى البغية « أعد الله لهم » أي هيأ و خلق لهم « جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها » مضى تفسيره في غير موضع « ذلك » إشارة إلى ما تقدم ذكره « الفوز العظيم » و الفوز النجاة من الهلكة إلى حال النعمة و سميت المهلكة مفازة تفاؤلا لها بالنجاة و إنما وصفه بالعظيم لأنه حاصل على وجه الدوام و بالإعزاز و الإجلال و الإكرام .
وَ جَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لهَُمْ وَ قَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَ رَسولَهُ سيُصِيب الَّذِينَ كفَرُوا مِنهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(90)
القراءة
قرأ يعقوب و قتيبة المعذرون بسكون العين و تخفيف الذال و هي قراءة ابن عباس و الضحاك و مجاهد و الباقون بفتح العين و تشديد الذال .
الحجة
من قرأ بالتخفيف أراد الذين يأتون بالعذر و من قرأ بالتشديد احتمل أمرين

(5/88)


( أحدهما ) أن يكون المراد المتعذرون كان لهم عذر أو لم يكن و إنما أدغم التاء في الذال لقرب مخرجهما ( و الثاني ) أنه أراد المقصرون من التعذير فالمعذر المقصر الذي يريك أنه معذور و لا عذر له و المعتذر يقال لمن عذر و لمن لا عذر له قال لبيد :
و من يبك حولا كاملا فقد اعتذر أي أتى بعذر .
المعنى
لما تقدم حديث المخلفين صنف الله تعالى الأعراب منهم صنفين فقال سبحانه « و جاء المعذرون من الأعراب » أي المقصرون الذين يعتذرون و ليس لهم عذر عن أكثر المفسرين و قيل هم المعتذرون الذين لهم عذر و هم نفر من بني غفار عن ابن عباس قال و يدل عليه قوله « و قعد الذين كذبوا الله و رسوله » فعطف الكاذبين عليهم فدل ذلك على أن الأولين في اعتذارهم صادقون و قيل معناه الذين يتصورون بصورة أهل العذر و ليسوا كذلك « ليؤذن لهم » في التخلف عن الجبائي « و قعد الذين كذبوا الله و رسوله » أي و قعدت طائفة من المنافقين من غير أن اعتذروا و هم الذين كذبوا فيما كانوا يظهرونه من الإيمان « سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم » قال أبو عمرو بن العلاء في هذه الآية كلا الفريقين كان مسيئا جاء قوم فعذروا و جنح آخرون فقعدوا يريد أن قوما تكلفوا عذرا بالباطل و تخلف آخرون من غير تكلف عذر و إظهار علة جرأة على الله و رسوله .
لَّيْس عَلى الضعَفَاءِ وَ لا عَلى الْمَرْضى وَ لا عَلى الَّذِينَ لا يجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصحُوا للَّهِ وَ رَسولِهِ مَا عَلى الْمُحْسِنِينَ مِن سبِيل وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(91) وَ لا عَلى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْك لِتَحْمِلَهُمْ قُلْت لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّ أَعْيُنُهُمْ تَفِيض مِنَ الدَّمْع حَزَناً أَلا يجِدُوا مَا يُنفِقُونَ(92) * إِنَّمَا السبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَستَئْذِنُونَك وَ هُمْ أَغْنِيَاءُ رَضوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَ طبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ(93)

(5/89)


اللغة
النصح إخلاص العمل من الغش و الحمل إعطاء المركوب من فرس أو بعير أو غير ذلك تقول حمله يحمله حملا إذا أعطاه ما يحمل عليه قال :
أ لا فتى عنده خفان يحملني
عليهما إنني شيخ على سفر و الفيض الجري عن امتلاء من قولهم فاض الإناء بما فيه و الحزن ألم في القلب بفوت أمر مأخوذ من حزن الأرض و هي الأرض الغليظة المسلك .
الإعراب
حزنا نصب لأنه مفعول له أي يبكون للحزن و لا يجدوا منصوب بأن و موضع « ألا يجدوا » نصب تقديره لأن لا يجدوا حذف الجار فوصل الفعل .
النزول
قيل إن الآية الأولى نزلت في عبد الله بن زائدة و هو ابن أم مكتوم و كان ضرير البصر جاء إلى رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فقال يا نبي الله إني شيخ ضرير خفيف الحال نحيف الجسم و ليس لي قائد فهل لي رخصة في التخلف عن الجهاد فسكت النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فأنزل الله الآية عن الضحاك و قيل نزلت في عائد بن عمرو و أصحابه عن قتادة و الآية الثانية نزلت في البكائين و هم سبعة نفر منهم عبد الرحمن بن كعب و عتبة بن زيد و عمرو بن غنمة و هؤلاء من بني النجار و سالم بن عمير و هرم بن عبد الله و عبد الله بن عمرو بن عوف و عبد الله بن معقل من مزينة جاءوا إلى رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فقالوا يا رسول الله احملنا فإنه ليس لنا ما نخرج عليه فقال لا أجد ما أحملكم عليه عن أبي حمزة الثمالي و قيل نزلت في سبعة نفر من قبائل شتى أتوا النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فقالوا له احملنا على الخفاف و البغال عن محمد بن كعب و ابن إسحاق و قيل كانوا جماعة من مزينة عن مجاهد و قيل كانوا سبعة من فقراء الأنصار فلما بكوا حمل عثمان منهم رجلين و العباس بن عبد المطلب رجلين و يامين بن كعب النضري ثلاثة عن الواقدي قال و كان الناس بتبوك مع رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) ثلاثين ألفا منهم عشرة آلاف فارس .
المعنى
ثم ذكر سبحانه أهل العذر فقال « ليس على الضعفاء » و هم الذين قوتهم ناقصة بالزمانة و العجز عن ابن عباس و قيل هم الذين لا يقدرون على الخروج « و لا على المرضى » و هم أصحاب العلل المانعة من الخروج « و لا على الذين لا يجدون ما ينفقون » يعني من ليست معه نفقة الخروج و آلة السفر « حرج » أي ضيق و جناح في التخلف و ترك الخروج مع رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) « إذا نصحوا لله و رسوله » بأن يخلصوا العمل من الغش ثم قال سبحانه « ما على المحسنين من سبيل » أي ليس على من فعل الحسن الجميل في التخلف عن الجهاد طريق للتفريع في الدنيا و العذاب في الآخرة و قيل هو عام في كل محسن

(5/90)


 

و الإحسان هو إيصال النفع إلى الغير لينتفع به من تعريه من وجوه القبح و يصح أن يحسن الإنسان إلى نفسه و يحمد على ذلك و هو إذا فعل الأفعال الجميلة التي يستحق بها المدح و الثواب « و الله غفور » أي ساتر على ذوي الأعذار بقبول العذر منهم « رحيم » بهم لا يلزمهم ما فوق طاقتهم ثم عطف عليه فقال « و لا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم » أي و لا على الذين إذا جاءوك يسألونك مركبا يركبونه فيخرجون معك إلى الجهاد إذ ليس معهم من الأموال و الظهر ما يمكنهم الخروج به في سبيل الله « قلت لا أجد ما أحملكم عليه » أي لا أجد مركبا تركبونه و لا ما أسوي به أمركم « تولوا و أعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون » أي رجعوا عنك و أعينهم تسيل بالدمع لحزنهم أن لا يجدوا ما يركبونه من الدواب و ينفقونه في الطريق ليخرجوا معكم و لحرصهم على الخروج المعنى و ليس على هؤلاء أيضا حرج في التخلف عن الجهاد و ليس عليهم سبيل للذم و العقاب « إنما السبيل » و الطريق بالعقاب و الحرج « على الذين يستأذنونك و هم أغنياء » أي يطلبون الإذن منك يا محمد في المقام و هم مع ذلك أغنياء متمكنون من الجهاد في سبيل الله « رضوا بأن يكونوا مع الخوالف » من النساء و الصبيان و من لا حراك به « و طبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون » قد تقدم بيانه .
يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيهِمْ قُل لا تَعْتَذِرُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكمْ وَ سيرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسولُهُ ثمَّ تُرَدُّونَ إِلى عَلِمِ الْغَيْبِ وَ الشهَدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(94) سيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيهِمْ لِتُعْرِضوا عَنهُمْ فَأَعْرِضوا عَنهُمْ إِنهُمْ رِجْسٌ وَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءَ بِمَا كانُوا يَكْسِبُونَ(95) يحْلِفُونَ لَكمْ لِترْضوْا عَنهُمْ فَإِن تَرْضوْا عَنهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفَسِقِينَ(96)
النزول
قيل نزلت الآيات في جد بن قيس و معتب بن قشير و أصحابهما من

(5/91)


المنافقين و كانوا ثمانين رجلا و لما قدم النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) المدينة راجعا من تبوك قال لا تجالسوهم و لا تكلموهم عن ابن عباس و قيل نزلت في عبد الله بن أبي حلف للنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أن لا يتخلف عنه بعدها و طلب إلى النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أن يرضى عنه عن مقاتل .
المعنى
ثم أخبر الله سبحانه عن هؤلاء القوم الذين تأخروا عن الخروج مع النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فقال « يعتذرون إليكم » من تأخرهم عنكم بالأباطيل و الكذب « إذا رجعتم إليهم » أي إذا انصرفتم إلى المدينة من غزوة تبوك « قل » يا محمد « لا تعتذروا لن نؤمن لكم » أي لسنا نصدقكم على ما تقولون « قد نبأنا الله من أخباركم » أي قد أخبرنا الله و أعلمنا من أخباركم و حقيقة أمركم ما علمنا به كذبكم و قيل إنه أراد به قوله سبحانه « لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا » الآية « و سيرى الله عملكم و رسوله » أي سيعلم الله فيما بعد و رسوله عملكم هل تتوبون من نفاقكم أم تقيمون عليه و قيل معناه سيعلم الله أعمالكم و عزائمكم في المستقبل و يظهر ذلك لرسوله فيعلمه الرسول بإعلامه إياه فيصير كالشيء المرئي لأن أظهر ما يكون الشيء أن يكون مرئيا كما علم ذلك في الماضي فأعلم به الرسول « ثم تردون إلى عالم الغيب و الشهادة » أي ترجعون بعد الموت إلى الله سبحانه الذي يعلم ما غاب و ما حضر و ما يخفى عليه السر و العلانية « فينبؤكم بما كنتم تعملون » أي يخبركم بأعمالكم كلها حسنها و قبيحها فيجازيكم عليها أجمع « سيحلفون بالله لكم » أي سيقسم هؤلاء المنافقون و المتخلفون فيما يعتذرون به إليكم أيها المؤمنون « إذا انقلبتم إليهم » إنهم إنما تخلفوا لعذر « لتعرضوا عنهم » أي لتصفحوا عن جرمهم و لا توبخوهم و لا تعنفوهم ثم أمر الله سبحانه نبيه (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و المؤمنين فقال « فأعرضوا عنهم » أي إعراض رد و إنكار و تكذيب و مقت ثم بين عن سبب الإعراض فقال « إنهم رجس » أي نجس و معناه أنهم كالشيء المنتن الذي يجب الاجتناب عنه فاجتنبوهم كما تجتنب الأنجاس « و مأواهم جهنم » أي مصيرهم و م آلهم و مستقرهم جهنم « جزاء بما كانوا يكسبون » أي مكافاة على ما كانوا يكسبونه من المعاصي « يحلفون لكم لترضوا عنهم » أي طلبا لمرضاتكم عنهم أيها المؤمنون « فإن ترضوا عنهم » لجهلكم بحالهم « فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين » الخارجين من طاعته إلى معصيته لعلمه بحالهم و معناه أنه لا ينفعهم رضاكم عنهم مع سخط الله عليهم و ارتفاع رضاه عنهم و إنما قال سبحانه ذلك لئلا يتوهم أنه إذا رضي المؤمنون فقد رضي الله و المراد بذلك أنه إذا كان الله لا يرضى عنهم فينبغي لكم أيضا أن لا ترضوا عنهم و في هذا دلالة على أن من طلب بفعله رضا الناس و لم يطلب رضا الله سبحانه فإن الله يسخط الناس عليه كما جاء في

(5/92)


الحديث عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه و أرضى عنه الناس و من التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه و أسخط عليه الناس .
الأَعْرَاب أَشدُّ كفْراً وَ نِفَاقاً وَ أَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلى رَسولِهِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(97) وَ مِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً وَ يَترَبَّص بِكمُ الدَّوَائرَ عَلَيْهِمْ دَائرَةُ السوْءِ وَ اللَّهُ سمِيعٌ عَلِيمٌ(98) وَ مِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الاَخِرِ وَ يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَت عِندَ اللَّهِ وَ صلَوَتِ الرَّسولِ أَلا إِنهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فى رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(99)
القراءة
قرأ ابن كثير و أبو عمرو دائرة السوء بضم السين و في سورة الفتح مثله و الباقون بفتح السين و قرأ ورش و إسماعيل عن نافع قربة بضم الراء و الباقون « قربة » بسكون الراء .
الحجة
قال أبو علي الدائرة لا تخلو إما أن تكون صفة أو بمنزلة العاقبة و العافية و الصفة أكثر في الكلام فينبغي أن يحمل عليها فالمعني عليها أنها خلة تحيط بالإنسان حتى لا يكون له منها مخلص و أضيفت إلى السوء أو إلى السوء على الوجهين على وجه التأكيد و الزيادة في التبيين و لو لم تضف لعلم هذا المعنى منها كما أن نحو قوله شمس النهار كذلك و السوء الرداءة و الفساد و هو خلاف الصدق الذي في قولك ثوب صدق و ليس الصدق من صدق اللسان كما أن السوء ليس من سؤته في المعنى و إن كان اللفظ واحدا يدلك على ذلك أنك أضفته إلى ما لا يجوز عليه الصدق و الكذب في الأخبار و أما دائرة السوء بالضمة فكقولك دائرة الهزيمة و دائرة البلاء فاجتمعا في جواز إضافة الدائرة إليهما من حيث أريد بكل واحد منهما الرداءة و الفساد فمن قال « دائرة السوء » فتقديره الإضافة إلى الرداءة و الفساد و من قال

(5/93)


دائرة السوء فتقديره دائرة الضرر و المكروه من قولهم سؤته مساءة و مسائية و المعنيان متقاربان قال أبو الحسن « دائرة السوء » كما تقول رجل السوء و أنشد :
و كنت كذئب السوء لما رأى دما
بصاحبه يوما أحال على الدم و أما قوله « قربة » فالأصل حركة الراء و الإسكان للتخفيف كما في الرسل و الكتب و الأذن و الطنب و أما قربات فينبغي أن يثقل لأنه إذا ثقل ما أصله التخفيف نحو الظلمات و الغرفات فإن تقر الحركة الثانية في الكلمة الواحدة أجدر و مثل قولهم قربة و قربة يسرة و يسرة هدنة و هدنة حكاه محمد بن يزيد .
اللغة
رجل عربي إذا كان من العرب و إن سكن البلاد و رجل أعرابي إذا كان ساكنا في البادية و العرب صنفان عدنانية و قحطانية و الفضل للعدنانية برسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و أجدر مأخوذ من جدر الحائط بسكون الدال و هو أصله و أساسه و المغرم و هو نزول نائبة بالمال من غير خيانة و أصله لزوم الأمر و منه قوله إن عذابها كان غراما أي لازما و حب غرام أي لازم و الغريم يقال لكل واحد من المتداينين للزوم أحدهما الآخر و غرمته كذا أي ألزمته إياه في ماله و التربص الانتظار و منه التربص بالطعام لزيادة الأسعار و أصله التمسك بالشيء لعاقبة و الدوائر جمع دائرة هي من حوادث الدهر و قيل الحال المنقلبة عن النعمة إلى البلية و الدائرة الدولة و القربة هي طلب الثواب و الكرامة من الله تعالى بحسن الطاعة .
الإعراب
« أجدر ألا يعلموا » أن في موضع نصب لأن الباء محذوفة و المعنى أجدر بترك العلم تقول أنت جدير أن تفعل و جدير بأن تفعل أي هذا الفعل ميسر لك و إذا حذفت الباء لم يصلح إلا بأن و إن أثبت الباء صلح بأن و غيرها تقول أنت جدير بأن تقوم و جدير بالقيام و إنما صلح مع أن الحذف لأن أن يدل على الاستقبال فكأنهما عوض من المحذوف و « صلوات الرسول » عطف على قوله « ما ينفق » و موضعه نصب و تقديره و يتخذ النفقة و صلوات الرسول و يتخذ قربات و قيل صلوات معطوف على قربات على معنى يطلبون بالإنفاق قربة الله و صلوات الرسول عن الجبائي .
المعنى
لما تقدم ذكر المنافقين بين سبحانه أن الأعراب منهم أشد في ذلك و أكثر جهلا فقال « الأعراب أشد كفرا و نفاقا » يريد الأعراب الذين كانوا حول المدينة و إنما كان

(5/94)


كفرهم أشد لأنهم أقسى و أجفى من أهل المدن و هم أيضا أبعد من سماع التنزيل و إنذار الرسل عن الزجاج و معناه أن سكان البوادي إذا كانوا كفارا أو منافقين فهم أشد كفرا من أهل الحضر لبعدهم عن مواضع العلم و استماع الحجج و مشاهدة المعجزات و بركات الوحي « و أجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله » أي و هم أحرى و أولى بأن لا يعلموا حدود الله في الفرائض و السنن و الحلال و الحرام « و الله عليم » بأحوالهم « حكيم » فيما يحكم به عليهم « و من الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما » أي و من منافقي الأعراب من يعد ما ينفق في الجهاد و في سبيل الخير مغرما لحقه لأنه لا يرجو به ثوابا « و يتربص بكم الدوائر » أي و ينتظر بكم الدوائر أي صروف الزمان و حوادث الأيام و العواقب المذمومة قال الزجاج و الفراء كانوا يتربصون بهم الموت أو القتل فكانوا ينتظرون موت النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) ليرجعوا إلى دين المشركين و أكثر ما يستعمل الدائرة في زوال النعمة إلى الشدة و العافية إلى البلاء و يقولون كانت الدائرة عليهم و كانت الدائرة لهم ثم رد سبحانه ذلك عليهم فقال « عليهم دائرة السوء » أي على هؤلاء المنافقين دائرة البلاء يعني أن ما ينتظرون بكم هؤلاء حق بهم و هم المغلبون أبدا « و الله سميع » لمقالاتهم « عليم » بنياتهم لا يخفى عليه شيء من حالاتهم بين سبحانه من الأعراب المؤمنين فقال « و من الأعراب من يؤمن بالله و اليوم الآخر » و منهم من يرجع إلى سلامة الاعتقاد في التصديق بالله و بالقيامة و الجنة و النار « و يتخذ ما ينفق قربات عند الله » أي و يريد بنفقته في الجهاد و غير ذلك من أعمال البر قربات جمع قربة و هي الطاعة أي طاعات عند الله و تعظيم أمره و رعاية حقه و قيل معناه يتقرب إلى الله بإنفاقه و يطلب بذلك ثوابه و رضاه « و صلوات الرسول » أي دعاؤه بالخير و البركة عن قتادة و قيل استغفاره عن ابن عباس و الحسن و معناه أنه يرغب في دعاء النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) « ألا إنها قربة لهم » معناه ألا أن صلوات الرسول قربة لهم تقربهم إلى ثواب الله و يجوز أن يكون المعنى إن نفقتهم قربة لهم إلى الله « سيدخلهم الله في رحمته » هذا وعد منه سبحانه بأن يرحمهم و يدخلهم الجنة و فيه مبالغة بأن الرحمة غمرتهم و وسعتهم « إن الله غفور » لذنوبهم « رحيم » بأهل طاعته و هما من ألفاظ المبالغة في الوصف بالمغفرة و الرحمة .

(5/95)


وَ السبِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِرِينَ وَ الأَنصارِ وَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسن رَّضىَ اللَّهُ عَنهُمْ وَ رَضوا عَنْهُ وَ أَعَدَّ لهَُمْ جَنَّت تَجْرِى تحْتَهَا الأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِك الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(100)
القراءة
قرأ يعقوب و الأنصار بالرفع و هي قراءة عمر بن الخطاب و الحسن و قتادة و القراءة المشهورة « و الأنصار » بالجر و قرأ ابن كثير وحده من تحتها بزيادة من و كذلك هو في مصاحف مكة و قرأ الباقون « تحتها » بغير من و عليه سائر المصاحف و المعنى واحد .
الحجة
من قرأ بالرفع عطفه على قوله « السابقون » و من قرأ بالجر عطفه على « المهاجرين » و أما قوله « و الذين اتبعوهم بإحسان » فيجوز أن يكون معطوفا على الأنصار في رفعه و جره و يجوز أن يكون معطوفا على السابقون و أن يكون معطوفا على الأنصار أولى لقربه منه .
الإعراب
السابقون مبتدأ و الأولون صفته من المهاجرين تبيين لهم « و الذين اتبعوهم » إن حملته على السابقون كان مرفوعا و إن حملته على الأنصار كان مجرورا و خبر الأسماء كلها « رضي الله عنهم و رضوا عنه » و « أعد لهم » عطف على رضي فالوقف على قوله « خالدين فيها أبدا » .
النزول
قيل نزلت هذه الآية فيمن صلى إلى القبلتين عن سعيد بن المسيب و الحسن و ابن سيرين و قتادة و قيل نزلت فيمن بايع بيعة الرضوان و هي بيعة الحديبية عن الشعبي قال و من أسلم بعد ذلك و هاجر فليس من المهاجرين الأولين و قيل هم أهل بدر عن عطاء بن رياح و قيل هم الذين أسلموا قبل الهجرة عن الجبائي .
المعنى
لما تقدم ذكر المنافقين و الكفار عقبه سبحانه بذكر السابقين إلى الإيمان فقال « و السابقون الأولون » أي السابقون إلى الإيمان و إلى الطاعات و إنما مدحهم بالسبق لأن السابق إلى الشيء يتبعه غيره فيكون متبوعا و غيره تابع له فهو إمام فيه و داع له إلى الخير بسبقه إليه و كذلك من سبق إلى الشر يكون أسوأ حالا لهذه العلة « من المهاجرين » الذين هاجروا من مكة إلى المدينة و إلى الحبشة « و الأنصار » أي و من الأنصار الذين سبقوا نظراءهم من أهل المدينة إلى الإسلام و من قرأ و الأنصار بالرفع لم يجعلهم من السابقين و جعل السبق للمهاجرين خاصة « و الذين اتبعوهم بأحسن » أي بأفعال الخير و الدخول في الإسلام بعدهم و سلوك منهاجهم و يدخل في ذلك من يجيء بعدهم إلى يوم القيامة « رضي الله عنهم و رضوا عنه » أخبر سبحانه أنه رضي عنهم أفعالهم و رضوا عن الله سبحانه لما أجزل لهم من الثواب على طاعاتهم و إيمانهم به و يقينهم « و أعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا » أي يبقون ببقاء الله منعمين « ذلك الفوز العظيم » أي الفلاح

(5/96)


العظيم الذي يصغر في جنبه كل نعيم و في هذه الآية دلالة على فضل السابقين و مزيتهم على غيرهم لما لحقهم من أنواع المشقة في نصرة الدين فمنها مفارقة العشائر و الأقربين و منها مباينة المألوف من الدين و منها نصرة الإسلام و قلة العدد و كثرة العدو و منها السبق إلى الإيمان و الدعاء إليه و اختلف في أول من أسلم من المهاجرين فقيل إن أول من آمن خديجة بنت خويلد ثم علي بن أبي طالب (عليه السلام) و هو قول ابن عباس و جابر بن عبد الله و أنس و زيد بن أرقم و مجاهد و قتادة و ابن إسحاق و غيرهم قال أنس بعث النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) يوم الإثنين و صلى علي (عليه السلام) و أسلم يوم الثلاثاء و قال مجاهد و ابن إسحاق إنه أسلم و هو ابن عشر سنين و كان مع رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أخذه من أبي طالب و ضمه إلى نفسه يربيه في حجره و كان معه حتى بعث نبيا و قال الكلبي أنه أسلم و له تسع سنين و قيل اثنتا عشرة سنة عن أبي الأسود قال السيد أبو طالب الهروي و هو الصحيح و في تفسير الثعلبي روى إسماعيل بن أياس بن عفيف عن أبيه عن جده عفيف قال كنت امرءا تاجرا فقدمت مكة أيام الحج فنزلت على العباس بن عبد المطلب و كان العباس لي صديقا و كان يختلف إلى اليمن يشتري العطر فيبيعه أيام الموسم فبينما أنا و العباس بمنى إذ جاء رجل شاب حين حلقت الشمس في السماء فرمى ببصره إلى السماء ثم استقبل الكعبة فقام مستقبلها فلم يلبث حتى جاء غلام فقام عن يمينه فلم يلبث أن جاءت امرأة فقامت خلفهما فركع الشاب فركع الغلام و المرأة فخر الشاب ساجدا فسجدا معه فرفع الشاب فرفع الغلام و المرأة فقلت يا عباس أمر عظيم فقال أمر عظيم فقلت ويحك ما هذا فقال هذا ابن أخي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب يزعم أن الله بعثه رسولا و أن كنوز كسرى و قيصر ستفتح عليه و هذا الغلام علي بن أبي طالب و هذه المرأة خديجة بنت خويلد و زوجة محمد تابعاه على دينه و أيم الله ما على ظهر الأرض كلها أحد على هذا الدين غير هؤلاء فقال عفيف الكندي بعد ما أسلم و رسخ الإسلام في قلبه يا ليتني كنت رابعا و روي أن أبا طالب قال لعلي (عليه السلام) أي بني ما هذا الدين الذي أنت عليه قال يا أبة آمنت بالله و رسوله و صدقته فيما جاء به و صليت معه لله فقال له إن محمدا (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لا يدعو إلا إلى خير فالزمه و روى عبد الله بن موسى عن العلاء بن صالح عن المنهال بن عمرو عن عبادة بن عبد الله قال سمعت عليا (عليه السلام) يقول أنا عبد الله و أخو رسوله و أنا الصديق الأكبر لا يقولها بعدي إلا كذاب مفتر صليت قبل الناس بسبع سنين و في مسند السيد أبي طالب الهروي مرفوعا إلى أبي أيوب عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال صلت الملائكة علي و على علي سبع سنين و ذلك أنه لم يصل فيها أحد غيري و غيره و قيل إن أول من أسلم بعد خديجة أبو بكر عن إبراهيم النخعي و قيل أول من أسلم بعدها زيد بن حارثة عن الزهري و سليمان بن يسار و عروة بن الزبير و روى

(5/97)


الحاكم أبو القاسم الحسكاني بإسناده مرفوعا إلى عبد الرحمن بن عوف في قوله سبحانه « و السابقون الأولون » قال هم عشرة من قريش أولهم إسلاما علي بن أبي طالب (عليه السلام) .
وَ مِمَّنْ حَوْلَكم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَفِقُونَ وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نحْنُ نَعْلَمُهُمْ سنُعَذِّبهُم مَّرَّتَينِ ثمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذَاب عَظِيم(101) وَ ءَاخَرُونَ اعْترَفُوا بِذُنُوبهِمْ خَلَطوا عَمَلاً صلِحاً وَ ءَاخَرَ سيِّئاً عَسى اللَّهُ أَن يَتُوب عَلَيهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(102)
اللغة
حول الشيء المحيط به من حال يحول إذا دار بالانقلاب و منه الحول للسنة و المحالة لأنها تدور في المحور و المرد أصله الملاسة و منه صرح ممرد أي مملس و الأمرد الذي لا شعر على وجهه و المرداء الرملة التي لا تنبت شيئا ذكره علي بن عيسى و قيل أصله الظهور و المارد الذي ظهر شره و شجرة مرداء إذا تساقط ورقها فظهرت عيدانها و رجل أمرد لظهور مكان الشعر منه عن ابن عرفة و مرد الرجل يمرد مرودا إذا عتا و خرج من الطاعة واعيا خبثا و منه شيطان مارد و مريد و في المثل تمرد مارد و عز الأبلق و هما حصنان .
الإعراب
« و من أهل المدينة مردوا » أي قوم مردوا فحذف الموصوف و يجوز أن يكون التقدير و من أهل المدينة منافقون مردوا على النفاق ففصل بين الصفة و الموصوف بالظرف و « آخرون اعترفوا » معطوف على قوله « من الأعراب منافقون » و كذلك و آخرون مرجون و إن شئت قدرت و منهم آخرون .
المعنى
ثم عاد الكلام إلى ذكر المنافقين فقال سبحانه « و ممن حولكم » أي و من جملة من حولكم يعني حول مدينتكم « من الإعراب » و هم الذين يسكنون البدو إذا كانوا مطبوعين على العربية « منافقون » يظهرون الإيمان و يبطنون الكفر و قيل إنهم جهينة و مزينة و أسلم و أشجع و غفار و كانت منازلهم حول المدينة « و من أهل المدينة » أيضا منافقون و إنما حذف لدلالة الأول عليه « مردوا على النفاق » أي مرنوا على النفاق و تجرءوا عليه عن الفراء و قيل معناه أقاموا عليه لم يتوبوا منه كما تاب غيرهم عن ابن زيد و أبان بن تغلب و قيل معناه

(5/98)


لجوا فيه و أبوا غيره عن ابن إسحاق و قيل فيه تقديم و تأخير و تقديره و ممن حولكم من الأعراب منافقون مردوا على النفاق و من أهل المدينة أيضا مثل ذلك عن الزجاج « لا تعلمهم » يا محمد أي لا تعرفهم « نحن نعلمهم » أي نعرفهم « سنعذبهم مرتين » فيه أقوال ( أحدها ) أن معناه نعذبهم في الدنيا بالفضيحة فإن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) ذكر رجالا منهم و أخرجهم من المسجد يوم الجمعة في خطبته و قال أخرجوا فإنكم منافقون و يعذبهم في القبر عن ابن عباس و السدي و الكلبي و قيل مرة في الدنيا بالسبي و القتل و مرة في الآخرة بعذاب القبر عن مجاهد و روى حصيف عنه عذبوا بالجوع مرتين و قيل إحداهما أخذ الزكاة منهم و الأخرى عذاب القبر عن الحسن و قيل إحداهما غيظهم من أهل الإسلام و الأخرى عذاب القبر عن ابن إسحاق و قيل إن الأولى ضرب الملائكة وجوههم و أدبارهم عند قبض أرواحهم و الأخرى عذاب القبر و قيل إن الأولى إقامة الحدود عليهم و الأخرى عذاب القبر عن ابن عباس و كل ذلك محتمل غير أنا نعلم أن المرتين معا قبل أن يردوا إلى عذاب النار « ثم يردون إلى عذاب عظيم » أي يرجعون يوم القيامة إلى عذاب مؤبد في النار « و آخرون اعترفوا بذنوبهم » يعني من أهل المدينة أو من الأعراب آخرون أقروا بذنوبهم و ليس براجع إلى المنافقين و الاعتراف الإقرار بالشيء عن معرفة « خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا » يعني أنهم يفعلون أفعالا جميلة و يفعلون أفعالا سيئة قبيحة و التقدير و عملا آخر سيئا « عسى الله أن يتوب عليهم » قال المفسرون عسى من الله واجبة و إنما قال عسى حتى يكونوا بين طمع و إشفاق فيكون ذلك أبعد من الاتكال على العفو و إهمال التوبة و في هذا دلالة على بطلان القول بالإحباط لأنه لو صح الإحباط لكان أحد العملين إذا طرأ على الآخر أحبطه و أبطله فلم يجتمعا فلا يكون لقوله « خلطوا » معنى و قال بعض التابعين ما في القرآن آية أرجى لهذه الأمة من هذه الآية و قد يستعمل لفظ الخلط في الجمع من غير امتزاج يقال خلط الدراهم و الدنانير و قيل أنه يجري مجرى قولهم استوى الماء و الخشبة أي مع الخشبة و قيل إن خلط بالتخفيف في الخير و خلط بالتشديد في الشر « إن الله غفور رحيم » هذا تعليل لقبول التوبة من العصاة أي لأنه غفور رحيم .
النزول
قال أبو حمزة الثمالي بلغنا أنهم ثلاثة نفر من الأنصار أبو لبابة بن عبد المنذر و ثعلبة بن وديعة و أوس بن حذام تخلفوا عن رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) عند مخرجه إلى تبوك فلما بلغهم ما أنزل الله فيمن تخلف عن نبيه أيقنوا بالهلاك و أوثقوا أنفسهم بسواري المسجد فلم يزالوا كذلك حتى قدم رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم)

(5/99)


فسأل عنهم فذكر له أنهم أقسموا أن لا يحلون أنفسهم حتى يكون رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) يحلهم و قال رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و أنا أقسم لا أكون أول من حلهم إلا أن أؤمر فيهم بأمر فلما نزل « عسى الله أن يتوب عليهم » عمد رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) إليهم فحلهم فانطلقوا فجاؤوا بأموالهم إلى رسول الله فقالوا هذه أموالنا التي خلفتنا عنك فخذها و تصدق بها عنا قال (عليه السلام) ما أمرت فيها فنزل « خذ من أموالهم صدقة » الآيات و قيل أنهم كانوا عشرة رهط منهم أبو لبابة عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس و قيل كانوا ثمانية منهم أبو لبابة و هلال و كردم و أبو قيس عن سعيد بن جبير و زيد بن أسلم و قيل كانوا سبعة عن قتادة و قيل كانوا خمسة و روي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنها نزلت في أبي لبابة و لم يذكر غيره معه و سبب نزولها فيه ما جرى منه في بني قريظة حين قال إن نزلتم على حكمه فهو الذبح و به قال مجاهد و قيل نزلت فيه خاصة حين تأخر عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) في غزوة تبوك فربط نفسه بسارية على ما تقدم ذكره عن الزهري ثم قال أبو لبابة يا رسول الله إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب و أنا أنخلع من مالي كله قال يجزيك يا أبا لبابة الثلث و في جميع الأقوال أخذ رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) ثلث أموالهم و ترك الثلثين لأن الله تعالى قال « خذ من أموالهم » و لم يقل خذ أموالهم .
خُذْ مِنْ أَمْوَلهِِمْ صدَقَةً تُطهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِم بهَا وَ صلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلَوتَك سكَنٌ لهَُّمْ وَ اللَّهُ سمِيعٌ عَلِيمٌ(103) أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَ يَأْخُذُ الصدَقَتِ وَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّاب الرَّحِيمُ(104) وَ قُلِ اعْمَلُوا فَسيرَى اللَّهُ عَمَلَكمْ وَ رَسولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ سترَدُّونَ إِلى عَلِمِ الْغَيْبِ وَ الشهَدَةِ فَيُنَبِّئُكم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(105)
القراءة
قرأ أهل الكوفة غير أبي بكر « إن صلاتك » و في هود أ صلاتك على التوحيد و قرأ الباقون أن صلواتك أ صلواتك على الجمع .

(5/100)


الحجة
قال أبو علي الصلاة في اللغة الدعاء قال الأعشى في الخمر :
و قابلها الريح في دنها
و صلى على دنها و ارتسم فكان معنى « صل عليهم » ادع لهم فإن دعاءك لهم تسكن إليه نفوسهم و تطيب به فأما قولهم صلى الله على رسوله و ملائكته فلا يقال فيه أنه دعاء لهم من الله تعالى كما لا يقال في نحو ويل للمطففين و نحوه أنه دعاء عليهم و لكن المعنى فيه أن هؤلاء ممن يستحق عندكم أن يقال فيهم هذا النحو من الكلام و كذلك قوله بل عجبت و يسخرون فيمن ضم الياء و هذا مذهب سيبويه فإذا كانت الصلاة مصدرا وقع على الجمع و المفرد على لفظ واحد كصوت الحمير فإذا اختلف جاز أن يجمع لاختلاف ضروبه كما قال إن أنكر الأصوات فأما من زعم أن الصلاة أولى لأن الصلاة للكثرة و الصلوات للقليل فلم يكن قوله متجها لأن الجمع بالتاء قد يقع على الكثير كما يقع على القليل كقوله « و هم في الغرفات آمنون » و قوله « إن المسلمين و المسلمات » و قوله « إن المصدقين و المصدقات » فقد يقع هذا الجمع على الكثير كما يقع على القليل .
الإعراب
قوله « تطهرهم » إنما ارتفع لأحد أمرين إما أن يكون صفة لصدقة و يكون التاء للتأنيث و يكون قوله « بها » للتبيين و يكون التقدير صدقة مطهرة و إما أن يكون التاء خطابا للنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و التقدير فإنك تطهرهم بها فتكون صفة لصدقة أيضا و يكون الضمير في بها للصدقة الموصوفة و أما و تزكيهم فلا يكون إلا للخطاب و قيل أن تطهرهم يجوز أن يكون على الاستئناف و حمله على الاتصال أولى .
المعنى
ثم خاطب سبحانه النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و أمره بأخذ الصدقة من أموالهم تطهيرا لهم و تكفيرا لسيئاتهم فقال « خذ » يا محمد « من أموالهم » أدخل من للتبعيض لأنه لم يجب أن يصدق بالجميع و إنما قال « من أموالهم » و لم يقل من مالهم حتى يشتمل على أجناس المال كلها و هذا يدل على وجوب الأخذ من سائر أموال المسلمين لاستوائهم في أحكام الدين إلا ما خصه الدليل « صدقة » قيل أراد بها الأمر بأن يأخذ الصدقة من أموال هؤلاء التائبين تشديدا للتكليف و ليست بالصدقة المفروضة بل هي على سبيل الكفارة للذنوب التي أصابوها عن الحسن و غيره و قيل أراد بها الزكاة المفروضة عن الجبائي و أكثر أهل التفسير و هو الظاهر لأن حمله على الخصوص بغير دليل لا وجه له فيكون

(5/101)


أمرا بأن يأخذ من المالكين للنصاب الزكاة من الورق إذا بلغ مائتي درهم و من الذهب إذا بلغ عشرين مثقالا و من الإبل إذا بلغت خمسا و من البقر إذا بلغت ثلاثين و من الغنم إذا بلغت أربعين و من الغلات و الثمار إذا بلغت خمسة أو ستة « تطهرهم و تزكيهم بها » معناه تطهرهم تلك الصدقة عن دنس الذنوب و تزكيهم أنت بها أي تنسبهم إلى الزكاة و تدعو لهم بما يصيرون به أزكياء و قيل معناه تطهرهم أنت و تزكيهم أنت بها فيكون كلا الفعلين مضافا إلى النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) « و صل عليهم » هذا أمر من الله تعالى للنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أن يدعو لمن يأخذ منه الصدقة و معناه ادع لهم بقبول صدقاتهم كما يقول الداعي آجرك الله فيما أعطيت و بارك لك فيما أبقيت و روي عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه كان إذا أتاه قوم بصدقتهم قال اللهم صل عليهم و قال عبد الله بن أبي أوفى و كان من أصحاب الشجرة فأتاه ابن أبي أوفى بصدقة فقال اللهم صل على آل أبي أوفى أورده البخاري و مسلم في الصحيح « إن صلاتك سكن لهم » أي أن دعواتك مما تسكن نفوسهم إليه و قيل رحمة لهم عن ابن عباس و قيل وقار و طمأنينة لهم أن الله قد قبل منهم عن قتادة و الكلبي و قيل تثبيت لهم عن أبي عبيدة « و الله سميع عليم » يسمع دعاءك لهم و يعلم ما يكون منهم في الصدقات « أ لم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده » استفهام يراد به التنبيه على ما يجب أن يعلم فالمخاطب إذا رجع إلى نفسه و فكر فيما نبه عليه علم وجوبه و إنما وجب أن يعلم أن الله يقبل التوبة لأنه إذا علم ذلك كان ذلك داعيا إلى فعل التوبة و التمسك بها و المسارعة إليها و ما هذه صورته يجب العلم به ليحصل به الفوز بالثواب و الخلاص من العقاب و السبب فيه أنهم لما سألوا النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أن يأخذ من أموالهم ما يكون كفارة لذنوبهم امتنع من ذلك انتظارا لإذن من الله سبحانه فيه فبين الله أنه ليس قبول التوبة إلى النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و إن ذلك إلى الله عز اسمه فإنه الذي يقبلها « و يأخذ الصدقات » أي يتقبلها و يضمن الجزاء عليها قال الجبائي جعل الله أخذ النبي و المؤمنين للصدقات أخذا من الله على وجه التشبيه و المجاز من حيث كان بأمره و قد ورد الخبر عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال أن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تصل إلى يد السائل و المراد بذلك أنها تنزل هذا التنزيل ترغيبا للعباد في فعلها و ذاك يرجع إلى تضمن الجزاء عليها « و أن الله هو التواب الرحيم » عطف على ما قبله و لذلك فتح أن و قد مر تفسيره « و قل اعملوا فسيرى الله عملكم و رسوله و المؤمنون » هذا أمر من الله سبحانه لنبيه أن يقول للمكلفين اعملوا ما أمركم الله به عمل من يعلم أنه مجازا على فعله فإن الله سيرى عملكم و إنما أدخل سين الاستقبال لأن ما لم يحدث لا يتعلق به

(5/102)


الرؤية فكأنه قال كل ما تعملونه يراه الله تعالى و قيل أراد بالرؤية هاهنا العلم الذي هو المعرفة و لذلك عداه إلى مفعول واحد أي يعلم الله تعالى ذلك فيجازيكم عليه و يراه رسوله أي يعلمه فيشهد لكم بذلك عند الله تعالى و يراه المؤمنون قيل أراد بالمؤمنين الشهداء و قيل أراد بهم الملائكة الذين هم الحفظة الذين يكتبون الأعمال و روى أصحابنا أن أعمال الأمة تعرض على النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) في كل اثنين و خمسين فيعرفها و كذلك تعرض على أئمة الهدى (عليهم السلام) فيعرفونها و هم المعنيون بقوله « و المؤمنون » و إنما قال « سيرى الله » مع أنه سبحانه عالم بالأشياء قبل وجودها لأن المراد بذلك أنه سيعلمها موجودة بعد أن علمها معدومة و كونه عالما بأنها ستوجد هو كونه عالما بوجودها إذا وجدت لا يتجدد حال له بذلك « و ستردون إلى عالم الغيب و الشهادة » أي سترجعون إلى الله الذي يعلم السر و العلانية « فينبؤكم » أي يخبركم « بما كنتم تعملون » و يجازيكم عليه .
وَ ءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبهُمْ وَ إِمَّا يَتُوب عَلَيهِمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(106)
القراءة
قرأ أهل المدينة و الكوفة غير أبي بكر « مرجون » بغير همز و الباقون مرجئون بالهمز .
الحجة
قال الأزهري الإرجاء يهمز و لا يهمز أرجأت الأمر و أرجيته أخرته و أرجأت الحامل دنت لأن يخرج ولدها فهي مرجىء و مرجئة و أرجت بغير همز أيضا .
النزول
قال مجاهد و قتادة نزلت الآية في هلال بن أمية الواقفي و مرارة بن الربيع و كعب بن مالك و هم من الأوس و الخزرج و كان كعب بن مالك رجل صدق غير مطعون عليه و إنما تخلف توانيا عن الاستعداد حتى فاته المسير و انصرف رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فقال و الله ما لي من عذر و لم يعتذر إليه بالكذب فقال (عليه السلام) صدقت فمر حتى يقضي الله فيك و جاء الآخران فقالا مثل ذلك و صدقا فنهى رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) عن مكالمتهم و أمر نساءهم باعتزالهم حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت فأقاموا على ذلك خمسين ليلة و بنى كعب خيمة على سلع يكون فيها وحده و قال في ذلك :

(5/103)


أ بعد دور بني القين الكرام و ما
شادوا علي بنيت البيت من سعف ثم نزلت التوبة عليهم بعد الخمسين في الليل و هو قوله تعالى « و على الثلاثة الذين خلفوا » الآية فأصبح المسلمون يبتدرونهم و يبشرونهم قال كعب فجئت إلى رسول الله في المسجد و كان (عليه السلام) إذا سر يستبشر كان وجهه فلقة قمر فقال لي و وجهه يبرق من السرور أبشر بخير يوم طلع عليك شرقه منذ ولدتك أمك قال كعب فقلت أ من عند الله أم من عندك يا رسول الله فقال من عند الله و تصدق كعب بثلث ماله شكرا لله على توبته .
المعنى
ثم عطف سبحانه على ما قبله من قوله « و آخرون اعترفوا بذنوبهم » فقال « و آخرون مرجون لأمر الله » أي مؤخرون موقوفون لما يرد من أمر الله تعالى فيهم « إما يعذبهم و إما يتوب عليهم » لفظة إما وقوع أحد الشيئين و الله سبحانه عالم بما يصير إليه أمرهم و لكنه سبحانه خاطب العباد بما عندهم و معناه و لكن كان أمرهم عندكم على هذا أي على الخوف و الرجاء و هذا يدل على صحة مذهبنا في جواز العفو عن العصاة لأنه سبحانه بين أن قوما من العصاة يكون أمرهم إلى الله تعالى إن شاء عذبهم و إن شاء قبل توبتهم فعفا عنهم و يدل أيضا على أن قبول التوبة تفضل من الله سبحانه لأنه لو كان واجبا لما جاز تعليقه بالمشيئة « و الله عليم » بما يؤول إليه حالهم « حكيم » فيما يفعله بهم .

(5/104)


وَ الَّذِينَ اتخَذُوا مَسجِداً ضِرَاراً وَ كفْراً وَ تَفْرِيقَا بَينَ الْمُؤْمِنِينَ وَ إِرْصاداً لِّمَنْ حَارَب اللَّهَ وَ رَسولَهُ مِن قَبْلُ وَ لَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلا الْحُسنى وَ اللَّهُ يَشهَدُ إِنهُمْ لَكَذِبُونَ(107) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسجِدٌ أُسس عَلى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْم أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يحِبُّونَ أَن يَتَطهَّرُوا وَ اللَّهُ يحِب الْمُطهِّرِينَ(108) أَ فَمَنْ أَسس بُنْيَنَهُ عَلى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَ رِضوَن خَيرٌ أَم مَّنْ أَسس بُنْيَنَهُ عَلى شفَا جُرُف هَار فَانهَارَ بِهِ فى نَارِ جَهَنَّمَ وَ اللَّهُ لا يهْدِى الْقَوْمَ الظلِمِينَ(109) لا يَزَالُ بُنْيَنُهُمُ الَّذِى بَنَوْا رِيبَةً فى قُلُوبِهِمْ إِلا أَن تَقَطعَ قُلُوبُهُمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(110)
القراءة
قرأ أهل المدينة و ابن عامر الذين اتخذوا بغير واو و الباقون بالواو و قرأ نافع و ابن عامر أسس بضم الألف بنيانه بالرفع في الموضعين و قرأ الباقون « أسس بنيانه » فيهما و في الشواذ قراءة نصر بن عاصم أسس بنيانه على وزن فعل و قراءة نصر بن علي أساس بنيانه و قرأ ابن عامر و حمزة و حماد و يحيى عن أبي بكر و خلف جرف بالتخفيف و الباقون « جرف » بالتثقيل و قرأ يعقوب و سهل إلى أن على أنه حرف الجر و هو قراءة الحسن و قتادة و الجحدري و جماعة و رواه البرقي عن أبي عبد الله و قرأ الباقون « إلا أن » مشددة اللام و قرأ أبو جعفر و ابن عامر و حمزة و حفص و سهل و رويس عن يعقوب « تقطع » بفتح التاء و التشديد و قرأ روح تقطع بضم التاء مخففا و قرأ الباقون تقطع بضم التاء مشددا .
الحجة

(5/105)


من أثبت الواو في « الذين » عطفه على ما تقدم و التقدير و منهم الذين اتخذوا مسجدا و من حذف الواو ابتدأ الكلام و أضمر الخبر بعده كما أضمر في قوله « إن الذين كفروا و يصدون عن سبيل الله و المسجد الحرام » إلى قوله « و الباد » و المعنى فيه ينتقم منهم أو يعذبهم و نحو ذلك و حسن الحذف في الموضعين لطول الكلام بالمبتدإ و صلته و يجوز أن يكون على أن تضمر و منهم فيكون تقديره و منهم الذين اتخذوا كما أضمرت الحرف مع الفعل في قوله « فأما الذين اسودت وجوههم أ كفرتم بعد إيمانكم » أي فيقال لهم أ كفرتم و لا يجوز أن يكون الذين بدلا من قوله « و آخرون مرجون » لأن المرجئين لأمر الله غير الذين اتخذوا مسجدا ضرارا فلا يجوز أن يبدلوا منهم و من قرأ « أسس بنيانه » بنى الفعل للفاعل كما أضاف البنيان إليه في قوله « بنيانه » فالمصدر مضاف إلى الفاعل و الباني و المؤسس واحد و من بنى الفعل للمفعول به لم يبعد أن يكون في المعنى كالأول لأنه إذا أسس بنيانه فيولي ذلك غيره بأمره كان كبنائه هو له فأما من قرأ أسس بنيانه في الموضعين و أساس بنيانه بالإضافة فإنهما بمعنى واحد و جمع الأس أساس كقفل و أقفال و جمع الأساس

(5/106)


آساس و أسس و أما « الجرف » فالأصل فيه ضم العين و الإسكان تخفيف و مثله الشغل و الشغل و الطنب و الطنب و من قرأ « إلا أن تقطع قلوبهم » فمعناه تبلى و تتقطع بالبلى أي لا تثلج قلوبهم بالإيمان أبدا و من قرأ تقطع بضم التاء فهو في المعنى مثل الأول إلا أن الفعل أضيف إلى القطع المبلي للقلوب بالموت و في الأول أسند إلى القلوب لما كانت هي البالية و هذا مثل مات زيد و سقط الحائط و نحو ذلك مما أسند فيه الفعل إلى من حدث فيه و إن لم يكن منه و تقطع يسند الفعل فيه إلى المقطع المبلي و إن لم يذكر في اللفظ فأسند الفعل الذي هو لغير القلوب في الحقيقة إلى القلوب و من قرأ إلى أن تقطع فإنه جعله على الغاية و زعموا أن في حرف إلى حتى الممات و هذا يدل على أنهم يموتون على نفاقهم فإذا ماتوا عرفوا بالموت ما كانوا تركوه من الإيمان و أخذوا به من الكفر .
اللغة
الضرار هو طلب الضرر و محاولته كما أن الشقاق محاولة ما يشق يقال ضاره مضارة و ضرارا و الإرصاد الارتقاب تقول رصده يرصده رصدا و أرصد له إرصادا قال الكسائي رصدته رقبته و أرصدته أعددته و البنيان مصدر قال أبو علي و هو جمع على حد شعيرة و شعير لأنهم قالوا بنيانه في الواحد قال أوس :
كبنيانه القري موضع رحلها
و آثار نسعيها من الدف أبلق و جاء بناء المصدر على هذا المثال في غير هذا الحرف نحو الغفران و ليس بنيان جمع بناء لأن فعلانا إذا كان جمعا نحو كثبان و قضبان لم تلحقه تاء التأنيث و قال أبو زيد يقال بنيت أبني بنيا و بنيانا و بناء و بنية و جمعها البنى قال :
بنى السماء فسواها ببنيتها
و لم تمد بأطناب و لا عمد فالبناء و البنية مصدران و من ثم قوبل به الفراش في قوله « جعل لكم الأرض فراشا و السماء بناء » فالبناء لما كان رفعا للمبني قوبل به الفراش الذي هو خلاف البناء و التقوى خصلة من الطاعة يحترز بها من العقوبة و التقي صفة مدح لا تطلق إلا على مستحق الثواب و واو تقوى مبدلة من الياء لأنها من وقيت و إنما أبدلت للفرق بين الاسم و الصفة في الأبنية مثل خزيا و شفا جرف الشيء و شفيره و جرفه نهايته في المساحة و يثنى شفوان و جرف الوادي جانبه الذي ينحفر بالماء أصله و هو من الجرف و الاجتراف هو اقتلاع الشيء من أصله و هار

(5/107)


الجرف يهور هورا فهو هائر و تهور و انهار و يقال أيضا هار يهار و هار أصله هائر و هو من المقلوب كما يقال لاث الشيء به إذا دار فهو لاث و الأصل لائث و كما قالوا شاكي السلاح أي شائك قال :
فتعرفوني إنني أنا ذاكم
شاك سلاحي في الحوادث معلم و كما قال العجاج :
لاث به الأشاء و العبري ) أي مطيف و قال أبو علي و الهمز من عائر منقلبة عن الواو لأنهم قالوا تهور البناء إذا تساقط و تداعى و في الحديث سار الليلة حتى انهار الليل ثم سار حتى تهور فهذا في الليل كالمثل و التشبيه بالبناء و الانهيال و الانهيار يتقاربان في المعنى كما يتقاربان في اللفظ .
الإعراب
قد ذكرنا إعراب قوله « و الذين اتخذوا » في الحجة و يجوز أن يكون مبتدأ و خبره « لا تقم فيه أبدا » كما تقول و الذي يدعوك إلى الغي فلا تسمع الدعاء و تقديره فلا تسمع دعاءه و كذلك التقدير في الآية لا تقم في مسجدهم أبدا فحذف للاختصار و يجوز أن يكون خبر الذين قوله « أ فمن أسس بنيانه » أي أ فمن أسس بنيانه من هؤلاء أم من أسس من الذين اتخذوا ضرارا منصوب على أنه مفعول له و كذلك ما بعده و المعنى اتخذوه للضرار و الكفر و التفريق و الإرصاد فلما حذف اللام أفضى الفعل فنصب و يجوز أن يكون مصدرا محمولا على المعنى لأن اتخاذهم المسجد على غير التقوى معناه ضاروا به ضرارا من أول يوم دخلت من في الزمان و الأصل منذ و مذ هذا الأكثر استعمالا في الزمان و من جائز دخولها أيضا لأنها الأصل في ابتداء الغاية و التبعيض و منه قول زهير :
لمن الديار بقنة الحجر أقوين من حجج و من شهر و يروى من دهر و قد قيل إن المعنى من مر حجج و من مر شهر و « أن تقوم » في موضع نصب أي أحق بأن تقوم فيه و « فيه » منصوب الموضع بقوله « تقوم » و فيه من قوله « فيه رجال » في موضع رفع لأنه خبر مبتدإ مقدم عليه و المبتدأ رجال و لا يجوز أن يكون مرفوع الموضع بكونه وصفا لمسجد بل هو على الاستئناف و الوقف التام على قوله « أحق أن تقوم

(5/108)


فيه » ثم استؤنف الكلام فقيل « فيه رجال » و إنما قلنا ذلك لأنك لو جعلت الظرف الذي هو فيه وصفا لمسجد لكنت فصلت بين النكرة و صفتها بالخبر الذي هو أحق و قوله « أ فمن أسس بنيانه على تقوى من الله » قال أبو علي القول فيه أنه يجوز أن تكون المعادلة وقعت بين البانيين و يجوز أن يكون بين البنائين فإذا عادلت بين البانيين كان المعنى المؤسس بنيانه متقيا خير أم المؤسس بنيانه غير متق لأن قوله « على شفا جرف » يدل على أن بانيه غير متق لله تعالى و لا خاش له و يجوز أن يقدر حذف المضاف كأنه أبناه من أسس بنيانه متقيا خير أم بناء من أسس بنيانه على شفا جرف و البنيان مصدر أوقع على المبني مثل الخلق إذا عنيت به المخلوق و ضرب الأمير إذا عنيت به المضروب و كذلك نسج اليمن يدلك على ذلك أنه لا يخلو من أن يراد به اسم الحدث أو اسم العين فلا يجوز أن يكون الحدث لأنه إنما يؤسس المبني الذي هو عين و يبين ذلك أيضا قوله « على شفا جرف » و الحدث لا يعلو شفا جرف و الجار في قوله « على تقوى من الله » و قوله « على شفا جرف هار » في موضع نصب على الحال تقديره أ فمن أسس بنيانه متقيا خيرا أم من أسس بنيانه غير متق أو معاقبا على بنائه و فاعل انهار البنيان أي انهار البنيان بالباني في نار جهنم لأنه معصية و فعل لما كرهه الله تعالى من الضرار و الكفر و التفريق بين المؤمنين و من أمال « هار » فقد أحسن لما في الراء من التكرير فكأنك لفظت براءين مكسورتين و بحسب كثرة الكسرات تحسن الإمالة و من لم يمل فلأن ترك الإمالة هو الأصل و قوله « إلا أن تقطع قلوبهم » موضع « أن تقطع » نصب تقديره إلا على تقطع قلوبهم غير أن حرف الإضافة يحذف مع أن و لا يحذف مع المصدر و معنى إلا هاهنا حتى لأنه استثناء من الزمان المستقبل و الاستثناء منه منته إليه فاجتمعت مع حتى في هذا الموضع على هذا المعنى .
النزول
قال المفسرون أن بني عمرو بن عوف اتخذوا مسجد قبا و بعثوا إلى رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أن يأتيهم فأتاهم و صلى فيه فحسدهم جماعة من المنافقين من بني غنم بن عوف فقالوا نبني مسجدا فنصلي فيه و لا نحضر جماعة محمد و كانوا اثني عشر رجلا و قيل خمسة عشر رجلا منهم ثعلبة بن حاطب و معتب بن قشير و نبتل بن الحرث فبنوا مسجدا إلى جنب مسجد قبا فلما فرغوا منه أتوا رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و هو يتجهز إلى تبوك فقالوا يا رسول الله أنا قد بنينا مسجدا لذي العلة و الحاجة و الليلة المطيرة و الليلة الشاتية و أنا نحب أن تأتينا فتصلي فيه لنا و تدعو بالبركة فقال (صلى الله عليهوآلهوسلّم) إني على جناح سفر و لو قدمنا أتيناكم إن شاء الله فصلينا لكم فيه فلما انصرف رسول الله من تبوك نزلت عليه الآية في شأن المسجد

(5/109)


المعنى
ثم ذكر سبحانه جماعة أخرى من المنافقين بنوا مسجدا للتفريق بين المسلمين و طلب الغوائل للمؤمنين فقال « و الذين اتخذوا مسجدا » و المسجد موضع السجود في الأصل و صار بالعرف اسما لبقعة مخصوصة بنيت للصلاة فالاسم عرفي فيه معنى اللغة « ضرارا » أي مضارة يعني الضرر بأهل مسجد قبا أو مسجد الرسول (صلى الله عليهوآلهوسلّم) ليقل الجمع فيه « و كفرا » أي و لإقامة الكفر فيه و قيل أراد أنه كان اتخاذهم ذلك كفرا بالله و قيل ليكفروا فيه بالطعن على رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و الإسلام « و تفريقا بين المؤمنين » أي لاختلاف الكلمة و إبطال الألفة و تفريق الناس عن رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) « و إرصادا لمن حارب الله و رسوله من قبل » أي أرصدوا ذلك المسجد و اتخذوه و أعدوا لأبي عامر الراهب و هو الذي حارب الله و رسوله من قبل و كان من قصته أنه كان قد ترهب في الجاهلية و لبس المسوح فلما قدم النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) المدينة حسده و حزب عليه الأحزاب ثم هرب بعد فتح مكة إلى الطائف فلما أسلم أهل الطائف لحق بالشام و خرج إلى الروم و تنصر و هو أبو حنظلة غسيل الملائكة الذي قتل مع النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) يوم أحد و كان جنبا فغسلته الملائكة و سمى رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أبا عامر الفاسق و كان قد أرسل إلى المنافقين أن استعدوا و ابنوا مسجدا فإني أذهب إلى قيصر و آتي من عنده بجنود و أخرج محمدا من المدينة فكان هؤلاء المنافقون يتوقعون أن يجيئهم أبو عامر فمات قبل أن يبلغ ملك الروم « و ليحلفن إن أردنا إلا الحسنى » معناه أن هؤلاء يحلفون كاذبين ما أردنا ببناء هذا المسجد إلا الفعلة الحسنى من التوسعة على أهل الضعف و العلة من المسلمين فأطلع الله نبيه على فساد طويتهم و خبث سريرتهم فقال « و الله يشهد إنهم لكاذبون » و كفى لمن يشهد الله سبحانه بكذبه خزيا فوجه رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) عند قدومه من تبوك عاصم بن عوف العجلاني و مالك بن الدخشم و كان مالك من بني عمرو بن عوف فقال لهما انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فأهدماه و حرقاه و روي أنه بعث عمار بن ياسر و وحشيا فحرقاه و أمر بأن يتخذ كناسة يلقى فيها الجيف ثم نهى الله سبحانه أن يقوم في هذا المسجد فقال « لا تقم فيه أبدا » أي لا تصل فيه أبدا يقال فلان يقوم بالليل أي يصلي ثم أقسم فقال « لمسجد » أي و الله لمسجد « أسس على التقوى » أي بني أصله على تقوى الله و طاعته « من أول يوم » أي منذ أول يوم وضع أساسه عن المبرد « أحق أن تقوم فيه » أي أولى بأن تصلي فيه و اختلف في هذا

(5/110)


المسجد فقيل هو مسجد قبا عن ابن عباس و الحسن و عروة بن الزبير و قيل هو مسجد رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) عن زيد بن ثابت و ابن عمر و أبي سعيد الخدري و روى هو عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال هو مسجدي هذا و قيل هو كل مسجد بني للإسلام و أريد به وجه الله عن أبي مسلم ثم وصف المسجد و أهله فقال « فيه » أي في هذا المسجد الذي أسس على التقوى « رجال يحبون أن يتطهروا » أي يحبون أن يصلوا لله تعالى متطهرين بأبلغ الطهارة و قيل يحبون أن يتطهروا من الذنوب عن الحسن و قيل يحبون أن يتطهروا بالماء عن الغائط و البول و هو المروي عن السيدين الباقر و الصادق (عليهماالسلام) و روي عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال لأهل قبا ما ذا تفعلون في طهركم فإن الله تعالى قد أحسن عليكم الثناء قالوا نغسل أثر الغائط فقال أنزل الله فيكم « و الله يحب المطهرين » أي المتطهرين ثم قرر سبحانه الفرق بين المسجدين فقال « أ فمن أسس بنيانه على تقوى من الله و رضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار » قد مضى بيانه و المراد أن الله تعالى شبه بنيانهم على نار جهنم بالبناء على جانب نهر هذا صفته فكما أن من بنى على جانب هذا النهر فإنه ينهار بناؤه في الماء و لا يثبت فكذلك بناء هؤلاء ينهار و يسقط في نار جهنم يعني أنه لا يستوي عمل المتقي و عمل المنافق فإن عمل المؤمن المتقي ثابت مستقيم مبني على أصل صحيح ثابت و عمل المنافق ليس بثابت و هو واه ساقط و الألف في قوله « أ فمن » ألف استفهام يراد به الإنكار هاهنا و ليس معنى خير في الآية أفضل بل هو كما يقال هذا خير و هذا شر و قال الشاعر :
و الخير و الشر مقرونان في قرن
فالخير متبع و الشر محذور و أما قوله « و افعلوا الخير » فإن معناه و افعلوا الأفضل و قوله « فانهار به في نار جهنم » أي يوقعه ذلك البناء في نار جهنم « و الله لا يهدي القوم الظالمين » مر بيانه و روي عن جابر بن عبد الله أنه قال رأيت المسجد الذي بني ضرارا يخرج منه الدخان « لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم » أي لا يزال بناء المبني الذي بنوه شكا في قلوبهم فيما كان من إظهار إسلامهم و ثباتا على النفاق و قيل إن معناه حزازة في قلوبهم و قيل حسرة في قلوبهم يترددون فيها « إلا أن تقطع قلوبهم » معناه إلا أن يموتوا و المراد بالآية أنهم لا ينزعون عن الخطيئة و لا يتوبون حتى يموتوا على نفاقهم و كفرهم فإذا ماتوا عرفوا بالموت ما كانوا تركوه من الإيمان و أخذوا به من الكفر و قيل معناه إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندما و أسفا على تفريطهم « و الله عليم » أي عالم بنيتهم في بناء مسجد الضرار « حكيم »

(5/111)


في أمره بنقضه و المنع من الصلاة فيه .
* إِنَّ اللَّهَ اشترَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسهُمْ وَ أَمْوَلهَُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَتِلُونَ فى سبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فى التَّوْرَاةِ وَ الانجِيلِ وَ الْقُرْءَانِ وَ مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاستَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِهِ وَ ذَلِك هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(111) التَّئبُونَ الْعَبِدُونَ الحَْمِدُونَ السئحُونَ الرَّكعُونَ السجِدُونَ الاَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّاهُونَ عَنِ الْمُنكرِ وَ الحَْفِظونَ لحُِدُودِ اللَّهِ وَ بَشرِ الْمُؤْمِنِينَ(112)
القراءة
قرأ أهل الكوفة غير عاصم فيقتلون بضم الياء و يقتلون بفتح الياء و الباقون « فيقتلون » بفتح الياء « و يقتلون » بضمها و في قراءة أبي و عبد الله بن مسعود و الأعمش التائبين العابدين بالياء إلى آخرها و روي ذلك عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه السلام) .
الحجة
قال أبو علي من قرأ « فيقتلون و يقتلون » فقدم الفعل المسند إلى الفاعل فلأنهم يقتلون أولا في سبيل الله و يقتلون و لا يقتلون إذا قتلوا و من قدم الفعل المسند إلى المفعول به جاز أن يكون في المعنى مثل الأول لأن المعطوف بالواو يجوز أن يراد به التقديم فإن لم يقدر فيه التقديم كان المعنى في قوله « فيقتلون » بعد قوله « يقتلون » بقتل من بقي منهم بعد قتل من قتل و أما الرفع في قوله « التائبون العابدون » فعلى القطع و الاستئناف أي هم التائبون و يكون على المدح و قيل أنه رفع على الابتداء و خبره محذوف بعد قوله « و الحافظون لحدود الله » أي لهم الجنة أيضا عن الزجاج و قيل أنه رفع على البدل من الضمير في يقاتلون أي يقاتل التائبون و أما التائبين العابدين فيحتمل أن يكون جرا و أن يكون نصبا أما الجر فعلى أن يكون وصفا للمؤمنين أي من المؤمنين التائبين و أما النصب فعلى إضمار فعل بمعنى المدح كأنه قال أعني و أمدح التائبين .

(5/112)


اللغة
السائح من ساح في الأرض يسيح سيحا إذا استمر في الذهاب و منه السيح الماء الجاري و من ذلك يسمى الصائم سائحا لاستمراره على الطاعة في ترك المشتهى .
الإعراب
وعدا نصب على المصدر لأن قوله « اشترى » يدل على أنه وعد و مثله صنع الله الذي أتقن كل شيء و فطرة الله التي فطر الناس عليها .
المعنى
لما تقدم ذكر المؤمنين و المنافقين عقب سبحانه بالترغيب في الجهاد فقال « إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأن لهم الجنة » حقيقة الاشتراء لا تجوز على الله تعالى لأن المشتري إنما يشتري ما لا يملكه و هو عز اسمه مالك الأشياء كلها لكنه مثل قوله من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا في أنه ذكر لفظ الشراء و القرض تلطفا لتأكيد الجزاء و لما كان سبحانه ضمن الثواب على نفسه عبر عن ذلك بالاشتراء و جعل الثواب ثمنا و الطاعات مثمنا على ضرب من المجاز و أخبر أنه اشترى من المؤمنين أنفسهم يبذلونها في الجهاد في سبيل الله و أموالهم أيضا ينفقونها ابتغاء مرضاة الله على أن يكون في مقابلة ذلك الجنة و روي عن الأعمش أنه قرأ بالجنة و هي قراءة عمر بن الخطاب و الجهاد قد يكون بالسيف و قد يكون باللسان و ربما كان جهاد اللسان أبلغ لأن سبيل الله دينه و الدعاء إلى الدين يكون أولا باللسان و السيف تابع له و لأن إقامة الدليل على صحة المدلول أولى و إيضاح الحق و بيانه أحرى و ذلك لا يكون إلا باللسان و قد قال النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) يا علي لأن يهدي الله على يديك نسمة خير مما طلعت عليه الشمس و إنما ذكر سبحانه شراء النفس و المال لأن العبادات على ضربين بدنية و مالية و لا ثالث لهما و يروى أن الله سبحانه تاجر المؤمنين فأغلى لهم الثمن فجعل ثمنهم الجنة و كان الصادق (عليه السلام) يقول أيا من ليست له همة أنه ليس لأبدانكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها و أنشد الأصمعي للصادق (عليه السلام) :
أثامن بالنفس النفيسة ربها
فليس لها في الخلق كلهم ثمن
بها نشتري الجنات إن أنا بعتها
بشيء سواها إن ذلكم غبن
إذا ذهبت نفسي بدنيا أصبتها
فقد ذهب الدنيا و قد ذهب الثمن « يقاتلون في سبيل الله » هذا بيان للغرض الذي لأجله اشتراهم « فيقتلون » المشركين « و يقتلون » أي و يقتلهم المشركون يعني أن الجنة عوض عن جهادهم سواء قتلوا أو قتلوا و من قرأ فيقتلون و يقتلون فهو المختار عن الحسن لأنه يكون تسليم النفس إلى المشتري أقرب و البائع إنما يستحق الثمن بتسليم المبيع « وعدا عليه حقا » معناه إن

(5/113)


إيجاب الجنة لهم وعد على الله حق لا شك فيه و تقديره وعدهم الله الجنة على نفسه وعدا حقا أي صدقا واجبا لا خلف فيه « في التوراة و الإنجيل و القرآن » و هذا يدل على أن أهل كل ملة أمروا بالقتال وعدوا عليه الجنة عن الزجاج « و من أوفى بعهده من الله » معناه لا أحد أوفى بعهده من الله لأنه يفي و لا يخلف بحال « فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به » فافرحوا بهذه المبايعة حتى ترى آثار السرور في وجوهكم بسبب هذه المبايعة لأنكم بعتم الشيء من مالكه و أخذتم ثمنه و لأنكم بعتم فانيا بباق و زائلا بدائم « و ذلك هو الفوز العظيم » أي ذلك الشراء و البيع الظفر الكبير الذي لا يقاربه شيء ثم وصف الله سبحانه المؤمنين الذين اشترى منهم الأنفس و الأموال بأوصاف فقال « التائبون » أي الراجعون إلى طاعة الله و المنقطعون إليه النادمون على ما فعلوه من القبائح « العابدون » أي الذين يعبدون الله وحده و يتذللون له بطاعته في أوامره و نواهيه و قيل هم الذين أخذوا من أبدانهم في ليلهم و نهارهم فعبدوا الله في السراء و الضراء عن الحسن و قتادة « الحامدون » أي الذين يحمدون الله على كل حال عن الحسن و قيل هم الشاكرون لنعم الله على وجه الإخلاص له « السائحون » أي الصائمون عن ابن عباس و ابن مسعود و الحسن و سعيد بن جبير و مجاهد و روي مرفوعا عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال سياحة أمتي الصيام و قيل هم الذين يسيحون في الأرض فيعتبرون بعجائب الله تعالى و قيل هم طلبة العلم يسيحون في الأرض لطلبه عن عكرمة « الراكعون الساجدون » أي المؤدون للصلاة المفروضة التي فيها الركوع و السجود « الآمرون بالمعروف و الناهون عن المنكر » أدخل الواو هنا لأن الأمر بالمعروف يتضمن النهي عن المنكر فكأنهما شيء واحد و لأنه قرن النهي عن المنكر بالأمر بالمعروف في أكثر المواضع فأدخل الواو ليدل على المقارنة « و الحافظون لحدود الله » أي و القائمون بطاعة الله عن ابن عباس يعني الذين يؤدون فرائض الله و أوامره و يجتنبون نواهيه لأن حدود الله أوامره و نواهيه و إنما أدخل الواو لأنه جاء و هو أقرب إلى المعطوف « و بشر المؤمنين » هذا أمر النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أن يبشر المصدقين بالله المعترفين بنبوته بالثواب الجزيل و المنزلة الرفيعة خاصة إذا جمعوا هذه الأوصاف و قد روى أصحابنا أن هذه صفات الأئمة المعصومين (عليهم السلام) لأنه لا يكاد يجمع هذه الأوصاف على تمامها و كمالها غيرهم و لقي الزهري علي بن الحسين (عليهماالسلام) في طريق الحج فقال له تركت الجهاد و صعوبته و أقبلت إلى الحج و الله سبحانه يقول « إن الله اشترى من المؤمنين » الآية فقال (عليه السلام) له أتم الآية الأخرى « التائبون العابدون » إلى آخرها ثم قال إذا رأينا هؤلاء الذين هذه صفتهم فالجهاد معهم أفضل من الحج .

(5/114)


مَا كانَ لِلنَّبىِّ وَ الَّذِينَ ءَامَنُوا أَن يَستَغْفِرُوا لِلْمُشرِكينَ وَ لَوْ كانُوا أُولى قُرْبى مِن بَعْدِ مَا تَبَينَ لهَُمْ أَنهُمْ أَصحَب الجَْحِيمِ(113) وَ مَا كانَ استِغْفَارُ إِبْرَهِيمَ لأَبِيهِ إِلا عَن مَّوْعِدَة وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَينَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوُّ لِّلَّهِ تَبرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَهِيمَ لأَوَّهٌ حَلِيمٌ(114)
اللغة
أصل الأواه من التأوه و هو التوجع و التحزن يقال تأوه تأوها و أوه تأويها قال المثقب العبدي :
إذا ما قمت أرحلها بليل
تأوه آهة الرجل الحزين و لو جاء منه فعل مصرفا لكان آه يئوه أوها مثل قال يقول قولا و العرب تقول أوه من كذا بكسر الواو و تسكين الهاء قال :
فأوه بذكراها إذا ما ذكرتها
و من بعد أرض دونها و سماء و العامة تقول أوه و فيه خمس لغات أوه بسكون الواو و كسر الهاء و أو و آه بالتنوين و أوه و أوه .
المعنى
« ما كان للنبي و الذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين » و معناه ليس للنبي و المؤمنين أن يطلبوا المغفرة للمشركين الذين يعبدون مع الله إلها آخر و الذين لا يوحدونه و لا يقرون بإلهيته « و لو كانوا أولي قربى » أي و لو كان الذين يطلبون لهم المغفرة أقرب الناس إليهم « من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم » أي من بعد أن يعلموا أنهم كفار مستحقون للخلود في النار و في تفسير الحسن أن المسلمين قالوا للنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أ لا تستغفر لآبائنا الذين ماتوا في الجاهلية فأنزل الله سبحانه هذه الآية و بين أنه لا ينبغي لنبي و لا مؤمن أن يدعو لكافر و يستغفر له و قوله « ما كان للنبي » أبلغ من أن يقول لا ينبغي للنبي لأنه يدل على قبحه و أن الحكمة تمنع منه و لو قال لا ينبغي لم يدل على أن

(5/115)


الحكمة تمنع منه و إنما كان يدل على أنه لا ينبغي أن يختاره و معناه لم يجعل الله في دينه و لا في حكمه أن يستغفروا للمشركين و لو دعتهم رقة القرابة و شفقة الرحم إلى الاستغفار لهم بعد ما ظهر أن لهم عذابا عظيما ثم بين سبحانه الوجه في استغفار إبراهيم لأبيه مع كونه كافرا سواء كان أباه الذي ولده أو جده لأمه أو عمه على ما رواه أصحابنا فقال « و ما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه » أي لم يكن استغفاره له إلا صادرا عن موعدة وعدها إياه و اختلف في صاحب هذه الموعدة هل هو إبراهيم و أبوه فقيل أن الموعدة كانت من الأب وعد بها إبراهيم أنه يؤمن أن استغفر له لذلك « فلما تبين له أنه عدو لله » و لا يفي بما وعد « تبرأ منه » و ترك الدعاء له و هو المروي عن ابن عباس و مجاهد و قتادة إلا أنهم قالوا إنما تبين عداوته لما مات على كفره و قيل أن الموعدة كانت من إبراهيم قال لأبيه إني أستغفر لك ما دمت حيا و كان يستغفر له مقيدا بشرط الإيمان فلما آيس من إيمانه تبرأ منه و هذا يوافق قراءة الحسن إلا عن موعدة وعدها أباه و يقويه قوله إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك و ما أملك لك من الله من شيء « إن إبراهيم لأواه » أي دعاء كثير الدعاء و البكاء عن ابن عباس و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) و قيل الأواه الرحيم بعباد الله عن الحسن و قتادة و قيل هو الذي إذا ذكر النار قال أوه عن كعب و قيل الأواه المؤمن بلغة الحبشة عن ابن عباس و قيل الأواه الموقن المستيقن عن مجاهد و عكرمة و قيل الأواه العفيف عن النخعي و قيل هو الراجع عن كل ما يكره الله عز و جل عن عطا و قيل هو الخاشع المتضرع رواه عبد الله بن شداد عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و قيل هو المسبح الكثير الذكر لله سبحانه عن عقبة بن عامر و قيل هو المتأوه شفقا و فرقا المتضرع يقينا بالإجابة و لزوما للطاعة عن أبي عبيدة و قال الزجاج و قد انتظم قول أبي عبيدة أكثر ما روي في الأواه « حليم » يقال بلغ من حلم إبراهيم (عليه السلام) إن رجلا قد أذاه و شتمه فقال له هداك الله و قيل الحليم السيد عن ابن عباس و أصله أنه الصبور على الأذى الصفوح عن الذنب .
النظم
لما تقدم ذكر الكفار و المنافقين و المنع من موالاتهم و الصلاة عليهم و القيام على قبرهم للدعاء لهم نهي عن دعائهم بعد موتهم و لما نهى الله النبي و المؤمنين عن الاستغفار للمشركين ذكر قصة إبراهيم و عذره في الاستغفار لأبيه و أما قوله « إن إبراهيم لأواه حليم » فإنما اتصل بما قبله بأنه إذا كان له صفة الرأفة و الرحمة يكون في دعائه أخلص و على خلاص أقربائه من العذاب أحرص و مع ذلك تبرأ منه لما يئس من فلاحه .

(5/116)


وَ مَا كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمَا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتى يُبَينَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكلِّ شىْء عَلِيمٌ(115) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْك السمَوَتِ وَ الأَرْضِ يُحْىِ وَ يُمِيت وَ مَا لَكم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلىّ وَ لا نَصِير(116)
النزول
قيل مات قوم من المسلمين على الإسلام قبل أن تنزل الفرائض فقال المسلمون يا رسول الله إخواننا الذين ماتوا قبل الفرائض ما منزلتهم فنزل « و ما كان الله ليضل قوما » الآية عن الحسن .
المعنى
« و ما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم » أي و ما كان الله ليحكم بضلالة قوم بعد ما حكم بهدايتهم « حتى يبين لهم ما يتقون » من الأمر بالطاعة و النهي عن المعصية فلا يتقون فعند ذلك يحكم بضلالتهم و قيل و ما كان الله ليعذب قوما فيضلهم عن الثواب و الكرامة و طريق الجنة بعد إذ هداهم و دعاهم إلى الإيمان حتى يبين لهم ما يستحقون به الثواب و العقاب من الطاعة و المعصية و قيل لما نسخ بعض الشرائع و قد غاب أناس و هم يعملون بالأمر الأول إذ لم يعلموا بالأمر الثاني مثل تحويل القبلة و غير ذلك و قد مات الأولون على الحكم الأول سئل النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) عن ذلك فأنزل الله الآية و بين أنه لا يعذب هؤلاء على التوجه إلى القبلة الأولى حتى يسمعوا بالنسخ و لا يعملوا بالناسخ فحينئذ يعذبهم عن الكلبي « إن الله بكل شيء عليم » يعلم جميع المعلومات حتى لا يشذ شيء منها عنه لكونه عالما لنفسه « إن الله له ملك السماوات و الأرض » الملك اتساع المقدور لمن له السياسة و التدبير « يحيي و يميت » أي يحيي الجماد و يميت الحيوان « و ما لكم من دون الله من ولي و لا نصير » أي ليس لكم سواه حافظ يحفظكم و ولي يتولى أمركم و لا ناصر ينصركم و يدفع العذاب عنكم .
النظم
وجه اتصال الآية الأولى بما قبلها إن الله سبحانه لما حرم على المؤمنين أن يستغفروا للمشركين بين سبحانه أنه لا يأخذهم بذلك إلا بعد أن يدلهم على تحريمه عن مجاهد و وجه اتصال الآية الثانية بما قبلها الحض على ما تقدم ذكره من جهاد المشركين ملوكهم و غير ملوكهم لأنهم عبيد من له ملك السماوات و الأرض يأمرهم بما يشاء و يدبرهم على ما يشاء عن علي بن عيسى .

(5/117)


لَّقَد تَّاب اللَّهُ عَلى النَّبىِّ وَ الْمُهَجِرِينَ وَ الأَنصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فى ساعَةِ الْعُسرَةِ مِن بَعْدِ مَا كادَ يَزِيغُ قُلُوب فَرِيق مِّنْهُمْ ثُمَّ تَاب عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ(117) وَ عَلى الثَّلَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتى إِذَا ضاقَت عَلَيهِمُ الأَرْض بِمَا رَحُبَت وَ ضاقَت عَلَيْهِمْ أَنفُسهُمْ وَ ظنُّوا أَن لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَاب عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّاب الرَّحِيمُ(118)
القراءة
قرأ حمزة و حفص عن عاصم « يزيغ » بالياء و هي قراءة الأعمش و الباقون تزيغ بالتاء و القراءة المشهورة « الذين خلفوا » و قرأ علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) و أبو جعفر محمد بن علي الباقر و جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) و أبو عبد الرحمن السلمي خالفوا و قرأ عكرمة و زر بن حبيش و عمرو بن عبيد خلفوا بفتح الخاء و اللام خفيفة .
الحجة
قال أبو علي يجوز أن يكون فاعل كاد أحد ثلاثة أشياء ( الأول ) أن تضمر فيها القصة و الحديث و يكون تزيغ الخبر و جاز ذلك فيها و إن كان الأصل في إضمار القصة إنما هو في الابتداء لأن الخبر لازم لكاد فأشبه العوامل الداخلة على الابتداء للزوم الخبر له قال و لا يجوز ذلك في عسى لأن عسى قد يكون فاعله المفرد في كثير من الأمر فلا يلزمه الخبر كقوله عسى أن تكرهوا شيئا و هو خير لكم و عسى أن تحبوا شيئا و هو شر لكم فإذا كان كذلك لم يحتمل الضمير الذي يحتمله كاد كما لم يحتمله سائر الأفعال التي تسند إلى فاعليها مما لا يدخل على المبتدأ ( و الثاني ) أن يضمر في كاد ذكر مما تقدم لما كان النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و المهاجرون و الأنصار قبيلا واحدا و فريقا واحدا جاز أن يضمر في كاد ما دل عليه ما تقدم ذكره من القبيل و الحزب و الفريق و نحو ذلك من الأسماء المفردة الدالة على الجمع و قال منهم فحمله على المعنى مثل قوله آمن بالله و اليوم الآخر ثم قال فلا خوف عليهم و لا هم يحزنون فكذلك فاعل كاد على هذا الوجه ( الثالث ) أن يكون فاعل كاد القلوب و تقديره من بعد ما كاد قلوب فريق منهم تزيغ و لكنه قدم تزيغ كما تقدم خبر كان و جاز تقديمه و أن كان فيه ذكر من القلوب و لم يمتنع من حيث يمتنع إضمار قبل الذكر

(5/118)


لما كان النية به التأخير كما لم يمتنع ضرب غلامه زيد لما كان التقدير به التأخير فأما من قرأ « يزيغ » بالياء فيجوز أن يكون قد ذهب إلى أن في كاد ضمير الحديث فيرتفع قلوب بيزيغ فذكر و أن كان فاعله مؤنثا لتقدم الفعل و من قرأ تزيغ بالتاء جاز أن يكون ذهب إلى أن القلوب مرتفعة بكاد و جاز أن يكون الفعل المسند إلى القصة أو الحديث يؤنث إذا كان في الجملة التي يفسرها مؤنث كقوله « فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا » و جاز تأنيث هي التي هي ضمير القصة لذكر الأبصار المؤنثة في الجملة التي هي التفسير فكذلك يؤنث الذي في كاد للذكر المؤنث في الجملة المفسرة فتقول كادت و تدغم التاء التي هي علامة التأنيث في تاء تزيغ و تزيغ على هذا للقلوب و هي مرتفعة به و يجوز إلحاق التاء بكاد من وجه آخر و هي أن ترفع قلوب فريق بكاد فتلحقه علامة التأنيث من حيث كان مسندا إلى مؤنث و من قرأ « خلفوا » فتأويله أقاموا و لم يبرحوا و من قرأ خالفوا فمعناه عائد إلى ذلك لأنهم إذا خالفوهم فأقاموا فقد خلفوا هناك .
اللغة
الزيغ ميل القلب عن الحق و منه قوله فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم و زاغت الشمس إذا مالت و زاغ عن الطريق جاز و عدل و التخليف تأخير الشيء عمن مضى فأما تأخير الشيء عنك في المكان فليس بتخليف و هو من الخلف الذي هو مقابل لجهته الوجه يقال خلفه أي جعله خلفه فهو مخلف و رحبت البلاد إذا اتسعت و الرحب السعة و منه مرحبا أي رحبت بلادك و أهلت و الضيق ضد السعة و الظن هنا بمعنى اليقين كما في قول دريد بن الصمة :
فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج
سراتهم في الفارسي المسرد
النزول
نزلت الآية الأولى في غزاة تبوك و ما لحق المسلمين فيها من العسرة حتى هم قوم بالرجوع ثم تداركهم لطف الله سبحانه قال الحسن كان العشرة من المسلمين يخرجون على بعير يعتقبونه بينهم يركب الرجل ساعة ثم ينزل فيركب صاحبه كذلك و كان زادهم الشعير المسوس و التمر المدود و الإهالة السنخة و كان النفر منهم يخرجون ما معهم من التميرات بينهم فإذا بلغ الجوع من أحدهم أخذ التمرة فلاكها حتى يجد طعمها ثم يعطيها

(5/119)


صاحبه فيمصها ثم يشرب عليها جرعة من ماء كذلك حتى يأتي على آخرهم فلا يبقى من التمرة إلا النواة قالوا و كان أبو خيثمة عبد الله بن خيثمة تخلف إلى أن مضى من مسير رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) عشرة أيام ثم دخل يوما على امرأتين له في يوم حار في عريشين لهما قد رتبناهما و بردتا الماء و هيأتا له الطعام فقام على العريشين و قال سبحان الله رسول الله قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر في الفتح و الريح و الحر و القر يحمل سلاحه على عاتقه و أبو خيثمة في ظلال باردة و طعام مهيىء و امرأتين حسناوين ما هذا بالنصف ثم قال و الله لا أكلم واحدة منكما كلمة و لا أدخل عريشا حتى ألحق بالنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فأناخ ناضحة و اشتد عليه و تزود و ارتحل و امرأتاه تكلمانه و لا يكلمهما ثم سار حتى إذا دنا من تبوك قال الناس هذا راكب على الطريق فقال النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) كن أبا خيثمة أولى لك فلما دنا قال الناس هذا أبو خيثمة يا رسول الله فأناخ راحلته و سلم على رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فقال (عليه السلام) أولى لك فحدثه الحديث فقال له خيرا و دعا له و هو الذي زاغ قلبه للمقام ثم ثبته الله و أما الآية الثانية فإنها نزلت في شأن كعب بن مالك و مرارة بن الربيع و هلال بن أمية و ذلك أنهم تخلفوا عن رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و لم يخرجوا معه لا عن نفاق و لكن عن توان ثم ندموا فلما قدم النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) المدينة جاءوا إليه و اعتذروا فلم يكلمهم النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و تقدم إلى المسلمين بأن لا يكلمهم أحد منهم فهجرهم الناس حتى الصبيان و جاءت نساؤهم إلى رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فقلن له يا رسول الله نعتزلهم فقال لا و لكن لا يقربوكن فضاقت عليهم المدينة فخرجوا إلى رءوس الجبال و كان أهاليهم يجيئون لهم بالطعام و لا يكلمونهم فقال بعضهم لبعض قد هجرنا الناس و لا يكلمنا أحد منهم فهلا نتهاجر نحن أيضا فتفرقوا و لم يتجمع منهم اثنان و بقوا على ذلك خمسين يوما يتضرعون إلى الله تعالى و يتوبون إليه فقبل الله تعالى توبتهم و أنزل فيهم هذه الآية .
المعنى
« لقد تاب الله على النبي و المهاجرين و الأنصار » أقسم الله تعالى في هذه الآية لأن لام لقد لام القسم بأنه سبحانه قبل توبتهم و طاعاتهم و إنما ذكر اسم النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) مفتاحا للكلام و تحسينا له و لأنه سبب توبتهم و إلا فلم يكن منه ما يوجب التوبة و قد روي عن الرضا علي بن موسى (عليهماالسلام) أنه قرأ لقد تاب الله بالنبي على المهاجرين و الأنصار الذين اتبعوه في الخروج معه إلى تبوك « في ساعة العسرة » و هي صعوبة الأمر قال جابر يعني عسرة الزاد و عسرة الظهر و عسرة الماء و المراد بساعة العسرة وقت العسرة لأن الساعة تقع على كل زمان و قال عمر بن الخطاب أصابنا حر شديد و عطش فأمطر الله سبحانه السماء بدعاء النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فعشنا بذلك « من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم » عن الجهاد فهموا

(5/120)


بالانصراف من غزاتهم من غير أمر فعصمهم الله تعالى من ذلك حتى مضوا مع النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) « ثم تاب عليهم » من بعد ذلك الزيغ و لم يرد بالزيغ هاهنا الزيغ عن الإيمان « إنه بهم رءوف رحيم » تداركهم برحمته و الرأفة أعظم من الرحمة « و على الثلاثة الذين خلفوا » قال مجاهد معناه خلفوا عن قبول التوبة بعد قبول توبة من قبل توبتهم من المنافقين كما قال سبحانه فيما مضى « و آخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم و إما يتوب عليهم » و قال الحسن و قتادة معناه خلفوا عن غزوة تبوك لما تخلفوا هم و أما قراءة أهل البيت (عليهم السلام) خالفوا فإنهم قالوا لو كانوا « خلفوا » لما توجه عليهم العتب و لكنهم خالفوا « حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت » أي برحبها و ما هاهنا مصدرية و معناه ضاقت عليهم الأرض مع اتساعها و هذه صفة من بلغ غاية الندم حتى كأنه لا يجد لنفسه مذهبا و ذلك بأن النبي أمر الناس بأن لا يجالسوهم و لا يكلموهم كما مر ذكره لأنه كان نزلت توبة الناس و لم تنزل توبتهم و لم يكن ذلك على معنى رد توبتهم لأنهم كانوا مأمورين بالتوبة و لا يجوز في الحكمة رد توبة من يتوب في وقت التوبة و لكن الله سبحانه أراد بذلك تشديد المحنة عليهم في تأخير إنزال توبتهم و أراد بذلك استصلاحهم و استصلاح غيرهم لئلا يعودوا إلى مثله « و ضاقت عليهم أنفسهم » هذه عبارة عن المبالغة في الغم حتى كأنهم لم يجدوا لأنفسهم موضعا يخفونها فيه و قيل معنى ضيق أنفسهم ضيق صدورهم بالهم الذي حصل فيها « و ظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه » أي و أيقنوا أنه لا يعصمهم من الله موضع يعتصمون به و يلجئون إليه غيره تعالى و معناه علموا أنه لا معتصم من الله إلا به و أن لا ينجيهم من عذاب الله إلا التوبة « ثم تاب عليهم ليتوبوا » أي ثم سهل الله عليهم التوبة حتى تابوا و قيل ليتوبوا أي ليعودوا إلى حالتهم الأولى قبل المعصية و قيل معناه ثم تاب على الثلاثة و أنزل توبتهم على نبيه (صلى الله عليهوآلهوسلّم) ليتوب المؤمنون من ذنوبهم لعلمهم بأن الله سبحانه قابل التوبة قال الحسن أما و الله ما سفكوا من دم و لا أخذوا من مال و لا قطعوا من رحم و لكن المسلمين تسارعوا في الشخوص مع رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و تخلف هؤلاء و كان أحدهم تخلف بسبب ضيعة له و الآخر لأهله و الآخر طلبا للراحة ثم ندموا و تابوا فقبل الله توبتهم « إن الله هو التواب » أي الكثير القبول للتوبة « الرحيم » بعباده .
النظم
اتصلت الآية الأولى بقوله « التائبون » الآية أثنى الله سبحانه عليهم هناك و بين في هذه الآية قبول توبتهم و رضاه عنه باتباعهم للنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) في ساعة العسرة عن أبي مسلم و قيل إنه سبحانه لما ذكر أن له ملك السماوات و الأرض و لا ناصر لأحد دونه بين عقيبه رحمته بالمؤمنين و رأفته بهم في قبول توبتهم .

(5/121)


يَأَيهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصدِقِينَ(119)
القراءة
في مصحف عبد الله و قراءة ابن عباس من الصادقين و روي ذلك عن أبي عبد الله (عليه السلام) .
اللغة
الصادق هو القائل بالحق العامل به لأنه صفة مدح و لا يطلق إلا على من يستحق المدح على صدقه .
المعنى
ثم خاطب الله سبحانه المؤمنين المصدقين بالله المقرين بنبوة نبيه (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فقال « يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله » أي اتقوا معاصي الله و اجتنبوها « و كونوا مع الصادقين » الذين يصدقون في أخبارهم و لا يكذبون و معناه كونوا على مذهب من يستعمل الصدق في أقواله و أفعاله و صاحبوهم و رافقوهم كقولك أنا مع فلان في هذه المسألة أي أقتدي به فيها و قد وصف الله الصادقين في سورة البقرة بقوله و لكن البر من آمن بالله و اليوم الآخر إلى قوله أولئك الذين صدقوا و أولئك هم المتقون فأمر سبحانه بالاقتداء بهؤلاء الصادقين المتقين و قيل المراد بالصادقين هم الذين ذكرهم الله في كتابه و هو قوله رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه يعني حمزة بن عبد المطلب و جعفر بن أبي طالب و منهم من ينتظر يعني علي بن أبي طالب (عليه السلام) و روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال « كونوا مع الصادقين » مع علي و أصحابه و روى جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله « و كونوا مع الصادقين » قال مع آل محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و قيل مع النبيين و الصديقين في الجنة بالعمل الصالح في الدنيا عن الضحاك و قيل مع محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و أصحابه عن نافع و قيل مع الذين صدقت نياتهم و استقامت قلوبهم و أعمالهم و خرجوا مع رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و لم يتخلفوا عنه عن ابن عباس و قيل إن معنى مع هنا معنى من فكأنه أمر بالكون من جملة الصادقين و يعضده قراءة من قرأ من الصادقين و المعنيان متقاربان هنا لأن مع للمصاحبة و من للتبعيض فإذا كان من جملتهم فهو معهم و بعضهم و قال ابن مسعود لا يصلح من الكذب جد و لا هزل و لا أن يعد أحدكم صبية ثم لا ينجز له اقرءوا إن شئتم هذه الآية هل ترون في الكذب رخصة .

(5/122)


مَا كانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَ مَنْ حَوْلهَُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسولِ اللَّهِ وَ لا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِك بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظمَأٌ وَ لا نَصبٌ وَ لا مخْمَصةٌ فى سبِيلِ اللَّهِ وَ لا يَطئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظ الْكفَّارَ وَ لا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوّ نَّيْلاً إِلا كُتِب لَهُم بِهِ عَمَلٌ صلِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ(120) وَ لا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صغِيرَةً وَ لا كبِيرَةً وَ لا يَقْطعُونَ وَادِياً إِلا كتِب لهَُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسنَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ(121)
اللغة
الرغبة طلب المنفعة يقال رغب فيه إذا طلب المنفعة به و رغب عنه إذا طلب المنفعة بتركه و الظمأ شدة العطش و النصب التعب و مثله الوصب قال النابغة :
كليني لهم يا أميمة ناصب
و ليل أقاسيه بطيء الكواكب و المخمصة المجاعة و أصله ضمور البطن للمجاعة و رجل خميص البطن و امرأة خمصانة ضامرة البطن و الموطأ الأرض و الغيظ انتقاض المطبع بما يرى مما يسوؤه يقال غاظه يغيظه .
المعنى
لما قص الله سبحانه قصة الذين تأخروا عن الخروج مع النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) إلى غزوة تبوك ثم اعتذارهم عن ذلك و توبتهم منه و أنه قبل توبة من ندم على ما كان منه لرأفته بهم و رحمته عليهم ذكر عقيب ذلك على وجه التوبيخ لهم و الإزراء على ما كانوا فعلوه فقال « ما كان لأهل المدينة و من حولهم من الإعراب أن يتخلفوا عن رسول الله » ظاهره خبر و معناه نهي مثل قوله ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله أي ما كان يجوز و ما كان يحل لأهل مدينة الرسول و من حولهم من سكان البوادي أن يتخلفوا عنه في غزاة تبوك و غيرها بغير عذر و قيل إنه مزينة و جهينة و أشجع و غفار و أسلم « و لا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه » أي ما كان يجوز لهم و لجميع المؤمنين أن يطلبوا نفع نفوسهم بتوقيتها دون نفسه و هذه فريضة ألزمهم الله إياها لحق رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فيما دعاهم إليه من الهدى الذي اهتدوا به و خرجوا من ظلمة الكفر

(5/123)


إلى نور الإيمان و قيل معناه و لا يرضوا لأنفسهم بالخفض و الدعة و رسول الله في الحر و المشقة يقال رغبت بنفسي عن هذا الأمر أي ترفعت عنه بل عليهم أن يجعلوا أنفسهم وقاية للنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) « ذلك » أي ذلك النهي لهم و الزجر عن التخلف « بأنهم لا يصيبهم ظمأ » أي عطش « و لا نصب » أي و لا تعب في أبدانهم « و لا مخمصة في سبيل الله » أي و لا مجاعة و هي شدة الجوع في طاعة الله « و لا يطئون موطئا يغيظ الكفار » أي لا يضعون أقدامهم موضعا يغيظ الكفار وطؤهم إياه يعني دار الحرب فإن الإنسان يغيظه و يغضبه إن يطأ غيره موضعه « و لا ينالون من عدو نيلا » أي و لا يصيبون من المشركين أمرا من قتل أو جراحة أو مال أو أمر يغمهم و يغيظهم « إلا كتب لهم به عمل صالح » و طاعة رفيعة « إن الله لا يضيع أجر المحسنين » أي الذين يفعلون الأفعال الحسنة التي يستحق بها المدح و الثواب و في هذا تحريض على الجهاد و أعمال الخير « و لا ينفقون نفقة صغيرة و لا كبيرة » أي و لا ينفقون في الجهاد و لا في غيره من سبل الخير و المعروف نفقة قليلة و لا كثيرة يريدون بذلك إعزاز دين الله و نفع المسلمين و التقرب بذلك إلى الله تعالى « و لا يقطعون واديا » أي و لا يجاوزون واديا « إلا كتب لهم » ثواب ذلك « ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون » أي يكتب طاعاتهم ليجزيهم عليها بقدر استحقاقهم و يزيدهم من فضله حتى يصير الثواب أحسن و أكثر من عملهم و قيل إن الأحسن من صفة فعلهم لأن الأعمال على وجوه واجب و مندوب و مباح و إنما يجازي على الواجب و المندوب دون المباح فيقع الجزاء على أحسن الأعمال و قيل معناه ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون قال ابن عباس يرضيهم بالثواب و يدخلهم الجنة بغير حساب و الآيتان تدلان على وجوب الجهاد مع رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و حظر التخلف عنه و قد اختلف في ذلك فقيل المراد بذلك جميع من دعاه النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) إلى الجهاد و هو الصحيح و قيل المراد به أهل المدينة و من حولها من الأعراب ثم اختلف فيه من وجه آخر فقيل إنه خاص في النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) ليس لأحد أن يتخلف عنه في الجهاد إلا لعذر فأما غيره من الأئمة فيجوز التخلف عنه عن قتادة و قيل إن ذلك لأول هذه الأمة و آخرها من المجاهدين في سبيل الله عن الأوزاعي و ابن المبارك و قيل إن هذا كان في ابتداء الإسلام و في أهله قلة فأما الآن و قد كثر الإسلام و أهله فإنه منسوخ بقوله « و ما كان المؤمنون لينفروا كافة » الآية عن ابن زيد و هذا هو الأقوى لأنه لا خلاف أن الجهاد من فروض الكفايات فلو لزم كل أحد لصار من فروض الأعيان .

(5/124)


* وَ مَا كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِن كلِّ فِرْقَة مِّنهُمْ طائفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فى الدِّينِ وَ لِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيهِمْ لَعَلَّهُمْ يحْذَرُونَ(122) يَأَيهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكفَّارِ وَ لْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظةً وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ(123) وَ إِذَا مَا أُنزِلَت سورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَناً فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا فَزَادَتهُمْ إِيمَناً وَ هُمْ يَستَبْشِرُونَ(124) وَ أَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتهُمْ رِجْساً إِلى رِجْسِهِمْ وَ مَاتُوا وَ هُمْ كفِرُونَ(125)
اللغة
التفقه تعلم الفقه و الفقه العلم بالشيء و في حديث سلمان أنه قال لامرأة فقهت أي علمت و فهمت فأما فقهت بضم القاف فمعناه صارت فقيهة و قد اختص في العرف بعلم الأحكام الشرعية فيقال لكل عالم بها فقيه و قيل الفقه فهم المعاني المستنبطة و لذلك لا يقال الله سبحانه فقيه و الحذر تجنب الشيء بما فيه من المضرة قال الزجاج يقال غلظة و غلظة و غلظة ثلاث لغات قال أبو الحسن قراءة الناس بالكسر و هي العربية و المراد بالمرض في الآية الشك فإنه فساد في القلب يحتاج إلى العلاج كما أن الفساد في البدن يحتاج إلى مداواة و مرض القلب أعضل و علاجه أعسر و دواؤه أعز و أطباؤه أقل .
الإعراب
« لو لا نفر » بمعنى هلا نفر و هي للتحضيض إذا دخلت على الفعل فإذا دخلت على الاسم فمعناها امتناع الشيء لأجل وجود غيره ، « ليتفقهوا » أي ليتفقه باقوهم لأنه إذا نفر طائفة منهم تفقه من بقي منهم و إن شئت فمعناه ليتفقه كلهم لأنه من نفر منهم إذا رجع استعلم من بقي فصار كلهم فقهاء « و هم يستبشرون » جملة في موضع الحال و كذلك قوله « و هم كافرون » .
النزول
قيل كان رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) إذا خرج غازيا لم يتخلف عنه إلا المنافقون و المعذرون فلما أنزل الله تعالى عيوب المنافقين و بين نفاقهم في غزاة تبوك قال المؤمنون و الله لا نتخلف عن غزاة يغزوها رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و لا سرية أبدا فلما أمر رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) بالسرايا

(5/125)


إلى الغزو نفر المسلمون جميعا و تركوا رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) وحده فأنزل الله سبحانه « و ما كان المؤمنون لينفروا » الآية عن ابن عباس في رواية الكلبي و قيل إنها نزلت في ناس من أصحاب رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) خرجوا في البوادي فأصابوا من الناس معروفا و خصبا و دعوا من وجدوا من الناس على الهدى فقال الناس و ما نراكم إلا و قد تركتم صاحبكم و جئتمونا فوجدوا في أنفسهم في ذلك حرجا و أقبلوا كلهم من البادية حتى دخلوا على النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فأنزل الله عز و جل هذه الآية عن مجاهد .
المعنى
لما تقدم الترغيب في الجهاد بأبلغ أسباب الترغيب و تأنيب من تخلف عنه بأبلغ أسباب التأنيب بين في هذه الآية موضع الرخصة في تأخر من تأخر عنه فقال سبحانه « و ما كان المؤمنون لينفروا كافة » و هذا نفي معناه النهي أي ليس للمؤمنين أن ينفروا و يخرجوا إلى الجهاد بأجمعهم و يتركوا النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فريدا وحيدا و قيل معناه ليس عليهم أن ينفروا كلهم من بلادهم إلى النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) ليتعلموا الدين و يضيعوا ما وراءهم و يخلوا ديارهم عن الجبائي « فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين » اختلف في معناه على وجوه ( أحدها ) أن معناه فهلا خرج إلى الغزو من كل قبيلة جماعة و يبقى مع النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) جماعة ليتفقهوا في الدين يعني الفرقة القاعدين يتعلمون القرآن و السنن و الفرائض و الأحكام فإذا رجعت السرايا و قد نزل بعدهم قرآن و تعلمه القاعدون قالوا لهم إذا رجعوا إليهم أن الله قد أنزل بعدكم على نبيكم قرآنا و قد تعلمناه فتتعلمه السرايا فذلك قوله « و لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم » أي و ليعلموهم القرآن و يخوفوهم به إذا رجعوا إليهم « لعلهم يحذرون » فلا يعلمون بخلافه عن ابن عباس في رواية الوالبي و قتادة و الضحاك و قال الباقر (عليه السلام) كان هذا حين كثر الناس فأمرهم الله أن تنفر منهم طائفة و تقيم طائفة للتفقه و أن يكون الغزو نوبا ( و ثانيها ) أن التفقه و الإنذار يرجعان إلى الفرقة النافرة و حثها الله تعالى على التفقه لترجع إلى المتخلفة فتحذرها و معنى « ليتفقهوا في الدين » ليتبصروا و يتيقنوا بما يريهم الله من الظهور على المشركين و نصرة الدين و لينذروا قومهم من الكفار إذا رجعوا إليهم من الجهاد فيخبروهم بنصر الله النبي و المؤمنين و يخبروهم أنهم لا يدان لهم بقتال النبي و المؤمنين لعلهم يحذرون أن يقاتلوا النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فينزل بهم ما نزل بأصحابهم من الكفار عن الحسن و أبي مسلم قال أبو مسلم اجتمع للنافرة ثواب الجهاد و التفقه في الدين و إنذار قومهم ( و ثالثها ) أن التفقه راجع إلى النافرة و التقدير ما كان لجميع المؤمنين أن ينفروا إلى النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و يخلوا ديارهم و لكن لينفر إليه من كل ناحية طائفة لتسمع كلامه و تتعلم الدين منه ثم ترجع إلى قومها فتبين لهم ذلك و تنذرهم عن الجبائي قال و المراد بالنفر هنا الخروج لطلب العلم و إنما سمي

(5/126)


ذلك نفرا لما فيه من مجاهدة أعداء الدين قال القاضي أبو عاصم و في هذا دليل على اختصاص الغربة بالتفقه و أن الإنسان يتفقه في الغربة ما لا يمكنه ذلك في الوطن ثم بين سبحانه ما يجب تقديمه فقال « يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار » أي قاتلوا من قرب منكم من الكفار الأقرب منهم فالأقرب في النسب و الدار و قال الحسن كان هذا قبل الأمر بقتال المشركين كافة و قال غيره هذا الحكم قائم الآن لأنه لا ينبغي لأهل كل بلد أن يخرجوا إلى قتال الأبعد و يدعوا الأقرب و الأدنى لأن ذلك يؤدي إلى الضرر و ربما يمنعهم ذلك عن المضي في وجهتهم إلا أن يكون بينهم و بين الأقرب موادعة فلا بأس حينئذ بمجاوزة الأقرب إلى الأبعد على ما يراه المتولي لأمور المسلمين و لو قال سبحانه قاتلوا الأبعد فالأبعد لكان لا يصح لأنه لا حد للأبعد يبتدىء منه كما للأقرب و في هذا دلالة على أنه يجب على أهل كل ثغر الدفاع عن أنفسهم إذا خافوا على بيضة الإسلام و إن لم يكن هناك إمام عادل و قال ابن عباس أمروا أن يقاتلوا الأدنى فالأدنى من عدوهم مثل قريظة و النضير و خيبر و فدك و قال ابن عمر أنهم الروم لأنهم سكان الشام و الشام أقرب إلى المدينة من العراق و كان الحسن إذا سئل عن قتال الروم و الترك و الديلم تلا هذه الآية « و ليجدوا فيكم غلظة » أي شجاعة عن ابن عباس و قيل شدة عن مجاهد و قيل صبرا على الجهاد عن الحسن و المعنى و ليحسوا منكم بضد اللين و خلاف الرقة و هو العنف و الشدة ليكون زجرا لهم « و اعلموا أن الله مع المتقين » عن الشرك أي معينهم و ناصرهم و من كان الله ناصره لم يغلبه أحد فأما إذا نصره سبحانه بالحجة فإنه يجوز أن يغلب بالحرب لضرب من المحنة و شدة التكليف ثم عاد الكلام إلى ذكر المنافقين فقال سبحانه « و إذا ما أنزلت سورة » في القرآن « فمنهم » أي من المنافقين « من يقول » على وجه الإنكار أي يقول بعضهم لبعض « أيكم زادته هذه » السورة « إيمانا » و قيل معناه يقول المنافقون للمؤمنين الذين في إيمانهم ضعف أيكم زادته هذه السورة إيمانا أي يقينا و بصيرة « فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا » معناه فأما المؤمنون المخلصون فزادتهم تصديقا بالفرائض مع إيمانهم بالله عن ابن عباس و وجه زيادة الإيمان أنهم كانوا مؤمنين بما قد نزل من قبل و آمنوا بما أنزل الآن « و هم يستبشرون » أي يسرون و يبشر بعضهم بعضا قد تهللت وجوههم و فرحوا بنزولها « و أما الذين في قلوبهم مرض » أي شك و نفاق « فزادتهم رجسا إلى رجسهم » أي نفاقا و كفرا إلى نفاقهم و كفرهم لأنهم يشكون في هذه السورة كما شكوا فيما تقدمها من السورة فذلك هو الزيادة و سمي الكفر رجسا على وجه الذم له و أنه يجب تجنبه كما يجب تجنب الأرجاس و أضاف الزيادة إلى السورة لأنهم يزدادون عندها رجسا و مثله كفى بالسلامة داء و قول الشاعر :
و حسبك داء أن تصح و تسلما « و ماتوا

(5/127)


و هم كافرون » أي و أداهم شكهم فيما أنزل الله تعالى من السور إلى أن ماتوا على كفرهم و آبوا شر م آب .
أَ وَ لا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فى كلِّ عَام مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَينِ ثمَّ لا يَتُوبُونَ وَ لا هُمْ يَذَّكرُونَ(126) وَ إِذَا مَا أُنزِلَت سورَةٌ نَّظرَ بَعْضهُمْ إِلى بَعْض هَلْ يَرَام مِّنْ أَحَد ثُمَّ انصرَفُوا صرَف اللَّهُ قُلُوبهُم بِأَنهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ(127) لَقَدْ جَاءَكمْ رَسولٌ مِّنْ أَنفُسِكمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ(128) فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسبىَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكلْت وَ هُوَ رَب الْعَرْشِ الْعَظِيمِ(129)
القراءة
قرأ أ و لا ترون بالتاء حمزة و يعقوب و هي قراءة أبي و القراءة المشهورة « من أنفسكم » بضم الفاء و قرأ ابن عباس و ابن علية و ابن محيصن و الزهري من أنفسكم بفتح الفاء و قيل إنها قراءة فاطمة (عليهاالسلام) .
الحجة
من قرأ بالتاء فهو خطاب للمؤمنين و من قرأ بالياء فهو تقريع للمنافقين بالإعراض عما يجب أن لا يعرضوا عنه من التوبة و الإقلاع عما هم عليه من النفاق و من قرأ من أنفسكم بفتح الفاء فمعناه من أشرفكم و من خياركم يقال هذا أنفس المتاع أي أجوده و خياره و اشتقاقه من النفس و هي أشرف ما في الإنسان .
اللغة
العزيز الشديد و العزيز في صفات الله تعالى معناه المنيع القادر الذي لا يتعذر عليه فعل ما يريده و العزة امتناع الشيء بما يتعذر معه ما يحاول منه و هو على ثلاثة أوجه امتناع الشيء بالقدرة أو بالقلة أو بالصعوبة و العنت لقاء الشدة و الأذى الذي يضيق به الصدر و عنت الدابة يعنت عنتا إذا حدث في قوائمه كسر بعد جبر لا يمكنه معه الجري فكأنه شق عليه الجري و أكمة عنوت شاقة المصعد و حسبي الله أي كافي الله و هو من الحساب لأنه

(5/128)


تعالى يعطي بحسب الكفاية التي تغني عن غيره و يزيد من نعمة ما لا يبلغ إلى حد و نهاية إذ نعمه دائمة و مننه متواترة متظاهرة و التوكل تفويض الأمر إلى الله على الثقة بحسن تدبيره و كفايته .
الإعراب
« أ و لا يرون » الواو للعطف دخلت عليها همزة الاستفهام و يحتمل الرؤية أن تكون المتعدية إلى مفعولين و أن تكون من رؤية العين فإذا كانت المتعدية إلى المفعولين يسدان مسدهما و إن كانت من رؤية العين يكون أبلغ « ما عنتم » ما مصدرية و تقديره عزيز عليه عنتكم فهو في موضع رفع بعزيز و قوله « لا إله إلا هو » جملة في موضع الحال و تقديره حسبي الله مستحقا لإخلاص العبادة و الإقرار بالوحدانية و جر القراء كلهم العظيم على أنه صفة العرش و لو قرىء بالرفع على أن يكون صفة لرب العرش لجاز .
المعنى
ثم نبه سبحانه على إعراض المنافقين عن النظر و التدبر لما ينبغي أن ينظروا و يتدبروا فيه فقال « أ و لا يرون » أي أ و لا يعلم هؤلاء المنافقون و قيل معناه أ و لا يبصرون « أنهم يفتنون » أي يمتحنون « في كل عام مرة أو مرتين » أي دفعة أو دفعتين بالأمراض و الأوجاع و هو رائد الموت « ثم لا يتوبون » أي لا يرجعون عن كفرهم « و لا هم يذكرون » أي لا يتذكرون نعم الله عليهم و قيل يمتحنون بالجهاد مع رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و ما يرون من نصرة الله رسوله و ما ينال أعداؤه من القتل و السبي عن ابن عباس و الحسن و قيل بالقحط و الجوع عن مجاهد و قيل بهتك أستارهم و ما يظهر من خبث سرائرهم عن مقاتل و قيل بالبلاء و الجلاء و منع القطر و ذهاب الثمار عن الضحاك « و إذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض » معناه و إذا أنزلت سورة من القرآن و هم حضور عند النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) كرهوا ما يسمعونه و نظر بعضهم إلى بعض نظرا يؤمنون به « هل يراكم من أحد » و إنما يفعلون ذلك لأنهم منافقون يحذرون أن يعلم بهم فكأنهم يقول بعضهم لبعض « هل يراكم من أحد » ثم يقومون فينصرفون و إنما يفعلون ذلك مخافة أن تنزل آية تفضحهم و كانوا لا يقولون ذلك بألسنتهم و لكن ينظرون نظر من يقول لغيره ذلك القول فكأنه يقول ذلك و قيل معناه أن المنافقين كان ينظر بعضهم إلى بعض نظر تعنت و طعن في القرآن ثم يقولون هل يرانا أحد من المسلمين فإذا تحقق لهم أنه لا يراهم أحد من المسلمين بالغوا فيه و إن علموا أنهم يراهم واحد منهم كفوا عنه « ثم انصرفوا » أي انصرفوا عن المجلس و قيل انصرفوا عن الإيمان به « صرف الله قلوبهم » عن الفوائد التي يستفيدها المؤمنون و السرور بها و حرموا الاستبشار بتلك الحال و قيل معناه صرف الله قلوبهم عن رحمته و ثوابه عقوبة لهم على انصرافهم عن الإيمان بالقرآن و عن مجلس

(5/129)


النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و قيل إنه على وجه الدعاء عليهم أي خذلهم الله باستحقاقهم ذلك و دعاء الله على عباده وعيد لهم و إخبار بلحاق العذاب بهم عن أبي مسلم « بأنهم قوم لا يفقهون » أي ذلك بسبب أنهم لا يفقهون مراد الله بخطابه لأنهم لا ينظرون فيه ثم خاطب الله سبحانه جميع الخلق و أكد خطابه بالقسم فقال « لقد جاءكم رسول من أنفسكم » عنى بالرسول محمدا (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أي جاءكم رسول من جنسكم من البشر ثم من العرب ثم من بني إسماعيل عن السدي و قيل إن الخطاب للعرب و ليس في العرب قبيلة إلا و قد ولدت النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و له فيهم نسب عن ابن عباس و قيل معناه أنه من نكاح لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية عن الصادق (عليه السلام) و روى ابن عباس عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال ما ولدني من سفاح أهل الجاهلية شيء ما ولدني إلا نكاح كنكاح الإسلام و إنما من الله عليهم بكونه منهم لأنهم عرفوا مولده و منشأه و شاهدوه صغيرا و كبيرا و عرفوا حاله في صدقه و أمانته و لم يعثروا على شيء يوجب نقصا فيه فبالحري أن يكونوا أقرب إلى القبول منه و الانقياد له « عزيز عليه ما عنتم » معناه شديد عليه عنتكم أي ما يلحقكم من الضرر بترك الإيمان و قيل معناه شديد عليه ما أثمتم عن الكلبي و الضحاك و قيل ما أعنتكم و ضركم عن القتيبي و قيل ما هلكتم عليه عن ابن الأنباري « حريص عليكم » معناه حريص على من لم يؤمن أن يؤمن عن الحسن و قتادة « بالمؤمنين رءوف رحيم » قيل هما واحد و الرأفة شدة الرحمة و قيل رءوف بالمطيعين منهم رحيم بالمذنبين و قيل رءوف بأقربائه رحيم بأوليائه رءوف لمن رآه رحيم بمن لم يره و قال بعض السلف لم يجمع الله سبحانه لأحد من الأنبياء بين اسمين من أسمائه إلا للنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فإنه قال « بالمؤمنين رءوف رحيم » و قال « إن الله بالناس لرءوف رحيم » « فإن تولوا » أي ذهبوا عن الحق و اتباع الرسول و ما يأمرهم به و أعرضوا عن قبوله و قيل معناه فإن تولوا عنك و عن الإقرار بنبوتك « فقل حسبي الله » أي كافي الله فإنه القادر على كل شيء « لا إله إلا هو عليه توكلت » و به وثقت و عليه اعتمدت و أموري إليه فوضت « و هو رب العرش العظيم » خص العرش بالذكر تفخيما لشأنه و لأنه إذا كان رب العرش مع عظمه كان رب ما دونه في العظم و قيل إن العرش عبارة عن الملك و السلطان فمعناه رب الملك العظيم في السماوات و الأرض عن أبي مسلم و قيل إن هذه الآية آخر آية نزلت من السماء و آخر سورة كاملة نزلت سورة براءة و قال قتادة آخر القرآن عهدا بالسماء هاتان الآيتان خاتمة براءة .

(5/130)


( 10 ) سورة يونس مكية و آياتها تسع و مائة ( 109 )
هي مكية في قول الأكثرين و روي عن ابن عباس و قتادة إلا ثلاث آيات نزلت بالمدينة « فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك » إلى آخرهن و قال ابن المبارك ألا « و منهم من يؤمن به » الآية فإنها نزلت في اليهود بالمدينة .
عدد آيها
مائة و تسع آيات عند الجميع غير الشامي فإنه يقول و عشر آيات .
اختلافها
ثلاث آيات « مخلصين له الدين » و « شفاء لما في الصدور » شامي « من الشاكرين » غير الشامي .
فضلها
أبي بن كعب عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال من قرأها أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بيونس و كذب به و بعدد من غرق مع فرعون و روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال من قرأ سورة يونس في كل شهرين أو ثلاثة لم يخف عليه أن يكون من الجاهلين كان يوم القيامة من المقربين .
تفسيرها
لما ختم الله سورة البراءة بذكر الرسول افتتح هذه السورة بذكره و ما أنزل عليه من القرآن فقال .

(5/131)


سورة يونس
بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الر تِلْك ءَايَت الْكِتَبِ الحَْكِيمِ(1) أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلى رَجُل مِّنهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاس وَ بَشرِ الَّذِينَ ءَامَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْق عِندَ رَبهِمْ قَالَ الْكفِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسحِرٌ مُّبِينٌ(2)
القراءة
قرأ الر بإمالة الراء أبو عمرو و أهل الكوفة غير عاصم إلا يحيى و قرأ الباقون بالتفخيم و قرأ لساحر بالألف ابن كثير و أهل الكوفة و قرأ الباقون « لسحر » بكسر السين و بغير ألف .
الحجة
قال أبو علي من أمال فقال رأيا فلأنها أسماء لما تلفظ بها من الأصوات المنقطعة في مخارج الحروف كما أن غاق اسم للصوت الذي يصوته الغراب فجازت الإمالة فيها من حيث كانت اسما و لم تكن كالحروف التي يمتنع فيها الإمالة نحو ما و لا و ما أشبههما من الحروف فإن قلت إن الأسماء لا تكون على حرفين أحدهما حرف لين و إنما يكون على هذه الصفة الحروف نحو ما و لا فالقول إن هذه الأسماء لا يمتنع أن تكون على حرفين أحدهما حرف لين لأن التنوين لا يلحقها فيؤمن لامتناع التنوين من اللحاق لها أن تبقى على حرف واحد فإذا أمن ذلك لم يمتنع أن يكون الاسم على حرفين أحدهما حرف لين أ لا ترى أنهم قد قالوا هذا شاة فجاء على حرفين أحدهما حرف لين لما أمن لحاق التنوين له لاتصال علامة التأنيث به و كذلك قولك رأيت رجلا ذا مال لاتصال المضاف إليه به و كذلك قولهم كسرت فأزيد قال و يدل على قول من قال « لسحر » قوله سبحانه قالوا هذا سحر و إنا به كافرون و يدل على ساحر قوله و قال الكافرون هذا ساحر كذاب و قد تقدم قوله « أوحينا إلى رجل منهم » فمن قرأ ساحر أراد الرجل و من قرأ سحر أراد الذي أوحي سحر .
اللغة
الآية العلامة التي تنبىء عن مقطع الكلام من جهة مخصوصة و القرآن مفصل بالآيات مضمن بالحكم النافية للشبهات و الحكيم هاهنا بمعنى المحكم فعيل بمعنى مفعل قال الأعشى :
و غريبة تأتي الملوك حكيمة
قد قلتها ليقال من ذا قالها

(5/132)


و أنشد أبو عبيدة لأبي ذويب :
يواعدني عكاظ لننزلنه
و لم يشعر إذا أني خليف أي مخلف من أخلفته الوعد و قيل هو بمعنى الحاكم و دليله قوله ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه قال الأزهري القدم الشيء الذي تقدمه قدامك ليكون عدة لك حتى تقدم عليه و قيل القدم المقدم كالنقض و القبض قال ابن الأعرابي القدم المتقدم في الشرف و قال العجاج :
ذل بنو العوام عن آل الحكم
و تركوا الملك لملك ذي قدم و قال الأزهري فلان يمشي اليقدمية و التقدمية إذا تقدم في الشرف و قال أبو عبيدة و الكسائي كل سابق في خير أو شر فهو عند العرب قدم و يقال الفلان قدم في الإسلام و هو مؤنث يقال قدم حسنة قال حسان :
لنا القدم العليا إليك و خلفنا
لأولنا في طاعة الله تابع و قال ذو الرمة :
لكم قدم لا ينكر الناس أنها
مع الحسب العادي طمت على البحر
الإعراب
أضيفت آيات إلى الكتاب لأنها أبعاض الكتاب كما أن سورة أبعاضه و « أن أوحينا » في موضع رفع بأنه اسم كان و عجبا خبره و اللام في قوله « للناس » يتعلق بمحذوف كان صفة لعجب فلما تقدم صار حالا كقوله :
لعزة موحشا طلل قديم و إن شئت كان ظرفا لكان و « أن أنذر » في موضع نصب تقديره أوحينا بأن أنذر فحذف الجار فوصل الفعل و « أن لهم قدم صدق » كذلك موضعه نصب بقوله « و بشر » و لو قرىء إن لهم بالكسر لكان جائزا لأن البشارة في معنى القول إلا أنه لم يقرأ به و أضيف قدم إلى صدق كما يقال مسجد الجامع .
المعنى
قد مضى الكلام في معاني الحروف المعجمة المذكورة في أوائل السور من قبل « تلك آيات الكتاب الحكيم » معناه أن الآيات التي جرى ذكرها أو الآيات التي أنزلت على محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) هي آيات القرآن المحكم من الباطل الممنوع من الفساد لا كذب فيه

(5/133)


و لا اختلاف و قيل تلك أي هذه السور آيات الكتاب الحكيم أي اللوح المحفوظ و سماه محكما لأنه ناطق بالحكمة و قيل لأنه جمع العلوم و الحكمة و قيل إنما وصف الكتاب بالحكيم لأنه دليل على الحق كالناطق بالحكمة و لأنه يؤدي إلى المعرفة التي تميز بها طريق الهلاك من طريق النجاة « أ كان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس » هذه ألف استفهام المراد به الإنكار و قيل إن المراد بالناس هنا أهل مكة قالوا نعجب أن الله سبحانه لم يجد رسولا يرسله إلى الناس إلا يتيم أبي طالب و التقدير أ كان إيحاؤنا إلى رجل من الناس بأن ينذرهم عجبا و معناه لما ذا تعجبون أن أوحينا إلى رجل منهم و ليس هذا موضع التعجب بل هو الذي كان يجب فعله عند كل العقلاء فإن الله تعالى لما أكمل لعباده عقولهم و كلفهم معرفته و أداء شكره و علم أنهم لا يصلحون و لا يقومون بذلك الإبداع يدعوهم إليه و منبه ينبههم عليه وجب في الحكمة أن يفعل ذلك ثم بين سبحانه الوجه الذي لأجله بعث و ما الذي أوحى إليه فقال « أن أنذر الناس » أي أخبرهم بالعذاب و خوفهم به « و بشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم » أي عرفهم ما فيه الشرف و الخلود في نعيم الجنة على وجه الإكرام و الإجلال لصالح الأعمال و قيل « أن لهم قدم صدق » أي أجرا حسنا و منزلة رفيعة بما قدموا من أعمالهم عن ابن عباس و روي عنه أيضا أن المعنى سبقت لهم السعادة في الذكر الأول و يؤيده قوله إن الذين سبقت لهم منا الحسنى الآية و قيل هو تقديم الله تعالى إياهم في البعث يوم القيامة بيانه قوله (عليه السلام) نحن الآخرون السابقون يوم القيامة و قيل أن القدم اسم للحسنى من العبد و اليد اسم للحسنى من السيد للفرق بين السيد و العبد و قيل إن معنى قدم صدق شفاعة محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لهم يوم القيامة عن أبي سعيد الخدري و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) « قال الكافرون إن هذا لساحر مبين » يعنون النبي أي قالوا هذا ساحر مظهر للسحر و ما أتى به سحر بين على اختلاف القراءتين و السحر فعل يخفى وجه الحيلة فيه حتى يتوهم أنه معجز و هذا يدل على عجزهم عن معارضة القرآن و لذلك عدلوا إلى وصفه بالسحر .

(5/134)


إِنَّ رَبَّكمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السمَوَتِ وَ الأَرْض فى سِتَّةِ أَيَّام ثمَّ استَوَى عَلى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شفِيع إِلا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكمُ اللَّهُ رَبُّكمْ فَاعْبُدُوهُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ(3) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقاًّ إِنَّهُ يَبْدَؤُا الخَْلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِى الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ بِالْقِسطِ وَ الَّذِينَ كفَرُوا لَهُمْ شرَابٌ مِّنْ حَمِيم وَ عَذَابٌ أَلِيمُ بِمَا كانُوا يَكْفُرُونَ(4)
القراءة
قرأ أبو جعفر المدني أنه يبدأ بفتح الهمزة و هو قراءة الأعمش و الباقون بكسرها .
الحجة
من قرأ أنه فتقديره وعد الله حقا لأنه يبدأ الخلق ثم يعيده أي من قدر على هذا الأمر العظيم فإنه غني عن إخلاف الوعد و إن شئت كان تقديره وعد الله وعدا حقا إنه يبدؤا الخلق فيكون في محل النصب بالفعل الناصب لقوله وعدا قال ابن جني و لا يجوز أن يكون إن منصوبة الموضع بنفس وعدا لأنه قد وصف بقوله « حقا » و الصفة إذا جرت على موصوفها أذنت بتمامه و انقضاء أجزائه و لا يكون تاما إذا كان ما بعد الصفة من صلته فأما قول الحطيئة :
أزمعت يأسا مبينا من نوالكم
و لن ترى طاردا للحر كاليأس فإن قوله من نوالكم ليس من صلة يأس بل يتعلق بفعل يدل عليه قوله يأسا مبينا فكأنه قال فيما بعد يئست من نوالكم و قال الفراء من فتح جعله مفعول حقا كما في قول الشاعر :
أ حقا عباد الله أن لست زائرا
بثينة أو يلقى الثريا رقيبها
اللغة
القسط العدل و منه القسط النصيب و القسط بفتح القاف الجور و القسط بفتح القاف و السين اعوجاج في الرجلين و الحميم الماء الذي أسخن بالنار أشد إسخان قال المرقش الأصغر :
في كل يوم لها مقطرة
فيها كباء معد و حميم

(5/135)


الإعراب
جميعا نصب على الحال « وعد الله » منصوب على المصدر لأن قوله « إليه مرجعكم » معناه الوعد بالرجوع و حقا منصوب على أحق ذلك حقا عن الزجاج و أضيف المصدر في قوله « وعد الله » إلي الفاعل لما لم يذكر الفعل كما في قول كعب بن زهير :
تسعى الوشاة جنابيها و قيلهم
إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول أي و يقولون قيلهم .
المعنى
« إن ربكم » أي خالقكم و منشئكم و مالك تدبيركم و تصريفكم من أمره و نهيه و الذي يجب عليكم عبادته « الله الذي خلق السماوات و الأرض » أي اخترعهما و أنشأهما على ما فيهما من عجائب الصنعة و بدائع الحكمة « في ستة أيام » بلا زيادة و نقصان مع قدرته على إنشائهما دفعة واحدة و الوجه فيه أن في ذلك مصلحة للملائكة و عبرة لهم و لغيرهم إذا أخبروا عن ذلك و كذلك تصريف الإنسان حالا بعد حال و إخراج الثمار و الأزهار شيئا بعد شيء مع قدرته على ذلك في أقل من لمح البصر لأن ذلك أبعد من توهم الاتفاق فيه « ثم استوى على العرش » مر تفسيره في سورة الأعراف و قيل إن العرش المذكور هنا هو السماوات و الأرض لأنهن من بنائه و العرش البناء و أما العرش المعظم الذي تعبد الله سبحانه الملائكة بالحفوف به و الإعظام له و عناه بقوله الذين يحملون العرش و من حوله فهو غير هذا و قيل إن ثم هنا بمعنى الواو و قيل إن ثم دخل على التدبير و تقديره أي ثم استوى عليه بإنشاء التدبير من جهته كما يستوي الملك على سرير ملكه بالاستيلاء على تدبيره فإن تدبير الأمور كلها ينزل من عند العرش و لهذا ترفع الأيدي في دعاء الحوائج نحو العرش « يدبر الأمر » أي يقدر و ينفذه على وجهه و يرتبه على مراتبه على أحكام عواقبه و هو مأخوذ من الدبور « ما من شفيع إلا من بعد إذنه » إنما قال هذا و إن لم يجر ذكر للشفعاء لأن الكفار كانوا يقولون الأصنام شفعاؤنا عند الله فبين سبحانه أن الشفيع إنما يشفع عنده إذا أذن له في الشفاعة و إذا كانت الأصنام لا تعقل فكيف تكون شافعة مع أنه لا يشفع عنده أحد من الملائكة و النبيين إلا بإذنه و أمره « ذلكم الله ربكم » أي إن الموصوف بهذه الصفات هو إلهكم « فاعبدوه » وحده لأنه لا إله لكم سواه و لا يستحق هذه الصفات غيره و لا تعبدوا الأصنام « أ فلا تذكرون » حثهم سبحانه على التذكر و التفكر فيما أخبرهم به و على تعرف صحته « إليه مرجعكم جميعا » المرجع يحتمل معنيين ( أحدهما ) أن يكونا بمعنى المصدر الذي هو الرجوع

(5/136)


( و الآخر ) أن يكون بمعنى موضع الرجوع أي إليه موضع رجوعكم يكون إذا شاء « وعد الله حقا » أي وعد الله تعالى ذلك عباده وعدا حقا صدقا « إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده » أي يبتدىء الخلق ابتداء ثم يعيدهم بعد موتهم « ليجزي الذين آمنوا و عملوا الصالحات » أي ليؤتيهم جزاء أعمالهم « بالقسط » أي بالعدل لا ينقص من أجورهم شيئا « و الذين كفروا لهم شراب من حميم » أي ماء حار قد انتهى حره في النار « و عذاب أليم » و جميع « بما كانوا يكفرون » أي جزاء على كفرهم .
النظم
وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنه قال أ كان للناس عجبا قالوا و كيف لا نعجب و لا علم لنا بالمرسل فقال « إن ربكم الله » و يجوز أن يكون على أنه لما قال أ كان للناس عجبا و كان هذا حكما على الله سبحانه فكأنه قال أ فتحكمون عليه و هو ربكم قال الأصم و يحتمل أن يكون هذا ابتداء خطاب للخلق جميعا احتج الله بها على عباده بما بين من بدائع صنعه في السماوات و الأرض و في أنفسهم .
هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشمْس ضِيَاءً وَ الْقَمَرَ نُوراً وَ قَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السنِينَ وَ الْحِساب مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِك إِلا بِالْحَقِّ يُفَصلُ الاَيَتِ لِقَوْم يَعْلَمُونَ(5) إِنَّ فى اخْتِلَفِ الَّيْلِ وَ النهَارِ وَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فى السمَوَتِ وَ الأَرْضِ لاَيَت لِّقَوْم يَتَّقُونَ(6)
القراءة
قرأ أهل البصرة و ابن كثير و حفص و العجلي « يفصل » بالياء و الباقون نفصل بالنون .
الحجة
من قرأ بالياء فلأنه تقدم ذكر الله سبحانه فأضمره في الفعل و من قرأ بالنون فمثل قوله تلك آيات الله نتلوها
اللغة
الجعل إيجاد ما به يكون الشيء على صفة لم يكن عليها و الضياء يجوز أن يكون جمع ضوء كسوط و سياط و حوض و حياض و يجوز أن يكون مصدر ضاء يضوء ضياء

(5/137)


و ضوءا مثل عاذ يعوذ عياذا و عوذا و قام يقوم قياما و على أي الوجهين كان فالمضاف محذوف و تقديره جعل الشمس ذات ضياء و القمر ذا نور و يكون جعل النور و الضياء لكثرة ذلك فيهما و الاختلاف ذهاب كل واحد من الشيئين في غير جهة الآخر فاختلاف الليل و النهار ذهاب أحدهما في جهة الضياء و الآخر في جهة الظلام و الليل عبارة عن وقت غروب الشمس إلي طلوع الفجر الثاني و ليل و ليلة مثل تمر و تمرة و النهار عبارة عن اتساع الضياء من طلوع الفجر الثاني إلي غروب الشمس و النهار و اليوم بمعنى واحد إلا أن في النهار فائدة اتساع الضياء .
المعنى
ثم زاد سبحانه في الاحتجاج للتوحيد فقال « هو الذي جعل الشمس ضياء » بالنهار « و القمر نورا » بالليل و الضياء أبلغ في كشف الظلمات من النور و فيه صفة زائدة على النور « و قدره منازل » أي و قدر القمر منازل معلومة « لتعلموا » به و بمنازله « عدد السنين و الحساب » و أول الشهر و آخره و انقضاء كل سنة و كميتها و جعل الشمس و القمر آيتين من آيات الله تعالى و فيهما أعظم الدلالات على وحدانيته تعالى من وجوه كثيرة منها خلقها و خلق الضياء و النور فيهما و دورانهما و قربهما و بعدهما و مشارقهما و مغاربهما و كسوفهما و في بث الشمس الشعاع في العالم و تأثيرها في الحر و البرد و إخراج النبات و طبخ الثمار و في تمام القمر وسط الشهر و نقصانه في الطرفين ليتميز أول الشهر و آخره من الوسط كل واحد من ذلك نعمة عظيمة من الله سبحانه على خلقه و لذلك قال « ما خلق الله ذلك إلا بالحق » لأن في ذلك منافع للخلق في دينهم و دنياهم و دلائل على وحدانية الله و قدرته و كونه عالما لم يزل و لا يزال « يفصل الآيات » أي يشرحها و يبينها آية آية « لقوم يعلمون » فيعطون كل آية حظها من التأمل و التدبر و قيل إن المعنى في قوله « و قدره منازل » التثنية أي قدر الشمس و القمر منازل غير أنه وحده للإيجاز اكتفاء بالمعلوم كما مر ذكر أمثاله فيما تقدم و كما في قول الشاعر :
رماني بأمر كنت منه و والدي
بريئا و من جول الطوي رماني فإن الشمس تقطع المنازل في كل سنة و القمر يقطعها في كل شهر فإنما يتم الحساب و تعلم الشهور و السنون و الشتاء و الصيف بمقاديرهما و مجاريهما في تداويرهما « إن في اختلاف الليل و النهار و ما خلق الله في السماوات و الأرض » أي فعله فيهما على ما يقتضيه الحكمة في السماوات من الأفلاك و الكواكب السيارة و غير السيارة و في الأرض من الحيوان و النبات و الجماد و أنواع الأرزاق و النعم « لآيات » أي حججا و دلالات على وحدانية الله

(5/138)


« لقوم يتقون » معاصي الله و يخافون عقابه و خصهم بالذكر لاختصاصهم بالانتفاع بها .
إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَ رَضوا بِالحَْيَوةِ الدُّنْيَا وَ اطمَأَنُّوا بهَا وَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَتِنَا غَفِلُونَ(7) أُولَئك مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كانُوا يَكْسِبُونَ(8) إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ يهْدِيهِمْ رَبهُم بِإِيمَنهِمْ تَجْرِى مِن تحْتهِمُ الأَنْهَرُ فى جَنَّتِ النَّعِيمِ(9) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سبْحَنَك اللَّهُمَّ وَ تحِيَّتهُمْ فِيهَا سلَمٌ وَ ءَاخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحَْمْدُ للَّهِ رَب الْعَلَمِينَ(10)
القراءة
في الشواذ قراءة ابن محيصن و يعقوب أن الحمد لله .
الحجة
و هذه القراءة تدل على أن قراءة الجماعة « أن الحمد لله » إنما هو على أن أن مخففة من الثقيلة كما في قوله :
في فتية كسيوف الهند قد علموا
أن هالك كل من يحفى و ينتعل فيكون على تقدير أنه الحمد لله و لا يجوز أن تكون أن هنا زائدة كما زيدت في قوله :
و يوما توفينا بوجه مقسم
كان ظبية تعطو إلي وارق السلم أي كظبية .
اللغة
الغفلة و السهو من النظائر و هو ذهاب المعنى عن النفس و نقيضه اليقظة

(5/139)


و الدعوى قول يدعى به إلي أمر و التحية التكرمة بالحال الجليلة و لذلك يسمون الملك التحية قال :
من كل ما نال الفتى قد نلته إلا التحية ) و هو مأخوذ من قولهم أحياك الله حياة طيبة .
المعنى
ثم إنه سبحانه أوعد الغافلين عن الأدلة المتقدمة المكذبين بالمعاد فقال « إن الذين لا يرجون لقاءنا » أي لقاء جزائنا و معناه لا يطمعون في ثوابنا و أضافه إلى نفسه تعظيما له و يحتمل أن يكون المعنى لا يخافون عقابنا كما يكون الرجاء بمعنى الخوف كما في قول الهذلي :
إذا لسعته النحل لم يرج لسعها
و خالفها في بيت نوب عواسل جعل سبحانه ملاقاة ما لا يقدر عليه إلا هو ملاقاة له كما جعل إتيان ملائكته إتيانا له في قوله هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله تفخيما للأمر « و رضوا بالحياة الدنيا » أي متعوا بها و اختاروها فلا يعملون إلا لها و لا يجتهدون إلا لأجلها مع سرعة فنائها و لا يرجون ما وراءها « و اطمأنوا بها » أي و سكنوا إلى الدنيا بأنفسهم و ركنوا إليها بقلوبهم « و الذين هم عن آياتنا غافلون » أي ذاهبون عن تأملها فلا يعتبرون بها « أولئك مأواهم النار » أي مستقرهم النار « بما كانوا يكسبون » من المعاصي ثم وعد سبحانه المؤمنين بعد ما أوعد الكافرين فقال « إن الذين آمنوا » أي صدقوا بالله و رسله « و عملوا الصالحات » أي و أضافوا إلى ذلك الأعمال الصالحة « يهديهم ربهم بإيمانهم » إلى الجنة « تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم » أي تجري بين أيديهم الأنهار و هم يرونها من علو كما قال سبحانه قد جعل ربك تحتك سريا و معلوم أنه لم يجعل السري الذي هو الجدول تحتها و هي قاعدة عليه و إنما أراد أنه جعله بين يديها و قيل معناه من تحت بساتينهم و أسرتهم و قصورهم عن الجبائي و قوله « بإيمانهم » يعني به جزاء على إيمانهم « دعواهم فيها » أي دعاء المؤمنين في الجنة و ذكرهم فيها أن يقولوا « سبحانك اللهم » يقولون ذلك لا على وجه العبادة لأنه ليس هناك تكليف بل يلتذون بالتسبيح و قيل إنهم إذا مر بهم الطير في الهواء يشتهونه قالوا سبحانك اللهم فيأتيهم الطير فيقع مشويا بين أيديهم و إذا قضوا منه الشهوة قالوا الحمد لله رب العالمين فيطير الطير حيا كما كان فيكون مفتتح كلامهم في كل شيء التسبيح و مختتم كلامهم التحميد فيكون

(5/140)


التسبيح في الجنة بدل التسمية في الدنيا عن ابن جريج « و تحيتهم فيها سلام » أي تحيتهم من الله سبحانه في الجنة سلام و قيل معناه تحية بعضهم لبعض فيها أو تحية الملائكة لهم فيها سلام يقولون سلام عليك أي سلمتم من الآفات و المكاره التي ابتلي بها أهل النار و قد ذكرنا معنى قوله « و آخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين » و ليس المراد أن ذلك يكون آخر كلامهم حتى لا يتكلموا بعده بشيء بل المراد أنهم يجعلون هذا آخر كلامهم في كل ما ذكروه عن الحسن و الجبائي .
* وَ لَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشرَّ استِعْجَالَهُم بِالْخَيرِ لَقُضىَ إِلَيهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فى طغْيَنهِمْ يَعْمَهُونَ(11) وَ إِذَا مَس الانسنَ الضرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائماً فَلَمَّا كَشفْنَا عَنْهُ ضرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلى ضرّ مَّسهُ كَذَلِك زُيِّنَ لِلْمُسرِفِينَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ(12)
القراءة
قرأ ابن عامر و يعقوب لقضى بفتح القاف أجلهم منصوب و الباقون « لقضي » على ما لم يسم فاعله « أجلهم » بالرفع .
الحجة
قال أبو علي اللام في قوله « لقضي إليهم » جواب لو في قوله « و لو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير » و المعنى و الله أعلم و لو يعجل الله للناس دعاء الشر أي ما يدعون به من الشر على أنفسهم في حال ضجر أو بطر استعجاله إياهم بدعاء الخير فأضاف المصدر إلى المفعول فحذف الفاعل كقوله تعالى لا يسأم الإنسان من دعاء الخير في حذف ضمير الفاعل و التقدير و لو يعجل الله للناس الشر استعجالا مثل استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم قال أبو عبيدة لقضي إليهم أجلهم معناه لفرغ من أجلهم و أنشد لأبي ذويب :
و عليهما مسرودتان قضاهما
داود أو صنع السوابغ تبع

(5/141)


و مثل ما أنشده قول الآخر :
قضيت أمورا ثم غادرت بعدها
بوائق في أكمامها لم تفتق و المعنى لفرغ من أجلهم و مدتهم المضروبة للحياة و إذا انتهت مدتهم المضروبة للحياة هلكوا و هذا قريب من قوله و يدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير و كان الإنسان عجولا و قالوا للميت مقضي كأنه قضى إذا مات و قضى فعل .
التقدير استوفى أجله و فرغ منه قال ذو الرمة :
إذا الشخص فيها هزه الآل أغمضت
عليه كإغماض المقضي هجولها المعنى أغمضت هجول هذه البلاد على الشخص الذي فيها فلم ير لغرقه في الآل كإغماض المقضي و هو الميت و أما ما يتعلق به الجار من قوله « لقضي إليهم » فكأنه لما كان معنى قضى فرغ و كان قولهم فرغ يتعدى بهذا الحرف في قوله :
الآن فقد فرغت إلى نمير
فهذا حين صرت لهم عذابا و في التنزيل سنفرغ لكم أيه الثقلان أمكن أن يكون الفعل يعدى باللام كما يعدى بالي و باللام في قوله بأن ربك أوحى لها فلما كان معنى قضى فرغ تعلق بها إلى كذلك تعلق بقضى و وجه قراءة ابن عامر لقضي إليهم أجلهم على إسناد الفعل إلى الفاعل أن الذكر قد تقدم في قوله « و لو يعجل الله للناس » فقال لقضي على هذا و من حجته في ذلك قوله ثم قضى أجلا و أجل مسمى عنده فهذا الأجل الذي في هذه الآية هو الأجل المضروب للمحيا كما أن الأجل في قوله « لقضي إليهم أجلهم » كذلك فكما أسند الفعل في الأجل المضروب للحياة إلى الفاعل في قوله ثم قضى أجلا عند الجميع كذلك أسنده ابن عامر في قوله لقضي إليهم أجلهم إلى الفاعل و لم يسنده إلى الفعل المبني للمفعول و يدل على أن الأجل في قوله ثم قضى أجلا أجل المحيا إن قوله و أجل مسمى عنده أجل البعث يبين ذلك قوله ثم أنتم تمترون أي أنتم أيها المشركون تشكون في البعث و من قرأ لقضي فبنى الفعل للمفعول به فلأنه في المعنى مثل قول من بنى الفعل للفاعل .

(5/142)


الإعراب
قوله « لجنبه » في موضع نصب على الحال تقديره دعانا منبطحا لجنبه أو دعانا قائما و يجوز أن يكون تقديره إذا مس الإنسان الضر لجنبه أو مسه قاعدا أو مسه قائما دعانا و موضع الكاف من كذلك نصب على مفعول ما لم يسم فاعله أي زين للمسرفين عملهم مثل ذلك .
المعنى
ثم عاد الكلام إلى ذكر المائلين إلى الدنيا المطمئنين إليها الغافلين عن الآخرة فقال « و لو يعجل الله للناس الشر » أي إجابة دعوتهم في الشر إذا دعوا به على أنفسهم و أهاليهم عند الغيظ و الضجر و استعجلوه مثل قول الإنسان رفعني الله من بينكم و قوله لولده اللهم ألعنه و لا تبارك فيه « استعجالهم بالخير » أي كما يعجل لهم إجابة الدعوة بالخير إذا استعجلوها « لقضي إليهم أجلهم » أي لفرغ من إهلاكهم و لكن الله تعالى لا يعجل لهم الهلاك بل يمهلهم حتى يتوبوا و قيل معناه و لو يعجل الله للناس العقاب الذي استحقوه بالمعاصي كما يستعجلونهم خير الدنيا و ربما أجيبوا إلى ما سألوه إذا اقتضت المصلحة ذلك لفنوا لأن بنية الإنسان في الدنيا لا تحتمل عقاب الآخرة بل لا تحتمل ما دونه و الله سبحانه يوصله إليهم في وقته و سمي العقاب شرا من جهة المشقة و الأذى الذي فيه و فائدته أنه لو تعجلت العقاب لزال التكليف و لا يزول التكليف إلا بالموت و إذا عوجلوا بالموت لم يبق أحد « فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون » أي فندع الذين لا يخافون البعث و الحساب يتحيرون في كفرهم و عدولهم عن الحق إلى الباطل و تمردهم في الظلم .
و العمة شدة الحيرة ثم أخبر سبحانه عن قلة صبر الإنسان على الضرر و الشدائد فقال « و إذا مس الإنسان الضر » أي المشقة و البلاء و المحنة من محن الدنيا « دعانا لجنبه » أي دعانا لكشفه مضطجعا « أو قاعدا أو قائما » أي على أي حال كان عليها و اجتهد في الدعاء و سؤال العافية و ليس غرضه بذلك نيل ثواب الآخرة و إنما غرضه زوال ما هو من الألم و الشدة و قيل إن تقديره و إذا مس الإنسان الضر مضطجعا أو قاعدا أو قائما دعانا لكشفه و فيه تقديم و تأخير « فلما كشفنا عنه ضره » أي فلما أزلنا عنه ذلك الضرر و وهبنا له العافية « مر » أي استمر على طريقته الأولى معرضا عن شكرنا « كأن لم يدعنا إلى ضر مسه » أي كأن لم يدعنا قط لكشف ضره و لم يسألنا إزالة الألم عنه « كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون » أي كما زين لهم الشيطان و أقرانهم الغواة ترك الدعاء عند الرخاء زينوا للمسرفين أي للمشركين عملهم عن الحسن و يحتمل أن يكون زين المسرفون بعضهم لبعض و إن لم يضف التزيين إليهم فهو كقولهم فلان معجب بنفسه و قد حث الله سبحانه بهذه الآية الذين منحوا الرخاء بعد الشدة و العافية بعد البلية على أن يتذكروا حسن صنع الله إليهم و جزيل نعمته عليهم و يشكروه على ذلك

(5/143)


و يسألوه إدامة ذلك لديهم و نبه بذلك على وجوب الصبر عند المحنة احتسابا للأجر و ابتغاء للثواب و الذخر .
وَ لَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظلَمُوا وَ جَاءَتهُمْ رُسلُهُم بِالْبَيِّنَتِ وَ مَا كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِك نجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ(13) ثمَّ جَعَلْنَكُمْ خَلَئف فى الأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظرَ كَيْف تَعْمَلُونَ(14)
اللغة
القرون جمع قرن و هو أهل عصر سموا بذلك لمقارنة بعضهم لبعض و منه قرن الشاة لمقارنته آخر بإزائه و القرن بكسر القاف هو المقاوم لقرينه في الشدة .
الإعراب
موضع كيف نصب بقوله « تعملون » و تقديره لننظر أ خيرا تعملون أم شرا و لا يجوز أن يكون معمول ننظر لأن ما قبل الاستفهام لا يعمل في ما بعده .
المعنى
ثم أخبر سبحانه عما نزل بالأمم الماضية من المثلات و حذر هذه الأمة عن مثل مصارعهم فقال « و لقد أهلكنا القرون من قبلكم » بأنواع العذاب « لما ظلموا » أنفسهم بأن أشركوا و عصوا « و جاءتهم رسلهم بالبينات » أي بالمعجزات الظاهرة و الدلالات الواضحة « و ما كانوا ليؤمنوا » هذا إخبار بأن هذه الأمم إنما أهلكوا لما كانوا في المعلوم أنهم لو بقوا لم يكونوا يؤمنون بالرسل الذين أتوهم و الكتب التي جاءوهم بها و استدل أبو علي الجبائي بهذا على أن تبقية الكافر واجبة إذا كان المعلوم من حاله أنه يؤمن فيما بعد « كذلك نجزي القوم المجرمين » أي كذلك نعذب القوم المشركين في المستقبل إذا لم يؤمنوا بعد قيام الحجة عليهم و علمنا أنهم لا يؤمنون و لا يصلحون « ثم جعلناكم » يا أمة محمد « خلائف في الأرض من بعدهم » أي من بعد القرون التي أهلكناهم و معناه أسكناكم الأرض خلفهم « لننظر كيف تعملون » أي لنرى عملكم أين يقع من عمل أولئك أ تقتدون بهم فتستحقون من العقاب مثل ما استحقوه أم تؤمنون فتستحقون الثواب و إنما قال لننظر ليدل على أنه سبحانه يعامل العبد معاملة المختبر الذي لا يعلم الشيء فيجازيه على ما يظهر منه دون ما قد علم أنه يفعله مظاهرة في العدل و النظر في الحقيقة لا يجوز على الله تعالى لأنه

(5/144)


إنما يكون بالقلب و هو التفكر و بالعين و هو تقليب الحدقة نحو المرئي التماسا لرؤيته مع سلامة الحاسة و أحد هذين لا يجوز عليه سبحانه و إنما يستعمل ذلك في صفاته على وجه المجاز و الاتساع فإن النظر إنما هو لطلب العلم و هو سبحانه يعامل عباده معاملة من يطلب العلم بما يكون منهم ليجازيهم بحسبه .
وَ إِذَا تُتْلى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَت قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْءَان غَيرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لى أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاى نَفْسى إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلىَّ إِنى أَخَاف إِنْ عَصيْت رَبى عَذَاب يَوْم عَظِيم(15) قُل لَّوْ شاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكمْ وَ لا أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْت فِيكمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ(16) فَمَنْ أَظلَمُ مِمَّنِ افْترَى عَلى اللَّهِ كذِباً أَوْ كَذَّب بِئَايَتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ(17)
القراءة
في رواية أبي ربيعة عن البزي عن ابن كثير و لأدراكم » فجعلها لاما دخلت على أدراكم و أمال في أدراكم و أدراك في جميع القرآن أبو عمرو و حمزة و الكسائي و خلف و روي في الشواذ عن ابن عباس و الحسن و لا أدريكم به .
الحجة
قال أبو علي حكى سيبويه دريته و دريت به و الأكثر في الاستعمال بالباء و يبين ذلك قوله « و لا أدراكم » و لو جاء على اللغة الأخرى لكان و لا أدراكموه و قال الدرية كالفطنة و الشعرة و هي مصادر يراد بها ضروب من العلم أما الدراية فكالهداية و الدلالة فكان الدراية التأني و التعمل لعلم الشيء و على هذا المعنى ما تصرف من هذه الكلمة أنشد أبو زيد :
فإن غزالك الذي كنت تدري
إذا شئت ليث خادر بين أشبل

(5/145)


و تدري أي تختل و منه الدرية في قول أكثر الناس الخمل الذي يستتر به الصايد من الوحش كأنه يختل به و داريت الرجل لاينته و خاتلته و إذا كان الحرف على هذا فالداري في وصف القديم سبحانه لا يسوغ فأما قول الراجز :
لا هم لا أدري و أنت الداري ) فلا يكون حجة في جواز ذلك لأنه استجار ذلك لما تقدم من قوله لا أدري كما جاز فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه و إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم و أيضا فإن الأعراب يذكرون أشياء يمتنع جوازها كما قالوا :
لا هم أن كنت الذي بعهدي
و لم تغيرك الأمور بعدي و قال الآخر :
لو خافك الله عليه حرمه فأما الهمزة على ما حكي عن الحسن و غيره فلا وجه له لأن الدرء الدفع قال ابن جني يجوز أن يكون لها وجه و إن كان فيه ضعف صنعة و هو أن يكون أراد و لا أدريتكم به ثم قلبت الياء ألفا لانفتاح ما قبلها و إن كانت ساكنة كقولهم في ييأس يااس و في ييبس يابس و قال قطرب أن لغة عقيل في أعطيتك أن يقولوا أعطاتك ثم همز الألف على لغة من قال في الباز الباز و في العالم و الخاتم و النابل العالم و الخاتم و النابل و من قرأ و لا أدريكم به فمعناه و لا علمكم الله تعالى به فيكون نفيا للتلاوة و إثباتا للعلم و على قراءة الجماعة يكون نفيا للأمرين جميعا .
اللغة
التلقاء جهة مقابلة الشيء إلا أنه قد يستعمل ظرفا فيقال هو تلقاءه كما يقال هو حذاءه و قبالته و تجاهه و إزاءه و العمر بفتح العين و سكون الميم و العمر بضمهما البقاء و إذا استعمل في القسم فالفتح لا غير
النزول
قيل نزلت في خمسة نفر عبد الله بن أمية المخزومي و الوليد بن مغيرة و مكرز بن حفص و عمرو بن عبد الله بن أبي قيس العامري و العاص بن عامر بن هاشم قالوا للنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) ائت بقرآن ليس فيه ترك عبادة اللات و العزى و مناة و هبل و ليس فيه عيبها أو بدله تكلم به من تلقاء نفسك عن مقاتل و قيل نزلت في المستهزءين قالوا يا محمد ائت بقرآن غير هذا فيه ما نسلكه عن الكلبي .
المعنى
ثم أخبر سبحانه عن مشركي قريش فقال « و إذا تتلى عليهم آياتنا »

(5/146)


المنزلة في القرآن « بينات » أي واضحات في الحلال و الحرام و سائر الشرائع و هي نصب على الحال « قال الذين لا يرجون لقاءنا » أي لا يؤمنون بالبعث و النشور فلا يخشون عقابنا و لا يطمعون في ثوابنا « ائت بقرآن غير هذا » الذي تتلوه علينا « أو بدله » فاجعله على خلاف ما تقرؤه و الفرق بينهما أن الإتيان بغيره قد يكون معه و تبديله لا يكون إلا برفعه و قيل معنى قوله « بدله » غير أحكامه من الحلال أو الحرام أرادوا بذلك زوال الخطر عنهم و سقوط الأمر منهم و أن يخلى بينهم و بين ما يريدونه « قل » يا محمد « ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي » أي من جهة نفسي و ناحية نفسي و لأنه معجز فلا أقدر على الإتيان بمثله « إن أتبع إلا ما يوحى إلى » أي ما أتبع إلا الذي أوحي إلى « إني أخاف إن عصيت ربي » في اتباع غيره « عذاب يوم عظيم » أي يوم القيامة و من استدل بهذه الآية على أن نسخ القرآن بالسنة لا يجوز فقد أبعد لأنه إذا نسخ القرآن بالسنة و ما يقوله النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فإنه يقوله بالوحي من الله فلم ينسخ القرآن و لم يبدله من قبل نفسه بل يكون تبديله من قبل الله تعالى و لكن لا يكون قرآنا و يؤيد ذلك قوله « و ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى » « قل » يا محمد « لو شاء الله ما تلوته عليكم » معناه لو شاء الله ما تلوت هذا القرآن عليكم بأن كان لا ينزله علي « و لا أدراكم به » أي و لا أعلمكم الله به بأن لا ينزله علي فلا أقرؤه عليكم فلا تعلمونه « فقد لبثت فيكم عمرا من قبله » أي فقد مكثت و أقمت بينكم دهرا طويلا من قبل إنزال القرآن فلم أقرأه عليكم فلا تعلمونه و لا ادعيت نبوة حتى أكرمني الله تعالى به « أ فلا تعقلون » أي أ فلا تتفكرون فيه بعقولكم فتعلموا أن المصلحة فيما أنزله الله تعالى دون ما تقرءونه قال علي بن عيسى العقل هو العلم الذي يمكن به الاستدلال بالشاهد على الغائب و الناس يتفاضلون فيه بالأمر المتفاوت فبعضهم أعقل من بعض إذا كان أقدر على الاستدلال من بعض « فمن أظلم ممن افترى على الله » أي لا أحد أظلم ممن اخترع على الله « كذبا أو كذب ب آياته إنه لا يفلح المجرمون » أي المشركون عن الحسن فإن قيل أ ليس من ادعى الربوبية أعظم ظلما من المدعي للنبوة قلنا إن المراد بقوله « من افترى على الله كذبا » من كفر بالله تعالى فقد دخل فيه من ادعى الربوبية و غيره من أنواع الكفار فكأنه قال لا أحد أظلم من الكافر .

(5/147)


وَ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضرُّهُمْ وَ لا يَنفَعُهُمْ وَ يَقُولُونَ هَؤُلاءِ شفَعَؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فى السمَوَتِ وَ لا فى الأَرْضِ سبْحَنَهُ وَ تَعَلى عَمَّا يُشرِكُونَ(18) وَ مَا كانَ النَّاس إِلا أُمَّةً وَحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَ لَوْ لا كلِمَةٌ سبَقَت مِن رَّبِّك لَقُضىَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يخْتَلِفُونَ(19) وَ يَقُولُونَ لَوْ لا أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْب للَّهِ فَانتَظِرُوا إِنى مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ(20)
القراءة
قرأ تشركون بالتاء أهل الكوفة غير عاصم و كذلك في النحل في موضعين و في الروم و الباقون كل ذلك بالياء .
الحجة
من قرأ بالتاء فلقوله « أ تنبئون الله » و من قرأ بالياء احتمل وجهين ( أحدهما ) على قل كأنه قيل له قل أنت سبحانه و تعالى عما يشركون و الوجه الآخر أن يكون هو سبحانه نزه نفسه عما أقروه فقال ذلك .
المعنى
ثم أخبر سبحانه عن هؤلاء الكفار فقال « و يعبدون من دون الله ما لا يضرهم و لا ينفعهم » أي و يعبد هؤلاء المشركون الأصنام التي لا يضرهم إن تركوا عبادتها و لا ينفعهم إن عبدوها فإن قيل كيف ذمهم على عبادة الصنم الذي لا ينفع و لا يضر مع أنه لو نفع و ضر لكان لا يجوز أيضا عبادته قلنا عبادة من لا يقدر على أصول النعم و إن قدر على النفع و الضر إذا كان قبيحا فمن لا يقدر على النفع و الضر أصلا من الجماد تكون عبادته أقبح و أشنع فلذلك خصه بالذكر « و يقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله » أخبر سبحانه عن هؤلاء الكفار أنهم قالوا إنا نعبد هذه الأصنام لتشفع لنا عند الله و إن الله أذن لنا في عبادتها و أنه سيشفعها فينا في الآخرة و توهموا أن عبادتها أشد في تعظيم الله سبحانه من قصده تعالى بالعبادة فجمعوا بين قبيح القول و قبيح الفعل و قبيح التوهم و قيل معناه هؤلاء شفعاؤنا في الدنيا لإصلاح معاشنا عن الحسن قال لأنهم كانوا يقرون بالبعث بدلالة قوله و أقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت « قل أ تنبئون الله بما لا يعلم في السماوات و لا في الأرض » أمر سبحانه نبيه (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أن يقول لهم على وجه الإلزام أ تخبرون الله بما لا يعلم من حسن عبادة الأصنام و كونها شافعة لأن ذلك لو كان صحيحا لكان

(5/148)


تعالى به عالما ففي نفي علمه بذلك نفي المعلوم و معناه أنه ليس في السماوات و لا الأرض إله غير الله و لا أحد يشفع لكم يوم القيامة و قيل معناه أ تخبرون الله بشريك أو شفيع لا يعلم شيئا كما قال و يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات و الأرض فكذلك وصفهم بأنهم لا يعلمون في السماوات و الأرض شيئا « سبحانه و تعالى عما يشركون » أي تنزه الله تعالى عن أن يكون له شريك في استحقاق العبادة « و ما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا » فيه أقوال ( أحدها ) أن الناس كانوا جميعا على الحق و على دين واحد فاختلفوا في الدين الذي كانوا مجتمعين عليه ثم قيل أنهم اختلفوا على عهد آدم و ولده عن ابن عباس و السدي و مجاهد و الجبائي و أبي مسلم ، و متى اختلفوا ؟ قيل عند قتل أحد ابنيه أخاه و قيل اختلفوا بعد موت آدم (عليه السلام) لأنهم كانوا على شرع واحد و دين واحد إلى زمن نوح و كانوا عشرة قرون ثم اختلفوا عن أبي روق و قيل كانوا على ملة الإسلام من لدن إبراهيم (عليه السلام) إلى أن غيره عمرو بن لحي و هو أول من غير دين إبراهيم و عبد الصنم في العرب عن عطاء و يدل على صحة هذه الأقوال قراءة عبد الله و ما كان الناس إلا أمة واحدة على هدى فاختلفوا عنه ( و ثانيها ) أن الناس كانوا أمة واحدة مجتمعة على الشرك و الكفر عن ابن عباس و الحسن و الكلبي و جماعة ثم اختلف هؤلاء فقيل كانت أمة كافرة على عهد إبراهيم ثم اختلفوا فتفرقوا فمنهم مؤمن و منهم كافر عن الكلبي و قيل كانت كذلك منذ وفاة آدم إلى زمن نوح عن الحسن و قيل أراد به العرب الذين كانوا قبل مبعث النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فإنهم كانوا مشركين إلى أن بعث النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) ف آمن به قوم و بقي آخرون على الشرك و سئل علي (عليه السلام) عن هذا فقيل كيف يجوز أن يطبق أهل عصر على الكفر حتى لا يوجد مؤمن يشهد عليهم و الله تعالى يقول فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد و أجيبوا عن ذلك بأنه يجوز أن يكون أهل كل عصر و إن لم يخل عن مؤمنين يشهدون عليهم فربما يقلون في عصر و إنما يتبع الاسم الأعم و على هذا يقال دار الإسلام و دار الكفر و في تفسير الحسن و ما كان الناس إلى مبعث نوح إلا ملة واحدة كافرة إلا الخاصة فإن الأرض لا تخلو من أن يكون لله تعالى فيها حجة ( و ثالثها ) إن الناس خلقوا على فطرة الإسلام ثم اختلفوا في الأديان « و لو لا كلمة سبقت من ربك » من أنه لا يعاجل العصاة بالعقوبة إنعاما عليهم في التأني بهم « لقضي بينهم » أي فصل بينهم « فيما فيه يختلفون » بأن يهلك العصاة و ينجي المؤمنين لكنه أخرهم إلى يوم القيامة تفضلا منه إليهم و زيادة في الإنعام عليهم ثم حكى سبحانه عن هؤلاء الكفار فقال « و يقولون لو لا أنزل عليه آية من ربه » أي هلا أنزل على محمد آية من ربه تضطر الخلق إلى المعرفة بصدقة فلا يحتاجون معها إلى النظر و الاستدلال

(5/149)


و لم يطلبوا معجزة تدل على صدقه لأنه (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قد أتاهم بالمعجزات الدالة على نبوته و إنما لم يلجئهم الله إلى ما التمسوه لأن التكليف يمنع من الاضطرار إلى المعرفة فإن الغرض بالتكليف التعريض للثواب و لو كانت المعرفة ضرورة لما استحقوا ثوابا فكيف و كان يكون ذلك ناقضا للغرض « فقل إنما الغيب لله » معناه فقل يا محمد إن الذي يعلم الغيب و يعلم مصالح الأمور قبل كونها هو الله العالم لنفسه يعلم الأشياء قبل كونها و بعد كونها لا تخفى عليه خافية فيعلم ما في إنزاله صلاح فينزله و يعلم ما ليس في إنزاله صلاح فلا ينزله و لذلك لا يفعل الآية التي اقترحوها في هذا الوقت لما في ذلك من حسن تدبير « فانتظروا » أي فانتظروا عقاب الله تعالى بالقهر و القتل في الدنيا و العقاب في الآخرة « إني معكم من المنتظرين » لأن الله تعالى وعدني النصرة عليكم و قيل معناه فانتظروا إذلال الكافرين فإني منتظر إعزاز المؤمنين .
وَ إِذَا أَذَقْنَا النَّاس رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضرَّاءَ مَستهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فى ءَايَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ(21) هُوَ الَّذِى يُسيرُكمْ فى الْبرِّ وَ الْبَحْرِ حَتى إِذَا كُنتُمْ فى الْفُلْكِ وَ جَرَيْنَ بهِمْ بِرِيح طيِّبَة وَ فَرِحُوا بهَا جَاءَتهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَ جَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كلِّ مَكان وَ ظنُّوا أَنهُمْ أُحِيط بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشكِرِينَ(22) فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فى الأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ يَأَيهَا النَّاس إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلى أَنفُسِكُم مَّتَعَ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(23)
القراءة
قرأ روح و زيد عن يعقوب و سهل يمكرون بالياء و الباقون بالتاء و قرأ ينشركم

(5/150)


بالنون و الشين من النشر أبو جعفر و ابن عامر و الباقون « يسيركم » بالسين و الياء من التسيير و قرأ حفص وحده « متاع » بالنصب و الباقون بالرفع .
الحجة
من قرأ يمكرون بالياء فلقوله « إذا لهم مكر في آياتنا » و من قرأ بالتاء فللخطاب أي قل لهم يا محمد إن رسل الله يكتبون ما تمكرون و من قرأ « يسيركم » يقويه قوله فامشوا في مناكبها و كلوا من رزقه و قوله قل سيروا في الأرض و يقال سار الدابة و سرته و سيرته قال :
فلا تجز عن من سنة أنت سرتها ) و قال لبيد :
فبنيان حرب أن تبوء بحربة
و قد يقبل الضيم الذليل المسير و من قرأ ينشركم فحجته قوله و بث منهما رجالا كثيرا و نساء و قوله و ما بث فيهما من دابة و البث التفريق و النشر في المعنى و أما « متاع الحياة الدنيا » فقد قال الزجاج من رفع فعلى وجهين ( أحدهما ) أن يكون « متاع الحياة الدنيا » خبرا لقوله « بغيكم » ( و الآخر ) أن يكون خبر المبتدأ « على أنفسكم » و « متاع الحياة » على إضمار هو و من نصب فعلى المصدر أي تتمتعون متاع الحياة الدنيا قال أبو علي قوله « على أنفسكم » يحتمل تأويلين ( أحدهما ) أن يكون متعلقا بالمصدر لأن فعله يتعدى بهذا الحرف أ لا ترى إلى قوله بغى بعضنا على بعض ثم بغي عليه و إذا كان الجار من صلة المصدر كان الخبر « متاع الحياة الدنيا » فيكون معناه بغى بعضكم على بعض متاع الحياة في الدنيا و ليس ما يقرب إلى الله و يجوز أن يكون متعلقا بمحذوف فيكون خبرا للمصدر و فيه ذكر يعود إليه فيكون كقولك الصلاة في المسجد فيكون المصدر مضافا إلى الفاعل و مفعوله محذوفا و المعنى إنما بغى بعضكم على بعض بما يدل على أنفسكم و يكون كقوله و لا يحيق المكر السيىء إلا بأهله و من نصب احتمل النصب وجهين ( أحدهما ) أن يكون على من صلة المصدر و يكون الناصب لمتاع هو المصدر الذي هو البغي و يكون خبر المبتدأ محذوفا و حسن حذفه لطول الكلام و لأن بغيكم يدل على تبغون فيحسن الحذف لذلك و هذا الخبر لو أظهرته لكان يكون مكروه أو مذموم أو منهي عنه و نحو ذلك ( و الآخر ) أن يكون « على أنفسكم » خبر المبتدأ فيكون متاع منصوبا على وجهين ( أحدهما ) تمتعون متاعا فيدل انتصاب المصدر عليه ( و الآخر ) أن يضمر تبغون لأن ما يجري مجرى ذكره قد تقدم كأنه لو أظهره لكان تبغون متاع الحياة الدنيا فيكون مفعولا له

(5/151)


و لا يجوز أن يتعلق المصدر بالمصدر في قوله « إنما بغيكم » و قد جعلت على خبرا لقوله « إنما بغيكم » لفصلك بين الصلة و الموصول .
اللغة
التسيير التحريك في جهة تمتد كالسير الممدود و البر الأرض الواسعة التي تقطع من بلد إلى بلد و منه البر لاتساع الخير به و البحر مستقر الماء الواسع حتى لا يرى من وسطه حافتاه و الفلك السفن و سميت فلكا لدورانها في الماء و أصله الدور و منه فلكة المغزل و تفلك ثدي الجارية إذا استدار و الفلك يكون جمعا و واحدا و هو هاهنا جمع و العاصف الريح الشديدة و عصفت الريح فهي عاصف و عاصفة قال :
حتى إذا عصفت ريح مزعزعة
فيها قطار و رعد صوته زجل
الإعراب
جواب إذا الأولى في إذا الثانية و إنما جعل إذا جوابا لكونها بمعنى الجملة لما فيها من معنى المفاجاة و هي ظرف مكان و هو كقوله « و إن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون » و معناه إن تصبهم سيئة قنطوا و إذا أذقنا الناس رحمة مكروا و جرين بهم ابتداء الكلام خطاب و بعد ذلك إخبار عن غائب لأن كل من أقام الغائب مقام من يخاطبه جاز له أن يرده إلى الغائب قال كثير :
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة
لدينا و لا مقلية إن تقلت و قال عنترة :
شطت مزار العاشقين فأصبحت
عسرا علي طلابك ابنة مخرم و قوله « فلما أنجاهم إذا هم يبغون » المعنى فلما أنجاهم بغوا
المعنى
ثم أخبر سبحانه عن ذميم فعالهم فقال « و إذا أذقنا الناس رحمة » يريد بالناس الكفار فهو عموم يراد به الخصوص « من بعد ضراء مستهم » أي راحة و رخاء بعد شدة و بلاء و حقيقة الذوق فيما له طعم يوجد إنما يكون طعمه بالفم و إنما قال أذقناهم الرحمة

(5/152)


على طريق البلاغة لشدة إدراك الحاسة إياها « إذا لهم مكر في آياتنا » أي فهم يحتالون لدفع آياتنا بكل ما يجدون السبيل إليه من شبهة أو تخليط في مناظرة أو غير ذلك من الأمور الفاسدة و قال مجاهد مكرهم استهزاؤهم و تكذيبهم « قل » يا محمد لهم « الله أسرع مكرا » أي أقدر جزاء على المكر و معناه أن ما يأتيهم من العقاب أسرع مما أتوه من المكر أي أوقع في حقه و قيل أن مكره سبحانه إنزاله العقوبة بهم من حيث لا يشعرون « إن رسلنا » يعني الملائكة الحفظة « يكتبون ما تمكرون » أي ما تدبرون من سوء التدبير و في هذا غاية الزجر و التهديد من وجهين ( أحدهما ) أنه يحفظ مكرهم ( و الآخر ) أنه أقدر على جزائهم و أسرع فيه ثم امتن الله سبحانه على خلقه بأن عدد نعمه التي يفعلها بهم في كل حال فقال « هو الذي يسيركم في البر و البحر » أي يمكنكم من المسير في البر و البحر بما هيأ لكم من آلات السير و هي خلق الدواب و تسخيرها لكم لتركبوها في البر و تحملوا عليها أثقالكم و هيأ السفن في البحر و إرسال الرياح المختلفة التي تجري بالسفن في الجهات المختلفة « حتى إذا كنتم في الفلك » خص الخطاب براكب البحر أي إذا كنتم راكبي السفن في البحر « و جرين بهم » أي و جرت السفن بالناس لما ركبوها عدل عن الخطاب إلى الإخبار عن الغائب تصرفا في الكلام على أنه يجوز أن يكون خطابا لمن كان في تلك الحال و إخبارا لغيرهم من الناس « بريح طيبة » أي بريح لينة يستطيبونها « و فرحوا بها » أي سروا بتلك الريح لأنها تبلغهم مقصودهم عن أبي مسلم و قيل فرحوا بالسفينة حيث حملتهم و أمتعتهم « جاءتها ريح عاصف » أي جاءت للسفينة ريح عاصف شديدة الهبوب الهائلة « و جاءهم الموج من كل مكان » من البحر و الموج اضطراب البحر و معناه و جاء راكبي البحر الأمواج العظيمة من جميع الوجوه « و ظنوا أنهم أحيط بهم » أي أيقنوا أنهم دنوا من الهلاك و قيل غلب على ظنهم أنهم سيهلكون لما أحاط بهم من الأمواج « دعوا الله » عند هذه الشدائد و الأهوال و التجئوا إليه ليكشف ذلك عنهم « مخلصين له الدين » أي على وجه الإخلاص في الاعتقاد و لم يذكروا الأوثان و الأصنام لعلمهم بأنها لا تنفعهم هاهنا شيئا و قالوا « لئن أنجيتنا » يا رب « من هذه » الشدة « لنكونن من الشاكرين » أي من جملة من يشكرك على نعمك و قوله « جاءتها ريح عاصف » جواب قوله « إذا كنتم في الفلك » و قوله « دعوا الله » جواب قوله « و ظنوا أنهم أحيط بهم » « فلما أنجاهم » أي خلصهم الله تعالى من تلك المحن « إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق » أي يعملون فيها بالمعاصي و الفساد و يشتغلون بالظلم على الأنبياء و على المسلمين « يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا » أي بغي بعضكم على بعض و ما ينالونه به متاع في الدنيا و إنما تأتونه لحبكم

(5/153)


العاجلة و إيثارها على ما يقرب إلى الله تعالى من الطاعات و قد مر بيانه قبل « ثم إلينا مرجعكم » في الآخرة « فننبئكم بما كنتم تعملون » أي نخبركم بأعمالكم لأنا أثبتناها عليكم و هي كلمة تهديد و وعيد .
النظم
قيل إنما اتصل قوله « هو الذي يسيركم » الآية بما قبله لأنه تفسير لبعض ما أجمل في الآية المتقدمة التي هي قوله « و إذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم » عن أبي مسلم و قيل إنه يتصل بما تقدم في السورة من دلائل التوحيد فكأنه قال إلهكم الذي جعل الشمس ضياء و القمر نورا و هو الذي يسيركم .
إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَهُ مِنَ السمَاءِ فَاخْتَلَط بِهِ نَبَات الأَرْضِ مِمَّا يَأْكلُ النَّاس وَ الأَنْعَمُ حَتى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْض زُخْرُفَهَا وَ ازَّيَّنَت وَ ظنَّ أَهْلُهَا أَنهُمْ قَدِرُونَ عَلَيهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نهَاراً فَجَعَلْنَهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِك نُفَصلُ الاَيَتِ لِقَوْم يَتَفَكرُونَ(24) وَ اللَّهُ يَدْعُوا إِلى دَارِ السلَمِ وَ يهْدِى مَن يَشاءُ إِلى صِرَط مُّستَقِيم(25)
القراءة
في الشواذ قراءة الأعرج و الشعبي و أبي العالية و نصر بن عاصم و الحسن بخلاف و أزينت و قراءة أبي عثمان و ازيانت .
الحجة
أما « ازينت » فأصله تزينت فأدغمت التاء في الزاي و سكنت الزاي فاجتلبت لها ألف الوصل و أما أزينت فإنه على أفعلت أي جاءت بالزينة و ازينت أجود في العربية لأن أزينت الأجود فيه أزانت مثل أقال و أباع و أما ازيأنت فوزنه افعالت و أصله ازيانت مثل إدهامت و اسوادت إلا أنه كره التقاء الساكنين فحركت الألف فانقلبت همزة كقول كثير :
و للأرض أما سودها فتجللت
بياضا و أما بيضها فادهامت

(5/154)


اللغة
الزخرف كمال حسن الشيء و يقال زخرفته أي حسنته و منه زخرفت الجنة لأهلها أي زينت بأحسن الألوان و غني بالمكان أقام به و المغاني المنازل قال النابغة :
غنيت بذلك إذ هم لك جيرة
منها بعطف رسالة و تودد و الدعاء طلب الفعل بما يقع لأجله و الداعي إلى الفعل خلاف الصارف عنه و الفرق بين الدعاء و الأمر أن في الأمر ترغيبا في الفعل و زجرا عن تركه و له صيغة تنبىء عنه و الدعاء ليس كذلك و كلاهما طلب و أيضا فإن الأمر يقتضي أن يكون المأمور دون الأمر في الرتبة و الدعاء يقتضي أن يكون فوقه .
المعنى
لما تقدم ما يوجب الترغيب في الآخرة و التزهيد في الدنيا عقبه سبحانه بذكر صفة الدارين فقال « إنما مثل الحياة الدنيا » أي صفة الحياة الدنيا أو شبه الحياة الدنيا في سرعة فنائها و زوالها « كماء أنزلناه من السماء » و هو المطر « فاختلط به » أي بذلك المطر « نبات الأرض » لأن المطر يدخل في خلل النبات فيختلط به و قيل معناه فاختلط بسببه بعض النبات بالبعض فاختلط ما يأكل الناس بما يأكل الأنعام و ما يقتات بما يتفكه ثم فصل ذلك فقال « مما يأكل الناس » كالحبوب و الثمار و البقول « و الأنعام » كالحشيش و سائر أنواع المراعي و قد قيل في المشبه و المشبه به في الآية أقوال ( أحدها ) أنه تعالى شبه الحياة الدنيا بالماء فيما يكون به من الانتفاع ثم الانقطاع ( و ثانيها ) أنه شبهها بالنبات على ما وصفه من الاغترار به ثم المصير إلى الزوال عن الجبائي و أبي مسلم ( و ثالثها ) أنه تعالى شبه الحياة الدنيا بحياة مقدرة على هذه الأوصاف « حتى إذا أخذت الأرض زخرفها » أي حسنها و بهجتها بأنواع الألوان و أجناس النبات و غير ذلك « و ازينت » أي تزينت في عين رائيها « و ظن أهلها » أي مالكها « أنهم قادرون عليها » أي على الانتفاع بها و معناه بلغت المبلغ الذي ظن أهلها أنهم يحصدونها و يقدرون على غلتها أو إدامتها « أتاها أمرنا ليلا أو نهارا » أي أتاها عذابنا من برد أو برد و قيل معناه أتاها حكمنا و قضاؤنا بإهلاكها و إتلافها « فجعلناها حصيدا » أي محصودة و معناها مقطوعة مقلوعة ذاهبة يابسة « كأن لم تغن بالأمس » أي كأن لم تقم على تلك الصفة بالأمس و معناه كأن لم تكن و لم توجد من قبل « كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون » أي مثل ذلك نميز الآيات لقوم يتفكرون فيها فيعتبرون بها و لما بين سبحانه أن الدنيا تنقطع و تفنى بالموت كما يفنى هذا النبات بفنون

(5/155)


الآفات و نبه على التوقع لزوالها و التحرز عن الاغترار بأحوالها رغب عقيبه في الآخرة فقال « و الله يدعوا إلى دار السلام » قيل إن السلام و هو الله تعالى فإن الله تعالى يدعو إلى داره و داره الجنة عن الحسن و قتادة و قيل دار السلام الدار التي يسلم فيها من الآفات عن الجبائي و السلام و السلامة واحد مثل الرضاع و الرضاعة قال :
تحيا بالسلامة أم بكر
و هل لك بعد رهطك من سلام و قيل سميت الجنة دار السلام لأن أهلها يسلم بعضهم على بعض و الملائكة تسلم عليهم و يسلم ربهم عليهم فلا يسمعون إلا سلاما و لا يرون إلا سلاما و يعضده قوله « تحيتهم فيها سلام » و ما أشبهه « و يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم » قيل يهدي من يشاء إلي الإيمان و الدين الحق بالتوفيق و التيسير و الألطاف و قال الجبائي يريد به نصب الأدلة لجميع المكلفين دون الأطفال و المجانين و قيل معناه يهدي من يشاء في الآخرة إلى طريق الجنة الذي يسلكه المؤمنون و يعدل عنه الكافرون إلى النار .
* لِّلَّذِينَ أَحْسنُوا الْحُسنى وَ زِيَادَةٌ وَ لا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَترٌ وَ لا ذِلَّةٌ أُولَئك أَصحَب الجَْنَّةِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ(26) وَ الَّذِينَ كَسبُوا السيِّئَاتِ جَزَاءُ سيِّئَةِ بِمِثْلِهَا وَ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لهَُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِم كَأَنَّمَا أُغْشِيَت وُجُوهُهُمْ قِطعاً مِّنَ الَّيْلِ مُظلِماً أُولَئك أَصحَب النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ(27)
القراءة
قرأ ابن كثير و الكسائي و يعقوب و سهل قطعا ساكنة الطاء و الباقون « قطعا » بفتحها .
الحجة
القطع جمع قطعة من الليل و القطع الجزء من الليل الذي فيه ظلمة .
اللغة
الرهق لحاق الأمر و منه راهق الغلام إذا لحق بالرجال و رهقه في الحرب أدركه قال الأزهري الرهق اسم من الإرهاق و هو أن يحمل الإنسان على ما لا يطيقه و منه سأرهقه

(5/156)


صعودا و الكسب اجتلاب النفع و الجزاء المكافاة و القتر الغبار و القترة الغبرة و القتار الدخان و منه الإقتار في المعيشة .
الإعراب
« جزاء سيئة » في ارتفاعه وجهان ( أحدهما ) أن يكون مبتدأ و خبره بمثلها على زيادة الباء في قول أبي الحسن لأنه وجد في مكان آخر و جزاء سيئة سيئة مثلها و يجوز أن يكون الباء متعلقة بخبر محذوف تقديره جزاء سيئة كائن بمثلها كما تقول إنما أنا بك و أمري بيدك و ما أشبه ذلك ( و الآخر ) أن يكون فاعلا بإضمار فعل تقديره استقر لهم جزاء سيئة بمثلها ثم حذف استقر فبقي لهم جزاء سيئة بمثلها ثم حذف لهم لدلالة الكلام على أن هذا مستقر لهم و يجوز أن يكون « جزاء سيئة » مبتدأ و الخبر محذوف تقديره لهم جزاء سيئة بمثلها أو جزاء سيئة بمثلها كائن هذا قد أجازه أبو الفتح و قوله « و ترهقهم » عطف على كسبوا و جاز أن يفصل بينهما بقوله « جزاء سيئة بمثلها » لأنه من الاعتراض الذي يبين الأول و يسدده و يثبته مظلما قال أبو علي إن أجريته على قطع ساكنة الطاء فيحتمل نصبه على وجهين ( أحدهما ) أن يكون صفة لقطع على قياس قوله « و هذا كتاب أنزلناه مبارك » وصفت الكتاب بالمفرد بعد ما وصفته بالجملة و أجريته على النكرة ( و الآخر ) أن يكون حالا من الذكر الذي في الظرف يعني قوله « من الليل » و إن أجريته على قطع مفتوحة الطاء لم يكن صفة له و لا حالا من الذكر الذي في قوله « من الليل » و لكن يكون حالا من الليل و العامل في الحال ما يتعلق به من الليل و هو الفعل المختزل و مثل ذلك في إرادة الوصف بالسواد قول الشاعر :
و دوية مثل السماء اعتسفتها
و قد صبغ الليل الحصى بسواد أي سودتها الظلمة و قال غيره يجوز أن يكون مظلما صفة لقطع على قول الشاعر :
لو أن مدحة حتى تنشرن أحدا
أحيا أباكن يا ليلى الأماديح
المعنى
ثم بين سبحانه أهل دار السلام فقال « للذين أحسنوا الحسنى » و معناه للذين أحسنوا العمل و أطاعوا الله تعالى في الدنيا جزاء لهم على ذلك الحالة الحسنى و المنزلة الحسنى و هي الحالة الجامعة للذات و النعيم على أكمل ما يكون و أفضل ما يمكن و هو تأنيث الأحسن « و زيادة » ذكر في ذلك وجوه ( أحدها ) أن الحسنى الثواب المستحق

(5/157)


و الزيادة التفضل على قدر المستحق على طاعاتهم من الثواب و هي المضاعفة المذكورة في قوله « فله عشر أمثالها » عن ابن عباس و الحسن و مجاهد و قتادة ( و ثانيها ) الزيادة هي إن ما أعطاهم الله تعالى من النعم في الدنيا لا يحاسبهم به في الآخرة عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) ( و ثالثها ) أن الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب عن علي (عليه السلام) و قيل الزيادة ما يأتيهم في كل وقت من فضل الله مجددا ( و رابعها ) أن الزيادة هي النظر إلى وجه الله تعالى و روي ذلك عن أبي بكر و أبي موسى الأشعري و غيرهما و قد بين الله سبحانه الزيادة في موضع آخر بقوله ليوفيهم أجورهم و يزيدهم من فضله « و لا يرهق وجوههم قتر و لا ذلة » أي لا يلحق وجوههم سواد عن ابن عباس و قتادة و قيل غبار و لا ذلة أي هوان و قيل ك آبة و كسوف عن قتادة و روى الفضيل بن يسار عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) ما من عين ترقرقت بمائها إلا حرم الله ذلك الجسد على النار فإن فاضت من خشية الله لم يرهق ذلك الوجه قتر و لا ذلة « أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون » مر معناه « و الذين كسبوا السيئات » أي اكتسبوها و ارتكبوها « جزاء سيئة بمثلها » أي لهم جزاء كل سيئة بمثلها يعني يجزون بمثل أعمالهم أي قدر ما يستحق عليها من غير زيادة لأن الزيادة على قدر المستحق من العقاب ظلم و ليس كذلك الزيادة على قدر المستحق من الثواب لأن ذلك تفضل يحسن فعله ابتداء فالمثل هنا مقدار المستحق من غير زيادة و لا نقصان « و ترهقهم ذلة » أي يلحقهم هوان و ذل لأن العقاب يقارنه الإهانة و الإذلال « ما لهم من الله من عاصم » أي ما لهم من حافظ و مانع يدفع عقاب الله عنهم « كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما » أي كأنما ألبست وجوههم ظلمة الليل و المراد وصف وجوههم بالسواد كقوله سبحانه و يوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة « أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون » ظاهر المراد .

(5/158)


وَ يَوْمَ نحْشرُهُمْ جَمِيعاً ثمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشرَكُوا مَكانَكُمْ أَنتُمْ وَ شرَكاؤُكمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنهُمْ وَ قَالَ شرَكاؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ(28) فَكَفَى بِاللَّهِ شهِيدَا بَيْنَنَا وَ بَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَفِلِينَ(29) هُنَالِك تَبْلُوا كلُّ نَفْس مَّا أَسلَفَت وَ رُدُّوا إِلى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَ ضلَّ عَنهُم مَّا كانُوا يَفْترُونَ(30)
القراءة
قرأ تتلوا بالتاء أهل الكوفة غير عاصم و روح و زيد عن يعقوب و الباقون « تبلوا » بالباء .
الحجة
قال أبو علي من قرأ « تبلوا » فمعناه تختبر من قولهم البلاء ثم الثناء أي الاختبار للمثني عليه ينبغي أن يكون قبل الثناء ليكون الثناء عن علم بقدر ما يوجبه و معنى اختبارها ما أسلفت أنه إن قدم خيرا أو شرا جوزي عليه كما قال فمن يعمل مثقال ذرة إلى آخره و من عمل صالحا فلنفسه و غير ذلك من الآي و من قرأ تتلوا فإنه من التلاوة التي هي القراءة دليله قوله « فأولئك يقرءون كتابهم » و قوله « اقرأ كتابك » و يكون تتلو من قولهم تلا الفريضة النفل إذا أتبعها النفل قال :
على ظهر عادي كان أرومه
رجال يتلون الصلاة قيام فيكون المعنى تتبع كل نفس ما أسلفت من حسنة أو سيئة قال :
قد جعلت دلوي تستتليني
و لا أحب تبع القرين أي تستتبعني من ثقلها
اللغة
التزييل التفريق مأخوذة من قولهم زلت الشيء عن مكانه أزيله و زيلته للكثرة من هذا إذا نحيته عن مكانه و زايلت فلانا إذا فارقته هنالك أي في ذلك المكان و هو ظرف فهنا للقريب و هنالك للبعيد و هناك لما بينهما قال زهير :
هنالك إن يستخبلوا المال يخبلوا
و أن يسألوا يعطوا و إن ييسروا يغلوا و الإسلاف تقديم أمر لما بعده فمن أسلف الطاعة لله جوزي بالثواب و من أسلف المعصية جوزي بالعقاب .

(5/159)


الإعراب
جميعا نصب على الحال مكانكم قال الزجاج هو منصوب على الأمر و المعنى انتظروا مكانكم حتى يفصل بينكم و العرب تتوعد فتقول مكانك و انتظرني و هي كلمة جرت على الوعيد و أقول أن الصحيح عند المحققين أن مكانك و دونك من أسماء الأفعال فيكون مكانكم هاهنا اسما لألزموا مبنيا على الفتح و ليس بمنصوب نصب الظروف و كم لا محل له من الإعراب إذ هو حرف الخطاب و أنتم رفع تأكيد للضمير في مكانكم و شركاؤكم عطف عليه و هذا كما تقول في قولهم عليك زيدا أن الكاف حرف الخطاب لا محل له من الإعراب و على هاهنا اسم الفعل و ليس بحرف و « كفى بالله شهيدا » قال الزجاج شهيدا منصوب على التمييز إن شئت و إن شئت على الحال .
إن كنا إن بمنزلة ما النفي أي ما كنا عن عبادتكم إلا غافلين قاله الزجاج و أقول الصحيح أن إن هذه هي المخففة من الثقيلة و إذا كانت مخففة من الثقيلة يلزمها اللام ليفرق بينها و بين النافية و التقدير إنا كنا عن عبادتكم غافلين و هنالك منصوب بتبلو إلا أنه غير متمكن و اللام زائدة كسرت لالتقاء الساكنين .
المعنى
و لما تقدم ذكر الجزاء بين سبحانه وقت الجزاء فقال « و يوم نحشرهم جميعا » أي نحشر الخلائق أجمعين أي نجمعهم من كل أوب إلى الموقف « ثم نقول للذين أشركوا » في عبادتهم مع الله غيره و في أموالهم فقالوا هذا لله و هذا لشركائنا « مكانكم أنتم و شركاؤكم » أي أثبتوا و الزموا مكانكم أنتم مع شركائكم يعني الأوثان فقد صحبتموهم في الدنيا فاصحبوهم في المحشر و قيل معناه أثبتوا حتى تسألوا كقوله « و قفوهم إنهم مسئولون » « فزيلنا بينهم » أي فميزنا و فرقنا بينهم في المسألة فسألنا المشركين على حدة لما عبدتم الأصنام و سألنا الأصنام على حدة لما عبدتم و بأي سبب عبدتم و هذا سؤال تقريع و تبكيت عن الحسن و مثله و إذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت و قيل معناه فزيلنا بينهم و بين الأوثان فتبرأ منهم الشركاء و انقطعت أسبابهم « و قال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون » أي يحييهم الله و ينطقهم فقالوا ما كنا نشعر بأنكم إيانا تعبدون عن مجاهد و قيل إن شركاءهم من كانوا يعبدونهم من الشياطين و قيل هم الملائكة الذين كانوا يعبدونهم من دون الله و في كيفية جحدهم لعبادتهم إياه قولان ( أحدهما ) أنهم يقولون ذلك على وجه إهانتهم بالرد عليهم أي ما اعتذرنا بذلك لكم ( و الآخر ) إن المراد أنكم لم تعبدونا بأمرنا و دعائنا و لم يرد أنهم لم يعبدوهم أصلا لأن ذلك كذب لا يجوز أن يقع في الآخرة لكونهم ملجئين إلى ترك القبيح عن الجبائي و هذه الآية نظير قوله « إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا » الآية « فكفى بالله شهيدا » أي فاصلا للحكم « بيننا و بينكم » أيها المشركون « إن كنا عن عبادتكم لغافلين » مر معناه و هذا إذا كان المراد به الملائكة فإنهم عما ادعوه غافلون لأنهم

(5/160)


لم يشعروا بذلك و لا أمروا به و إن كان المراد الأصنام فلم يكن لها حس و لا علم و هذا غاية في إلزام الحجة اختاروا للعبادة من لم يدعهم إليها و لم يشعر بها « هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت » أي في ذلك المكان و في تلك الحال و في ذلك الوقت تجرب و تعلم كل نفس ما قدمت من خير أو شر و ترى جزاءه على القراءة بالتاء معناه تقرأ كل نفس جزاء عملها و جزاء ما قدمته « و ردوا إلى الله مولاهم الحق » أي و ردوا إلى جزاء الله و إلى الموضع الذي لا يملك أحد فيه الحكم إلا الله الذي هو مالكهم و سيدهم و خالقهم و الحق صفة لله تعالى و هو القديم الدائم الذي لا يفنى و ما سواه يبطل و قيل الحق هو الذي يكون معنى اللفظ حاصلا له على الحقيقة فالله جل جلاله هو الحق لأن معنى الإلهية حاصل له على الحقيقة « و ضل عنهم ما كانوا يفترون » أي بطل و هلك عنهم ما كانوا يدعونه بافترائهم من الشركاء مع الله تعالى .
قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السمَاءِ وَ الأَرْضِ أَمَّن يَمْلِك السمْعَ وَ الأَبْصرَ وَ مَن يخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ يخْرِجُ الْمَيِّت مِنَ الْحَىِّ وَ مَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ(31) فَذَلِكمُ اللَّهُ رَبُّكمُ الحَْقُّ فَمَا ذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضلَلُ فَأَنى تُصرَفُونَ(32) كَذَلِك حَقَّت كلِمَت رَبِّك عَلى الَّذِينَ فَسقُوا أَنهُمْ لا يُؤْمِنُونَ(33)
القراءة
قرأ أهل المدينة و ابن عامر كلمات هاهنا و في آخرها على الجمع و كذلك في سورة المؤمن و الباقون على التوحيد .
الحجة
قال أبو علي من قرأ على التوحيد احتمل وجهين ( أحدهما ) أن يكون جعل ما أوعد به الفاسقون كلمة و إن كانت في الحقيقة كلمات لأنهم قد يسمون القصيدة كلمة و الخطبة كلمة ( و الآخر ) أن يكون « كلمة ربك » التي يراد بها الجنس قد أوقعت على بعض الجنس كما أوقع اسم الجنس على بعضه في قوله « و إنكم لتمرون عليهم مصبحين

(5/161)


و بالليل » و قول الشاعر :
ببطن شريان يعوي عنده الذيب فأما من جمع فإنه جعل الكلم التي توعدوا بها كل واحدة منها كلمة ثم جمع فقال « كلمات » و كلاهما وجه .
الإعراب
« كذلك حقت » الكاف في موضع نصب أي مثل أفعالهم جازاهم ربك و قوله « أنهم لا يؤمنون » بدل من كلمة ربك أي حقيق عليهم أنهم لا يؤمنون و يجوز أن يكون على تقدير حقت عليهم الكلمة لأنهم لا يؤمنون و يكون الكلمة ما وعدوا به من العقاب .
المعنى
ثم قرر سبحانه أدلة التوحيد و البعث عليهم فقال « قل » يا محمد لهؤلاء الكفار « من يرزقكم » أي من يخلق لكم الأرزاق « من السماء » بإنزال المطر و الغيث « و » من « الأرض » بإخراج النبات و أنواع الثمار و الرزق في اللغة هو العطاء الجاري يقال رزق السلطان الجند إلا أن كل رزق فإن الله هو الرزاق به لأنه لو لم يطلقه على يد ذلك الإنسان لم يجيء منه شيء فلا يطلق اسم الرزاق إلا على الله تعالى و يقيد في غيره كما لا يطلق اسم الرب إلا عليه و يقيد في غيره فيقال رب الدار و رب الضيعة و لا يجوز أن يخلق الله حيوانا يريد تبقيته إلا و يرزقه لأنه إذا أراد بقاءه فلا بد له من الغذاء « أمن يملك السمع و الأبصار » معناه أم من يملك أن يعطيكم الأسماع و الأبصار فيقويها و ينورها و لو شاء لسلب نورها و حسها « و من يخرج الحي من الميت و يخرج الميت من الحي » قيل معناه و من يخرج الإنسان من النطفة و النطفة من الإنسان و قيل معناه و من يخرج الحيوان من بطن أمه إذا ماتت أمه و يخرج غير التام و لا البالغ حد الكمال من الحي و قيل معناه و من يخرج المؤمن من الكافر و الكافر من المؤمن « و من يدبر الأمر » أي و من الذي يدبر جميع الأمور في السماء و الأرض على ما توجبه الحكمة « فسيقولون الله » أي فسيعترفون بأن الله تعالى يفعل هذه الأشياء و أن الأصنام لا تقدر عليها « فقل أ فلا تتقون » أي فقل لهم عند اعترافهم بذلك أ فلا تتقون عقابه في عبادة الأصنام و في الآية دلالة على التوحيد و على حسن المحاجة في الدين لأنه سبحانه حاج به المشركين و فيها دلالة على أنهم كانوا يقرون بالخالق و إن كانوا مشركين فإن جمهور العقلاء يقرون بالصانع سوى جماعة قليلة من ملحدة الفلاسفة و من أقر بالصانع على هذا صنفان موحد يعتقد أن الصانع واحد لا يستحق العبادة غيره و مشرك و هم ضربان

(5/162)


فضرب جعلوا لله شريكا في ملكه يضاده و يناوئه و هم الثنوية و المجوس ثم اختلفوا فمنهم يثبت لله شريكا قديما كالمانوية و منهم من يثبت شريكا محدثا كالمجوس و ضرب آخر لا يجعل لله شريكا في حكمه و ملكه و لكن يجعل له شريكا في العبادة يكون متوسطا بينه و بين الصانع و هم أصحاب المتوسطات ثم اختلفوا فمنهم من جعل الوسائط من الأجسام العلوية كالنجوم و الشمس و القمر و منهم من جعل المتوسط من الأجسام السفلية كالأصنام و نحوها تعالى الله عما يقول الزائغون عن سبيله علوا كبيرا « فذلكم الله » ذلك إشارة إلى اسم الله تعالى الذي وصفه في الآية الأولى بأنه الذي يرزق الخلق و يخرج الحي من الميت و يخرج الميت من الحي و الكاف و الميم للمخاطبين و هم جميع الخلق أخبر سبحانه أن الذي يفعل هذه الأشياء « ربكم الحق » الذي خلقكم و معبودكم الذي له معنى الإلهية و يحق له العبادة دون غيره من الأصنام و الأوثان « فما ذا بعد الحق إلا الضلال » استفهام يراد به التقرير على موضع الحجة إذا لا يجد المجيب محيدا عن الإقرار به إلا بذكر ما لا يلتفت إليه و المراد به ليس بعد الذهاب عن الحق إلا الوقوع في الضلال لأنه ليس بينهما واسطة فإذا ثبت أن عبادة ما سواه باطل و ضلال « فإني تصرفون » أي فكيف تعدلون عن عبادته مع وضوح الدلالة على أنه لا معبود سواه « كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون » معناه أن الوعيد من الله تعالى للكفار بالنار في الصحة كالقول بأنه ليس بعد الحق إلا الضلال و قيل إن معناه مثل انصرافهم عن الإيمان وجبت العقوبة لهم أي جازاهم ربهم بمثل ما فعلوا من الانصراف و هذا في قوم علم الله تعالى أنهم لا يؤمنون و معناه سبق علم ربك في هؤلاء أنهم لا يؤمنون و قيل معنى قوله « أنهم لا يؤمنون » أو لأنهم لا يؤمنون أي وجبت العقوبة عليهم لذلك .

(5/163)


قُلْ هَلْ مِن شرَكائكم مَّن يَبْدَؤُا الخَْلْقَ ثمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الخَْلْقَ ثمَّ يُعِيدُهُ فَأَنى تُؤْفَكُونَ(34) قُلْ هَلْ مِن شرَكائكم مَّن يهْدِى إِلى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يهْدِى لِلْحَقِّ أَ فَمَن يهْدِى إِلى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لا يهِدِّى إِلا أَن يهْدَى فَمَا لَكمْ كَيْف تحْكُمُونَ(35) وَ مَا يَتَّبِعُ أَكْثرُهُمْ إِلا ظناًّ إِنَّ الظنَّ لا يُغْنى مِنَ الحَْقِّ شيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمُ بِمَا يَفْعَلُونَ(36)
القراءة
قرأ أهل الكوفة غير عاصم « أمن لا يهدي » ساكنة الهاء خفيفة الدال و قرأ أهل المدينة غير ورش يهدي ساكنة الهاء مشددة الدال و قرأ أبو عمرو و ابن كثير و ابن عامر و روح و زيد عن يعقوب يهدي بفتح الياء و الهاء و تشديد الدال إلا أن أبا عمرو أشار إلى فتحة الهاء من غير إشباع و قرأ عاصم غير حماد و يحيي و رويس عن يعقوب « يهدي » بفتح الياء و كسر الهاء و تشديد الدال و قرأ حماد و يحيي عن أبي بكر عن عاصم يهدي بكسر الياء و الهاء و التشديد .
الحجة
قوله « يهدي » و يهدي و يهدي و يهدي أصل جميعها يهتدي يفتعل و إن اختلفت ألفاظها أدغموا التاء في الدال لمقاربتها لها فإنهما من حيز واحد ثم اختلفوا في تحريك الهاء فمن قرأ يهدي ألقى حركة الحرف المدغم و هو التاء على الهاء و من قرأ « يهدي » بكسر الهاء فإنه حرك الهاء بالكسر لالتقاء الساكنين و من سكن الهاء جمع بين الساكنين و من أشم الهاء و لم يسكن فالإشمام في حكم التحريك و من كسر الياء مع الهاء أتبع الياء ما بعدها من الكسرة و هو ردي لثقل الكسر في الياء .
الإعراب
قوله « فما لكم كيف تحكمون » ما مبتدأ و لكم خبره و كيف منصوب بقوله « تحكمون » « لا يغني من الحق شيئا » يجوز أن يكون قوله « شيئا » مفعول يغني و يجوز أن يكون في موضع مصدر أي لا يغني من الحق غناء و كذا قيل في قوله « لا تجزي نفس عن نفس شيئا » قالوا هو مفعول تجزي و قالوا هو مصدر أي جزاء و كذلك قوله « و لا تشركوا به شيئا » قالوا هو مفعول تشركوا و قالوا هو مصدر أي لا تشركوا به إشراكا و كذلك قوله « يعبدونني لا يشركون بي شيئا » .
المعنى
ثم احتج سبحانه عليهم في التوحيد باحتجاج آخر فقال « قل » يا محمد لهؤلاء المشركين « هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده » أي هل من هذه الأصنام التي جعلتموها شركاء لله في العبادة و قيل الذين جعلتموهم شركاء في أموالكم كما قال و هذا لشركائنا من يبدأ الخلق بالإنشاء بعد أن لم يكن و هو النشأة الأولى ثم يعيده في

(5/164)


النشأة الثانية « قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده » معناه فإن قالوا ليس من شركائنا من يقدر عليه أو سكتوا فقل أنت لهم الله هو الذي يبدأ الخلق بأن ينشئه على غير مثال ثم يفنيه ثم يعيده يوم القيامة « فأنى تؤفكون » أي كيف تصرفون عن الحق و تقلبون عن الإيمان ثم استأنف الحجاج فقال سبحانه « قل » يا محمد « هل من شركائكم من يهدي إلى الحق » أي هل من هذه الأصنام من يهدي الناس إلى الرشد و ما فيه الصلاح و النجاة و الخير بدلالة ينصبها و حجة يظهرها فلا بد من أن يجيبوا بلا ف « قل » أنت لهم « الله » هو الذي « يهدي للحق » إلى طريق الرشاد يقال هديت إلى الحق و هديت للحق بمعنى واحد « أ فمن يهدي إلى الحق » معناه أ فمن يهدي غيره إلى طريق التوحيد و الرشد « أحق أن يتبع » أمره و نهيه « أمن لا يهدي » أحدا « إلا أن يهدى » أو لا يهتدي هو إلا أن يهدى و الأصنام لا تهتدي و لا تهدي أحدا و إن هديت لأنها موات من حجارة و نحوها و لكن الكلام نزل على أنها إن هديت اهتدت لأنهم لما اتخذوها آلهة عبر عنها كما يعبر عمن يعقل و وصفت بصفة من يعقل و إن لم يكن في الحقيقة كذلك أ لا ترى إلى قوله سبحانه « و يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات و الأرض شيئا و لا يستطيعون » و قوله « إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم » و إنما هن موات أ لا ترى أنه قال « فادعوهم فليستجيبوا لكم » « أ لهم أرجل يمشون بها » الآية و كذلك قوله « إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم و لو سمعوا ما استجابوا لكم » فأجري عليه اللفظ كما يجري على من يعلم و على هذا فقوله « إلا أن يهدى » إلا بمنزلة حتى فكأنه قال أمن لا يهتدي حتى يهدى أم من لا يعلم حتى يعلم و من لا يستدل على شيء حتى يدل عليه و إن كان لو دل أو علم لم يستدل و لم يعلم و لو هدي لم يهتد بين الله سبحانه بذلك جهلهم و قلة تمييزهم في تسويتهم من لا يعلم و لا يقدر بالله القادر و العالم و قال البلخي لا يهدي و لا يهتدي بمعنى واحد يقال هديته فهدى أي اهتدى و قيل إن المراد بذلك الملائكة و الجن لأنهم يهتدون إذا هدوا و قيل المراد به الرؤساء و المضلون الذين يدعون إلى الكفر و قيل إن المعنى في قوله « لا يهدي إلا أن يهدى » لا يتحرك إلا أن يحرك و لا ينتقل إلا أن ينقل كقول الشاعر :
حيث تهدي ساقه قدمه أي يحمل و قيل معناه إلا أن يركب الله فيه آلة التمييز و الهداية و يرزقه فهما و عقلا فإن هدي حينئذ اهتدى « فما لكم » قال الزجاج هذا كلام تام كأنه قال أي شيء لكم في عبادة من لا يضر و لا ينفع « كيف تحكمون » هذا تعجيب من حالهم أي كيف تقضون بأن هذه الأصنام آلهة و أنها تستحق

(5/165)


العبادة و قيل كيف تحكمون لأنفسكم بما لا توجبه الحجة و لا تشهد بصحته الأدلة « و ما يتبع أكثرهم إلا ظنا » أي ليس يتبع أكثر هؤلاء الكفار إلا ظنا الظن الذي لا يجدي شيئا من تقليد آبائهم و رؤسائهم « إن الظن لا يغني من الحق شيئا » لأن الحق إنما ينتفع به من علمه حقا و عرفه معرفة صحيحة و الظن يكون فيه تجويز أن يكون المظنون على خلاف ما ظن فلا يكون مثل العلم « إن الله عليم بما يفعلون » من عبادة غير الله تعالى فيجازيهم عليه و فيه ضرب من التهديد .
وَ مَا كانَ هَذَا الْقُرْءَانُ أَن يُفْترَى مِن دُونِ اللَّهِ وَ لَكِن تَصدِيقَ الَّذِى بَينَ يَدَيْهِ وَ تَفْصِيلَ الْكِتَبِ لا رَيْب فِيهِ مِن رَّب الْعَلَمِينَ(37) أَمْ يَقُولُونَ افْترَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسورَة مِّثْلِهِ وَ ادْعُوا مَنِ استَطعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صدِقِينَ(38) بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يحِيطوا بِعِلْمِهِ وَ لَمَّا يَأْتهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِك كَذَّب الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظرْ كَيْف كانَ عَقِبَةُ الظلِمِينَ(39) وَ مِنهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِ وَ مِنهُم مَّن لا يُؤْمِنُ بِهِ وَ رَبُّك أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ(40)
اللغة
القرآن عبارة عن هذا الكلام الذي هو في أعلى طبقات البلاغة مع حسن النظام و الجزالة ، و التفصيل و التقسيم و التمييز نظائر و ضده التلبيس و التخليط و السورة جملة منزلة محيطة ب آيات الله كإحاطة سور البناء بالبناء و الاستطاعة حالة للحي تنطاع بها الجوارح للفعل و هي مأخوذة من الطوع و القدرة مأخوذة من القدر فهي معنى يمكن أن يوجد بها الفعل و ألا يوجد لتقصير قدره عن ذلك المعنى .
الإعراب
« و ما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله » أي لأن يفترى و يجوز أن يكون

(5/166)


المعنى ما كان هذا القرآن افتراء فيكون مصدرا في موضع نصب بأنه خبر كان و تصديق عطف عليه أي و لكن كان تصديق الذي بين يديه « أم يقولون افتراه » أم هذه هي المنقطعة و تقديره بل أ يقولون و كيف في موضع نصب على أنه خبر كان .
المعنى
ثم رد الله سبحانه على الكفار قولهم ائت بقرآن غير هذا أو بدله و قولهم إن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) افترى هذا القرآن فقال « و ما كان هذا القرآن أن يفترى » أي افتراء « من دون الله » فأقام أن مع الفعل مقام المصدر بل هي وحي من الله و متلقى منه « و لكن تصديق الذي بين يديه » من الكتب كما قال في موضع آخر مصدقا لما بين يديه و هذه شهادة من الله بأن القرآن صدق و شاهد لما تقدم من التوراة و الإنجيل و الزبور بأنها حق و من وجه آخر هو شاهد لها من حيث إنه مصداق لها على ما تقدمت البشارة به فيها و قيل معناه تصديق الذي بين يديه في المستقبل من البعث و النشور و الحساب و الجزاء « و تفصيل الكتاب » أي تبيين المعاني المجملة في القرآن من الحلال و الحرام و الأحكام الشرعية و قيل معناه و بيان الأدلة التي تحتاجون إليها في أمور دينكم « لا ريب فيه من رب العالمين » أي لا شك فيه أنه نازل من عند الله و أنه معجز لا يقدر أحد على مثله و هذا غاية في التحدي « أم يقولون افتراه » هذا تقرير على موضع الحجة بعد مضي حجة أخرى و تقديره بل أ يقولون افتراه هذا فألزمهم على الأصل الفاسد إمكان أن يأتوا بمثله و « قل » لهم « فأتوا بسورة مثله » أي مثله في البلاغة لأنكم من أهل لسانه فلو قدر على ذلك لقدرتم أنتم أيضا عليه فإذا عجزتم عن ذلك فاعلموا أنه ليس من كلام البشر و أنه منزل من عند الله عز اسمه و قيل « بسورة مثله » أي بسورة مثل سورة منه و قال مثله لأنه إنما التمس من هذا شبه الجنس « و ادعوا من استطعتم من دون الله » أي و ادعوا من قدرتم عليه من دون الله و استعينوا به للمعاضدة على المعارضة بسورة مثله « إن كنتم صادقين » في أن هذا القرآن مفترى من دون الله و هذا أيضا غاية في التحدي و التعجيز « بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه » أي بما كذبوا و لم يعلموه من جميع وجوهه لأن في القرآن ما يعلم المراد منه بدليل و يحتاج إلى الفكر فيه و الرجوع إلى الرسول في معرفة مراده و ذلك مثل المتشابة فالكفار لما لم يعرفوا المراد بظاهره كذبوا به و قيل معناه بل كذبوا بما لم يحيطوا علما بكيفية نظمه و ترتيبه و هذا كما أن الناس يعرفون ألفاظ الشعر و الخطب و معانيها و لا يمكنهم إبداعها لجهلهم بنظمها و ترتيبها و قال الحسن معناه بل كذبوا بالقرآن من غير علم ببطلانه و قيل معناه بل كذبوا بما في القرآن من الجنة و النار و البعث و النشور و الثواب و العقاب « و لما يأتهم تأويله » أي لم يأتهم بعد حقيقة ما وعد في الكتاب مما يؤول إليه أمرهم من العقوبة و قيل معناه إن في القرآن أشياء لا يعلموه هم و لا يمكنهم معرفته إلا بالرجوع إلى

(5/167)


النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فلم يرجعوا إليه و كذبوا به فلم يأتهم تفسيره و تأويله فيكون معنى الآية بل كذبوا بما لم يدركوا علمه من القرآن و لم يأتهم تفسيره و لو راجعوا فيه رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لعلموه و روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال إن الله خص هذه الأمة ب آيتين من كتابه أن لا يقولوا إلا ما يعلمون و أن لا يردوا ما لا يعلمون ثم قرأ أ لم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق الآية و قرأ « بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه » الآية و قيل أن من هنا أخذ أمير المؤمنين علي (عليه السلام) قوله الناس أعداء ما جهلوا و أخذ قوله قيمة كل امرىء ما يحسنه من قوله عز و جل « فأعرض عن من تولى عن ذكرنا و لم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم » و أخذ قوله تكلموا تعرفوا من قوله و لتعرفنهم في لحن القول « كذلك كذب الذين من قبلهم » أي مثل تكذيب هؤلاء كذبت الأمم السالفة رسلها « فانظر » يا محمد « كيف كان عاقبة الظالمين » أي كما كان عاقبة أولئك الهلاك كذلك يكون عاقبة هؤلاء ثم أخبر سبحانه أن من جملة هؤلاء الذين كذبوا بالقرآن و نسبوه إلى الافتراء من سيؤمن به في المستقبل و يصدق بأنه من عند الله و منهم من يموت على كفره فقال « و منهم من يؤمن به و منهم من لا يؤمن به » و أراد سبحانه أنه إنما لا يهلكهم في الحال لما يعلم في تبقيتهم من الصلاح و قيل معناه و منهم من يؤمن بالقرآن في نفسه و يعلم صحته إلا أنه يعاند و يظهر من نفسه خلاف ما يعلمه و منهم من هو شاك فيه فكأنه قال و منهم معاندون و منهم شاكون « و ربك أعلم بالمفسدين » أي بمن يدوم على الفساد و يعلم من يتوب .
وَ إِن كَذَّبُوك فَقُل لى عَمَلى وَ لَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُم بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَ أَنَا بَرِىءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ(41) وَ مِنهُم مَّن يَستَمِعُونَ إِلَيْك أَ فَأَنت تُسمِعُ الصمَّ وَ لَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ(42) وَ مِنهُم مَّن يَنظرُ إِلَيْك أَ فَأَنت تهْدِى الْعُمْىَ وَ لَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ(43) إِنَّ اللَّهَ لا يَظلِمُ النَّاس شيْئاً وَ لَكِنَّ النَّاس أَنفُسهُمْ يَظلِمُونَ(44)
المعنى
ثم خاطب سبحانه نبيه (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فقال « و إن كذبوك » يا محمد و لم يصدقوك

(5/168)


و ردوا عليك قولك « فقل » لهم « لي عملي » فإن كنت كاذبا فوباله علي « و لكم عملكم » أي و لكم جزاء عملكم « أنتم بريئون مما أعمل و أنا بريء مما تعملون » نظيره قوله قل يا أيها الكافرون إلى آخر السورة و هذا وعيد لهم من الله تعالى كقوله اعملوا على مكانتكم و نحوه و قيل إن هذه الآية منسوخة ب آية القتال و قيل أنه لا تنافي بين هذه الآية و آية القتال لأنها براءة و وعيد و ذلك لا ينافي الجهاد « و منهم من يستمعون إليك » معناه و من جملة هؤلاء الكفار من يستمع إليك يا محمد و الاستماع طلب السمع فهم كانوا يطلبون السمع للرد لا للفهم فلذلك لزمهم الذم فإنهم إذا سمعوه على هذا الوجه كأنهم صم لم يستمعوه حيث لم ينتفعوا به « أ فأنت تسمع الصم » هذا خطاب للنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) بأنه لم يقدر على إسماع الصم « و لو كانوا لا يعقلون » قال الزجاج معناه و لو كانوا جهالا و هذا مثل قول الشاعر :
أصم عما ساءه سميع « و منهم من ينظر إليك » أي و من جملتهم من ينظر إليك يا محمد فلم يخبر بلفظ الجمع هنا لأنه حمله على اللفظ و قال « من يستمعون » فأخبر بلفظ الجمع حملا على المعنى أي ينظر إلى أفعالك و أقوالك لا نظر الحقيقة و العبرة بل نظر العادة فلا ينتفع بنظره « أ فأنت تهدي العمي و لو كانوا لا يبصرون » أي فكما أنك لا تقدر أن تبصر العمي فتنفعهم به كذلك لا تقدر أن تنفع بما تأتي به من الأدلة من ينظر إليها و لا يطلب الانتفاع بها و قوله « أ فأنت » استفهام المراد به النفي و قيل إن معنى الآيتين و منهم من يستمع إلى كلامك استماع الطعن و التعنت و ينظر إلى أدلتك نظر الطاعن القادح فيها المكذب بها الراد عليها فلا تقدر أن تنفعهم بمثل هذا الاستماع و النظر « إن الله لا يظلم الناس شيئا و لكن الناس أنفسهم يظلمون » قد تمدح سبحانه في هذه الآية بأنه لا يظلم أحدا من الناس شيئا بأن ينقص من حسناتهم و جزاء طاعاته و لكنهم ينقصون أنفسهم و يظلمونها بارتكاب ما نهى الله عنه من القبائح و المعنى هنا أن الله تعالى لا يمنع أحدا الانتفاع بما كلفهم الانتفاع به من القرآن و الأدلة و لكنهم يظلمون أنفسهم بترك النظر فيه و الاستدلال به و تقويتهم أنفسهم الثواب عليها و إدخالهم عليها العقاب ففي الآية دلالة على أنه سبحانه لا يفعل الظلم فبطل قول المجبرة في إضافة كل ظلم إلى خلقه و إرادته .
النظم
قيل في اتصال الآية الأولى بما قبلها أنه سبحانه لما بين دلائل التوحيد و النبوات فعاندوا و كذبوا أمر فيما بعد بقطع العصمة عنهم و الوعيد لهم و أما الآية الأخيرة و هي قوله « إن الله لا يظلم الناس شيئا » فالوجه في اتصالها بما قبلها أنها تتصل بقوله « فانظر كيف كانت عاقبة الظالمين » يعني أنهم استحقوا ذلك الهلاك و العذاب بأفعالهم و ما ظلمناهم

(5/169)


و قيل إنها اتصلت بقوله « و منهم من يستمعون إليك » « و منهم من ينظر إليك » فكأنه قال إن الله لا يمنعهم الانتفاع بما كلفهم بل مكنهم و بين لهم و هداهم و أزاح علتهم و لكن ظلموا هم أنفسهم بترك الانتفاع به عن الجبائي و أبي مسلم و قيل أنه لما تقدم ذكر الوعد و الوعيد بين سبحانه أنه لا يظلمهم أي لا ينقص من حسناتهم و لا يزيد في سيئاتهم .
وَ يَوْمَ يحْشرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوا إِلا ساعَةً مِّنَ النهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَ مَا كانُوا مُهْتَدِينَ(45) وَ إِمَّا نُرِيَنَّك بَعْض الَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّك فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثمَّ اللَّهُ شهِيدٌ عَلى مَا يَفْعَلُونَ(46) وَ لِكلِّ أُمَّة رَّسولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسولُهُمْ قُضىَ بَيْنَهُم بِالْقِسطِ وَ هُمْ لا يُظلَمُونَ(47)
القراءة
قرأ حفص عن عاصم « و يوم يحشرهم » بالياء و الباقون بالنون .
الحجة ، و الإعراب
قال أبو علي يحتمل قوله « كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار » ثلاثة أوجه ( أحدها ) أن يكون صفة ( و الآخر ) أن يكون صفة للمصدر المحذوف ( و الثالث ) أن يكون حالا من الضمير في نحشرهم فإذا جعلته صفة ليوم احتمل ضربين من التأويل ( أحدهما ) أن يكون التقدير كأن لم يلبثوا قبله إلا ساعة فحذفت الكلمة لدلالة المعنى عليها و مثل ذلك في حذف هذا النحو منه قوله فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أي أمسكوهن قبله و كذلك قوله يتربصن بأنفسهن أي يتربصن بعدهم و يجوز أن يكون المعنى كأن لم يلبثوا قبله فحذف المضاف و أقيم المضاف إليه مقامه ثم حذفت الهاء من الصفة كقولك الناس رجلان رجل أهنتم و رجل أكرمتم و مثل هذا في حذف المضاف و إقامة الصفة المضاف إليه مقامه قوله « ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا و هو واقع بهم » التقدير و جزاؤه واقع بهم فحذف المضاف و إن جعلته صفة للمصدر كان على هذا التقدير الذي وصفناه و بمثله و إن جعلته حالا من الضمير المنصوب لم يحتج إلى حذف شيء من اللفظ لأن الذكر من الحال قد عاد إلى ذي الحال و المعنى نحشرهم مشابهة أحوالهم أحوال من لم

(5/170)


يلبث إلا ساعة و إما يوم نحشرهم فإنه يصلح أن يكون معمولا لأحد شيئين ( أحدهما ) أن يكون معمول يتعارفون ( و الآخر ) أن يكون يوم نحشرهم لما دل عليه قوله « كأن لم يلبثوا » فإذا جعلته معمولا لقوله « يتعارفون » انتصب يوم على وجهين ( أحدهما ) أن يكون ظرفا معناه يتعارفون في هذا اليوم ( و الآخر ) أن يكون مفعولا على السعة على قوله يا سارق الليلة أهل الدار و معنى يتعارفون يحتمل أمرين ( أحدهما ) أن يكون المعنى مدة إماتتهم التي وقع حشرهم بعدها و حذف المفعول للدلالة عليه كما حذف في مواضع كثيرة و عدي تفاعل كما يعدى في قوله تخاطأت النبل أحشاءه أو يكون أعمل الفعل الذي دل عليه يتعارفون أ لا ترى أنه قد دل على يستعملون و يتعرفون و تعرفوا مدة اللبث هاهنا كما تعرفوها في قوله قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم و الآخر في التعارف ما جاء من قوله و أقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فتعارفهم يكون على أحد هذين الوجهين فعلى هذا يكون قوله و يوم نحشرهم معمول يتعارفون و الآخر أن يكون يوم نحشرهم معمول ما دل عليه قوله « كأن لم يلبثوا » أ لا ترى أن المعنى تشابه أحوالهم أحوال من لم يلبث فيعمل في الظرف هذا المعنى و لا يمتنع المعنى من أن يعمل في الظرف و أن تقدم الظرف عليه كقولهم أكل يوم لك ثوب و إذا حملته على هذا لم يجز أن يكون صفة للمصدر لأن الموصوف الذي هو المصدر موضعه بعد الفعل تقديره يوم نحشرهم حشرا كأن لم يلبثوه أو لم يلبثوا قبله و الصفة لا يتقدم عليها ما تعمل فيه و لا يجوز أيضا أن تجعله صفة ليوم على هذا لأن الصفة لا تعمل في الموصوف أ لا ترى أن الصفة شرح للموصوف كما أن الصلة لا تعمل في الموصول لذلك فإن قلت فإذا قدرت كأن لم يلبثوا على تقدير الحال من الضمير هل يجوز أن يكون يوم معمولا له فإن ذلك لا يجوز لأن العامل في الحال يحشر أو نحشر و قد أضيف اليوم إليه و لا يجوز أن يعمل في المضاف المضاف إليه و لا ما يتعلق بالمضاف إليه لأن ذلك يوجب تقديمه على المضاف أ لا ترى أنه لم يجز القتال زيدا حين يأتي و إذا جعلت يتعارفون العامل في يوم نحشرهم لم يجز أن يكون صفة ليوم على أنك كأنك وصفت اليوم بقوله « كأن لم يلبثوا » و يتعارفون فوصفت يوم نحشرهم بجملتين لم يجز أن يكون معمولا لقوله « يتعارفون » لأن الصفة لا تعمل في الموصوف و جاز وصف اليوم بالجمل و إن أضيف لأن الإضافة ليست بمحضة فلم تعرفه و يدل على النون في نحشرهم قوله سبحانه و حشرناهم و قوله فجمعناهم جمعا و نحشره يوم القيامة أعمى و يدل على الياء قوله ليجمعنكم إلى يوم القيامة و كل واحد منهما يجري مجرى الآخر .

(5/171)


المعنى
ثم بين سبحانه حالهم يوم الجمع فقال « و يوم يحشرهم » أي يجمعهم من كل مكان إلى الموقف « كأن لم يلبثوا » في الدنيا « إلا ساعة من النهار » أي كأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من النهار و معناه أنهم استقلوا أيام الدنيا فإن المكث في الدنيا و إن طال كان بمنزلة مكث ساعة في جنب الآخرة عن الضحاك و جماعة و قيل استقلوا أيام مقامهم في الدنيا لقلة انتفاعهم بأعمارهم فيها فكأنهم لم يلبثوا إلا يوما فيها لقلة فائدتها و قيل إنهم استقلوا مدة لبثهم في القبور عن ابن عباس و قد دل الله سبحانه بذلك على أنه لا ينبغي لأحد أن يغتر بطول ما يأمله من البقاء في الدنيا إذا كان عاقبته إلى الزوال « يتعارفون بينهم » معناه أن الخلق يعرف بعضهم بعضا في ذلك الوقت كما كانوا في الدنيا كذلك و قيل معناه يعرف بعضهم بعضا ما كانوا عليه من الخطإ و الكفر قال الكلبي يتعارفون إذا خرجوا من قبورهم ثم تنقطع المعرفة إذا عاينوا العذاب و يتبرأ بعضهم من بعض « قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله » أي بلقاء جزاء الله « و ما كانوا مهتدين » للحق قال الحسن معناه خسروا أنفسهم لأنهم لم يكونوا مهتدين في الدنيا و لو كانوا مهتدين في الدنيا لم يخسروا أنفسهم و معناه أنهم خسروا الدنيا حين صرفوها إلى المعاصي و خسروا نعيم الآخرة حين فوتوها على أنفسهم بمعاصيهم « و إما نرينك » يا محمد في حياتك « بعض الذي نعدهم » أي نعد هؤلاء الكفار من العقوبة في الدنيا قالوا و منها وقعة بدر « أو نتوفينك » أي نميتنك قبل أن ينزل ذلك بهم و ينزل ذلك بهم بعد موتك « فإلينا مرجعهم » أي إلى حكمنا مصيرهم في الآخرة فلا يفوتوننا و قيل إن الله سبحاه وعد نبيه (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أن ينتقم له منهم إما في حياته أو بعد وفاته و لم يحده بوقت فقال إن ما وعدناه حقا لا محالة « ثم الله شهيد على ما يفعلون » أي عليم بأفعالهم حافظ لها فهو يوفيهم عقاب معاصيهم « و لكل أمة رسول » أي لكل جماعة على طريقة واحدة و دين واحد كأمة محمد و أمة موسى و عيسى (عليهماالسلام) رسول بعثه الله إليهم و حمله الرسالة التي يؤديها إليهم « فإذا جاء رسولهم » هاهنا حذف و إضمار و التقدير فإذا جاء رسولهم و بلغ الرسالة فكذبه قومه و صدقه آخرون « قضي بينهم » فيهلك المكذبون و ينجو المؤمنون و قيل معناه فإذا جاء رسولهم يشهد عليهم يوم القيامة عن مجاهد و قيل في الدنيا بما أذن الله له من الدعاء عليهم قضي بينهم أي فصل بينهم الأمر على الحتم « بالقسط » أي بالعدل « و هم لا يظلمون » أي لا ينقصون عن ثواب طاعاتهم و لا يزدادون في عقاب سيئاتهم .

(5/172)


وَ يَقُولُونَ مَتى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صدِقِينَ(48) قُل لا أَمْلِك لِنَفْسى ضرًّا وَ لا نَفْعاً إِلا مَا شاءَ اللَّهُ لِكلِّ أُمَّة أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَستَئْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَستَقْدِمُونَ(49) قُلْ أَ رَءَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَتاً أَوْ نهَاراً مَّا ذَا يَستَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ(50) أَ ثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِهِ ءَالْئََنَ وَ قَدْ كُنتُم بِهِ تَستَعْجِلُونَ(51) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظلَمُوا ذُوقُوا عَذَاب الخُْلْدِ هَلْ تجْزَوْنَ إِلا بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ(52)
اللغة
الوعد خبر بما يعطى من الخير و الوعيد خبر بما يعطى من الشر هذا إذا فصل فإن أجمل وقع الوعد على الجميع و النفع هو اللذة و السرور و ما أدى إليهما أو إلى واحد منهما و الضرر الألم و الغم و ما أدى إليهما أو إلى واحد منهما و الأجل هو الوقت المضروب لوقوع أمر كأجل الدين و أجل الإنسان .
الإعراب
متى سؤال عن الزمان و أين سؤال عن المكان .
بياتا منصوب على الظرف و قوله « ما ذا يستعجل » يجوز أن يكون ما في موضع رفع و ذلك إذا كان ذا بمعنى الذي و المعنى ما الذي يستعجل منه المجرمون فيكون ما مبتدأ و الذي خبره و يجوز أن يكون في موضع نصب و ذلك إذا جعلت ما و ذا اسما واحدا و المعنى أي شيء يستعجل منه المجرمون من العذاب أو من الله فيكون مفعول يستعجل و جواب إن أتاكم محذوفا و تقدير الكلام أ رأيتم ما ذا يستعجل من العذاب المجرمون إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا أو وقع أن أتاكم في وسط الكلام موقع الاعتراض و معنى ما ذا يستعجل هاهنا الإنكار أي ليس في العذاب شيء يستعجل به و جاء في صيغة الاستفهام لأنه لا جواب لصاحبه يصح له و قوله « ثم » دخلت ألف الاستفهام على ثم التي للعطف لتدل على أن معنى الجملة الثانية بعد الأولى مع أن للألف صدر الكلام و العامل في إذا قوله « آمنتم به » و قوله « آلآن و قد كنتم به تستعجلون » تقديره آلآن به تؤمنون .
المعنى
لما وعد سبحانه المكذبين بين عقيبه أنهم إذا استعجلوا ذلك على سبيل التكذيب و الرد فقال « و يقولون » أي و يقول هؤلاء المشركون « متى هذا الوعد » الذي تعدنا به من البعث و قيام الساعة و قيل من العذاب « إن كنتم صادقين » في ذلك « قل » يا محمد

(5/173)


جوابا لهم « لا أملك لنفسي ضرا و لا نفعا » أي لا أقدر لنفسي على ضر أو نفع « إلا ما شاء الله » أن يملكني أو يقدرني عليه فكيف أقدر لكم لأني إذا لم أقدر على ذلك كنت عن إنزال العذاب و عن معرفة وقته أعجز أو يكون معناه إذا لم أملك لنفسي شيئا من ذلك إلا ما ملكنيه الله تعالى فكيف أملك تقديم القيامة و تعجيل العقوبة قبل الوقت المقدر له « لكل أمة أجل » أي لكل أمة في عذابها على تكذيب الرسل وقت معلوم « إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة و لا يستقدمون » فلا يتأخرون عن ذلك الوقت و لا يتقدمون عليه بل يهلكهم في ذلك الوقت بعينه « قل » يا محمد لهؤلاء المكذبين المستعجلين بالعذاب « أ رأيتم » أي أ علمتم « إن أتاكم عذابه » أي عذاب الله « بياتا » أي ليلا « أو نهارا ما ذا يستعجل منه المجرمون » و هذا استفهام معناه التقطيع و التهويل كما يقول الإنسان لمن هو في أمر يستوخم عاقبته ما ذا تجني على نفسك و هذا جواب لقولهم متى هذا الوعد و قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام) يريد بذلك عذابا ينزل من السماء على فسقة أهل القبلة في آخر الزمان و نعوذ بالله منه « أ ثم إذا ما وقع آمنتم به » هذا استفهام معناه الإنكار و تقديره أ حين وقع بكم العذاب المقدر الموقت آمنتم به أي بالله في وقت اليأس و قيل بالقرآن و قيل بالعذاب الذي كنتم تنكرونه فيقال لكم آلآن تؤمنون و قد اضطررتم لحلوله « و قد كنتم به » أي بالعذاب « تستعجلون » من قبل مكذبين مستهزئين و قال الحسن معناه ثم إنكم ستؤمنون به عند وقوع العذاب فلا ينفعكم إيمانكم و نظيره آلآن و قد عصيت قبل « ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد » أي ثم يقال يوم القيامة للذين ظلموا أنفسهم ذوقوا عذاب الدوام في الآخرة بعد عذاب الدنيا « هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون » معناه أنكم قد دعيتم و هديتم و بين لكم الأدلة و أزيحت عنكم العلة فأبيتم إلا التمادي في الكفر و الانهماك في الغي فذوقوا جزاء أعمالكم و إنما شبهوا بالذائق و هو الذي يطلب الطعم بالفم لأنه أشد إحساسا و قيل لأنهم يتجرعون العذاب بدخوله أجوافهم .

(5/174)


* وَ يَستَنبِئُونَك أَ حَقُّ هُوَ قُلْ إِى وَ رَبى إِنَّهُ لَحَقُّ وَ مَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ(53) وَ لَوْ أَنَّ لِكلِّ نَفْس ظلَمَت مَا فى الأَرْضِ لافْتَدَت بِهِ وَ أَسرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَاب وَ قُضىَ بَيْنَهُم بِالْقِسطِ وَ هُمْ لا يُظلَمُونَ(54) أَلا إِنَّ للَّهِ مَا فى السمَوَتِ وَ الأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقُّ وَ لَكِنَّ أَكْثرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ(55) هُوَ يُحْىِ وَ يُمِيت وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(56)
اللغة
الاستنباء طلب النبإ الذي هو الخبر و الافتداء إيقاع الشيء بدل غيره لدفع المكروه به يقال فداه يفديه فدية و فداء و افتداه افتداء و فاداه مفاداة .
الإعراب
إلا كلمة تستعمل في التنبيه و أصلها لا دخل عليها حرف الاستفهام تقريرا و تذكيرا فصارت تنبيها و كسرت إن بعد ألا لأن ألا يستأنف ما بعدها لينبه بها على معنى الابتداء و لذلك وقع بعدها الأمر و الدعاء كقول امرىء القيس :
ألا أنعم صباحا أيها الطلل البالي .
المعنى
« و يستنبؤنك » يا محمد أي يطلبون منك أن تخبرهم « أ حق هو » أي أ حق ما جئت به من القرآن و النبوة و الشريعة و قيل أ حق ما تعدنا من البعث و القيامة و العذاب عن الجبائي « قل » يا محمد « إي و ربي » أي نعم و حق الله « إنه لحق » لا شك فيه « و ما أنتم بمعجزين » أي بسابقين فائتين و هذا الاستخبار يحتمل أن يكون إنما وقع منهم على وجه التعريف و الاستفهام و يحتمل أن يكون وقع على وجه الاستهزاء « و لو أن لكل نفس ظلمت » أي أشركت بالله عن ابن عباس و قيل ظلمت بكل ما يسمى ظلما « ما في الأرض » من الأموال « لافتدت به » من هول ما يلحقها من العذاب « و أسروا الندامة لما رأوا العذاب » أي أخفوا الندامة أي أسر الندامة رؤساء الضلالة من الأتباع و السفلة و قيل أسروا الندامة أي أخلصوها و الندامة الحسرة على ما كان يتمنى أنه لم يكن و قيل أسروا أي أظهروا عن أبي عبيدة و الجبائي و قال الأزهري و هذا غلط لأن ما يكون بمعنى الإظهار يكون بالشين المنقطة من فوق « و قضي بينهم بالقسط » أي فصل بينهم بالعدل « و هم لا يظلمون » فيما يفعل بهم من العقاب لأنهم جنوه على أنفسهم و روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال إنما أسروا الندامة و هم في النار كراهية لشماتة الأعداء على أنفسهم « ألا إن لله ما في السماوات و الأرض » أي له ملك السماوات و الأرض و ما فيهما فلا يقدر أحد على منعه من إحلال العقاب بمملوكه المستحق له « ألا إن وعد الله » بإحلال العقاب بالمجرمين « حق و لكن أكثرهم لا يعلمون » صحة ذلك لجهلهم به تعالى و بصحة ما أتى به النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) « هو يحيي » أي يحيي الخلق بعد كونهم أمواتا « و يميت » أي يميتهم بعد أن كانوا أحياء « و إليه ترجعون » يوم القيامة فيجازيهم على أعمالهم قال الجبائي و في هذه

(5/175)


الآية دلالة على أنه لا يقدر على الحياة إلا الله تعالى لأنه تعالى تمدح بكونه قادرا على الإحياء و الإماتة .
النظم
وجه اتصال الآية الأولى بما قبلها أن قوله « و يستنبؤنك » عطف على و يستعجلونك المعنى أنهم يستعجلونك و يقولون متى تكون القيامة و العذاب أو يستخبرونك أ حق ما تقول من كونه و وجه اتصال قوله « ألا إن لله ما في السموات و الأرض » بما قبله اتصال الإثبات بالنفي و تقديره ليس للظالم ما يفتدى به بل جميع الملك له تعالى و قيل أنه يتصل بما قبله بمعنى أن من يملك السموات و الأرض يقدر على إيقاع ما توعد به و وجه اتصال قوله « ألا إن وعد الله حق » بما قبله أنه إذا خلق السموات و الأرض لا للعبث بل لمنافع الخلق فلا يجوز عليه خلف الوعد و أيضا فإن من صفة الخالق أن يكون عالما لذاته غنيا غير محتاج و الخلف كذب قبيح و لا بد للفعل من داع و الداعي إلى القبيح إما الجهل بقبحه أو الحاجة إليه فإذا لا يجوز الخلف عليه إذ لا داعي له إليه .
يَأَيهَا النَّاس قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَ شِفَاءٌ لِّمَا فى الصدُورِ وَ هُدًى وَ رَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ(57) قُلْ بِفَضلِ اللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِك فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيرٌ مِّمَّا يجْمَعُونَ(58)
القراءة
قرأ أبو جعفر و ابن عامر « فليفرحوا » بالياء تجمعون بالتاء و قرأ يعقوب برواية رويس فلتفرحوا و تجمعون بالتاء فيهما جميعا و روي ذلك عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و أبي بن كعب و الحسن و في رواية زيد عن يعقوب فلتفرحوا بالتاء « يجمعون » بالياء و روي ذلك عن ابن عباس و قتادة و جماعة و الباقون بالياء فيهما جميعا .
الحجة
قال أبو علي قوله « بفضل الله و برحمته » الجار فيه يتعلق بمضمر استغني عن ذكره لدلالة ما تقدم عليه و هو قوله « قد جاءتكم موعظة من ربكم » كما أن قوله « آلآن و قد عصيت » قيل يتعلق الظرف فيه بمضمر يدل عليه ما تقدم من الفعل و كذلك قوله « آلآن و قد كنتم به تستعجلون » فأما قوله « فبذلك فليفرحوا » فإن الجار في قوله « فبذلك » يتعلق بفليفرحوا لأن هذا الفعل اتصل بالباء قال و فرحوا بها و قال و فرحت بما قد كان من سيديكما فأما الفاء في قوله « فليفرحوا » فزيادة يدلك على ذلك أن المعنى فافرحوا بذلك و مثل هذه الآية

(5/176)


قول الشاعر :
و إذا هلكت فعند ذلك فاجزعي فالفاء في قوله فاجزعي زيادة كما كانت الفاء في قوله « فليفرحوا » زيادة و لا تكون الزيادة الأولى لأن الظرف إنما يتعلق باجزعي فأما من قرأ فلتفرحوا بالتاء فإنه اعتبر الخطاب الذي قبل و هو قوله « قد جاءتكم موعظة » و زعموا أنها في حرف أبي فافرحوا قال أبو الحسن و زعموا أنها لغة و هي قليلة نحو لنضرب و أنت تخاطب فأما من قرأ هو خير مما تجمعون بالتاء فعلى أنه عنى المخاطبين و الغيب جميعا إلا أنك غلبت المخاطبة على الغيبة و من قرأ بالياء كان المعنى فافرحوا بذلك أيها المؤمنون أي أفرحوا بفضل الله و رحمته فإن ما أتاكموه من الموعظة شفاء لما في الصدور ثلج اليقين النفس بالإيمان و سكون النفس إليه خير مما يجمعه غيركم من أعراض الدنيا ممن فقد هذه الحال التي حزتموها .
المعنى
لما تقدم ذكر القرآن و ما فيه من الوعد و الوعيد عقبه سبحانه بذكر جلالة موقع القرآن و عظم محله في باب الأدلة فقال « يا أيها الناس » خطاب لجميع الخلق و تنبيه لهم و يقال أنه خطاب لقريش « قد جاءتكم موعظة من ربكم » يعني القرآن و الموعظة بيان ما تجب أن يحذر عنه و يرغب فيه و قيل هي ما يدعو إلى الصلاح و يزجر عن الفساد « و شفاء لما في الصدور » الشفاء معنى كالدواء لإزالة الداء فداء الجهل أضر من داء البدن و علاجه أعسر و أطباؤه أقل و الشفاء منه أجل و الصدر موضع القلب و هو أجل موضع في البدن لشرف القلب « و هدى » أي و دلالة تؤدي إلى معرفة الحق « و رحمة للمؤمنين » أي و نعمة لمن تمسك به و عمل بما فيه و خص المؤمنين بالذكر و إن كان القرآن موعظة و رحمة لجميع الخلق لأنهم الذين انتفعوا به وصف الله سبحانه القرآن في هذه الآية بأربع صفات بالموعظة و الشفاء لما في الصدور و بالهدى و الرحمة « قل بفضل الله و برحمته » معناه قل يا محمد بإفضال الله و بنعمته فإنه يجوز إطلاق الفاضل على الله تعالى فوضع الفضل في موضع الإفضال كما وضع النبات في قوله « و الله أنبتكم من الأرض نباتا » في موضع الإنبات و قيل أن الفضل إلى الله بمعنى الملك كما يضاف العبد إليه بأنه مالك له « فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون » قال الزجاج قوله « بذلك » بدل من قوله بفضل الله و برحمته و هو يدل على أنه يعني به القرآن أي فبذلك فليفرح الناس لأنه خير لكم يا أصحاب محمد مما يجمعه هؤلاء الكفار من الأموال و معنى الآية قل لهؤلاء الفرحين بالدنيا المعتدين بها الجامعين لها إذا فرحتم بشيء فافرحوا بفضل الله عليكم و رحمته لكم بإنزال هذا القرآن و إرسال محمد إليكم فإنكم تحصلون بهما نعيما دائما مقيما هو خير لكم من هذه الدنيا الفانية و قيل فضل الله هو القرآن

(5/177)


و رحمته الإسلام عن أبي سعيد الخدري و الحسن و روى أنس عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال من هداه الله للإسلام و علمه القرآن ثم شكا الفاقة كتب الله عز و جل الفقر بين عينيه إلى يوم القيامة ثم تلا « قل بفضل الله و برحمته » الآية و قيل فضل الله الإسلام و رحمته القرآن عن قتادة و مجاهد و غيرهما قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام) فضل الله رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و رحمته علي بن أبي طالب (عليه السلام) و رواه الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس .
قُلْ أَ رَءَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْق فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وَ حَلَلاً قُلْ ءَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلى اللَّهِ تَفْترُونَ(59) وَ مَا ظنُّ الَّذِينَ يَفْترُونَ عَلى اللَّهِ الْكذِب يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضل عَلى النَّاسِ وَ لَكِنَّ أَكْثرَهُمْ لا يَشكُرُونَ(60) وَ مَا تَكُونُ فى شأْن وَ مَا تَتْلُوا مِنْهُ مِن قُرْءَان وَ لا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَل إِلا كنَّا عَلَيْكمْ شهُوداً إِذْ تُفِيضونَ فِيهِ وَ مَا يَعْزُب عَن رَّبِّك مِن مِّثْقَالِ ذَرَّة فى الأَرْضِ وَ لا فى السمَاءِ وَ لا أَصغَرَ مِن ذَلِك وَ لا أَكْبرَ إِلا فى كِتَب مُّبِين(61)
القراءة
قرأ الكسائي و ما يعزب بكسر الزاي هنا و في سبإ و هو قراءة الأعمش و يحيى بن وثاب و قرأ الباقون بضم الزاي و قرأ حمزة و خلف و يعقوب و سهل و لا أصغر و لا أكبر بالرفع و الباقون بفتحها .
الحجة
« يعزب » و يعزب لغتان صحيحتان و من فتح الزاي من « أصغر » و « أكبر » فلأن أفعل في الموضعين في موضع جر على تقدير ما يعزب عن ربك من مثقال ذرة و لا مثقال أصغر من ذلك و لا أكبر و إنما فتح لأنه غير منصرف و إنما منع الصرف لأن الفعل إذا اتصل به من كان صفة و إذا كان صفة لم ينصرف في النكرة و من رفع حمله على موضع الجار و المجرور الذي هو من مثقال ذرة فإنه في موضع رفع كما كانا في قوله و كفى بالله و يجوز رفعه من جهة

(5/178)


أخرى على الابتداء و يكون الخبر قوله « إلا في كتاب مبين » .
اللغة
الشأن اسم يقع على الأمر و الحال تقول ما شأنك و ما بالك و ما حالك و الإفاضة الدخول في العمل على جهة الانصباب إليه مأخوذ من فيض الإناء إذا انصب الماء من جوانبه و منه قوله أفضتم من عرفات أي تفرقتم كتفرق الماء الذي ينصب من الإناء و العزوب الذهاب عن المعلوم و ضده حضور المعنى للنفس و تعزب إذا انفرد عن أهله .
الإعراب
ما في قوله « ما أنزل الله » في موضع نصب بأنزل و يكون بمعنى أي في الاستفهام و يحتمل أن يكون ما بمعنى الذي فيكون نصبا برأيتم .
المعنى
ثم أمر سبحانه نبيه (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أن يخاطب كفار مكة فقال « قل » يا محمد لهم « أ رأيتم ما أنزل الله لكم من رزق » فجعله حلالا « فجعلتم منه حراما و حلالا » أي جعلتم بعضه حراما و بعضه حلالا يعني ما حرموا من السائبة و البحيرة و الوصيلة و نحوها مما حرموا من زروعهم و إنما قال « أنزل الله » لأن أرزاق العباد من المطر الذي ينزله الله « قل » يا محمد لهم « آلله أذن لكم أم على الله تفترون » و معناه أنه لم يأذن لكم في شيء من ذلك بل أنتم تكذبون في ذلك على الله سبحانه « و ما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة » معناه أي شيء يظن الذين يكذبون على الله أنه يصيبهم يوم القيامة على افترائهم على الله أي لا ينبغي أن يظنوا أن يصيبهم على ذلك إلا العذاب الشديد و العقاب الأليم « إن الله لذو فضل على الناس » بما فعل بهم من ضروب الإنعام « و لكن أكثرهم لا يشكرون » نعمه و يجحدونها و هذا الكلام خرج مخرج التقريع على افتراء الكذب و إن كان في صورة الاستفهام و تقديره أ يؤديهم افتراؤهم الكذب إلى خير أم شر و قيل أن معنى قوله « لذو فضل على الناس » أنه لم يضيق عليهم بالتحريم كما ادعيتم ذلك عليه و قيل معناه أنه لذو فضل على خلقه بترك معاجلة من افترى عليه الكذب بالعقوبة في الدنيا و إمهاله إياهم إلى يوم القيامة ثم بين سبحانه أن إمهاله إياهم ليس لجهل بحالهم فقال « و ما تكون في شأن » أي ما تكون أنت يا محمد في حال من الأحوال و في أمر من أمور الدين من تبليغ الرسالة و تعليم الشريعة و غير ذلك « و ما تتلوا منه من قرآن » أي و ما تقرأ من الله من قرآن و قيل من الكتاب من قرآن و القرآن يقع على القليل و الكثير منه و قيل أن الهاء تعود إلى الشأن أي و ما تتلو من الشأن من قرآن « و لا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا » أي و لا تعمل أنت و أمتك من عمل إلا كنا عالمين به شاهدين عليكم به « إذ تفيضون فيه » أي تدخلون فيه و تخوضون فيه « و ما يعزب عن ربك » أي و ما يبعد و ما

(5/179)


يغيب عن علم ربك و رؤيته و قدرته « من مثقال ذرة » أي وزن نملة صغيرة « في الأرض و لا في السماء و لا أصغر من ذلك » من وزن نملة « و لا أكبر إلا في كتاب مبين » أي في كتاب بينه الله فيه قبل أن خلقه و هو اللوح المحفوظ و قيل أراد به كتاب الحفظة الذي كتبه الملائكة السفرة و حفظوه و قال الصادق (عليه السلام) كان رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) إذا قرأ هذه الآية بكى بكاء شديدا .
النظم
قيل في اتصال الآية الأولى بما قبلها أنها اتصلت بقوله « قل من يرزقكم من السماء و الأرض » فإذا قرءوا أنه الرزاق قيل لهم أ جعلتم ما رزقكم بعضه حراما و بعضه حلالا عن أبي مسلم و قيل لما وصف القرآن بأنه هدى و رحمة و أمرهم بالتمسك بما فيه عقبه بذكر مخالفتهم لما جاء في القرآن و تحريمهم ما أحل الله .
أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يحْزَنُونَ(62) الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ(63) لَهُمُ الْبُشرَى فى الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَ فى الاَخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكلِمَتِ اللَّهِ ذَلِك هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(64) وَ لا يحْزُنك قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً هُوَ السمِيعُ الْعَلِيمُ(65)
اللغة
الخوف و الفزع و الجزع نظائر و هو إزعاج القلب لما يتوقع من المكروه و الأمن ضده و الحزن غلظ الهم مأخوذ من الحزن و هي الأرض الغليظة و السرور ضده و البشرى الخبر مما يظهر سروره في بشرة الوجه و البشارة مثلها و العزة شدة الغلبة من عزه يعزه إذا غلبه و منه قولهم إذا عز أخوك فهن يعني إذا غلبك و لم تقاومه فلن له و عز الشيء يعز بفتح العين إذا اشتد و يعز بكسرها إذا صار عزيزا لا يوجد فكأنه اشتد وجوده .
الأعراب
« الذين آمنوا » يحتمل موضعه ثلاثة أوجه من الإعراب ( الأول ) النصب على أنه صفة أولياء الله ( و الثاني ) الرفع على المدح ( و الثالث ) الرفع على الابتداء و خبره « لهم البشرى » فإن جعلت « الذين آمنوا » صفة لم تقف على يحزنون بل تقف على يتقون و إن

(5/180)


جعلته مبتدأ وقفت على يحزنون دون يتقون لأن لهم البشرى خبر عنهم و البشرى يرتفع بالظرف على الأقوال الثلاثة « و لا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا » كسرت أن للاستئناف بالتذكير لما ينفي الحزن و لا يجوز أن يكون كسرت لأنها وقعت بعد القول لأنه يصير حكاية عنهم و أن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) يحزن لذلك و هذا كفر و يجوز فتحها على تقدير اللام كأنه قال و لا يحزنك قولهم لأن العزة لله جميعا و قد غلظ القتيبي في هذا فزعم أن فتحها يكون كفرا و ليس الأمر كما ظنه فإنها إذا كانت معمولة للقول لم يجز و إذا تعلقت بغير القول جاز سواء فتحت أو كسرت و مثل الفتح قول ذي الرمة :
فما هجرتك النفس يا مي أنها
قلتك و لكن قل منك نصيبها
و لكنهم يا أملح الناس أولعوا
بقول إذا ما جئت هذا جنيبها و قال القتيبي عند ذكر هذه المسألة إذا قلت هذا قاتل أخي بالتنوين دل على أنه لم يقتل و إذا قلت هذا قاتل أخي بحذف التنوين دل على أنه قتل و هذا غلط بإجماع من النحويين لأن التنوين قد تحذف و أنت تريد الحال و الاستقبال قال الله تعالى هديا بالغ الكعبة يريد بالغا الكعبة و كل نفس ذائقة الموت أي ستذوق .
المعنى
« ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم » بين سبحانه أن المطيعين لله الذين تولوا القيام بأمره و تولاهم سبحانه بحفظه و حياطته لا خوف عليهم يوم القيامة من العقاب « و لا هم يحزنون » أي لا يخافون و اختلف في أولياء الله فقيل هم قوم ذكرهم الله بما هم عليه من سيماء الخير و الإخبات عن ابن عباس و سعيد بن جبير و قيل هم المتحابون في الله ذكر ذلك في خبر مرفوع و قيل هم الذين آمنوا و كانوا يتقون و قد بينهم في الآية التي بعدها عن ابن زيد و قيل أنهم الذين أدوا فرائض الله و أخذوا بسنن رسول الله و تورعوا عن محارم الله و زهدوا في عاجل هذه الدنيا و رغبوا فيما عند الله و اكتسبوا الطيب من رزق الله لمعايشهم لا يريدون به التفاخر و التكاثر ثم أنفقوه فيما يلزمهم من حقوق واجبة فأولئك الذين يبارك الله لهم فيما اكتسبوا و يثابون على ما قدموا منه لآخرتهم و هو المروي عن علي بن الحسين (عليهماالسلام) و قيل هم الذين توالت أفعالهم على موافقة الحق « الذين آمنوا » أي صدقوا بالله و اعترفوا بوحدانيته « و كانوا يتقون » مع ذلك معاصيه « لهم البشرى في الحياة الدنيا و في الآخرة » فيه أقوال ( أحدها ) أن البشرى في الحياة الدنيا هي ما بشرهم الله تعالى به في

(5/181)


القرآن على الأعمال الصالحة و نظيره قوله « و بشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم » و قوله « يبشرهم ربهم برحمة منه » الآية عن الزجاج و الفراء ( و ثانيها ) أن البشارة في الحياة الدنيا بشارة الملائكة (عليهم السلام) للمؤمنين عند موتهم ب ألا تخافوا و لا تحزنوا و أبشروا بالجنة عن قتادة و الزهري و الضحاك و الجبائي ( و ثالثها ) أنها في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها المؤمن لنفسه أو ترى له و في الآخرة بالجنة و هي ما يبشرهم الملائكة عند خروجهم من القبور و في القيامة إلى أن يدخلوا الجنة يبشرونهم بها حالا بعد حال و هو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) و روي ذلك في حديث مرفوع عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و روى عقبة بن خالد عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال يا عقبة لا يقبل الله من العباد يوم القيامة إلا هذا الدين الذي أنتم عليه و ما بين أحدكم و بين أن يرى ما تقر به عينه إلا أن يبلغ نفسه إلى هذه و أومأ بيده إلى الوريد الخبر بطوله ثم قال أن هذا في كتاب الله و قرأ « الذين آمنوا و كانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا و في الآخرة » الآية و قيل أن المؤمن يفتح له باب إلى الجنة في قبره فيشاهد ما أعد له في الجنة قبل دخولها « لا تبديل لكلمات الله » أي لا خلف لما وعد الله تعالى به من الثواب و لا خلاف في قوله بوضع كلمة أخرى مكانها بدلا منها لأنها حق و الحق لا خلف فيه بوجه « ذلك هو الفوز العظيم » أي ذلك الذي سبق ذكره من البشارة في الحياة الدنيا و في الآخرة هي النجاة العظيمة التي يصغر في جنبها كل شيء « و لا يحزنك قولهم » ظاهره النهي و المراد به التسلية للنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) عن أقوالهم المؤدية و هو مثل قولهم لا رأيتك هاهنا أي لا تكن هاهنا فمن كان هاهنا رأيته و كذلك المراد بالآية لا تعبأ بأذاهم فمن عبا به آذاه أذاهم « إن العزة لله جميعا » فيمنعهم منك بعزته و يدفع أذاهم عنك بقدرته و قيل معناه لا يحزنك قولهم إنك ساحر أو مجنون فسينصرك الله عليهم و سيذلهم و ينتقم منهم لك فإنه عزيز قادر عليه « هو السميع العليم » يسمع أقوالهم و يعلم ضمائرهم فيجازيهم عليها و يدفع عنك شرهم و يرد كيدهم و ضرهم .
النظم
وجه اتصال الآية الأولى بما قبلها أنه لما تقدم ذكر المؤمن و الكافر بين عقيبه أن أولياءه لا خوف عليهم و قيل لما ذكر أنه يحصي أعمال خلقه بشر من تولاه و ذكر ما أعد لهم و وجه اتصال قوله « و لا يحزنك قولهم » بما تقدم أنه يتصل بقوله و إن كذبوك « فلا يحزنك قولهم » و قل لي عملي و لكم عملكم و قيل أنه يتصل بما قبله فكأنه قال إذا كنت من أولياء الله و من أهل البشارة فلا ينبغي أن تحزن بطعن من يطعن عليك و وجه اتصال قوله « هو السميع العليم » بما قبله أنه يسمع قولهم و يجازيهم فلا يحزنك ذلك .

(5/182)


أَلا إِنَّ للَّهِ مَن فى السمَوَتِ وَ مَن فى الأَرْضِ وَ مَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شرَكاءَ إِن يَتَّبِعُونَ إِلا الظنَّ وَ إِنْ هُمْ إِلا يخْرُصونَ(66) هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسكنُوا فِيهِ وَ النَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ فى ذَلِك لاَيَت لِّقَوْم يَسمَعُونَ(67)
اللغة
الفرق بين الجعل و الفعل إن جعل الشيء يكون بإحداث غيره كجعل الطين خزفا و لا يكون فعله إلا بإحداثه و الفرق بين الجعل و التغيير إن تغيير الشيء لا يكون إلا بتصييره على خلاف ما كان و جعله يكون بتصييره على مثل ما كان كجعل الإنسان نفسه ساكنا على استدامة الحال و إنما قال « و النهار مبصرا » و إنما يبصر فيه تشبيها و مجازا و استعارة في صفة الشيء بسببه على وجه المبالغة كما يقال سر كاتم و ليل نائم و مثله قول جرير :
لقد لمتنا أم غيلان في السري
و نمت و ما ليل المطي بنائم و قال رؤبة :
قد نام ليلي و تجلى همي .
المعنى
لما سلى الله سبحانه نبيه (صلى الله عليهوآلهوسلّم) بقوله « و لا يحزنك قولهم » فإنهم لا يفوتونني بين بعد ذلك ما يدل على صحته فقال « ألا إن لله من في السموات و من في الأرض » يعني العقلاء و إذا كان له ملك العقلاء فما عداهم تابع لهم و إنما خص العقلاء تفخيما « و ما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء » يحتمل ما هاهنا وجهين ( أحدهما ) أن يكون بمعنى أي شيء فكأنه قال و أي شيء يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء تقبيحا لفعلهم ( و الآخر ) أن يكون نافية أي و ما يتبعون شركاء في الحقيقة و يحتمل وجها ثالثا و هو أن يكون ما بمعنى الذي و يكون منصوبا بالعطف على من و يكون التقدير و الذي يتبع الأصنام الذين يدعونهم من دون الله شركاء فحذف العائد من الصلة و شركاء حال من ذلك المحذوف و إن جعلت ما نفيا فقوله « شركاء » ينتصب بيدعونه و العائد إلى الذين الواو في يدعون و يكون قوله « إن يتبعون » مكررا لطول الكلام و تقف في هذا القول على قوله « و من في الأرض » و في ذلك القول على قوله « شركاء » « إن يتبعون إلا الظن » أي ليس يتبعون في اتخاذهم مع الله شركاء إلا الظن لتقليدهم أسلافهم في ذلك أو لشبهة دخلت عليهم بأنهم

(5/183)


يتقربون بذلك إلى الله تعالى « و إن هم إلا يخرصون » أي و ليسوا إلا كاذبين بهذا الاعتقاد و القول « هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه » معناه أن الذي يملك من في السموات و من في الأرض هو الذي خلق لكم الليل لسكونكم و لأن يزول التعب و الكلال عنكم بالسكون فيه « و النهار مبصرا » أي و جعل النهار مبصرا مضيئا تبصرون فيه و تهتدون به في حوائجكم بالأبصار « إن في ذلك لآيات » أي لحججا و دلالات على توحيد الله سبحانه من حيث لا يقدر على ذلك غيره « لقوم يسمعون » الحجج سماع تدبر و تفهم و تعقل .
قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سبْحَنَهُ هُوَ الْغَنىُّ لَهُ مَا فى السمَوَتِ وَ مَا فى الأَرْضِ إِنْ عِندَكم مِّن سلْطنِ بهَذَا أَ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ(68) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْترُونَ عَلى اللَّهِ الْكَذِب لا يُفْلِحُونَ(69) مَتَعٌ فى الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَاب الشدِيدَ بِمَا كانُوا يَكْفُرُونَ(70)
الإعراب
متاع خبر مبتدإ محذوف و تقديره ذاك أو هو متاع و قوله « لا يفلحون » وقف تام و يجوز أن يكون متاع مبتدأ محذوف الخبر و تقديره لهم متاع .
المعنى
ثم حكى الله سبحانه عن صنف من الكفار أنهم أضافوا إليه اتخاذ الولد و هم طائفتان ( إحداهما ) كفار قريش و العرب فإنهم قالوا الملائكة بنات الله ( و الأخرى ) النصارى الذين قالوا المسيح ابن الله فقال سبحانه « قالوا اتخذ الله ولدا » و إنما قال « قالوا » و إن لم يكن سبق ذكرهم لأنهم كانوا بحضرة النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و كان يعرفهم و تصح الكناية عن المعلوم كما تصح عن المذكور « سبحانه » أي تنزيها له عما قالوا « هو الغني » عن اتخاذ الولد ثم بين سبحانه الوجه فيه فقال « له ما في السموات و ما في الأرض » و معناه إذا كان له ما في السموات و ما في الأرض ملكا و ملكا و خلقا فهو الغني عن اتخاذ الولد لأن الإنسان إنما

(5/184)


يتخذ الولد ليتقوى به من ضعف أو ليستغني به من فقر و الله سبحانه منزه عن ذلك و إذا استحال اتخاذ الولد حقيقة عليه سبحانه استحال عليه اتخاذ الولد على وجه التبني « إن عندكم من سلطان بهذا » أي ما عندكم من حجة و برهان بهذا « أ تقولون على الله ما لا تعلمون » هذا توبيخ من الله سبحانه لهم على قولهم ذلك ثم بين سبحانه الوعيد لهم على ذلك فقال « قل » يا محمد « إن الذين يفترون » أي يكذبون « على الله الكذب » باتخاذ الولد و غير ذلك « لا يفلحون » أي لا يفوزون بشيء من الثواب و أصل الافتراء من القطع من فريت الأديم أي قطعته فمعناه يقطعون الكذب الذي يكذبون به على الله تعالى و قوله « متاع في الدنيا » معناه لهم متاع في الدنيا يتمتعون به أياما قلائل ثم تنقضي و قوله « ثم إلينا مرجعهم » أي ثم إلى حكمنا مصيرهم « ثم نذيقهم العذاب الشديد » و هو عذاب النار « بما كانوا يكفرون » أي بكفرهم .
* وَ اتْلُ عَلَيهِمْ نَبَأَ نُوح إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَقَوْمِ إِن كانَ كَبرَ عَلَيْكم مَّقَامِى وَ تَذْكِيرِى بِئَايَتِ اللَّهِ فَعَلى اللَّهِ تَوَكلْت فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَ شرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضوا إِلىَّ وَ لا تُنظِرُونِ(71) فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سأَلْتُكم مِّنْ أَجْر إِنْ أَجْرِى إِلا عَلى اللَّهِ وَ أُمِرْت أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسلِمِينَ(72) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَهُ وَ مَن مَّعَهُ فى الْفُلْكِ وَ جَعَلْنَهُمْ خَلَئف وَ أَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِئَايَتِنَا فَانظرْ كَيْف كانَ عَقِبَةُ المُْنذَرِينَ(73)
القراءة
قرأ يعقوب وحده و شركاؤكم بالرفع و هو قراءة الحسن و ابن أبي إسحاق و أبي عبد الرحمن السلمي و عيسى الثقفي و قرأ الباقون « و شركاءكم » بالنصب و في الشواذ قراءة

(5/185)


الأعرج و عاصم و الجحدري و الزهري فاجمعوا أمركم مفتوحة الميم موصولة الهمزة من جمع .
الحجة
من قرأ « فاجمعوا أمركم و شركاؤكم » بالرفع رفعه على العطف على الضمير في أجمعوا و ساغ عطفه على الضمير من غير توكيد من أجل طول الكلام بقوله « أمركم » و إذا جاز في قوله سبحانه « ما أشركنا و لا آباؤنا » إن نكتفي من طول الكلام بلا و إن كانت بعد حرف العطف كان الاكتفاء من التوكيد بما هو أطول من لا و هو أيضا قبل الواو كما أن التوكيد لو ظهر لكان قبلها أحرى فلو قال قائل قم و زيد كان أقبح من أن يقول قمت و زيد و ذلك لأن المعطوف عليه في قم و زيد ضمير مستكن لا لفظ له فهو أضعف من ضمير المخاطب أو المتكلم في قمت لأن له لفظا و هو التاء و قمت و زيد أضعف من قمنا و زيد لأن نا من قمنا أتم لفظا من التاء في قمت و أما « شركاءكم » بالنصب فقد قيل فيه أنه منصوب على إضمار فعل كأنه قيل و ادعوا شركاءكم قالوا و كذا هو في مصحف أبي و قيل تقديره فاجمعوا أمركم و أجمعوا شركاءكم لأن أجمعوا يدل عليه و ذهب المحققون إلى أنه مفعول معه و تقديره مع شركائكم كما أنشد سيبويه :
فكونوا أنتم و بني أبيكم
مكان الكليتين من الطحال و يقال أجمعت الأمر و جمعت الأمر و أجمعت على الأمر أي عزمت عليه قال المؤرج أجمعت الأمر أفصح من أجمعت عليه قال أبو الهيثم أجمع أمره إذا جعله جمعا بعد ما كان متفرقا قال :
هل أغدون يوما و أمري مجمع
اللغة
الغمة ضيق الأمر الذي يوجب الحزن و الغمة و الكربة و الضغطة و الشدة نظائر و نقيضه الفرجة و قيل غمة مغطى تغطية خبره مأخوذ من غم الهلال إذا حال دون رؤيته غيم .
المعنى
ثم أمر الله سبحانه نبيه (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أن يقرأ عليهم أخبار نوح فقال « و اتل عليهم نبأ نوح » أي خبره « إذ قال لقومه » الذين بعث إليهم « يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي » أي شق و عظم عليكم إقامتي بين أظهركم « و تذكيري » أي وعظي و تنبيهي إياكم « ب آيات الله » أي بحججه و بيناته على صحة التوحيد و العدل و النبوة و المعاد و بطلان ما تدينون به و في الكلام حذف هو قوله و عزمتم على قتلي و طردي من بين أظهركم « فعلى الله توكلت » جعله

(5/186)


جواب الشرط مع أنه متوكل عليه في جميع أحواله ليبين لهم أنه متوكل في هذا التفصيل لما في إعلامه ذلك من زجرهم عنه لأن الله تعالى يكفيه أمرهم و معناه فإلى الله فوضت أمري و به وثقت إن يكفيني أمركم « فاجمعوا أمركم و شركاءكم » معناه فاعزموا على أمركم مع شركائكم و اتفقوا على أمر واحد من قتلي و طردي و لا تضطربوا فيه فتختلف أحوالكم فيما تلقونني به و هذا تهديد في صورة الأمر و قيل معناه اعزموا على أمركم و ادعوا شركاءكم فبين (عليه السلام) إنه لا يرتدع عن دعائهم و عيب آلهتهم مستعينا بالله عليهم واثقا بأنه سبحانه يعصمه منهم و قيل أراد بالشركاء الأوثان التي كانوا يعبدونها من دون الله و قيل أراد من شاركهم في دينهم « ثم لا يكن أمركم عليكم غمة » أي لا يكن أمركم عليكم غما و حزنا بأن ترددوا فيه و قيل معناه ليكن أمركم ظاهرا مكشوفا و لا يكونن مغطى مبهما مستورا من غممت الشيء إذا سترته و قيل معناه لا تأتوه من غير أن تتشاوروا و من غير أن يجتمع رأيكم عليه لأن من حاول أمرا من غير أن يعلم كيف يتأتى ذلك كان أمره غمة عليه « ثم اقضوا إلي و لا تنظرون » أي انهضوا إلي فاقتلوني إن وجدتم إليه سبيلا و لا تؤخروني و لا تمهلوني عن ابن عباس و قيل معنى اقضوا إلي افعلوا ما تريدون و أدخلوا إلي لأنه بمعنى أفرغوا من جميع حيلكم كما يقال خرجت إليك من العهدة و قيل معناه توجهوا إلى و روي عن بعضهم أنه قرأ ثم أفضوا إلى أي أسرعوا إلي من الفضاء لأنه إذا صار إلى الفضاء تمكن من الإسراع و هذا كان من معجزات نوح (عليه السلام) لأنه كان وحيدا مع نفر يسير و قد أخبر بأنهم لا يقدرون على قتله و على أن ينزلوا به سواء لأن الله تعالى ناصره و حافظه عنهم « فإن توليتم » أي ذهبتم عن الحق و اتباعه و لم تقبلوه و لم تنظروا فيه « فما سألتكم من أجر » أي لا أطلب منكم أجرا على ما أؤديه إليكم من الله فيثقل ذلك عليكم و قيل معناه إن أعرضتم عن قبول قولي لم يضرني لأني لم أطلع فيما لكم فيفوتني ذلك بتوليكم عني و إنما يعود الضرر عليكم « إن أجري إلا على الله » أي ما أجري إلا على الله في القيام بأداء الرسالة « و أمرت أن أكون من المسلمين » أي أمرني الله بأن أكون من المستسلمين لأمر الله بطاعته ثقة بأنها خير ما يكتسبه العباد « فكذبوه » يعني أنهم كذبوا نوحا أي نسبوه إلى الكذب فيما يذكره من أنه نبي الله و إن الله بعثه إليهم ليدعوهم إلى طاعته « فنجيناه و من معه في الفلك » أي في السفينة « و جعلناهم خلائف » أي جعلنا الذين نجوا مع نوح خلفاء لمن هلك بالغرق و قيل أنهم كانوا ثمانين نفسا و قال البلخي يجوز أن يكون أراد جعلناهم رؤساء في الأرض « و أغرقنا الذين كذبوا ب آياتنا » أي أهلكنا باقي أهل الأرض أجمع لتكذيبهم لنوح (عليه السلام) « فانظر » أيها السامع « كيف كان عاقبة المنذرين » أي المخوفين بالله و عذابه أي كيف أهلكهم الله

(5/187)


ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسلاً إِلى قَوْمِهِمْ فجَاءُوهُم بِالْبَيِّنَتِ فَمَا كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِك نَطبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ(74) ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسى وَ هَرُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَ مَلايهِ بِئَايَتِنَا فَاستَكْبرُوا وَ كانُوا قَوْماً مجْرِمِينَ(75) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ(76) قَالَ مُوسى أَ تَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكمْ أَ سِحْرٌ هَذَا وَ لا يُفْلِحُ السحِرُونَ(77) قَالُوا أَ جِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا وَ تَكُونَ لَكُمَا الْكِبرِيَاءُ فى الأَرْضِ وَ مَا نحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ(78)
القراءة
روى حماد و يحيى عن أبي بكر و زيد عن يعقوب و يكون لكما الكبرياء بالياء و الباقون بالتاء .
الحجة
الوجه في الياء أن تأنيث الكبرياء غير حقيقي و قد فصل أيضا بينه و بين الفعل و من قرأ بالتاء فلأن لفظه لفظ التأنيث .
اللغة
الإجرام اكتساب السيئة و أصله القطع و اللفت الصرف عن الأمر يقال لفته يلفته لفتا و امرأة لفوت ذات زوج لها ولد من غيره لأنها تلفت إلى ولدها عنقها .
المعنى
ثم بين سبحانه قصة من بعثه بعد نوح فقال « ثم بعثنا من بعده » أي من بعد نوح و إهلاك قومه « رسلا » يريد إبراهيم و هودا و صالحا و لوطا و شعيبا « إلى قومهم » الذين كانوا فيهم بعد أن تناسلوا و كثروا « فجاءوهم بالبينات » أي فأتوهم بالبراهين و المعجزات الدالة على صدقهم الشاهدة بنبوتهم « فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل » أي لم يكونوا ليصدقوا يعني أولئك الأقوام الذين بعث إليهم الرسل بما كذبت به أوائلهم الذين هم قوم نوح أي كانوا مثلهم في الكفر و العتو و قيل معناه لم يكن منهم من يؤمن من بعد هذه الآيات بما كذبوا به من قبلها بل كانت الحالتان سواء عندهم قبل البينات و بعدها عن

(5/188)


أبي مسلم و البلخي « كذلك نطبع على قلوب المعتدين » أي نجعل على قلوب الظالمين لنفوسهم الذين تعدوا حدود الله سمة و علامة على كفرهم يلزمهم الذم بها و يعرفهم بها الملائكة كما فعلنا ذلك بقلوب هؤلاء الكفار و قد مر معاني الطبع و الختم فيما تقدم « ثم بعثنا من بعدهم » أي من بعد الرسل أو من بعد الأمم « موسى و هارون » (عليهماالسلام) نبيين مرسلين « إلى فرعون و ملأه » أي و رؤساء قومه « ب آياتنا » أي بأدلتنا و معجزاتنا « فاستكبروا » عن الانقياد لها و الإيمان بها « و كانوا قوما مجرمين » عاصين لربهم مستحقين للعقاب الدائم « فلما جاءهم » أي جاء قوم فرعون « الحق من عندنا » يعني ما أتى به موسى من المعجزات و البراهين « قالوا إن هذا لسحر مبين » أي ظاهر « قال موسى » لهم « أ تقولون للحق لما جاءكم أ سحر هذا » أي أ تقولون لمعجزاته سحر و السحر باطل و المعجز حق و هما متضادان « و لا يفلح الساحرون » أي لا يظفرون بحجة و لا يأتون على ما يدعونه ببينة و إنما هو تمويه على الضعفة « قالوا » يعني قال فرعون و قومه لموسى « أ جئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا » أي لتصرفنا عن ذلك « و تكون لكما الكبرياء » أي الملك عن مجاهد و قيل العظمة و السلطان و الأصل إن الكبرياء استحقاق صفة الكبر في أعلى المراتب « في الأرض » أي في أرض مصر و قيل أراد اسم الجنس و المراد به الإنكار و إن كان اللفظ لفظ الاستفهام تعلقوا بالشبهة في أنهم على رأي آبائهم و إن من دعاهم إلى خلافه فظاهر أمره أنه يريد التأمر عليهم فلم يطيعوه « و ما نحن لكما بمؤمنين » أي بمصدقين فيما تدعيانه من النبوة .
وَ قَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونى بِكلِّ سحِر عَلِيم(79) فَلَمَّا جَاءَ السحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسى أَلْقُوا مَا أَنتُم مُّلْقُونَ(80) فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسى مَا جِئْتُم بِهِ السحْرُ إِنَّ اللَّهَ سيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ(81) وَ يحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكلِمَتِهِ وَ لَوْ كرِهَ الْمُجْرِمُونَ(82)
القراءة
قرأ أهل الكوفة غير عاصم بكل سحار بالتشديد و الباقون « ساحر » على وزن فاعل و قرأ أبو جعفر و أبو عمرو السحر بقطع الألف و مدها على الاستفهام و الباقون « السحر » موصولة على الخبر .

(5/189)


الحجة
قد بينا الوجه في سحار و ساحر في سورة الأعراف و أما قوله « السحر » فإن ما في قوله « ما جئتم به » في موضع رفع بالابتداء و جئتم في موضع رفع بأنه خبر المبتدأ و الكلام استفهام و السحر بدل من ما المبتدأ و لزم أن يلحق السحر الاستفهام ليساوي المبدل منه في أنه استفهام أ لا ترى أنه ليس في قولك السحر استفهام و على هذا قالوا كم مالك أ عشرون أم ثلاثون فجعلت العشرون و الثلاثون بدلا من كم و ألحقت أم لأنك في قولك كما درهما ما لك مدع أن له مالا كما أنك في قولك أ عشرون أم ثلاثون ما لك مدع أحد الشيئين و لا يلزم أن تضمر للسحر خبرا على هذا لأنك إذا أبدلت من المبتدأ صار في موضعه و صار ما كان خبرا لما أبدلت منه في موضع خبر البدل و من قرأ « ما جئتم به السحر » كان ما في قوله موصولا و جئتم به الصلة و الهاء المجرورة عائدة على الموصول و خبر المبتدأ الذي هو الموصول السحر و مما يقوي هذا الوجه ما زعموا أنه في حرف عبد الله ما جئتم به سحر فعلى هذا يكون تقديره الذي جئتم به السحر و على الوجه الأول و هو أن يكون ما استفهاما فتقديره أي شيء جئتم السحر و أما وجه الاستفهام مع علم موسى أنه سحر فإنه مثل قوله « ء أنت قلت للناس اتخذوني و أمي إلهين من دون الله » في أنه للتقرير .
المعنى
« و قال فرعون » حكى الله سبحانه عن فرعون أنه حين أعجزه المعجزات التي ظهرت لموسى (عليه السلام) و لم يكن له في دفعها حيلة قال لقومه « ائتوني بكل ساحر عليم » بالسحر بليغ في عمله و إنما طلب فرعون كل ساحر ليتعاونوا على دفع ما أتى به موسى و حتى لا يفوته شيء من السحر بتأخر بعضهم و إنما فعل ذلك للجهل بأن ما أتى به موسى من عند الله و ليس بسحر و بعد ذلك علم أنه ليس بسحر فعائد كما قال سبحانه « لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات و الأرض بصائر » و قيل أنه علم أنه ليس بسحر و لكنه ظن أن السحر يقاربه مقاربة تشبيه « فلما جاء السحرة » الذين طلبهم فرعون و أمر بإحضارهم و موسى حاضر « قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون » و في الكلام حذف يدل عليه الظاهر و تقديره فلما أتوه بالسحرة و بالحبال و العصي قال لهم موسى « ألقوا ما أنتم ملقون » أي اطرحوا ما جئتم به و قيل معناه افعلوا ما أنتم فاعلون و هذا ليس بأمر بالسحر و لكنه قال ذلك على وجه التحدي و الإلزام أي من كان عنده ما يقاوم المعجزات فليلقه و قيل أنه أمر على الحقيقة بالإلقاء ليظهر بطلانه و إنما لم يقتصر على قوله « ألقوا » لأنه أراد ألقوا جميع ما أنتم ملقون في المستأنف فلو اقتصر على ألقوا ما أفاد هذا المعنى و الإلقاء إخراج الشيء عن اليد إلى جهة الأرض و يشبه بذلك قولهم ألقي عليه مسألة و ألقى عليه رداه « فلما ألقوا » أي

(5/190)


فلما ألقت السحرة سحرهم « قال موسى » لهم « ما جئتم به السحر » أي الذي جئتم به من الحبال و العصي السحر أدخل عليه الألف و اللام للعهد لأنهم لما قالوا لما أتى به موسى أنه سحر قال (عليه السلام) ما جئتم به هو السحر عن الفراء « إن الله سيبطله » أي سيبطل هذا السحر الذي فعلتموه « إن الله لا يصلح عمل المفسدين » معناه إن الله لا يهيىء عمل من قصد إفساد الدين و لا يمضيه و يبطله حتى يظهر الحق من الباطل و المحق من المبطل « و يحق الله الحق » أي يظهر الله الحق و يحققه و يثبته و ينصر أهله « بكلماته » قيل في معناه أقوال ( أحدها ) أن معناه بوعد موسى (عليه السلام) و كان وعده النصر فأنجز وعده عن الحسن ( و ثانيها ) أن معناه بكلامه الذي يتبين به معاني الآيات التي أتاها نبيه عن الجبائي ( و ثالثها ) بما سبق من حكمه في اللوح المحفوظ بأن ذلك سيكون « و لو كره المجرمون » ظهور الحق و إبطال الباطل و في هذه الآية دلالة على أنه تعالى ينصر المحقين كلهم في حقهم و ذلك على وجهين ( أحدهما ) بالحجة فهذه النصرة مستمرة على كل حال ( و الثاني ) بالغلبة و القهر و هذا يختلف بحسب المصلحة لأن المصلحة قد تكون بالتخلية تارة و بالحيلولة أخرى .
فَمَا ءَامَنَ لِمُوسى إِلا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلى خَوْف مِّن فِرْعَوْنَ وَ مَلايهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَ إِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَال فى الأَرْضِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الْمُسرِفِينَ(83) وَ قَالَ مُوسى يَقَوْمِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكلُوا إِن كُنتُم مُّسلِمِينَ(84) فَقَالُوا عَلى اللَّهِ تَوَكلْنَا رَبَّنَا لا تجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظلِمِينَ(85) وَ نجِّنَا بِرَحْمَتِك مِنَ الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ(86)
اللغة
الذرية الجماعة من نسل القبيلة و قد تقدم القول في أصلها و وزنها و الفتنة أصلها البلية و هي معاملة تظهر الأمور الباطنة يقال فتنت الذهب إذا أحرقته بالنار ليظهر الخلاص و قوله « يوم هم على النار يفتنون » أي يحرقون لما فيه من إظهار حالهم في

(5/191)


الضلال و قوله « و الفتنة أشد من القتل » معناه التعذيب للرد عن الدين لما فيه من إظهار النصرة أشد .
الإعراب
« يا قوم » حذفت منه ياء الإضافة اجتزاء بالكسرة منها و هو في النداء أحسن من إثباتها لقوة النداء على التغيير و الفاء في قوله « فقالوا » فاء العطف و جواب الأمر كما تقول قال السائل كذا فقال المجيب كذا و إنما جازت الفاء في الجواب و لم تجز الواو لأن الفاء تترتب من غير مهلة فهي موافقة لمعنى وجوب الثاني بالأول و ليس كذلك الواو .
المعنى
ثم بين سبحانه من آمن من قوم موسى (عليه السلام) فقال « فما آمن لموسى » أي لم يصدق موسى في ما ادعى من النبوة مع ما أظهره من المعجزات الظاهرة « إلا ذرية من قومه » أي أولاد من قوم فرعون و قيل أراد من قوم موسى (عليه السلام) و هم بنو إسرائيل الذين كانوا بمصر و اختلف من قال بالأول فقيل أنهم قوم كانت أمهاتهم من بني إسرائيل و آباؤهم من القبط فاتبعوا أمهاتهم و أخوالهم عن ابن عباس و قيل أنهم أناس يسير من قوم فرعون منهم امرأة فرعون و مؤمن آل فرعون و جارية و امرأة هي مشاطة امرأة فرعون عن عطية عن ابن عباس و قيل أنهم بعض أولاد القبط لم يستجب آباؤهم موسى و اختلف من قال بالثاني فقيل هم جماعة من بني إسرائيل أخذهم فرعون لتعلم السحر و جعلهم من أصحابه ف آمنوا بموسى عن الجبائي و قيل أراد مؤمني بني إسرائيل و كانوا ستمائة ألف و كان يعقوب دخل مصر منهم باثنين و سبعين إنسانا فتوالدوا حتى بلغوا ستمائة ألف و إنما سماهم ذرية على وجه التصغير لضعفهم عن ابن عباس في رواية أخرى و قال مجاهد أراد بهم أولاد الذين أرسل إليهم موسى من بني إسرائيل لطول الزمان هلك الآباء و بقي الأبناء « على خوف من فرعون » يعني آمنوا و هم خائفون من معرة فرعون « و ملإيهم » و من أشرافهم و رؤسائهم قال الزجاج و إنما جاز أن يقال « و ملإيهم » لأن فرعون ذو أصحاب يأتمرون له و قيل أن الضمير في « ملإيهم » راجع إلى الذرية لأن آباءهم كانوا من القبط و كانوا يخافون قومهم من القبط أن يصرفوهم عن دينهم و يعذبوهم « أن يفتنهم » أي يصرفهم عن الدين يعني أن يمتحنهم لمحنة لا يمكنهم الصبر عليها فينصرفون عن الدين و كان جنود فرعون يعذبون بني إسرائيل فكان خوفهم منه و منهم « و إن فرعون لعال في الأرض » أي مستكبر باغ طاغ في أرض مصر و نواحيها « و إنه لمن المسرفين » أي من المجاوزين الحد في العصيان لأنه ادعى الربوبية و أسرف في القتل و الظلم و الإسراف التجاوز عن الحد في كل شيء « و قال موسى » لقومه الذين آمنوا به « يا قوم إن كنتم آمنتم بالله » كما تظهرون « فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين » أي فأسندوا

(5/192)


أموركم إليه إن كنتم مسلمين على الحقيقة و إنما أعاد قوله « إن كنتم مسلمين » بعد قوله « إن كنتم آمنتم بالله » ليتبين المعنى باجتماع الصفتين التصديق و الانقياد أي إن كنتم آمنتم بالله فاستسلموا لأمره و فائدة الآية بيان وجوب التوكل على الله عند نزول الشدة و التسليم لأمره ثقة بحسن تدبيره و انقطاعا إليه « فقالوا على الله توكلنا » أخبر سبحانه عن حسن طاعتهم له و أنهم قالوا أسندنا أمورنا إلى الله واثقين « ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين » أي لا تمكن الظالمين من ظلمنا بما يحملنا على إظهار الانصراف عن ديننا عن مجاهد و قيل معناه ربنا لا تظهر علينا فرعون و قومه فيفتتن بنا الكفار و يقولوا لو كانوا على الحق لما ظفرنا عليهم عن الحسن و أبي مجاز و روى زرارة و محمد بن مسلم عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه السلام) أن معناه لا تسلطهم علينا فتفتنهم بنا « و نجنا » و خلصنا « برحمتك من القوم الكافرين » أي من قوم فرعون و استعبادهم إيانا و أخذهم جماعتنا بالأعمال الشاقة و المهن الخسيسة .
وَ أَوْحَيْنَا إِلى مُوسى وَ أَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصرَ بُيُوتاً وَ اجْعَلُوا بُيُوتَكمْ قِبْلَةً وَ أَقِيمُوا الصلَوةَ وَ بَشرِ الْمُؤْمِنِينَ(87) وَ قَالَ مُوسى رَبَّنَا إِنَّك ءَاتَيْت فِرْعَوْنَ وَ مَلأَهُ زِينَةً وَ أَمْوَلاً فى الحَْيَوةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سبِيلِك رَبَّنَا اطمِس عَلى أَمْوَلِهِمْ وَ اشدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتى يَرَوُا الْعَذَاب الأَلِيمَ(88) قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكمَا فَاستَقِيمَا وَ لا تَتَّبِعَانِّ سبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ(89)
القراءة
قرأ ابن عامر و لا تتبعان خفيفة النون و الباقون بالتشديد .
الحجة
من قرأ بالنون الشديدة كسرها لوقوعها بعد ألف التثنية فأشبهت نون الاثنين في رجلان و لم يعتد بالنون الساكنة قبلها لسكونها و خفتها فصارت المكسورة كأنها وليت الألف و من قرأ بالتخفيف فإنه يمكن أن يكون خفف الثقيلة للتضعيف كما خففوا رب و إن

(5/193)


و نحوهما إلا أنه حذف الأولى من المثلين كما أبدلوا الأولى من المثلين في نحو قيراط و دينار و لزم ذلك في هذا الموضع لأن الحذف لو لحق الثانية للزم التقاء الساكنين على هذا الحد غير مأخوذ به عند العامة و إن شئت كان على لفظ الخبر و المعنى الأمر كقوله « يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء » « و لا تضار والدة بولدها » أي لا ينبغي ذلك و إن شئت جعلته حالا من استقيما و التقدير استقيما غير متبعين و يدل على ذلك قول الشاعر :
فلا أسقي و لا يسقي شريبي
و يرويه إذا أوردت مائي و كقول الفرزدق :
بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم
و لم تكثر القتلى بها حين سلت
اللغة
« تبوءا » أي اتخذا يقال تبوأ لنفسه بيتا أي اتخذه و بوأت له بيتا أي اتخدته له و يقال أن تبوء و بوء بمعنى أي اتخذ بيتا مثل بدل و تبدل و خلص و تخلص قال أبو علي تبوء فعل يتعدى إلى مفعولين و اللام في قوله « لقومكما » كالتي في قوله « ردف لكم » و يقوي ذلك قوله « و إذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت » فدخلت اللام على غير المطاوع كما دخلت على المطاوع في قوله « تبوءا لقومكما » و الطمس محو الأثر يقال طمست عينه أطمسها طمسا و طموسا و طمست الريح آثار الديار و الطمس تغير إلى الدثور و الدروس قال كعب بن زهير :
من كل نضاخة الذفرى إذا عرقت
عرضتها طامس الأعلام مجهول
الإعراب
مصر غير منصرف لأنه مؤنث معرفة و لو صرفت لخفتها كما تصرف هند لكان جائزا و ترك الصرف أقيس و قوله « بيوتا » مفعول به و ليس بظرف مكان لاختصاصه و البيوت هنا كالغرف في قوله تعالى لنبوئنهم من الجنة غرفا « فلا يؤمنوا » يحتمل وجهين من الإعراب النصب و الجزم فأما النصب ففيه وجهان ( أحدهما ) أن يكون على جواب صيغة الأمر بالفاء ( و الآخر ) أن يكون عطفا على ليضلوا أي ليضلوا فلا يؤمنوا و هذا قول المبرد

(5/194)


و على هذا فيكون قوله « ربنا اطمس على أموالهم و اشدد على قلوبهم » اعتراضا و أما الجزم فيكون على وجه الدعاء عليهم و تقديره فلا آمنوا و مثله قول الأعشى :
فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى
و لا تلقني إلا و أنفك راغم
المعنى
« و أوحينا إلى موسى و أخيه » أي أمرناهما « أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا » أي اتخذا لمن آمن بكما بمصر يعني البلدة المعروفة بيوتا تسكنونها و تأوون إليها « و اجعلوا بيوتكم قبلة » اختلف في ذلك فقيل لما دخل موسى مصر بعد ما أهلك الله فرعون أمروا باتخاذ مساجد يذكر فيها اسم الله تعالى و أن يجعلوا مساجدهم نحو القبلة أي الكعبة و كانت قبلتهم إلى الكعبة عن الحسن و نظيره في بيوت أذن الله أن ترفع الآية و قيل أن فرعون أمر بتخريب مساجد بني إسرائيل و منعهم من الصلاة فأمروا أن يتخذوا مساجد في بيوتهم يصلون فيها خوفا من فرعون و ذلك قوله « و اجعلوا بيوتكم قبلة » أي صلوا في بيوتكم لتأمنوا من الخوف عن ابن عباس و مجاهد و السدي و غيرهم و قيل معناه اجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضا عن سعيد بن جبير « و أقيموا الصلاة » أي أديموها و واظبوا على فعلها « و بشر المؤمنين » بالجنة و ما وعد الله تعالى من الثواب و أنواع النعيم و الخطاب لموسى (عليه السلام) عن أبي مسلم و قيل الخطاب لمحمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) « و قال موسى ربنا إنك آتيت فرعون و ملأه » أي أعطيت فرعون و قومه « زينة » يتزينون بها من الحلي و الثياب و قيل الزينة الجمال و صحة البدن و طول القامة و حسن الصورة « و أموالا » يتعظمون بها « في الحياة الدنيا » و إنما أعطاهم الله تعالى ذلك للإنعام عليهم مع تعريه من وجود الاستفساد « ربنا ليضلوا عن سبيلك » اللام للعاقبة و المعنى و عاقبة أمرهم أنهم يضلون عن سبيلك و لا يجوز أن يكون لام الغرض لأنا قد علمنا بالأدلة الواضحة أن الله سبحانه لا يبعث الرسول ليأمر الخلق بالضلال و لا يريد أيضا منهم الضلال و كذلك لا يؤتيهم المال ليضلوا و قيل معناه لئلا يضلوا عن سبيلك فحذفت لا كقوله شهدنا أن تقولوا يوم القيامة أي لئلا تقولوا و حذف ذلك لدلالة العقل عليه و قيل أنه لام الدعاء و المعنى ابتلهم بالبقاء على ما هم عليه من الضلال و إنما قال ذلك لعلمه بأنهم لا يؤمنون من طريق الوحي و فائدته إظهار التبرؤ منهم كما يلعن إبليس و يدل عليه أنه أعاد قوله « ربنا اطمس على أموالهم » فدل ذلك على أنه أراد به الدعاء عليهم و المراد بالطمس على الأموال تغييرها عن جهتها إلى جهة لا ينتفع بها قال مجاهد و قتادة و عامة أهل التفسير صارت جميع أموالهم حجارة حتى السكر و الفانيذ

(5/195)


« و اشدد على قلوبهم » معناه ثبتهم على المقام ببلدهم بعد إهلاك أموالهم فيكون ذلك أشد عليهم و قيل معناه أمتهم بعد سلب أموالهم و أهلكهم و قيل أنه عبارة عن الخذلان و الطبع « فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم » قد ذكرنا وجوهه و قيل معناه أنهم لا يؤمنون إيمان إلجاء حتى يروا العذاب و هم مع ذلك لا يؤمنون إيمان اختيار أصلا ثم أخبر سبحانه أنه أجاب لهما الدعوة فقال « قال » أي قال الله تعالى لموسى و هارون « قد أجيبت دعوتكما » و الداعي كان موسى (عليه السلام) لأنه كان يدعو و كان هارون يؤمن على دعائه فسماهما داعيين عن عكرمة و الربيع و أبي العالية و أكثر المفسرين و لأن معنى التأمين اللهم استجب هذا الدعاء « فاستقيما » أي فاثبتا على ما أمرتما من دعاء الناس إلى الإيمان بالله تعالى و الإنذار و الوعظ قال ابن جريج مكث فرعون بعد هذا الدعاء أربعين سنة و روي ذلك عن أبي عبد الله (عليه السلام) « و لا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون » نهاهما سبحانه عن أن يتبعا طريقة من لا يؤمن بالله و لا يعرفه و لا يعرف أنبياءه (عليهم السلام) .
* وَ جَوَزْنَا بِبَنى إِسرءِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَ جُنُودُهُ بَغْياً وَ عَدْواً حَتى إِذَا أَدْرَكهُ الْغَرَقُ قَالَ ءَامَنت أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِى ءَامَنَت بِهِ بَنُوا إِسرءِيلَ وَ أَنَا مِنَ الْمُسلِمِينَ(90) ءَالْئََنَ وَ قَدْ عَصيْت قَبْلُ وَ كُنت مِنَ الْمُفْسِدِينَ(91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيك بِبَدَنِك لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَك ءَايَةً وَ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ ءَايَتِنَا لَغَفِلُونَ(92)
القراءة
قرأ أهل الكوفة غير عاصم آمنت إنه بكسر الألف و الباقون أنه بالفتح و روي عن أبي جعفر و نافع الآن بإلقاء حركة الهمزة على اللام و حذف الهمزة و قرأ ننجيك خفيفة قتيبة و يعقوب و سهل و الباقون « ننجيك » بالتشديد و في الشواذ قراءة أبي بن كعب و محمد بن السميفع ننحيك بالحاء .
الحجة
قال أبو علي من قرأ « آمنت أنه » بالفتح فلأن هذا الفعل يصل بحرف الجر في

(5/196)


نحو يؤمنون بالغيب فلما حذف حرف الجر وصل الفعل إلى أن فصار في موضع نصب أو جر على الخلاف في ذلك و من قرأ آمنت إنه بالكسر حمله على القول المضمر كأنه قال آمنت و قلت إنه و إضمار القول في هذا النحو كثير و قال علي بن عيسى من كسر إنه جعله بدلا من آمنت و من فتح جعله معمول آمنت و أما الآن فإن لام المعرفة إذا دخلت على كلمة أولها الهمزة فخففت الهمزة كان في تخفيفها وجهان ( أحدهما ) أن يلقى حركتها على اللام و تقر همزة الوصل فيقال الحمر و قد حكى ذلك سيبويه و حكى أبو الحسن أن أناسا يقولون لحمر فيحذفون الهمزة التي للوصل قال :
فقد كنت تخفي حب سمراء حقبة
فبح لأن منها بالذي أنت بائح فأسكن الحاء لما كانت اللام متحركة و لو لم يعتد بالحركة كما لم يعتد بها في الوجه الأول لحرك الحاء بالكسر كما يحرك في بح اليوم و « ننجيك » و ننجيك في معنى واحد أي نلقيك على نجوة من الأرض قال أوس بن حجر :
فمن بنجوته كمن بعقوته
و المستكن كمن يمشي بقرواح و القرواح حيث لا ماء و لا شجر و من قرأ ننحيك بالحاء فإنه نفعلك من الناحية أي نجعلك في ناحية و منه نحيت الشيء فتنحى أي باعدته فتباعد فصار في ناحية قال الحطيئة :
تنحي فاجلسي مني بعيدا
أراح الله منك العالمينا
اللغة
المجاوزة الخروج عن الحد من إحدى الجهات الأربع و الاتباع طلب اللحاق بالأول اتبعه اتباعا و تبعه بمعنى و حكى أبو عبيدة عن الكسائي أنه قال إذا أريد أنه أتبعهم خيرا أو شرا قالوا بقطع الهمزة و إذا أريد به أنه اقتدى بهم و اتبع أثرهم قالوا بتشديد التاء و وصل الهمزة و البغي طلب الاستعلاء بغير حق و العدو و العدوان الظلم و النجوة الأرض التي لا يعلوها السيل و أصلها من الارتفاع .
الإعراب
مفعول له و قيل إنهما مصدران في موضع الحال أي في حال البغي و العدوان الآن فصل بين الزمان الماضي و المستقبل مع أنه إشارة إلى الحاضر و لهذا

(5/197)


بني كما بني ذا و عرف الآن بالألف و اللام و أمس يتضمن حرف التعريف لأن ما مضى بمنزلة المضمر في المعنى في أنه ليس له صورة و الحاضر في معنى المصرح في صحة الصورة و العامل في قوله « الآن » محذوف و تقديره الآن آمنت .
المعنى
ثم بين سبحانه م آل آل فرعون و قومه فقال « و جاوزنا ببني إسرائيل البحر » أي عبرنا بهم البحر حتى جاوزوه سالمين بأن يبسنا لهم البحر و فرقنا لهم الماء اثني عشر فرقا « فأتبعهم فرعون و جنوده بغيا و عدوا » أي ليبغوا عليهم و يظلموهم و ذلك أن الله سبحانه لما أجاب دعاء موسى أمره بإخراج بني إسرائيل من مصر ليلا فخرج و تبعهم فرعون و جنوده مشرقين حتى انتهوا إلى البحر و أمر الله سبحانه موسى (عليه السلام) فضرب البحر بعصاه فانفلق اثني عشر فرقا و صار لكل سبط طريق يابس فارتفع بين كل طريقين الماء كالجبل و صار في الماء شبه الخروق فجعل بعضهم ينظر إلى بعض فلما وصل فرعون بجنوده إلى البحر رأوا البحر بتلك الهيأة فهابوا دخول البحر و كان فرعون على حصان أدهم فجاء جبرائيل (عليه السلام) على فرس وديق و خاض البحر و ميكائيل يسوقهم فلما شم أدهم فرعون ريح فرس جبريل (عليه السلام) انسل خلفه في الماء و اقتحمت الخيول خلفه فلما دخل آخرهم البحر و هم أولهم أن يخرج انطبق الماء عليهم « حتى إذا أدركه الغرق » أي وصل إليه الغرق و أيقن بالهلاك « قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل و أنا من المسلمين » و كان ذلك إيمان إلجاء لا يستحق به الثواب فلم ينفعه إيمانه « الآن و قد عصيت » قيل فيه إضمار أي قيل له الآن آمنت حين لا ينفع الإيمان و لا يقبل لأنه حال الإلجاء « و قد عصيت » بترك الإيمان في حال ما ينفعك الإيمان فهلا آمنت « قبل » و ذلك « و كنت من المفسدين » في الأرض بقتل المؤمنين و ادعاء الإلهية و أنواع الكفر و اختلف في قائل هذا القول فقيل قاله جبريل (عليه السلام) و قيل ذلك كلام الله تعالى قاله له على وجه الإهانة و التوبيخ و كان ذلك معجزة لموسى (عليه السلام) و روى علي بن إبراهيم بن هاشم بإسناده عن الصادق (عليه السلام) قال ما أتى جبريل رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) إلا كئيبا حزينا و لم يزل كذلك منذ أهلك الله فرعون فلما أمر الله سبحانه بنزول هذه الآية نزل و هو ضاحك مستبشر فقال له حبيبي جبريل ما أتيتني إلا و بينت الحزن في وجهك حتى الساعة قال نعم يا محمد لما غرق الله فرعون « قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل » فأخذت حمأة فرضعتها في فيه ثم قلت له « الآن و قد عصيت قبل و كنت من المفسدين » ثم خفت أن تلحقه الرحمة من عند الله فيعذبني على ما فعلت فلما كان الآن و أمرني أن أؤدي إليك ما قلته أنا لفرعون آمنت و علمت أن ذلك

(5/198)


كان لله رضا « فاليوم ننجيك ببدنك » اختلف في معناه فقال أكثر المفسرين معناه لما أغرق الله فرعون و قومه أنكر بعض بني إسرائيل غرق فرعون و قالوا هو أعظم شأنا من أن يغرق فأخرجه الله حتى رأوه فذلك قوله « فاليوم ننجيك » أي نلقيك على نجوة من الأرض و هي المكان المرتفع ببدنك أي بجسدك من غير روح و ذلك أنه طفا عريانا و قيل معناه نخلصك من البحر و أنت ميت و البدن الدرع قال ابن عباس كانت عليه درع من ذهب يعرف بها فالمعنى نرفعك فوق الماء بدرعك المشهورة ليعرفوك بها « لتكون لمن خلفك آية » أي لتكون نكالا لمن خلفك فلا يقولوا مثل مقالتك عن الكلبي و قيل أنه كان يدعي أنه رب فبين الله أمره و أنه عبد و فيه من الآية أنه غرق مع القوم و أخرج هو من بينهم و كان ذلك آية عن الزجاج « و إن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون » يعني أن كثيرا من الناس عن التفكر في دلالاتنا و التدبر لحججنا و بيناتنا غافلون أي ذاهبون .
وَ لَقَدْ بَوَّأْنَا بَنى إِسرءِيلَ مُبَوَّأَ صِدْق وَ رَزَقْنَهُم مِّنَ الطيِّبَتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّك يَقْضى بَيْنهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فِيمَا كانُوا فِيهِ يخْتَلِفُونَ(93)
الإعراب
المبوء يجوز أن يكون مصدرا و يجوز أن يكون مكانا و يكون المفعول الثاني من بوأت على هذا محذوفا كما حذف من قوله « و بوأكم في الأرض » و يجوز أن ينتصب المبوء نصب المفعول به على الاتساع و إن كان مصدرا فقد أجاز ذلك سيبويه في قوله أما الضرب فأنت ضارب .
المعنى
ثم بين سبحانه حال بني إسرائيل بعد إهلاك فرعون فقال « و لقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق » أخبر سبحانه عن نعمه عليهم بعد أن أنجاهم و أهلك عدوهم يقول مكناهم مكانا محمودا و هو بيت المقدس و الشام و إنما قال « مبوأ صدق » لأن فضل ذلك المنزل على غيره من المنازل كفضل الصدق على الكذب و قيل معناه أنزلناهم في موضع خصب و أمن يصدق فيما يدل عليه من جلالة النعمة و قال الحسن يريد به مصر و ذلك أن موسى عبر ببني إسرائيل البحر ثانيا و رجع إلى مصر و تبوأ مساكن آل فرعون و قال الضحاك هو الشام و مصر « و رزقناهم من الطيبات » أي مكناهم الأشياء اللذيذة و هذا يدل على سعة أرزاق

(5/199)


بني إسرائيل « فما اختلفوا حتى جاءهم العلم » معناه فما اختلفوا في تصديق محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) يعني اليهود كانوا مقرين به قبل مبعثه حتى جاءهم العلم و هو القرآن الذي جاء به محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) عن ابن عباس و قال الفراء العلم محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لأنه كان معلوما عندهم بنعته فلما جاءهم اختلفوا في تصديقه فكفر به أكثرهم و قيل أن معناه فما اختلف بنو إسرائيل إلا من بعد ما جاءهم العلم بالحق على يد موسى و هارون فإنهم كانوا مطبقين على الكفر قبل مجيء موسى فلما جاءهم آمن به بعضهم و ثبت على الكفر بعضهم فصاروا مختلفين « إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون » هذا إخبار منه تعالى بأنه الذي يتولى الحكم بينهم يوم القيامة في الأمور التي يختلفون فيها فإن مع بقاء التكليف لا يرتفع الخلاف .
فَإِن كُنت فى شك مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْك فَسئَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكتَب مِن قَبْلِك لَقَدْ جَاءَك الْحَقُّ مِن رَّبِّك فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْترِينَ(94) وَ لا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِئَايَتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَسِرِينَ(95) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّت عَلَيهِمْ كلِمَت رَبِّك لا يُؤْمِنُونَ(96) وَ لَوْ جَاءَتهُمْ كلُّ ءَايَة حَتى يَرَوُا الْعَذَاب الأَلِيمَ(97)
القراءة
قد تقدم اختلاف القراء في كلمة و كلمات و الوجه في ذلك .
اللغة
الامتراء طلب الشك مع ظهور الدليل و هو من مري الضرع و هو مسحة ليدر فلا معنى لمسحه بعد دروره بالحليب .
الإعراب
النون في قوله « فلا تكونن » نون التأكيد و هي لا تدخل في غير الواجب لأنك لا تقول أنت تكونن و دخلت في القسم على هذا الوجه لأنه يطلب بالقسم التصديق و إنما بنى الفعل مع نون التأكيد لأنها ركبت مع الفعل على تقدير كلمتين كل واحدة مركبة مع الأخرى مع أن الأولى ساكنة و اقتضت حركة بناء لالتقاء الساكنين ، « و لو جاءتهم كل آية » قال الأخفش أنث كل لأنها مضافة إلى مؤنث و لفظة كل للمذكر و المؤنث سواء و الرؤية في الآية رؤية العين

(5/200)


لأنها تعدت إلى مفعول واحد و العذاب و إن كان أليما و هو لا يصح أن يرى فإنه ترى أسبابه فهو بمنزلة ما يرى .
المعنى
ثم بين سبحانه صحة نبوة محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فقال « فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرءون الكتاب من قبلك » اختلف المفسرون في معناه على أقوال أولها قال الزجاج إن هذه الآية قد كثر سؤال الناس عنها و خوضهم فيها و في السورة ما يدل على بيانها فإن الله سبحانه يخاطب النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و ذلك الخطاب شامل للخلق فالمعنى فإن كنتم في شك فاسألوا و الدليل عليه قوله في آخر السورة يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله و لكن أعبد الله الذي يتوفاكم الآية فأعلم الله سبحانه أن نبيه (صلى الله عليهوآلهوسلّم) ليس في شك و مثل هذا قوله « يا أيها النبي إذا طلقتم النساء » فقال طلقتم و الخطاب للنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) وحده و هذا مذهب الحسن و ابن عباس و أكثر أهل التأويل و روي عن الحسن و قتادة و سعيد بن جبير أنهم قالوا إن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لم يشك و لم يسأل و هو المروي أيضا عن أبي عبد الله (عليه السلام) ( و ثانيها ) أن الخطاب لرسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و إن لم يشك و علم الله سبحانه أنه غير شاك و لكن الكلام خرج مخرج التقرير و الأفهام كما يقول القائل لعبده إن كنت عبدي فأطعني و لأبيه إن كنت والدي فتعطف على و لولده إن كنت ابني فبرني يريد بذلك المبالغة و ربما خرجوا في المبالغة ما يستحيل كقولهم بكت السماء لموت فلان أي لو كان تبكي سماء على ميت لبكت عليه و كذلك هاهنا يكون المعنى لو كنت ممن يشك فشككت « فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك » عن الفراء و غيره ( و ثالثها ) أن المعنى فإن كنت أيها المخاطب أو أيها السامع في شك مما أنزلنا إليك على لسان نبينا محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فيكون الخطاب لغيره ( و رابعها ) ما ذكره الزجاج أنه يجوز أن يكون في معنى ما فيكون المعنى ما كنت في شك مما أنزلنا إليك « فاسأل الذين يقرءون الكتاب » أي لسنا نريد بأمرك أن تسأل لأنك شاك و لكن لتزداد إيمانا كما قال إبراهيم (عليه السلام) حين قال له أ و لم تؤمن قال بلى و لكن ليطمئن قلبي فالزيادة في التعريف ليست مما يبطل صحة العقيدة و إنما أمر سبحانه بسؤال أهل الكتاب مع جحد أكثرهم لنبوته فيه قولان ( أحدهما ) أنه أمره بأن يسأل مؤمني أهل الكتاب كعبد الله بن سلام و كعب الأحبار و تميم الداري و أشباههم عن ابن عباس و مجاهد و الضحاك ( و الآخر ) أن المراد سلهم عن صفة النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) المبشر به في كتبهم ثم أنظر فيما وافق تلك الصفة و هذا القول أقوى لأن هذه السورة مكية و ابن سلام و غيره إنما أسلموا بالمدينة و قال الزهري إن هذه الآية نزلت في السماء فإن صح ذلك فقد كفي المئونة و رواه أصحابنا أيضا عن أبي عبد الله (عليه السلام) )

(5/201)


و قيل أيضا أن المراد بالشك الضيق و الشدة بما يعانيه من نعتهم و أذاهم أي إن ضقت ذرعا بما تلقى من أذى قومك « فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك » كيف صبر الأنبياء على أذى قومهم فاصبر كذلك « لقد جاءك الحق من ربك » يعني بالحق القرآن و الإسلام « فلا تكونن من الممترين » أي الشاكين « و لا تكونن من الذين كذبوا ب آيات الله » أي من جملة من يجحد آيات الله و لا يصدق بها « فتكون من الخاسرين » أي فإنك إن فعلت ذلك كنت من الخاسرين و لم يقل من الكافرين لأن الإنسان قد علم شدة تحسره و تأسفه على خسران ماله فكيف إذا خسر دينه و نفسه « إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون » معناه أن الذين أخبر الله عنهم بغير شرط أنهم لا يؤمنون فنفى الإيمان عنهم و لم ينف عنهم القدرة عليه فإن نفي الفعل لا يكون نفيا للقدرة عليه كما أن الله سبحانه نفى عن نفسه مغفرة المشركين و لم يكن ذلك نفيا لقدرته على مغفرتهم و قيل معناه إن الذين وجب عليهم سخط ربك عن قتادة و قيل معناه وجب عليهم وعيد ربك « و لو جاءتهم كل آية » أي كل معجزة و دلالة مما يقترحونها « حتى يروا العذاب الأليم » الموجع فيصيروا ملجئين إلى الإيمان و في هذا إعلام بأن هؤلاء الكفار لا لطف لهم في المعلوم يؤمنون عنده إيمان اختيار .
فَلَوْ لا كانَت قَرْيَةٌ ءَامَنَت فَنَفَعَهَا إِيمَنهَا إِلا قَوْمَ يُونُس لَمَّا ءَامَنُوا كَشفْنَا عَنهُمْ عَذَاب الْخِزْىِ فى الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَ مَتَّعْنَهُمْ إِلى حِين(98)
الإعراب
لو لا بمعنى هلا و هي تستعمل على وجهين ( أحدهما ) التحضيض ( و الآخر ) التأنيب كقولك في التحضيض هلا تأتي زيدا لحاجتك و في التأنيب هلا امتنعت من الفساد الذي دعيت إليه قال الشاعر :
تعدون عقر النيب أفضل مجدكم
بني ضوطرى لو لا الكمي المقنعا أي هلا تعقرون الكمي و « كانت قرية » كان هذه هي التامة لا تحتاج إلى خبر و آمنت فنفعها إيمانها صفة لقرية فإن الجمل قد تقوم مقام الصفة للنكرة و إلا قوم يونس استثناء متصل واقع على المعنى لا على ظاهر اللفظ فكأنه قال هلا آمن أهل قرية و الجميع مشتركون في هذا العتاب و قوم يونس مستثنى من الجميع و مثل هذا الاستثناء في قوله تعالى فلو لا كان من

(5/202)


القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم و قال الزجاج « إلا قوم يونس » استثناء منقطع و تقديره لكن قوم يونس لما آمنوا و مثله قول النابغة :
وقفت فيها أصيلا لا أسائلها
عيت جوابا و ما بالربع من أحد
إلا أواري لأيا ما أبينها
و النؤي كالحوض بالمظلومة الجلد و حكى الفراء في البيت لا أن ما أبينها و قال جمع الشاعر بين ثلاثة أحرف في النفي لا و إن و ما و قرأ بعضهم يونس و يوسف بكسر النون و السين أراد أن يجعل الاسمين عربيين مشتقين من آسف و آنس و هو شاذ .
المعنى
لما ذكر سبحانه أن إيمان فرعون لم يقبل عند معاينة العذاب وصل ذلك بذكر إيمان قوم يونس قبل نزول العذاب فقال « فلو لا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس » قيل إن معناه فهلا كان أهل قرية آمنوا في وقت ينفعهم إيمانهم أعلم الله سبحانه أن الإيمان لا ينفع عند وقوع العذاب و لا عند حضور الموت الذي لا يشك فيه و لكن قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم العذاب عن الزجاج قال و قوم يونس لم يقع بهم العذاب إنما رأوا الآية التي تدل على العذاب فمثلهم مثل العليل الذي يتوب في مرضه و هو يرجو العافية و يخاف الموت و قيل إن معناه لم يكن فيما خلا أن يؤمن أهل قرية بأجمعهم حتى لا يشذ منهم أحد إلا قوم يونس فهلا كانت القرى كلها هكذا عن الحسن و قيل معناه فما كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها يريد بذلك لم يكن هذا معروفا لأمة من الأمم كفرت ثم آمنت عند نزول العذاب و كشف عنهم أي لم أفعل هذا بأمة قط إلا قوم يونس « لما آمنوا » عند نزول العذاب كشف عنهم العذاب بعد ما تدلى عليهم و هو قوله « كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا » عن قتادة و ابن عباس و في رواية عطاء و قيل إنه أراد بقوله « فلو لا كانت قرية آمنت » قوم ثمود فإنه قد جاءهم العذاب يوما فيوما كما جاء قوم يونس إلا أن قوم يونس استدركوا ذلك بالتوبة و أولئك لم يستدركوا فوصف أهل القرية بأنهم سوى قوم يونس ليعرفهم به بعض التعريف إذ

(5/203)


كان أخبر عنهم على سبيل الإخبار عن النكرة عن الجبائي و هذا الذي ذكره إنما كان يصح لو كان « إلا قوم يونس » مرفوعا فكان يكون صفة لقرية أو بدلا منه على معنى هلا كان قوم قرية آمنوا إلا قوم يونس و لم يقرأ أحد من القراء بالرفع « و متعناهم إلى حين » و هو وقت انقضاء آجالهم .
] القصة [
و كان من قصة يونس على ما ذكره سعيد بن جبير و السدي و وهب و غيرهم أن قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل و كان يدعوهم إلى الإسلام فأبوا فأخبرهم أن العذاب مصبحهم إلى ثلاث إن لم يتوبوا فقالوا إنا لم نجرب عليه كذبا فانظروا فإن بات فيكم تلك الليلة فليس بشيء و إن لم يبت فاعلموا أن العذاب مصبحكم فلما كان في جوف الليل خرج يونس من بين أظهرهم فلما أصبحوا يغشاهم العذاب قال وهب أغامت السماء غيما أسود هائلا يدخن دخانا شديدا فهبط حتى غشي مدينتهم و اسودت سطوحهم و قال ابن عباس كان العذاب فوق رءوسهم قدر ثلثي ميل فلما رأوا ذلك أيقنوا بالهلاك فطلبوا نبيهم فلم يجدوه فخرجوا إلى الصعيد بأنفسهم و نسائهم و صبيانهم و دوابهم و لبسوا المسوح و أظهروا الإيمان و التوبة و أخلصوا النية و فرقوا بين كل والدة و ولدها من الناس و الأنعام فحن بعضها إلى بعض و علت أصواتها و اختلطت أصواتها بأصواتهم و تضرعوا إلى الله عز و جل و قالوا آمنا بما جاء به يونس فرحمهم ربهم و استجاب دعاءهم و كشف عنهم العذاب بعد ما أظلهم قال عبد الله بن مسعود بلغ من توبة أهل نينوى أن يرادوا المظالم بينهم حتى كان الرجل ليأتي الحجر و قد وضع عليه أساس بنيانه فيقتلعه و يرده و روي عن أبي مخلد أنه قال لما غشي قوم يونس العذاب مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا له لقد نزل بنا العذاب فما ترى قال قولوا يا حي حين لا حي و يا حي محي الموتى و يا حي لا إله إلا أنت فقالوها فانكشف عنهم العذاب و روي عن علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن جميل قال قال أبو عبد الله (عليه السلام) كان فيهم رجل اسمه مليخا عابد و آخر اسمه روبيل عالم و كان العابد يشير على يونس بالدعاء عليهم و كان العالم ينهاه و يقول له لا تدع عليهم فإن الله يستجيب لك و لا يحب هلاك عباده فقبل يونس قول العابد فدعا عليهم فأوحى الله تعالى إليه أنه يأتيهم العذاب في شهر كذا في يوم كذا فلما قرب الوقت خرج يونس من بينهم مع العابد و بقي العالم فيهم فلما كان اليوم الذي نزل بهم العذاب قال لهم العالم أفزعوا إلى الله فلعله يرحمكم و يرد العذاب عنكم فاخرجوا إلى المفازة و فرقوا بين النساء و الأولاد و بين سائر الحيوان و أولادها ثم ابكوا و ادعوا ففعلوا فصرف عنهم العذاب و كان قد نزل بهم و قرب منهم و مر يونس على

(5/204)


وجهه مغاضبا كما حكى الله تعالى عنه حتى انتهى إلى ساحل البحر فإذا سفينة قد شحنت و أرادوا أن يدفعوها فسألهم يونس أن يحملوه فحملوه فلما توسطوا البحر بعث الله عليهم حوتا عظيما فحبس عليهم السفينة فتساهموا فوقع من بينهم السهم على يونس فأخرجوه فألقوه في البحر فالتقمه الحوت و مر به في الماء و قيل إن الملاحين قالوا نقترع فمن أصابته القرعة ألقيناه في الماء فإن هاهنا عبدا عاصيا آبقا فوقعت القرعة سبع مرات على يونس فقام و قال أنا العبد الآبق و ألقى نفسه في الماء فابتلعه الحوت فأوحى الله إلى ذلك الحوت لا تؤذ شعرة منه فإني جعلت بطنك سجنه و لم أجعله طعامك فلبث في بطنه ثلاثة أيام و قيل سبعة أيام و قيل أربعين يوما و قد سأل بعض اليهود أمير المؤمنين عليا (عليه السلام) عن سجن طاف أقطار الأرض بصاحبه فقال له يا يهودي هو الحوت الذي حبس يونس في بطنه فدخل في بحر قلزم حتى خرج إلى بحر مصر ثم سار منها إلى بحر طبرستان ثم خرج من الدجلة قال عبد الله بن مسعود ابتلع الحوت حوت آخر فأهوى به إلى قرار الأرض و كان في بطنه أربعين ليلة فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجاب الله له فأمر الحوت فنبذه على ساحل البحر و هو كالفرخ المتمعط فأنبت الله عليه شجرة من يقطين فجعل يستظل تحتها و وكل الله به وعلا يشرب من لبنها فيبست الشجرة فبكى عليها فأوحى الله تعالى إليه تبكي على شجرة يبست و لا تبكي على مائة ألف أو يزيدون أردت أن أهلكهم فخرج يونس فإذا هو بغلام يرعى فقال من أنت قال من قوم يونس قال إذا رجعت إليهم فأخبرهم أنك لقيت يونس فأخبرهم الغلام و رد الله عليه بدنه و رجع إلى قومه و آمنوا به و قيل إنه (عليه السلام) أرسل إلى قوم غير قومه الأولين .
وَ لَوْ شاءَ رَبُّك لاَمَنَ مَن فى الأَرْضِ كلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنت تُكْرِهُ النَّاس حَتى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ(99) وَ مَا كانَ لِنَفْس أَن تُؤْمِنَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَ يجْعَلُ الرِّجْس عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ(100)
القراءة
قرأ و نجعل بالنون حماد و يحيى عن أبي بكر و الباقون بالياء .

(5/205)


الحجة
من قرأ بالنون فإنه ابتداء بالإخبار عن الله و من قرأ بالياء فلأنه تقدم ذكر الله تعالى فكني عنه .
اللغة
المشيئة و الإرادة و الإيثار و الاختيار نظائر و إنما يختلف عليها الاسم بحسب مواقعها على ما بين في موضعه قال علي بن عيسى النفس خاصة الشيء التي لو بطل ما سواها لم يبطل ذلك الشيء و نفسه و ذاته واحد إلا أنه قد يؤكد بالذات و النفس مأخوذة من النفاسة .
الإعراب
كلهم تأكيد لمن و جميعا نصب على الحال .
المعنى
لما تقدم أن إيمان الملجأ غير نافع بين سبحانه أن ذلك لو كان ينفع لأكره أهل الأرض عليه فقال « و لو شاء ربك » يا محمد « لآمن من في الأرض » أي لآمن أهل الأرض « كلهم جميعا » و معناه الإخبار عن قدرة الله تعالى و أنه يقدر على أن يكره الخلق على الإيمان كما قال إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين و لذلك قال بعد ذلك « أ فأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين » و معناه أن لا ينبغي أن تريد إكراههم على الإيمان مع أنك لا تقدر عليه لأن الله تعالى يقدر عليه و لا يريده لأنه ينافي التكليف و أراد بذلك تسلية النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و تخفيف ما يلحقه من التحسر و الحرص على إيمانهم عنه و في هذا أيضا دلالة على بطلان قول المجبرة أنه تعالى لم يزل كان شائيا و لأنه لا يوصف بالقدرة على أن يشاء لأنه تعالى أخبر أنه لو شاء لقدر لكنه لم يشأ فلذلك لم يوجد و لو كانت مشيئة أزلية لم يصح تعليقها بالشرط فصح أن مشيئته فعلية أ لا ترى أنه لا يصح أن يقال لو علم سبحانه و لو قدر كما صح أن يقال لو شاء و لو أراد « و ما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله » معناه أنه لا يمكن أحد أن يؤمن إلا بإطلاق الله تعالى له في الإيمان و تمكينه منه و دعائه إليه بما خلق فيه من العقل الموجب لذلك و قيل إن إذنه هاهنا أمره كما قال يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم ف آمنوا خيرا لكم عن الحسن و الجبائي و حقيقة الإذن إطلاقه في الفعل بالأمر و قد يكون الأذن بالإطلاق في الفعل برفع التبعة و قيل إن إذنه هنا علمه أي لا تؤمن نفس إلا بعلم الله من قولهم أذنت لكذا إذا سمعته و علمته و أذنته أعلمته فيكون خيرا من علمه سبحانه لجميع الكائنات و يجوز أن يكون بمعنى إعلام الله المكلفين بفضل الإيمان و ما يدعوهم إلى فعله و يبعثهم عليه « و يجعل الرجس على الذين لا يعقلون » معناه و يجعل العذاب على الذين لا يتفكرون حتى يعقلوا فكأنهم لا عقول لهم عن قتادة و ابن زيد و قيل معناه و يجعل الكفر عليهم أي يحكم عليهم بالكفر و يذمهم عليه عن الحسن و قيل الرجس الغضب

(5/206)


و السخط عن ابن عباس و قال الكسائي الرجس النتن و الرجز و الرجس واحد قال أبو علي و كان الرجس على ضربين ( أحدهما ) أن يكون في معنى العذاب ( و الآخر ) أن يكون بمعنى القذر و النجس أي يحكم بأنهم رجس كما قال سبحانه إنما المشركون نجس .
قُلِ انظرُوا مَا ذَا فى السمَوَتِ وَ الأَرْضِ وَ مَا تُغْنى الاَيَت وَ النُّذُرُ عَن قَوْم لا يُؤْمِنُونَ(101) فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَانتَظِرُوا إِنى مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ(102) ثُمَّ نُنَجِّى رُسلَنَا وَ الَّذِينَ ءَامَنُوا كَذَلِك حَقاًّ عَلَيْنَا نُنج الْمُؤْمِنِينَ(103)
القراءة
قرأ الكسائي برواية نصير و يعقوب برواية روح و زيد ثم ننجي رسلنا خفيفة و روي عن روح التشديد أيضا فيه و الباقون « ننجي » بالتشديد و قرأ الكسائي و حفص عن عاصم و يعقوب و سهل « ننج المؤمنين » خفيفة و الباقون ننجي بالتشديد .
الحجة
حجة من قال ننجي قوله فأنجاه الله من النار و حجة من قال « ننجي » قوله و نجينا الذين آمنوا و كلاهما حسن قال الشاعر :
و نجني ابن هند سابح ذو غلالة
أجش هزيم و الرماح دوان
اللغة
النظر طلب الشيء من جهة الفكر كما يطلب إدراكه بالعين و النذر جمع نذير و هو صاحب النذارة و الانتظار هو الثبات لتوقع ما يكون من الحال تقول انتظرني حتى ألحقك و لو قلت توقعني لم تكن قد أمرته بالثبات و المثل في الجنس ما سد أحدهما مسد صاحبه فيما يرجع إلى ذاته و المثل في غير الجنس ما كان على معنى يقربه من غيره كقربه من جنسه كتشبيه أعمال الكفار بالسراب و النجاة مأخوذة من النجوة و هي الارتفاع عن الهلاك و كذلك السلامة مأخوذة من إعطاء الشيء من غير نقيصة أسلمته إليه إذا أعطيته سالما من غير آفة .

(5/207)


الإعراب
وجه التشبيه في كذلك أن نجاة من بقي من المؤمنين كنجاة من مضى في أنه حق على الله واجب لهم و يحتمل أن يكون العامل في كذلك ننجي الأول و تقديره ننجي رسلنا و الذين آمنوا كذلك الإنجاء و يحتمل أن يكون العامل فيه ننجي الثاني و حقا نصب على المصدر أي يحق حقا و قيل إنه نصب على الحال و إن كان لفظه لفظ المصدر عن أبي مسلم قال جامع العلوم النحوي الضرير و يجوز أن ينصب حقا بدلا من كذلك أو وصفا و لا يجوز أن ينصب كذلك و حقا جميعا بقوله « ننجي رسلنا » لأن الفعل الواحد لا يعمل في مصدرين و لا في حالين و لا في استثناءين و لا في مفعولي معهما و قد بين ذلك في موضعه فإن جعلت كذلك من صلة ننجي و جعلت حقا من صلة قوله « ننج المؤمنين » أي ننجي المؤمنين حقا كان الوقف على كذلك .
المعنى
ثم بين سبحانه ما يزيد في تنبيه القوم و إرشادهم فقال « قل » يا محمد لمن يسألك الآيات « انظروا ما ذا في السماوات و الأرض » من الدلائل و العبر من اختلاف الليل و النهار و مجاري النجوم و الأفلاك و ما خلق من الجبال و البحار و أنبت من الأشجار و الثمار و أخرج من أنواع الحيوانات فإن النظر في أفرادها و جملتها يدعوا إلى الإيمان و إلى معرفة الصانع و وحدانيته و علمه و قدرته و حكمته « و ما تغني الآيات و النذر عن قوم لا يؤمنون » معناه و ما تغني هذه الدلالات و البراهين الواضحة مع كثرتها و ظهورها و لا الرسل المخوفة عن قوم لا ينظرون في الأدلة تفكرا و تدبرا و لا يريدون الإيمان و قيل ما تغني معناه أي شيء تغني عنهم من اجتلاب نفع أو دفع ضرر إذا لم يستدلوا بها فيكون ما للاستفهام و كان الحسن إذا قرأ هذه الآية هتف بها و قال و ما تغني الحجج عن قوم لا يقبلونها و قال أبو عبد الله (عليه السلام) لما أسرى برسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) جبريل بالبراق فركبها فأتى بيت المقدس فلقي من لقي من الأنبياء ثم رجع فأصبح يحدث أصحابه إني أتيت بيت المقدس و لقيت إخواني من الأنبياء فقالوا يا رسول الله كيف أتيت بيت المقدس الليلة قال جاءني جبرائيل بالبراق فركبتها و آية ذلك أني مررت بعير لأبي سفيان على ماء لبني فلان و قد أضلوا جملا لهم أحمر و هم في طلبه فقال القوم بعضهم لبعض إنما جاءه راكب سريع و لكنكم قد أتيتم الشام و عرفتموها فاسألوه عن أسواقها و أبوابها و تجارها فسألوه عن ذلك و كان (صلى الله عليهوآلهوسلّم) إذا سئل عن الشيء لا يعرفه شق ذلك عليه حتى يرى ذلك في وجهه قال فبينا هو كذلك إذا أتاه جبرائيل (عليه السلام) فقال يا رسول الله هذه الشام قد رفعت لك فالتفت رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فإذا هو بالشام فقالوا له أين بيت فلان و مكان كذا فأجابهم في كل ما سألوه عنه فلم يؤمن منهم إلا قليل و هو قول الله تعالى « و ما تغني

(5/208)


الآيات و النذر عن قوم لا يؤمنون » ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام) فنعوذ بالله أن لا نؤمن بالله آمنا بالله و رسوله « فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم » معناه فهل ينتظر هؤلاء الذين أمروا بالإيمان فلم يؤمنوا و بالنظر في الأدلة فلم ينظروا إلا العذاب و الهلاك في مثل الأيام التي هلك من قبلهم من الكفار فيها قال قتادة أراد به وقائع الله في عاد و ثمود و قوم نوح و عبر عن الهلاك بالأيام كما يقال أيام فلان يراد به أيام دولته و أيام محنته و اللفظ لفظ الاستفهام و المراد به النفي و تقديره ليس ينتظرون إلا ذاك « قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين » أي قل يا محمد لهم فانتظروا ما وعدنا الله من العذاب فإني منتظر معكم من جميع المنتظرين لما وعد الله به « ثم ننجي رسلنا و الذين آمنوا » من بينهم و نخلصهم من العذاب وقت نزوله و قيل من شرور أعدائهم و مكرهم « كذلك حقا علينا ننج المؤمنين » قال الحسن معناه كنا إذا أهلكنا أمة من الأمم الماضية نجينا نبيهم و نجينا الذين آمنوا به أيضا كذلك إذا أهلكنا هؤلاء المشركين نجيناك يا محمد و الذين آمنوا بك و قيل معناه « كذلك حقا علينا » أي واجبا علينا من طريق الحكمة « ننجي المؤمنين » من عذاب الآخرة كما ننجيهم من عذاب الدنيا و قال أبو عبد الله (عليه السلام) لأصحابه ما يمنعكم من أن تشهدوا على من مات منكم على هذا الأمر أنه من أهل الجنة أن الله تعالى يقول « كذلك حقا علينا ننج المؤمنين » .
قُلْ يَأَيهَا النَّاس إِن كُنتُمْ فى شك مِّن دِينى فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَ لَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِى يَتَوَفَّاكُمْ وَ أُمِرْت أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(104) وَ أَنْ أَقِمْ وَجْهَك لِلدِّينِ حَنِيفاً وَ لا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشرِكِينَ(105) وَ لا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُك وَ لا يَضرُّك فَإِن فَعَلْت فَإِنَّك إِذاً مِّنَ الظلِمِينَ(106) وَ إِن يَمْسسك اللَّهُ بِضرّ فَلا كاشِف لَهُ إِلا هُوَ وَ إِن يُرِدْك بخَير فَلا رَادَّ لِفَضلِهِ يُصِيب بِهِ مَن يَشاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(107)
اللغة
الشك وقوف في المعنى و نقيضه كمن يشك في كون زيد في الدار فإنه لا

(5/209)


يكون لإحدى الصفتين عنده مزية على الأخرى فيقف و هو معنى غير الاعتقاد عند أبي علي الجبائي و أبي هاشم ثم رجع عنه أبو هاشم و قال ليس بمعنى و هو اختيار القاضي و التوفي قبض الشيء على التمام و الإقامة نصب الشيء و نقيضه الإضجاح و أقام بالمكان استمر فيه كاستمرار القيام في جهة الانتصاب و المماسة و المطابقة و المجامعة نظائر و ضدها المباينة و الكشف رفع الساتر المانع من الإدراك فكان الضر هاهنا ساتر يمنع من إدراك الإنسان .
الإعراب
« إن كنتم في شك » شرط و جوابه في قوله « لا أعبد » و إنما صح ذلك لأن معناه إن كنتم في شك فلا تطمعوا في تشكيكي حتى أعبد غير الله كعبادتكم .
المعنى
ثم أمر سبحانه نبيه (صلى الله عليهوآلهوسلّم) بالبراءة عن كل معبود سواه فقال « قل » يا محمد لهؤلاء الكفار « يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني » أ حق هو أم لا « فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله » لشككم في ديني « و لكن أعبد الله الذي يتوفاكم » أي يقدر على إماتتكم و هذا يتضمن تهديدا لهم لأن وفاة المشركين ميعاد عذابهم التي قيل كيف قال إن كنتم في شك من ديني مع اعتقادهم بطلان دينه فجوابه من وجوه ( أحدها ) أن يكون التقدير من كان شاكا في أمري فهذا حكمه ( و الثاني ) أنهم في حكم الشاك للاضطراب الذي يجدونه في أنفسهم عند ورود الآيات ( و الثالث ) أن فيهم من كان شاكا فغلب ذكرهم « و أمرت أن أكون من المؤمنين » أي و أمرني ربي أن أكون من المصدقين بالتوحيد و إخلاص العبادة له « و أن أقم وجهك » هذا عطف على ما قبله فكأنه قال و قيل لي و أقم وجهك « للدين » أي استقم في الدين بإقبالك على ما أمرت به من القيام بأعباء الرسالة و تحمل أمر الشريعة بوجهك و قيل معناه و أقم وجهك في الصلاة بالتوجه نحو الكعبة « حنيفا » أي مستقيما في الدين « و لا تكونن من المشركين » هذا نهي عن الإشراك مع الله سبحانه غيره في العبادة « و لا تدع من دون الله ما لا ينفعك » إن أطعته « و لا يضرك » إن عصيته و تركته أي لا تدعه إلها كما يدعوا المشركون الأوثان آلهة و إنما قال « ما لا ينفعك و لا يضرك » مع أنه لو نفع و ضر لم تحسن عبادته أيضا لأمرين ( أحدهما ) أن معناه ما لا ينفعك نفع الإله و لا يضرك ضرره ( و الثاني ) أنه إذا كان عبادة غير الله ممن يضر و ينفع قبيحة فعبادة من لا يضر و لا ينفع أقبح « فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين » معناه فإن خالفت ما أمرت به من عبادة غير الله كنت ظالما لنفسك بإدخالك الضرر الذي هو العقاب عليها و هذا الخطاب و إن كان متوجها إلى النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) في الظاهر فالمراد به أمته « و إن يمسسك الله بضر » معناه و إن أحل الله بك ضرا من بلاء أو شدة أو مرض « فلا كاشف له إلا هو » أي لا يقدر أحد على كشفه غيره كأنه سبحانه

(5/210)


لما بين أن غيره لا ينفع و لا يضر عقبه ببيان كونه قادرا على النفع و الضر « و إن يردك بخير » من صحة جسم و نعمة و خصب و نحوها « فلا راد لفضله » أي لا يقدر على منعه أحد و تقديره و إن يردك خيرا و يجوز فيه التقديم و التأخير يقال فلان يريدك بالخير و يريد بك الخير « يصيب به » أي بالخير « من يشاء من عباده » فيعطيه على ما تقتضيه الحكمة و يعلمه من المصلحة « و هو الغفور » لذنوب عباده « الرحيم » بهم .
قُلْ يَأَيهَا النَّاس قَدْ جَاءَكمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يهْتَدِى لِنَفْسِهِ وَ مَن ضلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيهَا وَ مَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكيل(108) وَ اتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْك وَ اصبرْ حَتى يحْكُمَ اللَّهُ وَ هُوَ خَيرُ الحَْكِمِينَ(109)
المعنى
ثم ختم الله سبحانه السورة بالموعظة الحسنة تسلية للنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و الوعد للمؤمنين و الوعيد للكافرين فقال عز اسمه « قل » يا محمد مخاطبا للمكلفين « يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم » و هو القرآن و دين الإسلام و الأدلة الدالة على صحته و قيل يريد بالحق النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و معجزاته الظاهرة « فمن اهتدى » بذلك بأن نظر فيه و عرفه حقا و صوابا « فإنما يهتدي لنفسه » معناه فإن منافع ذلك من الثواب و غيره يعود عليه « و من ضل » عنه و عدل عن تأمله و الاستدلال به « فإنما يضل عليها » أي على نفسه لأنه يجني عليها « و ما أنا عليكم بوكيل » أي و ما أنا بحفيظ لكم عن الهلاك إذا لم تنظروا أنتم لأنفسكم و لم تعلموا بما يخلصها كما يحفظ الوكيل مال غيره و المعنى أنه ليس علي إلا البلاغ و لا يلزمني أن أجعلكم مهتدين و إن أنجيكم من النار كما يجب على من وكل على متاع أن يحفظه من الضرر « و اتبع ما يوحى إليك و اصبر » على أذى الكافرين و تكذيبهم « حتى يحكم الله » بينك و بينهم بإظهار دينه و إعلاء أمره « و هو خير الحاكمين » لأنه لا يحكم إلا بالعدل و الصواب .

(5/211)


( 11 ) سورة هود مكية و آياتها ثلاث و عشرون و مائة ( 123 )
هي مكية كلها في قول الأكثرين و قال قتادة إلا آية و هو قوله « و أقم الصلاة طرفي النهار » فإنها نزلت بالمدينة .
عدد آيها
هي مائة و ثلاث و عشرون آية كوفي و آيتان شامي و المدني الأول و آية في الباقين .
اختلافها
سبع آيات « بريء مما تشركون » كوفي « في قوم لوط » غير البصري « من سجيل » مكي شامي و المدني الأخير « كنتم مؤمنين » حجازي « منضود » و « إنا عاملون » عراقي شامي و المدني الأول مختلفين عراقي شامي .
فضلها
أبي بن كعب عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال من قرأها أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بنوح و كذب به و هود و صالح و شعيب و لوط و إبراهيم و موسى و كان يوم القيامة من السعداء و روى الثعلبي بإسناده عن أبي إسحاق عن أبي جحيفة قال قيل يا رسول الله قد أسرع إليك الشيب قال شبتني هود و أخواتها و في رواية أخرى عن أنس بن مالك عن أبي بكر قال قلت يا رسول الله عجل إليك الشيب قال شيبتني هود و أخواتها الحاقة و الواقعة و عم يتساءلون و هل أتاك حديث الغاشية و روى العياشي عن الحسن بن علي الوشاء عن ابن سنان عن أبي جعفر (عليه السلام) قال من قرأ سورة هود في كل جمعة بعثه الله يوم القيامة في زمرة النبيين و حوسب حسابا يسيرا أو لم تعرف له خطيئة عملها يوم القيامة .
تفسيرها
لما ختم الله سبحانه سورة يونس بذكر الوحي في قوله و اتبع ما يوحى إليك افتتح هذه السورة ببيان ذلك الوحي فقال .

(5/212)


سورة هود
بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الر كِتَبٌ أُحْكِمَت ءَايَتُهُ ثمَّ فُصلَت مِن لَّدُنْ حَكِيم خَبِير(1) أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنَّنى لَكم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَ بَشِيرٌ(2) وَ أَنِ استَغْفِرُوا رَبَّكمْ ثمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَعاً حَسناً إِلى أَجَل مُّسمًّى وَ يُؤْتِ كلَّ ذِى فَضل فَضلَهُ وَ إِن تَوَلَّوْا فَإِنى أَخَاف عَلَيْكمْ عَذَاب يَوْم كَبِير(3) إِلى اللَّهِ مَرْجِعُكمْ وَ هُوَ عَلى كلِّ شىْء قَدِيرٌ(4)
اللغة
الإحكام منع الفعل من الفساد و الحكمة المعرفة بما يمنع الفعل من الفساد و النقص و بما يميز القبيح من الحسن و الفاسد من الصحيح و الحكيم في صفات الله سبحانه يحتمل وجهين ( أحدهما ) أن يكون بمعنى محكم فهو فعيل بمعنى مفعل أي محكم أفعاله فيكون على هذا من صفات فعله فلا يوصف به فيما لم يزل ( و الثاني ) أن يكون بمعنى عليم فيكون من صفات ذاته فيوصف بأنه حكيم لم يزل .
الإعراب
قال الزجاج كتاب مرفوع بإضمار هذا كتاب و قال بعضهم كتاب خبر الر و هذا غلط لأن « كتاب أحكمت آياته » ليس هو الر وحدها و « ألا تعبدوا » في موضع نصب تقديره فصلت آياته لأن لا تعبدوا و يحتمل أن يكون على تقدير أمركم بأن لا تعبدوا فلما حذف الباء وصل الفعل فنصبه « و أن استغفروا » معطوف عليه و معنى إلا في قوله « إلا الله » إيجاب للمذكور بعدها ما نفى عن كل ما سواه من العبادة و هي التي تفرغ عامل الإعراب لما بعدها يمتعكم جزم جواب لقوله « و أن استغفروا ربكم » « و إن تولوا » يريد تتولوا فحذف إحدى التاءين تخفيفا و ابن كثير يدغم التاء الأولى في الثانية و يشدد .
المعنى
قد بينا تفسير « الر » و الأقاويل التي فيها في أول البقرة فلا معنى لإعادته « كتاب » يعني القرآن أي هو كتاب « أحكمت آياته ثم فصلت » ذكر فيه وجوه ( أحدها ) أن

(5/213)


معناه « أحكمت آياته » فلم ينسخ منها شيء كما نسخت الكتب و الشرائع « ثم فصلت » ببيان الحلال و الحرام و سائر الأحكام عن ابن عباس ( و ثانيها ) أن معناه « أحكمت آياته » بالأمر و النهي « ثم فصلت » بالوعد و الوعيد و الثواب و العقاب عن الحسن و أبي العالية ( و ثالثها ) « أحكمت آياته » جملة ثم فرقت في الإنزال آية بعد آية ليكون المكلف أمكن من النظر و التدبر عن مجاهد ( و رابعها ) أحكمت في نظمها بأن جعلت على أبلغ وجوه الفصاحة حتى صار معجزا ثم فصلت بالشرع و البيان المفروض فكأنه قيل محكم النظم مفصل الآيات عن أبي مسلم ( و خامسها ) أتقنت آياته فليس فيها خلل و لا باطل لأن الفعل المحكم ما قد أتقنه فاعله حتى لا يكون فيه خلل ثم فصلت بأن جعلت متتابعة بعضها إثر بعض « من لدن حكيم » أي إن هذا الكتاب أتاكم من عند حكيم في أحواله و تدابيره « خبير » أي عليم بأحوال خلقه و مصالحهم و في هذه الآية دلالة على أن كلام الله سبحانه محدث لأنه وصفه بأنه أحكمت آياته ثم فصلت و الإحكام من صفات الأفعال و كذلك التفصيل ثم قال « من لدن حكيم » و هذه الإضافة لا تصح إلا في المحدث لأن القديم يستحيل أن يكون صادرا من غيره و قوله « ألا تعبدوا إلا الله » معناه أنزل هذا الكتاب ليأمركم « ألا تعبدوا إلا الله » و لكي لا تعبدوا إلا الله كما يقال كتبت إليك أن لا تخرج من الدار و أن لا تخرج بالنصب و الجزم « إنني لكم منه نذير و بشير » هذا إخبار من النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه مخوف من مخالفة الله و عصيانه باليم العقاب مبشر على طاعة الله بجزيل الثواب « و أن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه » و معناه اطلبوا المغفرة و اجعلوها غرضكم ثم توصلوا إليها بالتوبة و قيل معناه استغفروا ربكم من ذنوبكم ثم توبوا إليه في المستأنف متى وقعت منكم المعصية عن الجبائي و قيل إن ثم هاهنا بمعنى الواو عن الفراء و هذا لأن الاستغفار و التوبة واحد فتكون التوبة تأكيدا للاستغفار « يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى » يعني أنكم متى استغفرتموه و تبتم إليه يمتعكم في الدنيا بالنعم السابغة في الخفض و الدعة و الأمن و السعة إلى الوقت الذي قدر لكم أجل الموت فيه و قال الزجاج يريد يبقيكم و لا يستأصلكم بالعذاب كما استأصل أهل القرى الذين كفروا « و يؤت كل ذي فضل فضله » قيل إن الفضل بمعنى التفضيل و الإفضال أي و يعط كل ذي إفضال على غيره بمال أو كلام أو عمل بيد أو رجل جزاء إفضاله فيكون الهاء في فضله عائدا إلى ذي الفضل و قيل إن معناه يعطي كل ذي عمل صالح فضله أي ثوابه على قدر عمله فإن من كثرت طاعاته في الدنيا زادت درجاته في الجنة و على هذا فالأولى أن تكون الهاء في فضله عائدا إلى اسم الله تعالى « و إن تولوا » أي أعرضوا عما أمروا به و قيل معناه و إن تتولوا أنتم أي تعرضوا فحذف إحدى التاءين و لذلك شدد ابن كثير في رواية البزي عنه « فإني أخاف عليكم عذاب

(5/214)


يوم كبير » أي كبير شأنه و هو يوم القيامة و هذا الخوف ليس في معنى الشك بل هو في معنى اليقين أي فقل لهم يا محمد إني أعلم أن لكم عذابا عظيما و إنما وصف اليوم بالكبير لعظم ما فيه من الأهوال « إلى الله مرجعكم » أي في ذلك اليوم إلى حكم الله مصيركم لأن حكم غيره يزول فيه و قيل معناه إليه مصيركم بأن يعيدكم للجزاء « و هو على كل شيء قدير » يقدر على الإعادة و البعث و الجزاء فاحذروا مخالفته .
أَلا إِنهُمْ يَثْنُونَ صدُورَهُمْ لِيَستَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَستَغْشونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَ مَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمُ بِذَاتِ الصدُورِ(5)
القراءة
روي عن ابن عباس بخلاف و مجاهد و يحيى بن يعمر و عن علي بن الحسين و أبي جعفر محمد بن علي و زيد بن علي و جعفر بن محمد (عليهماالسلام) يثنوني صدورهم على مثال يفعوعل و عن ابن عباس أيضا يثنون و عن مجاهد يثنئن و روي ذلك أيضا عن عروة الأعشى .
الحجة
أما يثنوني على مثال يفعوعل فهو من أمثلة المبالغة تقول أعشب البلد فإذا كثر ذلك قلت اعشوشب و كذلك احلولى و اخشوشب و اخشوشن و أما يثنون و يثنئن فقد قال ابن جني إنهما من لفظ الثن و هو ما هش و ضعف من الكلاء و أنشد أبو زيد :
تكفي اللقوح أكلة من ثن يثنئن بالهمزة أصله يثنان فحركت الألف لسكونها و سكون النون الأولى فانقلبت همزة و أما « يثنون » فأصله يثنونن فلزم الإدغام لتكرير العين إذا كان غير ملحق فأسكنت النون الأولى و نقلت كسرتها إلى الواو و أدغمت النون في النون فصار يثنون .
اللغة
أصل الثني العطف تقول ثنيته عن كذا أي عطفته و منه الاثنان لعطف أحدهما على الآخر في المعنى و منه الثناء لعطف المناقب في المدح و منه الاستثناء لأنه عطف عليه بالإخراج منه و الاستخفاء طلب خفاء الشيء يقال استخفى و تخفى بمعنى و كذلك استغشى

(5/215)


و تغشى قالت الخنساء :
أرعى النجوم و ما كلفت رعيتها
و تارة أتغشى فضل أطماري
الإعراب
ألا معناها التنبيه و لا حظ لها في الإعراب و ما بعدها مبتدأ .
النزول
قيل نزلت في الأخنس بن شريق و كان حلو الكلام يلقى رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) بما يحب و ينطوي بقلبه على ما يكره عن ابن عباس و روى العياشي بإسناده عن أبي جعفر (عليه السلام) قال أخبرني جابر بن عبد الله أن المشركين إذا مروا برسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) طأطأ أحدهم رأسه و ظهره هكذا و غطى رأسه بثوبه حتى لا يراه رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فأنزل الله هذه الآية .
المعنى
لما تقدم ذكر القرآن بين سبحانه فعلهم عند سماعه فقال « ألا إنهم » يعني الكفار و المنافقين « يثنون صدورهم » أي يطوونها على ما هم عليه من الكفر عن الحسن و قيل معناه يحنون صدورهم لكيلا يسمعوا كلام الله سبحانه و ذكره عن قتادة و قيل يثنونها على عداوة النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) عن الفراء و الزجاج و قيل إنهم إذا عقدوا مجلسا على معاداة النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و السعي في أمره بالفساد انضم بعضهم إلى بعض و ثنى بعضهم صدره إلى صدر بعض يتناجون « ليستخفوا منه » أي ليخفوا ذلك من الله تعالى على القول الأخير فإنهم كانوا قد بلغ من شدة جهلهم بالله أن ظنوا أنهم إذا ثنوا صدورهم على سبيل الإخفاء لم يعلم الله تعالى أسرارهم و على الأقوال الأخر معناه ليستروا ذلك عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) « ألا حين يستغشون ثيابهم » معناه أنهم يتغطون بثيابهم ثم يتفاوضون فيما كانوا يدبرونه على النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و على المؤمنين فيكتمونه عن ابن عباس فبين الله سبحانه أنه « يعلم ما يسرون و ما يعلنون » وقت ما يتغطون بثيابهم و يجعلونها غشاء فوقهم لا بمعنى أنه يتجدد له العلم في حال استغشائهم بالثوب بل هو عالم بذلك في الأزل « إنه عليم بذات الصدور » يريد بما في النفوس عن ابن عباس و بحقيقة ما في القلوب من المضمرات و قيل إنه كنى باستغشاء ثيابهم عن الليل لأنهم يتغطون بظلمته كما يتغطون بثيابهم .

(5/216)


* وَ مَا مِن دَابَّة فى الأَرْضِ إِلا عَلى اللَّهِ رِزْقُهَا وَ يَعْلَمُ مُستَقَرَّهَا وَ مُستَوْدَعَهَا كلُّ فى كتَب مُّبِين(6) وَ هُوَ الَّذِى خَلَقَ السمَوَتِ وَ الأَرْض فى سِتَّةِ أَيَّام وَ كانَ عَرْشهُ عَلى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكمْ أَيُّكُمْ أَحْسنُ عَمَلاً وَ لَئن قُلْت إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُّبِينٌ(7) وَ لَئنْ أَخَّرْنَا عَنهُمُ الْعَذَاب إِلى أُمَّة مَّعْدُودَة لَّيَقُولُنَّ مَا يحْبِسهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْس مَصرُوفاً عَنهُمْ وَ حَاقَ بهِم مَّا كانُوا بِهِ يَستهْزِءُونَ(8)
اللغة
الدابة الحي الذي من شأنه أن يدب و قد صار في العرف مختصا بنوع من الحيوان و قد ورد القرآن بها على الأصل في قوله « و ما من دابة » ، و الله خلق كل دابة .
الإعراب
اللام في قوله لئن لام القسم و لا يجوز أن يكون لام الابتداء لأنها دخلت على أن التي للجزاء و لام الابتداء إنما هي للاسم أو ما ما ضارع الاسم في باب إن و جواب الجزاء مستغني عنه بجواب القسم لأنه إذا جاء في صدر الكلام غلب عليه كما أنه إذا تأخر و توسط الغي و « يوم يأتيهم » نصب على الظرف من مصروف أي ليس يصرف العذاب عنهم يوم يأتيهم العذاب .
المعنى
« و ما من دابة في الأرض » أي ليس من دابة تدب على وجه الأرض و يدخل فيه جميع ما خلقه الله تعالى على وجه الأرض من الجن و الإنس و الطير و الأنعام و الوحوش و الهوام « إلا على الله رزقها » أي إلا و الله سبحانه يتكفل برزقها و يوصله إليها على تقتضيه المصلحة و توجبه الحكمة « و يعلم مستقرها و مستودعها » أي يعلم موضع قرارها و الموضع الذي أودعها فيها و هو أصلاب الآباء و أرحام الأمهات عن مجاهد و قيل مستقرها حيث تأوي إليه من الأرض و مستودعها حيث تموت و تبعث منه عن ابن عباس و الربيع و قيل مستقرها ما يستقر عليه عملها و مستودعها ما يصير إليه « كل في كتاب مبين » هنا إخبار منه سبحانه أن جميع ذلك مكتوب في كتاب ظاهر و هو اللوح المحفوظ و إنما أثبت سبحانه ذلك مع أنه عالم لذاته لا يعزب عن علمه شيء من مخلوقاته لما فيه من اللطف للملائكة أو لمن يخبر بذلك « و هو الذي خلق السموات و الأرض في ستة أيام » هذا إخبار منه سبحانه عن

(5/217)


نفسه بأنه أنشأهما في هذا المقدار من الزمان مع قدرته على أن يخلقهما في مقدار لمح البصر و الوجه في ذلك أنه سبحانه أراد أن يبين بذلك أن الأمور جارية في التدبير على منهاج الحكمة منشأة على ترتيب لما في ذلك من المصلحة و المراد بقوله « ستة أيام » ما مقداره مقدار ستة أيام لأنه لم يكن هناك أيام بعد فإن اليوم عبارة عما بين طلوع الشمس و غروبها « و كان عرشه على الماء » في هذا دلالة على أن العرش و الماء كانا موجودين قبل خلق السموات و الأرض و كان الماء قائما بقدرة الله تعالى على غير موضع قرار بل كان الله يمسكه بكمال قدرته و في ذلك أعظم الاعتبار لأهل الإنكار و قيل إن المراد بقوله « عرشه » بناؤه يدل عليه قوله و مما يعرشون أي يبنون و المعنى و كان بناؤه على الماء فإن البناء على الماء أبدع و أعجب عن أبي مسلم « ليبلوكم أيكم أحسن عملا » معناه أنه خلق الخلق و دبر الأمور ليظهر إحسان المحسن فإنه الغرض في ذلك أي ليعاملكم معاملة المبتلي المختبر لئلا يتوهم أنه سبحانه يجازي العباد على حسب ما في معلومه أنه يكون منهم قبل أن يفعلوه و في قوله « أحسن عملا » دلالة على أنه قد يكون فعل حسن أحسن من حسن آخر لأن حقيقة لفظة أفعل يقتضي ذلك « و لئن قلت » يا محمد لهم « إنكم مبعوثون من بعد الموت » للحساب و الجزاء « ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين » أي ليس هذا القول إلا تمويه ظاهر لا حقيقة له و من قرأ ساحر فالمراد ليس هذا يعنون النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) إلا ساحر قال الجبائي و في الآية دلالة على أنه كان قبل خلق السماوات و الأرض الملائكة لأن خلق العرش على الماء لا وجه لحسنه إلا أن يكون فيه لطف لمكلف يمكنه الاستدلال به فلا بد إذا من حي مكلف و قال علي بن عيسى لا يمتنع أن يكون في الأخبار بذلك مصلحة للمكلفين فلا يجب ما قاله الجبائي و هو الذي اختاره المرتضى قدس الله روحه « و لئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة » معناه و لئن أخرنا عن هؤلاء الكفار عذاب الاستئصال إلى أجل مسمى و وقت معلوم و الأمة الحين كما قال سبحانه و ادكر بعد أمة و هو قول ابن عباس و مجاهد و قيل « إلى أمة » أي إلى جماعة يتعاقبون فيصرون على الكفر و لا يكون فيهم من يؤمن كما فعلنا بقوم نوح عن علي بن عيسى و قيل معناه إلى أمة بعد هؤلاء نكلفهم فيعصون فتقتضي الحكمة إهلاكهم و إقامة القيامة عن الجبائي و قيل إن الأمة المعدودة هم أصحاب المهدي (عليه السلام) في آخر الزمان ثلثمائة و بضعة عشر رجلا كعدة أهل بدر يجتمعون في ساعة واحدة كما يجتمع قزع الخريف و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه السلام) « ليقولن » على وجه الاستهزاء « ما يحبسه » أي أي شيء يؤخر هذا العذاب عنا إن كان حقا « ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم » أي إن هذا العذاب الذي يستبطنونه إذا

(5/218)


نزل بهم في الوقت المقدور لا يقدر أحد على صرفه عنهم إذا أراد الله أن يأتيهم به و لا يتمكن من إذهابه عنهم إذا أراد الله أن يأتيهم به « و حاق بهم ما كانوا به يستهزءؤن » أي و نزل بهم الذي كانوا يسخرون به من نزول العذاب و يحققونه .
النظم
وجه اتصال الآية الأولى بما قبلها أنه لما قال سبحانه « يعلم ما يسرون و ما يعلنون » قال عقيبه و كيف يخفى على الله سر هؤلاء و هو يرزقهم و إذا وصل إلى كل واحد رزقه و لم ينسه فليعلم أنه يعلم سره و قوله « و يعلم مستقرها و مستودعها » يدل على ما ذكرنا ثم زاده بيانا بقوله « و هو الذي خلق السماوات » الآية فإن أصل الخلق التقدير الذي لا يختل بالنقصان و الزيادة و ذلك لا يتم إلا من العالم لذاته .
وَ لَئنْ أَذَقْنَا الانسنَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كفُورٌ(9) وَ لَئنْ أَذَقْنَهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضرَّاءَ مَستْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَب السيِّئَات عَنى إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ(10) إِلا الَّذِينَ صبرُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ أُولَئك لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ كبِيرٌ(11)
اللغة
الذوق تناول الشيء بالفم لإدراك الطعم و سمى الله سبحانه إحلال اللذات بالإنسان إذاقة لسرعة زوالها تشبيها بما يذاق ثم يزول كما قيل :
أحلام نوم أو كظل زائل و النزع قلع الشيء عن مكانه و اليئوس فعول من يئس و اليأس القطع بأن الشيء المتوقع لا يكون و نقيضه الرجاء و النعماء إنعام يظهر أثره على صاحبه و الضراء مضرة تظهر الحال بها لأنهما أخرجتا مخرج الأحوال الظاهرة مثل حمراء و عيناء مع ما فيهما من المبالغة و الفرح و السرور من النظائر و هو انفتاح القلب بما يلتذ به و ضده الغم و الصحيح أن الغم السرور من جنس الاعتقادات و ليسا بجنسين من الأعراض و من الناس من قال إنهما جنسان و الفخور الذي يكثر فخره و هو التطاول بتعديد المناقب و هي صفة ذم إذا أطلقت لما فيها من التكبر على من لا يجوز أن يتكبر عليه .
الإعراب
اللام في « لئن » لتوطية القسم و ليست للقسم و التقدير و الله لئن أذقنا الإنسان منا رحمة إنه ليئوس فإنه جواب القسم الذي هيأته اللام إلا أنه مغن عن جواب الشرط و واقع موقعه و مثله قول الشاعر :

(5/219)


لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها
و أمكنني منها إذا لا أقيلها أي و الله لا أقيلها و لو كانت جواب أن لكان لا أقلها الذين صبروا في موضع نصب على الاستثناء من الإنسان لأنه اسم الجنس فهو كقوله « إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا » و قال الزجاج و الأخفش أنه استثناء ليس من الأول و المعنى لكن الذين صبروا و الأول قول الفراء .
المعنى
ثم بين سبحانه حال الإنسان فيما قابل به نعمة من الكفر فقال « و لئن أذقنا الإنسان منا رحمة » أي أحللنا به نعمة من الصحة و الكفاية و السعة من المال و الولد و غير ذلك من نعم الدنيا « ثم نزعناها منه » أي سبلنا تلك النعمة عنه إذا رأينا المصلحة فيه « إنه ليئوس » أي قنوط و هو الذي سنته و عادته اليأس « كفور » و هو الذي عادته كفران النعمة و معنى الآية مصروف إلى الكفار الذين هذه صفتهم لجهلهم بالصانع الحكيم الذي لا يعطي و لا يمنع إلا لما تقتضيه الحكمة من وجوه المصالح « و لئن أذقناه » أي أحللنا به و أعطيناه « نعماء بعد ضراء مسته » أي بعد بلاء أصابته « ليقولن » عند نزول النعماء به « ذهب السيئات عني » أي ذهبت الخصال التي تسوء صاحبها من جهة نفور طبعه عنه و هو هاهنا بمعنى الشدائد و الآلام و الأمراض عني فلا تعود إلي و لا يؤدي شكر الله عليها « إنه لفرح فخور » يفرح به و يفخر به على الناس فلا يصبر في المحنة و لا يشكر عند النعمة « إلا الذين صبروا » معناه إلا الذين قابلوا الشدة بالصبر و النعمة بالشكر « و عملوا الصالحات » أي واظبوا على الأعمال الصالحة « أولئك لهم مغفرة و أجر كبير » و هو الجنة .

(5/220)


فَلَعَلَّك تَارِك بَعْض مَا يُوحَى إِلَيْك وَ ضائقُ بِهِ صدْرُك أَن يَقُولُوا لَوْ لا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنت نَذِيرٌ وَ اللَّهُ عَلى كلِّ شىْء وَكيلٌ(12) أَمْ يَقُولُونَ افْترَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشرِ سوَر مِّثْلِهِ مُفْترَيَت وَ ادْعُوا مَنِ استَطعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صدِقِينَ(13) فَإِلَّمْ يَستَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَ أَن لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسلِمُونَ(14)
اللغة
ضائق و ضيق بمعنى واحد إلا أن ضائق هاهنا أحسن لوجهين ( أحدهما ) أنه عارض ( و الآخر ) أنه أشكل بقوله « تارك » و الكنز المال المدفون سمي بذلك لاجتماعه و كل مجتمع من لحم و غيره مكتنز و صار في الشرع اسم ذم لكل مال لا يخرج منه حق الله تعالى من الزكاة و غيره و إن لم يكن مدفونا و افترى و اختلق و اخترق و خلق و خرص و خرق إذا كذب و الاستجابة في الآية طلب الإجابة بالقصد إلى فعلها و يقال استجاب و أجاب بمعنى واحد و الفرق بين الإجابة و الطاعة إن الطاعة موافقة الإرادة الجاذبة إلى الفعل برغبة أو رهبة و الإجابة موافقة الداعي إلى الفعل من أجل أنه دعا به .
الإعراب
« أن يقولوا » في موضع نصب بأنه مفعول له و تقديره كراهة أن يقولوا فحذف المضاف و قيل « إن يقولوا » في موضع جر بدلا من الهاء في قوله « ضائق به صدرك » « أم يقولون افتراه » أم هذه منقطعة ليست بالمعادلة و تقديره بل أ يقولون افتراه و هو تقرير بصورة الاستفهام .
النزول
روي عن ابن عباس أن رؤساء مكة من قريش أتوا رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فقالوا يا محمد إن كنت رسولا فحول لنا جبال مكة ذهبا أو ائتنا بملائكة يشهدون لك بالنبوة فأنزل الله تعالى « فلعلك تارك » الآية و روى العياشي بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) أن رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال لعلي (عليه السلام) إني سألت ربي أن يؤاخي بيني و بينك ففعل و سألت ربي أن يجعلك وصيي ففعل فقال بعض القوم و الله لصاع من تمر في شن بال أحب إلينا مما سأل محمد ربه فهلا سأله ملكا يعضده على عدوه أو كنزا يستعين به على فاقته فنزلت الآية .
المعنى
ثم أمر سبحانه رسوله بالثبات على الأمر و حثه على حجاج القوم بما يقطع العذر فقال « فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك » أي و لعلك تارك بعض القرآن و هو ما فيه سب آلهتهم و لا تبلغهم إياه دفعا لشرهم و خوفا منهم « و ضائق به صدرك » أي و لعلك يضيق صدرك مما يقولونه و بما يلحقك من أذاهم و تكذيبهم و قيل باقتراحاتهم « أن يقولوا » أي كراهة أن يقولوا أو مخافة أن يقولوا « لو لا أنزل عليه كنز » من المال « أو جاء معه ملك » يشهد له فليس قوله « فلعلك » على وجه الشك بل المراد به النهي عن ترك أداء الرسالة و الحث على أدائها كما يقول أحدنا لغيره و قد علم من حاله أنه يطيعه و لا يعصيه و يدعوه غيره إلى عصيانه لعلك تترك ما آمرك به لقول فلان و إنما يقول ذلك ليوئس من يدعوه إلى ترك أمره فمعناه لا تترك بعض ما يوحى إليك و لا يضق صدرك بسبب مقالتهم هذه « إنما أنت نذير » أي منذر « و الله على كل شيء وكيل » أي حفيظ يجلب النفع إليه و يدفع الضرر عنه « أم يقولون افتراه » معناه بل أ يقولون اختلق القرآن و اخترعه و أتى به من عند نفسه و قيل إن

(5/221)


هاهنا محذوفا و تقديره أ يكذبونك فيما أتيتهم به من القرآن أم يقولون افتريته على ربك و حذف لدلالة ما أبقي على ما ألقي و على هذا فيكون أم هذه هي متصلة « قل » يا محمد لهم « فأتوا بعشر سور مثله مفتريات » أي إن كان هذا مفترى على الله كما زعمتم فأتوا أنتم بعشر سور مثله في النظم و الفصاحة مفتريات على زعمكم فإن القرآن نزل بلغتكم و قد نشأت أنا بين أظهركم فإن لم يمكنكم ذلك فاعلموا أنه من عند الله تعالى و هذا صريح في التحدي و فيه دلالة على جهة إعجاز القرآن و أنها هي البلاغة و الفصاحة في هذا النظم المخصوص لأنه لو كان جهة الإعجاز غير ذلك لما قنع في المعارضة بالافتراء و الاختلاق لأن البلاغة ثلاث طبقات فأعلى طبقاتها معجز و أدناها و أوسطها ممكن فالتحدي في الآية إنما وقع في الطبقة العليا منها و لو كان وجه الإعجاز الصرفة لكان الركيك من الكلام أبلغ في باب الإعجاز و المثل المذكور في الآية لا يجوز أن يكون المراد به مثله في الجنس لأن مثله في الجنس يكون حكايته فلا يقع بها التحدي و إنما يرجع ذلك إلى ما هو متعارف بين العرب في تحدي بعضهم بعضا كما اشتهر من مناقصات امرىء القيس و علقمة و عمرو بن كلثوم و الحرث بن حلزة و جرير و الفرزدق و غيرهم و قوله « و ادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين » معناه ادعوهم ليعينوكم على معارضة القرآن إن كنتم صادقين في قولكم إني افتريته و يريد بقوله « من استطعتم » من خالف نبينا محمدا من جميع الأمم و هذا غاية ما يمكن في التحدي و المحاجة و فيه الدلالة الواضحة على إعجاز القرآن لأنه إذا ثبت أن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) تحداهم به و أوعدهم بالقتل و الأسر بعد أن عاب دينهم و آلهتهم و ثبت أنهم كانوا أحرص الناس على إبطال أمره حتى بذلوا مهجهم و أموالهم في ذلك فإذا قيل لهم افتروا أنتم مثل هذا القرآن و أدحضوا حجته و ذلك أيسر و أهون عليكم من كل ما تكلفتموه فعدلوا عن ذلك و صاروا إلى الحرب و القتل و تكلف الأمور الشاقة فذلك من أدل الدلائل على عجزهم إذ لو قدروا على معارضته مع سهولة ذلك عليهم لفعلوه لأن العاقل لا يعدل عن الأمر السهل إلى الصعب الشاق مع حصول الغرض بكل واحد منهما فكيف و لو بلغوا غاية أمانيهم في الأمر الشاق و هو قتله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لكان لا يحصل غرضهم من إبطال أمره فإن المحقق قد يقتل فإن قيل لم ذكر التحدي مرة بعشر سور و مرة بحديث مثله فالجواب أن التحدي إنما يقع بما يظهر فيه الإعجاز من منظوم الكلام فيجوز أن يتحدى مرة بالأقل و مرة بالأكثر « فإن لم يستجيبوا لكم » قيل أنه خطاب للمسلمين و المراد فإن لم يجبكم هؤلاء الكفار إلى الإتيان بعشر سور مثله معارضة لهذا القرآن « فاعلموا » أيها المسلمون « إنما أنزل » القرآن « بعلم الله » عن مجاهد و اختاره الجبائي و قيل هو خطاب للكفار و تقديره فإن لم يستجب لكم من تدعونهم

(5/222)


إلى المعاونة و لم يتهيأ لكم المعارضة فقد قامت عليكم الحجة و قيل إن الخطاب للرسول (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أي فإن لم يجيبوك و ذكره بلفظ الجمع تفخيما و الغرض التنبيه على إعجاز القرآن و أنه المنزل من عند الله سبحانه على نبيه (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و ذكر في قوله « بعلم الله » وجوه ( أحدها ) أن معناه إن الله عالم به و بأنه حق منزل من عنده ( و ثانيها ) أن معناه بعلم الله مواقع تأليفه في علو طبقته و أنه لا يقدر أحد على معارضته ( و ثالثها ) أنه أنزله الله على علم بترتيبه و نظمه و لا يعلم غيره ذلك « و أن لا إله إلا هو » أي و اعلموا أنه لا إله إلا هو لأن مثل هذا المعجز لا يقدر عليه إلا الله الواحد الذي لا إله إلا هو « فهل أنتم مسلمون » أي هل أنتم بعد قيام الحجة عليكم بما ذكرناه من كلام الله مستسلمون منقادون لتوحيده و هذا استفهام في معنى الأمر مثل قوله فهل أنتم منتهون .
مَن كانَ يُرِيدُ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا وَ زِينَتهَا نُوَف إِلَيهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِيهَا وَ هُمْ فِيهَا لا يُبْخَسونَ(15) أُولَئك الَّذِينَ لَيْس لهَُمْ فى الاَخِرَةِ إِلا النَّارُ وَ حَبِط مَا صنَعُوا فِيهَا وَ بَطِلٌ مَّا كانُوا يَعْمَلُونَ(16)
القراءة
روي في الشواذ قراءة أبي و ابن مسعود و باطلا ما كانوا يعملون .
الحجة
الوجه فيه أن يكون باطلا منصوبا بيعملون و ما مزيدة للتوكيد فكأنه قال و باطلا كانوا يعملون و مثله قوله أ هؤلاء إياكم كانوا يعبدون .
اللغة
الزينة تحسين الشيء بغيره من لبسة أو حلية أو هيئة يقال زانه يزينه زينة و زينه يزينه تزيينا و التوفية تأدية الحق على تمام و البخس نقصان الحق و كل ظالم باخس لأنه يظلم غيره بنقصان حقه و في المثل تحسبها حمقاء و هي باخس .
الإعراب
قال الفراء كان هذه هنا زائدة و تقديره من يرد الحياة الدنيا و قال غيره معناه إن يصح أنه كان كقوله سبحانه إن كان قميصه قد من دبر و لا يجوز مثل ذلك في غير كان لأنها أم الأفعال قال أبو علي الشرط و الجزاء لا يقعان إلا فيما يستقبل فحرف الجزاء يحيل معنى الماضي إلى الاستقبال لا محالة و لو جاز وقوع الماضي بعدها على معناها لما جزمت أ لا ترى أن لو لم تجزم و إن كان فيها معنى الشرط و الجزاء لوقوع الماضي بعدها على بابه نحو لو جئتني أمس لأكرمتك .

(5/223)


المعنى
« من كان يريد الحياة الدنيا و زينتها » أي زهرتها و حسن بهجتها و لا يريد الآخرة « نوف إليهم أعمالهم فيها » أي نوفر عليهم جزاء أعمالهم في الدنيا تاما « و هم فيها لا يبخسون » أي لا ينقصون شيئا منه و اختلف في معناه فقيل إن المراد به المشركون الذين لا يصدقون بالبعث يعملون أعمال البر كصلة الرحم و إعطاء السائل و الكف عن الظلم و إغاثة المظلوم و الأعمال التي يحسنها العقل كبناء القناطير و نحوه فإن الله يعجل لهم جزاء أعمالهم في الدنيا بتوسيع الرزق و صحة البدن و الإمتاع بما خولهم و صرف المكاره عنهم عن الضحاك و قتادة و ابن عباس و يقال إن من مات منهم على كفره قبل استيفاء العوض وضع الله عنه في الآخرة من العذاب بقدره فأما ثواب الآخرة فلا حظ لهم فيه و قيل المراد به المنافقون الذين كانوا يغزون مع النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) للغنيمة دون نصرة الدين و ثواب الآخرة جازاهم الله تعالى على ذلك بأن جعل لهم نصيبا في الغنيمة عن الجبائي و قيل إن المراد به أهل الرياء فإن من عمل عملا من أعمال الخير يريد به الرياء لم يكن لعمله ثواب في الآخرة و مثله قوله تعالى « و من كان يريد حرث الدنيا نؤته منها و ما له في الآخرة من نصيب » و في الحديث أن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال بشروا أمتي بالنساء و التمكين في الأرض و من عمل منهم عملا للدنيا لم يكن له نصيب في الآخرة « أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار » ظاهر المراد « و حبط ما صنعوا فيها » فلا يستحقون عليه ثوابا لأنهم أوقعوه على خلاف الوجه المأمور بإيقاعه عليه « و باطل ما كانوا يعملون » أي بطل أعمالهم التي عملوها لغير الله تعالى و هذا يحقق ما ذهبنا إليه من أن الإحباط عبارة عن إبطال نفس العمل بأن يقع علي غير الوجه الذي يستحق به الثواب و ذكر الحسن في تفسيره أن رجلا من أصحاب النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) خرج من عند أهله فإذا جارية عليها ثياب و هيئة فجلس عندها فقامت فأهوى بيده إلى عارضها فمضت فأتبعها بصره و مضى خلفها فلقيه حائط فخمش وجهه فعلم أنه أصيب بذنبه فأتى رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فذكر له ذلك فقال أنت رجل عجل الله عقوبة ذنبك في الدنيا أن الله تعالى إذا أراد بعبد شرا أمسك عنه عقوبة ذنبه حتى يوافي به يوم القيامة و إذا أراد به خيرا عجل له عقوبة ذنبه في الدنيا .
النظم
وجه اتصال الآية بما قبلها أنه سبحانه لما قال « فهل أنتم مسلمون » فكان قائلا إن أظهرنا الإسلام لسلامة المال و النفس يكون ما ذا فقال من أراد الدنيا دون الآخرة سواء أرادها بإظهار الإسلام أو أرادها بسائر المساعي فسبيله هذا .

(5/224)


أَ فَمَن كانَ عَلى بَيِّنَة مِّن رَّبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِّنْهُ وَ مِن قَبْلِهِ كِتَب مُوسى إِمَاماً وَ رَحْمَةً أُولَئك يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ مَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَك فى مِرْيَة مِّنْهُ إِنَّهُ الحَْقُّ مِن رَّبِّك وَ لَكِنَّ أَكثرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ(17) وَ مَنْ أَظلَمُ مِمَّنِ افْترَى عَلى اللَّهِ كذِباً أُولَئك يُعْرَضونَ عَلى رَبِّهِمْ وَ يَقُولُ الأَشهَدُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظلِمِينَ(18) الَّذِينَ يَصدُّونَ عَن سبِيلِ اللَّهِ وَ يَبْغُونهَا عِوَجاً وَ هُم بِالاَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ(19) أُولَئك لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فى الأَرْضِ وَ مَا كانَ لهَُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضعَف لهَُمُ الْعَذَاب مَا كانُوا يَستَطِيعُونَ السمْعَ وَ مَا كانُوا يُبْصِرُونَ(20) أُولَئك الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسهُمْ وَ ضلَّ عَنهُم مَّا كانُوا يَفْترُونَ(21) لا جَرَمَ أَنهُمْ فى الاَخِرَةِ هُمُ الأَخْسرُونَ(22)
اللغة
البينة الحجة الفاصلة بين الحق و الباطل و العرض إظهار الشيء بحيث يرى للتوقيف على حالة يقال عرضت الكتاب على فلان و عرضت الجند و معنى العرض على الله أنهم يقفون في المقام الذي يريه العباد للمطالبة بالأعمال فهو كالعرض عليه سبحانه و الأشهاد جمع شاهد فهو كصاحب و أصحاب و قيل جمع شهيد كشريف و أشراف و العوج العدول عن طريق الصواب يقال في الدين عوج بالكسر و في العصا عوج بالفتح فرقا بين ما يرى و لا يرى فجعلوا السهل للسهل و الصعب للصعب أعني الفتح و الكسر و الإعجاز الامتناع عن المراد بما لا يمكن معه إيقاعه و حقيقة الاستطاعة القوة التي تنطاع بها الجارحة

(5/225)


للفعل و لذلك لا يقال في الله تعالى إنه مستطيع و أصل الجرم القطع و لا جرم تقديره لا قطع قاطع عن ذا إلا أنه أكثر حتى صار كالمثل و هو قول الشاعر :
و لقد طعنت أبا عيينة طعنة
جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا أي قطعتهم إلى الغضب فرواية الفراء في فزارة النصب و المعنى كسبتهم أن يغضبوا و روى غيره يرفعها بمعنى أن الفعل لها .
الإعراب
« من كان على بينة من ربه » خبره محذوف و تقديره أ فمن كان على بينة من ربه و على الأوصاف التي ذكرتها كمن لا بينة له و مثله حذف جواب لو في قوله :
و أقسم لو شيء أتانا رسوله
سواك و لكن لم نجد لك مدفعا و « كتاب موسى » عطف على قوله « و يتلوه شاهد منه » أي و كان يتلوه كتاب موسى من قبله و نصب « إماما و رحمة » على الحال لأن كتاب موسى معرفة و قوله « و هم بالآخرة هم كافرون » كرر قوله « هم » مرتين كما قال « أ يعدكم أنكم إذا متم و كنتم ترابا و عظاما أنكم مخرجون » كرر أنهم مرتين و وجهه أنه لما طال الكلام كرر مرة أخرى للتوكيد ، « لا جرم » قال سيبويه جرم فعل ماض و لا رد لقولهم كقوله « و تصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار » قال لا أي ليس لهم الجنة ثم قال جرم أي كسبهم قولهم أن لهم الحسنى أن لهم النار ، و قيل جرم بمعنى وجب أي وجب أن لهم النار .
المعنى
« أ فمن كان على بينة من ربه » استفهام يراد به التقرير و تقديره هل الذي كان على برهان و حجة من الله و المراد بالبينة هنا القرآن و المعنى بقوله « أ فمن كان على بينة » النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و قيل المعني به كل محق يدين بحجة و بينة لأن من يتناول العقلاء و قيل هم المؤمنون من أصحاب محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) عن الجبائي « و يتلوه شاهد منه » أي و يتبعه من يشهد بصحته منه و اختلف في معناه فقيل الشاهد جبرائيل (عليه السلام) يتلو القرآن على النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) من الله تعالى عن ابن عباس و مجاهد و الزجاج و قيل شاهد من الله تعالى محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و روي ذلك عن الحسين بن علي (عليهماالسلام) و ابن زيد و اختاره الجبائي و قيل شاهد منه لسانه أي يتلو القرآن بلسانه عن محمد بن علي أعني ابن الحنفية و الحسن و قتادة و قيل الشاهد منه علي بن أبي طالب (عليه السلام) يشهد للنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و هو منه و هو المروي عن أبي جعفر و علي بن موسى

(5/226)


الرضا (عليهماالسلام) و رواه الطبري بإسناده عن جابر بن عبد الله عن علي (عليه السلام) و قيل الشاهد ملك يحفظه و يسدده عن مجاهد و قيل بينة من ربه حجة من عقله و أضاف البينة إليه تعالى لأنه ينصب الأدلة العقلية و الشرعية و يتلوه شاهد منه يشهد بصحته و هو القرآن عن أبي مسلم « و من قبله » أي و من قبل القرآن لأنه مدلول عليه فيما تقدم من الكلام و قيل معناه و من قبل محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) « كتاب موسى » يتلوه أيضا في التصديق لأن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) بشر به موسى في التوراة « إماما » يؤتم به في أمور الدين « و رحمة » أي و نعمة من الله تعالى على عباده و قيل معناه ذا رحمة أي سبب الرحمة لمن آمن به « أولئك يؤمنون به » معناه أولئك الذين هم على بينة من ربهم يؤمنون بالقرآن و قيل بمحمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و تقدير الآية أ فمن كان على بينة من ربه و بصيرة كمن ليس على بينة و لا بصيرة إلا أنه اختصر و قيل تقديره أ فمن كان على بينة من ربه و يتلوه شاهد منه على صدقه و يتقدمه شاهد ف آمن بهذا كله كمن أراد الحياة الدنيا و زينتها و لم يؤمن ثم أخبر عنه فقال « أولئك يؤمنون به » و قوله « و من يكفر به من الأحزاب فالنار موعده » معناه و من يكفر بالقرآن أو بمحمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) من مشركي العرب و فرق الكفار كاليهود و النصارى و غيرهم فالنار موعده و مصيره و مستقره و في الحديث أن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال لا يسمع بي أحد من الأمة لا يهودي و لا نصراني ثم لم يؤمن بي إلا كان من أصحاب النار « فلا تك في مرية » أي في شك « منه » الخطاب للنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و المراد جميع المكلفين و قيل إن تقديره لا تك أيها الإنسان أو أيها السامع في مرية من ربك أي من أمره و إنزاله « إنه الحق من ربك » الهاء راجع إلى القرآن و قيل إلى محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و قيل معناه أن الخبر الذي أخبرتك به حق من عند الله تعالى « و لكن أكثر الناس لا يؤمنون » بصحته و صدقه لجهلهم بالله تعالى و جحدهم لنبوة نبيه (صلى الله عليهوآلهوسلّم) « و من أظلم ممن افترى على الله كذبا » أي لا أحد أظلم منه إلا أنه خرج مخرج الاستفهام ليكون أبلغ « أولئك يعرضون على ربهم » يوم القيامة أي يوقفون موقفا يراهم الخلائق للمطالبة بما عملوا و يسألون عن أعمالهم و يجازون عليها « و يقول الأشهاد » يعني الملائكة يشهدون على العباد و هم الحفظة عن مجاهد و قيل هم الأنبياء عن الضحاك و قيل هم شهداء كل عصر من أئمة المؤمنين « هؤلاء الذين كذبوا على ربهم » أي كذبوا على رسل ربهم و أضافوا إلى الله ما لم ينزله « ألا لعنة الله على الظالمين » هذا ابتداء خطاب من الله تعالى و قيل هو من كلام الأشهاد و معناه ألا لعنة الله على الذين ظلموا أنفسهم بإدخال الضرر عليها و غيرهم بإحلال الآلام عليهم و لعنة الله إبعاده من رحمته ثم وصف سبحانه الظالمين الذين لعنهم فقال « الذين يصدون عن سبيل الله » أي يغوون الخلق و يصرفونهم عن دين الله و قد يكون ذلك بإلقاء الشبهة إليهم و قد يكون أيضا بالترغيب و الترهيب و الإطماع

(5/227)


و التهديد و غير ذلك و إنما جاز تمكين الصاد عن سبيل الله من هذا الفساد لأنه مكلف بالامتناع منه و ليس في منعه لطف بأن ينصرف عن الفساد إلى الصلاح فهو كشهوة القبيح الذي به يصح التكليف « و يبغونها عوجا » أي و يطلبون لسبيل الله زيغا عن الاستقامة و عدولا عن الصواب و قيل إن بغيهم العوج هي زيادتهم و نقصانهم في الكتاب ليتغير الأدلة و لا يستقيم صفة النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) كما كان يفعلها اليهود و قيل هي إيرادهم الشبه و كتمانهم المراد و تحريفهم التأويل « و هم بالآخرة » أي بالقيامة و البعث و النشور و الثواب و العقاب « هم كافرون » أي جاحدون غير مقرين « أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض » أخبر سبحانه عن هؤلاء الكفار الذين وصفهم بأن عليهم لعنة الله و أنهم الذين يصدون عن سبيل الله بأنهم لم يكونوا فائتين في الأرض هربا فيها من الله تعالى إذا أراد إهلاكهم كما يهرب الهارب من عدو قد جد في طلبه و إنما خص الأرض بالذكر و إن كانوا لا يفوتون الله و لا يخرجون عن قبضته على كل حال لأن معاقل الأرض هي التي يهرب إليها البشر و يعتصمون بها عند المخاوف فكأنه سبحانه نفى أن يكون لهؤلاء الكفار عاصم منه و مانع من عذابه « و ما كان لهم من دون الله من أولياء » معناه أنه ليس لهم من ولي و لا ناصر ينصرونهم و يحمونهم من الله سبحانه مما يريد إيقاعه بهم في الدنيا من المكاره و في الآخرة من أنواع العذاب « يضاعف لهم العذاب » قيل في معناه وجوه ( أحدها ) أنه لا يقتصر بهم على عذاب الكفر بل يعاقبون عليه و على سائر المعاصي كما قال في موضع آخر زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون ( و ثانيها ) أن معناه أنه كلما مضى ضرب من العذاب يعقبه ضرب آخر من العذاب مثله أو فوقه كذلك دائما مؤبدا و كل ذلك على قدر الاستحقاق ( و ثالثها ) أنه يضاعف العذاب على رؤسائهم لكفرهم و ظلمهم أنفسهم و لدعائهم الاتباع إليه و هو عذاب الضلال و عذاب الصد عن الدين « ما كانوا يستطيعون السمع و ما كانوا يبصرون » فيه وجوه ( أحدها ) يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع فلا يسمعون و بما كانوا يستطيعون الأبصار فلا يبصرون عنادا و ذهابا عن الحق فأسقطت الباء عن الكلام كما في قول الشاعر :
نغالي اللحم للأضياف نيا
و نبذله إذا نضج القدور أراد نغالي باللحم عن الفراء و البلخي و هذا وجه رابع من معنى قوله « يضاعف لهم العذاب » ( و ثانيها ) أنه لاستثقالهم استماع آيات الله و كراهتهم تذكرها و تفهمها جروا مجرى

(5/228)


من لا يستطيع السمع و إن أبصارهم لم تنفعهم مع إعراضهم عن تدبر الآيات فكأنهم لم يبصروا و مما يجري هذا المجرى قول الأعشى :
ودع هريرة إن الركب مرتحل
و هل تطيق وداعا أيها الرجل و قد علمنا أن الأعشى كان يقدر على الوداع و إنما نفى الطاعة عن نفسه من حيث الكراهية و الاستثقال ( و ثالثها ) أنه إنما عنى بذلك آلهتهم و أوثانهم و تقدير الكلام أولئك الكفار و آلهتهم لم يكونوا معجزين في الأرض يضاعف لهم العذاب و قال مخبرا عن الآلهة « ما كانوا يستطيعون السمع و ما كانوا يبصرون » و روي ذلك عن ابن عباس و فيه أدنى بعد ( و رابعها ) أن ما هنا ليست للنفي بل تجري مجرى قولهم لأواصلنك ما لاح نجم و المعنى أنهم معذبون ما داموا أحياء « أولئك الذين خسروا أنفسهم » من حيث فعلوا ما استحقوا به العقاب فهلكوا فذلك خسران أنفسهم و خسران النفس أعظم الخسران لأنه ليس عنها عوض « و ضل عنهم ما كانوا يفترون » مضى بيانه مرارا « لا جرم » قال الزجاج لا نفي لما ظنوا أنه ينفعهم كان المعنى لا ينفعهم ذلك جرم « أنهم في الآخرة هم الأخسرون » أي كسب ذلك الفعل لهم الخسران و قال غيره معناه لا بد و لا محالة أنهم و قيل معناه حقا و يستعمل في أمر يقطع عليه و لا يرتاب فيه أي لا شك أن هؤلاء الكفار هم أخسر الناس في الآخرة .
النظم
اتصلت الآية الأولى بقوله قل فأتوا بعشر سور مثله و المراد أنهم إذا لم يأتوا بذلك فقل لهم أ فمن كان على بينة كمن لا يكون معه بينة و قيل اتصلت بقوله من كان يريد الحياة الدنيا أي من كان مجتهدا في الدين كمن كان همه الحياة الدنيا و زينتها و وجه اتصال الآية الثانية و هي قوله « و من أظلم ممن افترى على الله كذبا » أنه سبحانه أراد أن يبين حال العاقل و الغافل فكأنهم قالوا و ما يضرنا أن لا نعرف ذلك فأجيبوا بأن من لا يعرف الله لا يأمن أن يكذب على الله و من أظلم ممن كذب على الله .

(5/229)


إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ وَ أَخْبَتُوا إِلى رَبهِمْ أُولَئك أَصحَب الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ(23) * مَثَلُ الْفَرِيقَينِ كالأَعْمَى وَ الأَصمِّ وَ الْبَصِيرِ وَ السمِيع هَلْ يَستَوِيَانِ مَثَلاً أَ فَلا تَذَكَّرُونَ(24)
اللغة
الإخبات للطمانينة و أصله الاستواء من الخبت و هو الأرض المستوية الواسعة فكان الإخبات خشوع مستمر على استواء فيه و المثل قول سائر يشبه فيه حال الثاني بحال الأول و العمي عبارة عن فساد آلة الرؤية و ليس بمعنى يضاد الأبصار و كذلك الصمم عبارة عن فساد آلة السمع لأن الصحيح إن الإدراك أيضا ليس بمعنى .
المعنى
لما تقدم ذكر الكفار و ما أعد الله لهم من العذاب عقبه سبحانه بذكر المؤمنين فقال « إن الذين آمنوا » أي صدقوا الله و رسوله و اعتقدوا وحدانيته « و عملوا الصالحات » التي أمرهم الله تعالى بها و رغبهم فيها « و أخبتوا إلى ربهم » أي أنابوا و تضرعوا إليه عن ابن عباس و قيل معناه اطمأنوا إلى ذكره عن مجاهد و قيل خضعوا له و خشعوا إليه عن قتادة و الكل متقارب و قيل إن معناه و أخبتوا لربهم فوضع إلى موضع اللام كما قال سبحانه أوحي لها بمعنى أوحي إليها و قال ينادي للإيمان « أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون » ظاهر المعنى ثم ضرب سبحانه مثلا للمؤمنين و الكافرين فقال « مثل الفريقين كالأعمى و الأصم و البصير و السميع » أي مثل فريق المسلمين كالبصير و السميع و مثل فريق الكافرين كالأعمى و الأصم لأن المؤمن ينتفع بحواسه لاستعماله إياها في الدين و الكافر لا ينتفع بها فصارت حواسه بمنزلة المعدوم و إنما دخل الواو ليبين أن حال الكافر كحال الأعمى على حدة و كحال الأصم على حدة و حال من يكون قد جمع بين الصفتين جميعا « هل يستويان مثلا » أي هل يستوي حال الأعمى الأصم و حال البصير السميع عند عاقل فكما لا تستوي هاتان الحالتان عند العقلاء كذلك لا تستوي حال الكافر و المؤمن « أ فلا تذكرون » أي أ فلا تتفكرون في ذلك فتسلموا صحة ما ذكرناه .

(5/230)


وَ لَقَدْ أَرْسلْنَا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ(25) أَن لا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنى أَخَاف عَلَيْكُمْ عَذَاب يَوْم أَلِيم(26) فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاك إِلا بَشراً مِّثْلَنَا وَ مَا نَرَاك اتَّبَعَك إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِى الرَّأْىِ وَ مَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضلِ بَلْ نَظنُّكُمْ كَذِبِينَ(27) قَالَ يَقَوْمِ أَ رَءَيْتُمْ إِن كُنت عَلى بَيِّنَة مِّن رَّبى وَ ءَاتَاخ رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَت عَلَيْكمْ أَ نُلْزِمُكُمُوهَا وَ أَنتُمْ لهََا كَرِهُونَ(28)
القراءة
قرأ نافع و ابن عامر و عاصم و حمزة « إني لكم » بكسر الهمزة و الباقون أني بفتحها و قرأ أبو عمرو و نصر عن الكسائي بادىء الرأي بالهمزة و قرأ الباقون « بادي الرأي » بالياء غير مهموز و قرأ أهل الكوفة غير أبي بكر « فعميت » بضم العين و تشديد الميم و الباقون فعميت بفتح العين مخففا .
الحجة
قال أبو علي من فتح أني فإنه يحملها على أرسلنا أي أرسلناه بأني لكم نذير مبين فإن قيل لو كان محمولا عليه لكان أنه لأن نوحا اسم للغيبة قيل هذا لا يمتنع لأن الخطاب بعد الغيبة في نحو هذا سائغ أ لا ترى قوله « و كتبنا له في الألواح » ثم قال « فخذها بقوة » و من كسر فالوجه فيه أنه حمله على القول المضمر لأنه مما قد أضمر كثيرا في القرآن قال سبحانه « و الملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام » أي يقولون سلام و قال « و الذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى » أي قالوا ما نعبدهم فإن قلت فهلا رجحت قراءة من قرأ إن على قراءة من كسر لأن قوله « ألا تعبدوا » محمول على الإرسال و إذا فتحت إن كان أشكل بما بعدها لحملها جميعا على الإرسال يقال لك إن من كسر قال يجوز أن يكون قوله « إني لكم » و ما بعده محمولا على الاعتراض بين المفعول و ما يتصل به مما بعده كما كان في قوله « قل إن الهدى هدى الله » اعتراضا بينهما في قوله « و لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم » فكذلك قوله « إني لكم نذير مبين » لأن التقدير و لقد أرسلنا نوحا إلى قومه أن لا تعبدوا إلا الله و أما قوله « بادي الرأي » فقد حكى أبو علي عن الجبائي أنه قال يقال أنت بادي الرأي يريد ظاهر الرأي لا يهمز بادي و بادىء الرأي مهموز فمن لم يهمز أراد أنت فيما بدا من الرأي أي أنت ظاهر الرأي و من همز أراد أنت أول الرأي و مبتدؤه قال أبو علي المعنى فيمن قال بادي الرأي بلا همز فجعله من بدا الشيء إذا ظهر أي ما اتبعك إلا الأراذل فيما ظهر لهم من الرأي إن لم يتعقبوه ينظر فيه و لا يبين لهم و من همز أراد اتبعوك في أول الأمر من غير أن يتبعوا الرأي بفكر و روية فيه و هاتان الكلمتان يتقاربان في المعنى لأن الهمزة في اللام معناه ابتداء الشيء و أوله و اللام إذا كانت واوا كان المعنى الظهور و ابتداء الشيء يكون ظهورا و إن كان الظهور قد يكون ابتداء و غير ابتداء فلذلك

(5/231)


يستعمل كل واحد مكان الآخر و جاز في اسم الفاعل أن يكون ظرفا كما جاز في فعيل نحو قريب و مليء لأن فاعلا و فعيلا يتعاقبان على المعنى نحو عالم و عليم و شاهد و شهيد و حسن ذلك إضافته إلى الرأي و قد أجروا المصدر أيضا في إضافته إليه في قولهم أما جهد رأي فإني منطلق فهذا لا يكون إلا ظرفا و فعل إذا كان مصدرا و فاعل قد يتفقان في أشياء و قد يجوز في قول من همز فقال بادي الرأي إذا خفف الهمز أن يقول بادي الرأي فيقلب الهمزة ياء لانكسار ما قبلها فيكون كقولهم مير في جمع ميرة و ذيب في جمع ذيبة و العامل في هذا الظرف هو قولك اتبعك التقدير ما اتبعك في أول رأيهم أو فيما ظهر من رأيهم إلا أراذلنا فأخر الظرف و أوقع بعد إلا الظرف و لو كان بدل الظرف غيره لم يجز أ لا ترى أنك لو قلت ما أعطيت أحدا إلا زيدا درهما فأوقعت بعد إلا اسمين لم يجز لأن الفعل أو معنى الفعل في الاستثناء يصل إلى ما انتصب به بتوسط الحرف و لا يصل الفعل بتوسط الحرف إلى أكثر من مفعول أ لا ترى أنك إذا قلت استوى الماء و الخشبة فنصبت الخشبة لم يجز أن تتبعه اسما آخر تنصبه فكذلك المستثنى إذا ألحقته إلا و أوقعت بعدها اسما مفردا لم يجز أن تتبعه آخر و لو قلت ما ضرب القوم إلا بعضهم بعضا لم يجز و تصحيحها ما ضرب القوم أحدا إلا بعضهم بعضا تبدل الاسمين بعد إلا من الاسمين قبلها قال جامع العلوم البصير النحوي إن أبا علي حمل « بادي الرأي » هنا على أنه ظرف لما قبله ثم رجع عن مثله في قوله « و ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب » فحمله على فعل آخر دل عليه يكلمه على تقدير أو يكلمه الله من وراء حجاب قال و الظرف في الآيتين عندنا محمول على الفعل قبل إلا لأن الظرف قد يكتفي فيه برائحة الفعل انتهى كلامه و أقول إن ما قاله فيه نظر لأن أبا علي قال في تلك الآية لا يعمل ما قبل الاستثناء إذا كان كلاما تاما فيما بعده و ليس ما قبل إلا في هذه الآية كلاما تاما فإن قوله « الذين هم أراذلنا » فاعل لقوله « اتبعك » فلذلك فرق بين الموضعين رجع كلام أبي علي و أما تحقيق الهمزة و تخفيفها في الرأي فأهل تحقيق الهمزة يخففونها و أهل التخفيف يبدلون منها الألف و كذلك ما أشبهه من نحو البأس و الرأس و الفأس و من قرأ فعميت بالتخفيف يقوي قوله اجتماعهم على التخفيف في قوله سبحانه « فعميت عليهم الأنباء » و هذه مثلها و يجوز في قوله « فعميت » أمران أحدهما أن يكون عموهم عنها الآن و الرحمة لا تعمي و إنما يعمى عنها فيكون كقولهم أدخلت القلنسوة في رأسي و نحو ذلك مما يقلب إذا لم يكن فيه إشكال و في التنزيل فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله و قال الشاعر :
ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه
و سائره باد إلى الشمس أجمع

(5/232)


و الآخر أن يكون بمعنى خفيت كقول الشاعر :
و مهمة أطرافه في مهمة
أعمى الهدى بالحائرين العمة أي خفي الهدى لأن الهدى ليس بذي جارحة تلحقها هذه الآفة و من هذا يقال للسحاب العماء لإخفائه ما يخفيه كما قيل له الغمام و من هذا قول الشاعر :
و لكنني عن علم ما في غد عم قال و قولهم أتاني صكة عمي إذا أتى في الهاجرة و شدة الحر يحتمل عندنا تأويلين ( أحدهما ) أن يكون المصدر أضيف إلى العمى كما قالوا ضرب التلف أي الضرب الذي يحدث عنه التلف ( و الآخر ) أن يكون عمي تصغير أعمى على وجه الترخيم و أضيف المصدر إلى المفعول به كقولك من دعاء الخير و التقدير صكة الحر الأعمى و المعنى أن الحر من شدته كأنه يعمي من أصابه و المصدر في الوجهين ظرف نحو مقدم الحاج و خفوق النجم و من قرأ « عميت » اعتبر قراءة أبي و الأعمش فعماهما عليكم و إسناد الفعل إلى المفعول به في عميت قريب من عمى هنا في المعنى .
اللغة
الرذل الخسيس الحقير من كل شيء و الجمع أرذل ثم يجمع على أراذل كقولك كلب و أكلب و أكالب و يجوز أن يكون جمع الأرذل فيكون مثل أكابر جمع الأكبر و الرأي الرؤية من قوله « يرونهم مثليهم رأي العين » أي رؤية العين و الرأي أيضا ما يراه الإنسان في الأمر و جمعه آراء .
الإعراب
« أن لا تعبدوا إلا الله » يحتمل أن يكون موضع تعبدوا من الإعراب نصبا بأن و يحتمل أن يكون جزما بالنهي و قوله « عذاب يوم أليم » يجوز أن يكون تقديره يوم أليم عذابه فحذف المضاف الذي هو عذاب و أقيم المضاف إليه الذي هو الضمير مقامه فاستكن في أليم و يجوز أن يكون وصف اليوم بالألم لأن الألم فيه يقع و يجوز في غير القراءة أليما فيكون صفة لعذاب و قوله « اتبعك » و فاعله الذي هو « الذين هم أراذلنا » في موضع نصب بأنه مفعول ثان لنريك إن كان بمعنى نعلمك و في موضع الحال إن كان من رؤية العين و قوله « أ نلزمكموها » فيه ثلاث ضمائر ضمير المتكلم و ضمير المخاطب و ضمير الغائب فجاءت على أحسن ترتيب بدأ بالمتكلم لأنه أخص بالفعل ثم بالمخاطب ثم بالغائب و لو أتى بالمنفصل لجاز لتباعده من العامل بما فرق بينه و بينه فأشبه ما ضربت إلا إياك و ما ضربني إلا

(5/233)


أنت و أجاز الفراء أ نلزمكموها بتسكين الميم جعله بمنزلة عضد و عضد و كبد و كبد و لا يجوز ذلك عند البصريين و إنما يجيزون ذلك في ضرورة الشعر كقول امرىء القيس :
فاليوم أشرب غير مستحقب
إثما من الله و لا واغل و كقول الآخر :
و ناع يخبرنا بمهلك سيد
تقطع من وجد عليه الأنامل و قول الآخر :
إذا اعوججن قلت صاحب قوم يريد صاحب قوم .
المعنى
لما تقدم ذكر الوعد و الوعيد و الترغيب و الترهيب عقب ذلك سبحانه بذكر أخبار الأنبياء تأكيدا لذلك و تخويفا للقوم و تسلية للنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و بدأ بقصة نوح (عليه السلام) فقال « و لقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين » و قد مر بيانه « أن لا تعبدوا إلا الله » أي أنذركم أن لا تعبدوا إلا الله عن الزجاج يريد لأن توحدوا الله و تتركوا عبادة غيره و بدأ بالدعاء إلى الإخلاص في العبادة و قيل أنه دعاهم إلى التوحيد لأنه من أهم الأمور إذ لا يصح شيء من العبادات إلا بعد التوحيد « إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم » إنما قال أخاف مع أن عقاب الكفار مقطوع عليه لأنه لم يعلم ما يؤول إليه عاقبة أمرهم من إيمان أو كفر و هذا لطف في الاستدعاء و أقرب إلى الإجابة في الغالب « فقال الملأ الذين كفروا من قومه » أي من قوم نوح لنوح (عليه السلام) « ما نراك إلا بشرا مثلنا » ظنا منهم أن الرسول إنما يكون من غير جنس المرسل إليه و لم يعلموا أن البعثة من الجنس قد تكون أصلح و من الشبهة أبعد « و ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا » أي لم يتبعك الملأ و الأشراف و الرؤساء منا و إنما اتبعك أخساؤنا الذين لا مال لهم و لا جاه « بادي الرأي » أي في ظاهر الأمر و الرأي لم يتدبروا ما قلت و لم يتفكروا فيه و قال الزجاج معناه اتبعوك في الظاهر و باطنهم على خلاف ذلك و من قرأ بالهمز فالمعنى أنهم اتبعوك ابتداء الرأي أي حين ابتدأوا ينظرون و لو فكروا لم يتبعوك و قيل معناه إن في مبتدإ وقوع الرؤية عليهم يعلم أنهم أراذلنا و أسافلنا « و ما نرى لكم علينا من فضل » أي و ما نرى لك و لقومك علينا من فضل فإن الفضل إنما يكون في كثرة المال و المنزلة في الدنيا و الشرف في النسب و إنما قالوا ذلك لأنهم جهلوا طريقة الاستدلال و لو استدلوا بالمعجزات الدالة على نبوته لعلموا أنه نبي و إن من آمن به مؤمن و من خالفه كافر

(5/234)


و عرفوا حقيقة الفضل و هكذا عادة أرباب الدنيا يستحقرون أرباب الدين إذا كانوا فقراء و يسترذلونهم و إن كانوا هم الأكرمين الأفضلين عند الله سبحانه « بل نظنكم كاذبين » هذا تمام الحكاية عن كفار قوم نوح قالوه لنوح و من آمن به « قال » نوح لقومه « يا قوم أ رأيتم إن كنت على بينة من ربي » أي على برهان و حجة يشهد بصحة النبوة و هي المعجزة و قال ابن عباس على بينة أي على يقين و بصيرة و معرفة من ربوبية ربي و عظمته و اختلف في قول نوح (عليه السلام) هذا أنه جواب عما ذا فقيل أنه جواب عن قولهم « بل نظنكم كاذبين » فكأنه قال إن تظنوني كاذبا فما تقولون لو كنت على خلافه و على حجة من ربي واضحة أ لا تصدقونني و قيل بل هو جواب عن قولهم « ما نراك إلا بشرا مثلنا » أي و إن كنت بشرا فما ذا تقولون إذا أتيتكم بحجة دالة على صدقي أ لا تصدقونني و فيه بيان أن الرسالة إنما تظهر بالمعجزة فلا معنى لاعتبار البشرية و قيل هو جواب عن قولهم « ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا » فكأنه قال إنهم اعتصموا بالله و بما آتاهم من البينة و الرحمة فنالوا بذلك الرفعة و الفضل و أنتم قنعتم بالدنيا الدنية الفانية فأنتم في الحقيقة الأراذل لا هم و قيل هو جواب عن قولهم « و ما نرى لكم علينا من فضل » فكأنه قال لا تتبعوا المال و الجاه فإن الواجب اتباع الحجة و الدلالة و يجوز أن يكون جوابا عن جميع ذلك « و آتاني رحمة من عنده » رد عليهم بهذا جميع ما ادعوه و الرحمة و النعمة هي هاهنا النبوة أي و أعطاني نبوة من عنده « فعميت عليكم » أي خفيت عليكم لقلة تدبركم فيها « أ نلزمكموها و أنتم لها كارهون » أي أ تريدون مني أن أكرهكم على المعرفة و ألجئكم إليها على كره منكم هذا غير مقدور لي و الهاء كناية عن الرحمة فيدخل فيها النبوة و الدين و سائر النعم و قيل معناه أ نلزمكم قبولها فحذف المضاف و يجوز أن يكون الهاء كناية عن البينة و يكون المراد أن علي أن أدلكم بالبينة و ليس علي أن اضطركم إلى معرفتها .

(5/235)


وَ يَقَوْمِ لا أَسئَلُكمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِى إِلا عَلى اللَّهِ وَ مَا أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّهُم مُّلَقُوا رَبهِمْ وَ لَكِنى أَرَاشْ قَوْماً تجْهَلُونَ(29) وَ يَقَوْمِ مَن يَنصرُنى مِنَ اللَّهِ إِن طرَدتهُمْ أَ فَلا تَذَكرُونَ(30) وَ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائنُ اللَّهِ وَ لا أَعْلَمُ الْغَيْب وَ لا أَقُولُ إِنى مَلَكٌ وَ لا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِى أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيهُمُ اللَّهُ خَيراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فى أَنفُسِهِمْ إِنى إِذاً لَّمِنَ الظلِمِينَ(31)
اللغة
الطرد الإبعاد على جهة الهوان و تطارد الأقوال حمل بعضها على بعض و الإزدراء الاحتقار افتعال من الزراية يقال زريت عليه إذا عبثه و أزرت به إذا قصرت به قال الشاعر :
رأوه فازدروه و هو خرق
و ينفع أهله الرجل القبيح
و لم يخشوا مقالته عليهم
و تحت الرغوة اللبن الصريح
المعنى
ثم أنكر نوح استثقالهم التكليف و العاقل إنما يستثقل الأمر إذا ألزمته مئونة ثقله فقطع هذا العذر بقوله « و يا قوم لا أسألكم عليه مالا » أي لا أطلب منكم على دعائكم إلى الله أجرا فتمتنعون من إجابتي خوفا من أخذ المال « إن أجري إلا على الله » أي ما ثوابي و ما أجري في ذلك إلا على الله « و ما أنا بطارد الذين آمنوا » أي لست أطرد المؤمنين من عندي و لا أبعدهم على وجه الإهانة و قيل أنهم كانوا سألوه طردهم ليؤمنوا له أنفة من أن يكونوا معهم على سواء عن ابن جريج و الزجاج « إنهم ملاقوا ربهم » و هذا يدل على أنهم سألوه طردهم فأعلمهم أنه لا يطردهم لأنهم ملاقوا ربهم فيجازي من ظلمهم و طردهم بجزائه من العذاب عن الزجاج و قيل معناه أنهم ملاقوا ثواب ربهم فكيف يكونون أراذل و كيف يجوز طردهم و هم لا يستحقون ذلك عن الجبائي « و لكني أراكم قوما تجهلون » الحق و أهله و قيل معناه تجهلون أن الناس إنما يتفاضلون بالدين لا بالدنيا و قيل تجهلون فيما تسألون من طرد المؤمنين « و يا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم » معناه من يمنعني من عذاب الله إن أنا طردت المؤمنين فكانوا خصمائي عند الله في الآخرة « أ فلا تذكرون » أي أ فلا تتفكرون فتعلمون أن الأمر على ما قلته و فرق علي بن عيسى بين التفكر و التذكر بأن التذكر طلب معنى قد كان حاضرا للنفس و التفكر طلب معرفة الشيء بالقلب و إن لم يكن حاضرا للنفس و ليست النصرة المذكورة في الآية من الشفاعة في شيء لأن النصرة هي المنع على وجه المغالبة و القهر و الشفاعة هي المسألة على وجه الخضوع فلا دلالة في الآية على نفي الشفاعة

(5/236)


للمذنبين على ما قاله بعضهم « و لا أقول لكم عندي خزائن الله » هذا تمام الحكاية عما قاله نوح لقومه و معناه إني لا أرفع نفسي فوق قدرها فأدعي أن عندي مقدورات الله تعالى فأفعل ما أشاء و أعطي ما أشاء و أمنع من أشاء عن الجبائي و أبي مسلم و قيل خزائن الله مفاتيح الله في الرزق و هذا جواب لقولهم ما نراك إلا بشرا مثلنا أو قولهم و ما نرى لكم علينا من فضل « و لا أعلم الغيب » أي و لا أدعي علم الغيب حتى أدلكم على منافعكم و مضاركم و قيل لا أعلم الغيب فأعلم ما تسرونه في نفوسكم فيكون جوابا لقولهم إن هؤلاء الذين آمنوا بك اتبعوك في ظاهر ما ترى منهم أي فسبيلي قبول إيمانهم الذي ظهر لي و لا يعلم ما يضمرونه إلا الله تعالى « و لا أقول إني ملك » فأخبركم بخبر السماء من قبل نفسي و إنما أنا بشر لا أعلم الأشياء من غير تعليم الله تعالى و قيل معناه لا أقول إني روحاني غير مخلوق من ذكر و أنثى بل أنا بشر مثلكم خصني الله بالرسالة « و لا أقول للذين تزدري أعينكم » أي لا أقول لهؤلاء المؤمنين الذين تستقلونهم و تستخفونهم و تحتقرهم أعينكم لما ترون عليهم من زي الفقراء « لن يؤتيهم الله خيرا » أي لا يعطيهم الله في المستقبل خيرا على أعمالهم و لا يثيبهم عليها بل أعطاهم الله كل خير في الدنيا من التوفيق و يعطيهم كل خير في الآخرة من الثواب « الله أعلم بما في أنفسهم » أي بما في قلوبهم من الإخلاص و غيره « إني إذا لمن الظالمين » إن طردتهم ، تكذيبا لظاهر إيمانهم أو قلت فيهم غير ما أعلم .
قَالُوا يَنُوحُ قَدْ جَدَلْتَنَا فَأَكثرْت جِدَلَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كنت مِنَ الصدِقِينَ(32) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللَّهُ إِن شاءَ وَ مَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ(33) وَ لا يَنفَعُكمْ نُصحِى إِنْ أَرَدت أَنْ أَنصحَ لَكُمْ إِن كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(34) أَمْ يَقُولُونَ افْترَاهُ قُلْ إِنِ افْترَيْتُهُ فَعَلىَّ إِجْرَامِى وَ أَنَا بَرِىءٌ مِّمَّا تجْرِمُونَ(35)
اللغة
الجدال و المجادلة المقابلة بما يفتل الخصم من مذهبه بحجة أو شبهة و هو من الجدل شدة الفتل و يقال للصقر أجدل لأنه من أشد الجوارح و الجدال و المراء بمعنى غير

(5/237)


أن المراء مذموم لأنه مخاصمة في الحق بعد ظهوره كمري الضرع بعد دروره و ليس كذلك الجدال و الفرق بين الحجاج و الجدال أن المطلوب بالحجاج ظهور الحجة و المطلوب بالجدال الرجوع عن المذهب و الإعجاز هو الفوت بالهرب و الفرق بين افتراء الكذب و قول الكذب أن قول الكذب قد يكون على وجه تقليد الإنسان فيه لغيره و أما افتراء الكذب فهو افتعاله من قبل نفسه و أجرم و جرم بمعنى قال :
طريد عشيرة و رهين ذنب
بما جرمت يدي و جنى لساني
المعنى
ثم حكى الله سبحانه جواب قوم نوح عما قاله لهم فقال « قالوا يا نوح قد جادلتنا » أي خاصمتنا و حاججتنا « فأكثرت جدالنا » أي زدت في مجادلتنا على مقدار الكفاية و في بعض الروايات عن ابن عباس فأكثرت جدلنا و المعنى واحد « فأتنا بما تعدنا » من العذاب « إن كنت من الصادقين » في أن الله تعالى يعذبنا على الكفر أي فلسنا نؤمن بك و لا نقبل منك « قال » نوح « إنما يأتيكم به الله إن شاء » أي لا يأتي بالعذاب إلا الله سبحانه متى شاء لا يقدر عليه غيره فإن شاء عجل و إن شاء أخر « و ما أنتم بمعجزين » أي لا تفوتونه بالهرب « و لا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم » ذكر في تأويله وجوه ( أحدها ) إن كان الله يريد أن يخيبكم من رحمته بأن يحرمكم ثوابه و يعاقبكم لكفركم به فلا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم و قد سمى الله سبحانه العقاب غيا بقوله فسوف يلقون غيا و يشهد بصحة ما قلناه قول الشاعر :
فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره
و من يغو لا يعدم على الغي لائما و لما خيب الله سبحانه قوم نوح من رحمته و ثوابه و أعلم الله نوحا (عليه السلام) بذلك في قوله « لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن » قال لهم لا ينفعكم نصحي مع إيثاركم ما يوجب خيبتكم و العذاب الذي جره إليكم قبيح أفعالكم و إذا طرأ شرط على شرط كان الثاني مقدما على الأول في المعنى و إن كان مؤخرا في اللفظ و التقدير و لا ينفعكم نصحي إن كان الله يريد أن يغويكم إن أردت أن أنصح لكم ( و ثانيها ) أن المعنى إن كان الله يريد عقوبة إغوائكم الخلق و إضلالكم إياهم أي يريد عقوبتكم على ذلك و من عادة العرب أن تسمي العقوبة باسم الشيء المعاقب عليه كما في قوله سبحانه « و جزاء سيئة سيئة مثلها و مكروا و مكر الله و الله يستهزىء بهم » و قد مر فيما مضى أمثال ذلك ( و ثالثها ) أن معناه إن كان الله يريد أن يهلككم فلا ينفعكم نصحي عند نزول العذاب بكم و إن قبلتم قولي و آمنتم لأن الله تعالى

(5/238)


حكم بأن لا يقبل الإيمان عند نزول العذاب عن الحسن و قد حكي عن العرب أنهم قالوا أغويت فلانا بمعنى أهلكته و يقال غوي الفصيل إذا فسد من كثرة شرب اللبن ( و رابعها ) أن قوم نوح كانوا يعتقدون أن الله تعالى يضل عباده عن الدين و أن ما هم عليه بإرادة الله و لو لا ذلك لغيره و أجبرهم على خلافه فقال لهم نوح على وجه التعجب من قولهم و الإنكار لذلك أن نصحي لا ينفعكم إن كان القول كما تقولون و هذا هو المحكي عن جعفر بن حرب و إنما شرط النصح بالإرادة في قوله « إن أردت أن أنصح لكم » مع وقوع هذا النصح استظهارا في الحجة عليهم لأنهم ذهبوا إلى أنه ليس بنصح فقال لو كان نصحا ما نفع من لا يقبله و لا يجوز أن يكون المراد بالإغواء في الآية فعل الكفر أو الدعاء إلى الكفر و الحمل عليه على ما يعتقده المجبرة لقيام الأدلة على أن خلق الكفر و إرادته من أقبح القبائح كالأمر به و كما لم يجز أن يأمر به فكذلك لا يجوز أن يفعله و يريده و لأنه لو جاز منه الإضلال لجاز منه أن يبعث من يدعو إلى الضلال و يظهر المعجزات على يده و في هذا ما فيه « هو ربكم و إليه ترجعون » أي هو خالقكم و رازقكم و إلى حكمه و تدبيره تصيرون فيجازيكم على أعمالكم « أم يقولون افتراه » قيل إنه يعني بذلك محمدا (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و المراد أ يؤمن كفار محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) بما أخبرهم به محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) من نبأ قوم نوح (عليه السلام) أم يقولون افتراه محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) من تلقاء نفسه ف « قل » لهم يا محمد « إن افتريته » و اختلقته كما تزعمون « فعلي إجرامي » أي عقوبة جرمي لا تؤخذون به « و أنا بريء مما تجرمون » أي لا أؤخذ بجرمكم عن مقاتل و قيل يعني به نوحا (عليه السلام) و أنه يقول على الله الكذب عن ابن عباس .
النظم
و وجه اتصال هذه الآية بما قبلها على القول الأول أنها تتصل بقوله « أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله » .

(5/239)


وَ أُوحِىَ إِلى نُوح أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِك إِلا مَن قَدْ ءَامَنَ فَلا تَبْتَئس بِمَا كانُوا يَفْعَلُونَ(36) وَ اصنَع الْفُلْك بِأَعْيُنِنَا وَ وَحْيِنَا وَ لا تخَطِبْنى فى الَّذِينَ ظلَمُوا إِنهُم مُّغْرَقُونَ(37) وَ يَصنَعُ الْفُلْك وَ كلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِن تَسخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسخَرُونَ(38) فَسوْف تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يخْزِيهِ وَ يحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ(39)
اللغة
الابتئاس حزن في استكانة و أنشد أبو عبيدة :
ما يقسم الله أقبل غير مبتئس
منه و أقعد كريما ناعم البال و هو افتعال من البؤس و قد يكون البؤس بمعنى الفقر أيضا و الصنع جعل الشيء موجودا بعد أن كان معدوما و مثله الفعل و ينفصلان من الحدوث من حيث إن الصنعة يقتضي صانعا و الفعل يقتضي فاعلا من حيث اللفظ و ليس كذلك الحدوث لأنه يفيد تجدد الوجود لا غير و الصناعة الحرفة التي يكتسب بها و الفلك السفينة و يكون واحدا و جمعا و السخرية إظهار خلاف الإبطان على وجه يفهم منه استضعاف العقل و منه التسخير التذليل يكون استضعافا بالقهر و الفرق بين السخرية و اللعب أن في السخرية خديعة و استنقاصا و لا يكون إلا بحيوان و قد يكون اللعب بجماد و الحلول النزول للمقام و هو من الحل خلاف الارتحال و حلول العرض وجوده في الجوهر من غير شغل حيز و المصحح للحلول التحيز .
الإعراب
سوف ينقل الفعل من الحال إلى الاستقبال مثل السين سواء إلا أن فيه معنى التسويف و هو تعليق النفس بما يكون من الأمور من يأتيه قيل في من هذه قولان ( أحدهما ) أن يكون بمعنى أي فكأنه قال أينا يأتيه عذاب يخزيه ( و الآخر ) أن يكون بمعنى الذي و المعنى واحد و من إذا كانت للاستفهام استغنت عن الصلة كما استغنت كيف و كم عن الصلة و إذا كانت بمعنى الذي فلا بد لها من الصلة لأن البيان مطلوب من المسئول دون السائل .
المعنى
« و أوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن » أعلم الله سبحانه نوحا أنه لن يؤمن به أحد من قومه في المستقبل « فلا تبتئس » أي لا تغتم و لا تحزن « بما كانوا يفعلون » و العقل لا يدل على أن قوما لا يؤمنون في المستقبل و إنما طريق ذلك السمع فلما علم أن أحدا منهم لا يؤمن في ما بعد و لا من نسلهم دعا عليهم فقال رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك و لا يلدوا إلا فاجرا كفارا فلما أراد الله سبحانه إهلاكهم أمر نبيه باتخاذ السفينة له و لقومه فقال « و اصنع الفلك » أي أعمل السفينة لتركبها أنت و من آمن بك « بأعيننا » أي بمرأى منا عن ابن عباس و التأويل بحفظنا

(5/240)


إياك حفظ الرائي لغيره إذا كان يدفع الضرر عنه و ذكر الأعين لتأكيد الحفظ و قيل أراد بالأعين الملائكة الموكلين بك و بحضرتهم و هم ينظرون بأعينهم إليك و إنما أضاف ذلك إلى نفسه إكراما و تعظيما لهم و قوله « و وحينا » معناه و على ما أوحينا إليك من صفتها و حالها عن أبي مسلم و قيل المراد بوحينا إليك أن اصنعها و ذلك أنه (عليه السلام) لم يعلم صنعة الفلك فعلمه الله تعالى عن ابن عباس أي فإنا نوحي إليك بما تحتاج إليه من طوله و عرضه و هيأته « و لا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون » أي لا تسألني العفو عن هؤلاء الذين كفروا من قومك و لا تشفع لهم فإنهم مغرقون عن قريب و هذا غاية في الوعيد كما يقول الملك لوزيره لا تذكر حديث فلان بين يدي و قيل إنه عنى به امرأته و ابنه و إنما نهاه عن ذلك ليصونه عن سؤال ما لا يجاب إليه و ليصرف عنه مأثم الممالأة للطغاة « و يصنع الفلك » أي و جعل نوح (عليه السلام) يصنع الفلك كما أمره الله تعالى و قيل و أخذ نوح في صنعه السفينة بيده فجعل ينحتها و يسويها و أعرض عن قوله « و كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه » أي كلما اجتاز به جماعة من أشراف قومه و رؤسائهم و هو يعمل السفينة هزؤا من فعله و قيل إنهم كانوا يقولون له يا نوح صرت نجارا بعد النبوة على طريق الاستهزاء و قيل إنما كانوا يسخرون من عمل السفينة لأنه كان يعملها في البر على صفة من الطول و العرض و لا ماء هناك يحمل مثلها فكانوا يتضاحكون و يتعجبون من عمله « قال » أي كان يقول لهم « إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون » و المراد أن تستجهلونا في هذا الفعل فإنا نستجهلكم عند نزول العذاب بكم كما تستجهلونا عن الزجاج و قيل معناه فإنا نجازيكم على سخريتكم عند الغرق و الهلاك و أراد به تعذيب الله إياهم فسمى الجزاء باسم المجزي به و يحتمل أن يريد فإنا نسخر منكم بعد الغرق على وجه الشماتة لا على وجه السفه « فسوف تعلمون » أينا أحق بالسخرية أو تعلمون عاقبة سخريتكم « من يأتيه عذاب يخزيه » هذا ابتداء كلام من نوح و الأظهر أن يكون متصلا بما قبله أي فسوف تعلمون أينا يأتيه عذاب يهينه و يفضحه في الدنيا و يكون يخزيه صفة العذاب « و يحل عليه عذاب مقيم » أي و ينزل عليه عذاب دائم في الآخرة .
] القصة [
قال الحسن كان طول السفينة ألف ذراع و مائتي ذراع و عرضها ستمائة ذراع و قال قتادة كان طولها ثلاثمائة ذراع و عرضها خمسين ذراعا و ارتفاعها ثلاثين ذراعا و بابها في عرضها و قال ابن عباس كانت ثلاث طبقات طبقة للناس و طبقة للأنعام و الدواب و طبقة للهوام و الوحش و جعل أسفلها للوحوش و السباع و الهوام و أوسطها للدواب و الأنعام و ركب هو و من معه في الأعلى مع ما يحتاج إليه من الزاد و كانت من خشب الساج و روت عائشة عن

(5/241)


النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال مكث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله تعالى حتى إذا كان آخر زمانهم غرس شجرة فعظمت و ذهبت كل مذهب فقطعها و جعل يعمل على سفينته و قومه يمرون عليه فيسألونه فيقول أعمل سفينة فيسخرون منه و يقولون تعمل سفينة على البر فكيف تجري فيقول سوف تعلمون فلما فرغ منها و فار التنور و كثر الماء في السكك خشيت أم صبي عليه و كانت تحبه حبا شديدا فخرجت إلى الجبل حتى بلغت ثلثه فلما بلغها الماء خرجت به حتى بلغت ثلثيه فلما بلغها الماء خرجت به حتى استوت على الجبل فلما بلغ الماء رقبتها رفعته بيديها حتى ذهب بها الماء فلو رحم الله منهم أحدا لرحم أم الصبي و روى علي بن إبراهيم عن أبيه عن صفوان عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال لما أراد الله إهلاك قوم نوح عقم أرحام النساء أربعين سنة فلم يلد لهم مولود و لما فرغ نوح من اتخاذ السفينة أمره الله تعالى أن ينادي بالسريانية أن يجمع إليه جميع الحيوانات فلم يبق حيوان إلا و قد حضر فأدخل من كل جنس من أجناس الحيوان زوجين ما خلا الفأر و السنور و إنهم لما شكوا إليه سرقين الدواب و القذر دعا بالخنزير فمسح جبينه فعطس فسقط من أنفه زوج سنور و كان الذين آمنوا به من جميع الدنيا ثمانين رجلا و في حديث آخر إنهم شكوا إليه العذرة فأمر الله الفيل فعطس فسقط الخنزير و روى الشيخ أبو جعفر في كتاب النبوة بإسناده عن حنان بن سدير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال آمن مع نوح من قومه ثمانية نفر .

(5/242)


حَتى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَ فَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كلّ زَوْجَينِ اثْنَينِ وَ أَهْلَك إِلا مَنْ سبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَ مَنْ ءَامَنَ وَ مَا ءَامَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ(40) * وَ قَالَ ارْكبُوا فِيهَا بِسمِ اللَّهِ مجْراهَا وَ مُرْساهَا إِنَّ رَبى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ(41) وَ هِىَ تجْرِى بِهِمْ فى مَوْج كالْجِبَالِ وَ نَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَ كانَ فى مَعْزِل يَبُنىَّ ارْكب مَّعَنَا وَ لا تَكُن مَّعَ الْكَفِرِينَ(42) قَالَ سئَاوِى إِلى جَبَل يَعْصِمُنى مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَن رَّحِمَ وَ حَالَ بَيْنهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ(43)
القراءة
قرأ حفص عن عاصم « من كل زوجين » منونا و في المؤمنين كذلك و قرأ الباقون من كل زوجين مضافا و قرأ أهل الكوفة غير أبي بكر « مجريها » بفتح الميم و الباقون بضم الميم و اتفقوا على ضم الميم في « مرسيها » إلا ما يرى في الشواذ عن ابن محيصن أنه فتح الميم فيهما و قرأ عاصم « يا بني اركب معنا » بفتح الياء و الباقون بالكسر و روي عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) و أبي جعفر محمد بن علي و جعفر بن محمد (عليهماالسلام) و عروة بن الزبير و نادى نوح ابنه و روي عن عكرمة ابنها و عن السدي ابناه و عن ابن عباس ابنه على الوقف .
الحجة
الوجه في قراءة حفص ما قاله أبو الحسن إن الاثنين زوجان قال الله تعالى « و من كل شيء خلقنا زوجين » و المرأة زوج الرجل و الرجل زوجها قال و قد يقال للاثنين هما زوج قال لبيد :
من كل محفوف يظل عصية
زوج عليه كلة و قرامها قال أبو علي من قرأ « من كل زوجين » كان قوله « اثنين » مفعول الحمل و المعنى احمل من الأزواج إذا كانت اثنين اثنين زوجين فالزوجان في قوله من كل زوجين يراد بهما الشياع و ليس يراد بهما الناقص عن الثلاثة و مثل ذلك قول الشاعر :
فاعمد لما يعلو فما لك بالذي
لا تستطيع من الأمور يدان إنما يريد تشديد انتفاء قوته عنه و تكثيره و يبين هذا المعنى قول الفرزدق :
و كل رفيقي كل رحل و إن هما
تعاطى القنا قوما هما أخوان فرفيقان اثنان لا يكونان رفيقي كل رحل و إنما يريد الرفقاء إذا كانوا رفيقين و من نون فقال « من كل زوجين » فحذف المضاف إليه من كل و نون فالمعني من كل شيء و من كل زوج

(5/243)


زوجين اثنين فيكون انتصاب اثنين على أنه صفة لزوجين فإن قلت فالزوجان قد فهم أنهما اثنان فكيف جاز وصفهما بقوله « اثنين » فإنما جاز ذلك للتأكيد و التشديد كما قال لا تتخذوا إلهين اثنين و قد جاء في غير هذا من الصفات ما مصرفة إلى التأكيد كقولهم أمس الدابر و نفخة واحدة و نعجة واحدة قال و مناة الثالثة الأخرى قال أبو علي و يجوز في قوله « بسم الله مجريها و مرساها » أن يكون حالا من شيئين من الضمير الذي في قوله « اركبوا » و من الضمير الذي في فيها فإن جعلت قوله « بسم الله » خبر مبتدإ مقدما في قول من لم يرفع بالظرف أو جعلت قوله « مجريها » مرتفعا بالظرف لم يكن قوله « بسم الله مجريها » إلا جملة في موضع الحال من الضمير الذي في فيها و لا يجوز أن يكون من الضمير الذي في قوله « اركبوا » لأنه لا ذكر فيها يرجع إلى الضمير أ لا ترى أن الظرف في قول من رفع بالظرف قد ارتفع به الظاهر و في قول من رفع في هذا النحو بالابتداء قد جعل في الظرف ضمير المبتدأ فإذا كان كذلك خلت الجملة من ذكر يعود إلى ذي الحال من الحال و إذا خلا من ذلك لم يكن إلا حالا من الضمير الذي في فيها و يجوز أن يكون بسم الله حالا من الضمير الذي في قوله « اركبوا » على أن لا يكون الظرف خبرا عن الاسم الذي هو مجريها على ما كان في الوجه الأول و يكون حالا من الضمير على حد قولك خرج بثيابه و ركب في سلاحه و المعنى ركب مستعدا بسلاحه و متلبسا بثيابه و في التنزيل و قد دخلوا بالكفر و هم قد خرجوا به فكان المعنى اركبوا متبركين باسم الله و متمسكين بذكر اسم الله و يكون في باسم الله ذكر يعود إلى المأمورين فإن قلت فكيف يكون اتصال المصدر الذي هو مجريها بالكلام على هذا فإنه يكون متعلقا بما في باسم الله من معنى الفعل و جاز تعلقه به لأنه يكون ظرفا على نحو مقدم الحاج و خفوق النجم كأنهم متبركين بهذا الاسم أو متمسكين به في وقت الجري أو الإجراء و الرسو أو الإرساء على حسب الخلاف بين القراء فيه و لا يكون الظرف متعلقا باركبوا لأن المعنى ليس عليه أ لا ترى أن المعنى لا يراد اركبوا فيها في وقت الجري و الثبات إنما المعنى اركبوا الآن متبركين باسم الله في الوقتين اللذين لا ينفك الراكبون فيها من الإجراء و الإرساء ليس يراد اركبوا وقت الجري و الرسو فموضع مجريها نصب على هذا الوجه بأنه ظرف عمل فيه المعنى و في الوجه الأول رفع بالابتداء أو بالظرف و يدل على أنه في الوجه الأول رفع و إن كان ذلك الفعل الذي كان يتعلق به لا يعتبر به الآن قول الشاعر أنشده الأصمعي :
وا بأبي أنت و فوك الأشنب
كأنما ذر عليه الزرنب

(5/244)


و حجة من فتح مجريها قوله « و هي تجري بهم » و لو كان مجريها لكان و هي تجريهم و حجة من ضم إن جرت بهم و أجرتهم يتقاربان في المعنى يقال جرى الشيء و أجريته و جريت به و أما قوله « يا بني » فقد قال أبو علي الكسر في الياء الوجه في يا بني و ذلك أن اللام من ابن ياء أو واو حذفت في ابن كما حذفت في اسم و اثنين فإذا حقرت ألحقت ياء التحقير فلزم أن ترد اللام الذي حذفت لأنك لو لم تردها لوجب أن تحرك بالتحقير بحركات الإعراب و تعاقبها عليها و هي لا تحرك أبدا بحركة الإعراب و لا غيرها أ لا ترى أن من حذف الهمزة الساكن ما قبلها في نحو الخبء لم يفعل ذلك في الهمز نحو أفياس إنما يبدل من الهمزة ياء و يدغم فيها ياء التحقير كما يفعل ذلك مع ياء خطية و واو مقروة و نحو ذلك من حروف المد التي لا تتحرك فإذا تبينت أن ياء التحقير أجريت هذا المجرى علمت أنها لا تتحرك كما لا تتحرك حروف المد التي أجريت بالتحقير مجراها فلو لم ترد اللام مع ياء التحقير و جعلتها محذوفة في التحقير كما حذفتها في التكبير للزم الياء التي للتحقير الانقلاب كما لزم سائر حروف الإعراب فيبطل دلالتها على التحقير كما أن الألف في التكسير لو حركتها لبطلت دلالتها على التكسير و لذلك رددت اللام فإذا رددت اللام و أضفتها إلى نفسك اجتمعت ثلاث ياءات الأولى منها التي للتحقير و الثانية لام الفعل و الثالثة التي للإضافة تقول هذا بني فإذا ناديت جاز فيها وجهان إثبات الياء و حذفها فمن قال يا عبادي فأثبت فقياس قوله أن يقول بنيي و من قال يا عباد قال يا بني فحذف الياء التي للإضافة و أبقى الكسرة دالة عليها و هذا الوجه هو الجيد عندهم و من قرأ « يا بني » بالفتح فالقول فيه أنه أراد به الإضافة كما أرادها في قوله يا بني إذا كسر الياء التي هي لام الفعل كأنه قال يا بنيي بإثبات ياء الإضافة ثم أبدل من الكسرة الفتحة و من الياء الألف فصار يا بنيا كما قال الشاعر :
يا بنت عما لا تلومي و اهجعي ثم حذف الألف كما كان حذف الياء في يا بني و قد حذفت الياء التي للإضافة إذا أبدلت الألف منها أنشد أبو الحسن :
فلست بمدرك ما فأت مني
بلهف و لا بليت و لا لو أني إنما هو بلهفا قال أبو عثمان و وضع الألف مكان الياء في الإضافة مطرد و أجاز يا زيدا أقبل إذا أردت الإضافة فقال و على هذا قراءة من قرأ يا أبت لم تعبد و يا قوم لا أسألكم و أنشد :
و هل جزع أن قلت وا بتاهما و أما من قرأ و نادى نوح ابنه فإنه أراد ابنها كما روي عن

(5/245)


عكرمة و المعنى ابن امرأته لأنه قد جرى ذكرها في قوله سبحانه « و أهلك » فحذف الألف تخفيفا كما قلنا في بني بالفتح و يا أبت و أما قراءة السدي ابناه فإنه يريد به الندبة و هو على الحكاية أي قال له يا ابناه و وا ابناه فأما ابنه بالسكون فعلى ما جاء في نحو قوله :
و مطواي مشتاقان له أرقان .
اللغة
الفور الغليان و أصله الارتفاع فار القدر يفور فورا و فؤرا و فورانا ارتفع ما فيه بالغليان و منه قولهم فعل ذلك من فوره أي من قبل أن يسكن و الإرساء إمساك السفينة بما تقف عليه يقال أرساها الله فرست قال عنترة :
فصبرت نفسا عند ذلك حرة
ترسو إذا نفس الجبان تطلع و الموج جمع موجة و هي قطعة عظيمة ترتفع عن جملة الماء الكثير و العصمة المنع .
الإعراب
حتى متعلقة بقوله و اصنع الفلك بأعيننا لا عاصم ركب عاصم مع لا فبني لأنهما بالتركيب صارا كاسم واحد و قيل إنه بني لتضمنه معنى من لأن هذا جواب هل من عاصم و حق الجواب أن يكون وفق السؤال فكان يجب أن يقول لا من عاصم إلا أن من حذفت و تضمن الكلام معناه فبني الاسم لذلك و هذا وجه حسن و اليوم خبر و العامل فيه المحذوف لا قوله عاصم لأنه لو عمل فيه عاصم لصار من صلته فكان يجب تنوينه لأنه يشبه المضاف كما تقول لا ضاربا زيدا في دارك و لم يقرأ أحد لا عاصما اليوم و قيل أن خبره قوله « من أمر الله » و التقدير لا ذا عصمة كائن من أمر الله في اليوم و اليوم معمول الظرف و إن تقدم عليه كما جاز كل يوم لك ثوب و لا يجوز أن يتعلق اليوم بنفس أمر لأن أمرا مصدر فلا يتقدم عليه ما في صلته و من رحم فيه ثلاثة أقوال ( أحدها ) أن يكون استثناء منقطعا لأن التقدير إلا من رحمه الله فيكون من مفعولا و استثناء من عاصم و عاصم فاعل فكأنه قال لكن من رحمه الله معصوم ( و ثانيها ) أن يكون المعنى لا عاصم إلا من رحمنا فكأنه قال لا عاصم إلا الله ( و الثالث ) أن عاصم هاهنا بمعنى معصوم و تقديره لا معصوم من أمر الله إلا من رحمه الله و قد يأتي فاعل بمعنى مفعول كقوله في عيشة راضية أي مرضية و ماء دافق أي مدفوق و قال الحطيئة :
دع المكارم لا ترحل لبغيتها
و اقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

(5/246)


أي المكسو و على القولين الأخيرين يكون الاستثناء متصلا و قال ابن كيسان لما قال « لا عاصم » كان معناه لا معصوم لأن في نفي العاصم نفي المعصوم ثم قال « إلا من رحم » فاستثناه على المعنى فيكون متصلا .
المعنى
ثم أخبر سبحانه عن إهلاك قوم نوح فقال « حتى إذا جاء أمرنا » و المعنى فذلك حاله و حالهم حتى إذا جاء قضاؤنا بنزول العذاب « و فار التنور » بالماء أي ارتفع الماء بشدة اندفاع و في التنور أقوال ( أولها ) أنه تنور الخابزة و أنه تنور كان لآدم فار الماء منه علامة لنوح (عليه السلام) إذ نبع الماء من موضع غير معهود خروجه منه عن ابن عباس و الحسن و مجاهد ثم اختلف في ذلك فقال قوم أن التنور كان في دار نوح (عليه السلام) بعين وردة من أرض الشام و قال قوم بل كان في ناحية الكوفة و هو المروي عن أئمتنا (عليهم السلام) و روى المفضل بن عمر عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث طويل قال كان التنور في بيت عجوز مؤمنة في دير قبلة ميمنة مسجد الكوفة قال قلت فكيف كان بدء خروج الماء من ذلك التنور قال نعم إن الله أحب أن يري قوم نوح آية ثم أن الله سبحانه أرسل عليهم المطر يفيض فيضا و فاض الفرات فيضا و فاضت العيون كلها فيضا فغرقهم الله و أنجى نوحا و من معه في السفينة فقلت فكم لبث نوح في السفينة حتى نضب الماء فخرجوا منها فقال لبث فيها سبعة أيام بلياليها فقلت له إن مسجد الكوفة لقديم فقال نعم و هو مصلى الأنبياء و لقد صلى فيه رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) حين أسري به إلى السماء قال له جبرائيل (عليه السلام) يا محمد هذا مسجد أبيك آدم و مصلى الأنبياء فانزل فصل فيه فنزل فصلى فيه ثم أن جبرائيل (عليه السلام) عرج به إلى السماء و في رواية أخرى أن السفينة استقلت بما فيها فجرت على ظهر الماء مائة و خمسين يوما بلياليها و روى أبو عبيدة الحذاء عن أبي جعفر (عليه السلام) قال مسجد كوفان وسطه روضة من رياض الجنة الصلاة فيه بسبعين صلاة صلى فيه ألف نبي و سبعون نبيا فيه فار التنور و جرت السفينة و هو سرة بابل و مجمع الأنبياء (عليهم السلام) ( و ثانيها ) أن التنور وجه الأرض عن ابن عباس و الزهري و عكرمة و اختاره الزجاج و يؤيده قوله « و فجرنا الأرض عيونا » ( و ثالثها ) أن معنى قوله « و فار التنور » طلع الفجر و ظهرت أمارات دخول النهار و تقضي الليل من قولهم نور الصبح تنويرا و روي ذلك عن علي (عليه السلام) ( و رابعها ) أن التنور أعلى الأرض و أشرفها و المعنى نبع الماء من الأمكنة المرتفعة فشبهت بالتنانير لعلوها عن قتادة ( و خامسها ) أن فار التنور معناه اشتد غضب الله عليهم و وقعت نقمته بهم كما تقول العرب حمي الوطيس إذا اشتد الحرب و فار قدر القوم إذا اشتد حربهم قال الشاعر :

(5/247)


تفور علينا قدرهم فنذيمها
و نفثاها عنا إذا حميها غلا يريد بالقدر الحرب و نذيمها نسكنها و هذا أبعد الأقوال من الأثر و حمل الكلام على الحقيقة التي تشهد بها الرواية أولى « قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين » أي قلنا لنوح (عليه السلام) لما فار الماء من التنور احمل في السفينة من كل جنس من الحيوان زوجين أي ذكر و أنثى و قد ذكرنا المعنى في حجة القراءتين « و أهلك » أي و احمل أهلك و ولدك « إلا من سبق عليه القول » أي من سبق الوعد بإهلاكه و الإخبار بأنه لا يؤمن و هي امرأته الخائنة و اسمها واغلة و ابنها كنعان « و من آمن » أي و احمل فيها من آمن بك من غير أهلك ثم أخبر سبحانه فقال « و ما آمن معه إلا قليل » أي إلا نفر قليل و هم ثمانون إنسانا في قول الأكثرين و قيل اثنان و سبعون رجلا و امرأة و بنوه الثلاثة و نساؤهم فهم ثمانية و سبعون نفسا و حمل معه جسد آدم (عليه السلام) عن مقاتل و قيل عشرة أنفس عن ابن إسحاق و قيل ثمانية أنفس عن ابن جريج و قتادة و روي ذلك عن أبي عبد الله (عليه السلام) و قيل سبعة أنفس عن الأعمش و كان فيهم بنوه الثلاثة سام و حام و يافث و ثلاث كنائن لهم فالعرب و الروم و فارس و أصناف العجم ولد سام و السودان من الحبش و الزنج و غيرهم ولد حام و الترك و الصين و الصقالبة و يأجوج و مأجوج ولد يافث « و قال اركبوا فيها » أي و قال نوح لمن آمن معه اركبوا في السفينة و في الكلام حذف تقديره فلما فار التنور و وقف نوح على ما دله الله عليه من هلاك الكفار قال لأهله و قومه « اركبوا فيها بسم الله مجريها و مرسيها » أي متبركين باسم الله أو قائلين بسم الله وقت إجرائها و وقت إرسائها أي إثباتها و حبسها و قيل معناه بسم الله إجراؤها و إرساؤها و قد ذكرنا تفسيره في الحجة و قال الضحاك كانوا إذا أرادوا أن تجري السفينة قالوا بسم الله مجريها فجرت و إذا أرادوا أن تقف السفينة قالوا بسم الله مرسيها فوقفت « إن ربي لغفور رحيم » هذا حكاية عما قاله نوح لقومه و وجه اتصاله بما قبله أنه لما ذكرت النجاة بالركوب في السفينة ذكرت النعمة بالمغفرة و الرحمة لتجتلبا بالطاعة كما اجتلبت النجاة بركوب السفينة « و هي تجري بهم في موج كالجبال » معناه أن السفينة كانت تجري بنوح و من معه على الماء في أمواج كالجبال في عظمها و ارتفاعها و دل بتشبيهها بالجبال على أن ذلك لم يكن موجا واحدا بل كان كثيرا و روي عن الحسن إن الماء ارتفع فوق كل شيء و فوق كل جبل ثلاثين ذراعا و قال غيره خمسة عشر ذراعا و قيل أن سفينة نوح سارت لعشر مضين من رجب فسارت ستة أشهر حتى

(5/248)


طافت الأرض كلها لا تستقر في موضع حتى أتت الحرم فطافت بموضع الكعبة أسبوعا و كان الله سبحانه رفع البيت إلى السماء ثم سارت بهم حتى انتهت إلى الجودي و هو جبل بأرض الموصل فاستقرت عليه اليوم العاشر من المحرم و روى أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) أن نوحا ركب السفينة في أول يوم من رجب فصام و أمر من معه أن يصوموا ذلك اليوم و قال من صام ذلك اليوم تباعدت عنه النار مسيرة سنة « و نادى نوح ابنه » كنعان و قيل أن اسمه يأم « و كان في معزل » أي في قطعة من الأرض غير القطعة التي كان نوح فيها حين ناداه و قيل معناه كان في ناحية من دين أبيه أي قد اعتزل دينه و كان نوح يظن أنه مسلم فلذلك دعاه و قيل كان في معزل من السفينة « يا بني اركب معنا و لا تكن مع الكافرين » دعا ابنه إلى أن يركب معه في السفينة ليسلم من الغرق قال الحسن كان ينافق أباه فلذلك دعاه و قال أبو مسلم دعاه بشرط الإيمان و معناه يا بني آمن بالله ثم اركب معنا و لا تكن على دين الكافرين و على القول الأول يكون معناه لا تتخلف مع الكافرين فتغرق معهم فأجابه ابنه « قال س آوي إلى جبل » أي سأرجع إلى مأوى من جبل « يعصمني من الماء » أي يمنعني من آفات الماء « قال » نوح « لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم » أي لا مانع و لا دافع اليوم من عذاب الله إلا من رحمه الله بإيمانه ف آمن بالله يرحمك الله « و حال بينهما الموج فكان » أي فصار « من المغرقين » .
وَ قِيلَ يَأَرْض ابْلَعِى مَاءَكِ وَ يَسمَاءُ أَقْلِعِى وَ غِيض الْمَاءُ وَ قُضىَ الأَمْرُ وَ استَوَت عَلى الجُْودِى وَ قِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظلِمِينَ(44)
اللغة
البلع إجراء الشيء في الحلق إلى الجوف و الإقلاع إذهاب الشيء من أصله حتى لا يرى له أثر يقال أقلعت السماء إذا ذهب مطرها حتى لا يبقى شيء منه و أقلع عن الأمر إذا تركه رأسا .
المعنى
ثم بين سبحانه الحال بعد انتهاء الطوفان فقال « و قيل يا أرض ابلعي ماءك » أي قال الله سبحانه للأرض أنشفي ماءك الذي نبعت به العيون و اشربي ماءك حتى لا يبقى على وجهك شيء منه و هذا إخبار عن ذهاب الماء عن وجه الأرض بأوجز مدة فجرى مجرى أن قيل لها ابلعي فبلعت « و يا سماء أقلعي » أي و قال تعالى للسماء يا سماء أمسكي

(5/249)


عن المطر و هذا إخبار عن إقشاع السحاب و انقطاع المطر في أسرع زمان فكأنه قال لها أقلعي فأقلعت « و غيض الماء » أي ذهب به عن وجه الأرض إلى باطنه و المعنى و نشفت الأرض ماءها و يقال أن الأرض ابتلعت جميع مائها و ماء السماء لقوله « و غيض الماء » و يقال لم تبتلع ماء السماء لقوله « ابلعي ماءك » و إن ماء السماء صار بحارا و أنهارا و هو المروي عن أئمتنا (عليهم السلام) « و قضي الأمر » أي وقع إهلاك الكفار على التمام و فرغ من الأمر و قيل و قضي الأمر بنجاة نوح و من معه « و استوت على الجودي » أي استقرت السفينة على الجبل المعروف قال الزجاج هو بناحية آمد و قال غيره بقرب جزيرة الموصل قال زيد بن عمرو بن نفيل :
سبحانه ثم سبحانا يعود له
و قبله سبح الجودي و الجمد و قال أبو مسلم الجودي اسم لكل جبل و أرض صلبة و في كتاب النبوة مسندا إلى أبي بصير عن أبي الحسن علي بن موسى بن جعفر (عليه السلام) قال كان نوح لبث في السفينة ما شاء الله و كانت مأمورة فخلى سبيلها فأوحى الله إلى الجبال إني واضع سفينة نوح على جبل منكن فتطاولت الجبال و شمخت و تواضع الجودي و هو جبل بالموصل فضرب جؤجؤ السفينة الجبل فقال نوح عند ذلك يا ماريا أتقن و هو بالعربية يا رب أصلح و في رواية أخرى يا رهمان أتقن و تأويله يا رب أحسن و قيل أرست السفينة على الجودي شهرا « و قيل بعدا للقوم الظالمين » أي قال الله تعالى ذلك و معناه أبعد الله الظالمين من رحمته لإيرادهم أنفسهم مورد الهلاك و إنما انتصب على المصدر و فيه معنى الدعاء و يجوز أن يكون هذا من قول الملائكة أو من قول نوح و المؤمنين و في هذه الآية من بدائع الفصاحة و عجائب البلاغة ما لا يقارب كلام البشر و لا يدانيه منها أنه خرج مخرج الأمر و إن كانت الأرض و السماء من الجماد ليكون أدل على الاقتدار و منها حسن تقابل المعنى و ائتلاف الألفاظ و منها حسن البيان في تصوير الحال و منها الإيجاز من غير إخلال إلى غير ذلك مما يعلمه من تدبره و له معرفة بكلام العرب و محاوراتهم و يروى أن كفار قريش أرادوا أن يتعاطوا معارضة القرآن فعكفوا على لباب البر و لحوم الضأن و سلاف الخمر أربعين يوما لتصفو أذهانهم فلما أخذوا فيما أرادوا سمعوا هذه الآية فقال بعضهم لبعض هذا كلام لا يشبهه شيء من الكلام و لا يشبه كلام المخلوقين و تركوا ما أخذوا فيه و افترقوا .

(5/250)


وَ نَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَب إِنَّ ابْنى مِنْ أَهْلى وَ إِنَّ وَعْدَك الْحَقُّ وَ أَنت أَحْكَمُ الحَْكِمِينَ(45) قَالَ يَنُوحُ إِنَّهُ لَيْس مِنْ أَهْلِك إِنَّهُ عَمَلٌ غَيرُ صلِح فَلا تَسئَلْنِ مَا لَيْس لَك بِهِ عِلْمٌ إِنى أَعِظك أَن تَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ(46) قَالَ رَب إِنى أَعُوذُ بِك أَنْ أَسئَلَك مَا لَيْس لى بِهِ عِلْمٌ وَ إِلا تَغْفِرْ لى وَ تَرْحَمْنى أَكن مِّنَ الْخَسِرِينَ(47) قِيلَ يَنُوحُ اهْبِط بِسلَم مِّنَّا وَ بَرَكَت عَلَيْك وَ عَلى أُمَم مِّمَّن مَّعَك وَ أُمَمٌ سنُمَتِّعُهُمْ ثمَّ يَمَسهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ(48) تِلْك مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْك مَا كُنت تَعْلَمُهَا أَنت وَ لا قَوْمُك مِن قَبْلِ هَذَا فَاصبرْ إِنَّ الْعَقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ(49)
القراءة
قرأ الكسائي و يعقوب و سهل إنه عمل غير صالح على الفعل و نصب غير و الباقون « عمل » اسم مرفوع منون غير بالرفع و قرأ ابن كثير فلا تسئلن مشددة النون مفتوحة و قرأ أبو عمرو و يعقوب و سهل فلا تسئلني خفيفة النون مثبتة الياء و قرأ أهل الكوفة خفيفة النون بغير ياء و قرأ أهل المدينة غير قالون فلا تسئلني مشددة النون مثبتة الياء و قرأ ابن عامر و قالون فلا تسئلن مشددة النون مكسورة بغير ياء .
الحجة
قال أبو علي من قرأ « إنه عمل » فنون فالمراد أن سؤالك ما ليس لك به علم عمل غير صالح و يحتمل أن يكون الضمير في أنه لما دل عليه قوله اركب معنا و لا تكن مع الكافرين فيكون تقديره إن كونك مع الكافرين و انحيازك إليهم و تركك الركوب معنا و الدخول في جملتنا عمل غير صالح و يجوز أن يكون الضمير لابن نوح كأنه جعل عملا غير صالح كما يجعل الشيء الشيء لكثرة ذلك منه كقولهم الشعر زهير أو يكون المراد إنه ذو عمل غير

(5/251)


صالح فحذف المضاف و من قرأ إنه عمل غير صالح فيكون في المعنى كقراءة من قرأ « إنه عمل غير صالح » و هو يجعل الضمير لابن نوح و تكون القراءتان متفقتين في المعنى و إن اختلفتا في اللفظ و من ضعف هذه القراءة بأن العرب لا تقول هو يعمل غير حسن حتى يقولوا عمل غير حسن فالقول فيه أنهم يقيمون الصفة مقام الموصوف عند ظهور المعنى فيقول القائل قد فعلت صوابا و قلت حسنا بمعنى فعلت فعلا صوابا و قلت قولا حسنا قال عمر بن أبي ربيعة :
أيها القائل غير الصواب
أخر النصح و أقلل عتابي و قال أيضا :
و كم من قتيل ما يباء به دم
و من غلق رهن إذا لفه مني
و من مالىء عينيه من شيء غيره
إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى أراد و كم من إنسان قتيل و نظائره كثيرة و من قرأ فلا تسئلن بفتح اللام و لم يكسر النون عدى السؤال إلى مفعول واحد في اللفظ و المعنى على التعدي إلى مفعول ثان و من كسر النون هاهنا فإنه يدل على تعدية السؤال إلى مفعولين ( أحدهما ) اسم المتكلم و الآخر اسم الموصول و حذفت النون المتصلة بياء المتكلم لاجتماع النونات كما حذفت النون من قولهم إني كذلك و كما حذفت النون من قوله :
يسوء الفاليات إذا فليني و أما إثبات الياء في الوصل فهو الأصل و حذفها أخف و الكسرة تدل عليها .
الإعراب
قوله « ما ليس لك به علم » يحتمل قوله به في الآية وجهين ( أحدهما ) أن يكون كقوله :
كان جزائي بالعصا أن أجلدا إذا قدمت بالعصا و كقوله « و كانوا فيه من الزاهدين » و « إني لكما لمن الناصحين » « و أنا على ذلكم من الشاهدين » و زعم أبو الحسن أن ذلك إنما يجوز في حروف الجر و التقدير فيه التعليق بمضمر يفسره هذا الذي ظهر بعد و إن كان لا يجوز تسلطه عليه و مثل ذلك قوله يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين فانتصب يوم يرون بما دل عليه لا بشرى يومئذ و لا يجوز لما بعد لا هذه أن يتسلط على يوم

(5/252)


يرون و كذلك إني لكما لمن الناصحين متعلق بما دل عليه النصح المظهر و التقدير إني ناصح لكما لمن الناصحين و كذلك به في قوله « ما ليس لك به علم » يتعلق بما يدل عليه قوله علم الظاهر و إن لم يجز أن يعمل فيه و الوجه الآخر أن يكون متعلقا بالمستقر و هو العامل فيه كتعلق الظرف بالمعاني كما تقول ليس لك فيه رضا فيكون به في الآية بمنزلة فيه و العلم يراد به العلم المتيقن الذي يعلم به الشيء على الحقيقة ليس العلم الذي يعلم به الشيء على ظاهره كالذي في قوله « فإن علمتموهن مؤمنات » و نحو ما يعلمه الحاكم بشهادة الشاهدين و إقرار المقر بما يدعي و نحو ذلك مما يعلم به العلم الظاهر الذي يسع الحاكم الحكم بالشيء معه « تلك من أنباء الغيب » تلك مبتدأ و من أنباء الغيب الخبر و « نوحيها إليك » خبر ثان و إن شئت كان في موضع الحال أي تلك كائنة من أنباء الغيب موحاة إليك و إن شئت كان تلك مبتدأ و نوحيها الخبر و الجار من صلة نوحيها أي تلك نوحيها إليك من أنباء الغيب و لا يجوز أن يكون من زيادة على تقدير تلك أنباء الغيب لأنها لا تزاد في الموجب و يجوز على قول الأخفش .
المعنى
ثم حكى سبحانه تمام قصة نوح (عليه السلام) فقال « و نادى نوح ربه » نداء تعظيم و دعاء « فقال رب إن ابني من أهلي و إن وعدك الحق » معناه يا مالكي و خالقي و رازقي وعدتني بتنجية أهلي و إن ابني من أهلي و إن وعدك الحق لا خلف فيه فنجه إن كان ممن وعدتني بنجاته « و أنت أحكم الحاكمين » في قولك و فعلك « قال » الله سبحانه « يا نوح إنه ليس من أهلك » و قد قيل في معناه أقوال ( أحدها ) أنه كان ابنه لصلبه و المعنى أنه ليس من أهلك الذين وعدتك بنجاتهم معك لأن الله سبحانه قد استثنى من أهله الذين وعده أن ينجيهم من أراد إهلاكهم بالغرق فقال إلا من سبق عليه القول عن ابن عباس و سعيد بن جبير و الضحاك و عكرمة و اختاره الجبائي ( و ثانيها ) أن المراد بقوله « ليس من أهلك » أنه ليس على دينك فكأن كفره أخرجه عن أن يكون له أحكام أهله عن جماعة من المفسرين و هذا كما قال النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) سلمان منا أهل البيت و إنما أراد على ديننا و روى علي بن مهزيار عن الحسن بن علي الوشاء عن الرضا (عليه السلام) قال قال أبو عبد الله (عليه السلام) أن الله تعالى قال لنوح « إنه ليس من أهلك » لأنه كان مخالفا له و جعل من اتبعه من أهله و يؤيد هذا التأويل أن الله سبحانه قال على طريق التعليل « إنه عمل غير صالح » فبين أنه إنما خرج عن أحكام أهله لكفره و سوء عمله و روي عن عكرمة أنه قال كان ابنه و لكنه كان مخالفا له في العمل و النية فمن ثم قيل « إنه ليس من أهلك » ( و ثالثها ) أنه لم يكن ابنه على الحقيقة و إنما ولد على فراشه فقال

(5/253)


(عليه السلام) إنه ابني على ظاهر الأمر فأعلمه الله تعالى أن الأمر بخلاف الظاهر و نبهه على خيانة امرأته عن الحسن و مجاهد و هذا الوجه بعيد من حيث أن فيه منافاة القرآن لأنه تعالى قال و نادى نوح ابنه و لأن الأنبياء يجب أن ينزهوا عن مثل هذه الحال لأنها تعير و تشين و قد نزه الله أنبياءه عما دون ذلك توقيرا لهم و تعظيما عما ينفر من القبول منهم و روي عن ابن عباس أنه قال ما زنت امرأة نبي قط و كانت الخيانة من امرأة نوح أنها كانت تنسبه إلى الجنون و الخيانة من امرأة لوط أنها كانت تدل على أضيافه ( و رابعها ) أنه كان ابن امرأته و كان ربيبة و يعضده قراءة من قرأ ابنه بفتح الهاء و ابنها و المعتمد المعول عليه في تأويل الآية القولان الأولان « إنه عمل غير صالح » قد ذكرنا الوجه في القراءتين و اختار المرتضى ( رض ) في تأويله أن التقدير أن ابنك ذو عمل غير صالح و استشهد على ذلك بقول الخنساء :
ما أم سقب على بو تطيف به
قد ساعدتها على التحنان أظئار
ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت
فإنما هي إقبال و إدبار أرادت فإنما هي ذات إقبال و إدبار قال و من قال أن المعني إن سؤالك إياي ما ليس لك به علم عمل غير صالح فإن من امتنع من أن يقع على الأنبياء شيء من القبائح يدفع ذلك فإذا قيل له فلم قال « فلا تسئلن ما ليس لك به علم » و كيف قال نوح « رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم » قال لا يمتنع أن يكون نهي عن سؤال ما ليس لك به علم و إن لم يقع منه و إن يكون تعوذ من ذلك و إن لم يوقعه كما نهى الله سبحانه نبيه عن الشرك في قوله لئن أشركت ليحبطن عملك و إن لم يجز وقوع ذلك منه و إنما سأل نوح (عليه السلام) نجاة ابنه بشرط المصلحة لا على سبيل القطع فلما بين الله تعالى أن المصلحة في غير نجاته لم يكن ذلك خارجا عما تضمنه السؤال و قوله « إني أعظك » أي أحذرك و الوعظ الدعاء إلى الحسن و الزجر عن القبيح على وجه الترغيب و الترهيب « أن تكون من الجاهلين » معناه لا تكن منهم قال الجبائي يعني إني أعظك لئلا تكون من الجاهلين و لا شك أن وعظه سبحانه يصرف عن الجهل و ينزه عن القبيح « قال » نوح عند ذلك « رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم » أي أعتصم بك أن أسألك ما لا أعلم أنه صواب و أنك تفعله و معنى

(5/254)


العياذ بالله الاعتصام به طلبا للنجاة و معناه هاهنا الخضوع و التذلل لله سبحانه ليوفقه و لا يكله إلى نفسه و إنما حذف يا من قوله « رب » و أثبته في قوله « يا نوح » لأن ذلك نداء تعظيم و هذا نداء تنبيه فوجب أن يأتي بحرف التنبيه « و إلا تغفر لي و ترحمني أكن من الخاسرين » إنما قال ذلك على سبيل التخشع و الاستكانة لله تعالى و إن لم يسبق منه ذنب ثم حكى الله سبحانه ما أمر به نوحا حين استقرت السفينة على الجبل بعد خراب الدنيا بالطوفان فقال « قيل يا نوح اهبط » أي أنزل من الجبل أو من السفينة « بسلام منا » أي بسلامة منا و نجاة و قيل بتحية و تسليم منا عليك « و بركات عليك » أي و نعم دائمة و خيرات نامية ثابتة حالا بعد حال عليك « و على أمم ممن معك » يعني الأمم الذين كانوا معه في السفينة من المؤمنين و الأمة الجماعة الكثيرة المتفقة على ملة واحدة و قيل معناه و على أمم من ذرية من معك و قيل يعني بالأمم سائر الحيوان الذين كانوا معه لأن الله تعالى جعل فيها البركة « و أمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم » معناه أنه يكون من نسلهم أمم سنمتعهم في الدنيا بضروب من النعم فيكفرون و نهلكهم ثم يمسهم بعد الهلاك عذاب مؤلم و إنما ارتفع أمم لأنه استأنف الإخبار عنهم و روي عن الحسن أنه قال هلك المتمتعون في الدنيا لأن الجهل يغلب عليهم و الغفلة فلا يتفكرون إلا في الدنيا و عمارتها و ملاذها ثم أشار سبحانه إلى ما تقدم ذكره من أخبار قوم نوح فقال « تلك » أي تلك الأنباء « من أنباء الغيب » أي من أخبار ما غاب عنك معرفته و لو قال ذلك كان جائزا لأن المصادر قد يكنى عنها بالتذكير كما يكنى بالتأنيث يقولون قدم فلان ففرحت بها أي بقدمته و فرحت به أي بقدومه « نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت و لا قومك من قبل هذا » أي أن هذه الأخبار التي أعلمناكها لم تكن تعلمها أنت و لا قومك من العرب يعرفونها من قبل إيحائنا إليك لأنهم لم يكونوا أهل كتاب و سير و قيل من قبل هذا القرآن و بيان القصص فيه « فاصبر » أي فاصبر على القيام بأمر الله و على أذى قومك يا محمد كما صبر نوح على أذى قومه و هذا أحد الوجوه التي لأجلها كرر الله قصص الأنبياء (عليهم السلام) ليصبر النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) على ما كان يقاسيه من أمور الكفار الجهال حالا بعد حال « إن العاقبة للمتقين » أي إن العاقبة المحمودة و خاتمة الخير و النصرة للمتقين كما كانت لنوح (عليه السلام) .

(5/255)


وَ إِلى عَاد أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكم مِّنْ إِلَه غَيرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلا مُفْترُونَ(50) يَقَوْمِ لا أَسئَلُكمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِى إِلا عَلى الَّذِى فَطرَنى أَ فَلا تَعْقِلُونَ(51) وَ يَقَوْمِ استَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السمَاءَ عَلَيْكم مِّدْرَاراً وَ يَزِدْكمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَ لا تَتَوَلَّوْا مجْرِمِينَ(52) قَالُوا يَهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَة وَ مَا نحْنُ بِتَارِكى ءَالِهَتِنَا عَن قَوْلِك وَ مَا نحْنُ لَك بِمُؤْمِنِينَ(53) إِن نَّقُولُ إِلا اعْترَاك بَعْض ءَالِهَتِنَا بِسوء قَالَ إِنى أُشهِدُ اللَّهَ وَ اشهَدُوا أَنى بَرِىءٌ مِّمَّا تُشرِكُونَ(54) مِن دُونِهِ فَكِيدُونى جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنظِرُونِ(55) إِنى تَوَكلْت عَلى اللَّهِ رَبى وَ رَبِّكم مَّا مِن دَابَّة إِلا هُوَ ءَاخِذُ بِنَاصِيَتهَا إِنَّ رَبى عَلى صِرَط مُّستَقِيم(56) فَإِن تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكم مَّا أُرْسِلْت بِهِ إِلَيْكمْ وَ يَستَخْلِف رَبى قَوْماً غَيرَكمْ وَ لا تَضرُّونَهُ شيْئاً إِنَّ رَبى عَلى كلِّ شىْء حَفِيظٌ(57) وَ لَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نجَّيْنَا هُوداً وَ الَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَة مِّنَّا وَ نجَّيْنَهُم مِّنْ عَذَاب غَلِيظ(58) وَ تِلْك عَادٌ جَحَدُوا بِئَايَتِ رَبهِمْ وَ عَصوْا رُسلَهُ وَ اتَّبَعُوا أَمْرَ كلِّ جَبَّار عَنِيد(59) وَ أُتْبِعُوا فى هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَ يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَلا إِنَّ عَاداً كَفَرُوا رَبهُمْ أَلا بُعْداً لِّعَاد قَوْمِ هُود(60)
اللغة
الفطر الشق عن أمر الله كما ينفطر الورق عن الشجر و منه فطر الله الخلق لأنه بمنزلة ما شق عنه فظهر .
المدرار الدار الكثير المتتابع على قدر الحاجة إليه دون الزائد

(5/256)


المفسد المضر و مفعال للمبالغة كقولهم معطار و مقدام و اعتراك من قولهم عراه يعروه إذا أصابه قال الشاعر :
من القوم يعروه اجتراء و مأثم ) و الفرق بين الإنظار و التأخير إن الإنظار إمهال لينظر صاحبه في أمره و التأخير خلاف التقديم و الناصية قصاص الشعر و أصله الاتصال من قولهم مفازة تناصي مفازة إذا كانت الأخيرة متصلة بالأولى قال فيء تناصيها بلا دفيء و قال أبو النجم :
إن يمس رأسي أشمط العناصي
كأنما فرقه المناصي أي يجاذب ليتصل به في مرة العنيد العاتي الطاغي عند يعند عنودا إذا تجبر و عند عن الأمر إذا حاد عنه فهو عاند و عنود .
الإعراب
أخاهم نصب بتقدير أرسلنا كأنه قال و أرسلنا إلى عاد أخاهم و هودا عطف بيان و عاد مصروف لأن المراد به الحي و قد يقصد به القبيلة فلا يصرف قال :
لو شهد عاد في زمان عاد
لأبتزها مبارك الجلاد غيره من ضم الراء حمل الصفة على الموضع و من جره حمله على اللفظ قوله « إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء » قال صاحب كتاب كشف الجامع النحوي إن حرف نفي لحقت نقول فنفت جميع القول إلا قولا واحدا و هو قولهم « اعتراك بعض آلهتنا بسوء » و التقدير ما نقول قولا إلا هذه المقالة و الفعل يدل على المصدر و على الظرف و على الحال و يجوز أن يذكر الفعل ثم يستثني من مدلوله ما دل عليه من المصادر و الظروف و الأحوال فنقول اعتراك مستثنى من المصدر الذي دل عليه نقول كقوله تعالى « أ فما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى » فنصب موتتنا على الاستثناء لأنه مستثنى من ضروب الموت الذي دل عليه قوله بميتين و مما جاء من ذلك في الظروف قوله « و يوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار » فساعة استثناء مما دل عليه يلبثوا من الأوقات و مما جاء من ذلك في الحال قوله « ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله » التقدير ضربت عليهم الذلة في جميع الأحوال أينما ثقفوا إلا متمسكين بحبل أي بعهد من الله انتهى كلامه و قوله « فإن تولوا »

(5/257)


تقديره فإن تتولوا فحذف إحدى التاءين لدلالة الكلام عليه و قوله « بعدا لعاد » منصوب على المصدر أي أبعدهم الله بعدا فوقع بعدا موقع إبعاد كما وقع نبات موقع إنبات في قوله « و الله أنبتكم من الأرض نباتا » .
المعنى
ثم عطف سبحانه قصة هود على قصة نوح فقال « و إلى عاد أخاهم هودا » أراد أخاهم في النسب دون الدين « قال يا قوم اعبدوا الله » وحده و أطيعوه دون الأصنام « ما لكم من إله غيره » دخول من يفيد التعميم نفى أن يكون لهم معبود يستحق العبادة غير الله عز اسمه « إن أنتم إلا مفترون » أي ما أنتم إلا كاذبون في قولكم إن الأصنام آلهة « يا قوم لا أسألكم عليه أجرا » أي لست أطلب منكم على دعائي لكم إلى عبادة الله جزاء « إن أجري إلا على الذي فطرني » أي ليس جزائي إلا على الله الذي خلقني « أ فلا تعقلون » عنى ما أقول لكم فتعلمون أن الأمر على ما أقوله « و يا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه » قد بينا وجه تقديم الاستغفار على التوبة في أول هذه السورة « يرسل السماء عليكم مدرارا » أي يرسل المطر عليكم متتابعا متواترا دارا و قيل أنهم كانوا قد أجدبوا فوعدهم هود أنهم إن تابوا أخصبت بلادهم و أمرعت وهادهم و أثمرت أشجارهم و زكت ثمارهم بنزول الغيث الذي يعيشون به و هذا مثل قوله و من يتق الله يجعل له مخرجا و يرزقه من حيث لا يحتسب « و يزدكم قوة إلى قوتكم » فسرت القوة هنا بالمال و الولد و الشدة و كل ذلك مما يتقوى به الإنسان قال علي بن عيسى يريد عزا إلى عزتكم بكثرة عددكم و أموالكم و قيل قوة في إيمانكم إلى قوة أبدانكم « و لا تتولوا » عما أدعوكم إليه « مجرمين » أي مشركين كافرين « قالوا يا هود ما جئتنا ببينة » أي بحجة و معجزة تبين صدقك « و ما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك » أي لسنا بتاركي عبادة الأصنام لأجل قولك و قيل إن عن جعلت مكان الباء فمعناه بقولك « و ما نحن لك بمؤمنين » أي مصدقين و إنما حملهم على دفع البينة مع ظهورها أشياء منها تقليد الآباء و الرؤساء و منها إتمامهم لمن جاء بها حيث لم ينظروا فيها و منها أنه دخلت عليهم الشبهة في صحتها و منها اعتقادهم لأصول فاسدة دعتهم إلى جحدها و إنما حملهم على عبادة الأوثان أشياء منها اعتقادهم إن عبادتها تقربهم إلى الله زلفى و منها أن الشيطان ربما ألقى إليهم أن عبادتها تحظيهم في الدنيا و منها أنهم ربما اعتقدوا مذهب المشبهة فاتخذوا الأوثان على صورته عندهم فعبدوها « إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء » هذا تمام الحكاية عن قوم هود جوابا لهود و المعنى لسنا نقول

(5/258)


فيك إلا أنه أصابك بعض آلهتنا بسوء فخبل عقلك لشتمك لها و سبك إياها ذهب إليه ابن عباس و مجاهد « قال » أي قال هود لقومه « إني أشهد الله و اشهدوا » أي و أشهدكم أيضا بعد إشهاد الله « أني بريء مما تشركون من دونه » أي إن كنتم تزعمون أن آلهتكم عاقبتني لطعني عليها فإني على بصيرة في البراءة مما تشركونه مع الله من آلهتكم التي تزعمون أنها أصابتني بسوء و إنما أشهدهم على ذلك و إن لم يكونوا أهل شهادة من حيث كانوا كفارا فساقا إقامة للحجة عليهم لا لتقوم الحجة بهم فقال هذا القول إعذارا و إنذارا و قيل إنه أراد بقوله « اشهدوا » و اعلموا كما قال شهد الله أي علم الله « فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون » أي فاحتالوا و اجتهدوا أنتم و آلهتكم في إنزال مكروه بي ثم لا تمهلوني قال الزجاج و هذا من أعظم آيات الأنبياء أن يكون الرسول وحده و أمته متعاونة عليه فيقول لهم كيدوني فلا يستطيع واحد منهم ضره و كذلك قال نوح لقومه فاجمعوا أمركم و شركاءكم الآية و قال نبينا (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فإن كان لكم كيد فكيدون و مثل هذا القول لا يصدر إلا عمن هو واثق بنصر الله و بأنه يحفظه عنهم و يعصمه منهم ثم ذكر هود (عليه السلام) هذا المعنى فقال « إني توكلت على الله ربي و ربكم » أي فوضت أمري إلى الله سبحانه متمسكا بطاعته تاركا لمعصيته و هذا هو حقيقة التوكل على الله سبحانه « ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها » أي ما من حيوان يدب على وجه الأرض إلا و هو مالك لها يصرفها كيف يشاء و يقهرها و جعل الآخذ بالناصية كناية عن القهر و القدرة لأن من أخذ بناصية غيره فقد قهره و أذله « إن ربي على صراط مستقيم » أي أنه سبحانه مع كونه قاهرا على عدل فيما يعامل به عباده و المعنى أنه يعدل و لا يجوز و قيل معناه إن ربي في تدبير عباده على طريق مستقيم لا عوج فيه و لا اضطراب فهو يجري على سبيل الصواب و يفعل ما يقتضيه الحكمة « فإن تولوا » هذا حكاية عما قاله هود (عليه السلام) لقومه و المعنى فإن تتولوا و يجوز أن يكون حكاية عما قاله سبحانه لهود و المعنى فإن تولوهم « ف » قل لهم « قد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم » أي ليس ذلك لتقصير مني في إبلاغكم و إنما هو لسوء اختياركم في إعراضكم عن نصحي فقد أبلغتكم جميع ما أوحي إلي « و يستخلف ربي قوما غيركم » أي و يهلككم ربي بكفركم و يستبدل بكم قوما غيركم يوحدونه و يعبدونه « و لا تضرونه شيئا » يعني إذا استخلف غيركم فجعلهم بدلا منكم لا تقدرون له على ضر و قيل معناه لا تضرونه بتوليكم و إعراضكم شيئا و لا ضرر عليه في إهلاككم لأنه لم يخلقكم لحاجة منه إليكم « إن ربي على كل شيء حفيظ » يحفظه من الهلاك إن شاء و يهلكه إذا شاء و قيل معناه إن ربي يحفظني عنكم و عن أذاكم و قيل معناه إن ربي على كل شيء من أعمال عباده حفيظ حتى يجازيهم عليها « و لما جاء أمرنا » بهلاك عاد « نجينا هودا و الذين آمنوا معه »

(5/259)


من الهلاك و قيل أنهم كانوا أربعة آلاف « برحمة منا » أي بما أريناهم من الهدى و البيان عن ابن عباس و قيل « برحمة منا » أي بنعمة منا و هي النجاة أي أنجيناهم برحمة ليعلم أنه عذاب أريد به الكفار لا اتفاق وقع « و نجيناهم من عذاب غليظ » أي كما نجيناهم من عذاب الدنيا نجيناهم من عذاب الآخرة و الغليظ الثقيل العظيم و يحتمل أن يكون هذا صفة للعذاب الذي عذب به قوم هود ثم ذكر سبحانه كفر عاد فقال « و تلك » أي و تلك القبيلة « عاد جحدوا ب آيات ربهم » يعني معجزات هود الدالة على صحة نبوته « و عصوا رسله » إنما جمع الرسل و كان قد بعث إليهم هود لأن من كذب رسولا واحدا فقد كفر بجميع الرسل و لأن هودا كان يدعوهم إلى الإيمان به و بمن تقدمه من الرسل و بما أنزل عليهم من الكتب فكذبوا بهم جميعا فلذلك عصوهم « و اتبعوا أمر كل جبار عنيد » أي و اتبع السفلة و السقاط الرؤساء و قيل إن الجبار من يقتل و يضرب على غضبه و العنيد الكثير العناد الذي لا يقبل الحق « و أتبعوا في هذه الدنيا لعنة » أي و أتبع عادا بعد إهلاكهم في الدنيا بالإبعاد عن الرحمة فإن الله تعالى أبعدهم من رحمته و تبعد المؤمنين بالدعاء عليهم باللعن « و يوم القيامة » أي و في يوم القيامة يبعدون من رحمة الله كما بعدوا في الدنيا منها و يلعنون بأن يدخلوا النار فإن اللعنة الدعاء بالإبعاد من قولك لعنه إذا قال عليه لعنة الله و أصله الإبعاد من الخير « ألا » ابتداء و تنبيه « إن عادا كفروا ربهم » أراد بربهم فحذف الباء كما قالوا أمرتك الخير أي بالخير « ألا بعدا لعاد قوم هود » أي أبعدهم الله من رحمته فبعدوا بعدا .

(5/260)


* وَ إِلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صلِحاً قَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكم مِّنْ إِلَه غَيرُهُ هُوَ أَنشأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَ استَعْمَرَكمْ فِيهَا فَاستَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبى قَرِيبٌ مجِيبٌ(61) قَالُوا يَصلِحُ قَدْ كُنت فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَ تَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا وَ إِنَّنَا لَفِى شك مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيب(62) قَالَ يَقَوْمِ أَ رَءَيْتُمْ إِن كنت عَلى بَيِّنَة مِّن رَّبى وَ ءَاتَاخ مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصرُنى مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنى غَيرَ تَخْسِير(63) وَ يَقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكمْ ءَايَةً فَذَرُوهَا تَأْكلْ فى أَرْضِ اللَّهِ وَ لا تَمَسوهَا بِسوء فَيَأْخُذَكمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ(64) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فى دَارِكمْ ثَلَثَةَ أَيَّام ذَلِك وَعْدٌ غَيرُ مَكْذُوب(65) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نجَّيْنَا صلِحاً وَ الَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَة مِّنَّا وَ مِنْ خِزْىِ يَوْمِئذ إِنَّ رَبَّك هُوَ الْقَوِى الْعَزِيزُ(66) وَ أَخَذَ الَّذِينَ ظلَمُوا الصيْحَةُ فَأَصبَحُوا فى دِيَرِهِمْ جَثِمِينَ(67) كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا إِنَّ ثَمُودَا كفَرُوا رَبهُمْ أَلا بُعْداً لِّثَمُودَ(68)
القراءة
قرأ أهل المدينة غير إسماعيل و الكسائي و البرجمي و الشموني عن أبي بكر عن عاصم و من خزي يومئذ بفتح الميم هاهنا و عذاب يومئذ في المعارج و الباقون بكسر الميم على الإضافة و قرأ حمزة و حفص عن عاصم و يعقوب « ألا إن ثمودا » غير منون في جميع القرآن و قرأ الباقون ثمودا بالتنوين هاهنا و في الفرقان و العنكبوت و النجم لأنه مكتوب بالألف في هذه المواضع و أبو بكر عن عاصم يقرأ و ثمود في و النجم بغير تنوين و ينون الباقي و روى عنه البرجمي و محمد بن غالب عن الأعشى في و النجم بالتنوين أيضا و قرأ الكسائي وحده ألا بعدا لثمود بالجر و التنوين و الباقون « لثمود » بفتح الدال .
الحجة
قال أبو علي قوله و من خزي يومئذ يوم في قوله يومئذ ظرف فتحت أو كسرت في المعنى إلا أنه اتسع فيه فجعل اسما كما اتسع في قوله « بل مكر الليل و النهار » فأضيف المكر إليهما و إنما هو فيهما فكذلك العذاب و الخزي و الفزع في قوله من فزع يومئذ أضفن إلى اليوم و المعنى على أن ذلك كله في اليوم كما أن المكر في الليل و النهار يدلك على ذلك قوله « و لعذاب الآخرة أخزى » و قوله « لا يحزنهم الفزع الأكبر » و قوله « ففزع من في السموات و من في الأرض » و قوله « ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته » و أما من

(5/261)


كسر الميم من يومئذ فلأن يوما اسم معرب فأضيف إليه ما أضيف من العذاب و الخزي و الفزع فانجر بالإضافة و لم يفتح اليوم فتبنيه لإضافته إلى المبني لأن المضاف منفصل من المضاف إليه و لا يلزمه الإضافة فلما لم يلزم الإضافة المضاف لم يلزم فيه البناء يدلك على ذلك أنك تقول ثوب خز و دار زيد فلا يجوز فيه إلا الإعراب و إن كان الاسمان جعلا بمعنى الحرف فلم يلزمها البناء كما يلزم ما لا ينفك منه معنى الحرف نحو أين و كيف و متى فلما لم يبن المضاف للإضافة و إن كان قد عمل عمل الحرف من حيث كان غير لازم كذلك لم يبن يوم للإضافة إلى إذ لأن إضافته لم تلزم كما لم يبن المضاف و إن كان قد عمل في المضاف إليه بمعنى اللام أو بمعنى من لما لم تلزم الإضافة و أما من فتح فقال من عذاب يومئذ و من خزي يومئذ ففتح مع أنه في موضع جر فلأن المضاف يكتسي من المضاف إليه التعريف و التنكير و معنى الاستفهام و الجزاء في نحو غلام من تضرب و غلام من تضرب أضربه و النفي في نحو قولهم ما أخذت باب دار أحد فلما كان يكتسي من المضاف إليه هذه الأشياء اكتسى منه الإعراب و البناء أيضا إذا كان المضاف من الأسماء الشائعة نحو يوم و حين و مثل و يشبه بهذا الشياع الأسماء الشائعة المبنية نحو أين و كيف و لو كان المضاف مخصوصا نحو رجل و غلام لم يكتس منه البناء كما اكتسى منه الأسماء الشائعة فمما جاء من ذلك قوله :
على حين عاتبت المشيب على الصبا
و قلت أ لما أصح و الشيب وازع و من ذلك قوله « إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون » فمثل في موضع رفع في قول سيبويه و قد جرى وصفا على النكرة إلا أنه فتح للإضافة إلى ما و من ذلك قول الشاعر :
و تداعى مدخراه بدم
مثل ما أثمر حماض الجبل لما أضاف مثل إلى المبني و كان اسما شائعا بناه و لم يعربه و ذهب أبو عثمان إلى أنه جعل مثلا مع ما بمنزلة اسم واحد فبني مثلا على الفتح و لا دلالة قاطعة على هذا القول في هذا البيت و إن كان ما ذهب إليه مستقيما فأما الكسرة في إذ فلالتقاء الساكنين و ذلك إن إذ من حكمها أن تضاف إلى الجملة من الابتداء و الخبر فلما اقتطعت عنها الإضافة نونت ليدل التنوين على أن المضاف إليه قد حذف فكسرت الذال لسكونها و سكون التنوين و قال في صرف ثمود و ترك صرفه أن هذه الأسماء التي تجري على القبائل و الأحياء على ضروب ( أحدها ) أن يكون اسما للحي و الأب ( و الآخر ) أن يكون اسما للقبيلة ( و الثالث ) أن يكون الغالب عليه الأب و الحي و القبيلة ( و الرابع ) أن يستوي ذلك في الاسم فيجري على الوجهين و لا

(5/262)


يكون لأحد الوجهين مزية على الآخر في الكثرة فمما جاء على أنه اسم الحي قولهم ثقيف و قريش و كل ما لا يقال فيه بنو فلان و أما ما جاء اسما للقبيلة فنحو تميم قالوا تميم بنت مر قال سيبويه سمعناهم يقولون قيس ابنة غيلان و تميم صاحبة ذلك و قالوا تغلب ابنة وائل قال :
لو لا فوارس تغلب ابنة وائل
نزل العدو عليك كل مكان و أما ما غلب عليه اسم الحي أو القبيلة فقد قالوا بأهلة بن أعصر و قالوا يعصر و بأهلة اسم امرأة قال سيبويه و لكنه جعل اسم الحي و مجوس لم يجعل إلا اسم القبيلة و تميم أكثرهم يجعله اسم القبيلة و منهم من يجعله اسم الأب فأما ما استوى فيه أن يكون اسما للقبيلة و أن يكون اسما للحي فقال سيبويه هو ثمود و سبأ فهما مرة للقبيلتين و مرة للحيين و كثرتهما سواء قال و عادا و ثمودا و قال « ألا إن ثمودا كفروا ربهم » و قال « و آتينا ثمود الناقة » فإذا استوى في ثمود أن يكون مرة للقبيلة و مرة للحي فلم يكن لحمله على أحد الوجهين مزية في الكثرة فمن صرف في جميع المواضع كان حسنا و من لم يصرف في جميع المواضع كان حسنا و كذلك أن صرف في موضع و لم يصرف في موضع آخر إلا أنه لا ينبغي أن يخرج عما قرأت به القراء فإن القراءة سنة متبعة و من ذلك قول الشاعر :
كسا الله حي تغلب ابنة وائل
من اللؤم أظفارا بطيء نصولها فقال حي ثم قال ابنة وائل فجمع بين الحي و القبيلة و أما قوله :
أولئك أولى من يهود لمدحه
إذا أنت يوما قلتها لم تؤنب فقد قامت الدلالة على أن يهود استعملت على أنها للقبيلة و ليس للحي في قوله أولئك أولى من يهود لأن يهود لو كان للحي لصرف و أنشد أبو الحسن :
فرت يهود و أسلمت جيرانها
صمي لما فعلت يهود صمام و كذلك جاء في الحديث تقسم يهود و مثل يهود في هذا مجوس في قول الشاعر :
كنار مجوس تستعر استعارا أ لا ترى أنه لو كان للحي دون القبيلة لأنصرف .

(5/263)


اللغة
الإنشاء إيجاد ابتداء من غير استعانة بشيء من الأسباب و أنشأ فلان حديثا أو شعرا و الاستعمار جعل القادر يعمر الأرض كعمارة الدار و منه العمرى في الفقه و هو أن يقول أعطيتك هذه الدار عمري أو عمرك و المس و اللمس بمعنى و فرق علي بن عيسى بينهما بأن المس قد يكون بين جمادين و اللمس لا يكون إلا بين حيين لما فيه من الإدراك و الجثوم السقوط على الوجه و قيل هو القعود على الركبة و غني بالمكان إذا أقام به و المغنى المنزل قال النابغة :
غنيت بذلك إذ هم لك جيرة
منها بعطف رسالة و تودد و أصل الغنى الاكتفاء و منه الغنى بالمال و الغناء بالمد الصوت الذي يكتفي به و الغناء الاكتفاء بحال الشيء و منه غني بالمكان لاكتفائه بالإقامة فيه .
الإعراب
أ رأيتم لا مفعول له هاهنا لأنه معلق كما يعلق إذا دخل الجملة لام الابتداء في مثل قوله قد رأيت لزيد خير منك فكذلك الجزاء و جواب أن الأولى الفاء و جواب أن الثانية محذوف و تقديره إن عصيته فمن ينصرني إلا أنه استغني بالأول فلم يظهر و من ينصرني صورته صورة الاستفهام و معناه النفي فكأنه قال فلا ناصر لي من الله إن عصيته و إنما جاز إلغاء رأيت هنا لأنها دخلت على جملة قائمة بنفسها من جهة أنها تفيد لو انفردت عن غيرها و هو يتعلق بمعناها دون تفصيل لفظها و قوله « فيأخذكم » جواب النهي بالفاء و لذلك نصبه و تقديره لا يقع منكم مسها بسوء فأن يأخذكم عذاب قريب أي فأخذ عذاب عاجل إياكم و أيام أصله أيوام قلبت الواو ياء و أدغمت الياء الأولى فيها .
المعنى
ثم عطف سبحانه على ذلك قصة صالح فقال « و إلى ثمود أخاهم صالحا » و كان ثمود بوادي القرى بين المدينة و الشام و كان عاد باليمن عن الجبائي ف « قال » لهم صالح « يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره » مضى تفسيره « هو أنشأكم من الأرض » أي ابتدأ خلقكم من الأرض لأنه خلق آدم من الأرض و مرجع نسبكم إليه « و استعمركم فيها » أي جعلكم عمار الأرض بأن مكنكم من عمارتها و أحوجكم إلى السكنى فيها و قيل معناه و أعمرها لكم مدة إعماركم من العمرى عن مجاهد و قيل معناه و أطال فيها أعماركم عن الضحاك قال و كانت أعمارهم من ألف سنة إلى ثلاثمائة سنة و قيل معناه أمركم من عمارتها بما تحتاجون إليه من المساكن و الزراعات و غرس الأشجار و في هذا دلالة على فساد قول من حرم المكاسب لأنه سبحانه امتن على عباده بأن مكنهم من عمارة الأرض

(5/264)


و لو كان ذلك محرما لم يكن لذلك وجه « فاستغفروه ثم توبوا إليه » أي فاستغفروه من الشرك و الذنوب ثم دوموا على التوبة « إن ربي قريب » برحمته لمن وحده « مجيب » لمن دعاه « قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا » أي كنا نرجو منك الخير لما كنت عليه من الأحوال الجميلة قبل هذا القول فالآن يئسنا منك و من خيرك بإبداعك ما أبدعت و قيل معناه كنا نرجوك و نظنك عونا لنا على ديننا « أ تنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا » استفهام معناه الإنكار كأنهم أنكروا أن ينهى الإنسان عن عبادة ما عبده آباؤه « و إننا لفي شك مما تدعونا إليه » من الدين « مريب » موجب للريبة و التهمة إذ لم يكن آباؤنا في جهالة و ضلالة « قال » صالح لهم « يا قوم أ رأيتم إن كنت على بينة من ربي » مر بيانه فيما قبل « و آتاني منه رحمة » أي و أعطاني الله منه نعمة و هي النبوة « فمن ينصرني من الله إن عصيته » أي فمن يمنع عذاب الله عني إن عصيته مع نعمته علي « فما تزيدونني غير تخسير » أي ما تزيدونني بقولكم « أ تنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا » غير نسبتي إياكم إلى الخسارة و التخسير مثل التفسيق و التفجير قال ابن الأعرابي يريد غير تخسير لكم لا لي و قال ابن عباس ما تزيدونني إلا بصيرة في خسارتكم و قيل معناه إن أجبتكم إلى ما تدعونني إليه كنت بمنزلة من يزداد الخسران « و يا قوم هذه ناقة الله لكم آية » أشار إلى ناقته التي جعلها الله معجزته لأنه سبحانه أخرجها لهم من جوف صخرة يشاهدونها على تلك الصفة و خرجت كما طلبوه و هي حامل و كانت تشرب يوما جميع الماء فتنفرد به و لا ترد الماء معها دابة فإذا كان يوم لا ترد فيه وردت الواردة كلها الماء و هذا أعظم آية و معجزة و انتصب آية على الحال من ناقة الله فكأنه قال انتبهوا إليها في هذه الحال و المعنى إن شككتم في نبوتي فهذه الناقة معجزة لي و أضافها إلى الله تشريفا لها كما يقال بيت الله « فذروها تأكل في أرض الله » أي فاتركوها في حال أكلها فتكون « تأكل في أرض الله » جملة منصوبة الموضع على الحال و يجوز أن يكون مرفوعا على الاستئناف و المعنى فإنها تأكل في أرض الله من العشب و النبات « و لا تمسوها » أي لا تصيبوها « بسوء » قتل أو جرح أو غيره « فيأخذكم » إن فعلتم ذلك « عذاب قريب » أي عاجل فيهلككم « فعقروها » أي عقرها بعضهم و رضي به البعض و إنما عقرها أحمر ثمود و ضربت به العرب المثل في الشؤم « فقال » صالح « تمتعوا في داركم ثلاثة أيام » أي تلذذوا بما تريدون من المدركات الحسنة من المناظر و الأصوات و غيرها مما يدرك بالحواس في بلادكم ثلاثة أيام ثم يحل بكم العذاب بعد ذلك و يقال للبلاد دار لأنها تجمع أهلها كما تجمع الدار أهلها و منه قولهم ديار ربيعة و ديار مضر و قيل « في داركم » يعني دار الدنيا و قيل معنى قوله « تمتعوا في داركم » عيشوا في بلدكم و عبر عن الحياة بالتمتع لأن الحي يكون متمتعا

(5/265)


بالحواس قالوا لما عقرت الناقة صعد فصيلها الجبل و رغا ثلاث مرات فقال صالح لكل رغوة أجل يوم فاصفرت ألوانهم أول يوم ثم احمرت في الغد ثم اسودت اليوم الثالث فهو قوله « ذلك وعد غير مكذوب » أي إن ما وعدتكم به من العذاب و نزوله بعد ثلاثة أيام وعد صدق لا كذب فيه و روى جابر بن عبد الله الأنصاري أن رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لما نزل الحجر في غزوة تبوك قام فخطب الناس و قال يا أيها الناس لا تسألوا نبيكم الآيات فهؤلاء قوم صالح سألوا نبيهم أن يبعث لهم الناقة و كانت ترد من هذا الفج فتشرب ماءهم يوم ورودها و يحلبون من لبنها مثل الذي كانوا يشربون من مائها يوم غبها فعتوا عن أمر ربهم « فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام » و كان وعدا من الله غير مكذوب ثم جاءتهم الصيحة فأهلك الله من كان في مشارق الأرض و مغاربها منهم إلا رجلا كان في حرم الله فمنعه حرم الله من عذاب الله تعالى يقال له أبو رغال قيل له يا رسول الله من أبو رغال قال أبو ثقيف « فلما جاء أمرنا نجينا صالحا و الذين آمنوا معه برحمة منا » مر تفسيره في قصة عاد « و من خزي يومئذ » قال ابن الأنباري هذا معطوف على محذوف تقديره نجيناهم من العذاب و « من خزي يومئذ » أي من الخزي الذي لزمهم ذلك اليوم و الخزي العيب الذي تظهر فضيحته و يستحي من مثله « إن ربك هو القوي » أي القادر على ما يشاء « العزيز » الذي لا يمتنع عليه شيء و لا يمنع عما أراده « و أخذ الذين ظلموا الصيحة » قيل إن الله سبحانه أمر جبرائيل فصاح بهم صيحة ماتوا عندها و يجوز أن يكون الله تعالى خلق تلك الصيحة التي ماتوا عندها « فأصبحوا في ديارهم » أي منازلهم « جاثمين » أي ميتين واقعين على وجوههم و يقال جاثمين أي قاعدين على ركبهم و إنما قال « فأصبحوا » لأن العذاب أخذهم عند الصباح و قيل أتتهم الصيحة ليلا فأصبحوا على هذه الصفة و العرب تقول عند الأمر العظيم وا سوء صباحاه « كأن لم يغنوا فيها » أي كأن لم يكونوا في منازلهم قط لانقطاع آثارهم بالهلاك إلا ما بقي من أجسادهم الدالة على الخزي الذي نزل بهم « ألا إن ثمودا كفروا ربهم ألا بعدا لثمود » قد سبق تفسيره .

(5/266)


وَ لَقَدْ جَاءَت رُسلُنَا إِبْرَهِيمَ بِالْبُشرَى قَالُوا سلَماً قَالَ سلَمٌ فَمَا لَبِث أَن جَاءَ بِعِجْل حَنِيذ(69) فَلَمَّا رَءَا أَيْدِيهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكرَهُمْ وَ أَوْجَس مِنهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تخَف إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلى قَوْمِ لُوط(70) وَ امْرَأَتُهُ قَائمَةٌ فَضحِكَت فَبَشرْنَهَا بِإِسحَقَ وَ مِن وَرَاءِ إِسحَقَ يَعْقُوب(71) قَالَت يَوَيْلَتى ءَ أَلِدُ وَ أَنَا عَجُوزٌ وَ هَذَا بَعْلى شيْخاً إِنَّ هَذَا لَشىْءٌ عَجِيبٌ(72) قَالُوا أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَت اللَّهِ وَ بَرَكَتُهُ عَلَيْكمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مجِيدٌ(73) فَلَمَّا ذَهَب عَنْ إِبْرَهِيمَ الرَّوْعُ وَ جَاءَتْهُ الْبُشرَى يجَدِلُنَا فى قَوْمِ لُوط(74) إِنَّ إِبْرَهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّهٌ مُّنِيبٌ(75) يَإِبْرَهِيمُ أَعْرِض عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّك وَ إِنهُمْ ءَاتِيهِمْ عَذَابٌ غَيرُ مَرْدُود(76)
القراءة
قرأ حمزة و الكسائي قال سلم بكسر السين و سكون اللام هنا و في الذاريات و قرأ الباقون « قال سلام » و قرأ « يعقوب » بالنصب ابن عامر و حمزة و حفص عن عاصم و قرأ الباقون يعقوب بالرفع و في الشواذ قراءة الأعمش و هذا بعلي شيخ بالرفع .
الحجة
قال أبو علي أخبر أبو إسحاق عن محمد بن يزيد قال السلام أربعة أشياء منها مصدر سلمت و السلام شجر قال الإسلام و حرمل و السلام جمع سلامة و السلام اسم من أسماء الله تعالى و قوله دار السلام يحتمل أن يكون مضافة إلى الله تعظيما لها و يحتمل أن يكون دار السلامة من العقاب فمن حصل فيها كان على خلاف من وصف بقوله و يأتيه الموت من كل مكان و أما انتصاب قوله « سلاما » فلأنه لم يحك شيئا تكلموا به فيحكي كما يحكي الجمل و لكن هو معنى ما تكلمت به الرسل كما أن القائل إذا قال لا إله إلا الله فقلت حقا أو قلت إخلاصا أعملت القول في المصدرين لأنك ذكرت معنى ما قال و لم تحك

(5/267)


نفس الكلام الذي هو جملة تحكي فكذلك نصب سلاما في قوله « قالوا سلاما » لما كان معنى ما قيل و لم يكن نفس المقول بعينه فأما قوله و إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما قال سيبويه زعم أبو الخطاب أن مثله يريد قولك سبحان الله الذي تفسيره براءة الله من السوء و قولك للرجل سلاما تريد مسلما منك لا أبتلي بشيء من أمرك فعلى هذا المعنى وجه ما في الآية قال و زعم أن قول أمية :
سلامك ربنا في كل فجر
بريئا ما يعيبك الذموم على قوله براءتك ربنا من كل سوء و أما قوله « قال سلام » فسلام مرفوع لأنه من جملة الجملة المحكية و التقدير فيه سلام عليكم فحذف الخبر كما حذف من قوله فصبر جميل أي صبر جميل أمثل أو يكون المعنى أمري سلام و شأني سلام كما أن قوله فصبر جميل يصلح أن يكون المحذوف منه المبتدأ و مثل ذلك قوله فاصفح عنهم و قل سلام على حذف المبتدأ الذي سلام خبره و أكثر ما يستعمل سلام بغير ألف و لام و ذلك لأنه في معنى الدعاء فهو مثل قولهم خير بين يديك و لما كان في معنى المنصوب أستجير فيه الابتداء بالنكرة فمن ذلك قوله قال سلام عليك سأستغفر لك ربي و قال و الملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم و قال سلام على نوح في العالمين سلام على إبراهيم و سلام على عباده الذين اصطفى و قد جاء بالألف و اللام قال سبحانه و السلام على من اتبع الهدى و السلام علي يوم ولدت و زعم أبو الحسن أن في العرب من يقول سلام عليكم و منهم من يقول السلام عليكم فالذين ألحقوا الألف و اللام حملوه على المعهود و الذين لم يلحقوه حملوه على غير المعهود و زعم أن منهم من يقول سلام عليكم فلا ينون و حمل ذلك على وجهين ( أحدهما ) أنه حذف الزيادة من الكلمة كما يحذف الأصل من نحو قولك لم يك و لا أدر و يوم يأت ( و الآخر ) أنه لما كثر استعمال هذه الكلمة و فيه الألف و اللام حذفا منه لكثرة الاستعمال كما حذفا من اللهم فقالوا :
لا هم إن عامر الفجور
قد حبس الخيل على يعمور و أما من قال سلم فإن سلما يحتمل أمرين ( أحدهما ) أن يكون بمعنى سلام فيكون المعنى أمرنا سلم أو سلم عليكم و يكون سلم في الآية بمعنى سلام كقولهم حل و حلال و حرم و حرام فيكون على هذا قراءة من قرأ « سلام » و سلم بمعنى واحد و إن اختلف اللفظان ( و الآخر ) أن يكون سلم خلاف العدو و الحرب لأنهم لما كفوا عن تناول ما قدمه إليهم فنكرهم و أوجس الخيفة منهم قال أنا سلم و لست بحرب و لا

(5/268)


عدو فلا تمتنعوا من تناول طعامي كما يمتنع من تناول طعام العدو و من قرأ و من وراء إسحاق يعقوب بالرفع كان رفعه بالابتداء أو بالظرف في قول من رفع به و من فتح فقال يعقوب احتمل ثلاثة أضرب ( أحدها ) أن يكون يعقوب في موضع جر أي فبشرناها بإسحاق و يعقوب قال أبو الحسن و هذا أقوى لأنها بشرت بهما قال و في أعمالها ضعف لأنك فصلت بين الجار و المجرور بالظرف ( و الآخر ) أن تحمله على موضع الجار و المجرور كقوله :
إذا ما تلاقينا من اليوم أو غدا و كقراءة من قرأ و حورا عينا بعد يطاف عليهم بكذا و مثله :
و لسنا بالجبال و لا الحديدا ) ( و الثالث ) أن يحمل على فعل مضمر كأنه قال فبشرناها بإسحاق و وهبنا له يعقوب فأما الأول فقد نص على سيبويه على فتح مثله نحو مررت بزيد أول من أمس و أمس عمرو و كذلك قال أبو الحسن لو قلت مررت بزيد اليوم و أمس عمرو لم يحسن و أما الحمل على الموضع على حد مررت بزيد و عمرو فالفعل فيه أيضا قبيح كما قبح الحمل على الجر و ذلك أن الفعل يصل بحرف العطف و حرف العطف هو الذي يشرك في الفعل و به يصل الفعل إلى المفعول به كما يصل بحرف الجر و لو قال مررت بزيد قائما بجعل الحال من المجرور لم يجز التقديم عند سيبويه لأن الجار هو الموصل للفعل فكما قبح التقديم عنده لضعف الجار العامل كذلك الحرف العاطف مثل الجار في أنه يشرك في الفعل كما يوصل الجار الفعل و ليس نفس الفعل العامل في الموضعين جميعا و إذا كان كذلك قبح الفصل بالظرف في العطف على الموضع و قبح أيضا الفصل في الرفع و النصب كما قبح في الجر لأن العاطف فيهما مثله في الجار و ليس العامل في نفس الرافع و الناصب كما أن العامل فيما بعد حرف العطف ليس الجار إنما يشركه فيه العاطف و قد جاء ذلك في الشعر قال الأعشى :
يوما تراها كشبه أردية الخمس
و يوما أديمها نفلا ففصل بالظرف بين المشترك في النصب و ما أشركه فيه فإذا قبح الفصل في الحمل على الموضع كما قبح الفصل في الحمل على الجار فينبغي أن يحمل قراءة من قرأ « يعقوب » بالنصب على فعل آخر مضمر يدل عليه بشرنا كما تقدم و لا يحمل على الوجهين الآخرين و أما الرفع في قوله شيخ ففيه وجوه ( أحدها ) أن يكون بعلي خبر المبتدأ و شيخ بدل من بعلي فيكون كأنه قال هذا شيخ ( و الآخر ) أن يكون شيخ خبر مبتدإ محذوف و يكون هذا بعلي كلاما تاما يحسن الوقف عليه ( و الثالث ) أن يكون بعلي بدلا من هذا و شيخ هو الخبر فيكون تقديره

(5/269)


بعلي شيخ ( و الرابع ) أن يكون بعلي و شيخ جميعا خبرا عن هذا كقولك هذا حلو حامض أي قد جمع الحلاوة و الحموضة فكذلك هاهنا تقديره هذا جمع البعولة و الشيخوخة قال ابن جني و هنا وجه خامس لكنه على قياس مذهب الكسائي و ذلك أنه يعتقد في خبر المبتدأ أبدا أن فيه ضميرا و إن لم يكن مشتقا من الفعل نحو زيد أخوك و هو يريد النسب فإذا كان كذلك فقياس مذهبه أن يكون شيخ بدلا من الضمير في بعلي لأنه خبر عن هذا
اللغة
العجل ولد البقرة و العجول لغة فيه و جمعه العجاجيل و سمي بذلك لتعجيل أمره بقرب ميلاده و الحنيذ المشوي و هو المحنون فعيل بمعنى مفعول يقال حنذه يحنذه حنذا قال العجاج :
و رهبا من حنذه أن تهرجا يعني الحمر الوحشية قال الزجاج الحنيذ المشوي بالحجارة و قيل الحنيذ المشوي حتى يقطر و العرب تقول احنذ هذه الفرس أي اجعل عليه الحبل حتى يقطر عرقا و قيل الحنيذ المشوي فقط و قيل هو السميط و يقال نكرته و أنكرته بمعنى واحد و نكرته أشد مبالغة و هي لغة هذيل و الحجاز و أنكرته لغة تميم قال الأعشى و جمع بين اللغتين :
و أنكرتني و ما كان الذي نكرت
من الحوادث إلا الشيب و الصلعا و قال أبو ذؤيب :
فنكرنه فنفرن فامترست به
هو جاء هادية و هاد جرشع و الإيجاس الإحساس و أوجس و توجس أي أحس قال ذو الرمة :
و قد توجس ركزا مغفر ندس
بنبأة الصوت ما في سمعه كذب و يقال أوجس خوفا أي أضمر و البعل الزوج و أصله القائم بالأمر يقولون للنخل الذي يستغني بماء السماء عن سقي الأنهار و العيون بعل لأنه قائم بالأمر في استغنائه عن تكلف السقي له و منه قيل للرب و الصاحب بعل و العجب يجري على المصدر و على المتعجب منه تقول هذا أمر عجب و لا يجوز العجب من أمر الله تعالى لأنه يجب أن يعلم أنه قادر على كل

(5/270)


شيء من الأجناس لا يعجزه شيء و ما عرف سببه لا يتعجب منه و المجيد الكريم يقال مجد الرجل يمجد مجادة إذا كرم قال الشاعر :
رفعت مجد تميم يا هلال لها
رفع الطراف على العليا بالعمد و الروع الإفزاع يقال راعه يروعه إذا أفزعه قال عنترة :
ما راعني إلا حمولة أهلها
وسط الديار تسف حب الخمخم و ارتاع ارتياعا إذا خاف و الروع بضم الراء النفس يقال ألقي في روعي أي في نفسي و سميت بذلك لأنها موضع الروع و الرد و الدفع واحد و نقيضه الأخذ و الفرق بين الرد و الدفع إن الدفع قد يكون إلى جهة القدام و الخلف و الرد لا يكون إلا إلى جهة الخلف
الإعراب
« فما لبث أن جاء » أي ما أقام حتى جاء بعجل و « أن جاء » في موضع نصب بوقوع لبث عليه كأنه قال فما أبطأ عن مجيئه بعجل فلما حذف حرف الجر وصل الفعل و قال الفراء و يحتمل أن يكون موضعه رفعا بأن نجعل أن جاء فاعل لبث فكأنك قلت فما لبث مجيئه بعجل و ألف يا ويلتى يحتمل أن يكون ألف ندبة و يحتمل أن يكون ياء الإضافة فانقلبت ألفا و معناه الإيذان بورود الأمر العظيم كما تقول العرب يا للدواهي أي تعالى فإنه من أحيانك لحضور ما حضر من إشكالك و يجوز الوقف عليه بغير هاء و الاختيار في الكلام أن يوقف عليه بالهاء يا ويلتاه قال الزجاج أما المصحف فلا يخالف و لا يوقف عليه فإن اضطر واقف إلى أن يقف وقف عليه بغير هاء بالاختيار و أما الهمزتان في قوله « أ ألد » ففيه ثلاثة أوجه إن شئت خففت الأولى و حققت الثانية فقلت يا ويلتي ألد و إن شئت حققت الأولى و خففت الثانية و هو الاختيار فقلت يا ويلتي أ ألد و إن شئت حققتهما جميعا فقلت أ ألد و شيخا منصوب على الحال قال الزجاج الحال هاهنا نصبها من لطيف النحو و ذلك أنك إذا قلت هذا زيد قائما فإن كنت تقصد أن تخبر من لا يعرف زيدا أنه زيد لم يجز أن تقول هذا زيد قائما لأنه يكون زيدا ما دام قائما فإذا زال عن القيام فليس بزيد و إنما تقول للذي يعرف زيدا هذا زيد قائما فيعمل في الحال التنبيه و المعنى انتبه لزيد في حال قيامه أو أشير لك إلى زيد في حال قيامه لأن هذا إشارة إلى ما حضر و قال غيره إن شئت جعلت العامل فيه معنى التنبيه و إن شئت جعلت العامل فيه معنى الإشارة و إن شئت أعملت فيه مجموعهما و كذا ما جرى مجراه

(5/271)


تقول هذا زيد مقبلا و لا يجوز مقبلا هذا زيد لأن العامل ليس بفعل محض فإن قلت ها مقبلا ذا زيد و جعلت العامل معنى الإشارة لم يجز و إن جعلت العامل معنى التنبيه جاز .
يجادلنا في موضع نصب لأنه حكاية حال قد مضت و إلا فالجيد أن تقول لما قام قمت و يضعف أن تقول لما قام أقوم و على هذا فيكون جواب لما محذوفا لدلالة الكلام عليه و يكون تقديره قلنا إن إبراهيم لحليم أو ناديناه يا إبراهيم أعرض عن هذا و يجوز أن يكون تقديره أخذ يجادلنا و أقبل يجادلنا و يجوز أن يكون لما كان شرطا للماضي وقع المستقبل فيه في معنى الماضي كما إن أن لما كان شرطا للمستقبل وقع الماضي فيه في معنى المستقبل
المعنى
ثم ذكر سبحانه قصة إبراهيم و لوط فقال سبحانه « و لقد جاءت رسلنا » يعني الملائكة و إنما دخلت اللام لتأكيد الخبر و معنى قد هاهنا أن السامع لقصص الأنبياء يتوقع قصة بعد قصة و قد للتوقع فجاءت لتؤذن أن السامع في حال توقع و اختلف في عدد الرسل فقيل كانوا ثلاثة جبرائيل و ميكائيل و إسرافيل عن ابن عباس و قيل كانوا أربعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال و الرابع اسمه كروبيل و قيل كانوا تسعة عن الضحاك و قيل أحد عشر عن السدي و كانوا على صور الغلمان أتوا « إبراهيم » الخليل (عليه السلام) « بالبشرى » أي بالبشارة بإسحاق و نبوته و أنه يولد له يعقوب عن الحسن و السدي و الجبائي و روي عن أبي جعفر (عليه السلام) أن هذه البشارة كانت بإسماعيل (عليه السلام) من هاجر و قيل البشارة بهلاك قوم لوط « قالوا سلاما » هذه حكاية ما قال رسل الله تعالى لإبراهيم (عليه السلام) أي سلمنا سلاما بمعنى الدعاء له و قيل معناه أصبت سلاما إذا أعطاك الله سلاما أي سلامة كما يقال أهلا و مرحبا و كان تحية من الملائكة لإبراهيم (عليه السلام) ف « قال » إبراهيم مجيبا لهم « سلام » و قد مر تفسيره « فما لبث أن جاء بعجل حنيذ » أي لم يتوقف حتى جاءهم على عادته في إكرام الأضياف و تقديم الطعام إليهم بعجل مشوي لأنه توهم أنهم أضياف لكونهم على صورة البشر و كان إبراهيم يحب الضيفان فجاؤوه على أحسن الوجوه إليه و صار لذلك من السنة أن يعجل للضيف الطعام و قيل إن معنى حنيذ نضيج بالحجارة المحماة في خد من الأرض عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و قيل إن الحنيذ ما حفرت له في الأرض ثم غممته و هو فعل أهل البادية عن الفراء و قيل حنيذ مشوي يقطر ماؤه عن ابن عطية « فلما رءا » إبراهيم « أيديهم » يعني أيدي الملائكة « لا تصل إليه » أي إلى العجل « نكرهم » أي أنكرهم « و أوجس منهم خيفة » أي أضمر منهم خوفا و اختلف في سبب الخوف فقيل إنه لما رآهم شبانا أقوياء و كان ينزل طرفا من البلد و كانوا يمتنعون من تناول طعامه لم يأمن أن يكون ذلك لبلاء و ذلك أن أهل ذلك الزمان إذا أكل بعضهم طعام بعض

(5/272)


أمنه صاحب الطعام على نفسه و ماله و لهذا يقال تحرم فلان بطعامنا أي أثبت الحرمة بيننا بأكله الطعام و قيل إنه ظنهم لصوصا يريدون به سوءا أو قيل إنه ظن أنهم ليسوا من البشر و أنهم جاءوا لأمر عظيم و قيل علم أنهم ملائكة فخاف أن يكون قومه المقصودين بالعذاب حتى « قالوا » له « لا تخف » يا إبراهيم « إنا أرسلنا إلى قوم لوط » بالعذاب و الإهلاك لا إلى قومك و قيل إنهم دعوا الله فأحيا العجل الذي كان ذبحه إبراهيم و شواه فطفر و رعى فعلم حينئذ أنهم رسل الله « و امرأته » سارة بنت هاران بن ياحور بن ساروع بن أرعوى بن فالغ و هي ابنة عم إبراهيم « قائمة » من وراء الستر تسمع كلام الرسل و كلام إبراهيم عن وهب و قيل إنها كانت بنت خالته و قيل كانت قائمة تخدم الرسل و إبراهيم جالس معهم عن مجاهد و قيل كانت قائمة تصلي و كان إبراهيم جالسا و في قراءة ابن مسعود و امرأته قائمة و هو جالس « فضحكت » قيل هو الضحك المعروف الذي يعتري الإنسان للفرح و قد يكون للتعجب فضحكت تعجبا من غفلة قوم لوط مع قرب نزول العذاب بهم عن قتادة و قيل تعجبا من امتناعهم عن الأكل و خدمتها إياهم بنفسها و لهذا يقال ( و شر الشدائد ما يضحك ) و قالت عجبا لأضيافنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة لهم و هم لا يتناولون من طعامنا و قيل ضحكت لأنها قالت لإبراهيم أضمم لوطا ابن أختك إليك فإني أعلم أنه سينزل بهؤلاء القوم عذاب فضحكت سرورا لما أتى الأمر على ما توهمت عن الزجاج و قيل تعجبا و سرورا من البشارة بإسحاق لأنها كانت قد هرمت و هي ابنة ثمان و تسعين سنة أو تسع و تسعين سنة و كان قد شاخ زوجها و كان ابن تسع و تسعين أو مائة سنة و قيل مائة و عشرين سنة و لم يرزق لهما ولد في حال شبابهما و على هذا فيكون في الكلام تقديم و تأخير و تقديره فبشرناها بإسحاق و يعقوب فضحكت بعد البشارة و روي ذلك عن أبي جعفر (عليه السلام) « فبشرناها بإسحاق » أي بابن يسمى إسحاق نبيا « و من وراء إسحاق يعقوب » يعني و من بعد إسحاق يعقوب و قيل الوراء ولد الولد عن ابن عباس أي فبشرناها بنبي بين نبيين و هو إسحاق أبوه نبي و ابنه نبي و قيل إن ضحكت بمعنى حاضت عن مجاهد و روي عن الصادق (عليه السلام) أيضا يقال ضحكت الأرنب أي حاضت و الضحك بفتح الضاد الحيض و في لغة أبي الحرث بن كعب ضحكت النخلة إذا أخرجت الطلع أو البسر و الضحك الطلع و أنشد بعضهم في الضحك بمعنى الحيض قول الشاعر :
و ضحك الأرانب فوق الصفا
كمثل دم الجوف يوم اللقا قال الفراء و لم أسمعه من ثقة و الوجه فيه أن يكون على طريق الكناية قال الكميت :

(5/273)


فأضحكت السباع سيوف سعد
لقتلي ما دفن و لا ودينا « قالت » سارة « يا ويلتي أ ألد و أنا عجوز » أي هذا شيء عجيب أن ألد و قد شخت من زوج شيخ و لم تشك في قدرة الله تعالى و لكن إنما قالت ذلك لكونه خارجا عن العادة كما ولى موسى مدبرا حين انقلبت عصاه حية حتى قيل له أقبل و لا تخف و إلا فهي كانت عارفة بأن الله تعالى يقدر على ذلك و لم ترد بقولها يا ويلتي الدعاء على نفسها بالويل و لكنها كلمة تجري على أفواه النساء إذا طرأ عليهن ما يتعجبن منه و قيل إنها لم تتعجب من قدرة الله و لكنها أرادت أن تعرف هل تتحول شابة أم تلد على تلك الحال و كل ذلك عجيب « و هذا بعلي شيخا » أي هذا الذي تعرفونه بعلي و هو شيخ « إن هذا » الذي بشرت به « لشيء عجيب قالوا » أي قالت الملائكة لها حين تعجبت من أن تلد بعد الكبر « أ تعجبين من أمر الله » و معنى الاستفهام هاهنا التنبيه و التوقيف أي أ تعجبين من أن يفعل الله تعالى ذلك بك و لزوجك « رحمة الله و بركاته عليكم أهل البيت » أي ليس هذا موضع تعجب لأن التعجب إنما يكون من الأمر الذي لا يعرف سببه و نعمة الله تعالى و كثرة خيراته النامية الباقية عليكم و هذا يحتمل أن يكون إخبارا عن ثبوت ذلك لهم و تذكيرا بنعمة الله و بركاته عليهم و يحتمل أن يكون دعاء لهم بالرحمة و البركة من الملائكة فقالوا رحمة الله و بركاته عليكم يا أهل البيت كما يقال أ تتعجب من كذا بارك الله فيك و يرحمك الله و يعني بأهل البيت أهل بيت إبراهيم (عليه السلام) و إنما جعلت سارة من أهل بيته لأنها كانت ابنة عمه و لا دلالة في الآية على أن زوجة الرجل من أهل بيته على ما قاله الجبائي و روي أن أمير المؤمنين (عليه السلام) مر بقوم فسلم عليهم فقالوا و عليك السلام و رحمة الله و بركاته عليكم أهل البيت و مغفرته و رضوانه فقال (عليه السلام) لهم لا تجاوزوا بنا ما قالت الملائكة لأبينا إبراهيم (عليه السلام) « رحمة الله و بركاته عليكم أهل البيت » « إنه حميد » أي محمود على أفعاله و قيل الحميد الذي يحمد عباده على الطاعات « مجيد » أي كريم و هو المبتدىء بالعطية قبل الاستحقاق و قيل معناه واسع القدرة و النعمة عن أبي مسلم و روي أن سارة قالت لجبرائيل (عليه السلام) ما آية ذلك فأخذه بيده عودا يابسا فلواه بين أصابعه فاهتز أخضر عن السدي « فلما ذهب عن إبراهيم الروع » أي الخوف و الفزع الذي دخله من الرسل « و جاءته البشرى » بالولد « يجادلنا في قوم لوط » أي يجادل رسلنا و يسائلهم في قوم

(5/274)


لوط و تلك المجادلة أنه قال لهم إن كان فيها خمسون من المؤمنين أ تهلكونهم قالوا لا قال فأربعون قالوا لا فما زال ينقص و يقولون لا حتى قال فواحد قالوا لا فاحتج عليهم بلوط و قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه و أهله عن قتادة و قيل إنه جادلهم و قال بأي شيء استحقوا عذاب الاستئصال و هل ذلك واقع لا محالة أم هو تخويف ليرجعوا إلى الطاعة بأي شيء يهلكون و كيف يجيء الله المؤمنين عن الجبائي و لما سألهم مستقص سمي ذلك السؤال جدالا لأنه خرج الكشف عن شيء غامض « إن إبراهيم لحليم أواه » مر معناه في سورة براءة « منيب » راجع إلى الله تعالى في جميع أموره متوكل عليه و في هذا إشارة إلى أن تلك المجادلة من إبراهيم (عليه السلام) لم تكن من باب ما يكره لأنه مدحه بالحلم و بأن ذلك كان في أمر يتعلق بالرحمة و رقة القلب و الرأفة و ذلك لأنه رأى الخلق الكثير في النار فتأوه لهم « يا إبراهيم أعرض عن هذا » هو حكاية ما قالت الملائكة لإبراهيم (عليه السلام) فإنها نادته بأن قالت يا إبراهيم أعرض عن هذا القول و هذا الجدال في قوم لوط و انصرف عنه بالذكر و الفكر « إنه قد جاء أمر ربك » بالعذاب فهو نازل لا محالة « و إنهم آتيهم عذاب غير مردود » يعني غير مدفوع عنهم أي لا يقدر أحد على رده عنهم .

(5/275)


وَ لَمَّا جَاءَت رُسلُنَا لُوطاً سىءَ بهِمْ وَ ضاقَ بهِمْ ذَرْعاً وَ قَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ(77) وَ جَاءَهُ قَوْمُهُ يهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَ مِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السيِّئَاتِ قَالَ يَقَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتى هُنَّ أَطهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ لا تخْزُونِ فى ضيْفِى أَ لَيْس مِنكمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ(78) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْت مَا لَنَا فى بَنَاتِك مِنْ حَقّ وَ إِنَّك لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ(79) قَالَ لَوْ أَنَّ لى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِى إِلى رُكْن شدِيد(80) قَالُوا يَلُوط إِنَّا رُسلُ رَبِّك لَن يَصِلُوا إِلَيْك فَأَسرِ بِأَهْلِك بِقِطع مِّنَ الَّيْلِ وَ لا يَلْتَفِت مِنكمْ أَحَدٌ إِلا امْرَأَتَك إِنَّهُ مُصِيبهَا مَا أَصابهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصبْحُ أَ لَيْس الصبْحُ بِقَرِيب(81) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَلِيَهَا سافِلَهَا وَ أَمْطرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيل مَّنضود(82) مُّسوَّمَةً عِندَ رَبِّك وَ مَا هِىَ مِنَ الظلِمِينَ بِبَعِيد(83)
القراءة
في الشواذ قراءة سعيد بن جبير و الحسن بخلاف و عيسى الثقفي و محمد بن مروان هن أطهر لكم بالنصب و القراءة المشهورة « أطهر » بالرفع و قراءة شيبة أو أوي بالنصب و القراءة العامة بالرفع و قرأ أهل الحجاز فأسر بأهلك و أن اسر موصولة الهمزة و الباقون فأسر و أن أسر بقطع الهمزة العامة حيث كان و قرأ ابن كثير و أبو عمرو إلا امرأتك بالرفع و الباقون بالنصب .
الحجة
أما قوله هن أطهر لكم فإن سيبويه ضعف هذه القراءة و قال فيها اجتبى ابن مروان في لحنه قال ابن جني و إنما صح ذلك عنده لأنه ذهب إلى أنه جعل هن فصلا و ليست بين أحد الجزءين اللذين هما مبتدأ و خبر و نحو ذلك نحو ظننت زيدا هو خيرا منك و كان زيد هو العالم و يجوز أن يكون بناتي هن جملة من مبتدإ و خبر في موضع الخبر لهؤلاء كقولك زيد أخوك هو و أن يكون أطهر حالا من هن أو من بناتي و العامل فيه معنى الإشارة كقولك هذا زيد هو قائما و من قرأ أو آوي بالنصب فيكون تقديره لو أن لي بكم قوة أو آويا إلى ركن شديد و يكون منتصبا بإضمار أن و عليه بيت الكتاب :
فلو لا رجال من كرام أعزة
و آل سبيع أو أسواك علقما و التقدير أو أن أسؤك فكأنه قال أو إياك مسألتي و من قرأ فأسر بأهلك بإثبات الهمزة في اللفظ أو بغير الهمزة فإن سرى و أسرى معناهما سار ليلا قال النابغة :
أسرت عليه من الجوزاء سارية
تزجي الشمال عليه جامد البرد و يروى سرت و قال امرؤ القيس :
سريت بهم حتى تكل مطيهم
و حتى الجياد ما يقدن بإرسان

(5/276)


و قال سبحانه « سبحان الذي أسرى بعبده » و من قرأ إلا امرأتك نصبا فإنه جعل الكلام قبله مستقلا بنفسه فنصب مع النفي كما ينصب مع الإيجاب و الوجه الأقيس الرفع على البدل من أحد لأن معنى ما أتاني أحد إلا زيد ما أتاني إلا زيد فكما اتفقوا فيما أتاني إلا زيد على الرفع و كان ما أتاني أحد إلا زيد بمنزلته و بمعناه اختاروا الرفع مع ذكر أحد و مما يقوي ذلك أنهم في الكلام و أكثر الاستعمال يقولون ما جاءني إلا امرأة فيذكرون حملا على المعنى و لا يكادون يؤنثون ذلك إلا في الشعر كما في قول الشاعر :
فما بقيت إلا الضلوع الجراشع ) و قول ذي الرمة :
و ما بقيت إلا النحيرة و الألواح و العصب ) و زعموا أن في حرف عبد الله أو أبي فأسير بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتك و ليس فيه و لا يلتفت منكم أحد و هذا يقوي قول من نصب .
اللغة
أصل سيء بهم سويء بهم من السوء فأسكنت الواو و نقلت كسرتها إلى السين و يقال سؤته فسيء كما يقال شغلته فشغل و سررته فسر و الفرق بين السوء و القبيح أن السوء ما يظهر مكروهة لصاحبه و القبيح ما ليس للقادر عليه أن يفعله و يقال ضاق فلان بأمره ذرعا إذا لم يجد من المكروه في ذلك الأمر مخلصا و العصيب الشديد في الشر خاصة و أصله من الشد يقال عصبت الشيء أي شددته و عصبت فخذ الناقة لتدر و ناقة عصوب و يوم عصيب و عصبصب كأنه التف على الناس بالشر أو يكون التف شره بعضه ببعض قال الشاعر :
فإنك إن لم ترض بكر بن وائل
يكن لك يوم بالعراق عصيب و قال عدي بن زيد :
و كنت لزاز خصمك لم أعرد
و قد سلكوك في يوم عصيب و قال الراجز :
يوم عصيب يعصب الأبطالا
عصب القوي السلم الطوالا و الإهراع الإسراع في المشي قال مهلهل :

(5/277)


فجاؤوا يهرعون و هم أسارى
تقودهم على رغم الأنوف و قال صاحب العين الإهراع السوق الحثيث قال أبو مسلم و القرآن بالسوق أشبه و الركن معتمد البناء بعد الأساس و ركنا الجبل جانباه قال الراجز :
يأوي إلى ركن من الأركان
في عدد طيس و مجديان و الشدة تجمع يصعب معه التفكك و قد تكون الشدة تقبضا يعسر معه التحلل و القطع القطعة العظيمة تمضي من الليل و قيل نصف الليل كأنه قطع نصفين و الالتفات افتعال من اللفت و هو اللي يقال لفت فلانا عن رأيه أي صرفته و امرأة لفوت لها ولد من غير زوجها و كأنها تلفت إلى ولدها و منه الحديث في صفة النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه كان إذا التفت التفت معا أي كان لا يلوي عنقه يمنة و يسرة و السجيل فارسي معرب أي سنك و كل حجارة و طين و قال أبو عبيدة هو الحجارة الشديدة و أنشد لابن مقبل :
و رجلة يضربون البيض ضاحية
ضربا تواصي به الأبطال سجينا و سجين و سجيل بمعنى واحد و العرب تعاقب بين النون و اللام فقلبت النون هاهنا لاما و قيل إنه مشتق من أسجلته أي أعطيته فتقديره أنها من مثل العطية في الإدرار و قيل إنه من السجل و هو الدلو العظيمة فتقديره أنها من مثل السجل في الإرسال و قيل إنه من أسجلته إذا أرسلته و كأنها مرسلة عليهم و قيل إنه من السجل و هو الكتاب فكأنها سجلت لهم و المراد كتب الله عليهم إن عليهم أن يعذبهم بها و المنضود من نضدت الشيء بعضه على بعض و المسومة من السيماء و هي العلامة و منه السائمة و هي المرسلة في المرعى و ذلك أن الإبل السائمة تختلط في المرعى فيجعل عليها السيماء لتمييزها .
الإعراب
« يهرعون إليه » في موضع نصب على الحال من قبل و من بعد مبنيان على الضم فإذا أضيفا أعربا « لو أن لي بكم قوة » جواب لو محذوف بدل الكلام عليه و تقديره لحلت بينهم و بينكم « إنه مصيبها ما أصابهم » الهاء في أنه ضمير الشأن و الحديث و مصيبها مبتدأ و ما أصابهم موصول و صلة في موضع الرفع بكونه فاعل مصيبها و قد سد مسد خبر المبتدأ « من سجيل » في موضع نصب بكونه صفة لحجارة أي كائنة من سجيل مسومة صفة أخرى لحجارة و يجوز أن يكون نصبا على الحال من الضمير المستكن في منضود .

(5/278)


المعنى
ثم أخبر سبحانه عن إتيان الملائكة لوطا بعد خروجهم من عند إبراهيم (عليه السلام) و ما جرى بينهم و بين قوم لوط فقال « و لما جاءت رسلنا لوطا » أي لما جاءوه في صفة الآدميين « سيء بهم » أي ساءه مجيئهم لأنه خاف عليهم من قومه « و ضاق بهم ذرعا » أي ضاق بمجيئهم ذرعة أي قلبه لما رأى لهم من جمال الصورة و حسن الشارة و قد دعوه إلى الضيافة و قومه كانوا يسارعون إلى أمثالهم بالفاحشة و قيل معناه ضاق بحفظهم من قومه ذرعه حيث لم يجد سبيلا إلى حفظهم و كان قد علم عادة قومه من الميل إلى الذكور و قد أتوه في صورة الغلمان المرد و أصله أن الشيء إذا ضاق ذرعه لم يتسع له ما اتسع فاستعار ضيق الذرع عند تعذر الإمكان كما استعار الاتساع « و قال هذا يوم عصيب » أي هائل شديد كثير الشر التف الشر فيه بالشر و إنما قال ذلك لأنه لم يعلم أنهم رسل الله و خاف عليهم من قومه أن يفضحوهم و قال الصادق (عليه السلام) جاءت الملائكة لوطا و هي في زراعة قرب القرية فسلموا عليه و رأى هيئة حسنة عليهم ثياب بيض و عمائم بيض فقال لهم المنزل فتقدمهم و مشوا خلفه فقال في نفسه أي شيء صنعت آتي بهم قومي و أنا أعرفهم فالتفت إليهم فقال إنكم لتأتون شرارا من خلق الله و كان قد قال الله لجبرائيل لا تهلكهم حتى يشهد عليهم ثلاث مرات فقال جبرائيل (عليه السلام) هذه اثنتان ثم مشى فلما بلغ باب المدينة التفت إليهم فقال إنكم لتأتون شرارا من خلق الله فقال جبرائيل هذه الثالثة ثم دخل و دخلوا معه حتى منزله فلما رأتهم امرأته رأت هيئة حسنة فصعدت فوق السطح فصفقت فلم يسمعوا فدخنت فلما رأوا الدخان أقبلوا يهرعون فذلك قوله « و جاءه قومه يهرعون إليه » أي يسرعون في المشي لطلب الفاحشة عن قتادة و مجاهد و السدي و قيل معناه يساقون و ليس هناك سائق غيرهم فكان بعضهم يسوق بعضا عن أبي مسلم و الهاء في إليه كناية عن لوط « و من قبل » أي و من قبل إتيان الملائكة و قيل و من قبل مجيء قوم لوط إلى ضيفانه و قيل من قبل مجيئهم إلى داره عن الجبائي و قيل إنه من قبل بعثة لوط إليهم « كانوا يعملون السيئات » أي يعملون الفواحش مع الذكور « قال » لوط « يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم » معناه أن لوط لما هموا بأضيافه و جاهروا بذلك فألقوا جلباب الحياء فيه عرض عليهم نكاح بناته و قال هن أحل لكم من الرجال فدعاهم إلى الحلال و اختلف في ذلك فقيل أراد بناته لصلبه عن قتادة و قيل أراد النساء من أمته لأنهن كالبنات له فإن كل نبي أبو أمته و أزواجه أمهاتهم عن مجاهد و سعيد بن جبير و اختلف أيضا في

(5/279)


كيفية عرضهن فقيل بالتزويج و كان يجوز في شرعه تزويج المؤمنة من الكافر و كذا كان يجوز أيضا في مبتدإ الإسلام و قد زوج النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) بنته من أبي العاص بن الربيع قبل أن يسلم ثم نسخ ذلك و قيل أراد التزويج بشرط الإيمان عن الزجاج و كانوا يخطبون بناته فلا يزوجهن منهم لكفرهم و قيل إنهم كان لهم سيدان مطاعان فيهم فأراد أن يزوجهما بنتيه زعوراء و رتياء « فاتقوا الله » أي فاتقوا عقاب الله في مواقعة الذكور « و لا تخزون في ضيفي » أي لا تلزموني عارا و لا تلحقوا بي فضيحة و لا تخجلوني بالهجوم على أضيافي فإن الضيف إذا نزل به معرة لحق عارها للمضيف « أ ليس منكم رجل رشيد » أي أ ليس في جملتكم رجل قد أصاب الرشد فيعمل بالمعروف و ينهى عن المنكر و يزجر هؤلاء عن قبيح فعلهم و يجوز أن يكون رشيد بمعنى مرشد أي يرشدكم إلى الحق « قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق » هذا جواب قوم لوط حين عرض عليهم بناته و دعاهم إلى النكاح المباح أي ما لنا في بناتك من حاجة لأن ما لا يكون للإنسان فيه حاجة فإنه يرغب عنه كما يرغب عما لا حق له فيه فلذلك قالوا من حق و قيل معناه ما لنا فيهن من حق لأنا لا نتزوجهن و كانوا يقرون بأن من لم يتزوج بامرأة فإنه لا حق له فيها عن الجبائي و ابن إسحاق فالقول الأول محمول على المعنى و القول الثاني على ظاهر اللفظ « و إنك لتعلم ما نريد » أي تعلم ميلنا إلى الغلمان دون النساء فلما لم يقبلوا الموعظة تأسف لوط على فقد تمكنه من دفاعهم بأن « قال لو أن لي بكم قوة » أي منعة و قدرة و جماعة أتقوى بها عليكم فأدفعكم عن أضيافي « أو آوي إلى ركن شديد » أو أنضم إلى عشيرة منيعة تنصرني و شيعة تمنعني لدفعتكم و لكن لا يمكنني أن أفعل ذلك قال الصادق (عليه السلام) فقال جبرائيل لو يعلم أي قوة له قال فكابروه حتى دخلوا البيت فصاح به جبرائيل أن يا لوط دعهم يدخلوا فلما دخلوا أهوى جبرائيل بإصبعه نحوهم فذهبت أعينهم و هو قوله فطمسنا أعينهم قال قتادة ذكر لنا أن الله تعالى لم يبعث نبيا بعد لوط إلا في عز من عشيرته و منعة من قومه و روي عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال رحم الله أخي لوطا كان يأوي إلى ركن شديد و هو معونة الله تعالى و لما رأت الملائكة ما لقيه لوط من قومه « قالوا يا لوط إنا رسل ربك » أرسلنا لهلاكهم فلا تغتم « لن يصلوا إليك » أي لا ينالونك بسوء أبدا « فأسر بأهلك » أي سر بأهلك ليلا و قال السدي لم يؤمن بلوط إلا ابنتاه « بقطع من الليل » أي في ظلمة الليل عن ابن عباس و قيل بعد طائفة من الليل عن قتادة و قيل في نصف من الليل عن الجبائي « و لا يلتفت منكم أحد » قيل في معناه وجوه ( أحدها ) لا ينظر أحد منكم وراءه عن مجاهد كأنهم تعبدوا بذلك للنجاة بالطاعة في هذه العبادة ( و الثاني ) لا يلتفت أحد منكم إلى ماله و لا متاعه بالمدينة و ليس معنى يلتفت من الرؤية عن الجبائي كأنه أراد في أن النظر إليهم عبرة

(5/280)


فلم ينهوا عنها ( و الثالث ) أن معناه و لا يتخلف منكم أحد عن ابن عباس ( و الرابع ) أنه أمرهم أن لا يلتفتوا إذا سمعوا الوجبة و الهدة « إلا امرأتك » و قيل إنها التفتت حين سمعت الوجبة فقالت يا قوماه فأصابها حجر فقتلها و قيل إلا امرأتك معناه لا تسر بها « إنه مصيبها ما أصابهم » أي يصيبها من العذاب ما أصابهم أمروه أن يخلفها في المدينة « إن موعدهم الصبح أ ليس الصبح بقريب » لما أخبر الملائكة لوطا بأنهم يهلكون قوم لوط قال لهم أهلكوهم الساعة لضيق صدورهم بهم و شدة غيظه عليهم فقالوا إن موعد إهلاكهم الصبح لم يجعل الصبح ظرفا و جعله خبر إن لأن الموعد هو الصبح و إنما قالوا له « أ ليس الصبح بقريب » تسلية له و قيل إنه إنما قال لهم أهلكوهم .
ذلك و في هذا دلالة على أن الله سبحانه إنما يهلك من يهلكه عند انقضاء مدته و إن ضاق صدر الغير به و يجوز أن يكون قد جعل الصبح ميقات إهلاكهم لأن النفوس فيه أودع و الناس فيه أجمع « فلما جاء أمرنا » فيه أقوال ( أحدها ) جاء أمرنا الملائكة بإهلاك قوم لوط ( و الثاني ) جاء العذاب كأنه قيل كن على التعظيم على طريق المجاز كما قال الشاعر :
فقالت له العينان سمعا و طاعة
و حدرنا كالدر لما يثقب و على هذا فالأمر هو نفس العذاب ( و الثالث ) جاء أمرنا بالعذاب « جعلنا عاليها سافلها » أي قلبنا القرية أسفلها أعلاها فإن الله تعالى أمر جبرائيل (عليه السلام) فأدخل جناحه تحت الأرض فرفعها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة و نباح الكلاب ثم قلبها ثم خسف بهم الأرض فهم يتجلجلون فيها إلى يوم القيامة فعلى هذا يكون معنى جعلنا جعل بأمرنا و إنما أضافه إلى نفسه لأنه أمره به « و أمطرنا عليها حجارة » أي و أمطرنا على القرية أي على الغائبين منها حجارة عن الجبائي و قيل أمطرت الحجارة على تلك القرية حين رفعها جبرائيل و قيل إنما أمطرت عليهم الحجارة بعد أن قلبت قريتهم تغليظا للعقوبة و قيل كانت أربع مدائن و هي المؤتفكات سدوم و عاموراء و دوما و صبوايم و أعظمها سدوم و كان لوط يسكنها قال أبو عبيدة يقال مطر في الرحمة و أمطر في العذاب « من سجيل » أي سنك كل عن ابن عباس و سعيد بن جبير بين بذلك صلابتها و مباينتها للبرد و أنها ليست من جنس ما جرت به عادتهم في سقوط البرد من الغيوم و قيل إن السجيل الطين عن قتادة و عكرمة و يؤيده قوله لنرسل عليهم حجارة من طين و روي عن عكرمة أيضا أنه بحر معلق في الهواء بين الأرض و السماء

(5/281)


منه أنزلت الحجارة و قال الضحاك هو الآجر و قال الفراء هو طين قد طبخ حتى صار بمنزلة الأرحاء و قال كان أصل الحجارة طينا فشددت عن الحسن و قيل إن السجيل سماء الدنيا عن ابن زيد فكانت تلك الحجارة منزلة من السماء الدنيا « منضود » هو من صفة سجيل أي نضد بعضها على بعض حتى حجرا عن الربيع و قيل مصفوف في تتابع أي كان بعضها في جنب بعض عن قتادة و قيل يتبع بعضها بعضا عن ابن عباس « مسومة » هي من صفة الحجارة أي معلمة جعل فيها علامات تدل على أنها معدة للعذاب و قيل مطوقة بها نضخ من حمرة عن قتادة و عكرمة و قيل كان مكتوبا على كل حجرة منها اسم صاحبها عن الربيع و قيل عليها سيماء لا تشاكل حجارة الأرض عن ابن جريج و قيل مختومة عن الحسن و السدي و قيل مشهورة « عند ربك » أي في علم ربك و قيل في خزائن ربك التي لا يملكها غيره و لا يتصرف فيها أحد إلا بأمره « و ما هي من الظالمين ببعيد » أي و ما تلك الحجارة من الظالمين من أمتك يا محمد ببعيد أراد بذلك إرهاب قريش و قال قتادة ما أجار الله منها ظالما بعد قوم لوط فاتقوا الله و كونوا منه على حذر و قيل يعني بذلك قوم لوط يريد أنها لم تكن تخطئهم و ذكر أن حجرا بقي معلقا بين السماء و الأرض أربعين يوما يتوقع به رجلا من قوم لوط كان في الحرم حتى خرج منه فأصابه قال قتادة و كانوا أربعة آلاف ألف .

(5/282)


* وَ إِلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شعَيْباً قَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكم مِّنْ إِلَه غَيرُهُ وَ لا تَنقُصوا الْمِكيَالَ وَ الْمِيزَانَ إِنى أَرَام بخَير وَ إِنى أَخَاف عَلَيْكمْ عَذَاب يَوْم محِيط(84) وَ يَقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكيَالَ وَ الْمِيزَانَ بِالْقِسطِ وَ لا تَبْخَسوا النَّاس أَشيَاءَهُمْ وَ لا تَعْثَوْا فى الأَرْضِ مُفْسِدِينَ(85) بَقِيَّت اللَّهِ خَيرٌ لَّكُمْ إِن كنتُم مُّؤْمِنِينَ وَ مَا أَنَا عَلَيْكُم بحَفِيظ(86) قَالُوا يَشعَيْب أَ صلَوتُك تَأْمُرُك أَن نَّترُك مَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فى أَمْوَلِنَا مَا نَشؤُا إِنَّك لأَنت الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ(87) قَالَ يَقَوْمِ أَ رَءَيْتُمْ إِن كُنت عَلى بَيِّنَة مِّن رَّبى وَ رَزَقَنى مِنْهُ رِزْقاً حَسناً وَ مَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلى مَا أَنْهَامْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الاصلَحَ مَا استَطعْت وَ مَا تَوْفِيقِى إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكلْت وَ إِلَيْهِ أُنِيب(88) وَ يَقَوْمِ لا يجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقى أَن يُصِيبَكم مِّثْلُ مَا أَصاب قَوْمَ نُوح أَوْ قَوْمَ هُود أَوْ قَوْمَ صلِح وَ مَا قَوْمُ لُوط مِّنكم بِبَعِيد(89) وَ استَغْفِرُوا رَبَّكمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبى رَحِيمٌ وَدُودٌ(90) قَالُوا يَشعَيْب مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وَ إِنَّا لَنرَاك فِينَا ضعِيفاً وَ لَوْ لا رَهْطك لَرَجَمْنَك وَ مَا أَنت عَلَيْنَا بِعَزِيز(91) قَالَ يَقَوْمِ أَ رَهْطِى أَعَزُّ عَلَيْكم مِّنَ اللَّهِ وَ اتخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِياًّ إِنَّ رَبى بِمَا تَعْمَلُونَ محِيطٌ(92) وَ يَقَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكمْ إِنى عَمِلٌ سوْف تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يخْزِيهِ وَ مَنْ هُوَ كَذِبٌ وَ ارْتَقِبُوا إِنى مَعَكمْ رَقِيبٌ(93) وَ لَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نجَّيْنَا شعَيْباً وَ الَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَة مِّنَّا وَ أَخَذَتِ الَّذِينَ ظلَمُوا الصيْحَةُ فَأَصبَحُوا فى دِيَرِهِمْ جَثِمِينَ(94) كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا بُعْداً لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَت ثَمُودُ(95)
القراءة
قرأ أهل الكوفة غير أبي بكر « أ صلاتك » بغير واو على التوحيد و الباقون

(5/283)


أ صلواتك بالواو على الجمع و في الشواذ قراءة السلمي بعدت ثمود بضم العين .
الحجة
أما بعد فيكون في الخير و الشر و مصدره البعد و بعد في الشر خاصة و مصدره البعد و منه أبعده الله فإنه منقول من بعد لأنه دعاء عليه و قراءة السلمي متفقة الفعل مع مصدره و إنما السؤال عن قراءة الجماعة ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود و طريق ذلك أن يكون البعد بمعنى اللعنة فيكون أبعده الله بمعنى لعنة الله و منه قوله :
ذعرت به القطا و نفيت عنه
مقام الذئب كالرجل اللعين أي المبعد فالإبعاد للشيء نقص له فقد التقى معنى بعد معنى بعد من هنا .
اللغة
الوزن تعديل الشيء بغيره في الخفة و الثقل ب آلة التعديل و إذا قيل شعر موزون فمعناه معدل بالعروض و التوفيق من الصواب إلا أنه اختص بهذا الاسم ما اتفق وقوع الصواب عنده و ليس ذلك جنسا بعينه و إنما هو بحسب ما يعلم الله تعالى و إنما لم يكن الموفق للطاعة إلا الله تعالى لأن أحدا لا يعلم ما يتفق عنده الطاعة من غير تعليم سواه سبحانه و الشقاق و المشاقة المباعدة بالعداوة إلى جانب المباينة و شقها و الفقه فهم الكلام على ما تضمنه من المعنى و قد صار علما لضرب من علوم الدين و هو علم بمدلول الدلائل السمعية و أصول الدين علم بمدلول الدلائل العقلية و الرهط عشيرة الرجل و قومه و أصله الشد و الترهيط شدة الأكل و منه الرهطاء جحر اليربوع لشدته و توسيعه لينجي فيه ولده و الرجم الرمي بالحجارة و الأعز الأقوى الأمنع و الأعز نقيض الأذل و الظهري جعل الشيء وراء الظهر حتى ينساه و يقال لكل من لا يعبأ بأمر قد جعل فلان هذا الأمر بظهر قال :
تميم بن قيس لا تكونن حاجتي
بظهر فلا يعيا علي جوابها .
الإعراب
« أو أن نفعل » موضع أن نصب على معنى أو تأمرك أن نترك أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء فهو معطوف على ما يعبد آباؤنا و التقدير أ صلاتك تأمرك أن نترك عبادة آبائنا أو نفعل ما نشاء في أموالنا و لا يجوز أن يكون قوله « أن نفعل » معطوفا على قوله « أن نترك » لأن المعنى يصير فاسدا و أو هنا بمنزلتها في قولك جالس الحسن أو ابن سيرين و قوله إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما و لم يقل به و موضع من في قوله « من يأتيه عذاب يخزيه و من هو كاذب » له

(5/284)


وجهان من الإعراب ( أحدهما ) أن يكون معلقا بقوله تعلمون فيكون استفهاما و تقديره فسوف تعلمون من المخزي و من الكاذب و يجوز أن يكون من هو كاذب على هذا بمعنى الذي هو كاذب و يكون معطوفا على الهاء من يخزيه أي و يخزي الذي هو كاذب ( و الثاني ) أن يكون من في قوله « من يأتيه » بمعنى الذي و يكون من هو كاذب عطفا عليه و ادخلوا هو في قوله « من هو كاذب » لأنهم لا يقولون من قائم و لا من قاعد و إنما يقولون من قام و من يقوم و من القائم و من القاعد و قد ورد ذلك في الشعر قال الشاعر :
من شارب مربح بالكأس نادمني
لا بالحصور و لا فيها بسوار « كأن لم يغنوا فيها » يحتمل أن يكون كان مخففة من الثقيلة أن يضمر فيها كما يضمر في أن من قوله و آخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين و يجوز أن يكون أن التي تنصب الفعل و يكون مع الفعل بمعنى المصدر .
المعنى
ثم عطف سبحانه قصة شعيب على ما تقدمها من قصص الأنبياء (عليهم السلام) فقال « و إلى مدين » أي و أرسلنا إلى أهل مدين « أخاهم شعيبا » فحذف أهل و أقام مدين مقامه و مدين اسم القبيلة أو المدينة التي كانوا فيها فلذلك لم ينصرف عن الزجاج و قيل مدين بن إبراهيم نسبوا إليه « قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره » قد سبق تفسيره « و لا تنقصوا المكيال و الميزان » أي و لا تنقصوا حقوق الناس بالتطفيف عند الكيل و الوزن « إني أراكم بخير » أي برخص السعر و الخصب عن ابن عباس و الحسن و المعنى أنه حذرهم الغلاء و هو زيادة السعر و زوال النعمة و حلول النقمة إن لم يتوبوا و قيل أراد بالخير المال و زينة الدنيا عن قتادة و ابن زيد و الضحاك و المعنى إني أراكم في كثرة الأموال و سعة الأرزاق فلا حاجة بكم إلى نقصان الكيل و الوزن « و إني أخاف عليكم عذاب يوم محيط » وصف اليوم بالإحاطة بمعنى أنه يحيط عذابه بجميع الكفار و لا يفلت منه أحد منهم و أراد يوم القيامة عن الجبائي و هو من صفة العذاب على الحقيقة لأن اليوم محيط بعذابه بدلا من إحاطته بنعمته و ذلك أظهر في الوصف و أهول في النفس « و يا قوم أوفوا المكيال و الميزان بالقسط » أي أوفوا حقوق الناس في المكيلات و الموزونات بالمكيال و الميزان بالعدل « و لا تبخسوا الناس » أي و لا تنقصوا الناس « أشياءهم » أي أموالهم في معاملاتهم « و لا تعثوا في الأرض مفسدين » أي و لا تسعوا بالفساد و لا تضربوا في الأرض « بقية الله خير لكم إن كنتم

(5/285)


مؤمنين » البقية بمعنى الباقي أي ما أبقى الله تعالى لكم من الحلال بعد إتمام الكيل و الوزن خير من البخس و التطفيف و شرط الإيمان في كونه خيرا لهم لأنهم إن كانوا مؤمنين بالله عرفوا صحة هذا القول عن ابن عباس و قيل معناه إبقاء الله النعيم عليكم خيرا لكم مما يحصل من النفع بالتطفيف عن ابن جبير و قيل معناه طاعة الله خير لكم من جميع الدنيا لأنها يبقى ثوابها أبدا و الدنيا تفنى عن الحسن و مجاهد و يؤيده قوله و الباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا الآية و قيل بقية الله رزق الله عن الثوري « و ما أنا عليكم بحفيظ » أي و ما أنا بحافظ نعم الله تعالى عليكم أن يزيلها عنكم و إنما يحفظها الله عليكم فاطلبوا بقاء نعمه بطاعته و قيل معناه و ما أنا بحافظ لأعمالكم و إنما يحفظها الله فيجازيكم عليها و قيل معناه و ما أنا بحافظ عليكم كيلكم و وزنكم حتى توفوا الناس حقوقهم و لا تظلموهم و إنما علي أن أنهاكم عنه « قالوا يا شعيب أ صلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا » إنما قالوا ذلك لأن شعيبا (عليه السلام) كان كثير الصلاة و كان يقول إذا صلى إن الصلاة رادعة عن الشر ناهية عن الفحشاء و المنكر فقالوا أ صلاتك التي تزعم أنها تأمر بالخير و تنهى عن الشر أمرتك بهذا عن ابن عباس و قيل معناه أ دينك يأمرك بترك دين السلف عن الحسن و عطا و أبي مسلم قالوا كنى عن الدين بالصلاة لأنها من أجل أمور الدين و إنما قالوا ذلك على وجه الاستهزاء « أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء » معناه أ صلاتك تأمرك بترك عبادة ما يعبد آباؤنا أو بترك فعل ما نشاء في أموالنا من البخس و التطفيف « إنك لأنت الحليم الرشيد » قيل إنهم قالوا ذلك على وجه الهزء و التهكم و أرادوا به ضد ذلك أي السفيه الغاوي عن ابن عباس و قيل إنهم قالوا ذلك على التحقيق أي إنك أنت الحليم في قومك فلا يليق بك أن تخالفهم و الحليم الذي لا يعاجل بالعقوبة مستحقها و الرشيد المرشد « قال » شعيب « يا قوم أ رأيتم إن كنت على بينة من ربي » مر تفسيره « و رزقني منه رزقا حسنا » قيل إن الرزق الحسن هاهنا النبوة و قيل معناه هداني لدينه و وسع على رزقه و كان كثير المال عن الحسن و قيل كل نعمة من الله سبحانه فهو رزق حسن و في الكلام حذف أي أ فأعدل مع ذلك عما أنا عليه من عبادته و إنما حذف لدلالة ما أبقاه على ما ألقاه « و ما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه » أي لست أنهاكم عن شيء و أدخل فيه و إنما أختار لكم ما أختاره لنفسي و معنى ما أخالفكم إليه أي ما أقصده بخلافكم إلى ارتكابه عن الزجاج و هذا في معنى قول الشاعر :
لا تنه عن خلق و تأتي مثله
عار عليك إذا فعلت عظيم .
و قيل معناه و ما أريد اجترار منفعة إلى نفسي بما أنهاكم عنه أي لا آمركم بترك التطفيف في الكيل و الوزن لتكون منفعة ما يحصل بالتطفيف لي « إن أريد إلا الإصلاح » أي لست

(5/286)


أريد بما آمركم به و أنهاكم عنه إلا إصلاح أموركم في دينكم و دنياكم « ما استطعت » أي ما قدرت عليه و تمكنت منه « و ما توفيقي إلا بالله » معناه و ليس توفيقي في امتثال ما آمركم به و الانتهاء عما أنهاكم عنه إلا بالله فلا يوفق غيره أي و ليس ما أفعله بحولي و قوتي بل بمعونة الله و لطفه و تيسيره « عليه توكلت » و التوكل على الله الرضا بتدبيره مع تفويض الأمور إليه و التمسك بطاعته « و إليه أنيب » أي و إليه أرجع في المعاد عن مجاهد و قيل إليه أرجع بعملي و نيتي عن الحسن و معناه إني أعمل أعمالي كلها لوجه الله « و يا قوم لا يجرمنكم شقاقي » أي لا يكسبنكم خلافي و معاداتي « أن يصيبكم » عذاب العاجلة عن الزجاج و قيل معناه لا تحملنكم عداوتي على مخالفة ربكم فيصيبكم من العذاب مثل ما أصاب من قبلكم عن الحسن و كان سبب هذه العداوة دعاؤه لكم إلى مخالفة الآباء و الأجداد في عبادة الأوثان و ما يثقل عليهم من الإيفاء في الكيل و الميزان « مثل ما أصاب قوم نوح » من الهلاك بالغرق « أو قوم هود » بالريح العقيم « أو قوم صالح » بالرجفة « و ما قوم لوط منكم ببعيد » أي هم قريب منكم في الزمان الذي بينه و بينكم عن قتادة و قيل معناه أن دارهم قريبة من داركم فيجب أن تتعظوا بهم « و استغفروا ربكم ثم توبوا إليه » أي اطلبوا المغفرة من الله ثم توصلوا إليها بالتوبة و قيل معناه استغفروا للماضي و اعزموا في المستقبل و قيل استغفروا ثم دوموا على التوبة قيل استغفروا في العلانية ثم أضمروا الندامة في القلب عن الماضي « إن ربي رحيم » بعباده فيقبل توبتهم و يعفو عن معاصيهم « ودود » أي محب لهم و معناه مريد لمنافعهم و قيل معناه متودد إلى عباده بكثرة إنعامه عليهم و قيل ودود بمعنى الواد أي يودهم إذا أطاعوه و روي عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال كان شعيب خطيب الأنبياء « قالوا » أي قال قوم شعيب له حين سمعوا منه الوعظ و التخويف « يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول » أي ما نفهم عنك معنى كثير من كلامك و قيل معناه لا نقبل كثيرا منه و لا نعمل به و هذا كقولك إذا أمرك إنسان بشيء لا تريد أن تفعله لا أعلم ما تقول و أنت تعلم ذلك أي لا أفعله و إنما قالوا ذلك بعد ما ألزمهم الحجة « و إنا لنراك فينا ضعيفا » أي ضعيف البدن عن الجبائي و قيل ضعيف البصر عن سفيان و قيل أعمى و كان شعيب أعمى عن قتادة و سعيد بن جبير قال الزجاج و حمير تسمي المكفوف ضعيفا و هذا كما قيل ضرير أي قد ضر بذهاب بصره و كذلك قد ضعف بذهاب بصره و كف عن التصرف و هذا القول ليس بسديد لأن قوله « فينا » يرده أ لا ترى أنه لو قيل إنا لنراك فينا أعمى لم يكن كلاما لأن الأعمى قد يكون أعمى فيهم و في غيرهم و قيل ضعيفا أي مهينا عن الحسن و اختلف في أن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) هل يجوز أن يكون أعمى فقيل لا يجوز لأن ذلك ينفر و قيل يجوز أن لا يكون فيه تنفير و يكون بمنزلة سائر العلل و الأمراض « و لو لا

(5/287)


رهطك لرجمناك » أي لو لا رحمة عشيرتك و قومك لقتلناك بالحجارة و قيل معناه لشتمناك و سببناك « و ما أنت علينا بعزيز » أي لم ندع قتلك لعزتك علينا و لكن لأجل قومك قال الحسن و كان شعيب في عز من قومه و كان من أشرافهم و ما بعث نبي بعد لوط إلا في عز من قومه « قال » شعيب « يا قوم أ رهطي أعز عليكم من الله » أي أ عشيرتي و قومي أعظم حرمة عندكم من الله فتتركون أذاي لأجل عشيرتي و لا تتركونه لله الذي بعثني إليكم « و اتخذتموه وراءكم ظهريا » أي اتخذتم الله وراء ظهوركم يعني نسيتموه فالهاء عائدة إلى الله عن ابن عباس و الحسن و قيل الهاء عائدة إلى ما جاء به شعيب عن مجاهد و المعنى و نبذتم ما أرسلت به إليكم وراء ظهوركم و قيل الهاء عائدة إلى أمر الله عن الزجاج أي نبذتم أمر الله وراء ظهوركم و تركتموه « إن ربي بما تعملون محيط » أي محص لأعمالكم لا يفوته شيء منها و قيل معناه خبير بأعمالكم فيجازيكم بها عن الحسن « و يا قوم اعملوا على مكانتكم » أي اعملوا على حالتكم هذه و المكانة الحال التي يتمكن بها صاحبها من عمل و هذا تهديد في صورة الأمر و تقديره كأنكم إنما أمرتم بأن تكونوا على هذه الحال من الكفر و الطغيان و في هذا نهاية الخزي و الهوان و قيل معناه اعملوا على ما يمكنكم أي اعملوا أنتم على ما تقولون و أعمل أنا على ما أقول و قيل معناه اعملوا على ما أنتم عليه من دينكم و نحوه و قوله لكم دينكم و لي دين و في هذا دلالة على أنه آيس من قومه « إني عامل » على ما أمرني ربي و قيل إني عامل على ما أنا عليه من الإنذار « سوف تعلمون » أينا المخطىء الجاني على نفسه و قيل معناه سوف يتبين لكم و تعلمون في عاقبة الأمر « من يأتيه عذاب يخزيه » أي يهينه و يفضحه و يظهر الكاذب من الصادق و تقديره « و من هو كاذب » يخزي بعذاب الله فحذف « و ارتقبوا إني معكم رقيب » أي انتظروا ما وعدكم ربكم من العذاب إني معكم منتظر حلول العذاب بكم و قيل معناه انتظروا العذاب و اللعنة و أنا أنتظر الرحمة و الثواب و النصرة عن ابن عباس و قيل معناه انتظروا مواعيد الشيطان و أنا أنتظر مواعيد الرحمن و روي عن علي بن موسى الرضا (عليهماالسلام) أنه قال ما أحسن الصبر و انتظار الفرج أ ما سمعت قول العبد الصالح « و ارتقبوا إني معكم رقيب » « و لما جاء أمرنا نجينا شعيبا و الذين آمنوا معه برحمة منا » مضى تفسيره « و أخذت الذين ظلموا الصيحة » صاح بهم جبرئيل صيحة فماتوا « فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها » مضى تفسيره قبل « ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود » ألا بعدوا من رحمة الله بعدا كما بعدت ثمود و قيل ألا هلاكا لهم كما هلكت ثمود و تقديره ألا أهلكهم الله فبعدوا بعدا قال البلخي يجوز أن تكون الصيحة صيحة على الحقيقة كما روي و يجوز أن تكون ضربا من العذاب أهلكهم الله به و اصطلمهم تقول العرب صاح الزمان بهم

(5/288)


إذا هلكوا و قال امرؤ القيس :
فدع عنك نهبا صيح في حجراته
و لكن حديث ما حديث الرواحل و معنى صيح في حجراته أذهب و أهلك قالوا و إنما شبه حالهم بحال ثمود خاصة لأنهم أهلكوا بالصيحة كما أهلكت ثمود بمثل ذلك مع الرجفة .
وَ لَقَدْ أَرْسلْنَا مُوسى بِئَايَتِنَا وَ سلْطن مُّبِين(96) إِلى فِرْعَوْنَ وَ مَلايهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَ مَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيد(97) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَ بِئْس الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ(98) وَ أُتْبِعُوا فى هَذِهِ لَعْنَةً وَ يَوْمَ الْقِيَمَةِ بِئْس الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ(99) ذَلِك مِنْ أَنبَاءِ الْقُرَى نَقُصهُ عَلَيْك مِنهَا قَائمٌ وَ حَصِيدٌ(100) وَ مَا ظلَمْنَهُمْ وَ لَكِن ظلَمُوا أَنفُسهُمْ فَمَا أَغْنَت عَنهُمْ ءَالِهَتهُمُ الَّتى يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شىْء لَّمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّك وَ مَا زَادُوهُمْ غَيرَ تَتْبِيب(101) وَ كَذَلِك أَخْذُ رَبِّك إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَ هِىَ ظلِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شدِيدٌ(102) إِنَّ فى ذَلِك لاَيَةً لِّمَنْ خَاف عَذَاب الاَخِرَةِ ذَلِك يَوْمٌ مجْمُوعٌ لَّهُ النَّاس وَ ذَلِك يَوْمٌ مَّشهُودٌ(103)
اللغة
يقال قدمت القوم أقدمهم قدما إذا مشيت أمامهم و اتبعوك الأزهري قدم يقدم و تقدم و قدم و أقدم و استقدم بمعنى و الورد ورود الماء الذي يورد و الإبل الواردة و الجمع أوراد

(5/289)


الإيراد إيجاب الورود في الماء أو ما يقوم مقامه قال الشاعر :
يرد المياه حضيرة و نفيضة
ورد القطاة إذا أسمال التبع و قال لبيد :
فوردنا قبل فراط القطا
إن من وردي تغليس النهل و أصل الورود الإشراف على الدخول و ليس بالدخول قال عنترة :
فلما وردن الماء زرقا جمامة
وضعن عصي الحاضر المتخيم و الرفد العون على الأمر يقال رفده يرفده رفدا و رفدا بفتح الراء و كسرها قال الزجاج كل شيء جعلته عونا لشيء أو أسندت به شيئا فقد رفدته به يقال عمدت الحائط و أسندته و أرفدته و رفدته بمعنى واحد و يقال رفده و أرفده إذا أعطاه و الاسم الرفد لأن العطاء عون المعطي و الحصيد بمعنى المحصود و الحصد قطع الزرع من الأصل و هذا زمن الحصاد بفتح الحاء و كسرها و يقال حصدهم بالسيف إذا قتلهم و تتبيب من تبت يده أي خسرت قال جرير :
عرابة من بقية قوم لوط
ألا تبا لما فعلوا تبابا و الفرق بين العذاب و الألم أن العذاب استمرار الألم و قال عبيد :
و المرء ما عاش في تكذيب
طول الحياة له تعذيب .
المعنى
ثم عطف سبحانه قصة موسى (عليه السلام) على ما تقدم من قصص الأنبياء فقال « و لقد أرسلنا موسى ب آياتنا » أي بحججنا و معجزاتنا الدالة على نبوته « و سلطان مبين » أي و حجة ظاهرة مخلصة من تلبيس و تمويه على أتم ما يمكن فيه و السلطان و إن كان في معنى الآيات فإنما عطفه عليها لأن الآيات حجج من وجه الاعتبار العظيم بها و السلطان حجة من جهة القوة العظيمة على المبطل و كل عالم له حجة يقهر بها شبهة من نازعة من أهل الباطل فله سلطان و قد قيل إن سلطان الحجة أنفذ من سلطان المملكة و السلطان متى كان محقا

(5/290)


حجة وجب اتباعه و إذا كان بخلافه لا يجب اتباعه قال الزجاج السلطان إنما سمي سلطانا لأنه حجة الله في أرضه و اشتقاقه من السليط الذي يستضاء به « إلى فرعون و ملأه » أي قومه و قيل أشراف قومه الذين تملأ الصدور هيبتهم « فاتبعوا أمر فرعون » و تركوا أمر الله تعالى « و ما أمر فرعون برشيد » أي مرشد و معناه ما هو بهاد لهم إلى رشد و لا قائد إلى خير فأمر فرعون كان على ضد هذه الحال لأنه داع إلى الشر و صاد عن الخير و في هذا دلالة على أن لفظة الأمر مشتركة بين القول و الفعل و المراد هاهنا و ما فعل فرعون برشيد « يقدم قومه يوم القيامة » يعني أن فرعون يمشي بين يدي قومه يوم القيامة على قدميه حتى يهجم بهم على النار كما كان يقدمهم في الدنيا يدعوهم إلى طريق النار و إنما قال « فأوردهم » على لفظ الماضي و المراد به المستقبل لأن ما عطفه عليه من قوله « يقدم قومه يوم القيامة » يدل عليه عن الجبائي و قيل إنه معطوف على قوله « فاتبعوا أمر فرعون » « و بئس الورد المورود » أي بئس الماء الذي يردونه عطاشا لإحياء نفوسهم النار إنما أطلق سبحانه على الناس اسم الورد المورود ليطابق ما يرد عليه أهل الجنة من الأنهار و العيون و قيل معناه بئس المدخل المدخول فيه النار و قيل بئس الشيء الذي يرده النار و قيل بئس النصيب المقسوم لهم لنار و إنما أطلق بلفظ بئس و إن كان عدلا حسنا لما فيه من البؤس و الشدة « و أتبعوا في هذه » يعني ألحقوا في الدنيا « لعنة » و هي الغرق « و يوم القيامة » يعني و لعنة يوم القيامة و هي عذاب الآخرة و قيل معناه أتبعهم الله في الدنيا لعنة بإبعادهم من الرحمة و أتبعهم الأنبياء و المؤمنون بالدعاء عليهم باللعنة و يتبعهم الله اللعنة في القيامة حتى لا تفارقهم اللعنة حيث كانوا قال ابن عباس من ذكرهم لعنهم « بئس الرفد المرفود » أي بئس العطاء المعطى النار و اللعنة و إنما سماه رفدا لأنه في مقابلة ما يعطى أهل الجنة من أنواع النعيم و قال قتادة ترافدت عليهم لعنتان من الله لعنة في الدنيا و لعنة في الآخرة و سأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن قوله « بئس الرفد المرفود » قال هو اللعنة بعد اللعنة و قال الضحاك اللعنتان اللتان أصابتهم رفدت إحداهما الأخرى « ذلك » أي ذلك النبأ « من أنباء القرى » أي من أخبار البلاد « نقصه عليك » أن نذكره لك و نخبرك به تذكرة و تسلية لك يا محمد « منها قائم و حصيد » أي من تلك الديار معمور و خراب قد أتى عليه الإهلاك و لم يعمر فيما بعد و قيل معناه منها قائم على بنائه لم يذهب أصلا و إن كان خاليا من أهله و حصيد قد خرب و ذهب و اندرس أثره كالشيء المحصود عن قتادة و أبي مسلم و قيل منها قائم ينظرون إليها و حصيد قد هلك و باد أهله عن ابن عباس « و ما ظلمناهم » بإهلاكهم « و لكن ظلموا أنفسهم » بأن كفروا و ارتكبوا ما استحقوا به الهلاك فكان ذلك ظلمهم لأنفسهم « فما أغنت عنهم آلهتهم » أي أوثانهم « التي يدعون من دون

(5/291)


الله من شيء لما جاء أمر ربك » أي عذاب ربك و قيل أمر ربك بإهلاكهم « و ما زادوهم غير تتبيب » أي غير تخسير عن مجاهد و قتادة و المعنى لم يزيدوهم شيئا غير الهلاك و الخسار و إنما أضاف الإهلاك إلى الأصنام لأنها السبب في ذلك و لو لم يعبدوها لم يهلكوا و إنما قال « يدعون من دون الله » لأنهم كانوا يسمونها آلهة و يطلبون الحوائج منها كما يطلبها الموحدون من الله « و كذلك أخذ ربك » أي و كما ذكر من إهلاك الأمم و أخذهم بالعذاب أخذ ربك « إذا أخذ القرى » أي أخذ أهلها و هو أن ينقلهم إلى العقوبة و الهلاك « و هي ظالمة » من صفة القرى و هو في الحقيقة لأهلها و سكانها و نحوه و كم قصمنا من قرية كانت ظالمة و في الصحيحين عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال إن الله تعالى يمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ هذه الآية « إن أخذه أليم شديد » معناه إن أخذ الله سبحانه الظالم مؤلم شديد الألم « إن في ذلك لآية » أي إن فيما قصصنا عليك من إهلاك من ذكرناه على وجه العقوبة لهم على كفرهم لعبرة و تبصرة و علامة عظيمة « لمن خاف عذاب الآخرة » أي لمن خشي عقوبة الله يوم القيامة و خص الخائف بذلك لأنه هو الذي ينتفع به بالتدبر و التفكر فيه « ذلك يوم مجموع له الناس » أي يجمع فيه الناس كلهم الأولون و الآخرون منهم للجزاء و الحساب و الهاء في له راجعة إلى اليوم « و ذلك يوم مشهود » أي يشهده الخلائق كلهم من الجن و الإنس و أهل السماء و أهل الأرض أي يحضره و لا يوصف بهذه الصفة يوم سواه و في هذا دلالة على إثبات المعاد و حشر الخلق .
وَ مَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأَجَل مَّعْدُود(104) يَوْمَ يَأْتِ لا تَكلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شقِىُّ وَ سعِيدٌ(105) فَأَمَّا الَّذِينَ شقُوا فَفِى النَّارِ لهَُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَ شهِيقٌ(106) خَلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السمَوَت وَ الأَرْض إِلا مَا شاءَ رَبُّك إِنَّ رَبَّك فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ(107) * وَ أَمَّا الَّذِينَ سعِدُوا فَفِى الجَْنَّةِ خَلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السمَوت وَ الأَرْض إِلا مَا شاءَ رَبُّك عَطاءً غَيرَ مجْذُوذ(108)

(5/292)


القراءة
قرأ يعقوب و ما يؤخره بالياء و الباقون بالنون و قرأ « يوم يأت » بغير ياء ابن عامر و أهل الكوفة غير الكسائي و الباقون يأتي بإثبات الياء و قرأ أهل الكوفة غير أبي بكر « سعدوا » بضم السين و الباقون سعدوا بالفتح .
الحجة
من قرأ يؤخره بالياء فإنه رده إلى قوله أخذ ربك و من قرأ بالنون فإنه ابتداء و الياء في المعنى كالنون و قوله « يوم يأت » قال الزجاج الذي يختاره النحويون يوم يأتي و هذيل يحذف هذه الياءات كثيرا و قد حكى سيبويه و الخليل إن العرب تقول لا أدر فتحذف الياء و تجتزىء بالكسرة إلا أنهم يزعمون أن ذلك لكثرة الاستعمال قال أبو علي من أثبت الياء في الوصل و الوقف فهو القياس البين و أما من حذفها في الوقف إذا قال « يوم يأت » فلأنها و إن لم تكن في فاصلة أمكن أن نشبهها بالفاصلة لأن هذه الياء تشبه الحركات المحذوفة في الوصل بدلالة أنهم حذفوها حذفوا الحركة فكما أن الحركة تحذف في الوقف فكذلك ما أشبهها من هذه الحروف كان في حكمها فأما من حذفها في الوصل و الوقف فلأنه جعلها في الوصل و الوقف بمنزلة ما استعمل محذوفا مما لم يكن ينبغي في القياس أن يحذف نحو لم يكن و لا أدر و مثله قول الشاعر :
كفاك كف لا تبقي درهما
جودا و أخرى تعط بالسيف الدما حذف الياء من تعطي و ليس هنا ما يوجب حذفها و أما قوله « سعدوا » فقد قال أبو علي حكى سيبويه سعد يسعد سعادة فهو سعيد و ينبغي أن يكون غير متعد كما أن خلافه الذي هو شقي كذلك و إذا كان كذلك كان ضم السين مشكلا إلا أن يكون سمع فيه لغة خارجة عن القياس أو يكون من باب فعل و فعلته نحو غاص الماء و غصته و حزن و حزنته و لعلهم استشهدوا على ذلك بقولهم مسعود و أنه يدل على سعد و لا دلالة قاطعة في ذلك لأنه يجوز أن يكون مثل أجنه الله فهو مجنون و أحبه فهو محبوب فالمفعول جاء في هذا على أنه حذفت الزيادة عنه كما حذف من اسم الفاعل في نحو قوله و أرسلنا الرياح لواقح يعني ملاقح فجاء على حذف الزيادة فعلى هذا يكون أصله أسعد فحذف الزائد و من الحذف قول الشاعر :
يخرجن من أجواز ليل غاض يريد مغض .

(5/293)


اللغة
الشقاء و الشقاوة و الشقوة بمعنى و الياء في شقي منقلبة عن واو و السعادة ضد الشقاوة و الزفير أول نهاق الحمار و الشهيق آخر نهاقه قال رؤبة :
حشرج في الجوف صهيلا أو شهق
حتى يقال ناهق و ما نهق و الزفير ترديد النفس مع الصوت من الحزن حتى تنتفخ الضلوع و أصل الزفير الشدة من قولهم للشديد الخلق مزفور و الزفر الحمل على الظهر خاصة لشدته و الزفر السيد لأنه يطيق حمل الشدائد و زفرت النار إذا سمع لها صوت من شدة توقدها و الشهيق صوت فظيع يخرج من الجوف بمد النفس و أصله الطول المفرط من قولهم جبل شاهق و الخلود الكون في الأمر أبدا و الدوام البقاء أبدا و لهذا يوصف سبحانه بأنه دائم و لا يوصف بأنه خالد و الجذ القطع يقال جذه يجذه و جذ الله دابرهم قال النابغة :
تجذ السلوقي المضاعف نسجه
و توقد بالصفاح نار الحباحب و يقال جذها جذ البعير الصليانة و هي نبت .
الإعراب
« يوم يأتي » لا يخلو أن يكون فاعل يأتي ضمير اليوم المضاف إلى يأتي و اليوم المتقدم ذكره فلا يجوز أن يكون فاعله ضمير اليوم الذي أضيف إلى يأتي لأنك لا تقول جئتك يوم يسيرك سروره إياك و يكون الهاء عائدة إلى يوم فيصير اليوم مضافا إلى الفعل المسند إلى ضميره و إنما تعرف الفعل فيه بالفاعل فيكون كأنك إنما عرفت اليوم بنفسه و نظير ذلك قولك هذا يوم حرة و يوم برده و الهاء لليوم و هذا غير جائز و كذلك لا يجوز أن تضيف الظرف إلى جملة معرفة بضميره و إن كانت من مبتدإ و خبر مثل أن تقول آتيك يوم ضحوته باردة و ليلة أولها مطير فإن نونت فقلت آتيك يوما ضحوته باردة أو ليلة أولها مطير جاز لأنه خرج بالتنوين عن حد الإضافة و هذا قول أبي عثمان المازني و إذ قد ثبت ذلك فقد ثبت أن في يأتي ضمير اليوم المتقدم ذكره في قوله ذلك يوم مجموع له الناس و ذلك يوم مشهود أي يوم يأتي هذا اليوم الذي تقدم ذكره لا تكلم نفس فاليوم في قوله « يوم يأتي » يراد به الحين و البرهة و ليس على وضح النهار و قوله « لا تكلم نفس إلا بإذنه » يجوز أن يكون هذه

(5/294)


الجملة حالا من الضمير في يأتي و يجوز أن يكون صفة ليوم المضاف إلى يأتي لأن يوم مضاف إلى يأتي و الفعل نكرة فلا تتعرف يوم بالإضافة إليه فجاز أن يوصف بالجملة كما توصف النكرات بالجمل و المعنى لا تكلم فيه نفس فحذف فيه أو حذف الحرف و أوصل الفعل إلى المفعول ثم حذف الضمير من الفعل الذي هو صفة كما يحذف من الصلة و مثل ذلك قولهم الناس رجلان رجل أكرمت و رجل أهنت و إذا جعلته حالا من الضمير في يأت وجب أن تقدر فيه أيضا ضميرا يعود إلى ذي الحال و تقديره غير متكلم فيه هذا كله قول أبي علي و أقول أن الأظهر أن قوله « يوم يأتي » ظرف لقوله « لا تكلم نفس إلا بإذنه » و معمول له و هذا الوجه لا يحتاج فيه إلى تقدير محذوف كما في الوجهين اللذين ذكرناهما فيكون أولى و إنما يضاف يوم إلى الفعل لأنه اسم زمان و الفعل يناسب الزمان من حيث أنه لا يخلو منه و إنما يتصرف بتصرفه و أنه لا يكون حادثا إلا وقتا كما أن الزمان لا يبقى و قوله « لا تكلم » أي لا تتكلم فحذف إحدى التاءين كما في قول الشاعر :
و العين ساكنة على أطلائها
عوذا تأجل بالفضاء بهامها أي تتأجل و عطاء منصوب بما دل الكلام عليه فكأنه قال أعطاهم النعيم عطاء .
المعنى
ثم أخبر سبحانه عن اليوم المشهود و هو يوم القيامة فقال « و ما نؤخره » أي و ما نؤخر هذا اليوم « إلا لأجل معدود » و هو أجل قد عده الله تعالى لعلمه أن صلاح الخلق في إدامة التكليف عليهم إلى ذلك الوقت و فيه إشارة إلى قربه لأن ما يدخل تحت العد فكان قد نفد و إنما قال لأجل و لم يقل إلى أجل لأن اللام يدل على الغرض و أن الحكمة اقتضت تأخيره و إلى لا يدل على ذلك « يوم يأت » أي حين يأتي القيامة و الجزاء « لا تكلم نفس إلا بإذنه » أي لا يتكلم أحد فيه إلا بإذن الله تعالى و أمره و معناه أنه لا يتكلم فيه إلا بالكلام الحسن المأذون فيه لأن الخلق ملجئون هناك إلى ترك القبائح فلا يقع منهم فعل القبيح و أما ما هو غير قبيح فإنه مأذون فيه عن الجبائي و الأظهر أن يقال معناه أنه لا يتكلم أحد في الآخرة بكلام نافع من شفاعة و وسيلة إلا بإذنه فإن قيل كيف يجمع بين هذه الآية و بين قوله « هذا يوم لا ينطقون و لا يؤذن لهم فيعتذرون » و قوله « فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس

(5/295)


و لا جان » على أنه سبحانه قال في موضع آخر و قفوهم إنهم مسئولون و هل هذا إلا ظاهر التناقض فالجواب أن يوم القيامة يشتمل على مواقف قد أذن لهم في الكلام في بعض تلك المواقف و لم يؤذن لهم في الكلام في بعضها عن الحسن و قيل أن معنى قوله لا ينطقون أنهم لا ينطقون لحجة و إنما يتكلمون بالإقرار بذنوبهم و لوم بعضهم بعضا و طرح بعضهم الذنوب على بعض و هذا كما يقول القائل لمن تكلم بكلام كثير فارغ عن الحجة ما تكلمت بشيء و لا نطقت بشيء فسمي من يتكلم بما لا حجة فيه غير متكلم كما قال سبحانه صم بكم عمي و هم كانوا يسمعون و يتكلمون و يبصرون إلا أنهم في أنهم لا يقبلون الحق و لا يتأملون بمنزلة الصم البكم العمي و كلا الوجهين حسن و أما قوله فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس و لا جان فمعناه أنهم لا يسألون عن ذنوبهم للتعرف من حيث أن الله سبحانه علم أعمالهم و إنما يسألون سؤال توبيخ و تقريع و تقرير لإيجاب الحجة عليهم كما في قوله و قفوهم إنهم مسئولون فأثبت سبحانه سؤال التقريع في آية و نفي سؤال التعرف و الاستعلام في أخرى فلا تناقض و قوله « فمنهم شقي و سعيد » إخبار منه سبحانه بأنهم قسمان أشقياء و هم المستحقون للعقاب و سعداء و هم المستحقون للثواب و الشقاء قوة أسباب البلاء و السعادة قوة أسباب النعمة و الشقي من شقي بسوء عمله في معصية الله و السعيد من سعد بحسن عمله في طاعة الله و الضمير في قوله « فمنهم » يعود إلى الناس في قوله ذلك يوم مجموع له الناس و قيل إنه يعود إلى نفس في قوله « لا تكلم نفس إلا بإذنه » لأن النفس اسم الجنس « فأما الذين شقوا ففي النار » يعني أن الذين شقوا باستحقاقهم العذاب جزاء على أعمالهم القبيحة داخلون في النار و إنما وصفوا بالشقاوة قبل دخولهم النار لأنهم على حال تؤديهم إلى دخولها و أما ما روي عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال الشقي من شقي في بطن أمه فإن المراد بذلك أن المعلوم من حاله أنه سيشقى بارتكاب القبائح التي تؤديه إلى عذاب النار كما يقال لابن الشيخ الهرم أنه يتيم بمعنى أنه سييتم « لهم فيها زفير و شهيق » قال الزجاج الزفير و الشهيق من أصوات المكروبين المحزونين و الزفير من شديد الأنين و قبيحة بمنزلة ابتداء صوت الحمار و الشهيق الأنين الشديد المرتفع جدا بمنزلة آخر صوت الحمار و عن ابن عباس قال يريد ندامة و نفسا عاليا و بكاء لا ينقطع « خالدين فيها ما دامت السماوات و الأرض إلا ما شاء ربك » اختلف العلماء في تأويل هذا في الآيتين و هما من المواضع المشكلة في القرآن و الإشكال فيه من وجهين ( أحدهما ) تحديد الخلود بمدة دوام السماوات و الأرض ( و الآخر ) معنى الاستثناء بقوله « إلا ما شاء ربك » فالأول فيه أقوال ( أحدها ) أن المراد ما دامت السماوات و الأرض مبدلتين أي ما دامت سماء الآخرة و أرضها

(5/296)


و هما لا يفنيان إذا أعيدا بعد الإفناء عن الضحاك و الجبائي ( و ثانيها ) أن المراد ما دامت سماوات الجنة و النار و أرضهما و كل ما علاك فأظلك فهو سماء و كل ما استقر عليه قدمك فهو أرض و هذا مثل الأول أو قريب منه ( و ثالثها ) أن المراد ما دامت الآخرة و هي دائمة أبدا كما أن دوام السماء و الأرض في الدنيا قدر مدة بنائها عن الحسن ( و رابعها ) أنه لا يراد به السماء و الأرض بعينها بل المراد التبعيد فإن للعرب ألفاظا للتبعيد في معنى التأبيد يقولون لا أفعل ذلك ما اختلف الليل و النهار و ما دامت السماء و الأرض و ما نبت النبت و ما أطت الإبل و ما اختلف الجرة و الدرة و ما ذر شارق و في أشباه ذلك كثرة ظنا منهم أن هذه الأشياء لا تتغير و يريدون بذلك التأبيد لا التوقيت فخاطبهم سبحانه بالمتعارف من كلامهم على قدر عقولهم و ما يعرفون قال عمرو بن معديكرب :
و كل أخ مفارقة أخوه
لعمر أبيك إلا الفرقدان و قال زهير :
ألا لا أرى على الحوادث باقيا
و لا خالدا إلا الجبال الرواسيا
و إلا السماء و النجوم و ربنا
و أيامنا معدودة و اللياليا لأنه توهم أن هذه الأشياء لا تفنى و تخلد و أما الكلام في الاستثناء فقد اختلف فيه أقوال العلماء على وجوه ( أحدها ) أنه استثناء في الزيادة من العذاب لأهل النار و الزيادة من النعيم لأهل الجنة و التقدير إلا ما شاء ربك من الزيادة على هذا المقدار كما يقول الرجل لغيره لي عليك ألف دينار إلا الألفين اللذين أقرضتكهما وقت كذا فالألفان زيادة على الألف بغير شك لأن الكثير لا يستثني من القليل عن الزجاج و الفراء و علي بن عيسى و جماعة و على هذا فيكون إلا بمعنى سوى أي سوى ما شاء ربك كما يقال ما كان معنا رجل إلا زيد أي سوى زيد ( و ثانيها ) أن الاستثناء واقع على مقامهم في المحشر و الحساب لأنهم حينئذ ليسوا في جنة و لا نار و مدة كونهم في البرزخ الذي هو ما بين الموت و الحياة لأنه تعالى لو قال خالدين فيها أبدا و لم يستثن لظن الظان أنهم يكونون في النار و الجنة من لدن نزول الآية أو

(5/297)


من بعد انقطاع التكليف فحصل للاستثناء فائدة عن المازني و غيره و اختاره البلخي فإن قيل كيف يستثني من الخلود في النار ما قبل الدخول فيها فالجواب أن ذلك جائز إذا كان الإخبار به قبل دخولهم فيها ( و ثالثها ) أن الاستثناء الأول يتصل بقوله « لهم فيها زفير و شهيق » و تقديره إلا ما شاء ربك من أجناس العذاب الخارجة عن هذين الضربين و لا يتعلق الاستثناء بالخلود و في أهل الجنة يتصل بما دل عليه الكلام فكأنه قال لهم فيها نعيم إلا ما شاء ربك من أنواع النعيم و إنما دل عليه قوله « عطاء غير مجذوذ » عن الزجاج ( و رابعها ) أن يكون إلا بمعنى الواو أي و ما شاء ربك من الزيادة عن الفراء و استشهد على ذلك بقول الشاعر :
و أرى لها دارا بأغدرة السيدان
لم يدرس لها رسم
إلا رمادا هامدا دفعت
عنه الرياح خوالد سحم قال و المراد بإلا الواو هاهنا و إلا كان الكلام متناقضا و هذا القول قد ضعفه محققو النحويين ( و خامسها ) أن المراد ب « الذين شقوا » من أدخل النار من أهل التوحيد الذين ضموا إلى إيمانهم و طاعتهم ارتكاب المعاصي فقال سبحانه أنهم معاقبون في النار إلا ما شاء ربك من إخراجهم إلى الجنة و إيصال ثواب طاعاتهم إليهم و يجوز أن يريد ب « الذين شقوا » جميع الداخلين إلى جهنم ثم استثنى بقوله « إلا ما شاء ربك » أهل الطاعات منهم ممن استحق الثواب و لا بد أن يوصل إليه و تقديره إلا ما شاء ربك أن يخرجه بتوحيده من النار و يدخله الجنة و قد يكون ما بمعنى من قال سبحانه سبح لله ما في السماوات و قالت العرب عند سماع الرعد سبحان ما سبحت له و أما في أهل الجنة فهو استثناء من خلودهم أيضا لما ذكرناه لأن من ينقل إلى الجنة من النار و خلد فيها لا بد في الإخبار عنه بتأييد خلوده أيضا من استثناء ما تقدم فكأنه قال خالدين فيها إلا ما شاء ربك من الوقت الذي أدخلهم فيه النار قبل أن ينقلهم إلى الجنة فما في قوله « ما شاء ربك » هاهنا على بابه و الاستثناء من الزمان و الاستثناء في الأول من الأعيان و « الذين شقوا » على هذا القول هم الذين سعدوا بأعيانهم و إنما أجري عليهم كل لفظ في الحال الذي تليق به فإذا أدخلوا النار و عوقبوا فيها فهم من أهل الشقاء و إذا نقلوا منها إلى الجنة فهم من أهل السعادة و هذا قول ابن عباس و جابر بن عبد الله و أبي سعيد الخدري و قتادة و السدي و الضحاك و جماعة من المفسرين و روي أبو روق عن الضحاك عن

(5/298)


ابن عباس قال « الذين شقوا » ليس فيهم كافر و إنما هم قوم من أهل التوحيد يدخلون النار بذنوبهم ثم يتفضل الله عليهم فيخرجهم من النار إلى الجنة فيكونون أشقياء في حال سعداء في حال أخرى و قال قتادة الله أعلم بمشيئته ذكر لنا أن ناسا يصيبهم سفع من النار بذنوبهم ثم يدخلهم الله الجنة برحمته يسمون الجهنميين و هم الذين أنفذ فيهم الوعيد ثم أخرجوا بالشفاعة قال و حدثنا أنس بن مالك أن رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال يخرج قوم من النار قال و لا تقول ما يقوله أهل حروراء و هذا القول هو المختار المعول عليه ( و سادسها ) أن تعليق ذلك بالمشيئة على سبيل التأكيد للخلود و التبعيد للخروج لأن الله تعالى لا يشاء إلا تخليدهم على ما حكم به فكأنه تعليق لما لا يكون بما لا يكون لأنه لا يشاء أن يخرجهم منها ( و سابعها ) ما قاله الحسن أن الله سبحانه استثنى ثم عزم بقوله « إن ربك فعال لما يريد » أنه أراد أن يخلدهم و قريب منه ما قاله الزجاج و غيره أنه استثناء تستثنيه العرب و تفعله كما تقول و الله لأضربن زيدا إلا أن أرى غير ذلك و أنت عازم على ضربه و المعنى في الاستثناء على هذا إني لو شئت أن لا أضربه لفعلت ( و ثامنها ) قال يحيى بن سلام البصري أنه يعني بقوله « إلا ما شاء ربك » ما سبقهم به الذين دخلوا قبلهم من الفريقين و احتج بقوله تعالى و سيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا و سيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا قال إن الزمرة تدخل بعد الزمرة فلا بد أن يقع بينهما تفاوت في الدخول و الاستثناء أن على هذا من الزمان ( و تاسعها ) أن المعنى خالدون في النار دائمون فيها مدة كونهم في القبور ما دامت السماوات و الأرض في الدنيا و إذا فنيتا و عدمتا انقطع عقابهم إلى أن يبعثهم الله للحساب و قوله « إلا ما شاء ربك » استثناء وقع على ما يكون في الآخرة أورده الشيخ أبو جعفر قدس الله روحه و قال ذكره قوم من أصحابنا في التفسير ( و عاشرها ) أن المراد إلا ما شاء ربك أن يتجاوز عنهم فلا يدخلهم النار و الاستثناء لأهل التوحيد عن أبي مجلز قال هي جزاؤهم و إن شاء سبحانه تجاوز عنهم و الاستثناء يكون على هذا من الأعيان « و أما الذين سعدوا » أي سعدوا بطاعة الله و انتهائهم عن المعاصي « ففي الجنة » يكونون في الجنة « خالدين فيها ما دامت السماوات و الأرض » أي مدة دوام السماوات و الأرض « إلا ما شاء ربك » يتأتى فيه جميع ما ذكرناه في الاستثناء من الخلود في النار إلا ما مضى ذكره من جواز إخراج بعض الأشقياء من تناول الوعيد لهم و إخراجهم من النار بعد دخولهم فيها فإن ذلك لا يتأتى هاهنا لإجماع الأمة على أن من استحق الثواب فلا بد أن يدخل الجنة و أنه لا يخرج منها بعد دخوله فيها « عطاء غير مجذوذ » أي غير مقطوع .

(5/299)


فَلا تَك فى مِرْيَة مِّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلا كَمَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُهُم مِّن قَبْلُ وَ إِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبهُمْ غَيرَ مَنقُوص(109) وَ لَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسى الْكتَب فَاخْتُلِف فِيهِ وَ لَوْ لا كلِمَةٌ سبَقَت مِن رَّبِّك لَقُضىَ بَيْنهُمْ وَ إِنهُمْ لَفِى شك مِّنْهُ مُرِيب(110) وَ إِنَّ ُكلاً لَّمَّا لَيُوَفِّيَنهُمْ رَبُّك أَعْمَلَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(111) فَاستَقِمْ كَمَا أُمِرْت وَ مَن تَاب مَعَك وَ لا تَطغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(112)
القراءة
قرأ أبو جعفر و ابن عامر و حمزة و حفص « و إن كلا لما » بتشديد النون و الميم و قرأ أهل البصرة و الكسائي و خلف « و إن كلا » بتشديد النون لما بتخفيف الميم و قرأ نافع و ابن كثير و إن كلا خفيفة النون لما خفيفة الميم و قرأ أبو بكر عن عاصم و إن كلا خفيفة النون « لما » مشددة الميم و في الشواذ قراءة الزهري و سليمان بن أرقم لما بالتنوين و قراءة ابن مسعود و إن كل بالرفع إلا ليوفينهم .
الحجة
قال أبو علي من قرأ و إن كلا لما بتشديد إن و تخفيف لما فوجهه بين و هو أنه نصب كلا بأن و أن يقتضي أن يدخل على خبرها أو اسمها لام فدخلت هذه اللام و هي لام الابتداء على الخبر في قوله « لما » و قد دخلت في الخبر لام الأخرى و هي التي تلقي بها القسم و يختص بالدخول على الفعل و يلزمها في أكثر الأمر إحدى النونين فلما اجتمعت اللامان و اتفقتا في تلقي القسم وافقتا في اللفظ فصل بينهما بما كما فصلوا بين إن و اللام فدخلت ما لهذا المعنى و إن كانت زائدة لتفصل كما جلبت النون و إن كانت زائدة في نحو فإما ترين من البشر أحدا و كما صارت عوضا من الفعل في قولهم إما لا بالإمالة و في قوله :
أبا خراشة أما أنت ذا نفر
فإن قومي لم يأكلهم الضبع

(5/300)


و يلي هذا الوجه في البيان قول من خفف إن و نصب كلا و خفف لما قال سيبويه حدثنا من نثق به أنه سمع من العرب من يقول أن عمرا لمنطلق قال و أهل المدينة يقرءون و إن كلا لما جميع لدينا محضرون يخففون و ينصبون كما قالوا :
كأن ثدييه حقان و وجه النصب بها مع التخفيف من القياس أن إن مشبهة في نصبها بالفعل و الفعل يعمل محذوفا كما يعلم غير محذوف و ذلك في نحو لم يك زيد منطلقا « فلا تك في مرية » و كذلك لا أدر فأما من خفف أن و نصب كلا و ثقل لما فقراءته مشكلة و ذلك أن إن إذا نصب بها و إن كانت مخففة كانت بمنزلتها مثقلة و لما إذا شددت كانت بمنزلة إلا و كذلك قراءة من شدد لما و ثقل أن مشكلة و ذلك أن إن إذا ثقلت و إذا خففت و نصب بها فهي في معنى الثقيلة فكما لا يحسن تثقيل إن زيدا إلا منطلق كذلك لا يحسن تثقيل إن و تثقيل لما فأما مجيء لما في قولهم نشدتك الله لما فعلت و إلا فعلت فقال الخليل الوجه لتفعلن كما تقول أقسمت عليك لتفعلن و أما دخول إلا و لما فلأن المعنى الطلب فكأنه أراد ما أسألك إلا فعل كذا و لم يذكر حرف النفي في اللفظ و إن كان مرادا كما جاء في قولهم شر أهر ذا ناب أي ما أهره إلا شر و ليس في الآية معنى نفي و لا طلب فإن قال قائل لمن ما فأدغم النون في الميم بعد ما قبلها ميما فإن ذلك لا يسوغ أ لا ترى أن الحرف المدغم إذا كان قبله ساكن نحو قوم مالك لم يقو الإدغام فيه على أن يحرك الساكن الذي قبل الحرف المدغم فإذا لم يجز ذلك فيه و كان التغيير أسهل من الحذف فإن لا يجوز الحذف الذي هو أذهب في باب التغيير من تحرك الساكن أجدر على أن في هذه السورة ميمات اجتمعت في الإدغام أكثر مما كان يجتمع في لمن ما و لم يحذف منها شيء و ذلك قوله على أمم ممن معك فإذا لم يحذف شيء من هذا فإن لا يحذف ثم أجدر و قد روي أنه قد قرأ و إن كلا لما منونا كما قال و تأكلون التراث أكلا لما فوصف بالمصدر فإن قال أن لما فيمن ثقل إنما هو لما هذه وقف عليها بالألف ثم أجري في الوصل مجرى الوقف فذلك مما يجوز في الشعر و وجه الإشكال فيه أبين من هذا الوجه و قد حكى عن الكسائي أنه قال لا أعرف وجه التثقيل في لما و لم يبعد فيما قال و لو خفف مخفف أن و رفع كلا بعدها لجاز تثقيل لما مع ذلك على أن يكون المعنى ما كل إلا ليوفينهم فيكون ذلك كقوله و إن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا و لكان ذلك أبين من النصب في كل و التثقيل للما و ينبغي أن يقدر المضاف إليه كل نكرة ليحسن وصفه بالنكرة و لا يقدر إضافته إلى معرفة فيمتنع أن يكون لما وصفا له و لا يجوز أن يكون حالا لأنه لا شيء في الكلام عاملا في الحال هذا كله كلام

(5/301)


أبي علي و قال غيره في معنى لما بالتشديد أربعة أوجه ( أحدها ) قول الفراء أنها بمعنى لمن ما فحذفت إحدى الميمات الثلاث على ما تقدم ذكره و أنشد الفراء :
و إني لما أصدر الأمر وجهه
إذا هو أعيا بالسبيل مصادرة .
( و الثاني ) أنها بمعنى إلا كقولهم سألتك لما فعلت بمعنى إلا فعلت عن الزجاج و قال الفراء هذا لا يجوز إلا في اليمين كما قاله أبو علي ( و الثالث ) أنها مخففة شددت للتأكيد عن المازني قال الزجاج هذا لا يجوز لأنه إنما يجوز تخفيف المشدد عند الضرورة فأما تشديد المخفف فلا يجوز بحال ( و الرابع ) أنها من لممت الشيء إذا جمعته إلا أنها بنيت على فعلى فلم تصرف مثل تترى فكأنه قال و إن كلا جميعا ليوفينهم و يدل عليه قراءة الزهري لما بالتنوين و قال ابن جني تقديره هذا و إن كلا ليوفينهم ربك أعمالهم لما أي توفية جامعة لأعمالهم جميعا و محصلا لأعمالهم تحصيلا فهو كقولك قياما لأقومن و ذكر الشيخ علي ابن أبي الطيب رحمة الله عليه فيه وجها آخر فقال هاهنا محذوف و تقديره و إن كلا لما عملوا ليوفينهم ربك أعمالهم و الحذف في الكلام كثير قال الشاعر :
إذا قلت سيروا إن ليلى لعلها
جرى دون ليلى مائل القرن أعضب و المراد لعلها تلقاني أو تصلني أو نحو هذا فهذا وجه خامس فأما إذا خففت إن فانتصاب كلا مع حمل أن على النفي مشكل و قد ذكر فيه أن يكون التقدير و إن هم إلا ليوفينهم كلا أو و إن هم أعني كلا إلا ليوفينهم و هذان الوجهان مرغوب عنهما و على الجملة فإن تشديد الميم من لما مع تشديد إن و تخفيفه مشكل عند المحققين إذ لا يتأتى في لما هذه معنى لم و لا معنى الحين و لا معنى إلا و لا يعرف لها معنى سوى هذه و من قرأ و إن كل إلا ليوفينهم فمعناه ما كل إلا و الله ليوفينهم كقولك ما زيد إلا لأضربنه أي ما زيد إلا مستحق لأن يقال فيه هذا و يجوز أن يكون مخففة من الثقيلة و إلا زائدة كما في قول الشاعر :
أرى الدهر إلا منجنونا بأهله
و ما طالب الحاجات إلا معللا أي أرى الدهر منجنونا بأهله و على ذلك تأولوا بيت ذي الرمة :
حراجيج ما تنفك إلا مناخة
على الخسف أو يرمي بها بلدا قفرا

(5/302)


أي ما تنفك مناخة و إلا زائدة .
اللغة
المرية بكسر الميم و ضمها الشك مع ظهور الدلالة للتهمة و هي مأخوذة من مري ضرع الناقة ليدر بعد دروره و النصيب الحظ و هو القسم المجعول له و منه أنصباء الورثة و الاختلاف ذهاب كل واحد إلى جهة غير جهة الآخر و هو على وجهين اختلاف النقيضين و هذا لا يجوز أن يصحا معا فإن أحدهما مبطل لصاحبه و الآخر اختلاف الجنسين كاختلاف المجتهدين في جهة القبلة فهذا يجوز أن يصحا معا و الاستقامة الاستمرار في جهة واحدة و أن لا يعدل يمينا و شمالا و الطغيان تجاوز المقدار في الفساد .
الإعراب
« و من تاب » موصول و صلة في موضع رفع بالعطف على الضمير المستكن في استقم و يجوز أن يكون معطوفا على التاء من أمرت و يكون التقدير في الأول استقم أنت و من تاب معك و في الثاني كما أمرت أنت و من تاب معك و يجوز أن يكون من تاب منصوب الموضع بكونه مفعولا معه .
المعنى
« فلا تك في مرية » أي في شك « مما يعبد هؤلاء » من دون الله تعالى أنه باطل و أنهم يصيرون بعبادتهم إلى عذاب النار « ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل » يعني ما يعبدون غير الله تعالى إلا على جهة التقليد كما كان آباؤهم كذلك « و إنا لموفوهم نصيبهم » أي إنا لمعطوهم جزاء أعمالهم و عقاب أعمالهم وافيا « غير منقوص » عن مقدار ما استحقوه آيسهم سبحانه بهذا القول عن العفو و قيل معناه أنا نعطيهم ما يستحقونه من العقاب بعد أن نوفيهم ما حكمنا لهم به من الخير في الدنيا عن ابن زيد « و لقد آتينا » أي أعطينا « موسى الكتاب » يعني التوراة « فاختلف فيه » يريد أن قومه اختلفوا فيه أي في صحة الكتاب الذي أنزل عليه و أراد بذلك تسلية النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) عن تكذيب قومه إياه و جحدهم للقرآن المنزل عليه فبين أن قوم موسى كذلك فعلوا بموسى فلا تحزن لذلك و لا تغتم له « و لو لا كلمة سبقت من ربك » أي لو لا خبر الله السابق بأنه يؤخر الجزاء إلى يوم القيامة لما علم في ذلك من المصلحة « لقضي بينهم » أي لعجل الثواب و العقاب لأهله و قيل معناه لفصل الأمر على التمام بين المؤمنين و الكافرين بنجاة هؤلاء و هلاك أولئك « و إنهم لفي شك منه مريب » يعني إن الكافرين لفي شك من وعد الله و وعيده مريب و الريب أقوى الشك و قيل معناه إن قوم موسى لفي شك من نبوته « و إن كلا » من الجاحدين و المخالفين و قيل إن كلا من الفريقين المصدق و المكذب جميعا « لما ليوفينهم ربك أعمالهم » أي يعطيهم ربك جزاء أعمالهم وافيا تاما إن خيرا فخير و إن شرا فشر « إنه بما

(5/303)


يعملون خبير » يعني إنه عليم بأعمالكم و بما استحققتم من الجزاء عليها لا يخفى عليه شيء من ذلك « فاستقم » يا محمد « كما أمرت » أي استقم على الوعظ و الإنذار و التمسك بالطاعة و الأمر بها و الدعاء عليها و الاستقامة هو أداء المأمور به و الانتهاء عن المنهي عنه كما أمرت في القرآن « و من تاب معك » أي و ليستقم من تاب معك من الشرك كما أمروا عن ابن عباس و قيل معناه و من رجع إلى الله و إلى نبيه فليستقم أيضا أي ، فليستقم المؤمنون و قيل استقم أنت على الأداء و ليستقيموا على القبول « و لا تطغوا » أي لا تجاوزوا أمر الله بالزيادة و النقصان فتخرجوا عن حد الاستقامة و قيل معناه و لا تطغينكم النعمة فتخرجوا عن حد الاستقامة عن الجبائي و قيل معناه لا تعصوا الله و لا تخالفوه « إنه بما تعملون بصير » أي عليم بأعمالكم لا تخفى عليه منها خافية و روي الواحدي بإسناده عن إبراهيم بن أدهم عن مالك بن دينار عن أبي مسلم الخولاني عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا و صمتم حتى تكونوا كالأوتاد ثم كان الاثنان أحب إليكم من الواحد لم تبلغوا حد الاستقامة و قال ابن عباس ما نزل على رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) آية كانت أشد عليه و لا أشق من هذه الآية و لذلك قال لأصحابه حين قالوا له أسرع إليك الشيب يا رسول الله شيبتني هود و الواقعة .
النظم
وجه اتصال الآية الأولى بما قبلها أنه لما قص نبأ الأمم و إهلاكهم بكفرهم أخبر عقيب ذلك عن بطلان ما كانوا عليه و أنه يوفيهم جزاء أعمالهم و قيل أنه سبحانه بين فيما قبل اختلاف الأمم على أنبيائهم تكذيبا لهم ثم بين في هذه الآية أن خلاف هؤلاء كخلاف أولئك خلاف كفر لا خلاف اجتهاد عن أبي مسلم و كذلك اتصال الآية الثانية فإنه بين فيها أن تكذيب هؤلاء الكفار بالذي آتيناك كتكذيب أولئك بالكتاب الذي آتيناه موسى .

(5/304)


وَ لا تَرْكَنُوا إِلى الَّذِينَ ظلَمُوا فَتَمَسكُمُ النَّارُ وَ مَا لَكم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصرُونَ(113) وَ أَقِمِ الصلَوةَ طرَفىِ النهَارِ وَ زُلَفاً مِّنَ الَّيْلِ إِنَّ الحَْسنَتِ يُذْهِبنَ السيِّئَاتِ ذَلِك ذِكْرَى لِلذَّكِرِينَ(114) وَ اصبرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ(115) فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّة يَنهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فى الأَرْضِ إِلا قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَ كانُوا مجْرِمِينَ(116) وَ مَا كانَ رَبُّك لِيُهْلِك الْقُرَى بِظلْم وَ أَهْلُهَا مُصلِحُونَ(117)
القراءة
قرأ أبو جعفر « و زلفا » بضم اللام و الباقون بفتح اللام .
الحجة
من قرأ زلفا بفتح اللام فإنه جمع زلفة و هي المنزلة قال العجاج :
ناج طواه الأين مما وجفا
طي الليالي زلفا فزلفا و من قرأ بضم اللام فإنه واحد مثل الحلم و جائز أن يكون جمعا على زليف من الليل فيكون مثل قريب و قرب قال الزجاج و الزلف بالفتح أجود في الجمع و ما علمت أن زليفا يستعمل في الليل و هو منصوب على الظرف .
اللغة
الركون إلى الشيء هو السكون إليه بالمحبة له و الإنصات إليه و نقيضه النفور عنه و الصبر حبس النفس عن الخروج إلى ما لا يجوز من ترك الحق و ضده الجزع قال :
فإن تصبرا خير مغبة
و إن تجزعا فالأمر ما تريان و هو مأخوذ من الصبر المر لأنه يجرع مرارة الحق بحبس النفس عن الخروج إلى المشتهى و مما يعين على الصبر شيئان ( أحدهما ) العلم بما يعقب من الخير في كل وجه و عادة النفس له ( و الثاني ) استشعار ما في لزوم الحق من العز و الأجر بطاعة الله و البقية ما بقي من الشيء بعد ذهابه و هو الاسم من الإبقاء و يقال في فلان بقية أي فضل مما يمدح به و خير كأنه قيل بقية خير من الخير الماضي و أترفوا أي عودوا الترفه بالنعيم و اللذة و ذلك إن الترفه عادة النعمة قال :

(5/305)


تهدى رءوس المترفين الضداد
إلى أمير المؤمنين الممتاد أي المسئول و إنما قيل للمتنعم مترف لأنه مطلق له لا يمنع من تنعمه .
الإعراب
« فتمسكم » منصوب لأنه جواب النهي بالفاء و تقديره لا يكن منكم ركون إلى الظالمين فمس النار إياكم « ثم لا تنصرون » ارتفع تنصرون على الاستئناف .
« طرفي النهار » منصوب على الظرف و زلفا معطوف عليه .
« إلا قليلا » استثناء منقطع بمعنى لكن عن الزجاج تقديره لكن قليلا ممن أنجينا منهم نهوا عن الفساد .
المعنى
ثم نهى الله سبحانه عن المداهنة في الدين و الميل إلى الظالمين فقال « و لا تركنوا إلى الذين ظلموا » أي و لا تميلوا إلى مشركين في شيء من دينكم عن ابن عباس و قيل لا تداهنوا الظلمة عن السدي و ابن زيد و قيل إن الركون إلى الظالمين المنهي عنه هو الدخول معهم في ظلمهم و إظهار الرضا بفعلهم أو إظهار موالاتهم فأما الدخول عليهم أو مخالطتهم و معاشرتهم دفعا لشرهم فجائز عن القاضي و قريب منه ما روي عنهم (عليهم السلام) إن الركون المودة و النصيحة و الطاعة « فتمسكم النار » أي فيصيبكم عذاب النار « و ما لكم من دون الله من أولياء » أي ما لكم سواه من أنصار يدفعون عنكم عذاب الله و في هذا بيان أنهم متى خالفوا هذا النهي و سكنوا إلى الظالمين نالتهم النار و لم يكن لهم ناصر يدفع عنهم عقوبة لهم على ذلك « ثم لا تنصرون » أي لا تنصرون في الدنيا على أعدائكم لأن نصر الله نوع من الثواب فيكون للمطيعين « و أقم الصلاة » أي أدها و ائت بأعمالها على وجه التمام في ركوعها و سجودها و سائر فروضها و قيل معناه أعملها على استواء و قيل أدم على فعلها « طرفي النهار و زلفا من الليل » قيل أراد بطرفي النهار صلاة الفجر و المغرب و بزلف من الليل صلاة العشاء الآخرة و الزلف أول ساعات الليل عن ابن عباس و ابن زيد قالوا و ترك ذكر الظهر و العصر لأحد أمرين إما لظهورهما في أنهما صلاتا النهار فكأنه قال و أقم الصلاة طرفي النهار مع المعروفة من صلاة النهار و إما لأنهما مذكورتان على التبع للطرف الأخير لأنهما بعد الزوال فهما أقرب إليه و قد قال سبحانه أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل و دلوك الشمس زوالها و هذا القول هو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) و قيل صلاة طرفي النهار الغداة و الظهر و العصر و صلاة زلف الليل المغرب و العشاء الآخرة عن الزجاج و به قال مجاهد و الضحاك و محمد بن كعب القرظي و الحسن قالوا لأن طرف الشيء من الشيء و صلاة المغرب ليست من النهار قال الحسن قال رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) المغرب

(5/306)


و العشاء زلفتا الليل و قيل أراد بطرفي النهار صلاة الفجر و صلاة العصر « إن الحسنات يذهبن السيئات » قيل في معناه إن الصلوات الخمس تكفر ما بينها من الذنوب لأنه عرف الحسنات بالألف و اللام و قد تقدم ذكر الصلاة عن ابن عباس و أكثر المفسرين و ذكر الواحدي بإسناده عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي عثمان قال كنت مع سلمان تحت شجرة فأخذ غصنا يابسا منها فهزه حتى تحات ورقه ثم قال يا أبا عثمان أ لا تسألني لم أفعل هذا قلت و لم تفعله قال هكذا فعله رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و أنا معه تحت شجرة فأخذ منها غصنا يابسا فهزه حتى تحات ورقه ثم قال أ لا تسألني يا سلمان لم أفعل هذا قلت و لم فعلته قال إن المسلم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى الصلوات الخمس تحاتت خطاياه كما يتحات هذا الورق ثم قرأ هذه الآية « و أقم الصلاة » إلى آخرها و بإسناده عن أبي أمامة قال بينما رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) في المسجد و نحن قعود معه إذ جاءه رجل فقال يا رسول الله إني أصبت حدا فأقمه علي فقال هل شهدت الصلاة معنا قال نعم يا رسول الله قال فإن الله قد غفر لك حدك أو قال ذنبك و بإسناده عن الحرث عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال كنا مع رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) في المسجد ننتظر الصلاة فقام رجل فقال يا رسول الله إني أصبت ذنبا فأعرض عنه فلما قضى النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) الصلاة قام الرجل فأعاد القول فقال النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أ ليس قد صليت معنا هذه الصلاة و أحسنت لها الطهور قال بلى قال فإنها كفارة ذنبك و روي أصحابنا عن ابن محبوب عن إبراهيم الكرخي قال كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) إذ دخل عليه رجل من أهل المدينة فقال له من أين جئت ثم قال له تقول جئتك من هاهنا و هاهنا لغير معاش تطلبه و لا بعمل آخر تكسبه أنظر بما ذا تقطع يومك و ليلتك و اعلم أن معك ملكا كريما موكلا بك يحفظ عليك ما تصنع و يطلع على سرك الذي تخفيه من الناس فاستحيا لا تستحقرن سيئة فإنها ستسوؤك يوما و لا تحقرن حسنة و إن صغرت عندك و قلت في عينك فإنها ستسرك يوما و اعلم أنه ليس شيء أضر عاقبة و لا أسرع ندامة من الخطيئة و أنه ليس شيء أشد طلبا و لا أسرع دركا للخطيئة من الحسنة أما إنها لتدرك الذنب العظيم القديم المنسي عند عامله فتجتذبه و تسقطه و تذهب به بعد إثباته و ذلك قول الله سبحانه « إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين » و رووا عن أبي حمزة الثمالي قال سمعت أحدهما (عليهماالسلام) يقول إن عليا (عليه السلام) أقبل على الناس فقال أية آية في كتاب الله أرجى عندكم

(5/307)


فقال بعضهم « إن الله لا يغفر أن يشرك به » الآية فقال حسنة و ليست إياها و قال بعضهم و من يعمل سوءا أو يظلم نفسه قال حسنة و ليست إياها و قال بعضهم « قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله » قال حسنة و ليست إياها و قال بعضهم « و الذين إذ فعلوا فاحشة » الآية قال حسنة و ليست إياها قال ثم أحجم الناس فقال ما لكم يا معشر المسلمين فقالوا لا و الله ما عندنا شيء قال سمعت حبيبي رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) يقول أرجى آية في كتاب الله « و أقم الصلاة طرفي النهار » و قرأ الآية كلها قال يا علي و الذي بعثني بالحق بشيرا و نذيرا إن أحدكم ليقوم من وضوئه فتساقط عن جوارحه الذنوب فإذا استقبل الله بوجهه و قلبه لم ينفتل و عليه من ذنوبه شيء كما ولدته أمه فإن أصاب شيئا بين الصلاتين كان له مثل ذلك حتى عد الصلوات الخمس ثم قال يا علي إنما منزلة الصلوات الخمس لأمتي كنهر جار على باب أحدكم فما يظن أحدكم لو كان في جسده درن ثم اغتسل في ذلك النهر خمس مرات أ كان يبقى في جسده درن فكذلك و الله الصلوات الخمس لأمتي و قيل « إن الحسنات يذهبن السيئات » معناه إن الدوام على فعل الحسنات يدعو إلى ترك السيئات فكأنها يذهبن بها و قيل إن المراد بالحسنات التوبة فإنها تذهب السيئات بأن تسقط عقابها لأنه لا خلاف في أن العقاب يسقط عند التوبة « ذلك ذكرى للذاكرين » يعني إن ما ذكره من إن الحسنات تذهب السيئات فيه تذكار و موعظة لمن تذكر به و فكر فيه « و اصبر » قيل معناه و اصبر على الصلاة كما قال و أمر أهلك بالصلاة و اصطبر عليها « فإن الله لا يضيع أجر المحسنين » أي المصلين عن ابن عباس و قيل معناه اصبر يا محمد على أذى قومك و تكذيبهم إياك و على القيام بما افترضته عليك و على أداء الواجبات و الامتناع عن المقبحات فإن الله لا يهمل جزاء المحسنين على إحسانهم و لا يبطله بل يكافيهم عليه أكمل الثواب « فلو لا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية » أي هلا كان و إلا كان و معناه النفي و تقديره لم يكن من القرون من قبلكم قوم باقون « ينهون عن الفساد في الأرض » أي كان يجب أن يكون منهم قوم بهذه الصفة مع إنعام الله تعالى عليهم بكمال العقل و بعثة الرسل إليهم و إقامة الحجج لهم و هذا تعجيب و توبيخ لهؤلاء الذين سلكوا سبيل من قبلهم في الفساد نحو عاد و ثمود و القرون التي عدها القرآن و أخبر بهلاكها أي إن العجب منهم كيف لم تكن من جملتهم بقية في الأرض يأمرون فيها بالمعروف و ينهون عن المنكر و كيف اجتمعوا على الكفر حتى استأصلهم الله بالعذاب و أنواع العقوبات لكفرهم بالله و معاصيهم له و قيل « أولوا بقية » معناه ذوو دين و خير و قيل معناه ذوو بركة و قيل ذوو تمييز و طاعة « إلا قليلا ممن أنجينا منهم » المعنى إن قليلا منهم كانوا ينهون عن الفساد و هم الأنبياء و الصالحون الذين آمنوا مع الرسل فأنجيناهم من العذاب

(5/308)


الذي نزل بقومهم و إنما جعلوا هذا الاستثناء منقطعا لأنه إيجاب لم يتقدم فيه صيغة النفي و إنما تقدم تهجين خرج مخرج السؤال و لو رفع لجاز في الكلام « و اتبع الذي ظلموا ما أترفوا فيه » أي و اتبع المشركون ما عودوا من النعم و التنعم و إيثار اللذات على أمور الآخرة و اشتغلوا بذلك عن الطاعات « و كانوا » أي و كان هؤلاء المتنعمون البطرون « مجرمين » مصرين على الجرم و في الآية دلالة على وجوب النهي عن المنكر لأنه سبحانه ذمهم بترك النهي عن الفساد و أخبر بأنه أنجى القليل منهم لنهيهم عن ذلك و نبه على أنه لو نهى الكثير كما نهى القليل لما هلكوا ثم أخبر سبحانه أنه لم يهلك إلا بالكفر و الفساد فقال « و ما كان ربك ليهلك القرى بظلم و أهلها مصلحون » و ذكر في تأويله وجوه ( أحدها ) إن المعنى و ما كان ربك ليهلك القرى بظلم منه لهم و لكن إنما يهلكهم بظلمهم لأنفسهم كما قال إن الله لا يظلم الناس شيئا الآية ( و ثانيها ) إن معناه لا يؤاخذهم بظلم واحدهم مع أن أكثرهم مصلحون و لكن إذا عم الفساد و ظلم الأكثرون عذبهم ( و ثالثها ) أنه لا يهلكهم بشركهم و ظلمهم لأنفسهم و هم يتعاطون الحق بينهم أي ليس من سبيل الكفار إذا قصدوا الحق في المعاملة أن يهلكهم الله بالعذاب عن ابن عباس في رواية عطا و الواو في قوله « و أهلها » واو الحال و روي عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال « و أهلها مصلحون » ينصف بعضها بعضهم .
النظم
وجه اتصال قوله تعالى « فلو لا كان من القرون من قبلكم » الآية بما قبلها أنه تعالى لما ذكر إهلاك الأمم الماضية و القرون الخالية عقب ذلك بأنهم أتوا في إهلاكهم من قبل نفوسهم و لو كان فيهم مؤمنون يأمرون بالصلاح و ينهون عن الفساد لما استأصلناهم رحمة منا و لكنهم لما عمهم الكفر استحقوا عذاب الاستئصال .

(5/309)


وَ لَوْ شاءَ رَبُّك لجََعَلَ النَّاس أُمَّةً وَحِدَةً وَ لا يَزَالُونَ مخْتَلِفِينَ(118) إِلا مَن رَّحِمَ رَبُّك وَ لِذَلِك خَلَقَهُمْ وَ تَمَّت كلِمَةُ رَبِّك لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ(119) وَ ُكلاً نَّقُص عَلَيْك مِنْ أَنبَاءِ الرُّسلِ مَا نُثَبِّت بِهِ فُؤَادَك وَ جَاءَك فى هَذِهِ الْحَقُّ وَ مَوْعِظةٌ وَ ذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ(120) وَ قُل لِّلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عَمِلُونَ(121) وَ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ(122) وَ للَّهِ غَيْب السمَوَتِ وَ الأَرْضِ وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَ تَوَكلْ عَلَيْهِ وَ مَا رَبُّك بِغَفِل عَمَّا تَعْمَلُونَ(123)
القراءة
قرأ « يرجع الأمر » بضم الياء و فتح الجيم و كسرها نافع و حفص و الباقون يرجع بفتح الياء و قرأ عما تعملون بالتاء هنا و في آخر النمل أهل المدينة و الشام و يعقوب و حفص و الباقون بالياء .
الحجة
من ضم الياء من « يرجع » فلقوله « ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق » و المعنى رد أمرهم إلى الله و من فتح الياء فلقوله « و الأمر يومئذ لله » و المعنيان متقاربان و من قرأ بالتاء في « تعملون » جعل الخطاب للنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و أمته و هو أعم فائدة و من قرأ بالياء وجهه إلى من تقدم ذكره من الكفار و فيه ضرب من التهديد .
اللغة
القصص الخبر عن الأمور بما يتلو بعضه بعضا لأنه من قصة يقصه إذا اتبع أثره لأنه يتبع أثر من يخبر عنه و النبأ الخبر بما فيه عظيم الشأن يقولون لهذا الأمر نبأ و التثبيت تمكين إقامة الشيء من الثبوت يقال ثبته بتسكينه و ثبته بتمكينه و ثبته بالدلالة على ثبوته و ثبته بالخبر عن وجوده و الفؤاد القلب مأخوذ من المفتاد و هو المشوي قال :
كأنه خارجا من جنب صفحته
سفود شرب نسوة عند مفتاد و المكانة الطريقة التي يتمكن من العمل عليها و له مكانة عند السلطان أي جاه و قدر و الانتظار طلب الإدراك لما يأتي من الأمر لأنه من النظر و الفرق بين الانتظار و الترجي أن الترجي للخير خاصة و الانتظار في الخير و الشر .
الإعراب
« إلا من رحم ربك » قال الزجاج هو استثناء على معنى لكن و تقديره لكن من رحم ربك فإنه غير مختلف و قوله « لأملأن جهنم » جواب القسم و تقديره يمينا لأملأن كما تقول حلفي لأضربنك و بدا لي لأضربك و كل فعل كان تأويله كتأويل بلغني أو قيل لي أو انتهى إلي فإن اللام و إن يصلحان فيه فتقول بدا لي لأضربنك و بدا لي أن أضربك و لو قيل

(5/310)


و تمت كلمة ربك أن يملأ جهنم كان صوابا و « كلا نقص عليك » نصب على المصدر و تقديره و كل القصص نقص عليك و قيل أنه نصب على الحال فقدم الحال قبل العامل كما تقول كلا ضربت القوم و يجوز أن يكون نصبا على أنه مفعول به و تقديره و كل الذي يحتاج إليه نقص عليك و يكون « ما نثبت به فؤادك » بدلا منه قاله الزجاج و قوله « إنا عاملون » « إنا منتظرون » لو دخلت الفاء فقال فإنا لأفاد أن الثاني لأجل الأول و حيث لم يدخل لم يفد ذلك .
المعنى
ثم أخبر سبحانه عن كمال قدرته فقال « و لو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة » أي على ملة واحدة و دين واحد فيكونون مسلمين صالحين عن قتادة و ذلك بأن يلجئهم إلى الإسلام بأن يخلق في قلوبهم العلم بأنهم لو راموا غير ذلك لمنعوا منه لكن ذلك ينافي التكليف و يبطل الغرض بالتكليف لأن الغرض به استحقاق الثواب و الإلجاء يمنع من استحقاق الثواب فلذلك لم يشأ الله ذلك و لكنه شاء أن يؤمنوا باختيارهم ليستحقوا الثواب و قيل معناه لو شاء ربك لجعلهم أمة واحدة في الجنة على سبيل التفضل لكنه اختار لهم أعلى الدرجتين فكلفهم ليستحقوا الثواب عن أبي مسلم و قيل معناه لو شاء لرفع الخلاف فيما بينهم « و لا يزالون مختلفين » في الأديان بين يهودي و نصراني و مجوسي و غير ذلك عن مجاهد و قتادة و عطا و الأعمش و الحسن في إحدى الروايتين عنه و في الرواية الأخرى عنه أنهم مختلفون في الأرزاق و الأحوال و لتسخير بعضهم لبعض و قيل معناه يخلف بعضهم بعضا في الكفر تقليدا من غير نظر فإن قولك خلف بعضهم بعضا و قولك اختلفوا سواء كما أن قولك قتل بعضهم بعضا و قولك اقتتلوا سواء عن أبي مسلم « إلا من رحم ربك » من المؤمنين فإنهم لا يختلفون و يجتمعون على الحق عن ابن عباس و المعنى لا يزالون مختلفين بالباطل إلا من رحمهم الله بفعل اللطف لهم الذي يؤمنون عنده و يستحقون به الثواب فإن من هذه صورته ناج من الاختلاف بالباطل « و لذلك خلقهم » اختلف في معناه فقيل يريد و للرحمة خلقهم عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و الضحاك و هذا هو الصحيح و اعترض على ذلك بأن قيل لو أراد الله ذلك لقال و لتلك خلقهم لأن الرحمة مؤنثة و هذا باطل لأن تأنيث الرحمة غير حقيقي فإذا ذكر فعلى معنى التفضل و الإنعام و قد قال سبحانه هذا رحمة من ربي و إن رحمة الله قريب و مثله قول امرىء القيس :
برهرهة رودة رخصة
كخزعوبة البانة المنفطر

(5/311)


و لم يقل المنفطرة لأنه ذهب إلى الغصن و قال :
قامت تبكيه على قبره
من لي من بعدك يا عامر
تركتني في الدار غربة
قد ذل من ليس له ناصر و لم يقل ذات غربة لأنه أراد شخصا ذا غربة .
و قالت الخنساء :
فذلك يا هند الرزية فاعلمي
و نيران حرب حين شب وقودها أراد الرزء و في أمثال ذلك كثرة على أن قوله « إلا من رحم ربك » كما يدل على الرحمة يدل أيضا على أن يرحم فلا يمتنع أن يكون المراد لأن يرحموا خلقهم و قيل إن المعنى و لاختلاف خلقهم و اللام للعاقبة يريد أن الله خلقهم و علم أن عاقبتهم تؤل إلى الاختلاف المذموم كما قال و لقد ذرأنا لجهنم عن الحسن و عطا و مالك و لا يجوز على هذا أن يكون اللام للغرض لأنه تعالى لا يجوز أن يريد منهم الاختلاف المذموم إذ لو أراد ذلك منهم لكانوا مطيعين له في ذلك الاختلاف لأن الطاعة حقيقتها موافقة الإرادة و الأمر و لو كانوا كذلك لما استحقوا عقابا و أما إذا حمل معنى الاختلاف على ما قاله أبو مسلم فيجوز أن تكون اللام للغرض و قيل إن ذلك إشارة إلى اجتماعهم على الإيمان و كونهم فيه أمة واحدة و لا محالة أن الله سبحانه لهذا خلقهم و يؤيد هذا قوله تعالى و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون و قال المرتضى قدس الله روحه قد قال قوم أن معنى الآية و لو شاء ربك أن يدخل الناس بأجمعهم الجنة فيكونوا في وصول جميعهم إلى النعيم أمة واحدة لفعل و أجروا هذه الآية مجرى قوله و لو شئنا لآتينا كل نفس هداها في أنه أراد هديها إلى طريق الجنة فعلى هذا التأويل يمكن أن يكون لفظة ذلك إشارة إلى إدخالهم أجمعين الجنة لأنه تعالى إنما خلقهم للمصير إليها و الوصول إلى نعيمها « و تمت كلمة ربك » أي وصل وحيه و وعيده الذي لا خلف فيه بتمامه إلى عباده و قيل تمت كلمة ربك صدقا بأن وقع مخبرها على ما أخبر به عن الجبائي و قيل معناه وجب قول ربك عن ابن عباس و قيل مضى حكم ربك عن الحسن « لأملأن جهنم من الجنة و الناس أجمعين » بكفرهم « و كلا » أي و كل القصص « نقص عليك من أنباء الرسل ( » أي من أخبارهم « ما نثبت به فؤادك » أي ما نقوي به قلبك و نطيب به نفسك و نزيدك به ثباتا على ما أنت عليه من الإنذار و الصبر على أذى قومك الكفار « و جاءك في هذه الحق » أي في هذه السورة عن ابن عباس و الحسن و مجاهد و قيل في هذه

(5/312)


الدنيا عن قتادة و قيل في هذا الأنباء عن الجبائي و الحق الصدق من الأنباء و الوعد و الوعيد و قيل معناه و جاءك في ذكر هذه الآيات التي ذكرت قبل هذا الموضع الحق في أن الخلق يجازون بانصبائهم في قوله و إنا لموفوهم نصيبهم و إن كلا لما ليوفينهم و قد جاء في القرآن كله الحق و لكنه ذكرها هنا توكيدا و ليس إذا قيل قد جاءك في هذا الحق وجب أن يكون لم يأتك الحق إلا فيه و لكن بعض الحق أوكد من بعض عن الزجاج « و موعظة » أي و جاءك موعظة تعظ الجاهلين بالله و تزجر الناس عن المعاصي « و ذكرى للمؤمنين » تذكرهم الآخرة « و قل » يا محمد « للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم » هذا مثل قوله اعملوا ما شئتم « إنا عاملون » على ما أمرنا الله تعالى به و قد مر تفسير هذه الآية فيما مضى « و انتظروا » أي توقعوا ما يعدكم ربكم على الكفر من العقاب « إنا منتظرون » ما يعدنا على الإيمان من الثواب و قيل انتظروا ما يعدكم الشيطان من الغرور إنا منتظرون ما يعدنا ربنا من النصر و العلو عن ابن جريج « و لله غيب السماوات و الأرض » معناه و لله علم ما غاب في السماوات و الأرض لا يخفى عليه شيء منه عن الضحاك و قيل معناه و الله مالك ما غاب في السماوات و الأرض و قيل معناه و لله خزائن السماوات و الأرض عن ابن عباس و وجدت بعض المشايخ ممن يتسم بالعدوان و التشنيع قد ظلم الشيعة الإمامية في هذا الموضع من تفسيره فقال هذا يدل على أن الله سبحانه يختص بعلم الغيب خلافا لما تقول الرافضة أن الأئمة يعلمون الغيب و لا شك أنه عنى بذلك من يقول بإمامة الاثني عشر و يدين بأنهم أفضل الأنام بعد النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فإن هذا دأبه و ديدنه فيهم يشنع في مواضع كثيرة من كتابه عليهم و ينسب الفضائح و القبائح إليهم و لا نعلم أحدا منهم استجاز الوصف بعلم الغيب لأحد من الخلق فإنما يستحق الوصف بذلك من يعلم جميع المعلومات لا بعلم مستفاد و هذه صفة القديم سبحانه العالم لذاته لا يشركه فيها أحد من المخلوقين و من اعتقد أن غير الله سبحانه يشركه في هذه الصفة فهو خارج عن ملة الإسلام فأما ما نقل عن أمير المؤمنين (عليه السلام) و رواه عنه الخاص و العام من الإخبار بالغائبات في خطب الملاحم و غيرها مثل قوله يومىء به إلى صاحب الزنج كأني به يا أحنف و قد سار بالجيش الذي ليس له غبار و لا لجب و لا قعقعة لجم و لا صهيل خيل يثيرون الأرض بأقدامهم كأنها أقدام النعام و قوله يشير إلى مروان أما إن له إمرة كلعقة الكلب أنفه و هو أبو الأكبش الأربعة و ستلقى الأمة منه و من ولده موتا أحمر و ما نقل من هذا الفن عن أئمة الهدى (عليهم السلام) من أولاده مثل ما قاله أبو عبد الله (عليه السلام) لعبد الله بن الحسن و قد اجتمع هو و جماعة من العلوية و العباسية ليبايعوا ابنه محمدا و الله ما هي إليك و لا إلى ابنيك و لكنها لهم و أشار إلى العباسية و إن ابنيك

(5/313)


لمقتولان ثم نهض و توكأ على يد عبد العزيز بن عمران الزهري فقال له أ رأيت صاحب الرداء الأصفر يعني أبا جعفر المنصور قال نعم فقال إنا و الله نجده يقتله فكان كما قال و مثل قول الرضا (عليه السلام) بورك قبر بطوس و قبران ببغداد فقيل له قد عرفنا واحدا فما الآخر فقال ستعرفونه ثم قال قبري و قبر هارون هكذا و ضم إصبعيه و قوله في القصة المشهورة لأبي حبيب النباحي و قد ناوله قبضة من التمر لو زادك رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لزدناك و قوله في حديث علي بن أحمد الوشاء حين قدم مرو من الكوفة معك حلة في السفط الفلاني دفعتها إليك ابنتك و قالت اشتر لي بثمنها فيروزجا و الحديث مشهور إلى غير ذلك مما روي عنهم (عليهم السلام) فإن جميع ذلك متلقى عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) مما أطلعه الله عليه فلا معنى لنسبة من روي عنهم هذه الأخبار المشهورة إلى أنه يعتقد كونهم عالمين للغيب و هل هذا إلا سبب قبيح و تضليل لهم بل تكفير لا يرتضيه من هو بالمذاهب خبير و الله يحكم بينه و بينهم و إليه المصير « و إليه يرجع الأمر كله » أي إلى حكمه يرجع في المعاد كل الأمور لأن في الدنيا قد يملك غيره بعض الأمر و النهي و النفع و الضر « فاعبده و توكل عليه » يريد أن من له ملك السماوات و الأرض و إليه يرجع جميع الأمور فحقيق أن يعبد و يتذلل له و يتوكل عليه و يوثق به « و ما ربك بغافل » أي بساه « عما تعملون » أي عن أعمال عباده بل هو عالم بها و مجاز كلا منهم عليها ما يستحقه من ثواب و عقاب فلا يحزنك يا محمد إعراضهم عنك و تركهم القبول منك و روي عن كعب الأحبار أنه قال خاتمة التوراة خاتمة هود .

(5/314)


( 12 ) سورة يوسف مكية و آياتها إحدى عشرة و مائة ( 111 )
مكية و قال المعدل عن ابن عباس غير أربع آيات نزلن بالمدينة ثلاث من أولها و الرابعة « لقد كان في يوسف و إخوته آيات للسائلين » .
عدد آيها
مائة و إحدى عشرة آية بالإجماع .
فضلها
أبي بن كعب عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال علموا أرقاءكم سورة يوسف فإنه أيما مسلم تلاها و علمها أهله و ما ملكت يمينه هون الله تعالى عليه سكرات الموت و أعطاه القوة أن لا يحسد مسلما و روى أبو بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال من قرأ سورة يوسف في كل يوم أو في كل ليلة بعثه الله يوم القيامة و جماله مثل جمال يوسف و لا يصيبه فزع يوم القيامة و كان من خيار عباد الله الصالحين و قال فيها إنها كانت في التوراة مكتوبة و روى إسماعيل بن أبي زياد عن أبي عبد الله عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لا تنزلوا نساءكم الغرف و لا تعلموهن الكتابة و لا تعلموهن سورة يوسف و علموهن الغزل و سورة النور .
تفسيرها
لما ختم الله سبحانه سورة هود بذكر قصص أنباء الرسل افتتح هذه السورة بأن من تلك القصص قصة يوسف (عليه السلام) و إخوته و أنها من أحسن القصص فقال

(5/315)


سورة يوسف
بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الر تِلْك ءَايَت الْكِتَبِ الْمُبِينِ(1) إِنَّا أَنزَلْنَهُ قُرْءَناً عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(2) نحْنُ نَقُص عَلَيْك أَحْسنَ الْقَصصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْك هَذَا الْقُرْءَانَ وَ إِن كنت مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَفِلِينَ(3)
الإعراب
« قرآنا عربيا » فيه وجهان ( أحدهما ) قرآنا انتصب بأنه بدل من الهاء في أنزلناه فكأنه قال إنا أنزلنا قرآنا ( و الثاني ) أنه توطئة للحال لأن عربيا حال و هذا كما تقول مررت بزيد رجلا صالحا فتنصب صالحا على الحال و تجعل رجلا توطئة للحال و قوله « بما أوحينا إليك هذا القرآن » القرآن نصب و إنه وصف لمعمول أوحينا و هو هذا أو بدل أو عطف بيان قال الزجاج و يجوز الجر و الرفع جميعا في الكلام و إن لم يقرأ بهما أما الجر فعلى البدل مما أوحينا إليك أي بهذا القرآن و أما الرفع فعلى ترجمة أوحينا إليك كان قائلا قال ما هو فقيل هذا القرآن .
المعنى
« الر » قد سبق الكلام فيه في أول البقرة و إنما لم يعد آية لأنه على حرفين و لا يشاكل رءوس الآي و عد طه آية لأنه يشبه رءوس الآي « تلك آيات الكتاب » قيل في معنى الإشارة بتلك وجوه ( أحدها ) أنه إشارة إلى ما سيأتي من ذكرها على وجه التوقع لها ( و الثاني ) أنه إشارة إلى السورة أي سورة يوسف آيات الكتاب المبين ( و الثالث ) أن معناه هذه الآيات تلك الآيات التي وعدتم بها في التوراة كما قال « ألم ذلك الكتاب » عن الزجاج و « المبين » المظهر لحلال الله و حرامه و المعاني المرادة فيه عن مجاهد و قتادة و المبين و المبين واحد و البيان هو الدلالة « إنا أنزلناه » يعني القرآن أي أنزلنا هذا الكتاب و قيل أنزلنا خبر يوسف و قصته عن الزجاج قال لأن علماء اليهود قالوا لكبراء المشركين سلوا محمدا لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر و عن قصة يوسف (عليه السلام) فقال « إنا أنزلناه قرآنا عربيا » على مجاري كلام العرب في محاوراتهم و روى ابن عباس عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال أحب العرب لثلاث لأني عربي و القرآن عربي و كلام أهل الجنة عربي « لعلكم تعقلون » أي لتعلموا جميع معانيه و تفهموا ما فيه و قيل معناه لتعلموا أنه من عند الله إذ كان عربيا و عجزتم عن الإتيان بمثله و في هذه الآية دلالة على أن كلام الله سبحانه محدث و أنه غير الله لأنه وصفه بالإنزال و بأنه عربي و لا يوصف بذلك القديم سبحانه « نحن نقص عليك أحسن القصص » أي نبين لك أحسن البيان عن الزجاج و هذا كقولهم صمت أحسن الصيام و قمت أحسن القيام

(5/316)


مما يكون انتصابه على أنه قائم مقام المصدر فالمعنى نبين لك أحسن تبيين و أحسن إيضاح « بما أوحينا إليك » أي بوحينا إليك « هذا القرآن » و دخلت الباء لتبيين القصص إذ القصص تكون قرآنا و غير القرآن و القصص هاهنا بوحي القرآن و قيل إنما سمي القرآن أحسن القصص لأنه بلغ النهاية في الفصاحة و حسن المعاني و عذوبة الألفاظ مع التلاؤم المنافي للتنافر و التشاكل بين المقاطع و الفواصل و قيل لأنه ذكر فيه أخبار الأمم الماضية و أخبار الكائنات الآتية و جميع ما يحتاج إليه العباد إلى يوم القيامة بأعذب لفظ و تهذيب في أحسن نظم و ترتيب و قيل أراد بأحسن القصص قصة يوسف وحدها لأنها تتضمن من الفوائد و النكت و الغرائب ما لا يتضمنه غيرها و لأنها تمتد امتداد لا يمتد غيرها مثله و قوله « أحسن القصص » يدل على أن الحسن يتفاضل و يتعاظم لأن لفظة أفعل حقيقتها ذلك و إنما يتعاظم بكثرة استحقاق المدح عليه و يسأل عن هذا فيقال هل يجوز أن يسمى الله سبحانه قاصا فيقال لا لأنه في العرف إنما يستعمل فيمن تمسك بطريقة مخصوصة و هذا كما أنه سبحانه لا يسمى معلما و لا مفتيا و إن وصف نفسه بأنه علم القرآن و بأنه يفتيكم في النساء و قوله « و إن كنت من قبله لمن الغافلين » معناه و ما كنت من قبل أن أوحينا إليك هذا القرآن أو من قبل نزول القرآن عليك إلا من الغافلين عن الحكم التي في القرآن لا تعلم شيئا منها و قيل من الغافلين عن قصة يوسف و عن الحكم التي فيها .
إِذْ قَالَ يُوسف لأَبِيهِ يَأَبَتِ إِنى رَأَيْت أَحَدَ عَشرَ كَوْكَباً وَ الشمْس وَ الْقَمَرَ رَأَيْتهُمْ لى سجِدِينَ(4) قَالَ يَبُنىَّ لا تَقْصص رُءْيَاك عَلى إِخْوَتِك فَيَكِيدُوا لَك كَيْداً إِنَّ الشيْطنَ لِلانسنِ عَدُوُّ مُّبِينٌ(5) وَ كَذَلِك يجْتَبِيك رَبُّك وَ يُعَلِّمُك مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْك وَ عَلى ءَالِ يَعْقُوب كَمَا أَتَمَّهَا عَلى أَبَوَيْك مِن قَبْلُ إِبْرَهِيمَ وَ إِسحَقَ إِنَّ رَبَّك عَلِيمٌ حَكِيمٌ(6)

(5/317)


القراءة
قرأ أبو جعفر و ابن عامر يا أبت بفتح التاء و الباقون بكسرها و ابن كثير وقف على الهاء يا أبه و الباقون بالتاء و روي في الشواذ عن أبي جعفر و نافع و طلحة بن سليمان أحد عشر بسكون العين و القراءة بفتحها و قرأ الكسائي إلا أبا الحرث و قتيبة بإمالة رؤياك و الرؤيا في جميع القرآن و روى أبو الحرث عنه فتح « رؤياك » و إمالة الباقي و قتيبة أمال للرؤيا تعبرون فقط و قرأ خلف في اختياره بإمالة ما فيه ألف و لام و الباقون بالتفخيم و خفف الهمزة في جميع ذلك أبو جعفر و ورش و شجاع و الترمذي إلا أن أبا جعفر يدغم الواو في الياء فيجعلها ياء مشددة .
الحجة
قال الزجاج من قرأ « يا أبت » بكسر التاء فعلى الإضافة إلى نفسه و حذف الياء لأن ياء الإضافة تحذف في النداء و أما إدخال تاء التأنيث في الأب فإنما دخلت في النداء خاصة و المذكر قد يسمى باسم فيه علامة التأنيث و يوصف بما فيه تاء التأنيث فالاسم نحو نفس و عين و الصفة نحو غلام يفعة و رجل ربعة فلزمت التاء في الأب عوضا من ياء الإضافة و الوقف عليها يا أبه بالهاء و إن كانت في المصحف بالتاء و زعم الفراء أنك إذا كسرت وقفت بالتاء لا غير و إذا فتحت وقفت بالتاء و الهاء و لا فرق بين الكسر و الفتح و أما يا أبت بالفتح فعلى أنه أبدل من ياء الإضافة ألفا ثم حذفت الألف كما يحذف ياء الإضافة و بقيت الفتحة قال أبو علي من فتح فله وجهان ( أحدهما ) أن يكون مثل يا طلحة أقبل و وجه قول من قال يا طلحة إن هذا النحو من الأسماء التي فيها تاء التأنيث أكثر ما يدعى مرخما فلما كان كذلك رد التاء المحذوفة في الترخيم إليه و ترك الآخر يجري على ما كان يجري عليه في الترخيم من الفتح فلم يعتد بالهاء و أقحمها و الوجه الآخر أن يكون أراد يا أبتا فحذف الألف كما يحذف التاء فتبقى الفتحة دالة على الألف كما أن الكسرة تبقى دالة على الياء و الدليل على قوة هذا الوجه كثرة ما جاءت هذه الكلمة على هذا الوجه كقول الشاعر :
و هل جزع أن قلت وا بتاهما و قول الأعشى :
و يا أبتا لا تزل عندنا
فإنا نخاف بأن تخترم و قول رؤبة :
يا أبتا عليك أو عساكا فلما كثرت هذه الكلمة في كلامهم ألزموها القلب و الحذف على أن أبا عثمان قد رأى ذلك مطردا في جميع هذا الباب و أما وقف ابن كثير على الهاء فلأن التاء التي للتأنيث يبدل منها الهاء في الوقف فيغير الحرف بذلك في الوقف كما غير التنوين إذا انفتح ما قبله بأن أبدل منه الألف و من قرأ أحد عشر بسكون العين قال ابن جني سبب ذلك عندي أن الاسمين لما جعلا كالاسم الواحد و بني الأول منهما لأنه كصدر

(5/318)


الاسم من عجزه جعل تسكين أول الثاني دليلا على أنهما قد صارا كالاسم الواحد و كذلك بقية العدد إلى تسعة عشر إلا اثني عشر و اثنتي عشر فإنه لا يسكن العين لسكون الألف و الياء قبلها قال الزجاج الرؤيا فيها أربع لغات رؤيا بالهمزة و رويا بالواو من غير همز و ريا على الإدغام و ريا بكسر الراء قال أبو علي الرؤيا مصدر كالبشري و السقيا و البقيا و الشورى إلا أنه لما صار اسما لهذا التخيل في المنام جرى مجرى الأسماء كما أن درا لما كثر في كلامهم في قولهم لله درك جرى مجرى الأسماء و خرج من حكم الأعمال فلا يعمل واحد منهما أعمال المصادر و مما يقوي خروجه عن أحكام المصادر تكسيرهم لها رؤي فصار بمنزلة ظلم و المصادر في الأكثر لا تكسر و الرؤيا على تحقيق الهمز فإن خففت قلبتها في اللفظ واوا و لم تدغم الواو في الياء و إن كانت قد تقدمتها ساكنة كما تقلب في نحو طيء و لي لأن الواو في تقدير الهمزة فهي لذلك غير لازمة ، فلا يقع الاعتداد بها و قد كسرا و لها قوم فقالوا ريا فهؤلاء قلبوا الواو قلبا على غير وجه التخفيف و من ثم كسروا الفاء كما كسروا من قولهم قرن ألوى و قرون لي .
اللغة
الرؤيا تصور المعنى في المنام على توهم الإبصار و ذلك أن العقل مغمور بالنوم فإذا تصور الإنسان المعنى توهم أنه يراه و الكيد طلب الحيلة و اللام في « يكيدوا لك » لام التعدية كما تقول قدمت لك طعاما و قدمت إليك طعاما و شكرت لك و شكرتك يقال كاده يكيده كيدا و كاد له و الاجتباء اختيار معالي الأمور للمجتبى و أصله من جبيت الماء في الحوض إذا جمعته .
الإعراب
تقدير العامل في إذ يجوز أن يكون اذكر كأنه قال اذكر إذ قال يوسف قال الزجاج و يجوز أن يكون على نقص عليك إذ قال و قد غلط في هذا لأن الله تعالى لم يقص على نبيه (صلى الله عليهوآلهوسلّم) هذا القصص في وقت قول يوسف (عليه السلام) و كوكبا منصوب على التمييز و قوله « رأيتهم » كرر الرؤية توكيدا و لأن الكلام قد طال و المعنى رأيت أحد عشر كوكبا و الشمس و القمر لي ساجدين و لم يقل ساجدات لأنه لما وصف هذه الأشياء بالسجود كما يوصف الآدميون بذلك أجرى فعلها مجرى فعل العقلاء و كما قال « يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم » و موضع الكاف من قوله « و كذلك » نصب و المعنى و مثل ما رأيت يجتبيك ربك و يعلمك .
المعنى
ثم ابتدأ سبحانه بقصة يوسف (عليه السلام) فقال « إذ قال يوسف لأبيه » يعقوب (عليهم السلام) و هو إسرائيل الله و معناه عبد الله الخالص ابن إسحاق نبي الله بن إبراهيم خليل الله و في الحديث أن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن

(5/319)


إسحاق بن إبراهيم « يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا و الشمس و القمر رأيتهم لي ساجدين » أي رأيت في منامي قال ابن عباس إن يوسف (عليه السلام) رأى في المنام ليلة الجمعة ليلة القدر أحد عشر كوكبا نزلن من السماء فسجدن له و رأى الشمس و القمر نزلا من السماء فسجدا له قال فالشمس و القمر أبواه و الكواكب إخوته الأحد عشر و قال السدي الشمس أبوه و القمر خالته و ذلك أن أمه راحيل قد ماتت و قال ابن عباس الشمس أمه و القمر أبوه و قال وهب كان يوسف رأى و هو ابن سبع سنين أن أحد عشر عصا طوالا كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدائرة و إذا عصا صغيرة تثب عليها حتى اقتلعتها و غلبتها فوصف ذلك لأبيه فقال له إياك أن تذكر هذا لإخوتك ثم رأى و هو ابن اثنتي عشرة سنة أن أحد عشر كوكبا و الشمس و القمر سجدت لها فقصها على أبيه فقال له « لا تقصص رؤياك على إخوتك » الآية و قيل أنه كان بين رؤياه و بين مصير أبيه و إخوته إلى مصر أربعون سنة عن ابن عباس و أكثر المفسرين و قيل ثمانون سنة عن الحسن و لما طال الكلام كرر رؤيتهم و أعاده للتأكيد و قيل أراد بالرؤيا الأولى رؤية الأعيان و الأشخاص و بالرؤية الثانية رؤية سجودهم و اختلف في معنى هذا السجود فقيل إنه السجود المعروف على الحقيقة لتكرمته لا لعبادته و قيل معناه الخضوع له عن الجبائي كما قال الشاعر :
ترى الأكم فيه سجدا للحوافر و هذا ترك الظاهر و يقال إن إخوته لما بلغهم رؤياه قالوا ما رضي أن يسجد له إخوته حتى يسجد له أبواه « قال » يعقوب « يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك » أي لا تخبرهم بذلك « فيكيدوا لك كيدا » أي فيحسدوك أو يقابلوك بما فيه هلاكك و ذلك أن رؤيا الأنبياء وحي و علم يعقوب أن إخوة يوسف يعرفون تأويلها و يخافون علو يوسف عليهم فيحسدونه و يبغونه الغوائل « إن الشيطان للإنسان عدو مبين » أي ظاهر العداوة فيلقي بينهم العداوة و يحملهم على إنزال المكروه بك « و كذلك » أي كما أراك هذه الرؤيا تكرمة لك و بين أن إخوتك يخضعون لك أو يسجدون لك « يجتبيك ربك » أي يصطفيك ربك و يختارك للنبوة عن الحسن و قيل الحسن الخلق و الخلق « و يعلمك من تأويل الأحاديث » قيل معناه و يعلمك من تعبير الرؤيا لأن فيه أحاديث الناس عن رؤياهم و سماه تأويلا لأنه يؤول أمره إلى ما رأى في المنام عن قتادة و قال ابن زيد كان أعبر الناس للرؤيا و قيل معناه و يعلمك عواقب الأمور بالنبوة و الوحي إليك فتعلم الأشياء قبل كونها معجزة لك لأنه أضاف التعليم إلى الله و ذلك لا يكون إلا بالوحي عن أبي مسلم و قيل تأويل أحاديث الأنبياء و الأمم يعني كتب الله و دلائله على توحيده و المشروع من شرائعه و أمور

(5/320)


دينه عن الحسن و الجبائي و التأويل في الأصل هو المنتهى الذي يؤول إليه المعنى و تأويل الحديث فقهه الذي هو حكمه لأنه إظهار ما يؤول إليه أمره مما يعتمد عليه و فائدته « و يتم نعمته عليك » بالنبوة لأنها منتهى نعيم الدنيا و قيل إتمام النعمة هو أن يحكم بدوامها على تخليصها من شائب بها فهذه النعمة التامة و خلوصها مما ينقصها و لا يطلب ذلك إلا من الله تعالى لأنه لا يقدر عليها سواه و قيل معناه و يتم نعمته عليك بأن يحوج إخوتك إليك حتى تنعم عليهم بعد إساءتهم إليك « و على آل يعقوب » أي و على إخوتك بأن يثبتهم على الإسلام و يشرفهم بمكانك و يجعل فيهم النبوة و قيل يتم نعمته عليهم بإنقاذهم من المحن على يديك « كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم و إسحاق » أي كما أتم النعمة على إبراهيم بالخلة و النبوة و النجاة من النار و على إسحاق بأن فداه عن الذبح بذبح عظيم عن عكرمة و قال إنه الذبيح و قيل بإخراج يعقوب و أولاده من صلبه عن أكثر المفسرين قالوا و ليس هو الذبيح و إنما الذبيح إسماعيل « إن ربك عليم » بمن يصلح للرسالة « حكيم » في اختيار الرسل و قيل عليم بأحوال خلقه حكيم في قضاياه .
* لَّقَدْ كانَ فى يُوسف وَ إِخْوَتِهِ ءَايَتٌ لِّلسائلِينَ(7) إِذْ قَالُوا لَيُوسف وَ أَخُوهُ أَحَب إِلى أَبِينَا مِنَّا وَ نحْنُ عُصبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضلَل مُّبِين(8) اقْتُلُوا يُوسف أَوِ اطرَحُوهُ أَرْضاً يخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَ تَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْماً صلِحِينَ(9) قَالَ قَائلٌ مِّنهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسف وَ أَلْقُوهُ فى غَيَبَتِ الْجُب يَلْتَقِطهُ بَعْض السيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَعِلِينَ(10)
القراءة
قرأ ابن كثير آية للسائلين و الباقون « آيات » و قرأ أهل المدينة غيابات الجب و الباقون « غيابة الجب » و في الشواذ قراءة الأعرج غيابات مشددة و قراءة الحسن غيبة الجب و قرأ أهل المدينة و الكسائي مبين اقتلوا بضم التنوين و الباقون بالكسر .
الحجة
قال أبو علي من قرأ آية على الإفراد جعل شأنه كله آية و يقويه قوله و جعلنا

(5/321)


ابن مريم و أمه آية فكل واحد منهما على انفراده يجوز أن يقال فيه آية فأفرد مع ذلك و من جمع جعل كل حال من أحواله آية على أن المفرد المنكر في الإيجاب يقع دالا على الكثرة كما يقع كذلك في غير الإيجاب قال الشاعر :
فقتلا بتقتيل و ضربا بضربكم
جزاء العطاش لا ينام من الثأر و أما الغيابة فكل شيء غيب شيئا عن أبي عبيدة و أنشد :
فإن أنا يوما غيبتني غيابة
فسيروا بسيري في العشيرة و الأهل و الجب الركية التي لم تطو فمن أفرد فالوجه فيه أن الجب لا يخلو من أن يكون له غيابة واحدة أو غيابات و غيابة المفرد يجوز أن يعني به الجمع كما يعني به الواحد و من جمع فإنه يجوز أن يكون له غيابة واحدة فجعل كل جزء منها غيابة كقولهم شابت مفارقة و بئر ذو غيابتين و يجوز أن يكون للبئر عدة غيابات فجمع لذلك و أما غيابات بالتشديد فيكون اسما جاء على فعالة كما جاء التيار للموج و الفياد للبوم الذكر و الفخار للخزف و غير ذلك و أما غيبة فيجوز أن يكون حدثا على فعلة من غاب فيكون بمعنى الظلمة و يجوز أن يكون موضعا على فعلة و أما من ضم التنوين فلأنه التقى الساكنان التنوين و القاف في اقتلوا و لزم تحريك الأول منهما فحركه بالضم ليتبع الضمة الضم كما قيل سر و مد و من كسر التنوين فإنه لم يتبع الضم كما أن من قال مد لم يتبع و كسر الساكن على ما يجري عليه أمر تحريك الساكن في الأمر الشائع .
اللغة
الآية و العلامة و العبرة نظائر و العصبة الجماعة التي يتعصب بعضها لبعض و يقع على جماعة من عشرة إلى خمس عشر و قيل ما بين العشرة إلى الأربعين و لا واحد له من لفظه كالقوم و الرهط و النفر و الفرق بين المحبة و الشهوة إن الإنسان يحب ولده و لا يشتهيه بأن يميل طبعه إليه و يرق عليه و يريد له الخير و الشهوة منازعة النفس إلى ما فيه اللذة و إنما سمي البئر جبا لأنه قطع عنها ترابها حتى بلغ الماء من غير طي و منه المجبوب قال الأعشى :
و إن كنت في جب ثمانين قامة
و رقيت أسباب السماء بسلم و كل ما غيب شيئا عن الحس بكونه فيه فهو غيابة فغيابة البئر شبه لحف أو طاق فوق ما

(5/322)


البئر و السيارة الجماعة المسافرون لأنهم يسيرون في البلاد و قيل هم مارة الطريق و الالتقاط تناول الشيء من الطريق و منه اللقطة و اللقيط و معناه أن يجده من غير أن يحسبه يقال وردت الماء التقاطا إذا وردته من غير أن تحسبه .
الإعراب
العامل في قوله « إذ قالوا » اذكر و تقديره اذكر إذ قالوا ليوسف و يحتمل أن يكون العامل فيه ما في الآية التي قبله من قوله « لقد كان في يوسف و إخوته آيات » إذ قالوا و اللام في قوله « ليوسف » جواب القسم تقديره و الله ليوسف و أخوه أحب إلى أبينا منا ، « يخل لكم » جواب الأمر و « تكونوا » جزم لأنه معطوف عليه و روي عن الحسن تلتقطه بعض السيارة بالتاء و هذا كما يقال أذهبت بعض أصابعه و قال الشاعر :
طول الليالي أسرعت في نقضي
طوين طولي و طوين عرضي فقال أسرعت و طوين لتأنيث الليالي و لم يحمله على طول و هو مذكر .
المعنى
ثم أنشأ سبحانه في ذكر قصة يوسف فقال « لقد كان في يوسف و إخوته آيات للسائلين » و معناه لقد كان في حديث يوسف و إخوته عبر للسائلين عنهم و أعاجيب فمنها أنهم نالوه بالأذى و دبروا في قتله و اجتمعوا على إلقائه في البئر للحسد مع أنهم أولاد الأنبياء فصفح عنهم (عليهم السلام) لما مكنه الله منهم و أحسن إليهم و لم يعيرهم بما كان منهم و هذا خارج عن العادة و فيه عبرة لمن اعتبر فيها في منافع الدين و منها الفرج بعد الشدة و المنحة بعد المحنة و منها الدلالة على صحة نبوة نبينا محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لأنه (عليه السلام) لم يقرأ كتابا فعلم أنه لم يأته ذلك إلا من جهة الوحي فهو بصيرة للذين سألوه أن يخبرهم بذلك و معجزة دالة على صدقه و إخوته هم أولاد يعقوب و كان ليعقوب اثنا عشر ولدا لصلبه و كانوا أولاد علة عن الجبائي و قيل أسماؤهم روبيل و هو أكبرهم و شمعون و لاوي و يهودا و ريالون و يشجر و أمهم ليا بنت ليان و هي ابنة خالة يعقوب ثم توفيت ليا فتزوج يعقوب أختها راحيل فولدت له يوسف و بنيامين و قيل ابن يامين و ولد له من سريتين له اسم إحداهما زلفة و الأخرى بلهة أربعة بنين دان و نفتالي و حاد و آشر و كانوا اثني عشر ثم أخبر سبحانه عما قالت إخوة يوسف حين سمعوا منام يوسف و تأويل يعقوب إياه فقال « إذ قالوا » أي قال بعضهم لبعض « ليوسف و أخوه » لأبيه و أمه بنيامين « أحب إلى أبينا » يعقوب « منا » و ذلك أن يعقوب (عليه السلام) كان شديد الحب ليوسف و كان يوسف من أحسن الناس وجها و كان

(5/323)


يعقوب يؤثره على أولاده فحسدوه ثم رأى الرؤيا فصار حسدهم له أشد و قيل إنه (عليه السلام) كان يرحمه و آخاه و يقربهما لصغرهما فاستثقلوا ذلك و روي أبو حمزة الثمالي عن زين العابدين (عليه السلام) أن يعقوب كان يذبح كل يوم كبشا فيتصدق به و يأكل هو و عياله منه و أن سائلا مؤمنا صواما اعتر ببابه عشية جمعة عند أوان إفطاره و كان مجتازا غريبا فهتف على بابه و استطعمهم و هم يسمعون فلم يصدقوا قوله فلما يئس أن يطعموه و غشيه الليل استرجع و استعبر و شكا جوعة إلى الله تعالى و بات طاويا و أصبح صائما صابرا حامدا لله و بات يعقوب و آل يعقوب بطانا و أصبحوا و عندهم فضله من طعامهم فابتلاه الله سبحانه بيوسف (عليه السلام) و أوحي إليه أن استعد لبلائي و ارض بقضائي و اصبر للمصائب فرأى يوسف الرؤيا في تلك الليلة و الحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة و روي ذلك عن ابن عباس أو قريب منه « و نحن عصبة » معناه و نحن جماعة يتعصب بعضنا لبعض و يعين بعضنا بعضا أي فنحن أنفع لأبينا و قيل يعني و نحن عصبة لا يعجزنا الاحتيال عليه « إن أبانا لفي ضلال مبين » أي في ذهاب عن طريق الصواب الذي هو التعديل بيننا في المحبة و قيل معناه أنه في خطإ من الرأي في أمور الأولاد و التدبير الدنيوي و نحن أقوم بأمور مواشيه و أمواله و سائر أعماله و لم يريدوا به الضلال عن الدين لأنهم لو أرادوا ذلك لكانوا كفارا و ذلك خلاف الإجماع و لأنهم بالاتفاق كانوا على دينه و كانوا يعظمونه غاية التعظيم و لذلك طلبوا محبته و أصل الضلال العدول و كل من ذهب عن شيء و عدل عنه فقد ضل و أكثر المفسرين على أن إخوة يوسف كانوا أنبياء و قال بعضهم لم يكونوا أنبياء لأن الأنبياء لا يقع منهم القبائح و قال المرتضى قدس الله روحه لم يقم لنا الحجة بأن إخوة يوسف الذين فعلوا ما فعلوه كانوا أنبياء و لا يمتنع أن يكون الأسباط الذين كانوا أنبياء غير هؤلاء الإخوة الذين فعلوا بيوسف ما قصة الله تعالى عنهم و ليس في ظاهر الكتاب أن جميع إخوة يوسف و سائر الأسباط فعلوا بيوسف ما حكاه الله من الكيد و قيل يجوز أن يكون هؤلاء الإخوة في تلك الحال لم يكونوا بلغوا الحلم و لا توجه إليهم التكليف و قد يقع ممن قارب البلوغ من الغلمان مثل هذه الأفعال و يعاتب على ذلك و يلام و يضرب و هذا الوجه قول البلخي و الجبائي و يدل عليه قوله نرتع و نلعب و روى أبو جعفر بن بابويه رحمه الله في كتاب النبوة بإسناده عن محمد بن إسماعيل بن بزيع عن حنان بن سدير قال قلت لأبي جعفر أ كان أولاد يعقوب أنبياء فقال لا و لكنهم كانوا أسباطا أولادا لأنبياء و لم يفارقوا الدنيا إلا سعداء تابوا و تذكروا ما صنعوا و قال الحسن كانوا رجالا بالغين و وقعت ذلك منهم صغيرة ثم أخبر سبحانه عنهم أنهم قال بعضهم لبعض « اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا » أي اطرحوه في أرض بعيدة عن أبيه فلا يهتدي إليه و قيل معناه في أرض تأكله السباع أو يهلك بغير ذلك

(5/324)


« يخل لكم وجه أبيكم » عن يوسف و تخلص لكم محبته و المعنى أنكم متى قتلتموه أو طرحتموه في أرض أخرى خلا لكم أبوكم و حن عليكم « و تكونوا من بعده قوما صالحين » أي و تكونوا من بعد قتل يوسف أو غيبته قوما تائبين و المعنى أنكم إذا فعلتم ذلك و بلغتم أغراضكم تبتم مما فعلتموه و كنتم من جملة الصالحين الذين يعملون الصالحات و هذا يدل على أنهم رأوا ذلك ذنبا يصح التوبة منه عن جماعة من المفسرين و قيل معناه و تكونوا قوما صالحين في أمر دنياكم أي يعود حالكم مع أبيكم إلى الصلاح عن الحسن و متى يسأل هاهنا على قول من جعلهم غير بالغين فقال أ ليس يدل هذا القول منهم على بلوغهم لعلمهم بالوعيد فالجواب أن المراهق قد يجوز أن يعلم ذلك خاصة إذا كان مر بي في حجر الأنبياء .
و من أولادهم و اختلف فيمن قال ذلك من إخوته فقال وهب قاله شمعون و قال مقاتل قاله روبين ثم أخبر سبحانه عن واحد من جملة القوم بقوله « قال قائل منهم » أي من إخوة يوسف « لا تقتلوا يوسف و ألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة » أي القوة في قعر البئر يتناوله بعض مارة الطرق و المسافرين فيذهب به إلى ناحية أخرى و القائل لذلك روبين و هو ابن خالة يوسف عن قتادة و ابن إسحاق و كان أحسنهم رأيا فيه فنهاهم عن قتله و قيل هو يهوذا و كان أقدمهم في الرأي و الفضل و أسنهم عن الأصم و الزجاج و قيل هو لاوي رواه علي بن إبراهيم في تفسيره و اختلفوا في ذلك الجب فقيل هو بئر بيت المقدس عن قتادة و قيل بأرض الأردن عن وهب و قيل بين مدين و مصر عن كعب و قيل على ثلاث فراسخ من منزل يعقوب عن مقاتل « إن كنتم فاعلين » معناه إن كنتم فاعلين شيئا مما تقولون في يوسف فليكن هذا فعلكم فإنه دون القتل الصريح و قال ابن عباس يريد أن أضمرتم ما تريدون و قيل للحسن أ يحسد المؤمن فقال ما أنساك حديث بني يعقوب .
قَالُوا يَأَبَانَا مَا لَك لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسف وَ إِنَّا لَهُ لَنَصِحُونَ(11) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَ يَلْعَب وَ إِنَّا لَهُ لَحَفِظونَ(12)
القراءة
قرأ أبو جعفر و الحلواني عن قالون لا تأمنا مشددة النون بلا شمة و قرأ الباقون بالإشمام و هو الإشارة إلى النون المدغمة بالضمة و هو اختيار أبي عبيدة و قرأ أبو جعفر و نافع يرتع و يلعب بالياء فيهما و كسر العين من يرتع و قرأ ابن كثير نرتع و نلعب بالنون فيهما و كسر العين و قرأ أبو عمرو و ابن عامر نرتع و نلعب بالنون فيهما و جزم العين و قرأ أهل الكوفة و رويس عن يعقوب « يرتع و يلعب » بالياء فيهما و جزم العين و قرأ روح و زيد عن يعقوب نرتع

(5/325)


بالنون و جزم العين « و يلعب » بالياء و قد روي ذلك عن أبي عمرو و هو قراءة الأعرج و إبراهيم النخعي و في الشواذ قراءة العلاء بن سيابة يرتع بالياء و كسر العين رفعا و قراءة أبي رجا يرتع و يلعب .
الحجة
قال الزجاج يجوز في « تأمنا » أربعة أوجه إشمام النون مع الإدغام .
الضم و هو الذي حكاه ابن مجاهد عن الفراء و الإشعار بالضمة و الإدغام من غير إشمام لأن الحرفين من جنس واحد و « تأمننا » بالإظهار و رفع النون الأولى لأن النونين من كلمتين و « تئمنا » بكسر التاء لأن ماضيه على فعل كما قالوا تعلم و نعلم و هي قراءة يحيى بن وثاب و هذه القراءة مخالفة للمصحف و إن كانت في العربية جائزة و أما قوله نرتع و يلعب فقد قال أبو علي قراءة من قرأ نرتع بالنون و كسر العين و « يلعب » بالياء حسن لأنه جعل الارتعاء و القيام على المال لمن بلغ و جاوز الصغر و أسند اللعب إلى يوسف لصغره و لا لوم على الصغير في اللعب و الدليل على صغر يوسف قول إخوته « و إنا له لحافظون » و لو كان كبيرا لم يحتج إلى حفظهم و يدل على ذلك قول يعقوب و أخاف أن يأكله الذئب و إنما يخاف الذئب على من لا دفاع به من شيخ كبير أو من صبي صغير قال :
أصبحت لا أحمل السلاح و لا
أملك رأس البعير إن نفرا
و الذئب أخشاه إن مررت به
وحدي و أخشى الرياح و المطرا و أما الارتعاء فهو افتعال من رعيت مثل شويت و اشتويت و كل واحد منهما متعد إلى مفعول به قال الأعشى :
ترتعي السفح فالكثيب فذا قار
فروض القطا فذات الرمال و قال آخر :
رعت بأرض البهمي جميما و بسرة
و صمعاء حتى آنفتها نصالها و قد يستقيم أن يقال نرتع و إنما ترتع إبلهم فيما قال أبو عبيدة و وجه ذلك أنه كان الأصل يرتع إبلنا ثم حذف المضاف و أسند الفعل إلى المتكلمين فصار نرتع و كذلك نرتعي على يرتعي إبلنا ثم حذف المضاف فيكون نرتع و قال أبو عبيدة نرتع نلهو و قد تكون هذه

(5/326)


الكلمة على غير معنى اللهو و لكن على معنى النيل من الشيء كقولهم في المثل الصيد و الرتعة و كان على هذا النيل و التناول مما يحتاج إليه الحيوان و قد قال الأعشى :
صدر النهار يراعي ثيرة رتعا ) و على هذا القول قالوا رأيت مرتع إبلك لمرادها الذي فيه فهذا لا يكون على اللهو لأنه جمع ثور راتع أو رتوع فأما من قرأ نرتع و نلعب بالنون فيكون نرتع على يرتع إبلنا أو على أننا ننال مما يحتاج إليه و ينال معنا و أما نلعب فحكي أن أبا عمرو قيل له كيف يقولون نلعب و هم أنبياء فقال لم يكونوا يومئذ أنبياء فلو صحت هذه الحكاية عنه و صح عنده هذا التاريخ و إلا فقد قال الشاعر :
جدت جداد بلاعب و تقشعت
غمرات قالت ليته حيران فكان اللاعب هاهنا الذي لم يتشمر في أهله فدخله بعض الهوينا فهذا أسهل من الوجه الذي قوبل به الحق و قد روي عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال لجابر فهلا بكرا تلاعبها و تلاعبك فهذا كأنه يتشاغل بمباح و تنفس و جمام من الجد و قد روي عن بعض السلف أنه كان إذا أكثر النظر في مسائل الفقه قال احمضوا فليس هذا اللعب كاللعب في قوله « و لئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض و نلعب » و أما من قرأ بالياء فيهما فإن كان يرتع من اللهو كما فسره أبو عبيدة فلا يمتنع أن يخبر به عن يوسف لصغره كما لا يمتنع أن ينسب إليه اللعب لذلك و إن كان يرتع من النيل من الشيء فذلك لا يمتنع عليه أيضا فوجههما بين و هذا أبين من قول من قال و نلعب بالنون لأنهم سألوا إرساله ليتنفس بلعبه و لم يسألوا إرساله ليلعبوا هم و أما من قرأ « و يلعب » بالرفع فإنه جعله استئنافا أي هو ممن يلعب كقولك زرني أحسن إليك أي أنا ممن يحسن إليك و أما من قرأ « و يرتع » فمعناه يرتع إبله فحذف المفعول كما قال الحطيئة :
منعمة تصون إليك منها
كصونك من رداء شرعبي أي تصون الحديث و قال الشنفري :
كان لها في الأرض نسيا تقصه
على أمها و إن تكلمك تبلت أي تقطع حديثها خفرا و حياء .
المعنى
ثم بين سبحانه أنهم عند اتفاق آرائهم فيما تأمروا فيه من أمر يوسف كيف

(5/327)


سألوا أباهم ف « قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف » أي ما لك لا تثق بنا و لا تعتمدنا في أمر يوسف « و إنا له لناصحون » أي مخلصون في إرادة الخير به و في هذا دلالة على أنه (عليه السلام) كان يأبى عليهم أن يرسله معهم « أرسله معنا غدا » أي إلى الصحراء نرتع و نلعب الجزم على جواب الأمر و المعنى أن ترسله معنا نرتع و نلعب أي نذهب و نجيء و ننشط و نلهو عن الكلبي و الضحاك و قيل نتحافظ فيحفظ بعضنا بعضنا و نلهو عن مجاهد و قيل نرعى و نتصرف و الرتع هو التردد يمينا و شمالا عن ابن زيد و أرادوا به اللعب المباح مثل الرمي و الاستباق بالأقدام و قد روي أن كل لعب حرام إلا ثلاثة لعب الرجل بقوسه و فرسه و أهله « و إنا له » أي ليوسف « لحافظون » أي نحفظه لنرده إليك و قيل نحفظه في حال لعبة و قال مقاتل هاهنا تقديم و تأخير و ذلك إن إخوة يوسف قالوا له أرسله فقال أبوهم « إني ليحزنني أن تذهبوا به » الآية فحينئذ قالوا « يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف و إنا له لناصحون » و إذا صح الكلام من غير تقديم و تأخير فلا معنى لحمله عليه قال الحسن جعل يوسف في الجب و هو ابن سبع عشرة سنة و كان في البلاد إلى أن وصل إليه أبوه ثمانين سنة و لبث بعد الاجتماع ثلاثا و عشرين سنة و مات و هو ابن مائة و عشرين سنة و قيل أنه كان ليوسف يوم ألقي في الجب عشر سنين و قيل كان له اثنتا عشرة سنة و قيل كان ابن سبع سنين أو تسع و جمع بينه و بين أبيه و هو ابن أربعين سنة عن ابن عباس و غيره و في الآيات دلالة على ظهور حسدهم ليوسف لأنه كان يحرسه منهم و يمنعه عن الخروج معهم و لا يأمنهم عليه .

(5/328)


قَالَ إِنى لَيَحْزُنُنى أَن تَذْهَبُوا بِهِ وَ أَخَاف أَن يَأْكلَهُ الذِّئْب وَ أَنتُمْ عَنْهُ غَفِلُونَ(13) قَالُوا لَئنْ أَكلَهُ الذِّئْب وَ نَحْنُ عُصبَةٌ إِنَّا إِذاً لَّخَسِرُونَ(14) فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَ أَجْمَعُوا أَن يجْعَلُوهُ فى غَيَبَتِ الجُْب وَ أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَ هُمْ لا يَشعُرُونَ(15) وَ جَاءُو أَبَاهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ(16) قَالُوا يَأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَستَبِقُ وَ تَرَكنَا يُوسف عِندَ مَتَعِنَا فَأَكلَهُ الذِّئْب وَ مَا أَنت بِمُؤْمِن لَّنَا وَ لَوْ كنَّا صدِقِينَ(17) وَ جَاءُو عَلى قَمِيصِهِ بِدَم كَذِب قَالَ بَلْ سوَّلَت لَكُمْ أَنفُسكُمْ أَمْراً فَصبرٌ جَمِيلٌ وَ اللَّهُ الْمُستَعَانُ عَلى مَا تَصِفُونَ(18)
اللغة
الذئب أصله الهمز و إن خففت جاز و قراءة الكسائي و خلف و أبو جعفر و ورش و الأعشى و اليزيدي بتخفيف الهمزة في المواضع الثلاث و الباقون بالهمز و جمع الذئب أذؤب و ذئاب و ذؤبان و تذائبت الريح أتت من كل جهة و حزنت و أحزنت لغتان و الحزن ألم القلب بفراق المحبوب و الشعور إدراك الشيء بمثل الشعرة في الدقة و منه المشاعر في البدن و المجيء و المصير إلى الشيء واحد و قد يكون المصير بالانقلاب كمصير الطين خزفا و قد يكون بمعنى الانتقال و العشاء آخر النهار و منه اشتق الأعشى لأنه يستضيء ببصر ضعيف و يقال العشاء أول ظلام الليل و يقال العشي من زوال الشمس إلى الصباح و العشاء من صلاة المغرب إلى العتمة و الاستباق افتعال من السبق و استبقا تبادرا حتى يظهر الأقوى و منه المسابقة و هو على ثلاثة أوجه سباق بالرمي و ذلك جائز بالاتفاق و سباق على الخيل و الإبل و ذلك جائز عندنا و سباق على الأقدام و ذلك غير جائز بعوض و به قال الشافعي و عند أبي حنيفة يجوز بعوض و بلا عوض و به قال قوم من أصحابنا و كذلك القول في الصراع و دم كذب أي مكذوب فيه و هو مصدر وصف به و قيل إن تقديره بدم ذي كذب قال الفراء يجوز أن يقع المصدر موقع المفعول كما يقع المفعول موقع المصدر في مثل قول الشاعر :
حتى إذا لم يتركوا لعظامه
لحما و لا لفؤاده معقولا و لم يجزه سيبويه و قال المفعول لا يكون مصدرا و يتأول قولهم خذ ميسورة و دع معسورة و قال يعني به خذ ما يسر له و دع ما عسر عليه و كذلك ليس لفؤاده معقول أي ما يعقل به و روي عن عائشة أنها قرأت بدم كدب بالدال أي دم طري و التسويل تزيين النفس ما ليس بحسن و قيل هو تقدير معنى في النفس على الطمع في تمامه .
الإعراب
اللام في قوله « لئن » هي اللام التي يتلقى بها القسم و « إنا إذا الخاسرون » جواب القسم « فلما ذهبوا به » جواب لما محذوف و تقديره عظمت فتنتهم أو كبر ما قصدوا له و الكوفيون يقولون الواو في « و أجمعوا » مقحمة و تقديره أجمعوا و لا يجيز البصريون إقحام الواو و قالوا لم يثبت ذلك بحجة و لا قياس و مما أنشده الكوفيون في ذلك قول الشاعر :
حتى إذا قملت بطونكم
و رأيتم أبناءكم شبوا

(5/329)


و قلبتم ظهر المجن لنا
إن اللئيم العاجز الخب و قول امرىء القيس :
فلما أجزنا ساحة الحي و انتحى
بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل قالوا أراد انتحى و البصريون يحملون الجميع على حذف الجواب و قوله « يبكون » في موضع نصب على الحال و « عشاء » منصوب على الظرف و جائز أن يكون « و هم لا يشعرون » من صلة قوله « لتنبئنهم » و جائز أن يكون من صلة « و أوحينا » أي نبأناه بالوحي و هم لا يشعرون أنه نبي قد أوحي إليه و « نستبق » في موضع نصب على الحال و « صبر جميل » مرفوع على أحد وجهين على أنه خبر مبتدإ محذوف و تقديره فشأني صبر جميل أو فصبري صبر جميل و هو قول قطرب أو على أنه مبتدأ محذوف الخبر و التقدير فصبر جميل أمثل و أنشد :
شكا إلي جملي طول السري
يا جملي ليس إلي المشتكى
صبر جميل فكلانا مبتلى و يجوز في غير القرآن فصبرا جميلا و روي ذلك عن أبي و يكون معناه فاصبري يا نفس صبرا جميلا قال ذو الرمة :
ألا إنما مي فصبرا بلية
و قد يبتلى الحر الكريم فيصبر و قال الآخر :
أبى الله أن يبقي لحي بشاشة
فصبرا على ما شاءه الله لي صبرا .
المعنى
ثم أخبر سبحانه أنهم لما أظهروا النصح و الشفقة على يوسف هم يعقوب أن يبعثه معهم و حثهم على حفظه ف « قال إني ليحزنني » أي يغمني « أن تذهبوا به » و تغيبوه عني و قيل معناه يحزنني مفارقته إياي « و أخاف » عليه إذا ذهبتم به إلى الصحراء

(5/330)


« أن يأكله الذئب و أنتم عنه غافلون » فهذه جملة في موضع الحال و تقديره أخاف أن يأكله الذئب في حال كونكم ساهين عنه مشغولين ببعض أشغالكم قالوا و كانت أرضهم مذأبة و كانت الذئاب ضارية في ذلك الوقت و قيل أن يعقوب رأى في منامه كان يوسف قد شد عليه عشرة أذؤب ليقتلوه و إذا ذئب منها يحمي عنه فكأن الأرض انشقت فدخل فيها يوسف فلم يخرج منها إلا بعد ثلاثة أيام فمن ثم قال فلقنهم العلة و كانوا لا يدرون و روي عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال لا تلقنوا الكذب فيكذبوا فإن بني يعقوب لم يعلموا أن الذئب يأكل الإنسان حتى لقنهم أبوهم و هذا يدل على أن الخصم لا ينبغي أن يلقن حجة و قيل أنه خاف عليه أن يقتلوه فكنى عنهم بالذئب مسايرة لهم قال ابن عباس سماهم ذئابا « قالوا لئن أكله الذئب و نحن عصبة » أي جماعة متعاضدون متناصرون نرى الذئب قد قصده و لا نمنعه منه « إنا إذا لخاسرون » أي نكون كالذين تذهب عنه رءوس أموالهم على رغم منهم و قيل معناه إنا إذا عجزة ضعفة قال الحسن و الله لقد كانوا أخوف عليه من الذئب و قيل معناه إنا إذا لمضيعون بلغة قيس عيلان عن المؤرج و هاهنا حذف و التقدير أنه أرسله معهم إجابة لما سألوه ليؤدي ذلك إلى الألفة و المحبة « فلما ذهبوا به و أجمعوا » أي عزموا جميعا « أن يجعلوه في غيابة الجب » أي قعر البئر و اتفقت دواعيهم عليه فإن من دعاه داع واحد إلى الشيء لا يقال فيه أنه أجمع عليه فكأنه مأخوذ من اجتماع الدواعي و يدل الألف و اللام على أنه كان بئرا معروفة معهودة عندهم تجيئها السيارة و قيل أنهم طلبوا بئرا قليلة الماء تغيبه و لا تغرقه فجعلوه فيها و قيل بل جعلوه في جانب منها و قيل أن يعقوب أرسله معهم فأخرجوه مكرما فلما وصلوا إلى الصحراء أظهروا له العداوة و جعلوا يضربونه و هو يستغيث بواحد واحد منهم فلا يغيثه و كان يقول يا أبتاه فهموا بقتله فمنعهم يهوذا منه و قيل منعهم لاوي رواه بعض أصحابنا عنهم (عليهم السلام) فانطلقوا به إلى الجب فجعلوا يدلونه في البئر و هو يتعلق بشفير البئر ثم نزعوا قميصه عنه و هو يقول لا تفعلوا ردوا علي القميص أتوارى به فيقولون ادع الشمس و القمر و الأحد عشر كوكبا يؤنسنك فدلوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يموت و كان في البئر ماء فسقط فيه ثم آوى إلى صخرة فقام عليها و كان يهوذا يأتيه بالطعام عن السدي و قيل إن الجب أضاء له و عذب ماؤه حتى أغناه عن الطعام و الشراب و قيل كان الماء كدرا فصفا و عذب و وكل الله به ملكا يحرسه و يطعمه عن مقاتل و قيل إن جبرائيل كان يؤنسه و قيل إن الله تعالى أمر بصخرة حتى ارتفعت من أسفل البئر فوقف يوسف عليها و هو عريان و كان إبراهيم الخليل (عليه السلام) ) حين ألقي في النار جرد من ثيابه و قذف في النار عريانا فأتاه جبرائيل (عليه السلام) ) بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه و كان ذلك عند إبراهيم (عليه السلام) ) فلما مات ورثه إسحاق فلما

(5/331)


مات إسحاق ورثه يعقوب فلما شب يوسف جعل يعقوب ذلك القميص في تعويذ و علقه في عنقه فكان لا يفارقه فلما ألقي في البئر عريانا جاءه جبرائيل و كان عليه ذلك التعويذ فأخرج منه القميص فألبسه إياه و روى ذلك مفضل بن عمر عن الصادق (عليه السلام) ) قال و هو القميص الذي وجد يعقوب ريحه و لما فصلت العير من مصر و كان يعقوب بفلسطين فقال إني لأجد ريح يوسف و في كتاب النبوة عن الحسن بن محبوب عن الحسن بن عمارة عن مسمع أبي سيار عن الصادق (عليه السلام) ) قال لما ألقى إخوة يوسف يوسف في الجب نزل عليه جبرائيل فقال له يا غلام من طرحك هنا فقال إخوتي لمنزلتي من أبي حسدوني و لذلك في الجب طرحوني فقال أ تحب أن تخرج من هذا الجب قال ذلك إلى إله إبراهيم و إسحاق و يعقوب فقال له جبرائيل فإن إله إبراهيم و إسحاق و يعقوب يقول لك قل اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت بديع السماوات و الأرض يا ذا الجلال و الإكرام أن تصلي على محمد و آل محمد و أن تجعل لي في أمري فرجا و مخرجا و ترزقني من حيث أحتسب و من حيث لا أحتسب فجعل الله له من الجب يومئذ فرجا و مخرجا و من كيد المرأة مخرجا و آتاه ملك مصر من حيث لم يحتسب و روي علي بن إبراهيم أن يوسف (عليه السلام) ) قال في الجب يا إله إبراهيم و إسحاق و يعقوب ارحم ضعفي و قلة حيلتي و صغري و قوله « و أوحينا إليه » يعني إلى يوسف (عليه السلام) ) قال الحسن أعطاه الله النبوة و هو في الجب و البشارة بالنجاة و الملك « لتنبئنهم بأمرهم هذا » أي لتخبرنهم بقبيح فعلهم بعد هذا الوقت يريد ما ذكره سبحانه في آخر السورة من قوله « هل علمتم ما فعلتم بيوسف و أخيه » « و هم لا يشعرون » أنك يوسف و كان الوحي إليه كالوحي إلى سائر الأنبياء و قال مجاهد و قتادة أوحى الله إليه و نبأه و هو في الجب و كان فيما أوحي إليه أن اكتم حالك و اصبر على ما أصابك فإنك ستخبر إخوتك بما فعلوا بك في وقت لا يعرفونك و قيل يريدوهم لا يشعرون بأنه أوحي إليه و قيل إن معنى قوله « لتنبئنهم » لتجازينهم على فعلهم تقول العرب للرجل يتوعده بمجازاة سوء فعله لأنبئنك و لأعرفنك أي لأجازينك و قيل أراد بذلك أنهم لما دخلوا مصر عرفهم يوسف و هم له منكرون فأخذ الصاع و نقرة فطن فقال إن هذا الجام ليخبرني أنه كان لكم أخ من أبيكم ألقيتموه في الجب و بعتموه بثمن بخس فهذا معنى قوله « لتنبئنهم بأمرهم » هذا عن ابن عباس ثم بين سبحانه حالهم حين رجعوا إلى أبيهم فقال « و جاءوا أباهم » يعني و انقلب إخوة يوسف إلى أبيهم « عشاء » أي ليلا أو في آخر النهار ليلبسوا على أبيهم و ليكونوا أجرأ على الاعتذار

(5/332)


« يبكون » و إنما أظهروا البكاء ليوهموا أنهم صادقون و في هذا دلالة على أن البكاء لا يوجب صدق دعوى الباكي في دعواه قال السدي لما سمع بكاءهم فزع فقال ما بالكم « قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق » أي نشتد و نعدو على الإقدام لننظر أينا أعدى و أسبق لصاحبه عن الجبائي و السدي و قيل معناه ننتصل و نترامى فننظر أي السهام أسبق إلى الغرض عن الزجاج و في قراءة عبد الله نتصل « و تركنا يوسف عند متاعنا » أي تركناه عند الرحل ليحفظه « فأكله الذئب و ما أنت بمؤمن لنا » أي ما أنت بمصدق لنا « و لو كنا صادقين » جواب لو محذوف أي و لو كنا صادقين ما صدقتنا لاتهامك لنا في أمر يوسف و دل الكلام عليه و لم يصفوه بأنه لا يصدق الصادق لأن المعنى لا يصدقهم لاتهامه لهم و سوء ظنه بهم لما ظهر له من أمارات حسدهم ليوسف و شدة محبته ليوسف « و جاءوا على قميصه بدم كذب » معناه أن إخوة يوسف جاءوا أباهم و معهم قميص يوسف ملطخا بدم فقالوا له هذا دم يوسف حين أكله الذئب و قيل أنهم ذبحوا سخلة و جعلوا دمها على قميصه عن ابن عباس و مجاهد و قيل ظبيا و لم يمزقوا ثوبه و لم يخطر ببالهم أن الذئب إذا أكل إنسانا فإنه يمزق ثوبه و قيل إن يعقوب قال لهم أروني القميص فأروه إياه فقال لهم لما رأى القميص صحيحا يا بني و الله ما عهدت كاليوم ذئبا أحلم من هذا أكل ابني و لم يمزق قميصه عن الحسن و روي أنه ألقى ثوبه على وجهه و قال يا يوسف لقد أكلك ذئب رحيم أكل لحمك و لم يشق قميصك و معنى قوله « بدم كذب » مكذوب عليه أو فيه كما يقال ماء سكب أي مسكوب و شراب صب أي مصبوب قال الشاعر :
تظل جيادهم نوحا عليهم
مقلدة أعنتها صفونا أراد نائحة عليهم و قيل أنه كان في قميص يوسف ثلاث آيات حين قد من دبر و حين ألقي على وجه أبيه فارتد بصيرا و حين جاءوا عليه بدم كذب فتنبه يعقوب على أن الذئب لو أكله لمزق قميصه عن الشعبي و قيل أنه لما قال لهم يعقوب ذلك قالوا بل قتله اللصوص فقال (عليه السلام) فكيف قتلوه و تركوا قميصه و هم إلى قميصه أحوج منهم إلى قتله « قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا » أي قال يعقوب لهم إذا اتهمهم في يوسف لم يأكله الذئب و لم يقتله اللصوص و لكن زينت لكم أنفسكم أمرا علمتموه عن قتادة و قيل سهل بعضكم لبعض أمرا في يوسف غير الذي فعلتموه حتى سهل عليكم فقتلتموه عن أبي مسلم و الجبائي و إنما رد يعقوب

(5/333)


عليهم بوحي من الله عز اسمه و قيل كان ذلك حدسا بصائب رأيه و صادق ذهنه « فصبر جميل » أي فصبري صبر جميل لا جزع فيه و لا شكوى إلى الناس و قيل فصبر جميل أحسن و أولى من الجزع الذي لا يغني شيئا و قيل إنما يكون الصبر جميلا إذا قصد به وجه الله تعالى و فعل للوجه الذي وجب فلما كان الصبر في هذا الموضع واقعا على الوجه المحمود صح وصفه بذلك ذكره المرتضى قدس الله روحه و قيل إن البلاء نزل بيعقوب على كبره و بيوسف على صغره بلا ذنب كان منهما فأكب يعقوب على حزنه و انطلق يوسف في رقة و كل ذلك بعين الله يرى و يسمع حتى أتي بالمخرج و كل ذلك امتحان « و الله المستعان على ما تصفون » أي بالله أستعين على دفع ما تصفون أو به أستعين على تحمل مرارة الصبر عليه و مكث يوسف في الجب ثلاثة أيام .
وَ جَاءَت سيَّارَةٌ فَأَرْسلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قَالَ يَبُشرَى هَذَا غُلَمٌ وَ أَسرُّوهُ بِضعَةً وَ اللَّهُ عَلِيمُ بِمَا يَعْمَلُونَ(19) وَ شرَوْهُ بِثَمَنِ بخْس دَرَهِمَ مَعْدُودَة وَ كانُوا فِيهِ مِنَ الزَّهِدِينَ(20)
القراءة
قرأ أهل الكوفة « يا بشرى » بألف بغير ياء إلا أن حمزة و الكسائي و خلف يميلون الراء و عاصم لا يميل و الباقون يا بشراي بإثبات الياء و إثبات الألف و في الشواذ قراءة الجحدري و ابن أبي إسحاق و الحسن يا بشرى .
الحجة
قال أبو علي من قرأ يا بشراي فأضاف إلى الياء التي للمتكلم كان للألف التي هي حرف الإعراب عنده موضعان من وجهين ( أحدهما ) أن الألف في موضع نصب من حيث كان نداء مضافا ( و الآخر ) أن يكون في موضع كسر من حيث كان بمنزلة حرف الإعراب الذي في غلامي و الدليل على استحقاقها لهذا الموضع قولهم كسرت في فلو لا أن حرف الإعراب الذي ولي ياء الإضافة في موضع كسر ما كسرت الفاء من في فلما كسرت كما كسرت من قولهم بفيك و كما فتحت من قولهم رأيت فاك لما كانت في موضع الفتحة التي في قولك رأيت غلامك و انضمت في قولك هذا فوك لاتباعه الضمة المقدرة فيها كالتي في قولك هذا غلامك كذلك كسرت في قولهم كسرت في و هذا يدلك على أنه ليس يعرب من مكانين أ لا ترى أنها تبعت حركة غير الإعراب في قولك كسرت في يا هذا كما تبعت

(5/334)


حركة الإعراب في رأيت فاك و من قال « يا بشرى » احتمل وجهين ( أحدهما ) أن يكون في موضع ضم مثل يا رجل لاختصاصه بالنداء ( و الآخر ) أن يكون في موضع نصب و ذلك لأنك أشعت النداء و لم تختص به كما فعلت في الوجه الأول فصار كقوله يا حسرة على العباد إلا أن التنوين لم يلحق « بشرى » لأنها لا تنصرف فأما من قرأ يا بشرى فإن تلك لغة هذيل قال أبو ذؤيب :
سبقوا هوي و أعنقوا لسبيلهم
فتخرموا و لكل جنب مهجع و قال آخر :
يطوف بي عكب في معد
و يطعن بالصملة في قفيا
فإن لم تثأرا لي من عكب
فلا رويتما أبدا صديا و أمثاله كثيرة .
اللغة
الوارد الذي يتقدم الرفقة إلى الماء ليسقي و تقول أدليت الدلو إذا أرسلتها في البئر لتملأها و دلوتها إذا أخرجتها ملأى و البضاعة قطعة من المال تجعل للتجارة من بضعت الشيء إذا قطعته و منه المبضع لأنه يبضع به العرق و الشري البيع قال الشاعر :
و شريت بردا ليتني
من بعد برد كنت هامة و الثمن بدل الشيء من العين أو الورق و يقال في غيرهما أيضا مجازا و البخس النقص من الحق يقال بخسه في الكيل أو الوزن إذا نقصه من حقه فيهما .
الإعراب
قال الزجاج معنى النداء في « يا بشرى » و ما في معناها مما لا يجب و لا يعقل فإنه على تنبيه المخاطبين و توكيد القصة إذا قلت يا عجباه فكأنك قلت أعجبوا يا أيها العجب هذا من حينك و كذلك إذا قلت يا بشرى فكأنك قلت أبشروا يا أيتها البشرى هذا من إبانك و بضاعة منصوب على الحال و تقديره و أسروه جاعليه بضاعة و دراهم في موضع جر بأنه بدل

(5/335)


من ثمن و معدودة صفة الدراهم و « كانوا فيه من الزاهدين » فيه ليست من صلة الزاهدين و المعنى و كانوا من الزاهدين ثم بين في أي شيء زهدوا فقال فيه فكأنه قال زهدوا فيه و هذا في الظروف جائز و لا يجوز ذلك في المفعولات لو قلت كنت زيدا من الضاربين لم يجز لأن زيدا من صلة الضاربين و لا تتقدم الصلة على الموصول .
المعنى
ثم أخبر سبحانه عن حال يوسف بعد إلقائه في الجب فقال « و جاءت سيارة » أي جماعة مارة قالوا و إنما جاءت من قبل مدين يريدون مصر فأخطأوا الطريق فانطلقوا يهيمون على غير الطريق حتى نزلوا قريبا من الجب و كان الجب في قفرة بعيدة عن العمران و إنما هو للرعاة و المجتازة و كان ماؤه ملحا فعذب و قيل كان الجب بظهر الطريق « فأرسلوا واردهم » أي فبعثوا من يطلب لهم الماء يقال بعثوا رجلا يقال له مالك بن زعر ليطلب لهم الماء « فأدلى دلوه » أي أرسل دلوه في البئر ليستقي فتعلق يوسف (عليه السلام) بالحبل فلما خرج إذا هو بغلام أحسن ما يكون من الغلمان قال النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أعطي يوسف شطر الحسن و النصف الآخر لسائر الناس و قال كعب الأحبار و كان يوسف حسن الوجه جعد الشعر ضخم العين مستوي الخلق أبيض اللون غليظ الساقين و العضدين خميص البطن صغير السرة و كان إذا تبسم رأيت النور في ضواحكه و إذا تكلم رأيت في كلامه شعاع النور يلتهب عن ثناياه و لا يستطيع أحد وصفه و كان حسنه كضوء النهار عند الليل و كان يشبه آدم (عليه السلام) يوم خلقه الله عز و جل و صوره و نفخ فيه من روحه قبل أن يصيب المعصية و يقال أنه ورث ذلك الجمال من جدته سارة و كانت قد أعطيت سدس الحسن فلما رآه المدلي « قال يا بشرى هذا غلام » عن قتادة و السدي و قيل أنه نظر في البئر لما ثقل عليه الدلو فرأى يوسف (عليه السلام) فقال هذا غلام فأخرجوه عن الجبائي و قيل أن بشرى رجل من أصحابه ناداه عن السدي « و أسروه بضاعة » أي و أسر يوسف الذين وجدوه من رفقائهم من التجار مخافة أن يطلبوا منهم الشركة معهم في يوسف فقالوا هذا بضاعة لأهل الماء دفعوه إلينا لنبيعه لهم عن مجاهد و السدي و قيل معناه و أسر إخوته يكتمون أنه أخوهم فقالوا هو عبد لنا قد أبق و اختفى منا في هذا الموضع و قالوا له بالعبرانية لئن قلت أنا أخوهم قتلناك فتابعهم على ذلك لئلا يقتلوه عن ابن عباس « و الله عليم بما يعملون » أي بما يعمل إخوة يوسف « و شروه بثمن بخس » أي باعوه بثمن ناقص قليل عن عكرمة و الشعبي و قيل حرام لأن ثمن الحر حرام عن الضحاك و مقاتل و السدي و سمي الحرام بخسا لأنه لا بركة فيه فهو منقوص البركة « دراهم معدودة » أي قليلة و ذكر العدد عبارة عن القلة و قيل أنهم كانوا لا يزنون من الدراهم ما دون
الأوقية و كانوا يزنون الأوقية و هي

(5/336)


الأربعون فما زاد عليها و كانت الدراهم عشرين درهما عن ابن عباس و ابن مسعود و السدي و هو المروي عن علي بن الحسين (عليهماالسلام) قال و كانوا عشرة فاقتسموها درهمين درهمين و قيل كانت اثنين و عشرين درهما عن مجاهد و قيل كانت أربعين درهما عن عكرمة و قيل ثمانية عشر درهما عن أبي عبد الله (عليه السلام) و اختلف فيمن باعه فقيل أن إخوة يوسف باعوه و كان يهوذا منتبذا ينظر إلى يوسف فلما أخرجوه من البئر أخبر إخوته فأتوا مالكا و باعوه منه عن ابن عباس و مجاهد و أكثر المفسرين و قيل باعه الواجدون بمصر عن قتادة و قيل أن الذين أخرجوه من الجب باعوه من السيارة عن الأصم و الأصح الأول و ذكر أبو حمزة الثمالي في تفسيره قال فلم يزل مالك بن زغر و أصحابه يتعرفون من الله الخير في سفرهم ذلك حتى فارقوا يوسف ففقدوا ذلك قال و تحرك قلب مالك ليوسف فأتاه فقال أخبرني من أنت فانتبه له يوسف و لم يكن مالك يعرفه فقال أنا يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم فألزمه مالك و بكى و كان مالك رجلا عاقرا لا يولد له فقال ليوسف لو دعوت ربك أن يهب لي ولدا فدعا يوسف ربه أن يجعل له ولدا و يجعلهم ذكورا فولد له اثنا عشر بطنا في كل بطن غلامان « و كانوا فيه من الزاهدين » قيل يعني به أن الذين اشتروه كانوا من الزاهدين في شرائه لأنهم وجدوا علامة الأحرار و أخلاق أهل البر و النبل فلم يرغبوا فيه مخافة أن يلحقهم تبعة في استعباده و قيل معناه و كانوا من الزاهدين في نفس يوسف لم يشروه للفجور و إنما اشتروه للربح و قيل المراد به الذين باعوه من إخوته كانوا غير راغبين في يوسف و لا في ثمنه و لكنهم باعوه حتى لا يظهر ما فعلوا به و كان قصدهم تبعيده و قيل كانوا من الزاهدين في يوسف لأنهم لم يعرفوا موضعه من الله سبحانه و كرامته عليه و لا تنافي بين هذه الأقوال فيجوز حمل الآية على جميعها و قيل إن الذين باعوه بمصر كانوا من الزاهدين في ثمنه لأنهم علموا أنه لقطة و ليست ببضاعة .
وَ قَالَ الَّذِى اشترَاهُ مِن مِّصرَ لامْرَأَتِهِ أَكرِمِى مَثْوَاهُ عَسى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَ كذَلِك مَكَّنَّا لِيُوسف فى الأَرْضِ وَ لِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَ اللَّهُ غَالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَ لَكِنَّ أَكثرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ(21) وَ لَمَّا بَلَغَ أَشدَّهُ ءَاتَيْنَهُ حُكْماً وَ عِلْماً وَ كَذَلِك نجْزِى الْمُحْسِنِينَ(22)

(5/337)


اللغة
الثواء الإقامة و المثوى موضع الإقامة و الإكرام إعطاء المراد على جهة الإعظام و هو يتعاظم فأعلاه منزلة ما يستحق بالنبوة و أدناه ما يستحق بخصلة من الطاعات و أشد جمع لا واحد له و قيل هو واحد و إن كان على وزن الجمع فهو مثل الآنك و هو الرصاص و قيل أنه جمع واحده شد كما أن واحد الأشر شر قال الشاعر :
هل غير أن كثر الأشر و أهلكت
حرب الملوك أكاثر الأموال .
الإعراب
مصر لا ينصرف لأنه مؤنث معرفة و « أن ينفعنا » في موضع رفع لكونه فاعل عسى و عسى هذه تامة لأنها تمت بفاعلها و اللام في قوله « و لنعلمه » محمولة على تقدير دبرنا ذلك لنمكنه و لنعلمه .
المعنى
ثم أخبر سبحانه عن حال يوسف بعد أن بيع فقال « و قال الذي اشتراه » أي اشترى يوسف « من مصر » أي من أهل مصر « لامرأته أكرمي مثواه » أي مقام يوسف و موضع نزوله أي هيئي له موضعا كريما شريفا و تقدير الآية فحملوه إلى مصر و باعوه و حذف ذلك للدلالة عليه و كان المشتري خازن فرعون مصر و خليفته و صاحب جنوده و اسمه قطفير و كان لا يأتي النساء و قيل أن اسمه أظفير و كان يلقب بالعزيز و من كان بمكانه يسمى بالعزيز و من يسمى بالعزيز ممن لم يكن بمكانه نزع لسانه فلما عبر يوسف رؤيا الملك سمي العزيز و جعل مكان العزيز و كان باعه مالك بن زعر منه بأربعين دينارا و زوج نعل و ثوبين أبيضين عن ابن عباس و قيل أنه عرضه على البيع في سوق مصر فتزايدوا حتى بلغ ثمنه وزنه ورقا و مسكا و حريرا عن وهب فاشتراه العزيز بهذا الثمن و قال لامرأته راعيل و لقبها زليخا « أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا » أي عسى أن نبيعه فنربح على ثمنه « أو نتخذه ولدا » فإنه لا ولد لنا و إنما قال ذلك لما رأى على يوسف من الجمال و العقل و الهداية في الأمور و على هذا فالعزيز هو خازن الملك و خليفته و الملك هو الريان بن الوليد رجل من العماليق و قيل أن هذا الملك لم يمت حتى آمن و اتبع يوسف على دينه ثم مات و يوسف بعده حي فملك بعده قابوس بن مصعب فدعاه يوسف إلى الإسلام فأبى أن يقبل و قال ابن عباس العزيز ملك مصر و كذلك هو في حديث علي بن الحسين (عليهماالسلام) « و كذلك مكنا ليوسف في الأرض » أي كما أنعمنا على يوسف بالسلامة و الخروج من الجب مكناه في الأرض بأن عطفنا عليه قلب الملك الذي اشتراه حتى صار بذلك متمكنا من الأمر و النهي في الأرض التي كان يستولي عليها الملك و هي أرض مصر « و لنعلمه من تأويل الأحاديث » و قد مضى معناه في أول السورة « و الله غالب على أمره » أي على أمر يوسف يحفظه و يرزقه حتى يبلغه ما قدر له من الملك و النبوة

(5/338)


و لا يكله إلى غيره و قيل معناه و الله غالب على أمر نفسه لا يعجزه شيء من تدابيره و أفعاله فهو الفاعل لما يشاء كيف يشاء « و لكن أكثر الناس لا يعلمون » إن الله غالب على أمر نفسه أو أمر يوسف و قيل معناه لا يعلمون ما يصنع الله بيوسف و ما يؤول إليه حاله « و لما بلغ » يوسف « أشده » أي منتهى شبابه و قوته و كمال عقله و قيل الأشد من ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة عن ابن عباس و قيل أن أقصى الأشد أربعون سنة و قيل ستون سنة و هو قول الأكثرين و يؤيده الحديث من عمره الله ستين سنة فقد أعذر إليه و قيل أن ابتداء الأشد من ثلاث و ثلاثين سنة عن مجاهد و كثير من المفسرين و قيل من عشرين سنة عن الضحاك « آتيناه حكما » أي أعطيناه القول الفصل الذي يدعو إلى الحكمة « و علما » و هو تبيين الشيء على ما هو به بما يحل في القلب عن علي بن عيسى و قيل الحكم النبوة و العلم الشريعة عن ابن عباس و قيل الحكم الدعاء إلى دين الله و العلم علم الشرع و قيل أراد الحكم بين الناس و العلم بوجوه المصالح فإن الناس كانوا إذا تحاكموا على العزيز أمره بأن يحكم بينهم لما رأى من عقله و أصابته في الرأي و قيل هو العلم و العمل به و هو الحكم « و كذلك نجزي المحسنين » أي مثل ما جزينا يوسف بصبره نجزي كل من أحسن أي فعل الأفعال الحسنة من الطاعات و قيل أن المحسنين الصابرون على النوائب عن الضحاك و قيل هم المؤمنون عن ابن عباس و قيل أراد محمدا (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أي كما فعلنا بيوسف و أعطيناه الملك بعد مقاساته البلاء و الشدة كذلك نفعل بك يا محمد عن ابن جريج .
وَ رَوَدَتْهُ الَّتى هُوَ فى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَ غَلَّقَتِ الأَبْوَب وَ قَالَت هَيْت لَك قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبى أَحْسنَ مَثْوَاى إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظلِمُونَ(23)
القراءة
قرأ أهل المدينة و الشام هيت لك بكسر الهاء و فتح التاء و قرأ ابن كثير هيت لك بفتح الهاء و ضم التاء و قرأ الباقون « هيت لك » بفتح الهاء و التاء و روي عن علي (عليه السلام) و أبي رجاء و أبي وائل و يحيى بن وثاب هئت لك بالهمزة و ضم التاء و روي ذلك على خلاف فيه عن ابن عباس و عن عكرمة و مجاهد و قتادة و روي عن ابن عباس أيضا هيت لك بفتح الهاء و كسر التاء و روي ذلك عن أبي الأسود و ابن أبي إسحاق و ابن محيصن و عيسى الثقفي و روي أيضا عن ابن عباس هيئت لك أيضا .

(5/339)


الحجة
قال الزجاج في هيت لك لغات أجودها هيت لك بفتح الهاء و التاء قال الشاعر :
أبلغ أمير المؤمنين
أخا العراق إذا أتيتا
إن العراق و أهله
عنق إليك فهيت هيتا أي فأقبل و تعال و حكى قطرب أنه أنشده بعض أهل الحجاز لطرفة :
ليس قومي بالأبعدين إذا ما
قال داع من العشيرة هيت
هم يجيبون ذا هلم سراعا
كالأبابيل لا تغادر بيتا فهذا شاهد لابن كثير و كلها أسماء سمي بها الفعل بمنزلة صه و مه و أيه و الحركات في أواخرها لالتقاء الساكنين و أما الفتح فلأن قبل التاء ياء فهو كما قيل أين و كيف و الكسر لأن الأصل في التقاء الساكنين حركة الكسر و أما الضم فلأنها في معنى الغايات كأنها قالت دعائي لك فلما حذفت الإضافة و تضمنت هيت معناها بنيت على الضم كما بنيت حيث و منذ و أما هئت بالهمزة و ضم التاء ففعل تقول هئت أهيء هيئة أي تهيأت و قالوا أيضا هئت أهاء كخفت أخاف و أما هيئت لك ففعل صريح كقولك أصلحت لك و اللام تتعلق بنفس هيت و هيت و هيت و هئت كما يتعلق بنفس هلم في قولك هلم لك .
اللغة
المراودة المطالبة بأمر بالرفق و اللين ليعمل به و منه المرود لأنه يعمل به و لا يقال في المطالبة بدين راوده و أصله من راد يرود إذا طلب المرعى و في المثل الرائد لا يكذب أهله و هو في الآية كناية عما تريده النساء من الرجال و التغليق إطباق الباب بما يعسر فتحه و إنما شدد ذلك لتكثير الأغلاق أو للمبالغة في الإيثاق .
الإعراب
« معاذ الله » نصب على المصدر على تقدير أعوذ بالله معاذا تقول عذت بالله عوذا و معاذا و عياذا و معاذة .
المعنى
ثم أخبر سبحانه عن امرأة العزيز و ما همت به فقال « و راودته التي هو في بيتها عن نفسه » أي و طالبت يوسف المرأة التي كان يوسف في بيتها عن نفسه و هي زليخا و المعنى طلبت منه أن يواقعها « و غلقت الأبواب » على نفسها و عليه بابا بعد باب قالوا

(5/340)


و كانت سبعة أبواب و قيل أراد باب الدار و باب البيت « و قالت هيت لك » أي هلم لك عن ابن عباس و الحسن و معناه أقبل و بادر إلى ما هو مهيا لك « قال » يوسف « معاذ الله » أي أعتصم بالله و أستجير به مما دعوتني إليه و تقديره عياذا بالله أن أجيب إلى هذا فكان (عليه السلام) أظهر الآباء و سأل الله سبحانه أن يعيذه و يعصمه من فعل ما دعته إليه « إنه ربي أحسن مثواي » الهاء عائدة إلى زوجها عند أكثر المفسرين و معناه أن العزيز زوجك مالكي أحسن تربيتي و إكرامي و بسط يدي و رفع منزلتي فلا أخونه و إنما سماه ربا لما كان ثبت له عليه من الرق في الظاهر و قيل أن الهاء عائد إلى الله سبحانه و المعنى أن الله ربي رفع من محلي و أحسن إلى و جعلني نبيا فلا أعصيه أبدا « إنه لا يفلح الظالمون » دل بهذا على أنه لو فعل ما دعته إليه لكان ظالما و في هذه الآية دلالة على أن يوسف لم يهم بالفاحشة و لم يردها بقبيح لأن من هم بالقبيح لا يقول مثل ذلك .
وَ لَقَدْ هَمَّت بِهِ وَ هَمَّ بهَا لَوْ لا أَن رَّءَا بُرْهَنَ رَبِّهِ كذَلِك لِنَصرِف عَنْهُ السوءَ وَ الْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ(24)
القراءة
قرأ أهل المدينة و الكوفة المخلصين بفتح اللام و الباقون بكسر اللام في جميع القرآن .
الحجة
قال أبو علي حجة من كسر اللام قوله أخلصوا دينهم لله و من فتح اللام فيكون بنى الفعل للمفعول به و يكون معناه و معنى من كسر اللام واحد فإذا أخلصوا دينهم فهم مخلصون و إذا أخلصوا فهم مخلصون .
اللغة
الهم في اللغة على وجوه منها العزم على الفعل كقوله تعالى « إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم » أي أرادوا ذلك و عزموا عليه و منه قول ضابىء البرجمي :
هممت و لم أفعل و كدت و ليتني
تركت على عثمان تبكي حلائله و قول حاتم طيء :
و لله صعلوك يشاور همه
و يمضي على الأيام و الدهر مقدما و قول الخنساء :

(5/341)


و فضل مرداسا على الناس جملة
و إن كل هم همه فهو فاعله و منها خطور الشيء بالبال و إن لم يقع العزم عليه كقوله « إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا و الله وليهما » يعني أن الفشل خطر ببالهم و لو كان الهم هاهنا عزما لما كان الله وليهما لأن العزم على المعصية معصية و لا يجوز أن يكون الله ولي من عزم على الفرار عن نصرة نبيه (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و يقوي ذلك قول كعب بن زهير :
فكم فيهم من فارس متوسع
و من فاعل للخير إن هم أو عزم ففرق بين الهم و العزم و منها أن يكون بمعنى المقاربة قالوا هم فلان أن يفعل كذا أي كاد يفعله قال ذو الرمة :
أقول لمسعود بجرعاء مالك
و قد هم دمعي أن تلج أوائله و الدمع لا يجوز عليه العزم و معناه كاد و قارب و قال أبو الأسود الدئلي :
و كنت متى تهمم يمينك مرة
لتفعل خيرا تقتفيها شمالكا و على هذا جاء قوله جدارا يريد أن ينقض أي يكاد و قال الحارثي :
يريد الرمح صدر أبي براء
و يرغب عن دماء بني عقيل و منها الشهوة و نيل الطباع يقول القائل فيما يشتهيه و يميل طبعه إليه هذا أهم الأشياء إلي و في ضده ليس هذا من همي و إذا كانت معاني الهم في اللغة مختلفة يجب أن ينفي عن نبي الله يوسف (عليه السلام) ما لا يليق به و هو العزم على القبيح لأن الدليل قد دل على أن الأنبياء لا يجوز المعاصي و القبائح عليهم و أجزنا عليهم ما سواه من معاني الهم لأن كل واحد من ذلك يليق بحاله .
المعنى
« و لقد همت به و هم بها لو لا أن رءا برهان ربه » اختلف العلماء فيه على قولين ( أحدهما ) أنه لم يوجد من يوسف ذنب كبير و لا صغير ( و الآخر ) أنه وجد منه العزم على القبيح ثم انصرف عنه فأما الأولون فإنهم اختلفوا في تأويل الآية على وجوه ( أحدها ) أن الهم في ظاهر الآية قد تعلق بما لا يصح تعلق العزم به على الحقيقة لأنه قال « و لقد همت به و هم بها » فعلق الهم بهما و ذاتاهما لا يجوز أن يرادا و يعزم عليهما لأن الموجود الباقي لا يصح أن يراد و يعزم عليه فإذا حملنا الهم في الآية على العزم فلا بد من تقدير أمر

(5/342)


محذوف يتعلق العزم به و قد أمكن أن نعلق عزمه (عليه السلام) بغير القبيح و نجعله متناولا لضربها أو دفعها عن نفسه فكأنه قال و لقد همت بالفاحشة منه و أرادت ذلك و هم يوسف (عليه السلام) بضربها و دفعها عن نفسه كما يقال هممت بفلان أي بضربه و إيقاع مكروه به و على هذا فيكون معنى رؤية البرهان أن الله سبحانه أراه برهانا على أنه إن أقدم على ما هم به أهلكه أهلها أو قتلوه أو ادعت عليه المراودة على القبيح و قذفته بأنه دعاها إليه و ضربها لامتناعها منه فأخبر سبحانه أنه صرف عنه السوء و الفحشاء اللذين هما القتل و ظن اقتراف الفاحشة به و يكون التقدير لو لا أن رأى برهان ربه لفعل ذلك و يكون جواب لو لا محذوف كما حذف فيه قوله تعالى « و لو لا فضل الله عليكم و رحمته و أن الله رءوف رحيم » و قوله « كلا لو تعلمون علم اليقين » أي لو لا فضل الله لهلكتم و لو تعلمون علم اليقين لم يلهكم التكاثر و مثله قول امرىء القيس :
و لو أنها نفس تموت سوية
و لكنها نفس تساقط أنفسا يريد فلو أنها نفس تموت سوية لنقضت و فنيت فحذف الجواب تعويلا على أن الكلام يقتضيه و على هذا يكون جواب لو لا محذوف يدل عليه قوله « و هم بها » و لا يجوز أن يكون قوله « و هم بها » جوابا للو لا لأن جواب لو لا لا يتقدم عليه ( و ثانيها ) أن يحمل الكلام على التقديم و التأخير و يكون التقدير و لقد همت به و لو لا أن رأى برهان ربه لهم بها و لما رأى برهان ربه لم يهم بها و يجري ذلك مجرى قولهم قد كنت هلكت لو لا أني تداركتك و قد كنت قلت لو لا أني خلصتك و المعنى لو لا تداركي لهلكت و لو لا تخليصي إياك لقتلت و إن كأن لم يقع هلاك و قتل و مثله قول الشاعر :
فلا يدعني قومي ليوم كريهة
لئن لم أعجل ضربة أو أعجل و قال آخر :
فلا يدعني قومي صريحا لحرة
لئن كنت مقتولا و يسلم عامر و في القرآن إن كادت لتبدي به لو لا أن ربطنا على قلبها و هذا الوجه اختاره أبو مسلم و هو قريب من الأول و ( ثالثها ) أن معنى قوله « هم بها » اشتهاها و مال طبعه إلى ما دعته إليه و قد يجوز أن تسمى الشهوة هما على سبيل التوسع و المجاز و لا قبح في الشهوة لأنها من فعل الله

(5/343)


تعالى و إنما يتعلق القبح بالمشتهي و قد روي هذا التأويل عن الحسن قال أما همها فكان أخبث الهم و أما همه فما طبع عليه الرجال من شهوة النساء و روى الضحاك عن ابن عباس أنه قال همها القصد و همه أنه تمناها أن تكون زوجة له و على هذا الوجه فيجب أن يكون قوله « لو لا أن رءا برهان ربه » متعلقا بمحذوف أيضا كأنه قال لو لا أن رأى برهان ربه لعزم أو فعل ( سؤال ) قالوا إن قوله « و لقد همت به و هم بها » خرجا مخرجا واحدا فلم جعلتهم همها به متعلقا بالقبيح و همه بها متعلقا بغير القبيح و جوابه أن الظاهر لا يدل على ما تعلق به الهم ففيهما جميعا و إنما أثبتنا همها به متعلقا بالقبيح لشهادة القرآن و الآثار به و لأنها ممن يجوز عليه فعل القبيح و الشاهد لذلك من الكتاب قوله و راودته التي هو في بيتها عن نفسه و قوله و قال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين و قوله حكاية عنها الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه و إنه لمن الصادقين و لقد راودته عن نفسه فاستعصم و الشاهد من الآثار إجماع المفسرين على أنها همت بالمعصية و الفاحشة و أما يوسف (عليه السلام) فقد دلت الأدلة العقلية التي لا يتطرق إليها الاحتمال و المجاز على أنه لا يجوز أن يفعل القبيح و لا يعزم عليه فأما الشاهد من القرآن على أنه ما هم بالفاحشة فقوله سبحانه « كذلك لنصرف عنه السوء و الفحشاء » و قوله ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب و غير ذلك من قوله قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء و العزم على الفاحشة من أكبر السوء و أما الفرقة الأخرى فإنهم قالوا فيه ما لا يجوز نسبته إلى الأنبياء فقال بعضهم إنه قعد بين رجليها و حل تكة سراويله و قال بعضهم حل السراويل حتى بلغ الثنن و جلس منها مجلس الرجل من امرأته و قد نزهه الله سبحانه عن ذلك كله بقوله « كذلك لنصرف عنه السوء و الفحشاء » و أمثال ذلك مما عددناه فأما البرهان الذي رآه فقد اختلف فيه على وجوه ( أحدها ) أنه حجة الله سبحانه في تحريم الزنا و العلم بالعذاب الذي يستحقه الزاني عن محمد بن كعب و الجبائي ( و ثانيها ) أنه ما آتاه الله سبحانه من آداب الأنبياء و أخلاق الأصفياء في العفاف و صيانة النفس عن الأدناس عن أبي مسلم ( و ثالثها ) أنه النبوة المانعة من ارتكاب الفواحش و الحكمة الصارفة عن القبائح روي ذلك عن الصادق (عليه السلام) ( و رابعها ) أنه كان في البيت صنم فألقت المرأة عليه ثوبا فقال (عليه السلام) أن كنت تستحين من الصنم فأنا أحق أن أستحي من الواحد القهار عن علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) ( و خامسها ) أنه اللطف الذي لطف الله تعالى به في تلك الحال أو قبلها فاختار عنده الامتناع عن المعاصي و هو ما يقتضي كونه معصوما لأن العصمة هي اللطف الذي يختار عنده التنزه عن القبائح و الامتناع من فعلها و يجوز أن يكون الرؤية هاهنا بمعنى العلم كما يجوز أن يكون بمعنى الإدراك فأما ما ذكر في البرهان من الأشياء

(5/344)


البعيدة بأن قيل إنه سمع قائلا يقول يا ابن يعقوب لا تكونن كالطير له ريش فإذا زنا ذهب ريشه و قيل أنه رأى صورة يعقوب عاضا على أنامله و قيل أنه رأى كفا بدت فيما بينهما مكتوبا عليها النهي عن ذلك فلم ينته فأرسل الله سبحانه جبرئيل (عليه السلام) و قال أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة فرآه عاضا على إصبعه فكل هذا سوء ثناء على الأنبياء مع أن ذلك ينافي التكليف و يقتضي أن لا يستحق على الامتناع من القبيح مدحا و لا ثوابا و هذا من أقبح القول فيه (عليه السلام) « كذلك لنصرف عنه السوء » أي كذلك أريناه البرهان لنصرف عنه السوء أي الخيانة « و الفحشاء » أي ركوب الفاحشة و قيل السوء الإثم و الفحشاء الزنا « إنه من عبادنا المخلصين » أي المصطفين المختارين للنبوة و بكسر اللام المخلصين في العبادة و التوحيد أي من عبادنا الذين أخلصوا الطاعة لله و أخلصوا أنفسهم له و هذا يدل على تنزيه يوسف و جلالة قدره عن ركوب القبيح و العزم عليه .
وَ استَبَقَا الْبَاب وَ قَدَّت قَمِيصهُ مِن دُبُر وَ أَلْفَيَا سيِّدَهَا لَدَا الْبَابِ قَالَت مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِك سوءاً إِلا أَن يُسجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(25) قَالَ هِىَ رَوَدَتْنى عَن نَّفْسى وَ شهِدَ شاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كانَ قَمِيصهُ قُدَّ مِن قُبُل فَصدَقَت وَ هُوَ مِنَ الْكَذِبِينَ(26) وَ إِن كانَ قَمِيصهُ قُدَّ مِن دُبُر فَكَذَبَت وَ هُوَ مِنَ الصدِقِينَ(27) فَلَمَّا رَءَا قَمِيصهُ قُدَّ مِن دُبُر قَالَ إِنَّهُ مِن كيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ(28) يُوسف أَعْرِض عَنْ هَذَا وَ استَغْفِرِى لِذَنبِكِ إِنَّكِ كنتِ مِنَ الخَْاطِئِينَ(29)
القراءة
في الشواذ قراءة ابن يعمر و ابن أبي إسحاق و نوح القارىء من قبل و من دبر بثلاث ضمات من غير تنوين .

(5/345)


الحجة
قال ابن جني ينبغي أن يكونا غايتين كقوله تعالى لله الأمر من قبل و من بعد كأنه يريد و قدت قميصه من دبره و إن كان قميصه قد من قبله فلما حذف المضاف إليه أعني الهاء و هي مرادة صار المضاف غاية بعد ما كان المضاف إليه غاية له .
اللغة
القد شق الشيء طولا مثل قد الأديم يقال قده يقده قدا فهو مقدود إذا كان ذاهبا في الطول على استواء و في الحديث كانت ضربات علي بن أبي طالب (عليه السلام) أبكارا كان إذا اعتلى قد و إذا اعترض قط و القد بكسر القاف السير المقطوع طولا و الإلفاء المصادفة قال ذو الرمة :
و مطعم الصيد هبال لبغيته
ألفى أباه بذاك الكسب يكتسب أي وجد أباه و الكيد طلب الشيء بما يكرهه كما طلبت المرأة يوسف بما يكرهه و يأباه و الخطيئة العدول عما تدعو إليه الحكمة إلى ما تزجر عنه و يقال لصاحبه خطأ يخطأ خطأ فهو خاطىء إذا وقع ذلك منه عن قصد فإن وقع من غير قصد قيل أخطأ المقصد فهو مخطىء فأصل الخطإ العدول عن الغرض الحكمي بقصد أو غير قصد قال أمية :
عبادك يخطئون و أنت رب
بكفيك المنايا و الحتوم .
الإعراب
إنما عطف قوله « عذاب أليم » على الفعل لأن تقديره إلا السجن أو عذاب و من في قوله « قد من دبر » و « من قبل » لابتداء الغاية لأن ابتداء القد كان منها و من في قوله « من الكاذبين » للتبعيض لأنه بعض الكاذبين و لم يقل و شهد شاهد أنه إن كان لأنه ذهب مذهب القول في الحكاية كما أن قوله يوصيكم الله في أولادكم كذلك و التقدير يوصيكم الله أن المال للذكر مثل حظ الأنثيين و قوله « إن كان قميصه » قال أبو العباس المبرد معناه إن يكن و جاز ذلك في كان لأنها أم الباب كما جاز في التعجب ما كان أحسن زيدا و لم يجز ما أصبح أحسنه و قال أبو بكر السراج أن يكن بمعنى أن يصبح قد قميصه من دبر و قوله « فلما رءا » الرؤية هاهنا تحتمل أمرين ( أحدهما ) أن تكون بمعنى رؤية العين فلا تكون رؤية العين رؤية للقد و يكون قوله « قد من دبر » في موضع الحال و إنما يكون رؤية للقميص ( و الآخر ) أن يكون بمعنى العلم و تكون رؤية للقد و إنما قال من الخاطئين و لم يقل من الخاطئات لتغليب المذكر على المؤنث .

(5/346)


المعنى
« و استبقا الباب » يعني تبادرا الباب أي طلب كل واحد من يوسف و امرأة العزيز السبق إلى الباب أما يوسف فإنه كان يقصد أن يهرب منها و من ركوب الفاحشة و أما هي فإنما كانت تطلب يوسف لتقضي حاجتها منه و تقصد أن تغلق الباب و تمنعه من الخروج و تراوده ثانيا عن نفسه « و قدت قميصه من دبر » أي لحقت يوسف فجذبت قميصه و شقته طولا من خلفه لأن يوسف كان هاربا و هي تعدو من خلفه و قيل إن يوسف رأى الأبواب قد انفتحت فعلم أن الصواب هو الخروج فخرج هاربا و قيل بل أخذ بفتح الأبواب و أدركته فتعلقت بقميصه من خلفه فشقته « و ألفيا سيدها لدى الباب » أي فلما خرجا وجدا زوجها عند الباب و سماه سيدها لأنه مالك أمرها « قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم » يعني أن المرأة سبقت بالكلام لتورك الذنب على يوسف فقالت لزوجها ليس جزاء من أراد بأهلك خيانة إلا أن يسجن أو أن يضرب بالسياط ضربا وجيعا عن ابن عباس قالوا و لو صدق حبها لم تقل ذلك و لآثرته على نفسها و لكن حبها إياه كان شهوة « قال هي راودتني عن نفسي » لما ذكرت المرأة ذلك لم يجد يوسف بدا من تنزيه نفسه بالصدق و لو كفت عن الكذب عليه لكف (عليه السلام) عن الصدق عليها فقال هي التي طالبتني بالسوء الذي نسبتني إليه « و شهد شاهد من أهلها » قال ابن عباس و سعيد بن جبير أنه صبي في المهد و قيل كان الصبي ابن أخت زليخا و هو ابن ثلاثة أشهر و روي عن ابن عباس أيضا في رواية أخرى و عن الحسن و قتادة و عكرمة أنه شهد رجل حكيم من أهلها بتبرئة يوسف و اختاره الجبائي قال لو كان طفلا لكان قوله معجزا لا يحتاج معه إلى البيان و قيل كان الرجل ابن عم زليخا و كان جالسا مع زوجها عند الباب عن السدي « إن كان قميصه قد » أي شق « من قبل فصدقت » المرأة « و هو من الكاذبين » فيما قال يعني يوسف لأنه كان هو القاصد و هي الدافعة « و إن كان قميصه قد من دبر » أي من خلف « فكذبت » المرأة « و هو » أي يوسف « من الصادقين » لأنه الهارب و هي الطالبة و هذا أمر ظاهر و استدلال صحيح « فلما رءا قميصه قد من دبر » أي فلما رأى زوجها قميص شق من خلف عرف خيانة المرأة ف « قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم » و قيل هو من قول الشاهد و إنما وصف كيدهن بالعظم لأنها حين فاجأت زوجها عند الباب لم يدخلها دهش و لم تتحير في أمرها و وركت الذنب على يوسف (عليه السلام) و لأن قليل حيل النساء أسبق إلى قلوب الرجال من كثير حيل الرجال « يوسف أعرض عن هذا » يعني أن الشاهد قال ليوسف يا يوسف أمسك عن هذا الحديث أي عن ذكرها حتى لا يفشو في البلد عن ابن عباس و قيل إنما قاله زوجها و قيل معناه لا تلتفت يا يوسف إلى هذا الحديث و لا تذكره على سبيل طلب البراءة فقد ظهرت براءتك عن أبي مسلم

(5/347)


و الجبائي ثم أقبل على زليخا فقال « و استغفري لذنبك » أي سلي زوجك أن لا يعاقبك على ذنبك « إنك كنت من الخاطئين » أي من المذنبين و قيل إنه لم يكن غيورا سلبه الله الغيرة لطفا منه بيوسف حتى كفى شره و لذلك قال ليوسف أعرض عن هذا و اقتصر على هذا القدر و قيل معناه استغفري الله من ذنبك و توبي إليه فإن الذنب كان منك لا من يوسف فإنهم كانوا يعبدون الله تعالى مع عبادتهم الأصنام .
* وَ قَالَ نِسوَةٌ فى الْمَدِينَةِ امْرَأَت الْعَزِيزِ تُرَوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شغَفَهَا حُباًّ إِنَّا لَنرَاهَا فى ضلَل مُّبِين(30) فَلَمَّا سمِعَت بِمَكْرِهِنَّ أَرْسلَت إِلَيهِنَّ وَ أَعْتَدَت لهَُنَّ مُتَّكَئاً وَ ءَاتَت كلَّ وَحِدَة مِّنهُنَّ سِكِّيناً وَ قَالَتِ اخْرُجْ عَلَيهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبرْنَهُ وَ قَطعْنَ أَيْدِيهُنَّ وَ قُلْنَ حَش للَّهِ مَا هَذَا بَشراً إِنْ هَذَا إِلا مَلَكٌ كَرِيمٌ(31) قَالَت فَذَلِكُنَّ الَّذِى لُمْتُنَّنى فِيهِ وَ لَقَدْ رَوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاستَعْصمَ وَ لَئن لَّمْ يَفْعَلْ مَا ءَامُرُهُ لَيُسجَنَنَّ وَ لَيَكُوناً مِّنَ الصغِرِينَ(32) قَالَ رَب السجْنُ أَحَب إِلىَّ مِمَّا يَدْعُونَنى إِلَيْهِ وَ إِلا تَصرِف عَنى كَيْدَهُنَّ أَصب إِلَيهِنَّ وَ أَكُن مِّنَ الجَْهِلِينَ(33) فَاستَجَاب لَهُ رَبُّهُ فَصرَف عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السمِيعُ الْعَلِيمُ(34) ثُمَّ بَدَا لهَُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الاَيَتِ لَيَسجُنُنَّهُ حَتى حِين(35)
القراءة
روي عن علي (عليه السلام) و عن علي بن الحسين و محمد بن علي و جعفر بن

(5/348)


محمد (عليهماالسلام) و عن الحسن بخلاف و يحيى بن يعمر و قتادة بخلاف و مجاهد بخلاف و ابن محيصن قد شعفها بالعين و روي عن أبي جعفر متكأ بغير همز مشدد التاء و الباقون متكأ بالهمزة و التشديد و روي في الشواذ قراءة مجاهد متكأ خفيفة ساكنة التاء و روي ذلك عن ابن عباس و قرأ أبو عمر و حاشى الله و الباقون « حاش لله » و روي عن ابن مسعود و أبي بن كعب حاش الله و عن الحسن حاش الإله و في رواية أخرى عنه حاش لله بسكون الشين و قرأ يعقوب وحده السجن أحب إلى بفتح السين و الباقون بكسرها .
الحجة
قال الزجاج معنى شعفها بالعين ذهب بها كل مذهب مشتق من شعفات الجبال أي رءوس الجبال يقال فلان مشعوف بكذا أي قد ذهب به الحب أقصى المذاهب و قال ابن جني معناه وصل حبه إلى قلبها فكاد يحرقه لحدته و أصله من البعير يهنأ بالقطران فتصل حرارة ذلك إلى قلبه قال امرؤ القيس :
لتقتلني و قد شعفت فؤادها
كما شعف المهنوءة الرجل الطالي و أما القراءة المشهورة « شغفها » بالغين فمعناه أنه خرق شغاف قلبها و هو غلافه فوصل إلى قلبها و أما المتكأ فهو ما يتكأ عليه الطعام أو شراب أو حديث و أصله موتكا مفتعل من وكات مثل مؤتزن من الوزن و أما من قرأ متكأ فيجوز أن يكون مفتعلا من قوله :
إذ شرب المرضة قال أوكى
على ما في سقائك قد روينا يقال أوكيت السقا إذا شددته و أما متكأ فإنهم قالوا المتك الأترج واحدته متكة و قيل هو الزماورد و أما حجة أبي عمرو في قوله حاشى لله فقول الشاعر :
حاشى أبي ثوبان إن به
ضنا عن الملحاة و الشتم و قال أبو علي لا يخلو قولهم « حاش لله » من أن يكون الحرف الجار في الاستثناء كما ذكرناه في البيت أو فاعلا من قولهم حاش يحاشي و لا يجوز أن يكون حرف الجر لأن حرف الجر لا يدخل على مثله و لأن الحرف لا يحذف إذا لم يكن فيها تضعيف فإذا بطل ذلك ثبت

(5/349)


أنها فاعل مأخوذ من الحشاء الذي هو الناحية و المعنى أنه صار في حشاء أي في ناحية مما قذف به و فاعله يوسف و المعنى بعد عن هذا الذي رمي به لله أي لخوفه من الله و مراقبته أمره و من حذف الألف فكما حذف من لم يك و لا أدر و إذا أريد به حرف الجر يقال حاشا و حاش و حشا ثلاث لغات قال الشاعر :
حشا رهط النبي فإن فيهم
بحورا لا تقطعها الدلاء و أما من قرأ حاش الله فعلى أصل اللغة يكون حرف جر كما جاء في البيت :
حاشى أبي ثوبان و أما حاش الإله فمحذوف من حاشا تخفيفا و هو كقولك حاش المعبود و منه قول الشاعر :
لعن الإله و زوجها معها
هند الهنود طويلة الثعل و أما حاش الله فضعيف لالتقاء الساكنين فيه و لإسكان الشين بعد حذف الألف و لا موجب لذلك و أما من فتح السين من السجن فجعله مصدرا و معناه أن أسجن أحب إلى و من كسر فعلى اسم المكان و المعنى نزول السجن أحب إلى .
اللغة
العزيز المنيع بقدرته عن أن يضام في أمره و سمي بذلك لأنه كان ملكا ممتنعا بملكه و اتساع مقدرته و قال أبو داود :
درة غاص عليها تاجر
جلبت عند عزيز يوم طل و الفتى الغلام الشاب و المرأة فتاة قال أبو مسلم و الزجاج و تسمي العرب العبد فتى و المكر الفتل بالحيلة إلى ما يراد من الطلبة و جارية ممكورة الساقين أي مفتولة الساقين و اعتدت مأخوذة من العتاد و مثله أعدت و المتكأ الوسادة و هو النمرق الذي يتكأ عليه و قيل هو الأترج و أنكر ذلك أبو عبيدة قال و لا يمتنع أن يقال قد كان في ذلك المجلس فواكه و أترج فأما أن يعرف ذلك من هذا القول فلا و الإكبار الإعظام و الإجلال و قال قوم معنى أكبرنه أنهن حضن حين رأينه و أنشدوا قول الشاعر :
يأتي النساء على أطهارهن و لا
تأتي النساء إذا أكبرن إكبارا و أنكر ذلك أبو عبيدة و قال لا نعرف ذلك في اللغة و لكنه يجوز أن يكن قد حضن من

(5/350)


شدة إعظامهن إياه و البيت مصنوع لا يعرفه العلماء بالشعر و السجن المنع عن التصرف بالسجن سجن يسجن سجنا و الاعتصام الامتناع عن طلب المعصية و الاستعصام طلب العصمة من الله تعالى و الصاغرين من الصغار صغر يصغر صغارا و هو الذل و الهوان و الصبا رقة القلب يقال صبا يصبو صبا فهو صاب قال :
إلى هند صبا قلبي
و هند مثلها يصبي و قال :
صبا صبوة بل لج و هو لجوج
و زالت له بالأنعمين حدوج .
الإعراب
« و قال نسوة » إنما حذف فيه حرف التأنيث لأنه تأنيث جمع و تأنيث الجمع تأنيث لفظ يبطل تأنيث المعنى لأنه لا يجتمع في اسم واحد تأنيثان و كذلك يبطل تذكير المعنى في رجال و إذا صار كذلك جاز فيه الحمل على اللفظ و الحمل على المعنى فيؤنث و يذكر و قوله « ما هذا بشرا » نصب بشرا على مذهب أهل الحجاز في إعمال ما عمل ليس في رفع الاسم و نصب الخبر فأما بنو تميم فلا يعملونها قال :
لشتان ما أنوي و ينوي بنو أبي
جميعا فما هذان مستويان
تمنوا لي الموت الذي يشعب الفتى
و كل فتى و الموت يلتقيان و روي عن الحسن أنه قرأ ما هذا بشر أي ليس هو بمملوك و هو شاذ و ذلكن كن للخطاب لا للضمير فلا موضع له من الإعراب و الاسم ذا و هو في موضع رفع على الابتداء و « الذي لمتنني فيه » موصول و صلة في موضع خبره و « ليكون من الصاغرين » هذه النون الخفيفة التي يتلقى بها القسم و إذا وقفت عليها وقفت بالألف تقول و ليكونا و هي بمنزلة التنوين الذي يوقف عليه بالألف في نحو قولك رأيت رجلا قال الأعشى :
و صل على حين العشيات و الضحى
و لا تعبد الشيطان و الله فاعبدا أي فاعبدن فأبدل في الوقف من النون ألفا ثم بدا لهم فاعله مصدر مضمر على تقدير بدا لهم بداء و قد أظهره الشاعر في قوله :
لعلك و الموعود حق لقاؤه
بدا لك من تلك القلوص بداء

(5/351)


و لا يجوز أن يكون ليسجننه في موضع الفاعل لأن الجملة لا تكون فاعلا .
المعنى
ثم ذكر سبحانه شياع هذه القصة فقال « و قال نسوة في المدينة » أي جماعة من النساء في المصر الذي كان فيه الملك و زوجته و يوسف « امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه » أي امرأة العزيز تدعو مملوكها إلى نفسها ليفجر بها « قد شغفها حبا » أي أحبته حبا دخل شغاف قلبها « إنا لنراها في ضلال مبين » أي في خطإ بين و ذهاب عن طريق الرشد بدعائها مملوكها إلى الفجور بها قال الكلبي هن أربع نسوة امرأة ساقي الملك و امرأة الخباز و امرأة صاحب الدواب و امرأة صاحب السجن و قال مقاتل كن خمسا و زاد امرأة الحاجب « فلما سمعت بمكرهن » أي لما سمعت المرأة بتعييرهن إياها و قصدهن إشاعة أمرها و سماه مكرا لأن قصدهن من هذا القول كان أن تريهن يوسف لما وصف لهن من حسنه فخالف ظاهر الكلام باطنه فسمي ذلك مكرا و قيل لأنها أظهرت لهن حبها إياه و استكتمتهن ذلك فأظهرنه فسمي ذلك مكرا « أرسلت إليهن » فاستضافتهن قال وهب اتخذت مأدبة و دعت أربعين امرأة منهن « و اعتدت لهن متكأ » أي و أعدت لهن وسائد يتكين عليها عن ابن عباس و الاتكاء الميل إلى أحد الشقين و قيل أراد بقوله « متكأ » الطعام من قول العرب اتكأنا عند فلان أي أطعمنا عنده و أصله أن من دعي إلى طعام يعد له المتكأ فيسمى الطعام متكأ على الاستعارة و قال الضحاك كان ذلك الطعام الزماورد و قال عكرمة هو كل ما يجز بالسكين لأنه يؤكل في الغالب على متكإ و قال سعيد بن جبير أنه كل طعام و شراب على عمومه و به قال الحسن و أما المتك فقد قيل فيه أنه الأترج على ما تقدم بيانه و قال السدي بل هو المجلس و كل شيء يجز بالسكين يقال له متك « و آتت كل واحدة منهن سكينا » أي و أعطت كل واحدة من تلك النسوة سكينا لتقطع به الفواكه و الأترج على ما هو العادة بين الناس « و قالت اخرج عليهن » أي و قالت امرأة الملك ليوسف (عليه السلام) و كانت قد أجلسته غير مجلسهن فأمرته بالخروج عليهن في هيأته إما للخدمة و إما للسلام أو ليرينه و لم يكن يتهيأ له أن لا يخرج لأنه بمنزلة العبد لها عن الزجاج « فلما رأينه أكبرنه » أي أعظمنه و تحيرن في جماله إذ كان كالقمر ليلة البدر « و قطعن أيديهن » بتلك السكاكين على جهة الخطإ بدل قطع الفواكه فما أحسسن إلا بالدم و لم يجدن ألم القطع لإشغال قلوبهن بيوسف (عليه السلام) عن مجاهد و المعنى جرحن أيديهن و هذا مستعمل في الكلام تقول للرجل قد قطعت يدي تريد قد خدشتها و قيل إنهن ابن أيديهن حتى ألقينها عن قتادة « و قلن حاش لله » و حاشى لله أي صار يوسف في حشا أي ناحية مما قذف به أي لم يلابسه و المعنى بعد يوسف عن هذا الذي رمى به الله أي لخوفه و مراقبته أمر الله هذا قول أكثر المفسرين قالوا هذا تنزيه ليوسف عما رمته به امرأة العزيز و قال آخرون هذا تنزيه له

(5/352)


من شبه البشر لفرط جماله و يدل على هذا سياق الآية « ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم » أي رفع الله منزلته عن منزلة البشر فنعوذ بالله أن نقول إنه بشر و معناه أنه منزه أن يكون بشرا و ليس صورته صورة البشر و لا خلقته خلقة البشر و لكنه ملك كريم لحسنه و لطافته و روي عن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و هو يصف يوسف حين رآه في السماء الثانية رأيت رجلا صورته صورة القمر ليلة البدر قلت يا جبريل من هذا قال هذا أخوك يوسف و قيل معناه ليس هذا إلا ملك كريم في عفته قال الجبائي و هذا يدل على أن الملك أفضل من بني آدم لأنهن ذكرن من هو في نهاية الفضل و لم ينكر الله تعالى ذلك عليهن و هذا من ركيك الاستدلال لأنه سبحانه إنما حكى عن النساء إعظامهن ليوسف حين رأين جماله و بعده عن السوء فشبهنه بالملك و لم يقصدن كثرة الثواب الذي هو حقيقة الفضل و إنما لم ينكره سبحانه عليهن لأنه علم أنهن لم يقصدن في كلامهن ما حمله عليه الجبائي على أن الظاهر يقتضي أنهن نفين أن يكون يوسف من البشر و قطعن على أنه ملك و هذا كذب و لم ينكره الله سبحانه عليهن لما علم من أنهن يقصدن بذلك تشبيه حاله بحال الملائكة « قالت » امرأة العزيز للنسوة التي عذلنها على محبتها ليوسف « فذلكن الذي لمتنني فيه » أي هذا هو ذلك الذي لمتنني في أمره و في حبه و شعفي به جعلت إعظامهن إياه عذرا لها و المعنى هذا الذي أصابكن في رؤيته مرة واحدة ما أصابكن من ذهاب العقل فكيف عذلتنني في حبي إياه و أنا أنظر إليه آناء ليلي و نهاري ثم اعترفت ببراءة يوسف و أقرت على نفسها فقالت « و لقد راودته عن نفسه فاستعصم » أي امتنع عنه و قيل معناه امتنع بالله و سأله العصمة من فعل القبيح و في هذا دلالة على أن يوسف لم يقع منه قبح ثم توعدته بإيقاع المكروه به إن لم يطعها فيما تدعوه إليه فقالت « و لئن لم يفعل ما آمره ليسجنن و ليكونا من الصاغرين » أي و إن لم يجبني إلى ما أدعوه إليه ليحبس في السجن و ليكون من الأذلاء فلما رأى يوسف إصرارها على ذلك و تهديدها له اختار السجن على المعصية ف « قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه » معناه يا رب إن السجن أحب إلي و أسهل علي مما يدعونني إليه من الفاحشة و في هذا دلالة على أن النسوة دعونه إلى مثل ما دعته إليه امرأة العزيز و في حديث أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين (عليهماالسلام) أن النسوة لما خرجن من عندها أرسلت كل واحدة منهن إلى يوسف سرا من صاحبته تسأله الزيارة و قيل إنهن قلن له أطع مولاتك و اقض حاجتها فإنها المظلومة و أنت ظالم و قيل إنهن لما رأين يوسف استأذن امرأة العزيز بأن تخلو كل واحدة منهن به و تدعوه إلى ما أرادته منه إلى طاعتها فلما خلون به دعته كل واحدة منهن إلى نفسها فلذلك قال مما يدعونني إليه و يسأل فيقال كيف قال يوسف السجن أحب إلى مما يدعونني

(5/353)


إليه و لا يجوز أن يراد السجن الذي هو المكان و إن عني به السجن الذي هو المصدر فإن السجن معصية كما أن ما دعونه إليه معصية فلا يجوز أن يريده فالجواب أنه لم يرد المحبة التي هي الإرادة و إنما أراد أن ذلك أخف علي و أسهل و وجه آخر أن المعنى لو كان مما أريده لكان إرادتي له أشد و قيل إن معناه توطيني النفس على السجن أحب إلى من توطيني النفس على الزنا عن أبي علي الجبائي « و إلا تصرف عني كيدهن » بألطافك لأن كيدهن قد وقع و حصل « أصب إليهن » أمل إليهن أو إلى قولهن بهواي و الصبوة لطافة الهوى « و أكن من الجاهلين » أي المستحقين لصفة الذم بالجهل و قيل معناه أكن بمنزلة الجاهلين في فعلي « فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن » أي فأجاب له ربه فيما دعاه فعصمه من مكرهن فإن قيل ما معنى سؤال يوسف اللطف من الله و هو عالم بأن الله يفعله لا محالة فالجواب أنه يجوز أن تتعلق المصلحة بالألطاف عند الدعاء المجدد و متى قيل كيف علم أنه لو لا اللطف لركب الفاحشة و إذا وجد اللطف امتنع قلنا لما وجد في نفسه من الشهوة و علم أنه لو لا لطف الله لارتكب القبيح و علم أن الله سبحانه يعصم أنبياءه بالألطاف و أن من لا يكون له لطف لا يبعثه الله نبيا قال الجبائي في الآية دلالة على جواز الدعاء بما يعلم الله تعالى أنه يكون لأن يوسف كان عالما بأنه إن كان له لطف فلا بد أن يكون الله يفعل ذلك به و مع هذا سأله ذلك و لا تدل الآية على ما قاله لما قلناه من أنه يجوز أن يكون سأله لتجويزه أن يكون له لطف عند الدعاء و لو لم يدع لم يكن ذلك لطفا فما سأل إلا ما جوز أن لا يكون لو لم يدع « إنه هو السميع العليم » أي السميع لدعاء الداعي العليم بإخلاصه في دعائه و بما يصلحه من الإجابة أو يفسده « ثم بدا لهم » أي ظهر لهم « من بعد ما رأوا الآيات » و إنما لم يقل لهن مع تقدم ذكر النسوة لأنه أراد به الملك و قيل أراد به زليخا و أعوانها فغلب المذكر و أراد بالآيات العلامات الدالة على براءة يوسف و هي قد القميص من دبره و جز الأيدي عن قتادة و غيره و قيل يريد بالآيات العلامات الدالة على الإياس منه و قوله « بدا » فاعله مضمر و تقديره ثم بدا لهم بداء « ليسجننه حتى حين » و دل ليسجننه عليه فإن السجن هو الذي بدا لهم قال السدي و ذلك أن المرأة قالت لزوجها إن هذا العبد قد فضحني في الناس من حيث إنه يخبرهم أني راودته عن نفسه و لست أطيق أن أعتذر بعذري فأما أن تأذن لي فأخرج و أعتذر و إما أن تحبسه كما حبستني فحبسه بعد علمه ببراءته و قيل إن الغرض من الحبس أن يظهر للناس أن الذنب كان له لأنه إنما يحبس المجرم و قيل كان الحبس قريبا منها فأرادت أن يكون بقربها حتى إذا أشرفت عليه رأته و قوله « حتى حين » قيل إلى سبع سنين عن عكرمة و قيل إلى خمس سنين عن الكلبي و قيل إلى وقت ينسى حديث المرأة معه و ينقطع فيه عن الناس خبره عن الجبائي .

(5/354)


وَ دَخَلَ مَعَهُ السجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنى أَرَاخ أَعْصِرُ خَمْراً وَ قَالَ الاَخَرُ إِنى أَرَاخ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسى خُبزاً تَأْكلُ الطيرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاك مِنَ الْمُحْسِنِينَ(36) قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنى رَبى إِنى تَرَكْت مِلَّةَ قَوْم لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ هُم بِالاَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ(37) وَ اتَّبَعْت مِلَّةَ ءَابَاءِى إِبْرَهِيمَ وَ إِسحَقَ وَ يَعْقُوب مَا كانَ لَنَا أَن نُّشرِك بِاللَّهِ مِن شىْء ذَلِك مِن فَضلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَ عَلى النَّاسِ وَ لَكِنَّ أَكثرَ النَّاسِ لا يَشكُرُونَ(38)
اللغة
قال الزجاج كانوا يسمون المملوك فتى فجائز أن يكون الفتيان حدثين أو شيخين و قال غيره يقال لعبد فتى و للأمة فتاة و في الحديث لا يقولن أحدكم عبدي و أمتي و لكن فتاي و فتاتي و التأويل الخبر عما حضر بما يؤول إليه أمره فيما غاب و لذلك قال قبل أن يأتيكما تأويل القرآن ما يؤول إليه من المعنى أي يرجع إليه و التعليم تفهيم الدلالة المؤدية إلى العلم بالمعنى و قد يكون الإعلام بالمعنى في القلب و الاتباع اقتفاء الأثر و هو طلب اللحاق بالأول .
الإعراب
هم الثانية دخلت للتوكيد لأنه لما دخل بينهما قوله « بالآخرة » صارت الأولى كالملغاة و صار الاعتماد على الثانية كما قال و هم بالآخرة هم يوقنون و كما قال أ يعدكم أنكم إذا متم و كنتم ترابا و عظاما أنكم مخرجون .
المعنى
ثم أخبر سبحانه عن حال يوسف (عليه السلام) في الحبس فقال « و دخل معه السجن فتيان » و التقدير فسجن يوسف و دخل معه السجن فتيان أي شابان حدثان و قيل إنهما مملوكان لملك مصر الأكبر و اسمه وليد بن ريان و كان أحدهما صاحب شرابه و الآخر

(5/355)


صاحب طعامه فنمي إليه أن صاحب طعامه يريد أن يسمه و ظن أن الآخر ساعده على ذلك و مالأه عليه عن قتادة و السدي « قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا » هو من رؤيا المنام كان يوسف (عليه السلام) لما دخل السجن قال لأهله إني أعبر الرؤيا فقال أحد العبدين لصاحبه هلم فلنجربه فسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئا عن ابن مسعود و قيل بل رؤياهما على صحة و حقيقة و لكنهما كذبا في الإنكار عن مجاهد و الجبائي و قيل إن المصلوب منهما كان كاذبا و الآخر صادقا عن أبي مجلز و رواه علي بن إبراهيم أيضا في تفسيره عنهم (عليهم السلام) و المعنى قال أحدهما و هو الساقي رأيت أصل حبلة عليها ثلاثة عناقيد من عنب فجنيتها و عصرتها في كأس الملك و سقيته إياها و تقديره أعصر عنب خمر أي العنب الذي يكون عصيره خمرا فحذف المضاف قال الزجاج و ابن الأنباري العرب تسمي الشيء باسم ما يؤول إليه إذا وضح المعنى و لم يلتبس يقولون فلان يطبخ الآجر و يطبخ الدبس و إنما يطبخ اللبن و العصير و قال قوم إن بعض العرب يسمون العنب خمرا حكى الأصمعي عن المعتمر بن سليمان أنه لقي أعرابيا معه عنب فقال له ما معك قال خمر و هو قول الضحاك فيكون معناه أني أعصر عنبا و روي في قراءة عبد الله و أبي جميعا إني رأيتني أعصر عنبا « و قال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه » معناه و قال صاحب الطعام إني رأيت كان فوق رأسي ثلاث سلال فيها الخبز و ألوان الأطعمة و سباع الطير تنهش منه « نبئنا بتأويله » أي أخبرنا بتعبيره و ما يؤول إليه أمره « إنا نراك من المحسنين » أي تؤثر الإحسان و الأفعال الجميلة قال الضحاك كان إذا ضاق على رجل مكانه وسع له و إن احتاج جمع له و إن مرض قام عليه و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) و قال الزجاج جاء في التفسير أنه كان يعين المظلوم و ينصر الضعيف و يعود العليل قال و قيل « من المحسنين » أي ممن يحسن تأويل الرؤيا قال و هذا دليل على أن أمر الرؤيا صحيح و أنها لم تزل في الأمم السالفة و في الحديث أن الرؤيا جزء من ستة و أربعين جزءا من النبوة و تأويله أن الأنبياء يخبرون بما سيكون و الرؤيا تدل على ما سيكون فيكون المعنى في الآية إنا نعلمك أو نظنك ممن يعرف تعبير الرؤيا و من ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام) قيمة كل امرىء ما يحسنه و قال أبو مسلم نراك من المحسنين إلينا إن فسرت لنا الرؤيا و هو قول ابن أبي إسحاق ثم ذكر لهما يوسف (عليه السلام) ما يدل على أنه عالم بتفسير الرؤيا « قال لا يأتيكما طعام ترزقانه » في منامكما « إلا نبأتكما بتأويله » في اليقظة « قبل أن يأتيكما » التأويل و ذلك أنه كره أن يخبرهما بالتأويل لما على أحدهما فيه من البلاء فأعرض عن سؤالهما و أخذ في غيره عن السدي و ابن إسحاق و قيل إنه إنما قدم هذا ليعلما ما خصه الله تعالى به من النبوة و ليقبلا عنه فقال لا يأتيكما طعام من منزلكما إلا أخبرتكما بصفة ذلك الطعام و كيفيته قبل أن يأتيكما كما

(5/356)


قال عيسى بن مريم (عليهماالسلام) و أنبئكم بما تأكلون و ما تدخرون في بيوتكم عن الحسن و الجبائي « ذلكما مما علمني ربي » كأنهما قالا له كيف عرفت تأويل الرؤيا و لست بكاهن و لا عراف فأخبرهما أنه رسول الله و أنه تعالى علمه ذلك و تعليمه تعالى قد يكون بأن يفعل العلم في قلبه و قد يكون بالوحي و قد يكون بنصب الأدلة التي يدرك بها العلم « إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله و هم بالآخرة هم كافرون » معناه أنه لا يستحق هذه الرتبة الخطيرة إلا المؤمنون المخلصون و إني تركت طريقة قوم لا يؤمنون فلذلك خصني الله بهذه الكرامة « و اتبعت ملة آبائي » أي شريعة آبائي « إبراهيم و إسحاق و يعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء » أي لا ينبغي لنا و نحن معدن النبوة و أهل بيت الرسالة أن ندين بغير التوحيد « ذلك » أي التمسك بالتوحيد و البراءة من الشرك و قيل النبوة و العلم « من فضل الله علينا » بأن خصنا بها « و على الناس » أيضا بإرسالنا إليهم و اتباعهم إيانا و اهتدائهم بنا « و لكن أكثر الناس لا يشكرون » نعم الله تعالى و قد كان يوسف (عليه السلام) فيما بينهم زمانا و لم يحك الله سبحانه أنه دعا إلى الدين و كانوا يعبدون الأصنام لأنه لم يطمع منهم في الاستماع و القبول فلما رآهم عارفين بإحسانه مقبلين عليه رجا منهم القبول منه فدعاهم إلى التوحيد على ما أمر الله سبحانه له في قوله ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و قد روي أن صاحبي السجن قالا له لقد أحببناك حين رأيناك فقال لا تحباني فو الله ما أحبني أحد إلا دخل علي من حبه بلاء أحبتني عمتي فنسبت إلى السرقة و أحبني أبي فألقيت في الجب و أحبتني امرأة العزيز فألقيت في السجن .

(5/357)


يَصحِبىِ السجْنِ ءَ أَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَحِدُ الْقَهَّارُ(39) مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلا أَسمَاءً سمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَ ءَابَاؤُكم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بهَا مِن سلْطن إِنِ الْحُكْمُ إِلا للَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِك الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لَكِنَّ أَكثرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ(40) يَصحِبىِ السجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسقِى رَبَّهُ خَمْراً وَ أَمَّا الاَخَرُ فَيُصلَب فَتَأْكلُ الطيرُ مِن رَّأْسِهِ قُضىَ الأَمْرُ الَّذِى فِيهِ تَستَفْتِيَانِ(41) وَ قَالَ لِلَّذِى ظنَّ أَنَّهُ نَاج مِّنْهُمَا اذْكرْنى عِندَ رَبِّك فَأَنساهُ الشيْطنُ ذِكرَ رَبِّهِ فَلَبِث فى السجْنِ بِضعَ سِنِينَ(42)
اللغة
الصاحب الملازم لغيره على وجه الاختصاص و هو خلاف ملازمة الاتصال و منه أصحاب الشافعي و أصحاب أبي حنيفة و أصحاب النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) لملازمتهم له و كونهم معه في حروبه و صاحبا السجن هما الملازمان له بالكون فيه و القيم المستقيم و أصله من قام يقوم و الاستفتاء طلب الفتيا و البضع القطعة من الدهر و أصله من القطع و البضعة القطعة من اللحم و منه الحديث فاطمة بضعة مني يؤذيني من آذاها .
المعنى
« يا صاحبي السجن » هذا حكاية نداء يوسف للمستفتين له عن تأويل رؤياهما أي يا ملازمي السجن « أ أرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار » أي أ أملاك متباينون من حجر و خشب لا تضر و لا تنفع خير لمن عبدها أم الله الواحد القهار الذي إليه الخير و الشر و النفع و الضر و هذا ظاهره الاستفهام و المراد به التقرير و إلزام الحجة و القاهر هو القادر الذي لا يمتنع عليه شيء ما « ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم و آباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان » ابتدأ بخطاب اثنين ثم خاطب بلفظ الجمع لأنه قصد جميع من هو في مثل حالهما و قيل إنه خطاب لجميع من في الحبس و معناه أن هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله و سميتموها بأسماء يعني الأرباب و الآلهة هي أسماء فارغة عن المعاني لا حقيقة لها ما أنزل الله من حجة بعبادتها « إن الحكم إلا لله » أي ما الحكم و الأمر إلا لله فلا يجوز العبادة و الخضوع و التذلل إلا لله « أمر ألا تعبدوا إلا إياه » أي و قد أمركم أن لا تعبدوا غيره « ذلك » أي ذلك الذي بينت لكم من توحيده و عبادته و ترك عبادة غيره « الدين القيم » أي الدين المستقيم الذي لا عوج فيه « و لكن أكثر الناس لا يعلمون » قال ابن عباس ما للمطيعين من الثواب و للعاصين من العقاب و قيل لا يعلمون صحة ما أقوله لعدولهم عن النظر و الاستدلال ثم عبر (عليه السلام) رؤياهما فقال « يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا » بدأ بما هو الأهم و هو الدعاء إلى توحيد الله و عبادته و إظهار معجزته ثم بتعبير رؤيا الساقي فروي أنه قال أما العناقيد الثلاثة فإنها ثلاثة أيام تبقى في السجن ثم يخرجك الملك اليوم الرابع و تعود إلى ما كنت عليه و أجري على مالكه صفة الرب لأنه عبده فأضافه إليه كما

(5/358)


يقال رب الدار و رب الضيعة « و أما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه » يريد بالآخر صاحب الطعام روي أنه قال بئس ما رأيت أما السلال الثلاث فإنها ثلاثة أيام تبقى في السجن ثم يخرجك الملك فيصلبك فتأكل الطير من رأسك فقال عند ذلك ما رأيت شيئا و كنت ألعب فقال يوسف « قضي الأمر الذي فيه تستفتيان » أي فرغ من الأمر الذي تسألان و تطلبان معرفته و ما قلته لكما فإنه نازل بكما و هو كائن لا محالة و في هذا دلالة على أنه كان يقول ذلك على جهة الإخبار عن الغيب بما يوحى إليه لا كما يعبر أحدنا الرؤيا على جهة التأويل « و قال » يوسف « للذي ظن أنه ناج منهما » معناه للذي علم من طريق الوحي أنه ناج أي متخلص كما في قوله تعالى إني ظننت أني ملاق حسابيه هذا قول الأكثرين و اختيار الجبائي و قال قتادة للذي ظنه ناجيا لأنه لا يحكم بصدقة فيما قصة من الرؤيا و الأول أصح « اذكرني عند ربك » أي اذكرني عند سيدك بأني محبوس ظلما « فأنساه الشيطان ذكر ربه » يعني أنسى الشيطان يوسف ذكر الله تعالى في تلك الحال حتى استغاث بمخلوق فالتمس من الناجي منهما أن يذكره عند سيده و كان من حقه أن يتوكل في ذلك على الله سبحانه « فلبث في السجن بضع سنين » أي سبع سنين عن ابن عباس و روي ذلك عن علي بن الحسن (عليهماالسلام) و أبي عبد الله (عليه السلام) و قيل معناه فأنسى الشيطان الساقي ذكر يوسف عند الملك فلم يذكره حتى لبث في السجن عن الحسن و محمد بن إسحاق و الجبائي و أبي مسلم و على هذا فتقديره فأنساه الشيطان ذكر يوسف عند ربه و قد روي عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال عجبت من أخي يوسف (عليه السلام) كيف استغاث بالمخلوق دون الخالق و روي أنه (عليه السلام) قال لو لا كلمته ما لبث في السجن طول ما لبث يعني قوله « اذكرني عند ربك » ثم بكى الحسن و قال إنا إذا أنزل بنا أمر فزعنا إلى الناس و روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال جاء جبرائيل (عليه السلام) فقال يا يوسف من جعلك أحسن الناس قال ربي قال فمن حببك إلى أبيك دون إخوانك قال ربي قال فمن ساق إليك السيارة قال ربي قال فمن صرف عنك الحجارة قال ربي قال فمن أنقذك من الجب قال ربي قال فمن صرف عنك كيد النسوة قال ربي قال فإن ربك يقول ما دعاك إلى أن تنزل حاجتك بمخلوق دوني البث في السجن بما قلت بضع سنين و عنه في رواية أخرى قال فبكى يوسف عند ذلك حتى بكى لبكائه الحيطان فتأذى ببكائه أهل السجن فصالحهم على أن يبكي يوما و يسكت يوما فكان في اليوم الذي يسكت أسوأ حالا و القول في ذلك أن الاستعانة بالعباد في دفع المضار و التخلص من المكاره جائز غير منكر و لا قبيح بل ربما يجب ذلك و كان نبينا (صلى الله عليهوآلهوسلّم) يستعين فيما ينوبه بالمهاجرين و الأنصار و غيرهم و لو كان قبيحا لم يفعله فلو صحت هذه الروايات فإنما عوتب يوسف (عليه السلام) في ترك عادته الجميلة في الصبر و التوكل على الله سبحانه

(5/359)


في كل أموره دون غيره وقتا ما ابتلاء و تشديدا و إنما كان يكون قبيحا لو ترك التوكل على الله سبحانه و اقتصر على غيره و في هذا ترغيب في الاعتصام بالله تعالى و الاستعانة به دون غيره عند نزول الشدائد و إن جاز أيضا أن يستعان بغيره و اختلف في البضع فقال بعضهم البضع ما بين الثلاث إلى الخمس عن أبي عبيدة و قيل إلى السبع عن قطرب و قيل إلى التسع عن الأصمعي ذكره الزجاج و قول قطرب مروي عن مجاهد و قول الأصمعي مروي عن قتادة و قال ابن عباس و هو ما دون العشرة و أكثر المفسرين على أن البضع في الآية سبع سنين قال الكلبي و هذه السبع سوى الخمسة التي كانت قبل ذلك و روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال علم جبرائيل (عليه السلام) يوسف في حبسه فقال قل في دبر كل صلاة فريضة اللهم اجعل لي فرجا و مخرجا و ارزقني من حيث أحتسب و من حيث لا أحتسب و روي شعيب العقرقوفي عنه (عليه السلام) قال لما انقضت المدة و أذن له في دعاء الفرج وضع خده على الأرض ثم قال اللهم إن كانت ذنوبي قد أخلقت وجهي عندك فإني أتوجه إليك بوجوه آبائي الصالحين إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب ففرج الله عنه قال فقلت له جعلت فداك أ ندعو نحن بهذا الدعاء فقال ادعوا بمثله اللهم إن كانت ذنوبي قد أخلقت عندك وجهي فإني أتوجه إليك بوجه نبيك نبي الرحمة و علي و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمة (عليهم السلام) .

(5/360)


وَ قَالَ الْمَلِك إِنى أَرَى سبْعَ بَقَرَت سِمَان يَأْكلُهُنَّ سبْعٌ عِجَافٌ وَ سبْعَ سنبُلَت خُضر وَ أُخَرَ يَابِست يَأَيهَا الْمَلأُ أَفْتُونى فى رُءْيَىَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبرُونَ(43) قَالُوا أَضغَث أَحْلَم وَ مَا نحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلَمِ بِعَلِمِينَ(44) وَ قَالَ الَّذِى نجَا مِنهُمَا وَ ادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّة أَنَا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ(45) يُوسف أَيهَا الصدِّيقُ أَفْتِنَا فى سبْع بَقَرَت سِمَان يَأْكلُهُنَّ سبْعٌ عِجَافٌ وَ سبْع سنبُلَت خُضر وَ أُخَرَ يَابِست لَّعَلى أَرْجِعُ إِلى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ(46) قَالَ تَزْرَعُونَ سبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصدتمْ فَذَرُوهُ فى سنبُلِهِ إِلا قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكلُونَ(47) ثمَّ يَأْتى مِن بَعْدِ ذَلِك سبْعٌ شِدَادٌ يَأْكلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لهَُنَّ إِلا قَلِيلاً مِّمَّا تحْصِنُونَ(48) ثمَّ يَأْتى مِن بَعْدِ ذَلِك عَامٌ فِيهِ يُغَاث النَّاس وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ(49)
القراءة
قرأ حفص دأبا بفتح الهمزة و الباقون بسكونها و قرأ تعصرون بالتاء أهل الكوفة غير عاصم و الباقون بالياء و في الشواذ قراءة ابن عباس و ابن عمر بخلاف و الضحاك و قتادة و زيد بن علي ( ع ) و ادكر بعد أمه بالهاء و قراءة الأشهب العقيلي بعد إمة بكسر الهمزة و قرأ جعفر بن محمد (عليهماالسلام) و سبع سنابل و قرأ أيضا ما قربتم و قرأ هو و الأعرج و عيسى بن عمر و فيه يعصرون بياء مضمومة و صاد مفتوحة .
الحجة
قال أبو علي انتصب « دأبا » بما دل عليه تزرعون و فيه علاج و دئوب فكأنه قال تدأبون فانتصب دأبا به لا بالمضمر و لعل الفتح لغة فيه فيكون كشمع و شمع و نهر و نهر و « يعصرون » يحتمل أمرين أحدهما أن يكون من العصر الذي يراد به الضغط الذي يلحق ما فيه دهن أو ماء نحو الزيتون و السمسم و العنب ليخرج ذلك منه و هذا يمكن أن يكون تأويل الآية عليه لأن من المتأولين من يحكي أنهم لم يعصروا أربع عشر سنة زيتا و لا عنبا فيكون المعنى تعصرون للخصب الذي أتاكم كما كنتم تعصرون أيام الخصب من قبل الجدب الذي دفعتم إليه و يكون يعصرون من العصر الذي هو الالتجاء إلى ما يقدر به من النجاة قال ابن مقبل :
و صاحبي صهوة مستوهل زعل
يحول بين حمار الوحش و العصر أي يحول بينه و بين الملجأ الذي يقدر به النجاة و قال أبو زبيد الطائي :
صاديا يستغيث غير مغاث
و لقد كان عصره المنجود قال أبو عبيدة يعصرون ينجون و أنشد للبيد :

(5/361)


فبات و أسرى القوم آخر ليلهم
و ما كان وقافا بدار معصر فأما من قال « يعصرون » بالياء فإنه جعل الفاعلين الناس لأن ذكرهم قد تقدم و من قرأ بالتاء وجه الخطاب إلى المستفتين الذين قالوا أفتنا و يجوز أن يريدهم و غيرهم إلا أنه غلب الخطاب على الغيبة كما يغلب التذكير على التأنيث و أما الأمة فهو النسيان يقال أمه يأمه إذا نسي أنشد أبو عبيدة :
أمهت و كنت لا أنسى حديثا
كذاك الدهر يؤذي بالعقول و الأمة النعمة فيكون المراد بعد أن أنعم عليه بالنجاة و أما يعصرون بضم الياء فيجوز أن يكون من العصرة و العصر للنجاة و يجوز أن يكون من عصرت السحابة ماءها عليهم و في كتاب علي بن إبراهيم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قرأ رجل على أمير المؤمنين علي (عليه السلام) هذه الآية فقال يعصرون بالياء و كسر الصاد فقال ويحك و أي شيء يعصرون أ يعصرون الخمر فقال الرجل يا أمير المؤمنين فكيف أقرأها قال عام فيه يغاث الناس و فيه يعصرون مضمومة الياء مفتوحة الصاد أي يمطرون بعد سني المجاعة و يدل عليه قوله و أنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا .
اللغة
الملك القادر الواسع المقدور الذي إليه السياسة و التدبير و الرؤيا ما يراه النائم و يرجع إلى الاعتقاد ثم يكون على وجوه منها ما يكون من الله تعالى و ملائكته و هو الذي له تعبير و تأويل و منها ما يكون من الشيطان و لا تأويل له و منها ما يكون من جهة النائم و اعتقاداته أو يكون بقية اعتقاد كان اعتقده و العجف ذهاب السمن و الذكر أعجف و الأنثى عجفاء و جمعها عجاف و لا يجمع أفعل على فعال إلا هذا و العبر و التعبير تفسير الرؤيا و هو من عبور النهر و نحوه و الأضغاث الأحلام الملتبسة و الضغث الحزمة من كل شيء و قال الترمذي الضغث ملء اليد من الحشيش و منه و خذ بيدك ضغثا أي قبضة و الفعل منه أضغث و قيل الضغث خلط قش المد و هو غير متشاكل و لا متلائم فشبهوا به تخليط المنام و الأحلام جمع حلم و هو الرؤيا في النوم و يقال حلم يحلم حلما و احتلم فهو حالم و الحلم بكسر الحاء ضد الطيش و هو الأناءة و كان أصل حلم النوم من هذا لأنه حال أناءة و سكون و تأويل الرؤيا تفسير ما يؤول إليه معناه و تأويل كل شيء تفسير ما يؤول إليه معنى الكلام و الادكار افتعال من الذكر و أصله إذتكار لكن التاء أبدل منها الدال و أدغمت الذال في الدال و يجوز اذكر بالذال أيضا إلا أن

(5/362)


الأجود الدال و هو طلب الذكر و نظيره الاستذكار و التذكر و الأمة الجماعة تؤم أمرا و الأمة المدة و هي الجملة من الحين و الصديق الكثير التصديق للحق و قيل هو الكثير الصدق و فعيل بناء المبالغة و الكثرة و الفتيا الجواب عن حكم المعنى و قد يكون الجواب عن نفس المعنى فلا يكون فتيا و الزرع إلقاء البذر في الأرض للنبات و منه المزارعة بالثلث أو الربع و تسمى المخابرة أيضا و هي مأخوذة من فعل أهل خيبر و الدأب العادة يقال دأب يدأب دأبا و يقال دأب في عمله يدأب دءوبا اجتهد و أدأبته أنا إدآبا و ذر و دع بمعنى ، لم يجيء منهما لفظة الماضي استغني عن ذلك بترك و الشدة و الصلابة و الصعوبة نظائر و قيل الشدة تكون في سبعة أصناف في العقد و المد و الزمان و الغضب و الألم و الشراب و البدن و الإحصان مثل الإحراز أحصنه إحصانا جعله في حرز و الغوث هو نفع يأتي على شدة حاجة ينفي المضرة و منه الغيث المطر الذي يأتي في وقت الحاجة قال الأزهري غاث الله البلاد يغيثها و قد غيثت الأرض فهي مغيثة و مغيوثة و الغيث الكلاء ينبت من ماء السماء و جمعه غيوث و الغياث أصله الواو و منه الغوث و غوث تغويثا إذا قال وا غوثاه من يغيثني و يغاث يحتمل أن يكون من الواو و يحتمل أن يكون من الياء .
الإعراب
« إن كنتم للرؤيا تعبرون » هذه اللام دخلت للتبيين المعنى إن كنتم تعبرون ثم بين باللام فقال للرؤيا عن الزجاج و هذه اللام تزاد في المفعول به إذا تقدم على الفعل تقول عبرت الرؤيا و للرؤيا عبرت و قد جاء مثله في قوله للذين هم لربهم يرهبون و قد جاء فيما ليس بمقدم من المفعول نحو قوله ردف لكم و آخر لا ينصرف لأنه صرف عن جهة صواحبها التي جاءت بالألف و اللام و هذه جاءت خاصة بغير ألف و لام فكأنها عدلت عن وجهها تقول هذه النسوة الوسط و الكبر و لا تقول وسط و كبر و تقول نسوة أخر فلما خالفت أخواتها ترك صرفها و موضعها في الآية الرابعة جر تقديره و في آخر أضغاث أحلام تقديره هي أضغاث أحلام يوسف و المراد به يا يوسف و يجوز حذف حرف النداء في المنادى المفرد العلم تقول يا زيد أقبل و زيد أقبل قال :
محمد تفد نفسك كل نفس
إذا ما خفت من أمر وبالا و يروى تبالا أراد يا محمد .
المعنى
ثم أخبر سبحانه عن سبب نجاة يوسف من السجن و هو أنه لما قرب الفرج رأى الملك رؤيا هالته و أشكل تعبيرها على قومه حتى عبرها يوسف فقال سبحانه « و قال

(5/363)


الملك إني أرى سبع بقرات سمان » يعني و قال ملك مصر و هو الوليد بن ريان و العزيز وزيره و فيما رواه الأكثرون إني أرى في منامي سبع بقرات سمان « يأكلهن سبع » أي سبع بقرات أخر « عجاف » أي مهازيل فدخلت السمان في بطون المهازيل حتى لم أر منهن شيئا « و سبع سنبلات خضر » أي و أرى في منامي سبع سنبلات قد انعقد حبها « و أخر » أي و سبعا أخر « يابسات » قد احتصدت فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها « يا أيها الملأ » أي جمع الأشراف و قيل جمع السحرة و الكهنة و قص رؤياه عليهم و قال يا أيها الأشراف أو الجماعة « أفتوني في رؤياي » أي عبروا ما رأيت في منامي و بينوا لي الفتوى فيه و هو حكم الحادثة « إن كنتم للرؤيا تعبرون » معناه إن كنتم عابرين للرؤيا و قيل إن اللام تفيد معنى إلى أي إن كنتم توجهون العبارة إلى الرؤيا « قالوا أضغاث أحلام » أي هذه أباطيل أحلام عن الكلبي و قيل تخاليط أحلام عن قتادة و المعنى هذا منامات كاذبة لا يصح تأويلها « و ما نحن بتأويل الأحلام » التي هذه صفتها « بعالمين » و إنا نعلم تأويل ما يصح و كان جهل الملأ بتأويل رؤيا الملك سبب نجاة يوسف لأن الساقي تذكر حديث يوسف فجثا بين يديه و قال يا أيها الملك إني قصصت أنا و صاحب الطعام على رجل في السجن منامين فخبر بتأويلهما و صدق في جميع ما وصف فإن أذنت مضيت إليه و أتيتك من قبله بتفسير هذه الرؤيا فذلك قوله « و قال الذي نجا منهما و ادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون » عن الكلبي و قوله « و ادكر بعد أمة » معناه تذكر شأن يوسف و ما وصاه به بعد حين من الدهر و زمان طويل عن ابن عباس و الحسن و مجاهد و قتادة و هاهنا حذف يدل الكلام عليه و هو فأرسلون إلى يوسف فأرسل فأتى يوسف في السجن و قال له « يوسف » أي يا يوسف « أيها الصديق » أي الكثير الصدق فيما تخبر به « أفتنا في سبع بقرات سمان » إلى قوله « يابسات » فإن الملك رأى هذه الرؤيا و اشتبه تأويلها « لعلي أرجع إلى الناس » يعني الملك و أصحابه و العلماء الذين جمعهم لتعبير رؤياه « لعلهم يعلمون » فضلك و علمك فيخرجوك من السجن و قيل لعلهم يعرفون تأويل رؤيا الملك « قال » يوسف في جوابه معبرا و معلما أما البقرات السبع العجاف و السنابل السبع اليابسات فالسنون الجدبة و أما السبع السمان و السنابل السبع الخضر فإنهن سبع سنين مخصبات ذوات نعمة و أنتم تزرعون فيها فذلك قوله « تزرعون سبع سنين دأبا » أي فازرعوا سبع سنين متوالية عن ابن عباس أي زراعة متوالية في هذه السنين على عادتكم في الزراعة سائر السنين و قبل دأبا أي بجد و اجتهاد في الزراعة و يجوز أن يكون حالا فيكون معناه تزرعون دائبين « فما حصدتم » من الزرع « فذروه » اتركوه « في سنبله » لا تذروه و لا تدوسوه « إلا قليلا مما تأكلون » و إنما أمرهم بذلك ليكون أبقى و أبعد من الفساد يعني أن ما

(5/364)


أردتم أكله فدوسوه و اتركوا الباقي في السنبل و قيل إنما أمرهم بذلك لأن السنبل لا يقع فيه سوس و لا يهلك و إن بقي مدة من الزمان و إذا صفي أسرع إليه الهلاك « ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد » أي سبع سنين مجدبات صعاب تشد على الناس « يأكلن ما قدمتم لهن » معناه تأكلن فيها ما قدمتم في السنين المخصبة لتلك السنين و إنما أضاف الأكل إلى السنين لأنه يقع فيها كما قال الشاعر :
نهارك يا مغرور سهو و غفلة
و ليلك نوم و الردى لك لازم
و سعيك فيما سوف تكره غبه
كذلك في الدنيا تعيش البهائم و قيل أراد بالأكل الإفناء و الإهلاك كما يقال أكل السير لحم الناقة أي ذهب به قال زيد بن أسلم كان يوسف يصنع طعام اثنين فيقربه إلى رجل فيأكل نصفه حتى كان ذات يوم قربه إليه فأكله كله فقال هذا أول يوم من السبع الشداد « إلا قليلا مما تحصنون » معناه إلا شيئا قليلا مما تحرزون و تدخرون « ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس » معناه ثم يأتي من بعد هذه السنين الشداد عام فيه يمطر الناس من الغيث و قيل يغاثون من الغوث و الغياث أي ينقذون و ينجون من القحط « و فيه يعصرون » الثمار التي تعصر في الخصب كالعنب و الزيت و السمسم عن ابن عباس و مجاهد و قتادة ينجون من الجدب من العصرة و العصر و الاعتصار الالتجاء قال عدي بن زيد :
لو بغير الماء حلقي شرق
كنت كالغصان بالماء اعتصاري و هذا القول من يوسف إخبار بما لم يسألوه منه و لم يكن في رؤيا الملك بل هو مما أطلعه الله تعالى عليه من علم الغيب ليكون من آيات نبوته ( ع ) قال البلخي و هذا التأويل من يوسف يدل على بطلان قول من يقول إن الرؤيا على ما عبرت أولا لأنهم كانوا قالوا هي أضغاث أحلام فلو كان ما قالوه صحيحا لكان يوسف لا يتأولها .

(5/365)


وَ قَالَ المَْلِك ائْتُونى بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسولُ قَالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّك فَسئَلْهُ مَا بَالُ النِّسوَةِ الَّتى قَطعْنَ أَيْدِيهُنَّ إِنَّ رَبى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ(50) قَالَ مَا خَطبُكُنَّ إِذْ رَوَدتُّنَّ يُوسف عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَش للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سوء قَالَتِ امْرَأَت الْعَزِيزِ الْئََنَ حَصحَص الْحَقُّ أَنَا رَوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الصدِقِينَ(51) ذَلِك لِيَعْلَمَ أَنى لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَ أَنَّ اللَّهَ لا يهْدِى كَيْدَ الخَْائنِينَ(52) * وَ مَا أُبَرِّىُ نَفْسى إِنَّ النَّفْس لأَمَّارَةُ بِالسوءِ إِلا مَا رَحِمَ رَبى إِنَّ رَبى غَفُورٌ رَّحِيمٌ(53)
القراءة
قرأ ما بال النسوة بضم النون الأعشى و البرجمي عن أبي بكر عن عاصم و الباقون بكسر النون و هما لغتان و قد تقدم ذكر قراءة أبي عمرو حاشا لله بالألف و مر بيانه .
اللغة
الخطب الأمر الذي يعظم شأنه فيخاطب الإنسان فيه صاحبه يقال هذا خطب جليل قال الزجاج حصحص الحق اشتقاقه من الحصة أي بانت حصة الحق و جهته من حصة الباطل و قال غيره هو مكرر من قولهم حص شعره إذا استأصل قطعه و أزاله عن الرأس فيكون معناه انقطع الحق عن الباطل بظهوره و بيانه و مثله كبوا و كبكبوا و كف الدمع و كفكفه فهو زيادة تضعيف دل عليه الاشتقاق قال :
قد حصت البيضة رأسي فما
أطعم يوما غير تهجاع و حصحص البعير بثفناته في الأرض إذا حرك حتى تستبين آثارها فيه قال حميد :
و حصحص في صم الحصى ثفناته
و رام القيامة ساعة ثم صمما و الكيد الاحتيال سرا لإيصال الضرر إلى الغير .
الإعراب
ذلك مرفوع بالابتداء و إن شئت على خبر الابتداء كأنه قال أمري ذلك و موضع « ما رحم ربي » نصب على الاستثناء .

(5/366)


المعنى
ثم أخبر سبحانه عن إخراج يوسف من السجن فقال « و قال الملك ائتوني به » و في الكلام حذف يدل ظاهره عليه و هو فلما رجع صاحب الشراب و هو رسول الملك إلى الملك بجواب يوسف و تعبيره رؤياه « قال الملك ائتوني به » أي بيوسف الذي عبر رؤياي « فلما جاءه الرسول » أي لما جاء يوسف رسول الملك فقال له أجب الملك أبى يوسف أن يخرج مع الرسول حتى تبين براءته مما قذف به و « قال » للرسول « ارجع إلى ربك » أي سيدك و هو الملك « فسأله ما بال النسوة » أي ما حالهن و ما شأنهن و المعنى فاسأل الملك أن يتعرف حال النسوة « اللاتي قطعن أيديهن » ليعلم صحة براءتي و لم يفرد امرأة العزيز بالذكر حسن عشرة منه و رعاية أدب لكونها زوجة الملك أو زوجة خليفة الملك فخلطها بالنسوة و قيل أنه أرادهن دونها لأنهن الشاهدات له عليها أ لا ترى أنها قالت الآن حصحص الحق و هذا يدل على أن النسوة كن ادعين عليه نحو ما ادعته امرأة العزيز قال ابن عباس لو خرج يوسف يومئذ قبل أن يعلم الملك بشأنه ما زالت في نفس العزيز منه حالة يقول هذا الذي راود امرأتي و قيل أشفق يوسف من أن يراه الملك بعين مشكوك في أمره متهم بفاحشة فأحب أن يراه بعد أن يزول عن قلبه ما كان فيه و روي عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال لقد عجبت من يوسف و كرمه و صبره و الله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف و السمان و لو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني من السجن و لقد عجبت من يوسف و صبره و كرمه و الله يغفر له حين أتاه الرسول فقال ارجع إلى ربك و لو كنت مكانه و لبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة و بادرتهم الباب و ما ابتغيت العذر إنه كان لحليما ذا أناة « إن ربي بكيدهن عليم » أي إن الله عالم بكيدهن قادر على إظهار براءتي و قال إن سيدي الذي هو العزيز عليم بكيدهن استشهده فيما علم من حاله عن أبي مسلم و الأول هو الوجه « قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه » معناه أن الرسول رجع إلى الملك و أخبره بما قاله يوسف (عليه السلام) فأرسل إلى النسوة و دعاهن و قال لهن ما شأنكن و ما أمركن إذا طلبتن يوسف عن نفسه و دعوتنه إلى أنفسكن « قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء » هذه كلمة تنزيه أي نزهن يوسف مما اتهم به فقلن معاذ الله و عياذا بالله من هذا الأمر و ما علمنا عليه من سوء و خيانة و ما فعل شيئا مما نسب إليه و اعترفن ببراءته و بأنه حبس مظلوما « قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق » أي ظهر و تبين و حصل على أمكن وجوهه عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و كان معناه انقطع الحق عن الباطل بظهوره و بيانه « أنا راودته عن نفسه و إنه لمن الصادقين » في قوله هي راودتني عن نفسي اعترفت بالكذب على نفسها فيما اتهم يوسف به و إنما حملها على الصدق انقطاع طمعها منه فجمع الله ليوسف في إظهار براءته و نزاهته عما قذف به بين الشهادة و الإقرار حتى لا يبقى موضع شك

(5/367)


« ذلك ليعلم » هذا من كلام يوسف أي ذلك الذي فعلت من ردي رسول الملك إليه في شأن النسوة ليعلم الملك أو العزيز « أني لم أخنه بالغيب » في زوجته أي في حال غيبته عني عن الحسن و مجاهد و قتادة و الضحاك و أبي مسلم و اتصل كلام يوسف بكلام امرأة العزيز لظهور الدلالة على المعنى و نظيره قوله تعالى و جعلوا أعزة أهلها أذلة و كذلك يفعلون و قوله يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره و هو من كلام الملأ ثم قال فما ذا تأمرون و هو حكاية عن قول فرعون قال الفراء و هذا من أغمض ما يأتي في الكلام أن يحكي عن واحد ثم يعدل إلى شيء آخر من قول آخر لم يجر له ذكر و قيل بل هو من كلام امرأة العزيز أي ذلك الإقرار ليعلم يوسف أني لم أخنه في غيبته بتوريك الذنب عليه و إن خنته بحضرته و عند مشاهدته عن الجبائي « و أن الله لا يهدي كيد الخائنين » أي لا يهديهم في كيدهم و مكرهم « و ما أبرىء نفسي » هذا من كلام يوسف عند أكثر المفسرين و قيل بل هو من كلام امرأة العزيز عن الجبائي أي ما أبرىء نفسي عن السوء و الخيانة في أمر يوسف « إن النفس لأمارة بالسوء » أي كثيرة الأمر بالسوء و الشهوة قد تدعو الإنسان إلى المعصية و الألف و اللام للجنس فيكون المعنى أن كل النفوس كذلك و يجوز أن يكون للعهد فيكون المعنى أن نفسي بهذه الصفة « إلا ما رحم ربي » أي إلا من رحمه الله تعالى فعصمه بأن لطف له فيكون ما بمعنى من كقوله ما طاب لكم و يجوز أن يكون معناه إلا مدة ما عصم ربي و من قال إنه من كلام يوسف قال إنه أراد الدعاء و المنازعة و الشهوة و لم يرد العزم على المعصية أي لا أبرىء نفسي مما لا تعرى منه طباع البشر و إنما امتنعت عن الفاحشة بحول الله و لطفه و هدايته لا بنفسي قال الحسن إنما قال و ما أبرىء نفسي لأنه كره أن يكون قد زكى نفسه « إن ربي غفور » بعباده « رحيم » بهم .

(5/368)


وَ قَالَ الْمَلِك ائْتُونى بِهِ أَستَخْلِصهُ لِنَفْسى فَلَمَّا كلَّمَهُ قَالَ إِنَّك الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ(54) قَالَ اجْعَلْنى عَلى خَزَائنِ الأَرْضِ إِنى حَفِيظٌ عَلِيمٌ(55) وَ كَذَلِك مَكَّنَّا لِيُوسف فى الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنهَا حَيْث يَشاءُ نُصِيب بِرَحمَتِنَا مَن نَّشاءُ وَ لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ(56) وَ لأَجْرُ الاَخِرَةِ خَيرٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ(57)
القراءة
قرأ ابن كثير حيث نشاء بالنون و الباقون بالياء .
الحجة
قال أبو علي من قرأ بالياء فيشاء مسند إلى الغائب كما أن يتبوأ كذلك و يقوي ذلك قوله و أورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فكما أن قوله نشاء وفق لفعل المتبوئين كذلك قوله « حيث يشاء » وفق لقوله « يتبوأ » و من قرأ بالنون فإنه على أحد وجهين إما أن يكون أسند المشيئة إليه و هو ليوسف في المعنى لأن مشيئته لما كانت بقوته و إقداره عليه جاز أن ينسب إلى الله و إن كانت ليوسف في المعنى كما قال سبحانه و ما رميت إذ رميت و لكن الله رمى فأضيف الرمي إلى الله لما كان بقوته و إن كان الرمي للنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و الآخر أن يكون الموضع المتبوأ موضع نسك و قرب فالمكث فيه قربة إلى الله تعالى فهو يشاؤه و يريده فأما اللام في قوله « مكنا ليوسف » و قوله إنا مكنا له في الأرض فيجوز أن يكون على حد التي في قوله ردف لكم و للرؤيا تعبرون يدل على ذلك قوله و لقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه و قوله « يتبوأ » في موضع نصب على الحال تقديره مكناه متبوءا حيث يشاء و أما قوله « حيث يشاء » فيحتمل موضعه أمرين أحدهما أن يكون في موضع نصب بأنه ظرف و الآخر أن يكون في موضع نصب بأنه مفعول به و يدل على جواز هذا الوجه قول الشماخ :
و حلاءها عن ذي الأراكة عامر
أخو الحضر يرضى حيث تكبو النواحز .
اللغة
الاستخلاص طلب خلوص الشيء من شائب الاشتراك كأنه يريد أن يكون خالصا له و في حديث سلمان الفارسي ( رض ) أنه كاتبه أهله على أربعين أوقية خلاص أي ما أخلصته النار من الذهب و كذلك الخلاصة ، و المكين من المكانة و أصله التمكن في الأمر يقال مكن مكانة فهو مكين إذا كان له قدر و جاه يتمكن بهما مما يروم و التبوء اتخاذ منزل يرجع إليه و أصله من باء يبوء إذا رجع .
المعنى
« و قال الملك ائتوني به » معناه أن الملك لما تبين له أمانة يوسف و براءته من السوء و علمه أمر بإحضاره فقال ائتوني به « أستخلصه لنفسي » أي أجعله خالصا لنفسي أرجع إليه في تدبير مملكتي و أعمل على إشارته في مهمات أموري « فلما كلمه » هاهنا حذف معناه فلما جاء الرسول يوسف و دعاه خرج من السجن و دخل على الملك و كلمه

(5/369)


و عرف فضله و أمانته و عقله لأنه استدل بكلامه على عقله و بعفته على أمانته « قال إنك اليوم لدينا مكين أمين » أي إنك عندنا ذو مكانة متمكن في المنزلة و القدر نافذ القول و الأمر ظاهر الأمانة مأمون ثقة قال ابن عباس يريد مكنتك من ملكي و جعلت سلطانك فيه كسلطاني و ائتمنتك فيه قال الكلبي أن رسول الملك جاءه فقال له قم فإن الملك يدعوك و ألق ثياب السجن عنك و البس ثيابا جددا فأقبل يوسف و تنظف من درن السجن و لبس ثيابه و أتى الملك و هو يومئذ ابن ثلاثين سنة فلما رآه الملك شابا حدث السن قال يا غلام هذا تأويل رؤياي و لم يعلمه السحرة و لا الكهنة قال نعم فأقعده قدامه و قص عليه رؤياه و روي أن يوسف لما خرج من السجن دعا لأهله و قال اللهم اعطف عليهم بقلوب الأخيار و لا تعم عليهم الأخبار فلذلك يكون أصحاب السجن أعرف الناس بالأخبار في كل بلدة و كتب على باب السجن هذا قبور الأحياء و بيت الأحزان و تجربة الأصدقاء و شماتة الأعداء قال وهب و لما وقف بباب الملك قال حسبي ربي من دنياي و حسبي ربي من خلقه عز جاره و جل ثناؤه و لا إله غيره و لما دخل على الملك قال اللهم إني أسألك بخيرك من خيره و أعوذ بك من شره و شر غيره و لما نظر إليه الملك سلم عليه يوسف بالعربية فقال له الملك ما هذا اللسان قال لسان عمي إسماعيل ثم دعا له بالعبرانية فقال له الملك ما هذا اللسان قال لسان آبائي قال وهب و كان الملك يتكلم بسبعين لسانا فكلما كلم يوسف بلسان أجابه بذلك اللسان فأعجب الملك ما رأى منه فقال له إني أحب أن أسمع رؤياي منك شفاها فقال يوسف نعم أيها الملك رأيت سبع بقرات سمان شهب غر حسان كشف لك عنهن النيل فطلعن عليك من شاطئه تشخب أخلافهن لبنا فبينا تنظر إليهن و يعجبك حسنهن إذ نضب النيل فغار ماؤه و بدأ يبسه فخرج من حمئة و وحلة سبع بقرات عجاف شعث غبر مقلصات البطون ليس لهن ضروع و لا أخلاف و لهن أنياب و أضراس و أكف كأكف الكلام و خراطيم كخراطيم السباع فاختلطن بالسمان فافترستهن افتراس السبع فأكلن لحومهن و مزقن جلودهن و حطمن عظامهن و تمششن مخهن فبينا أنت تنظر و تتعجب إذا سبع سنابل خضر و أخر سود في منبت واحد عروقهن في الثرى و الماء فبينا أنت تقول في نفسك أنى هذا و هؤلاء خضر مثمرات و هؤلاء سود يابسات و المنبت واحد و أصولهن في الماء إذ هبت ريح فذرت الأرفات من اليابسات السود على الثمرات الخضر فاشتعلت فيهن النار و أحرقتهن و صرن سودا متغيرات فهذا آخر ما رأيت من الرؤيا ثم انتبهت من نومك مذعورا فقال الملك و الله ما شأن هذه الرؤيا و إن كانت عجبا بأعجب مما سمعته منك فما ترى في رؤياي أيها الصديق فقال يوسف أرى أن تجمع الطعام و تزرع زرعا كثيرا

(5/370)


في هذه السنين المخصبة و تبني الأهراء و الخزائن فتجمع الطعام فيها بقصبة و سنبله ليكون قصبه و سنبله علفا للدواب و تأمر الناس فيرفعون من طعامهم الخمس فيكفيك من الطعام الذي جمعته لأهل مصر و من حولها و يأتيك الخلق من النواحي فيمتارون منك بحكمك و يجتمع عندك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد ذلك فقال الملك و من لي بهذا و من يجمعه و يبيعه و يكفي الشغل فيه فعند ذلك « قال » يوسف « اجعلني على خزائن الأرض » الألف و اللام في الأرض للعهد دون الجنس يعني اجعلني على خزائن أرضك حافظا و واليا و اجعل تدبيرها إلي ف « إني حفيظ » أي حافظ لما استودعتني لحفظه عن أن تجري فيه خيانة « عليم » بمن يستحق منها شيئا و من لا يستحق فأضعها مواضعها عن قتادة و ابن إسحاق و الجبائي و قيل حفيظ عليم أي كاتب حاسب عن وهب و قيل حفيظ للتقدير في هذه السنين الجدبة عليم بوقت الجوع حين يقع عن الكلبي و قيل حفيظ للحساب عالم بالألسن و ذلك أن الناس يفدون من كل ناحية و يتكلمون بلغات مختلفة عن السدي و في هذا دلالة على أنه يجوز للإنسان أن يصف نفسه بالفضل عند من لا يعرفه فإنه عرف الملك حاله ليقيمه في الأمور التي في إيالتها صلاح العباد و البلاد و لم يدخل بذلك تحت قوله سبحانه فلا تزكوا أنفسكم قالوا فقال الملك و من أحق به منك فولاه ذلك و قيل أن الملك الأكبر فوض إليه أمر مصر و دخل بيته و عزل قطفير و جعل يوسف مكانه و قيل إن قطفير هلك في تلك الليالي فزوج الملك يوسف راعيل امرأة قطفير العزيز فدخل بها يوسف فوجدها عذراء و لما دخل عليها قال أ ليس هذا خيرا مما كنت تريدين و ولدت له أفرائيم و ميشا و استوثق ليوسف ملك مصر و قيل أنه لم يتزوجها يوسف و أنها لما رأته في موكبه بكت و قالت الحمد لله الذي جعل الملوك بالمعصية عبيدا و العبيد بالطاعة ملوكا فضمها إليه و كانت من عياله حتى ماتت عنده و لم يتزوجها و في تفسير علي بن إبراهيم بن هاشم قال لما مات العزيز و ذلك في السنين الجدبة افتقرت امرأة العزيز و احتاجت حتى سألت الناس فقالوا لها ما يضرك لو قعدت للعزيز و كان يوسف يسمى العزيز و كل ملك كان لهم سموه بهذا الاسم فقالت أستحي منه فلم يزالوا بها حتى قعدت له فأقبل يوسف في موكبه فقامت إليه زليخا و قالت سبحان من جعل الملوك بالمعصية عبيدا و العبيد بالطاعة ملوكا فقال لها يوسف أ أنت تيك قالت نعم و كان اسمها زليخا فقال لها هل لك في قالت دعني بعد ما يئست أ تهزأ بي قال لا قالت نعم قال فأمر بها فحولت إلى منزله و كانت هرمة فقال لها يوسف أ لست فعلت بي كذا و كذا قالت يا نبي الله لا تلمني

(5/371)


فإني بليت في بلاء لم يبل به أحد قال و ما هو قالت بليت بحبك و لم يخلق الله لك نظيرا في الدنيا و بليت بأنه لم تكن بمصر امرأة أجمل مني و لا أكثر مالا مني و بليت بزوج عنين فقال لها يوسف فما حاجتك قالت تسأل الله أن يرد علي شبابي فسأل الله فرد عليها فتزوجها و هي بكر و روي عن ابن عباس عن رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لولاه من ساعته و لكنه أخر ذلك سنة قال ابن عباس فأقام في بيت الملك سنة فلما انصرمت السنة من يوم سأل الإمارة دعاه الأمير فتوجه و رداه بسيفه و أمر بأن يوضع له سرير من ذهب مكلل بالدر و الياقوت و يضرب عليه كلة من استبرق ثم أمره أن يخرج متوجا لونه كالثلج و وجهه كالقمر يرى الناظر وجهه في صفاء لون وجهه فانطلق حتى جلس على السرير و دانت له الملوك فعدل بين الناس فأحبه الرجال و النساء و ذلك قوله عز اسمه « و كذلك مكنا ليوسف في الأرض » أي و مثل ذلك الإنعام الذي أنعمنا عليه أقدرنا يوسف على ما يريد في الأرض يعني أرض مصر « يتبوأ منها حيث يشاء » أي يتصرف فيها حيث يشاء و ينزل منها حيث يشاء « نصيب برحمتنا من نشاء » أي نخص بنعم الدين و الدنيا من نشاء « و لا نضيع أجر المحسنين » أي المطيعين و قيل الصابرين عن ابن عباس و قيل أنه دعا الملك إلى الإسلام فأسلم عن مجاهد و غيره قالوا و أسلم أيضا كثير من الناس فهذا في الدنيا « و لأجر الآخرة » أي ثواب الآخرة « خير للذين آمنوا و كانوا يتقون » لخلوصه عن الشوائب و الأقذار و في هذه إشارة إلى أنه سبحانه يؤتي يوسف في الآخرة من الثواب و الدرجات ما هو خير مما آتاه الله في الدنيا من الملك و النعمة ( سؤال ) قالوا كيف جاز ليوسف أن يطلب الولاية من قبل الكفرة الظلمة و جوابه لأنه علم أنه يتمكن بذلك من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و وضع الحقوق مواضعها و قد جعل الله سبحانه جميع ذلك له من جهة كونه نبيا إماما و كان يفعل ذلك من قبل الله تعالى و إنما سأل الولاية ليتمكن من الأمور التي له أن يفعلها و أيضا فإنه علم أنه سبب يتوصل به إلى الدعاء إلى الخير و إلى رؤية والديه و إخوته و في الآية دلالة على أن ذلك التمكين و الملك و التدبير كان بلطف الله سبحانه و فضله و فيها دلالة أيضا على جواز تولي القضاء من جهة الباغي و الظالم إذا يتمكن بذلك من إقامة أحكام الدين و في قوله « يتبوأ منها حيث يشاء » دلالة على أن تصرفه كان باختياره من غير رجوع إلى الملك و أنه صار بحيث لا أمر عليه و في كتاب النبوة بالإسناد عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن علي بن بنت إلياس قال سمعت الرضا (عليه السلام) يقول و أقبل يوسف على جمع الطعام فجمع في السبع السنين المخصبة فكبسه في الخزائن فلما مضت تلك السنون و أقبلت المجدبة أقبل يوسف على بيع الطعام فباعهم في السنة الأولى بالدراهم

(5/372)


و الدنانير حتى لم يبق بمصر و ما حولها دينار و لا درهم إلا صار في مملكة يوسف و باعهم في السنة الثانية بالحلي و الجواهر حتى لم يبق بمصر و ما حولها حلي و لا جوهر إلا صار في مملكته و باعهم في السنة الثالثة بالدواب و المواشي حتى لم يبق بمصر و ما حولها دابة و لا ماشية إلا صارت في مملكته و باعهم في السنة الرابعة بالعبيد و الإماء حتى لم يبق بمصر عبد و لا أمة إلا صار في مملكته و باعهم في السنة الخامسة بالدور و العقار حتى لم يبق بمصر و ما حولها دار و لا عقار إلا صار في مملكته و باعهم في السنة السادسة بالمزارع و الأنهار حتى لم يبق بمصر و ما حولها نهر و لا مزرعة إلا صار في مملكته و باعهم في السنة السابعة برقابهم حتى لم يبق بمصر و ما حولها عبد و لا حر إلا صار عبد يوسف فملك أحرارهم و عبيدهم و أموالهم و قال الناس ما رأينا و لا سمعنا بملك أعطاه الله من الملك ما أعطى هذا الملك حكما و علما و تدبيرا ثم قال يوسف للملك أيها الملك ما ترى فيما خولني ربي من ملك مصر و أهلها أشر علينا برأيك فإني لم أصلحهم لأفسدهم و لم أنجهم من البلاء لأكون بلاء عليهم و لكن الله تعالى أنجاهم على يدي قال له الملك الرأي رأيك قال يوسف إني أشهد الله و أشهدك أيها الملك إني قد أعتقت أهل مصر كلهم و رددت عليهم أموالهم و عبيدهم و رددت عليك أيها الملك خاتمك و سريرك و تاجك على أن لا تسير إلا بسيرتي و لا تحكم إلا بحكمي قال له الملك إن ذلك لزيني و فخري أن لا أسير إلا بسيرتك و لا أحكم إلا بحكمك و لولاك ما قويت عليه و لا اهتديت له و لقد جعلت سلطانا عزيزا لا يرام و أنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أنك رسوله فأقم على ما وليتك فإنك لدينا مكين أمين و قيل إن يوسف (عليه السلام) كان لا يمتلىء شبعا من الطعام في تلك الأيام المجدبة فقيل له تجوع و بيدك خزائن الأرض فقال (عليه السلام) أخاف أن أشبع فأنسى الجياع .

(5/373)


وَ جَاءَ إِخْوَةُ يُوسف فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَ هُمْ لَهُ مُنكِرُونَ(58) وَ لَمَّا جَهَّزَهُم بجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونى بِأَخ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ أَ لا تَرَوْنَ أَنى أُوفى الْكَيْلَ وَ أَنَا خَيرُ الْمُنزِلِينَ(59) فَإِن لَّمْ تَأْتُونى بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَ لا تَقْرَبُونِ(60) قَالُوا سنرَوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَ إِنَّا لَفَعِلُونَ(61) وَ قَالَ لِفِتْيَنِهِ اجْعَلُوا بِضعَتهُمْ فى رِحَالهِِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونهَا إِذَا انقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(62)
القراءة
قرأ أهل الكوفة غير أبي بكر « لفتيانه » و الباقون لفتيته .
الحجة
قال أبو علي الفتية جمع فتى في العدد القليل و الفتيان في الكثير و مثل فتية إخوة و ولدة في جمع أخ و ولد و نيرة و قيعة في جمع نار و قاع و مثل فتيان برقان و خربان في جمع برق و خرب و جيران و تيجان في جمع جار و تاج و قد يقوم البناء الذي للقليل مقام الذي للكثير و كذلك يقوم الكثير مقام القليل حيث لا قلب و لا إعلال و ذلك نحو أرجل و أقدام و أرسان و في الكثير قولهم ثلاثة شسوع فإذا فعل ذلك فيما لا إعلال فيه فأن يرفض فيما يؤدي إلى الإعلال و القلب أولى .
اللغة
جهاز البيت متاعه و جهزت فلانا هيأت جهاز سفره و منه جهاز المرأة و الرحال أراد به الأوعية واحدها رحل و جمعها القليل أرحل قال ابن الأنباري يقال للوعاء رحل و للمسكن رحل و أصله الشيء المعد للرحيل من وعاء المتاع و مركب البعير و حلس و رسن .
المعنى
ثم أخبر سبحانه أنه لما تمكن يوسف بمصر و أصاب الناس ما أصابهم من القحط و قصدوا مصر نزل ب آل يعقوب ما نزل بالناس فجمع يعقوب بنيه و قال لهم بلغني أنه يباع الطعام بمصر و أن صاحبه رجل صالح فاذهبوا إليه فإنه سيحسن إليكم إن شاء الله فتجهزوا و ساروا حتى وردوا مصر فدخلوا على يوسف فذلك قوله « و جاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم و هم له منكرون » أي جاءوا ليمتاروا من مصر كما أمتار غيرهم و دخلوا عليه و هم عشرة و أمسك ابن يامين أخا يوسف لأمه فعرفهم يوسف و أنكروه قال ابن عباس و كان بين أن قذفوه في الجب و بين أن دخلوا عليه أربعين سنة فلذلك أنكروه و لأنهم رأوه ملكا جالسا على السرير عليه ثياب الملوك و لم يكن يخطر ببالهم أنه يصير إلى تلك الحالة و كان يوسف ينتظر قدومهم عليه فكان أثبت لهم فلما نظر إليهم يوسف و كلموه بالعبرانية قال لهم من أنتم و ما أمركم فإني أنكر شأنكم و في تفسير علي بن إبراهيم فلما جهزهم و أعطاهم و أحسن إليهم في الكيل قال لهم من أنتم قالوا نحن قوم من أرض الشام رعاة أصابنا الجهد فجئنا نمتار فقال لعلكم عيون جئتم تنظرون عورة بلادي فقالوا لا و الله ما نحن بجواسيس و إنما نحن إخوة بنو أب واحد و هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن و لو تعلم

(5/374)


بأبينا لكرمنا عليك فإنه نبي الله و ابن أنبيائه و إنه لمحزون قال و ما الذي أحزنه فلعل حزنه إنما كان من قبل سفهكم و جهلكم قالوا يا أيها الملك لسنا بسفهاء و لا جهال و لا أتاه الحزن من قبلنا و لكنه كان له ابن كان أصغرنا سنا و أنه خرج يوما معنا إلى الصيد فأكله الذئب فلم يزل بعده حزينا كئيبا باكيا فقال لهم يوسف كلكم من أب و أم قالوا أبونا واحد و أمهاتنا شتى قال فما حمل أباكم على أن سرحكم كلكم ألا حبس واحدا منكم يستأنس به قالوا قد فعل حبس منا واحدا و هو أصغرنا سنا لأنه أخو الذي هلك من أمه فأبونا يتسلى به قال فمن يعلم أن الذي تقولونه حق قالوا يا أيها الملك إنا ببلاد لا يعرفنا أحد فقال يوسف فائتوني بأخيكم الذي من أبيكم إن كنتم صادقين و أنا أرضى بذلك قالوا إن أبانا يحزن على فراقه و سنراوده عنه قال فدعوا عندي رهينة حتى تأتوني بأخيكم فاقترعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون و قيل أن يوسف اختار شمعون لأنه كان أحسنهم رأيا فيه فخلفوه عنده فذلك قوله « و لما جهزهم بجهازهم » يعني حمل لكل رجل منهم بعيرا بعدتهم « قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم » يعني ابن يامين « أ لا ترون إني أوف الكيل » أي لا أبخس الناس شيئا و أتم لهم كيلهم « و أنا خير المنزلين » أي المضيفين مأخوذ من النزل و هو الطعام و قيل خير المنزلين للأمور منازلها فتدخل فيه الضيافة و غيرها مأخوذ من المنزل و هو الدار « فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي » أي ليس لكم عندي طعام أكيله عليكم و المراد بالكيل المكيل « و لا تقربون » أي و لا تقربوا داري و بلادي خلط (عليه السلام) الوعد بالوعيد « قالوا سنراود عنه أباه » أي نطلبه و نسأله أن يرسله معنا قال ابن عباس معناه نستخدعه عنه حتى يخرجه معنا « و إنا لفاعلون » ما أمرتنا به قال و كان يوسف أمر ترجمانا يعرف العبرانية أن يكلمهم و كان لا يكلمهم بنفسه ليشبه عليه فإنهم لو عرفوه ربما كانوا يهيمون في الأرض حياء من أبيهم فيتركون خدمته و كان في معرفتهم إياه مفسدة « و قال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم » أي قال يوسف لعبيدة و غلمانه الذين يكيلون الطعام عن قتادة و غيره و قيل لأعوانه اجعلوا ثمن طعامهم و ما كانوا جاءوا به في أوعيتهم و قيل كانت بضاعتهم النعال و الأدم و قيل كانت الورق عن قتادة « لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم » أي لعلهم يعرفون متاعهم إذا رجعوا إلى أهلهم « لعلهم يرجعون » بعد ذلك لطلب الميرة مرة أخرى و إنما فعل ذلك ليعرفوا أن يوسف إنما فعل ذلك إكراما لهم ليرجعوا إليه و قيل أنه خاف أن لا يكون عندهم من الورق ما يرجعون به مرة أخرى عن الكلبي و قيل أنه رأى لؤما أخذ ثمن الطعام من أبيه و إخوته مع حاجتهم إليه فرده عليهم من حيث لا يعلمون تفضلا و كرما و قيل فعل ذلك لأنه علم أن ديانتهم و أمانتهم تحملهم على رد بضاعتهم إذا وجدوها في رحالهم و لا يعرفون أن الملك أمر

(5/375)


بذلك فيرجعون ليردوا ذلك عليه و متى قيل كيف لم يعرفهم يوسف نفسه مع علمه بشدة حزن أبيه و قلقه و احتراقه على ألم فراقه فالجواب أنه لم يؤذن له في التعريف استتماما للمحنة عليه و على يعقوب و لما علم الله تعالى من الحكمة و الصلاح في تشديد البلية تعريضا للمنزلة السنية و قيل إنما لم يعرفهم بنفسه لأنهم لو عرفوه ربما لم يرجعوا إليه و لم يحملوا أخاه إليه و الأول هو الوجه الصحيح .
فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قَالُوا يَأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكتَلْ وَ إِنَّا لَهُ لَحَفِظونَ(63) قَالَ هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلا كمَا أَمِنتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللَّهُ خَيرٌ حَفِظاً وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّحِمِينَ(64) وَ لَمَّا فَتَحُوا مَتَعَهُمْ وَجَدُوا بِضعَتَهُمْ رُدَّت إِلَيهِمْ قَالُوا يَأَبَانَا مَا نَبْغِى هَذِهِ بِضعَتُنَا رُدَّت إِلَيْنَا وَ نَمِيرُ أَهْلَنَا وَ نحْفَظ أَخَانَا وَ نَزْدَادُ كَيْلَ بَعِير ذَلِك كيْلٌ يَسِيرٌ(65) قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكمْ حَتى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِّنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنى بِهِ إِلا أَن يحَاط بِكُمْ فَلَمَّا ءَاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ(66)
القراءة
قرأ يكتل بالياء أهل الكوفة غير عاصم و الباقون بالنون و قرأ « خير حافظا » بالألف أهل الكوفة غير أبي بكر و الباقون حفظا بغير ألف و في الشواذ قراءة علقمة و يحيى ردت إلينا بكسر الراء .
الحجة
قال أبو علي يدل على النون في نكتل قوله « و نمير أهلنا و نحفظ أخانا و نزداد كيل بعير » أ لا ترى أنهم إنما يميرون أهلهم بما يكتالون فيكون نكتل مثل نمير و أيضا فإذا قالوا نكتل جاز أن يكون أخوهم داخلا معهم و إذا كان بالياء لم يدخلوهم فيه و زعموا أن

(5/376)


في قراءة عبد الله نكتل بالنون و كان النون لقولهم منع منا الكيل لغيبة أخينا فأرسله نكتل ما منعناه لغيبته و وجه الياء أنه يكتل حمله كما نكتال نحن أحمالنا و وجه من قرأ خير حفظا أنه قد ثبت من قوله و نحفظ أخانا و قوله « و إنا له لحافظون » أنهم قد أضافوا إلى أنفسهم حفظا فالمعنى على الحفظ الذي نسبوه إلى أنفسهم و إن كان منهم تفريط في حفظهم ليوسف كما أن قوله أين شركائي لم يثبت لله شريكا و إنما المعنى على الشركاء الذين نسبتموهم إلي فكذلك المعنى على الحفظ الذي نسبوه إلى أنفسهم و إن كان منهم تفريط فيه فإذا كان كذلك كان المعنى فالله خير حفظا من حفظكم الذي نسبتموه إلى أنفسكم و إن كان منكم فيه تفريط و إضافة خير إلى حفظ محال و لكن تقول حفظ الله خير من حفظكم و من قرأ « حافظا » فيكون حافظا منتصبا على التمييز دون الحال كما كان حفظا كذلك و لا يستحيل الإضافة في فالله خير حافظ و خير الحافظين كما يستحيل في خير حفظا فإن قلت فهل كان ثم حافظ كما ثبت أنه كان حفظ لما قدمته فالقول أنه قد ثبت أنه كان ثم حافظ لقوله « و إنا له لحافظون » و لقوله يحفظونه من أمر الله فتقول حافظ الله خير من حافظكم كما كان حفظ الله خير من حفظكم لأن الله سبحانه حافظه كما أن له حفظا فحافظه خير من حافظكم كما كان حفظه خيرا من حفظكم و تقول هو أحفظ حافظ كما تقول هو أرحم راحم لأنه سبحانه من الحافظين كما كان من الراحمين و أما قوله « ردت » فإن فعل من المضاعف و المعتل العين يجيء على ثلاثة أوجه عندهم لغة فاشية و أخرى تليها و ثالثها قليلة فأقوى اللغات في المضاعف ضم أوله كشد و عد و رد ثم يليه الإشمام و هو بين ضم الأول و كسره ثم قوله شد و رد بإخلاص الكسرة و هو الأقل و أقوى اللغات في المعتل العين كسر أوله نحو قيل و بيع ثم يليه الإشمام بين الضمة و الكسرة و الثالثة إخلاص الضمة نحو قول و بوع و أنشد لذي الرمة :
دنا البين من مي فردت جمالها
و هاج الهوى تقويضها و احتمالها .
اللغة
يقال كلت فلانا أي أعطيته الشيء كيلا و اكتلت عليه أخذت منه و الأمن اطمئنان القلب إلى سلامة الأمر يقال أمنه يأمنه أمنا و الميرة الأطعمة التي تحمل من بلد إلى بلد و يقال مرتهم أميرهم ميرا إذا أتيتهم بالميرة و مثله امترتهم امتيارا قال :
بعثتك مائرا فمكثت حولا
متى يأتي غياثك من يغيث .
الإعراب
قال الزجاج حفظا منصوب على التمييز و « حافظا » على الحال و يجوز أن

(5/377)


يكون « حافظا » على التمييز و ما في قوله « ما نبغي » استفهام موضعه نصب و المعنى أي شيء تريد و يكون المراد به الجحد و يجوز أن يكون ما أيضا نفيا كأنهم قالوا ما نبغ شيئا و موضع أن يحاط بكم نصب و المعنى إلا الإحاطة بكم أي تمتنوا من الإتيان به إلا لهذا و هذا يسمى مفعولا له قال الزجاج و إلا هذه بمعنى تحقيق الجزاء تقول ما تأتينا إلا لأخذ الدراهم و إلا أن تأخذ الدراهم .
المعنى
« فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل » قيل أنهم لما دخلوا على يعقوب و سلموا عليه سلاما ضعيفا فقال لهم يا بني ما لكم تسلمون سلاما ضعيفا و ما لي لا أسمع فيكم صوت شمعون فقالوا يا أبانا إنا جئناك من عند أعظم الناس ملكا و لم ير الناس مثله حكما و علما و خشوعا و سكينة و وقارا و لئن كان لك شبيه فإنه يشبهك و لكنا أهل بيت خلقنا للبلاء إنه اتهمنا و زعم أنه لا يصدقنا حتى ترسل معنا بابن يامين برسالة منك إليه ليخبره من حزنك و ما الذي أحزنك و عن سرعة الشيب إليك و ذهاب بصرك و قوله « منع منا الكيل » معناه منع منا فيما يستقبل إن لم نأته بأخينا لقوله فلا كيل لكم عندي « فأرسل معنا أخانا » ابن يامين « نكتل » أي نأخذ الطعام بالكيل إن أرسلته اكتلنا و إلا فمنعنا الكيل و من قرأ يكتل بالياء فالمعنى يأخذ أخونا ابن يامين وقر بعير يكتال له « و إنا له لحافظون » من أن يصيبه سوء و مكروه « قال » يعقوب « هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل » أي لا آمنكم على ابن يامين في الذهاب به إلا كامني على يوسف ضمنتم لي حفظه ثم ضيعتموه أو أهلكتموه أو غيبتموه عني و إنما قرعهم بحديث يوسف و إلا فقد كان يعلم أنهم في هذه الحال لا يفعلون ما لا يجوز « فالله خير حافظا » أي حفظ الله خير من حفظكم « و هو أرحم الراحمين » يرحم ضعفي و كبر سني و يرده علي و ورد في الخبر أن الله سبحانه قال فبعزتي لأردنهما إليك من بعد ما توكلت علي « و لما فتحوا متاعهم » يعني أوعية الطعام « وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي » أي ما نطلب في منع أخينا عنه و قيل معناه ما نطلب بما أخبرناك عن ملك مصر الكذب و قيل معناه أي شيء نطلب وراء هذا أوفى لنا الكيل ورد علينا الثمن عن قتادة و أراد أن تطيب نفس يعقوب فيبعث ابنه معهم و تم الكلام ثم قالوا ابتداء « هذه بضاعتنا ردت إلينا » أي فلا ينبغي أن نخاف على أخينا ممن قد أحسن إلينا هذا الإحسان و قيل المراد ما نريد منك دراهم تعطيناها نرجع بها إليه بل تكفينا في الرجوع إليه بضاعتنا هذه فإن الملك إذا فعلنا ما أمرنا به في أخينا يفي بما وعدنا و أرسله معنا « و نمير أهلنا » أي نجلب إليهم الطعام « و نحفظ أخانا » في السفر حتى نرده إليك

(5/378)


« و نزداد كيل بعير » لأجله لأنه كان يكال لكل رجل وقر بعير « ذلك كيل يسير » أي ذلك كيل سهل أي يسهل على الذي يمضي إليه عن الزجاج و المعنى أنه هين على الملك لا يصعب عليه و لا يظهر في ماله و قيل معناه إن الذي جئناك به كيل قليل لا يقنعنا فنحتاج أن نضيف إليه كيل بعير أخينا عن الجبائي و قيل يسير على من يكتاله لا مئونة فيه و لا مشقة عن الحسن و هذا كله تنبيه منهم على وجه الصواب في إرساله معهم فلما رأى يعقوب (عليه السلام) رده البضاعة و تحقق عنه إكرام الملك إياهم و عزم على إرسال ابن يامين معهم « قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله » أي تعطونني ما يوثق به من يمين أو عهد من الله « لتأتنني به » أي لتردنه إلى قال ابن عباس يعني حق تحلفوا لي بحق محمد خاتم النبيين (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و سيد المرسلين أي لا تغدروا بأخيكم و لتأتنني به اللام فيه لجواب القسم « إلا أن يحاط بكم » أي إلا أن تهلكوا جميعا عن مجاهد و قيل إلا أن تغلبوا حتى لا تطيقوا ذلك عن قتادة و المعنى إلا أن يحال بينكم و بينه حتى لا تقدروا على الإتيان به عن الزجاج « فلما آتوه موثقهم » أي أعطوه عهودهم و حلفوا له بحق محمد و منزلته من ربه عن ابن عباس « قال » يعقوب « الله على ما نقول وكيل » أي شاهد حافظ إن أخلفتم انتصف لي منكم و في هذا دلالة على وجوب التوكل على الله سبحانه في جميع المهمات و التفويض إليه في كل الأمور و فيها دلالة أيضا على أن يعقوب (عليه السلام) إنما أرسل ابن يامين معهم لأنه علم أنهم لما كبروا ندموا على ما كان فرط منهم في أمر يوسف و لم يصروا على ذلك و لهذا وثق بهم و إنما عيرهم بحديث يوسف حثا لهم على حفظ أخيهم .
وَ قَالَ يَبَنىَّ لا تَدْخُلُوا مِن بَاب وَحِد وَ ادْخُلُوا مِنْ أَبْوَب مُّتَفَرِّقَة وَ مَا أُغْنى عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شىْء إِنِ الحُْكْمُ إِلا للَّهِ عَلَيْهِ تَوَكلْت وَ عَلَيْهِ فَلْيَتَوَكلِ الْمُتَوَكلُونَ(67) وَ لَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْث أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كانَ يُغْنى عَنْهُم مِّنَ اللَّهِ مِن شىْء إِلا حَاجَةً فى نَفْسِ يَعْقُوب قَضاهَا وَ إِنَّهُ لَذُو عِلْم لِّمَا عَلَّمْنَهُ وَ لَكِنَّ أَكثرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ(68)

(5/379)


اللغة
الغنى الكفاية في المال لأنه اكتفى به و ربما مد لضرورة الشعر و الغناء بكسر الغين المد من الصوت يقال منه غني يغني غناء و الغناء بالفتح و المد الكفاية و غني عن كذا فهو غان و غني القوم في دراهم أقاموا و المغاني المنازل لأنهم اكتفوا بها و الغانية المرأة لأنها تكتفي بزوجها عن غيره أو بجمالها عن التزين .
المعنى
« و » لما تجهزوا للمسير « قال » يعقوب « يا بني لا تدخلوا » مصر « من باب واحد و ادخلوا من أبواب متفرقة » خاف عليهم العين لأنهم كانوا ذوي الجمال و هيئة و كمال و هم إخوة أولاد رجل واحد عن ابن عباس و الحسن و قتادة و الضحاك و السدي و أبي مسلم و قيل خاف عليهم حسد الناس إياهم و إن يبلغ الملك قوتهم و بطشهم فيحبسهم أو يقتلهم خوفا على ملكه عن الجبائي و أنكر العين و ذكر أنه لم يثبت بحجة و جوزه كثير من المحققين و رووا فيه الخبر عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أن العين حق و العين تستنزل الحالق و الحالق المكان المرتفع من الجبل و غيره فجعل (عليه السلام) العين كأنها تحط ذروة الجبل من قوة أخذها و شدة بطشها و ورد في الخبر أنه (عليه السلام) كان يعوذ الحسن و الحسين (عليهماالسلام) بأن يقول أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان و هامة و من كل عين لأمة و روي أن إبراهيم (عليه السلام) عوذ ابنيه و إن موسى عوذ ابني هارون بهذه العوذة و روي أن بني جعفر بن أبي طالب كانوا غلمانا بيضا فقالت أسماء بنت عميس يا رسول الله إن العين إليهم سريعة أ فأسترقي لهم من العين فقال (صلى الله عليهوآلهوسلّم) نعم و روي أن جبرائيل (عليه السلام) رقى رسول الله و علمه الرقية و هي بسم الله أرقيك من كل عين حاسد الله يشفيك و روي عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنه قال لو كان يسبق القدر لسبقته العين ثم اختلفوا في وجه الإصابة بالعين فروي عن عمرو بن بحر الجاحظ أنه قال لا ينكر أن ينفصل من العين الصائبة إلى الشيء المستحسن أجزاء لطيفة فتتصل به و تؤثر فيه فيكون هذا المعنى خاصية في بعض الأعين كالخواص في الأشياء و قد اعترض على ذلك بأنه لو كان كذلك لما اختص ذلك ببعض الأشياء دون بعض و لأن الأجزاء تكون جواهر و الجواهر متماثلة و لا يؤثر بعضها في بعض و قال أبو هاشم أنه فعل الله بالعادة لضرب من المصلحة و هو قول القاضي و رأيت في شرح هذا للشريف الأجل الرضي الموسوي قدس الله روحه كلاما أحببت إيراده في هذا الموضع قال إن الله تعالى يفعل المصالح بعباده على حسب ما يعلمه من الصلاح لهم في تلك الأفعال التي يفعلها فغير ممتنع أن يكون تغييره نعمة زيد مصلحة لعمرو و إذا كان يعلم من حال عمرو أنه لو لم يسلب زيدا نعمته أقبل على الدنيا بوجهه و نأى عن الآخرة بعطفه و إذا

(5/380)


سلب نعمة زيد للعلة التي ذكرناها عوضه فيها و أعطاه بدلا منها عاجلا أو آجلا فيمكن أن يتأول قوله (عليه السلام) العين حق على هذا الوجه على أنه قد روي عنه (عليه السلام) ما يدل على أن الشيء إذا عظم في صدور العباد وضع الله قدره و صغر أمره و إذا كان الأمر على هذا فلا ينكر تغيير حال بعض الأشياء عند نظر بعض الناظرين إليه و استحسانه له و عظمه في صدره و فخامته في عينه كما روي أنه قال لما سبقت ناقته العضباء و كانت إذا سوبق بها لم تسبق ما رفع العباد من شيء إلا وضع الله منه و يجوز أن يكون ما أمر به المستحسن للشيء عند رؤيته من تعويذه بالله و الصلاة على رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قائما في المصلحة مقام تغيير حالة الشيء المستحسن فلا يغير عند ذلك لأن الرائي لذلك قد أظهر الرجوع إلى الله تعالى و الإعاذة به فكأنه غير راكن إلى الدنيا و لا مغتر بها انتهى كلامه رضي الله عنه « و ما أغني عنكم من الله من شيء » أي و ما أدفع من قضاء الله من شيء أن كان قد قضي عليكم الإصابة بالعين أو غير ذلك « إن الحكم إلا لله عليه توكلت » فهو القادر على أن يحفظكم من العين أو من الحسد و يردكم علي سالمين « و عليه فليتوكل المتوكلون » أي و ليفوضوا أمورهم إليه و ليثقوا به « و لما دخلوا » مصر « من حيث أمرهم أبوهم » أي من أبواب متفرقة كما أمرهم يعقوب و قيل كان لمصر أربعة أبواب فدخلوها من أبوابها الأربعة متفرقين « ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها » أي لم يكن دخولهم مصر كذلك يغني عنهم أو يدفع عنهم شيئا أراد الله تعالى إيقاعه بهم من حسد أو إصابة عين و هو (عليه السلام) كان عالما أنه لا ينفع حذر من قدر و لكن كان ما قاله لبنيه حاجة في قلبه فقضى يعقوب تلك الحاجة أي أزال به اضطراب قلبه لأن لا يحال على العين مكروه يصيبهم و قيل معناه أن العين لو قدر أن تصيبهم لأصابتهم و هم متفرقون كما تصيبهم مجتمعين عن الزجاج قال و حاجة استثناء ليس من الأول بمعنى لكن حاجة « و إنه لذو علم » أي ذو يقين و معرفة بالله « لما علمناه » أي لأجل تعليمنا إياه عن مجاهد مدحه الله سبحانه بالعلم و المعنى أنه حصل له العلم بتعليمنا إياه و قيل و أنه لذو علم لما علمناه أي يعلم ما علمناه فيعمل به لأن من علم شيئا و لا يعمل به كان كمن لا يعلم فعلى هذا يكون اللام في قوله « لما علمناه » كاللام في قوله « للرؤيا تعبرون » « و لكن أكثر الناس لا يعلمون » مرتبة يعقوب في العلم عن الجبائي و قيل لا يعلم المشركون ما ألهم الله أولياءه عن ابن عباس .

(5/381)


وَ لَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسف ءَاوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنى أَنَا أَخُوك فَلا تَبْتَئس بِمَا كانُوا يَعْمَلُونَ(69) فَلَمَّا جَهَّزَهُم بجَهَازِهِمْ جَعَلَ السقَايَةَ فى رَحْلِ أَخِيهِ ثمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسرِقُونَ(70) قَالُوا وَ أَقْبَلُوا عَلَيْهِم مَّا ذَا تَفْقِدُونَ(71) قَالُوا نَفْقِدُ صوَاعَ الْمَلِكِ وَ لِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِير وَ أَنَا بِهِ زَعِيمٌ(72) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فى الأَرْضِ وَ مَا كُنَّا سرِقِينَ(73) قَالُوا فَمَا جَزؤُهُ إِن كُنتُمْ كذِبِينَ(74) قَالُوا جَزؤُهُ مَن وُجِدَ فى رَحْلِهِ فَهُوَ جَزؤُهُ كَذَلِك نجْزِى الظلِمِينَ(75) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثمَّ استَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِك كِدْنَا لِيُوسف مَا كانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فى دِينِ الْمَلِكِ إِلا أَن يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَت مَّن نَّشاءُ وَ فَوْقَ كلِّ ذِى عِلْم عَلِيمٌ(76)
القراءة
في الشواذ قراءة أبي رجاء صواع الملك بفتح الصاد و قراءة أبي عبد الله بن عوف صوع بضم الصاد بغير ألف و قراءة يحيى بن يعمر صوغ بفتح الصاد و الغين معجمة و قراءة أبي هريرة و مجاهد بخلاف صاع الملك و القراءة المشهورة « صواع الملك » و قراءة الحسن من وعاء أخيه بضم الواو و قراءة سعيد بن جبير إعاء أخيه بالهمزة و قرأ يعقوب و سهل يرفع و يشاء بالياء و الباقون بالنون و قرأ أهل الكوفة درجات بالتنوين و الباقون بغير تنوين و في الشواذ قراءة ابن مسعود فوق كل ذي عالم عليم .
] الحجة [ الصواع و الصاع و الصوع واحد و هو مكيال و أما الصوع فمصدر وضع موضع اسم المفعول أي المصوع و هو مثل الخلق و الصيد بمعنى المخلوق و المصيد و من قرأ إعاء فأصله وعاء أبدلت الواو المكسورة همزة كما قالوا في وسادة إسادة و في وجاح للستر أجاح و من قرأ وعاء بالضم فإنه يكون لغة و الهمزة فيه أقيس كما قالوا أعد في وعدوا

(5/382)


وجوه في وجوه و من قرأ « درجات » بالتنوين فإن من يكون في موضع نصب على معنى نرفع من نشاء درجات و من قرأها بغير تنوين فإن من يكون في موضع جر بالإضافة و قال ابن جني إن قراءة من قرأ و فوق كل ذي عالم عليم يحتمل ثلاثة أوجه أحدها أن يكون من باب إضافة المسمى إلى الاسم أي و فوق كل شخص يسمى عالما أو يقال له عالم عليم مثل قول الكميت :
إليكم ذوي آل النبي تطلعت
نوازع من قلبي ظماء و ألبب أي إليكم يا آل النبي أي يا أصحاب هذا الاسم الذي هو آل النبي و عليه قول الأعشى :
فكذبوها بما قالت فصبحهم
ذو آل حسان يزجي الموت و الشرعا أي صبحهم الجيش الذي يقال له آل حسان و الوجه الثاني أن يكون عالم مصدرا كالباطل و غيره و الثالث أن يكون على مذهب من اعتقد زيادة ذي فكأنه قال و فوق كل عالم عليم .
اللغة
يقال أوى إلى منزله يأوي أويا إذا صار إليه و آويته أنا إيواء و الابتئاس الاغتمام و اجتلاب البؤس و الحزن و السقاية الإناء التي يسقى منها و هو من السقي و قيل السقاية و الصواع واحد و الأذان و التأذين واحد و هو النداء يسمع بالأذن و يقال أذنته بالشيء أي أعلمته و أذنته أكثرت إعلامه و العير القافلة من الحمير و قيل هو القافلة التي فيها الأجمال و الأصل للحمير ثم كثر فسمي كل قافلة عيرا و قيل العير الإبل السائرة المركوبة و الجمع عيران و الحمل بالكسر لما انفصل و بالفتح لما اتصل و جمعه أحمال و حمول و الزعيم و الكفيل و الضمين نظائر و الزعيم أيضا القائم بأمر القوم و هو الرئيس قالت ليلى الأخيلية :
حتى إذا رفع اللواء رأيته
تحت اللواء على الخميس زعيما .
الإعراب
« تالله » معناه و الله إلا أن التاء تختص باسم الله لا يجوز تالرحمن و تربي و هو بدل من الواو كما أبدل من الواو في تراث و تجاه و تخمة « قالوا جزاؤه من وجد في رحله » ذكر في إعرابه وجهان ( أحدهما ) أن يكون « جزاؤه » مبتدأ و « من وجد في رحله » الخبر و يكون المعنى

(5/383)


جزاء السرق الإنسان الموجود في رحله السرق و يكون قوله « فهو جزاؤه » جملة أخرى ذكرت زيادة في الإبانة كما يقال جزاء السارق القطع فهو جزاؤه زيادة في البيان و على هذا تكون من موصولة و يكون تقديره استرقاق الذي وجد في رحله السرق فحذف المضاف ( و الآخر ) أن يكون جزاؤه مبتدأ و « من وجد في رحله فهو جزاؤه » جملة شرطية في موضع الخبر و العائد على المبتدأ الأول من الجملة الأولى « جزاؤه » من قوله « فهو جزاؤه » فكأنه قال فهو هو أي فهو الجزاء و الإظهار هاهنا أحسن لئلا يقع في الكلام لبس قال الزجاج إن العرب إذا فخمت أمر الشيء جعلت العائدة إليه إعادة اللفظ بعينه و أنشد :
لا أرى الموت يسبق الموت شيء
نغص الموت ذا الغنى و الفقيرا و على هذا فيكون المعنى قالوا جزاء السرق إن وجد في رحل رجل منا فالموجود في رحله السرق جزاؤه استرقاق و قال صاحب الكشف تقديره جزاء المسروق من وجد في رحله أي إنسان وجد الصاع في رحله فمن نكرة و هو مبتدأ ثان و قوله « وجد في رحله » صفة لمن و قوله « فهو جزاؤه » خبر لمن و الجملة خبر قوله « جزاؤه » و التقدير جزاؤه إنسان وجد في رحله الصاع فهو هو إلا أنه وضع الظاهر موضع المضمر قال و ليس في التنزيل من نكرة إلا في هذا الموضع و موضع الكاف من « كذلك كدنا » نصب بأنه صفة مصدر محذوف و موضع « أن يشاء الله » نصب لما سقطت الباء أفضى الفعل إليها فنصب و التقدير إلا بمشيئة الله .
المعنى
ثم أخبر سبحانه عن دخولهم عليه فقال « و لما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه » أي لما دخل أولاد يعقوب على يوسف ضم إليه أخاه من أبيه و أمه ابن يامين و أنزله معه عن الحسن و قتادة و قيل أنهم لما دخلوا عليه قالوا هذا أخونا الذي أمرتنا أن نأتيك به فقال أحسنتم ثم أنزلهم و أكرمهم ثم أضافهم و قال ليجلس كل بني أم على مائدة فجلسوا فبقي ابن يامين قائما فردا فقال له يوسف ما لك لا تجلس قال إنك قلت ليجلس كل بني أم على مائدة و ليس لي فيهم ابن أم فقال يوسف أ فما كان لك ابن أم قال بلى قال يوسف فما فعل قال زعم هؤلاء أن الذئب أكله قال فلما بلغ من حزنك عليه قال ولد لي أحد عشر ابنا كلهم اشتققت له اسما من اسمه فقال له يوسف أراك قد عانقت النساء و شممت الولد من بعده قال ابن يامين إن لي أبا صالحا و قد قال لي تزوج لعل الله يخرج منك ذرية تثقل الأرض بالتسبيح فقال له يوسف تعال فاجلس معي على مائدتي فقال إخوة يوسف لقد فضل الله يوسف و أخاه حتى أن الملك قد أجلسه معه على مائدته روي ذلك عن الصادق (عليه السلام) « قال إني أنا أخوك » أي أطلعه على أنه أخوه و قيل أنه قال أنا أخوك مكان أخيك الهالك و لم يعترف له بالنسبة و لم

(5/384)


يطلعه على أنه أخوه و لكنه أراد أن يطيب نفسه « فلا تبتئس بما كانوا يعملون » أي فلا تسكن و لا تحزن لشيء سلف من إخوتك إليك عن وهب و السدي « فلما جهزهم بجهازهم » أي فلما أعطاهم ما جاءوا لطلبه من الميرة و كال لهم الطعام الذي جاءوا لأجله و جعل لكل منهم حمل بعير و يسمى حمل التاجر جهازا « جعل السقاية في رحل أخيه » معناه أمر حتى جعل الصاع في متاع أخيه و إنما أضاف الله تعالى ذلك إليه لوقوعه بأمره و قيل إن السقاية هي المشربة التي كان يشرب منها الملك ثم جعل صاعا في السنين الشداد القحاط يكال به الطعام و قيل كان من ذهب عن ابن زيد و روي ذلك عن أبي عبد الله (عليه السلام) و قيل كان من فضة و ذهب عن ابن عباس و الحسن و قيل كان من فضة مرصعة بالجواهر عن عكرمة ثم ارتحلوا و انطلقوا « ثم أذن مؤذن » أي نادى مناد مسمعا معلما « أيتها العير » أي القافلة و التقدير يا أهل العير و قيل كانت القافلة من الحمير عن مجاهد « إنكم لسارقون » قيل إنما قال ذلك بعض من فقد الصاع من قوم يوسف من غير أمره و لم يعلم بما أمر به يوسف من جعل الصاع في رحالهم عن الجبائي و قيل إن يوسف أمر المنادي بأن ينادي به و لم يرد به سرقة الصاع و إنما عنى به إنكم سرقتم يوسف عن أبيه و ألقيتموه في الجب عن أبي مسلم و قيل إن الكلام يجوز أن يكون خارجا مخرج الاستفهام كأنه قال أ إنكم لسارقون فأسقط همزة الاستفهام كما في قول الشاعر :
كذبتك عينك أم رأيت بواسط
غلس الظلام من الرباب خيالا .
و يؤيده ما روى هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال ما سرقوا و لا كذب و متى قيل كيف جاز ليوسف (عليه السلام) أن يحزن والده و إخوته بهذا الصنيع و يجعلهم متهمين بالسرقة فالجواب إن الغرض فيه التسبب إلى احتباس أخيه عنده و يجوز أن يكون ذلك بأمر الله تعالى و روي أنه أعلم أخاه بذلك ليجعله طريقا إلى التمسك به و إذا كان إدخال هذا الحزن سببا مؤديا إلى إزالة غموم كثيرة عن الجميع و لا شك أنه يتعلق به المصلحة فقد ثبت جوازه فأما التعريض للتهمة بالسرقة فغير صحيح لأن وجود السقاية في رحله يحتمل أمورا كثيرة غير السرقة فعلى هذا من حمله على السرقة مع علمه بأنهم أولاد الأنبياء توجهت اللائمة عليه « قالوا » أي قال أصحاب العير « و أقبلوا عليهم » أي على أصحاب يوسف « ما ذا تفقدون » أي ما الذي فقدتموه من متاعكم « قالوا نفقد صواع الملك » أي صاعه

(5/385)


و سقايته « و لمن جاء به حمل بعير » أي و قال المنادي من جاء بالصاع فله حمل بعير من الطعام « و أنا به زعيم » أي كفيل ضامن « قالوا » أي قال إخوة يوسف « تالله لقد علمتم » أيها القوم « ما جئنا لنفسد في الأرض و ما كنا سارقين » قط و إنما أضافوا العلم إليهم بذلك مع أنهم لم يعلموه لأن معنى هذا القول إنكم قد ظهر لكم من حسن سيرتنا و معاملتنا معكم مرة بعد أخرى ما تعلمون به أنه ليس من شأننا السرقة و قيل إنهم قالوا ذلك لأنهم ردوا البضاعة التي وجدوها في رحالهم مخافة أن يكون قد وضع ذلك بغير إذن يوسف أي فإذا كنا تحرجنا عن هذا فقد علمتم أنا لا نسرق لأن من رد ما وجد لا يكون سارقا عن الكلبي و قيل إنهم لما دخلوا مصر وجدوهم قد شدوا أفواه دوابهم كي لا تتناول الحرث و الزرع و في هذا دلالة على أن ما فعله إخوة يوسف به إنما كان في حال الصغر و عدم كمال العقل لنفيهم عن أنفسهم الفساد الذي هو ضد الصلاح « قالوا فما جزاؤه » أي قال الذين نادوهم فما جزاء السرق « إن كنتم كاذبين » في قولكم إنا لم نسرق و ظهرت السرقة و قيل معناه فما جزاء من سرق « قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه » أي قال إخوة يوسف جزاء السرق السارق و هو الإنسان الذي وجد المسروق في رحله و قد بينا تقديره فيما قبل و معناه إن السنة في بني إسرائيل و عند الملك كان استرقاق السارق عن الحسن و السدي و ابن إسحاق و الجبائي و كان يسترق سنة و قيل كان حكم السارق في آل يعقوب أن يستخدم و يسترق على قدر سرقته و في دين الملك الضرب و الضمان عن الضحاك و قيل إن يوسف سألهم ما جزاء السارق عندكم فقالوا أن يؤخذ بسرقته « كذلك نجزي الظالمين » أي مثل ما ذكرنا من الجزاء نجزي السارقين يعني إذا سرق و استرق و قيل إن ذلك جواب يوسف (عليه السلام) لقول إخوته إن جزاء السارق استرقاقه « فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه » أي بدأ يوسف في التفتيش بأوعيتهم لإزالة التهمة « ثم استخرجها » يعني السقاية « من وعاء أخيه » و إنما بدأ بأوعيتهم لأنه لو بدأ بوعاء أخيه لعلموا أنه هو الذي جعلها فيه و إنما قال استخرجها لأنه أراد به السقاية و حيث قال و لمن جاء به أراد به الصاع و قيل إن الصاع يذكر و يؤنث قالوا فأقبلوا على ابن يامين و قالوا له فضحتنا و سودت وجوهنا متى أخذت هذا الصاع فقال وضع هذا الصاع في رحلي الذي وضع الدراهم في رحالكم « كذلك كدنا ليوسف » أي مثل ذلك الكيد أمرنا يوسف ليكيد بما يتهيأ له أن يحبس أخاه ليكون ذلك سببا لوصول خبره إلى أبيه أي ألهمنا يوسف هذا الكيد و الحيلة فجازيناهم على كيدهم بيوسف أي كما فعلوا في الابتداء فعلنا بهم و قيل إن معنى كدنا صنعنا ليوسف عن ابن عباس و قيل ألهمنا عن الربيع و قيل دبرنا ليوسف بدلالة قوله « و فوق كل ذي علم عليم » على أنه سبحانه علم من صلاح

(5/386)


هذا التدبير ما لم يعلمه غيره عن القتيبي « ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله » أي ما كان يمكنه أن يأخذ أخاه في حكم الملك و قضائه و أن يحبسه إذ لم يكن ذلك من حكم ملك مصر و أهله عن قتادة و قيل في دين الملك في سلطانه عن ابن عباس و قيل في عادته في جزاء من سرق أن يستعبد و قيل إنه كان عادلا و لو لا هذه الحيلة لما كان يمكنه من أخذ أخيه إلا أن يشاء الله أن يجعل ليوسف عذرا فيما فعل و قيل إلا أن يشاء الله أن يأمره بذلك لأنه كان لا يمكنه أن يقول هذا أخي و كان لا يمكنه حبسه من غير حيلة لأنه كان يكون فعله ظلما و كان من سنة آل يعقوب أن يسترق و في حكم الملك و أهل مصر أن يضرب و يعزم و حبسه يوسف على قولهم و التزم حكمهم الذي جرى على لسانهم مبالغة في نفي السرقة عن أنفسهم و كان ذلك مراده و قد شاء الله لأنه بأمره عن الحسن و إنما سماه كيدا لأنه لو لا هذا السبب لم يتهيأ له أخذه و الكيد ما يفعله فاعله ليوصل به إلى غيره ضررا من حيث لا يعلمه أو لينال منه شيئا من غير أن يعلمه « نرفع درجات من نشاء » بالعلم و النبوة كما رفعنا درجة يوسف على إخوته و قيل بالتقوى و التوفيق و العصمة و الألطاف الجميلة « و فوق كل ذي علم عليم » يعني أن كل عالم فإن فوقه عالما أعلم منه حتى ينتهي إلى الله تعالى العالم بجميع المعلومات لذاته فيقف عليه و لا يتعداه و في هذا دلالة على بطلان قول من يقول إن الله سبحانه عالم بعلم قديم لأنه لو كان كذلك لكان فوقه عليم على ما يقتضيه الظاهر .

(5/387)


* قَالُوا إِن يَسرِقْ فَقَدْ سرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسرَّهَا يُوسف فى نَفْسِهِ وَ لَمْ يُبْدِهَا لهَُمْ قَالَ أَنتُمْ شرُّ مَّكاناً وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ(77) قَالُوا يَأَيهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكانَهُ إِنَّا نَرَاك مِنَ الْمُحْسِنِينَ(78) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلا مَن وَجَدْنَا مَتَعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذاً لَّظلِمُونَ(79) فَلَمَّا استَيْئَسوا مِنْهُ خَلَصوا نجِيًّا قَالَ كبِيرُهُمْ أَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقاً مِّنَ اللَّهِ وَ مِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فى يُوسف فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْض حَتى يَأْذَنَ لى أَبى أَوْ يحْكُمَ اللَّهُ لى وَ هُوَ خَيرُ الحَْكِمِينَ(80)
اللغة
اليأس قطع الطمع من الأمر يقال يئس ييأس و أيس يأيس لغة و استفعل مثل استيئس و استأيس و روى أبو ربيعة عن البزي عن ابن كثير استيئسوا منه و استيئس الرسل و يئس و استيئس بمعنى مثل سخر و استسخر و عجب و استعجب و النجي القوم يتناجون الواحد و الجمع فيه سواء قال سبحانه « و قربناه نجيا » و إنما جاز ذلك لأنه مصدر وصف به و المناجاة المسارة و أصله من النجوة و هو المرتفع من الأرض فإنه رفع السر من كل واحد إلى صاحبه في خفية و النجوى يكون اسما و مصدرا قال سبحانه و إذ هم نجوى أي يتناجون و قال في المصدر إنما النجوى من الشيطان و جمع النجي أنجية قال :
إني إذا ما القوم كانوا أنجية و برح الرجل براحا إذا تنحى عن موضعه .
الإعراب
قوله « فأسرها يوسف في نفسه و لم يبدها لهم » قال الزجاج هذا إضمار على شريطة التفسير لأن قوله تعالى « أنتم شر مكانا » بدل من ها في أسرها و المعنى فأسرها يوسف في نفسه قوله « أنتم شر مكانا » قال أبو علي أن الإضمار على شريطة التفسير يكون على ضربين ( أحدهما ) أن يفسر بفرد نحو نعم رجلا زيد فقولك رجلا تفسير للرجل الذي هو فاعل نعم و قد أضمر ( و الآخر ) أن يفسر بجملة و أصل هذا يقع في الابتداء كقوله فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا و قل هو الله أحد المعنى القصة أبصار الذين كفروا شاخصة و الأمر الله أحد ثم تدخل عوامل المبتدأ عليه نحو كان و أخواتها و إن و أخواتها فينتقل هذا الضمير من الابتداء بها كما ينتقل سائر المبتدءات كقوله إنه من يأت ربه مجرما فإنها لا تعمى الأبصار و قول الشاعر :
و ليس منها شفاء الداء مبذول و الذي ذهب أبو إسحاق فيه إلى أنه مضمر على شريطة التفسير ليس بمبتدإ فيلزمه التفسير بالجملة أ لا ترى أنها فضلة مذكورة بعد فعل و فاعل و هو قوله أسر فإذا كان مباينا لما أصله المبتدأ لم يجز أن يفسر تفسيره و أيضا فإن المضمر على شريطة التفسير لا يكون إلا متعلقا بالجملة التي يفسرها و لا يكون منقطعا عنها و لا متعلقا بجملة غيرها و ما ذكره أبو إسحاق فالتفسير فيه منفصل عن الجملة التي فيها الضمير الذي

(5/388)


زعم أنه إضمار على شريطة التفسير فخرج بذلك عما يكون عليه الإضمار قبل التفسير فإن قلت فعلى م تحمل الضمير في « أسرها » قلنا يحتمل أن يكون إضمارا للإجابة كأنهم لما قالوا « إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل » أسر يوسف إجابتهم في نفسه و لم يبدها لهم في الحال و جاز إضمار ذلك لأنه دل ما تقدم من مقالتهم عليه و جاز أن يكون إضمارا للمقالة كأنه أسر يوسف مقالتهم لأن القول و المقالة واحد و يكون معنى المقالة المقول كما أن الخلق عبارة عن المخلوق أي أكنها في نفسه و أوعاها و لم يطرحها إرادة للتوبيخ عليها و المجازاة بها انتهى تلخيص كلام أبي علي و قوله « شيخا » صفة الأب و الكبير صفة الشيخ و « معاذ الله » منصوب على المصدر و العرب تقول معاذ الله و معاذة الله و عوذنا الله و عوذة الله و عياذ الله و يقولون اللهم عائذا بك أي أدعوك عائذا بك و أن تأخذ في موضع نصب و المعنى أعوذ بالله من أخذ أحد إلا من وجدنا متاعنا عنده فلما سقطت من أفضى الفعل فنصب عن الزجاج و قوله « إنا إذا لظالمون » فيه معنى الجزاء أي إن أخذنا غيره فنحن ظالمون و نجيا نصب على الحال و ما في قوله « ما فرطتم » لغو أي و من قبل فرطتم و يجوز أن تكون مصدرية في موضع رفع بمعنى تفريطكم واقع من قبل فيكون « ما فرطتم في يوسف » في موضع رفع بالابتداء و من قبل خبره و يجوز أن يكون في موضع نصب عطفا على أن ، فيكون المعنى أ لم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا و تفريطكم في يوسف و يحكم عطف على يأذن و يجوز أن يكون بمعنى إلا أن أي لن أبرح الأرض إلا أن يحكم الله لي .
المعنى
ثم أخبر سبحانه عن إخوة يوسف أنهم « قالوا » ليوسف « إن يسرق » ابن يامين « فقد سرق أخ له » من أمه « من قبل » فليست سرقته بأمر بديع فإنه اقتدى بأخيه يوسف و اختلف فيما وصفوه به من السرقة على أقوال فقيل إن عمة يوسف كانت تحضنه بعد وفاة أمه و تحبه حبا شديدا فلما ترعرع أراد يعقوب أن يسترده منها و كانت أكبر ولد إسحاق و كانت عندها منطقة إسحاق و كانوا يتوارثونها بالكبر فاحتالت و جاءت بالمنطقة و شدتها على وسط يوسف و ادعت أنه سرقها و كان من سنتهم استرقاق السارق فحبسته بذلك السبب عندها عن ابن عباس و الضحاك و الجبائي و قد روي ذلك عن أئمتنا (عليهم السلام) و قيل إنه سرق صنما لجده من قبل أمه فكسره و ألقاه على الطريق عن سعيد بن جبير و قتادة و ابن زيد و قيل إنه سرق دجاجة كانت في بيت يعقوب أو بيضة فأعطاها سائلا فعيروه بها عن سفيان بن عيينة و مجاهد « فأسرها يوسف في نفسه » أي فأخفى يوسف تلك الكلمة التي قالوها « و لم يبدها لهم » أي لم يظهرها « قال أنتم شر مكانا » في السرق لأنكم سرقتم أخاكم من أبيكم « و الله

(5/389)


أعلم بما تصفون » أي و الله أعلم أ سرق أخ له أم لا عن الزجاج و يكون المعنى أنتم أسوأ حالا من يوسف فإنه لم يكن له صنيع في المنطقة و كان يتصدق بإذن أبيه و لم تكونوا براء مما عاملتموه به و قيل معناه أنتم شر صنيعا بما أقدمتم عليه من ظلم أخيكم و عقوق أبيكم فأنتم شر مكانا عند الله منه أي أسر هذه المقالة في نفسه ثم جهر بقوله « و الله أعلم بما تصفون » قال الحسن لم يكونوا أنبياء في ذلك الوقت و إنما أعطوا النبوة بعد ذلك و الصحيح عندنا أنهم لم يكونوا أنبياء لأن النبي عندنا لا يجوز أن يقع منه فعل القبيح أصلا و قال البلخي إنهم كذبوا في هذا القول و لم يصح أنهم كانوا أنبياء و جوز أن يكون الأسباط غيرهم أو أن يكونوا من أولادهم « قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه » أي بدلا عنه إنما قالوا هذا لما علموا أنه استحقه فسألوه أن يأخذ عنه بدلا شفقة على والدهم و رققوا في القول على وجه الاسترحام و معناه كبيرا في السن و قيل كبيرا في القدر لا يحبس ابن مثله « إنا نراك من المحسنين » إلى الناس و قيل من المحسنين إلينا في الكيل و رد البضاعة و في الضيافة و نحن نأمل هذا منك لإحسانك إلينا و قيل إن فعلت هذا فقد أحسنت إلينا فأجابهم يوسف بأن « قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده » أي أعوذ بالله أن آخذ البريء بجرم السقيم و قال من وجدنا متاعنا عنده و لم يقل من سرق تحرزا من الكذب « إنا إذا لظالمون » أي لو فعلنا ذلك لكنا ظالمين و في هذا دلالة على أن أخذ البريء بالمجرم ظلم و من فعله كان ظالما و الله يتعالى و يجل عن ذلك علوا كبيرا « فلما استيئسوا منه » أي فلما يئس إخوة يوسف من يوسف أن يجيبهم إلى ما سألوه من تخلية سبيل ابن يامين معهم « خلصوا نجيا » أي انفردوا عن الناس من غير أن يكون معهم من ليس منهم يتناجون فيما يعملون في ذهابهم إلى أبيهم من غير أخيهم و يتدبرون في أنهم يرجعون أم يقيمون و تلخيصه اعتزلوا عن الناس متناجين و هذا من ألفاظ القرآن التي هي في الغاية القصوى من الفصاحة و الإيجاز في اللفظ مع كثرة المعنى « قال كبيرهم » و هو روبين و كان أسنهم و هو ابن خالة يوسف و هو الذي نهى إخوته عن قتله عن قتادة و السدي و الضحاك و كعب و قيل شمعون و هو كبيرهم في العقل و العلم لا في السن و كان رئيسهم عن مجاهد و قيل يهوذا و كان أعقلهم عن وهب الكلبي و قيل لاوي عن محمد بن إسحاق و عن علي بن إبراهيم بن هاشم « أ لم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله » أراد به الوثيقة التي طلبها منهم يعقوب حين قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به فذكرهم ذلك « و من قبل ما فرطتم في يوسف » أي قصرتم في أمره و كنتم قد عاهدتم أباكم أن تردوه إليه سالما فنقضتم العهد « فلن أبرح الأرض » أي لا أزال بهذه الأرض و لا أزول عنها و هي أرض مصر « حتى يأذن لي أبي » في البراح و الرجوع إليه « أو

(5/390)


يحكم الله لي » بالخروج و ترك أخي هاهنا و قيل بالموت و قيل بما يكون عذرا لنا عند أبينا عن أبي مسلم و قيل بالسيف حتى أحارب من حبس أخي عن الجبائي « و هو خير الحاكمين » لا يحكم إلا بالحق قالوا إنه قال لهم أنا أكون هاهنا و احملوا أنتم الطعام إليهم فأخبروهم بالواقعة .
ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَأَبَانَا إِنَّ ابْنَك سرَقَ وَ مَا شهِدْنَا إِلا بِمَا عَلِمْنَا وَ مَا كنَّا لِلْغَيْبِ حَفِظِينَ(81) وَ سئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتى كنَّا فِيهَا وَ الْعِيرَ الَّتى أَقْبَلْنَا فِيهَا وَ إِنَّا لَصدِقُونَ(82) قَالَ بَلْ سوَّلَت لَكُمْ أَنفُسكُمْ أَمْراً فَصبرٌ جَمِيلٌ عَسى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنى بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكيمُ(83) وَ تَوَلى عَنهُمْ وَ قَالَ يَأَسفَى عَلى يُوسف وَ ابْيَضت عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ(84) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكرُ يُوسف حَتى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَلِكِينَ(85) قَالَ إِنَّمَا أَشكُوا بَثى وَ حُزْنى إِلى اللَّهِ وَ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ(86) يَبَنىَّ اذْهَبُوا فَتَحَسسوا مِن يُوسف وَ أَخِيهِ وَ لا تَايْئَسوا مِن رَّوْح اللَّهِ إِنَّهُ لا يَايْئَس مِن رَّوْح اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ(87)
القراءة
في الشواذ قراءة ابن عباس سرق بضم السين و تشديد الراء و كسرها و قراءة الحسن و قتادة و عمر بن عبد العزيز من روح الله بضم الراء .

(5/391)


الحجة
معنى سرق بضم السين نسب إلى السرقة فيكون من باب فسقه و فجرة و شجعه إذا نسبه إلى هذه الخلال و أما روح الله فيمكن أن يكون من الروح الذي هو من عند الله و بلطفه و هدايته و نعمته .
اللغة
القرية الأرض الجامعة لمساكن كثيرة و أصله من القري و هو الجمع يقال قريت الماء في الحوض و نظيره البلدة و المدينة و العير قد مضى ذكر معناه و الكظم اجتراع الحزن و هو أن يمسكه في قلبه و لا يبثه إلى غيره و يقال ما زلت أفعل كذا و ما فتئت أفعله أفتأ فتا قال أوس بن حجر يصف حربا :
فما فتات خيل تثوب و تدعي
و يلحق منها لاحق و تقطع و الحرض المشرف على الهلاك يقال رجل حرض و حارض أي فاسد في جسمه و عقله و منه حرضته على كذا أمرته به لأنه إذا خالف الأمر فكأنه هلك و أحرضه أي أفسده قال العرجي :
إني امرؤ لج بي حب فأحرضني
حتى بليت و حتى شفني السقم و الحرض لا يثنى و لا يجمع لأنه مصدر و الشكوى صفة ما عنده من البلوى يقال شكوته إلى فلان شكوى و شكاية و شكواء فأشكاني أي أعتبني من شكواي و أشكاني أيضا أخرجني إلى الشكوى و البث الهم الذي لا يقدر صاحبه على كتمانه فيبثه أي يفرقه و كل شيء فرقته فقد بثثته و منه قوله و بث فيها من كل دابة و التحسس طلب الشيء بالحاسة و التجسس نظيره و في الحديث لا تحسسوا و لا تجسسوا و قيل إن معناهما واحد و نسق أحدهما على الآخر لاختلاف اللفظتين كقول الشاعر :
متى أدن منه ينأ عني و يبعد و قيل التجسس بالجيم البحث عن عورات الناس و بالحاء الاستماع لحديث قوم و سئل ابن عباس عن الفرق بينهما قال لا يبعد أحدهما عن الآخر التحسس في الخير و التجسس في الشر و الروح و الراحة و الروح و الرحمة و أصل الباب من الريح التي تأتي بالرحمة .
الإعراب
« اسأل القرية » أي أهل القرية و أهل العير فحذف المضاف و أقام المضاف إليه مقامه « يا أسفى » معناه يا حسرتي و الأصل يا أسفي إلا أن ياء الإضافة يجوز أن يبدل ألفا لخفة الألف و الفتحة و يجوز أن يكون ألف الندبة و يكون معناه لبيان أن الحال حال حزن

(5/392)


فكأنه قال يا أسف هذا من أوانك و قوله « على يوسف » من صلة المصدر « تفتا » معناه لا تفتا حذف حرف النفي لعلم السامع به كما في قول امرىء القيس :
فقلت يمين الله أبرح قاعدا
و لو ضربوا رأسي لديك و أوصالي و إنما جاز ذلك لأنه لا يجوز في القسم تالله تفعل حتى تقول تالله لتفعلن أو تقول لا تفعل .
المعنى
ثم أخبر سبحانه أنه قال كبيرهم في السن أو في العلم « ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق » في الظاهر « و ما شهدنا » عندك بهذا « إلا بما علمنا » أي بما شهدنا من أن الصاع استخرج من رحله في الظاهر و بين بهذا أنهم لم يكونوا قاطعين على أنه سرق و قيل معناه ما شهدنا عند يوسف أن السارق يسترق إلا بما علمنا أن الحكم ذلك و لم نعلم أن ابنك سرق أم لا إلا أنه وجد الصاع عنده فحكم بأنه السارق في الظاهر و إنما قالوا ذلك حين قال يعقوب (عليه السلام) لهم ما يدري الرجل أن السارق يؤخذ بسرقته و يسترق و إنما علم ذلك بقولكم « و ما كنا للغيب حافظين » أي إنا لم نعلم الغيب حين سألناك أن تبعث ابن يامين معنا و لم ندر أن أمره يؤول إلى هذا و إنما قصدنا به الخير و لو علمنا ذلك ما ذهبنا به عن مجاهد و قتادة و الحسن قال علي بن عيسى علم الغيب هو علم من لو شاهد الشيء لشاهده بنفسه لا بأمر يستفيده و العالم بهذا المعنى هو الله وحده جل اسمه و قيل معناه ما كنا لسر هذا الأمر حافظين و به عالمين فلا ندري أنه سرق أم كذبوا عليه و إنما أخبرناك بما شاهدنا عن عكرمة و قيل معناه ما كنا لغيب ابنك حافظين أي إنا كنا نحفظه في محضره و إذا غاب عنا ذهب عن حفظنا يعنون أنه سرق ليلا و هم نيام و الغيب هو الليل بلغة حمير عن ابن عباس قال أي إنا لم نعلم ما كان يصنع في ليله و نهاره و مجيئه و ذهابه « و اسأل القرية » أي أهل القرية « التي كنا فيها » و القرية مصر عن ابن عباس و الحسن و قتادة و معناه سل من شئت من أهل مصر عن هذا الأمر فإن هذا الأمر شائع فيهم يخبرك به من سألته و إنما قالوا ذلك لأن بعض أهلها كانوا قد صاروا إلى الناحية التي كان فيها أبوهم و العرب تسمي الأمصار و المدائن قرى « و العير التي أقبلنا فيها » أي و سل أهل القافلة التي قدمنا فيها و كانوا من أرض كنعان من جيران يعقوب و إنما حذف المضاف للإيجاز و لأن المعنى مفهوم و قيل إنه ليس في الكلام حذف لأن يعقوب (عليه السلام) نبي صاحب معجز

(5/393)


يجوز أن تكلمه القرية و العير على وجه خرق العادة و إنما قالوا ذلك لأنهم كانوا أهل تهمة عند يعقوب « و إنا لصادقون » فيما أخبرناك به « قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا » هاهنا حذف كثير يدل الحال عليه تقديره فلما رجعوا إلى أبيهم و قصوا عليه القصة بطولها قال لهم ما عندي أن الأمر على ما تقولونه بل سولت لكم أنفسكم أمرا فيما أظن « فصبر جميل » أي فأمري صبر جميل لا جزع منه « عسى الله أن يأتيني بهم جميعا » أي عسى الله أن يأتيني بيوسف و ابن يامين و روبيل أو شمعون أو لاوي أو يهوذا « إنه هو العليم » بعباده « الحكيم » في تدبير الخلق « و تولى عنهم » أي انصرف و أعرض عنهم بشدة الحزن لما بلغه خبر حبس ابن يامين و هاج ذلك وجده بيوسف لأنه كان يتسلى به « و قال يا أسفي على يوسف » أي يا طول حزني على يوسف عن ابن عباس و روي عن سعيد بن جبير أنه قال لقد أعطيت هذه الأمة عند المصيبة ما لم يعط الأنبياء قبلهم إنا لله و إنا إليه راجعون و لو أعطيها الأنبياء لأعطيها يعقوب إذ يقول « يا أسفي على يوسف و ابيضت عيناه من الحزن » و البكاء و لما كان البكاء من أجل الحزن أضاف بياض البصر إليه و سئل الصادق (عليه السلام) ما بلغ من حزن يعقوب على يوسف قال حزن سبعين حرى ثكلى قيل كيف و قد أخبر أنه يرد عليه فقال أنسى ذلك و قيل إنه عمي ست سنين عن مقاتل و قيل إنه أشرف على العمى فكان لا يرى إلا شيئا يسيرا « فهو كظيم » و الكظيم هاهنا بمعنى الكاظم و هو المملوء من الهم و الحزن الممسك للغيظ لا يشكوه لأهل زمانه و لا يظهره بلسانه و لذلك لقب موسى بن جعفر (عليه السلام) الكاظم لكثرة ما كان يتجرع من الغيظ و الغم طول أيام خلافته لأبيه في ذات الله تعالى و قال ابن عباس و هو المغموم المكروب « قالوا » أي قال ولد يعقوب لأبيهم « تالله تفتؤا تذكر يوسف » أي لا تزال تذكر يوسف « حتى تكون حرضا » أي دنفا فاسد العقل عن ابن عباس و ابن إسحاق و قيل قريبا من الموت عن مجاهد و قيل هرما باليا عن قتادة و الضحاك « أو تكون من الهالكين » أي الميتين و إنما قالوا ذلك إشفاقا عليه و تعطفا و رحمة له و قيل إنهم قالوا ذلك تبرما ببكائه إذ تنغص عيشهم بذلك « قال » يعقوب في جوابهم « إنما أشكوا بثي » أي همي عن ابن عباس و قيل حاجتي عن الحسن « و حزني إلى الله » المعنى إنما أشكو حزني و حاجتي و اختلال حالي و انتشارها إلي الله في ظلم الليالي و أوقات خلواتي لا إليكم و قيل البث ما أبداه و الحزن ما أخفاه و روي عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أن جبرائيل أتاه فقال يا يعقوب إن الله يقرأ عليك السلم و يقول أبشر و ليفرح قلبك فو عزتي لو كانا ميتين لنشرتهما لك اصنع طعاما للمساكين فإن أحب عبادي إلي المساكين أ و تدري لم أذهبت بصرك و قوست ظهرك لأنكم ذبحتم شاة و أتاكم مسكين و هو صائم فلم تطعموه شيئا فكان يعقوب بعد ذلك إذا أراد الغذاء أمر مناديا ينادي ألا

(5/394)


من أراد الغذاء من المساكين فليتغذ مع يعقوب و إذا كان صائما أمر مناديا فنادى ألا من كان صائما فليفطر مع يعقوب رواه الحاكم أبو عبد الله الحافظ في صحيحه « و أعلم من الله ما لا تعلمون » أي و أعلم صدق رؤيا يوسف و أعلم أنه حي و أنكم ستسجدون له كما اقتضاه رؤياه عن ابن عباس و قيل و أعلم من رحمة الله و قدرته ما لا تعلمون عن عطاء و في كتاب النبوة بالإسناد عن سدير الصيرفي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال إن يعقوب دعا الله سبحانه في أن يهبط عليه ملك الموت فأجابه فقال ما حاجتك قال أخبرني هل مر بك روح يوسف في الأرواح فقال لا فعلم أنه حي فقال « يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف و أخيه » ابن يامين و قيل إنهم لما أخبروه بسيرة الملك قال لعله يوسف عن السدي فلذلك قال « يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف و أخيه » ابن يامين أي استخبروا من شأنهما و اطلبوا خبرهما و انظروا أن ملك مصر ما اسمه و على أي دين هو فإنه ألقي في روعي أن الذي حبس ابن يامين هو يوسف و إنما طلبه منكم و جعل الصاع في رحله احتيالا في حبس أخيه عند نفسه « و لا تيأسوا من روح الله » أي لا تقنطوا من رحمته عن ابن عباس و قتادة و الضحاك و قيل من الفرج من قبل الله عن ابن زيد و المعنى لا تيأسوا من الروح الذي يأتي به الله « إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون » قال ابن عباس يريد أن المؤمن من الله على خير يرجوه في الشدائد و البلاء و يشكره و يحمده في الرخاء و الكافر ليس كذلك و في هذا دلالة على أن الفاسق الملي لا يأس عليه من رحمة الله بخلاف ما يقوله أهل الوعيد .
سؤال
كيف خفي إخبار يوسف على يعقوب في المدة الطويلة مع قرب المسافة و كيف لم يعلمه يوسف بخبره لتسكن نفسه و يزول وجده .
الجواب
قال الجبائي العلة في ذلك أنه حمل إلى مصر فبيع من عزيز فألزمه داره ثم لبث في السجن بضع سنين فانقطعت أخبار الناس عنه فلما تمكن احتال في إيصال خبره بأبيه على الوجه الذي أمكنه و كان لا يأمن لو بعث رسولا إليه أن لا يمكنه إخوته من الوصول إليه و قال المرتضى قدس الله روحه يجوز أن يكون ذلك له ممكنا و كان عليه قادرا لكن الله سبحانه أوحى إليه بأن يعدل عن اطلاعه على خبره تشديدا للمحنة عليه و لله سبحانه أن يصعب التكليف و أن يسهله .

(5/395)


فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَأَيهَا الْعَزِيزُ مَسنَا وَ أَهْلَنَا الضرُّ وَ جِئْنَا بِبِضعَة مُّزْجَاة فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَ تَصدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يجْزِى الْمُتَصدِّقِينَ(88) قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسف وَ أَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَهِلُونَ(89) قَالُوا أَ ءِنَّك لأَنت يُوسف قَالَ أَنَا يُوسف وَ هَذَا أَخِى قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَ يَصبرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ(90) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَك اللَّهُ عَلَيْنَا وَ إِن كنَّا لَخَطِئِينَ(91) قَالَ لا تَثرِيب عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّحِمِينَ(92) اذْهَبُوا بِقَمِيصى هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبى يَأْتِ بَصِيراً وَ أْتُونى بِأَهْلِكمْ أَجْمَعِينَ(93)
القراءة
قرأ أبو جعفر و ابن كثير إنك لأنت يوسف بكسر الهمزة و قرأ نافع و يعقوب غير زيد و سهل أنك بفتح الهمزة غير ممدود و قرأ أبو عمرو و قالون عن نافع و زيد عن يعقوب آنك بالمد و قرأ الباقون « أ إنك » بهمزتين و في الشواذ قراءة أبي إنك أو أنت يوسف و قرأ ابن كثير وحده من يتقي بياء في الوصول و الوقف و الباقون بغير ياء فيهما .
الحجة
يدل على الاستفهام قوله « أنا يوسف » و إنما أجابهم عما استفهموا عنه قال أبو الحسن في قوله « و تلك نعمة تمنها علي » أنه على الاستفهام كأنه قال أو تلك نعمة فيجوز أن يكون من قرأ أنك على هذا فيكون القراءتان متفقتين و قلما يحذف حرف الاستفهام فأما في القراءات فإنه يجري على مذهبهم في اجتماع الهمزتين و قد تقدم القول في ذلك و أما قراءة أبي فيكون على حذف خبر إن كأنه قال إنك لغير يوسف أو أنت يوسف قال ابن جني فكأنه قال بل أنت يوسف فلما خرج مخرج التوقف قال أنا يوسف و قد جاء عنهم حذف خبر إن قال الأعشى :
إن محلا و إن مرتحلا
و إن في السفر إذ مضوا مهلا

(5/396)


أراد أن لنا محلا و أن لنا مرتحلا قال أبو علي قوله من يتقي لا يحمل على نحو قول الشاعر :
أ لم يأتيك و الأنباء تنمي لأن هذا و نحوه إنما يجيء في الشعر و لكن تجعل من موصولة فيكون بمنزلة الذي يتقي و يحمل المعطوف على المعنى لأن من يتقي ، إذا كان من منزلة الذي ، بمنزلة الجزء الجازم بدلالة أن كل واحد منهما يصلح دخول الفاء في جوابه فإذا اجتمعا في ذلك جاز أن يعطف عليه كما يعطف على الشرط المجزوم لكونه بمنزلته فيما ذكرناه و مثل ذلك قوله فأصدق و أكن حملت و أكن على موضع الفاء و مثله قول من قرأ و يذرهم في طغيانهم جزما و يجوز أن تقدر الضمة في قوله « و يصبر » و تحذفها للاستخفاف كما يخفف نحو عضد و سبع و جاز هذا في حركة الإعراب كجوازه في حركة البناء و زعم أبو الحسن أنه سمع رسلنا لديهم يكتبون بإسكان اللام من رسلنا و يقوي ذلك قراءة من قرأ و يتقه أ لا ترى أنه جعل تقه بمنزلة كتف و علم فأسكن فكذلك يسكن على هذا و يصبر .
اللغة
الإزجاء في اللغة السوق و الدفع قليلا و منه قوله يزجي سحابا قال النابغة :
و هبت الريح من تلقاء ذي أرل
تزجي مع الليل من صرادها صرما و فلان يزجي العيش أي يدفع بالقليل و يكتفي به قال الأعشى :
الواهب المائة الهجان و عبدها
عوذا يزجي خلفها أطفالها أي يدفع و قال آخر :
و حاجة غير مزجاة من الحاج و إنما قيل « ببضاعة مزجاة » لأنها يسيرة ناقصة و إنما يجوز ذلك على دفع من أخذها و المن النعمة و أصله القطع لأنها تقطع المنعم عليه من حال بؤسه و الإيثار تفضيل أحد الشيئين على الآخر و نظيره الاختيار و الاجتباء و نقيضه الإيثار عليه و أصله من الأثر فإنه يؤثر من له أثر جميل و الأثر الإخبار يقال أثر يأثر و المأثرة المكرمة لأنها تؤثر و الخطأ ضد الصواب يقال خطأ الرجل يخطأ خطأ و خطأ فهو خاطىء و أخطأ بخطإ إخطاء فهو مخطىء قال امرؤ القيس :

(5/397)


يا لهف هند إذ خطئن كاهلا
القاتلين الملك الحلاحلا التثريب التوبيخ يقال ثرب و أثرب و ثرب عن ابن الأعرابي و قيل التثريب اللوم و الإفساد و التقرير بالذنب قال أبو عبيدة و أصله الإفساد و أنشد :
فعفوت عنهم عفو غير مثرب
و تركتهم لعقاب يوم سرمد و قال ثعلب ثرب و أثرب فلان على فلان أي عدد عليه ذنوبه و قال أبو مسلم هو مأخوذ من الثرب و هو شحم الجوف فكأنه موضوع للمبالغة في اللوم و التعنيف و البلوغ بذلك إلى أقصى غاياته .
الإعراب
« هل علمتم » استفهام و المراد به التقرير ما فعلتم بيوسف تقديره أي شيء فعلتم بيوسف فكان ما في موضع نصب و الجملة معلقة بعلمتم و قوله « فإن الله لا يضيع أجر المحسنين » في موضع الجزم بأنه جواب الشرط و ذكر المحسنين ناب عن الضمير العائد إلى من لأن الاتقاء و الصبر في معنى الإحسان فكأنه قال لا يضيع جزاءه ، « لأنت يوسف » هذه لام الابتداء و أنت مبتدأ و يوسف خبره و الجملة خبر أن و يجوز أن يكون أنت فصلا كما علمت فيما تقدم و قوله « لا تثريب عليكم » تثريب نكرة مفردة مبنية مع لا على الفتح و لا يجوز أن يتعلق عليكم به إذ لو كان كذلك لكان مشتبها بالمضاف من حيث يكون عاملا فيما بعده و يكون عليكم من تمامه و كان يجب أن يكون منصوبا منونا كما تقول لا مرورا بزيد عندك و إذا عرفت هذا فإن عليكم هاهنا فيه وجهان ( أحدهما ) أن يكون في موضع الخبر على تقدير لا تثريب يثبت عليكم أو ثابت عليكم ثم حذف ذلك و انتقل الضمير منه إلى عليكم حيث سد مسده ( و الآخر ) أن يتعلق بمضمر ذلك المضمر وصف لتثريب و على هذا فيجوز فيه وجهان ( أحدهما ) أن يكون في محل رفع تقديره لا تثريب ثابت عليكم كما تقول لا رجل ظريف ( و الآخر ) أن يكون في محل نصب تقديره لا تثريب ثابتا عليكم كما تقول لا رجل ظريفا ثم حذفت الصفة و قام الظرف مقامه و يكون اليوم على هذا الوجه خبر لا و على الوجه الأول يجوز أن يكون خبرا بعد خبر و يجوز أن يكون متعلقا بالضمير الذي في الخبر و يجوز أن يكون قد تم الكلام عند قوله عليكم و تعلق اليوم بما بعده فيكون تقديره اليوم يغفر الله لكم و هذا اختيار الأخفش و هكذا الكلام في قوله « لا ريب فيه » .

(5/398)


المعنى
و لما قال يعقوب لبنيه اذهبوا فتحسسوا من يوسف و أخيه خرجوا إلى مصر « فلما دخلوا عليه » أي على يوسف « قالوا يا أيها العزيز مسنا و أهلنا الضر » أي أصابنا و من يختص بنا الجوع و الحاجة و الشدة من السنين الشدائد القحاط و قيل أنهم شكوا ما نالهم من هلاك مواشيهم و البلاء الذي أصابهم « و جئنا ببضاعة مزجاة » أي ندافع بها الأيام و نتقوتها و ليست مما يتسع به و قيل رديئة لا تؤخذ إلا بوكس عن ابن عباس و الجبائي و قيل قليلة عن الحسن و مجاهد و قتادة و ابن زيد و أبي مسلم و اختلف في تلك البضاعة فقيل كانت دراهم رديئة زيوفا لا تنفق في ثمن الطعام عن عكرمة عن ابن عباس و قيل كانت خلق الغرارة و الحبل ورث المتاع عن ابن أبي مليكة عنه و قيل كانت متاع الأعراب الصوف و السمن عن عبد الله بن الحرث و قيل الصنوبر و الحبة الخضراء عن الكلبي و مقاتل و قيل دراهم فسول عن سعيد بن جبير و قيل كانت أقطا عن الحسن و قيل النعال و الأدم عن الضحاك و عنه أيضا أنها سويق المقل « فأوف لنا الكيل » كما كنت توفي في السنين الماضية و لا تنظر إلى قلة بضاعتنا في هذه السنة « و تصدق علينا » أي سامحنا بما بين النقدين و سعر لنا بالرديء كما تسعر بالجيد و قيل معناه تصدق علينا برد أخينا عن ابن جريج و الضحاك « إن الله يجزي المتصدقين » أي يثيبهم على صدقاتهم بأفضل منها و في كتاب النبوة بالإسناد عن الحسن بن محبوب عن أبي إسماعيل الفراء عن طربال عن أبي عبد الله (عليه السلام) في خبر طويل أن يعقوب كتب إلى يوسف بسم الله الرحمن الرحيم إلى عزيز مصر و مظهر العدل و موفي الكيل من يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن صاحب نمرود الذي جمع له النار ليحرقه بها فجعلها الله عليه بردا و سلاما و أنجاه منها أخبرك أيها العزيز أنا أهل بيت لم يزل البلاء إلينا سريعا من الله ليبلونا عند السراء و الضراء و أن المصائب تتابعت علي عشرين سنة أولها أنه كان لي ابن سميته يوسف و كان سروري من بين ولدي و قرة عيني و ثمرة فؤادي و أن إخوته من غير أمه سألوني أن أبعثه معهم يرتع و يلعب فبعثته معهم بكرة فجاؤوني عشاء يبكون و جاءوا على قميصه بدم كذب و زعموا أن الذئب أكله فاشتد لفقده حزني و كثر عن فراقه بكائي حتى ابيضت عيناي من الحزن و أنه كان له أخ و كنت به معجبا و كان لي أنيسا و كنت إذا ذكرت يوسف ضممته إلى صدري فسكن بعد ما أجد في صدري و أن إخوته ذكروا لي أنك سألتهم عنه و أمرتهم أن يأتوك به فإن لم يأتوك به منعتهم الميرة فبعثته معهم ليمتاروا لنا قمحا فرجعوا إلى و ليس هو معهم و ذكروا أنه سرق مكيال الملك و نحن أهل بيت لا نسرق و قد حبسته عني

(5/399)


و فجعتني به و قد اشتد لفراقه حزني حتى تقوس لذلك ظهري و عظمت به مصيبتي مع مصائب تتابعت علي فمن علي بتخلية سبيله و إطلاقه من حبسك و طيب لنا القمح و أسمح لنا في السعر و أوف لنا الكيل و عجل سراح آل إبراهيم قال فمضوا بكتابه حتى دخلوا على يوسف في دار الملك و « قالوا يا أيها العزيز مسنا و أهلنا الضر » إلى آخر الآية و تصدق علينا بأخينا ابن يامين و هذا كتاب أبينا يعقوب إليك في أمره يسألك تخلية سبيله فمن به علينا فأخذ يوسف كتاب يعقوب و قبله و وضع على عينيه و بكى و انتحب حتى بلت دموعه القميص الذي عليه ثم أقبل عليهم و « قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف و أخيه » و معناه أنه قال لهم هل علمتم ما فعلتم بيوسف من إذلاله و إبعاده عن أبيه و إلقائه في البئر و الاجتماع على قتله و بيعه بثمن وكس و ما فعلتم بأخيه من إفراده عن يوسف و التفريق بينهما حتى صار ذليلا فيما بينكم لا يكلمكم إلا كما يكلم الذليل العزيز و إنما لم يذكر أباه يعقوب مع عظم ما دخل عليه من الغم لفراقه تعظيما له و رفعا من قدره و علما أن ذلك كان بلاء له ليزداد به علو الدرجة و رفعة المنزلة عند الله تعالى قال ابن الأنباري هذا استفهام يعني به تعظيم القصة و معناه ما أعظم ما ارتكبتم و ما أقبح ما أتيتم من قطيعة الرحم و تضييع حقه كما يقول الرجل هل تدري من عصيت و في هذه الآية مصداق قوله لتنبئنهم بأمرهم هذا و هم لا يشعرون و قوله « إذ أنتم جاهلون » أي صبيان عن ابن عباس و قيل شبان عن الحسن و معناه فعلتم ذلك حين كنتم جاهلين جاهلية الصبي في عنفوان الشباب حين يغلب على الإنسان الجهل و لم ينسبهم إلى الجهل في حال الخطاب لأنهم كانوا تائبين نادمين في تلك الحال و كان هذا تلقينا لهم لما يعتذرون به إليه و هذا هو الغاية في الكرم إذ صفح عنهم و لقنهم وجه العذر و « قالوا أ إنك لأنت يوسف » قيل أن يوسف لما قال لهم هل علمتم الآية تبسم فلما أبصروا ثناياه و كانت كاللؤلؤ المنظوم شبهوه بيوسف و « قالوا » له « أ إنك لأنت يوسف » عن ابن عباس و قيل رفع التاج عن رأسه فعرفوه « قال أنا يوسف » أظهر الاسم و لم يقل أنا هو تعظيما لما وقع به من ظلم إخوته فكأنه قال أنا المظلوم المستحل منه المحرم المراد قتله فكفى ظهور الاسم من هذه المعاني عن ابن الأنباري قال و لهذا قال « و هذا أخي » لأن قصده و هذا المظلوم كظلمي « قد من الله علينا » بالاجتماع بعد طول الفرقة و قيل من الله علينا بكل خير في الدنيا و الآخرة « إنه من يتق » أي يتق الله « و يصبر » على المصائب و عن المعاصي « فإن الله لا يضيع أجر المحسنين » أي أجر من كان هذا حاله و الضياع ذهاب الشيء من غير عوض « قالوا تالله » أي أقسموا بالله سبحانه « لقد آثرك الله علينا » أي فضلك و اختارك الله علينا بالحلم و العلم و العقل و الحسن و الملك « و إن كنا لخاطئين » أي ما كنا إلا مخطئين آثمين فيما فعلنا و هذا

(5/400)


يدل على أنهم ندموا على ما فعلوا و لم يصروا عليه « قال » يوسف « لا تثريب عليكم اليوم » أي لا تعيير و لا توبيخ و لا تقريع عليكم الآن فيما فعلتم « يغفر الله لكم » ذنوبكم فإني أستغفر الله لكم « و هو أرحم الراحمين » في عفوه عنكم ما تقدم من ذنبكم و قيل في صنيعه بي حتى جعلني ملكا و قيل أراد باليوم الزمان فتدخل فيه الأوقات كلها كما قال الشاعر :
فاليوم يرحمنا من كان يغبطنا
و اليوم نتبع من كانوا لنا تبعا .
و قيل إن الكلام قد تم عند قوله « لا تثريب عليكم » ثم ابتدأ بقوله « اليوم يغفر الله لكم » و هو دعاء لهم « اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا » قيل أنه (عليه السلام) لما عرفهم نفسه سألهم عن أبيه فقال ما فعل أبي بعدي قالوا ذهبت عيناه فقال اذهبوا بقميصي هذا و اطرحوه على وجهه يعد مبصرا كما كان من قبل قال ابن عباس « يأت بصيرا » يرتد بصيرا و يذهب البياض الذي على عينيه « و أتوني بأهلكم أجمعين » إذا عاد بصيرا و هذا كان معجزا منه إذ لا يعرف أنه يعود بصيرا بإلقاء القميص على وجهه إلا بالوحي و قيل أن يوسف قال إنما يذهب بقميصي من ذهب به أولا فقال يهوذا أنا ذهبت به و هو ملطخ بالدم فأخبرته أنه أكله الذئب قال فاذهب بهذا أيضا و أخبره أنه حي و أفرحه كما حزنته فحمل القميص و خرج حافيا حاسرا حتى أتاه و كان معه سبعة أرغفة و كانت مسافة بينهما ثمانين فرسخا فلم يستوف الأرغفة في الطريق و قد ذكرنا شأن القميص من قبل و روى أيضا الواحدي بإسناده يرفعه إلى أنس بن مالك عن رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال أن نمرود الجبار لما ألقى إبراهيم في النار نزل إليه جبرائيل ب