الجزء الاول

                                       الجزء الثاني    الجزء الثالث

                                       الجزء الرابع    الجزء الخامس    الجزء السادس

                                       الجزء السابع    الجزء الثامن    الجزء التاسع    الجزء العاشر

                                           ملاحظة :  للبحث عن كلمة او اكثر اضغط  (  ctrl+f  )

التبيان في تفسير القرآن
تأليف:
شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي
385 - 460 هـ_.
تحقيق وتصحيح أحمد حبيب قصير العاملي
المجلد الاول

(1/1)


تفسير التبيان ج1
التبيان في تفسير القرآن
تأليف
شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي
385 - 460 هـ_.
تحقيق وتصحيح أحمد حبيب قصير العاملي
المجلد الاول
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه ثقتي
الحمدلله اعترافا بتوحيده، واخلاصا لربوبيته، واقرارا بجزيل نعمته، وإذعانا لعظيم منته، وشكرا على جميع مواهبه، وكريم فواضله، وصلى الله على خيرته من خلقه محمد صلى الله عليه وآله، والطاهرين من عترته، والطيبين من أرومته، وسلم تسليما.
أما بعد، فان الذي حملنى على الشروع في عمل هذا الكتاب اني لم أجد أحدا من أصحابنا - قديما وحديثا - من عمل كتابا يحتوي على تفسير جميع القران، ويشتمل على فنون معانيه وانما سلك جماعة منهم في جميع ما رواه ونقله وانتهى اليه في الكتب المرويه في الحديث، ولم يتعرض أحد منهم لاستيفاء ذلك، وتفسير ما يحتاج اليه.
فوجدت من شرع في تفسير القرآن من علماء الامة، بين مطيل في جميع معانيه، واستيعاب ما قيل فيه من فنونه - كالطبري وغيره - وبين مقصر اقتصر على ذكر غريبه، ومعاني ألفاظه. وسلك الباقون المتوسطون في ذلك مسلك ما قويت فيه منتهم(1) وتركوا مالا معرفة لهم به فان الزجاج والفراء ومن اشبههما من والنحويين، أفرغوا وسعهم فيما يتعلق بالاعراب والتصريف. ومفضل بن سلمة وغيره - استكثروا من علم اللغة، واشتقاق الالفاظ. والمتكلمين - كأبي علي الجبائي وغيره - صرفوا همتهم إلى ما يتعلق بالمعاني الكلامية.
ومنهم من أضاف إلى ذلك، الكلام في فنون علمه، فادخل فيه ما لايليق به، من بسط فروع الفقه، واختلاف الفقهاء - كالبلخي وغيره - وأصلح من سلك في ذلك مسلكا جميلا مقتصدا، محمد ابن بحر، أبومسلم الاصفهاني، وعلي بن عيسى الرماني، فان كتابيهما أصلح
---
(1) المنة: القوة والكلمة من الاضداد.

(1/1)


تفسير التبيان ج1
ما صنف في هذا المعنى، غير أنهما أطالا الخطب فيه، وأوردا فيه كثيرا مما لا يحتاج وسمعت جماعة من اصحابنا قديما وحديثا، يرغبون في كتاب مقتصد يجتمع على جميع فنون علم القرآن، من القراءة، والمعاني والاعراب، والكلام على المتشابه، والجواب عن مطاعن الملحدين فيه، وأنواع المبطلين، كالمجبرة، والمشبههة والمجسمة وغيرهم، وذكر ما يختص اصحابنا به من الاستدلال بمواضع كثيرة منه على صحة مذاهبهم في اصول الديانات وفروعها وأنا ان شاء الله تعالى، أشرع في ذلك على وجه الايجاز والاختصار لكل فن من فنونه، ولا أطيل فيمله الناظر فيه، ولا اختصر اختصارا يقصر فهمه عن معانيه وأقدم امام ذلك، فصلا يشتمل على ذكر جمل لابد من معرفتها دون استيفائها، فان لاستيفاء الكلام فيها مواضع هي أليق به ومن الله استمد المعونة، وأستهديه إلى طريق الرشاد، بمنه وقدرته ان شاء الله تعالى
فصل في ذكر جمل لابد من معرفتها قبل الشروع في تفسير القرآن
إعلم ان القرآن معجزة عظيمة على صدق النبي عليه السلام، بل هو من أكبر المعجزات وأشهرها. غير أن الكلام في إعجازه، وجهة إعجازه، واختلاف الناس فيه، لا يليق بهذا الكتاب، لانه يتعلق بالكلام في الاصول. وقد ذكره علماء أهل التوحيد، وأطنبوا فيه، واستوفوه غاية الاستيفاء.
وقد ذكرنا منه طرفا صالحا في شرح الجمل، لايليق بهذا الموضع، لان استيفاءه يخرج به عن الغرض واختصاره لايأتي على المطلوب، فالاحالة عليه أولى والمقصود من هذا الكتاب علم معانيه، وفنون أغراضه وأما الكلام في زيادته ونقصانه فمما لايليق به ايضا، لان الزيادة فيه مجمع على بطلانها والنقصان منه، فالظاهر أيضا من مذهب المسلمين خلافه، وهو الاليق بالصحيح من مذهبنا وهو الذي نصره المرتضى (ره)، وهو الظاهر في الروايات غير أنه رويت روايات كثيره، من جهة الخاصة والعامة، بنقصان كثير من آي القرآن، ونقل شئ منه من موضع إلى موضع، طريقها الآحاد التي لاتوجب علما ولا عملا، والاولى الاعراض عنها، وترك التشاغل بها، لانه يمكن تأويلها ولو صحت لما كان ذلك طعنا على ما هو موجود بين الدفتين، فان ذلك معلوم صحته، لايعترضه احد من الامة ولايدفعه ورواياتنا متناصرة بالحث على قراءته والتمسك بما فيه، ورد ما يرد من اختلاف الاخبار في الفروع اليه.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله رواية لا يدفعها احد، انه قال: (اني مخلف فيكم الثقلين، ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) وهذا يدل على

(1/2)


تفسير التبيان ج1
انه موجود في كل عصر، لانه لايجوز ان يأمر بالتمسك بما لا نقدر على التمسك به.
كما أن اهل البيت، ومن يجب اتباع قوله حاصل في كل وقت. واذا كان الموجود بيننا مجمعا على صحته، فينبغي ان نتشاغل بتفسيره، وبيان معانيه ونترك ما سواه واعلم ان الرواية ظاهرة في اخبار اصحابنا بأن تفسير القرآن لايجوز إلا بالاثر الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله، وعن الائمة عليهم السلام، الذين قولهم حجة كقول النبي صلى الله عليه وآله، وان القول فيه بالرأي لايجوز.
وروى العامة ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: (من فسرالقرآن برأيه وأصاب الحق، وفقد اخطأ) وكره جماعة من التابعين وفقهاء المدينة القول في القرآن بالرأي: كسعيد بن المسيب وعبيدة السلماني، ونافع، ومحمد بن القاسم، وسالم بن عبدالله، وغيرهم وروي عن عائشة أنها قالت: لم يكن النبي " ص " يفسر القرآن إلا بعد أن يأتي به جبرائيل (ع) والذي نقول في ذلك: إنه لايجوزان يكون في كلام الله تعالى وكلام نبيه تناقض وتضاد وقد قال الله تعالى: " انا جعلناه قرآنا عربيا "(1) وقال: " بلسان عربي مبين "(2) وقال " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه "(3) وقال: " فيه تبيان كل شئ " وقال: " ما فرطنا في الكتاب من شئ "(4) فكيف يجوز ان يصفه بانه عربي مبين، وانه بلسان قومه، وانه بيان للناس ولا يفهم بظاهره شئ؟ وهل ذلك إلا وصف له باللغز والمعمى الذي لا يفهم المراد به إلا بعد تفسيره وبيانه؟ وذلك منزه عن القرآن وقد مدح الله أقواما على استخراج معاني القرآن فقال: " لعلمه الذين يستنبطونه منهم "(5)، وقال في قوم
---
(1) سورة الزخرف: آية 43.
(2) سورة الشعراء: آية 195.
(3) سورة ابراهيم: آية 4.
(4) سورة الانعام: آية 38.
(5) سورة النساء: آية 82.

(1/3)


تفسير التبيان ج1
يذمهم حيث لم يتدبروا القرآن، ولم يتفكروا في معانيه: " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها(1) وقال النبي صلى الله عليه وآله. (اني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي) فبين ان الكتاب حجة، كما أن العترة حجة.
وكيف يكون حجة ما لا يفهم به شئ؟ وروى عنه عليه السلام انه قال: (اذا جاءكم عني حديث، فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فاقبلوه، وما خالفه فاضربوا به عرض الحائط) وروي مثل ذلك عن أئمتنا عليهم السلام، وكيف يمكن العرض على كتاب الله، وهو لا يفهم به شئ؟ وكل ذلك يدل على ان ظاهر هذه الاخبار متروك.
والذي نقول به: إن معاني القرآن على أربعة أقسام:
احدها - ما اختص الله تعالى بالعلم به، فلا يجوز لاحد تكلف القول فيه، ولاتعاطي معرفته، وذلك مثل قوله تعالى: " يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل: إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو "(2) ومثل قوله تعالى: " ان الله عنده علم الساعة.."(3) إلى آخرها فتعاطي معرفة ما اختص الله تعالى به خطأ.
وثانيها - ما كان ظاهره مطابقا لمعناه، فكل من عرف اللغة التي خوطب بها، عرف معناها، مثل قوله تعالى: " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق "(4) ومثل قوله تعالى: (قل هو الله أحد)(5) وغير ذلك.
وثالثها - ما هو مجمل لا ينبئ ظاهره عن المراد به مفصلا. مثل قوله تعالى: (أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة)(6) ومثل قوله: (ولله على الناس حج البيت
---
(1) سورة محمد: آية 24.
(2) سورة الاعراف: آية 186.
(3) سورة لقمان: آية 34.
(4) سورة الانعام: آية 151.
(5) سورة التوحيد: آية 1.
(6) سورة البقرة: آية 43 و 83 و 110 النساء آية 76. الحج آية 78 النور آية 56 المجادلة آية 13 الزمل آية 2.

(1/4)


تفسير التبيان ج1
من استطاع اليه سبيلا)(1) وقوله: (وآتوا حقه يوم حصاده)(2) وقوله: (وفي أموالهم حق معلوم)(3) وما اشبه ذلك.
فان تفصيل اعداد الصلاة وعدد ركعاتها، وتفصيل مناسك الحج وشروطه، ومقادير النصاب في الزكاة لا يمكن استخراجه إلا ببيان النبي صلى الله عليه وآله ووحي من جهة الله تعالى. فتكلف القول في ذلك خطأ ممنوع منه، يمكن ان تكون الاخبار متناولة له ورابعها - ما كان اللفظ مشتركا بين معنيين فما زاد عنهما، ويمكن ان يكون كل واحد منهما مرادا. فانه لاينبغي أن يقدم احد به فيقول: ان مراد الله فيه بعض ما يحتمل - إلا بقول نبي او امام معصوم - بل ينبغي ان يقول: ان الظاهر يحتمل لامور، وكل واحد يجوز أن يكون مرادا على التفصيل.
والله أعلم بما أراد ومتى كان اللفظ مشتركا بين شيئين، أو ما زاد عليهما، ودل الدليل على انه لا يجوزان يريد إلا وجها واحدا، جاز ان يقال: إنه هو المراد ومتى قسمنا هذه الاقسام، نكون قبلنا هذه الاخبار، ولم نردها على وجه يوحش نقلتها والمتمسكين بها، ولا منعنا بذلك من الكلام في تأويل الآي جملة ولاينبغي لاحد ان ينظر في تفسير آية لاينبئ ظاهرها عن المراد تفصيلا، أو يقلد أحدا من المفسرين، إلا ان يكون التأويل مجمعا عليه، فيجب اتباعه لمكان الاجماع، لان من المفسرين من حمدت طرائقه، ومدحت مذاهبه، كابن عباس، والحسن، وقتادة، ومجاهد وغيرهم.
ومنهم من ذمت مذاهبه، كأبي صالح، والسدي والكلبي وغيرهم. هذا في الطبقة الاولى.
وأما المتأخرون فكل واحد منهم نصر مذهبه، وتأول على ما يطابق اصله، ولا يجوز لاحد أن يقلد أحدا منهم، بل ينبغي ان يرجع إلى الادلة الصحيحة: إما العقلية، أو الشرعية، من اجماع عليه، أو نقل متواتر به، عمن يجب اتباع قوله، ولا يقبل في ذلك خبر واحد، خاصة
---
(1) سورة آل عمران: آية 91.
(2) سورة الانعام: آية 141.
(3) سورة المعارج: آية 23.

(1/5)


تفسير التبيان ج1
اذا كان مما طريقه العلم، ومتى كان التأويل يحتاج إلى شاهد من اللغة، فلا يقبل من الشاهد إلا ما كان معلوما بين اهل اللغة، شائعا بينهم.
وأما طريقة الآحاد من الروايات الشاردة، والالفاظ النادرة فانه لايقطع بذلك، ولا يجعل شاهدا على كتاب الله وينبغي أن يتوقف فيه ويذكر ما يحتمله، ولايقطع على المراد منه بعينه، فانه متى قطع بالمراد كان مخطئا، وان أصاب الحق، كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله لانه قال تخمينا وحدسا ولم يصدر ذلك عن حجة قاطعة وذلك باطل بالاتفاق.
واعلموا ان العرف من مذهب اصحابنا والشائع من اخبارهم ورواياتهم ان القرآن نزل بحرف واحد، على نبي واحد، غير انهم اجمعوا على جواز القراءة بما يتداوله الفراء وأن الانسان مخير باي قراءة شاء قرا، وكرهوا تجويد قراءة بعينها بل اجازوا القراءة بالمجاز الذي يجوز بين القراء ولم يبلغوا بذلك حد التحريم والحظر وروى المخالفون لنا عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: (نزل القرآن على سبعة احرف كلها شاف كاف) وفي بعضها: (على سبعة ابواب) وكثرت في ذلك رواياتهم. لامعنى للتشاغل بايرادها واختلفوا في تأويل الخبر، فاختار قوم ان معناه على سبعة معان: أمر، ونهى، ووعد، ووعيد، وجدل، وقصص، وأمثال وروى ابن مسعود عن النبى " ص " انه قال: " نزل القرآن على سبعة أحرف: زجر، وأمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وامثال.
" وروى ابوقلامة عن النبى [ ص ] انه قال: [ نزل القرآن على سبعة أحرف: أمر، وزجر، وترغيب، وترهيب، وجدل، وقصص، وأمثال. ]
وقال آخرون: [ نزل القرآن على سبعة أحرف ] أي سبع لغات مختلفة، مما لا يغير حكما في تحليل وتحريم، ومثل. هلم. ويقال من لغات مختلفة، ومعانيها مؤتلفة. وكانوا مخيرين في أول الاسلام في أن يقرأوا بما شاءوا منها. ثم اجمعوا على حدها، فصار ما اجمعوا عليه مانعا مما اعرضوا عنه.
وقال آخرون: [ نزل على سبع لغات من اللغات الفصيحة، لان القبائل بعضها افصح من بعض ] وهو الذى اختاره الطبرى.
وقال بعضهم: [ هي على سبعة اوجه من اللغات، متفرقة في القرآن، لانه لايوجد حرف قرئ على سبعة اوجه. ]

(1/6)


تفسير التبيان ج1
وقال بعضهم: [ وجه الاختلاف في القراءات سبعة: أولها - اختلاف اعراب الكلمة او حركة بنائها فلا يزيلها عن صورتها في الكتاب ولا يغير معناها نحو قوله: هؤلاء بناتي هن اطهر لكم(1) بالرفع والنصب وهل نجازي إلا الكفور؟(2 بالنصب والنون وهل يجازى إلا الكفور؟ بالياء والرفع وبالبخل

(1/7)


تفسير التبيان ج1
والبخل والبخل برفع الباء ونصبها. وميسرة وميسرة بنصب السين ورفعها.
والثاني - الاختلاف في اعراب الكلمة وحركات بنائها مما يغير معناها ولا يزيلها عن صورتها في الكتابة مثل قوله: ربنا باعد بين اسفارنا(5) على الخبر ربنا باعد على الدعاء. واذ تلقونه بالسنتكم(6) بالتشديد وتلقونه بكسر اللام والتخفيف.
والوجه الثالث - الاختلاف في حروف الكلمة دون اعرابها، ومما يغير معناها ولا يزيل صورتها نحو قوله تعالى: كيف ننشزها(7) بالزاء المعجمة وبالراء الغير معجمة.
والرابع - الاختلاف في الكلمة مما يغير صورتها ولا يغير معناها نحو قوله: ان كانت إلا صيحة واحدة(8) والازقية. وكالصوف المنفوش وكالعهن المنفوش(9).
والخامس - الاختلاف في الكلمة مما يزيل صورتها ومعناها نحو: وطلح منضود(10) وطلع.
السادس - الاختلاف بالتقديم والتأخير نحو قوله: وجاءت سكرة الموت
---
(1) سورة هود آية 78.
(2) سورة سبأ آية 17.
(3) سورة النساء آية 36 الحديد آية 24 والبخل بالرفع مصدر بخل والبخل بالفتح مصدر بخل.
(4) سورة البقرة آية 28.
(5) سورة سبأ آية آية 19.
(6) سورة النور آية 15.
(7) سورة البقرة آية 259.
(8) سورة يس آية 29 - 49 - 53 - سورة ص آية 15.
(9) سورة القارعة. آية 50 " 10 " سورة ق آية - 19.

(1/8)


تفسير التبيان ج1
بالحق(1) وجاءت سكرة الحق بالموت.
السابع - الاختلاف بالزيادة والنقصان نحو قوله: وما عملت ايديهم وما عملته(2) باسقاط الهاء واثباتها.
ونحو قوله: فان الله هو الغني الحميد وان الله الغني الحميد. في سورة الحديد(3).
وهذا الخبر عندنا وان كان خبرا واحدا لا يجب العمل به فالوجه الاخير أصلح الوجوه على ما روي عنهم عليه السلام من جواز القراءة بما اختلف القراء فيه.
واما القول الاول فهو على ما تضمنته لان تأويل القرآن لا يخرج عن احد الاقسام السبعة: إما أمر. او نهي. اووعد. او وعيد. اوخبر اوقصص اومثل وهو الذي ذكره اصحابنا في اقسام تفسير القرآن فاما ماروي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: [ ما نزل من القرآن من آية إلا ولها ظهر وبطن ] وقد رواه ايضا اصحابنا عن الائمة عليهم السلام فانه يحتمل ذلك وجوها: احدها - ما روي في أخبارنا عن الصادقين عليهما السلام وحكي ذلك عن ابي عبيدة أن المراد بذلك القصص باخبار هلاك الاولين وباطنها عظة للاخرين والثاني - ما حكي عن ابن مسعود انه قال: [ ما من آية إلا وقد عمل بها قوم ولها قوم يعملون بها ] والثالث - معناها أن ظاهرها لفظها وباطنها تأويلها ذكره الطبري واختاره البلخي والرابع - ما قال الحسن البصري: [ انك اذا فتشت عن باطنها وقسته على ظاهرها وقفت على معناها ] وجميع اقسام القرآن لا يخلو من ستة: محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ وخاص وعام فالمحكم ما انبأ لفظه عن معناه من غير اعتبار امر ينضم اليه سواء كان اللفظ لغويا او عرفيا ولا يحتاج إلى ضروب من التأويل وذلك نحو قوله: [ لا يكلف
---
(1) سورة يس آية 35.
(2) سورة الواقعة آية 25.
(3) آية 24.

(1/9)


تفسير التبيان ج1
الله نفسا إلا وسعها ](1)
وقوله: [ ولاتقتلوا النفس التي حرم الله ](2)
وقوله: [ قل هو الله احد ](3)
وقوله: [ لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوءا احد ](4)
وقوله: [ وما ربك بظلام للعبيد ](5)
وقوله: [ ما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون ](6)
ونظائر ذلك والمتشابه ما كان المراد به لايعرف بظاهره بل يحتاج إلى دليل وذلك ما كان محتملا لامور كثيرة أو امرين ولا يجوزان يكون الجميع مرادا فانه من باب المتشابه.
وانما سمي متشابها لاشتباه المراد منه بما ليس بمراد وذلك نحو قوله: [ يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله ](7)
وقوله: [ والسماوات مطويات بيمينه ](8)
وقوله: (تجري باعيننا)(9) وقوله (يضل من يشاء)(10) وقوله: (فاصمهم وأعمى أبصارهم وطبع على قلوبهم)(11) ونظائر ذلك من الآي التي المراد منها غير ظاهرها.
فان قيل: هلا كان القرآن كله محكما يستغنى بظاهره عن تكلف ما يدل على المراد منه حتى دخل على كثير من المخالفين للحق شبهة فيه وتمسكوا بظاهره على ما يعتقدونه من الباطل؟ أتقولون إن ذلك لم يكن مقدورا له تعالى؟ فهذا هو القول بتعجيزه ! أو تقولون هو مقدور له ولم يفعل ذلك فلم لم يفعله؟ قيل الجواب على ذلك من وجهين: احدهما - ان خطاب الله تعالى - مع ما فيه من الفوائد - المصلحة معتبرة في الفاظه فلا يمتنع أن تكون المصلحة الدينية
---
(1) سورة البقرة آية 286.
(2) سورة الانعام آية 151.
(3) سورة التوحيد آية 1.
(4) سورة التوحيد آية 3 و 4.
(5) سورة حم السجدة آية 46.
(6) سورة الذاريات آية 56.
(7) سورة الزمر آية 56.
(8) سورة الزمر آية - 67.
(9) سورة القمر آية 14 " 10 " سورة الرعد آية 29. ابراهيم آية - 4 فاطر آية - 8 " 11 " سورة محمد آية 23.

(1/10)


تفسير التبيان ج1
تعلقت بان يستعمل الالفاظ المحتملة ويجعل الطريق إلى معرفة المراد به ضربا من الاستدلال ولهذه العلة أطال في موضع وأسهب واختصر في آخر وأوجز واقتصر وذكر قصة في موضع وأعادها في موضع آخر واختلفت أيضا مقادير الفصاحة فيه وتفاضلت مواضع منه بعضه على بعض والجواب الثاني: ان الله تعالى انما خلق عباده تعريضا لثوابه وكلفهم لينالوا اعلى المراتب واشرفها ولو كان القرآن كله محكما لا يحتمل التأويل ولا يمكن فيه الاختلاف لسقطت المحنة وبطل التفاضل وتساوت المنازل ولم تبن منزله العلماء من غيرهم وانزل الله القرآن بعضه متشابها ليعمل أهل العقل افكارهم ويتوصلوا بتكلف المشاق والنظر والاستدلال إلى فهم المراد فيستحقوا به عظيم المنزلة وعالي الرتبة فان قيل: كيف تقولون، ان القرآن فيه محكم ومتشابه، وقد وصفه الله تعالى بأنه اجمع محكم؟ ووصفه في مواضع أخر بأنه متشابه وذكر في موضع آخر ان بعضه محكم، وبعضه متشابه - كما زعمتم - وذلك نحو قوله: " الر. كتاب احكمت آياته "(1) وقال في موضع آخر: " الله نزل احسن الحديث كتابا متشابها "(2) وقال في موضع آخر: " وهو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ام الكتاب وأخر متشابهات "(3) وهل هذا إلا ظاهر التناقض؟ قلنا: لا تناقض في ذلك، لان وصفه محكم كله، المراد به انه بحيث لايتطرق عليه الفساد والتناقض والاختلاف والتباين والتعارض، بل لاشئ منه إلا وهو في غاية الاحكام - إما بظاهره او بدليله، على وجه لا مجال للطاعنين عليه.
ووصفه بانه متشابه أنه يشبه بعضه بعضا في باب الاحكام الذي أشرنا اليه، وأنه لا خلل فيه ولا تباين ولا تضاد ولا تناقض. ووصفه بان بعضه محكم، وبعضه متشابه ما اشرنا اليه، من ان بعضه ما يفهم المراد بظاهره فيسمى محكما ومنه ما يشتبه المراد منه بغيره وان كان على المراد والحق منه دليل فلا تناقض في ذلك بحال.
---
(1) سورة هود آية 1.
(2) سورة الزمر آية 23.
(3) سورة آل عمران آية 7.

(1/11)


تفسير التبيان ج1
واما الناسخ فهو كل دليل شرعي يدل على زوال مثل الحكم الثابت بالنص الاول في المستقبل على وجه لولاه لكان ثابتا بالنص الاول مع تراخيه عنه.
اعتبرنا دليل الشرع لان دليل العقل اذا دل على زوال مثل الحكم الثابت بالنص الاول لايسمى نسخا. ألا ترى أن المكلف للعبادات، اذا عجز اوزال عقله، زالت عنه العبادة بحكم العقل، ولايسمى ذلك الدليل ناسخا؟ واعتبرنا زوال مثل الحكم، ولم نعتبر الحكم نفسه لانه لايجوز أن ينسخ نفس ما أمر به، لان ذلك يؤدي إلى البداء.
وانما اعتبرنا أن يكون الحكم ثابتا بنص شرعي، لان ما ثبت بالعقل اذا أزاله الشرع لا يسمى بأنه نسخ حكم العقل. ألا ترى أن الصلاة والطواف لولا الشرع لكان قبيحا فعله في العقل واذ اورد الشرع بهما لا يقال نسخ حكم العقل؟ واعتبرنا مع تراخيه عنه لان ما يقترن به لا يسمى نسخا وربما يكون تخصيصا ان كان اللفظ عاما او مقيدا ان كان اللفظ خاصا ألا ترى أنه لو قال: اقتلوا المشركين الا اليهود لم يكن قوله إلا اليهود نسخا لقوله اقتلوا المشركين؟ وكذا لو قال: فسيحوا في الارض اربعة اشهر فقيد بهذه الغاية لا يقال لما بعدها نسخ.
وكذا لما قال قي آية الزنا: فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة(1) لا يقال لما زاد عليه منسوخ لانه مقيد في اللفظ والنسخ يصح دخوله في الامر والنهي بلا خلاف. والخبر ان تناول ما يصح تغييره عن صفة جاز دخول النسخ فيه لانه في معنى الامر.
ألا ترى أن قوله: (ولله على الناس حج البيت)(2) خبر؟ وقوله (والمطلقات يتربصن بانفسهن)(3) أيضا خبر؟ وكذلك قوله: (ومن دخله كان آمنا)(4) بر ومع ذلك يصح دخول النسخ فيه فاما ما لا يصح تغييره عن صفة فلا يصح دخول النسخ فيه، نحو الاخبار عن صفات الله تعالى، وصفات الاجناس
---
(1) سورة النور آية 2.
(2) سورة آل عمران آية 97.
(3) سورة البقرة آية 228.
(4) سورة آل عمران آية 97.

(1/12)


تفسير التبيان ج1
- لما يصح عليه التغيير، لم يصح فيه النسخ حيث أن العبارة بالاخبار عنه بأبه قادر، عالم، سميع بصير، لا يصح النسخ فيه، لانه يمتنع دخول النسخ في الاخبار - ان كان الخبر لا يصح تغييره في نفسه ولا يخلو النسخ في القرآن من أقسام ثلاثه: احدها - نسخ حكمه دون لفظه - كآية العدة في المتوفى عنها زوجها المتضمنة للسنة(1) فان الحكم منسوخ والتلاوة باقية وكآية النجوى(2) وآية وجوب ثبات الواحد للعشرة(3) فان الحكم مرتفع، والتلاوة باقية وهذا يبطل قول من منع جواز النسخ في القرآن لان الموجود بخلافه والثاني - ما نسخ لفظه دون حكمة، كآية الرجم فان وجوب الرجم على المحصنة لاخلاف فيه، والآية التي كانت متضمنة له منسوخة بلاخلاف وهي قوله: (والشيخ والشيخة اذا زنيا فارجموهما البته، فانهما قضيا الشهوة جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم) الثالث - ما نسخ لفظه وحكمه، وذلك نحو ما رواه المخالفون من عائشة: أنه كان فيما أنزل الله ان عشر رضعات تحرمن، ونسخ ذلك بخمس عشرة فنسخت التلاوة والحكم وأما الكلام في شرائط النسخ، فما يصح منها وما لا يصح وما يصح أن ينسخ به القرآن، وما لا يصح أن ينسخ به وقد ذكرنا في كتاب العدة - في اصول الفقه - ولا يليق ذلك بهذا المكان وحكى البلخي في كتاب التفسير فقال: (قال قوم - ليسوا ممن يعتبرون ولكنهم من الامة على حال - ان الائمة المنصوص عليهم - بزعمهم - مفوض اليهم نسخ القرآن وتدبيره، وتجاوز بعضهم حتى خرج من الدين بقوله: ان النسخ قد
---
(1) سورة البقرة آية 240.
(2) سورة المجادلة آية 12.
(3) سورة الانفال آية 65.

(1/13)


تفسير التبيان ج1
يجوز على وجه البداء وهو أن يأمر الله عزوجل عندهم بالشئ ولا يبدوله، ثم يبدوله فيغيره، ولا يريد في وقت أمره به أن يغيره هو ويبدله وينسخه، لانه عندهم لا يعلم الشئ حتى يكون، إلا ما يقدره فيعلمه علم تقدير، وتعجرفوا فزعموا ان ما نزل بالمدينه ناسخ لما نزل بمكة) وأظن انه عنى بهذا اصحابنا الامامية، لانه ليس في الامة من يقول بالنص على الائمة عليهم السلام سواهم فان كان عناهم فجميع ما حكاه عنهم باطل وكذب عليهم، لانهم لا يجيزون النسخ على أحد من الائمة (ع) ولا احد منهم يقول بحدوث العلم وانما يحكى عن بعض من تقدم من شيوخ المعتزلة - كالنظام والجاحظ وغيرهما - وذلك باطل وكذلك لا يقولون: ان المتأخر ينسخ المتقدم إلا بالشرط الذي يقوله جميع من اجاز النسخ، وهو ان يكون بينهما تضاد وتناف لايمكن الجمع بينهما، واما على خلاف ذلك فلا يقوله محصل منهم.
والوجه في تكرير القصة بعد القصة في القرآن، أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يبعث إلى القبائل المتفرقة بالسور المختلفة فلو لم تكن الانباء والقصص مكررة، لوقعت قصة موسى إلى قوم وقصة عيسى إلى قوم، وقصة نوح إلى قوم آخرين، فاراد الله بلطفه ورحمته أن يشهر هذه القصص في أطراف الارض ويلقيها في كل سمع، ويثبتها في كل قلب، ويزيد الحاضرين في الافهام وتكرار الكلام من جنس واحد، وبعضه يجري على بعض، كتكراره في: قل يا ايها الكافرون، وسورة المرسلات، والرحمن فالوجه فيه، ان القرآن نزل بلسان القوم، ومذهبهم في التكرار - ارادة للتوكيد وزيادة في الافهام - معروف كما ان من مذهبهم الايجاز والاختصار ارادة للتخفيف وذلك أن افتنان المتكلم والخطيب في الفنون، وخروجه من شئ إلى شئ، أحسن من اقتصاره من المقام على فن واحد.
وقد يقول القائل: والله لافعله ثم والله لافعله، اذا أراد التوكيد كما يقول: افعله بحذف اللام اذا أراد الايجاز قال الله تعالى: " كلا سوف تعلمون

(1/14)


تفسير التبيان ج1
ثم كلا سوف تعلمون "(1) وقال: " فان مع العسر يسرا ان مع العسر يسرا "(2) وقال الله تعالى: " اولى لك فأولى ثم اولى لك فأولى "(3) وقال: " ماأدراك ما يوم الدين، ثم ما ادراك ما يوم الدين "(4) كل هذا يراد به التوكيد وقد يقول القائل لغيره: اعجل اعجل وللرامي ارم ارم قال الشاعر:
كم نعمة كانت لكم
كم كم وكم
وقال آخر:
هلا سألت جموع كن_
دة يوم ولوا اين اينا
وقال عوف بن الخزرج:
وكادت فزارة تصلى بنا
فاولى فزار فأولى فزار
فاما تكرار معنى واحد بلفظين مختلفين، كقوله: " الرحمن الرحيم " وقوله: " يسمع سرهم ونجواهم " والنجوى هو السر، فالوجه فيه ما ذكرنا من ان عادة القوم، تكرير المعنى بلفظين مختلفين، اتساعا في اللغة، كقول الشاعر. كذبا ومينا وهما بمعنى واحد وقول الآخر:
لمياء في شفتيها حوة لعس
وفي اللثات وفي أنيابها شنب
واللمى: سواد في الشفتين والحوة واللعس كلاهما سواد الشفتين وكرر لاختلاف اللفظ والشنب: تحزز في الانياب كالمنشار، وهو نعت لها ورحمن ورحيم، سنبين القول فيهما فيما بعد وقوله: " وغشاها ما غشى "(5) وقوله: فغشيهم من اليم ما غشيهم "(6) وقوله: " ولا طائر يطير بجناحيه "(7) على
---
(1) سورة التكاثر آية 3 و 4.
(2) سورة الانشراح آية 5 و 6.
(3) سورة القيامة آية 34 و 35.
(4) سورة الانفطار آية 17 و 18.
(5) سورة النجم آية 54.
(6) سورة طه آية 78.
(7) سورة الانعام آية 38.

(1/15)


تفسير التبيان ج1
ما قلناه من التوكيد، كما يقول القائل: كلمته بلساني، ونظرت اليه بعيني، ويقال بين زيد وبين عمرو، وانما البين واحد. والمراد بين زيد وعمرو وقال الشاعر أوس بن الحجر:
ألم تكسف الشمس شمس النها
ر مع النجم والقمر الواجب(1)
والشمس لا تكون إلا بالنهار، فأكد ذكرنا هذه الجملة تنبيها عن الجواب عما لم نذكره، ولعلنا نستوفيه فيما بعد اذا جرى ما يقتضي ذكره ولولا عناد الملحدين، وتعجرفهم، لما احتيج إلى الاحتجاج بالشعر وغيره للشئ المشتبه في القرآن، لان غاية ذلك أن يستشهد عليه ببيت شعر جاهلي، او لفظ منقول عن بعض الاعراب، أو مثل سائر عن بعض أهل البادية.
ولا تكون منزلة النبي صلى الله عليه وآله - وحاشاه من ذلك - أقل من منزلة واحد من هؤلاء.
ولاينقص عن رتبة النابغة الجعدي، وزهير بن الكعب وغيرهم ومن طرائف الامور ان المخالف اذا اورد عليه شعر من ذكرناه، ومن هو دونهم سكنت نفسه، واطمأن قلبه وهو لايرضى بقول محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب ومهما شك الناس في نبوته، فلا مربة في نسبه، وفصاحته، فانه نشأ بين قومه الذين هم الغاية القصوى في الفصاحة، ويرجع اليهم في معرفة اللغة. ولو كان المشركون من قريش وغيرهم وجدوا متعلقا عليه في اللحن والغلط والمناقضة، لتعلقوا به، وجعلوه حجة وذريعة إلى اطفاء نوره وابطال امره، واستغنوا بذلك عن تكلف ما تكلفوه من المشاق في بذل النفوس والاموال.
ولو فعلوا ذلك لظهر واشتهر، ولكن حب الالحاد والاستثقال لتحمل العبادات، والميل إلى الفواحش اعماهم وأصمهم، فلا يدفع أحد من الملحدين - وان جحدوا نبوته صلى الله عليه وآله - انه اتى بهذا القرآن، وجعله حجة لنفسه، وقرأه على العرب وقد علمنا انه ليس بأدون الجماعة في الفصاحة وكيف يجوزان يحتج بشعر الشعراء عليه، ولا يجوز أن يحتج بقوله عليهم وهل هذا إلا عناد محض، وعصبية صرف؟ وانما يحتج علماء
---
(1) الواجب: الغائب.

(1/16)


تفسير التبيان ج1
الموحدين بشعر الشعراء وكلام البلغاء، اتساعا في العلم، وقطعا للشغب، وازاحة للعلة، وإلا فكان يجب ألا يلتفت إلى جميع ما يطعن عليه، لانهم ليسوا بان يجعلوا عيارا عليه باولى من ان يجعل هو عليه السلام عيارا عليهم.
وروي عن ابن مسعود، انه قال: " كان الرجل منا اذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن، والعمل بهن " وروي انه استعمل علي (ع) عبدالله بن العباس على الحج فخطب خطبة لو سمعها الترك والروم لاسلموا ثم قرأ عليهم سورة النور - وروي سورة البقرة - ففسرها فقال رجل: " لو سمعت هذا الديلم لاسلمت " ويروى عن سعيد بن الجبير، انه من قرأ القرآن ثم لم يفسره كان كالاعجمي أو الاعرابي
فصل في ذكر اسامي القرآن، وتسمية السور والآيات
سمى الله تعالى القرآن باربعة اسماء: سماه قرآنا في قوله تعالى: " انا جعلناه قرآنا عربيا "(1) وفي قوله: " شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن "(2) وغير ذلك من الاي وسماه فرقانا في قوله تعالى: تبارك الذي انزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا."(3) وسماه الكتاب في قوله: " الحمدلله الذي انزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما "(4)
---
(1) سورة الزخرف آية 3.
(2) سورة البقرة آية 185.
(3) سورة الفرقان آية 1.
(4) سورة الكهف آية 1.

(1/17)


تفسير التبيان ج1
وسماه الذكر في قوله: " انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون "(1) وتسميته بالقرآن تحتمل أمرين: احدهما - ما روي عن ابن عباس، انه قال: (هو مصدر قرأت قرآنا) أي تلوته، مثل: غفرت غفرانا، وكفرت كفرانا والثاني - ماحكي عن قتاده، انه قال " هو مصدر قرأت الشئ اذا جمعت بعضه إلى بعض "
قال عمرو بن كلثوم:
ذراعي عيطل(2) ادماء(3) بكر
هجان(4) اللون لم تقرأ جنينا
اي لم تضم جنينها في رحمها.
وقال قطرب في معناه قولان احدهما هذا وعليه اكثر المفسرين وقال قولا آخر معناه لفظت به مجموعا وقال معنى البيت أيضا أي لم تلقه مجموعا وتفسير ابن عباس أولى، لان قوله تعالى (ان علينا جمعه وقرآنه، فاذا قرأناه فاتبع قرآنه)(5) والوجه المختار ان يكون المراد واذ تلوناه عليك، وبيناه لك، فاتبع تلاوته ولو حملناه على الجمع - على ما قال قتاده - لكان يجب ألا يلزم اتباع آية آية من القرآن النازله في كل وقت، وكان يقف وجوب الاتباع على حين الجمع، لانه علقه بذلك على هذا القول، لانه قال: " فاذا قرأناه فاتبع قرآنه " يعني جمعناه على ما قالوه فاتبع قرآنه، وكان يقف وجوب الاتباع على تكامل الجميع، وذلك خلاف الاجماع فالاول أولى فان قيل: (كيف يسمي القراءة قرآنا، وانما هو مقروء؟) قلنا: (سمي بذلك كما يسمى المكتوب كتابا، بمعنى: كتاب الكاتب) قال الشاعر في صفة طلاق كتبه لامرأته:
تؤمل رجعة مني وفيها
كتاب مثل ما لصق الغراء
يعني طلافا مكتوبا
---
(1) سورة يوسف آية 12 و 63 وسورة الحجر آية 10.
(2) عطيل: طويلة العنق.
(3) ناقة ادماء: بيضاء.
(3) بيضاء اللون.
(5) سورة القيامة آية 17 - 18.

(1/18)


تفسير التبيان ج1
وتسميته بانه فرقان، لانه يفرق بين الحق والباطل. والفرقان هو الفرق بين الشيئين. وانما يقع الفرق بين الحق والباطل بادلته الدالة على صحة الحق، وبطلان الباطل.
وتسميته بالكتاب لانه مصدر من قولك، كتبت كتابا، كما تقول قمت قياما.
وسمي كتابا وانما هو مكتوب، كما قال الشاعر في البيت المتقدم. والكتابة مأخوذة من الجمع في قولهم: كتبت السقاء اذا جمعته بالخرز قال الشاعر:
لا تأمنن فزاريا خلوت به
على قلوصك فاكتبها باسيار(1)
والكتبة، الخرزة.
وكلما ضممت بعضه إلى بعض على وجه التقارب فقد كتبته والكتيب(2) من الجيش، من هذا لانضمام بعضها إلى بعض وتسميته بالذكر، ويحتمل أمرين: احدهما - انه ذكر من الله تعالى ذكر به عباده، فعرفهم فيه فرائضه، وحدوده. والآخر - انه ذكر وشرف لمن آمن به وصدق بما فيه. كقوله (وانه لذكر لك ولقومك)(3).
وأما السورة - بغير همز - فهي منزلته من منازل الارتفاع، ومن ذلك سور المدينة سمي بذلك - الحائط الذي يحويها لارتفاعه عما يحويه غيران سور المدينة لم يجمع سورا، وسورة القرآن تجمع سورا. وهذه أليق بتسميته سور القرآن سورة.
قال النابغة
ألم تر ان الله اعطاك سورة
يرى كل ملك دونها يتذبذب
يعني منزلة من منازل الشرف التي قصرت عنها الملوك.
واما من همز السورة من القرآن، فانه أراد به القطعة التي انفصلت من القرآن وأبقيت وسؤر كل شئ بقيته. يقال اسأرت في الاناء أي ابقيت فيه قال الاعشى بن ثعلبة، يصف امرأة
فبانت وقد أسأرت في الفؤا
د صدعا على نأيها مستطارا
---
(1) اسيارج سير: الجلد.
(2) والكتيبة.
(3) سورة الزخرف آية 44.

(1/19)


تفسير التبيان ج1
وتسمية الآية بانها آية، يحتمل وجهين احدهما - لانها علامة يعرف بها تمام ما قبلها، ومنه قوله تعالى [ أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لاولنا وآخرنا وآية منك ](1) يعني علامة لاجابتك دعاءنا. والآخر أن الآية القصة والرسالة.
قال كعب بن زهير
ألا أبلغا هذا المعرض آية
أيقظان قال القول اذا قال أم حلم
يعني رسالة فيكون معنى الآيات القصص، قصة تتلو قصة روى واثلة بن الاصقع أن النبي صلى الله عليه وآله قال (أعطيت مكان التوراة السبع الطول، وأعطيت مكان الزبور المئين، وأعطيت مكان الانجيل، المثاني، وفضلت بالمفصل) فالسبع الطول 1 - البقرة 2 - آل عمران 3 - النساء 4 - المائدة 5 - الانعام 6 - الاعراف 7 - ويونس. في قول سعيد بن جبير وروي مثل ذلك عن ابن عباس قال وسميت السبع الطوال، لطولها على سائر القرآن.
وأما المئون، فهو كل سورة تكون مائة آية أو يزيد عليها شيئا يسيرا، او ينقص عنها شيئا يسيرا.
وأما المثاني فهي ما ثنت المئين، فتلاها.
فكان المئون لها أوائل، وكان المثاني لها ثوان وقيل انها سميت بذلك، لتثنية الله قيها الامثال، والحدود، والقرآن، والفرائض وهو قول ابن عباس.
وقال قوم (المثاني سورة الحمد، لانها تثنى قراءتها في كل صلاة) وبه قال الحسن البصري، وهو المروي في أخبارنا قال الشاعر
حلفت بالسبع اللواتي طولت
وبمئين بعدد قد أميت
وبثمان ثنيت وكررت
وبالطواسين التي قد تليت
وبالحواميم التي قد سبعت
وبالمفصل اللواتي فصلت
وسميت المفصل مفصلا، لكثرة الفصول بين سورها ببسم الله الرحمن الرحيم وسمي المفصل محكما، لما قيل انها لم تنسخ.
وقال اكثر اهل العلم (أول المفصل من سورة محمد صلى الله عليه وآله إلى سورة الناس) وقال آخرون (من ق، إلى الناس) وقالت فرقة ثالثة - وهو المحكي عن ابن عباس - أنه من سورة الضحى إلى الناس
---
(1) سورة المائدة آية 117.

(1/20)


تفسير التبيان ج1
وكان يفصل من الضحى بين كل سورتين بالتكبير، وهو قراءة ابن كثير.
وإن قيل: ما وجه الحكمة في تفصيل القرآن على السور؟
قيل: فيه وجوه من الجواب احدها - أن القارى، اذا خرج من فن إلى فن كان احلى في نفسه وأشهى لقراءته ومنها - ان جعل الشئ مع شكله، وما هو أولى به هو الترتيب الذي يعمل عليه ومنها - أن الانسان قد يضعف عن حفظ الجميع، فيحفظ سورة تامة ويقتصر عليها، وقد يكون ذلك سببا يدعوه إلى غيرها ومنها - ان التفصيل أبين، إذ كان الاشكال مع الاختلاط والالتباس أكثر.
ومنها - ان كلما ترقى اليه درجة درجة ومنزلة منزلة كانت القوة عليه اشد، والوصول اليه أسهل وانما السورة منزلة يرتفع منها إلى منزلة
(1) سورة الفاتحة
اسماؤها - وسبب تسميتها بها
روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه سماها أم القرآن، وفاتحة الكتاب والسبع المثاني فسميت فاتحة الكتاب لانه يفتتح بكتابتها المصاحف وبقراءتها في الصلاة، فهي فاتحة لمايتلوها من سور القرآن في الكتابة والقراءة وسميت ام القرآن لتقدمها على سائر القرآن وتسمي العرب كل جامع أمرا، او متقدم لامر اذا كانت له توابع تتبعه أما فيقولون للجلدة التي تجمع الدماغ أم الرأس، وتسمي لواء الجيش، ورايتهم التي يجتمعون تحتها أما ومن ذلك قول ذي الرمة:
واسمر قوام اذا نام صحبتي
خفيف الثياب لا تواري له إزرا
على رأسه ام لنا نقتدي بها
جماع امور لا نعاصي له امرا
يصف راية معقودة على قناة يجتمع تحتها هو وصحبه وقيل: مكة ام القرى لتقدمها امام جميعها، وجميعها ما سواها وقيل: إنما سميت بذلك، لان الارض دحيت منها فصارت لجميعها أما ومن ذلك قول حميد بن ثور الهلالي:
اذا كانت الخمسون امك لم يكن
لدائك إلا ان تموت طبيب
لان الخمسين جامعة ما دونها من العدد، فسماها ام الذي بلغها وسميت السبع لانها سبع آيات - بلاخلاف في جملتها - وسميت مثاني لانها تثنى بها في كل صلاة فرض ونفل وقيل في كل ركعة وليس اذا سميت بانها مثاني منع ذلك تسمية غيرها بالمثاني من سور المئين على ما مضى القول فيه واتفق القراء على التلفظ باعوذ بالله من الشيطان الرجيم قبل التسمية
المعنى: ومعنى ذلك استجير بالله دون غيره لان الاستعاذة هي الاستجارة

(1/21)


تفسير التبيان ج1
وقوله: من الشيطان فالشيطان في اللغة كل متمرد من الجن والانس والدواب، ولذلك قال الله تعالى: " وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الانس والجن "(1) فجعل من الانس شياطين كما جعل من الجن وانما سمي المتمرد شيطانا، لمفارقة اخلاقه وافعاله أخلاق جميع جنسه وبعده من الخير وقيل: هو مشتق من قولهم شطنت داري أي بعدت، ومنه قول نابغة بني ذبيان:
نأت سعاد(2) عنك نوى شطون
فبانت والفؤاد بها رهين
والشطون البعيد فيكون شيطانا على هذا: فيعالا من شطن على وزن بيطار وغيداق(3).
قال امية بن ابي الصلت:
أيما شاطن(4) عصاه عكاه(5)
ثم يلقى السجن والاكباد(6)
ولو كان مشتقا من شاط لقال: شائط ولما قال: شاطن علم أنه مشتق من شطن والشطن الحبل وأما الرجيم فهو فعيل بمعنى مفعول كقولهم كف خضيب ولحية دهين ورجل لعين يراد مخضوبة ومدهونة وملعون ومعنى المرجوم المشتوم فكل مشتوم بقول ردي فهو مرجوم وأصل الرجم الرمي بقول كان أو بفعل ومنه قوله تعالى " لئن لم تنته لارجمنك "(7) ويجوز أن يكون الشيطان رجيما لان الله طرده من سمائه ورجمه بالشهب الثاقبة وسورة الحمد مكية في قول قتادة ومدنبة في قول مجاهد وليس فيها ناسخ ولا منسوخ
---
(1) سورة الانعام آية: 112.
(2) بسعاد.
(3) شاب غيداق: ناعم والغيداق: الكريم.
(4) الشاطن الخبيث والشيطان كل عات متمرد من انس أو جن أودابة.
(5) عكاه: عقده.
(6) الكبد الشدة الجمع أكباد.
(7) سورة مريم آية 46.

(1/22)


تفسير التبيان ج1
بسم الله الرحمن الرحيم
الحجة - عندنا آية من الحمد ومن كل سورة بدلالة إثباتهم لها في المصاحف بالخط الذي كتب به المصحف مع تجنبهم إثبات الاعشار والاخماس كذلك وفي ذلك خلاف ذكرناه في خلاف الفقهاء ولا خلاف أنها بعض سورة النمل.
فاما القراء فترك الفصل بين السور بالتسمية حمزة وخلف ويعقوب واليزيدي إلا القرطي عن سجادة بن اللبان عن مدين والمعدل إلا السوسي من طريق ابن حبش والباقون يفصلون بالتسمية إلا بين الانفال والتوبة وعندنا أن من تركها في الصلاة بطلت صلاته لان الصلاة عندنا لا تصح إلا بفاتحة الكتاب وهي من تمامها سواء كانت الصلاة فرضا أو نافلة، وفيه خلاف ذكرناه في خلاف الفقهاء ومن قال انها ليست من القرآن قال إن الله أدب نبيه وعلمه تقديم ذكر اسم الله أمام جميع أفعاله وأقواله ليقتدي به جميع الخلق في صدور رسالاتهم وأمام حوائجهم قالوا والدليل على أنها ليست من القرآن أنها لو كانت من نفس الحمد لوجب أن يكون قبلها مثلها لتكون إحداهما افتتاحا للسورة حسب الواجب في سائر السور والاخرى أول آية منها وهذا عندنا ليس بصحيح لا ناقد بينا أنها آية من كل سورة ومع هذا لم يتقدمها غيرها، على أنها لايمتنع أن تكون من نفس التلاوة وإن تعبدنا باستعمالها في استفتاح جميع اموره، ومن قال إن قوله " الرحمن الرحيم " بعد قوله " الحمد لله رب العالمين " يدل على أن التي افتتح بها ليست من الحمد وإلا كان يكون ذلك تكرارا بلا فصل شئ من الآيات قبل ذلك وليس بموجود في شئ من القرآن فقوله باطل لانه قد حصل الفصل بقوله " الحمد لله رب العالمين "(1) وقد ورد في مثله في: قل يا ايها الكافرون لاأعبد ما تعبدون ولا انتم عابدون ما اعبد، ولا انا عابد ما عبدتم ولا انتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين "(2)
---
(1) سورة الحمد آية 1.
(2) سورة الكافرون بتمامها.

(1/23)


تفسير التبيان ج1
وكرر آيتين بلفظ واحد فصل بينهما بآية واحد وقد ذكرنا الادلة على صحة ما ذهبنا اليه في خلاف الفقهاء ومن جعلها آية جعل من قوله " صراط الذين انعمت عليهم إلى آخرها آية ومن لم يجعلها كذلك جعل: صراط الذين انعمت عليهم آية وعندنا انه يجب الجهر بها فيما يجهر فيه بانقراءة ويستحب الجهر بها فيما لا يجهر فيه
الاعراب: وقوله تعالى " بسم الله " يقتضي فعلا تتعلق به الباء، ويجوز أن يكون ذلك الفعل قوله أبدأ أو أقرأ بسم الله أو شبهه أو قولوا بسم الله، ولم يذكر لدلالة الكلام عليه وحذفت الالف في اللفظ لانه ألف الوصل تسقط في الدرج وحذفت ههنا وحدها في الخط لكثرة الاستعمال ولا تحذف في قوله تعالى " إقرأ باسم ربك "(1) وقوله " فسبح باسم ربك " وما أشبه ذلك لقلة استعمالها هناك وذكر ابوعبيدة ان " اسم " صلة والمراد هو الله الرحمن الرحيم واعتقد قوم لاجل ذلك ان الاسم هو المسمى واستدلوا بقول لبيد
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما
ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
قال ومعناه السلام عليكما فاسم السلام هو السلام وهذا خطأ عظيم ذكرناه في شرح الجمل في الاصول ومعنى قول الشاعر ثم اسم السلام انه أراد به اسم الله تعالى لان السلام من اسماء في قوله " السلام المؤمن المهيمن " وهذا كما قال عليه السلام " لا تسبوا الدهر فان الله هو الدهر " اي ان الله هو الفاعل لما تضيفونه إلى الدهر وتسبونه لاجله ونظير ذلك ايضا قول القائل اذا سمع غيره يشتم زيدا وهو يريد عمروا(2) (زيد في هذا المكان هو عمرو) اي هو المراد بالشتم دون زيد ويحتمل ان يكون اراد اسم الله عليكما اي الزماه وانما رفع لانه اخر (عليكما كما قال الشاعر:
---
(1) سورة العلق آية 1.
(2) عمرو لا تقبل الواو في حالة التنوين بالفتح.

(1/24)


تفسير التبيان ج1
ياايها المانح(1) دلوي دونكا
اني رأيت الناس يحمدونكا
والمراد دونك دلوي فكيف يكون الاسم هو المسمى وقد يعرف الاسم من لايعرف المسمى والاسم يكون مدركا وان لم يدرك المسمى والاسم يكتب في مواضع كثيرة والمسمى لا يكون إلا في موضوع واحد ولو كان الاسم هو المسمى لكان اذا قال القائل " نار " احترق لسانه واذا قال " عسل " وجد الحلاوة في فمه، وذلك تجاهل، ومن قال: " إن ذلك تسمية وليس ذلك باسم " قوله باطل، لان القائل لو قال: اكلت اسم العسل، لكان جاهلا.
وقال يقوم: إن (اسم) ليس بصلة، والمراد ابتدئ بتسمية الله، فوضع الاسم موضع المصدر ويكون موضع (بسم) نصبا.
قالوا لان العرب تجري المصادر المبهمة على اسماء مختلفة، كقولهم: اكرمت فلانا كرامة، واهنت فلانا هوانا، وكلمته كلاما وكان يجب ان يكون: اكرمته إكراما واهنته اهانة وكلمته تكليما ومنه قول الشاعر:
أكفرا بعد رد الموت عني
وبعد عطائك المئة الرتاعا(2)
وقال آخر:
فان كان هذا البخل منك سجية
لقد كنت في طول رجائك اشعبا(3)
أراد في اطالتي رجاك فيكون على هذا تقدير الكلام: أقرأ مبتدئا بتسمية الله، وابتدئ قراءتي بسم الله. فجعل الاسم مكان التسمية، وهذا أولى، لان المأموران يفتتح العباد امورهم بتسمية الله، لا بالخبر عن عظمته وصفاته، كما امروا بالتسمية على الذبائح والصيد، والاكل، والشرب.
وكذلك امروا بالتسمية عند افتتاح تلاوة تنزيل الله تعالى، ولا خلاف أن القائل لو قال عند الذباحة: بالله ولم يقل: باسم الله لكان مخالفا للمأمور.
اللغة: والاسم مشتق من السمو وهو الرفعة والاصل فيه سمو بالواو، وجمعه اسماء
---
(1) اسم فاعل من متح. متح الماء كمنع نزعه.
(2) صفة الابل.
(3) اسم رجل يضرب المثل بشدة حرصه وطمعه.

(1/25)


تفسير التبيان ج1
مثل قنو واقناء، وحنو واحناء. واذا صغرته قلت سمي.
قال الراجز: باسم الذي في كل سورة سمه والسمة ايضا - ذكره ابوزيد وغيره وقيل انه مشتق من وسمت وذلك غلط لان ما حذفت واو الفعل منه لا يدخله الف الوصل: نحو عدة ووعد، وزنه ووزن. لما حذفت الفاء لم تدخل عليه الالف وايضا كان يجب اذا صغران يرد الواو فيقال: وسيم، كما يقال وعيدة ووزينة ووصيلة في تصغير عدة وزنه وصلة.
والامر بخلافه وحكي عن ابن كيسان انه قال: انه لقب فلذلك ابتدئ به واتبع بالرحمن لانه يختصه ثم بالرحيم لانه يشاركه فيه غيره والصحيح انه ليس بلقب لان اللقب انما يجوز على من تجوز عليه الغيبة والحضور وهما لا يجوزان عليه ولانه يمكن وصفه بصفة لا يشاركه فيها غيره ولا معنى للقب لانه عيب والصحيح انه اسم مقيد لكنه لا يطلق إلا عليه تعالى وقيل في معناها قولان: احدهما - ان اصله لاه كما قال الشاعر:
كحلقة من ابي رياح
يسمعها لاهه الكبار
فادخل عليه الالف واللام والثاني: ان اصله إله فادخلت عليه الالف واللام ثم خففت الهمزة وادغمت احدى اللامين في الاخرى فقيل: الله وإله معناه يحق العبادة وانما يحق له العبادة لانه قادر على خلق الاجسام واحيائها والانعام عليها بما يستحق به العبادة ولذلك يوصف فيما لم يزل بانه إله ولا يجوز أن يكون إلها للاعراض ولا للجوهر لاستحالة ان ينعم عليها بما يستحق به العبادة وهو إله الاجسام: حيوانها وجمادها لانه قادر على ان ينعم على كل جسم بما معه العبادة وليس الاله من يستحق العبادة، لانه لو كان كذلك لما وصف فيما لم يزل بانه إله لانه لم يفعل الانعام الذي يستحق به العبادة ومن قال: انه إله للجماد فقد أخطأ لما قلناه من انه عبارة عمن يستحق العبادة وهو انه قادر على اصول النعم التي يستحق بها

(1/26)


تفسير التبيان ج1
العبادة دون ان يكون عبارة عمن يستحق العبادة ولا يجوز ان يوصف بهذه الصفة غير الله وفى الناس من قال انه مشتق من الاله، لان الخلق يألهون اليه: أي يفزعون اليه في امورهم فقيل للمألوه: إله كما قيل للمؤتم: إمام وقال بعضهم انه مشتق من الولهان وهذا غلط، لان الولهان: الهيمان وذلك لا يجوز في صفات الله تعالى على ان التصريف بلزوم الهمزة يشهد بفساد هذا على ما قاله آخرون وقال قوم هو مشتق من الالوهية التي هي العبادة يقال فلان متأله أي متعبد قال رؤبة
لله در الغانيات المدة(1)
لما رأين حليي المموه
سبحن واسترجعن من تألهي
أي من تعبدي قرأ ابن عباس (ويذرك وآلهتك(2) يعني عبادتك ويقال أله الله فلان الهه كما يقال عبده عبادة وقيل انه مشتق من الارتفاع يقول العرب للشئ المرتفع لاه يقولون طلعت لاهة أي الشمس وغربت أيضا وقيل وصف به تعالى لانه لا تدركه الابصار ومعنى لاه: أي احتجب عنا قال الشاعر:
لاه ربي عن الخلائق طرا
خالق الخلق لا يرى ويرانا
وقيل سمي الله لانه يوله القلوب بحبه (الرحمن الرحيم) اللغة - هما اسمان مشتقان من الرحمة وهي النعمة التي يستحق بها العبادة وهما موضوعان للمبالغة وفي رحمان خاصة مبالغة يختص الله بها وقيل ان تلك المزية من حيث فعل النعمة التي يستحق بها العبادة لا يشاركه في هذا المعنى سواه والاصل في باب فعل يفعل وفعل يفعل ان يكون اسم الفاعل فاعلا فان ارادوا المبالغة حملوا على فعلان وفعيل كما قالوا غضب فهو غضبان وسكر فهو
---
(1) المده ج ماده وهو المادح.
(2) سورة الاعراف آية 126.

(1/27)


تفسير التبيان ج1
سكران اذا امتلا غضبا وسكرا وكذلك قالوا: رحم فهو رحمان وخصوه به تعالى لما قلناه وكذلك قالوا علم فهو عليم ورحم فهو رحيم وعلى هذا الوجه لا يكونان للتكرار كقولهم ندمان ونديم بل التزايد فيه حاصل والاختصاص فيه بين وقيل في معنى الرحيم: لا يكلف عباده جميع ما يطيقونه فان الملك لا يوصف بانه رحيم اذا كلف عبيده جميع ما يطيقونه ذكره ابوالليث وانما قدم الرحمن على الرحيم لان وصفه بالرحمن بمنزلة الاسم العلم من حيث لا يوصف به إلا الله تعالى فصار بذلك كاسم العلم في انه يجب تقديمه على صفته.
وورد الاثر بذلك روى ابوسعيد الحذري عن النبي صلى الله عليه وآله ان عيسى بن مريم قال: الرحمن رحمن الدنيا والرحيم رحيم الآخرة وروي عن بعض التابعين انه قال: الرحمن بجميع الخلق والرحيم بالمؤمنين خاصة ووجه عموم الرحمن بجميع الخلق هو انشاؤه اياهم وجعلهم احياء قادرين وخلقه فيهم الشهوات وتمكينهم من المشتهيات وتعريضهم بالتكليف لعظيم الثواب ووجه خصوص الرحيم بالمؤمنين، مافعل الله تعالى بهم في الدنيا من الالطاف التي لم يفعلها بالكفار وما يفعله بهم في الآخرة من عظيم الثواب فهذا وجه الاختصاص وحكي عن عطاء أنه قال: الرحمن كان يختص الله تعالى به فلما تسمى مسيلمة بذلك صار الرحمن الرحيم مختصين به تعالى ولا يجتمعان لاحد وهذا الذي ذكره ليس بصحيح لان تسمى(1) مسيلمة بذلك لا يخرج الاسم من أن يكون مختصا به تعالى لان المراد بذلك استحقاق هذه الصفة وذلك لا يثبت لاحد كما أنهم سموا اصنامهم آلهة ولم يخرج بذلك من أن يكون الاله صفة يختص بالوصف به وقال بعضهم إن لفظة الرحمن ليست عربية، وانما هي ببعض اللغات كقوله تعالى " قسطاس " فانها بالرومية واستدل على ذلك بقوله تعالى: " قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا "(2) إنكارا منهم لهذا الاسم حكي ذلك عن تغلب والصحيح
---
(1) وفي نسخة تسمية.
(2) سورة الفرقان آية 6.

(1/28)


تفسير التبيان ج1
انه معروف واشتقاقه من الرحمة على ما بينا قال الشنفري:
ألا ضربت تلك الفتاة هجينها
ألا ضرب الرحمن ربي يمينها
وقال سلامة بن جندل الطهوري:
عجلتم عليه قد عجلنا عليكم
وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق
وحكي عن ابي عبيدة انه قال: " رحمن: ذو رحمة ورحيم معناه انه راحم وكرر لضرب من التأكيد كما قالوا ندمان ونديم " وانما قدم اسم الله لانه الاسم الذي يختص به من يحق له العبادة وذكر بعده الصفة ولاجل ذلك اعرب باعرابه وبدأ بالرحمن لما بينا ان فيه المبالغة.
وما روي عن ابن عباس من انهما اسمان رقيقان احدهما ارق من الآخر. فالرحمن الرقيق والرحيم العطاف على عباده بالرزق محمول على انه يعود عليهم بالفضل بعد الفضل وبالنعمة بعد النعمة لانه تعالى لا يوصف برقة القلب.
ودلت هذه الآية على التوحيد لان وصفه بالرحمن يقتضي مبالغة في الوصف بالرحمة على وجه يعم جميع الخلق وذلك لا يقدر عليها غير الله القادر لنفسه وذلك لا يكون إلا واحدا ولان وصفه بالالهية يفيد انه تحق له العبادة وذلك لا يكون إلا للقادر للنفس وهي تدل على العدل لان وصفه بالرحمة التي وسعت كل شئ، يعم كل محتاج إلى الرحمة من مؤمن وكافر وطفل وبالغ من كل حي، وذلك يبطل قول المجبرة الذين قالوا ليس لله على الكافر نعمة ولانها صفة مدح تنافي وصفه بانه يخلق الكفر في الكافر ثم يعذبه عليه لان هذا صفة ذم.
الحمد لله رب العالمين
الاعراب: اجمع القراء على ضم الدال من الحمد وكسر اللام الاولى من لله وكان يجوز أن يفتح الدال مع كسر اللام ويكسر الدال واللام(1) نكن لم يقرأ به إلا أهل البوادي ومن نصب فعلى المصدر ومن كسرهما اتبع كسرة الدال كسرة
---
(1) وبضمهما

(1/29)


تفسير التبيان ج1
اللام ومن ضمهما اتبع ضم الدال بضمة اللام(1).
ونصب الدال لغة في قريش والحارث بن اسامة بن لؤي وكسرها لغة في تمميم وغطفان وضمها لغة في ربيعة توهموا انه حرف واحد مثل الحلم وقوله: لله مخفوض بالاضافة ورب العالمين(2) مخفوض لانه نعت ويجوز نصبه على الحال والنداء وما قرئ به والعالمين مخفوض بالاضافة ونونها مفتوحة لانها نون الجمع فرقا بينها وبين نون التثنية وبعض قيس يحذف الالف التي قبل الهاء ويخلس الهاء ويشددها ويقصرها انشد بعضهم:
ألا لا بارك الله في سهيل
اذا ما بارك الله في الرجال
اختلس الاولى واشبع الثانية ويقرأ بهذا ومعنى الحمد لله الشكر لله خالصا دون سائر ما يعبد بما أنعم على عباده من ضروب النعم الدينية والدنياوية(3) وقال بعضهم: الحمدلله ثناء عليه باسمائه وصفاته وقوله الشكر لله ثناء على نعمه وأياديه، والاول أصح في اللغة، لان الحمد والشكر يوضع كل واحد منهما موضع صاحبه.
ويقال أيضا: الحمد الله شكرا فنصب شكرا على المصدر، ولو لم يكن في معناه لما نصبه ودخول الالف واللام فيه لفائدة الاستيعاب، فكانه قال جميع الحمدلله، لان التالي مخبر بذلك، ولونصبه فقال حمدا لله أفاد أن القائل هو الحامد فحسب وليس ذلك المراد، ولذلك اجتمعت القراء على ضم الدال على ما بيناه، والتقدير: قوله الحمدلله.
واذا كان الحمد هو الشكر، والشكر هو الاعتراف بالنعمة على ضرب من التعظيم فالمدح ليس من الشكر في شئ وانما هو القول المنبئ عن عظم حال الممدوح مع القصد اليه.
وأما الرب فله معان في اللغة: فيسمى السيد المطاع ربا، قال لبيد بن ربيعة:
فاهلكن يوما رب كندة وابنه
ورب معد بين خبت(4) وعرعر(5)
---
(1) واتبع ضم اللام بضم الدال - لعله الاصح.
(2) العالمين زائدة.
(3) دنيوية والالف زائدة. لان الواو قلبت عنها " 4 و 5 " خبت وعرعر موضعان.

(1/30)


تفسير التبيان ج1
يعني سيد كندة.
ومنه قوله تعالى: " أما أحد كما فيسقي ربه خمرا " يعني سيده ويسمى الرجل المصلح ربا قال الفرزدق بن غالب:
كانوا كسالئة(1) حمفاء اذ حقنت
سلائها في اديم غير مربوب
يعني غير مصلح ومنه قيل فلان رب ضيعة اذا كان يحاول اتمامها والربانيون من هذا من حيث كانوا مدبرين لهم واشتق رب من التربية يقال ربيته وربيته بمعنى واحد والربى الشاة ولدت حديثا لانها تربى.
وقوله (رب العالمين) أي المالك لتدبيرهم والمالك للشئ يسمى ربه ولا يطلق هذا الاسم إلا على الله وأما في غيره فبقيد فيقال: رب الدار ورب الضيعة وقيل انه مشتق من التربية ومنه قوله تعالى: (وربائبكم اللاتي في حجوركم) ومتى قيل في الله انه رب بمعنى انه سيد فهو من صفات ذاته.
واذا قيل بمعنى انه مدبر مصلح فهو من صفات الافعال والعالمين جمع عالم وعالم لا واحد له من لفظه كالرهط والجيش وغيرذلك والعالم في عرف اللغة عبارة عن الجماعة من العقلاء لانهم يقولون جاءني عالم من الناس ولا يقولون جاءني عالم من البقر وفي عرف الناس عبارة عن جميع المخلوقات وقيل انه ايضا اسم لكل صنف من الاصناف وأهل كل زمن من كل صنف يسمى عاما ولذلك جمع وقيل عالمون لعالم كل زمان قال العجاج: فخندف(2) هامة هذا العالم وهذا قول اكثر المفسرين كابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم واشتقاقه من العلامة لانه علامة ودلالة على الصانع تعالى وقيل انه من العلم - على ما روى ابن عباس - قال هم صنف من الملائكة والانس والجن لانه يصح ان يكون كل صنف منهم عالما فان قيل كيف يجوزان يقول الحمد لله والقائل هو الله تعالى وان(3) كان يجب ان يقول الحمد لنا.
قيل العالي الرتبة اذا خاطب من دونه لا يقول كما يقول للنظير ألا ترى ان السيد يقول لعبده الواجب ان تطيع سيدك ولا
---
(1) سلا السمن: عالجه.
(2) لقب اولاد الياس بن مضر.
(3) وكان يجب.

(1/31)


تفسير التبيان ج1
تعصيه، وكذلك يقول الاب لابنه يلزمك أن تبر أباك والمنة لابيك والخلفاء يكتبون عن انفسهم إن أميرالمؤمنين رأى كيت وكيت ليقع ذلك موقع اجلال واكرام واعظام على انا قد بينا ان المراد بذلك: قولوا الحمدلله وحذف لدلالة الكلام عليه.
الرحمن الرحيم
مخفوضان لانهما نعت لله وقد مضى معناهما(1)
قوله: مالك يوم الدين
القراءة: قرأ عاصم والكسائي وخلف ويعقوب: ومالك بالالف.
الباقون ملك بغير الف، ولم يمل أحد الف مالك وكسر جميعهم الكاف وروي عن الاعمش انه فتحها على النداء وربيعة بن نزار يخففون مالك ويسقطون الالف فيقولون: ملك بتسكين اللام وفتح الميم كما قال ابوالنجم تمشي الملك عليه حلله والالف ساقط في الخط في القراءتين والمعول على الاولتين دون النصب وإسكان اللام ومعنى ملك يوم الدين باسقاط الالف أنه الملك يومئذ لا ملك غيره وأنه لا يؤتى في ذلك الوقت أحدا الملك كما اتاه في الدنيا، وقوى ذلك بقوله تعالى: " لمن الملك اليوم؟
لله الواحد القهار(2) وبانه يطابق ما تقدم من قوله: " رب العالمين الرحمن الرحيم " ومن قرأ مالك بالف معناه انه مالك يوم الدين والحساب لايملكه غيره ولايليه سواه
---
(1) في تفسير البسملة.
(2) سورة ابراهيم: آية 48.

(1/32)


تفسير التبيان ج1
اللغة والمالك هو القادر على التصرف في ماله وأن يتصرف فيه على وجه ليس لاحد منعه منه ويوصف العاجز بأنه مالك من جهة الحكم والملك هو القادر الواسع القدرة الذي له السياسة والتدبير ويقال ملك بين الملك مضمومة الميم ومانك بين الملك والملك بفتح الميم وكسرها وضم الميم فيه لغة شاذة ذكرها ابوعلي الفارسي.
ويقال طالت مملكة الامير ومملكته بكسر اللام وفتحها وطال ملكه وملكه اذا طال رقه، واعطاني من ملكه وملكه ولي في هذا الوادي ملك وملك وملك ويقال نحن عبيد مملكة وليس بعبيدقن اي سبيا لم يملك في الاصل ويقال: شهدنا املاك فلان وملكه ولا يقال ملاكه فأصل الملك الشد من قول الشاعر:
ملكت بها كفي وانهرت(1) فقعها(2)
اي شددت وملكت العجين اي شددت عجنه ويقال: هذا ملك فلان اذا كان له التصرف فيه على ما بيناه فأما من رجح قراءة ملك من حيث انه وصف نفسه بأنه ملك كل شئ بقوله " رب العالمين " فلا فائدة في تكرير ما قد مضى فقد ابعد لان في القرآن له نظائر تقدمها العام وذكر بعد العام الخاص: " اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق(3) " فعم في الاول ثم خص ذكر لانسان تنبيها على تأمل ما فيه من اتقان الصنعة ووجوه الحكمة كما قال: " وفي نفسكم افلا تبصرون؟(4) " ولذلك نظائر كثيرة وفي الناس من قال ان ملك ابلغ في المدح من مالك لان ملك مالك وليس كل مالك ملكا وقال تغلب: إن مالك ابلغ من ملك لانه قد يكون الملك على من لا يملك كما يقال ملك الروم وان كان لا يملكهم ولا يكون مالكا إلا
---
(1) انهن وسع والصحيح فأنهرت.
(2) الصحيح فتقها قاله قيس بن الخطيم.
(3) سورة العلق آية 1 و 2.
(4) سورة الذاريات آية 21.

(1/33)


تفسير التبيان ج1
على ما يملك وقال بعضهم: ان مالك أبلغ في المدح للخالق من ملك وملك أبلغ في مدح المخلوقين من مالك لان مالك من المخلوقين قد يكون غير ملك واذا كان الله تعالى مالكا كان ملكا والاقوى أن يكون مالك أبلغ في المدح فيه تعالى لانه ينفرد بالملك ويملك جميع الاشياء فكان أبلغ وقوله تعالى: " يوم الدين "
الاعراب: مجرور بالاضافة قي القراءتين معا، وهو من باب يا سارق الليلة أهل الدار اتسع في الظرف فنصب نصب المفعول به ثم اضيف على هذا الحد وليس ذلك مثل قوله: (وعنده علم الساعة) مفعول بها(1) على الحقيقة ولا أن جعل الظرف مفعولا على السعة لان الظرف اذا جعل مفعولا على السعة فمعناه معنى الظرف ولو جعل ظرفا لكان المعنى: يعلم في الساعة وذلك لا يجوز لانه تعالى يعلم في كل وقت والمعنى: انه يعلم الساعة أي يعرفها ومن نصب انما هرب ان يخرج من خطاب الغائب إلى المواجه في قوله " اياك نعبد واياك نستعين " وليس ذلك ببديع لانه مستعمل في القرآن وفى الشعر قال الله تعالى: " حتى اذا كنتم في الفلك وجرين بهم "(2) فعدل عن خطاب المواجه إلى الكنانة عن الغائب وقال الشاعر:
كذبتم وبيت الله لاتنكحونها
بني شاب قرناها تصر(3) وتحلب
وقال ابوكثير الهلالي:
يالهف نفسي كان جدة خالد
وبياض وجهك للتراب الاعفر
وقال لبيد بن ربيعة:
قامت(4) تشكي الي النفس مجهشة(5)
وقد حملتك سبعا بعد سبعينا
فرجع إلى مخاطبة نفسه وقد تقدم الاخبار عنها
---
(1) به.
(2) سورة يونس: آية 22.
(3) صر الناقة يصرها - بالضم - صراشد ضرعها - القاموس القرن: الضفيرة.
(4) باتت.
(5) موهنة - العقد الفريد مجهشة - لسان العرب

(1/34)


تفسير التبيان ج1
وقال الكسائي التقدير: قولوا اياك نعبد.
فيكون على حكاية ما امروا به اللغة: والدين الحساب والدين الجزاء ايضا قال كعب بن جعيل:
اذا ما رمونا رميناهم
ودناهم فوق ما يقرضونا
وقال آخر:
واعلم وايقن ان ملكك زائل
واعلم بانك ما تدين تدان
يعني: ما تجزي تجزى ومنه قوله تعالى: (كلا بل تكذبون بالدين) يعني بالجزاء وقوله: (فلولا ان كنتم غير مدينين) أي غير مجزيين وبهذا قال جماعة من التابعين كسعيد بن جبير وقتادة وروي عن ابن عباس ومجاهد وابي جعفر: انه الحساب والدين ايضا الطاعة وقال عمرو بن كلثوم:
وايام لنا غر طوال
عصينا الملك فيها ان ندينا
والدين الملك قال زهير:
لئن حللت بجو في بني أسد
في دين عمرو وحالت بيننا فدك
والدين القهر والاستعلاء قال الاعشى:
هو دان الرباب اذ كرهوا الدين دراكا بغزوة وصقال(1)
يعني ذللهم للطاعة والدين العادة قال المثقب العبدي:
تقول وقد درأت لها وضينى
أهذا دينه ابدا وديني
التفسير: (ويوم الدين) عبارة عن زمان الجزاء كله وليس المراد به ما بين المشرق والمغرب وطلوع الشمس إلى غروبها
---
(1) وارتحال وفي مجمع البيان: وصيال

(1/35)


تفسير التبيان ج1
إياك نعبد وإياك نستعين
الاعراب: إياك نصب بوقوع الفعل عليه وموضع الكاف في إياك خفض باضافة إيا اليها وإيا اسم للضمير المنصوب إلا انه ظاهر يضاف إلى سائر المضمرات نحو قوله: إياك ضربت وإياه ضربت وإياي ضربت ولو قلت: إيا زيد حدثت كان قبيحا لانه خص به المضمر وقد روى الخليل جوازه وهو قولهم: اذا بلغ الرجل الستين فاياه وإيا الشواب(1) وقال الاخفش لا موضع للكاف من الاعراب لانها حرف الخطاب وهو قول ابن السراج واختاره الرماني لان المضمر معرفة تمتنع من الاضافة كما تمتنع من الصفة وحملوا ما رواه الخليل على الشذوذ ولو قلت نعبد إياك لم يجز لانك تقدر على ضميرمتصل بان تقول نعبدك فلا يجوز ان تأتي بضمير منفصل ولانه لو أخر لكان قد قدم ذكر العابد على المعبود وليس بجيد ومن قال إن إياك بكماله اسم فقد أخطأ لانه لو كان كذلك لما اضيف كما حكيناه في قولهم إياه وإيا الشواب لانهم اجروا الهاء فيه مجرى الهاء في عصاه والنون مفتوحة من نعبده وقد روي يحيى بن وثاب، انه كان يكسرها وهي لغة هذيل يقولون نعلم وتعلم واعلم وتخاف وتقام وتنام فيكسرون أوائل هذه الحروف كلها ولا يكسرون الياء ولافي يستفعل ويفتعل فلا يقولون يبيض ويطمس - بكسر الياء - بل يفتحونها والدال والنون مرفوعان لان في أوله أحد الزوايد الاربع فاعربا.
المعنى واللغة: والعبادة ضرب من الشكر مع ضرب من الخضوع ولا تستحق إلا باصول
---
(1) امرأة شابة ونسوة شواب

(1/36)


تفسير التبيان ج1
النعم التي هي خلق الحياة والقدرة والشهوة ومايقدر من النعم لا يوازيه نعمة منعم فلذلك اختص الله بأن يعبد وان استحق بعضنا على بعض الشكر والعبادة في اللغة الذلة يقال هذا طريق معبد اذا كان مذللا بكثرة الوطئ وبعير معبد اي مذلل بالركوب وقيل اصله اذا طلي بالقطران وسمي العبد عبدا لذلته لمولاه ومن العرب من يقول: هياك فيبدل الالف هاء كما يقولون: هيه وايه ونستعين اي نطلب منك المعونة على طاعتك وعبادتك واصله نستعون لانه من المعونة فقلبت الواو ياء لثقل الكسرة عليها ونقلت كسرتها إلى العين قبلها وبقيت الياء ساكنة والتقدير في اول السورة إلى ههنا اي قل يامحمد هذا الحمد وهذا كما قال: " ولو ترى اذا المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم ربنا ابصرنا(1) اي: يقولون ربنا وكما قال: " والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم " اي: يقولون سلام عليكم وحمزة والكسائي اذا وقفا اشما الدال الرفع وكذلك في سائر القرآن فاما اذا وقفا على النصب تخير الكسائي الاشمام وتركه اجود ومن استدل بهذه الآية على أن القدرة مع الفعل من حيث إن القدرة لو كانت متقدمه لما كان لطلب المعونة وجه اذا كان الله قد فعلها فيه فقد اخطأ لان الرغبة في ذلك تحتمل امرين:
احدهما - ان يسأل الله تعالى من الطافه وما يقوي دواعيه ويسهل الفعل عليه ما ليس بحاصل ومتى لطف له بأن يعلمه أن له في عاقبة الثواب العظيم والمنازل الجليلة زاد ذلك في نشاطه ورغبته.
والثاني - ان يطلب بقاء كونه قادرا على طاعاته المستقبلة بأن يجدد له القدرة حالا بعد حال عند من لا يقول ببقائها اولا يفعل ما يضادها وينفيها عند من قال ببقائها فان قيل هلا قدم طلب المعونة على فعل العبادة لان العبادة لاتتم إلا بتقدم المعونة اولا؟ قيل: في الناس من قال المراد به التقديم والتأخير فكانه قال: اياك نستعين واياك نعبد ومنهم من قال: ليس يتغير بذلك المعنى كما إن
---
(1) سورة الم السجدة آية 12

(1/37)


تفسير التبيان ج1
القائل اذا قال احسنت الي فقضيت حاجتي او قضيت حاجتي فأحسنت الي فان في الحالين المعنى واحد قال قوم انهم سألوا لمعونة على عبادة مستأنفة لاعلى عبادة واقعة منهم وانما حسن طلب المعونة وان كان لابد منها مع التكليف على وجه الانقطاع اليه كما قال: " رب احكم بالحق " ولانه قد لا يكون في ادامته التكليف اللطف ولا في فعل المعونه به الا بعد تقدم الدعاء من العبد وانما كرر اياك لان الكاف التي فيها هي كاف الضمير التي كانت تكون بعد الفعل في قوله نعبدك فلما قدمت زيد عليها أبا لان الاسم اذا انفرد لا يمكن ان يكون على حرف واحد فقيل اياك ولما كانت الكاف يلزم تكرارها لو كرر الفعل وجب مثل ذلك في اياك الا ترى انه لو قال نعبدك ونستعينك ونستهديك لم يكن بدمن تكرير الكاف وكذلك لو قدم فقيل اياك نعبد واياك نستعين وفيه تعليم لنا ان نجدد ذكره عند كل حاجة ومن قال انه يجري مجرى قول عدي بن زيد العبادي:
وجاعل الشمس مصرا(1) لا خفاء به
بين النهار وبين الليل قد فصلا
وكقول اعشى همدان:
بين الاشج وبين قيس باذخ
بخ بخ لوالده وللمولود
فكرر لفظ بين فقد اخطأ لان في البيتين لو لم تكرر بين لكان الفعل مستحيلا الا ترى انه لو قال الشمس قد فصلت بين النهار لم يكن كلاما صحيحا وكذلك البيت الآخر وليس كذلك الآية لانه لو قال اياك نعبد وسكت لكان مستقلا بنفسه ولهذا طعن به بعض المفسرين وعندي ان هذا ليس بطعن، لانه مغالطة لانه لو قال بين النهار والليل لكان كلاما صحيحا وانما كرر بين وكذلك لو قال اياك نعبد ونستعين كان كلاما صحيحا وانما كرر اياك تأكيدا والعلة ما ذكرناه اولا
---
(1) المصر: الحاجز

(1/38)


تفسير التبيان ج1
قوله: إهدنا الصراط المستقيم
القراءة: قرأ ابن كثير في رواية ابن مجاهد عن قنبل والكسائي من طريق ابن حمدون ويعقوب من طريق رويس(1) بالسين وكذلك في سراط في جميع القرآن الباقون بالصاد واشم الصاد زايا حمزة في الموضوعين خاصة في رواية علي بن سالم وفي رواية الدوري وخلاد اشمامها الزاي ما كان فيه الف ولام واما الصاد اذا سكنت وكان بعدها دال نحو: يصدر وفاصدع ويصدفون فاشم الصاد الزاي حيث وقع حمزة والكسائى وخلف ورويس.
الاعراب (اهدنا): مبني على الوقف لانه امر والهمزة مكسورة لان ثالث المضارع منه مكسور في نحو يهدي وموضع النون والالف من اهدنا نصب لانه مفعول به الصراط منصوب لانه مفعول ثان فمن قرأ بالسين فلانه الاصل من غير سبب يمنع منه ومن قرأ باشمام الزاي فللمؤاخاة بين السين والطاء بحرف مجهور من مخرج السين وهو الزاء من غير ابطال للاصل ومن قرأ بالصاد بين الصاد والطاء بالاستعلاء والاطباق والقراءة بالصاد احسن لان فيها جمعا بين المتشاكلين في المسموع اللغة والتفسير ومعنى اهدنا يحتمل امرين: احدهما - ارشدنا كما قال طرفة
للفتى عقل يعيش به
حيث يهدي ساقه قدمه
والثاني - وفقنا كما قال الشاعر:
فلا تعجلن هداك المليك
فان لكل مقام مقالا
أي وفقك والآية تدل على بطلان قول من يقول: لايجوز الدعاء بأن يفعل الله ما يعلم أنه يفعله لانه عبث لان النبي صلى الله عليه وآله كان عالما بأن الله يهديه الصراط
---
(1) الصحيح: أويس

(1/39)


تفسير التبيان ج1
المستقيم وانه قد فعل ومع ذلك كان يدعو به وقد تكون الهداية بمعنى أن يفعل بهم اللطف الذي يدعوهم إلى فعل الطاعة والهدى يكون ايضا بمعنى العلم لصاحبه لانه مهتد على وجه المدح والهدى يكون ان يهديه إلى طريق الجنة كما قال الله تعالى: " وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا " وأصل الهداية في اللغة الدلالة على طريق الرشد فان قيل: ما معنى المسأله في ذلك وقد هداهم الله الصراط المستقيم ومعلوم أن الله تعالى يفعل بهم ما هو أصلح لهم في دينهم؟
قيل: يجوز أن يكون ذلك عبادة وانقطاعا إليه تعالى كما قال: " رب احكم بالحق " وإن علمنا أنه لايحكم إلا بالحق ويكون لنا في ذلك مصلحة كسائر العبادات وكما تعبدنا بأن نكرر تسبيحه وتحميده والاقرار بتوحيده ولرسوله بالصدق وإن كنا معتقدين لجميع ذلك ويجوز أن يكون المراد بذلك الزيادة في الالطاف كما قال تعالى: " والذين اهتدوا زدناهم هدى "(1) وقال: " يهدي به الله من اتبع رضوانه(2) ويجوز أن يكون الله تعالى يعلم أن أشياء كثيرة تكون أصلح لنا وأنفع لنا إذا سألناه وإذا لم نسأله لا يكون ذلك مصلحة وكان ذلك وجها في حسن المصلحة ويجوز أن يكون المراد استمرار التكليف والتعريض للثواب لان إدامته ليست بواجبة بل هو تفضل محض جاز أن يرغب فيه بالدعاء ويلزم المخالف أن يقال له: إذاكان الله تعالى قد علم أنه يفعل ذلك لا محالة فما معنى سؤاله ما علم أنه يفعله فما أجابوا به فهو جوابنا والصراط المستقيم هو الدين الحق الذي أمرالله به من توحيده وعد له وولاية من أوجب طاعته قال جرير:
أميرالمؤمنين على صراط
إذا اعوج الموارد مستقيم
أي على طريق واضح وقال الشاعر:
---
(1) سورة الكهف آية 13.
(2) سورة المائدة آية 18

(1/40)


تفسير التبيان ج1
فصد عن نهج السراط الواضح وقيل: إنه مشتق من " مسترط " الطعام وهو ممره في الحلق الصاد لغة قريش وهي اللغة الجيدة " وعامة العرب يجعلونها سينا والزاي لغة لعذرة وكعب وبني القين يقولون: أزدق فيجعلونها زايا إذا سكنت وأهل الحجاز يؤنثون الصراط كالطريق والسبيل والزقاق والسوق.
وبنو تميم يذكرون هذا كله وأصل الاستقامة التقويم والاستواء في جهة الانتصار وهو ضد الاعوجاج فمنه القيام والتقويم والتقوم ومنه المقاومة لانه بمنزلة المماثلة بما هو كالاستواء وتقاوموا في الامر إذا تماثلوا والاستقامة المرور في جهة واحدة وقيل في معنى قوله: " الصراط المستقيم " وجوه: أحدها - إنه كتاب الله وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وعن علي عليه السلام وابن مسعود والثاني - انه الاسلام حكي ذلك عن جابر وابن عباس والثالث - انه دين الله عزوجل الذي لا يقبل من العباد غيره والرابع - انه النبي صلى الله عليه وآله والائمة (ع) القائمون مقامه صلوات الله عليهم وهو المروي في أخبارنا.
التفسير: والاولى حمل الآية على عمومها لانا إذا حملناها على العموم دخل جميع ذلك فيه فالتخصيص لا معنى له.
قوله تعالى: صراط الذين أنعمت عليهم
المعنى: معناه بيان الصراط المستقيم إذا كان كل طريق من طرق الحق صراطا مستقيما والمعنى صراط من أنعمت عليهم بطاعتك

(1/41)


تفسير التبيان ج1
القراءة: وقرأ حمزء بضم الهاء من ذلك: وفي أيديهم " وإليهم " حيث وقع وروى الدوري عنه بضم الهاء في قوله: " فعليهم غضب من الله(1) وقرأ يعقوب بضم كل هاء قبلها ياء ساكنة في التثنية وجمع المذكر والمؤنث نحو: " عليهما " وفيهما " عليهن " و " فيهن " وضم ميم الجمع ووصلها بواو في اللفظ ابن كثير وأبو جعفر وعن نافع فيه خلاف كثير وعن غيره لا نطول بذكره وهو مذكور في كتب القراءات فمن قرأ بكسر الهاء وإسكان الميم قال: إنه أمن من اللبس إذا كانت الالف في التثنية قد دلت على الاثنين ولاميم في الواحد فلما لزمت الميم الجمع حذفوا الواو وأسكنوا الميم طلبا للتخفيف وحجة من قرأ " عليهم " انهم قالوا ضم الهاء هوالاصل لان الهاء اذا انفردت من حرف متصل بها قيل: " هم فعلوا " ومن ضم الميم إذا لقيها ساكن بعد الهاء مكسورة قال: لما احتجت إلى الحركة رددت الحرف إلى أصله فضممت وتركت الهاء على كسرتها لانه لم تأت ضرورة تحوج إلى ردها إلى الاصل ومن كسر الميم فالساكن الذي لفيها والهاء مكسورة ثم اتبع الكسرة الكسرة.
الاعراب: (والذين) في موضع جر بالاضافة ولا يقال في الرفع (اللذون) لانه إسم ليس يتمكن وقد حكي اللذون شاذا كما قيل الشياطون وذلك في حال الرفع ولا يقرأ به وقرأ صراط من أنعمت عليهم: عمر بن الخطاب وعبدالله بن زبير وروي ذلك عن أهل البيت عليهم السلام والمشهور الاول والنعمة التي أنعم بها على المذكورين وإن لم تذكر في اللفظ فالكلام بدل عليها لا لما قال: إهدنا الصراط المستقيم وبينا المراد بذلك ثم بين أن هذا صراط من أنعمت عليهم بها فلم يحتج إلى إعادة اللفظ كما قال النابغة الذبياني:
كأنك من جمال بني أقيش
يقعقع خلف رجليه بشن(1)
---
(1) سورة النحل آية 106.
(2) الشن والشنة: القرية

(1/42)


تفسير التبيان ج1
لما قال جمال بني أقيش قال يقعقع ومعناه جمل يقعقع خلف رجليه ونظير ذلك كثيرا جدا.
قوله تعالى: غير المغضوب عليهم ولا الضالين
الاعراب: أجمع المفسرون والقراء على جر (غير) لانها نعت للذين وانما جاز أن تكون نعتا للذين والذين معرفة وغير نكرة لان الذين بصلتها ليست بالمعرفة كالاسماء المعية التي هي أعلام كزيد وعمرو وانما هي كالنكرات اذا عرفت كالرجل والبعير فلما كانت الذين كذلك كانت صفتها كذلك ايضا وجازان تكون نعتا للذين كما يقال لا أجلس إلا إلى العالم غير الجاهل ولو كانت بمنزلة الاعلام لما جاز كما لم يجز في قولهم: مررت بزيد غير الظريف فلا يجرها على انها نعت وان نصبتها في مثل هذا جاز على الحال ويحتمل ايضا ان تكون مجرورة لتكرير العامل الذي خفض الذين فكأنك قلت: صراط الذين انعمت عليهم صراط غير المغضوب عليهم ويتقارب معناهما لان الذين انعمت عليهم هم الذين لم يغضب عليهم وقرئ في الشواذ غير المغضوب عليهم بالنصب ووجههاان تكون صفة للهاء والميم اللتين في عليهم العائدة على الذين لانها وان خفضت بعلى فهي موضع نصب بوقوع الانعام عليها ويجوز ان يكون نصبا على الحال وقال الاخفش والزجاج: انها نصب على وجه الاستثناء من معاني صفة الذين أنعمت عليهم وتقديره: إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم إلا المغضوب عليهم الذين لم تنعم عليهم في اديانهم فلا تجعلنا منهم ويكون استثناء من غير جنس كما قال النابغة للذبياني:
وقفت فيها أصيلا لا اسائلها(1)
أعيت جوابا وما بالربع من أحد
---
(1) الصحيح كي اسائلها وفي نسخة: اصيلانا اسائلها

(1/43)


تفسير التبيان ج1
إلا الاواري(1) لايا ما ابينها
والنؤي(2) كالحوض بالمظلومة(3)
الجلد وقال الفراء: وتغلب هذا خطأ لانه لو كان كذلك لما قال: ولا الضالين لان لا نفي وجحد ولا يعطف على جحد إلا بجحد ولايعطف بالجحد على الاستثناء وانما يعطف بالاستثناء على استثناء وبالجحد على الجحد يقولون قام القوم إلا أخاك وإلا أباك ولا قام أخوك ولا أبوك ولايقولون ما قام القوم إلا أخاك ولا أباك فعلى هذا تكون (غير) بمعنى: لا فكأنه قال لا المغضوب عليهم ولاالضالين قال الرماني: من نصب على الاستثناء جعل لاصلة كما انشد ابوعبيدة في بئر لا حور سرى وما شعر(4) أي في بئر هلكة (والمغضوب عليهم) هم اليهود عند جميع المفسرين الخاص والعام لانه تعالى قد أخبر انه غضب عليهم وجعل فيهم القردة والخنازير (ولا الضالين) هم النصارى لانه قال: (وضلوا عن سواء السبيل)(5)"قال (لعن الذين كفروا) يعني النصارى وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وقال بعضهم لا: زائدة تقديره: غير المغضوب عليهم والضالين كما قال: (ما منعك ان لا تسجد)(6)"ي معناه أن تسجد قال ابوالنجم:
فما ألوم البيض ألا تسخرا
لما رأين الشمط القفندرا(7)
يعني أن تسخر وتكون غير بمعنى سوى وقد بينا ضعف هذا عند الكوفيين لما مضى، ولانه انما يجوز ذلك اذا تقدمه نفي كقول الشاعر:
ماكان يرضى رسول الله فعلهم
والطيبان ابوبكر ولاعمر
---
(1) ج آري محابس الخيل.
(2) حفرة حول الخيمة تمنع من تسرب الماء اليها.
(3) الارض التي لم تحفر قط وحفرت.
(4) أي بئر هلكة.
(5) سورة المائدة آية: 80.
(6) سورة الاعراف آية 11.
(7) الشمط: الشيب والقفندر: الصغير الرأس القبيح المنظر

(1/44)


تفسير التبيان ج1
واما الغضب من الله فهو ارادة العقاب المستحق بهم ولعنهم وبراءته منهم واصل الغضب الشدة ومنه الغضبة الصخرة الصلبة الشديدة المركبة في الجبل المخالفة له ورجل غضوب شديد الغضب والغضوب الحية الخبيثة لشدتها والغضوب الناقة العبوس واصل الضلال الهلاك ومنه قوله (اذا ضللنا في الارض) أي هلكنا ومنه قوله تعالى (واضل اعمالهم) أي أهلكها والضلال في الدين الذهاب عن الحق والاضلال الدعاء إلى الضلال والحمل عليه ومنه قوله تعالى: " واضلهم السامري "(1) والاضلال الاخذ بالعاصين إلى النار والاضلال الحكم بالضلال والاضلال التحيير بالضلال بالتشكيك لتعدل عنه واليهود - وان كانوا ضلالا - والنصارى - وان كانوا مغضوبا عليهم فانما خص الله تعالى كل فريق منهم بسمة يعرف بها ويميز بينه وبين غيره بها وان كانوا مشتركين في صفات كثيرة وقيل انه أراد (بالمغضوب عليهم ولاالضالين) جميع الكفار وانما ذكروا بالصفتين لاختلاف الفائدتين.
وروى جابر ابن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله قال الله تعالى: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي فله ما سأل فاذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال حمدني عبدي واذا قال الرحمن الرحيم قال اثنى علي عبدي واذا قال مالك يوم الدين قال مجدني عبدي ثم قال هذا لي وله ما بقي) ولا يجوز عندنا ان يقول القارئ عند خاتمة الحمد: آمين فان قال ذلك في الصلاة متعمدا بطلت صلاته لانه كلام لايتعلق بالصلاة ولانه كلام لا يستقل بنفسه وانما يفيد اذا كان تأمينا على ما نقدم ومتى قصد بما تقدم الدعاء لم يكن تاليا للقرآن فتبطل صلاته وان قصد التلاوة لايكون داعيا فلا يصح التأمين وان قصدهما فعند كثير من الاصوليين ان المعنيين المختلفين لايصح ان يردا بلفظ واحد ومن اجاز ذلك - وهو الصحيح - منع منه لقيام الدلالة على المنع من ذلك فلاجل ذلك لم يجز
---
(1) سورة طه آية: 85

(1/45)


تفسير التبيان ج1
(2) سورة البقرة
وهي مائتان وست وثمانون آية في الكوفي وسبع بصري وخمس مدني وروي أن قوله: واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله - نزلت في حجة الوداع.
الآية: 1 - 9
بسم الله الرحمن الرحيم
الم(1)
آية عند الكوفيين.
المعنى: - واختلف العلماء في معنى أوائل هذه السور مثل (آلم) و (آلمص) و (كهيعص) و (طه) و (صاد) و (قاف) و (حم) وغير ذلك على وجوه فقال بعضهم انها إسم من أسماء القرآن ذهب اليه قتادة ومجاهد وابن جريح وقال بعضهم هي فواتح يفتح بها القرآن روي ذلك عن مجاهد أيضا واختاره البلخي وفائدتها أن يعلم ابتداء السورة وانقضاء ما قبلها وذلك معروف في كلام العرب وأنشد بعضهم بل وبلدة ما الانس من أهلها(1) ويقول آخر بل ما هيج أحزانا وشجوا قد شجا وقوله (بل) ليس من الشعر وانما أراد أن يعلم أنه قطع كلامه وأخذ في غيره وأنه مبتدأ الذي أخذ فيه غير ناسق له على قبله.
وقال بعضهم هي اسم للسورة روي ذلك عن زيد بن أسلم والحسن وقال بعضهم هي اسم الله الاعظم وروي ذلك عن السدي اسماعيل وعن الشعبي وقال بعضهم هي قسم اقسم الله به وهي من اسمائه وروي ذلك عن ابن عباس وعكرمة وقال قوم هي حروف مقطعة من اسماء واقعا كل حرف من ذلك بمعنى غير معنى الحرف الاخر يعرفه النبي صلى الله عليه وآله نحو قال الشاعر:
نادوهم أن ألجموا ألاتا
قالوا جميعا كلهم ألافا
---
(1) في اللسان وفي تفسير الطبري (اهالها)

(1/46)


تفسير التبيان ج1
يريد ألا تركبون قالواألا فاركبوا وقال آخر: قلنا لها قفي فقالت قاف بمعنى قالت انا واقفه روى ذلك أبوالضحى عن ابن عباس وعن ابن مسعود وجماعة من الصحابة وقال بعضهم هي حروف هجاء موضوعة روي ذلك عن مجاهد وقال بعضهم هي حروف هجاء يشتمل كل حرف على معان مختلفة روي ذلك عن أنس واختاره الطبري وقال بعضهم هي حروف من حساب الجمل وقال بعضهم لكل كتاب سر وسرالقرآن في فواتحه هذه أقوال المفسرين.
فاما أهل اللغة فانهم اختلفوا فقال بعضهم هي حروف المعجم استغني بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها التي هي تمام ثمانية وعشرين حرفا كما يستغنى بذكر أب ت ث عن ذكر الباقي وبذكر قفانبك عن ذكر باقي القصيدة قالوا ولذلك رفع ذلك الكتاب لان معناه عن الالف واللام والميم من الحروف المقطعة.
وقوله: ذلك الكتاب
الذي أنزلته اليك مجموعا لا ريب فيه كما قالوا في أبي جاد أب ت ث ولم يذكروا باقي الحروف.
وقال راجز بني أسد:
لما رأيت أمرها في حطي
أخذت منها بقرون شمط
فاراد الخبر عن المرأة بانها من أبي جاد فاقام قوله في حطي مقامه لدلالة الكلام عليه وقال آخرون بل ابتدئت بذلك أوائل السور ليفتح لاستماعه أسماع المشركين اذ تواصوا بالاعراض عن القرآن حتى اذا استمعوا له تلا عليهم آلم وقال بعضهم الحروف التي هي اوائل السور حروف يفتتح الله بها كلامه.
وقال ابومسلم: المراد بذلك ان هذا القرآن الذى عجزتم عن معارضته ولم تقدروا على الاتيان بمثله هو من جنس هذه الحروف التي تتحاورون بها في كلامكم وخطابكم فحيث لم تقدروا عليه فاعلموا انه من فعل الله وانما كررت في مواضع استظهارا في الحجة وحكي ذلك عن قطرب وروي في اخبارنا ان ذلك من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله واختاره الحسين بن علي المغربي واحسن الوجوه التي قبلت قول من قال: انها اسماء للسور خص الله تعالى بها بعض السور بتلك كما قيل للمعوذتين:

(1/47)


تفسير التبيان ج1
المقشقشتان أي تبرءان من النفاق وكما سميت الحمد أم القرآن وفاتحة الكتاب ولا يلزم أن لا تشترك سورتان أو ثلاث في إسم واحد وذلك أنه كما يشترك جماعة من الناس في إسم واحد فاذا اريد التمييز زيد في صفته وكذلك اذا أرادوا تمييز السورة قالوا: الم ذلك الم الله الم وغير ذلك وليس لاحد أن يقول: كيف تكون أسماء للسور والاسم غير المسمى فكان يجب ألا تكون هذه الحروف من السورة وذلك خلاف الاجماع قيل: لايمتنع أن يسمى الشئ ببعض ما فيه ألا ترى انهم قالوا: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة ولا خلاف انها اسماء للسور وان كانت بعضا للسور ومن فرق بين الاشخاص وغيرها في هذا المعنى: فاوجب في الاشخاص أن يكون الاسم غير المسمى ولم يوجب في غيرها فقد أبعد لانه لا فرق بين الموضعين على ما مضى القول فيه ولا يلزم أن تسمى كل سورة بمثل ذلك لان المصلحة في ذلك معتبرة وقد سمى الله كل سورة بتسمية تخصها وإن لم تكن من هذا الجنس كما انه لما سمى الحمد باسمائها لم يلزم ذلك في كل سورة وقيل انها أوائل أسماء يعلم النبي صلى الله عليه وآله تمامها والغرض بها نحو ما رويناه عن ابن عباس كما قال الشاعر: سألتها الوصل فقالت: قاف يعني: وقفت وقال آخر: بالخير خيرات وإن شرافا يريد: فشرا وقال آخر: ولا أريد الشر إلا أن تا يعني: إلا أن تشاء وقال آخر:
ما للظليم(1) عال(2) كيف لا يا
ينقد عنه جلده اذا يا
---
(1) الظليم: ذكر النعام.
(2) عال: دعاء عليه من قولهم: عال عوله أي ثكلته أمه فاختصر في الطبعة الايرانية " غال " بدل " عال " و " ينقل " بدل " ينقد " و " جلد " بدل " جلده " والصحيح ما ذكرناه.

(1/48)


تفسير التبيان ج1
أي: اذا يفزع فعلى هذا يحتمل ان يكون الالف: انا واللام: الله والميم: اعلم وكذلك القول في لحروف وعلى هذا لا موضع (لالف لام ميم) من الاعراب وعلى قول من قال انها اسماء السور موضعها الرفع كأنه قال هذه الم او يكون ابتداءه ويكون خبره ذلك الكتاب واجمع النحويون على ان هذه الحروف وجميع حروف الهجاء مبنية على الوقف لا تعرب كما بني العدد على الوقف ولاجل ذلك جاز ان يجمع بين ساكنين كما جاز ذلك في العدد تقول واحد اثنان ثلاثة اربعة فتقطع الف اثنين وهي الف وصل وتذكر الهاء في ثلاثة واربعة فلو لم تنو الوقف لقلت ثلاث بالثاء وحكي عن عاصم في الشواذ وغيره آلم الله بقطع الهمزة الباقون بفتح الميم وقالوا فتح الميم لا لتقاء الساكنين وقال قوم: لانه نقل حركة الهمزة اليه واختار ابوعلي الاول لان همزة الوصل تسقط في الوصل فلا يبقى هناك حركة تنقل وانشد في نقل حركة همزة الوصل قول الشاعر
اقبلت من(1) عند زياد كالخرف
تخط رجلاي بخط مختلف
فيكتبان في الطريق لام الف ومتى أجريتها مجرى الاسماء لا الحكاية واخبرت عنها.
قلت: هذه كاف حسنة وهذا كاف حسن وكذلك باقي الحروف فتذكر وتؤنث فمن أنث قصد الكلمة ومن ذكر قصد الحرف.
فأما إعراب: ابي جاد هواز وحطي وكلمن فزعم سيبويه انها مصروفات تقول: علمت ابا جاد ونفعني ابوجاد وانتفعت بأبي جاد وكذلك هواز وهواز وهوازا وحطيا وحطي وحطي وأما كلمن وسعفص وقرشيات فأعجميات تقول: هذه كلمن وتعلمت كلمن وانتفعت بكلمن وكذلك سعفص وقرشيات اسم للجمع مصروفة لاجل الالف والتاء وأما معنى ابي جاد .
فقال الضحاك: انها اسماء الايام الستة التي خلق الله تعالى فيها الدنيا وقال الشعبي: انها أسماء ملوك مدين وانشد:
---
(1) قي الطبعة الايرانية " عن " والصحيح ما ذكرنا.

(1/49)


تفسير التبيان ج1
ألا يا شعيب قد نطقت مقالة
سببت بها عمروا وأوحى بني عمرو
ملوك بي حطي وهواز منهم
وسعفص أهل للمكارم والفخر
هم صبحوا أهل الحجاز بغارة
لميل شعاع الشمس أو مطلع الفجر
وروي عن ابن عباس ان لابي جاد حديثا عجيبا ابي: آدم جد في اكل الشجرة " وهواز: فزل آدم فهوى من السماء إلى الارض واما حطي فحطت عنه خطيئته واما كلمن فأكل من الشجرة ومن عليه بالتوبة وسعفص: وعصى آدم فاخرج من النعيم إلى الكبد(1) وقرشيات: اقر بالذنب فسلم من العقوبة وهذا خبر ضعيف يتضمن وصف آدم وهو نبي بما لا يليق به.
وقال قوم: انها حروف من أسماء الله وروي ذلك عن معاوية بن قرة عن النبي صلى الله عليه وآله.
" ذلك الكتاب "
هذه لفظة يشاربها إلى ما قرب وذلك إلى ما بعد وذاك إلى ما بينهما ويحتمل أن يكون معنى ذلك ههنا هذا على قول عكرمة وجماعة من أهل العربية كالاخفش وأبي عبيدة وغيرهما قال:
أقول له والرمح يأطر(2) متنه
تأمل خفافا انني أنا ذلكا
أي انني انا هذا.
وقال تعالى ذلك عالم الغيب والشهادة وهو موجود في الحال وانما جاز أن يستعمل هذا وهي اشارة إلى حاضر بمعنى ذلك وهي اشارة إلى غايب لانه كالحاضر عند الغايب ألا ترى ان الرجل يحدث حديثا فيقول السامع هذا كما قلت وربما قال ان ذلك كما قلت وانما جاز ذلك لقرب جوابه من كلام المخبر وكذلك لما قال تعالى (آلم) وذكرنا معنى ذلك قال لنبيه: يا محمد هذا الذي ذكرته وبينته ذلك الكتاب فلذلك حسن وضع ذلك في مكان هذا إلا أنه اشارة إلى ما مضى.
وقال قوم: ان معناه ذلك الكتاب الذي وعدوا به على لسان موسى وعيسى كما قال الذين اتيناهم الكتاب
---
(1) الكبد: الشدة.
(2) في الطبعة الايرانية (ناظر) والصحيح ما ذكرناه كما في الاغاني

(1/50)


تفسير التبيان ج1
يعرفونه كما يعرفون ابناءهم يعني: هذا ذلك الكتاب وقال قوم: انما اشار إلى ما كان نزل من القرآن بمكة من السور فقال ذلك والاول اقوى لانه اشبه باقوال المفسرين واما من حمل على انه اشار به إلى التوراة والانجيل فقد ابطل لانه وصفه بانه لا ريب فيه وانه هدى للمتقين وصف ما في ايديهم بانه مغير محرف في قوله: " يحرفون الكلم عن مواضعه "(1)
قوله تعالى: لاريب فيه
القراءة: قرأ ابن كثير بوصل الهاء بياء في اللفظ وكذلك كل هاء كناية قبلها ياء ساكنة فان كان قبلها ساكن غير الياء وصلها بالواو ووافقه حفص في قوله: فيه مهانا ووافقه المنسى في قوله: واشركه في أمري ووافقه قتيبة في قوله: فملاقيه وسأصليه فمن كسر الهاء مع ان الاصل الضمة فلاجل الياء والكسرة اللتين قبلها والهاء تشبه الالف لانها من حروف الحلق ولما فيها من الخفاء: فكما نحوا بالالف نحو الياء بالامالة لاجل الكسرة والياء كذلك كسروا الهاء للكسرة والياء لتتجانس الصورتان وذلك حسن وتركوا الاشباع كراهية اجتماع المقاربة كما كرهوا اجتماع الامثال ومن أشبع وأتبعها الياء فان الهاء وإن كانت خفية فليس يخرجها ذلك من ان تكون كغيرها من حروف المعجم التي لا خفاء فيها نحو الراء والصاد وان الهاء والنون عند الجميع في وزن الشعر بمنزلة الراء والصاد وان كان في الراء تكرير وفي الصاد استطالة فاذا كان كذلك كان حجزها بين الساكنين كحجز غيرها من الحروف التي لا خفاء فيها.
المعنى: ومعنى لا ريب فيه أي لا شك فيه والريب الشك وهو قول ابن عباس ومجاهد وعطاء والسدي وغيرهم وقيل: هو أشد الشك وهو مصدر رابني الشئ
---
(1) سورة النساء آية 45

(1/51)


تفسير التبيان ج1
يريبني قال ساعدة بن جويه الهذلي:
وقالوا تركن الحي قد حصروا به
فلا ريب ان قد كان ثم لحيم
أي أطافوا به واللحيم القتيل يقال لحم اذا قتل والهاء فيه عائدة على الكتاب ويحتمل ان يكون لا ريب فيه خبرا والمعنى انه حق في نفسه ولا يكون المراد به انه لا يقع فيه ريب لان من المعلوم أن الريب واقع فيه من الكفار وفي صحته ويجري ذلك مجرى الخبر اذا كان مخبره على ما هو به في أنه يكون صدقا وان كذبه قوم ولم يصدقوه ويحتمل أن يكون معناه الامر أي تيقنوه ولا ترتابوا فيه.
قوله تعالى: هدى للمتقين(2)
المعنى: معناه نور وضياء ودلالة للمتقين من الضلالة وانما خص المتقين بذلك وان كان هدى لغيرهم من حيث انهم هم الذين اهتدوا به وانتفعوا به كما قال: " انما تنذر من اتبع الذكر "(1) وان كان انذر من لم يتبع الذكر ويقول القائل: في هذا الامر موعظة لي اولك وان كان فيه موعظة لغيرهما ويقال هديت فلانا الطريق اذا ارشدته ودللته عليه أهديه هداية.
الاعراب: ويحتمل ان يكون منصوبا على الحال من الكتاب وتقديره ذلك الكتاب هاديا للمتقين وذلك يكون مرفوعا بآلم والكتاب نعت لذلك ويحتمل ان يكون حالا من الهاء في (فيه) كأنه قال: لا ريب فيه هاديا ويحتمل ان يكون رفعا من وجوه: أولها - ان يكون خبرا بعد خبر كأنه قال: هذا كتاب هدى أي قد جمع انه الكتاب الذي وعدوا به وانه هدى كما يقولون: هذا حلو حامض يريدون انه
---
(1) سورة يس آية 11

(1/52)


تفسير التبيان ج1
قد جمع الطعمين ويحتمل ان يكون رفعا بانه خبر ابتداء محذوف وتقديره هو هدى لان الكلام الاول قد تم ويحتمل ان يكون رفعه على قولك ذلك الكتاب لا ريب كأنك قلت: هذا الكتاب حق لان لا شك بمعنى حق ثم قال بعد ذلك فيه هدى للمتقين وهدى يذكر في جميع اللغات وحكي عن بعض بني اسد هذه هدى حسنة تدغم النون في اللام عند الاكثر (والمتقين) مجرور باللام والمتقي هو الذي يتقي بصالح اعماله عذاب الله مأخوذ من اتقاء المكروه بما يجعله حاجزا بينه وبينه كما قال ابوحية النميري:
والقت قناعا دونه الشمس واتقت
باحسن موصولين كف ومعصم
وقيل ان المتقين هم الذين اتقوا ما حرم عليهم وفعلوا ما وجب عليهم وقيل ان المتقين هم الذين يرجون رحمة الله ويحذرون عقابه وقيل ان المتقين هم الذين اتقوا الشرك وبرئوا من النفاق وهذا الوجه ضعيف لانه يلزم عليه وصف الفاسق المتهتك بانه متق اذا كان بريا من الشرك والنفاق وأصل الاتقاء الحجز بين الشيئين ومنه اتقاه بالترس لانه جعله حاجزا بينه وبينه واتقاه بحق كذلك ومنه الوقاية لانها تحجز بين الرأس والاذى ومن التقية في اظهار خلاف الابطان والفرق بينه وبين النفاق: ان المنافق يظهر الخير ويبطن الشر والمتقي يظهر القبيح ويبطن الحسن ويقال وقاه يقيه وقاية وتوقاه توقيا.
قوله تعالى: الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلوة ومما رزقناهم ينفقون(3) آية
بلا خلاف الذين في موضع خفض لانه نعت للمتقين ويجوز ان يكون رفعا على الابتداء (ويؤمنون) رفع لانه فعل مستقبل والواو والنون في موضع رفع لانه كناية عن الفاعل والنون الاخيرة مفتوحة لانها نون الجمع والصلاة نصب لانها مفعول به والايمان في اللغة هو التصديق منه قوله: وما انت بمؤمن لنا أي بمصدق لنا وقال: (يؤمنون بالجبت والطاغوت)(1)كذلك هو في الشرع
---
(1) سورة النساء آية 50

(1/53)


تفسير التبيان ج1
عند أكثر المرجئة والمراد بذلك التصديق بجميع ما اوجب الله او ندبه او اباحة وهو المحكي عن ابن عباس في هذه الآية لانه قال: الذين يصدقون بالغيب.
وحكى الربيع بن انس انه قال: الذين يخشون بالغيب وقال: معناه يطيعون الله في السر والعلانية وقيل: إن الايمان مشتق من الامان والمؤمن من يؤمن نفسه من عذاب الله والله المؤمن لاوليائه من عذابه وذلك مروي في اخبارنا.
وقالت المعتزلة باجمعها: الايمان هو فعل الطاعة ومنهم من اعتبر فرائضها ونوافها ومنهم من اعتبر الواجب منها لا غير واعتبروا اجتناب الكبائر من جملتها.
وروي عن الرضا عليه السلام: ان الايمان هو التصديق بالقلب والعمل بالاركان والقول باللسان وقد بينا الاقوى من ذلك في كتاب الاصول.
واما (الغيب) فحكي عن ابن عباس انه قال: ماجاء من عند الله وقال جماعة من الصحابة كابن مسعود وغيره: ان الغيب ماغاب عن العباد علمه من امر الجنة والنار والارزاق والاعمال وغير ذلك وهو الاولى لانه عام ويدخل فيه ما رواه اصحابنا من زمان الغية ووقت خروج المهدي عليه السلام.
وقال قوم الغيب هو القرآن حكي ذلك عن زر بن جيش وذكر البلخي ان الغيب كل ما ادرك بالدلائل والآيات مما تلزم معرفته.
وقال الرماني: الغيب خفاء الشئ عن الحس قرب أو بعد إلا انه قد كثرت صفة الغائب على البعيد الذي لا يظهر للحس واصل الغيب من غاب يقولون: غاب فلان يغيب وليس الغيب ما غاب عن الادراك لان ما هو معلوم وان لم يكن مشاهدا لا يسمى غيبا والاولى ان تحمل الآية على عمومها في جميع من يؤمن بالغيب.
وقال قوم: انها متناولة لمؤمني العرب خاصة دون غيرهم من مؤمني أهل الكتاب قالوا بدلالة قوله فيما بعد (والذين يؤمنون بماانزل اليك وما انزل من قبلك) قالوا ولم يكن للعرب كتاب قبل الكتاب الذي انزله الله على نبيه تدين بتصديقه وانما الكتاب لاهل الكتابين وهذا غير صحيح لانه لا يمنع أن تكون الآية الاولى عامة في جميع المؤمنين المصدقين بالغيب وإن كانت الآية الثانية خاصة في قوم لان تخصيص الثانية لايقتضي

(1/54)


تفسير التبيان ج1
تخصيص الاولى.
وقال قوم: انهما مع الايتين اللتين بعدهما أربع آيات نزلت في مؤمني أهل الكتاب لانه ذكرهم في بعضها وقال قوم: ان الاربع آيات من أول السورة نزلت في جميع المؤمنين واثنتان نزلتا في نعت الكافرين وثلاثة عشر في المنافقين وهذا أقوى الوجوه لانه حمل على عمومه وحكي ذلك عن مجاهد وقوله: " يقيمون الصلاة " فاقامتها أداؤها بحدودها وفرائضها وواجباتها كما فرضت عليهم يقال: أقام القوم سوقهم إذا لم يعطلوها من البيع والشراء قال الشاعر:
أقمنا لاهل العراقين سوق الضراب فخاموا وولوا جميعا
وقال أبومسلم محمد بن بحر: معنى (يقيمون الصلاة) يديمون أداء فرضها يقال للشئ الراتب قائم ولفاعله مقيم ومن ذلك: فلان يقيم أرزاق الجند وقيل انه مشتق من تقويم الشئ من قولهم: قام بالامر إذا أحكمه وحافظ عليه قيل انه مشتق مما فيه من القيام ولذلك قيل قد قامت الصلاة وأما الصلاة فهي الدعاء في اللغة، قال الشاعر:
وقابلها الريح في دنها(1)
وصلى على دنها وارتسم
أي دعا لها وقال الاعشى:
لها حارس لا يبرح الدهر بيتها
فان ذبحت صلى عليها وزمزما(2)
يعني دعا لها.
وأصل الاشتقاق في الصلاة من اللزوم من قوله تصلى نارا حامية والمصدر الصلا ومنه اصطلى بالنار إذا لزمها والمصلى الذي يحبئ في اثر السابق للزوم أثره ويقال للعظم الذي في العجز صلوا وهما صلوان فأما في الشرع ففي الناس من قال إنها تخصصت بالدعاء والذكر في موضع مخصوص ومنهم من قال وهو الصحيح انها في الشرع عبارة عن الركوع والسجود على وجه مخصوص وأركان واذ كار مخصوصة قيل انها سميت صلاة
---
(1) وفي رواية: ظلها.
(2) الزمزمة: صوت بعيد له دوي.

(1/55)


تفسير التبيان ج1
لان المصلي متعرض لا ستنجاح طلبته من ثواب الله ونعمه مع ما يسأل ربه فيها من حاجاته وأما الرزق فهو ماللحي الانتفاع به على وجه لا يكون لاحد منعه منه وهذا لا يطلق إلا فيما هو حلال فأما الحرام فلا يكون رزقا لانه ممنوع منه بالنهي ولصاحبه أيضا منعه منه ولانه أيضا مدحهم بالانفاق مما رزقهم والمغصوب والحرام يستحق الذم على إنفاقه فلا يجوز أن يكون رزقا وقوله (ومما رزقناهم ينفقون) حكي عن ابن عباس انها الزكاة المفروضة يؤتيها احتسابا وحكي عن ابن مسعود أنها نفقة الرجل على أهله لان الآية نزلت قبل وجوب الزكاة .
وقال الضحاك: هو التطوع بالنفقة فيما قرب من الله والاولى حمل الآية على عمومها فيمن أخرج الزكاة الواجبة والنفقات الواجبة وتطوع بالخيرات وأصل الرزق الحظ لقوله: "وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون "(1): أي حظكم وما جعله حظا لهم فهو رزقهم والانفاق أصله الاخراج ومنه قيل: نفقت الدابة إذا خرجت روحها والنافقاء جحر اليربوع من ذلك لانه يخرج منها ومنه النفاق لانه يخرج إلى المؤمن بالايمان والى الكافر بالكفر.
قوله تعالى: والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالاخرة هم يوقنون(4)
آية
القراءة: لا يمد القراء الالف من ما إلا حمزة فانه مدها وقد لحن في ذلك وكان
---
(1) سورة الواقعة آية 82.

(1/56)


تفسير التبيان ج1
يقف قبل الهمزة فيقرأ: وبالاخرة تسكينا على اللام شيئا ثم يبتدئ بالهمزة وكذلك الارض وشئ يقطع عند الياء من شئ كأنه يقف ثم يهمز وموضع (ما) خفض بالباء ويكره الوقف على (ما) لان الالف حرف منقوص.
التفسير: وقال قتادة: " ماأنزل إليك " القرآن " وماأنزل من قبلك " الكتب الماضية وقد بينا أن الاولى حمل الايه على عمومها في المؤمنين وذكرنا الخلاف فيه والاخرة صفة الدار فحذف الموصوف قال الله تعالى: " وإن الدار الاخرة لهي الحيوان "(1) ووصفت بذلك لمصيرها آخرة لاولى قبلها كما يقال: جئت مرة بعد أخرى ويجوز أن يكون سميت بذلك لتأخيرها عن الخلق كما سميت الدنيا دنيا لدنوها من الخلق وإيقانهم ما جحده المشركون من البعث والنشور والحساب والعقاب وروي ذلك عن ابن عباس والايقان بالشئ هو العلم به وسمي يقينا لحصول القطع عليه وسكون النفس إليه.
قوله تعالى: أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون(5)
القراءة: اولئك بهمزتين وفيهم من يخففهما وحمزة يمد اولئك واولئك اسم مبهم يصلح لكل حاضر تعرفه الاشارة كقولك ذاك في الواحد وأولاء جمع ذاك في المعنى ومن قصر قال أولا وأولالك واذا أمددته لم يجز زيادة اللام لئلا يجتمع ثقل الهمزة وثقل الزيادة وتقول: أولاء للقريب وها أولئك للبعيد وأولئك للمتوسط واضيف الهدى إلى الله لاحد الامرين: احدهما: لما فعل بهم من الدلالة على الهدى والايضاح له والدعاء اليه الثاني: لانه يثيب عليه فعلى هذا يضاف الايمان بأنه هداية من الله
---
(1) سورة العنكبوت آية 64

(1/57)


تفسير التبيان ج1
(وهدى) في موضع خفض بعلى ومعنى (على هدى): أي على حق وخير بهداية الله إياهم ودعائه إلى ما قالوا به ومن قال: هم على نور واستقامة أو بيان ورشد فهو داخل تحت ما قلنا والاولى أن يكون ذلك عاما فيمن تقدم ذكره في الايتين ومن خص ذلك فقد ترك الظاهر لان فيهم من خصها بالمعنيين في الآية الاولى وفيهم من خصها بالمذكورين في الآية الثانية وقد بينا أن الجمع محمول على العموم وحملها على العموم في الفريقين محكي عن ابن عباس وابن مسعود (والمفلحون) هم المنجحون الذين أدركوا ما طلبوا من عند الله بأعمالهم وإيمانهم والفلاح: النجاح.
قال الشاعر:
اعقلي إن كنت لما تعقلي
ولقد أفلح من كان عقل
يعني من ظفر بحاجته وأصاب خيرا وتقول أفلح يفلح إفلاحا وتقول فلح يفلح فلاحا وفلاحا والفلاح البقاء أيضا .
قال لبيد:
نحل بلادا كلها حل قبلنا
ونرجو فلاحا(1) بعد عاد وحمير
يعني البقاء وأصل الفلح القطع فكأنه قطع لهم بالخير ومنه قيل للاكار فلاحا لانه يشق الارض والفلاح المكاري لانه يقطع الارض .
قال الشاعر:
إن الحديد بالحديد يفلح
وفى اولئك لغات: فلغة أهل الحجاز: أوليك بالياء وأهل نجد وقيس وربيعة وأسد يقولون: اولئك بهمز وبعض بني سعيد من بني تميم يقولون: الاك مشددة وبعضهم يقول: الالك.
قال الشاعر:
ألالك قوم لم يكونوا أشابة(2)
وهل يعظ الضليل إلا ألالكا
وهم دخلت للفصل .
قوله تعالى: إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون(6)
آية
النزول: نزلت في أبي جهل وفي خمسة من قومه من قادة الاحزاب قتلوا يوم بدر في قول الربيع بن أنس واختاره البلخي والمغربي.
وقال ابن عباس: نزلت في قوم
---
(1) وفي نسخة (الفلاح).
(2) لاشابة من الناس الاخلاط

(1/58)


تفسير التبيان ج1
باعيانهم من أحبار اليهود ذكرهم باعيانهم من اليهود الذين حول المدينة .
وقال قوم: نزلت في مشركي العرب واختار الطبري قول ابن عباس والذي نقوله إنه لابد أن تكون الآية مخصوصة لان حملها على العموم غير ممكن لانا علمنا أن في الكفار من يؤمن فلايمكن العموم وأما القطع على واحد مما قالوه فلا دليل عليه ويجب تجويز كل واحد من هذه الاقوال ومن مات منهم على كفره يقطع على أنه مراد بالآية فعلى هذه قادة الاحزاب مرادون على ما قال ربيع بن انس ومن قتل يوم بدر كذلك .
ومن قال ان الآية مخصوصة بكفار اهل الكتاب قال: لان ماتقدمها مختص بمؤمنيهم فيجب ان يكون ما يعقبها مختصا بكفارهم وقد قلنا إن الآية الاولى حملها على عمومها اولى ولو كانت خاصة بهم لم يجب حمل هذه الآية على الخصوص لما تقدم فيما مضى والذين نصب بأن. والكفر هو الجحود والستر ولذلك سمي الليل كافرا لظلمته.
قال الشاعر:
فتذكرا نقلا رشيدا بعد ما
القت ذكاء(1) يمينها في كافر
وقال لبيد: في ليلة كفر النجوم غمامها يعني غطاها والكافور اكمام الكرم الذي يكون فيه والكفري وعاء الطلعة لانه يستر اللب ومنه قوله تعالى: (كمثل غيث أعجب الكفار نباته)(2) سمي الزارع كافرا لتغطيته البذر ويقال فلان متكفر بالسلاح اذا تغطى به.
وفي الشرع عبارة عمن جحد ما اوجب الله عليه معرفته من توحيده وعدله ومعرفة نبيه والاقرار بما جاء به من اركان الشرع فمن جحد شيئا من ذلك كان كافرا وربما تعلقت به احكام مخصوصة من منع الموارثة والمناكحة والمدافنة والصلاة عليه وربما لم يتعلق بحسب الدليل عليه.
قوله تعالى: " سواء عليهم ءأنذرتهم "
جمع بين الهمزتين أهل الكوفة وابن عامر
---
(1) وتصحيح البيت: ثقلا بدل نقلا ورثيدا بدل رشيدا ورثد المتاع وغيره فهو مرثود: وضع بعضه فوق بعض والثقل بيض النعام ذكاء: الشمس.
(2) سورة الحديد آية: 20.

(1/59)


تفسير التبيان ج1
إلا الحلواني وكذلك في كل همزتين في كلمة واحدة اذا كانت الاولى للاستفهام إلا في مواضع مخصوصه نذكرها فيما بعد الباقون بتخفيف الاولى وتليين الثانية وفصل بينهما بالالف أهل المدينة إلا ورشا وابا عمرو والحلواني عن هشام ومعنى قوله (سواء) أي معتدل مأخوذ من التساوي كقولك متساو وتقول: هذان الامران عندي سواء أي معتدلان ومنه قوله: (فانبذ اليهم على سواء)(1) عني بذلك اعلمهم وآذنهم للحرب ليستوي علمك وعلمهم بما عليه كل فريق منكم للاخر ومعناه: أي الامرين كان منك اليهم الانذار أم ترك الانذار فانهم لا يؤمنون.
وقال عبدالله بن قيس الرقيات:
تعدت بي الشهباء نحو ابن جعفر
سواء عليها ليلها ونهارها
يعني بدلك عندها معتدل في السير الليل والنهار لانها لا فتور فيه ومنه قول الاخر:
وليل يقول المرء من ظلماته
سواء صحيحات العيون وعورها
لان الصحيح لا يبصر فيه إلا بصرا ضعيفا من ظلمته وهذا لفظه لفظ الاستفهام ومعناه الخبر وله نظائر في القرآن كما تقول ما أبالي أقمت أم قعدت وانت مخبر لامستفهم لانه وقع موقع أي كأنك قلت لا أبالي أي الامرين كان منك وكذلك معنى الآية: سواء عليهم أي هذين منك اليهم حسن في موضعه سواء فعلت أم لم تفعل.
وقال بعض النحويين ان حرف الاستفهام انما دخل مع سواء وليس باستفهام لان المستفهم اذا استفهم غيره قال: أزيد عندك أم عمرو ويستفهم صاحبه ايهما عنده وليس احدهما احق بالاستفهام من الاخر فلما كان قوله: (سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم) بمعنى التسويه أشبه ذلك الاستفهام اذ شبهه بالتسوية وقال جرير:
الستم خير من ركب المطايا
واندى العالمين بطون راح
فهذا في صورة الاستفهام وهو خبر لانه لو أراد الاستفهام لما كان مدحا.
---
(1) سورة الانفال آية 59

(1/60)


تفسير التبيان ج1
وقال آخر:
سواء عليه أي حين أتيته
أساعة نحس تتقى أم باسعد
ولا يجوز أن تقع أو في مثل هذا مكان أم لان أم هي التي تعادل بها الهمزة لا أو والفرق بينهما ان أو يستفهم بها عند أحد الامرين هل حصل أم لا وهو لا يعلمها معا كقول القائل: أذن أو أقام؟ اذ المراد تعلمهما فاذا علم واحدا منهما ولم يعلمه بعينه قال إذن أم اقام؟
يستفهم عن تعيين أحدهما هذا في الاستفهام وفي الخبر تقول: لا أبالي أقمت أم قعدت أي هما عندي سواء ولا يجوز ان تقول لا أبالي أقمت أو قعدت لانك ليت بمستفهم من شئ وحكي عن عاصم الجحدري انه قرأ سواو بواو مضمومة لا بهمزة وهذا غلط لان العرب كلها تهمز ما بعده مده يقولون: كساء ورداء وهواء وجزاء وغير ذلك وأما الانذار فهو اعلام وتخويف وكل منذر معلم وليس كل معلم منذرا وقد سمى الله نفسه بذلك فقال: (انا انذرناكم عذابا قريبا)(1) ان الاعلام يجوز وصفه به والتخويف أيضا كذلك في قوله: (ذلك يخوف الله به عباده) فاذا جاز وصفه بالمعنيين جاز وصفه بلفظ يشتمل عليهما وانذرت فعل متعد إلى مفعولين كقوله تعالى: (انذرتكم صاعقة) (وانا انذرناكم عذابا قريبا) وقد ورد معدا بالباء في قوله تعالى: (قل انما انذركم بالوحي)(2) قيل الانذار هو التحذير من مخوف يتسع زمانه الاحتراز فان لم يتسع زمانه للاحتراز كان اشعارا ولم يكن انذارا.
قال الشاعر:
انذرت عمرا وهو في مهل
قبل الصباح فقد عصى عمرو
فان قيل الذين علم الله منهم انهم لا يؤمنون هل كانوا قادرين على الايمان أم لا؟ فان قلتم ما كانوا قادرين وقد كلفهم الله تعالى الايمان فقد كلفهم ما لا يقدرون عليه وهذا لا يجوز - وان كانوا قادرين - فقد قلتم: انهم كانوا قادرين على تجهيل الله قلنا: هذا يلزم المخالف مثله فانه لا خلاف أنهم مأمورون
---
(1) سورة النساء: آية 40.
(2) سورة انبياء: آية 45.

(1/61)


تفسير التبيان ج1
بالايمان فيقال لهم: انه لا يجب ذلك كما لا يجب اذا كانوا مأمورين بالايمان ان يكونوا مأمورين (بابطال ما علم الله)(1) ليس الله قد علم انه لا يقيم القيامة اليوم؟ ايقولون: انه قادر على اقامتها أم لا؟ فان قلتم: انه لا يقدر فقد عجزتم الله وان قلتم: انه يقدر فقد قلتم: انه يقدر على ان يجهل نفسه والجواب الصحيح عن ذلك: أن العلم يتناول الشئ على ما هو به ولا يجعله على ما هو به فليس يمتنع ان يعلم حصول شئ بعينه وان كان غيره مقدورا ألا ترى أن من خير بين الصدق والكذب وقد علم أن كل واحد منهما يقوم مقام صاحبه في باب الغرض وقد علم قد علم قبح الكذب وحسن الصدق لا يجوز أن يختار الكذب على الصدق - وان كان قادرا على الكذب - فبان بذلك صحة ما قلناه.
قوله تعالى: ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم(7)
آية
القراءة: أجمع القراء السبعة على كسر الغين وضم التاء وروي عن بعض القراء فتح الغين وعن الحسن ضم الغين وحكي عن عاصم في الشواذ: غشاوة بنصب التاء ولايقرأ بجميع ذلك.
التفسير: (ختم الله على قلوبهم) أي شهد عليها بانها لا تقبل الحق يقول القائل: أراك تختم على كل ما يقولون فلان أي تشهد به وتصدقه وقد ختمت عليك بانك لا تعلم أي شهدت وذلك استعارة وقيل ان ختم بمعنى طبع فيها أثرا للذنوب كالسمة والعلامة لتعرفها الملائكة فيتبرءوا منهم ولا يوالوهم ولا يستغفروا لهم مع استغفارهم للمؤمنين وقيل: المعنى في ذلك أنه ذمهم بانها كالمختوم عليها في انها لا يدخلها الايمان ولايخرج عنها الكفر.
---
(1) مابين القوسين وضعه المصحح في الطبعة الايرانية

(1/62)


تفسير التبيان ج1
قال الشاعر:
لقد أسمعت لو ناديت حيا
ولكن لا حياة لمن تنادي
أي كأنه لا حياة فيه والختم آخر الشئ ومنه قوله تعالى: (ختامه مسك)(1) منه: خاتم النبيين أي آخرهم ومنه: ختم الكتاب لانه آخر حال الفراغ منه والختم الطبع والخاتم الطابع وما يختم الله على القلوب من السمة والعلامة التي ذكرناها ليست بمانعة من الايمان كما أن ختم الكتاب والظرف والوعاء لا يمنع من أخذ ما فيه.
وحكي عن مجاهد أنه قال: الرين أيسر من الطبع والطبع أيسر من الختم ومن الاقفال والقفل اشد من ذلك وقيل: إن قوله تعالى: (ختم الله) إخبار عن تكبرهم وإعراضهم عن الاستماع لما دعوا اليه من الحق كما يقال: فلان اصم عن هذا الكلام اذا امتنع عن سماعه ورفع نفسه عن تفهمه والغشاوة: الغطاء وفيها ثلاث لغات: فتح الغين وضمها وكسرها وكذلك غشوة فيها ثلاث لغات.
ويقال: تغشاني السهم اذا تجلله وكل ما اشتمل على شئ مبني على فعالة كالعمامة والقلادة والعصابة وكذلك في الصناعة كالخياطة والقصارة والصباغة والنساجة غير ذلك وكذلك من استولى على شئ كالخلافة والامارة والاجارة وغير ذلك.
قال ابوعبيدة: (وعلى سمعهم) معناه على اسماعهم ووضع الواحد موضع الجمع لانه اسم جنس كما قال: (يخرجكم طفلا)(2) يعني اطفالا ويجوزان يكون اراد موضع سمعهم فحذف لدلالة الكلام عليه ويجوز ان يكون اراد المصدر لانه يدل على القليل والكثير فمن رفع التاء قال: الكلام الاول قد تم عند قوله: (وعلى سمعهم) واستأنف: (وعلى أبصارهم غشاوة) وتقديره: وغشاوة على أبصارهم ومن نصب قدره يعني: جعل على أبصارهم غشاوة كما قال الشاعر:
---
(1) سورة المطففين: آية 26.
(2) سورة الحج آية 5.

(1/63)


تفسير التبيان ج1
علفتها تبنا وماء باردا وقال الآخر: متقلدا سيفا ورمحا لما دل الكلام الاول عليه فاذا لم يكن في الكلام ما يدل عليه لا يجوز إضماره ويجوز أن ينصب بالفعل الاول الذي هو الختم ولان الختم لا يطلق على البصر كما ذكر في قوله تعالى: (وختم على سمعه وقلبه) ثم قال: (وجعل على بصره غشاوة)(1) لم يدخل المنصوب في معنى الختم.
وقال قوم: إن ذلك على وجه الدعاء عليهم لا للاخبار عنهم وهذا يمكن في قوله تعالى: (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وفي قوله (وعلى أبصارهم غشاوة) فيمن نصب غشاوة فاما من رفع ذلك فلا يكون دعاء والاقوى أن ذلك خبر لانه خرج مخرج الذم لهم والازراء عليهم فكيف يحمل على الدعاء؟ ويحتمل أن يكون ا لمراد (بختم) أنه سيختم ويكون الماضي بمعنى المستقبل كما قال: (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار)(2) على هذا يسقط سؤال المخالف والقلب جعل الشئ على خلاف ما كان يقال: قلبه يقلبه قلبا والقليب البئر لان الماء ينقلب اليها وما به قلبة: أي انقلاب عن صحة وفلان حول قلب: اذا كان يقلب الامور برأيه ويحتال عليها والقلوب الذئب لتقلبه في الحيلة على الصيد بخبثه وسمي القلب قلبا لتقلبه بالخواطر.
قال الشاعر:
ما سمي القلب إلا من تقلبه
والرأي يعزب والانسان أطوار
والبصر: مصدر بصر به يبصر بصرا بمعنى أبصره ابصارا والبصيرة: والابصار للحق بالقلب والبصائر قطع الدم لانها ترى كثيرة للعسل (ولهم عذاب عظيم) باظهار التنوين لان النون تبين عند حروف الحلق وهي ستة أحرف: العين والغين والحاء والخاء والهمزة والهاء ومن هذه الاحرف ما لايجوز فيه الاخفاء وهي العين كقوله: " من عندلله " و " من
---
(1) سورة الجاثية آية 22.
(2) سورة الاعراف آية 43.

(1/64)


تفسير التبيان ج1
عليها " والهمزة نحو قوله: " غثاء أحوى "(1) والخاء والغين يجوز إخفاؤهما عندهم على ضعف فيه من قوله: " والمنخنقة " و (نارا خالدا) (فان خفتم) (من خلفهم) و (ميثاقا غليظا)(2) ماء غدقا)(3) قولا غير الذي)(4) ال الفراء: أهل العراق يبينون وأهل الحجاز يخفون وكل صواب فان قيل: اذا قلتم: ان الله ختم على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم فكيف يكونون قادرين على الايمان؟
قيل: يكونون عليه لان الختم والغشاوة ليسا بشئ يفعلهما الله تعالى في القلب والعين يصد بهما عن الايمان ولكن الختم شهادة على ما فسرناه من الله عليهم بانهم لا يؤمنون وعلى قلوبهم بانها لا تعي الذكر ولاتعي الحق وعلى اسماعهم بأنها لا تصغي إلى الحق وهذا إخبار عمن يعلم منه أنه لا يؤمن والغشاوة هي " إلفهم الكفر بحبهم له "(5) ولم يقل تعالى: إنه جعل على قلوبهم بل أخبر انه كذلك ومن قرأ بالنصب - وإن كان شاذا - يحتمل أن يكون أراد معنى قوله: ان السورة زادتهم رجسا إلى رجسهم والسورة لم تزدهم ولكنهم ازدادوا عندها وسنوضح ذلك فيما بعد ان شاء الله تعالى (ولهم عذاب عظيم) تقديره: ولهم بماهم عليه من خلافك عذاب عظيم وحكي ذلك عن ابن عباس وأصل العذاب الاستمرار بالشئ يقال: عذبه تعذيبا: إذا استمر به الالم وعذب الماء عذوبة: اذا استمر في الحلق وحمار عاذب وعذوب: اذا استمر به العطش فلم يأكل من شدة العطش وفرس عذوب مثل ذلك والعذوب الذي ليس بينه وبين السماء ستر وأعذبته عن الشئ بمعنى فطمته وعذبة السوط طرفه والعذاب استمرار الالم وأصل العظم عظم الشخص ومنه عظيم الشأن الغني بالشئ عن غيره
---
(1) سورة الاعلى آية 5.
(2) سورة النساء آية 20 و 153.
(3) سورة الجن: آية 16.
(4) سورة البقرة: آية 59.
(5) في الاصل بياض وفي النسخة الايرانية احتمالات استنتجنا منها العبارة الموجودة.

(1/65)


تفسير التبيان ج1
وعظمة الله تعالى كبرياؤه والعظام من العظم لانه من أكبر ما يركب منه البدن.
قوله تعالى: ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الاخر وماهم بمؤمنين(8)
آية
التفسير: (من) لفظ يخبر به عن الواحد من العقلاء واثنين وجماعة فلما قال: (وماهم بمؤمنين) دل على أنه أراد الجمع وانما قال: (يقول) بلفظ الواحد حملا له على اللفظ.
قال الشاعر: نكن مثل من ياذئب يصطحبان
وقيل في معنى الناس وجهان: أحدهما - أن يكون جمعا لا واحد له من لفظه واحدهم إنسان والانثى انسانة والثاني - أن أصله: أناس فاسقطت الهمزة منها لكثرة الاستعمال اذا دخلها الالف واللام للتعريف ثم أدغمت لام التعريف في النون كما قيل: (لكنا هو الله) واصله: لكن انا.
وقال بعضهم: ان الناس لغة غير اناس وإلا لقيل في التصغير: انيس ردا إلى اصله واشتقاقه من النوس: وهو الحركة ناس ينوس نوسا: اذا تحرك والنوس: تذبذب الشئ في الهواء ومنه نوس القرط في الاذن لكثرة حركته ولاخلاف بين المفسرين ان هذه الآية وما بعدها نزلت في قوم من المنافقين من الاوس والخزرج وغيرهم وروي ذلك عن ابن عباس وذكر اسماءهم ولا فائدة في ذكرها وكذلك ما بعدها إلى قوله: " وما كانوا مهتدين" كلها في صفه هؤلاء المنافقين والمنافق هو الذي يظهر الاسلام بلسانه وينكره بقلبه واليوم الآخر هو يوم القيامة وانما سمي يوم القيامة اليوم الآخر لانه يوم لا يوم بعده سواه وقيل: لانه بعد ايام الدنيا واول ايام الآخرة فان قيل:

(1/66)


تفسير التبيان ج1
كيف لا يكون بعده يوم ولا انقطاع للاخرة ولا فناء؟
قيل: اليوم في الآخره سمي يوما بليلته التي قبله فاذالم يتقدم النهار ليل لم يسم يوما فيوم القيامة يوم لا ليل بعده فلذلك سماه اليوم الآخر وانما قال: (وما هم بمؤمنين) مع قوله: (..من يقول آمنا بالله) تكذيبا لهم فيما اخبروا عن اعتقادهم من الايمان والاقرار بالبعث والنبوة فبين ان ما قالوه بلسانهم مخالف لما في قلوبهم وذلك يدل على ان الايمان لا يكون مجرد القول على ما قالته الكرامية (يقول) من القول ومنه: تقول اذا تخرص القول واقتال فهو مقيال: اذا أخذ نفعا إلى نفسه بالقول أودفع به ضررا عنها والمقول اللسان يقوله تقويلا اذا طالبه باظهار القول.
قوله تعالى: يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون(9)
آية
القراءة: قرأ ابن كثير ونافع وابوعمرو وبضم الياء وبألف الباقون بفتح الياء بلا الف في قوله (وما يخدعون).
اللغة: قال ابوزيد: خدعت الرجل اخدعه خدعا بكسر الخاء وخديعة ويقال في المثل: إنك لاخدع من ضب حرشته.
وقال ابن الاعرابي: الخادع: الفاسد من الطعام ومن كل شئ وانشد:
ابيض اللون لذيذا طعمه
طيب الريق اذا الريق خدع
اي تغير وفسد وقال ابوعبيدة: يخادعون بمعنى يخدعون.
قال الشاعر:
وخادعت المنية عنك سرا
فلا جزع الاوان ولا رواعا

(1/67)


تفسير التبيان ج1
التفسير: وخداع المنافق إظهاره بلسانه من القول أو التصديق خلاف ما في قلبه من الشك والتكذيب وليس لاحد ان يقول: كيف يكون المنافق لله ولرسوله وللمؤمنين مخادعا وهو لايظهر بلسانه خلاف ما هو له معتقد إلا تقية؟
وذلك ان العرب تسمي من اظهر بلسانه غير ما في قلبه لينجو مما يخافه مخادعا لمن تخلص منه بما اظهرله من التقية فلذلك سمي المنافق مخادعا من حيث انه نجا من اجراء حكم الكفر عليه بما اظهره بلسانه فهو وان كان مخادعا للمؤمنين فهو لنفسه مخادع لانه يظهر لها بذلك أنه يعطيها أمنيتها وهو يوردها بذلك أليم العذاب وشديد الوبال فلذلك قال: " وما يخدعون إلا أنفسهم " وقوله: " وما يشعرون " يدل على بطلان قول من قال: إن الله لا يعذب إلا من كفر عنادا بعد علمه بوحدانيته ضرورة " لانه أخبر عنهم بالنفاق وبأنهم لا يعلمون ذلك والمفاعلة وإن كانت تكون من اثنين من كل واحد منهما لصاحبه مثل ضاربت وقاتلت وغير ذلك فقد ورد من هذا الوزن " فاعل " بمعنى (فعل) مثل: قاتله الله وطابقت النعل وعافاه الله وغير ذلك وقد حكينا أن معناه: يخدعون كما قال في البيت المقدم وقيل: إنه لم يخرج بذلك عن الباب ومعناه: ان المنافق يخادع الله بكذبه بلسانه على ما تقدم والله يخادعه بخلافه بما فيه نجاة نفسه كما قال: (انما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين)(1).
حكي عن الحسن ان معنى يخادعون الله انهم يخدعون نبيه لان طاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله كما قال: (وان يريدوا ان يخدعوك)(2) قيل معناه: انهم يعملون عمل المخادع كما يقال فلان يسخر من نفسه ومن قرأ (وما يخادعون) بألف طلب المشاكلة والازدواج كما قال: (وان عاقبتم فعاقبوا)(3) كما قال: ___________________________________
(1) سورة آل عمران: آية 178.
(2) سورة الانفال: آية 63.
(3) سورة النحل: آية 12.

(1/68)


تفسير التبيان ج1
(وجزاء سيئة سيئة مثلها)(1) كما قال الشاعر:
ألا لايجهلن احد علينا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
وقال تعالى: (فيسخرون منهم سخر الله منهم)(2) مثله كثير وقيل في حجة من قرأ يخادعون بألف هو ان ينزل ما يخطر بباله ويهجس في نفسه من الخداع بمنزلة آخر يجازيه ذلك ويفاوضه فكأن الفعل من اثنين كما.
قال الشاعر وذكر حمارا أراد الورود:
تذكرمن أنى ومن أين شربه
يؤامر نفسيه كذي الهجمة الابل(3)
فجعل ما يكون منه من وروده الماء والتمثل بينهما بمنزلة نفسين.
وقال الآخر: وهل تطيق وداعا ايها الرجل وعلى هذا قول من قرأ: (قال إعلم ان الله على كل شئ قدير) فوصل فخاطب نفسه ونظائر ذلك كثيرة وانما دعاهم إلى المخادعة امور احدها - التقية وخوف القتل والثاني - ليكرموهم إكرام المؤمنين الثالث - ليأنسوا اليهم في اسرارهم فينقلوها إلى اعدائهم والخداع مشتق من الخدع وهو اخفاء الشئ مع ايهام غيره ومنه المخدع: البيت الذي يخفى فيه الشئ فان قيل: أليس الكفار قد خدعوا المؤمنين بما اظهروا بالسنتهم حتى حقنوا بذلك دماءهم واموالهم - وان كانوا مخدوعين في أمر آخرتهم -.
قيل: لا نقول خدعوا المؤمنين لان اطلاق ذلك يوجب حقيقة الخديعة لكن نقول: خادعوهم وما خدعوهم بل خدعوا انفسهم كما قال في الآية ولو أن انسانا قاتل غيره فقتل نفسه جاز أن يقال: انه قاتل فلانا فلم يقتل إلا نفسه فيوجب مقاتلة صاحبه وينفي عنه قتله والنفس مأخوذة من النفاسة لانها أجل ما في الانسان تقول: نفس
---
(1) سورة الشورى: آية 40.
(2) سورة التوبة: آية 80.
(3) في الطبعة الايرانية نفسه بدل نفسيه.

(1/69)


تفسير التبيان ج1
ينفس نفاسة: اذا ضن به وتنافسوا في الامر: اذا تشاحوا والنفس: والروح ونفس عنه تنفيسا: اذا روح عن نفسه والنفس: والدم ومنه النفساء ونفست المرأة والنفس: خاصة الشئ قوله: " ومايشعرون " يعني وما يعلمون يقال ما شعر فلان بهذا الامر وهو لا يشعر به اذ لم يدر شعرا وشعورا ومشعورا قال الشاعر:
عقوا بسهم فلم يشعر به احد
ثم استفاءوا وقالوا حبذا الوضح(1)
يعني: لم يعلم به أحد واصل الشعر: الدقة شعر به يشعر: اذا اعلمه بامر يدق ومنه الشعيرة والشعير لان في رأسهما كالشعر في الدقة والمشاعر: العلامات في مناسك الحج كالموقف والطواف وغيرهما واشعرت البدنة اذا اعلمتها على انها هدي والشعار ما يلي الجسد لانه يلي شعر البدن.
الاعراب: (إلا انفسهم) نصب على الاستثناء.
الآية: 10 - 19
قوله تعالى: في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون(10)
آية
القراءة: امال الزاي ابن عامر والحلواني وحمزة وقرأ اهل الكوفة بفتح الياء يكذبون مخففا.
اللغة والتفسير: يقال زاد يزيد زيادة(2) وقال الشاعر كذلك زيد المرء بعد انتقاصه
---
(1) في الطبعة الايرانية بدل (عقوا) عفوا وبدل (استفاءوا) استقادوا وبدل (وقالوا) فقالوا.
(2) وزيدا وزيدا وزيدا ومزيدا وزيدانا.

(1/70)


تفسير التبيان ج1
و (زدت) فعل يتعدى إلى مفعولين قال تعالى (وزدناهم هدى وزدناهم عذابا فوق العذاب) وزاده بسطة في العلم والجسم وقوله (فزادهم ايمانا) والمعنى: زادهم فوق الناس لهم ايمانا اضمر المصدر في الفعل واسند الفعل اليه كما قال (مازادهم إلا نفورا)(1) أي ما زادهم مجئ النذير والمعنى ازدادوا عنده.
وقال ابوعبيدة المرض الشك والنفاق وقيل في قوله فيطمع الذي في قلبه مرض) أي فجور.
وقال سيبويه: مرضته قمت عليه ووليته وامرضته: جعلته مريضا وقيل إن المرض الغم والوجع من الحسد والعداوة لكم (فزادهم الله مرضا) دعاء عليهم كما قال تعالى: (ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم)(2) اصل المرض: السقم في البدن فشبه ما في قلوبهم من النفاق والشك بمرض الاجساد والاليم بمعنى المؤلم الموجع: فعيل بمعنى مفعل: مثل بديع بمعنى مبدع ومكان حريز بمعنى محرز فال ذو الرمة: يصك وجوهها وهج اليم فان قيل اذا كان معنى قوله: (في قلوبهم مرض) أي شك ونفاق ثم قال: (فزادهم الله مرضا) ثبت ان الله يفعل الكفر بخلاف ماتذهبون اليه قيل: ليس الامر على ما ذكرتم بل معناه: إن المنافقين كانوا كلما أنزل الله آية أو سورة كفروا بها فازدادوا بذلك كفرا إلى كفرهم وشكا إلى شكهم فجاز لذلك أن يقال: فزادهم الله مرضا لما ازدادوا هم مرضا عند نزول الآيات.
ومثل ذلك قوله حكاية عن نوح: (رب اني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا)(3) هم الذين ازدادوا فرارا عند دعائه: ومثل قوله: (فزادهم رجسا إلى رجسهم)(4) انما اراد انهم ازدادوا عند نزول الآية وكقوله:
---
(1) سورة فاطر آية 42.
(2) سورة التوبة آية 128.
(3) سورة نوح آية 6.
(4) سورة التوبة آية 126.

(1/71)


تفسير التبيان ج1
(فاتخذتموهم سخريا حتى انسوكم ذكري)(1) المؤمنون ما أنسوهم ذكر الله بل كانوا يدعونهم اليه تعالى لكن لما نسوا ذكر الله عند ضحكهم من المؤمنين اتخاذهم إياهم سخريا جاز أن يقال: إن المؤمنين انسوهم ويقول القائل لغيره اذا وعظه فلم يقبل نصيحته: قد كنت شريرا فزادتك نصيحتي شرا وانما يريد أنه ازداد عنده فلما كان المنافقون فقد مرضت قلوبهم بما فيها من الشك ثم ازدادوا شكاو كفرا عند ما كان تجدد من امر الله ونهيه وماينزل من آياته جاز أن يقال: (فزادهم الله مرضا) فان قيل: فعلى هذا ينبغي أن يكون انزال الآيات مفسدة لانهم يزدادون عند ذلك الكفر قلنا: ليس حد المفسدة ما وقع عنده الفساد وانما المفسدة ما وقع عندها الفساد ولولاها لم يقع ولم يكن تمكينا وهذا تمكين لهم من النظر في معجزاته ودلائله فلم يكن استفسادا ولو كان الامر على ما قالته المجبرة: إن الله يخلق فيهم الكفر لقالت الكفار ما ذنبنا والله تعالى يخلق فينا الكفر ويمنعنا من الايمان فلم تلوموننا على ما فعله الله؟ فتكون الحجة لهم لا عليهم وذلك باطل والتقدير في الآية في اعتقاد قلوبهم الذي يعتقدونه في الدين والتصديق بنبيه مرض وحذف المضاف واقام المضاف اليه مقامه.
قال الشاعر:
هلا سألت الخيل يا ابنة مالك
ان كنت جاهلة بما(2) لم تعلمي
يعني اصحاب الخيل كما قال: (يا خيل الله اركبي) يعني يا اصحاب خيل الله وكما قال تعالى: (واسأل القرية)(3) وانما اراد اهلها.
وروي عن ابن عباس أن المرض المراد به الشك والنفاق وبه قال قتادة وعبدالرحمن بن زيد والكذب ضد الصدق وهو الاخبار عن الشئ لا على هو به يقال كذب يكذب كذبا وكذابا - خفيف وثقيل - مصدران والكذب كالضحك والكذاب كالكتاب والاكذاب: جعل الفاعل على صفة الكذب والتكذب: التحلي
---
(1) سورة الاحزاب: آية 111.
(2) في الطبعة الايرانية (لما).
(3)"ورة يوسف: آية 82.

(1/72)


تفسير التبيان ج1
بالكذب وجهة من ضم الياء شدد الذال أنه ذهب إلى أنهم استحقوا العذاب بتكذيبهم النبي - صلى الله عليه وآله - وبما جاء به ومن فتح الياء وخفف الذال قدر المضاف كأنه قال: بكذبهم وهو اشبه بما تقدم وهو قولهم: (آمنا بالله وباليوم الآخر)(1) فاخبر الله عنهم فقال: (وماهم بمؤمنين) ولذلك يحمد تكذيبهم وادخل كان ليعلم ان ذلك كان فيما مضى كقول القائل: ما احسن ما كان زيدا وقال بعض الكوفيين: لا يجوز ذلك لان حذف كان انما أجازوه في التعجب لان الفعل قد تقدمها فكأنه قال حسنا كان زيد ولا يجوز ذلك ههنا لان كان تقدمت الفعل.
قوله تعالى: واذا قيل لهم لا تفسدوا في الارض قالوا إنما نحن مصلحون(11)
آية
القراءة: رام ضم القاف فيها وفي أخواتها الكسائي وهشام ورويش(2) ووافقهم ابن ذكوان في السين والحاء مثل: حيل وسيق وسيئت ووافقهم اهل المدينة في سيق وسيئت فمن ضم ذهب إلى ما حكي عن بعض العرب: قد قول وقد بوع المتاع بدل قيل وبيع ومن كسرها قال: لان ياء الساكنة لاتكون بعد حرف مضموم ومن اشم قال: اصله قول فاستثقلت الضمة فقلبت كسرة واشمت ليعلم ان الاصل كانت ضمة.
المعنى: وروي عن سلمان - رحمه الله - أنه قال: لم يجئ هؤلاء وقال أكثر المفسرين: إنها نزلت في المنافقين الذين فيهم الآيات المتقدمة وهو الاقوى ويجوز أن يراد بها من صورتهم صورتهم فيحمل قول سلمان - رحمه الله - على أنه
---
(1) سورة البقرة: آية 8.
(2) لم نعثر على هذا الاسم في كتب الرجال ولعله ورش.

(1/73)


تفسير التبيان ج1
أراد بعد انقراض المنافقين الذين تناولتهم الآية.
ومعنى قولهم له: (انما نحن مصلحون) يحتمل امرين: احدهما - ان يقول: إن هذا الذي عندكم فساد هو صلاح عندنا لانا إذا قابلناهم استدعيناهم إلى الحق في الدين والثاني - أن يجحدوا ذلك البلاغ والافساد مأخوذ من الفساد: وهو كلما يغير عن استقامة الحال تقول: فسد يفسد فسادا والافساد: إحداث الفساد والمفاسدة: المعاملة بالفساد والتفاسد: تعاطي الفساد بين اثنين والاستفساد المطاوعة على الفساد لا تفسدوا في الارض فيقولون انما نحن مصلحون ويقال لهم: آمنوا كما آمن الناس فيقولون أنؤمن كما آمن السفهاء؟
فليس هؤلاء منافقين بل مظهرون لكفرهم والآية في المنافقين قيل: المنافقون وإن كانوا يظهرون الايمان للنبي - صلى الله عليه وآله - فانهم كانوا لايألون المسلمين خبالا وكانوا يثبطون عن النبي صلى الله عليه وآله ويدعون إلى ترك نصرته من يثقون باستماعهم منهم ومن يظنون ذلك به فربما صادفوا من المؤمنين التقي فيجيبهم بما ذكر الله فاذا أخبر أولئك النبي - صلى الله عليه وآله - ثم ذكروا له(1) ما قالوا وعاتبهم النبي صلى الله عليه وآله عادوا إلى إظهار الايمان والندم عليه أو كذبوا قائله والحاكي عنهم وكان لا يجوز في الدين إلا قبول ذلك منهم بما يظهرون وخاصة في صدر الاسلام والحاجة إلى تألف قلوبهم ماسة(2) ومن قرأ الاخبار تبين صحة ما قلناه والافساد في الارض: العمل فيها بما نهى الله عنه وتضييع ما أمر الله بحفظه كما قال تعالى حاكيا عن الملائكة: (أتجعل فيها من يفسد فيها)؟(3) يعنون من يعصيك ويخالف امرك وهذه صفة المنافقين والارض: هي المستقر للحيوان ويقال لقوائم البعير: أرض وكذلك
---
(1) في الطبعة الايرانية: ثم ذكروه ولعل الصحيح ما ذكرنا.
(2) في الطبعة الايرانية (ماسة) ضرب عليها ولعل وجودها اصح.
(3) سورة البقرة: آية 30.

(1/74)


تفسير التبيان ج1
الفرس ان قوي والارض: الرعدة وقال ابن عباس: ما أدري إذا زلزلت الارض لم بي أرض؟ أي رعدة والارضة: دويبة تأكل الخشب والصلاح: استقامة الحال فالاصلاح: جعل الحال على الاستقامة والاصطلاح الاجتماع والتصالح: التمالي على الصلاح ومنه المصالحة والاستصلاح والصالح: والمستقيم الحال والمصلح: المقوم للشئ على الاستقامة.
قوله تعالى: ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون(12)
التفسير: ألا: فيها تنبيه ومعناها لاستفتاح الكلام ومثله: ألا ترى؟ أما تسمع؟ وأصلها (لا) دخل عليها ألف الاستفهام والالف اذا دخل على الجحد أخرجه إلى الايجاب نحو قوله: (أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى)؟ لانه لا يجوز للمجيب إلا الاقرار ببلى والهاء والميم في موضع النصب بأن وهم فصل عند البصريين ويسميه الكوفيون عمادا وقوله (لا يشعرون) قد فسرناه(1) وفيها دلالة على من قال: بان الكفار معاندون عالمون بخطاياهم وان المعرفة مزورة ووصفهم بانهم (هم المفسدون) لا يمنع من وصف غيرهم بانه مفسد لان ذلك دليل الخطاب.
وحكي عن ابن عباس: أن معنى قوله (انما نحن مصلحون) انما يريد الاصلاح بين الفريقين من المؤمنين واهل الكتاب وحكي عن مجاهد انهم اذا ركبوا معصية الله قيل لهم: لاتفعلوا هذا قالوا: إنما نحن مصلحون أي: انما نحن على الهدى وكلا الامرين محتمل لانهما جميعا عندهم أنه إصلاح في الدين وإن كان ذلك إفسادا عند الله ومن حيث أنه خلاف لما أمرهم به وإنما جاز تكليف ما لا يشعر أنه على ظلال لان له طريقا إلى العلم
---
(1) في قوله: " يخادعون الله. " تتمة الآية.

(1/75)


تفسير التبيان ج1
قوله تعالى: وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون(13)
قرأ ابن عامر وأهل الكوفة بتحقيق الهمزتين وكذلك كل همزتين مختلفتين من كلمتين الباقون بتخفيف الاولى وتليبن الثانية.
المعنى: المعني بهذه الآية هم الذين وصفهم تعالى بانهم يقولون: " آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين " والمعنى إذا قيل لهم آمنوا بمحمد صلى الله عليه وآله وبما جاء من عندالله كما آمن به الناس يعني المؤمنين حقا لان الالف واللام ليسا فيه للاستغراق بل دخلا للعهد فكأنه قيل: آمنوا كما آمن الناس الذين تعرفونهم باليقين والتصديق بالله ونبيه - صلى عليه وآله - وبما جاء به من عند الله والالف في قوله: (أنؤمن) ألف إنكار وأصلها الاستفهام ومثله (أتطعم من لو يشاء الله أطعمه)(1) كقول القائل: أأضيع ديني وأثلم مرؤتي؟
وكل هذا جواب لكن قد وضع السؤال فيه وضعا فاسدا لوصفهم ان الذين دعوا إليهم سفهاء وموضع (إذا) نصب وتقديره: قالوا إذا قيل لهم ذلك انؤمن فالعامل فيه قالوا والسفهاء جميع سفيه مثل: علماء وعليم وحكماء وحكيم والسفيه: الضعيف الرأي الجاهل القليل المعرفة بمواضع المنافع والمضار ولذلك سمى الله الصبيان سفهاء بقوله: (لا تؤتوا السفهاء اموالكم)(2) فقال عامه اهل التأويل هم النساء والصبيان لضعف آرائهم وأصل السفه: خفة الحلم وكثرة الجهل يقال: ثوب سفيه اذا
---
(1) سورة يس: آية 47.
(2) سورة النساء: آية 4

(1/76)


تفسير التبيان ج1
كان رقيقا باليا وسفهته الريح: اذا طيرته كل مطير وفي اخبارنا أن شارب الخمر سفيه فأمر الله تعالى أن يؤمنوا كما آمن المؤمنين المستبصرون فقالوا: أنؤمن كما آمن الجهال ومن لا رأي له ومن لا عقل له كالصبيان والنساء فحكم الله عليهم حينئذ بانهم السفهاء باخباره عنهم بذلك وهو من تقدم ذكره من المنافقين والسفيه إنما سمي مفسدا من حيث انه يفسد من حيث يظن انه يصلح ويضيع من حيث يرى أنه يحفظ وكذلك المنافق يعصي ربه من حيث يظن انه يطيع ويكفر به من حيث يظن أنه يؤمن به والالف واللام في السفهاء للعهد كما قلناه في الناس وهذه الآية ايضا فيها دلالة على من قال: إن الكافر لا يكون إلا معاندا لانه قال: (ولكن لا يعلمون).
قوله تعالى: وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون(14)
القراءة: قرئ في الشواذ واذا لا قوا الذين قرأها اليماني وفى القراء من همز " مستهزئون " ومنهم من ترك الهمزة.
المعنى: حكي عن ابن عباس أنه قال: هذه في صفة المنافقين فكان الواحد منهم اذا لقي اصحاب النبي - صلى الله عليه وآله - قال إنا معكم - أي على دينكم - وإذا خلوا إلى شياطينهم - يعني اصحابهم - قالوا انما نحن مستهزئون - يعني نسخر منهم يقال خلوت اليه وخلوت معه ويقال خلوت به على ضربين: احدهما - بمعنى خلوت معه والآخر - بمعنى سخرت منه وخلوت اليه في قضاء الحاجة لا غير وخلوت به له معنيان: احدهما - هذا والآخر - سخرت منه قال الاخفش:

(1/77)


تفسير التبيان ج1
رقد تكون " إلى " في موضع الباء " وعلى " في موضع عن وانشد:
اذا رضيت علي بنو قشير
لعمر الله أعجبني رضاها
فعلى هذا يحتمل أن تكون الآية: (خلوا مع..) وقال الرماني: الفرق بين اللقاء والاجتماع أن اللقاء لا يكون إلا على وجه المجاورة والاجتماع قد يكون كاجتماع العزمين في محل وقد بينا معنى الشيطان فيما مضى(1) معكم (ومعكم) - بفتح العين وسكونها - لغتان وترك الهمزة في (مستهزئون) لغة قريش وعامة غطفان وكنانه بعضها يجعلها بمنزلة (يستقصون ويستعدون) بحذفها وبعض بني تميم وقيس يشيرون إلى الزاء بالرفع بين الرفع والكسر وهذيل وكثير من تميم يخففون الهمزة.
وقال بعض الكوفيين: إن معنى (إذا خلوا): إذا انصرفوا خالين فلاجل ذلك قال: إلى شياطينهم على المعنى وهو مليح وقيل: إن شياطينهم: رؤساؤهم وقيل: أريد بهم أصحابهم من الكفار.
وروي عن أبي جعفر عليه السلام: أنهم كهانهم والاستهزاء: طلب الهزء بايهام أمر ليس له حقيقة في من يظن فيه الغفلة والهزء: ضد الجد يقال هزئ به هزء والتهزي: طلب الهزء: بالشئ وغرضهم كان بالاستهزاء مع علمهم بقبحه حقن دمائهم باظهار الايمان واذا خلواالى شياطينهم كشفوا مافي نفوسهم.
قوله تعالى: الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون(15)
الاعراب: الله: رفع بالابتداء وخبره: يستهزئ بهم
---
(1) مر في الاستعاذة

(1/78)


تفسير التبيان ج1
المعنى: والله تعالى لا يجوز عليه حقيقة الاستهزاء لانها السخرية على ما بيناه ومعناها من الله هو الجزاء عليها وقد يسمى الشئ باسم جزائه كما يسمى الجزاء باسم ما يستحق به كما قال تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها)(1) قال: (ومكروا ومكرالله)(2) قال: (وان عاقبتم فعاقبوا)(3) الاول ليس بعقوبة والعرب تقول: الجزاء بالجزاء والاول ليس بجزاء (والبيت الاول شاهد بذلك) (؟) وقيل إن استهزاءهم لما رجع عليهم جاز أن يقول عقيب ذلك: (الله يستهزئ بهم) يراد به ان استهزاءهم لم يضر سواهم وانه (دبر)(4) عليهم واهلكهم يقول القائل: أراد فلان أن يخدعني فخدعته: أي دبر علي امرا فرجع ضرره عليه.
وحكي عن بعض من تقدم أنه قال اذا تخادع لك انسان ليخدعك فقد خدعته وقيل ايضا: إن الاستهزاء من الله: الاملاء الذي يظنونه إغفالا وقيل: إنه لما كان ما اظهره من اجراء حكم الاسلام عليهم في الدنيا بخلاف ماأجراه عليهم في الآخرة من العقاب وكانوا فيه على اغترار به كان كالاستهزاء.
وروي في الاخبار أنه يفتح لهم باب جهنم فيظنون أنهم يخرجون منها فيزدحمون للخروج فاذا انتهوا إلى الباب ردتهم الملائكة حتى يرجعوا فهذا نوع من العقاب وكان الاستهزاء كما قال الله تعالى: (كلما أرادوا أن يخرجوا فيها من غم اعيدوا فيها)(5) قوله (يمدهم) حكي عن ابن عباس وابن مسعود أنهما قالا: معناه يملي لهم بأن يطول أعمارهم وقال مجاهد: يزيدهم وقال بعض النحويين يمدهم كما يقولون نلعب الكعاب: أي بالكعاب وحكي أن مد وأمد لغتان وقيل مددت له وأمددت له يقال مد البحر فهو ماد وأمد الجرح فهو ممد قال الجرمى: ما كان من الشر فهو
---
(1) سورة الشورى: آية: 40.
(2) سورة آل عمران: آية 54.
(3) سورة النحل: آية 126 "؟ ".
(4) في الطبعة الايرانية (دمر) بدل " دبر " وما ذكر في المتن هو الصحيح بقرينة ما يأتي من قوله: ".. دبر علي أمرا ".
(5) سورة الحج: آية 22

(1/79)


تفسير التبيان ج1
مددت وما كان من الخير فهو أمددت فعلى هذا إن اراد تركهم فهو من مددت واذا أراد اعطاءهم يقال أمدهم وقرئ في الشواذ: ويمدهم - بضم الياء .
وقال بعض الكوفيين كل زيادة حدثت في الشئ من نفسه فهو مددت - بغير ألف - كما يقولون مد النهر ومده نهر آخر فصار منه اذا اتصل به وكل زيادة حدثت في الشئ من غيره فهو أمددت - بألف - كما يقال أمد الجرح لان المدة(1) من غير الجرح وأمددت الجيش واقوى الاقوال أن يكون المراد به نمدهم على وجه الاملاء والترك لهم في خيرهم كما قال: " انما نملي لهم ليزدادوا إثما)(2) كما قال: (ويمدهم في طغيانهم يعمهون) يعني يتركهم فيه والطغيان: الفعلان من قولك طغى فلان يطغى طغيانا اذا تجاوز حده ومنه قوله: (كلا إن الانسان ليطغى)(3) ي يتجاوز حده والطاغية: الجبار العنيد.
وقال أمية بن أبي الصلت:
ودعا الله دعوة لات هنا
بعد طغيانه فظل(4) مشيرا
يعني لاهنا ومعناه في الآية: في كفرهم يترددون والعمه: التحير يقال: عمه يعمه عمها فهو عمه وعامه: أي حائر عن الحق.
قال رؤبة:
ومهمه اطرافه في مهمه
أعمى الهدى بالحائرين(5)
العمه جمع عامه فان قيل: كيف يخبر الله أنه يمدهم في طغيانهم يعمهون وانتم تقولون: إنما أبقاهم ليؤمنوا لا ليكفروا وانه أراد منهم الايمان دون الكفر؟ قيل معناه: أنه يتركهم وما هم فيه لا يحول بينهم وبين ما يفعلونه ولا يفعل بهم
---
(1) المدة: مايجتمع في الجرح من القيح.
(2) سورة آل عمران: آية 178.
(3) سورة العلق: آية 6.
(4) في الطبعة الايرانية " فصار " بدل فضل والبيت في ديوان امية و " لات هنا " كلمة ثدور في كلامهم يريدون بها: " ليس هذا حين ذلك " و " هنا " مفتوحة الهاء مشددة النون مثل " هنا مضمومة الهاء مخففة النون.
(5) الصحيح ماذكرنا وفي الطبعة الايرانية " فالحائرين " وفي تفسير الطبري نقلا عن ديوان رؤبة بالجاهلين.

(1/80)


تفسير التبيان ج1
من الالطاف التي يؤتيها المؤمنين فيكون ذلك عقوبة لهم واستصلاحا ونظير ذلك قول القائل لاخيه اذا هجره أخوه متجنيا عليه اذا استعتبه فلم يراجعه: سأمد لك في الهجران مدا يريد سأتركك وما صرت اليه تركا ينبهك على قبح فعلك لا أنه يريد بذلك أن يهجره أخوه ولكن على وجه الغضب والاستصلاح والتنبيه.
قوله تعالى: أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فماربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين(16)
القراءة: ضم جميع القراء الواو من (اشتروا الضلالة) وروى السوخردي عن زيد ابن اسماعيل بتخفيف ضمة الواو وكذلك نظائره نحو: (لنبلون) (فتمنوا الموت) وروى عن يحيى بن يعمر في الشواذ أنه كسرها شبهها بواو: (لو) في قوله: (لو استطعنا لخرجنا)(1) ضم يحيى بن وثاب واو (لووا) وفيما ذكرناه شبهها بواو الجمع والصحيح ما عليه القراء لان الواو في الآية ونظائرها واو الجمع فحركت بالحركة التي من جنسها لا لتقاء الساكنين.
المعنى: وهذه الآية الاشارة بها إلى من تقدم ذكره من المنافقين وقال ابن عباس اشتروا الكفر بالايمان وقال قتادة: استحبوا الضلالة على الهدى وقال ابن مسعود: اخذوا الضلالة وتركوا الهدى وقال مجاهد آمنوا ثم كفروا وهذه الاقوال متقاربة المعاني فان قيل كيف اشتروا هؤلاء القوم الضلالة بالهدى وانما كانوا منافقين لم يتقدم نفاقهم ايمان؟ فيقال فيهم باعوا ما كانوا عليه بضلالتهم التي استبدلوها منه والمفهوم من الشراء اعتياض شئ يبذل شئ مكانه عوضا منه وهؤلاء ما كانوا قط على الهدى
---
(1) سورة التوبة: آية 43.

(1/81)


تفسير التبيان ج1
قلنا: من قال: بان الآية مخصوصة بمن كفر بعد إيمانه فقد تخلص من هذا السؤال غيرأن هذا لايصح عندنا من أن من آمن بالله لايجوز أن يكفر وان حملنا على اظهار الايمان لم يكن في الآية توبيخ ولا ذم والآية تتضمن التوبيخ على ماهم عليه لانها اشارة إلى ما تقدم وتلك صفات المنافقين والجواب عن ذلك ان نقول: إن من ارتكب الضلالة وترك الهدى جاز ان يقال ذلك فيه ويكون معناه: كان الهدى الذي تركه هو الثمن الذي جعله عوضا عن الضلالة التي أخذها فيكون المشتري أخذ المشترى مكان الثمن المشترى به كما قال الشاعر:
أخذت بالجمة رأسا أزعرا
وبالثنايا الواضحات الدردرا
وبالطويل العمر عمرا جيدرا
كما اشترى المسلم اذ تنصرا(1)
ومنهم من قال: استحبوا الضلالة على الهدى انما قال ذلك لقوله تعالى (واما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى)(2) حمل هذه الآية عليه ومن حملها على انهم اختاروا الضلالة على الهدى فان ذلك مستعمل في اللغة يقولون اشتريت كذا على كذا واشتريته يعنون اخترته.
قال اعشى بني ثعلبة:
فقد اخرج الكاعب المسترا(3)
ة من خدرها واشيع القمارا
يعني: المختارة.
قال ذو الرمة في معنى الاختيار:
يذب القصايا عن شراة كأنها
جماهير تحت المدجنات الهواضب(4)
وقال آخر:
---
(1) زعر الشعر فهو زعر وازعر: قل وتفرق الدردر: مغارز اسنان الصبي أو هي قبل نباتها وبعد سقوطها الجيدر: القصير والمراد قصير العمر.
(2) سورة حم السجدة: آية 17.
(3) في الطبعة الايرانية " المشتراة " وكذلك في مخطوطة تفسير الطبري اما في ديوانه 35 وطبقات فحول الشعراء 36 واللسان " سرا " فكما ذكرنا.
(4) ديوانه يذب: يدفع ويطرد والقصايا: وهي من الابل ورذالتها ضعفت فتخلفت وجماهير ج جمهور: وهو رملة مشرفة على ما حولها والهواضب: التي دام مطرها والمدجنات من سحابة داجنة: أي كثيفة

(1/82)


تفسير التبيان ج1
إن الشراة روفة الاموال
وحزرة القلب خيار المال(1)
والاول أقوى لقوله: (فما ربحت تجارتهم) فبين ان ذلك بمعنى الشراء والبيع الذي بتعارفه الناس والربح - وان اضافه إلى التجارة - فالمراد به التاجر لانهم يقولون ربح: بيعك وخسر بيعك وذلك يحسن في البيع والتجارة لان الربح والخسران يكون فيهما ومتى التبس فلا يجوز إطلاقه لا يقال: ربح عبدك اذا أراد ربح في عبده لان العبد نفسه قد يربح ويخسر فلما أوهم لم يطلق دلك فيه وقيل: إن المراد فما ربحوا في تجارتهم كما يقال: خاب سعيك: أي خبت في سعيك وانما قال ذلك لان المنافقين بشرائهم الضلالة خسروا ولم يربحوا لان الرابح من استبدل سلعة بما هو أرفع منها فاما اذا استبدلها بما هو أدون منها فانما يقال خسر فلما كان المنافق استبدل بالهدى الضلالة وبالرشاد الخيبة عاجلا وفي الآخرة الثواب بالعقاب كان خاسرا غير رابح وانما قال: " وما كانوا مهتدين " لانه يخسر التاجر ولا يربح ويكون على هدى فأراد الله تعالى أن ينفي عنهم الربح والهداية فقال: " فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين " باستبدالهم الكفر بالايمان واشترائهم النفاق بالتصديق والاقرار بها فان قيل: لم قال: فما ربحت تجارتهم في موضع ذهبت رؤوس اموالهم؟
قيل: لانه قد ذكر الضلالة بالهدى فكأنه قال: طلبوا الربح فما ربحوا لما هلكوا وفيه معنى ذهبت رؤوس اموالهم ويحتمل ان يكون ذلك على التقابل: وهو ان الذين اشتروا الضلالة بالهدى لم يربحوا كما ان الذين اشتروا الهدى بالضلالة ربحوا.
قوله تعالى: مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون(17)
اللغة: إن قيل: كيف قال: (مثلهم) أضاف المثل إلى الجمع ثم شبهه بالواحد في
---
(1) في الطبعة الايرانية: " الشراء " يدل " الشراة " وحوزة بدل " حزرة " والصحيح ما ذكرنا كما عن اللسان في مادة " حزر " وروقة الناس: خيارهم وحزرة نفسي: خير ما عندي

(1/83)


تفسير التبيان ج1
قوله:
كمثل الذي استوقد نارا " هلا قال كمثل الذين استوقدوا نارا
يكني به عن جماعة من الرجال والنساء والصبيان والذي لا يعبر به إلا عن واحد مذكر ولو جاز ذلك لجاز أن يقول القائل: كأن أجسام هؤلاء - ويشير إلى جماعة عظيمي القامة - نخلة وقد علمنا أن ذلك لا يجوز؟ قلنا: في الموضع الذي جعله مثلا لافعالهم جائز حسن وله نظائر كقوله: " تدور اعينهم كالذي يغشى عليه من الموت "(1)
والمعنى: كدور أعين الذي يغشى عليه من الموت وكقوله " ماخلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة "(2) ومعناه إلا كبعث نفس واحدة لان التمثيل وقع للفعل بالفعل وأما في تمثيل الاجسام لجماعة من الرجال في تمام الخلق والطول بالواحد من النخيل فغير جائز ولا في نظائره.
التفسير: والفرق بينهما أن معنى الآية أن مثل اسنضاءة المنافقين بما أظهروا من الاقرار بالله وبمحمد صلى الله عليه وآله وبما جاء به قولا - وهم به مكذبون اعتقادا - كمثل استضاءة الموقد ثم اسقط ذكر الاستضاءة واضاف المثل اليهم كما قال الشاعر وهو نابغة جعدة:
وكيف تواصل من اصبحت
خلالته كأبي مرحب(3)
أي كخلالة أبي مرحب واسقط لدلالة الكلام عليه وأما إذا أراد تشبيه الجماعة من بني آدم وأعيان ذوي الصور والاجسام بشئ فالصواب أن يشبه الجماعة بالجماعة والواحد بالواحد لان عين كل واحد منهم غير اعيان الاخر كما قال تعالى: " كأنهم خشب مسندة "(4) وقال: " كأنهم اعجاز نخل خاوية "(5)
---
(1) سورة الاحزاب آية 19.
(2) سورة لقمان آية 28.
(3) الخلة والخلالة الصداقة التي ليس فيها خلل وابومرحب كناية عن الظل يريد أنها تزول كما يزول الظل لا تبقى له مودة.
(4) سورة المنافقون: آية 4.
(5) سورة القمر آية 20.

(1/84)


تفسير التبيان ج1
واراد جنس النخل ومثل قوله: ما افعالكم إلا كفعل الكلب ثم يحذف الفعل فيقال: ماافعالكم إلا كالكلب وقيل إن " الذي " بمعنى الذين كقوله: " والذى جاء بالصدق وصدق به اولئك هم المتقون "(1) وقال الشاعر:
وان الذي حانت بفلج دماؤهم
هم القوم كل القوم يا ام خالد
وانما جاز ذلك لان الذين منهم يحتمل الوجوه المختلفة وضعف هذا الوجه من حيث ان في الآية الثانية وفي البيت دلالة على انه اريد به الجمع وليس ذلك في الآية التي نحن فيها وقيل فيه وجه ثالث وهو ان التقدير: مثلهم كمثل اتباع الذي استوقد نارا وكما قال: (واسأل القرية)(2) انما اراد اهلها وفى الآية حذف (طفئت عليهم النار)
وقوله: (استوقد نارا) معناه: اوقد نارا كما يقال استجاب بمعنى اجاب قال الشاعر:
وداع دعا يا من يجيب إلى الندى
فلم يستجبه عند ذاك مجيب
يريد: فلم يجبه الوقود: الحطب والوقود: مصدر وقدت النار وقودا والاستيقاد: طلب الوقود: والايقاد: ايقاد النار والتوقد: التوهج والايقاد: التهاب النار وزند ميقاد: سريع الوري وقلب وقاد: سريع الذكاء والنشاط وكل شئ يتلالا فهو يتقد وفي الحجر نار لا تقد لانها لا تقبل الاحتراق والوقود: ظهور النار فيما يقبل الاحتراق وأصل النار النور نار الشئ اذاظهر نوره وانار: اظهر نوره واستنار: طلب اظهار نوره والمنار: العلامات والنار: السمت وضاءت النار: ظهر ضوؤها وكل ما وضح فقد اضاء واضاء القمر الدار: كقوله اضاءت ما حوله.
---
(1) سورة الزمر آية 33.
(2) سورة يوسف: آية 82

(1/85)


تفسير التبيان ج1
قال الشاعر:
اضاءت لهم احسابهم ووجوههم
دجى الليل حتى نظم الدر ثاقبه(1)
وقوله: (حوله) مأخوذ من الحول وهو الانقلاب يقال حال الحول: اذا انقلب إلى أول السنة وأحال في كلامه اذا صرفه عن وجهه وحوله عن المكان: أي نقله إلى مكان آخر: وتحول: تنقل واحتال عليه وحاوله طالبه بالانقلاب إلى مراده والحول بالعين - بالفتح - والحول - بالكسر - الانقلاب عن الامر ومنه قوله " لا يبغون عنها حولا "(2) والحوالة انقلاب الحق عن شخص إلى غيره والمحالة: البكرة والحيلة: إيهام الامر للخديعة وحال بينه وبينه: مانع والحائل: الناقة التي انقطع حملها والحائل: العير وحوله الصبا: أي دايرته ذهب به واذهبه: أي أهلكه لا ذهابه إلى مكان يعرف ومنه (ذهب الله بنورهم) والمذهب: الطريقة في الامر والذهبه: المطرة الجود.
وقوله: (وتركهم في ظلمات): أي أذهب النور بالظلمات وتاركه متاركه وتتاركوا: تقابلوا في الترك واترك اتراكا: اعتمد الترك والتركة والتريكة: بيضة النعام المنفردة لتركها وحدها والظلمات: جمع الظلمة واصلها انتقاص الحق من قوله: ولم تظلم منه شيئا أي لم تنقص واظلم الجواد الحتمل انتقاص الحق لكرمه ومن أشبه أباه فما ظلم أي ما انتقص حق الشبه وظلمت الناقة: اذا نحرت من غير علة والظلم: ماء الاسنان من اللون لا من الريق والظلم الثلج.
وقوله: (في ظلمات لا يبصرون) قال ابن عباس: إنهم بيصرون الحق ويقولون به حتى اذا خرجوا من ظلمة الكفر أطفأوه بكفرهم به فتركهم في ظلمات الكفر فهم لا بيصرون هدى ولا يستقيمون على حق وروي عنه أيضا أنه قال: هذا مثل ضربه الله تعالى للمنافقين أنهم كانوا يعتزون الاسلام فيناكحهم(3) المسلمون
---
(1) وفي رواية " الجزع " بدل " الدر ".
(2) سورة الكهف: آية 109.
(3) في الطبعة الايرانية بصيغة الماضي والظاهر من السياق ان الصيغة ما ذكرنا.

(1/86)


تفسير التبيان ج1
ويولدونهم وبقاسمونهم الفئ فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العز كما سلب صاحب النار ضوءه وتركهم في عذاب وهو أحسن الوجوه وقال أبومسلم: معناه أنه لا نور لهم في الآخرة وإن ما أظهروه في الدنيا يضمحل سريعا كاضمحلال هذه اللمعة وحال من يقع في الظلمة بعد الضياء اشقى في الحيرة فكذلك حال المنافقين في حيرتهم بعد اهتدائهم ويزيد استضرارهم على استضرار من طفئت ناره بسوء العاقبة.
وروي عن ابن مسعود وغيره أن ذلك في قوم كانوا اظهروا الاسلام ثم أظهروا النفاق فكان النور الايمان والظلمة نفاقهم وقيل فيها وجوه تقارب ما قلناه وتقدر بعد قوله: (فلما اضاءت ما حوله) (انطفأت) لدلالة الكلام عليها كما قال ابوذؤيب الهذلي:
دعاني اليها القلب إني لامره
مطيع فما ادري ارشد طلابها؟(1)
وتقديره ارشد طلابها ام غي؟ وقال الفراء يقال ضاء القمر يضوء واضاء يضئ لغتان وهو الضوء والضوء - بفتح الضاد وضمها - وقد اظلم الليل وظلم - بفتح الظاء وكسر اللام - وظلمات على وزن غرفات وحجرات وخطوات فاهل الحجاز وبنو اسد يثقلون وتميم وبعض قيس يخففون والكسائي يثم الهاء الرفع بعد نصب اللام في قوله (حوله) و (نجمع عظامه) في حال الوقف الباقون لا يشمون وهو احسن.
قوله تعالى: صم بكم عمي فهم لا يرجعون(18)
آية بلا خلاف
التفسير واللغة: قال قتادة " صم " لا يسمعون الحق " بكم لا ينطقون به " عمي "
---
(1) وفي ديوان الهذليين: 71 " عصاني اليها القلب " والروايتان صحيحتان

(1/87)


تفسير التبيان ج1
لا يرجعون عن ضلالتهم صم رفع على انه خبرابتداء محذوف وتقديره هؤلاء الذين ذكرناهم في القصة: صم بكم عمي والاصم هو الذي ولد كذلك وكذلك الابكم هو الذي ولد أخرس.
ويقال الابكم: المسلوب الفؤاد ويجوز أن يجمع أصم: صمان: مثل اسود وسودان واصل الصم: السد فمنه الصم: سد الاذن بما لا يقع معه سمع وقناة صماء: كبيرة الجوف صلبة لسد جوفها بامتلائها وفلان أصم لسد خروق مسامعه عن ادراك الصوت وحجر أصم أي صلب وفتنة.
صماء: أي شديدة والتصميم: المضي في الامر والصمام: مايشد به رأس القارورة لسده رأسها والفعل: أصمها والصميم: العظم الذي هو قوام العضو لسد الخلل به وأصل اليكم: الخرس وقيل هو الذي يولد أخرس وبكم عن الكلام: اذا امتنع منه جهلا أو تعمدا كالخرس والابكم: الذي لا يفصح لانه كالخرس واصل العمى: ذهاب الادراك بالعين والعمى في القلب كالعمى في العين بآفة تمنع من الفهم واعماه: إذا اوجد في عينيه عمى وعمى الكتاب تعمية وتعامى عن الامر تعاميا وتعمى الامر: تطمس كأن به عمى وما اعماه: من عمى القلب ولا يقال ذلك من الجارحة والعماية: الغواية والعماء: السحاب الكثيف المطبق.
والرجوع: مصدر رجع يرجع رجوعا ورجعه رجعا والارتجاع: اجتلاب الرجوع والاسترجاع: طلب الرجوع وتراجع: تحامل وترجع: تعمد للرجوع ورجع: كثر في الرجوع ورجع الجواب: رده والمرجوعة: جواب الرسالة والرجع: المطر ومنه قوله: (والسماء ذات الرجع)(1) الرجع: نبت الربيع والرجوع عن الشئ بخلاف الرجوع اليه والمعنى: إنهم صم عن الحق لا يعرفونه لانهم كانوا يسمعون بآذانهم وبكم عن الحق لاينطقون مع ان ألسنتهم صحيحة عمي لا يعرفون الحق واعينهم صحيحة كما قال: (وتراهم ينظرون اليك وهم لا يبصرون) (فهم لايرجعون) ويحتمل امرين:
---
(1) سورة الطارق آية 11.

(1/88)


تفسير التبيان ج1
أحدهما - ما روي عن ابن عباس أنه على الذم والاستبطاء والثاني - ما روي عن ابن مسعود انهم لايرجعون إلى الاسلام وقال قوم: إنهم لا يرجعون عن شراء الضلالة بالهدى وهو أليق بما تقدم وهذا يدل على أن قوله: " ختم الله على قلوبهم " وطبع الله عليها ليس هو على وجه الحيلولة بينهم وبين الايمان لانه وصفهم بالصم والبكم والعمى مع صحة حواسهم وانما أخبر بذلك عن إلفهم الكفر واستثقالهم للحق والايمان كأنهم ما سمعوه ولا رأوه
فلذلك قال: " طبع الله على قلوبهم " " وأضلهم " " وأصمهم " " وأعمى أبصارهم " " وجعل على قلوبهم أكنة " " فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم " وكان ذلك إخبارا عما أحدثوه عند امتحان الله إياهم وأمره لهم بالطاعه والايمان لانه ما فعل بهم ما منعهم من الايمان وقد يقول الرجل: حب المال قد اعمى فلانا واصمه ولا يريد بذلك نفي حاسته لكنه اذا شغله عن الحقوق والقيام بمايجب عليه قيل: اصمه واعماه وكما قيل في المثل: حبك للشئ يعمي ويصم - يريدون به ما قلناه - وقال مسكين الدارمي:
اعمى اذا ما جارتي خرجت
حتى يواري جارتي الخدر
ويصم عما كان بينهما
سمعي وما بي غيره وقر(1)
وقال آخر: اصم عما ساءه سميع فجمع الوصفين وانما جاز (صم وبكم) بعد وصف حالهم في الآخرة كمافي قوله: (وتركهم في ظلمات لا يبصرون) لامرين: احدهما - ان المعتمد من الكلام على ضرب المثل لهم في الدنيا في الانتفاع باظهار الايمان الثاني إنه اعتراض بين مثلين بما يحقق حالهم فيهما على سائر امرهما وقيل إن معناه: التقديم والتأخير
---
(1) في الطبعة الايرانية بدل " يصم " " تصم " وبدل: " سمعي " " أذني " وبدل " بي " " في " وبدل " غيره " " سمعها " والبيتان في " معجم الادباء 11: 132

(1/89)


تفسير التبيان ج1
قوله تعالى: أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين(19)
اللغة والتفسير: الصيب على فيعل من صاب يصوب وأصله صيوب لكن استقبلتها يا ساكنة فقلبت الواو ياء وأدغمتا كما قيل: سيد من ساد يسود وجيد من جاد يجود قياسا مطردا والصيب المطر وكل نازل من علو إلى أسفل يقال فيه صاب يصوب قال الشاعر:
كأنهم صابت عليهم سحابه
صواعقها لطيرهن دبيب(1)
وقال عبيد بن الابرص:
حي عفاها صيب رعده
داني النواحي مغدق وابل
وهذا مثل ضربه الله للمنافقين كان المعنى: أو كاصحاب صيب فجعل كفر اللاسلام لهم مثلا فيما ينالهم فيه من الشدائد والخوف وما يستضيئون به من البرق مثلا لما يستضيئون به من الاسلام وما ينالهم من الخوف في البرق بمنزلة ما يخافونه من القتل بدلالة قوله: (يحسبون كل صيحة عليهم)(2) قال ابن عباس: الصيب القطر وقال عطا: هو المطر وبه قال ابن مسعود وجماعة من الصحابة وبه قال قتادة وقال مجاهد: الصيب: الربيع وتأويل الآية: مثل استضاءة المنافقين بضوء إقرارهم بالاسلام مع استسرارهم الكفر كمثل موقد نار يستضئ بضوء ناره أو كمثل مطر مظلم ودقه يجري من السماء تحمله مزنة ظلماء في ليلة مظلمة فان قيل: فان كان المثلان للمنافقين
---
(1) في الطبعة الايرانية (يطرهن) بدل (لطيرهن) والبيت لعلقمة بن عبده والبيت في ديوانه وفي شرح المفضليات.
(2) سورة المنافقون: آية 4.

(1/90)


تفسير التبيان ج1
فلم قال: (أو كصيب) وأو لاتكون إلا للشك وان كان مثلهم واحدا منهما فما وجه ذكر الآخر بأو وهي موضوعه للشك من المخبر عما أخبر به؟ قيل: إن (أو) قد تستعمل بمعنى الواو كما تستعمل للشك بحسب ما يدل عليه سياق الكلام قال توبة بن الحمير:
وقد زعمت ليلى باني فاجر
لنفسي تقاها أو عليها فجورها
ومعلوم أن توبة لم يقل ذلك على وجه الشك وانما وضعها موضع الواو.
وقال جرير:
نال الخلافة أو كانت له قدرا
كما أتى ربه موسى على قدر
ومثله كثير.
قال الزجاج: معنى (أو) في الآية التخيير كأنه قال: إنكم مخيرون بان تمثلوا المنافقين تارة بموقد النار وتارة بمن حصل في المطر يقال: جالس الحسن أو ابن سيرين أي: انت مخير في مجالسة من شئت منهما والرعد: قال قوم: هو ملك موكل بالسحاب يسبح روي ذلك عن مجاهد وابن عباس وابي صالح وهو المروي عن أئمتنا (عليهم السلام).
وقال قوم: هو ريح يختنق تحت السماء رواه ابوخالد عن ابن عباس وقال قوم: هو اصطكاك اجرام السحاب فمن قال انه ملك قدر فيه صوته كأنه قال: فيه ظلمات وصوت رعد لانه روي انه يزعق به كما يزعق الراعي بغنمه والصيب اذا كان مطرا والرعد إذا كان صوت ملك كان يجب أن يكون الصوت في المطر لانه قال (فيه) والهاء راجعة اليه والمعلوم خلافه لان الصوت في السحاب والمطر في الجو إلى أن ينزل ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن يقال: لا يمتنع أن يحل الصوت المطر حين انفصاله من السحاب ولا مانع يمنع منه ويحتمل أن يكون المراد بفي (مع) كأنه قال: معه ظلمات ورعد وقد بينا جوازه فيما مضى.
واما البرق فمروي عن علي (عليه السلام) أنه قال: مخاريق الملائكة من حديد تضرب بها السحاب فتنقدح منها النار وروي عن ابن عباس: انه سوط من نور يزجر به الملك السحاب وقال قوم: إنه ما رواه ابوخالد عن ابن

(1/91)


تفسير التبيان ج1
عباس وقال مجاهد: هو مصع ملك والمصاع: المجالدة بالسيوف وبغيرها قال أعشى بني ثعلبة يصف جواري لعبن بحليهن:
اذا هن نازلن أقرانهن
وكان المصاع بما في الجون(1)
يقال منه: ماصعه مصاعا والمعاني متقاربة لان قول علي عليه السلام: إنه مخاريق وقول ابن عباس: إنه سياط يتقاربان وما قال مجاهد: إنه مصاع قريب لانه لا يمتنع انه أراد مصاع الملك بذلك وإزجاره به والصواعق جمع صاعقة: وهو الشديد من صوت الرعد فتقع منه قطعة نار تحرق ما وقعت فيه والصاعقة: صيحة العذاب والصاعاق: الصوت الشديد للثور والحمار صعق صعاقا والصعق: الموت من صوت الصاعقة والصعق الغشي من صوت الصاعقة صعق فهو صعق ومنه قوله (وخر موسى صعقا)(2).
روي شهر ابن حوشب: ان الملك اذا اشتد غضبه طارت النار من فيه فهي الصواعق وقيل: إن الصواعق نار تنقدح من اصطكاك الاجرام وقريش وغيرهم من الفصحاء يقولون: صاعقة وصواعق والقوم يصعقون وتميم وبعض ربيعة يقولون: صواقع والقوم يصقعون وفي تأويل الآية وتشبيه المثل أقاويل:
روي عن ابن عباس: أنه مثل للقرآن شبه المطر المنزل من السماء بالقرآن وما فيه الظلمات بما في القرآن من الابتلاء وما فيه من الرعد بما في القرآن من الزجر وما فيه من البرق بما فيه من البيان وما فيه من الصواعق بما في القرآن من الوعيد آجلا والدعاء إلى الجهاد عاجلا والثاني - وقيل: إنه مثل للدنيا وما فيها من الشدة والرخاء والبلاء كالصيب الذي يجمع نفعا وضرا فان المنافق يدفع عاجل الضر ويطلب آجل النفع والثالث - انه مثل القيمة لما يخافونه من وعيد الآخرة لشكهم في دينهم
---
(1) في الطبعة الايرانية (كان) بدل وكان ما ذكرنا عن ديوانه 15.
(2) سورة الاعراف: آية 142.

(1/92)


تفسير التبيان ج1
وما فيه من البرق بما فيه من إظهار الاسلام من حقن دمائهم ومناكحتهم ومواريثهم وما فيه من الصواعق بما في الاسلام من الزواجر بالعقاب في العاجل والآجل والرابع - أنه ضرب الصيب مثلا بضرب إيمان المنافق ومثل ما في الظلمات بضلالته وما فيه من البرق بنور إيمانه ومافيه من الصواعق بهلاك نفاقه والوجه الاخير اشبه بالظاهر وأليق بما تقدم.
وروي عن ابن مسعود وجماعة من الصحابة: أن رجلين من المنافقين من أهل المدينة هربا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاصابهما المطر الذي ذكره الله (فيه رعد شديد وصواعق وبرق) فجعلا كلما اصابتهما الصواعق جعلا أصابعهما في آذانهما من الفرق(1) أن تدخل الصواعق في آذانهما فتقتلهما واذا لمع البرق مشيا في ضوئه واذا لم يلمع لم يبصرا فاقاما في مكانهما لا يمشيان فجعلا يقولان: ليتنا قد اصبحنا فنأني محمدا فنضع أيدينا في يده فاصبحا فاتياه وأسلما وحسن إسلامهما فضرب الله شأن هذين المنافقين مثلا لمنافقي المدينة وأنهم اذا حضروا النبي صلى الله عليه وآله جعلوا أصابعهم فرقا من كلام النبي صلى الله عليه وآله أن ينزل فيهم شئ كما قام ذانك المنافقان يجعلان أصابعهما في آذانهما (واذا أضاء لهم مشوا فيه): يعني اذا كثرت اموالهم وأصابوا غنيمة وفتحا مشوا فيه وقالوا دين محمد (صلى الله عليه وآله) صحيح (واذا أظلم عليهم قاموا): يعني اذا أهلكت أموالهم وولد البنات واصابهم البلاء قالوا: هدا من أجل دين محمد صلى الله عليه وآله وارتدوا كما قام ذانك المنافقان اذا أظلم البرق عليهما ويقوي عندي أن هذا مثل آخر ضربه الله بالرعد والبرق ولما هم فيه من الحيرة والالتباس يقول لا يرجعون إلى الحق إلا خلسا كما يلمع البرق ثم يعودون إلى ضلالهم واصلهم الذي هم عليه ثابتون واليه يرجعون والكفر كظلمة الليل والمطر الذي يعرض في خلالهما البرق لمعا وهم في
---
(1) الفرق: الخوف

(1/93)


تفسير التبيان ج1
اثناء ذلك يحذرون الوعيد والعذاب العاجل إن أظهروا الكفر كما يحذرون الصواعق من الرعد فيضعون أصابعهم في آذانهم ارتياعا وانزعاجا في الحال ثم يعودون إلى الحيرة والضلال (حذر الموت): نصب على التمييز وتقديره (من حذر الموت) ويجوز ان يكون نصبا لانه مفعول له فكأنه قال: يفعلون هذا الاجل حذر الموت ويحتمل أن يكون نصبا على الحال والموت: ضد الحياة والاماتة: فعل بعده الموت والميتة: مالم تدرك ذكاته والميتة: الموت في حال مخصوص من ذلك ميتة سوء والموتان: وقوع الموت في المواشي وموتت المواشي: اذا كثر فيها الموت وموتان الارض: التي لم تزرع والحذر: طلب السلامة من المضرة وحذره تحذيرا وحاذره محاذرة والحذيرة: المكان الغليظ لانه يتحذر منه قوله: (محيط بالكافرين) يحتمل أمرين: احدهما - إنه عالم بهم - وإن كان عالما بغيرهم - إنما خصهم لما فيه من التهديد والثاني - إنه المقتدر عليهم - وان كان مقتدرا على غيرهم - لانه تقدم ذكرهم ولما فيه من الوعيد والمحيط: القادر.
قال الشاعر:
أحطنا بهم حتى اذا ما تيقنوا
بما قدروا مالوا جميعا إلى السلم
أي قدرنا عليهم فاما الاحاطة بمعنى كون الشئ حول الشئ مما يحيط به فلا يجوز على الله تعالى لانه من صفات الاجسام والذي يجوز الاحاطة بمعنى الاقدار والملك كما يقال: أحاط ملكك بمال عظيم: يعنون أنه يملك مالا عظيما ويقال حاطه يحوطه حوطا: اذا حفظه من سوء يلحقه ومنه الحائط لانه يحيط بما فيه واحاط به: جعل عليه كالحائط الدائر والاحتياط: الاجتهاد في حفظ الشئ
الآية: 20 - 29
قوله تعالى: يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شئ قدير(20)
المعنى: معنى (يكاد): يقارب وفيه مبالغة في القرب وحذفت منه أن لانها للاستقبال قال الفرزدق:
يكاد يمسكه عرفان راحته
ركن الحطيم اذا ما جاء يستلم
(يخطف) فيه لغتان يقال: خطف يخطف وخطف يخطف والاول أفصح وعليه القراء وروي عن الحسن (يخطف) - بكسر الخاء وكسر الطاء ويروى (يخطف) بكسر الياء والخاء والطاء والخطف: السلب ومنه الحديث أنه نهى عن الخطفة: يعني النهبة ومنه قيل الخطاف: والذي يخرج به الدلو من البئر (خطاف) لاختطافه واستلابه قال نابغة بني ذبيان:
خطاطيف حجن في حبال متينة
تمد بها أيد اليك نوازع(1)
جعل ضوء البرق وشدة شعاع نوره كضوء إقرارهم بألسنتهم بالله وبرسوله وبما جاء من عند الله واليوم الآخر ثم قال: (كلما أضاء لهم مشوا فيه): يعني كلما أضاء البرق لهم وجعل البرق مثلا لايمانهم وإضاءة الايمان أن يروا فيه مايعجبهم في عاجل دنياهم من إصابة الغنائم والنصرة على الاعداء فلذلك أضاء لهم لانهم إنما يظهرون بألسنتهم ما يظهرونه من الاقرار ابتغاء ذلك ومدافعة عن انفسهم واموالهم كما قال: " ومن الناس من يعبدالله على حرف فان أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه "(2) (واذا أظلم عليهم): يعني
---
(1) خطاطيف: ج خطاف وحجن ج أحجن: وهو المعوج ونوازع ج نازع ونازعة من قولهم نزع الدلو من البئر ينزعها جذبها أخرجها.
(2) سورة الحج آية 11.

(1/94)


تفسير التبيان ج1
ضوء البرق على السائرين في الصيب الذي ضربه مثلا للمنافقين وظلام المنافقين: أن يروا في الاسلام ما لايعجبهم في دنياهم من ابتلاء الله المؤمنين بالضراء وتمحيصه اياهم بالشدائد والبلاء من إخفاقهم في مغزاهم أو إدالة عدوهم أو إدبار دنياهم عنهم أقاموا على نفاقهم وثبتوا على ضلالهم كما ثبت السائر في الصيب الذي ضربه مثلا (اذا أظلم) وخفت ضوء البرق فحار في طريقه فلم يعرف منهجه.
وقوله: (ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم) انما خص الله تعالى ذكر السمع والبصر انه لو شاء لذهب بهما دون سائر اعضائهم لما جرى من ذكرهما في الآيتين من قوله: (يجعلون اصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت) وفي قوله (يخطف أبصارهم) فلما جرى ذكرهما على وجه المثل عقب بذكر ذلك بانه لو شاء اذهبه من المنافقين عقوبة لهم على نفاقهم وكفرهم كما توعد في قوله: (محيط بالكافرين) وقوله: " بسمعهم " قدبينا فيما تقدم أنه مصدر يدل على الجمع وقيل: إنه واحد موضوع للجمع فكأنه أراد " باسماعهم " قال الشاعر:
كلوا في نصف بطنكم تعفوا
فان زمانكم زمن خميص(1)
اراد البطون.
ويقال: ذهبت به واذهبته وحكي أذهب به وهو ضعيف ذكره الزجاج والمعنى: ولو شاء الله لاظهر على كفرهم فدمر عليهم وأهلكهم لانه) على كل شئ قدير): أي قادر وفيه مبالغة.
قوله تعالى: ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون(21)
القراءة: أفصح اللغات فتح الهاء ب_" أيها " وبعض بني مالك من بني اسد رهط شقيق بن سلمة يقولون: ياأيه الناس ويا أيته المرأة ويا أيه الرجل ولا يقرأ بها ومن
---
(1) من ابيات سيبويه التي لا يعلم قائلها سيبويه الخزانة.

(1/95)


تفسير التبيان ج1
رفعها توهمها آخر الحروف وقد حذفت الالف في الكتابة من ثلاثة مواضع: أيه المؤمنون وياأيه الساحر وأيه الثقلان وسنذكر خلاف القراء في التلفظ بها.
النزول: وروي عن علقمة والحسن: أن كلما في القرآن " يا أيها الذين آمنوا " نزل بالمدينه وما فيه " ياايها الناس " نزل بمكة واعلم أن " أيا " اسم مبهم ناقص جعل صلة إلى نداء ما فيه الالف واللام ويلزمه ها التي للتنبيه لابهامه ونقصه واجاز المازني " يا اي الظريف " قباسا على " يازيد الظريف " ولم يجزه غيره لان " ايا " ناقص والنصب عطفا على الموضع بالحمل على المعنى ولايحمل على التأويل إلا بعد التمام وهذا هو الصحيح عندهم.
المعنى: وهذه الآية متوجهة إلى جميع الناس: مؤمنهم وكافرهم لحصول العموم فيها إلا من ليس بشرائط التكليف من المجانين والاطفال وروي عن ابن عباس أنه قال: قوله " اعبدوا ربكم " أي وحدوه وقال غيره: ينبغي أن يحمل على عمومه في كل ما هو عبادة لله: من معرفته ومعرفة أنبيائه والعمل بما أوجبه عليهم وندبهم اليه وهو الاقوى وقوله: " لعلكم تتقون ": أي تتقون عذابه بفعل ما أوجبه عليكم كما قال: " واتقوا النارالتي أعدت للكافرين "
الاعراب: وقوله: " والذين " في موضع نصب لانه عطف على الكاف والميم في قوله: (خلقكم) وهو مفعول به (من قبلكم): اي من تقدم زمانكم من الخلائق والبشر وقال مجاهد: (تتقون): مطيعون والاول أقوى والخلق: هو الفعل على تقدير وخلق الله السماوات: فعلها على تقديرما تدعواليه الحكمة من غير زيارة ولانقصان ومثله الرزق والخلق: الطبع والخليقة: الطبيعة وخليق به: شبيه به والخلاق: النصيب والاختلاق: افتعال الكذب والخلق: البالي والاخلق: والاملس

(1/96)


تفسير التبيان ج1
ومعنى " لعلكم تتقون " قال الشاعر:
وقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا
نكف ووثقتم لناكل موثق
فلما كففنا الحرب كانت عهودكم
كلمح سراب في الملا متألق(1)
يعني قلتم لنا: كفوا لنكف لانه لو كان شاكا لما كانوا وثقوا كل موثق ويقول القائل: اقبل قولي لعلك ترشد وادخاله " لعل " ترقيق للموعظة وتقريب لها من قلب الموعوظ يقول القائل لاجيره: اعمل لعلك تأخذ الاجرة وليس يربد بذلك الشك وانما يريد لتأخذ اجرتك.
وقال سيبويه: انما ورد ذلك على شك المخاطبين كما قال تعالى: (فقولا له قولا لينا لعله يتذكراو يخشى) واراد بذلك الابهام على موسى وهارون وفائدة ايراد لفظة " لعل " هو ان لا يحل العبد ابدا محل الامن المدل لكي يزداد حرصا على العمل وحذرا من تركه واكثر ما جاءت لعل وغيرها من معاني التشكيك فيما يتعلق بالاخرة في دار الدنيا فاذا ذكرت الاخرة مفردة جاء اليقين.
وهذه الآية يمكن الاستدلال بها على ان الكفار مخاطبون بالعبادات لدخولهم تحت الاسم وقال بعضهم: معنى قوله (لعلكم تتقون) لكي تتقوا النار في ظنكم ورجائكم لانهم لا يعلمون انهم يوقون النار في الآخرة لان ذلك من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله قال: لعلكم تتقون ذلك في ظنكم ورجائكم واجرى (لعل) على العباد دون نفسه تعالى الله عن ذلك وهذا قريب مما حكيناه عن سيبويه و (لعل) في الآية يجوز أن تكون متعلقة بالتقوى ويجوز أن تكون متعلقة بالعبادة في قوله: (اعبدوا) وهو الاقوى.
قوله تعالى: الذي جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فاخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون(22)
(الذي): في موضع نصب لانه نعت لقوله: (ربكم) في قوله: (اعبدوا
---
(1) قائلها غير معروف رواهما ابن الشجري في أماليه 1 - 15 وهناك رواية أخرى " كلمح سراب في الفلا.. " والمعنى واحد فالملا: الصحراء والمتسع من الارض والفلا جمع فلاة: وهي الارض المستوية ليس فيها شئ.

(1/97)


تفسير التبيان ج1
ربكم) وهي مثل الذي قبلها فانهما جميعا نعتان ل_- (ربكم) فراشا: يعني مهادا أو وطاء لا حزنة غليظة لا يمكن الاستقرار عليها وتقديره: اعبدوا ربكم الخالق لكم والخالق للذين من قبلكم الجاعل لكم الارض فراشا فذكر بذلك عباده نعمه عليهم وآلاءه لديهم ليذكروا اياديه عندهم فيثبتوا على طاعته تعطفا منه بذلك عليهم ورأفة منه بهم ورحمة لهم من غير ما حاجة منه إلى عبادتهم ليتم نعمته لعلهم يهتدون وسمي السماء سماء لعلوها على الارض وعلو مكانها من خلقه وكل شئ كان فوق شئ فهو لما تحته سماء لذلك وقيل لسقف البيت سماء لانه فوقه وسمى السحاب سماء ويقال: سمى فلان لفلان اذا أشرف له وقصد نحوه عاليا عليه قال الفرزدق:
سمونا لنجران اليماني واهله
ونجران أرض لم تديث مقاوله(1)
وقال النابغة الذبياني:
سمت لي نظرة فرأيت منها
تحيت الخدر واضعة القرام(2)
يريد بذلك أشرفت لي نظرة وبدت.
وقال الزجاج: كل ما على الارض فهو فهو بناء لامساك بعضه بعضا فيأمنوا بذلك سقوطها فخلق السماء بلا عمد وخلق الارض بلا سند يدل على توحيده و قدمه لان المحدث لا يقدر على مثل ذلك وانما قابل بين السماء وبين الفراش لامرين: احدهما - ما حكاه أبوزيد: أن بنيان البيت سماؤه: وهو اعلاه وكذلك بناؤه وانشد:
بنى السماء فسواها ببنيتها
ولم تمد باطناب ولا عمد
---
(1) ديوانه: 735 ونجران: ارض في مخاليف اليمن من مكة وديث البعير: ذلله بعض الذل حتى تذهب صعوبته والمقاول: جمع مقول والمقول والقيل: الملك من ملوك حمير.
(2) ديوانه: 86 وروايته: " صفحت بنظرة " والقرام: ستر رقيق فيه رقم ونقوش والخدر هنا: الهودج وفي الطبعة الايرانية بدل " تحيت " " بحيث "

(1/98)


تفسير التبيان ج1
يريد (ببنيتها): علوها والثاني - أن سماء البيت لما كان قد يكون بناء وغير بناء: اذا كان من شعر او وبر أو غيره قيل جعلها بناء ليدل على العبرة برفعها وكانت المقابلة في الارض والسماء باحكام هذه بالفرش وتلك بالبناء.
وقوله: (من السماء) أي من ناحية السماء قال الشاعر: أمنك البرق أرقبه فهاجا أي من ناحيتك فبناء السماء على الارض كهيئة القبة وهي سقف على الارض وانما ذكر السماء والارض فيما عد عليهم من نعمه التي أنعمها عليهم لان فيها أقواتهم وأرزاقهم ومعايشهم وبها قوام دنياهم وأعلمهم أن الذي خلقهما وخلق جميع ما فيهما من أنواع النعم هو الذي يستحق العبادة والطاعة والشكر دون الاصنام والاوثان التي لا تضر ولا تنفع.
وقوله: (وأنزل من السماء ماء): يعني مطرا فاخرج بذلك المطر مما أنبتوه في الارض من زرعهم وغروسهم ثمرات رزقا لهم وغذاء وقوتا تنبيها على أنه هو الذي خلقهم وأنه الذي يرزقهم ويكلفهم دون من جعلوه ندا وعدلا من الاوثان والآلهة ثم زجرهم أن يجعلوا له ندا مع علمهم بان ذلك كما أخبرهم وانه لا ندله ولا عدل ولا لهم نافع ولا ضار ولا خالق ولا رازق سواه بقوله: " فلا تجعلوا لله أندادا " والند: العدل.
والمثل قال حسان بن ثابت:
اتهجوه ولست له بند
فشر كما لخير كما الفداء(1)
أي لست له بمثل ولا عدل وقال جرير:
أتيما تجعلون إلي ندا
وما تيم لذي حسب نديد
وقال مفضل بن سلمة الند: الضد والندود: الشرود كما يند البعير ويوم التناد: يوم التنافر والتنديد: التقليل والفراش: البساط والفرش: البسط فرش يفرش فرشا وافترش افتراشا وفراش الرأس: طرائق رقاق من القحف
---
(1) ديوانه 28 روايتة " بكف "

(1/99)


تفسير التبيان ج1
والفراش: فراش القاع والطين بعد ما يبس على وجه الارض والفراش: الذي يطير ويتهافت في السراج وجارية فريش: قد افترشها الرجل والفرش: صغارالنعم ورجل فراشة: خفيف والفرش من الشجر: دقه واصل الماء: موه لانه يجمع امواها ويصغر مويه وماهت الركية تموه موها واماهها صاحبها: - اذا أكثر ماءها - إماهة.
وروى عن ابن مسعود وغيره من الصحابة أن معنى الآية: لاتجعلوا لله أكفاء من الرجال تطيعونهم في معصية الله قال ابن عباس: إنه خاطب بقوله: (ولاتجعلوا لله أندادا وانتم تعلمون) جميع الكفار من عباد الاصنام واهل الكتابين لان معنى قوله: " وانتم تعلمون " أنه لا رب لكم يرزقكم غيره وإن ما تعبدون لا يضر ولا ينفع.
وروي عن مجاهد: أنه عنى بذلك أهل الكتابين لانهم الذين كانوا يعلمون أنه لا خالق لهم غيره ولا منعم عليهم سواه والعرب ما كانت تعتقد وحدانيته تعالى والاول أقوى لان الله تعالى قد أخبر أن العرب قد كانت تعتقد وحدانيته تعالى فقال تعالى حكاية عنهم: (ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله ولنن سألتهم من خلقهم ليقولن الله) وقال تعالى: " قل من يرزقكم من السماء والارض أم من يملك السمع والابصار ومن يخرج الحي من الميت ويدبر الامر سيقولون الله فقل ألا تتقون "(1)؟
فحمل الآية على عمومها اولى ويطابق أول الآية وقد بينا أن خطابه لجميع الخلق واستدل ابوعلي الجبائي بهذه الآية على أن الارض بسيطة ليست كرة كما يقول المنجمون والبلخي بأن قال: جعلها فراشا والفراش البساط بسط الله تعالى اياها والكرة لا تكون مبسوطة قال: والعقل يدل ايضا على بطلان قولهم لان الارض لا يجوز أن تكون كروية مع كون البحار فيها لان الماء لا يستقر إلا فيما له جنبان يتساويان لان الماء لا يستقر فيه كاستقراره في الاواني فلو كانت له ناحية في البحر مستعلية على الناحية الاخرى لصار الماء من الناحية المرتفعة إلى الناحية
---
(1) سورة يونس: آية 31

(1/100)


تفسير التبيان ج1
المنخفضة كما يصير كذلك إذا امتلا الاناء الذي فيه الماء وهذا لا يدل على ماقاله لان قول من قال الارض كروية معناه إن لجميعها شكل الكرة.
وقوله: " وانتم تعلمون " يتحمل امرين: احدهما - إنكم تعلمون أنه لا خالق لكم ولا منعم بما عدده من انواع النعيم سوى الله وإن من اشركتم به لا يضر ولا ينفع والثاني - إنه أراد وأنتم علماء بامور معايشكم وتدبير حروبكم ومضاركم ومنافعكم لستم باغفال ولا جهال.
قوله تعالى: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين(23)
آية بلا خلاف
الحجة: هذه الآية فيها احتجاج لله تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وآله) على مشركي قوم من العرب والمنافقين وجميع الكفار من أهل الكتابين وغيرهم لانه خاطب أقواما عقلاء ألباء(1) في الذروة العليا من الفصاحة والغاية القصوى من البلاغة واليهم المفزع في ذلك فجاءهم بكلام من جنس كلامهم وجعل عجزهم من مثله حجة عليهم ودلالة على بطلان قولهم ووبخهم وقرعهم وامهلهم المدة الطويلة.
وقال لهم: (فأتوا بعشر سور مثله مفتريات)(2) قال: (فاتوا بسورة مثله)(3) قال في موضع آخر: (بسورة من مثله) وخبرهم أن عجزهم إنما هو عن النظير والجنس مع أنه ولد بين أظهرهم ونشأ معهم ولم يفارقهم في سفر ولا حضر وهو من لا يخفى عليهم حاله لشهرته وموضعه وهم اهل الحمية والانفة يأتي الرجل منهم بسبب كلمة على القبيلة فبذلوا أموالهم ونفوسهم في إطفاء امره ولم يتكلفوا معارضته
---
(1) الباء: ج لبيب.
(2) سورة هود: آية 13.
(3) سورة يونس: آية 38.

(1/101)


تفسير التبيان ج1
بسورة ولا خطبة فدل ذلك على صدقه وذكرنا ذلك في الاصول.
المعنى: وقوله: (بسورة من مثله) قال قوم: إنها بمعنى التبعيض: وتقديره: فاتوا ببعض ما هو مثل له وهو سورة. وقال آخرون: هي بمعنى تبيين الصفة كقوله: (فاجتنبوا الرجس من الاوثان)(1) قال قوم: إن " من " زائدة كما قال في موضع آخر: " بسورة مثله " يعني مثل هذا القرآن وقال آخرون: أراد ذلك من مثله في كونه بشرا اميا طريقته مثل طريقته والاول أقوى لانه تعالى قال في سورة أخرى: " بسورة مثله " ومعلوم أن السورة ليست محمدا " ص " ولا له بنظير ولان في هذا الوجه تضعيفا لكون القرآن معجزة ودلالة على النبوة.
وقوله: " وادعوا شهداءكم من دون الله " قال ابن عباس: أراد أعوانكم على ما أنتم عليه إن كنتم صادقين وقال الفراء: أراد ادعوا آلهتكم وقال مجاهد وابن جريح أراد قوما يشهدون لكم بذلك ممن يقبل قولهم وقول ابن عباس أقوى.
وقوله: " مثله " أراد به مايقاربه في الفصاحة ونظمه وحسن ترصيفه وتأليفه ليعلم أنه اذا عجزوا عنه ولم يتمكنوا منه أنه من فعل الله تعالى جعله تصديقا لنبيه وليس المراد أن القرآن له مثل عند الله ولولاه لم يصح التحدي لان ما قالوه: لادليل عليه والاعجاز يصح وإن لم يكن له مثل أصلا بل ذلك أبلغ في الاعجاز لان ذلك جار مجرى قوله: (هاتوا برهانكم)(2) انما أراد نفي البرهان أصلا والدعاء اراد به الاستعانة.
قال الشاعر:
وقبلك رب خصم قد تمالوا
علي فما جزعت ولا دعوت
وقال آخر:
فلما التقت فرسانيا ورجالهم
دعوا يالكعب واعتزينا لعامر(3)
---
(1) سورة الحج آية 30.
(2) سورة البقرة آية 111.
(3) في الطبعة الايرانية و " رجالنا " بدل " رجالهم " والبيت للراعي النميري: اللسان " عزا " واعتزى.

(1/102)


تفسير التبيان ج1
يعني انتصروا بكعب واستغاثوا بهم وشهداء جمع شهيد: مثل شريك وشركاء وخطيب وخطباء والشهيد: يسمى به الشاهد على الشئ لغيره بما يحقق دعواه وقد يسمى به المشاهد للشئ كما يقال: جليس فلان يريد به مجالسه ومنادمه فعلى هذا تفسير ابن عباس أقوى وهو أن معناه استنصروا أعوانكم على أن يأتوا بمثله وشهداءكم الذين يشاهدونكم ويعاونونكم على تكذيب الله ورسوله ويظاهرونكم على كفركم ونفاقكم إن كنتم محقين.
وما قاله مجاهد وابن جريح في تأويل ذلك لا وجه له لان القوم على ثلاثة اصناف: فبعضهم اهل ايمان صحيح وبعضهم أهل كفر صحيح وبعضهم أهل نفاق فأهل الايمان اذا كانوا مؤمنين بالله ورسوله فلا يجوز ان يكونوا شهداء للكفار على ما يدعونه واما اهل النفاق والكفر فلا شك انهم اذا دعوا إلى تحقيق الباطل وابطال الحق سارعوا اليه مع كفرهم وضلالتهم فمن أي الفريقين كانت تكون شهداء لكن يجري ذلك مجرى قوله: " قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لايأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا "(1) وقد أجاز قوم هذاالوجه أيضا قالوا: لان العقلاء لا يجوز أن يحملوا نفوسهم على الشهادة بما يفتضحون به في كلام أنه مثل القرآن ولايكون مثله كما لايجوز ان يحملوا نفوسهم على ان يعارضوا ما ليس بمعارض في الحقيقة ومعنى الآية: إن كنتم في شك من صدق محمد صلى الله عليه وآله فيما جاءكم به من عندي فاتوا بسورة من مثله " فاستنصروا بعضكم بعضا على ذلك إن كنتم صادقين في زعمكم حتى إذا عجزتم وعلمتم انه لايقدر على ان يأتي به محمد " ص " ولااحد من البشر يتضح عندكم انه من عندالله تعالى.
قوله تعالى: فان لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النارالتي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين(24)
المعنى: معنى " فان لم تفعلوا " لم تأتوا بسورة من مثله - قد تظاهرتم انتم
---
(1) سورة أسرى: آية 88.

(1/103)


تفسير التبيان ج1
وشركاؤكم عليه واعوانكم - وقد تبين لكم بامتحانكم واختباركم عجزكم وعجز جميع الخلق عنه وعلمتم انه من عندي ثم اقمتم على التكذيب به.
وقوله: (ولن تفعلوا) لا موضع له من الاعراب وانما هو اعتراض بين المبتدأ والخبر كقولك: زيد - فافهم ما اقول - رجل صدق وانما لم يكن له موضع اعراب لانه لم يقع موضع المفرد ومعنى (ولن تفعلوا): اي لن تأتوا بسورة من مثله ابدا لان (لن) تنفي على التأبيد في المستقبل وفي قوله: (ولن تفعلوا) دلالة على صحة نبوته لانه يتضمن الاخبار عن حالهم في المستقبل بانهم لا يفعلون ولايجوز لعاقل ان يقدم على جماعة من العقلاء يريد تهجينهم فيقول: انتم لا تفعلون إلا وهو واثق بذلك ويعلم ان ذلك متعذر عندهم وينبغي ان يكون الخطاب خاصا لمن علم الله انه لا يؤمن ولا يدخل فيه من آمن فيما بعد وإلا كان كذبا.
وقوله: (فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة) الوقود - بفتح الواو اسم لما يوقد والوقود - بضمها -: المصدر وقيل إنهما بمعنى واحد في المصدر واسم الحطب حكاه الزجاج والبلخي والاول أظهر (اتقوا الله) - مشددة - لغة اهل الحجاز وبنو أسد وتميم يقولون: (تقوا الله) خفيف بحذف الالف (الحجارة) قيل: إنها حجارة الكبريت لانها أحر شئ اذا حميت وروي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود والظاهر إن الناس والحجارة: وقود النار وحطبها كماقال: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم)(1) هيبا وتعظيما بانهاتحرق الحجارة والناس وقيل: إن أجسادهم تبقى على النار بقاء الحجارة التي توقدها النار بالقدح وقال قوم معناه: أنهم يعذبون بالحجارة المحماة مع النار والاول أقوى وأليق بالظاهر وانما جاز أن يكون قوم: (فاتقوا النار) جواب الشرط مع لزوم الاتقاء
---
(1) سورة الانبياء: آية 98

(1/104)


تفسير التبيان ج1
من النار كيف تصرفت الحال لانه لا يلزمهم الاتقاء على التصديق بالنبوة إلا بعد قيام المعجزة فكأنه قال: فان لم تفعلوا ولن تفعلوا فقد قامت الحجة ووجب اتقاء النار بالمخالفة.
وقوله: (اعدت للكافرين) لا يمنع من اعدادها لغير الكافرين من الفساق كما قال: (وإن جهنم لمحيطه بالكافرين)(1) لم يمنع ذلك من إحاطتها بالفساق والزناة والزبانية وقال قوم: هذه نار مخصوصة للكافرين لا يدخلها غيرهم والفساق لهم نار أخرى وقد استدل بهذه على بطلان قول من حرم النظر والحجاج العقلي بان قيل: كما احتج الله تعالى على الكافرين بما ذكره في هذه الآية وألزمهم به تصديق النبي صلى الله عليه وآله والمعرفة بان القرآن كلامه لانه قال: إن كان هذا القرآن كلام محمد فاتوا بسورة من مثله ودلهم بعقولهم أنه لو كان كلام محمد لتهيأ لهم مثل ذلك لانهم الذين يؤخذ عنهم اللغة واذا كان لم يتهيأ لهم ذلك علموا بعقولهم أنه من كلام الله وهذا هو معنى الاحتجاج بالعقول فيجب ان يكون ذلك صحيحا من كل واحد.
قوله تعالى: وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الانهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون(25)
اللغة: البشارة: هو الاخبار بما يسر المخبر به إذا كان سابقا لكل خبر سواه لان الثاني لا يسمى بشارة وقد قيل: إن الاخبار بما يغم ايضا يسمى بشارة كما قال تعالى: (فبشرهم بعذاب أليم)(2) الاولى أن يكون ذلك مجازا وهي مأخوذة
---
(1) سورة التوبة: آية 50.
(2) سورة آل عمران: آية 21.

(1/105)


تفسير التبيان ج1
من البشرة: وهي ظاهر الجلد لتغييرها بأول الخبر ومنه تباشير الصبح: أوله وكذلك تباشير كل شئ المبشرات: الرياح التي تحبئ لسحاب والبشر: الانسان والبشرة: أعلى جلدة الجسد والوجه من الانسان والمباشرة: ملاصقة البشرة والبشر: قشر الجلد والجنان: جمع جنة والجنة: البستان والمراد بذكر الجنة ما في الجنة من اشجارها واثمارها وغروسها دون أرضها فلذلك قال: (تجري من تحتها الانهار) لانه معلوم انه اراد الخبر عن ماء انهارها انه جار تحت الاشجار والغروس والثمار لا انه جار تحت ارضها لان الماء كان تحت الارض جاريا فلا حظ فيه للعيون إلا بكشف الساتر بينه وبينها على ان الذي يوصف به انهار الجنة انها جارية في غير اخاديد روي ذلك عن مسروق رواه عنه ابوعبيدة وغيره.
الاعراب: (وجنات): منصوب بان وكسرت التاء لانها تاء التأنيث في جمع السلامة وهي مكسورة في حال النصب بالخفض وموضع " ان " نصب بقوله: " وبشر الذين " وقال الخليل والكسائي: موضعة الجر بالباء كأنه قال: وبشرهم بأن لهم .
المعنى: وقال الفضل: الجنة: كل بستان فيه نخل وإن لم يكن شجر غيره وإن كان فيه كرم: فهو فردوس كان فيه شجر غير الكرم ام لم يكن (من ثمرة): من زائدة والمعنى: كلما رزقو ثمرة (ومنها): يعني من الجنات والمعنى: أشجارها وتقديرها: كلما رزقوا من اشجار البساتين التي اعدها الله للمؤمنين.
وقال الرماني: هي بمعنى التبعيض لانهم يرزقون بعض الثمرات في كل وقت ويجوز ان تكون بمعنى تبيين الصفة وهو ان يبين الرزق من اي جنس هو وقوله: " هذا الذي رزقنا من قبل ".
روي عن ابن عباس وابن مسعود

(1/106)


تفسير التبيان ج1
وجماعة من الصحابة انه الذي رزقنا في الدنيا وقال مجاهد: معناه اشبهه به وقال بعضهم: أن ثمار الجنة أذا جنيت من اشجارها عاد مكانها فاذا رأوا ما عاد بعد الذي جني اشتبه عليهم فقالوا: هذا الذي رزقنا من قبل وهذا قول أبي عبيدة ويحيى بن أبي كثير.
وقال قوم: هذا الذي رزقنا وعدنا به في الدنيا وقد بينا فيما تقدم أن الرزق عبارة عما يصح الانتفاع به على وجه لا يكون لاحد المنع منه وقال المفضل ذلك يخص الاقوات.
وقال قوم: هذا الذي رزقنا من قبل لمشابهته في اللون وإن خالفه في الطعم واقوى الاقوال قول ابن عباس وأن معناه هذا الذي رزقنا في الدنيا لانه قال: (كلما رزقوا منها من ثمرة وزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل) فعم ولم يخص فاول ما اتوا به لايتقدر هذا القول فيه إلا بأن يكون اشارة إلى ما تقدم رزقه في الدنيا لانا فرضناه أولا وليس في الآية تخصيص ويكون التقدير هذا الذي رزقنا في الدنيا لان ما رزقوه أولا قد عدم واقام المضاف اليه مقام المضاف كما أن القائل اذا قال لغيره: أعددت لك طعاما ووصفه له يحسن أن يقول: هذا طعام كل وقت يريد مثله ومن جنسه ونوعه.
وقوله: " واتوا به متشابها " قال الضحاك: إذا رأوه قالوا: هو الاول في النظر واللون واذا طعموا وجدوا له طعما غير طعم الاول.
وقوله: (واتوابه) معناه جيئوا به وليس معناه أعطوه وقال قوم: (وأتو به متشابها) أي يشبه بعضه بعضا إلا في المنظر والطعم أي كل واحد منه له من الفضل في نحوه مثل الذي للاخر في نحوه ذكره الاخفش وهذا كقول القائل: وقد جيئ بأثواب أو أشياء رآها فاضلة فاشتبهت عليه في الفضل فقال: ما أدري ما أختار منها كلها عندي فاضل قال الشاعر
من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم
مثل النجوم التي يسري بها الساري
يعني أنهم تساووا في الفضل والسؤدد وروي هذا عن الحسن وابن جريح وقال قتادة معناه يشبه ثمار الدنيا غير انها أطيب وقال ابن زيد والاشجعي: إن التشابه في الاسماء دون الالوان والطعوم فلا يشبه ثمار الجنة شئ من ثمار الدنيا

(1/107)


تفسير التبيان ج1
في لون ولاطعم واولى هذه الاقوال أن يكون المراد به متشابها في اللون والمنظر على ان الطعم مختلف لما قدمناه من أن هذا يقولونه في أول الحال أيضا وما تقدر عليه غرة وبعد هذا قول من قال: معناه أن كلها جياد لا رذال فيه.
وقال بعض المتأخرين في قوله (هذاالذي رزقنا من قبل) معناه هذا الذي اعطينا بعبادتنا من قبل.
وقال ابوعلي معناه ذلك ما يؤتون به في كل وقت من الثوات مثل الذي يؤتى في الوقت الذي قبله من غير زيادة ولا نقصان لانه لابد أن تتساوى مقادير الاستحقاق في ذلك وقال أيضا يجب أن يسوي بينهم في الاوقات في مقدار ما يتفضل به عليهم في وقت ويزدادون في وقت آخر قال: لان ذلك يؤدي إلى أن التفضل أعظم من الثواب وهذا الذي ذكره غير صحيح لان العقل لا يدل على مقادير الثواب في الاقات ولا يعلم ذلك غير الله بل عندنا لا يدل العقل على دوام الثواب وانما علم ذلك بالسمع والاجماع واما التفضل فلا شك أنه يجوز أن يزيد في وقت على ما يفضله في وقت آخر ولا يؤدي ذلك إلى مساواته للثواب لان الثواب يتميز من التفضل لمقارنة التعظيم له والتبجيل ولاجل ذلك يتميزكل جزء من الثواب من كل جزء من التفضل ولا زيادة هناك.
وقوله (ولهم فيها ازواج مطهرة) قيل في الابدان والاخلاق والافعال ولا يحضن ولايلدن ولا يذهبن إلى غائط وهو قول جماعة المفسرين وقوله (وهم فيها خالدون) أي دائمون يبقون ببقاء الله لا انقطاع لذلك ولانفاد.
قوله تعالى: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين(26)
سبب النزول: اختلف اهل التأويل في سبب نزول هذه الآية فروي عن ابن مسعود وابن

(1/108)


تفسير التبيان ج1
عباس أن الله تعالى لماضرب هذين المثلين للمنافقين وهو قوله (كمثل الذي استوقد نارا).
وقوله (أو كصيب من السماء) قال المنافقون الله أجل من (أن يضرب مثلا) إلى آخر الآية وقال الربيع بن أنس هذا مثل ضربه الله للدنيا لان البعوضة تحيا ما جاعت فاذا سمنت ماتت فشبه الله تعالى هؤلاء بانهم اذا امتلؤوا أخذهم الله كما قال تعالى (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم ابواب كل شئ إلى آخر الآية)(1) - إلى ان قال - (حتى اذا فرحوا بما اوتوا أخذناهم بغتة فاذا هم مبلسون)(2) قال قتادة معناه أن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها أي لا يستحيي من الحق أن يذكر منه شيئا ما قل أو كثر إن الله تعالى حين ذكر في كتابه الذباب والعنكبوت قال اهل الضلالة ماذا اراد الله من ذكر هذا؟ فانزل الله تعالى (ان يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها: الآية).
وكل هذه الوجوه حسنة واحسنها قول ابن عباس لانه يليق بما تقدم وبعده ما قال قتادة وليس لاحد ان يقول: هذا المثل لا يليق بما تقدم من حيث لم يتقدم للبعوضة ذكر وقد جرى ذكر الذباب والعنكبوت في موضع آخر في تشبيه آلهتهم بها وان يكون المراد بذلك اولى وذلك ان قوله: " ان الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها " انما هو خبر منه تعالى انه لا يستحيي تعالى أن يضرب مثلا في الحق من الامثال: صغيرها وكبيرها لان صغير الاشياء عنده وكبيرها بمنزلة واحدة من حيث لايتسهل الصغير ولا يصعب الكبير وإن في الصغير من الاحكام والاتقان ما في الكبير فلما تساوى الكل في قدرته جاز أن يضرب المثل بما شاء من ذلك فيقر بذلك المؤمنون ويسلمون - وان ضل به الفاسقون بسوء اختيارهم -.
وهذا المعنى مروي عن مجاهد وروي عن الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) انه قال: إنما ضرب الله بالبعوضة لان البعوضة على صغر خلق فيها جميع ما في الفيل على كبره وزيادة عضوين آخرين فاراد الله ان ينبه بذلك المؤمنين على لطف خلقه وعجيب عظم صنعه
---
(1و2) سورة الانعام: آية 44

(1/109)


تفسير التبيان ج1
المعنى: و (يستحيي) لغة اهل الحجاز وعامة العرب بيائين وبنو تميم يقولون: بياء واحدة اخصر كما قالوا: الم يك ولا ادر ومعنى (يستحيي): قال بعضهم: إنه لا يخشى ان يضرب مثلا كما قال: (وتخشى الناس والله احق تخشاه)(1)"عناه: تستحيى الناس والله احق ان تستحييه فيكون الاستحياء بمعنى الخشية بمعنى الاستحياء وقال الفضل بن سلمة: معناه لا يمتنع.
وقال قوم: لا يترك وهو قريب من الثاني واصل الاستحياء: الانقباض عن الشئ والامتناع منه خوفا من مواقعة القبيح والاستحياء والانخزال والانقماع والارتداع متقاربة المعنى وضد الحياء القحة ومعنى (الاستحياء) في الآية: انه ليس في ضرب المثل بالحقير عيب يستحيى وكأنه قال: لا يحل ضرب المثل بالبعوضة محل مايستحيى منه فوضع قوله: - (إن الله لا (يستحيى) الآية - إختاره الرماني وقوله: - (ان يضرب مثلا) فهو ان يصف ويمثل ويبين كما قال تعالى (ضرب لكم مثلا من انفسكم)(2)"عناه وصف لكم كما قال الكميت:
وذلك ضرب أخماس أريدت
لاسداس عسى أن لا تكونا
والمعنى وصف أخماس وضرب المثل بمثله يقال: أي ضرب هذا؟ أي من أي جنس ولون والضروب: الامثال والمثل: الشبه ويقال: مثل ومثل كما قالوا شبه وشبه كقول كعب بن زهير:
كانت مواعيد عرقوب لنا مثلا
وما مواعيده إلا الاباطيل
يعني شبها فمعنى الآية: إن الله لايستحيي أن يصف شبها لما شبه به.
الاعراب: وإما إعراب (بعوضة): فنصب من وجهين - على قول الزجاج احدهما - ان تكون " ما " زائدة كأنه قال: إن الله لايستحيي أن
---
(1) سورة الاحزاب آية 37.
(2) سورة الروم: آية 28

(1/110)


تفسير التبيان ج1
يضرب بعوضة مثلا أو مثلا بعوضة وتكون " ما " زائدة نحو قوله: (فبما رحمة من الله)(1)"الثاني - أن تكون " ما " نكرة ويكون المعنى: أن الله لايستحيي أن يضرب مثلا شئ بعوضة فكان بعوضة في موضع نصب شئ لانه قال: يستحيي ان ضرب مثلا شئ من الاشياء بعوضة فما فوقها.
قال الفراء يجوز أن يكون معنى " ما " بين بعوضة إلى ما فوقها كما يقول القائل: مطرنا ما(2) زبالة فالثعلبية وله عشرون ما ناقة وجملا وهي أحسن الناس ما قرنا فقدما يعنون ما بين في جميع ذلك وقال بعضهم: " ما " بمعنى الذي ويكون التقدير الذي هو بعوضة لانها من صلة الذي فأعربها باعرابه كما قال حسان بن ثابت:
فكفى بنا فخرا على من غيرنا
حب النبي محمد ايانا
فأعرب (غيرنا) باعراب (من) ويجوز ذلك في من وما لانهما يكونان تارة معرفة وتارة نكرة والبعوضة: من صغار البق وقوله: " فما فوقها " في الصغر والقلة كما يقول القائل: إن هذا الامر لصغير فيقول المجيب: وفوق ذلك أي هو أصغر مما قلت وكلاهما جائز فمن قال بالاول قال: لان البعوضة غاية في الصغر ومن قال بالثاني قال: يجوز أن يكون ما هو أصغر منها وحكي عن رؤبة ابن العجاج: انه رفع بعوضة وانشد بيت النابغة:
قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا
إلى حمامتنا أو نصفه فقد(3)
بالرفع فأعمل ما ولم يعمل ليت قال: وهي لغة تميم يعملون آخر الاداتين.
وقال الزجاج: الرفع كان يجوز وما قرئ به اذا كانت " ما " بمعنى الذي ويقدر بعدها هو ويكون تقديره مثلا الذي هو بعوضة كمن قرأ تماما على الذي هو أحسن وقد قرئ به وهو ضعيف عند سيبويه وفي الذي اقوى لانه أطول ولانها
---
(1) سورة آل عمران: آية 159.
(2) في المطبوعة " بين " بعد ما زائدة.
(3) قد: اسم فعل بمعنى يكفي

(1/111)


تفسير التبيان ج1
لاتستعمل ألا في الاسماء وقوله: (فأما الذين) لغة العرب جميعا بالتشديد وكثير من بني عامر وتميم يقولون أيما فلان ففعل الله به وانشد بعضهم:
مبتلة هيفاء أيما وشاحها
فيجري وايما الحجل منها فلا يجري
(آمنوا فيعلمون أنه الحق) الفاء جواب (أما) وفيها معنى الشرط والجزاء والمعنى: ان المؤمنين بالله على الحقيقة يعلمون أن هذا المثل حق من عند الله وأنه من كلامه.
(واماالذين كفروا) يعني الجاحدين، (فيقولون ماذا اراد الله بهذا مثلا) على ما بيناه وانتصب (مثلا) عند تغلب بانه قطع وعند غيره انه تفسير وقال قوم: إنه نصب على الحال وذا مع ما بمعنى أي شئ الذي أراد الله بهذا مثلا فعلى هذا يكون الجواب رفعا، كقولك: البيان لحال الذي ضرب له المثل ويحتمل أن يكون وقعا ذا وما بمنزلة اسم واحد فيكون الجواب نصبا كقولك: البيان لحال الممثل به.
ورد القرآن بهما جميعا قال تعالى: (ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا) وفي موضع آخر: (ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الاولين) ذكرهما سيبويه، والاخفش هذا إشارة إلى المثل ومثلا ما، نون التنوين تدغم في الميم عند جميع القراء ويكره الوقف فيها على قوله: " لا يستحيي " ثم يقول: (أن يضرب مثلا) وكذلك على قوله: " والله لايستحيي " ثم يقول: " من الحق ".
وقوله: " يضل به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين " إن قيل: أليس تقولون: إن الله لايضل أحدا، ولايهدي خلقا، وإن العباد هم يضلون انفسهم ويهدونها، وهم يضلون من شاءوا ويهدون من شاءوا وقد قال الله تعالى: في غير موضع من كتابه نحو قوله: (يضل من يشاء ويهدي من يشاء)، ولا يمكنكم ان تقولوا: إن المراد بالاضلال العقوبة والتسمية، لانه لو قال: يضل كثيرا ويهدي كثيرا، كان ذلك ممكنا، لكنه قال، (يضل به) و (يهدي به) والهاء راجعة إلى القرآن، والمثل الذي ضربه فيه ولا يجوز أن يعاقب بالمثل، ولا أن يسمى

(1/112)


تفسير التبيان ج1
بالمثل فعلم بذلك أنه أراد أنه ليس عليهم وجعله حيرة لهم قلنا اول ما في ذلك انا لا نطلق أن الله لا يضل احدا ولايهدي احدا ومن اطلق ذلك، فقد اخطأ ولانقول ايضا إن العباد يضلون انفسهم ويهدونها مطلقا او يضلون غيرهم ويهدونه فان إطلاق جميع ذلك خطأ، بل نقول: إن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء.
ونقول: إن من اضله الله فهو الضال ومن هداه فهو المهتدي، ولكن لا نريد بذلك ما يريده المخالف مما يؤدي الي التظليم والتجويز لله في حكمه والمخالف يقول: إن الله يضل كثيرا من خلقه بمعنى انه يصدهم عن طاعته، ويحول بينهم وبين معرفته، ويلبس عليهم الامور ويحيرهم ويغالطهم، يشككهم ويوقفهم في الضلالة، ويجبرهم عليها ومنهم من يقول: يخلقها فيهم، ويخلق فيهم قدرة موجبة له، ويمنعهم الامر الذي به يخرجون منها، فيصفون الله تعالى باقبح الصفات وأخسها وقالوا فيه بشر الاقوال.
وقلنا نحن: إن الله قد هدى قوما واضل آخرين، وأنه يضل من يشاء غير أن لفضله وكرمه، وعدله ورحمته لا يشاء أن يضل إلا من ضل وكفر وترك طريق الهدى وإنه لا يشاء ان يضل المهتدين والمتمسكين بطاعته، بل شاء أن يهديهم ويزيدهم هدى، فانه يهدي المؤمنين بان يخرجهم من الظلمات إلى النور كما قال تعالى:
(والذين اهتدوا زادهم هدى واتاهم تقواهم)(1) قال: (ومن يؤمن بالله يهد قلبه)(2) قال: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور)(3) قال (يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهدالله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الارض اولئك هم الخاسرون)(4) قال: (ويضل الله الظالمين)(5) الاضلال على وجوه كثيرة منها: ما نسبه الله تعالى إلى الشيطان: وهو الصد عن الخير والرشد والدعاء إلى
---
(1) سورة محمد: آية 17.
(2) سورة التغابن: آية 11.
(3) سورة البقرة: آية 257.
(4) سورة البقرة: آية 27.
(5) سورة ابراهيم: آية 27.

(1/113)


تفسير التبيان ج1
الفساد والضلال، وتزيين ذلك، والحث عليه وهذا ينزه الله تعالى عنه ومنها التشديد الامتحان والاختبار اللذين يكون عندهما الضلال ويعقبهما ونظير ذلك في اللغة أن يسأل الرجل غيره شيئا نفيسا خطيرا يثقل على طباعه بذله فاذا بخل به، قيل له نشهد لقد بخل به فلان وليس يريدون بذلك عيب السائل وانما يريدون عيب الباخل المسؤول، لكن لما كان بخل المسؤول ظهر عند مسألة السائل جاز أن يقال في اللغة: انه بخلك ويقولون للرجل اذا أدخل الفضة النار ليعلم فسادها من صلاحها، وظهر فسادها: أفسدت فضتك، ولا يرون أنه فعل فيها فسادا، وإنما يريدون ان فسادها ظهر عند محنته.
ويقرب من ذلك قولهم: فلان أضل ناقته، ولا يريدون انه أراد أن يضل، بل يكون قد بالغ في الاستتار منها وانما يريدون ضلت منه لا من غيره ويقولون افسدت فلانة فلانا، واذهبت عقله وهي لا تعرفه، لكنه لما فسد وذهب عقله من أجلها، وعند رؤيته إياها قيل: قد افسدت، واذهبت عقله ومنها التخلية على جهة العقوبة وترك المنع بالقهر والاجبار، ومنع الالطاف التي يؤتيها المؤمنين جزاء على ايمانهم كما يقول القائل لغيره افسدت سيفك، اذا ترك أن يصلحه لا يريد أنه أراد أن يفسد أو أراد سبب فساده، أولم يحب صلاحه، لكنه تركه فلم يحدث فيه الاصلاح - في وقت - بالصقل والاحداد.
وكذلك قولهم: جعلت اظافيرك سلاحا وانما يريدون تركت تقليمها ومنها التسمية بالاضلال والحكم به كافرا يقال: أضله اذا سماه ضالا كما يقولون: أكفره اذا سماه كافرا، ونسبه اليه قال الكميت:
وطائفة قد أكفروني بحبكم
وطائفة قالوا: مسئ ومذنب
ومنها الاهلاك والتدمير قال الله تعالى: " أإذا ضللنا في الارض " أي هلكنا فيجوز أن يكون أراد بالآية: حكم الله على الكافرين، وبراءته منهم ولعنه إياهم إهلا كالهم، ويكون اضلاله إضلالا كما كان الضلال هلا كا واذا كان الضلال ينصرف على هذه الوجوه، فلا يجوز أن ينسب إلى الله تعالى اقبحها وهو ما أضافه إلى الشيطان، بل ينبغي أن ينسب اليه أحسنها وأجلها واذا ثبتت

(1/114)


تفسير التبيان ج1
هذه الجملة، رجعنا إلى تأويل الآية، وهو قوله: " يضل به كثيرا " معناه أن الكافرين لما ضرب الله لهم الامثال قالوا: ما الحاجة اليها؟ قال الله تعالى: فيها اعظم الفائدة: لانها محنة واختبار وبهما يستحق الثواب، ويوصل إلى النعيم فسمى المحنة اضلالا وهداية، لان المحنة إذا اشتدت على الممتحن وثقلت فضل عندها، جاز أن تسمى اضلالا، فاذا سهلت فاهتدى عندها، سميت هداية، كما أن الرجل يقول لصاحبه: ما يفعل فلان؟ فيقول هو ذا يسخي قوما ويبخل قوما آخرين أي يسأل قوما فيشتد عليهم للعطاء فيبخلون، ويسأل آخرين، فيسهل عليهم فيعطون ويجودون، فسمي سؤاله باسم ما يقع عنده ويعقبه فمعنى قوله: " يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا " أي يمتحن به عباده، فيضل به قوم كثير، ويهتدي به قوم كثير ولا يجب على ذلك أن يكون أراد إضلالهم كما لا يجب ذلك في السائل الذي لا يريد بخل المسئول، بل يريد إعطاءه فان قيل: أليس الله تعالى امتحن بهذه الامثال المؤمنين كما امتحن بها الكافرين، فيجب أن يكون مضلا لهم؟
قلنا: إنما سمى المحنة الشديدة إضلالا إذا وقع عندها الضلال كما أن السؤال يسمى تبخيلا إذا وقع عنده البخل.
وقال قوم: معنى قوله: " يضل به كثيرا " يعني يضل بالتكذيب بهذه الامثال كثيرا ويهدي بالايمان كثيرا، لانه لو كان سببا للضلال لما وصفه الله بأنه هدى وبيان وشفاء لما في الصدور وحذف التكذيب والاقرار اختصارا، لان في الكلام ما يدل عليه كما يقول القائل: نزل السلطان فسعد به قوم وشقي به آخرون وانما يراد به سعد باحسانه قوم وشقي باساءته آخرون لا بنزول جيشه، لانه نفسه لايقع به سعادة ولا شقاء وكما قال: " وأشربوا في قلوبهم العجل " وانما أراد حب العجل وذلك كثير وقد بينا أن الاضلال والهداية يعبر بهما عن العذاب والثواب، فعلى هذا يكون تقدير الآية: يضل أي يعذب بتكذيب القرآن، والامثال كثيرا، ويهدي أي يثيب بالاقرار به كثيرا والدليل على

(1/115)


تفسير التبيان ج1
ما قلناه قوله: " وما يضل به إلا الفاسقين " فلا يخلو أن يكون أراد ما قلناه من العقوبة على التكذيب، أو أراد به الحيرة والتشكيك، وقد ذكرنا انه لا يفعل الحيرة المتقدمة التي بها صاروا ضلالا فساقا، لم يفعلها الله إلا بحيرة قبلها، وهذا يوجب مالا نهاية له من حيرة قبل حيرة، لا إلى أول، أو اثبات إضلال لا إضلال قبله، فان كان الله قد فعل هذا الضلال الذي لم يقع قبله ضلال فقد أضل من لم يكن فاسقا، وهذا خلاف قوله: " وما يضل به إلا الفاسقين " فثبت أنه أراد أنه لا يعاقب إلا الفاسقين، كما قال: " ويضل الله الظالمين ويفعل ما يشاء(1).
وحكى الفراء وجها آخوا مليحا، قال: قوله " ماذا أراد الله بهذا مثلا، يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا " حكاية عمن قال ذلك، كأنهم قالوا: ماذا أراد بهذا مثلا يضل به كثيرا، أي يضل به قوم ويهدي به قوم، ثم قال الله: " وما يضل به إلا الفاسقين " فبين عزوجل الاضلال، وأنه لا يضل إلا ضالا فاسقا، واقتصر على الاخبار عنهم وبيان ما بين الاضلال دون ما أراد بالمثل، وهذا وجه حسن تزول معه الشبهة وأصل الفسق في اللغة الخروج عن الشئ، يقال منه: فسقت الرطبة إذا اخرجت من قشرها، ومن ذلك سميت الفارة فويسقة، لخروجها من حجرها، ولذك سمي المنافق والكافر فاسقين لخروجهما عن طاعة الله، ولذلك قال الله تعالى في صفة إبليس: " إلا ابليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه "(2) يعني خرج من طاعته واتباع أمره.
---
(1) سورة ابراهيم: آية 27(2) سورة الكهف آية 51

(1/116)


تفسير التبيان ج1
قوله تعالى: الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الارض أولئك هم الخاسرون(27)
العهد: العقد، والاصر مثله، والعهد: الموثق والعهد: الالنقاء، يقال: ما لفلان عهد بكذا، وهو قريب العهد بكذا، والعهد له معان كثيرة وسمي المعاهد - وهو الذمي - بذلك لانه بايع على ما هو عليه من إعطاء الجزية، والكف عنه والعهدة كتاب الشراء، وجمعه عهد وإذا أقسم بالعهد تعلق به عندنا كفارة الظهار، وقال قوم: كفارة يمين، وقال آخرون: لا كفارة عليه و " عهد الله " قال قوم: هو ما عهد إلى جميع خلقه في توحيده وعدله، وتصديق رسوله بما وضع لهم من الادلة الدالة على ربوبيته، وعهد إليهم في أمره ونهيه، وما احتج به لرسله بالمعجزات التي لا يقدر على الاتيان بمثلها الشاهدة لهم على صدقه ونقضهم ذلك: تركهم الاقرار بما قد ثبت لهم صحته بالادلة، وتكذيبهم الرسل والكتب وقال قوم وصية الله إلى خلقه، وأمره على لسان رسله إياهم فيما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه ونقضهم: تركهم العمل به وقال قوم: هذه الآية نزلت في كفار أهل الكتاب، والمنافقين منهم، وإياهم عنى الله عزوجل بقوله " إن الذين كفروا سواء عليهم.. " الآية.
وقوله: " ومن الناس من يقول آمنا بالله " وكل ما في هذه الآية من اللوم والتوبيخ متوجه إليهم وعهد الله الذي نقضوه بعد ميثاقه هو ما أخذه عليهم في التوارة من العمل بما فيها، واتباع محمد صلى الله عليه وآله إذا بعث، والتصديق بما جاء به من عند ربهم، ونقضهم ذلك جحودهم به بعد معرفتهم بحقيته(1) وانكارهم ذلك،
---
(1) نسخة بدل (بحقيته)

(1/117)


تفسير التبيان ج1
وكتمانهم ذلك عند الناس بعد إعطائهم إياه تعالى من أنفسهم الميثاق ليبيننه للناس ولايكتمونه، وإيمانهم أنهم متى جاءهم نذير آمنوا به، فلما جاءهم النذير ازدادوا نفورا، ونبذوا ذلك وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا وهذا الوجه اختاره الطبري ويقوي هذا قوله: " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين من كتاب وحكمة، ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه، قال أأقرتم على ذلك امري قالوا: اقررنا قال: فاشهدوا وانا معكم من الشاهدين "(1) والامر العهد أيضا.
وقال: في موضع آخر: " وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها "(2) وقال: " وأقسموا بالله جهد ايمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن اهدى من احدى الامم فلما جاءهم نذير مازادهم الا نفورا "(3) وقال قوم: انما عنى بذلك العهد الذي أخذه الله حين أخرجهم من صلب آدم الذي وصفه في قوله: " واذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم واشهدهم على انفسهم الست بربكم.. إلى آخر الآية "(4)
وهذا الوجه عندي ضعيف لان الله تعالى لا يجوز ان يحتج على عباده بعهد لا يذكرونه ولا يعرفونه وما ذكروه غير معلوم اصلا والآية سنبين القول فيها اذا انتهينا اليها إن شاء الله والقطع هو الفصل بين الشيئين احدهما من الآخر والاصل أن يكون في الاجسام ويستعمل في الاعراض تشبيها به يقال قطع الحبل والكلام والامر هو قول القائل لمن دونه: افعل وهو ضد النهي والوصل هو الجمع بين الشيئين من غير حاجز وقال قوم الميثاق هوالتوثيق كما قال: " انبتكم من الارض نباتا " كقولهم اعطيتهم عطاء يريد اعطاء.
الاعراب: وقوله: " ان يوصل " بدل من الهاء التي في به تقديره: ما أمرالله بأن يوصل، وهو في موضع خفض (والذين) موضعه نصب، لانه صفة للفاسقين (أولئك) رفع بالابتداء (والخاسرون) خبره (وهم) فصل عند
---
(1) سورة آل عمران آية 81.
(2) سورة الانعام آية 109.
(3) سورة فاطمة آية 43.
(4) سورة الاعراف آية 171.

(1/118)


تفسير التبيان ج1
البصريين وعماد عند الكوفيين ويجوزأن يكون هم ابتداء ثانيا والخاسرون خبره والجملة في موضع خبر اولئك والنقض ضد الابرام والميثاق والميعاد والميقات متقاربة المعنى يقال وثق يثق ثقة واوثق ايثاقا وتوثق توثقا ويقال فلان ثقة للذكر والانتى، والواحد والجمع بلفظ واحد فاذا جمع قيل ثقات في الرجال والنساء ومن لابتدء الغاية في الآية وقيل: إنها زائدة والهاء في قوله ميثاقه يحتمل ان تكون راجعة إلى اسم الله تعالى.
وقال قتادة قوله: " يقطعون ما أمر الله به ان يوصل " وقطيعة الرحم والقرابة وقال غيره معناه الامر بأن يوصل كل من أمر الله بصلة من اوليائه والقطع: البراءة من اعدائه وهذا أقوى، لانه أعم من الاول ويدخل فيه الاول وقال قوم: اراد صلة رسوله وتصديقه، فقطعوه بالتكذيب وهو قول الحسن وقال قوم أراد أن يوصل القول بالعمل، فقطعوا بينهما بأن قالوا ولم يعملوا وما قلناه اولا أولى لانا إذا حملناه على عمومه دخل ذلك فيه.
وقوله: " يفسدون في الارض " قال قوم: استدعاؤهم إلى الكفر وقال قوم: إخافتهم السبيل وقطعهم الطريق وقال قوم اراد كل معصية تعدى ضررها إلى غير فاعلها والخسران هو النقصان قال جرير:
إن سليطا في الخسار إنه
أولاد قوم خلقوا أقنه
يعني بالخسار ما ينقص من حظوظهم وشرفهم وقال قوم: الخسار هاهنا: الهلاك يعني هم الهالكون وقال قوم: كلما نسبه الله من الخسار إلى غير المسلمين فانما عنى به الكفر ومانسب به إلى المسلمين انما عنى به الدنيا، روي ذلك عن ابن عباس.
كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحيكم ثم إليه ترجعون(28)
" كيف " موضوعة للاستفهام عن الحال والمعنى ههنا التوبيخ وقال الزجاج: هو التعجب للخلق وللمؤمنين أي اعجبوا من هؤلاء كيف يكفرون وقد

(1/119)


تفسير التبيان ج1
ثبتت حجة الله عليهم ومعنى " وكنتم " أي وقد كنتم الواو واو الحال واضمار قد جائز اذا كان في الكلام ما يدل عليها كما قال: (حصرت صدورهم) أي قد حصرت صدورهم وكما قال: (إن كان قميصة قد من دبر) أي قد قد من دبر ومن قال هو توبيخ قال هو مثل قوله: " فأين تذهبون " وقال قتادة: وكنتم امواتا فأحياكم كما كانوا امواتا في اصلاب آبائهم يعني نطفا، فاحياهم الله بأن أخرجهم ثم اماتهم الله الموتة التي لابد منها، ثم احياهم بعد الموت وهما حياتان وموتان وعن ابن عباس وابن مسعود أن معناه لم تكونوا شيئا فخلقكم، ثم يميتكم، ثم يحييكم يوم القيامة.
وروى ابوالاحوص عن عبدالله في قوله: " امتنا اثنتين واحييتنا اثنتين " قال: هي كالتي في (البقرة): " كنتم امواتا فاحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم " وهو قول مجاهد وجماعة من المفسرين.
وروي عن أبي صالح أنه قال: كنتم امواتا في القبور فأحياكم فيها،، ثم يميتكم، ثم يحييكم يوم القيامة وقال قوم: كنتم امواتا يعني خاملي الذكر، دارسي الاثر، فاحياكم بالطهور والذكر ثم يميتكم عند تقضي آجالكم ثم يحييكم للبعث قال ابونخيلة السعدي:
فاحييت من ذكري وما كان خاملا
ولكن بعض الذكر انبه من بعض
وهذا وجه مليح غير أن الاليق بما تقدم قول ابن عباس وقتادة.
وقال قوم: معناه أن الله تعالى احياهم حين أخذ الميثاق منهم وهم في صلب آدم وكساهم العقل ثم اماتهم ثم احياهم واخرجهم من بطون امهاتهم وقد بينا أن هذا الوجه ضعيف في نظائره، لان الخبر الوارد بذلك ضعيف والاقوى في معنى الآية أن يكون المراد بذلك تعنيف الكفار واقامة الحجة عليهم بكفره وجحودهم ما انعم الله تعالى عليهم وانهم كانوا أمواتا قبل ان يخلقوا في بطون امهاتهم واصلاب آبائهم يعني نطفا والنطفة موات، ثم احياهم فاخرجهم إلى دار الدنيا احياء، ثم يحييهم في القبر للمسألة، ثم يبعثهم يوم القيامة للحشر والحساب وهو قوله تعالى: " ثم اليه ترجعون " معناه ترجعون للمجازاة على الاعمال كقول القائل: طريقك علي

(1/120)


تفسير التبيان ج1
ومرجعك الي يريد اني مجازيك ومقتدر عليك وسمى الحشر رجوعا إلى الله لانه رجوع إلى حيث لا يتولى الحكم فيه غير الله فيجازيكم على اعمالكم كما يقول القائل: امر القوم إلى الامير أو القاضي ولا يراد به الرجوع من مكان إلى مكان وانما يراد به ان النظر صار له خاصة دون غيره فان قال قائل: لم يذكر الله احياء في القبر فكيف تثبتون عذاب القبر قلنا: قد بينا أن قوله: " ثم يحييكم " المراد به احياؤهم في القبر للمسألة.
وقوله: " ثم اليه ترجعون " معناه احياؤهم يوم القيامة وحذف ثم يميتكم بعد ذلك لدلالة الكلام عليه على ان قوله: " ثم يحييكم " لو كان المراد به يوم القيامة، لم يمنع ذلك من احياء في القبر، واماتة بعده كما قال تعالى: " ألم ترالى الذين خرجوا من ديارهم وهم الوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم احياهم "(1) ولم يذكر حياة الذين احيوا في الدنيا بعد ان ماتوا وقال في قوم موسى " فاخذتكم الصاعقة وانتم تنظرون ثم بعثنا من بعد موتكم لعلكم تشكرون "(2) ولم يذكر حياتهم في الدنيا ولم يدل ذلك على أنهم لم يحييوا في الدنيا بعد الموت وكذلك ايضا لا تدل هذه الآية على ان المكلفين لا يحيون في قبورهم للثواب والعقاب على ما أخبر به الرسول (عليه السلام) وقول من قال: لم يكونوا شيئا ذهب إلى قول العرب للشئ الدارس الخامل: إنه ميت يربد خموله ودرسه وفي ضد ذلك يقال: هذا أمر حي يراد به، كانه متعالم في الناس ومن اراد الاماتة التي هي خروج الروح من الجسد، فانه اراد بقوله: " وكنتم امواتا " انه خطاب لاهل القبور بعد احيائهم فيها وهذا بعيد لان التوبيخ هنالك انما هو توبيخ على ما سلف، وفرط من اجرامهم لا استعتاب واسترداع.
وقوله: " كيف تكفرون بالله وكنتم امواتا " توبيخ مستعتب، وتأنيب مسترجع من خلقه من المعاصي إلى الطاعة، ومن الضلالة إلى الانابة ولا انابة في القبر ولا توبة فيها بعد الوفاة واحسن الوجوه مما قدمنا ما ذكر ابن عباس وبعده قول قتادة
---
(1) سورة البقرة: آية 243.
(2) سورة البقرة: آية 54 - 55.

(1/121)


تفسير التبيان ج1
قوله تعالى: هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شئ عليم(29)
آية بلا خلاف.
المعنى: " هو " كناية عن الله عزوجل في قوله: " تكفرون بالله " واراد به تأكيد الحجة فقال: " كيف تكفرون بالله " الذي احياكم بعد موتكم " ثم يميتكم ثم يحييكم ثم اليه ترجعون الذي خلق لكم ما في الارض " يعني الذي في الارض و " ما " في موضع نصب، لان الارض وجميع ما فيها نعمة من الله لخلقه: اما دينية فيستدلون بها على معرفته، وإما دنيوية فينتفعون بها لضروب النفع عاجلا.
وقوله: " ثم استوى إلى السماء فيه وجوه: احدها - ما قاله الفراء: من ان معناه اقبل عليها كما يقول القائل: كان فلان مقبلا على فلان يشتمه، ثم استوى الي يشتمني، واستوى علي يشاتمني قال الشاعر:
اقول وقد قطعن بنا شروري
ثواني واستوين من الضجوع(1)
أي أقبلن وخرجن من الضجوع وقال قوم: ليس معنى البيت ما قاله وانما معناه استوين على الطريق من الضجوع خارجات(2) بمعنى استقمن عليه وقال قوم: معنى استوى: قصدها لتسويتها كقول القائل: قام الخليفة يدبر أمر بني تميم، ثم استوى وتحول إلى بني ربيعة، فأعطاهم وقسم لهم اي قصد اليه ويقال مرفلان مستويا إلى موضع كذا ولم يعدل اى قصد اليها وقال قوم: معنى استوى اى استولى على السماء بالقهر كما قال: " لتستووا على ظهوره "(3) أى تقهروه ومنه قوله تعالى: " ولما بلغ أشده واستوى "(4) أى تمكن من أمره
---
(1) قائله تميم بن ابي عن معجم ما استعجم في المطبوعة " سوامد " بدل " ثواني " شروري: جبل بين بني اسد وبني عامر في طريق الكوفة الضجوع - بفتح الضاد - مكان.
(2) في المطبوعة " فارجات " والصحيح ماذكرنا.
(3) سورة الزخرف: آية 13.
(4) سورة القصص: آية 14.

(1/122)


تفسير التبيان ج1
وقهرهواه بعقله فقال: (ثم استوى إلى السماء) في تفرده بملكها، ولم يجعلها كالارض ملكا لخلقه ومنه قول الشاعر:
فلما علونا واستوينا عليهم
تركناهم صرعى لنسر وكاسر
وقال آخر:
ثم استوى بشر على العراق
من سيف ودم مهراق
وقال الحسن: ثم استوى امره وصنعه إلى السماء، لان أو امره وقضاياه تنزل من السماء إلى الارض وقال بعضهم استوى بمعنى استوت به السماء كما قال الشاعر:
اقول له لما استوى في تراثه
على أي دين قتل الناس مصعب(1)
وأحسن هذه الوجوه أن يحمل على أنه علا عليها فقهرها، وارتفع فدبرها بقدرته، وخلقهن سبع سماوات، فكان علوه عليها علو ملك وسلطان لا علو انتقال وزوال، وبعد ذلك قول من قال: قصد اليها فخلقها، ولا يقدح في الاول علوه تعالى على الاشياء فيما لم يزل، لانه وان كان كذلك لم يكن قاهرا لها بحلقها، لان ذلك متجدد، وانما قال: إلى السماء ولا سماء هناك كما يقول القائل: اعمل هذا الثوب وانما معه غزل، وقال قوم: انما سواهن سبع سماوات بعد ان كانت دخانا والاول أملح.
وقال الرماني السموات غير الافلاك لان الافلاك تتحرك وتدور واما السماوات لا تتحرك ولا تدور لقوله تعالى: (ان الله يمسك السماوات والارض ان تزولا)(2) هذا ليس بصحيح، لانه لا يمتنع ان تكون السماوات هي الافلاك وان كانت متحركة، لان قوله تعالى: (يمسك السماوات والارض أن تزولا) معناه لا تزول عن مراكزها التي تدور عليها ولولا امساكه لهوت بما فيها من الاعمالات سفلا ومعنى (سواهن) أي هيأمن وخلقهن وقومهن ودبرهن والتسوية التقويم والاصلاح يقال سوى فلان لفلان هذا الامر أي قومه واصلحه.
وقال الفراء: السماء واحدة تدل على الجمع فلذلك قال: (ثم استوى إلى السماء) فذكرها بلفظ الواحد ثم اخبر عنها بلفظ الجمع في قوله: (فسواهن) وقال
---
(1) لم يعرف قائل هذا البيت في مطبوعة " الطبري " " ترابه " بدل تراثه.
(2) سورة فاطر: آية 41.

(1/123)


تفسير التبيان ج1
الاخفش: السماء اسم جنس يدل على القليل والكثير كقولهم اهلك الناس الدينار والدرهم.
وقال بعضهم: السماء جمع واحده سماوة: مثل بقزة وبقر، ونخلة ونخل، وثمرة وثمر(1) ولذلك أنثت فقيل هذه سماء، وذكرت أخرى فقيل: (السماء منفطر به)(2) ما يفعل ذلك بالجمع الذى لا فرق بينه وبين واحده غير دخول الهاء وخروجها فيقال: هذا نخل، وهذه نخل وهذا بقر وهذه بقر ومن قال بالاول قال: إذا ذكرت فانما هو على مذهب من يذكر المؤنث كقول الشاعر:
فلا مزنة ودقت ودقها
ولاأرض ابقل ابقالها(3)
وقال اعشى بني ثعلبة:
فلما ترى لمتي بدلت
فان الحوادث أزرى بها(4)
وقال قوم: إن السماوات، وان كانت سماء فوق سماء وارضا فوق أرض فهي في التأويل واحدة، وتكون الواحدة جماعا كما يقال: ثوب أخلاق وأسمال، ورمة اعشار، للمتكسرة، وبرمه اكسار واجبار واخلاق، أي نواحية أخلاق(5).
ويقال ارض اعقال وارض اخصاب والمعنى أن كل ناحية منها كذلك، فجمع على هذا ولا ينافي ذلك قول من قال: إن السماء كانت دخانا قبل أن يسويها سبع سماوات، ثم سبعا بغير استوائه عليها وذلك أنه يقول: كن سبعا غير مستويات، فسواها الله تعالى فان قيل: قوله (هو الذي خلق لكم مافي الارض جميعا ثم استوى إلى السماء) ظاهره يوجب أنه خلق الارض قبل السماء، لان (ثم) للتعقيب، وللتراخي وقال في موضع آخر: (انتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها) ثم قال: (والارض بعد ذلك دحاها) هذا ظاهر التناقض قلنا: المعنى
---
(1) تمرة وتمر (نسخة) .
(2) ورة المزمل: آية 18.
(3) صاحب البيت عامر بن جوين، المزنه: قطعة السحاب الودق: المطر ابقلت الارض: اخرجت بقلها.
(4) ازرى بها: حقرها وانزل بها الهوان.
(5) الخلق: البالي وبرمة اجبار ج برمة جبر وان لم يقولوه مفردا. واصله من جبر العظم وهو لامة.

(1/124)


تفسير التبيان ج1
في ذلك خلق الارض قبل السماء غير أنه لم يدحها فلما خلق السماء دحاها بعد ذلك ودحوها: بسطها، ومدها ومنه ادحية لنعام، سميت بذلك، لانها تبسطها لتبيض فيها ويجوز أن لا يكون معنى (ثم) و (بعد) في هذه الآيات الترتب في الاوقات والتقدم والتأخر فيها، انما هو على جهة تعداد النعم والاذكار لها كما يقول القائل لصاحبه: أليس قد اعطيتك، ثم حملتك، ثم رفعت في منزلتك، ثم بعد ذلك كله خلطتك بنفسي وفعلت بك وفعلت وربما يكون بعض الذى ذكره في اللفظ متقدما، كان متأخرا، لان المراد لم يكن الاخبار عن اوقات الفعل، وانما المراد الذكر والتنبيه عليها فان قيل أي نسبة بين قوله: (ثم استوى إلى السماء) وبين قوله: (وهو بكل شئ عليم) وكان يجب ان يقول: (وهو على كل شئ قدير) قيل انما جاز ذلك، لان الله لما وصف نفسه بما يدل على القدرة والاستيلاء وصل ذلك بما يدل على العلم، إذ بهما يصح وقوع الفعل على وجه الاحكام، والاتقان وايضا اراد أن يبين انه عالم بما يؤول اليه حاله، وحال المنعم به عليه، فيستحق بذلك النعمة.
وتلخيص معنى الآية ان الله تعالى هو الذى خلق لكم الارض وما فيها من الجبال والمياه والاشجار، وما قدر فيها من الاقوات، ثم قضى خلق السماء بعد خلقه الارض ومعنى استوى أي عمد لها وقصد إلى خلقها، وسواها سبع سماوات فبناهن وركبهن كذلك ونظير ذلك قوله: (أإنكم لتكفرون بالذي خلق الارض في يومين وتجعلون له اندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها اقواتها في اربعة ايام)(1) عني يومين بعد اليومين الاولين حتى صار بذلك اربعة ايام ثم استوى إلى السماء فمعنى قوله: (خلق لكم ما في الارض جميعا) هو الذي بينه بقوله: (وجعل فيهارواسي من فوقها. الآية) وجعل ذكره لذلك في الآية الاولى تأكيد الحجة على عباده لئلا يكفروا به، ولان يؤمنوا به ويشكروه.
وقوله: (كيف تكفرون) يدل انه تعالى ما اراد الكفر
---
(1) سورة حم السجدة: آية 9 و 10

(1/125)


تفسير التبيان ج1
منهم، لانه لو اراده وخلقه فيهم لما قال ذلك كما لا يحسن أن يقول: لم كنتم سوادا وبيضا وطوالا وقصارا وقوله: وهي دخان فالذي روي في الاخبار أن الله تعالى لما خلق الارض، خلقها بعد الماء فصعد منه بخار وهو الدخان، فخلق الله منه السماوات وذلك جائز لا يمنع منه مانع.
وقوله: (وهو بكل شئ عليم) معناه عالم وفيه مبالغة وانما أراد اعلامهم أنه لا يخفى عليه شئ من افعالهم الظاهرة والباطنة، والسر والعلانية.
الآية: 30 - 39
قوله تعالى: واذ قال ربك للملائكة إنى جاعل في الارض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إنى أعلم ما لا تعلمون(30)
آية
المعنى: قال أبوعبيدة: (إذا) زائدة والتقدير (قال ربك للملائكة) وهي تحذف في مواضع قال الاسود بن يعمر:
واذا وذلك لا مهاه لذكره
والدهر يعقب صالحا بفساد(1)
معناه وذلك لا مهاه لذكره قال عبد مناة بن مربع وقيل: ابن ربع الهذلي
حتى اذا أسلكوهم في قتائدة
شلا كما تطرد الجمالة الشردا(2)
ومعناه حتى اسلكوهم والقتائد: الموضع الذي فيه قتاد(3) كثير والشل الطرد والجمالة: الجمالون والشرد الابل التي تشرد عن مواضعها، وتقصد غيرها وتطرد عنها وهذا الذي ذكره ليس بصحيح، لان إذا: حرف يأتي بمعنى الجزاء ويدل على مجهول من الوقت ولا يجوز إبطال حرف كان دليلا على معنى في الكلام
---
(1) في المطبوعة (لا مهاة) والصحيح ما ذكرنا كما عن (المفضليات) يقال ليس لعيشنا مهه ومهاه أي ليس له حسن او نضارة.
(2) في المطبوعة (يطرد) والبيت في ديوان الهذليين والخزانة اسلك الرجل غيره الطريق وسلكه فيه اضطره اليه والقتائدة: جبل في طريق مكة والمدينة وجواب (اذا) في البيت فعل محذوف دل عليه المصدر.
(3) القتاد نبات ذو شوك.

(1/126)


تفسير التبيان ج1
إلا لضرورة وليس المعنى في البيتين على ما ظن، بل لو حمل (إذا) في البيتين على البطلان بطل معنى الكلام الذي أراد الشاعر، لان الاسود أراد بقوله: (واذا) الذي نحن فيه وما مضى من عيشنا واراد بقوله (ذلك) الاشارة إلى ما تقدم وصفه من عيشه الذي كان فيه لا مهاه لذكره يعني لا طعم له، ولافضل لاعقاب الدهر ذلك بفساد ومعنى قول عبد مناة بن مربع: حتى اذا اسلكوهم في قتائدة إن قوله: اسلكوهم مثلا يدل على معنى محذوف، واستغنى عن ذكره بدلالة (اذا) عليه فحذف كما قال نمر بن تولب:
فان المنية من يخشها
فسوف تصادفه اينما
يريد اينما ذهب وكما يقول القائل: من قبل، ومن بعد يريد من قبل ذلك، ومن بعد ذلك، ويقول القائل: اذا اكرمك أخوك فاكرمه واذا لا(1) فلا يريد واذا لم يكرمك فلاتكرمه ومن ذلك قول الشاعر:
فاذا وذلك لايضرك ضرة
في يوم اسأل نائلا او انكد(2)
وكذلك لو حذف (اذا) في الآية لاستحالت عن معناها الذي تقيده (إذ)، لان تقديره: ابتدأ خلقكم اذ قال ربك للملائكة.
قال الزجاج والرماني أخطأ أبو عبيدة، لان كلام الله لا يجوز أن يحمل على اللغو مع امكان حمله على زيادة فائدة قال: ومعنى إذ: الوقت وهي اسم كيف يكون لغوا؟ قال والتقدير الوقت والحجة في (إذ) أن الله عزوجل ذكر خلق الناس وغيرهم، فكأنه قال: ابتدأ خلقك اذ قال ربك للملائكة.
وقال الفضل: لما امتن الله بخلق السماوات والارض، ثم قال: وإذ قلنا للملائكة ما قلناه فهو نعمة عليكم وتعظيم لابيكم واختار ذلك الحسن(3) بن علي المغربي وقال الرماني والزهري: اذكر اذ قال ربك والملائكة جمع غير أن واحدهم بغير همز أكثر فيحذفون الهمزة ويحركون اللام التي كانت ساكنة لو همز الاسم إلى اللام فاذا اجمعوا، ردوه إلى الاصل وهمزوا كما
---
(1) في المطبوعة " لا " ساقطة ولا يستقيم المعنى بدونها.
(2) في المطبوعة " نكرا " بدل انكد ونكده ما سأله: قلل له العطاء او لم يعطه البتة.
(3) نسخة بدل " الحسين ".

(1/127)


تفسير التبيان ج1
يقولون: رأى، ثم يقولون يرى بلا همز وذلك كثير وقد جاء مهموزا في واحده قال الشاعر:
فلست بأنسي ولكن ملاكا
تنزل من جو السماء يصوب(1)
وقد يقال في واحدهم مألك: مثل قولهم: جبذ وجذب فيقلبونه، وشأمل وشمأل ومن قال: مألك يجمعه ملائك بلا هاء مثل اشعث واشاعث قال أمية ابن ابي الصلت:
وفيها من عباد الله قوم
ملائك ذللوا وهم صعاب(2)
واصل الملاك(3) الرسالة قال عدي بن زيد العبادي:
ابلغ النعمان عني ملاكا
أنه قد طال حبسي وانتظاري(4)
وقد ينشد ملاكا ومألكا على اللغة الاخرى.
فمن قال: ملاكا فهو مفعل من لاك اليه يليك إذا أرسل اليه رسالة: ومن قال مألكا فهو مفعل من ألكت اليه إلاكة اذا ارسلت اليه مألكة والوكا وكما قال لبيد بن ربيعة:
وغلام ارسلته امه
بالوك فبذلنا ما سأل
وهذا من الكت ويقال: لاك يلاك والك يألك اذا أرسل قال عبد بني الحسحاس(5):
ألكني اليها عمرك الله يافتى
بآية ماجاءت الينا تهاديا(6)
يعني أبلغها رسالتي فسميت الملائكة ملائكة بالرسالة، لانها رسل الله بينه وبين انبيائه، ومن أرسل من عباده هذا عند من يقول: إن جميع الملائكة رسل فاما ما يذهب اليه اصحابنا أن فيهم رسلا وفيهم من ليس برسل، فلا يكون الاسم
---
(1) البيت منسوب لعلقمة بن عبدة وليس في ديوانه وهو من ابيات سيبوبه وفى اللسان " ألك ".
(2) ديوانه ذللوا: من الذل.
(3) في المطبوعة " ملك " وصححت؟ ب_" مألك ".
(4) الاغاني والعقد الفريد بعد البيت وهو متمم له:
لو بغير الماء حلقي شرق
كنت كالغصان بالماء اعتصاري
(5) في المطبوعة عبيد بن الحسحاس.
(6) الكني اليها: ابلغها رسالة مني ديوان سحيم عبد بني الحسحاس

(1/128)


تفسير التبيان ج1
مشتقا، بل يكون علما او اسم جنس وانما قالوا: إن جميعهم ليسوا رسل الله لقوله تعالى: (يصطفي من الملائكة رسلا)(1) لو كانوا جميعا رسلا، لكانوا جميعا مصطفين، لان الرسول لا يكون إلا مختارا مصطفى وكما قال: (ولقد اخترناهم على علم على العالمين)(2)
قوله: (اني جاعل) أي فاعل وخالق وهما يتقاربان قال الرماني: حقيقة الجعل: تصيير الشئ على صفة والاحداث حقيقة: إيجاد الشئ بعد أن لم يكن موجودا والخليقة: الفعيلة من قولهم: خلف فلان فلانا في هذا الامر: اذا قام مقامه فيه بعده، لقوله تعالى: (ثم جعلناكم خلائف في الارض من بعدهم لننظر كيف تعلمون)(3) عني بذلك: أبدلكم في الارض منهم، فجعلكم خلفا في الارض من بعدهم وسمي الخليفة خليفة من ذلك، لانه خلف من كان قيله، فقام مقامه الخلف - بتحريك اللام - يقال: فيمن كان صالحا - وبتسكين اللام - اذا كان طالحا قال الله تعالى (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة).
وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: ينقل هذا العلم من كل خلف عدوله وقال قوم: سمى الله تعالى آدم خليفة، لانه جعل آدم وذريته خلفاء الملائكة، لان الملائكة كانوا سكان الارض وقال ابن عباس: انه كان في الارض الجن، فافسدوا فيها، وسفكوا الدماء، فاهلكوا، فجعل الله آدم وذريته بدلهم.
وقال الحسن البصري: إنما أراد بذلك قوما يخلف بعضهم بعضا من ولد آدم الذين يخلفون أباهم آدم في إقامة الحق وعمارة الارض وقال ابن مسعود: أراد أني جاعل في الارض خليفة يخلفني في الحكم بين الخلق، وهو آدم، ومن قام مقامه من ولده وقيل انه يخلفني في انبات الزرع واخراج الثمار، وشق الانهار وقيل ان الارض أراد بها مكة، روي ذلك عن ابن سارط، أن النبي صلى الله عليه وآله قال: دحيت الارض من مكة ولذلك سميت ام القرى قال: دفن نوح وهود وصالح وشعيب
---
(1) سورة الحج: آية 75.
(2) سورة الدخان: آية 32.
(3) سورة يونس: آية 14.

(1/129)


تفسير التبيان ج1
بين زمزم والمقام وقال قوم: انها الارض المعروفة وهو الظاهر.
وقوله: (اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) وروي ان خلقا يقال لهم الجان كانوا في الارض فافسدوا وسفكوا الدماء فبعث الله تعالى ملائكة اجلتهم من الارض وقيل: ان هؤلاء الملائكة كانوا سكان الارض بعد الجان فقالوا: ياربنا اتجعل في الارض يفسد فيها ويسفك الدماء على وجه الاستخبار منهم والاستعلام عن وجه المصلحة، والحكمة لا على وجه الانكار كأنهم قالوا ان كان هذا كما ظننا فعرفنا وجه الحكمة فيه.
وقال قوم: المعنى فيه ان الله اعلم الملائكة انه جاعل في الارض خليفة وان الخليفة فرقة تسفك الدماء وهي فرقة من بني آدم فأذن الله للملائكة ان يسألوه عن ذلك وكان اعلامه أياهم هذا زيادة على التثبيت في نفوسهم انه يعلم الغيب فكأنهم قالوا: أتخلق فيها قوما يسفك الدماء، ويعصونك وانما ينبغي انهم اذا عرفوا انك خلقتهم ان يسبحوا بحمدك كما نسبح ويقدسوا كما نقدس؟ ولم يقولوا: هذا إلا وقد اذن لهم، لانهم لا يجوز ان يسألوا ما لايؤذن لهم ما فيه، ويؤمرون به، لقوله: (ويفعلون ما يؤمرون)(1) ان قيل من اين لكم أنهم كانوا علموا ذلك؟ قيل ذلك محذوف لدلالة الكلام عليه، لانا علمنا أنهم لا يعلمون الغيب وليس اذا فسد الجن في الارض، وجب أن يفسد الانس وقوة السؤال تدل على أنهم كانوا عالمين وجرى ذلك مجرى قول الشاعر:
فلا تدفنوني إن دفني محرم
عليكم ولكن خامري أم عامر(2)
فحذف قوله: دعوني للتي يقال لها إذا أريد صيدها خامري أم عامر فكأنه وقال: إني جاعل في الارض خليفة يكون من ولده افساد في الارض وسفك الدماء وقال ابوعبيدة والزجاج: أنهم قالوا ذلك على وجه الايجاب وإن خرج مخرج الاستفهام كما قال جرير:
ألستم خير من ركب المطايا
واندى العالمين بطون راح؟
---
(1) سورة النحل آية 50.
(2) الشر للشنفرى الحماسة الاغاني ويروى (فلا تقبروني ان قبري) (ولكن ابشري) خامرى: استتري ام عامر: كنية الضبع.

(1/130)


تفسير التبيان ج1
فعلى هذا الوجه قال قوم: إنما أخبروا بذلك عن ظنهم وتوهمهم، لان؟ رأوا الجن من قبلهم قد افسدوا في الارض وسفكوا الدماء فتصوروا أنه؟؟ استخلف غيرهم، كانوا مثلهم، فقال تعالى منكرا لذلك: (إني اعلم مالا تعلمون) وهذا قول قتادة وابن عباس وابن مسعود وقال آخرون: إنهم قالوه يقينا لان الله كان أخبرهم انه يستخلف في الارض من يفسد فيها ويسفك الدماء فاجابوه بعد علمهم بذلك بأن قالوا: (اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) وانما قالوه استعظاما لفعلهم أي كيف يفسدون فيها ويسفكون الدماء، وقد انعمت عليهم واستخلفتهم فيها فقال: " إني اعلم ما لاتعلمون " وقال قوم: إنهم قالوا ذلك متعجبين من استخلافه لهم أي كيف يستخلفهم وقد علم انهم " يفسدون فيها ويسفكون الدماء "؟ فقال: " إني اعلم مالا تعلمون " والسفك: صب الدماء خاصة دون غيره من الماء، وجميع المايعات والسفح مثله لانه مستعمل في جميع المايعات على وجه التضييع، ولذلك قالوا في الزنا انه سفاح لتضييع مائه فيه والملائكة المذكورون في الآية قال قوم: هم جميع الملائكة.
وقال آخرون وهو المروي عن ابن عباس والضحاك - إنه خطاب لمن اسكنه من الملائكة الارض بعد الجان، وقبل خلق آدم، وهم الذين أجلوا الجان عن الارض.
وقال قتادة في قوله: " اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " وقد علمت الملائكة من علم الله أنه لا شئ عند الله أكبر من سفك الدماء والافساد في الارض قال الله تعالى: " إني اعلم ما لا تعلمون " من أنه سيكون من الخليفة رسل وانبياء، وقوم صالحون وساكنون الجنة واقوى هذه الوجوه قول من قال: إن الملائكة إنما قالت: " اتجعل فيها من يفسد فيها " على وجه التعجب من هذا التدبير، لا إنكارا له ولكن على وجه التألم والتوجع والاغتمام والاستعلام لوجه التدبير فيه، فقال: " إني اعلم مالا تعلمون " من الوجه المصلحة في خلقهم، وما يكون منهم من الخير والرشد والعلم، وحسن التدبير والحفظ، والطاعة ما لاتعلمون فان قيل: الملائكة

(1/131)


تفسير التبيان ج1
بم عرفت ذلك، اذ لم يمكنها أن تستدرك ذلك بالنظر والفكر قلنا: قد يجوز أن لا يكون خطر ببالها ذلك إلا عند ما أعلمهم الله، فلما علموا ذلك، فزعوا إلى المسألة عنه، لان المسألة لمن يتوقع سرعة جوابه أو يوثق بعلمه وخبره يقوم مقام النظر والفكر.
وقوله: " أتجعل فيها من يفسد فيها " يريدون من ولد آدم الذين ليسوا أنبياء، ولا أئمة معصومين فكأنه قال تعالى: أني جاعل في الارض خليفة يكون له ولد ونسل يفعلون كيت وكيت فقالوا: " اتجعل فيها من يفسد فيها " يريدون الولد وقد بينا أن الخليفة من يخلف من تقدمه، جماعة كانوا أو واحدا فلما أخبر الله تعالى الملائكة أنه يخلق في الارض عباداهم آدم وولده ويكون خليفة لمن تقدمهم من الجن أو غيرهم، قالوا ما قالوا ويحتمل أن يكون قوله: " من يفسد فيها " يريدون البعض لا الكل كما يقال: بنو شيبان يقطعون الطريق ويراد بعضهم دون جميعهم.
وقوله: (ونحن نسح بحمدك ونقدس لك) والتسبيح هوالتنزيه من السوء على وجه التعظيم وكل من عمل خيرا قصد به الله فقد سبح يقال: فرغت من سبحتي أي من صلاتي وقال سيبوية: معنى سبحان الله: براءة الله وتنزيه الله من السوء.
قال اعشى بني تغلب:
اقول - لما جاءني فخره -:
سبحان من علقمة الفاخر(1)
أي براءة من علقمة الفاخر وهو مشتق من السبح الذي هو الذهاب.
قال الله تعالى: " إن لك في النهار سبحا طويلا "(2) ولا يجوز أن يسبح غير الله وان كان منزها، لانه صار علما في الدين على أعلى مراتب التعظيم التي لا يستحقها سواه كما أن العبادة غاية في الشكر لا يستحقها سواه.
وقال ابن عباس وابن مسعود: " نحن نسبح بحمدك " بمعنى نصلي لك كما قال: " فلولا انه كان من المسبحين "(3) أي من المصلين وقال مجاهد: معناه نعظمك بالحمد والشكر على
---
(1) ديوانه الاغاني علقمة في البيت هو علقمة بن علاثة هجاه الشاعر.
(2) سورة المزمل: آية 7.
(3) سورة الصافات: آية 143.

(1/132)


تفسير التبيان ج1
نعمك وقال قتادة: هو التسبيح المعروف وقال المفضل: هو رفع الصوت بذكر الله قال جرير:
قبح الاله وجوه تغلب كلما
سبح الحجيج وهللوا إهلالا
واصل التقديس: التطهير ومنه قوله: الارض المقدسة أي المطهرة
قال الشاعر:
فادركنه يأخذن بالساق والنسا
كما شبرق الولدان ثوب المقدس(1)
أي المطهر
وقال قوم: معنى نقدس لك: نصلي لك وقال آخرون: نقدس انفسنا من الخطايا والمعاصي وقال قوم: نطهرك من الادناس أي لا نضيف اليك القبائح والقدس: السطل الذي يتطهر منه أي يقدس ويوصف تعالى بأنه قدوس سبوح أي سبحانه أن يكون شريكا لغيره طاهر من كل عيب.
وقوله: " إني اعلم مالا تعملون " قال قوم: أراد ما أظهره إبليس من الكبر والعجب والمعصية لما أمر الله تعالى لآدم ذهب اليه ابن مسعود، وابن عباس وقال قتادة: أراد من في ذرية آدم من الانبياء والصالحين.
وقال قوم: أراد به ما اختص بعلمه من تدبير المصالح فان قيل: لو كان آدم قادرا على أن لا يأكل من الشجرة، لكان قادرا على نقض ما دبره الله فيه، لانه لو لم يأكل منها للبث في الجنة والله تعالى إنما خلقه ليجعله خليفة في الارض فهذا يدل على أنه لم يكن بد من المخالفة قلنا عن هذا جوابان:
أحدهما - ان الجنة التي خلق الله تعالى فيها آدم، لم تكن جنة الخلد، وانما كانت في الارض حيث شاء الله، وانه حيث كان في الارض، كان خليفة في الارض وفي هذا سقط السؤال.
والثاني - ان الله تعالى علم أن آدم سيخالف، وانه يهبط إلى الارض فيستخلفه فيها فأخبر الله تعالى بما علم.
وقولهم: إنه لو كان قادرا على أن لا يخالف، لكان قادرا على نقض تدبيره - جهل، لان الله تعالى قد أمره بأن لا
---
(1) شبرق: مزق.

(1/133)


تفسير التبيان ج1
يقرب الشجرة فهل يجب بأن يكون أمره بأن ينقض تدبيره؟ فاذا قالوا: لا.
قيل: وكذلك الله قد اقدره على ألا يخالف فيلبث في الجنة ولا يجب بذلك أن يكون أقدره على نقض تدبيره وقد.
روي عن أبي عبدالله (عليه السلام) أن الملائكة سألت الله أن يجعل الخليفة منهم وقالوا: نحن نقدسك ونطيعك ولانعصيك كغيرنا فقال أبوعبدالله (عليه السلام): فلما أجيبوا بما ذكر الله في القرآن، علموا أنهم قد تجاوزوا ما ليس لهم فلاذوا بالعرش استغفارا، فأمر الله آدم بعد هبوطه أن يبني لهم في الارض بيتا يلوذ به المخطئون كما لاذ بالعرش الملائكة المقربون فقال الله تعالى: إني اعرف بالمصلحة منكم وهو معنى قوله: " إني اعلم مالا تعلمون ".
قوله تعالى: وعلم آدم الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال انبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين(31)
آية واحدة بلا خلاف.
روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: خلق الله آدم من قبضة قبضها من جميع الارض، - وقيل قبضها ملك الموت - فجاء بنو آدم على قدر ذلك: منهم الاسود والاحمر، والابيض، والسهل، والحزن، والخبيث، والطيب اللغة.
وقال ابوالعباس: في اشتقاق آدم قولان: أحدهما - انه مأخوذ من أديم الارض قال: فاذا سميت به في هذا الوجه ثم نكرته، صرفته والثاني - انه مأخوذ من الادمة على معنى اللون والصفة، فاذا سميت به في هذا الوجه، ثم نكرته، لم تصرفه والادمة والسمرة، والدكنة والورقة متقاربة المعنى في اللغة وقال صاحب العين الادمة في الناس: شربة من سواد وفي الابل والظباء: بياض وادمة

(1/134)


تفسير التبيان ج1
الارض: وجهها والمؤدم(1) من الجلد خلاف المبشر وأدما أنثى وآدم ذكر وهي الادم في الجماعة وآدم أبوالبشر والادم: ما يؤتدم به وهو الادام الادم: جماعة الاديم وأديم كل شئ: وجهه و (كل) لفظة عموم على وجه الاستيعاب.
وقال الرماني: حده الاحاطة بالابعاض، يقال: أبعض القوم جاءك أم كلهم؟ وتكون تأكيدا مثل أجمعين غير أنه يبتدأ في الكلام بكل، كقوله تعالى: " فسجد الملائكة كلهم أجمعون "(2) لان كلا قد يلي العوامل ويبتدأ واجمعون لا تكون إلا تابعة ويقال عرض عرضا قال صاحب العين: عرض علينا فلان المتاع يعرض عرضا للشراء او الهبه وقال الزجاج: العرض أصله في اللغة: الناحية من نواحي الشئ فمن ذلك العرض خلاف الطول وعرض الرجل.
قال بعضهم: ما يمدح به أو يذم وقيل عرضه: خليقته المحمودة وقيل عرضه: حسبه وقال الرماني: هي ناحيته التي يصونها عن المكروه وحقيقة العرض: الاظهار للشئ ليتصفح والانباء والاعلام والاخبار واحد قال صاحب العين: النبأ - مهموز - هو الخبر المنبئ والمخبر ولفلان نبأ أي خبر ويقال: نبأته وأنبأته واستنبأته والجمع الانباء والنبوة اذا أخذت من الانباء فهي مهموزة.
لكن روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه(3) قال: لا تنبز باسمي، لرجل قال له: يا نبئ الله والنبئ - بالهمز -: الطريق الواضح، يأخذ بك إلى حيث تريد والنبأة: صوت الكلاب تنبأ به نبأ وحقيقة الانباء: الاظهار للخبر قال الشاعر:
أدان وانبأه الاولون
بأن المدان ملي وفي
والفرق بين الاخبار والاعلام أن الاعلام قد يكون بخلق العلم الضروري في القلب كما خلق الله من كمال العقل والعلم بالمشاهدات وقد يكون بنصب الادلة للشئ والاخبار هو إظهار الخبر، علم به أو لم يعلم ولا يكون مخبرا بما يحدثه
---
(1) المؤدم: الحاذق المجرب جمع لين الادمة وخشو؟ البشرة.
(2) سورة الحجر: آية 30.
(3) أنه - ساقطة من المطبوعة.

(1/135)


تفسير التبيان ج1
من العلم في القلب كما يكون معلما بذلك.
وقوله: " ثم عرضهم على الملائكة " إنما لم يقل: ثم عرضها، اذ كانت الاسماء لا تعقل، لانه أراد أصحاب الاسماء وفيهم ما لايعقل كما تغلب المذكر اذا اجتمع مع المؤنث، لانهم يقولون: إن اصحابك وإماءك جاءوني وروي عن ابن عباس أنه قال: عرض الخلق وقال مجاهد: عرض أصحاب الاسماء.
وقوله: " وعلم آدم الاسماء كلها " معناه أنه علمه معاني الاسماء، من قبل أن الاسماء بلا معان لا فائدة فيها، ولا وجه لايثاره الفضيلة بها وقد نبه الله الملائكة على مافيه من لطيف الحكمة، فاقروا عند ماسئلوا عن ذكرها والاخبار عنها أنهم لا علم لهم بها فقال: " يا آدم أنبئهم باسمائهم " وقول قتادة، وظاهر العموم يقتضى أنه علمه الاسماء وبه قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وأكثر المتأخرين: كالبلخي والجبائي وابن الاخشيد والرماني.
وقال الطبري بما يحكي عن الربيع وابن زيد: انهما قالا: علمه الله اسماء ذريته واسماء الملائكة وقال هو الاختيار دون قول ابن عباس وقال: إن قولهم: " عرضهم " إنما يكون لمن يعقل في الاظهر من كلام العرب وهذا غلط لما بيناه من التغليب وحسنه كما قال تعالى: " والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع "(1) وهذا يبطل ما قاله، ويبقى اللفظ على عموم وظاهر الآية وعمومها يدل على انه علمه جميع اللغات.
وبه قال الجبائي والرماني فأخذ عنه ولده اللغات فلما تفرقوا، تكلم كل قوم منهم بلسان ألفوه واعتادوه وتطاول الزمان على ما خالف ذلك فنسوه ويجوز أن يكونوا عالمين بجميع تلك اللغات إلى زمن نوح فلما أهلك جميع الخلائق إلا نوحا ومن معه، كانوا هم العارفين بتلك اللغات فلما كثروا وتفرقوا اختار كل قوم منهم لغة تكلموا بها، وتركوا ما سواها، وانقرض ونسوه والخبر الذي يروي أن الناس امسوا ولغتهم واحدة ثم اصبحوا وقد تغيرت السنتهم وكان لا يعرف كل فريق منهم إلا كلام من كان
---
(1) سورة النور آية 45.

(1/136)


تفسير التبيان ج1
على لغتهم - خبرضعيف وأيضا فلا يجوز أن ينسى العاقل ما كان في امسه من جلائل الامور مع سلامة عقله قالوا: واللغات جميعا إنما سمعت من آدم، وعنه أخذت.
وقال ابن الاخشيد: إن الله فتق لسان اسماعيل بالعربية ولذلك صار اصلا للعرب من ولده، لانه تكلم بها على خلاف النشوء والعادة، بل على أنه ابتدأه بها وألهمه إياها فان قيل: ما معنى قوله: " انبئوني باسماء هؤلاء إن كنتم صادقين " ماالذي ادعي حتى قيل هذا؟
قيل عن ذلك اجوبة كثيرة للعلماء:
احدها - ان الملائكة لما أخبرهم الله عزوجل أنه جاعل في الارض خليفة هجس في نفوسها أنه لو كان الخليفة منهم بدلا من آدم وذريته، لم يكن فساد ولا سفك دماء كما يكون من ولد آدم، وان ذلك أصلح لهم وان كان الله عزوجل لايفعل إلا ما هو اصلح في التدبير، والاصوب في الحكمة فقال الله تعالى: " انبئوني باسماء هؤلاء إن كنتم صادقين " فيما ظننتم في هذا المعنى ليدلهم على أنهم إذا لم يعلموا باطن ما شاهدوا كانوا من أن يعلموا باطن ما غاب عنهم أبعد.
والثاني - أنه وقع في نفوسهم أنه لم يخلق الله خلقا إلا كانوا أفضل منهم في سائر ابواب العلم فقيل: إن كنتم صادقين في هذا الظن فاخبروا بهذه الاسماء.
والثالث - قال ابن عباس: إن كنتم تعلمون لم أجعل في الارض خليفة ف " انبئوني باسماء هؤلاء إن كنتم صادقين " لان كل واحد من الامرين من علم الغيب فكما لا تعلمون ذا لا تعلمون الآخر.
والرابع - ما ذكره الاخفش والجبائي وابن الاخشيد: إن كنتم صادقين فيما تخبرون به من اسمائهم كقول القائل للرجل: أخبرني بما في يدي إن كنت صادقا أي إن كنت تعلم فاخبر به، لانه لا يمكن أن يصدق في مثل ذلك إلا اذا أخبر عن علم منه، ولايصح أن يكلف ذلك إلا مع العلم به، ولابد إذا استدعوا إلى الاخبار عما لا يعلمون من أن يشرط بهذا الشرط، ووجه ذلك التنبيه كما يقول العالم للمتعلم: ما تقول في كذا، ويعلم أنه لا يحسن الجواب لينبهه عليه، وبحثه على طلبه، والبحث عنه، فلو قال له: اخبر بذلك إن كنت تعلم، او قال له:

(1/137)


تفسير التبيان ج1
ان كنت صادقا، لكان حسنا فاذا نبهه على أنه لا يمكنه الجواب أجابه، حينئذ فيكون جوابه بهذا التدريج أثبت في قلبه، وأوقع في نفسه.
وقوله: " انبئوني " قال قوم: هو امر مشروط كأنه قيل: إن امكنكم أن تخبروا بالصدق فيه، فافعلوا وقيل: إن لفظه لفظ الامر ومعناه التنبيه على ما بيناه في سؤال العالم للمتعلم ولا يجوز أن يكون ذلك تكليفا، لانه لو كان تكليفا، لم يكن تنبيها لهم على أن آدم يعرف من اسماء هذه الاشياء بتعريف الله اياه ذلك ما لا يعرفون فلما أراد تعريفهم ما خص به آدم، من ذلك علمنا أنه ليس بتكليف.
ومعنى قوله: " إن كنتم صادقين " شرط كأنه قيل: إن كنتم صادقين في الاخبار بذلك وليس " إن " بمعنى " إذ " على ما حكاه الكسائي عن بعض المفسرين، لانها لو كانت كذلك، لكانت " ان " - بفتح الهمزة - وتقديره: ان كنتم محققين ايمانكم، فافعلوا كذا وكذا، لان (إذ) إذا تقدمها فعل مستقبل صارت علة للفعل وسببا له كقولك: إذ قمت أي من أجل ان قمت فلو كانت إن في الآية بمعنى إذ، كان التقدير: انبئوني باسماء هؤلاء من أجل انكم صادقين واذا وضعت إن مكان ذلك، وجب أن تفتح الالف وذلك خلاف ما عليه القراء والانباء.
قال قوم: اصله الاعلام كقولهم: انبأت عمرا زيدا أخاك بمعنى اعلمت ولا يصلح هاهنا أخبرت إلا أنه يتناول انبئوني هاهنا بمعنى اخبروني على وجه المجاز والتوسع لتقارب المعنى في الاخبار والانباء، لان الله تعالى عالم بالاشياء فيما لم يزل فلا يجوز أن يقول: علموني لما هو عالم به.
ومن قال: أصله الاخبار، تعلق بظاهر القرآن وفي كيفية عرضهم قولان: احدهما - انه عرضهم بعد أن خلقهم والثاني - أنه عرضهم بأن صورهم لقلوب الملائكة وفي هذه الآية دليل على شرف العلم من حيث أن الله تعالى لما أراد تشريف آدم اختصه بعلم أبانه به من غيره، وجعل له الفضيلة فيه، وفي كيفية تعليم الله آدم الاسماء، قال البلخي: ويجوز ان يكون اخبره بذلك فوعاه في وقت قصير بما اعطاه الله من الفهم والحفظ

(1/138)


تفسير التبيان ج1
او بأن دله ومكنه، ورسم به رسما فابتدع هو لكل شئ اسما يشاكله ولابد ان يكون اعلامه له بلغة قد تقدمت المواضعة عليها حتى يفهم بالخطاب المراد به وقال المواضعة لابد ان تستند إلى سمع عند قوم وعند ابي هاشم واصحابه لا يصح ذلك فأماالذي عرض على الملائكة قال قوم عرضت الاسماء دون المسميات.
وقال قوم آخرون: عرضت المسميات بها وهو الاقوى لقوله: " ثم عرضهم " وفي قراءة ابن مسعود: ثم عرضهن وفي قراءة أبي: عرضها وقال قوم: إنه عرضهم بعد أن خلق المسميات واحضرها لقوله: اسماء هؤلاء وذلك إشارة إلى الحاضر.
وقال آخرون: إنه صورهم لقلوب الملائكة ثم عرضهم قبل خلقهم وقيل: إن قوله اشارة إلى الاسماء التي علمها آدم " وانبئوني " اكثر القراء بهمز: وروي عن الاعمش ترك الهمز فيه، وهي لغة قريش " هؤلاء " لغة قريش ومن جاورهم باثبات الف بين الهاء والواو، ومد الالف والاخيرة وتميم وبكر وعامة بني اسد يقصرون الالف الاخيرة وبعض العرب يسقط الالف الاولى التي بين الهاء والواو ويمد الاخيرة وانشد:
تجلد لا يقل هؤلاء هذا
بكى لما بكى اسفا وعيبا
وحقق الهمزة ابن عامر واهل الكوفة اذا اتفقا من كلمتين وقرأ أبوعمرو واحمد بن صالح عن قالون بتحقيق الاولى فحذف الثانية وقرأ ورش وقنبل وابوجعفر واويس بتحقيق الاولى وتليين الثانية، وقرا ابن كثير إلا قنبلا ونافع إلا ورشا واحمد بن صالح بسكون الاولى، وتحقيق الثانية في المكسورتين والمضمومتين وفي المفتوحتين بتحقيق الاولى وحذف الثانية.
قوله تعالى: قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم(32)
المعنى: هذه الآية فيها اخبار من الله تعالى عن ملائكته بالرجوع اليه، والاوبة،

(1/139)


تفسير التبيان ج1
والتسليم انهم لايعلمون إلا ما علمهم الله.
وقوله: " سبحانك " نصب على المصدر ومعناه نسبحك وسبحانك مصدر لا ينصرف وقدمنا في ما مضى أن معنى التسبيح التنزيه ومعناه هاهنا تبريا منهم أن يعلموا الغيب واقرارا أنه المختص به تعالى دون غيره.
وقوله: " العليم الحكيم " معنى عليم أنه عالم وفيه مبالغة ومن صفات ذاته واذا كانت كذلك، افادت انه عالم بجميع المعلومات ويوصف به في ما لم يزل، لان ذلك واجب في العالم نفسه.
وقوله: " الحكيم " يحتمل امرين: احدهما - انه عالم، لان العالم بالشئ يسمى بأنه حكيم فعلى هذا يكون من صفات الذات مثل العالم وقد بيناه والثاني - ان يكون من صفات الافعال ومعنى ذلك أن افعاله محكمة متقنة صواب ليس فيها وجه من وجوه القبح ولا التفاوت ولا يوصف بذلك في ما لم يزل.
وروي عن ابن عباس انه قال: العليم الذي كمل علمه والحكيم: الذي كمل في حكمته وقد قيل في معنى حكيم: انه المانع من الفساد ومنه سميت حكمة اللجام لانها تمنع الفرس من الجري الشديد قال جرير:
أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم
إني أخاف عليكم ان اغضبا
أي امنعوهم والاحكام والاتفاق والاتساق والانتظام متقاربة والحكمة نقض السفه يقال: حكم حكما واحكم إحكاما ويقال: أحكم فلان عمله إذا بالغ فيه فاصاب حقيقته والحكمة هي التي تقف بك على مر الحق الذى لا يخلطه باطل، والصدق الذي لا يشوبه كذب ومنه قوله: " حكمة بالغة "(1) والحكم بين الناس هو الذي يرضى به ليقف الاشياء مواضعها ومنه قوله: " فابعثوا حكما من اهله وحكما من اهلها "(2) والحاكم القاضي بين الناس، وليقفهم على الحق ويقال: رجل حكيم اذا كان ذلك شانه وكانت معه اصول من العلم والمعرفة،
---
(1) سورة القمر: آية 5.
(2) سورة النساء: آية 34.

(1/140)


تفسير التبيان ج1
واذا حكم بين الرجلين يقال: حكم يحكم واذا صار حكيما قيل: حكم يحكم وامر مستحكم اذا لم يكن فيه مطعن وفي الحديث في رأس كل عبد حكمة اذا هم بسيئة وشاء الله ان يقدعه بها قدعة يعني منعه والحكم في الانسان هي العلم الذى يمنع صاحبه من الجهل ومعنى قول الملائكة " سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا " يحتمل امرين:
احدهما - ما قدمنا وهو قول ابن عباس قال: " سبحانك " تنزيها لله من أن يكون احد يعلم الغيب سواه.
والثاني - انهم أرادوا أن يخرجوا مخرج التعظيم لله فكأنهم قالوا: تنزيها لك عن القبائح فعلى هذا الوجه يحسن - وإن لم يعلقه بعلم الغيب كما علق في الاول -.
وفي الناس من استدل بهذه الآية على بطلان الاحكام في النجوم وهذا يمكن ان يكون دلالة على من يقول: إنها موجبات لا دلالات فأما من يقول: إنها دلالات على الاحكام نصبها الله فانه يقول: نحن ما علمنا إلا ما علمنا الله، إنه الذي جعل النجوم أدلة لنا كما أن ما علمناه استدلال غير ضرورة مضاف إليه ايضا من حيث نصب الدلالة عليه.
واستدل جماعة من المفسرين بهذه الآية، والآيتين قبلها على صدق النبي صلى الله عليه وآله وجعلوها من جملة معجزاته إذ كان إخبارا بما لا تعلمه العرب ولايوصل إليه إلا بقراءة الكتب والنبي (عليه السلام) لم يعرف بشئ من ذلك مع العلم بمنشئه ومبتدء أمره ومنتهاه وهذا يمكن أن يذكر على وجه التأكيد والتقوية، لآياته ومعجزاته من غير ان يكون لو انفرد لكفى في باب الدلالة لان لقائل أن يقول: إنه قرأ الكتب سرا، واخذ عمن قرأها خفيا فلا طريق للقطع على ذلك وانما تغلب في الظن فان قيل: ما الفائدة في الجواب بقولهم: " لا علم لنا إلا ما علمتنا "؟
قلنا: لو اقتصروا على قولهم: " لا علم "، لكان كافيا، لكن أرادوا أن يضيفوا إلى ذلك التعظيم والاعتراف بأن جميع ما يعلمونه من تعليمه، وان هذا ليس من جملة ذلك، واختصار ذلك أدل على الشكر لنعمه وقيل في معنى " عليم " امران:

(1/141)


تفسير التبيان ج1
احدهما - انه عليم بغير تعليم بدلالة انهم اثبتوا لله ما نفوه عن انفسهم بقولهم: " لا علم لنا إلا ما علمتنا " أي نحن معلمون وانت العليم غير المعلم.
والثاني - انه العليم الحكيم وكلاهما حسن والاول احسن، لانه اكثر فائدة، واولى في تقابل البلاغة وقد تضمنت الآية الدلالة عليه انه لا علم له الا ما علمه الله اما بالضرورة وإما بالدلالة.
قوله تعالى: قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنباهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والارض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون(33)
آية بلا خلاف
اللغة: روى الداحوني عن هشام: انبيهم ونبيهم، في الحج والقمر، فقلبت الهمزة وكسرت الهاء وروى الزينبي من طريق المالكي والعطاء - كسر الهاء، وتحقيق الهمزة الباقون بضم الهاء وتحقيق الهمزة قال ابوعلي: من ضم الهاء حملها على الاصل، لان الاصل أن تكون هاء الضمير مضمومة: مثل قولهم: ضربهم وأنبأهم وانما تكسر الهاء اذا وليها كسرة أو ياء نحو بهم وعليهم ومع هذا يضمه قوم حملا على الاصل ومن كسر الهاء التي قبلها همزة محففة، فانه اتبع كسرة الهاء الكسرة التى قبلها واذا كان بينهما حاجز كما قالوا: هذا المرء ومررت بالمرء فاتبعوا مع هذا الفصل.
وحكي عن ابي زيد أنه قال: قال رجل من بكر بن وائل أخذت هذا منه ومنهما وكسر الهاء في الادراج والوقف وحكي عنه: لم أعرفه ولم أضربه - فكسر -، وقال لم اضربهما فكسر الهاء مع الباء ويحتمل أن يكون ما اعتد بالحاجزين بين الكسرة والهاء لسكونها فكان الكسرة وليت الهاء

(1/142)


تفسير التبيان ج1
ومعنى " انبئهم ": خطاب لآدم، يعني اخبر الملائكة، لان الهاء كناية عنهم وموضعهم النصب " باسمائهم " يعني باسماء الذين عرضهم على الملائكة والهاء والميم في اسمائهم كناية عن المرادين بقوله: " باسماء هؤلاء " وقد مضى بيانه.
وقوله: (واعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون) فالابداء والاعلان والاظهار بمعنى واحد يقال: بدا وعلن وظهر وضد الابداء الكتمان، وضد الاظهار الابطان وضد الاعلان الاسرار يقال: بدا يبدو من الظهور وبدأ يبدأ بداء بالهمز - بمعنى استأنف قال صاحب العين: بدا الشئ يبدو بدوا: اذا ظهر وبداله في الامر: بدء وبداء - بالهمز - بمعنى استأنف والبادية اسم الارض التي لا حضر فيها واذا خرج الناس من الحضر إلى الصحراء والمرعى، يقال: بدوا بدا واسمه البدو ويقال اهل البدو، واهل الحضر واصل الباب الظهور والخفاء نقيض الظهور.
وقال الرماني حد الظهور: الحصول على حقيقة يمكن أن تعلم بسهولة والله ظاهر بادلته باطن عن احساس خلقه وكل استدلال فانما هو ليظهر شئ بظهور غيره والكتمان: نقيض إعلان السر ونحوه وناقة كتوم وهي التي لاترعوا اذا ركبها صاحبها أي لاتصيح والكاتم من القسي: التي لا ترن اذا انتضيت الالف في قوله: " ألم أقل لكم " ألف تنبيه كقول القائل: أما ترى اليوم ما اطيبه لمن يعلم ذلك إلا أنك تريد أن تحضر ذهنه، وان ليس مثله ما يخفى عليه كقوله: " ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير ".
وحكي عن سيبويه: أما ترى أي برق ها هنا، وهي الف تنبيه اصلها الاستفهام ومن الناس من قال إن معناه التوبيخ، ومن لم يجز على الملائكة المعصية، منع من ذلك فان قيل ما الفائدة في انباء آدم (ع) الملائكة بذلك دون إعلامه إياهم بذلك؟ قلنا: أراد الله بذلك تكرمة آدم (ع) وتشريفه، وإجلال المنة عليه، وتعظيم النعمة لديه وجميع قصة آدم تؤذن بذلك فان قيل: ما معنى " غيب السماوات والارض " والله لا يغيب عنه شئ؟ قيل في معناه: إنه يعلم ما غاب عنهم فلم يشاهدوه كما يعلم ما حضرهم فشاهدوه

(1/143)


تفسير التبيان ج1
وقوله: " واعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون " قيل في معناه أقوال: احدها - انه يعلم سرهم وعلانيتهم وذكر ذلك تنبيها لهم على ما يجبلهم عليه من الاستدلال، لان الاصول الاول لم يستدل بها إنما تذكر على وجه التنبيه يستخرح بها غيرها، فيستدل بعلم الغيب انه خلق عباده - على ما خلقهم عليه للاستصلاح وما توجبه الحكمة والثاني - ما يسرون بمعنى ما أضمره إبليس من المعصية والمخالفة وما يعلنون: قولهم: " اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ".
قال الرماني: وهذا الوجه غلط، لان ابليس ليس من الملائكة، ولان القول على العموم لا يجوز أن يصرف إلى الخصوص بغير دلالة وهذا الوجه اختاره الطبري وقال: هو بمنزلة قولهم: قتل الجيش وهزموا وانما قتل البعض.
قال الرماني: إنما يقال ذلك اذا حل قتل الواحد محل قتل الجميع: مثل قتل الرئيس او من يقوم مقامه ولا يقال أيضا إلا والدلالة عليه ظاهرة وليس كذلك في الآية وقد روى روايات في هذا المعنى والوجه في هذا أن إبليس لما دخل معهم في الامر بالسجود، جاز أن يستثني من جملتهم والثالث - قيل: ان الله تعالى لما خلق آدم، مرت به الملائكة قبل أن ينفخ فيه الروح، ولم تكن رأت مثله قبل، فقالت: لن يخلق الله خلقا إلا كنا اكرم منه وافضل عنده فزعم أن هذا الذي أخفوه في نفوسهم وان الذي أبدوه قولهم: " اتجعل فيها من يفسد فيها " روي ذلك عن الحسن والوجه الاول اقوى، لانه اعم، ويدخل فيه هذا الوجه ولا دلالة يقطع بها على تخصيص الآية فان قيل: ما وجه ذكره تعالى لهم الاسرار من علم الغيب.
قلنا: على وجه الجواب فيما سألوا عنه من خلق من يفسد ويسفك الدماء وذلك على وجه التعريض بالجواب دون التصريح، لانه لو صرح به، لقال: خلقت من يفسد ويسفك الدماء لما اعلم في ذلك من المصلحة لجملة عبادي فيما كلفتهم اياه وأمرتهم به فدل في الاحالة في الجواب على العلم بباطن الامور وظاهرها أنه خلقهم لاجل علمه بالمصلحة في ذلك

(1/144)


تفسير التبيان ج1
ودلهم بذلك على أن عليهم الرضا والتسليم لقضاء الله، لان الله يعلم من الغيب ما لا يعلمونه، ويعلم من مصالحهم ما لايعلمونه في دينهم ودنياهم فان قيل وأي شئ في تعلم آدم الاسماء كلها مما يدل على علم الغيب قلنا: لانه علمه الاسماء كلها بما فيها من المعاني التي تدل عليها على جهة فتق لسانه بذلك والهامه إياه وهي معجزة أقامها الله تعالى للملائكة تدل على جلالته وارتفاع قدره بما اختصه به من العلم العظيم الذي لا يصل اليه إلا بتعليم الله اياه، فبان بذلك الاعجاز بالاطلاع على ما لا سبيل إلى علمه إلا من علام الغيوب ففيه من المعجزة أنه فتق لسانه بها على خلاف مجرى العادة، وأنه علمه من لطائف الحكمة فيه ما لاتعلمه الملائكة مع كثرة علومها، وانها اعرف الخلق بربها فعرفوا ما دلهم على علم الغيب بالمعجزة مؤكدا لما يعلمونه من ذلك بالادلة العقلية، ولذلك نبههم فقال: " ألم أقل لكم اني اعلم غيب السماوات والارض اي قد دللتكم على ذلك من قبل وهذه دلالة بعد وقيل: افتتح الله الدلالة على الاعجاز بالكلام في آدم، ثم ختم به في محمد صلى الله عليه وآله.
قوله تعالى: وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين(34)
آية واحدة
القراءة: ضم التاء من الملائكة ابوجعفر وحده وحيث وقع اتبع التاء ضمة الجيم وقيل: انه نقل ضمة الهمزة وابتدا بها والاول اقوى، لان الهمزة الف وصل تسقط في الدرج فلا يبقى فيها حركة تنقل فالوجه الاول هو المعتمد عليه والصحيح ما عليه القراء من كسر التاء بلام الجر و " ابليس " نصب بالاستثناء من الاثبات ويكره الوقف على قوله: " فسجدوا " وعلى " إلا " حتى يقول: " إلا إبليس " وكذلك كل استثناء

(1/145)


تفسير التبيان ج1
وظاهر الآية يقتضي ان الامر كان لجميع الملائكة بالسجود، لعمومها وقال قوم: إن الامر كان خاصا بطائفة من الملائكة كانوا مع ابليس طهر الله بهم الارض من الجن والاول اقوى.
اللغة: والسجود والخضوع والتذلل بمعنى واحد في اللغة ونقيض التذلل التكبر يقال سجد يسجد سجودا، واسجد اسجادا: إذا خفض رأسه من غير وضع لجبهته قال الشاعر:
وكلتاهما خرت واسجد رأسها
كما سجدت نصرانة لم تحنف
والسجود في الشرع: عبارة عن عمل مخصوص في الصلاة - والركوع والقنوت كذلك - وهو وضع الجبهة على الارض ويقال سجدنا لله سجودا وقوم سجد ونساء سجد والسجد من النساء: الفاترات الاعين.
قال الشاعر:
أغرك مني ان ذلك عندنا
واسجاد عينيك الصيودين رابح(1)
وعزائم السجود من ذلك
وقوله: " وإن المساجد لله " قيل: إنه السجود وقيل: إنه المواضع من الجسد التي يسجد عليها واحدها مسجد والمسجد اسم جامع لجميع المسجد وحيث لا يسجد بعد ان يكون أخذ لذلك فاما المسجد من الارض فهو موضع السجود بعينه وقال قوم: معنى السجود في اصل اللغة: الخضوع والانحناء، وقيل التذلل.
قال الشاعر:
بجمع يقل البلق في حجراته
ترى الاكم فيه سجدا للحوافر
كأنه قال مذللة للحوافر والسجود على اربعة اقسام: سجدة الصلاة وسجدة التلاوة، وسجدة الشكر وسجدة السهو.
وقوله: " أبى " معناه ترك وامتنع والاباء والامتناع والترك بمعنى (واحد)(2) نقيض أبى أجاب يقال أبى يأبى إباء وتأبى تأبيا قال صاحب
---
(1) البيت لكثير اللسان " سجد " في المطبوعة " رابح " مشوشة غير مقروءة.
(2) " واحد " غير موجود في المطبوعة.

(1/146)


تفسير التبيان ج1
العين: أبى يأبى إباه إذا ترك الطاعة ومال إلى المعصية كقوله: " فكذب وابى " وكل من ترك أمرا ورده فقد أباه ورجل أبي وقوم أبيون وأباة(1).
قال الشاعر: اباة الضيم من قوم اباة
وليس الاباء بمعنى الكراهة، لان العرب تتمدح بأنها تأبى الضيم ولا تتمدح في كراهة الضيم، وانما المدح في المنع منه كقوله: " ويأبى الله إلا أن يتم نوره " أي يمنع الكافرين من اطفاء نوره والاستكبار والتكبر، والتعظم والتجبر نظائر وضدها التواضع يقال كبر كبرا وأكبر اكبارا، واستكبر استكبارا، وتكبر تكبرا، وتكابر تكابرا وكابره مكابرة، وكبره تكبرا.
قال صاحب العين: الكبر: العظمة والكبر والكبر: الاثم الكبير جعل اسما من الكبيرة كالخطيئة والخطئ وكبر كل شئ معظمه والكبر مصدر الكبير في السن من جميع الحيوان فاذا أردت الامر العظيم قلت كبر: كبر هذا الامر كبارة والكبار في معنى الكبير ويقال اكبرت الشئ: اذا أعظمته ومنه قوله: " فلما رأيته اكبرنه " والتكبير في الصلاة تفعيل من قولهم: الله اكبر واصل الباب الكبر وهو العظم ويقال على وجهين: كبر الجثة وهو الاصل وذلك لا يجوز عليه تعالى وكبر الشأن والله تعالى الكبير من كبر الشأن وذلك يرجع إلى سعة مقدوره ومعلومه وتحقيقه انه قادر على ما لا يتناهى من جميع الاجناس المقدورات وعالم بكل معلوم والاستكبار: الانفة مما لا ينبغي أن يوقف منه وموضع " إذ " من قوله: " إذ قلنا " نصب، لانه عطف على " إذ " الاولى كأنه قال: واذ أراد.
وقال ابوعبيدة لا موضع لها من الاعراب لانها زائدة وانشد:
حتى اذا أسلكوهم في قتائدة
شلا كما تطرد الجمالة الشردا(2)
وقال: المراد واستشهد به على وجهين كل واحد منهما نقيض الآخر فأحد
---
(1) في المطبوعة " خفيف " بعد اباة وفي الهامش ذكروها " عفيف " على وجه الاستعمال.
(2) مر القول في هذا البيت.

(1/147)


تفسير التبيان ج1
الوجهين قوله: " حتى اذا جاءوها وفتحت ابوابها " فلم يأت " إذ " جواب والوجه الآخر فيه على زيادة " إذ " في هذا الموضع وكلا الوجهين خطأ عنده، لان الجواب في قوله: قتائدة هو قوله: شلا بوقوعه موقع: شلوهم شلا كما يقول القائل: إذا أتيت الحرب، فضربا وطعنا وأما الزيادة فقد بينا وجه الخطأ فيها فيما تقدم واختلفوا في امر الملائكة والسجود لآدم على وجهين:
قال قوم: انه امرهم بالسجود له تكرمة وتعظيما لشأنه - وهو المروي في تفسيرنا واخبارنا - وهو قول قتادة وجماعة من اهل العلم واختاره ابن الاخشيد والرماني وجرى ذلك مجرى قوله: (وخروا له سجدا)(1) ي اولاد يعقوب، ولاجل ذلك جعل اصحابنا هذه الآية دلالة على أن الانبياء افضل من الملائكة من حيث امرهم بالسجود له والتعظيم على وجه لم يثبت ذلك لهم بدلالة امتناع ابليس من السجود له وانفته من ذلك.
وقوله: (قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لان اخرتني إلى يوم القيامة لاحتنكن ذريتة إلا قليلا)(2) و كان ذلك على وجه كونه قبلة لما كان لذلك وجه، ولا فيه أنفة ولايحسن أن يؤمر الفاضل بتعظيم المفضول على نفسه، لان ذلك سفه به وسنبين قول من خالف فيه وشبههم.
وقال الجبائي والبلخي وجماعة أنه جعله قبلة لهم فامرهم بالسجود إلى قبلتهم وفيه ضرب من التعظيم له وهذا ضعيف، لانه لو كان على وجه القبلة لما امتنع ابليس من السجود، ولما استعظمته الملائكة، ولكن لما أراد ذلك تعظيما له على وجه ليس بثابت لهم، امتنع ابليس وتكبر واختلفوا في ابليس هل كان من الملائكة ام لا؟ فقال ابن عباس وابن مسعود وابن المسيب وقتادة وابن جريح والطبرى: إنه كان منهم بدلالة استثنائه من جملتهم هاهنا في قوله: " إلا ابليس أبى واستكبر وكان من الكافرين " وقال: (مامنعك ان تسجد لما امرتك) مع قوله: (واذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) وهو المروي عن أبي عبدالله (عليه السلام) والظاهر
---
(1) سورة يوسف: آية 100.
(2) سورة اسرى: آية 62.

(1/148)


تفسير التبيان ج1
في تفاسيرنا، ثم اختلف من قال: إنه كان منهم: فمنهم من قال: إنه كان خازنا على الجنان، ومنهم من قال: كان له سلطان سماء الدنيا وسلطان الارض، ومنهم من قال: إنه كان يسوس ما بين السماء إلى الارض وقال الحسن البصري وقتادة في رواية ابن زبد والبلخي والرماني وغيره من المتأخرين: انه لم يكن من الملائكة وان الاستثناء في الآية استثناء منقطع كقوله تعالى: (ما لهم به من علم الا اتباع الظن)(1) قوله: (فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون الا رحمة منا)(2) كقوله: (لا عاصم اليوم من الامر الله الا من رحم)(3).
كقول الشاعر - وهو النابغة
وقفت فيها اصيلا كي اسائلها
اعيت جوابا وما بالربع من احد
إلا الاواري لايا ما ابينها
والئوي كالحوض بالمظلومة الجلد(4)
انشد سيبويه:
والحرب لا يبقى لجاحمها التخيل والمراح
إلا الفتى الصبار في النجدات والفرس الوقاح(5)
وقال آخر:
وبلدة ليس بها انيس
إلا اليعافير وإلا العيس(6)
واستدل الرماني على أنه لم يكن من الملائكة باشياء: منها - قوله: " لايعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون " فنفى عنهم المعصية نفيا عاما والثاني - انه قال: " إلا إبليس كان من الجن " ومتى اطلق لفظ الجن لم
---
(1) سورة النساء: آية 156.
(2) سورة يس: آية 43 و 44.
(3) سورة هود: آية 43.
(4) مر القول في هذا البيت وايضا في المطبوعة " لا اسائلها ".
(5) جحم - من الحرب - معظمها وشدة القتل في معركتها - القاموس - الوقاح: الحافر الصلب - القاموس.
(6) اليعافير: ج يعفور وهو الظبي العيس: الابل البيض يخالط بياضها شقرة و هو اعيس وهي عيساء.

(1/149)


تفسير التبيان ج1
يجز أن يعنى به إلا الجنس المعروف المباين لجنس الانس والملائكة والثالث - ان ابليس له نسل وذرية.
قال الحسن: ابليس ابوالجن كما أن آدم ابوالانس وابليس مخلوق من النار والملائكة روحانيون خلقوا من الريح في قول ابي علي - وقال الحسن: خلقوا من النار لا يتناسلون ولا يطعمون ولايشربون وقال الله في ابليس وولده " أتتخذونه وذريته اولياء من دوني وهم لكم عدو " والرابع - وهو اقوى ما عنده - قوله تعالى: " جاعل الملائكة رسلا أولي اجنحة مثنى وثلاث ورباع " فعمها بالوصف بالرسالة ولايجوز على رسل الله أن يكفروا أو يفسقوا كالرسل من البشر والجواب عما ذكره:
اولا: إن قوله: " لايعصون الله ما أمرهم " صفة لخزنة النيران، لا جميع الملائكة يدل على ذلك قوله: " يا آيها الذين آمنوا قوا أنفسكم واهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويقعلون ما يؤمرون "(1) وليس إذا كان هؤلاء معصومين وجب ذلك في جميعهم والجواب عما ذكره.
ثانيا: ان قوله: كان من الجن معناه صار ذكر ذلك الاخفش وجماعة من اهل اللغة وقيل ايضا: إن ابليس كان من طائفة من الملائكة يسمون جنا من حيث كانوا خزنة الجنة وقيل سموا بذلك لاختفائهم عن العيون كما قال اعشى قيس بني ثعلبة:
ولو كان شئ خالدا أو معمرا
لكان سليمان البرئ من الدهر
براه إلهي واصطفاه عباده
وملكه ما بين ثريا إلى مصر
وسخر من جن الملائك تسعة
قياما لديه يعملون بلا أجر(2)
وقد قال الله تعالى: " وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا "(3)، لان قريشا
---
(1) سورة التحريم: آية 6.
(2) ملحق ديوان الاعشى الدهر هنا نكباته وفي المطبوعة " تربا " بدل " ثريا ".
(3) سورة الصافات: آية 58.

(1/150)


تفسير التبيان ج1
قالت: الملائكة بنات الله والجواب عما ذكره.
ثالثا من أن أبليس له نسل،(1) ريقه الآحاد، ولو كان صحيحا، لم يمنع ان يكون الله ركب فيه شهوة النكاح تغليظا عليه في التكليف وإن لم يكن ذلك في باقي الملائكة، فلا وجه لاستبعاده والجواب عما ذكره.
رابعا قوله " جاعل الملائكة رسلا أولي اجنحة "(2) فمعارض بقوله: " الله يصطفي من الملائكة رسلا "(3) فان كان ظاهر تلك يقتضي العموم فظاهر هذه يقتضي التخصيص، لان (من) للتبعيض، ولو لم يكن كذلك، لجاز لنا أن نخص هذا العموم بقوله: (إلا إبليس) لان حمل الاستثناء على أنه منقطع حمل له على المجاز كما أن تخصيص العموم مجاز، واذا تعارضا، سقطا.
فأما ما روي عن ابن عباس أن الملائكة كانت تقاتل الجن، فسبي إبليس، وكان صغيرا مع الملائكة، فتعبد معها فلما أمروا بالسجود لآدم، سجدوا إلا إبليس ابى، فلذلك قال الله تعالى: " إلا إبليس كان من الجن " فانه خبر واحد لا يصح والمعروف عن ابن عباس ما قلناه أنه كان من الملائكة فأبى واستكبر وكان من الكافرين.
ومن قال إن إبليس خلق من نار ومن مارج والملائكة لم يخلقها من ذلك فقوله ضعيف، لانه لا يمنع أن يكون الله تعالى خلق الملائكة اصنافا: صنفا من نار، وصنفا من نور، وصنفا من غير ذلك، وصنفا آخر لا من شئ، فاستبعاد ذلك ضعف معرفة (وابليس).
قال الزجاج والرماني وغيرهما من النحويين انه ليس بمأخوذ من الابلاس كقوله " مبلسون " أي: آيسون من الخير قالوا: لانه أعجمي معرب بدلالة أنه لا ينصرف للعجمة والتعريف وقال الطبري: هو مشتق من الابلاس ووزنه افعيل وأنشد العجاج:
يا صاح هل تعرف رسما مكرسا
قال نعم أعرفه وأبلسا
---
(1) زاد المصحح في المطبوعة في هذا الموضع " ان ذلك " وبدونه يصح المعنى.
(2) سورة فاصل آية 1.
(3) سورة الحج آية 75.

(1/151)


تفسير التبيان ج1
وقال رؤبة:
وحضرت يوم الخميس الاخماس
وفي الوجوه صفرة وابلاس
يعني اكتئابا وكسوفا.
وقال: إنما لم يجر استثقالا، من حيث كان اسما لانظير له من أسماء العرب فشبه باسماء العجم التي لا تنصرف وزعم ان اسحاق لا ينصرف وهو من أسحقه الله إسحاقا، وأن أيوب من أب يئوب على زنة فعول كقيوم من قام يقوم.
قال الرماني: غلط في جميع ذلك، لانها الفاظ أعربت من العجميه ووافقت الفاظ العربية وكان ابن السراج يمثل ذلك - على جهة التبعيد - بمن زعم ان الطير ولد الحوت وغلط أيضا في قوله انه لا نظير له في اسماء العرب، لانهم يقولون: إزميل للشفرة، قال الشاعر:
هم منعوا الشيخ المناجي بعد ما
رأي حمة الازميل فوق البراجم
والاعريض: الطلع، واحريض: صبغ أحمر، وقالوا: هو العصفر، وسيف اصليت: ماض كثير الماء، وثوب اضريج: مشبع الصبغ، وقالوا: هو من الصفرة خاصة وسبيل ابليس سبيل (انجيل) في انه معرب غير مشتق وحد الاستكبار الرفع للنفس إلى منزلة لا تستحق قوله: " وكان من الكافرين ".
قال قوم: يدل على أنه كان قبله قوم كفار من الجن وقال آخرون لايدل، ويجري ذلك مجرى قول القائل: كان آدم من الانس، ولم يكن قبله انسي وكان إبليس من الجن ولم يكن قبله جني، ومعناه: صار من الكافرين ومن قال ان ابليس كان من جملة الملائكة، قال: كان من جملة المأمورين بالسجود لآدم بدلالة قوله: " ما منعك الا تسجد إذ امرتك؟ " ولانه استثناه من جملتهم ولم يكن منهم.
علمنا انه كان من جملة المأمورين كقول القائل: أمر أهل البصرة بدخول الجامع فدخلوا إلا رجلا من أهل الكوفة، فانه يعلم بهذا ان غير اهل البصرة كان مأمورا بدخول الجامع غيران أهل البصرة كانوا اكثر فلذلك خصوا بالذكر، وكذلك القول في الآية ومن استدل بهذه الآية على أن أفعال الجوارح من من الايمان من حيث لو لم يكن كذلك، لوجب ان يكون ابليس مؤمنا بما معه من المعرفة بالله وان فسق بابائه، فقد أبعد، لان المخالف يقول: اذا علمت كفره

(1/152)


تفسير التبيان ج1
بالاجماع علمت انه لم يكن معه إيمان اصلا، كما اذا رأيت انه يصلي للشمس علمت ان معه كفرا، وان كانت، صلاته للشمس ليست كفرا فان قيل: اذا كانت " إذ " لما مضى، فما معنى قوله: " واذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وامي إلهين من دون الله "؟ وكيف قال: " واذ يتحاجون في النار "؟ قيل: معنى ذلك كله على تقدير الاستقبال لان ما تحقق بمنزلة ما قد كان، كما قال: " ونادى اصحاب النار أصحاب الجنة ".
قوله تعالى: وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولاتقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين(35)
آية بلا خلاف
السكون والثبوت والهدوء نظائر، ومثله الاستقرار والاطمئنان والثبات والمسكن والمأوى والمثوى بمعنى (واحد)، تقول: سكن يسكن سكونا إذ لبث في المكان وسكن إذا سكت سكن الريح، وسكن المطر، وسكن الغضب والسكن هم العيال وهم أهل البيت قال سلامة بن المجندل:
ليس بأسفى ولا أقنى ولا سغل
يسقي دواء قفي السكن مربوب
والمسكن المنزل، والسكن السكان، والسكن ان يسكن إنسان منزلا بلا كراء والسكينة: الموادعة والوقار والسكن: الرحمة والبركة، كقوله: (إن صلاتك سكن لهم) والمسكين: الذي لا شئ له - عند ابي عبيدة -، والفقير: الذي له شئ وان كان قليلا قال الشاعر:
أما الفقير الذي كانت حلوبته
وفق العيال فلم يترك له سيد
وقوله تعالى: (اما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر) قال ابوحاتم: أحسنه - أنهم كانوا شركاء في سفينة لايملكون سواها، فهذا يخالف أبا عبيدة وسكان السفينة معروف عربي اشتقاقه من انها تسكن به عن الحركة والاضطراب

(1/153)


تفسير التبيان ج1
ومعنى (اسكن أنت وزوجك الجنة): اجعله مأوى تأوي فيه وتسكن اليه، وقد اعظم الله النعمة على آدم بما اختصه من علمه، وأسجد له ملائكته واسكنه جنته، وتلك نعمة على ولده، فالزمهم الشكر عليها، والقيام بحقها والجنة التي اسكن فيها آدم، قال قوم: هي بستان من بساتين الدنيا، لان جنة الخلد لا يصل اليها إبليس ووسوسته، واستدل البلخي على انها لم تكن جنة الخلد بقوله تعالى حكاية عن ابليس لما اغوى آدم، قال له: (هل أدلك على شجرة الخلد؟) فلو كانت جنة الخلد لكان عالما بها، فلم يحتج إلى دلالة.
وقال الحسن البصري وعمرو بن عبيد وواصل بن عطاء واكثر المعتزلة كأبي على والرماني وابي بكر بن الاخشيد وعليه اكثر المفسرين: انها كانت جنة الخلد، لان الالف واللام للتعريف وصار كالعلم عليها قالوا: ويجوز ان يكون وسوسة ابليس من خارج الجنة، فيسمعان خطابه ويفهمان كلامه، قالوا: وقول من يقول: ان جنة الخلد من يدخلها لا يخرج منها لا يصح، لان معنى ذلك إذا استقر اهل الجنة في الجنة للثواب، وأهل النار فيها للعقاب لا يخرجون منها، واما قبل ذلك فانها تغنى لقوله تعالى: (كل شئ هالك إلا وجهه) (وزوجك الجنة) الزوج: بطرح الهاء.
قال الاصمعي: هو أكثر كلام العرب، وقال الكسائي: اكثر كلام العرب بالهاء، وطرح الهاء لغة لازد شنوءة، ولفظ القرآن لم يجئ إلا بطرح الهاء وقال المبرد: الوجه طرح الهاء من الزوجة وأنشد:
وأراكم لدى المحاماة عندي
مثل صوت الرجال للازواج
جمع زوج، ولايجوز ان يكون جمع زوجة.
وقال الرماني: قول الاصمعى أجود، لان لفظ القرآن عليه، والعلة في ذلك انه لما كانت الاضافة تلزم الاسم في اكثر الكلام كانت مشبهة له، وكانت بطرح الهاء افصح وأخف مع الاستغناء بدلالة الاضافة عن دلالة هاء التأنيث.
وقوله تعالى: (وكلا) فالاكل والمضغ واللقم متقاربة، وضد الاكل

(1/154)


تفسير التبيان ج1
الازم وسأل عمر بن الخطاب الحارث بن كلدة طبيب العرب، فقال له: يا حار ما الدواء؟ فقال: الازم، أي ترك الاكل والاكلة مرة، والاكلة اسم كاللقمة والاكولة الشاة، والغنم التي ترعى للاكل لا للنسل، الاكال: أن يتأكل عود أو شئ وأكيل الرجل: مآكله واكيل الذئب: الشاة وغيرها إذا أردت المأكولة وإذا أردت به إسما قلت: اكيلة ذئب والمأكلة: ما جعل للانسان لا يحاسب عليه ورجل وامرأة أكول: كثير الاكل والمأكل كالمطعم والمشرب والمأكل: المطعم وأصل الباب الاكل وهو المضغ لذي الطعم ويقال الذي يشترك فيه الحيوان كله فيه سوى الملائكة المأكل والمنكح والمشرب و " الرغد " النفع الواسع الكثير الذي ليس فيه عناء.
وقال صاحب العين: عيش رغد ورغيد: رفيه وقوم رغد ونساء رغد
قال امرؤ القيس بن حجر:
بينما المرء تراه ناعما
يأمن الاحداث في عيش رغد
والرغيدة: الزبدة في بعض اللغات وأرغد الرجل ما شيته: إذا تركها وسومها والمشيئة والارادة بمعنى واحد وكذلك المحبة والاختيار وان كان لها شروط ذكرناها في اصول " ولا تقربا " القرب والدنو والمجاورة متقاربة المعنى وضد البعد يقال: قرب يقرب قربا واقترب اقترابا.
قال صاحب العين: القرب طلب الماء يقال: قرب الماء يقرب وقد قربه قربا إذا طلبه ليلا ولا يقال لطالب الماء نهارا قارب والقراب للسيف والسكين والفعل منه: قربت قرابا وقيل قربت اقرابا والقربان: ما تقربت به إلى الله تعالى وقربان الملك وقرابينه: وزراؤه والقربى: حق ذي القرابة وقرب فلان اهله: اذا غشيها قربانا وماقربت هذا الامر ولافلانا قربانا وقربى والشجرة: كل ما قام على ساق من النبات وهو اسم يعم النخلة والكرمة وغيرهما وما لم يقم على ساق لا يسمى شجرا كالبقل والحشيش واما اليقطين كالقرع والبطيخ فقد سمي شجرا قال الله تعالى: " وانبتنا عليه شجرة من يقطين ".
قال صاحب العين: الشجرة واحدة تجمع على الشجر والشجرات والاشجار واخلتفوا

(1/155)


تفسير التبيان ج1
في الشجرة التي نهى الله آدم عنها فقال ابن عباس: هي السنبلة وقال ابن مسعود والسدي وجعفر بن زهير: هي الكرمة وقال ابن جريج هي التينة وروي عن علي (عليه السلام) انه قال: شجرة الكافور وقال الكلبي: شجرة العلم على الخير والشر.
وقال ابن جذعان: هي شجرة الخلد التي كان يأكل منها الملائكة والاقاويل الثلاثة الاولة اقرب " فتكونا من الظالمين " الظلم والجور والعدوان متقاربة وضد الظلم الانصاف وضد الجور العدل واصل الظلم انتقاص الحق لقوله تعالى: " كلتا الجنتين اتت اكلها ولم تظلم منه شيئا " أي لم تنقص وقيل: أصله وضع الشئ في غير موضعه من قولهم: من يشبه أباه فما ظلم أي فما وضع الشبه في غير موضعه وكلاهما مطرد وعلى الوجهين فالظلم اسم ذم ولا يجوزأن يطلق إلا على مستحق اللعن لقوله: " ألا لعنة الله على الظالمين " ولا يجوز اطلاقه على انبياء الله تعالى ولا الائمة المعصومين وظالم ومسئ وجائر: اسماء ذم وهو فاعل لما يستحق به الذم من الضرر وضدها عادل ومنصف ومحسن وهي من صفات المدح ويقول المعتزلة لصاحب الصغيرة: ظالم لنفسه ومن نفى الصغيرة عن الانبياء من الامامية قال: يجوز أن يقال: ظالم لنفسه اذا بخسها الثواب كقوله " ظلمت نفسي ".
وقوله: " إني كنت من الظالمين " حكاية عن يونس من حيث بخس نفسه الثواب بترك المندوب اليه والظلم هو الضرر المحض الذي لا نفع فيه أو عليه آجلا، ولا فيه دفع ضرر اعظم منه ولا هو واقع على وجه المدافعة، ولا هو مستحق فما هذه صفته يستحق به الذم اذا وقع من مختار عالم أو متمكن من العلم به.
وروي ان الله تعالى ألقى على آدم النوم، وأخذ منه ضلعا فخلق منه حواء وليس يمتنع أن يخلق الله حواء من جملة جسد آدم بعد أن لا يكون جزء، أو مما لا يتم كون الحي حيا إلا معه، لان ما هذه صفته لا يجوز أن ينقل إلى غيره، أو يخلق منه حي آخر من حيث يؤدي إلى أن لا يصل الثواب إلى مستحقه، لان المستحق لتلك الجملة باجمعها وهذا قول الرماني وغيره من المفسرين، ولذلك قيل للمرأة: ضلع اعوج وقيل سميت امرأة

(1/156)


تفسير التبيان ج1
لانها خلقت من المرء فأما تسميتها حواء: لما أدخل آدم الجنة واخرج منها إبليس ولعن وطرد فاستوحش: فخلقت ليسكن اليها فقالت له الملائكة تجربة لعلمه: ما اسمها؟ قال حواء قالوا لم سميت حواء؟ قال: لانها خلقت من شئ حي.
وقال ابن اسحاق: خلقت من ضلعه قبل دخوله الجنه، ثم دخلا جميعا الجنة لقوله تعالى: " يا آدم اسكن انت وزوجك الجنة " التي كان فيها آدم في السماء، لانه اهبطهما منها.
وقال ابومسلم محمد بن يحيى: هي في الارض، لانه امتحنهما فيها بالنهي عن الشجرة التي نهاهما عنها دون غيرها من الثمار و " حيث " مبنية على الضم كما تبنى الغاية: نحو من قبل ومن بعد، لانه منع من الاضافة (إلى المفرد) كما منعت الغاية من الاضافة إلى مفرد.
وقوله: " ولاتقربا هذه الشجرة " صيغته صيغة النهي والمراد به الندب عندنا لانه دل الدليل على أن النهي لا يكون نهيا إلى بكراهته للمنهي عنه والله تعالى لا يكره إلا القبيح والانبياء لا يجوز عليهم القبائح: صغيرها ولا كبيرها وقالت المعتزلة: إن تلك كانت صغيرة من آدم - على اختلافهم في انه كان منه عمدا أو سهوا أو تأويلا - وانما قلنا لا يجوز عليهم القبائح، لانها لو جازت عليهم لوجب أن يستحفوا بها ذما، وعقابا وبراءة ولعنة، لان المعاصي كلها كبائر عندنا والاحباط باطل ولو جازذلك لنفر عن قبول قولهم وذلك لا يجوز عليهم كما لا يجوز كل منفر عنهم من الكبائر والخلق المشوهة والاخلاق المنفرة ولا خلاف أن النهي يتناول الا كل دون القرب كأنه قال: لا تقربا بالاكل لانه لا خلاف أن المخالفة وقعت بالاكل لا بالدنو منها ولذلك قال: " فاكلا منها فبدت لهما سوأتهما ".
وقوله: " فتكونا " يحتمل أن يكون جوابا للنهي فيكون موضعه نصبا وهو الاقوى ويحتمل أن يكون عطفا على النهي فيكون موضعه جزما وكلاهما جيد محتمل ومتى كان جوابا كان تقديره: إن قربتما كنتما من الظالمين، لانه يتضمن معنى الجواب واذا كان عطفا على النهي فكأنه قال: لا تكونا من الظالمين واجاز البصريون من اهل العدل أن يبتدئ الله الخلق في الجنة فينعمهم فيها تفضلا منه

(1/157)


تفسير التبيان ج1
لا على وجه الثواب، لان ذلك نعمة منه تعالى كما أن خلقهم وتكليفهم وتعريضهم للثواب نعمة منه، وله أن يفعل ما يشاء من ذلك.
وقال ابوالقاسم البلخي: لا يجوز خلقهم في الجنة ابتداء، لانه لو جاز ذلك، لما خلقهم في دار المحنة، ولما ابتلى من يعلم أنه يكفر ويصير إلى عذابه وانما لم يجز أن يخلقهم ابتداء في الجنة، لانه لو خلقهم فيها، لم يخل: إما أن يكونوا متعبدين بالمعرفة لله والشكر، أو لايكونوا كذلك فلو كانوا غير متبعبدين، كانوا مهملين ولذلك لا يجوز ولو كانوا متعبدين لم يكن بد من ترغيب وترهيب ووعد، ووعيد ولو كانوا كذلك كانوا على ما هم عليه في دار الدنيا وكان لابد من دار أخرى يجازون فيها ويخلدون واجاب عن ذلك الاولون بان قالوا: لو ابتدأ خلقهم في الجنة لاضطرهم إلى معرفته، والجأهم إلى فعل الحسن وترك القبيح ومتى راموا القبيح، منعوا منه فلا يؤدي ذلك إلى ما قاله: كالحور العين والاطفال والبهائم اذا حشرهم يوم القيامة.
فأزلهما الشيطان عنها فأخرجما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الارض مستقر ومتاع إلى حين(36)
آية بلا خلاف
القراءة: قرأ حمزة وحده " وأزالهما " بألف وتخفيف اللام الباقون بتشديد اللام وحذف الالف.
اللغة: الزلة والمعصية والخطيئة والسيئة بمعنى واحد وضد الخطيئة الاصابة ويقال: زل زلة، وأزله إزلالا، واستزله استزلالا وقال صاحب العين: زل السهم عن النزع زليلا وزل فلان عن الصخر زليلا فاذا زلت قدمه، قلت: زل زلا فاذا زل في مقالة أو خطبة قلت: زل زلة.
قال الشاعر: هلا على غيري جعلت الزلة

(1/158)


تفسير التبيان ج1
وأزله الشيطان عن الحق: إذ أزاله والمزلة: المكان الدحض(1) والمزلة: الزلل في الدحض والزلل: مثل الزلة في الخطأ والازلال: الانعام وفي الحديث: (من أزلت إليه فليشكرها) بمعنى أسديت.
قال كثير:
وإني - وإن صدت - لمثن وصادق
عليها بما كانت إلينا أزلت(2)
ويقال: أزللت إلى فلان نعمة، فأنا أزلها إزلالا فالاصل في ذلك الزوال والزلة: زوال عن الحق ومعنى " أزالهما "(3): نحاهما من قولك: زلت عن المكان: اذا تنحيت منه والوجه ما عليه القراء(4) لان هذا يؤدي إلى التكرار، لانه قال بعد ذلك " فأخرجهما " فيصير تقدير الكلام: فأخرجهما الشيطان عنها فأخرجهما وذلك لا يجوز ويحسن أن يقول: استزلهما فأخرجهما.
ومن قرأ: " أزالهما "، أراد المقابلة بين قوله: " أزالهما " وبين قوله: " اسكن "، لان معناه: اسكن واثبت انت وزوجك وتقديره: اثبتا، فأراد أن يقابل ذلك فقال: " فأزالهما " فقابل الزوال بالثبات وإنما نسب الازلال والاخراج إلى الشيطان لما وقع ذلك بدعائه ووسوسته وإعوائه ولم يكن إخراجهما(5) من الجنة على وجه العقوبة، لانا قد بينا أن الانبياء لا يجوز عليهم القبائح على حال ومن أجاز عليهم العقاب، فقد أعظم الفرية وقبح(6) الذكر على الانبياء وإنما أخرجهم من الجنة، لانه تغيرت المصلحة لما تناول من الشجرة، واقتضى التدبير والحكمة تكليفه في الارض وسلبه ما ألبسه الله (تعالى) من لباس الجنة وقال قوم: إن إلباس الله له ثياب الجنة كان تفضلا وللمتفضل أن يمنع ذلك تشديدا للمحنة كما يفقر بعد الغنى، ويميت بعد الاحياء، ويسقم بعد الصحة فان قيل: كيف وصل إبليس إلى آدم حتى أغواه ووسوس اليه وآدم كان
---
(1) الدحض بفتح الحاء وسكونها، من الامكنة: الزلق ج: دحاض.
(2) في المطبوعة والمخطوطه (عليا) بدل (عليها) الديوان.
(3) على قراءة حمزة.
(4) أي بتشديد اللام.
(5) في المخطوطة (باخراجهما).
(6) وفتح خ ل.

(1/159)


تفسير التبيان ج1
في الجنة، وابليس قد أخرج منها حين تأبي من السجود؟ قيل: عن ذلك أجوبة: إحدها - ان آدم كان يخرج إلى باب الجنة، وابليس لم يكن ممنوعا من الدنو منه، وكان يكلمه ويغويه.
(الثاني) - وقال آخرون: انه كلمهما من الارض بكلام فهماه(1) منه وعرفاه.
(والثالث) - قال قوم: إنه دخل في فقم الحية، وخاطبها من فقمها والفقم: جانب الشدق.
(والرابع) - قال قوم: راسلهما بالخطاب وظاهر الكلام يدل على أنه شافههما بالخطاب.
(والخامس) - وقال قوم: يجوز أن يكون قرب من السماء فكلمهما.
فأما ما روي عن سعيد بن المسيب: - أنه كان يخلف ولا يستثني، أن آدم ما أكل من الشجرة وهو يعقل، ولكن حواء سقته الخمر حتى إذا سكر، قادته اليها فأكل - فانه خبر ضعيف وعند اصحابنا، أن الخمرة كانت محرمة في سائر الشرائع ومن لم يقل ذلك، يقول: لو كان كذلك، لما توجه العتب على آدم، ولا كان عاصيا بذلك والامر بخلاف ذلك وانما قلنا ذلك: لان النائم غير مكلف في حال نومه، لزوال عقله، وكذلك المغمى عليه، وكذلك السكران وانما يؤاخذ السكران بمايفعله في شرعنا، لما ثبت تحريم ما يتناوله اسم المسكر والا فحكمه حكم النائم عقلا وقد قلنا: إن أكلهما من الشجرة كان على وجه الندب، دون أن يكون ذلك محظورا عليهما، لكن لما خالفا في ترك المندوب اليه تغيرت المصلحة، واقتضت إخراجهما من الجنة وقد دللنا على ذلك في ما مضى.
(والسادس) - وقال قوم: تعمد ذلك.
(والسابع) - وقال قوم آخرون: نهي عن جنس الشجرة، واخطأ.
(والثامن) - وقال قوم: إنه تأول(2) النهي الحقيقي، فحمله على الندب
---
(1) في المخطوطة (وتكلما منه وعرفاه).
(2) في المخطوطة والمطبوعة (ناول)

(1/160)


تفسير التبيان ج1
وأخطأ وقد قدمنا ما عندنا فيه فان قيل: كيف يكون ذلك ترك الندب مع قوله: " فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه "؟
قلنا التوبة: - قيل - الرجوع ويجوز ان يرجع تارك الندب عن ذلك،...(1) يكون تائبا ومن قال: وقعت معصيته محبطة...(2) بها يخرج عن الاصرار كما لحد(3)..(4) الاولى اسقطت العقاب...(5) وابليس يقول لهما: " مانها كما ربكما عن هذه الشجرة الا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما: اني لكما لمن الناصحين " قيل: ما قبلا ذلك من إبليس، ولو قبلاه لكانت المعصية أعظم فلما لم يعاتبهما الله على ترك ذلك، دل على أنهما لم يقبلا وهذا جواب من يقول: انه كان صغيرا،(6) أو كان ناسيا وعلى ما قلناه - أن ذلك كان ندبا لا يحتاج إلى ذلك، بل دليل العقل أمننا من وقوع قبيح من آدم، والانبياء فلو كان صريحا، لتركنا ظاهره لقيام الدليل على خلافه على أنه لا يمنع أن يقاسمهما: إنه لمن الناصحين في ترك الندب وإنما ظاهر النهي تركه يوجب أن يصيرا من الخالدين.
وقوله " مما كانا فيه " يحتمل أن يكون أراد: من لباسهما حتى بدت لهما سوآتهما ويحتمل أن يكون من الجنة، حتي أهبطا ويحتمل أن يكون أراد: من الطاعة ألى المعصية.
اللغة: وقوله: " اهبطوا " فالهبوط والنزول والوقوع نظائر ونقيض الهبوط والنزول الصعود يقال: هبط يهبط: اذا انحدر في هبوط من صعود والهبوط اسم كالحدور، وهو الموضع الذي يهبط من اعلى إلى اسفل والهبوط: المصدر.
قال ابن دريد: هبطته واهبطته والعداوة، والبراءة، والمباعدة، نظائر وضد العدو، الولي والعدو:
---
(1) في الاصل بياض.
(2) بياض.
(3) (لحد) هكذا في الاصل.
(4) بياض.
(5) بياض.
(6) في المخطوطة (صغيرا وكان) وفي المطبوعة (صغيرا ولو كان).

(1/161)


تفسير التبيان ج1
الحضر(1) - خفيف - والعدو: - ثقيل - يقال في التعدي وقرئ: " فيسبوا الله عدوا - وعددوا - بغير علم "(2) والعدوان: الظلم والعدوى: طلبك إلى وال ليعديك على من ظلمك - أي ينتقم لك - والعدو اسم جامع للواحد والانثين والجمع والمذكر والمؤنث فاذا جعلته نعتا، قلت: الرجلان عدواك، والرجال اعداؤك، والمرأتان عدوتاك، والنسوة عدواتك وأصل الباب: المجاوزة يقال: لا يعدونك هذا الامر - أي يتجاوزنك
المعنى: وقوله: " اهبطوا " انما قال بالجمع، لانه يحتمل اشياء: احدها - أنه خاطب آدم وحواء وابليس، فيصلح ذلك، وان كان ابليس أهبط من قبلهما يقال: أخرج جمع من الجيش - وان خرجوا متفرقين - اختار هذا الزجاج والثاني - أنه أراد آدم وحواء والحية والثالث - آدم وحواء وذريتهما والرابع - قال الحسن: إنه أراد آدم وحواء والوسوسة وظاهر القول وان كان أمرا فالمراد به التهديد كما قال: " اعملوا ما شئتم ".
وقوله: " مستقر " قرار، لقوله: " جعل لكم الارض قرارا " وقيل: مستقر في القبور والاول أقوى وأحسن اللغة: والقرار: الثبات، والبقاء مثله وضد القرار الانزعاج وضد الثبات الزوال وضد البقاء الفناء ويقال: قر قرارا والاستقرار: الكون من وقت واحد على حال " والمستقر " يحتمل أن يكون بمعنى الاستقرار، ويحتمل أن يكون بمعنى المكان الذي يستقر فيه
---
(1) الحضر، بضم الحاء وتسكين الضاد: الاسم من أحضر الفرس أي عدا.
(2) سورة الانعام آية: 108.

(1/162)


تفسير التبيان ج1
وقوله: " ومتاع إلى حين " والمتاع والتمتع والتلذذ والمتعة متقاربة المعنى وضدها التألم يقال: أمتعه به إمتاعا، وتمتع تمتعا، واستمتع استمتاعا، ومتعه تمتيعا، ومتع النهار متوعا - وذلك قبل الزوال - والمتاع من أمتعة البيت: ما يتمتع به الانسان من حوائجه وكل شئ تمتعت به فهو متاع ومنه متعة النكاح، ومتعة المطلقة، ومتعة الحج.
وقوله: " إلى حين " فالحين، والمدة والزمان، متقاربة والحين الهلاك حان يحين وكل شئ لم يوفق للرشاد، فقد حان حينا والحين: الوقت من الزمان وجمعه أحيان وجمع الجمع، أحايين ويقال: حان يحين حينونة وحينت الشئ: جعلت له حينا وحينئذ يبعد قولك: الآن فاذا باعدوا بين الوقتين، باعدوا ب_(إذ) فقالوا: حينئذ والحين: يوم القيامة وأصل الباب، الوقت والحين: وقت الهلاك ثم كثر، فسمي الهلاك به والحين: الوقت الطويل
المعنى: وقيل: ال_" حين " في الآية يعني الموت وقيل إلى يوم القيامة وقيل: إلى أجل وقال ابن سراج: إذا قيل: " ولكم في الارض مستقر ومتاع " لظن أنه غير منقطع فقال: " إلى حين " انقطاعه والفرق بين قول القائل: هذا لك حينا، وبين قوله: إلى حين أن إلى تدل على الانتهاء، ولابد أن يكون له ابتداء وليس كذلك الوجه الآخر.
معنى قوله: " بعضكم لبعض عدو " قال الحسن: يعني بني آدم، وبني إبليس وليس ذلك بأمر على الحقيقة، بل هو تحذير، لان الله لا يأمر بالعداوة وفي الآية دلالة على أن الله تعالى لا يريد المعصية ولايصد أحدا عن طاعته، ولا يخرجه عنها ولا تنسب المعصية إليه، لانه نسب ذلك إلى الشيطان، وهو يتعالى عما عاب به الابالسة والشياطين

(1/163)


تفسير التبيان ج1
فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم(37)
آية
قرأ إبن كثير (آدم) بنصب الميم (كلمات) برفع التاء.
اللغة: يقال: لقي زيد خيرا فيتعدى الفعل إلى مفعول واحد ومنه قوله فاذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب "(1)
وقوله: " إذا لقيتم فئة فاثبتوا "(2) و " لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا "(3) فاذا ضعفت العين تعدى إلى مفعولين تقول: لقيت زيدا خيرا قال الله تعالى: " ولقاهم نضرة وسرورا "(4) وتقول: لقيت بعض متاعك على بعض، فتعديه إلى مفعول واحد لانه بناء مفرد لا لانه منقول ليتعدى إلى مفعولين وتقول: لقيته لقية واحدة في التلاقي واللقيان(5) ولقيته لقاء ولقيانا ولقاة.
وقوله: " تحيتهم يوم يلقونه سلام "(6) معناه يلقون ثوابه بخلاف قوله: " يلقون غيا "(7)
المعنى: ومعنى " تلقى آدم من ربه كلمات " تعلمها يقال: تلقيت هذا من فلان أي قبله فهمي من لفظه قال أبوعبيدة: قال أبومهدية: - وتلا عليه آيات(8) من القرآن قال: نلقيتها من عمي تلقاها من أبي هريرة، تلقاها من رسول الله صلى الله عليه وآله وأصل الملاقاة الملاصقة، لكنه كثر حتى قيل: لاقى فلان فلانا: إذا قاربه، وإن لم يلاصقه وكذلك تلاقى الجيشان، وتلاقى الفرسان ويقال: تلاقى الخطان أي تماسا وتقول: تلقيت الرجل بمعنى استقبلته وتلقاني: استقبلني فعلى هذا يجوز في العربية رفع ادم، ونصبه، مع رفع الكلمات والاختيار قراءة الاكثر، لان معنى التلقي ههنا القبول فكأنه قال: قبل(9) آدم من ربه كلمات وانما
---
(1) سورة محمد: آية 4.
(2) سور الانفال آية 46.
(3) سورة الكهف: آية 63.
(4) سورة الدهر: آية 11.
(5) في المخطوطة (والقتال).
(6) سورة الاحزاب: 44.
(7) سورة مريم: 59.
(8) في المخطوطة (الآية).
(9) في المخطوطة (لقي).

(1/164)


تفسير التبيان ج1
جاز نصب آدم، لان الافعال المتعدية إلى المفعول به على ثلاثة اقسام:
احدها يجوز ان يكون الفاعل له مفعولا به والمفعول به فاعلا نحو اكرم بشر بشرا وشتم زيد عمرا.
(ثانيها) ومنها لا يكون المفعول به فاعلا، نحو: أكلت الخبز، وسرقت درهما، وأعطيت دينارا، وأمكنني الغرض.
(وثالثها) ما يكون اسناده إلى الفاعل في المعنى كاسناد إلى المفعول، نحو: أصبت ونلت، وتلقيت تقول: نالني خير، ونلت خيرا، وأصابني خير، وأصبت خيرا ولقيني زيد، ولقيت زيدا وتلقاني، وتلقيته.
وقال تعالى: " وقد بلغني الكبر "(1) وقال: " وقد بلغت من الكبر عتيا "(2) فعلى هذا الرفع والنصب في المعنى واحد في الآية وإنما اجيز رفع آدم، لان عليه الاكثر وشواهده اكثر كقوله " تلقونه بالسنتكم "(3) واسند الفعل إلى المخاطبين والمفعول به كلام متلقى كما أن الذي تلقى آدم كلام متلقى وكما اسند الفعل إلى المخاطبين فجعل التلقي لهم كذلك يلزم ان يسند الفعل إلى آدم، فيجعل التلقي له دون الكلمات.
واما على ما قال ابوعبيدة معناه قبل الكلمات، فالكلمات مقبولة، فلا يجوز غير الرفع في آدم ومثل هذا في جواز اضافته تارة إلى الفاعل، واخرى إلى المفعول كقوله: " لا ينال عهدى الظالمين "(4) وفي قراءة ابن مسعود: " لا ينال عهدي الظالمون " والكلمات جمع كلمة والكلمة: اسم جنس لوقوعه على الكثير والقليل يقولون:
قال امرؤ القيس في كلمته يعني في قصيدته وقال قس(5) في كلمته يعنون في خطبته فوقوعها على الكثير نحو ما قلناه ووقوعها(6) على القليل.
قال سيبويه: قال قد اوقعها على الاسم المفرد، والفعل المفرد، والحرف المفرد فأما الكلام فان سيبويه قد استعمله فيما كان مؤلفا من هذه الكلم فقال: لو قلت: إن تضرب ناسا لم يكن كلاما وقال ايضا: انما، فقلت، ونحوه، ما كان كلاما (بل)(7) ولا
---
(1) سورة آل عمران: آية 4.
(2) سورة مريم: آية 7.
(3) سورة النور: آية 15.
(4) سورة البقرة: آية 124.
(5) في المخطوطة (قيس).
(6) في المطبوعة (وقوعها).
(7) في المخطوطة والمطبوعة بدون (بل) ولايستقيم السياق بدونها.

(1/165)


تفسير التبيان ج1
واوقع الكلام على المتألف والذي حرره المتكلمون ان حد الكلام ماانتظم من حرفين فصاعدا من هذه الحروف المنقولة، إذا وقع ممن يصح منه او من قبله الافادة ثم ينقسم قسمين: مفيد، ومهمل فالذي أراد سيبويه أنه لا يكون كلاما، أنه لا يكون مفيدا وذلك صحيح فأما تسميته بأنه كلام، صحيح وكيف ولا يكون صحيحا، وقد قسموه إلى قسمين: مهمل، ومفيد، فأدخلوا المهمل الذي لايفيد في جملة الكلام والكلمة والعبارة، والابانة، نظائر وبينها فروق.
والفرق بين الكلمة والعبارة، أن الاظهر في الكلمة هي الواحدة من جملة الكلام - وان قالوا في القصيدة أنها الكلمة - والعبارة تصلح للقليل والكثير وأما الابانة فقد تكون بالكلام، والحال، وغيرهما من الادلة: كالاشارة والعلامة، وغير ذلك وأما النطق فيدل على إدارة اللسان بالصوت، وليس كذلك الكلام ولهذا يقولون: ضربته فما تكلم، ولا يقولون: فما نطق، اذا كان صاح وكذلك لا يجوز أن يقال في الله: إنه ناطق وأما اللفظ فهو من قولك: لفظت الشئ: اذا أخرجته من فمك وليس في الكلام مثل ذلك.
ويقال: كلمته تكليما وكلاما(1) وتكلم تكلما ولذلك لا يجوز أن يقال فيه تعالى لفظ، ولا أنه لافظ والكلم: الجرح والجمع: الكلوم يقال: كلمته أكلمه كلمما، فأنا كالم، وهو مكلوم وكليمك: الذي يكلمك ويقال: كلمة وكلمة(2) لغة تميمية، وقيل إنها حجازية وتميم حكي عنها كلمة بكسر الكاف وتسكين اللام، وحكي تسكين اللام مع فتح الكاف وأصل الباب أنه أثر دال والكلم أثر دال على الجارح والكلام أثر دال على المعنى الذي تحته والمتكلم: من رفع ما سميناه كلاما بحسب دواعيه وأحواله وربما(3) عبر عنه بأنه الفاعل للكلام وليس المتكلم من حله(4) الكلام، لان الكلام يحل اللسان والصدر ولا يوصفان بذلك وقد بينا فساد الكلام النفسي(5) في كتاب العدة، في أصول
---
(1) في المخطوطة (تكلما وتكلما) .
(2) ي المخطوطة " وكلم ".
(3) في المخطوطة " قديما ".
(4) في المخطوطة " من جملة ".
(5) في المخطوطة " النفسي " ساقطة.

(1/166)


تفسير التبيان ج1
الفقه وقلنا: إن اختصر ذلك، هل هو إلا الخبر، أو ما معناه معنى الخبر، وإن كان لكل قسم معنى يخصه؟
المعنى: والكلمات التي تلفاها آدم قال الحسن، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد: " ربنا ظلمنا أنفسنا وإن تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين "(1) فان في ذلك اعترافا بالخطيئة، ولذلك وقعت موقع الندم وحقيقته الانابة.
وحكي عن مجاهد أنه قال: هو قول آدم: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين اللهم لا إله إلا انت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فارحمني، إنك أنت خير(2) الراحمين اللهم(3) لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي، فتب علي إنك أنت التواب الرحيم.
وروى مثل ذلك عن أبي جعفر عليه السلام وحكي عن ابن عباس: أن آدم قال لربه إذ عصاه: أرأيت أن تبت وأصلحت؟ فقال له تعالى: إني راجعك إلى الجنة وكانت هذه الكلمات وروي في أخبارنا: أن الكلمات هي توسله بالنبي عليه السلام وأهل بيته وكل ذلك جائز قوله " فتاب عليه ".
اللغة: فالتوبة، والانابة، والاقلاع، نظائر في اللغة وضد التوبة: الاصرار يقال: تاب يتوب توبة، وتوابا واستنابة والله تعالى يوصف بالتواب ومعناه أنه يقبل التوبة عن عباده وأصل التوبة: الرجوع عما سلف، والندم على ما فرط والله تعالى تائب على العبد بقبول توبته والعبد تائب إلى الله بمعنى نادم على معصيته والتائب: صفة مدح لقوله(4): " التائبون العابدون "(5) والتوبة شرطها
---
(1) سورة الاعراف: آية 22 و 148.
(2) في المخطوطة " أرحم ".
(3) في المخطوطة " اللهم " ساقطه.
(4) في المخطوطة " كقوله ".
(5) سورة التوبة: آية 113

(1/167)


تفسير التبيان ج1
الندم على ما مضى من القبيح، والعزم على أن لا يعود إلى مثله من القبيح، لان هذه التوبة هي المجمع على سقوط العقاب عندها، وما عداها فمختلف فيه وقد يقول القائل: قد تبت من هذا الامر أي(1) عزمت على ألا أفعله، وصرت بمنزلة التائب، وذلك مجاز وكل معصية لله تعالى فانه يجب التوبة منها، والتوبة يجب قبولها، لانها طاعة فأما إسقاط العقاب عنده فتفضل منه تعالى.
وقالت المعتزلة ومن وافقها: وذلك واجب وقد بينا الصحيح من ذلك في شرح الجمل والتوبة اذا كانت من ترك ندب عندنا تصح وتكون على وجه الرجوع إلى فعله وعلى هذا تحمل توبة الانبياء كلهم في جميع ما نطق به القرآن، لانه قد بينا أنه لايجوز عليهم فعل القبيح والمطبوع على قلبه له توبة وبه قال أهل العدل وقالت البكرية لا توبة له وهو خطأ، من قبل انه لايصح تكليفه إلا وهو متمكن من أن يتخلص من ضرر عقابه وذلك لايتم إلا بأن يكون له طريق إلى إسقاط عقابه وقد وعد الله بذلك - وإن كان تفضلا - إذا حصلت التوبة واختلفوا في التوبة من الغصب، هل تصح مع الاقامة على منع المغصوب؟
فقال قوم: لاتصح: وقال آخرون: تصح - وهو الاقوى - إلا أن يكون فاسقا بالمنع، فيعاقب(2) عقاب المانع، وإن سقط عنه عقاب الغصب والصحيح أن القاتل عمدا تصح توبته وقال قوم: لا تصح والتوبة من القتل الذي يوجب القود، قال قوم: لا تصح إلا بالاستسلام لولي المقتول، وحصول الندم، والعزم على أن لا يعود وقال قوم آخرون: تصح التوبة من نفس القتل، ويكون فاسقا بترك الاستسلام وهذا هو الاقوى، واختاره الرماني فاما التوبة من قبيح بفعل آخر، فلا تصح على أصلنا كالتائب من الالحاد بعبادة المسيح وقال قوم: تصح وأجراه مجرى معصيتين يترك باحداهما الاخرى، فانه لا يؤاخذ بالمتروكة وقال قوم: التوبة من اعتقاد جهالة إذا كان صاحبها لا يعلم انها معصية بأنه يعتقد انه لا محجوج إلا عارف، فانه يتخلص من ضرر تلك المعصية إذا رجع عنها إلى المعرفة، وإن لم يوقع معها توبة وقال
---
(1) في المخطوطة " يعين " بدل أي.
(2) في المطبوعة والمخطوطة " يعاقب " بدون الفاء.

(1/168)


تفسير التبيان ج1
آخرون: لا يتخلص إلا بالتوبة، لانه محجوج فيه، مأخوذ بالنزوع عن الاقامة عليه، وهو الاقوى فأما ما نسي من الذنوب، فانه يجري مجرى التوبة منه على وجه الجملة وقال قوم: لايجري وهو خطأ، لانه ليس عليه في تلك الحال اكثر مما عمل فأما ما نسي من الذنوب مما لو ذكر، لم يكن عنده معصية وهل يدخل في الجملة إذا اوقع التوبة من كل خطيئة؟ قال قوم: يدخل فيها وقال آخرون لايدخل فيها، لكنه يتخلص من ضرر(1) المعصية، لانه ليس عليه اكثر مما علم في تلك الساعة والاول اقوى، لان العبد إذا لم يذكر صرف توبته إلى كل معصية هي في معلوم الله معصية فأما المشرك إذا كان يعرف قبل توبته بفسق - إذا تاب من الشرك - هل يدخل فيه التوبة من الفسق في الحكم، وإن لم يظهر التوبة منه؟ قال قوم: لايزول عنه حكم الفسق، وهو قول اكثر المعتزلة وقال قوم: يزول عنه حكم الفسق.
وقال الاخشيد: القول في هذا باجتهاد والذي يقوى في نفسي انه يزول، لان الاسلام الاصل فيه العدالة إلى ان يتجدد منه بعد الاسلام ما يوجب تفسيقه فأما التوبة من قبيح مع الاقامة على قبيح آخر، يعلم ويعتقد قبحه، فعند اكثر من تقدم صحيحة.
وقال ابوهاشم، واصحابه: لا تصح وقد قلنا ما عندنا في ذلك، في شرح الجمل واعتمد الاولون على ان قالوا: كما يجوز ان يمتنع من قبيح لقبحه، ويفعل قبيحا آخرا، وإن علم قبحه كذلك جاز ان يندم من القبيح، مع المقام على قبيح آخر يعلم قبحه وهذا إلزام صحيح معتمد واختلفوا في التوبة عند ظهور اشراط الساعة، هل تصح ام لا؟ فقال الحسن: يحجب عنها عند الآيات الست.
ورواه عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: بادروا الاعمال قبل ست: طلوع الشمس من مغربها: والدجال، والدخان ودابة الارض، وخويصة أحدكم يعني الموت، وأمر العامة يعني القيامة.
وقال قوم: لاشك أن بعض الآيات يحجب، وباقيها محجوز.
وهو الاقوى.
وقوله: " فتاب عليه " يعني قبل توبته، لانه لما عرضه للتوبة، بما ألقاه
---
(1) في المخطوطة " ضرب ".

(1/169)


تفسير التبيان ج1
من الكلمات فعل التوبة، وقبلها الله تعالى منه (وقيل تاب عليه أي وفق للتوبة وهداه اليها)(1) قال اللهم تب علي أي وفقني للتوبة. (فلقنه الكلمات حتى قالها فلما قالها قبل توبته).(2)
وقوله: " إنه هو التواب الرحيم " إنما ذكر الرحيم، ليدل بذلك على أنه متفضل بقبول التوبة، ومنعم به، وأن ذلك ليس هو على وجه الوجوب، على ما يقوله المخالف.
ومن خالف في ذلك يقول: لما ذكر التواب بمعنى الغفار باسقاط العقوبة، وصل ذلك بذكر النعمة، ليدل على أنه مع إسقاط العقوبة، لايخلي العبد من النعمة الحاصلة ترغيبا له، وفي الانابة والرجوع اليه بالتوبة.
" وتواب " بمعنى أنه قابل التوبة. لايطلق إلا عليه تعالى، ولا يطلق في الواحد منا. وإنما قال: " فتاب عليه ". ولم يقل فتاب عليهما، لانه اختصر، كما قال: " والله ورسوله أحق أن يرضوه "(3) ومعناه أن يرضوهما.
كذلك معنى الآية فتاب عليهما ومثل ذلك قوله: " وإذا رأوا تجارة أولهوا انفضوا اليها "(4).
وقال الشاعر:
رماني بأمر كنت منه ووالدي
بريئا، ومن جول الطوي رماني(5)
وقال آخر:
نحن بما عندنا وأنت بما
عندك راض والرأي مختلف(6)
وحكي عن الحسن، انه قال: لم يخلق الله آدم إلا للارض، ولو لم يعص لخرج على غير تلك الحال.
وقال غيره: يجوز ان يكون خلقه للارض إن عصى ولغيرها ان لم يعص وهو الاقوى لان ما قاله لا دليل عليه.
وروي عن قتادة: ان اليوم الذي قبل الله توبة آدم فيه يوم عاشوراء ورواه ايضا اصحابنا
---
(1) و(2) زنا ما بين القوسين وهو موجود في مجمع البيان ص 89 م 1 تفسير نفس الآية والسياق هنا يقتضي ذلك.
(3) سورة التوبة: آية 64.
(4) سورة الجمعة آية 11.
(5) قال ابن بري: البيت لابن أحمر قال: وقيل هو للازرق بن طرفة بن العمرد " بفتح العين وفتح الميم وتشديده " الفراصي الجول: حانب البئر. الطوي: البئر، لانها تطوى بالحجارة.
ومعنى البيت: رماني بأمر عاد عليه قبحه، لان الذي يرمي من جول البئر يعود ما رمى به عليه ويروى: ومن اجل الطوي قال وهو الصحيح - لسان العرب -.
(6) البيت لقيس بن الخطبم، شاعر جاهلي، قتل أبوه وهو صغير فلما بلغ قتل قاتل أبيه ونشأت بسبب ذلك حروب بين قومه وبين الخزرج وله ولد اسمه ثابت وهو من الصحابة، شهد مع علي - ع - صفين والجمل والنهروان

(1/170)


تفسير التبيان ج1
قوله تعالى: قلنا اهبطوا منها جميعا فاما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (38)
آية بلا خلاف
المعنى: قد بينا معنى الهبوط فيما مضى(1) بما فيه كفاية وقال الجبائي: الهبوط الاول: هو الهبوط من الجنة إلى السماء، وهذا الهبوط من السماء إلى الارض وقد يستعمل في غير النزول من مكان عال إلى أسفل.
يقال هبط فلان إلى أرض كذا، اذا أتاها، وإن لم يرد به النزول الذى فيه. إلا أن فيه إيماء إلى هبوط المنزل.
قال لبيد:
كل بني حرة مصيرهم
قل وإن أكثروا من العدد
إن يغبطوا يهبطوا وإن
أمروا يوما فهم للفناء والفند
الفند: الهرب. والاتيان، والمجئ، والاقبال، نظائر ونقيضه: الذهاب والانصراف.
ويقال: أتى، اتيانا، وأتى أتيا، وتأتى، تأتيا وأتى تأتية وآتيت فلانا على أمره مؤاتاة ولا يقال أتية الا في لغة قبيحة لتيم ودخلت (ما) في قوله مع " ان " التي للجزاء، ليصح دخول النون التي للتوكيد في الفعل ولو أسقطت (ما) لم يجز دخول النون، لانها لا تدخل في الخبر الواجب الا في القسم، أو ما أشبه القسم كقولك: زبد ليأتينك ولو قلت بغير اللام، لم يجز وكذلك تقول: بعين ما أرينك ولو قلت: بعين أرينك، بغير ما لم يجز فدخول (ما) ههنا كدخول اللام في أنها تؤكد أول الكلام وتؤكد النون آخره.
---
(1) في آية " 36 " البقرة.

(1/171)


تفسير التبيان ج1
والامر، والنهي، والاستفهام، تدخل النون فيه وان لم يكن معه (ما) اذا كان الامر والنهي، مما تشتد الحاجة إلى التوكيد فيه والاستفهام مشبه به اذا كان معناه اخبرني والنون انما تلحق للتوكيد، فلذلك كان من مواضعها قال الله تعالى: " ولا تقولن لشئ اني فاعل ذلك غدا "(1) فان قيل: اين جواب اما؟ واين جواب من؟ قيل: الجزاء وجوابه بمنزلة المبتدا والخبر، لان الشرط لايتم الا بجوابه، كما لا يتم المبتدأ الا بخبره ألا ترى، انك لو قلت: إن تقم، وسكتت، لم يجز كما لو قلت: زيد، لم يكن كلاما، حتى نأتي بالخبر.
ولك أن تجعل خبر المبتدأ جملة، وهي أيضا مبتدأ وخبر، كقولك: زيد أبوه منطلق.
وكذلك (إن) التي للجزاء، إذا كان الجواب بالفاء، ووقع بعد الفاء الكلام مستأنفا، صلح أن يكون جزاء، وغير جزاء تقول: إن تأتي فأنت محمود ولك أن تقول: إن تأتني. فمن يكرمك أكرمه. وإن تأتني فمن يبغضك فلا وضيعة عليه.
وقوله: " إما يأتينكم " شرط، وجوابه الفاء. وما بعد قوله: " فمن "، شرط آخر، وجوابه الذي بعده من قوله: " فلا خوف عليهم ". وهو نظير المبتدأ والخبر الذي يكون خبره مبتدأ وخبرا. وهذا في مقدمات القياسات، يسمى الشرطية المركبة وذلك أن المقدم فيها إذا وجب، وجب التالي المرتب عليه.
و " الهدى " المذكور في الآية يحتمل أمرين: أحدهما - البيان والدلالة. والآخر - الانبياء والرسل وعلى القول الاخير يكون قوله: " قلنا اهبطوا " لآدم وحواء وذريتهما. كما قال: " فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين "(2) أي أتينا فينا من الخلق طائعين.
وقوله: " فمن تبع هداي ".
---
(1) سورة الكهف آية 24.
(2) حم السجدة آية 12.

(1/172)


تفسير التبيان ج1
اللغة: فالاتباع، والاقتداء، والاحتذاء، نظائر ونقيض الاتباع: الابتداع تقول: تبعه تباعا وأتبعه إتباعا وتابعه متابعة وتتبع تتبعا واستتبع استتباعا والتابع: التالي ومنه التتبع والتبيع: ما تبع أثر شئ فهو يتبعه والتتبع فعلك شيئا بعد شئ تقول: تتبعت عليه آثاره وفي الحديث: القادة والاتباع والقادة: السادة والاتباع القوم الذين يتبعونهم. والفوائم، يقال لها تبع. والتبيع من ولد البقر: العجل، لانه تبع أمه يعدو. وثلاثة أتبعة - الجمع - وبقرة متبع: خلفها تبيع وخادم متبع: معها ولدها يتبعها حيثما أقبلت وأدبرت.
وأتبع فلان فلانا وأتبعه الشيطان: إذا تتبعه يريد به شرا كما تبع فرعون موسى. قال الله تعالى: " فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين "(1).
وفلان يتبع فلانا: إذا تتبع مساوئه في مهلة والتتابع من الاشياء: إذا فعل هذا في أثر هذا بلا مهلة ومنه تتابعت الامطار، وتتابعت الاشياء والتبع الظل وأصل الباب كله الاتباع وهو أن يتلو شئ شيئا قوله " فلا خوف عليهم ".
اللغة: فالخوف والجزع، والفزع نظائر ونقيض الخوف: الامن تقول: خافه، يخافه خوفا وأخافه إخافة وتخوف تخوفا وخوفه تخويفا وطريق مخوف: يخافه الناس وطريق مخيف: تخيف الناس والتخوف: التنقص يقال: تخوفناهم: تنقصناهم ومنه قوله: " أو يأخذهم على تخوف "، أي على تنقص وأصل الباب: الخوف الذي هو الفزع والخوف كله من الضرر يقال: فلان يخاف الاسد، أي يخاف ضرره ويخاف الله، أي يخاف عقابه والحزن، والهم، والغم نظائر ونقيضه السرور يقال: حزن حزنا وحزنه حزنا وتحزن تحزنا وحزن
---
(1) سورة الاعراف آية 174

(1/173)


تفسير التبيان ج1
تحزينا والحزن، والحزن، لغتان وحزنني، وأحزنني، لغتان وأنا محزون ومحزن وإذا أفردوا الصوت أو الامر، قالوا: محزن لا غير والحزن من الارض والدواب: ما فيه خشونة والانثى: حزنة والفعل: حزن، حزونة وقولهم: كيف حشمك وحزانتك؟ أي كيف من تتحزن بأمره وأصل الباب: غلظ الهم وقوله: " فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون "
المعنى: عمومه يقضي أنه لا يلحقهم خوف أهوال القيامة وهو قول الجبائي وقال ابن أخشيذ: لا يدل على ذلك، لان الله تعالى وصف القيامة بعظم الخوف قال الله تعالى: " إن زلزلة الساعة شئ عظيم "... إلى قوله " شديد "(1) ولانه روي أنه يلجم الناس العرق، وغير ذلك من الشدائد وهذا ليس بمعتمد لانه لايمتنع أن يكون هؤلاء خارجين من ذلك الغم وأما الحزن، فلا خلاف أنه لا يلحقهم ومن أجاز الخوف، فرق بينه وبين الحزن، لان الحزن إنما يقع على ما يغلظ ويعظم من الغم والهم، فلذلك لم يوصفوا بذلك ولذلك قال تعالى: " لايحزنهم الفزع الاكبر "(2) لان ما يلحقهم لا يثبت، ويزول وشيكا قالوا: ويدلك على أن الحزن ما ذكرنا، أنه مأخوذ من الحزن، وهو ما غلط من الارض فكان ما غلظ من الهم فأما لحوق الحزن والخوف في دار الدنيا، فلا خلاف أنه يجوز أن يلحقهم، لان من المعلوم، أن المؤمنين لا ينفكون منه. و " هداي " بتحريك الياء.
وروي عن الاعرج " هداي " بسكون الياء وهي غلط، إلا أن ينوى الوقف وإنما كرر " اهبطوا " لان احدهما كان من الجنة إلى السماء والثاني من السماء إلى الارض عند أبي علي وقيل: المعنى واحد، وكرر تأكيدا وقيل: هو على تقدير اختلاف حال المعنى، لا اختلاف الاحوال كما يقول: اذهب
---
(1) سورة الحج آية 1.
(2) سورة الانبياء آية 13.

(1/174)


تفسير التبيان ج1
مصاحبا، وإذهب سالما معافى وكأنه على تقدير ذهاب يجامع ذهابا - وإن كانت حقيقة واحدة وإنما كرر " اما " في قوله: إما شاكرا وإما كفورا "(1) ولم يكرر ههنا، لانها هناك للعطف، وههنا للجزاء. وإنما هي (إن) ضم اليها (ما) كقوله: " وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء "(2) وهداي: مثل هواي. وهي لغة قريش، وعامة العرب وبعض بني سليم يقولون: هوي: مثل: علي، ولدي.
قال أبوذؤيب:(3)
سبقوا هوي واعنقوا لهواهم
فتخرموا ولكل جنب مصرع(4)
وروي هدي(5) في الآية عن الجحدى، وابن أبي إسحاق، وعيسى والصواب ما عليه القراء والفرق بين هوي ولدي وعلي، وهو أن إلي وعلي ولدي مما يلزمها الاضافة، وليست بمتمكنة ففصلوا بينها وبين الاسماء المتمكنة، كما فصلوا بين ضمير الفاعل وضمير المفعول، حين قالوا: ضربت فسكنوا لاجل التاء، ولم يسكنوا في ضربك، وإذا الفاعل يلزم الفعل.
قوله تعالى: والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون(39)
آية
قد بينا فيما مضى معنى الكفر والتكذيب، فلا وجه لاعادته والاستدلال بهذه الآية - على أن من مات مصرا على الكفر، غير تائب منه، فكذب بآيات ربه، فهو مخلد في نار جهنم - صحيح، لان الظاهر يفيد ذلك، والاستدلال بها، على أن عمل الجوارح من الكفر، من حيث قال: " وكذبوا
---
(1) سورة الدهر: آية 3.
(2) سورة الانفال آية 59.
(3) الهذلى اسمه خويلد بن خالد بن محرث بن زبيد بن مخزوم ينتهي نسبه لنزار، وهو أحد المخضرمين ممن أدرك الجاهلية والاسلام.
(4) لسان العرب. العنق: ضرب من السير السريع تخرموا استأصلوا والبيت من قصيدة يرثي بها ابناءه الخمسة الذين هلكوا في عام واحد.
(5) في المطبوعة والمخطوطة (هوي).

(1/175)


تفسير التبيان ج1
بآياتنا " فبعيد، لان التكذيب نفسه - وإن لم يكن كفرا، وهو لا يقع الا من كافر - فهو دلالة عليه كالسجود للشمس وغيره.
وقوله: " أصحاب " فالاصطحاب، والاجتماع، والاقتران، نظائر وكذلك الصاحب والقرين ونقيضه: والافتراق يقال صحبه صحبة وأصحبه إصحابا واصطحبوا اصطحابا وتصاحبوا تصاحبا واستصحبوا استصحابا وصاحبه مصاحبة والصحب: جماعة والصحب، والاصحاب جماعة الصاحب(1) ويقال أيضا: الصحبان والصحبة، والصحاب والصحابة: مصدر قولك: صحبك الله يعني بالسلامة وأحسن صحابتك ويقال للرجل عند التوديع: معانا مصاحبا ومصحوب، ومصاحب ومن قال: مصاحب معان، فانما معناه: أنت المصاحب المعان والصحبة: مصدر صحب يصحب وقد أصحب الرجل: إذا صار صاحبا ويقال: قد أصحب الرجل، وقد أشطأ: إذ بلغ ابنه مبلغ الرجال، الذى صار ابنه مثله وأشطأ الزرع: إذا لحقته فراخه ويقال له: الشطأ.
قال أبوعبيدة، وابن دريد: قوله: " ولاهم منا يصحبون "(2) أى لا يحفظون وأديم مصحب: إذا دبغته وتركت عليه بعض الصوف والشعر وأصل الصحبة: المقارنة والصاحب(3) هو الحاصل مع آخر مدة، لانه إذا اجتمع معه وقتا واحدا، لايقال: صاحب، ولكن يقال: صحبه وقتا من الزمان ثم فارقه والفريق بين المصاحبة، والمقارنة، أن في المصاحبة دلالة على المبالاة، وليس ذلك حاصلا في المقارنة واتباع الرئيس: اصحابه و " آيات الله " دلائله، وكتبه التي أنزلها على أنبيائه والآية: الحجة والدلالة، والبيان، والبرهان واحد في أكثر المواضع، - وإن كان بينها فرق في الاصل - لانك تقول دلالة هذا الكلام كذا ولا تقول: آيته، ولا علامته وكذلك تقول: دلالة هذا الاسم، ولا تقول: برهانه
---
(1) في المطبوعة والمخطوطة (الصحب).
(2) سورة الانبياء آية 43.
(3) في المخطوطة والمطبوعة (السحاب).

(1/176)


تفسير التبيان ج1
و " أصحاب النار " هم الملازمون لها كما تقول: أصحاب الصحراء يعني القاطنين فيها، الملازمين لها والخلود معرب من العرف، يدل على الدوام لانهم يقولون: ليست الدنيا دار خلود، وأهل الجنة مخلدون يريدون الدوام فأما في أصل الوضع، فانه موضوع لطول الحبس فان قيل: لم دخلت الفاء في قوله: " والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فاولئك لهم عذاب مهين " في سورة الحج ولم يقل ههنا في قوله: " أولئك أصحاب النار "؟ قيل: لان ما دخلت فيه الفاء من خبر (الذي وأخواته) مشبه بالجزاء ومالم يكن فيه فاء، فهو على أصل الخبر وإذا قلت: مالي، فهو لك، جاز على وجه، ولم يجز على وجه فان أردت أن معنى (ما) الذي، فهو جائز وإن أردت أن مالي تريد به المال، ثم تضيفه إليك، كقولك: غلامي لك، لم يجز، كما لم يجز، غلامي، فهو لك.
الاعراب: وموضع(1) أولئك: يحتمل ثلاثة أشياء: أحدها - أن يكون بدلا من الذين، أو يكون عطف بيان، وأصحاب النار: بيان عن أولئك، مجراه(2) مجرى الوصف والخبر، هم فيها خالدون والثاني - أن يكون ابتداء وخبرا في موضع الخبر الاول والثالث - أن يكون على خبرين بمنزلة خبر واحد، كقولهم: حلو(3)، حامض
---
(1) في المخطوطة (ووضع).
(2) في المخطوطة (فأجراه).
(3) في المخطوطة (كقولهم: حلو وحامض) وفي المطبوعة (كقوله حلو وحامض).

(1/177)


تفسير التبيان ج1
الآية: 40 - 49
قوله تعالى: يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم واوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون(40)
آية بلا خلاف
" يا " حرف نداء " بني ": جمع ابن والابن، والولد، والنسل، والذرية متقاربة المعاني إلا أن الابن يقع على(1) الذكر، والولد يقع على الذكر والانثى والنسل والذرية تقع على جميع ذلك وأصله، من البناء وهو وضع الشئ على الشئ والابن مبني على الاب تشبيها للبناء على الاصل، لان الاب أصل والابن فرع ويقال: تبنى تبنيا، وبنى بناء، وابتنى ابتناء، وباناه مباناة. والبنوة: مصدر الابن - وإن كان من البناء(2) كما قالوا: الفتوة: مصدر الفتى وثنوا الفتى: فتيان ويقال: فلان ابن فلان، على التبني ولا يطلق ذلك الا على ما كان من جنسه وشكله تشبيها بالابن الحقيقي ولهذا لايقولون: تبنى زيد حمارا، لما لم يكن من جنسه ولا تبنى شاب شيخا لما لم يكن ذلك فيه والفرق بين اتخاذ الابن وبين(3) اتخاذ الخليل، أن اتخاذ الخليل، يكون به خليلا على الحقيقة، لان بالمحبة والاطلاع على الاسرار المهمة يكون خليلا على الحقيقة وليس كذلك الابن لان البنوة في الحقيقة، إنما هي الولادة للابن و " بني " في موضع نصب، لانه منادى مضاف و " إسرائيل " في موضع جر، لانه مضاف إليه وفتح، لانه أعجمي لا ينصرف، لان (إسرا) معناه: عبدو (ئيل) هو الله بالعبرانية فصار مثل عبدالله وكذلك جبرائيل، وميكائيل ومن حذف الالف من جبرائيل، حذفه للتعريب(4) كما يلحق(5) الاسماء التغيير إذا أعربت، فيلخصون حروفها على العربية وفي " اسرائيل " خمس لغات:
حكى الاخفش: إسرال، بكسر الهمزة من غير ياء وحكي: أسرال، بفتح الهمزة ويقول بعضهم: إسريل، فيميلون وحكى
---
(1) في المخطوطة (يقع على) ساقطه.
(2) في المطبوعة (من الياء).
(3) في المطبوعة (وبين) ساقطة.
(4) في المخطوطة (للتعريف).
(5) في المخطوطة (كما لا يلحق).

(1/178)


تفسير التبيان ج1
قطرب اسرال، من غير همز ولا ياء، واسراين، بالنون والخامس - إسرايل، قراءة إلياس وحمزة وحده مد بغير ألف
المعنى: وقال أكثر المفسرين: إن المعنى، يا بني إسرائيل، أحبار اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله " ص " وهو المحكي عن ابن عباس وقال الجبائي: المعني به بنو إسرائيل من اليهود والنصارى ونسبهم إلى الاب الاعلى، كما قال: " يا بني آدم خذو زينتكم عند كل مسجد "(1)
اللغة: قوله، " اذكروا " فالذكر، والتنبيه، والتيقظ نظائر ونقيضه: التغافل يقال: ذكره يذكره ذكرا وأذكره إذكارا واستذكره استذكارا وتذكره تذكرا وذكره تذكارا واذكر اذكارا.
وقال صاحب العين: الذكر: الحفظ للشئ تذكره تقول: هو مني على ذكر والذكر: جري الشئ على لسانك تقول: جرى منه ذكر والذكر: الشرف، والصيت لقوله: " وإنه لذكر لك ولقومك "(2) والذكر: الكتاب الذي فيه تفصيل الدين وكل كتاب من كتب الانبياء ذكر والذكر: الصلاة، والدعاء وقيل: كانت الانبياء إذا حزنهم أمر فزعوا إلى الذكر أي الصلاة، يقومون فيصلون وذكر الحق: هوالصك والذكرى: هو اسم للتذكير والذكر: ذكر الرجل معروف والجمع: الذكرة ولهذا سمي ما ينسب اليه، المذاكير ولا يفرد وإن أفرد فمذكر، مثل مقدم ومقاديم والذكر: خلاف الانثى وجمعه: ذكور، وذكران ومن الدواب، ذكورة لا غير والذكر من الحديد: أيبسه وأشده ولذلك يسمى السيف، مذكر وامرأة مذكرة، وناقة مذكرة: إذا كانت خلقتها تشبه خلقة الذكر، وأشبهته في شمائلها وامرأة مذكار: إذا أكثرت ولادة الذكور وعكسه: مئناث ويقال
---
(1) سورة الاعراف آية 3.
(2) الزحزف آية 44

(1/179)


تفسير التبيان ج1
للحبلى: أيسرت، وأكثرت أي يسر عليها، وولدت ذكورا والذكر: ضد النسيان ورجل ذكر: شهم من الرجال، ماهر في أموره واصل الباب: الذكر الذي هو التنبيه على الشئ والذكر: الوصف بالمدح والثناء أو بالمدح والهجاء.
وقوله: " نعمتي " المراد بها الجماعة كما قال تعالى: " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها "(1) والنعمة وإن كانت على أسلافهم جاز أن تضاف اليهم كما يقول القائل إذا فاخره غيره: هزمناكم يوم ذي قار، وقتلناكم يوم الفجار، وبددنا جمعكم يوم النار والمراد بذلك، جميع النعم الواصلة اليهم، مما اختصوا به، دون آبائهم، أو اشتركوا فيه معهم، وكان نعمة على الجميع فمن ذلك تبقية آبائهم حتى تناسلوا، فصاروا من أولادهم ومن ذلك، خلقه اياهم على وجه يمكنهم الاستدلال على توحيده، والوصول إلى معرفته، فيشكروا نعمه، ويستحقوا ثوابه ومن ذلك ما لا يحلون في كل وقت من منفعة ودفع مضرة فالقول الاول هو التذكير بالنعمة عليهم في أسلافهم والقول الثاني: تذكير جميع النعم عليهم والنعم التي على أسلافهم، ما ذكر في قوله تعالى: " واذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم اذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وأتاكم مالم يؤت أحدا من العالمين "(2). وقوله: " أوف بعهدكم " قي موضع جزم، لانه جواب الامر.
اللغة: قال صاحب العين: تقول وفيت بعهدك وفاء ولغة أهل تهامة: أوفيت بعهدك وهي القرآن قال الشاعر في الجمع بين اللغتين:
أما ابن عوف فقد أوفى بذمته
كما وفى بقلاص النجم حاديها
يعني به الدبران وهو التالي وتقول: وفى، يفي وفاء وأوفى، يوفي ايفاء واستوفى، استيفاء وتوفى، توفيا ووفى، توفية وتوافى، توافيا ووافاه موافاة وكل شئ بلغ تمام الكلام فقد وفى وتم وكذلك درهم واف، لانه
---
(1) سورة ابراهيم آية 34. وسورة النحل: آية 18.
(2) سورة المائدة: آية 22.

(1/180)


تفسير التبيان ج1
درهم وفى مثقالا وكيل واف ورجل وفا: ذو وفاء وأوفى فلان على شرف من الارض اذا أشرف فوقها وتقول: أوفيته حقه ووفيته اجره والوفاة: المنية توفى فلان، وتوفاه الله: اذا قبض نفسه واصل الباب: الوفاء وهذا هو الاتمام ومن اكرم اخلاق النفس الوفاء ومن ادونها وارذلها الغدر
المعنى: ومعنى قوله: " اوفوا بعهدي اوف بعهدكم " قال ابن عباس: اوفوا بما امرتكم من طاعتي، ونهيتكم عن معصيتي في النبي صلى الله عليه وآله وغيره: " اوف بعهدكم " اي ارضى عنكم، وادخلكم الجنة وسمي ذلك عهدا، لانه تقدم بذلك اليهم في الكتب السابقة كما قال: " يعرفونه كما يعرفون ابناءهم وان فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون "(1) والعهد: هوالعقد عليهم في الكتاب السابق بما امروا به، ونهوا عنه قال بعضهم: انما جعله عهدا، لتأكيده بمنزلة العهد الذي هو اليمين قال الله تعالى: " واذ اخذ الله ميثاق الذين اوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه "(2).
وقال الحسن: العهد الذي عاهدهم عليه حيث قال: " خذوا ما آتيناكم بقوة " اي بجد " واذكروا ما فيه " اي ما في الكتاب في قوله: " ولقد اخذ الله ميثاق بني اسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي... إلى آخر الآية "(3).
وقال الجبائي: جعل تعريفه إياهم نعمه عهدا عليهم وميثاقا لانه يلزمهم القيام بما يأمرهم به من شكر هذه النعمة، كما يلزمهم الوفاء بالعهد، والميثاق الذي يأخذ عليهم والقول الاول أقوى، لان عليه أكثر المفسرين، وبه يشهد القرآن قوله: " وإياي "
الاعراب: " وإياي " ضمير منصوب ولا يجوز أن يكون منصوبا بقوله: " فارهبون "، لانه مشغول كما لا يجوز في قولك: زيدا فاضربه أن يكون
---
(1) سورة البقرة: آية 146.
(2) سورة آل عمران: آية 187.
(3) سورة المائدة 13.

(1/181)


تفسير التبيان ج1
منصوبا بقوله: فاضربه لكنه يكون منصوبا بفعل دل عليه ما هو مذكور في اللفظ تقديره: وإياي ارهبوا ولا يظهر ذلك، للاستغناء عنه بما يفسره، وإن صح تقديره: ولا يجوز في مثل ذلك الرفع على أن يكون الخبر " فارهبون " إلا على تقدير محذوف كما أنشد سبيويه:
وقائلة: خولان فانكح فتاتهم
وأكرومة الحيين خلو كما هيا
تقديره: وقائلة: هذه خولان وعلى هذا، حمل قوله: " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما "(1). وقوله: " والزاني والزانية فاجلدوا كل واحد منهما "(2) تقديره مما يتلى عليكم، السارق والسارقة وفيما فرض عليكم، الزانية والزاني.
وقوله: " فارهبون ".
اللغة: فالرهبة، والخشية، والمخافة، نظائر وضدها: الرغبة تقول: رهب رهبة: وأرهبه: إرهابا، ورهبه، ترهيبا واسترهب، استرهابا ويقال: رهب فلان يرهب رهبا، ورهابا، ورهبة: اذا خاف من شئ ومنه اشتقاق الراهب والاسم: الرهبة ومن أمثالهم: رهبوت خير من رحموت أي ترهب خير من أن ترحم والترهب: التعبد في صومعة الجمع: الرهبان والرهبانية: خطباء والفرق بين الخوف والرهبة: أن الخوف هو الشك في أن الضرر يقع أم لا والرهبة: معها العلم بأن الضرر واقع عند شرط، فان لم يحصل ذلك الشرط، لم يقع واختير تحريك الياء في قوله: " نعمتي التي أنعمت " لانه لقيها ألف ولام فلم يكن بد من اسقاطها أو تحريكها، وكان التحريك أولى، لانه أدل على الاصل وأشكل بما يلزم اللام في الاستئناف، من فتح ألف الوصل، واسكان الياء في قوله: " يا عبادي الذين اسرفوا " أجود، لان من حق الاضافة، ألا تثبت في النداء واذا لم تثبت فلا سبيل إلى تحريكها وقوله: " فبشر عبادي الذين يستمعون " الاختيار حذف الياء، لانه رأس آية ورؤوس الآي لا يثبت فيها
---
(1) سورة المائدة: آية 41.
(2) سورة النور: آية 20.

(1/182)


تفسير التبيان ج1
الياء، لانها فيه اصل ينوى فيها الوقف كما يفعل ذلك في القوافي ومثل قوله: " نعمتي التي " قوله: " أخي اشدد " في ان الاختيار تحريك الياء، وان كان مع الالف واللام اقوى، لما تقدم ذكره مع المشاكلة والراد إلى الاصل وفي " اخي اشدد ": سبب واحد، وهو انه ادل على الاصل واجمعوا على اسقاط الياء من قوله " فارهبون " الا ابن كثير، فانه اثبتها في الوصل دون الوقف والوجه حذفها لكراهية الوقف على الياء وفي كسر النون دلالة على ذهاب الياء.
قوله تعالى: وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون(41)
آية واحدة بلا خلاف
المعنى: " آمنوا " معناه صدقوا، لانا قد بينا ان الايمان هو التصديق " بما انزلت " يعني بما انزلت على محمد " ص " من القرآن. وقوله: " مصدقا " يعني ان القرآن مصدق لما مع اليهود من بني اسرائيل من التوراة وامرهم بالتصديق بالقرآن، واخبرهم ان فيه تصديقهم بالتوراة، لان الذي في القرآن من الامر بالاقرار بنبوة محمد " ص "، وتصديقه نظير الذي في التوراة والانجيل وموافق لا تقدم من الاخبار به، فهو مصداق ذلك الخبر وقال قوم: معناه انه مصدق بالتوراة والانجيل الذي فيه الدلالة على انه حق والاول الوجه، لان على ذلك الوجه حجة عليهم، دون هذا الوجه
الاعراب: ونصب " مصدقا " على الحال من الهاء المحذوفة، كأنه قال: انزلته مصدقا ويصلح ان ينصب ب_" آمنوا " كأنه قيل: آمنوا بالقرآن مصدقا والمعني بقوله: " آمنوا " اهل الكتاب من بني اسرائيل، لانه في ذكرهم وفيه احتجاج عليهم، اذ جاء بالصفة التي تقدمت بها بشارة موسى وعيسى عليهما

(1/183)


تفسير التبيان ج1
السلام وهو امر بالاقرار بالنبوة، وماجاءت به من الشريعة.
اللغة: وانما وحد " كافرا " في قوله: " ولا تكونوا أول كافر "، وقبله جمع، لما ذكره الفراء والاخفش: وهو أنه ذهب مذهب الفعل، كأنه قال: أول من كفر به ولو أراد الاسم لما جاز إلا الجمع ومثل ذلك قول القائل للجماعة: لا تكونوا أول رجل يفعل ذلك.
قال المبرد: هذا الذي ذكره الفراء خارج عن المعنى المفهوم، لان الفعل ههنا والاسم سواء إذا قال القائل: زيد أول رجل جاء فمعناه أول الرجال الذين جاؤوا رجلا رجلا، ولذلك قال: أول كافر، وأول مؤمن ومعناه: أول الكافرين وأول المؤمنين لافصل بينهما في لغة ولا قياس إلا ترى أنك تقول: رأيت مؤمنا، ورأيت كافرا كما تقول: رأيت رجلا لا يكون إلا ذلك، لانك انما رأيت واحدا، كما تقول: رأيت زيدا أفضل مؤمن، وزيد أفضل حر، وزيد افضل رجل، وانبل غلام، وليس بين ذلك اختلاف ولكن جاز ولا تكونوا اول قبيل كافر به، واول حزب كافر به، وهو مما يسوغ فيه النعت، ويبين به الاسم، لانك تقول: جاءني قبيل صالح، وجاءني حي كريم، فينعت به الجمع، اذا كان الجمع اسما واحدا لجميعه كقولك: نفر، وقبيل، وحزب، وجمع ولا تقول: جاءني رجل كريم، وانت تريد برجل نفرا كما تقول: نفر كريم، لان النعت جار على المنعوت والاسم منفرد بنفسه ونظير قوله: " اول كافر " قول الشاعر:
فاذا هم طعموا فألام طاعم
واذا هم جاعوا فشر جياع(1)
المعنى: ومعنى قوله: " ولا تكونوا أول كافر به " قال قوم: يعني بالقرآن من أهل الكتاب: لان قريشا كفرت به قبلهم بمكة وقيل: معناه: لا تكونوا أول كافر به أي لا تكونوا أول السابقين بالكفر فيه فيتبعكم الناس أي لا تكونوا أئمة في الكفر به وقيل: لا تكونوا اول كافر به اي اول جاحد به إن صفته في كتابكم
---
(1) لرجل جاهلي معاني القرآن للفراء طعموا: شبعوا.

(1/184)


تفسير التبيان ج1
اللغة: والاول والسابق والمتقدم نظائر ويقال اول وآخر واول وثان والاول: هو الموجود قبل الآخر والاول قبل كل شئ يناقض الوصف بانه محدث ويعلم ذلك ضرورة والهاء في قوله: " به " قيل فيه ثلاثة اقوال: احدها - انه يعود إلى " ما " في قوله: " بما انزلت " وهو الاجود والثاني - لاتكونوا اول كافر به اي بمحمد " ص " والثالث - اول كافر بما معكم، من كتابكم، لانهم إذا جحدوا ما فيه من صفة النبي صلى الله عليه وآله فقد كفروا به والاول قول ابن جريج وانما كان هو الاجود لانه اشكل بما تقدم والثاني قول ابي الغالية والثالث حكاه الزجاج وقواه بأنهم كفروا بالقرآن وانما قيل: ولا تكونوا اول كافر بكتابكم اي صفة محمد صلى الله عليه وآله فيه.
وقال الرماني: وإنما عظم اول الكفر لانهم إذا كانوا ائمة فيه وقدوة في الضلالة كان كفرهم اعظم كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله: من سن سنة حسنة فله اجرها واجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة وليس في نهيه عن ان يكونوا اول كافر دلالة على انه يجوز ان يكونوا آخر كافر، لان المقصود من الكلام النهي عن الكفر على كل حال وخص الاول بالذكر لما قدمنا من عظم موقعه كما.
قال الشاعر:
من اناس ليس في اخلاقهم
عاجل الفحش ولا سوء الجزع
وليس يريد ان فيهم فحشا آجلا.
وقوله: " ثمنا قليلا " فالثمن والعوض والبدل نظائر وبينها فرق فالثمن: هو البدل في البيع من العين او الورق واذا استعمل في غيرهما كان مشبها بهما ومجازا والعوض: هو البدل الذى ينتفع به كائنا ما كان واما البدل: فهو الجعل للشئ مكان غيره ويقال: ثمنه تثمينا وثامنه مثامنة ويجمع الثمن اثمانا واثمنا ويروى بيت زهير:

(1/185)


تفسير التبيان ج1
وعزت اثمن البدن جمع ثمن ومن روى أثمن البدن: أراد الثمينة منها أي أكثرها ثمنا والثمن جزء من الثمانية اجزاء، من اي مال كان وثوب ثمين: اذا كان كثير الثمن والفرق بين الثمن والقيمة، أن الثمن قد يكون وفقا، وقد يكون بخسا، وقد يكون زائدا والقيمة لا تكون الا مساوية المقدار للمثمن من غير نقصان ولا زيادة وكل ماله ثمن فهو مال وليس كل ملك له ثمن والقليل، والحقير، واليسير، نظائر وضده: الكثير تقول: قل، يقل، قلة واقل منه، اقلالا واستقل استقلالا وتقلل، تقللا وقلله، تقليلا وقليل، وقلان، بمعنى (واحد) ورجل قليل أي قصير وقل الشئ: اقله والقلة، والقل لغتان والقلة: راس كل شئ والرجل يقل شيئا: يحمله وكذلك يستقله واستقل الطائر: اذا ارتفع وقلة الجبل: اعلاه وهى قطعة تستدير في اعلاه وهي القلة والقلة التي جاءت في الحديث مثل: قلال هجر قيل إنها جرار عظام والقلة: النقصان من العدد وقيل في الصغر.
وقوله: " ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا " فأدخل (الباء) في الآيات دون الثمن وفي سورة يوسف، في الثمن في قوله: " وشروه بثمن بخس "(1) قال الفراء: إنما كان كذلك، لان العوض كلها، أنت مخير فيها في إدخال الباء إن شئت قلت: اشتريت الثوب بكساء وأن شئت قلت: اشتريت بالثوب كساء أيهما جعلته ثمنا لصاحبه، جاز فاذا جئت إلى الدراهم والدنانير، وضعت الباء في الثمن كقوله: " بثمن بخس "، لان الدراهم ثمن أبدا.
وروي عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله: " ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا " قال عليه السلام: كان ليحيى بن أخطب وكعب بن اشرف، وآخرين منهم مأكلة على يهود في كل سنة وكرهوا بطلانها بأمر النبي " ص " فحرفوا لذلك آيات من التوراة فيها صفته وذكره، فذلك الثمن القليل الذي أريد به في الآية
---
(1) سورة يوسف: آية 20.

(1/186)


تفسير التبيان ج1
وتقييده ب_" لا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا " لا يدل على أنه إذا كان كثيرا يجوز مشترى به، لان المقصود من الكلام، أن أي شئ باعوا به آيات الله كان قليلا، وانه لا يجوز أن يكون له ثمن يساويه كقوله: " ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به "(1) انما أراد بذلك نفي البرهان عنه على كل حال، وأنه لا يجوز أن يكون عليه برهان ومثله قوله: " يقتلون النبيين بغير حق "(2) وانما اراد ان قتلهم لا يكون إلا بغير الحق نظائر ذلك كثيرة.
ومثله قول الشاعر: على لا حب لا يهتدى بمناره وانما اراد: لا منار هناك فيهتدى به.
ولذلك نظائر نذكرها إذا انتهينا اليه إن شاء الله.
قوله تعالى: ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون(42)
آية واحدة بلا خلاف
اللغة: اللبس، والستر، والتغطية، والتعمية، نظائر والفرق بين التعمية، والتغطية ان التعمية قد تكون بالنقصان والزيادة، والتغطية تكون بالزيادة وضد الستر: الكشف وضد اللبس: الايضاح يقال: لبس، لبسا وألبسه، إلباسا والتبس، التباسا وتلبس، تلبسا ولبسه، تلبيسا ولابسه، ملابسة واللباس ما واريت به جسدك ولباس التقوى: الحياء والفعل: لبس، يلبس واللبس: خلط الامور بعضها ببعض إذا التبست واللبوس: الدروع وكل شئ تحصنت به فهو لبوس قال الله تعالى: " وعلمناه صنعة لبوس لكم "(3).
قال الشاعر:
إلبس لكل حالة لبوسها
إما نعيمها وإما بؤسها
وثوب لبيس وجمعه: ألبس واللبسة: ضرب من اللباس والفعل: لبس
---
(1) سورة المؤمنون: آية 18.
(2) سورة آل عمران: آية 21.
(3) سورة الانبياء آية 80.

(1/187)


تفسير التبيان ج1
يلبس، لبسا، ولبسة واحدة ويقال: لبست الامر ألبسه: إذا عميته ومنه قوله: " وللبسنا عليهم ما يلبسون "(1) ولا بست الرجل ملابسة: إذا عرفت دخلته وفي فلان ملبس: إذا كان فيه مستمع وفي أمره لبسة: أي ليس بواضح وأصل اللبس الستر: قال الاخطل:
وقد لبست لهذا الدهر أعصره
حتى تجلل راسي الشيب فاشتعلا(2)
والفرق بين اللبس، والاخفاء، والريب، والاشكال أن الاخفاء يمكن أن يدرك معه المعنى ولايمكن إدراك المعنى مع اللبس والريب معه تهمة المشكوك فيه والاشكال قد يدرك معه المعنى، إلا أنه بصعوبة، لاجل التعقيد وأسباب الالباس كثيرة: منها - الاشتراك ومنها - الاختلاف ومنها - الاختزال وهو: حذف مقدمه وشرطه، أو ركنه ومنها - الاختلاط، والبسط وهو: المنع من إدراك الشئ، تشبيها بما يمنع من إدراكه بالستر والتغطية.
ومنه قول النبي " ص " للحارث بن خوط: ياحار، إنه ملبوس عليك إن الحق لا يعرف بالرجال إعرف الحق تعرف أهله والبطلان، والفساد، والكذب، والزور، والبهتان، نظائر وضد الحق: الباطل يقال: بطل، بطولا وبطلا، وبطلانا: إذا تلف وأبطلته، إبطالا: إذا أتلفته والبطل، والباطل، واحد وبطل الرجل، بطولة إذا صار بطلا ويقال: رجل بطل ولا يقال: إمرأة بطلة وبطل، بطالة: إذا هزل، وكان بطالا والا باطل: جمع إبطالة وأبطولة والباطل: ضد الحق وأبطلته: جعلته باطلا وأبطل فلان: أذا جاء بباطل والبطل: الشجاع الذي يبطل جراحاته، لايكترث لها، ولا تكفه عن نجدته وأصل الباطل، الخبر الكذب ثم كثر حتى قيل لكل فاسد ويقال: فعل باطل أي قبيح وبناء باطل أي منتقض وزرع باطل أي محترق تالف
---
(1) سورة الانعام: آية 9.
(2) ديوانه واعصر ج عصر ولبس له اعصره: عاش وقلبى خيره وشره وتجلل الشيب الرأس علاه والمطبوعة ولمخطوطة (تخلل).

(1/188)


تفسير التبيان ج1
المعنى: ومعنى لبسهم الحق بالباطل: أنهم آمنوا ببعض الكتاب، وكفروا ببعض، فخلطوا الحق بالباطل، لانهم جحدوا صفة محمد " ص " فذلك الباطل، وأقروا بغيره مما في الكتاب على ما هو به، وذلك حق وقال ابن عباس: لاتخلطوا الصدق بالكذب وقال الحسن: كتموا صفة محمد " ص " ودينه، وهو الحق وأظهروا دين اليهودية والنصرانية.
وقال ابن زيد: الحق: التوراة التي أنزلها الله على موسى والباطل: مالبسوه بأيديهم واللبس في الآية: قيل معناه: التعمية وقيل: خلط الحق بالباطل، عن ابن عباس ومنه قوله: " وللبسنا عليهم ما يلبسون " أي لخلطنا عليهم ما يخلطون قال العجاج:
لما لبسن الحق بالتجني
عيين واستبدلن زيدا مني(1)
وقال بعضهم: الحق: إقرارهم بأن محمدا " ص " مبعوث إلى غيرهم والباطل إنكارهم أن يكون بعث إليهم وهذا ضعيف، لانه إن جاز ذلك على نفر يسير، لم يجز على الخلق الكثير، مع إظهار النبي " ص " وتكذيبهم فيه، وإقامة الحجة عليهم.
الاعراب: وقوله: " وتكتموا الحق " يحتمل أمرين من الاعراب أحدها - الجزم على النفي، كأنه قال: لا تلبسوا الحق، ولا تكتموه والآخر - النصب على الظرف، كأنه قال: لاتجمعوا اللبس والكتمان كما قال الشاعر:
لاتنه عن خلق وتأتي مثله
عار عليك إذا فعلت عظيم(2)
ومثله: لا يسعني شئ، ويعجز عنك وعند الخليل وسيبويه، والاخفش، ينصب مثل ذلك، باضمار أن ويكون تقدير الكلام: لا يكن منكم لبس الحق
---
(1) ديوانه.
(2) هذا البيت روي في عدة قصائد لعدة شعراء نسب للاخطل ونسب للمتوكل الليثي ونسب لسابق البربري ونسب للطرماح ونسب لابي الاسود الدؤلي.

(1/189)


تفسير التبيان ج1
وكتمانه ودل " تلبسوا " على اللبس و " تكتموا " على الكتمان كما تقول: من كذب كان شرا له فكذب دليل على الكذب فكأنه قال: من كذب كان الكذب شرا له قوله: " وأنتم تعلمون "
المعنى: قال قوم: هو متوجه إلى رؤساء أهل الكتاب، ولذلك وصفهم بأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه للتلبيس على أتباعهم - قالوا - وهذا تقبيح لما يفعلونه وكذلك قوله: " وتكتمون الحق " أي تتركون الاعتراف به، وأنتم تعرفونه أي تجحدون ما تعلمون وجحد المعاند أعظم من جحد الجاهل ومن قال هذا، لا يلزمه ما يتعلق به أهل التعارف، من هذه الآية، من قولهم: إن الله أخبر أنهم يكتمون الحق وهم يعلمون، لانه إذا خص الخطاب بالرؤساء - وهم نفر قليل - فقد جوز على مثلهم العناد والاجتماع على الكتمان وإنما يمنع مع ذلك في الجماعة الكثيرة، لما يرجع إلى العادات، واختلاف الدواعي كما قيل في الفرق بين التواطي والاتفاق في العدد الكثير وقال بعضهم: وأنتم تعلمون البعث والجزاء فان قيل: كيف يصح ذلك على أصلكم الذي تقولون: إن من عرف الله لا يجوز أن يكفر؟ وهؤلاء إذا كانوا كفارا، وماتوا على كفرهم كيف يجوز أن يكونوا عارفين بصفة محمد، وأنه حق، بما معهم من التوراة وذلك مبني على معرفة الله، وعندكم ما عرفوا الله؟
قيل: إن الله الذي يمنع أن يكفر من عرف الله، إذا كان معرفته على وجه يستحق بها الثواب، فلا يجوز أن يكفر، لانه يؤدي إلى اجتماع الثواب الدائم على إيمانه، والعقاب الدائم على كفره والاحباط باطل وذلك خلاف الاجماع ولا يمتنع أن يكونوا عرفوا الله على وجه لا يستحقون به الثواب لان الثواب إنما يستحق، بأن يكونوا نظروا من الوجه الذي وجب عليهم فأما إذا نظروا بغير ذلك، فلا يستحقون الثواب، فيكونوا على هذا عارفين بالله وبالكتاب الذي أنزله على موسى، وعارفين بصفات النبي " ص " لكن لا يؤمنون مستحقين الثواب

(1/190)


تفسير التبيان ج1
وعلى هذا يجوز أن يكفروا وفي الناس من قال: استحقاقهم الثواب على إيمانهم، مشروط بالموافاة فاذا لم يوافوا به، لم يستحقوا الثواب فعلى هذا أيضا، يجوز أن يكونوا عارفين، وإن لم يكونوا مستحقين لثواب يبطل بالكفر والمعتمد الاول وقال قوم: الآية متوجهة إلى المنافقين منهم وكان خلطهم الحق بالباطل ما أظهروا بلسانهم من الاقرار بالنبي " ص " بما يستبطنونه من الكفر وهذا يمكننا الاعتماد عليه، ويكون قوله: " وأنتم تعلمون " معناه أنكم تعلمون أنكم تظهرون خلاف ما تبطنونه وهذا أسلم من كل وجه على أصلنا ويمكن أن يقال: معنى قوله: " وأنتم تعلمون " أي عند أنفسكم، لانهم إذا كانوا يعتقدون أنهم عالمون بالتوراة، وبأنه من عند الله، وفيها ذكر النبى، فهم عالمون عند انفسهم بنبوته، لكن يكابرون.
قوله تعالى: وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين(43)
آية بلا خلاف
اللغة: الصلاة في أصل اللغة: الدعاء قال الاعشى:
عليك مثل الذي صليت فاغتمضي
نوما فان لجنب المرء مضطجعا
أي دعوت وقال آخر:
وقابلها الريح في دنها
وصلى على دنها وارتسم(1)
أي ودعا وقيل: أصلها: اللزوم من قول الشاعر:
لم أكن من جناتها علم الله، واني لحرها اليوم صال
أي ملازم لحرها وكان معنى الصلاة، ملازمة العبادة على الحد الذى أمر
---
(1) مر الكلام في هذا البيت 1: 56.

(1/191)


تفسير التبيان ج1
الله عزوجل وقيل: أصلها: الصلا وهو عظم العجز لرفعه في الركوع والسجود من قول الشاعر:
فآب مصلوه بغير جلية
وغودر بالجولان حزم ونائل(1)
اي الذين جاؤوا في صلا السابق والقول الاول أقرب إلى معنى الصلاة في الشرع وقد بينا معنى إقامة الصلاة فيما مضى، فلا وجه لا عادته.
وقوله: " وآتو الزكاة " فالزكاة والنماء، والزيادة، نظائر في اللغة ونقيض الزيادة: النقصان ويقال: زكا، يزكو زكاء وتزكى، تزكية قال صاحب العين: الزكاة، زكاة المال، وهو تطهيره ومنه زكى، يزكي، تزكية والزكاة: زكاة الصلاح تقول: رجل تقي زكي ورجال أتقياء أزكياء والزرع زكا زكاء - ممدود - وكل شئ يزداد وينمو، فهو يزكو زكاء وتقول: هذا لا يزكو بفلان أي لا يليق به قال الشاعر:
المال يزكو بك مستكثرا
يختال قد أشرق للناظر
ومصدر الزكاة: ممدود ويقال: إن فلانا لزكا النقد أي حاضره وعتيده والزكا: الشفع قال الشاعر:
كانوا خسا أو زكا من دون أربعة
لم يخلقوا وجدود الناس تعتلج(2)
والخسا، الوتر وأصل الباب: النمو، والزكاة تنمي المال بالبركة التى يجعل الله فيه وسمي بالزكاة في الشريعة، ما يجب إخراجه من المال، لانه نماء ما ينقى ويثمر وقيل: بل مدح لما ينقى، لانه زكي أي مطهر كما قال: " أقتلت نفسا زكية بغير نفس "(3) أي طاهرة.
وقوله: " واركعوا " فالركوع، والانحناء والانخفاض نظائر في اللغة يقال: ركع، ورفع
---
(1) في التفسير الكبير (وآب مضلوه) من اضل القوم ميتهم: اذا واروه في قبره، وفيه بدل (يغير جلية) بعين جلية: والشعر للنابغة(2) اللسان مادة (خسا) وقد نقله القراء عن الدبيرية زكا: تقوله العرب للزوج وخسا للفرد: تعتلج تضطرع(3) سورة الكهف آية: 74.

(1/192)


تفسير التبيان ج1
قال الشاعر:
لا تهين الفقير علك أن
تركع يوما والدهر قد رفعه(1)
قال أبوزيد: الراكع: الذي يكبو على وجهه ومنه الركوع في الصلاة قال الشاعر:
وأفلت حاجب فوق العوالي
على شقاء تركع في الظراب(2)
والركعة: الهوة في الارض - لغة يمانية - قال صاحب العين: كل شئ ينكب لوجهه، فتمس ركبته الارض أولا تمس، بعد أن يطأطئ راسه، فهو راكع قال الشاعر:
ولكني أنص العيس تدمى
أياطلها وتركع بالحزون(3)
وقال لبيد:
أخبر أخبار القرون التي مضت
أدب كأني كلما قمت راكع
وقيل: إنه مأخوذ من الخضوع ذهب اليه المفضل بن سلمة والاصمعي قال الشاعر:
لا تهين الفقير علك أن
تركع يوما والدهر قد رفعه
والاول أقوى، لان هذا مجاز مشبه به وقوله: " واركعوا مع الراكعين " إنما خص الركوع بالذكر من أفعال الصلاة لما قال بعض المفسرين: إن المأمورين هم أهل الكتاب، ولا ركوع في صلاتهم وكان الاحسن ذكر المختص دون المشترك، لانه أبعد عن اللبس وقيل: لانه يعبر بالركوع عن الصلاة يقول القائل: فرغت من ركوعي أي من صلاتي وانما فعل ذلك، لانه أول ما يشاهد مما يدل على أن الانسان في الصلاة، لانا بينا أن أصل الركوع الانحناء فان قيل: كيف أمروا بالصلاة والزكاة وهم لا يعرفون حقيقة ما في الشريعة؟ قيل: إنما أمروا بذلك، لانهم أحيلوا فيه على بيان الرسول
---
(1) قائل هذا البيت الاضبط بن قريع الاسدي.
(2) شقاء: مؤنث الاشق وفرس اشق: يشتق في عدوه يمينا وشمالا الظراب ج ظرف - بفتح الظاء وكسر الراء وهي الرابية.
(3) انص العيس: استحثها اياطل: ج ايطل وهي الخاصرة ارض حزون: غليظة.

(1/193)


تفسير التبيان ج1
اذ قال: " ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا "(1) ولذلك جاز أن يأمرهم بالصلاة على طريق الجملة، ويحيلهم في التفصيل إلى بيان الرسول " ص " وقد بينا ما ورد الشرع به، من الصلاة والزكاة، وفرائضها وسننها في كتاب النهاية والمبسوط وغيرهما من كتبنا في الفقه، فلا نطول بذكره في هذا الكتاب وقد ورد في القرآن على طريق الجملة آي كثير:
نحو قوله: " أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " وقوله " وأقيموا الصلاة ان الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا "(2) وقوله: " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى "(3) وقوله: " قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون "(4) ويمكن الاستدلال بهذه الآيات على وجوب الصلوات، وعلى صلاة الجنائز، وصلاة العيدين، وعلى وجوب الصلاة على النبي وآلة في التشهد، لانه عام في جميع ذلك.
فان قيل: قوله: " وأقيموا الصلاة " قد ثبت أن هذا خطاب لاهل الكتاب، وليس في صلاتهم ركوع، فكأنه أمرهم بالصلاة على ما يرون هم، وأمرهم بضم الركوع إليها وعلى معنى قوله: " اركعوا " - أي صلوا نقول: إن ذلك تأكيد ويمكن أن يقال: فيه فائدة وهو أن يقال: إن قوله: " أقيموا الصلاة " إنما يفيد وجوب إقامتها ويحتمل أن يكون إشارة إلى صلاتهم التي يعرفونها ويمكن أن يكون إشارة إلى الصلاة الشرعية فلما قال: " واركعوا مع الراكعين " يعني مع هؤلاء المسلمين الراكعين، تخصصت بالصلاة في الشرع، ولا يكون تكرارا، بل يكون بيانا وقيل: قوله: " واركعوا مع الراكعين " حث على صلاة الجماعة، لتقدم ذكر الصلاة المنفردة في أول الآية
---
(1) سورة الحشر: آية 7.
(2) سورة النساء: آية 102.
(3) سورة البقرة: آية 238.
(4) سورة المؤمنون: آية 1.

(1/194)


تفسير التبيان ج1
قوله تعالى: أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون(44)
آية
المعنى: كل طاعة لله تعالى، فلا خلاف أنها تسمى برا واختلفوا في المراد بهذه الآية فقال ابن عباس: المراد به التمسك بكتابهم، فكانوا يأمرون أتباعهم، ويتركون هم التمسك به، لان جحدهم النبي " ص " هو تركهم التمسك به وقال قتادة: كانوا يأمرون الناس بطاعة النبي " ص " ويخالفون ذلك وقال قوم: إن معناه: أنهم كانوا يأمرون ببذل الصدقة، ويضنون بها وقال بعضهم: البر: الصدق من قولهم: صدق، وبر ومعناه: أنهم يأمرون بالصدق ولا يصدقون.
اللغة: والبر - في أصول اللغة - والصلة، والاحسان، نظائر يقال هو بار وصول محسن وضد البر: العقوق وقال ابن دريد: البر ضد العقوق ورجل بار وبر بمعنى واحد وبرت يمينه: إذا لم يحنث وبرحجه وبر - لغتان - والبر: خلاف البحر والبر: - معروف - أفصح من الحنطة والقمح واحدة برة قال الهذلي:
لادر دري إن أطعمت نازلهم
قرف الحني وعندي البر مكنوز
الحني: ردي المقل خاصة ومن أمثالهم: لايعرف الهر من البر واختلفوا في هذا المثل فقال الرماني: الهر: السنور.
والبر: الفارة في بعض اللغات أو دويبة تشبهها وقال الاخفش: معناه: لا يعرف من يبره ممن يهر عليه وقوم بررة أبرار والمصدر البر ويقال: صدق وبر وبرت يمينه أي صدقت وكانت العرب تقول: فلان يبرر به أي يطيعه قال الراجز:

(1/195)


تفسير التبيان ج1
لاهم إن بكرا دونكا
يبرك الناس ويفجرونكا
والابرار: الغلبة يقال أبر عليهم فلان قال طرفة: ويبرون على الآي البر البربرة: كثرة الكلام، والجلبة باللسان وأصل الباب كله: البر وهو: اتساع الخير والفرق بين البر والخير، أن البر يدل على القصد، والخير قد يقع على وجه السهولة.
قوله: " وتنسون انفسكم ".
اللغة: فالنسيان، والغفلة، والسهو، نظائر وضد النسيان: الذكر تقول: نسي نسيانا وأنساه، إنساء وتناساه، تناسيا وفلان نسي، كثير النسيان والنسي، والمنسي، الذي ذكره الله تعالى: " وكنت نسيا منسيا "(1) وسمي الانسان إنسانا، إشتقاقا من النسيان وهو في الاصل: إنسيان وكذلك إنسان العين والجمع: أناسي والنسا: عرق سيق بين الفخذين، فيستمر في الرجل وهما نسيان والجمع: أنساء وهو في الفخذ يسمى في الساق: الطفل وفي البطن: الحالبين(2) وفي الظهر: الابهر وفى الحلق: الوريد وفي القلب: الوتين وفي اليد: الاكحل وفي العين: الناظر يقال: هو بهر الجسد، لانه يمد جميع العروق وأصل الباب: النسيان ضد الذكر وقوله: " نسوا الله فنسيهم "(3) أي تركوا طاعته: فترك ثوابهم ويقال: آفة العلم النسيان والمذاكرة تحيي العلم وحد النسيان: غروب الشئ عن النفس بعد حضوره لها والفرق بين النسيان والسهو، أن السهو يكون ابتداء وبعد الذكر والنسيان لا يكون إلا بعد الذكر والنسيان، والذكر معا، من فعل الله تعالى، لان الانسان يجتهد أن يذكر شيئا فلا يذكره
---
(1) سورة مريم آية: 32.
(2) عرقان يكتنفان بالسرة.
(3) سورة التوبة: آية 68.

(1/196)


تفسير التبيان ج1
المعنى: ومعنى قوله: " وتنسون أنفسكم " أي تتركونها وليس المراد بذلك ما يضاد الذكر، لان ذلك من فعل الله لا ينهاهم عنه فان قيل: إذا كان الواجب عليهم مع ترك الطاعة والاقامة على المعصية، الامر بالطاعة، والنهي عن المعصية، فكيف قيل لهم هذا القول؟
قلنا: في أمرهم بالطاعة، ونهيهم عن المعصية تعظيم لما يرتكبونه من معصية الله تعالى، لان الزواجر كلها، كلما كانت أكثر، كانت المعصية أعظم ففي نهيهم لغيرهم، زواجر فهو توبيخ على عظيم ما ارتكبوا من ذلك.
وقوله: " وانتم تتلون الكتاب "
اللغة: فالتلاوة، والقراءة، والدراسة، نظائر يقال: فلان يتلو تلاوة، فهو تال أي تابع والمتالي: الامهات إذا تلاهن الاولاد والواحد: متل وناقة متلية: وهي التي تنتج في آخر النتاج وأصل الباب: الاتباع فتسمى التلاوة بذلك، لا تباع بعض الحروف فيها بعضا والفرق بين التلاوة والقراءة، أن أصل القراءة جمع الحروف، وأصل التلاوة، اتباع الحروف وكل قراءة تلاوة، وكل تلاوة قراءة وحد الرماني: التلاوة: ما به صوت يتبع فيه بعض الحروف بعضا
المعنى: والكتاب الذي كانوا يتلونه التوراة - على قول ابن عباس وغيره وقال أبومسلم كانوا يأمرون العرب باتباع الكتاب الذى في أيديهم، فلما جاءهم كتاب مثله، لم يتبعوه.
وقوله: " أفلا تعقلون "
اللغة: فالعقل، والفهم، واللب، والمعرفة، نظائر يقال فلان عاقل فهيم أديب ذو معرفة، وضد العقل: الحمق يقال: عقل الشئ عقلا، وأعقله غيره إعقالا

(1/197)


تفسير التبيان ج1
ويقال: اعتقله، اعتقالا وانعقل، انعقالا وقيل لابن عباس: أنى لك هذا العلم؟ قال: قلب عقول، ولسان سؤول ويقال: عقلت بعد الصبا أي عرفت الخطأ الذي كنت فيه.
وقال صاحب العين: العقل: ضد الجهل يقال: عقل الجاهل: إذا علم وعقل المريض بعد ما هجر وعقل المعتوه ونحوه والعقال: الرباط ويقال: عقلت البعير أعقله، عقلا: إذا شددت يده بالعقال وإذا أخذ صدقة الابل تامة لسنة يقال: أخذ عقالا وعقالين لسنتين، وعقلا لجماعة.
وقال الشاعر:
سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا
فكيف لو قد سعى عمرو عقالين
لا صبح الناس أوبادا وما وجدوا
يوم التحمل في الهيجا جمالين(1)
قال المبرد: يقال للمصدق إذا أخذ من الصدقة ما فيها ولم يأخذ ثمنه: أخذ عقالا وإذا أخذ قيمته: قيل: أخذ نقدا والعقيلة من النساء: التي قد عقلت في بيتها أي حبست في بيتها وخدرت والجمع: عقائل والدرة عقيلة البحر وعقيلة كل شئ: أكرمه وعقل القتيل: إذا أوديت ديته من القرابة، لا من القبائل والعقل في الرجل: اصطكاك الركبتين والعقل: ثوب أحمر تتخذه نساء العرب والمعقول: هذا العقل عند قوم قال الراعي:
حتى إذا لم يتركوا لعظامه
لحما ولا لفؤاده معقولا
والعقل، والمعقل: وهو الحصن وجمعه: عقول والعاقول من النهر والوادي ومن الامور أيضا: الملتبس، وما اعوج منه وعقل الدواء بطنه أي حبسه وقولهم لا يعقل حاضر لباد قال ابن دريد: معناه أن القتيل إذان بالبادية، فان أهلها يتعاقلون بينهم الدية، ولا يلزمون أهل الحضر من بني اعمامهم شيئا وفي الحديث انا لا نتعاقل المضيع يعني ما سهل من الشجاج(2)، بل يلزم الجاني وعاقلة الرجل: بنو عمه الادنون، لانهم كالمعقل له وأصل الباب العقل الذي هو العقد والعقل مجموع علوم لاجلها يمتنع من كثير من القبائح يعقل كثيرا من الواجبات.
وقال الرماني: العقل هو العلم الاول الذي يزجر عن قبيح الفعل وكل من كان زاجره
---
(1) الشعر لعمرو بن العداء الكلبي لسان العرب وروايته "؟ " بدل " الناس " السبد: بقايا النبت اوباد: ج وبد وهو الفقر والبؤس وجمالين يريد؟ الشجاج واحدها الشجة وهي الجرح في الرأس والوجه.

(1/198)


تفسير التبيان ج1
أقوى، كان عقله أقوى وقيل: العقل: معرفة يفصل بها بين القبيح والحسن في الجملة وقيل: العقل: قوة يمكن معها الاستدلال بالشاهد على الغائب وهذه العبارات قريبة المعاني مما ذكرناه والفرق بين العقل والعلم، أن العقل قد يكمل لمن فقد بعض العلوم، كفقد من كمل عقله العلم بأن هذه الرمانة حلوة أو حامضة ولا يكمل العلم لمن فقد بعض عقله فان قيل: اذا كان العقل مختلفا فيه، فكيف يجوز أن يستشهد به؟
قيل الاختلاف في ماهية العقل، لا يوجب الاختلاف في قضاياه ألا ترى أن الاختلاف في ماهية العقل - حتى قال بعضهم معرفة، وقال بعضهم قوة - لايوجب الاختلاف في أن الالف أكثر من الواحد، وأن الموجود غير المعدوم، وغير ذلك من قضايا العقل.
قوله تعالى: واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين (45)
آية واحدة
قال الجبائي: هذا خطاب للمؤمنين دون أهل الكتاب وقال الطبري، والرماني: هو خطاب لاهل الكتاب، ويتناول المؤمنين على وجه التأديب والاقوى أن يكون خطابا لجميع من هو بشرائط التكليف، لفقد الدلالة على التخصيص، واقتضاء العموم ذلك فمن قال: إنه خطاب لاهل الكتاب، قال: لانه قال: واستعينوا على الوفاء بعهدي الذي عاهدتكم في كتابكم عليه: من طاعتي، واتباع أمري واتباع رسولي، وترك ما نهبتكم عنه، والتسليم لامري ولمحمد " ص " بالصبرو الصلاة.
اللغة: وأصل الصبر: هو منع النفس محابها، وكفها عن هواها ومنه الصبر على المصيبة، لكفه نفسه عن الجزع وقيل لشهر رمضان: الصبر، لصبر صائمه عن الطعام والشراب نهارا وصبرت إياهم صبرة: حبسه لهم، وكفه إياهم عنه، كما يصبر الرجل القتيل، فيحبسه عليه، حتى يقتله صبرا يعني حبسه عليه، حتى قتله

(1/199)


تفسير التبيان ج1
والمقتول: مصبور والقاتل: صابر والصبر والبث، والحبس، نظائر والصبر: ضد الجزع.
وأنشد أبوالعباس:
فان تصبرا، فالصبر، خير معيشة
وإن تجزعا، فالامر ماتريان
ويقال: صبر صبرا وتصبر تصبرا واصطبر، اصطبارا وتصابر تصابرا وصابره مصابرة.
قال صاحب العين: الصبر: نصب الانسان للقتل فهو مصبور يقال: صبروه أي نصبوه للقتل ويقال: صبرته أي حلفته بالله جهد نفسه وكل من حبسته لقتل أو يمين، فهو قتل صبر ويمين صبر والصبر: عصارة شجر معروف والصبار: تمر الهند وصبر الاناء ونحوه: نواحية وأصبار القبر: نواحيه والصبرة من الحجارة: ما اشتد وغلظ والجمع: الصبار وأم صبار: هي الداهية الشديدة وصبر كل شئ: أعلاه وصبير القوم: الذي يصبر معهم في أمرهم وصبر الخوان: رقاقة غليظة تبسط تحت ما يؤكل من الطعام وتقول: اشتريت الشئ بلا صبر أي بلا كيل والصبير: الكفيل واصل الباب: الصبر الذي هو الحبس
المعنى: والصبر خلق محمود، أمر الله تعالى به ودل عليه، فقال: " واصبر وما صبرك إلا بالله "(1) وقال: " واصبروا وصابروا "(2) وقال: " وبشر الصابرين "(3) وقال: " واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الامور "(4) وفى الحديث: اقتلوا القاتل، واصبروا الصابر وذلك فيمن أمسكه حتى قتله آخر فأمر بقتل القاتل، وحبس الممسك والصبر المأمور به في الآية، قيل: فيه قولان:
أحدهما - الصبر على طاعته واجتناب معصيته والثاني - أنه الصوم وفي الصلاة ههنا قولان: أحدهما - الدعاء.
والثاني - أنها الصلاة الشرعية ذات الركوع والسجود وكان النبي صلى الله عليه وآله إذا أحزنه أمر، استعان بالصلاة والصوم.
---
(1) سورة النحل: آية 127.
(2) سورة آل عمران: آية 200.
(3) سورة البقرة: آية 155.
(4) سورة لقمان آية 17.

(1/200)


تفسير التبيان ج1
ووجه الاستعانة بالصلاة، لمكان ما فيها من تلاوة القرآن والدعاء والخضوع لله تعالى، والاخبات فان في ذلك معونة على ما تنازع اليه النفس من حب الرياسة والانفة من الانقياد إلى الطاعة والضمير في قوله: " وإنها لكبيرة " عائد على الصلاة عند أكثر المفسرين.
وقال قوم: عائد إلى الاجابة للنبي (عليه السلام وهذا ضعيف، لانه لم يجر للاجابة ذكر ولا هي معلومة، إلا بدليل غامض وليس ذلك كقوله " أنا أنزلناه " لان ذلك معلوم ورد الضمير على واحد، وقد تقدم ذكر شيئيين فيه قولان:
أحدهما: - انها راجعة إلى الصلاة دون غيرها على ظاهر الكلام، لقربها فيه ولانها الاهم والافضل ولتأكيد حالها وتفخيم شأنها وعموم فرضها والآخر - ان يكون المراد الاثنين وان كان اللفظ واحدا كقوله: " والله رسوله احق ان يرضوه "(1) قال الشاعر:
اما الوسامة او حسن النساء فقد
اوتيت منه أوان العقل محتنك(2)
وقال البرجمي:
فمن يك امسى بالمدينة رحله
فاني وقيار بها لغريب(3)
وقال ابن احمد:
رماني بأمر كنت منه ووالدي
بريا ومن طول الطوي رماني(4)
وقال آخر: نحن بما عندنا وانت بما عندك راض والرأي مختلف(5) وقوله " واذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا اليها " قال قوم: اللفظ واحد والمراد به اثنان وقال الفراء: راجع إلى التجارة لان تجارة جاءت فضربوا بالطبل فانصرف الناس اليها والاستعانة في الآية المامور بها على ما تنازع اليه نفوسهم من حب الرياسة وغلبة الشهوة للذة العاجلة والاستعانة بالصبر على المشقة بطاعة الله ومعنى (الكبيرة) ههنا أي ثقيلة - عند الحسن والضحاك وأصل ذلك ما يكبر ويثقل على الانسان
---
(1) سورة التوبة: آية 63.
(2) احتنك الشئ: استولى عليه.
(3) وروى (وقيارا).
(4) مر القول في هذا البيت.
(5) في هذين البيتين 1: 172.

(1/201)


تفسير التبيان ج1
حمله، كالاحمال الجافية التي يشق حملها، فقيل لما يصعب على النفس، وان لم يكن من جهة الحمل - يكبر عليها تشبيها بذلك.
وقوله: " الا على الخاشعين ".
اللغة: فالخشوع، والخضوع، والتذلل، والاخبات، نظائر وضد الخضوع: الاستكبار يقال: خشع خشوعا وتخشع تخشعا قال صاحب العين: خشع الرجل يخشع خشوعا: إذا رمى ببصره الارض واختشع: إذا طأطأ رأسه كالمتواضع والخشوع قريب المعنى من الخضوع، إلا أن الخضوع في البدن، والاقرار بالاستخدام(1) والخشوع في الصوت والبصر قال الله تعالى: " خاشعة أبصارهم " و " خشعت الاصوات للرحمن "(2) أي سكنت وأصل الباب: من اللين والسهولة من قولهم: نقا خاشعا: للارض التي غلبت عليها السهولة والخاشع: الارض التي لا يهتدى إليها بسهولة، لمحو الرياح آثارها والخاشع، والمتواضع، والمتذلل، والمسكين، بمعنى واحد قال الشاعر:
لما أتى خبر الزبير تواضعت
سور المدينة والجبال الخشع(3)
وخاشع: صفة مدح، لقوله: " والخاشعين والخاشعات " وإنما خص الخاشع بأنها لا تكبر عليه، لان الخاشع قد تواطأ ذلك له: بالاعتياد له، والمعرفة بماله فيه، فقد صار بذلك، بمنزلة مالا يشق عليه فعله، ولا يثقل تناوله وقال الربيع بن أنس: " الخاشعين " في الآية: الخائفون
---
(1) وفي نسخة: " الاستحياء ".
(2) سورة طه آية: 108.
(3) البيت لجرير، الديوان ص: 345 استشهد به سيبويه على ان تاء التأنيث جاءت للفعل لما أضاف " سور " إلى المدينة وهي مؤنث، وهو بعض منها.

(1/202)


تفسير التبيان ج1
قولة تعالى: الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون(46)
آية بلا خلاف
ان قيل كيف اخبر الله عمن وصفه بالخشوع بالطاعة، ومدحهم بذلك بانهم يظنون بانهم ملاقوا ربهم وذلك مناف لصفة المدح؟
قلنا: الظن المذكور في الآية المراد به العلم واليقين قال دريد بن الصمة:
فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج
سراتهم في الفارسي المسرد
وقال عمير بن طارق:
بان تغتزوا قومي واقعد فيكم
واجعل مني الظن غيبا مرجما(1)
وقال ابوداود(2):
رب هم فرجته بعزيم
وغيوب كشفتها بظنون
وقال المبرد: ليس من كلام العرب: أظن عند زيد مالا، يريد: أعلم لان العلم المشاهد لا يناسب باب الظن وقد أفصح في ذلك أوس بن حجر في قوله:
الا لمعي الذي يظن بك الظن
كأن قد رأي وقد سمعا
وقال آخر:
فالاياتكم خبر يقين
فان الظن ينقص او يزبد
وقال بعض الشيوخ: اصل الظن ما يجول في النفس من الخاطر الذي يغلب على القلب، كأنه حديث النفس بالشئ، وتأول جميع ما في القرآن من معنى العلم على هذا وقال الحسن وابوالغالية ومجاهد وابن جريح: يظنون، أي يوقنون ومثله: " ظننت اني ملاق حسابيه "(3) أي علمت ومثله: " وظنوا ان لا ملجأ من الله إلا إليه "(4)، ومعناه استيقنوا وقوله: " ورأى المجرمون النار
---
(1) في الايرانية بدل: " بأن تغتزوا " " فان تغتروا " وبدل " غيبا " " عينا "، البيت في نقائض جرير والفرزدق وروايته " وأجلس فيكم " و " وأجعل علمي ظن غيب مرجما ".
(2) في الايرانية: " الذواد ".
(3) سورة الحاقة: آية 20.
(4) سورة التوبة آية: 119.

(1/203)


تفسير التبيان ج1
فظنوا انهم مواقعوها "(1)، يعني: علموا وقد جاء في القرآن الظن بمعنى الشك كقوله: " ان هم إلا يظنون "(2) وقوله: " ان الظن لا يغني من الحق شيئا "(3) وقال قوم: يحتمل قوله " يظنون " وجها آخرا، وهو انهم يظنون انهم ملاقوا ربهم بذنوبهم لشدة اشفاقهم من الاقامة على معصية الله، وهذا وجه مليح، وقد استعبده الرماني وقال: لان فيه حذوفا كثيرة، وليس بمنكر اذا كان الكلام محتملا له وقيل أيضا: الذين يظنون إنقضاء اجلهم وسرعة موتهم فيكونون ابدا على حذر ووجل، كما يقال لمن مات: لقي الله والظن والشك والتجويز نظائر، إلا ان الظن فيه قوة على أحد الامرين دون الآخر، وحده ما قوي عند الظان كون المظنون على ما ظنه مع تجويزه ان يكون خلافه فبالتجويز ينفصل من العلم، وبالقوة ينفصل من الشك والتقليد وغير ذلك وضد الظن اليقين ويقال ظن ظنا وتظنن تظننا وقال: " وظنوا انهم الينا لا يرجعون "(4) وقوله: " ظننتم ظن السوء "(5) والظنين المتهم، ومصدره الظنة والظنون الرجل السئ الظن بكل احد، والظنون القليل الخير، والتظني والتظنن بمعنى واحد والظنون البئر التي يظن ان بها ماء ولا يكون فيها شئ، ومظنة الرجل ومظانه حيث يألفه فيكون فيه.
ومعنى قوله " انهم ملاقوا ربهم " اي ملاقوا جزاء ربهم، فجعل ملاقاة الجزاء ملاقاة له تفخيما وتعظيما لشأن الجزاء وأصل الملاقاة الملاصقة، من قولك التفى الحدان اي تلاصقا، ثم كثر حتى قالوا التقى الفارسان اذا تحاذيا ولم يتلاصقا ومثل ما قلنا في قوله " ملاقوا ربهم " قوله تعالى: " فاعقبهم نفاقا نفي قلوبهم إلى يوم يلقونه "(6) معناه يوم يلقون جزاءه، لان المنافقين لا يرون الله عند احد من اهل الصلاة، وكذلك قوله " ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال اليس هذا بالحق
---
(1) سورة الكهف آية 54.
(2) سورة الجاثية آية: 23.
(3) سورة يونس آية: 36.
(4) سورة القصص آية: 39.
(5) سورة الفتح آية: 12.
(6) سورة التوبة آية: 78.

(1/204)


تفسير التبيان ج1
قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون "(1) معناه إذ وقفوا على جزاء ربهم، لان الكفار لا يرون الله عند احد من الامة فان قيل: ما معنى الرجوع ههنا وهم ما كانوا قط في الآخرة فيعودوا إليها؟ قيل: راجعون بالاعادة في الآخرة - في قول ابي الغالية - وقيل: يرجعون بالموت كما كانوا في الحال المتقدمة، لانهم كانوا امواتا، ثم احيوا، ثم يموتون، فيرجعون امواتا كما كانوا: والاول اظهر واقوى، وقيل: ان معناه: انهم راجعون إلى ان لا يملك احدهم ضرا ولا نفعا غيره تعالى كما كانوا في بد والخلق، لانهم في ايام حياتهم قد يملك الحكم عليهم غيرهم، والتدبير لنفعهم وضرهم بين ذلك قوله: " مالك يوم الدين " ومعنى ذلك انهم يقرون بالنشاة الاخرة فجعل رجوعهم بعد الموت إلى المحشر رجوعا اليه.
اللغة: وأصل الرجوع العود إلى الحال الاول يقال رجع الرجل ورجعته وهو احد ما جاء على فعل وفعلة ويحتمل ان يكون المراد أنهم اليه صائرون كما يقول القائل: رجع الامر إلى فلان وان كان قط لم يكن له ومعناه صار اليه: وحذفت النون من " ملاقوا ربهم " عند البصريين تخفيفا والمعنى على اثباتها، ومثله قوله: " انا مرسلوا الناقة "(2) " وكل نفس ذائفة الموت "(3) قال الشاعر:
هل انت باعث دينار لحاجتنا
او عبد رب اخاعون بن مخراق(4)
ولو اردت معنى الماضي لتعرف الاسم بالاضافة، لم يجز فيه اظهار النون البتة واذا كان الفعل غير واقع كان اثبات النون هو الوجه دون الاضافة فلو قيل
---
(1) سورة آل عمران آية: 106 وسورة الانعام آية: 30 والاعراف: آية 48 والانفال آية: 35 والاحقاف آية 34.
(2) سورة القمر آية 37.
(3) سورة آل عمران آية 185 وسورة الانبياء آية: 35 وسورة العنكبوت آية 57.
(4) سيبويه قال صاحب الخزانة: البيت من ابيات سيبويه التي لم يعرف قائلها وقيل هو لبربن رألان السنبسي وقيل هو لجرير وقيل لتأيط شرا دينار وعبد رب: رجلان.

(1/205)


تفسير التبيان ج1
ملاقون كان صوابا قال الاخفش: وجرى حذف النون ههنا للاستثقال كما قال الشاعر في قوله:
فان الذي حانت بفلج دماؤهم
هم القوم كل القوم يا ام خالد(1)
فاسقط النون من الذين استثقالا وقال الاخطل:
ابني كليب ان عمي اللذا
قتلا الملوك وفككا الاغلالا
فاسقط النون وقال الكوفيون: اذا حذف النون فاللفظ الاسم وإذا اثبت وظهر النصب فالمعنى الفعل.
قال الزجاج: ويجوز كسر الهمزة من قولهم: انهم اليه راجعون، لكن لم يقرأ به أحد على معنى الابتداء ولا يجوز كسر الاولى لان الظن وقع عليها.
قوله تعالى: يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وإني فضلتكم على العالمين(47)
آية
المعنى: قد مضى تفسير مثل هذا في ما تقدم فلا وجه لاعادته وأما قوله: " وإني فضلتكم على العالمين " ذكرهم الله تعالى من الآية ونعمه عندهم بقوله: " وإني فضلتكم على العالمين " فضلت اسلافكم، فنسب النعمة إلى آبائهم واسلافهم، لانها نعمة عليهم منه، لان مآثر الآباء مآثر الابناء، والنعم عند الاباء نعم عند الابناء لكون الابناء من الآباء.
وقوله " فضلتكم "
اللغة: فالتفضيل، والترجيح، التزييد، نظائر والتفضيل نقيضه: التسوية يقال: فضله وتنقصه على وجهة النقص ونقيض التزييد: التنقيص يقال: فضل فضلا
---
(1) البيت للاشهب بن رميلة سيبوية 1: 96 والبيان 4: 55 وفلج واد بين البصرة وحمى ضربة ومر هذا البيت ايضا في 1: 86.

(1/206)


تفسير التبيان ج1
وافضل افضالا وتفضل تفضلا واستفضل استفضالا وتفاضلوا تفاضلا وفاضله مفاضلة وفضله تفضيلا والمفضال: اسم المفاضلة والفضيلة: الدرجة الرفيعة في الفضل والتفضل: التوشح ورجل فضل: متفضل وامرأة متفضلة، وعليها ثوب فضل: اذا خالفت بين طرفيه على عاتقها فتتوشح به قال الشاعر: " اذا تعود فيه الفسه الفضل " وافضل فلان على فلان: اذا أناله من خيره وفضله واحسن اليه وافضل فلان من الطعام والارض والخبز: اذا ترك منه شيئا.
لغة أهل الحجاز: فضل يفضل ورجل مفضال: كثير المعروف والخير والفضائل: واحدها فضيلة وهي المحاسن والفواضل: الايادي الجميلة وثوب المفضل: ثوب تخفف به المرأة في بيتها والجمع مفاضل وامرأة مفضل: اذا كان عليها مفضل واصل الباب: الزيادة والافضال، والاحسان، والانعام نظائر ويقال فضله: اذا اعطاه الزيادة وفضله اذا حكم له بالزيادة فان قيل لم كرر قوله: " يا بني اسرائيل "؟
قلنا: لانه لما كانت نعم الله هي الاصل فيما يجب فيه شكره وعبادته، احتيج إلى تأكيدها كما يقول القائل: اذهب اذهب: اعجل اعجل وغير ذلك في الامر المهم، وايضا فان التذكير الاول ورد مجملا، وجاء الثاني مفصلا، كأنه قال اذكروا نعمتي التي انعمت عليكم فيما انتم عليه من المنافع التي تتصرفون فيها وتتمتعون بها، وإني فضلتكم على العالمين ودل هذا على قوله: " وإني فضلتكم على العالمين " لانها احدى الخصال التي ذكروا بها وجاءت عاطفة فدلت على خصلة قبلها: اما مذكورة او مقدرة وإنما فضلوا بما ارسل الله فيهم من كثرة الرسل وانزل عليهم من الكتب: وقيل: تكثرة من جعل فيهم من الانبياء وما انزل الله عليهم من المن والسلوى إلى غير ذلك من النعمة العظيمة من تغريق فرعون عدوهم، ونجاتهم من عذابه، وتكثير الآيات التي يخف معها الاستدلال، ويسهل بها كثرة المشاق وهو قول اكثر أهل العلم كابي الغالية، وغيره ونظير هذه الآية قوله " واذ نجيناكم من آل فرعون " " وإذ فرقنا بكم البحر فانجيناكم واغرقنا آل فرعون وانتم تنظرون "

(1/207)


تفسير التبيان ج1
وقوله " على العالمين "
المعنى: قال أكثر المفسرين: انه أراد الخصوص ومعناه عالمي زمانهم ذهب اليه قتادة والحسن وابوالغالية ومجاهد وغيرهم وقال بعضهم: اذا قلت فضل زيد على عمرو في الشجاعة لم يدل على انه أفضل منه على الاطلاق، ولا في جميع الخصال فعلى هذا يكون التخصيص في التفضيل لا في العالمين وامة نبينا محمد " ص " أفضل من أولئك بقوله: " كنتم خير امة اخرجت للناس "(1) وعليه اجماع الامة، لانهم اجمعوا على ان امة محمد " ص " أفضل من سائر الامم كما ان محمدا " ص " أفضل الانبياء من ولد آدم " ع "
قوله تعالى: واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون(48)
آية واحدة بلا خلاف
قرأ ابن كثير وأهل البصرة " لا يقبل منها بالياء " الباقون بالتاء.
الاعراب: موضع " لا تجزي " نصب لانه صفة يوم والعائد عند الكسائي لا يكون إلا هاء محذوفة من تجزيه وقال بعضهم: لا يجوز إلا فيه: وقال سيبويه والاخفش والزجاج: يجوز الامران
المعنى: قال ابوعلي المعنى في قوله " لايقبل منها شفاعة " فمن ذهب إلى ان (فيه) محذوفة من قوله " واتقوا يوما لا تجزي "، جعل (فيه) بعد قوله " ولا يقبل " ومن
---
(1) سورة آل عمران آية 110.

(1/208)


تفسير التبيان ج1
ذهب إلى انه حذف الجار، وأوصل الفعل إلى المفعول، ثم حذف الراجع من الصفة كما يحذف من الصلة، كان مذهبه في قوله: لا يقبل ايضا مثله وحذف الهاء من الصفة يحسن كما يحسن حذفها من الصلة ألا ترى ان الفعل لا يتسلط بحذف المفعول منه علو الموصوف كما لا يتسلط بذلك على الموصول؟ ومما حذف منه الراجع إلى الصفة قوله: وما شئ حميت بمستباح ومن الحذف قوله:
ترو حي اجدران تقيلي
غدا بجنبي بارد ظليل
المعنى: تأتي مكانا اجدران تقيلي فيه فحذف الجار ووصل الفعل ثم حذف الضمير: ونظير الآية قول الراجز:
قد صبحت صبيحها السلام
بكبد خالطها السنام في ساعة يحبها الطعام(1)
أي تحب الطعام فيها.
اللغة: والمجازاة والمكافأة والمقابلة نظائر يقال: جزى يجزي جزاء، وجازاه مجازاة، وتجازوا تجازيا: قال صاحب العين: المجازاة: المكافأة بالاحسان احسانا وبالاساءة اساءة وفلان: ذو جزاء وذو غناء وتقول هذا الشئ يجزئ عن هذا بهمز وتليين وفي لغة يجزي أي يكفي واصل الباب مقابلة الشئ بالشئ
المعنى: ومعنى قوله " لا تجزي نفس عن نفس شيئا "(2) أي لاتقابل مكروهها بشئ يدرأه عنها قال الله تعالى: " هل تجزون إلا ما كنتم تعملون "(3) وقال: " اليوم تجزى كل نفس ما كسبت "(4) والفرق بين المقابلة والمجازاة ان المقابلة قد تكون للمساواة فقط كمقابلة الكتاب بالكتاب والمجازاة تكون في الشر بالشر والخير بالخير ومعنى
---
(1) صبح القوم سقاهم الصبوح وهو ما يشرب صباحا من خمر أو لبن.
(2) سورة البقرة آية 48 - و 123.
(3) سورة النمل آية 90.
(4) سورة المؤمن آية 17.

(1/209)


تفسير التبيان ج1
قوله " لا تجزي " أي لا تغني وهو قول السدي كما تقول: البقرة تجزي عن سبعة وهي لغة أهل الحجاز وبنو تميم تجزئ بالهمزة من اجزاه: والاول من جزت.
وقال الاخفش لاتجزي منها أي لا يكون مكانها بدلا منها وأنكر عليهم ذلك لقوله: " شيئا " وجعل الاخفش لا تجزي منها " شيئا " في موضع المصدر كأنه يقول لا تجزي جزاء ولا تغني غناء.
قال الرماني والاقرب ان تكون " شيئا " في موضع حقا كأنه قيل لا يؤدي عنها حقا وجب عليها.
وقال بعضهم " لا تجزي " بمعنى لا تقضي وقبول الشئ تلقيه والاخذ به وضده الاعراض عنه ومن ثم قيل لتجاه القبلة قبالة وقالوا: أقبلت المكواة الداء أي جعلتها قبالته ويجوز ان يكون المخاطبون بذلك اليهود، لانهم زعموا ان اباءهم الانبياء وتشفع لهم واويسوا بقوله " قل فلم يعذبكم بذنوبكم " وبقوله: " لا يقبل منها شفاعة " والقبول والانقياد والطاعة والاجابة نظائر ونقيضها الامتناع يقال قبل قبولا، وأقبل اقبالا، وقابله مقابلة وتقابلوا تقابلا، واستقبله استقبالا، وتقبل تقبالا، وقبله تقبيلا وقبل نقيض بعد والقبل خلاف الدبر والقبل اقبالك على الشئ كأنك لا تريد غيره والقبل الطاقة تقول لا قبل لي أي لا طاقة لي ومنه قوله: " فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها(1) " والقبل التلقاء تقول لقيته قبلا أي مواجهة واصبت هذا من قبله أي من تلقائه أي من لدنه ومن عنده وقوله: " وحشرنا عليهم كل شئ قبلا(2) " أي قبلا وفسر بعضهم عيانا، وكل جيل من الناس والجن والقبيلة من قبائل العرب معروفة والكرة يقال لها قبائل وكل قطعة من الجلد قبيلة وقبيلة الرأس كل فلقة قد قوبلت بالاخرى وكذلك قبائل العرب.
والقبال: زمام البغل يقال: بغل مقبولة ومقبلة والقبل رأس كل شئ مثل الجبل والاكمة وكثب الرمل وقبالة كل شئ ما كان مستقبله ومن الجيران مقابل ومدابر وشاة مقابلة: اذا قطعت من اذنها قطعة وتركت معلقة من مقدم، وان كانت من خلف فهي مدابرة واذا ضممت شيئا إلى شئ قلت قابلته والقابلة هي الليلة: المقبلة وكذلك العام القابل والمقبل والقابلة: التي تقبل الولد
---
(1) سورة النمل آية 37.
(2) سورة الانعام آية 111.

(1/210)


تفسير التبيان ج1
والقبول من الريح: الصبا لانها تستقبل الدبور، وهي تستقبل القبلة من المشرق والقبول: ان تقبل العفو وغير ذلك وهو اسم المصدر واميت الفعل منه والقبول الاسم تقول: أفعل هذا من ذي قبل أي من ذي استقيال والقبلة معروفة والفعل منه التقبيل والقبلة قبلة الصلاة والتقبل تقبل الشئ تقول: تقبل الله منك وعنك عملك وتقول: تقبلت فلانا من فلان بقبول حسن ورجل مقابل في كرم وفي شرف من قبل اعمامه واخواله ورجل مقبل الشاب لم ير فيه اثر من الكبر والقبيل والدبير: في الجبل فالقبيل الفتل الاول الذي عليه العمامة، والدبير الفتل الاخر وبعضهم يقول القبيل في قوى الحبل كل قوة على وجهها الداخل قبيل والوجه الخارج: دبير وقد قرئ قبلا وقبلا فمن قرأ قبلا أراد جمع قبيل ومن قرأ قبلا أراد مقابلة والقبيل والكفيل واحد وقبيل القوم عريفهم والباب المقابلة خلاف المدابرة وأما الشفاعة فهي مأخوذة من الشفع الذي هو خلاف الوتر فكأنه سؤال من الشفيع شفع: سؤال المشفوع له والشفاعة، والوسيلة والقربة والوصلة نظائر ويقال شفع شفاعة وتشفع تشفعا، واستشفع استشفاعا، وشفعه تشفيعا والشفع من العدد: ما كان ازواجا تقول كان وترا فشفعته باخر حتى صار شفعا ومنه قوله: " والشفع والوتر(1) " قال الشفع: يوم النحر والوتر: يوم عرفه.
وقال بعض المفسرين: الشفع: الحفاء يعني كثرة الخلق والوتر الله والشافع: الطالب لغيره والاسم الشفاعة والطالب: الشفيع والشافع والشفعة في الدار معروفة وتقول فلان يشفع الي بالعداوة أي يعين علي ويعاديني وتقول شفعت الرجل: اذا صرت ثانيه وشفعت له: اذا كنت له شافعا وانما سميت شفعة الدار، لان صاحبها يشفع ما له بها، ويضمها إلى ملكه واصل الباب: الزوج من العدد:
وقوله " ولا يقبل منها شفاعة " مخصوص عندنا بالكفار، لان حقيقة الشفاعة عندنا ان يكون في اسقاط المضار دون زيادة المنافع والمؤمنون عندنا يشفع لهم النبي صلى الله عليه وآله فيشفعه الله تعالى، ويسقط بها العقاب عن المستحقين من أهل الصلوة لما روي من قوله " ع ": ادخرت شفاعتي لاهل الكبائر
---
(1) سورة الفجر آية 3.

(1/211)


تفسير التبيان ج1
من امتي: وانما قلنا لا تكون في زياة المنافع، لانها لو استعملت في ذلك، لكان احدنا شافعا في النبي " ص " اذا سأل الله ان يزيده في كراماته وذلك خلاف الاجماع فعلم بذلك ان الشفاعة مختصة بما قلناه وعلم بثبوت الشفاعة ان النفي في الآية يختص بالكفار دون أهل القبلة والآيات الباقيات(1) نتكلم عليها اذا انتهينا اليها ان شاء الله والشفاعة ثبت عندنا للنبي " ص " وكثير من اصحابه ولجميع الائمة المعصومين وكثير من المؤمنين الصالحين وقيل ان نفي الشفاعة في هذه الآية يختص باليهود من بني اسرائيل، لانهم ادعوا انهم ابناء الله واحباؤه واولاد انبيائه، وان اباءهم يشفعون اليه فايسهم الله من ذلك، فاخرج الكلام مخرج العموم والمراد به الخصوص ولابد من تخصيص الآية لكل احد، لان المعتزلة والقائلين بالوعيد يثبتون شفاعة مقبولة - وان قالوا انها في زيادة المنافع - واصل الشفاعة ان يشقع الواحد للواحد فيصير شفعا ومنه الشفيع لانه يصل جناح الطالب ويصير ثانيا له والذي يدل على ان الشفاعة في اسقاط الضرر قول شاعر غطفان انشده المبرد:
وقالوا اتعلم ان مالك ان تصب
يفدك وان يحبس يديل ويشفع(2)
واستعملت في زيادة المنافع ايضا - وان كان مجازا لما مضى -.
قال الحطيئة في طلب الخير:
وذاك امرؤ ان تاته في صنيعة
إلى ما له لم تأته بشفيع
وقد استعملت الشفاعة بمعنى المعاونة
انشد بعضهم للنابغة:
اتاك امرؤ مستعلن لي بغصة
له من عدو مثل مالك شافع
أي معين وقال الاحوص:
كأن من لا مني لا صرمها
كانوا لليلى بلومهم شفعوا
أي تعاونوا قوله: " لايؤخذ منها عدل "
---
(1) في المخطوطة " الباقية ".
(2) يديل: يزول.

(1/212)


تفسير التبيان ج1
اللغة: والعدل، والحق، والانصاف نظائر والعدل: نقيض الجور يقال: عدلا عدل واعتدل اعتدالا وتعادل تعادلا تعدلا وعادله معادلة وعدله تعديلا والعدل المرضي من الناس يقع على الواحد والجماعة والذكر والانثى: فاذا قلت هم عدل قلت هما عدلان والعدل: الحكم بالحق يقال هو حكم عدل ذو معدلة في حكمه وعدل الشئ نظيره.
ومثله تقول عدلت بفلان فلانا اعدله والعادل المشرك الذي يعدل بربه والعدل ان يعدل الشئ عن وجهه فيميله تقول: عدلته عن كذا وعدلت انا عن الطريق والعديل الذي يعادلك في المحمل أو نحوه ما كان وسمعت العرب تقول: اللهم لا عدل لك أي لا مثل لك وفي الكفارة (عدل ذلك) أي مثله في العدل، لا بالنظير بعينه والعدل الفداء، لقوله: " لا يقبل منها عدل " وقيل ايضا: ان العدل: الفريضة والصرف: النافلة وقوله " بربهم يعدلون(1) " أي يشركون وقيل لما يؤكل: معتدل اذا لم يكن فيه ضرر من حر أو برد وتقول عدلته أى اقمته حتى اعتدل واستقام وعدلت فلانا عن طريقه والدابة عن طريقها: إذا عطفتها فانعدلت وانعدل(2) الطريق.
ويقولون الطريق يعدل إلى مكان كذا وكذا فاذا أراد الاعوجاج نفسه قال: ينعدل في مكان كذا وكذا أي ينعوج، والاعتدال: الاستواء فلان عدل حسن العدالة، واصل الباب العدل الذي هو الاستقامة والعدل المذكور في الآية الفدية روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وهو قول ابن عباس وابي الغالية وقال قوم هو بدل والفرق بين العدل والعدل ان العدل بالكسر المثل تقول عندي عدل جاريتك أي جارية مثلها فاذا قلت عندي عدل جاريتك يجوز ان يكون قيمتها من الثمن ومن قرأ بالتاء فلان الشفاعة مؤنثة ومن ذكر قال: لان التأنيث ليس بحقيقي ولان الفعل تقدم على المؤنث فاشبه علامة التثنية والجمع اذا تقدم الفعل سقط كذلك ههنا ومثله قوله: " لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل " وكقول الشاعر:
---
(1) سورة الانعام: آية 1. وسورة الانعام: آية 150.
(2) في المطبوعة " العدل ".

(1/213)


تفسير التبيان ج1
فلا مزنة ودقت ودقها
ولا ارض ابقل ابقالها(1)
والتاء اجود، لانه أصل والياء حسن قوله " ولا هم ينصرون "
اللغة: والنصر والمعونة والتقوية نظائر وضد النصر الخذلان يقال: نصرته نصرا وانتصر انتصارا واستنصر استنصارا وتناصر تناصرا قال صاحب العين: النصر عون المظلوم وفي الحديث: انصر اخاك ظالما ومظلوما معناه ان كان مظلوما فامنع منه الظلم وان كان ظالما فامنعه من الظلم وانهه والانصار: كالنصار وانصار النبي " ص " اعوانه وانتصر فلان: اذا انتقم من ظالمه والنصير الناصر والتنصر الدخول في النصرانية والنصارى منسوبون إلى ناصرة، وهي موضع ونصرت السماء اذا امطرت قال الشاعر:
اذا خرج الشهر الحرام فودعي
بلاد تميم وانصري ارض عامر
ونصرت الرجل: اذا اعطيته وانشد:
ابوك الذي اجدى علي بنصرة
فاسكت عني بعده كل قائل
وأصل الباب والمعونة والنصرة قد تكون بالحجة وقد تكون بالغلبة فالله (عز وجل) ينصر جميع المؤمنين بالحجة التي تؤيدهم واما النصر بالغلبة فبحسب المصلحة ولا يدل وقع الغلبة لبعض المؤمنين على انه مسخوط عليه كما انه ليس في تخلية الله بين الكفار وبين الانبياء دلالة على حال منكرة وقد قتل الكفار كثيرا من الانبياء ونالوا منهم بضروب من الاذى قال الله تعالى " ذلك بانهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق "(2)
وقوله: ثم بغي عليه لينصره الله معناه بالغلبة واما ما يأخذ له بالحق من الباغي عليه، لينصر به من الله للمبغي عليه واقعة لا محالة والخذلان لا يكون الا للظالمين، لان الله تعالى لا يخذل اولياءه واهل طاعته
---
(1) مر هذا البيت: 1: 126.
(2) سورة الحج: آية 60.

(1/214)


تفسير التبيان ج1
وقوله: " ان ينصركم الله فلا غالب لكم "(1) أي بالمعونة التي توجب الغلبة، لان الله تعالى يقدر على اعطائهم ما يغلبون به كل من نازعهم، ويستعلون على كل من ناوأهم وحد النصرة: المعونة على كل من ظهرت منه عداوة، وقد تكون المعونة بالطاعة فلا تكون نصرة والفرق بين النصرة والتقوية ان التقوية قد تكون على صناعة والنصرة لا تكون الا مع منازعة.
فاما قولهم: لا قبل الله منهم صرفا ولا عدلا فقال الحسن البصري: الصرف: العمل والعدل: الفدية وقال الكلبي: الصرف: الفدية والعدل: الفريضة وقال ابوعبيدة: الصرف: الحيلة والعدل: الفدية وقال ابومسلم: الصرف: التوبة والعدل: الفداء.
قوله تعالى: واذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون ابناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم(49)
آية بلا خلاف
هذه الآية عطف على ما تقدم من قوله " اذكروا نعمتي التي انعمت عليكم " ف_" اذا " ههنا متعلقة بذلك كأنه قال اذكروا نعمتي عليكم اذ نجيناكم من آل فرعون ونظيره " والى ثمود اخاهم صالحا "(2) لما تقدم ما يدل على " ارسلنا " وهو قوله: " لقد ارسلنا نوحا إلى قومه "(3) فكأنه قال: وارسلنا إلى ثمود اخاهم صالحا والخطاب وان كان متوجها إلى الحاضرين في الحال، فالمراد به من سلف لهم من الآباء كما يقول القائل: هزمناكم يوم ذي قار، وقتلناكم يوم الفجار(4) وانما يعني الاسلاف قال الاخطل يهجو جريرا:
ولقد سما لكم الهذيل قتالكم
باراب حيث يقسم الانفالا(5)
وجرير لم يلحق هذيلا
---
(1) آل عمران: آية 160.
(2) سورة الاعراف: آية 72.
(3) سورة الاعراف آية 58.
(4) في المطبوعة والمخطوطة " الجفار ".
(5) ديوانه، ونقائض جرير والاخطل، والهذيل هذا هو ابن بهرة التغلبي غزا بنى يربوع باراب " وهو ماء لبني رياح بن يربوع " وبني تيم تفزع اولادها باسمه والانفال: الغنائم وفي المطبوعة والمخطوطة " نفيتم " بدل يقسم.

(1/215)


تفسير التبيان ج1
ولا ادرك اراب وقد بينا ان النعمة على الآباء نعمة على الاولاد، فلا وجه لاعادته.
اللغة: ومعنى " نجيناكم " فالنجاة، والسلامة، والاسعاد، والتخلص نظائر وضد النجاة الهلاك تقول: نجاينجو نجاة وانجاه الله: إنجاء ونجاه تنجية وانتجوا انتجاء واستنجى استنجاء، وتناجوا تناجيا.
قال صاحب العين: نجا ينجو نجاة في السرعة فهو ناج: اي سريع وناقة ناجية اي سريعة وتقول نجوت فلانا اي استنكهته قال الشاعر:
نجوت مجالدا فوجدت منه
كريح الكلب مات حديث عهد
ونجا بنو فلان اذا احدثوا ذنبا او غيره، والاستنجاء: التنظيف بمدرأ وماء والنجاة هي النجوة من الارض وهي التي لا يعلوها السيل قال الشاعر:
فمن بنجوته كمن بعقوته
والمستكن من يمشي بقرواح
والنجو: السحاب اول ما ينشا وجمعه نجاء: والنجوة: ما خرج من البطن من ريح وغيرها والنجو: استطلاق البطن يقال: نجا فلان نجوا
والنجو: كلام بين اثنين كالسر والسار تقول ناجيتهم فتناجوا بينهم، وكذلك انتجوا وهم جميعا نجوى وكلامهم نجوى، وفلان نجي فلان اي يناجيه دون غيره قال الشاعر:
إنى اذا ما القوم كانوا انجيه
واضطرب القوم اضطراب الارشيه
والنجا: ما القيته عن نفسك من ثياب او سلخته عن الشاة تقول: نجوت الجلد انجوه نجا اذا كشطته ونجوت العود اي اقتضبته.
وقال بعض المفسرين في قوله: " فاليوم ننجيك ببدنك "(1) أي نلقيك على نجوة وأصل الباب: النجوة وهي الارتفاع والفرق بين النجاة وبين التخلص ان التخلص قد يكون من تعقيد ليس باذى وليس كذلك النجاة، لانها لا تكون الا من مكروه وكل نجاة: نعمة ولا يقال: لمن لاخوف عليه نجا، لانه لا يكون ناجيا الا مما يخاف مثله
---
(1) سورة يونس آية: 92.

(1/216)


تفسير التبيان ج1
قوله " من آل فرعون " فالآل، والاهل، والقرابة، نظائر، وقيل اصل الآل الاهل، لانه يصغر اهيل: وحكى الكسائي: اويل فزعموا انها ابدلت كما قالوا: ايهات وهيهات وكما قالوا ماء واصلها ماه بدليل قولهم مويه في التصغير وفي الجمع: امواه ومياه وقيل: لابل أصل على حياله: والفرق بين الآل والاهل ان الاهل اعم منه يقال أهل الكوفة ولا يقال آل الكوفة ويقال أهل البلد ولا يقال آل البلد وآل فرعون: قومه واتباعه.
وقال صاحب العين: الآل كل شئ يؤول إلى شئ: اذا رجع اليه تقول: طبخت العصير حتى آل إلى كذا واولى كلمة وعيد على وزن فعلى والآل: السراب وآل الرجل: قرابته واهل بيته وآل البعير: الواحه، وما اقترب من او طار جسمه وآل الخيمة عمدها والآلة: شدة من شدائد الدهر قالت الخنساء:
سأحمل نفسي على آلة
اما عليها وامالها
وآل الجبل: اطرافه ونواحيه، وقال ابن دريد آل كل شئ: شخصه وآل الرجل: اهله وقراباته قال الشاعر:
ولا تبك ميتا بعد ميت اجنه
علي وعباس وآل ابي بكر
والآلة: الحربة وأصل الباب: الاول وهو الرجوع.
قال ابوعبيدة: سمعت أعرابيا فصيحا يقول أهل مكة آل الله: فقلنا: ما تعني بذلك؟ قال: اليسوا مسلمين، والمسلمون آل الله؟ قال وقال: ليس يجوز ان ينصب رجلا من المسلمين فيقول آل فلان وانما يجوز ذلك للرئيس المتبع وفي شبه مكة لانها ام القرى ومثل فرعون في الضلال واتباع قومه له فان جاوزت هذا فان آل الرجل اهل بيته خاصة فقلنا له: افيقول لقبيلته(1) آل فلان قال: لا إلا أهل بيته خاصة وفرعون اسم لملوك العمالقة كما قيل: قيصر لملك الروم وكسرى: لملك الفرس وخاقان: لملك الترك والاخشاذ: الملك الفراعنة وتبع: لملك التبابعة فهو على هذا بمعنى للصفة، لانه يفيد فيه انه ملك العمالقة بنفس الصفة الجارية عليه وعلى غيره
---
(1) في المطبوعة والمخطوطة: (فقلت له فتقول للقبيلة).

(1/217)


تفسير التبيان ج1
وقيل: ان اسم فرعون مصعب بن الريان، وقال محمد ابن اسحاق: هو الوليد بن مصعب ومعنى قوله: " يسومونكم سوء العذاب " اي يولونكم سوء العذاب اللغة: يقال سامه خطة خسفا: اذا اولاه ذلك.
قال الشاعر: ان سيم خسفا وجهه تربدا(1) وقيل يجشمونكم سوء العذاب والسوم، والتجشم، والتجمل، نظائر.
يقال: سامه الشقة وجسمه اياها وحمله اياها بمعنى (واحد) يقال: سام، يسوم، سوما وساومه، واستامه، استياما وتساوموا تساوما وسوم تسويما والسوم سومك سامة ومنه المساومة والاستيام والسوم من سير الابل وهبوب الرياح اذا كان مستمرا في سكون يقال: سامت الرياح وسامت الابل وهي تسوم سوما والسوام هي الغنم السائمة واكثر ما يقال ذلك في الابل خاصة، والسائمة تسوم الكلا سوما: اذا داومت رعيه والراعي يسيمها والمسيم الراعي والسويم: العلامة على الجبل يقال: سوم فلان فرسه: إذا اعلم عليه بحريرة او شئ يعرف به والسما: في الاصل ياء وهاء وواو وهي العلامة التي يعرف بها الخير والشر في الانسان ومنه قوله: " سيماهم في وجوهم "(2) " وتعرفهم بسيماهم "(3) وقوله: " يعرف المجرمون بسيماهم "(4) ويقال سيماء الخير وسمت فلانا سوء العذاب من المشقة.
وقال ابن دريد سام الرجل ما شيته يسومها سوما اذا وعاها فالماشية سائمة والرجل مسيم ولم يقولوا سام خرج من القياس وأصل الباب: السوم(5) الذي هو ارسال الابل في المرعى وقوله: " سوء العذاب " " واليم العذاب " " وشديد العذاب " نظائر يقال: ساءه يسوءه سوء واساء اساءة قال صاحب العين: السوء اسم العذاب الجامع للآفات
---
(1) الخسف: الظلم والهوان تربد وجهه: تلون من الغضب كانما تسود منه مواضع.
(2) سورة الفتح آية: 29.
(3) سورة البقرة آية: 273.
(4) سورة الرحمن آية: 41.
(5) السوم ساقطة من المخطوطة المطبوعة هامش.

(1/218)


تفسير التبيان ج1
والداء تقول سؤت فلانا اسوءه مساءة ومسائية: وتقول اردت مساءتك ومسائتيك واسأت اليه في الصنع واستاء فلان من السوء كقوله: اهتم من الهم وسؤت فلانا وسوءت له وجهه وتقول لساء ما صنع والسئ والسيئة اسم الخطيئة والسوأى فعلى اسم للفعلة السيئة بمنزلة الحسنى وامرأة سوء قبيحة والسوءة السوأى للفعلة القبيحة يقال للرجل السوء والسوأة الفرج لقوله: " فبدت لهما سوأتهما "(1) والسوأة كل عمل يشين، تقول سوأة لفلان، تعيبه لانه ليس بخير.
والسوأة السؤى: المرأة المخالفة، وتقول في النكرة رجل سوء فاذا عرفته قلت: الرجل السوء لا تضيفه وتقول عمل سوء وعمل السوء ورجل صدق ولا تقول الرجل الصدق لان الرجل ليس من الصدق وكلما ذكر بسئ فهو السوء ويكنى عن البرص بالسوء كقوله: " بيضاء من غير سوء "(2) أي من غير برص وتقول: الاخير في قول السوء ولا في قول السوء فاذا فتحت السين فعلى ما وصفناه واذا ضممته فمعناه لا تقل سوء وأصل الباب: السوء من قولك: ساء يسوء سوء، ثم كثر حتى صار علما على الضر القبيح، فقالوا اساء يسئ اساءة نقيض احسن يحسن احسانا.
وقوله: " يذبحون ابناءكم "
اللغة: فالذبح، والنحر، والشنق: نظائر والذبح: فري الاوداج: يقال ذبح ذبحا واستذبح استذباحا: وتذابحوا تذابحا وذبح تذبيحا وأصل الذبح الشق وذبحت المسك اذا فتقت عنه، فهو ذبيح ومذبوح.
والذبح: الشئ المذبوح لقوله: " وفديناه بذبح عظيم "(3) والذباح والذابحة بفتح الباء وتسكينها، داء يصيب الانسان في حلقه وتقول العرب: حي الله هذه الذبحة اي هذه الطلعة والذباح: الشقوق في الرجل اصله: ذباح في رجله والذبح نور أحمر وسعد الذابح: كوكب معروف من منازل القمر
---
(1) سورة الاعراف آية: 21، وسورة طه آية: 121.
(2) سورة طه آية: 22، وسورة النمل آية: 12، وسورة القصص آية: 32.
(3) سورة الصافات آية: 107.

(1/219)


تفسير التبيان ج1
قال صاحب العين: الذبح: قطع الحلقوم من باطن وموضعه المذبح والمذبح السكين الذي يذبح به الذباح والذباح نبات من الشجر قال الاعشى: " انما قولك صاب وذبح " وقال آخر: " كان عيني فيها الصاب مذبوح "(1) وأصل الباب الشق.
قوله: " يستحيون نساءكم " إنما قال نساءكم وهم كانوا لا يستبقون الاطفال من البنات تغليبا، لانهم كانوا يستبقون الصغار والكبار كما يقال: أقبل الرجال وإن كان معهم صبيان، وقيل إن اسم النساء يقع على الكبار والصغار، وقيل: انهم سمعوا بذلك على تقدير انهن يبقين حتى يصرن نساء والمرأة والنساء والزوجات، نظائر ولا واحد للنساء من لفظه ويقال: الرجال والنساء على وجه النقيض. قال صاحب العين: النسوة، والنسوان، والنسين، كل ذلك مثل النساء.
قوله: " وفي ذلكم بلاء من بكم عظيم " البلاء، والاحسان، والنعمة، نظائر في اللغة وبلى، بلى بلى فهو بال والبلاء لغة قال الشاعر:
والمرء يبليه بلاء السربال
تناكر الليالي واختلاف الاحوال
والبلية الدابة التي كانت تشد في الجاهلية عند قبرصا حبها راسها في الركبة حتى تموت ومنها ما يعقر عند القبر حتى يموت وناقة بلو مثل نضو قد أبلاها السفر والفعل من البلية ابتليت وتقول: بلى الانسان وابتلى والبلاء على وجهين في الخير والشر والله تعالى يبلي العبد بلاء حسنا وبلاء سيئا وابليت فلانا عذرا أي بليت فيما بينه وبيني بما لا لوم علي بعده.
والبلوى: هي البلية، والبلوى التجربة تقول بلوته بلوى وأصل الباب التجربة والبلاء: الامتحان الذي فيه انعام والبلاء، الامتحان الذي فيه انتقام، فاذا اردت الانعام، قلت: ابليته بلاء حسنا وفي الاختيار: تقول بلوته بلاء قال الله تعالى: " ونبلوكم بالخير والشر فتنة "(2)
---
(1) قاله ابوذؤيب الهذلي وصدر البيت " انى ارقت فبت الليل مشتجرا " وفي المحكم (مرتفقا) بدل " مشتجرا " ولعلهما روايتان والشتجر: الذي يضع يده تحت حنكه مذكر الشدة همه: - لسان العرب -.
(2) سورة الانبياء آية 35.

(1/220)


تفسير التبيان ج1
وقال في الانعام: " وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا " قال زهير:
جزى الله بالاحسان ما فعلا بكم
وابلاهما خير البلاء الذي يبلو(1)
فجمع المعنين لانه اراد: وانعم عليهما خير النعم التي يختبر بها عباده، وقال الاحنف: البلاء ثم الثناء، يعني الانعام، ثم الشكر،
المعنى: وإنما كان في استحياء النساء محنة عليهم وبلوى لهم، لانهم كثيرا يستعبدون، وينكحن على الاسترقاق فهو على رجالهن اعظم من قتلهن وقيل: إنهن كن يستبقين للاذلال، والاستبقاء، محنة، كما ان من أحيي: للتعذيب فحياته نقمة ومن احيي للتلذيذ فحياته نعمة والابناء جمع ابن والمحذوف من الابن عند الاخفش الواو، لانها اثقل وهي بالحذف اولى وقال الزجاج: يجوز أن يكون المحذوف ياء وواو اوهما سيان ولا حجة في النبوة كما لا حجة في الفتوة لقولهم فتيان قال: وقد جاء حذف الياء كما في يد كقولهم يديت اليه يدا وفي دم.
قال الشاعر:
فلو انا على حجر ذبحنا
جرى الدميان بالخبر اليقين
والقتل الذي هو فري الاوداج، او نقض بنية الحياة يقدر الواحد منا عليه وأما الموت بتسكين الحركة الحيوانية، او فعل ضد الحيوة عند من قال: لها ضد، فلا يقدر عليه غير الله.
الاعراب: وموضع " يسومونكم سوء العذاب " يحتمل أمرين من الاعراب:
احدهما الاستئناف: فيكون موضعه رفعا، كأنه قال: يسومونكم من قبل ذلك سوء العذاب
---
(1) سورة الانفال آية 17.
(2) ديوانه وروايته " رأى الله.. فأبلاهما ".

(1/221)


تفسير التبيان ج1
والثاني: - أن يكون موضعه نصبا على الحال من آل فرعون والعامل فيه نجيناكم " يسومونكم سوء العذاب " كان بذبح الابناء واستحياء النساء وقيل: باستعمالهم في الاعمال الشاقة واستحياء النساء كان بان يستبقين وقيل انه كان يفتش احياء النساء عما يلدن، وقيل: انهم كانوا يستحيون ان يلجوا على النساء في بيوتهن اذا انفردن عن الرجال صيانة لهم فعلى هذا يكون انعاما عليهن وهذا بعيد من من اقوال المفسرين والسبب في أن فرعون كان يذبح الابناء ويستحيي النساء.
ما ذكره السدي وغيره، أن فرعون رأى في منامه نارا اقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فاحرقت القبط وتركت بني اسرائيل، واخرجت مصر فدعى السحرة والكهنة والقافة فسألهم عن رؤياه فقالوا: يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه - يعنون بيت المقدس - رجل يكون على يده هلاك مصر فامر بني إسرائيل الا يولد لهم غلام إلا ذبحوه ولا جاريه الا تركت وليس في الآية دلالة على سقوط القود عمن قتل غيره مكرها ولا القود على المكره ولا ان كان مختارا غير مكره فالقود عليه لانه لم يجر لذلك ذكر: فان قيل اذا كانوا نجوهم والله انجاهم ما المنكر أن يكون العاصي هو الذي عصى الله والله خلق معصيته؟ قيل: لا يجب ذلك الا ترى انه يقال قد ينجيني زيد فانجو وان لم يكن فعل بلا خلاف وكذلك اذا استنقذنا النبي " ص " من الضلالة فخلصنا لا يجب ان يكون من فعل فعلنا واخبار الله اليهود بهذه القصة على لسان رسوله من دلائل نبوته، لان منشأه معروف وبعده عن مخالطة الكتابيين معلوم.
الآية: 50 - 59
قوله تعالى: واذ فرقنا بكم البحر فانجيناكم واغرقنا آل فرعون وانتم تنظرون(50)
آية
موضع اذا نصب كما تقدم وهو عطف على ما مضى فكأنه قال: واذ كروا اذ فرقنا بكم البحر: وذلك من جملة نعم الله تعالى التي عددها عليهم مما فعله

(1/222)


تفسير التبيان ج1
مع اسلافهم ومعنى فرقنا بكم البحر أي فرقنا بين الماءين حتى مررتم فيه وكنتم فرقا بينهما.
اللغة: والفرق والفصل والقطع نظائر: والفرق يقتضي الجمع يقال فرق فرقا وافرق المريض افراقا وافترق الشئ افتراقا واستفرق استفراقا وفرقه تفريقا وتفارقوا تفارقا وتفرق تفرقا وفارقه مفارقة وانفرق انفراقا والفرق موضع المفرق من الرأس والفرق تفريق ما بين الشيئين والفرق فرجك ما بين شيئين تفرق بينهما فرقا، حتى يتفرقا ويفترقا، وتقول تفارق هؤلاه الصبحة أي فارق بعضهم بعضا، وافترقوا وتقول: مشطت الماشطة كذا وكذا فرقا أي كذا وكذا ضربا والفرق طائفة من الناس.
قال أعرابي لصبيان رآهم هؤلاء فرق سوء والفرق: الطائفة من كل شئ، ومن الماء، اذا انفرق بعضه عن بعض وكل طائفة من ذلك فرق.
وقوله: " فكان كل فرق كالطود العظيم "(1) يعني الفرق من الماء، والفريق الطائفة من الناس والفرقة: مصدر الافتراق وهو احد ما خالف فيه مصادر افعل والفرقان: اسم للقرآن وكل كتاب انزل الله وفرق به بين الحق والباطل فهو فرقان وسمى الله تعالى التوراة فرقانا.
وقوله: " يوم الفرقان يوم التقى الجمعان "(2) كان يوم بدر ويوم احد فرق الله بين الحق والباطل والفرق هوالفلق والمفرق هو مكيال لاهل العراق والفرق: الخوف تقول: رجل فروقة وامرأة فروقة والفعل فرق يفرق من كذا فرقا.
وقوله: " وقرآنا فرقناه "(3) مخفف - معناه احكمناه كقوله: " فيها يفرق كل أمر حكيم "(4) وتقول: مفرق ما بين الطرفين وافرق فلان من مرضه افراقا اذا برئ ولا يكون الافراق إلا من مرض لا يصيب الانسان إلا دفعة واحدة: نحو الجدري، والحصبة، وديك افرق: اذا انفرق عرفه وتيس افرق: اذا تباعد طرفا قرنيه ورجل فروقة وكذلك المرأة: مثل، نسابة وعلامة وجاء مصدر فرقته
---
(1) سورة الشعراء: آية 64.
(2) سورة الانفال: آية 41.
(3) سورة الاسراء آية 106.
(4) سورة الدخان: آية 4 وسورة الرحمن آية 19.

(1/223)


تفسير التبيان ج1
تفرقة والفرق الذي جاء في الحديث: ما اسكر الفرق فالجرعة منه حرام، مكيال يعرف بالمدينة وفرقة من الناس ومعه فرق واصل الفرق الفصل بين الشيئين والفريقة حلبة تطبخ بتمر للنفساء وغيرها والبحر يسمى بحرا وهو انبساطه وسعته ويقال استبحر فلان في العلم وتبحر لا ستبحاره اذا اتسع فيه وتمكن منه(1) ويقال تبحر الراعي في رعي كثير قال امية الصغير:
انفق نصابك في نفل تبحره
من الاباطح واحبسها بخلدان
وتبحر فلان في الماء ومن ذلك بحيرة طبرية وهي عشرة اميال في ستة اميال.
وقيل: هي علامة خروج الدجال اذا يبست، فلا يبقى منها قطرة ماء وبحرت اذن الناقة بحرا اذا شققتها وهي البحير وكانت العرب تفعل ذلك اذا انتجت عشرة ابطن فلا تركب ولا ينتفع بظهرها فنهى الله عن ذلك والسائبة التي تسيب فلا ينتفع منها بظهر ولا لبن والوصيلة في الغنم كانت اذا وضعت انثى تركت وان وضعت ذكرا أكله الرجال، دون النساء وان ماتت الانثى الموضوعة اشتركوا في أكلها، وان ولد مع الميتة ذكر حي اتصلت به، كانت للرجال دون النساء ويسمونها وصيلة وقد قيل غير ذلك سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى والباحر الاحمق الذي لبس في حديثه اذا كلم بقي كالمبهوت.
وبحراني منسوب إلى البحرين ودم بحراني وباحر: اذا كان خالص الحمرة من دم الجوف والعرب تسمي المالح والعذب بحرا اذا كثر ومنه قوله: " مرجع البحرين يلتقيان "(2) يعني المالح والعذب وأصل الباب الاتساع والبحر: هو المجرى الواسع الكثير الماء واما المالح: فهو الذي لا يرى حافتيه من في وسطه، لعظمه وكثرة مائه فدجلة بحر بالاضافة إلى الساقية وليست بحرا بالاضافة إلى جدة، وما جرى مجراها
المعنى: ومعنى قوله " فرقنا بكم البحر " أي جعلناكم بين فرقيه تمرون في طريق يبس
---
(1) في المخطوطة والمطبوعة " فيه ".
(2) سورة طه: آية 77.

(1/224)


تفسير التبيان ج1
كما قال تعالى: " فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا "(1) وقال: " واوحينا إلى موسى ان اضرب بعصاك البحر فكان كل فرق كالطود العظيم "(2) وقال بعضهم في معنى فرقنا يعني بين الماء وبينكم أي فصلنا بينكم وبينه حجزنا حيث مررتم فيه وهذا خلاف الظاهر، وخلاف ما بينه في الآيات الاخر التي وردت مفسرة لذلك، ومبنية لما ليس فيه اختلاف.
وقوله: " واغرقنا آل فرعون "
اللغة: قال صاحب العين: الغرق: الرسوب في الماء ويشبه به الدين والبلوى والتغريق والتغويص والتغييب نظائر والنجاة ضد الغرق كما انها ضد الهلاك يقال غرق غرقا واغرق في الامر اغراقا وغرقه تغريقا وتغرق تغرقا ورجل غرق وغريق وغرقت السيل واغرقته اذا بلغت به غاية المد في النفوس والفرس اذا خالط، ثم سبقها: يقال اغترقها والغرق من اللبن القليل.
قال ابن دريد: غرق يغرق غرقا في الماء وغرق في الطيب، والمال واصله في الماء وكثر فاستعمل في غيره وكذلك غرق في الذنوب واغرق في الامر يغرق إغراقا: اذا جاوز الحد فيه واصله من نزع السهم حتى يخرجه من كبد القوس واغرورقت عيناه: شرقت بدمعها وجمع غريق: غرقى واصل الباب الغرق: الرسوب في الماء.
وقوله: " وانتم تنظرون " قال المفسرون: وانتم ترون ذلك وتعاينونه.
اللغة: والنظر والبصر والرؤية نظائر في اللغة يقال نظر ينظر نظرا وانظر ينظر انظارا وانتظر انتظارا واستنظر استنظارا وتناظر تناظرا وناظره مناظرة
---
(1) سورة الشعراء: آية 64.

(1/225)


تفسير التبيان ج1
قال صاحب العين: نظر ينظر نظرا - بتخفيف - المصدر وتقول: نظرت إلى كذا - من غير ذكر العين - ونظرت في الكتاب ونظرت في الامر وقول القائل انظر إلى الله تعالى، ثم اليك معناه اني اتوقع فضل الله ثم فضلك ويقال: نظرت بعلمي ويقال انظر الدهر اليهم أي اهلكهم قال الشاعر: نظر الدهر اليهم فابتهل والنظر: الاسم من نظر.
وقوله: (لا ينظر اليهم) أي لايرحمهم والمنظور من الناس هو المرجو فضله. ينعت به السيد.
والنظور: الذي لا يغفل عن النظر إلى ما اهمه.
والمناظرة ان تناظر اخاك في امر تنظر انت في ذلك وينظر هو فيه كيف تأتيانه.
والمنظرة موضع في رأس جبل يكون فيه رقيب ينظر فيه إلى العدو ويحرس اصحابه والمنظرة منظرة الرجل اذا نظرت اليه اعجبك أو اساءك.
تقول: انه لذو منظرة بلا مخبرة والمنظر مصدر كالنظر.
والمنظر: الشئ الذي يعجب بالنظر اليه ويسر به تقول: ان فلانا لفي منظر ومسمع وفي ري ومشبع أي فيما أحب النظر اليه.
ونظار بمعنى انتظر في الامر. وناظر العين. النقطة السوداء الخالصة الصافية التي في جوف سوداء العين مما يرى انسان العين والنظير: نظيرك الذي هو مثلك. والانثى نظيرة. وجمعه نظائر في الكلام والانشاء.
ونظرته وانتظرته بمعنى واحد ويقول انظرني يا فلان أي استمع الي لقوله: " لاتقولوا راعنا وقولوا انظرا "(1) وتقول: بعت فلانا فانظرته. أي انسأته والاسم النظرة.
ومنه قوله: " فنظرة إلى ميسرة "(2) أى فانتظار.
واستنظر فلان - من النظرة -: اذا هو سأل والنظر توقع أمر تنتظره وبفلان نظرة أى سوء هيئة وقوله: " انظرونا نقتبس من نوركم(3) أي انتظرونا. واصل الباب كله الاقبال نحوالشئ بوجه من الوجوه.
وقال قوم: إن النظر اذا كان معه إلى، لايحتمل الا الرؤية. وحملوا قوله " إلى ربها ناظرة "(4) على ذلك وقالوا لا يحتمل التأمل. وذلك غلط، لانهم
---
(1) سورة البقرة: آية 104.
(2) سورة البقرة آية 280.
(3) سورة الحديد: آية 13.
(4) سورة القيامة: آية 23.

(1/226)


تفسير التبيان ج1
يقولون: انماانظر إلى الله ثم اليك بمعنى اتوقع فضل الله ثم فضلك.
وقال الطريح ابن اسماعيل:
واذا نظرت اليك من ملك
والبحر دونك جرتني نعماء(1)
وقال جميل بن معمر:
اني اليك لما وعدت لناظر
نظر الفقير إلى الغني الموسر(2)
وقال آخر:
وجوه يوم بدر ناظرات
إلى الرحمان تأتي بالفلاح
واتوا ب_(إلى) على معنى نظر الانتظار والصحيح ان النظر لا يفيد الرؤية وانما حقيقته تحديق الجارحة الصحيحة نحو المرئي طلبا لرؤيته ولو افاد الرؤية، لما جعل غاية لنفسه، الا تراهم يقولون: ما زلت انظر اليه ولا يقولون ما زلت أراه حتى رأيته، ولانهم يثبتون النظر وينفون الرؤية يقولون: نظرت اليه فلم أره ولا يقولون رأيته فلم أره
المعنى: فاذا ثبت هذا، فالاولى ان نقول: إن تأويل الآية " واغرقنا آل فرعون " وانتم مقبلون عليهم متوقعون له وقال الفراء قد كانوا في شغل من ان ينظروا مستورين بما اكتنفهم من البحر من ان يروا فرعون وغرقه ولكنه كقولك: قد ضربت واهلك ينظرون.
فما اتوك، ولا اعانوك. ومعناه وهم قريب بمرأى ومسمع ومثله قوله: " ألم تر إلى ربك كيف مد الظل "(3) وليس ههنا رؤية، وانما هو علم، لان الرؤية تستعمل في مثل ذلك يقول القائل رأيت فرعون اعتى الخلق واخبثه وهذا الذي ذكره الفراء محتمل مليح، غيرانه مخالف لقول المفسرين كلهم فانهم لا يختلفون أن اصحاب موسى رأوا انفراق البحر والتطام امواجه بآل فرعون، حتى غرقوا فلا وجه للعدول عن الظاهر مع احتماله ولانهم اذا عاينوا ذلك، كانوا
---
(1) طريح بن اسماعيل الثقفي شاعر الوليد بن يزيد الاموي وخليله والبيت لم نعثر عليه وهو كما ترى.
(2) لم نحده في ديوانه ولا في بعض مراجعنا الاخرى.
(3) سورة الفرقان: آية 45.

(1/227)


تفسير التبيان ج1
أشد في قيام الحجة، واعظم في ظهور الآية وذكر الزجاج وجها آخرا قال: معناه وانتم بازائهم كما يقول القائل: دور آل فلان إلى دور آل فلان أي هي بازائها، لانها لا تبصر.
قصة موسى (ع): وقصه فرعون مع بني اسرائيل في البحر.
ولا نعلم جملة ما قال ابن عباس: ان الله اوحى إلى موسى " ان اسر بعبادي إنكم متبعون "(1) فسرى موسى ببني اسرائيل ليلا " فاتبعه فرعون "(2) في الف الف حصان سوى الاثاث. وكان موسى في ستمائة الف.
فلما عاينهم قال: " ان هؤلاء لشرذمة قليلون وانهم لنا لغائظون وانا لجميع حاذرون "(3) فسرى موسى ببني اسرائيل حتى هجموا على البحر، فالتفتوا فاذا هو برهج دواب فرعون " فقالوا يا موسى أوذينا من قبل ان تأتينا ومن بعد ماجئتنا "(4) هذا البحر امامنا وهذا فرعون قد رهقنا بمن معه " قال عسى ربكم ان يهلك عدوكم ويستخلفكم في الارض فينظر كيف تعملون "(5) قال فاوحى الله إلى موسى " ان اضرب بعصاك البحر " واوحى إلى البحر ان اسمع لموسى واطع اذا ضربك.
قال فبات البحر له أفكل أي له رعدة له يدري من أي جوانبه يضربه. قال فقال يوشع لموسى (ع) بماذا امرت قال: امرت ان اضرب البحر. قال فاضربه.
فضرب موسى البحر بعصاه، فانفلق، فكان اثنا عشر طريقا كالطود العظيم فكان لكل سبط منهم طريق ياخذون فيه فلما اخذوا في الطريق، قال بعضهم لبعض: ما لنا لا نرى اصحابنا قالوا لموسى: اصحابنا لا نراهم.
فقال لهم: سيروا فانهم على طريق مثل طريقكم.
فقالوا لا نرضى حتى نراهم.
فيقال ان موسى قال لله تعالى: اللهم اعني على اخلاقهم السيئة. فاوحى الله اليه انقل(6) بعصاك هكذا يمينا وشمالا. فصار فيها كوى ينظر بعضهم إلى بعض.
قال ابن عباس: فساروا حتى خرجوا من البحر. فلما جاز آخر قوم موسى هجم فرعون هو واصحابه وكان فرعون على فرس أدهم ذنوب(7) حصان. فلما هجم على البحر هاب
---
(1 و 2) سورة الشعراء: آية 3 -.
(3) الشعراء آية 55 و 56.
(4 و 5) سورة الاعراف آية 128.
(6) والمطبوعة " أن قل ".
(7) طويل الذنب في المطبوعة والمخطوطة " دبوب ".

(1/228)


تفسير التبيان ج1
الحصان ان يتقحم على البحر، فتمثل له جبرائيل على فرس انثى وديق(1) فلما رآها الحصان تقحم خلفها: وقيل لموسى ترك البحر رهوا أي طرقا على حاله. ودخل فرعون وقومه البحر فلما دخل آخر قوم آل فرعون وجاز آخر قوم موسى، انطبق البحر على فرعون وقومه فاغرقوا.
ويقال نادى فرعون حين رأى من سلطان الله وقدرته ما رأى، وعرف ذلة وخذلة نفسه: لا إله إلا الذي امنت به بنو اسرائيل وانا من المسلمين فان قيل: كيف لم يسوالله بين الخلق في هذه الآيات الباهرات التي اعطاها بني اسرائيل لتكون الحجة أظهر والشبهة أبعد؟ قيل الآيات يظهرها الله على حسب ما يعلم من المصلحة في ذلك، وعلى حد لا ينتهي إلى الالجاء والاضطرار وخولف بين الآيات لهم على قدر حدة اذهان غيره، وكلالة اذهانهم يدل على ذلك ان بعد مشاهدة هذه الآيات قالوا ياموسى أجعل لنا إلها كما لهم الهة.
ولما كانت الغرب من أحد الناس اذهانا وأجودهم أوهاما جاءت الآيات مشاكلة لطباعهم ومجانسة لدقة اذهانهم.
وفي الجميع الحجة الباهرة، والآية القاهرة: وليس يمكن ان يقال انه لو ظهر لهم مثل تلك الآيات، لامنوا لا محالة. على وجه لا يكونون ملجئين اليه لان ذلك لو كان معلوما، لاظهره الله تعالى. فلما لم يظهرها الله علنا انه لم يكن ذلك معلوما وموسى " ع " لم يكن مجتلبا إلى المعارف، لمشاهدته هذه الآيات، لانه كان يقدم له الايمان بالله ومعرفته.
وقوله: " واغرقنا آل فرعون " وان لم يكن في ظاهره انه أغرق فرعون فهو دال عليه. وكأنه قال: وأغرقنا آل فرعون معهم، - وانتم تنظرون - فاختصر لدلالة الكلام عليه، لان الغرض مبني على اهلاك فرعون وقومه ونظيره قول القائل: دخل جيش الامير الباذية. فان الظاهر من ذلك ان الامير معهم.
---
(1) وديق: تشتهي الفحل.

(1/229)


تفسير التبيان ج1
قوله تعالى: واذ واعدنا موسى اربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وانتم ظالمون(51)
القراءاة: قرأ " واعدنا " بغير الف أهل البصرة، وابوجعفر هنا وفي الاعراف، وطه. وقرأ الباقون بالف قبل العين، وقرأ ابن كثير وحفص والبرجمي ورويس (اتخذتم) (واخذتم) وما جاء منه باظهار الذال.
ووافقهم الاعشى فيما كان على وزن افتعلت وافتعلتم. الباقون بالادغام.
حجة من قرأ باثبات الالف دلالة الله على وعده وقبول موسى لانه اذا حسن في مثل قوله: " اخلفوا الله ما وعدوه "(1) الاخبار كان هنا في الاختيار واعدنا.
ومن قرأ بالالف، قال: هو اشد مطابقة للمعنى اذا القبول ليس بوعد في الحقيقة انما هو اخبار الموعود بما يفعل به من خير.
وعلى هذا قوله: " اخلفوا الله لما وعدوه " مجاز حقيقة بما اخبروه انهم فاعلوه وقال جماعة من أهل العلم: ان المواعدة في الحقيقة لا تكون إلا من البشر والله تعالى هو المتفرد بالوعد والوعيد.
كما قال تعالى " واذ يعدكم الله احدى الطائفتين "(2) وقال: " وعد الله الذين امنوا وعملوا الصالحات "(3) والقراءتان جميعا صحيحتان قويتان اللغة: " واذ " معطوفة على الآيات المتقدمة: كأنه قال: واذكروا اذ وعدنا وبينا وجه الحسن فيه فالوعد، والعدة، والموعد والميعاد، نظائر.
والوعد في الخير والوعيد في الشريقال وحده: وعدا.
واوعده: ايعادا. وواعده: مواعدة. تواعدوا: تواعدا. واتعدوا: اتعادا.
وتوعدوا - في الشر خاصة - قال صاحب العين: الوعد والعدة مصدران ويكونان اسمين.
فاما العدة فيجمع على العدات والوعد لا يجمع. والموعد: موضع التواعد. وهو الميعاد. و يكون الوعد مصدر وعدته. ويكون الموعد وقتا للحين. والموعدة اسم العدة. والميعاد: لايكون
---
(1) سورة التوبة آية 78.
(2) الانفال آية 9.
(3) سورة المائدة آية 10 والفتح 39 والنور 55.

(1/230)


تفسير التبيان ج1
إلا وقتا أو موضوعا.
والوعيد من التهدد، أوعدته المكاره ويقال ايضا: وعدته من الشر كقوله: " النار وعدها الله الذين كفروا "(1) ووعد الفحل: اذا هم ان يصول واصل الباب: الوعد الذي هو الخبر بانه سيفعل بالمخبر به خيرا أو شرا.
وقال احمد ابن يحيى: تقول أوعدته، وتسكت أو تجئ بالباء تقول: أوعدته بالشر ولا تقول اوعدته الشر.
وموسى اسم مركب من اسمين بالقبطية (فمو) هوالماء و (سى) شجر. وسمي به، لان التابوت الذي كان فيه موسى وجد عند الماء، والشجر وجدنه جواري آسية امرأة فرعون وقد خرجن ليغتسلن، فسمي بالمكان الذي وجد فيه وهو موسى بن عمران بن يصمر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب اسرائيل الله.
المعنى: وقال: " اربعين ليلة " ولم يقل يوما على عادة العرب في التاريخ بالليالي، لان الاهله تطلع فيها. واعتمادهم على الاهلة.
وقال الاخفش. وعد باتمام اربعين ليلة، أو انقضاء اربعين ليلة كقولك: اليوم أربعون يوما مذ خرج فلان. واليوم يومان: أي تمام يومين.
وقال غيره: الاربعون كلها داخلة في الميعاد.
قال ابو العالية: واعدنا موسى اربعين ليلة يعني ذا القعدة وعشرا من ذي الحجة وقال غيره: ذا الحجة وعشرا من المحرم. وذلك حين خلف موسى اصحابه واستخلف عليهم هارون فمكث على الطور أربعين ليلة وانزلت عليه التوراة في الالواح. وعن الربيع نحوه.
وقال الطبري: لا يجوز ما قاله الاخفش، لانه خلاف ظاهر التلاوة وما جاءت به الرواية قال الرماني: في هذا غلط ظاهر. ان الوعد لا يتصل وقوعه في الاربعين كلها اذا كان الوعد هو الاخبار الموعود بما فيه النفع، فلم يكن ذلك الخبر في طول تلك المدة فلابد على ذلك ان يكون التقدير على ما قاله الاخفش أو على وعدناه اقامة اربعين ليلة للمناجاة أو غيبته اربعين ليلة عن قومه للمناجاة، وما اشبه ذلك من التقدير.
قال ابوعلي: لا يخلو ان تكون " اربعين " ظرفا مفعولا ثانيا ولا يجوز ان
---
(1) سورة الحج: آية 72.

(1/231)


تفسير التبيان ج1
تكون ظرفا، لان الوعد ليس فيها كلها فيكون جواب كم ولا في بعضها فيكون جوابا لمتى. فاذا لم تكن ظرفا كانت منتصبة بوقوعها موقع المفعول الثاني. فيكون تقديره: وعدنا موسى انقضاء اربعين ليلة أو تتمة أربعين ليلة فحذف المضاف كما يقول اليوم خمسة عشر من الشهر أي تمامه.
اللغة: والاربعة عدد يزيد على الثلاثة، وينقص عن الخمسة يقال: ربع يربع ربعا. وربع تربيعا وتربع تربعا.
وارتبع ارتباعا تقول ربعت القوم فانا رابعهم والرابع من الورد وهو ان تحبس الابل عن الماء اربعة ايام ثم ترد يوم الخامس وربعت الحجر بيدي ربعا اذا رفعته عن الارض بيدك. وارتبعت الحجر كذلك.
وربعت الوتر اذا جعلته اربع طاقات، وتقول: أربع على ضلعك، واربع على نفسك، واربع عليك كل ذلك واحد بمعنى انتظر.
والربع المنزل والموطن.
والربع الفصيل الذى نتج في الربيع وما ينتج بالصيف يقال له: هبع وفي المثل ما له هبع ولا ربع.
ورجل ربعة ومربوع: ليس بطويل ولا قصير.
والربعة: الجونة.
والمرباع كانت العرب اذا غزت اخذ رئيس القوم ربع الغنيمة، والباقي بينهم.
واول الاسنان الثنايا، ثم الرباعيات وهي اربعة ثنيتان من تحت وثنيتان من فوق والواحد رباعية واربع الفرس اذا القى رباعية من السنة الاخرى.
والجمع الربع.
والربيعة: هي البيضة من السلاح يقال: ربعت الارض فهي مربوعة من الربيع.
وارتبع القوم: اذا اصابوا ربيعا وحمر ربع ما لي يوم الرابع والمربعة خشبة تشال بها الاحمال، وتوضع على الابل والربع: الباهر.
ورجل مربوع ومربع: اذا اخذته حمى الربع والربيع حظ من الماء للارض ربع يوم او ربع ليلة يقال لفلان في الماء ربيع وربع المال جزء من اربعة ويقال له: ربيع ولم يتجاوز العرب في هذا المعنى الثمين وقال بعضهم: التسيع والعشير والاول اظهر واصل الباب الاربعة من العدد والاربعة تجري تارة على نفس العدد، واخرى على المعدود فاذا اجربته على العدد، قلت اربعة اثواب واذا اجريته على المعدود قلت. اثواب اربعة.

(1/232)


تفسير التبيان ج1
وليلة وعشية ومساء نظائر ويقال يوم وليلة. على طريق النقيض.
قال صاحب العين: الليل ضد النهار. والليل ظلام الليل. والنهار الضياء. فاذا افردت احدهما من الآخر قلت: ليلة ويوم تصغيرها لييلة اخرجوا الياء الاخيرة من مخرجها في الليالي يقول بعضهم: انما كان بناؤها ليلاء فقصر يقولون: هذه ليلة ليلاء: اذا اشتدت ظلمتها.
قال الكميت: وليلهم الاليل هذا لضرورة الشعر. في الكلام ليلاء. والليلة: الوقت من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الثاني. واليوم من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس.
قال ابوزيد اتخذنا مالا فنحن نتخذه اتخاذا وتخذت تخذا.
قال ابوعلي اتخذ افتعل ومنه تخذت.
قال الله تعالى: " لو شئت لا تخذت عليه اجرا "(1) وتخذت: لا يتعدى، إلا إلى مفعول واحد واتخذت تارة يتعدى إلى مفعول واحد وتارة إلى مفعولين فتعديه إلى مفعول واحد مثل قوله: " يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا "(2) ومثل قوله: " واتخذوا من دون الله آلهة "(3) وتعديه إلى مفعولين مثل قوله تعالى " اتخذوا ايمانهم جنة "(4) وقوله: لاتتخذوا عدوي وعدوكم اولياء "(5) وقوله: " واتخذتموهم سخريا "(6) ومن ادغم فلقرب مخرج الذال من مخرج التاء ومن لم يدغم فلان مخرجهما متغاير.
والعجل والثور والبقرة نظائر. الا أن العجل هو البقرة الصغيرة ويقال عجل وعجول. واشتقاقه من عجل يعجل عجلة واعجله اعجالا. واستعجل استعجالا. وتعجل تعجلا. وعجل تعجيلا. وعاجلته معاجلة. وتعاجلوا تعاجلا.
ورجل عجل وعجل لغتان. وتقول: استعجلت فلانا أي حثثته واعجلت فلانا اعجله اعجالا وتعجلت خراجه أي كلفته ان يعجله ورجل عجلان وامرأة عجلى وقوم عجال ونسوة عجال.
والعجال الابل.
والعجل عجل الثيران والواحدة عجلة ويجمع على الاعجال والعجالة ما
---
(1) سورة الكهف: آية 78.
(2) سورة الفرقان: آية 27.
(3) سورة مريم: آية 82.
(4) سورة المجادلة: آية 16.
(5) سورة الممتحنة: آية 1.
(6) المؤمن آية 111.

(1/233)


تفسير التبيان ج1
تعجلت من شئ.
والعجالة طعام الراكب الذي لا يحسن طبخه ويقال: هو تمر ولبن والعجلة الادواة الصغيرة وهي المطهرة.
والجمع العجال.
والعاجلة: نقيض الآجلة يعني الدنيا والآخرة.
والعاجل: نقيض الآجل عام في كل شئ تقول عاجل وآجل.
والعجل: ولد البقرة.
وجمعه عجاجيل ويقال عجول.
والانثى: عجولة وقوله: " خلق الانسان من عجل "(1) يقال إن آدم " ع " حين بلغ الروح منه إلى الركبتين هم بالنهوض قبل ان تبلغ القدمين فقال الله تعالى: " خلق الانسان من عجل " واورثنا آدم العجلة.
والعجل الظنين: من غير الخليل والعجل خشب يؤلف شبه المحفة تجعل عليه الاثقال. وجمعه الاعجال.
وصاحب عجال واصل الباب العجل الذي هو الاسراع.
والعجلة والسرعة والخفة نظاير ونقيض العجلة التأني ونقيض السرعة: الابطاء وبعد نقيض قبل تقول: كان هذا بعد هذا.
وتقول: بعد بعدا. او ابعده الله إبعادا وتباعد تباعدا وباعده مباعدة. واستبعده استبعادا. وبعده تبعيدا. وتبعد تبعدا.
قال صاحب العين بعد لما يكون على اثر الشئ اذا كان قد مضى فاذا افردوا قالوا: هو من بعد: كقوله تعالى: " لله الامر من قبل ومن بعد "(2) وتقول: بعدا وسحقا.
ويقرأ: " باعد بين اسفارنا "(3) وبعد بمعنى واحد. والابعد نقيض الاقرب.
والجمع: اباعد واقارب ويقرأ " بعدت ثمود " و " بعدت ثمود "(4) ومعناهما واحد إلا انهم يقولون: بعد الرجل وابعده الله والبعد من اللعن يقول: ابعده الله أي لايرثي له مما نزل به وقال ابن دريد: البعد: ضد القرب وبعد ضد قبل.
وسمع ابوزيد العرب تقول: فلان غير بعيد وغير بعد واصل الباب البعد نقيض القرب.
المعنى: ومعنى قوله: " ثم اتخذتم العجل من بعده وانتم ظالمون " أي اتخذتموه إلها لان بنفس فعلهم لصورة العجل لا يكونون ظالمين، لان فعل ذلك ليس بمحظور
---
(1) سورة الانبياء: آية 37.
(2) سورة الروم آية 4.
(3) سورة سبأ آية 19.
(4) سورة هود آية 96.

(1/234)


تفسير التبيان ج1
وانما هو مكروه وما روي عن النبي " ص " انه لعن المصورين معناه: من شبه الله بخلقه او اعتقد فيه انه صورة فلذلك قدر الحذف في الآية. كانه قال: اتخذتموه الها وذلك انهم عبدوا العجل بعد موسى لما قال لهم السامري: هذا الهكم واله موسى. فنسي اي ترك آلهم ومضى ناسيا. وقيل: بل معنى فنسي اي فترك ما يجب عليه من عبادة الله.
قصة السامرى: وكان سبب عبادتهم العجل ما ذكره ابن عباس.
ان السامري كان رجلا من اهل (با كرم)(1). وكان من قوم يعبدون البقر. وكان حب عبادة البقر في نفسه. وكان قد اظهر الاسلام في بني اسرائيل، فلما قصد موسى إلى ربه خلف هرون في بني اسرائيل: قال لهم هرون: انكم تحملتم اوزارا من زينة آل فرعون، وامتعة وحلي، فتطهروا منها، فانها بخس، واوقد لهم نارا.
وقال لهم: اقذفوا ما كان معكم فيها.
فجعلوا يأتون بما كان معهم من تلك الامتعة ووذلك الحلي، فيقذفون به فيها.
حتى اذا انكسر الحلي ورأى السامري اثر فرس جبرئيل، فأخذ ترابا من اثر حافره، ثم اقبل إلى النار.
فقال لهرون يا نبي الله القي ما في يدي؟ قال نعم.
ولم يظن هرون الا انه كبعض ما جاء به غيره من الحلي والامتعة فقذف فيها وقال كن عجلا جسدا له خوار وكان البلاء والفتنه وقال: هذا الهكم واله موسى، فعكفوا عليه واحبوه حبا لم ير مثله قطا.
اللغة: وسمي العجل عجلا مأخوذ من التعجيل لان قصر المدة كالعجل في الشئ.
وقال ابوالعالية: انما سمي العجل عجلا، لانهم عجلوا فاتخذوه قبل أن يأتيهم موسى.
وقال الحسن صار العجل لحما ودما.
وقال غيره لا يجوز لان ذلك من معجزات الانبياء.
ومن وافق الحسن قال: ان القبضة من اثر الملك كان الله قد اجرى العادة بانها اذا طرحت على اي صورة كانت حية، فليس ذلك بمعجزة اذ سبيل السامري
---
(1) هكذا في المطبوعة والمخطوطة وفي مجمع البيان " ياجرمي ".

(1/235)


تفسير التبيان ج1
فيه وسبيل غيره سواء. ومن لم يجز انقلابه حيا، فاول الخوار على ان السامري جعل فيه خروقا، فدخلها الريح فحدث فيه صوت كالخوار.
وانما قال: " وانتم ظالمون " يعني ظالمي انفسهم اذا دخلوا عليها الضرر بما يستحقون على عبادته من العقوبة والظلم. وقد يكون للنفس وقد يكون للغير.
وانما وصفوا بانهم اتخذوا العجل الها وهي صفة ذم لهم بما لم يفعلوا لرضاهم بما كان عليه اسلافهم، وسلوكهم طرائقهم في المخالفة لامر الله، والذم على الحقيقة على افعالهم فان كان اللفظ على افعال اسلافهم فاخرج اللفظ مخرج من كانهم فعلوا ذلك لسلوكهم تلك الطرق وعدولهم إلى المخالفة.
فالذم متعلق بما كان منهم في الحقيقة، فان قيل: هل هذا الميقات في قوله: واعدنا موسى ثلثين ليلة واتممناها بعشر.
قيل: قال ابوعلي وابوبكر بن اخشاذ واسمه احمد بن علي ان هذا ذاك وفي الناس من قال: هو غيره والاول اظهر، وانما ذكر الثلاثين واتمها بعشر والاربعين قد تكمل بعشرين وعشرين، لان الثلاثين اراد بها ذا القعدة وذا الحجة فذكر هذا العدد لمكان الشهر ثم ذكر ما يتم به العدد اربعين ليلة.
وانما قال " اربعين ليلة " ولم يقل اربعين يوما، لتضمن الليالي الايام على قول المبرد، ومعنى ذلك: انه اذا ذكرت الليالي دخلت فيها الايام وليس اذا ذكرت الايام دخلت الليالي فيها.
هكذا هو الاستعمال، والصحيح ان العرب كانت تراعي في حسابها الشهور والايام والاهلة. فاول الشهر الليالي ولذلك ارخت بالليالي وغلبتها على الايام ولذلك صارت الايام تابعة لليالي. واكتفى بذكر الليالي من الايام، فقيل لعشر خلون. ولم يقولوا لعشرة لانه جرى على ما جرى على الليالي.
" واتخذ " قال الرماني: وزنه افتعل واصله يتخذ فقلبت الياء تاء وادغمت في التاء التي بعدها وقال ابوعلي يتخذت وليس من اخذت، لان الهمزة لا تبدل من الياء ولا تبدل الياء منها واتخذت لا تكون افتعلت من اخذت وتكون ابدلت الهمزة ياء ثم ادغمت في التاء كما قالوا يسر الجزور وهو من اليسر لانه لا يجوز على قول اصحابنا لاختلاف الحرفين وفائدة الآية التعجب من قولهم اذ كانوا في مقدار هذه المدة

(1/236)


تفسير التبيان ج1
اليسيرة لغيبة موسى عنهم اتخذوا العجل الها وادغام الذال عند التاء جائز وتركه أيضا كذلك جائز.
قوله تعالى: ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون(52)
آية بلاخلاف.
قيل في معنى ما وقع العفو عنهم بقوله: (ثم عفونا عنكم) قولان: احدهما - انا تركنا معاجلتكم بالعقوبة من بعد اتخاذكم العجل الها. والآخر - عفونا عنكم بقبول التوبة من عبادة العجل.
اللغة: والعفو، والصفح، والمغفرة، والتجاوز، نظائر. فالمغفرة نقيض العقوبة.
ويقال عفا عفوا واعفاه واعفاء واستعفى استعفاء، وعفى تعفية وعافاه معافاة وتعفى تعفيا.
وتعافى تعافيا، واعتفاه اعتفاء. والعفو احل المال واطيبه. والعفو: المعروف. والعفاة: طلاب المعروف. وهم المعتفون.
تقول: اعتفيت فلانا اذا طلبت معروفه وفضله.
والعافية من الطير والدواب الرزق. اسم جامع لها.
ومنه قوله (ع) من غرس شجرة مثمرة فما اكلت العافية منها كتب له صدقة. والعافية دفاع الله عن العبد يقول عافاه الله من مكروه وهو يعافيه معافاة.
والاستعفاء: ان تطلب إلى من كلفك امرا ان يعفيك منه، وعفى الشئ: اذا كثروا عفيته: اذا اكثرته: قال تعالى " حتى عفوا ". ومنه اعفاء اللحية: اكثارها.
وعفى: درس يقال اخذ من فلان ما عفا، وصفا.
والعفا: التراب نقول: يعفيه العفا. وعليه العفا.
والعفا الدروس قال زهير: على اثار ما ذهب العفاء ومنه عفت الديار.
والريح تعفو الديار عفاء، وعفوا. وتعفت الدار والاثر تعفيا والعفوة والعفوة والعفوة. والجمع العفو: وهي الحمر الافتأ والفتيات.

(1/237)


تفسير التبيان ج1
والعفاء: ما كثر من الوبر والريش وناقة ذات عفاء كثيرة الوبر طويلة والعفو: ولد الاتان الوحشية.
وأصل الباب: الترك.
ومنه قوله: " فمن عفي له من أخيه شئ " من ترك له.
وعفو الشئ صفوه ومعنى " لعلكم " في الآية لكي تشكروا وقيل: معناه التعريض كانه قال: عرضناكم للشكر.
وقوله: " من بعد ذلك " - وان كان اشارة إلى الواحد - فمعناه الجمع. وانما كان ذلك كذلك، لان ذا اسم مبهم فمرة يأتي على الاصل، ومرة يأتي على مشاكلة اللفظ. اذا كان لفظ المبهم على الواحد وان كان معناه الجمع على انه قد يخاطب بلفظ الواحد ويراد به الجمع كقوله: " يا ايها النبي " ثم قال: " اذا طلقتم النساء ".
وقوله: " من بعد ذلك " إشارة إلى اتخاذهم العجل الها.
وقوله: " لعلكم تشكرون ".
اللغة: فالشكر: هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم.
قال الرماني: الشكر هو الاظهار للنعمة.
والصحيح هو الاول لانه قد يظهر النعمة من لا يكون شاكرا لها. والفرق بين الشكر والمكافاة ان المكأفاة من التكافؤ وهو التساوي، وليس كذلك الشكر ففي مكافأة النعمة دلالة على انه قد استوفى حقها. وقد يكون الشكر مقصرا عنها وان كان ليس على المنعم عليه اكثر منه الا انه كلما ازداد من الشكر، حسن له الازدياد وان لم يكن واجبا لان الواجب لا يكون إلا متناهيا وذلك كالشكر لنعمة الله لو استكثرته غاية الاستكثار لم يكن لينتهي الي حد لا يجوز له الازدياد لعظم نعم الله عزوجل وصغر شكر العبد.
ويقال: شكر شكرا، وشكورا، وتشكر تشكرا.
والشكور، من الدواب ما يكفيه قليل العلف لسمنه. والشكر من الحيوانات: التي تصيب حظا من بقل او مرعى فتغزر ليتها بعد قلة.
يقال اشكر القوم: اذا انزلوا منزلا فاصابت نعمهم شيئا من بقل، فدرت عليه، وانهم ليحلبون شكرة بجزم الكاف وقد شكرت الحلوبة شكرا: والشكير شعر ضعيف ينبت خلال الشيب.

(1/238)


تفسير التبيان ج1
وكذلك ما ينبت من ساق الشجر قضبان تخرج غفه بين قضبان عاسية يقال له الشكر واشكر ضرع الناقة اذا امتلا لبنا والشكر بضع المرأة.
وأصل الباب: الظهور ولا يستحق الكافر الشكر على وجه الاجلال والانعام، والكافر لايستحق كذلك وانما يجب له مكافاة نعمته كما يجب قضاء دينه على وجه الخروج اليه من غير تعظيم له ويسمى ذلك شكرا والشكر لا يستحق الا على نعمة ومعنى قولنا في الله انه غفور شكور انه يجازي العبد على طاعاته من غير ان ينقصه شيئا مين حقه فجعل المجازاة على الطاعة شكرا في مجاز اللغة ولا يستحق الانسان الشكر على نفسه لانه لا يكون منعما على نفسه كما لايكون مقرضا لنفسه والنعمة تقتضي منعما غير المنعم عليه.
كما أن القرض يقتضي مقترضا، غير المقرض وقد يصح ان يحسن إلى نفسه كما يصح أن يسئ إليها، لان الاحسان من المحسن.
فاذا فعل بها فعلا حسنا ينتفع به، كان محسنا اليها بذلك الفعل، واذا فعل بها قبيحا كان مسيئا اليها.
والشكر متعلق في الآية بعفو الله عنهم، ونعمه عليهم: كانه قال: لتشكروا الله على عفوه عنكم وسائر نعمه عليكم.
قوله تعالى: واذ اتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون(53)
آية.
اللغة: قوله: " واذ " عطف على ما مضى من التذكير بنعمه فكأنه قال: واذ كروا اذ آتينا موسى الكتاب، لان (اذ) اسم للوقت الماضي و (اذا) للوقت المستقبل.
وكذلك تستعمل في الجزاء، لان الجزاء لا يكون إلا بالمستقبل. كقولهم: ان تاتنى آتك ولو تشبه الجزاء من حيث انه لابد لها من الجواب. كما لا بد لحرف الجزاء من الجواب.

(1/239)


تفسير التبيان ج1
المعنى: وقوله: " و اتينا موسى الكتاب " معناه اعطيناه. والكتاب يريد به التوراة.
وأما الفرقان فقال الفراء وقطرب وتغلب: يحتمل أن يكون اتى موسى كتاب التوراة ومحمد الفرقان: كما قال الشاعر: متقلدا سيفا ورمحا(1) وضعف قوم هذا الوجه، لان فيه حمل القران على المجاز من غير ضرورة مع انه تعالى اخبر انه اتى موسى الفرقان في قوله: " ولقد اتينا موسى وهرون الفرقان وضياء "(2) وقال الفراء: هو كلام مثنى يراد به: التوراة. وكرر لاختلاف اللفظين: كقولهم: بعدا وسحقا، وهما بمعنى واحد.
قال الرماني: هذا المثال لا يشبه الآية، لانه جمع الصفتين لموصوف واحد على معنيين متفقين.
والاولى ان يمثل بقولهم: هو العالم الكريم فجمعت الصفتان لموصوف واحد على معنيين مختلفين وقال عدي ابن زيد:
وقددت الاديم لراهشيه
والفى قولها كذبا ومينا(3)
وقال قوم: الكتاب: التوراة والفرقان: انفراق البحر لبني اسرائيل. والفرج الذي اتاهم كما قال. " يجعل لكم فرقانا " اي مخرجا.
وقال بعضهم: الفرقان: الحلال والحرام الذي ذكره في التوراة.
وروي عن ابن عباس وابي العالية ومجاهد: ان الفرقان الذي ذكره هو الكتاب الذي اتاه يفرق فيه بين الحق والباطل.
وقال ابن زيد: الفرقان: النصر الذي فرق الله به بين موسى وفرعون: كما فرق بين محمد " ص " وبين المشركين. كما قال: " يوم الفرقان يوم التقى الجمعان "(4).
وقال ابومسلم: هو ما اوتي موسى من الآيات والحجج التي فيها التفرقة بين الحق والباطل.
---
(1) مر في 1: 65 وهو عجز بيت شطره: ورأيت زوجك في الوغى.
(2) سورة الانبياء: آية 48.
(3) في المخطوطة والمطبوعة (وقدمت).
(4) سورة الانفال: آية 41.

(1/240)


تفسير التبيان ج1
وقوله: " لعلكم تهتدون ".
المعنى: اي لكي تهتدوا. وقد بيناه فيما مضى وفيه دلالة على انه (تعالى) اراد ان يهتدوا لان هذه اللام لام الغرض وذلك يفسد قول المجبرة إنه اراد منهم الكفر.
فأن قيل: كيف يهتدون بما اوتي موسى من البيان، وما اوتي في التوراة من البرهان مع انقطاع النقل الذي تقوم به الحجة.
قيل: الجواب عنه من وجهين:
احدهما - ان الخطاب لاسلافهم: كما قال: " واذ فرقنا بكم البحر فانجيناكم واغرقنا آل فرعون وانتم تنظرون ".
والثاني - ان اخبار الرسول لهم ما تقوم به الحجة عليهم، فيمكنهم ان يستدلوا بذلك على ما انعم الله به على اسلافهم، ولانهم مقرون بان موسى (ع) اوتي التوراة بما فيها من الهدى والبينات، فتقوم الحجة عليهم باقرارهم.
قوله تعالى: واذ قال موسى لقومه يا قوم انكم ظلمتم انفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا انفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم انه هو التواب الرحيم(54)
آية بلا خلاف.
القراءة: " بارئكم " اسكن الهمزة فيها ابوعمرو. إلا المعدل وسحارة من طريق الجرمي، وابن مجاهد فكلهم خففوا الهمزة فيها. الا ابا طاهر عن ابن مجاهد عن اسماعيل فانه قلبها ياء.
التقدير واذ كروا ايضا اذ قال موسى لقومه: " يا قوم انكم ظلمتم انفسكم باتخاذكم العجل ". وظلمهم اياها كان فعلهم بها مالم يكن لهم ان يفعلوه بما يستحق به العقاب.

(1/241)


تفسير التبيان ج1
وكذلك كل من فعل فعلا يستحق به العقاب فهو ظالم لنفسه.
وقد بينا معنى التوبة فيما مضى.(1)
واما قوله: " إلى بارئكم ".
اللغة: فالبارئ هو الخالق الصانع.
يقال: برأه. واستبرأ استبراء، وتبرأ تبريا، وباراه مباراة، وبرأه براءة، وتبرئة.
قال صاحب العين: البرأ مهموز وهو الخلق تقول برأ الله الخلق وهو يبرؤهم وهو البارئ وقال امية:
الخالق البارئ المصور في
ال أرحام ماء حتى يصير دما
والبرء السلامة من السقم.
تقول برأ برؤه وبرئت وبرأت وبرؤت براءة.
وتبرأ تبريا لغة في هذا والبراءة من العيب والمكروه لا يقال منه: الا برئ براء وفاعله برئ وفلان برئ وبراء كقوله: إني براء. وامرأة براء. ونسوة براء وبراء على وزن وفعلاء.
ومنه قوله: " انا برآء منكم " جمع برئ.
ومن ترك الهمزة. قال: براء على وزن فعال. وتقول بارأت الرجل اي برئت اليه. وبرئ إلى مثل ذلك. وبارات المراة اي صالحتها على المفارقة وابرات الرجل من الضمان والدين وبرأه تبرئة.
ويقال: ابرأ الله فلانا من المرض إبراء حسنا، والاستبراء: استبراء الجارية والمرأة بان لايطأها حتى تحيض.
والاستبراء نقاء الفرج من القذر. وأصل الباب تبري الشئ من الشئ: وهو انفصاله منه.
وبرأ الله الخلق اي فطرهم، فانهم انفصلوا من العدم إلى الوجود.
والبرية الخلق، فعيلة بمعنى مفعول، لا يهمز كما لا يهمز ملك وان كان اصله من الالوكة.
وقيل البرية مشتقة من البراوة، وهو التراب، فلذلك لم تهمز.
وقيل إنه مأخوذ من بريت العود، فلذلك لم يهمز.
والبراءة من الشئ: المفارقة والمباعدة عنه: وبرئ الله من الكافر: باعده عن رحمته وانواع الفعل كثيرة: منها الخلق، والانشاء، والارتجاع.
والبرء: الفطر.
---
(1) انظر ص 619 - 170.

(1/242)


تفسير التبيان ج1
فأما الاحداث، والايجاد والتكوين فكالفعل والجعل: اعم من الفعل، لانه لما وجد بعد ان لم يكن كقولك: جعلت الطين خزفا. فلم يحدث الخزف في الحقيقة، وانما احدث ما صار خزفا.
وقوله: " فاقتلوا "
اللغة: فالقتل والذبح والموت نظائر. وبينها فرق: فالقتل نقض بنية الحياة. والذبح فري الاوداج. والموت عند من اثبته معنى عرض يضاد الحياة.
يقال: قتل يقتل قتلا. واقتتلوا اقتتالا. وتقاتلوا تقاتلا. واستقتل استقتالا. وقتل تقتيلا. وقاتله مقاتلة.
وقوله تعالى: " قاتلهم الله "(1) معناه لعنهم الله.
وقوم اقتال: اي هم اهل الوتر، والترة: اي هم اعداء وتراة.
وتقول: تقتلت الجارية للفتى يصف به العشق.
وقال الشاعر:
تقتلت لي حتى اذا ما قتلني
تنسكت ما هذا بفعل النواسك(2)
واقتل فلان فلانا: اذا عرضه للقتل.
والمقتل من الدواب الذي قد ذل ومرن على العمل.
وقلب مقتل: اي قتل عشفا.
ومنه قول امرئ القيس: في اعشار قلب مقتل(3)
قال ابن دريد: قتلت الخمر بالماء إذا مزجتها.
قال الشاعر:
ان التي ناولتني فرددتها
قتلت قتلت فها تها لم تقتل
وتقتل الرجل لحاجة اي يأتي لها.
ويقتل الرجل للمرأة: اذا خضع لها في كلامه وقتل الرجل: عدوه.
والجمع اقتال.
وفلان قتل فلان: أي نظيره، وابن عمه
---
(1) سورة التوبة: آية 31 وسورة منافقون آية 4.
(2) تقتلت المرأة: تثنت في مشيتها.
(3) معلقته.
والبيت: وما ذرفت عيناك الا لتضربي بسهميك في اعشار قلب مفتل والسهمان: الرقيب والمعلى من سهام الميسر ومعناه استوليت على القلب كله..

(1/243)


تفسير التبيان ج1
وقتله قتله سوء واقتتلوا بمعنى تقاتلوا ومثله قتلوا قال ابوالنجم: ندافع الشيب ولم يقتل وناقة ذات قتال وذات كيال، اذا كانت غليظة وثيقة الخلق.
في المثل: قتلت ارض جاهلها، وقتل ارضا عالمها.
ومقاتل الانسان: هي التي اذا اصيبت قتلت.
وأصل الباب: القتل وهو نقض البنية التي تصح معها الحياة.
وقال المبرد: واصله اماتة الحركة.
وقوله: " قاتلهم الله انى يؤفكون " اي قد حلوا محل من يقال له هذا القول. اي انزل الله بهم القتل.
ويقول قتله علما اذاايقنه وتحققه.
وقوله: " فاقتلوا انفسكم ".
المعنى: قيل في معناه قولان: احدهما - يقتل بعضكم بعضا. ذهب اليه ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والحسن وغيرهم من اهل العلم، كما يقول القائل: قتل آل فلان اذا قتل بعضهم بعضا.
والثاني - ذكره ابن عباس واسحاق واختاره ابوعلي. وهو ان يستسلموا للقتل فجعل استسلامهم للقتل قتلا منهم لا نفسهم على وجه التوسع.
وقيل: ان السبعين الذين اختارهم موسى للميقات امروا بالقتل لمن سأل الرؤية من بني اسرائيل وقيل: إنهم قتلوا انفسهم كما امروا. عمدوا إلى الخناجر وجعل بعضهم يطعن بعضا.
قال ابن عباس وغيره من اهل العلم: ويقال غشتهم ظلمة شديدة فجعل بعضهم يقتل بعضا، ثم انجلت الظلمة، فاجلوا عن سبعين الف قتيل. والسبب الذي لاجله امروا بقتل انفسهم ذكره ابن جريج: ان الله علم ان ناسا منهم علموا ان العجل باطلا فلم يمنعهم ان ينكروا الا خوف القتل، فلذلك بلاهم الله ان يقتل بعضهم بعضا.
وقال الرماني: ولابد ان يكون في الامر بالقتل لطف لهم ولغيرهم، كما يكون في استسلام القاتل لطف له ولغيره. فان قيل كيف يكون في قتلهم نفوسهم لطف لهم، وبعد القتل لا تكليف عليهم. واللطف لا يكون لطفا فيما مضى ولا فيما يقاربه

(1/244)


تفسير التبيان ج1
قلنا: اذا كان القوم كلفوا ان يقتل بعضهم بعضا وكل واحد منهم يقصد قتل غيره، ويجوز ان يبقى بعده فيكون القتل لطفا له فيما بعد، ولو كان بمقدار زمان يفعل فيه واجبا واحدا: ويمتنع فيه من قبيح. وذلك كما نقول في عبادتنا في قتال المشركين. فان الله تعالى تعبدنا ان نقاتل حتى نقتل ونقتل ومدح على ذلك، فلذلك روى اهل السير ان الذين عبدوا العجل تعبدوا ان يقاتلوا من لم يعبد ويصبروا على ذلك حتى يقتل بعضهم بعضا.
وكان القتل شهادة لمن قتل، وتوبة لمن بقي.
وانما كانت تكون شبهة، لو امروا بان يقتلوا نفوسهم بايديهم.
ولو صح ذلك لكان لا يمتنع بان يكونوا امروا بان يفعلوا بنفوسهم الجراح التي تفضي إلى الموت - وان لم يزل معها العقل فينا في التكليف -.
وأما على القول الآخر وهو انهم امروا بالاستسلام والقتل والصبر عليه فلا مسألة لانهم امروا بقتل نقوسهم. وعلى هذا يكون قتلهم حسنا، لانه لو كان قبيحا لما جاز ان يؤمروا بالاستسلام.
و كذلك نقول: لا يجوز ان يتعبد نبي او امام بان يستسلم للقتل مع قدرته على الدفع عن نفسه، فلا يدفعه لان في ذلك استسلاما للقبيح مع القدرة على الدفع منه، وذلك لايجوز وانما يقع قتل الانبياء والائمة على وجه الظلم، وارتفاع التمكن من الدفع مع الحرص على الدفع. غير انه لا يمتنع ان يتعبد بالصبر على الدفاع.
وتحمل المشقة في ذلك - وان قتله غيره ظلما والقتل - وان كان قبيحا بحكم العقل -، فهو ما يجوز تغيره بان يصير حسنا، لانه جار مجرى سائر الالام.
وليس يجري ذلك مجرى الجهل والكذب الذي ليس يصير قط حسنا ووجه الحسن في القتل انه لطف على ما قلناه، وكما يجوز من الله ان يميت الحي، كذلك يجوز ان يامرنا باماتته ويعوضه على ما يدخل عليه من الالام ويكون فيه لطف على ما قدمناه.
وقوله: " ذلكم " اشارة إلى التوبة مع القتل لانفسهم على ما امرهم الله تعالى به بدلالة قوله.
" فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا انفسكم " فقوله: " توبوا " دال على التوبة، فكانها مذكورة.

(1/245)


تفسير التبيان ج1
وقوله: " خير " اللغة: فالخير، والنفع، والفضل، والحظ نظائر وضد الخير: الشر.
وضد النفع: الضرر.
تقول: خار الله له الخير خيرة.
واختار اختيارا واستخار فلان استخارة وتخير تخيرا وتخايرا وخيره تخييرا.
وخايره مخايرة ورجل خير وامرأة خيرة: أي فاضلة.
وقوم اخيار، وخيار.
وامرأة خيرة. حقيقة في جمالها، وميسمها.
ومنه قوله: " فيهن خيرات حسان "(1).
وناقه خيار.
ورجل خيار.
وتقول: والجمع خيار.
وتقول: هذه وهذا وهؤلاء خيرتي. وما تختاره.
وتقول: انت بالخيار وانت بالخيار سواء.
والرجل يستخير الضبع واليربوع: اذا جعل حبسه في موضع النافقاء، فخرج من القاصعاء(2).
والخيرة مصدر خار خيرة ساكنة الياء مثل راب ريبة.
واصل الباب الخير نقيض الشر.
والخير: الهيأه المختارة.
وحذفت الياء من قوله: " ياقوم " واثبتت في قوله: " يا ليت قومي " لان ياء الاضافة تحذف في النداء، لانه موضع حذف، يحذف فيه التنوين، ويحذف الامم للترخيم، فلما كانت بالاضافة تحذف في غير النداء، لزم حذفها في النداء.
وأما قوله: " يا ليت قومي يعلمون "(3)، فانها تثبت لانها ياء الاضافة.
لايلحقها ما يوجب حذفها، كما لحق الياء في النداء ويجوز في " ياقوم " كسر الميم وحذف الياء هو اجماع القراء ويجوز بياء ساكنة، ويجوز بفتح الياء وما قرئ بها. فاما إسكان الهمزة.
فالذي رواه سيبويه عن ابي عمرو اختلاس الحركة.
وهو اضبط من غيره والاسكان في مثل هذا يجوز في ضرورة الشعر كقول الشاعر: اذا اعوججن قلت صاحب قوم وكان ينبغي ان يقال صاحب لانه منادى.
وقال امرؤ القيس:
فاليوم فاشرب غير مستحقب
اثما من الله ولا واغل
---
(1) سورة الرحمان: آية 70.
(2) النافقاء: حجر اليربوع. القاصعاء مثل النافقاء.
(3) سورة يس: آية 26.

(1/246)


تفسير التبيان ج1
وقد روى بعضهم صاح قوم.
وروي فاليوم فاشرب وروى بعضهم: فاليوم فاسقي ولا يقال في الله تعالى تائب مطلقا.
وانما يقال: تائب على العبد.
قوله: " فتاب عليكم " فالفاء متعلق بمحذوف كأنه قال ففعلتم او قتلتم انفسكم فتاب عليكم. وكان فيما بقى دلالة عليه.
قوله تعالى: واذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فاخذتكم الصاعقة وانتم تنظرون(55)
آية بلا خلاف.
وهذه الآية ايضا عطف على ما تقدم كأنه قال واذكروا اذ قلتم يا موسى لن نصدق حتى نرى لله جهرة.
اللغة: فالرؤيا والنظر والابصار نظائر في اللغة يقال: رأى رؤية ورأى من الرأي رأيا. وأراه لله اراءة وتراءى القوم ترائيا. وارتأى ارتياء وراءاه مراءاة قال صاحب العين: الرأي رأي القلب والجمع الاراء.
وتقول: ما اضل آراءهم على التعجب ورأيهم ايضا ورأيت رؤية وتقول رأيته رأي العين. أي حيث يقع البصر عليه.
وتقول من رأي القلب: ارتأيت.
وتقول: رأيت رؤيا حسنة.
وتقول: رأيت فلانا ذا مسحة في اللون، وزية حسنة في اللباس، والمتاع. والذي يتعرض بزيه كهانة او طبا. وفي بعض اللغات ريت بمعنى رأيته. وعلى ذلك قراءة من قرأ اريت.
قال الشاعر: قد ريت منه عجبا من الكبر وتراءى القوم: إذا رأى بعضهم بعضا وتراءى لي فلان: اذا تصدى لي فاراه والرواء: المنظر في البهاء والجمال.
تقول: امرأة لها رواء وبهاء وسناء أي حسنة.
والمرآة مثل المنظرة والمنظر والمرآة التي ينظر فيها وجمعها مراءى. ومن حول الهمزة قال: مرايا.
تقول مرأت المرأة: اذا نظرت وجهها. وفي الحديث لا يتراءى احدكم في الماء أي لا ينظر فيه.

(1/247)


تفسير التبيان ج1
ويحذفون الهمزة في كل كلمة تشتق من رأيت اذا كانت الراء ساكنة تقول أريت فلانا فانا مري وهو مري. أي بحذف الهمزة واثبتوها في موضعين في قولهم رأيته فهو مرئي أرأت الناقة والشاة اذا يرى ضرعها انها قد اقربت وانزلت.
وهي مرئى.
والحذف فيه ايضا صواب وتقول: من الظن رأيت ان فلانا اخوك.
ومنهم من يحذف الهمزة يقول ريت انه ومن قلب الهمزة من رأى قال راي مثل ما تقولون: آرتيت واستريت بالمرآة والمرئية: مكسورة الراء مهموزة ممدودة ما ترى المرأة من الحيض صفرة أي بياضا قبلا او بعد او أما البصير بالعين فهو الرؤية.
إلا أن تقول نظرت اليه رأي العين فيه وتقول: ما رأيته إلا رؤية واحدة وتقول للذي يريك الشي مري والمرأة مرية بلا همزة وتقول رأيت فلانا برؤية والمرآة التي تنظر فيها والرأي ما رأيت القوم في حسن البشارة والهيئة قال جرير:
وكل قوم لهم رأي ومختبر
وليس في تغلب رأي ولا خبر
واصل الباب: الرؤية بالعين وشبه الرؤية بالقلب به بمعنى العلم.
والرأي يرى حال صلاح ويظن خلافها.
والمرية لانها بمنزلة الالة للقلب يرى بها.
والجهرة، والعلانية، والمعاينة نظائر تقول: جهر جهرا أو جاهر مجاهرة، وجهارا. وتجاهروا تجاهرا. ورجل جهير الصوت.
قال صاحب العين: جهر فلان بكلامه، وهو يجهر بقراءته جهارا، واجهر بقراءته اجهارا.
وجاهرتم بالامر جهارا أي عالنتم به اعلانا واجتهر القوم فلانا جهارا: اذا نظروا اليه وكل شئ يبدو فقد جهر ورجل جهير: اذا كان في المنظر والجسم في الناس مجهرا.
وكلام جهير، وصوت جهير أي عال. والفعل منه جهر جهارة. والجهير هو الجرئ المتقدم والجهوري: هو الصوت العالى. والجوهر: كل حجارة يستخرج منها شئ ينتفع به وجوهر كل شئ ما خلقت عليه حلية.
والشاة الجهر التي لا تبصر في الشمس والكبش اجهر وقال بعضهم: جهرت البئر: اذا اخرجت ما فيها من الحمأة، والماء. وبئر مجهورة.
والجهر: ضد السر وجهرني الرجل إذا راعك جماله وهيئته. ورجل جهير ذو رواء واصل الباب الظهور.

(1/248)


تفسير التبيان ج1
والجهر يقتضي ظاهرا بعد ان يكون خافيا، ليدرك ما لم يكن قبل مدركا ويستدل بالجهر على أنهم أرادوا الرؤية بالعين دون رؤية القلب.
وحقيقة الجهر ظهور الشئ معاينة والفرق بين الجهر والمعاينة أن المعاينة ترجع إلى حال المدرك والجهرة ترجع إلى حال المدرك.
المعنى: ومعنى قوله: " حتى نرى الله جهرة " قال ابن عباس: علانية.
وقال قتادة عيانا. وقد تكون الرؤية غير جهره كالرؤية في النوم والرؤية بالقلب فاذا قال جهرة لم يكن إلا رؤية العين على التحقيق، دون التخيل وسؤالهم الرؤية.
قال قوم: هو كفر لان اجازة الرؤية كفر.
وقال آخرون: ليس بكفر وانما اجازة الرؤية التي تقتضي التشبيه كفر.
فاما هذا القول منهم فكفر اجماعا، لانه رد على الرسول وكل من يلقى قول الرسول بالرد من المكلفين، كان كافرا. واما الصاعقة فانها تكون على ثلاثة اوجه:
أولها - الموت: كقوله: " فصعق من في السموات ومن في الارض "(1) " فاخذتكم الصاعقة "(2).
الثاني - العذاب. كقوله: " فان اعرضوا فقل انذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود "(3).
والثالث - نار تسقط من السماء كقوله: " ويرسل الصواعق "(4) واكثرهم على ان موسى لم يمت بالصاعقة كما مات من سأل الرؤية وقال شاذ منهم: انه مات بالصاعقة وقوله: " وخر موسى صعقا " أي مغشيا عليه عند اكثر المفسرين بدلالة قوله: " فلما افاق " والا فاقة لا تكون إلا من الغشية دون الموت، وإلا لكان قد قال فلما حيي.
وقوله: " جهرة " مشتق من جهرت الركية اجهرها جهرا وجهرة: اذا كان
---
(1) سورة الزمر: آية 68.
(2) سورة البقرة: آية 55.
(3) سورة حم - السجدة: آية 13.
(4) سورة الرعد آية 14.

(1/249)


تفسير التبيان ج1
ماؤها قد غطاه الطين، فنقيت حتى ظهر الماء وقيل: اخذ من قولهم: فلان تجاهر بالمعاصي: اذا كان لا يسرها وانما فزعوا بسؤال اسلافهم الرؤية من حيث انهم سلكوا طريقهم في المخالفة للنبي الذي لزمهم اتباعه والتصديق بجميع ما اتى به فجروا على عادة اسلافهم في ذلك الذين كانوا يسألون تارة ان يجعل لهم إلها غير الله ومرة يعبدون العجل من دون الله ومرة يقولون: " لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة " ومرة يقولون: " اذهب انت وربك فقاتلا انا ههنا قاعدون " وقال الزجاج في هذه الآية دلالة على مشركي العرب الذين كانوا ينكرون البعث، لاهل الكتاب مع مخالفتهم الرسول يقرون باذن الله أمات قوما في الدنيا، ثم احياهم وعندنا ان نقل اهل الكتاب لمثل هذا ليس بحجة وانما الحجة في اخبار الله على لسان نبيه وحده اذ كان كلما يخبر به فهو حق وصدق.
واستدل البلخي بهذه الآية على ان الرؤية لا تجوز على الله تعالى. قال لانها انكارهم امرين ردهم على نبيهم، وتجويزهم الرؤية على ربهم وبين ذلك قوله تعالى: فقد سألوا موسى اكبر من ذلك فقالوا ارنا الله جهرة فدل ذلك على ان المراد إنكار الامرين وهذه الآية تدل على قوله: " رب ارني انظر اليك " كان سؤالا لقومه، لانه لا خلاف بين اهل التوراة ان موسى ما سأل الرؤية الا دفعة واحدة.
وهي التي سألها لقومه وقوله: " لن نؤمن لك " تعلق بما يخبرهم به من صفات الله عزوجل، لانهم قالوا لن نؤمن لك بما تخبرنا به من صفاته وما يجوز عليه حتى نراه.
وقيل: انه لما جاءهم بالالواح وفيها التوراة قالوا لن نؤمن بان هذا من عند الله حتى نراه جهرة ونرى على وزن نفعل واصله: نرأى قال الشاعر:
أرى عيني ما لم ترأياه كلانا
عالم بالترهات
فجاء به على الاصل وقال آخر:
ألم تر ما لاقيت والدهر اعصر
ومن يتمل العيش يراى ويسمع
وانما دعاهم إلى ان قالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله شكهم، وحيرتم فيما دعاهم

(1/250)


تفسير التبيان ج1
اليه موسى (ع) من توحيد الله عزوجل، ولو كانوا عارفين، لكان دعاهم اليه العناد لموسى ومعلوم انهم لم يكونوا معاندين له (ع).
وفي الناس من قال: إن قولهم: جهرة من صفه السؤال على التقديم والتأخير كانه قال: واذا قلتم جهرة لن نؤمن لك حتى نرى الله.
وقال الا كثر إنها من صفة الرؤية.
وهو الاقوى، لان ما قالوه ترك الظاهر، وتقدير التقديم والتأخير ليس هنا إلى ذلك حاجة.
وقوله: " وانتم تنظرون " يعني ما نزل بكم من الصاعقة والموت.
قوله تعالى: ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون(56)
آية بلا خلاف.
قوله: " بعثناكم " احييناكم. عند اكثر المفسرين: كالحسن، وقتادة، وغيرهما. وقال السدي: بعثناكم أنبياء.
والاول أصح لانه ظاهر الكلام. فلا يجوز العدول عنه وأصل البعث: إثارة الشئ من محله، ومنه قيل: بعث فلان راحلته: اذا اثارها من مبركها للسير.
ومنه قولهم بعثت فلانا لحاجتي: اذا اقمته من مكانه الذي هو فيه للتوجه فيها.
ومن ذلك قيل: ليوم القيامة يوم البعث لانه يوم تثار فيه الناس من قبورهم لموقف الحساب.
اللغة: والبعث والارسال وكل الاطلاق نظائر. يقال: بعثت بعثا. وانبعثت انبعاثا. وتبعثت تبعثة. وبعثته من نومه فانبعث. اي نبهته فانتبه.
وتقول: ضرب البعث على الجند. اذا بعثوا إلى العدو. وكل قوم يبعثون إلى وجه او في امر فهم بعث.
وأصل الباب: البعث وهو الارسال. وكل باعث فاعل. واما المبعوث فقد يكون فاعلا، وقد لا يكون. يقال: بعث الله عليهم ريحا فاقتلعتهم والريح مبعوثة. ويقال: الشهوة للشئ تبعث على الطلب له.
فان قيل: هل يجوز ان يرد الله احدا إلى التكليف بعد ان مات، وعاين ما يضطره إلى معرفته بالله؟ قيل: في ذلك خلاف قال ابوعلي: لا يجوز ذلك إلا على من لم يضطره الله إلى معرفته وقال بعضهم: يجوز التكليف في الحكمة.

(1/251)


تفسير التبيان ج1
وان اضطر إلى المعرفة. وقول ابي علي أقوى.
واعل الرماني قول ابي علي، فان قيل: لما كانت المعرفة لاجل الطاعات التي كلفها العبد كانت هي الغرض الذي يتبعه سائر الطاعات فلو ارتفع الغرض ارتفع التابع له.
كما ان الغرض في الشرائع الاستصلاح في الاصول التي تجب بالعقل فلو ارتفع ذلك الغرض، ارتفع وجوب العمل بالشرع.
وكما انه لايجوز تكليف الطاعة مع رفع التمكن مع المعرفة من غير ضرورة اليها قال: ووجه القول الثاني أنه لما كان الشكر على النعمة يجب في المشاهد مع الضرورة إلى معرفة النعم، كان الشكر للنعمة التي هي اجل من نعمة كل منعم في الشاهد اولى ان تجب مع الاضطرار إلى المعرفة.
ولابي علي ان يقول لانمنع من الوجوب، لكن لايجوز التكليف، لان الغرض المعرفة. اي هي اصل ما وقع التكليف به للعباد.
والذي اقوله: إن الذي يحيى بعد الاماتة، ان كان لم يخلق له المعرفة الضرورية لم يضطر إليها، فانه يمتنع تكليفه، لان العلم بان الاحياء بعد الاماتة، لايقدر عليه غير الله طريقه الدليل وغوامض الاستدلال، فليس احياؤه بعد الاماتة ما يوجب ان يكون مضطرا إلى معرفته، فلذلك يصح تكليفه، وليس الاحياء بعد الاماتة الا كالانتباه من النوم والافاقة بعد الغشية فان ذلك لايوجب علم الاضطرار.
وان فرضنا انه خلق فيه المعارضة ضرورة، فلا يحسن تكليفه لان حسن التكليف موقوف على ازاحة علة المكلف من فعل اللطف، والاقدار وغير ذلك. ومن جملة الالطاف تكليفه للمعرفة. والضرورية لاتقوم مقامها على ما بيناه في الاصول: واذا لايحسن تكليفه، لانه يصير مكلفا ولم يفعل به ما هو لطف له، وذلك لا يجوز.
وقوله: " لعلكم تشكرون " معناه لكي تشكروا. وهذه لام الغرض.
وفيه دليل على فساد قول المجبرة إن الله تعالى ما اراد من الكفار الشكر، لانه لو اراد كفرهم، لقال: لتكفروا وذلك خلاف القرآن. ومن استدل بها على جوازها كان صحيحا، لان من منع منه واحاله، فالقرآن يكذبه، وان استدل به على وجوب الرجعة وحصولها فلا يصح لان احياء قوم في وقت، ليس بدلالة على احياء آخرين في وقت اخر، ذلك يحتاج إلى دلالة اخرى.

(1/252)


تفسير التبيان ج1
وقول من قال: لا تجوز الرجعة، لان ذلك معجزة ودلالة على نبوة نبي. وذلك لا يجوز إلا في زمن نبي غير صحيح، لان عندنا يجوز اظهار المعجزات على يد الائمة والصالحين. وقد بيناه في الاصول.
ومن ادعى قيام الحجة بان الخلق لا يردون إلى الدنيا: كما علمنا ان لا نبي بعد نبينا مقترح مبتدع، لما لا دليل على صحته، فانا لا نخالف في ذلك وقال البلخي: لا تجوز الرجعة مع الاعلام بها، لان فيها اغراء بالمعاصي من جهة الاتكال على التوبة في الكرة الثانية.
قال الرماني: هذا ليس بصحيح من قبل انه لو كان فيها اغراء بالمعصية، لكان في إعلام التبقية إلى مدة إغراء بالمعصية.
وقد أعلم الله تعالى نبيه وغيره ابليس: انه يبقيه إلى يوم يبعثون ولم يكن في ذلك إغراء بالمعصية وعندي ان الذي قاله البلخي ليس بصحيحح، لان من يقول بالرجعة، لا يقطع على ان الناس كلهم يرجعون، فيكون، في ذلك اتكال على التوبة في الرجعة، فيصير اغراء. فلا احد من المكلفين الا ويجوز ان لا يرجع. وان قطع على الرجعة في الجملة ويجوز ان لا يرجع، فكفى في باب الزجر.
وأما قول الرماني: إن الله تعالى اعلم اقواما مدة مقامهم، فان ذلك لا يجوز الا فيمن هو معصوم يؤمن من جهة الخطأ كالانبياء ومن يجري مجراهم في كونهم معصومين. فاما من ليس بمعصوم، فلا يجوز ذلك، لانه يصير مغرى بالقبح واما تبقية ابليس مع اعلامه ان يستبقيه إلى يوم القيامة ففيه جوابان.
احدهما - انه انما وعده قطعا بالتبقية بشرط الا يفعل القبيح ومن فعل القبيح حق اخترته عقبه. ولا يكون مغرى.
والثاني - ان الله قد علم انه لا يريد بهذا الاعلام فعلا قبيحا، وإلا لما كان يفعله، وفي ذلك اخراجه من باب الاغراء.
وقد قيل: إن ابليس قد زال عنه التكليف. وانما امكنه الله من وسوسة الخلق تغليظا للتكليف، وزيادة في مشاقهم ويجري ذلك مجرى زيادة الشهوات انه يحسن فعلها إذا كان في خلقها تعريض للثواب الكثير الزائد.

(1/253)


تفسير التبيان ج1
قوله تعالى: وظللنا عليكم الغمام وانزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا انفسهم يظلمون(57)
آية بلا خلاف.
قوله: " وظللنا " عطف على قوله " ثم بعثناكم من بعد موتكم " وكأن التقدير ثم بعثناكم من بعد موتكم وظللنا عليكم الغمام. والظلمة والغمامة والسترة نظائر في اللغة.
تقول: ظل يظل ظلولا.
واظل اظلالا. واستظل واستظلالا. وتظلل تظللا. وظلله تظليلا.
قال صاحب العين: تقول ظل نهاره فلان صائما.
ولاتقول العرب: ظل إلا لكل عمل بالنهار. كما لا تقول: بات إلا بالليل. وربما جاءت ظل في اشعارهم نادرا.
ومن العرب من يحذف لام ظللت، ونحوها فاما اهل الحجاز فيكسرون الظاء على كسر اللام التي القيت فيقولون: ظللنا وظللتم.
كما قال تعالى " فظللتم تفكهون "(1) والمصدر: الظلول. فالامر فيه اظلل والظل ضد القبح ونقيضه.
ويقال لسواد الليل، فيسمى ظلا. وجمعه ظلال.
قال الله تعالى: " الم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا "(2) يعني الليل.
والظل في كلام العرب هو الليل.
وتقول اظلتني هذه الشجرة اظلالا.
والمكان الظليل: الدائم الظل. وقد دامت ظلاله.
والظلة كهيئة الصفة، وقوله: " عذاب يوم الظلة "(3) يقال هو عذاب يوم الصفة. والظلة البرطلة.
والاظلال: الدنو يقول قد اظلك فلان اي كأنه القى عليك ظله من قربه.
وتقول لا تجاوز ظل ظلك وملاعب ظله: طائر يسمى بذلك.
والاظل: باطن منسم البعير وجمعه اظلال قال الشاعر: يشكو الوجى من اظلل واظلل
---
(1) سورة الواقعة آية: 65.
(2) سورة الفرقان آية: 45.
(3) سورة الشعراء آية: 189.

(1/254)


تفسير التبيان ج1
يعني من اظل واظل.
فاظهر التضعيف بضرورة الشعر قال لبيد: بنكيب معر دامي الاظل(1) اراد بخف نكيب: منكوب نكبته الحجارة معر: ساقط الشعر املس.
والظل كون النهار تغلب عليه الشمس قال رؤبة: كل موضع تكون فنزول عنه ظل وفى. يقالان جميعا. وما سوى ذلك يقال له ظل ولا يقال: فيه الفئ.
والظل الظليل: الجنة قال الله تعالى: " وندخلهم ظلا ظليلا "(2) والظل: الخيال الذي يرى من الجن وغيره.
والمظلة ايضا تتخذ من خشب وغيره يستظل بها والظل: المنعة والعز. كذا ذكر ابن دريد يقال: فلان في ظل فلان اي في عزه وأصل الباب: التظليل. وهو الستر والاظلال الدنو: كدنو الساتر وحد التظليل الستر من علة.
والغمام: السحاب والقطعة منها غمامة تقول: يوم غم، وليلة غمة وامر غام. ورجل مغموم، ومغتم، ذو غم. وفلان في غمة من امره: اذا لم يهتدله.
والغماء: الشديدة من شدائد الدهر، ورجل اغم، وجبهة غماء: كثيرة الشعر تقول منه: غم يغم. وكذلك في القفا.
قال الشاعر:
فلا تنكحي إن فرق الدهر بيننا
اغم الققا والوجه ليس بانزعا
والغميم: الغمس وهو ان يسحق حتى يغلط.
والغم: ضدالفرح.
والغمة: الغطاء على القلب من الغم.
والغمة: الضيقه تقول: اللهم احسر عنا هذه الغمة أي الضيقة. وغم الهلال اذا غطاه الغيم. وكل شئ غطيته فقد غميته ولذلك سمي الرطب الغموم وهو الذي يوضع في جرة وهو بسر ثم يغطى حتى يرطب.
والغمام اشتق من هذا، لانه يغطى السماء، ورجل أغم.
وامرأة غماء اذا دنا قصاص الشعر من حاجبه حتى يغطى جبهته، وكذلك هو في القفا.
وأصل الباب الغطاء.
المعنى: يوم الغمام الذي ظلل على بني اسرائيل.
قال ابن عباس ومجاهد: لم يكن بالسحاب، ولكنه الذي عنى في قوله: " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من
---
(1) اللسان (معر) وصدره: وتصك المرو لما هجرن.
(2) سورة النساء آية: 56.

(1/255)


تفسير التبيان ج1
الغمام ".(1) وهو الغمام الذي اتت فيه الملائكة يوم بدر، ولم يكن لغيرهم.
قال ابن عباس كان معهم في التيه وقيل هو ما ابيض من السحاب.
واما المن قال ابن عباس: هو المن الذي يعرفه الناس يسقط على الشجر وقال قتادة: كان المن ينزل عليهم مثل الثلج. وقيل هو عسل وقيل خبز مرقق وقيل هو الزنجبيل. وقيل هو شئ كالصمغ كان يقع على الاشجار وطعمه كالشهد والعسل عن مجاهد وقال الزجاج: جملة المن ما من الله تعالى على عباده مما لا تعب فيه ولا نصب.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين.
قال بعض اهل العلم يعني بمائها الوسمي الذي يكون منها الكمأ وهو اول مطر يجئ في الخريف. وقيل هو الذي يسقط على الثمام. والمن حلو كالعسل.
وإياه عنى الاعشى في قوله:
لو أطعموا المن والسلوى مكانهم
ما ابصر الناس طعما فيهم نجعا(2)
وجعله امية بن ابي الصلت في شعره عسلا فقال:
ورأى الله انهم بمضيع
لا بذي مزرع ولا معمورا(3)
فنساها عليهم غاديات
ومرى مزنهم خلايا وخورا(4)
عسلا ناطفا وماء فراتا
وحليبا ذا بهجة مثمورا(5)
الناطف: القاطر والصافي من اللبن والمن قطع الخير قال الله تعالى لهم " اجر غير ممنون " أي غير مقطوع.
والمن: هو الاحسان إلى من لا يستثنيه والاسم هو المنة والله تعالى
---
(1) سورة البقرة: آية 210.
(2) ديوانه. ومن قصيدة طويلة يمدح بها ذا التاج هوذة ابن علي الحنفي صاحب اليمامة. الطعم: مآكل من الطعام. ونجع الطعام في الانسان: استمرأه آكله وصلح عليه.
(3) ديوانه يقال: هو بدار مضيعة: كانه فيها ضائع. مزرع مصدر ميمي من زرع يعني ليس بذي زرع. معمورا آهل ونصب معمورا عطفا على بذي مزرع في المطبوعة والمخطوطة " ورأى " بدل " فرأى " " مثمورا " بدل " معمورا ".
(4) فنساها من نسأها. ونسأ الدابة زجرها وساقها. غاديات جمع غادية وهي السحابة التي تنشأ غدوة. ومرى الناقة مربا مسح ضرعها لتدر. والمزن جمع مزية وهي السحابة ذات الماء. وخلايا جمع خلية وهي الناقة التي خليت للحلب لغزارة لبنها. الخور: ابل حمر تميل إلى الغبرة. في المخطوطة والمطبوعة بدل " فنساها " " فسناها " وبدل " مرى " " قرى ". وبدل " مزنهم " " منهم " وبدل " وخورا " " وعورا ".
(5) ناطف قطر والفرات. اشد الماء عذوبة.

(1/256)


تفسير التبيان ج1
المنان علينا الرحيم والمنة: قوة القلب.
يقال ضعيف المنة ويقال ليست لقلبه منة والمنون: الموت. وهو اسم مؤنث.
قال ابن دريد: من يمن منا: اذا اعتقد منه ومن عليه بيد أسداها اليه اذا قرعه بها.
واصل الباب: الاحسان.
فالمن الذي كان يسقط على بني اسرائيل مما من الله عليهم أي أحسن به اليهم.
واما السلوى فقال ابن عباس: هو السماني وقيل: هو طائر كالسماني وواحده سلوى قال الاخفش: لم اسمع له بواحد.
قال: ويجوز ان يكون واحده سلوى مثل جماعته كما قالوا دفلى للواحد والجماعة.
وقال الخليل واحده سلواة قال الشاعر: كما انتفض السلواة بلله القطر ويقال سلا فلان يسلو عن فلان: اذا تسلى عنه. وفلان في سلوة من العيش اذا كان في رغد يسليه الهم.
والسلوان: ماء من شربه ذهب غمه على ما يقال ويقال هذا مثل يضرب لمن سلا عن شئ يقال سقي سلوة وسلوانا.
وقال ابن دريد: سلا يسلو سلوا، وسلوا وسلوة والسلوانة: خرزة زعموا انهم اذا صبوا عليها الماء، فسقي منها الرجل، سلا واصل الباب السلو، وهو زوال الهم.
سبب نزول المن والسلوى: وكان سبب انزال المن والسلوى عليهم انه لما ابتلاهم الله تعالى بالتيه، حين قالوا لموسى: " اذهب انت وربك فقاتلا انا ههنا قاعدون "(1) فامرهم بالمسير إلى بيت المقدس، فلما ساروا تاهوا في قدر خمس فراسخ أو الستة. فلما اصبحوا ساروا عادين فامسوا، فاذاهم في مكانهم الذي ارتحلوا منه فلم يزالوا كذلك، حتى تمت اربعين سنة، تفضل عليهم في تلك الحال، واحسن اليهم، وانزل عليهم المن والسلوى.
وكانت ريح الجنوب تحشره عليهم قال ابن جريج: كان الرجل إذا اخذ من المن والسلوى زيادة على طعام يوم واحد، فسد إلا يوم الجمعة فانهم اذا اخذوا طعام يومين لم يفسد.
---
(1) سورة المائدة آية: 27.

(1/257)


تفسير التبيان ج1
الاعراب: وموضع " كلوا نصب على وقلنا كلوا كذا قال الرماني: وقيل في معنى " الطيبات " قولان: احدهما - انه المشتهى اللذيذ والثاني - انه المباح الحلال الذي يستلذا كله.
وقوله: " وما ظلمونا "
المعنى: انما يتصل بما قبله بتقدير محذوف فكأنه قال فخالفوا ما امرالله به أو كفروا هذه النعمة.
" وما ظلمونا " قال ابن عباس وما نقصونا، ولكن كانوا انفسهم ينقصون.
وقال غيره: معناه وما ضرونا، ولكن كانوا انفسهم يضرون.
قال ابوعلي الظلم الذي لا يستحقه المضرور ممن قصده وليس للمضرور فيه نفع.
وقال الرماني حقيقة الضرر القبيح.
والصحيح في حقيقه الظلم ما ذكرناه فيما مضى هو الضرر الذي لا نفع فيه يوفي عليه، ولا دفع ضرر اعظم منه عاجلا وآجلا ولا يكون واقعا على وجه المدافعة فاما ما قاله الرماني فهو حد الشئ نفسه، لان السؤال باق ولقائل ان يقول: وماالضرر إلا القبيح، لان كونه قبيحا حكم من احكامه فلابد من بيان ذلك حينئذ.
وما ذكره ابوعلي ينتقض بالالم الواقع على وجه المدافعة وبالالم الذي فيه وجه ضرر اعظم منه عن الضرورة، وبالضرر الذي فيه نفع يوازيه وروي عن عن الصادق (ع) انه قال: المن كان ينزل على بني اسرائيل من بعد طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس فمن نام في ذلك الوقت، لم ينزل عليه نصيبه فلذلك يكره النوم في هذا الوقت إلى بعد طلوع الشمس.

(1/258)


تفسير التبيان ج1
قوله تعالى: واذ قلنا ادخلوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة يغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين(58)
آية بلا خلاف.
القراءة: قرأ نافع واهل المدينة يغفر بضم الياء وفتح الفاء. الباقون بفتح النون، وكسر الفاء. وادغم الراء في اللام وما جاء منه. والآيه معطوفة على ما تقدم. فكأنه قال واذكروا اذ قلنا. ادخلوا والدخول والولوج والاقتحام نظائر والفرق بين الدخول والاقتحام ان الاقتحام دخول على صعوبة.
اللغة: ونقيض الدخول: الخروج تقول: دخل يدخل دخولا.
وادخله ادخالا. وتداخل تداخلا، واستدخل استدخالا، وداخله مداخلة.
ويقال: في امره دخل أي فساد. دخل امره يدخل دخلا: أي فسد.
ودخلت الدار وغيرها دخولا و اوردت ابلي دخالا إذا اوردتها فادخلت بين كل بعيرين بعيرا ضعيفا بعد ما ابتعر أو تشرب دون ريها. وفلان دخيل بني فلان: اذا كان من غيرهم. واطلعت فلانا على دخلة امري: اذا بثتته مكتومك. والدخل طائر صغير. وفلان حسن المدخل، أو قبيح المدخل: أي المذهب في الامور. وكل لحمة على عصب فهي دخلة.
قال صاحب العين: فلان مدخول اذا كان في عقله دخل، أو في حسبه.
والمدخول: المهزول الداخل في جوفه الهزال. والدخلة: بطانة الامير.
يقال: فلان خبث الداخلة. وادخل في عار ويدخل فيه ونحو ذلك يصف شدة الدخول.
ودخيل الرجل: الذي يداخله في اموره كلها فهو له دخيل.
دخال والدخال: مداخلة المفاصل بعضها في بعض.
والدخولة معروفة والدخل: صغار الطير امثال العصافير مأواها الغيران، وبطون الاودية تحت الشجر الملتف وجمعه دخاخيل. والانثى دخلة.
واصل الباب: الدخول قال الرماني في حد الدخول: الانتقال إلى محيط.
وقد يقال: دخل في الامر: كما يقال دخل في الدار تشبيها ومجازا.

(1/259)


تفسير التبيان ج1
وقوله: " هذه القرية " إشارة إلى بيت المقدس - على قول قتادة، والربيع ابن أنس وقال السدي: هي قرية بيت المقدس: وقال ابن زيد: إنها أريحا قريب من بيت المقدس.
اللغة: والقرية والبلدة والمدينه نظائر.
قال ابوالعباس: اصله الجمع: ومنه المقراة: الحوض الذي تسقى فيه الابل. سمي مقراة، لجمع الماء فيه.
والمقراة: الجفنة التي يعد فيها الطعام للاضياف قال الشاعر: عظام المقاري جارهم لا يفزع.
ومنه قريت الضيف.
ومنه قريت الماء في الحوض.
ومنه قريت الشاة تقري وشاة قارية: إذا كانت تجمع الجرة في شدقها. وهو عيب عندهم شديد وكل ما قري فهو مقري: مثل المرقد كل ما رقدت فيه.
والقري: المسيل الذي يحمل الماء إلى الروضة.
وجمعه: قريان: كقضيب وقضبان قال الشاعر: ماء قري حده قري قال ابن دريد: قريت الضيف أفريه قرى. وقريت الماء في الحوض أقريه قريا. وقرى البعير: جرته في شدقه قريا. والقرية: اشتقاقها من قرى البعير جرته: أى جمعها. والجمع قرى - على غير قياس -.
وقال قوم من اهل اليمن: قرية: وقال صاحب العين: القرية والقيرية - لغتان - تقول: ما زلت استقري هذه الارض قربة قرية. والكسر لغة عانية. ومن هناك اجتمعوا على جمعها على القرى، حيث اختلفوا فحملوها على لغة من قال: كسوة وكسوة. والنسبة اليها قروي.
وام القرى: مكة وقوله: " وتلك القرى اهلكناهم لما ظلموا "(1) يعني بها: الكور والامصار والمدائن والقرى: الظهر من كل شئ، حتى الآكام وغيرها. والجمع الاقراء.
والقرى: الاحسان إلى الضيف. تقول: اقرى يقري الضيف قرى: اذا اضافه ضيافة وانزله نزالة.
والقرى جئ الماء في الحوض. والمدة تقرى في الجرح: أي تجتمع.
---
(1) سورة الكهف: آية 60.

(1/260)


تفسير التبيان ج1
وقوله: " وادخلو الباب "
المعنى: أي الباب الذي امرو بدخلولها.
وقال مجاهد والسدي: هو باب حطة من بيت المقدس. وهو الباب الثامن.
وقيل: باب القبة التي كان يصلي إليها موسى.
وقال قوم: باب القرية التي أمروا بدخولها.
قال أبوعلي: قول من قال: إنه باب القرية، لانه لم يدخلوا القرية في حياة موسى، لانه قال: " فبدل الذين ظلما قولا غير الذي قيل لهم ". والعطف بالفاء يدل على أن هذا التبديل منهم كان في أثر الامر فدل ذلك على أنه كان في حياة موسى.
ومعنى قوله: " سجدا " قال ابن عباس: ركعا. وهو شدة الانحناء. ومنه السجد من النساء: الفاترات الاعين.
وقال الاعشى: ولهوي إلى حور المدامع سجد وقال الآخر: ترى الاكم منه سجدا للحوافر(1) وقال غيره: ادخلوا خاضعين متواضعين.
قال اعشى قيس:
تراوح من صلوات الملي_
- ك طورا سجودا وطورا جؤارا
وقوله: " حطة "
المعنى: قال الحسن، وقتادة واكثر أهل العلم: معناه حط عنا خطايانا.
وروي عن ابن عباس أنه قال: أمروا أن يستغفروا.
وروي عنه ايضا أنه قال: امروا أن يقولوا: هذا الامر حق: كما قيل لكم.
وقال عكرمة: امروا أن يقولوا لا إله إلا الله.
وكل هذه الاقوال محط الذنوب فيترحم لحطة عنها.
---
(1) الكامل 1: 258 في المطبوعة فيها. وهو غلط. والاكم: ج. 1 كام ج. أكمة وهي التل.
(2) ديوانه. راوح. عمل عملين في عمل. والجؤار رفع الصوت بالدعاء..

(1/261)


تفسير التبيان ج1
اللغة: وحطة مصدر مثل ردة وجدة من رددت وجددت.
قال صاحب العين: الحط: وضع الاحمال عن الدواب تقول: حططت عنها أحط حطا. وانحط انحطاطا. والحط والوضع والخفض نظائر.
والحط: الحدر من العلو: كقول امرئ القيس: كجلمود صخر حطه السيل من عل(1) يقال للنجيبة السريعة: حطت في سيرها وانحطت.
وتقول حط الله وزرك الذي انقض ظهرك.
وقال الشاعر: واحطط إلهي - بفضل منك - أوزاري والحطاطة: بثرة تخرج في الوجه تقبح اللون ولا تقرح.
وجارية محطوطة التنين: ممدودة حسنة والحط: حط الاديم بالمحط. وهي خشبة يصقل بها الاديم او ينقش.
وأصل الباب: الحط: وهو الحدر من علو.
وارتفعت " حطة " في الآية على قول الزجاج - على تقدير مساء لتنا حطة، وقال غيره: دخولنا الباب سجدا: حطة لذنوبنا كقوله: " وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا: معذرة " يعني موعظتنا بعذرة إلى ربكم.
ويجوز النصب في العربية على معنى حط عنا ذنوبنا حطة، كقولك: سمعا وطاعة يعني اسمع سمعا واطيع طاعة، كقولك: معاذ الله. يعني نعوذ بالله وهو أقوى لانه دعاء.
وقوله: " نغفر لكم "
اللغة: والغفران والعفو، والصفح نظائر.
يقال: غفر الله غفرانا. واستغفر استغفارا واغتفر اغتفارا.
قال أبوالعباس: غفر الله لزيد بمعنى: ستر غطى له على ذنوبه. والغفران انما هو التغطية.
يقال للسحابة فوق السحاب: الغفارة. وثوب ذو غفر: اذا كان له زئير يستر قبحه.
---
(1) معلقته، وصدر البيت: مكر مفر مقبل مدبر معا - يصف فرسه -.

(1/262)


تفسير التبيان ج1
ويقال: المغفر، لتغطية العنق.
ويقال غفرت الشئ: إذ واريته.
والمغفرة والغفيرة بمعنى (واحد).
والمغفرة: منزل(1) من منازل القمر. يسمى (بذلك) لخفائه.
وقال الزجاج: الغفر: التغطية. وكل ما وتفرع من هذا الباب فهذا معناه.
وقولهم: اللهم اغفر لنا. تأويله اللهم غط علينا ذنوبنا والله الغفور والغفار.
والمغفر ما يغطى به الرأس من الحديد وغيره.
وكذلك الغفارة وهي خرقة تلف على سية القوس: أي طرفها.
وغفارة: اسم رأس جبل.
والمغفورة والمغفارة. صمغ العرفط وقد اغفر الشجر: إذا ظهر ذلك فيه.
وفي الحديث: أن النبي " ص " دخل على عائشة. فقالت: يا رسول الله. أكلت مغافير؟ تعني هذا الصمغ.
ومنهم من يقول: مغاثير: كما قيل جدث، وجدف.
والغفر: شعر صغار دون الكبار. وريش دون الريش الكبار، لانه هو الذي يغطي الجلد.
والغفر: النكس من المريض.
يقال: صلح فلان من مرضه ثم غفر أي نكس.
ومنه قول ضرار. - وقيل إنه لحميل -:
خليلي إن الدار غفر لذي الهوى
كما يغفر المحموم او صاحب الكلم
ومعناه: أن المحب إذا سلا عن حبيبه، ثم رأى داره جدد عليه حبه. فكأنه مريض نكس. وانما قيل النكس، لانه يغطي على العافية.
والغفر: شعر يكون في اللحيين. وقد غفر فلان، وقد غفرت المرأة: إذا انبت لها ذلك الشعر.
ومتاع البيت يقال له: الغفر، لانه يغطي على الخلل.
والغفر: الحوالق. ويقال جاء والجماء الغفير. وجاءوا جما غفيرا.
وجاءوا جماء الغفير: اي مجتمعين جمعا يغطي الارض.
والغفر: ولد الاروى: وهي انثى الوعل، لانها تأوي الجبال، فتستر عن الناس.
يقال لانثى الوعل، إذا كان معها ولدها: مغفر. كما يقال: لكل ذات طفل: مطفل.
ويقال: غفرت الامر تغفرة: إذا أصلحته بما ينبغي ان يصلح به. والمعنى: أصلحته بما غطى على جميع فساده.
والغفر: زئير الثوب. وثوب ذو غفر. وغفرت المتاع اذا جعلته في وعاء. وكل شئ غطيته، فقد سترته. ويقال إصبغ ثوبك فانه أغفر
---
(1) ثلاثة انجم صغار..

(1/263)


تفسير التبيان ج1
للوسخ: أي استر له.
وأصل الباب: التغطية وحد المغفرة: ستر الخطيئة برفع العقوبة والخطيئة، والزلة، والمعصية نظائر.
يقال: خطأ خطأ. واخطأ إخطاء. واستخطأه استخطاء. وخطأه تخطئة.
وتخاطى تخاطيا قال ابن دريد: الخطأ مقصور مهموز.
يقال خطأ الشئ خطأ: اذا لم يرده واصابه.
واخطأ يخطئ اخطاء: اذا اراده فلم يصبه.
والاول خاطئ والثاني مخطئ به. والخطيئه تهمز.
قال صاحب العين: الخطأ: ما لم يتعمد، ولكن يخطئ اخطاء وخطاءة وتخطئة.
واصل الباب: الخطأ ومثله الزلل.
والخاطئ الذي قد زل عن الشئ في قصده - وان اتفق له ان يصيبه من غير أن يقصده، ولذلك لا يكون الخاطئ في الدين إلا عاصيا، لانه لم يقصد الحق وأما المخطئ فانما زل عن قصده. ولذلك يكون المخطئ من طريق الاجتهاد مصيبا لانه قصد الحق واجتهد في اصابته فصارالى غيره.
وحد الخطيئة: العدول عن الغرض المجرد.
وخطايا وزنها: فعائل. وتقديره خطائي، فقلبت الهمزة الاخيرة ياء على حركة ما قبلها، فصارت خطايي، ثم فعل بها ما فعل بمداري، حتى قيل مدارى فصارت: خطاءى. فاستثقل همز بين ألفين، لانه بمنزلة ثلاث ألفات، فقلبت الهمزة ياء. وانما أعلت هذا الاعلال، لان الهمزة التي بعد الالف عرضت في جميع فعل القياس.
تقول: في جمع مرآة مراءى، فلا تعل.
والخليل يقول: وزنه فعالى على قلب الهمزة.
القراءة: من اختار النون من القراء، قال: لانه مطابق لما تقدم من قوله: " وظللنا " و " قلنا ". وانما اتفق القراء على خطاياكم هاهنا، واختلفوا في الاعراف وسورة نوح، لان اللتين في الاعراف ونوح كتبتا في المصحف بالياء بعد ألف، والتي في البقرة بألف.
وقوله: " وسنزيد المحسنين ".
فالزيادة التي وعدها الله المحسنين، هي تفضل يعطيه الله المحسنين، يستحقونها بوعده اياهم وهي زيادة على الثواب الذي يستحقونه بطاعته (تعالى).

(1/264)


تفسير التبيان ج1
اللغة: والفرق بين احسن اليه واحسن في فعله: ان أحسن اليه لا يكون إلا بالنفع له. واحسن في فعله ليس كذلك. ألا ترى انه لا يقال: أحسن الله اليه إلى أهل النار بتعذيبهم. ويقال: أحسن في تعذيبهم بالنار: يعني أحسن في فعله وفي تدبيره.
والاحسان، والانعام، والافضال نظائر.
وضد الاحسان: الاساءة: يقال حسن حسنا: واحسن إحسانا. واستحسن استحسانا. وتحاسنوا تحاسنا. وحسنه تحسينا. وحاسنه محاسنة.
والمحسن والجمع محاسن: - المواضع الحسنة في البدن.
ويقال: رجل كثير المحاسن. وامرأة كثيرة المحاسن وامرأة حسناء. ولا تقول: رجل أحسن، وتقول: رجل حسان وامرأة حسانة. وهو المحسن جيدا.
والمحاسن في الاعمال: ضد المساوئ. تقول: أحسن فانك الحسان.
والحسنى: الجنة، لقوله: " للذين احسنوا الحسنى وزيادة ".
والحسنى: ضد السوء والحسن.
ضد القبيح والحسان: جمع حسن الحقوها بضدها، فقالوا: قباح وحسان. كما قالوا: عجاف وسمان.
واصل الباب: الحسن.
وهو على ضربين: حسن في النظر، وحسن في الفعل وكذلك القبح.
وحد الحسن من طريق الحكمة: هو الفعل الذي يدعو اليه العقل.
وحد القبح: الذي يزجر عنه العقل.
وحد الاحسان: هو النفع الحسن.
وحد الاساءة: هو الضرر القبيح هذا لا يصح الا على قول من يقول: إن الانسان يكون محسنا إلى نفسه ومسيئا اليها. ومن لا يقول فذلك يريد فيه الواصل إلى الغير مع قصده إلى ذلك والاقوى في حد الحسن أن تقول: هو الفعل الذي اذا فعله العالم به على وجه، لم يستحق الذم فانه لا ينتقض بشئ.
وقوله: " وكلوا منها حيث شئتم رغدا " يعني من هذه القرية، حيث شئتم رغدا أي واسعا بغير حساب.
قد بينا معناه فيما مضى واختلاف الناس فيه.

(1/265)


تفسير التبيان ج1
قوله تعالى: فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فانزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون(59)
آية بلا خلاف.
معنى قوله: فبدل الذين ظلموا: غيروا.
وقوله: " الذين ظلموا " معناه: الذين فعلوا ما لم يكن لهم فعله.
وقوله: " غير الذي قيل لهم " يعني بذلك بدلوا قولا غير الذي امروا أن يقولوه. فقالوا بخلافه. فذلك هو التبديل والتغيير. وكان تبديلهم بالقول: انهم امروا ان يقولوا: حطة، وان يدخلوا الباب سجدا. وطؤطئ لهم الباب ليدخلوه كذلك فدخلوه يزحفون على اسائهم فقالوا: حطة في شعيره مشتهرين.
وقوله: " فانزلنا على الذين ظلموا " يعني: الذين فعلوا ما لم يكن لهم فعله في تبديلهم بالقول والفعل " رجزا ": اللغة: والرجز في لغة اهل الحجاز: العذاب.
وفي لغة غيرهم: الرجس، لان الرجس الشر.
ومنه قوله (ع) في الطاعون: إنه رجس عذب به بعض الامم وهو قول ابن عباس، وقتادة.
وقال ابوعبيدة: الرجز. والرجس لغتان مثل الردع، والسدع والبزاق والبساق.
وقال ابوالعالية: هو الغضب.
وقال ابوزيد: هو الطاعون، فقيل انه مات منهم في ساعة واحدة اربعة وعشرون الفا من كبرائهم وشيوخهم وبقي الابناء وانتقل العلم والعبادة اليهم.
وقوله: " من السماء " قال قوم: يعني ما فضاه الله عليهم من السماء وقال آخرون: أراد بذلك المبالغة في علوه بالقهر.
وقوله " يفسقون " مضمومة السين عليه جميع القراه وهو اشهر اللغات. وقد حكي في بعض اللغات بكسر السين
الآية: 60 - 69
قوله تعالى: واذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل اناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الارض مفسدين(60)
آية واحدة بلا خلاف.
قوله: " واذا " متعلق بكلام محذوف. ويجوز ان يكون ذلك ما تقدم ذكره في الآيات المتقدمة من ضروب نعم الله على بني اسرائيل فكأنه قال: واذكروا إذ استسقى موسى لقومه: أي ساله إن يسقي قومه ماء تقول: سقيته من سقى السقة، واسقيته: دللته على الماء فنزل منزلة سؤال ذلك.
والمعنى الذي سال موسى اذا كان فيما ذكر من الكلام الظاهر دلالة على معنى فما نزل.
وكذلك قوله " فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا " من ماء فاستغنى بدلالة الظاهر على المنزول منه، لان معنى الكلام: قلنا اضرب بعصاك الحجر فضربه فانفجرت منه. فترك ذكر الخبر غير ضرب موسى الحجر اذا كان فيما ذكره دلالة على المراد.
وكذلك قوله: " قد علم كل اناس مشربهم " فترك ذكر منهم لدلالة الكلام عليه.
والانفجار، والانشقاق. والانبجاس أضيق منه فيكون أولا انبجاسا، ثم يصير انفجارا والعين من الاسماء المشتركة العين من الماء مشبهة بالعين من الحيوان بخروج الماء منها، كخروج الدمع من عين الحيوان وقد بينا ان اناسا لا واحد له من لفظه فيما مضى وإن الانسان لو جمع على لفظه لقيل اناسين واناسيه وقوم موسى هم بنو اسرائيل الذين قص الله عزوجل قصصهم في هذه الآيات.
وانما استسقى لهم ربهم الماء في الحال التي تاهوا فيها في التيه شكرا اليه الظما فامروا بحجر طوراني من الطور. فضربه موسى بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا لكل سبط عين معلومة ماؤها لهم.
وروي عن ابن عباس انه قال: ظلل عليهم الغمام في التيه وأنزل عليهم المن والسلوى وجعل لهم ثيابا لا تبلى ولا تتسخ وجعل بين ظهرانيهم حجر مربع وروي انه كان مثل شكل الرأس.

(1/266)


تفسير التبيان ج1
وامرموسى فضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا في كل ناحية منه ثلاثة عيون، ولا يرتحلون مرحلة إلا وجدوا ذلك الحجر بينهم في ذلك المكان الذي كان بينهم في المنزل الاول. وقيل إنهم كانوا ينقلونه معهم في الجوالق اذا احتاجوا إلى الماء.
ضربه موسى بالعصى فيه ففجر منه الماء وقال قوم بانه امر بان يضرب أي حجر شاء لا حجرا بعينه. والاول أظهر لان فيه لام التعريف.
والشين ساكنة في اثنتا عشرة عند جميع القراء. وكان يجوز كسرها في اللغة ولم يقرأ به احد.
والكسر لغة ربيعة، وتميم والاسكان: لغة اهل الحجاز واسد فاذا صغرت اثنتا عشرة قلت ثني عشرة واذا صغرت ثنى قلت ثنتي عشرة.
وروى فتحها محمد عن الاعمش. وهو غلط إلا إذا قيل عشرة مفرد فانه بفتح الشين.
فاما ما زاد على ذلك فالشين ساكنة، أو مكسورة إلا قولهم أحد عشر إذا بنيا معا. ونصب عينا على التمييز.
وعند الكوفيين على التفسير ولا ينبغي الوقف على احد الاسمين المجعولين اسما واحدا، دون الآخر: كقولك احد عشر، واثنا عشر، وما اشبه ذلك ولذلك يكره الوقف على العدد الاخير قبل ان يميزه، ويفسره وكذلك قوله: " خير ثوابا وخير مردا "(1) " ومل_ء الارض ذهبا "(2) " وعدل ذلك صياما "(3) " وخير حافظا "(4) " واحسن ثوابا " واشباه ذلك ومن آيات الله العجيبة انفجار العيون من الحجر الصلد بعدد قبائل اسرائيل على وجه يعرف كل فرقة منهم شرب نفسه، فلا ينازعه فيه غيره.
وذلك من الامور الظاهرة. على أن فاعل ذلك هو الله تعالى وان ذلك لا يتم فيه حيلة محتال ولا كيد كائد. ومن استبعد ذلك من الملحدين فالوجه ان يتشاغل معه في الكلام في اثبات الصانع، وحدوث الصنعة، واثبات صفاته وما يجوز عليه، وما لايجوز فاذا ثبت ذلك سهل الكلام في ذلك. ومتى شك في ذلك، أو في شئ منه، كان الكلام معه في هذا الفرع ضربا
---
(1) سورة مريم: آية 77.
(2) سورة آل عمران: آية 91.
(3) سورة المائدة: آية 98.
(4) سورة يوسف آية 64.

(1/267)


تفسير التبيان ج1
من العناء لا وجه للتشاغل به.
وقوله هاهنا: " فانفجرت " لا ينافي قوله في الاعراف: " فانبجست " لان الانبجاس: هو الانفجار إلا أنه قليل وقيل: إنه لا يمتنع أن يكون أوله ما ينبجس، كان قليلا، ثم صار كثيرا، حتى صار انفجارا.
وقوله: " كلوا واشربوا من رزق الله " يعني من النعم التي عددها عليهم من المن والسلوى وغير ذلك.
وقوله: " ولا تعثوا في الارض مفسدين " أي لا تطغوا ولا تسعوا في الارض فسادا.
واصل العثا: شدة الفساد. يقال منه: عثا فلان في الارض إلى عاثية يعثأ. والجماعة يعثون.
وفيه لغتان أخريتان: احدهما - يعثو عثوا. ومن قرأ بهذه اللغة ينبغي أن يضم الثاء، ولم يقرأ به احد، واللغة الاولى: لغة اهل الحجاز.
وقال بنو تميم: عاث يعيث عيثا وعيوثا وعيثانا.
بمعنى واحد قال رؤبة بن العجاج:
وعاث فينا مستحل عائث
مصدق أو تاجر مقاعث(1)
يعني بقوله: عاث فينا: افسد فينا.
وقيل: يعثو أصله العيث.
فقدموا بعض الحروف، واخروا بعضها. يقال: عثا يعثو.
وعاث يعيث وهو الفساد.
قال ابن اذينة الثقفي: وانما قال: " لا تعثوا في الارض مفسدين " وإن كان العيث لايكون إلا فسادا، لانه يجوز أن يكون فعلا ظاهره الفساد، وباطنه المصلحة: كخرق موسى السفينة، فبين ذلك العيث الذي هو الفساد ظاهرا وباطنا.
---
(1) ديوانه. مستحل: استباح الاموال.
مصدق: هو العامل الذي يجبي الحقوق من المسلمين.
قعث الشئ: استأصله في المخطوطة: " سحل " بدل مستحل " قاجر " بدل " تاجر " و " مباعث " بدل " مقاعث ".

(1/268)


تفسير التبيان ج1
قوله تعالى: وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الارض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو ادنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فان لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله، ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون(61)
آية بلا خلاف.
القراءة: قرأ اهل المدينة: النبيئين - بالهمز - الباقون بغير همزة. وترك الهمزة هو الاختيار.
اللغة: واختلفوا في اشتقاقه.
فقال بعضهم: من انبائك الامر: كأنه انبأ عن الله وأخبر عنه. فترك الهمز ذلك لكثرة ما يجزي.
وقال الكسائي: النبي: الطريق يراد به أنه علم وطريق إلى الحق. واصله من النبوة والنجوة: المكان المرتفع.
ومن قال: هو مشتق من الانباء، قال: جاء فعيل بمعنى مفعل: كما قال: سميع بمعنى مسمع.
كذلك قالوا: نبئ بمعنى منبأ، وبصير بمعنى مبصر. وابدل مكان الهمزة من النبئ الياء، فقالوا: نبي(1) هذا ويجمع النبي انبياء. وانما جمعوه كذلك، لانهم ألحقوا النبي بابدال الهمزة منه ياء. فالنعوت التي تأتي على تقدير فعيل من ذوات الياء والواو وذلك كقولهم: ولي واولياء.
ووصي واوصياء. ودعي وادعياء. لو جمعوه على اصله، والواحد بني ليعتل اليها، لان فعيلا تجمع فعلاء: كقولهم: سفيه وسفهاء وفقيه وفقهاء. وشريك وشركاء.
وقد سمع من العرب: النبآء. وذلك في لغة من همز النبي. ومن قول العباس بن مرداس السلمي في وصف النبي صلى الله عليه وآله ومدحه:
ياخاتم النبآء انك مرسل
بالخير كل هدى السبيل هداكا(2)
---
(1) في المطبوعة " ما " زائدة في هذاالموضع.
(2) سيرة ابن هشام 4: 103 فاعل " هداك " هو الله سبحانه وتعالى في المخطوطة " الانبياء " بدل " النبآء وهو غلط وفي مجمع -. - البيان " النباء " بتشديد الياء. وعجزه في المخطوطة والمطبوعة هكذا: بالحق خير هدى الاله هداكا. ومثله في مجمع البيان.

(1/269)


تفسير التبيان ج1
فجمع على أن واحدهم نبئ - مهموز - وقد بعضهم: النبي والنبوة غير مهموزين، لانهما مأخوذان من النبوه. وهي مثل النجاة. وهما مأخوذان من المكان المرتفع. وكل يقول: إن اصل النبي: الطريق.
قال القطامي:
لما وردن نبيا واستتب بها
مسحنفر كخطوط السيح منسحل(1)
قالوا: وسمي الطريق نبيا، لانه ظاهر مبين من النبوة قال ابوعلي الفارسي: قال ابوزيد: نبأت من ارض إلى أرض، وانا انبأ نباء ونبوء: إذا خرجت منها إلى أخرى.
وليس اشتقاق النبي من هذا - وان كان من لفظه - ولكنه من النبأ الذي هو الخبر. كأنه المخبر عن الله. فان قلت: لم لا يكون من النباوة ومما انشده ابوعثمان.
قال: انشديى ابن كيسان:
محض الضريبة في البيت الذي وضعت
فيه النباوة حلوا غير ممذوق
او يجوز فيه الامرين؟ فتقول: إنه يجوز أن يكون من النباوة ومن النبأ كما أجيز في عضة أن يكون من الواو: كقوله وعضوات.
ومن الهاء كقوله: لها بعضاه الارض تهرير قال: ولبس ذلك كالعضة، لان سيبويه زعم أنهم يقولون في تحقير النبوة: كان مسيلمة بنبؤته نبيئة سوء.
وكلهم يقولون: تنبأ مسيلمة. ولو كان يحتمل الامرين جميعا، لما اجتمعوا على انبياء ولا على النبيئه.
فان قيل: فلم لا لا يستدل بقولهم: انبياء؟ قيل ما ذكرته لا يدل على تجويز الامرين، لان (انبياء) انما جاز، لان البدل لما الزم في نبئ، صار في لزوم البدل له: كقولهم عيد واعياد. فكما أن عيد لا يدل على أنه من الياء لكونه من عود الشئ. كذلك لا يدل انبياء على انه من النباوة، ولكن لما لزم البدل، جعل بمنزلة تقي واتقياء،
---
(1) الديوان: 4 والضمير في " وردن " للابل. وروايتة " واستتب بنا " ونبي: كثيب رمل في ديار بني تغلب. واستتب الامر: استوى. مسحنفر: صفة للطريق وهو الواسع. السيح: لباس مخطط. وسحلت الريح الارض: كشطت ما عليها.
والبيت في المخطوطة والمطبوعة هكذا:
لما وردت نبأ واسد لما
مستحقر كخطوط النسج منسجل.

(1/270)


تفسير التبيان ج1
وصفي واصفياء.
فلما لزم، صار كالبرية، والخلية، ونحو ذلك، مما لزم الهمزة فيه حرف اللين بدلا من الهمزة، لما دل على أنه من الهمزة، وأنه لا يعترض عليه شئ وصار قول من حقق الهمزة في الشئ، كرد الشئ إلى الاصل المرفوع استعماله: نحو وذر وودع. فمن ثم كان التخفيف فيه الاكثر.
فاما ما روي في الحديث: من أن بعضهم قال: يا نبئ الله، فقال: لست بنبئ الله ولكني نبي الله قال: ابوعلي: اظن أن من اهل البقل من ضعف اسناده. ومما يقوي تضعيفه أن من مدح النبي " ص " فقال: يا خاتم النبآء لم يؤثر فيه انكار عليه. ولو كان في واحدة نكير، لكان في الجميع مثله، ثم بينا فيما مضى: أن الصبر كف النفس، وحبسها عن الشئ(1).
المعنى: فاذا ثبت ذلك. فكأنه قال: واذكروا إذ قلتم: يا معشر بني اسرائيل، لن نطيق حبس انفسنا على طعام واحد. وذلك الطعام هو ما اخبر الله عزوجل إذ أطعمهم في تيههم وهو السلوى في قول اهل التفسير وفي قول ابن منبه: الخبز النقي مع اللحم قيل: ادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت ألارض: من البقل، والقثأ، وما سماه الله مع ذلك وذكر انه سألوه لموسى وكان سبب مسألتهم ذلك ما رواه قتادة.
قال: كان القوم في البرية. وقد ظلل عليهم الغمام، وانزل عليهم المن والسلوى. فملوا ذلك وذكروا عينا كانت لهم بمصر فسألوا ذلك موسى. فقال الله تعالى: اهبطوا مصرا فان لكم ما سئلتم.
وانما قال مما تنبت الارض، لان (من) تدخل للتبعيض. ولو لم تدخل هاهنا لكانت المسألة تدخل على جميع ما تنبته الارض. فاتوا ب_(من) التي نابت مناب البعض حيث قامت مقامه، وفي الناس من قال: إن من هاهنا زائدة وانها تجري مجرى قولهم: ما جاءني من احد والصحيح: الاول، لان من لا تزاد في الايجاب. وانما تزاد في النفي، ولان من المعلوم انهم ما ارادوا جميع ما تنبته الارض وجرى ذلك
___________________________________
(1) في تفسير سورة البقرة: آية 45. انظر 1: 201، 202..

(1/271)


تفسير التبيان ج1
مجرى قول القائل: أصبت اليوم من الطعام عند فلان. يريد أصبت شيئا منه.
وقوله " يخرج " جزم جواب الامر.
اللغة: والبقل، والقثاء معروفان. وفي القثاء لغتتان: ضم القاف، وكسرها. والكسر اجود. وهي لغة القرآن. وانما ذكر الله تعالى هذه الالفاظ وان لم تكن لائفة بفصاحة القرآن على وجه الحكاية عنهم.
واما القوم فقال ابن عباس وابو جعفر الباقر (ع) وقتادة والسدي: انه الحنطة.
وانشد ابن عباس: قول احيحه ابن الحلاج:
قد كنت اغنى الناس شخصا وافدا
ورد المدينة عن زراعة قوم(1)
وقال الفراء: والجبائي والازهري: هو الحنطة والخبز: تقول العرب: فوموا بالتشديد اي اخبزوا لنا.
وقال قوم: في الحبوب التي تخبز وهو ماثور.
وقال ابن مجاهد وعطا وابن زيد: انه الخبز في قراءة ابن مسعود. وهو قول الربيع بن انس والكسائي انه الثوم. وابدل الثاء فاء كما قالوا: جدث وجدف واثافي واثاثي.
قال: الفراء: وهذا اشبه بما بعده من ذكر البصل.
قال امية بن ابي الصلت:
فوق شرى مثل الجوابي عليها
قطع كالوذيل في نفي فوم
وقال ايضا:
كانت منازلهم اذ ذاك ظاهرة
فيها الفراديس والفومان والبصل(2)
قال الزجاج وهذا بعيد، لانه لايعرف الثوم بمعنى الفوم، لان القوم لا يجوز ان يطلبوا الثوم ولا يطلبون الخبز الذي هو الاصل. وايضا.
---
(1) هكذا في المطبوعة والمخطوطة ومجمع البيان.
وفي لسان العرب: لابي محجن الثقفي وروايته:
قد كنت أحسبني كأغنى واحد
نزل المدينة عن زراعة فوم(2)
اللسان:
(فوم) وروايته كانت لهم جنة اذ ذاك ظاهرة
فيها الفراديس والفومان والبصل
فراديس ج فردوس.

(1/272)


تفسير التبيان ج1
فلا خلاف أن الفوم: هو الطعام، وان كان كل حب يخبز منه يقال: له فوم.
وقوله: " أتستبدلون الذي هوادني بالذي هو خير "
المعنى: قيل فيه قولان: احدهما - الذي هو ادنى الطعامين بدلا من اجودهما. والثاني - الذي تتبدلون في زراعته وصناعته بما اعطاكم الله عفوا من المن والسلوى. وقرا بعضهم: ادنى مهموزا.
وقال بعض المفسرين: لولا الرواية لكان هو الوجه لانه من قولك: رجل دنئ من الدناءة. وما كنت دنيئا ولكنك دنئت اي خسست واذا قرئ بلا همز فمعناه: القرب. وليس هذا موضعه، ولكنه موضع الخساسة. ولو كان ما سألوه أقرب اليهم، لما سألوه، ولا التمسوه. ويجوز أن يجعل ادنى واقرب بمعنى: ادون: كما تقول هذا شئ مقارب اى دون.
وحكى الازهري عن ابي زيد (الداني) بلا همز: الخسيس. والدنئ بالهمز: - الماجن(1).
وقوله: " اهبطوا مصرا " تقديره: فدعى موسى فاستجنا له، فقلنا لهم: اهبطوا مصرا. وقد تم الكلام، لان الله اجابهم بقوله: " فان لكم ما سألتم. وضربت.. " ثم استأنف حكم الذين اعتدوا في السبت، ومن قتل الانبياء فقال: " ضربت عليهم الذلة والمسكنة.
" القراءة: ونون جميع القراء " مصرا ". وقرأ بعضهم بغير تنوين. وهي قراءة ابن مسعود. بغير الف.
وقال قتادة، والسدي، ومجاهد، وابن زيد: لانه اراد مصرا من غير تعيين لان ما سألوه من البقل والقثاء لا يكون إلا في الامصار، وقال الحسن وابوالعالية، والربيع: إنه اراد مصر فرعون الذي خرجوا منه، وقال ابومعلم
---
(1) في المطبوعة (الماجر). والماجن: خبيث البطن والفرج..

(1/273)


تفسير التبيان ج1
محمد بن بحر: اراد بيت المقدس لقوله " ادخلوا الارض المقدسة التي كتب الله لكم ".
اللغة: وروي ذلك عن ابن زيد. واما اشتقاق مصر فقال بعضهم هو من القطع لانقطاعه بالعمارة.
ومنهم من قال هو مشتق من الفصل بينه وبين غيره.
قال عدي ابن زيد:
وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به
بين النهار وبين الليل قد فصلا(1)
ومن نون أراد مصرا من الامصار غير معين. ويجوز أيضا أن يريد مصرا بعينه الذي خرجوا منه. وإنما نون إتباعا للمصحف، لان في المصحف بألف: كما قرأ: " قواريرا قواريرا "(2) منونا اتباعا لخط المصحف. ومن لم ينون اراد مصر بعينها لا غير. وكل ذلك محتمل.
وقوله: " ضربت عليهم الذلة والمسكنة " استئناف كلام. بما فعل الله بهم يعني بالذين اعتدوا في السبت، وقتلوا الانبياء.
ومعنى " ضربت ": أي فرضت ووضعت عليهم الذلة، والزموها من قول القائل: ضرب الامام الجزية على اهل الذمة. وضرب فلان على عبده الخراج. وضرب الامير على الجيش البعث. يريد بجميع ذلك ألزم ذلك. وبه قال الحسن، وقتادة.
وقيل: معنى " ضربت عليهم ": أي حلوا بمنزلة الذل والمسكنة. مأخوذ من (ضرب القباب).
قال الفرزدق في جرير:
ضربت عليك العنكبوت بنسجها
وقضى عليك به الكتاب المنزل
---
(1) اللسان: مادة (مصر). وروايته (جعل) بدل (جاعل)(2) سورة الانسان: آية 15. 16.

(1/274)


تفسير التبيان ج1
وأما " الذلة ": فقال الحسن وقتادة، وغيره: (يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون)(1) (والذلة) مشتق من قولهم: ذل فلان يذل ذلا وذلة.
واما المسكنة: فهي مصدر التسكين.
يقال: ما فيهم أسكن من فلان. وما كان سكينا، ولكن تمسكن تمسكنا.
ومنهم من يقول: تسكن تسكنا. والمسكنة هاهنا مسكنة الفاقة والحاجة: وهي خشوعها وذلها. تقول: ما في بني فلان اسكن من فلان: أي افقر منه. وهو قول ابي العالية والسدي.
وقال ابن زيد: المعني يهود بني اسرائيل. أبدلهم الله (تعالى بالعز ذلا، وبالنعمة بؤسا، وبالرضا عنهم غضبا، جزاء منه بما كفروا بآياته، وقتلهم(2) انبياءه ورسله اعتداء وظلما.
وقوله: " وباعوا بغضب من الله ": أي انصرفوا ورجعوا. ولا يقال: باء إلا موصولا: إما بخير واما بشر. واكثر ما يستعمل في الشر.
كذا قال الكسائي.
ويقال: باء بدينه يبوء به بوء ومنه قوله تعالى: " أريد أن تبوء باثمي واثمك " يعني ترجع. بما قد صار عليك دوني فمعنى الكلام: ارجعوا منصرفين متحملين غضب الله.
وروي أن رجلا جاء برجل إلى النبي " ص "، فقال: هذا قاتل أخي، وهو بواء به: أي مقتوله به ومنه قول ليلى الاخيلية:
فان تكن القتلى بواء فانكم
فتى ما قتلتم آل عوف بن عامر
وقال الزجاج: أصل ذلك التسوية. ومعنى ذلك أنهم تساووا بغضب من الله ومنه ما روي عن عبادة بن الصامت.
قال: جعل الله تعالى الانفال إلى نبيه، فقسمها بينهم على بواء أي: على سواء بينهم في القسم.
ومنه قول الشاعر:
فيقتل خيرا بامرئ لم يكن به
بواء ولكن لا نكايل بالدم
والاصل: الرجوع. على ما ذكرناه.
وقال قوم: هو الاعتراف، ومعناه:
---
(1) ما بين القوسين زدناهم عن تفسير الطبري.
ومنه: الذلة الصغار انظر سورة التوبة 29 في المطبوعة والمخطوطة حصل سقط في هذا المكان وهذا ما فيهما (أى يجزيه الصغاد مشتق من..).
(2) في المطبوعة (وقتله).

(1/275)


تفسير التبيان ج1
انهم اعترفوا بما يوجب عليهم غضب الله.
ومنه قول الشاعر:
إني ابوبعثرتي وخطيئتي
ربي وهل إلا إليك المهرب
وأما الغضب.
قال قوم: ما حل بهم من البلاء والنقمة في دار الدنيا بدلا من الرخاء والنعمة.
وقال آخرون: هو ما بينا لهم في الآخرة من القاب على معاصيهم.
وقوله: " ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله " إشارة إلى ما تقدم ذكره من ضرب الذلة والمسكنة، وإحلال غضبه بهم، لانه يشتمل على جميع ذلك ومعنى " بأنهم " أي لاجل أنهم كانوا يكفرون بآيات الله، فعلنا(1) بهم ما فعلنا من انواع العذاب.
وقوله: " يقتلون النبيين بغير الحق " لا يدل على أنه قد يصح أن يقتلوهم بحق، لان هذا خرج مخرج الصفة لقتلهم. وانه لا يكون إلا ظلما بغير حق: كما قال: " ومن يدع مع الله إله آخر لا برهان له به "(2) وكما قال: " رب احكم(3) بالحق ".
وكما قال الشاعر: على لا حب لا يهتدي بمناره ومعناه ليس هناك منار يهتدى به. ومثله كثير.
وقوله: " ذلك بما عصوا " إشارة إلى ما انزل الله من الذلة والمسكنة بما عصوا من قتلهم الانبياء وعدوهم في السبث وغير ذلك.
وقيل معناه: نقض العهد. وكانوا يعتقدون في قتل الانبياء.
انه روي انهم كانوا اذا قتلوا النبي في أول النهار قامت سوق بقتلهم في آخره.
وانما خلى الله بين الكافرين، وقتل الانبياء، لينالوا من رفيع المنازل مالم ينالوه بغيره وليس ذلك بخذلان لهم كما فعل بالمؤمن من أهل طاعته.
وقال الحسن: ان الله تعالى ما امر نبيا بالحرب الا نصره. فلم يقتل: وانما خلى بينه وبين قتل من لم يؤمر(4) بالقتال من الانبياء. والذي نقوله: إن النبي
---
(1) في المطبوعة (فعلناه).
(2) سورة المؤمنون آية 118.
(3) سورة الانبياء آية 112.
(4) في المخطوطة والمطبوعة " يؤمن ".

(1/276)


تفسير التبيان ج1
ان كان لم يؤد الشرع، لا يجوز أن يمكن الله من قتله، لانه لو مكن(1) فقتل لادى إلى ان تزاح علل المكلفين فيما لهم من الالطاف، والمصالح فاذا أدوا الشرع، جاز حينئذ أن يخلي بينهم، وبين من قتلهم، لانه لا يجب المنع منه.
وروى ابوهريرة عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: اختلف بنو اسرائيل بعد موسى بخمسمائة سنة، حتى كثر منهم أولاد السبايا واختلفوا بعد موسى بماتي سنة والاعتداء تجاوز الحد الذي حده الله لعباده إلى غيره وكل متجاوز حد شئ إلى غيره فقد تعداه إلى ما تجاوز اليه فمعنى الكلام فعلت بهم ما فعلت من ذلك بما عصوا امري وتجاوزوا حده إلى ما نهيتهم عنه.
قوله تعالى: ان الذين امنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم اجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون(62)
آية واحدة.
القراءة: قرأ نافع بترك الهمز من الصابئين، وجميع القراء الباقون يهمزون اما " الذين آمنوا " وهم المصدقون برسول الله صلى الله عليه وآله بما اتاهم من الحق من عند الله. واما الذين هادوا فهم اليهود.
اللغة: ومعنى هادوا: تابوا.
يقال: هاد القوم يهودون هودا، وهيادة وقال ابن جريج: إنما سميت اليهود يهودا، لقولهم: انا هدنا اليك.
قال أعرابي يؤخذ بقوله: على ما قال ابوعبيدة: فاني من مدحه هائد أي تائب.
وقيل: انما سموا يهودا، لانهم نسبوا إلى يهوذا أكبر أولاد يعقوب فعربت الذال دالا.
وقال زهير: في معنى الرجوع:
---
(1) في المخطوطة والمطبوعة " مكنه ".

(1/277)


تفسير التبيان ج1
سوى مرجع لم يات فيه مخافة
ولا رهقا من عابد متهود(1)
أي تائب فسميت اليهود يهودا، لتوبتهم من عبادة العجل.
واصل الهود:(2) الطمانينة. ويخبر به عن لين السير. ومنه الهوادة: وهي السكون.
قال الحسين بن علي المغربي انشدني ابورعاية السلمي، وهو من افصح بدوي أطاف بنا، واغزرهم رواية:
صباغتها من مهنة الحي بالضحى
جياد المداري حالك اللون اسودا
اذا نفضتة مال طورا بجيدها
وتمثاله طورا باغيدا فودا
كما مال قنوا مطعم هجرية
اذا حركت ريح ذرى النخل هودا
المطعم: النخلة. شبه شعرها باقناء البسر. هود تحرك تحريكة لينة.
قال زهير: ولارهقا من عايد متهود وليس اسم يهود مشتقا من هذا.
والنصارى جمع نصران كقولهم سكران وسكارى. ونشوان ونشاوى.
هذا قول سيبويه: قال الشاعر:
تراه اذا كان العثي محنفا
يضحي لديه وهو نصران شامس(3)
وقد سمع في الانثى نصرانة قال الشاعر:
وكلتاهما خرت واسجد رأسها
كما سجدت نصرانة لم تحنف(4)
وقد سمع في جمعهم انصار بمعنى النصارى قال الشاعر:
لما رأيت نبطا انصارا
شمرت عن ركبتي الازارا
كنت لهم من النصارى جارا
والمشهور أن واحد النصارى نصري: مثل بعير مهري ومهارى. وانما سموا نصارى، لنصرة بعضهم بعضا. دليله الآيات التي ذكرناها. وقيل انما سموا بذلك
---
(1) اللسان: هود. وروايته: سوى ربع لم يأت فيها مخافته. الخ وفي مجمع البيان " مربع " بدل مرجع.
(2) في المطبوعة " اليهود ".
(3) لم نعرف قائله. " محنفا " صار إلى الحنيفية. شامس: مستقبل الشمس.
(4) اللسان: نصر وروايته " فكلتاهما " و " لسجدت " وفي تفسير الطبري دار المعارف - تعليقة الاستاذ محمود محمد شاكر ذكر البيت في مادة صنف من اللسان وهو غلط والصحيح ما ذكرنا.
في المطبوعة والمخطوطة " جرت " بدل " خزت " وهو تحريف.
البيت الاول اللسان: نصر والكل في امالي الشجري: 79 و 371..

(1/278)


تفسير التبيان ج1
لانهم نزلوا ارضا يقال لها: ناصرة. وكان يتزلها عيسى فنسب اليها، فقيل عيسى الناصري، ثم نسب اصحابه اليه فقيل النصارى، وهذا قول ابن عباس، وقتادة، وابن جريج.
وقيل: إنهم سموا بذلك، لقوله: " من انصاري إلى الله "(1) والصابئون جمع صابئ: وهو من انتقل من دينه إلى دين آخر كالمرتد من اهل الاسلام. وكل خارج من دين كان عليه إلى آخر يسمى صابئا قال ابوزيد: صبا فلان في دينه يصبا صبوا اذ كان صابئا وصبأ تاب الصبي يصبوا صبوا: اذا كان طلع.
وقال الزجاج: صبأت النجوم: اذا ظهرت.
وقال ابوزيد: صبوت اليهم تصبأ صبأ وصبوء: إذا طلعت عليهم، وكان معنى الصابئ التارك دينه الذي شرع له إلى دين غيره: كما قال: ان الصابئ على القوم تارك لارضه ومنتقل إلى سواها. فالدين الذي فارقوه هو تركهم التوحيد إلى عبادة لنجوم، أو تغطيتها.
وقال نافع هو مأخوذ من قولهم: صبا يصبوا اذا مال إلى الشئ، واحبه ولذلك لم يهمز قال الشاعر: صبوت اياديب وانت كبير قال ابوعلي الفارسي: هذا ليس بجيد، لانه قد يصبو الانسان إلى دين فلا يكون منه مدين به مع صبوه اليه فاذا كان هذا هكذا، وكان الصابئون منتقلين من دينهم الذي اخذ عليهم إلى سواه، وجب ان يكون مأخوذا من صبأت الذي هو الانتقال.
ويكون الصابئون على قلب الهمزة، وقلب الهمزة على هذا الحد، لا يجيزه سيبويه إلا في الشعر ويجيزه غيره فهو على قول من اجاز ذلك. وممن اجاز ذلك ابوزيد. وحكي عنه انه قال لسيبويه: سمعت قربت واخطيت قال فكيف تقول في المضارع قلت: اقرأ فقال حسبك أو نحو هذا.
قال ابوعلي يريد سيبويه ان قريت مع اقرأ لا ينبغي، لان قريت اقرأ على الهمز وقريت على القلب، فلا يجوز ان تغير بعض الامثله دون بعض. فدل على ان القائل لذلك غير فصيح، فانه غلط في لغته.
وقال قتادة والبلخي: الصابئون قوم معرفون لهم مذهب ينفردون به، من عبادة النجوم.
---
(1) سورة؟؟؟ آية 14.

(1/279)


تفسير التبيان ج1
وهم مقرون بالصانع وبالمعاد وببعض الانبياء.
وقال مجاهد والحسن وابن ابي نجيح: الصابئون بين اليهود والمجوس لا دين لهم.
وقال السدي: هم طائفة من أهل الكتاب يقرؤون الزبور وقال الخليل: هم قوم دينهم شبيه بدين النصارى إلا ان قبلتهم نحو مهب الجنوب. خيال منصف النهار، ويزعمون انهم على دين نوح.
وقال ابن زيد: الصابئون هو اهل دين من الاديان كانو بالجزيرة: جزيرة الموصل، يقولون لا إله إلا الله ولم يؤمنوا برسول الله " ص "، فمن اجل ذلك كان المشركون يقولون للنبي " ص " واصحابه: هؤلاء الصابئون: يشبهونهم بهم.
وقال آخرون: هم طائفة من اهل الكتاب.
والفقهاء باجمعهم يجيزون اخذ الجزية منهم. وعندنا لا يجوز ذلك، لانهم ليسو اهل الكتاب.
وقوله: " من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم اجرهم عند ربهم ".
المعنى: تقول: من صدق بالله وأقر بالبعث بعد الممات يوم القيامة وعمل صالحا واطاع الله فلهم اجرهم عند ربهم: يعني ثواب عملهم الصالح فان قيل: فاين تمام قوله: ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين - قيل تمامه جملة قوله تعالى: من آمن بالله واليوم الآخر: لان معناه: من أمن منهم بالله واليوم الآخر، وترك ذكر منهم لدلالة الكلام عليه.
ومعنى الكلام: ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من يؤمن منهم بالله واليوم الآخر فلهم اجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم.
وقوله: " من آمن بالله واليوم الآخر ".
الاعراب: في الناس من قال: هو خبر عن الذين هادوا والنصارى والصابئين: لان الذين آمنوا كانوا مؤمنين فلا معنى حينئذ ان يقول من آمن وهو نفسهم.

(1/280)


تفسير التبيان ج1
ومنهم من قال: هو راجع إلى الكل ويكون رجوعه على الذين آمنوا على وجه الثبات على الايمان والاستدامة، وترك التبديل والاستبدال به. وفى الدين هادوا والنصارى والصابئين: استئناف ايمان بالنبي " ص " وما جاء به.
وقوله: " من آمن بالله " فوحد الفعل ثم قال فلهم اجرهم، لان لفظة (من) وان كانت واحدة، فمعناها يكون للواحد والجمع والانثى والذكر. فان ذهب إلى اللفظ وحد. وان ذهب إلى المعنى جمع كما قال: " ومنهم من ينظر اليك افأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون "(1) فجمع مرة مع الفعل لمعناه ووحد اخرى على اللفظ.
قال الشاعر:
ألما بسلمى عنكما إن عرضتما
وقولا لها: عوجي على من تخلفوا(2)
فجمع الفعل لانه جعل من بمنزلة الذين وربما كان لاثنين وهو ابعد وما جاء فيه.
قال الفرزدق:
تعال فان عاهدتني لا تحونني
نكن مثل من ياذئب يصطحبان(3)
قوله: " من آمن بالله واليوم الآخر "
النزول: قال السدي: نزلت في سلمان الفارسي واصحابه النصارى الذين كان قد تنصر على ايديهم قبل مبعث رسول الله " ص ". وكانوا قد أخبروه بأنه سيبعث، وانهم يؤمنون به إن أدركوه.
وروي عن ابن عباس: أنها منسوخة بقوله تعالى: " ومن يبتغ غير الاسلام دينا، فلن يقبل منه "(4).
وهذا بعيد، لان النسخ لا يجوز أن يدخل في الخبر الذي يتضمن الوعيد. وانما يجوز دخوله فيما طريقه الاحكام الشرعية التي يجوز تغييرها
---
(1) سورة يونس آية: 43.
(2) ديوان امرئ القيس. ومنهم من نسبه لرجل من كندة. في المخطوطة والمطبوعة (عظيما) بدل (عرضتما).
(3) ديوانه. الكامل 1. 216 من قصيدة قالها عندما اسنتضافه الذئب فأقراه في المخطوطة والمطبوعة " تعيش " بدل " تعال " وفي بعض المصادر الاخرى " تعشى ".
(4) سورة آل عمران آية: 85.

(1/281)


تفسير التبيان ج1
وقال قوم: إن حكمها ثابت.
والمراد بها: ان الذين آمنوا بأفواههم، ولم تؤمن قلوبهم من المنافقين هم واليهود، والنصارى، والصابئين إذا آمنوا بعد النفاق، واسلموا عند العناد، كان لهم أجرهم عند ربهم: كمن آمن في أول الاسلام من غير نفاق، ولا عناد، لان قوما من المسلمين قالوا: إن من أسلم بعد نفاقه، وعناده كان أجره اقل وثوابه انقص.
وأخبر الله بهذه الآية أنهم سواء في الاجر والثواب.
واولى الاقاويل ما قدمنا ذكره.
وهو المحكي عن مجاهد والسدي: ان الذين آمنوا من هذه الامة، والذين هادوا، والنصارى، والصابئين من آمن من اليهود، والنصارى، والصابئين بالله واليوم الآخر، فلهم اجرهم عند ربهم ولاخوف عليهم ولا هم يحزنون، لان هذا اشبه بعموم اللفظ. والنخصيص ليس عليه دليل.
وقد استدلت المرجئة بهذه الآية على أن العمل الصالح، ليس من الايمان، لان الله تعالى أخبرهم عنهم بأنهم آمنوا، ثم عطف على كونهم مؤمنين. أنهم إذا عملوا الصالحات ما حكمها.
قالوا: ومن حمل ذلك على التأكيد أو الفضل، فقد ترك الظاهر. وكل شئ يذكرونه مما ذكر بعد دخوله في الاول مما ورد به القرآن: نحو قوله: " فيهما فاكهة ونخل ورمان "(1).
ونحو قوله: " وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم، منك ومن نوح "(2).
ونحو قوله: " والذين كفروا وكذبوا بآياتا ".
وقوله: " الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله "(3).
قالوا: جميع ذلك مجاز. ولو خلينا والظاهر، لقلنا: إنه ليس بداخل في الاول.
فان قالوا: أليس الاقرار، والتصديق من العمل الصالح؟ فلابد لكم من مثل ما قلناه، قلنا عنه جوابان: احدهما - ان العمل لا يطلق الا على افعال الجوارح، لانهم لا يقولون: عملت بقلبي، وانما يقولون: عملت بيدي او برجلي.
والثاني - ان ذلك مجاز، وتحمل عليه الضرورة. وكلامنا مع الاطلاق.
---
(1) سورة الرحمان آية 8.
(2) سورة الاحزاب آية 7.
(3) سورة محمد آية 1.

(1/282)


تفسير التبيان ج1
وقوله: " فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ": يعني لا خوف عليهم مما قدموا عليه من اهوال القيامة. ولا هم يحزنون على ما خلفوا وراءهم من الدنيا عند معاينتهم ما اعد لهم من الثواب، والنعيم المقيم عنده وقبل: انه لا يحزنون من الموت.
قوله تعالى: واذ اخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون(63)
آية بلا خلاف.
تقديره: واذكروا إذ أخذنا ميثاقكم.
اللغة: الميثاق: المفعال من الوثيقة، واما بيمين، واما بعهد وغير ذلك من الوثائق. والميثاق الذي اخذه الله هو الذي ذكره في قوله: " واذ اخذنا ميثاق بني اسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين احسانا "(1) في الآيات التي ذكر بعدها.
ويحتمل ان يكون اراد الميثاق الذي اخذ الله على الرسل في قوله: " واذ اخذنا من النبيين ميثاقهم "(2).
وقوله: " واذ اخذ الله ميثاق النبيين لما اتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال اقررتم واخذتم على ذلكم اصري "(3) وقد بينا ان اخذ العهد هو ما نصب لهم من الحجج الواضحة، والبراهين الصحيحة الدالة على توحيده، وعدله، وصدق انبيائه ورسله.
وافسدنا ما يقوله اهل الحشو: من استخراج الذرية من ظهر آدم، واخذ العهد عليهم بما لا يحتاج إلى اعادته.
وقوله: " ورفعنا فوقكم الطور ".
قال مجاهد: الطور هو الجبل. وكذلك هو في اللغة.
وقال العجاج:
دانى جناحيه من الطور فمر
تقضي البازي اذا البازي كسر(4)
---
(1) سورة البقرة آية 83.
(2) سورة الاحزاب: آية 7.
(3) سورة آل عمران: آية 187.
(4) ديوانه دانى جناحيه: ضم جناحيه.
تقضى: اصلها تقضض، وتقضض الطائر: هوى في طيرانه.
والبازي: ضرب من الصقور: كسر الطائر جناحية ضمهما قليلا يريد النزول..

(1/283)


تفسير التبيان ج1
وقيل: إنه اسم جبل بعينه. ناجى الله عليه موسى بن عمران.
ذهب اليه ابن عباس وابن جريج.
وقيل: انه من الجبال التي تنبت دون ما لا تنبت(1).
رواه الضحاك عن ابن عباس وقال قتادة " ورفعنا فوقكم الطور " قال: الطور الجبل اقتلعه فرفعه فوقهم.
فقال: " خذوا ما اتيناكم بقوة " وقال مجاهد: الطور اسم جبل بالسريانية وقال قتادة: بالعربية.
وقال قوم من النحويين: معنى خذوا تقديره ورفعنا فوقكم الطور وقلنا لكم خذوا ما اتيناكم يعني التوراة بقوة. اي بجد ويقين، لاشك فيه والا قذفناه(2) عليكم كما تقول: اوجبت عليه قم(3) اي اوجبت عليه فقلت(4) قم.
وقال الفراء: اخذ الميثاق: قول بلا حاجة بالكلام إلى اضمار قول.
فيكون من كلامين. غير انه ينبغي لكل ما خالف القول من الكلام الذي هو بمعنى القول، أن تكون معه أن كما قال تعالى: " انا ارسلنا نوحا إلى قومه ان انذر قومك "(5) قال ويجوز حذف أن ومعنى " ما اتيناكم " أي اعطيناكم لان الايتاء هو الاعطاء. يعني ما امرناكم به في التوراة. " بقوة ": أي بجد ويقين على ما بيناه.
وهو قول ابن عباس وقتادة، والسدي.
وقال ابوالعالية والربيع بن انس: بطاعة الله وقال مجاهد: إنه العمل بما فيه وحكي عن ابن الجران معناه: القبول: وقال: ابوعلي: " بقوة " معناه: بالقدرة التي جعلنا فيكم. وذلك دلالة على ان القدرة قبل الفعل.
ومعنى اذكروا ما فيه.
قال قوم: احفظوه، لاتنسوه.
وقال آخرون: اعملوا بما فيه ولا تتركوه.
والمعنى في ذلك ان ما اتيناكم فيه من وعد ووعيد، وترغيب وترهيب اعتبروا به، واقبلوه وتدبروه، كي اذا فعلتم ذلك تتقوني وتخافوا عذابي بالاصرار على ضلالتكم فنتهوا إلى طاعتي فتنزعوا عما انتم عليه من المعصية.
---
(1) وهذا معنى اصطلاحي منقول عن ابن عباس كما ترى لا كما توهمه الاستاذ محمود محمد شاكر في حاشيته على تفسير الطبري 2، 157. هذا نص حاشيته " هذا قول لم أجده في كتب اللغة في مادته.
"(2) في المخطوطة والمطبوعة " قدمناه " وهو تصحيف.
(3 و 4) في المطبوعة " قمر ".
(5) سورة نوح آية 1.

(1/284)


تفسير التبيان ج1
قوله تعالى: ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين(64)
آية.
قوله توليتم: اعرضتم ووزنه: تفعلتم من قولهم ولاني فلان دبره: اذا استدبر عنه وجعله خلف ظهره. ثم يستعمل ذلك في كل تارك طاعة آمر ومعرض بوجهه.
يقال: فلان تولى عن طاعة فلان، ويتولى عن مواصلته وصداقته، ومنه قوله: " فلما اتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهو معرضون "(1) يعني خالفوا ما وعد الله من قوله: " لئن اتانا الله امن فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين "(2) ونبذوا ذلك وراء ظهورهم فصار معنى الآية انكم نبذتم العهد الذي اخذناه عليكم بعد اعطائكم المواثيق.
وكنى بذلك عن جميع ما تقدم ذكره في الآية، ثم قال: " فلولا فضل الله عليكم " يعني فلولا ان فضل الله عليكم بالتوبة بعد نكثكم الميثاق الذي واثقتموه اذ رفع فوقكم الطور فاجتهدتم في طاعته، واداء فرائضه، وانعم عليكم بالاسلام، وبرحمته التي رحمكم بها، فتجاوز عن خطيئتكم بمراجعتكم(3) طاعة ربكم لكنتم من الخاسرين.
وهذا وان كان خطابا لمن كان بين ظهراني مهاجر رسول الله " ص " فانما هو خبر عن اسلافهم. فاخرج الخبر مخرج الخبر عنهم. على نحو ما مضى ذكره.
وقال قوم: الخطاب في هذه الآية انما اخرج باضافة الفعل إلى المخاطبين والفعل لغيرهم لان المخاطبين انما كانوا يتولون من كان فعل ذلك من اوائل بني اسرائيل، فصيرهم الله منهم، من اجل ولايتهم لهم.
وقال بعضهم: انما قال لهم ذلك، لان سامعيه كانوا عالمين.
وان الخطاب خرج مخرج الخطاب للاحياء من بني اسرائيل، واهل الكتاب - وان كان المعنى في ذلك انما هو خبر عما مضى من اسلافهم - ومثل ذلك قول الشاعر:
---
(1) سورة التوبة: آية 77.
(2) سورة التوبة آية 76.
(3) في المطبوعة " ثم احفتكم " والمخطوطة " احفتكم " وهو تحريف فاحش.

(1/285)


تفسير التبيان ج1
اذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة
ولم تجدي من ان تقري به بدا(1)
فقال: اذا ما انتسبنا. واذا تقتضي من الفعل مستقبلا.
ثم قال: لم تلدني فاخبر عن ماض، لان الولادة قد مضت لان السامع فهم معناه - والاول اقوى وقال ابوالعالية: فضل الله الاسلام ورحمته القرآن.
وقوله: " فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين ".
لا يدل على ان الذين خسروا، لم يكن عليهم فضل الله لان فضل الله شامل لجميع الخلائق، لان ذلك دليل خطاب. وليس ذلك بصحيح عند الاكثر، والذي يكشف عن ذلك، ان الواحد منا قد يعطي اولاده وعبيده يتفضل على جميعهم ثم يبذره بعضهم ويبقى فقيرا. ويحفظه آخر فيصير غنيا، ويحسن ان يقول للغني منهم لولا فضلي عليك لكنت فقيرا. ولا يدل على انه لا يتفضل على الذي هو فقير.
واذا كان كذلك كان تأويل الآية انه لولا اقداري لكم على الايمان وازاحة علتكم فيه حتى فعلتم ايمانكم، لكنتم من الخاسرين. وانما جعل الايمان فضلا فيؤتيه الذين به ينجون ولم يكونوا خاسرين من حيث كان هو الداعي اليه والمقدر عليه، والمرغب اليه.
ويحتمل ان يكون المعنى: ولولا فضل الله عليكم بامهاله اياكم بعد توليكم عن طاعته حتى تاب عليكم برجوع بعضكم عن ذلك وتوبته لكنتم من الخاسرين.
ويحتمل ان يكون اراد بهذا الفضل في وقت رفع الجبل فوقهم باللطف والتوفيق الذي تابوا عنده حتى زال عنهم العذاب وسقوط الجبل، ولولا فضل الله: لسقط الجبل.
قوله تعالى: ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين(65)
آية.
المعنى: علمتم أي عرفتم هاهنا.
---
(1) معاني الفراء. قائله زائدة بن صعصعة الفقعسي.

(1/286)


تفسير التبيان ج1
فقوله: علمت اخاك ولم اكن اعلمه: أي عرفته ولم اكن اعرفه كقوله تعالى: " واخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم "(1) يعني لا تعرفونهم الله يعرفهم. والذين نصب، لانه مفعول به.
اعتدوا: أي ظلموا وجاز واما حدلهم، وكانوا امروا ألا يعدوا في السبت، وكانت الحيتان تجتمع، لامنها في السبت فحبسوها في السبت واخذوها في الاحد.
واعتدوا في السبت، لان صيدها هو حبسها وقال قوم: بل اعتدوا فصادوا يوم السبت وسمي السبت سبتا لان السبت هو القطعة من الدهر فسمي بذلك اليوم، هذا قول الزجاج وقال ابوعبيدة: سمي بذلك: لانه سبت خلق فيه كل شئ: اي قطع وقوع.
وقال قوم سمي بذلك لان اليهود يسبتون فيه: اي يقطعون الاعمال.
وقال آخرون: سمي بذلك، لما لهم فيه من الراحة، لان اصل السبت هو السكون والراحة.
ومن ذلك قوله: " وجعلنا نومكم سباتا "(2)، وقيل للنائم مسبوت لاستراحته وسكون جسده فسمي به اليوم، لاستراحة اليهود فيه.
وقوله: " فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ".
اخبار عن سرعة فعله ومسخه اياهم. لا أن هناك امرا كما قال للسموات والارض " اتيا طوعا او كرها قالتا اتينا طائعين "(3). ولم يكن هناك قول، وانما اخبر عن تسهل الفعل عليه وتكوينه له بلا مشقة، بلفظ الامر.
ومعنى الآية على ما قاله اكثر المفسرين: انه مسخهم قردة في صورة القردة سواء.
وحكي عن ابن عباس: انه قال: لم يعش مسخ قط اكثر من ثلاثة ايام. ولم يأكل ولم يشرب.
وقال مجاهد: إن ذلك مثل ضربه الله، كما قال: " كمثل الحمار يحمل اسفارا "(4). ولم يمسخهم قردة.
وحكي عنه ايضا: انه قال مسخت قلوبهم فجعلت كقلوب القردة لا تقبل وعظا ولا تقي زجرا.
وهذان القولان منافيان لظاهر
---
(1) سورة الانفال آية: 61.
(2) سورة عم آية: 9.
(3) سورة حم - السجدة آية: 11.
(4) سورة الجمعة آية: 5.

(1/287)


تفسير التبيان ج1
التأويل: لما عليه اكثر المفسرين من غير ضرورة داعية اليه.
وقوله: " خاسئين ": اي مبعدون، لان الخاسئ هو المبعد المطرود كما يخسأ الكلب.
تقول: منه خسأه اخسؤه خس_ء وخسيا هو يخسو خسوا.
يقال: خسأته فخسأ وانخسأ.
قال الراجز: كالكلب ان قلت له اخسا انخسا(1) اي إن طردته، انطرد.
وقال مجاهد معناه، اذلاء صاغرين.
والمعنى قريب.
وفي هذه الآيات احتجاج من الله تعالى بنعمه المترادفة واخبارا للرسول عن عناد اسلافهم وكفرهم مرة بعد اخرى مع ظهور الايات والعلامات، تعزية له " ص " وتسلية له عند ما رأى من جحودهم، وكفرهم وليكون وقوفه على ما وقف عليه من اخبارهم حجة عليهم وتنبيها لهم وتحذيرا ان يحل بهم مما حل بمن تقدمهم من آبائهم واسلافهم.
قوله تعالى: فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين(66)
آية بلا خلاف
المعنى: الضمير في قوله: " فجعلناها " يحتمل ان يكون راجعا إلى العقوبة او القردة فكأنه قال: جعلنا القردة، اي ما حل بها من التشويه وتغيير الخلفة، دلالة على ان من تقدمهم او تأخر عنهم. فمن فعل مثل فعلهم يستحق من العقاب مثل الذي نزل بهم نكالا لهم جميعا وموعظة للمتقين: اي تحذيرا وتنبيها، لكيلا يواقعوا من المعاصي ما واقع أولئك فيستحقوا ما استحقوا - نعوذ بالله من سخطه - ويحتمل ان تكون (الهاء) راجعة إلى الحيتان.
ويحتمل ان تكون راجعة إلى القرية التي اعتدوا اهلها فيها.
ويحتمل ان تكون (الهاء) راجعة إلى الامة الذين اعتدوا وهم
---
(1) لسان العرب: خسأ. وروايته. ان قيل له..

(1/288)


تفسير التبيان ج1
اهل ايلة: قرية على شاطئ البحر. وروي ذلك عن ابي جعفر " ع ".
وقوله: " نكالا " قال ابن عباس: عقوبة. وقال غيره: ينكل بها من يراها.
وقيل: انها شهرة، لان النكال: الاشتهار بالفضيحة، ذكر ذلك الجبائي. وليس بمعروف.
والنكال الارهاب للغير واصله المنع، لانه مأخوذ من النكل وهو القيد، وهو ايضا اللجام وكلاهما مانع.
وقوله: " لما بين يديها وما خلفها ".
روي عن عكرمة عن ابن عباس: انه اراد ما بين يديها وما خلفها من القرى.
وروي عن الضحاك عن ابن عباس انه: اراد ما بين يديها يعني: من بعدهم من الامم.
وما خلفها الذين كانوا معهم باقين.
وقال السدي (ما بين يديها): من ذنوبها (وما خلفها) يعني: عبرة لمن يأتي بعدهم من الامم.
وقال قتادة (لما بين يديها) ذنوبها (وما خلفها): عبرة لمن يأتي خلفهم: بعدهم من الامم وقال قتادة لما بين يديها ذنوب القوم وما خلفها الحيتان التي اصابوها وقال مجاهد: ما بين يديها ما مضى من خطاياهم.
وما خلفها من خطاياهم: التي اهلكوا بها (وموعظة للمتقين). خص المتقين بها - وان كانت موعظة لغيرهم -، لانتفاع المتقين بها دون الكافرين. كما قلناه في غيره. كقوله: " هدى للمتقين ".
واصل النكال العقوبة تقول: نكل فلان ينكل تنكلا ونكالا قال عدي بن زيد:
لا يسخط المليك ما يصنع العب_
- د ولا في نكاله تنكير(1)
واقوى التأويلات ما رواه الضحاك عن ابن عباس: من انها كناية عن العقوبة والمسخة التي مسخها القوم، لان في ذلك اشارة إلى العقوبة التي حلت بالقوم - وان كانت باقي الاقوال ايضا جائزة.
---
(1) يقول: لا يغضب الملك ما يسع عبده من العفو والصفح، وان عاقب فما في عقوبته ما يستنكر..

(1/289)


تفسير التبيان ج1
قوله تعالى: واذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين(67)
آية بلا خلاف.
القراءة: قرأ ابوعمرو ونافع والكسائي وابن عامر: هزوا مثقلا، وكذلك كفوا مثقلة. وقرأ آخر مخففا. وعاصم يثقلهن ويخففهن. وحمزة يخففهن ثلاثهن(1).
الاعراب واللغة: قوله: " واذ " معطوفة على قوله واذكروا نعمتي التي انعمت عليكم: واذكروا اذ قال موسى لقومه.
واهل الحجاز يثقلون هذه الكلمات.
وبنو أسد وتميم وعامة قيس يخففونهن ومن لا يحصى ممن تجاوزهم يقولون عن مكان أن اذا كانت الهمزة مفتوحة: يجعلونها عينا ويقولون اشهد عن رسول الله فاذا كسروها رجعوا إلى لغة اهل الحجاز إلى الهمزة.
المعنى: وهذه الآية فيها توبيخ للمخاطبين من بني اسرائيل في نقض اوائلهم الميثاق والذي اخذه الله عليهم بالطاعة لانبيائه.
فقال: واذكروا ايضا من نكثهم ميثاقي اذ قال موسى لقومه: إن الله يأمركم ان تذبحو بقرة قالوا اتتخذنا هزوا.
والهزء والسخرية واللعب نظائر.
قال الراجز:
قد هزئت مني ام طيلسة
قالت اراه معدما لا شئ له(2)
اي سخرت ولعبت ولا يجوز أن يقع من انبياء الله عزوجل فيما يؤدونه هزوا ولا لعب.
---
(1) لا يوجد في المتن الا مثلان.
(2) قائله: صخير بن عمير التميمي. ومنهم من كسب القصيده كلها للاصمعى. امالي القالي 2: 284. وروايته: تهزأ مني أخت آل طيسلة.

(1/290)


تفسير التبيان ج1
وظنوا في امره اياهم عن الله: بذبح - البقرة - عند نذرائهم في القتيل - انه هازئ لاعب ولم يكن لهم ذلك.
وحذفت الفاء من قوله: أتتخذنا هزوا - وهو جواب - للاستغناء ما قبله من الكلام عنه وحسن السكوت على قوله إن الله يأمركم ان تذبحوا بقرة فجاز لذلك اسقاط الفاء من قوله.
فقالوا كما حسن اسقاطها في قوله: " فما خطبكم ايها المرسلون قالوا انا ارسلنا "(1) ولم يقل فقالوا.
ولو قيل بالفاء لكان حسنا. ولو كان ذلك على كلمة واحدة لم تسقط منه الفاء ألا ترى انك اذا قلت: قمت ففعلت، لم يجز اسقاط الفاء لانها عطف لا استفهام يوقف عليه.
فقال موسى حينئذ: اعوذ بالله ان اكون من الجاهلين. يعني السفهاء الذين يردون على الله الكذب والباطل. وكان السبب في امر موسى لقومه بذبح البقرة ما ذكره المفسرون أن رجلا من بني اسرائيل كان غنيا ولم يكن له ولد وكان له قريب يرثه قيل انه اخوه وقيل انه ابن اخيه وقيل ابن عمه واستبطأ موته فقتله سرا والفاه في موضع بعض الاسباط وادعى قتله على احدهم فاحتكموا إلى موسى فسأل من عنده من ذلك علم فقال انت نبي الله وانت اعلم منا فقال ان الله يأمركم ان تذبحوا بقرة فلما سمعوا ذلك منه وليس في ظاهره جواب عما سألوا عنه قالوا اتتخذنا هزوا قال اعوذ بالله أن اكون من الجاهلين لان الخروج عن جواب السائل المسترشد إلى الهزء جهل.
وقال بعضهم وانما امروا بذبح البقرة دون غيرها لانها من جنس ما عبدوه من العجل ليهون عليهم ما كانوا يرونه من تعظيمهم وليعلم باجابتهم زوال ما كان في نفوسهم من عبادته والبقرة اسم الانثى.
والثور للذكر: مثل ناقة وجمل، وامرأة ورجل، فيكون تأنيثه بغير لفظه.
والبقرة: مشتق من الشق: يقولون: بقر بطنه: إذا شقه، لانها تشق الارض في الحرث.
---
(1) سورة الذاريات آية 31، 32..

(1/291)


تفسير التبيان ج1
قوله تعالى: قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون(68)
آية.
الفارض: الكبيرة المسنة. وبه قال الجمهور.
يقال منه: فرضت البقرة تفرض فروضا. وفرضت تفرض فراضة: إذا أسنت.
قال الشاعر:
لعمري لقد اعطيت جازك فارضا
تساق إليه ما تقوم على رجل(1)
وقيل: إن الفارض: التي قد ولدت يطونا كثيرة. فيتسع لذلك جوفها، لان معنى الفارض، في اللغة الواسع. وهو قول بعض المتأخرين.
واستشهد بقول الراجز:
يارب ذي ضغن علي فارض
له قروء كقروء الحائض(1)
ومنه قول الراجز:
هدلاء كالوطب تجاه الماخض
له زجاج ولهاة فارض(2)
ويقال لحية فارض: إذا كانت عظيمة.
قال الشاعر:
شيب اصداغي فرأسي ابيض
محامل فيها رجال فرض(3)
أي ذو أسنان: وقال الجبائي: الفارض: التي لم تلد بطونا كثيرة، فيتسع لذلك بطنها.
قال الرماني وهذا غلط لا يعرف.
والبكر: الصغيرة التي لم تحمل.
والبكر من اناث البهائم وبني آدم: ما لم يفتحله الفحل. - مكسورة الباء - والبكر: - بفتح الباء - الفتي من الابل.
---
(1) قائله علقمة بن عوف. اللسان (فرض) وروايته. (ضيفك) بدل (جارك) و (تجر) بدل (تساق).
(2) اللسان: " فرض " وروايته: يارب مولى حاسد مباغض وبين البيتين اللذين اثبتهما الشيخ " قده " هذا البيت: علي ذي ضغن وضب فارض.
(3) الثاني في اللسان: " زجج " والزجاج. وهو الحديدة التي تركب في اسفل الرمح. اللهاة: لحمة حمراء.
(4) لرجل من فقيم اللسان. " فرض " واحدهم فارض..

(1/292)


تفسير التبيان ج1
والعوان: النصف التي قد ولدت بطنا أو بطنين قال الفراء: يقال من العوان: عونت المرأة تعوينا - بالفتح والتشديد - وعونت: إذا بلغت ثلاثين سنة.
وقال أبوعبيدة: إنما قال: " عوان بين ذلك " ولم يقل بينهما، لانه أخرجه على لفظة واحدة، على معنى هذا الكلام الذي ذكرناه.
قال رؤبة في صفة العير:
فيه خطوط من سواد وبلق
كأنها في الجلد توليع البهق(1)
قال ابوعبيدة: إن أردت الخطوط، فقل: كأنها، وان اردت السواد والبلق، فقل: كانهما.
فقال: كان ذلك وذاك.
قال الفراء: إنما يصح ان يكنى عن الاثنين بقولهم ذاك في الفعلين خاصة. ولا يجوز في الاسمين. ألا ترى، انهم يقولون: اقبالك وادبارك يشق علي، لانهما مشتقان من فعل. ولم يقولوا: أخوك وابوك يزورني حتى تقول: يزوراني.
وقال الزجاج تقول: ظننت زيدا قائما فيقول القائل ظننت ذلك وذاك.
قال الشاعر في صفة العوان:
خرجن عليه بين بكر عويرة
وبين عوان بالعمامة ناصف(2)
بين ذلك يعني بين الكبيرة والصغيرة.
هو اقوى ما يكون من البقر واحسنه قال الاخطل:
وما بمكة من شمط محفلة
وما بيثرب من عون وابكار(3)
ويقال بقرة عوان، وبقر عون.
قال الاخفش: لا فارض، ولا بكر. ارتفع ولم ينتصب كما ينتصب النفي لان هذه صفة في معنى البقرة والنفي المنصوب، لا يكون صفة من صفتها. انما هو اسم مبتدأ وخبره مضمر. وهذا مثل قولك: عبدالله لا قائم ولا قاعد. أدخلت لا للنفي وتركت الاعراب على حاله، لو لم يكن فيه لا، ثم قال: " عوان " فوقع على الابتداء. كأنه قال: هي عوان. ويقال ايضا: عوانة.
قال الاعشى:
بكميت عرفاء محمرة مخف
عربها عوانة اوفاق
---
(1) اللسان: (بهق) وروايته (الجسم) بدل (الجلد).
(2) لم نجده في مراجعنا.
(3) ديوانه 19. وروايته وما بزمزم من شمط محلقة.. يقصد حالقين رؤوسهم وقد -. - تخللوا من احرامهم: أي قضوا حجهم، الشمط ج اشمط: وهو الذي خالط سواد شعره بياض الشيب " وشمط محفله " يقال منه: رجل ذو حفيل، وذو حفلة: ذو جد واجتهاد. فعلى ما اثبته الشيخ قدس سره، المعنى: انهم جادون في العبادة.

(1/293)


تفسير التبيان ج1
قوله تعالى: قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين(69)
آية بلا خلاف.
الاعراب: لونها: رفع لان ما ليست زائدة، بل هي بمعنى أي: كأنهم قالوا: أي شئ لونها؟ وقوله: " يبين ": جزم لانه جواب الامر بغير ياء.
ومعنى الآية: أن قوم موسى قالوا: ياموسى أدع لنا ربك يبين لنا ما لون البقرة التي امرنا بذبحها.
واما قوله: " صفراء " قال الحسن المراد به: سوداء شديدة السواد.
تقول العرب: ناقة صفراء أي سوداء.
قال الشاعر:
تلك خيلي منه وتلك ركابي
هن صفر ألوانها كالزبيب(1)
يعني ركابي هن سود.
غير أن هذا - وان وصفت به الابل، فليس مما توصف به البقر. مع ان العرب لا تصف السواد بالفقوع. وانما تصفه بالشدة وبالحلوكة ونحوها.
تقول: اسود حالك وحائك وحنكوك وغربيب ودجوجي، ولا تقول: فاقع.
وقال أكثر المفسرين: إنها صفراء اللون من الصفرة المعروفة وهذا الصحيح، لانه الظاهر، ولانه قال: " فاقع لونها " وهو الصافي ولا يوصف السواد بذلك - على ما بيناه - فاما ما ابيض فيؤكدونه بأنه ناصع، واخضر ناضر واصفر فاقع.
وقال سعيد بن جبير: المعنى في الآية: بقرة صفراء القرن والظلف.
وقال مجاهد: صفراء اللون كله: وهو الظاهر لانه قال: فاقع لونها. فوصف جميع اللون بذلك.
وقال ابن عباس: أراد بذلك صفراء شديدة الصفرة.
---
(1) للاعشى الكبير.
اللسان: " صفر " وروايته " اولادها " بدل " الوانها ".
الركاب: الابل التي يسار عليها. والزبيب من العنب معروف.

(1/294)


تفسير التبيان ج1
وقال غيره: خالص وقال ابوالعالية وقتادة: الصافي.
وقوله: " تسر الناظرين "
فالسرور: ما يسر به القلب. والفرح ما فرحت به العين وقيل معناه: تعجب الناظرين.
ومن القراء من اختار الوقف على قوله: " صفراء " والصحيح ان الوقف انما يجوز عند تمام النعت كله وقال قوم: النمام عند قوله: " فاقع " ويقال فقع لونها يفقع - بالتشديد وضم الياء - ويفقع - بالتخفيف وفتح الياء - فقوعا اذا خلصت صفرته.
الآية: 70 - 79
قوله تعالى: قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ماهي ان البقر تشابه علينا وانا إن شاء الله لمهتدون(70)
آية واحدة.
القراءة: القراء كلهم على تخفيف الشين مفتوحة الهاء.
وقرأ الحسن: بتشديد الشين، وضم الهاء، وقرأ الاعمش إن البقر متشابه.
وكذا هو في مصحف ابن مسعود والمعمول على ما عليه القراء وما هو في المصحف المعروف.
تقدير الكلام، قال قوم موسى لما امروا بذبح البقرة لموسى. وترك ذكر موسى، لدلالة الكلام عليه.
اللغة: واهل الحجاز يؤنثون البقر.
فيقولون: هذه بقر وكذلك النخل. وكل جمع كان واحده بالهاء، وجمعه بطرح الهاء، فانهم يؤنثون ذلك وربما ذكروا ذلك قال الله تعالى " كأنهم اعجاز نخل خاوية "(1) - بالتأنيث - وفي موضع آخر: " كأنهم اعجاز نخل منقعر "(2) والاغلب عليهم التأنيث. واهل نجد يذكرون وربما انثوا. والتذكير الغالب.
فمن ذكر نصب الهاء من " تشابه " يعني التبس واشتبه. ومن انث رفع الهاء لانه يريد يتشابه علينا. والبقر، والباقر، والجامل، والجمال بمعنى واحد.
وقرأ بعضهم إن الباقر تشابه علينا. وهو شاذ.
---
(1) سورة الحاقة آية 7.
(2) سورة القمر آية 20.

(1/295)


تفسير التبيان ج1
قال الشاعر:
وما ذنبه ان عافت الماء باقر
وما ان تعاف الماء الا لتضربا(1)
وقال آخر:
مالي رأيتك بعد اهلك موحشا
خلقا كحوض الباقر المتهدم
وقال آخر: لهم جامل لا يهدأ الليل سامره(2) يريد الجمال.
والذي ذهب اليه ابن جريج، وقتادة ورووه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله انهم امروا بادنى بقرة، لكنهم لما شددوا على انفسهم، شدد الله عليهم: وايم الله، لو انهم لم يستثنوا ما تبينت لهم إلى آخر الدهر يعني انهم لو لم يقولوا وانا ان شاء الله لمهتدون بتعريف الله ايانا، وبما شاء له الله من اللطف والزيادة في البيان.
وكل من اختار تاخير بيان المجمل عن حال الخطاب استدل بهذه الآية على جواز ذلك.
وسنبين ذلك فيما بعد ان شاء الله.
قوله تعالى: قال إنه يقول انها بقرة لا ذلول تثير الارض ولا تسقي الحرث مسلمة لاشية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون(71)
آية بلا خلاف.
المعنى: ان البقرة التي امرتكم بذبحها، لا ذلول أي لم يذللها العمل باثارة الارض باظلافها.
ولا تسقي الحرث.
معناه: ولا يستقى عليها الماء، فيسقى الزرع. كما يقال للدابة التي قد ذللها الركوب والعمل.
تقول دابة ذلول بين الذل - بكسر الذال - وفي مثله من بني آدم رجل ذليل بين الذل والمذلة.
قال الزجاج: يحتمل أن يكون اراد ليست بذلول وهي تثير الارض.
ويحتمل: انها ليست ذلولة، ولا مثيرة الارض قيل: إنها كانت وحشية في قول الحسن مسلمة. معناه: من السلامة. يقال منها سلمت تسلم، فهي مسلمة من الشية.
---
(1) ميمون بن قيس - الاعشى الكبير - اللسان: " ثور ".
(2) اللسان: (جمل) قائله الحطيئة. وصدر البيت: فان تك ذا مال كثير فانهم..

(1/296)


تفسير التبيان ج1
لاشية فيها لا بياض فيها، ولا سواد.
وقال قتادة مسلمة من العيوب: وبه قال الربيع.
وقال ابن جريج: لا عوان فيها.
قال المؤرخ: لاشية فيها: أي لا وضح فيها بلغة اردشنوه والذي قال اهل اللغة " لاشبة فيها ": اي لا لون يخالف لون جلدها واصله: وشى الثوب واصله تحسين عيوب الشئ، يكون فيه بضروب مختلفة من الوان سداه، ولحمته يقال منه: وشيت الثوب: اشيه شية ووشيا. ومنه قيل للساعي بالرجل إلى السلطان، أو غيره واش لكذبه عليه عنده. وتحسينه كذبه عنده بالاباطيل يقال: وشيت به وشاية.
قال كعب بن زهير:
يسعى الوشاة بجنبيها وقولهم
انك يابن سلمى لمقتول(1)
يعني: انهم يتقولون الاباطيل، ويخبرونه انه إن الحق بالنبي صلى الله عليه وآله قتله وقال بعض اهل اللغة ان الوشي: العلامة واصله: شية من وشيت، لكن لما اسقطت منها الواو وابدلت مكانها الهاء في اخرها: كما قالوا: وزنته زنة ووعدته عدة. وكذلك وشيته شية.
وقالوا: " الآن جئت بالحق " موصولة الهمزة واذا ابتدأت، قطعت الالف الاولى، لان الف الوصل إذا ابتدئ بها قطعت.
قال الفراء: والاصل الاوان. فحذفت الواو. والالف واللام دخلتا في آن لانهما ينوبان عن الاشارة.
المعنى انت إلى هذا الوقت تفعل هذا. فلم تعرب الآن كما لم تعرب هذا.
ومن العرب من يقول " قالوا الآن جئت بالحق " ويذهب الوصل ويفتح اللام، ويحذف الهمزة التي بعد اللام. ويثبت الواو في (قالوا) ساكنا، لانه انما كان يذهبه لسكون اللام. واللام قد تحركت، لانه حول عليها حركة الهمزة قال الشاعر:
وقد كنت تخفي حب سمراء حقبة
فبح لان منها بالذي انت بايح
المعنى: ومعنى قوله: " الآن جئت بالحق " يحتمل امرين: احدهما - الان بينت الحق. وهو قول قتادة. وهذا يدل على انه كان فيهم
---
(1) ديوانه. الجناب: الناحية. في المطبوعة " بحسنها " بدل " بحنها ".

(1/297)


تفسير التبيان ج1
من يشك في ان موسى (ع) ما بين الحق.
وقال عبدالرحمان: يريد انه حين بينها لهم، قالوا هذه بقرة فلان.
الآن جئت بالحق وهو قول من حوزانه قبل ذلك لم يجئ بالحق على التفصيل - وإن تى به على وجه الجملة -
وقوله: (فذبحوها وما كادوا يفعلون) يحتمل امرين: احدهما - كادوا لا يفعلون اصلا، لغلاء ثمنها، لانه حكي عن ابن عباس ومحمد ابن كعب انهم اشتروها بمل_ء جلدها ذهبا من مال المقتول. وقيل بوزنها عشر مرات.
والثاني - ما قال عكرمة ووهب كادوا ألا يفعلوا خوفا من الفضيحة على انفسهم في معرفة القاتل منهم، قال عكرمة ما كان ثمنها إلا ثلاثة دنانير.
اللغة: ومعنى كاد: هم ولم يفعل.
ولا يقال كاد أن يفعل. وانما يقال كاد يفعل، قال الله ما كادوا يفعلون قال الشاعر: قد كاد من طول البلى ان يمصحا(1) يقال مصح الشئ اذا فني وذهب. يمصح مصوحا.
وانشد الاصمعي:
كادت النفس ان تفيض عليه
اذ ثوى حشو ريطة وبرود(2)
ولا يجئ منه إلا فعل يفعل وتثنيتها.
وقال بعضهم: قد جاءت بمعنى إيقاع الفعل لا بمعنى الهم والقرب من ايقاعه، وانشد قول الاعشى: قد كاد يسمو إلى الجرباء وارتفعا الجرباء: السماء: أي سما وارتفع وقال ذو الرمة:
لو أن لقمان الحكيم تعرضت
لعينيه مي سافرا كاد يبرق(3)
أي لو تعرضت لعينيه أي دهش وتحير.
وروي عن ابي عبدالله السلمي انه قرأ لا ذلول بفتح اللام غير منون وذلك لا يجوز لانه ليس المراد النفي وانما المراد
---
(1) اللسان: " مصح ". مصح الشئ مصوحا: ذهب وانقطع.
(2) اللسان: " نفس ". النفس: الروح. الريطة: الملاءة لا برودج يرد وهو الثوب المخطط.
(3) اللسان: " برق " برق يبرق بروقا: تحير.

(1/298)


تفسير التبيان ج1
بها بقرة غير ذلول وعندنا انه يجوز في البقرة غير الذبح. فان نحر مختارا لم يجز اكله وفيه خلاف، ذكرناه في خلاف الفقهاء.
قد استدل اصحابنا بهذه الآيات على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة.
فان قالوا ان الله امرهم بذبح بقرة هذة الصفات كلها لها، ولم يبين ذلك في اول الخطاب حتى سألوا عنه وراجعوا فيه، فبين حينئذ المراد لهم شيئا بعد شئ. وهذا يدل على جواز تأخير البيان.
فان قيل ولم زعمتم ان الصفات المذكورة في البقرة الاولى التي امروا بذبحها، وما الذي تنكرون انهم امروا بذبح البقرة أي بقرة كانت فلما راجعوا تغيرت المصلحة فأمروا بذبح بقرة اخرى هي لا فارض ولا بكر فلما راجعوا تغيرت المصلحة، فأمروا بذبح بقرة صفراء فاقع لونها فلما راجعوا تغيرت المصلحة فأمروا بذبح بقرة لا ذلول تثير الارض ولا تسقي الحرث مسلمة لاشية فيها.
وانما يصح لكم لو كانت الصفات المذكورة كلها مرادة في البقرة الاولى.
قلنا هذا باطل، لان الكناية في قوله: " قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ماهي " لا يجوز ان تكون كناية إلا عن البقرة التي تقدم ذكرها وامروا بذبحها، لانه لم يجر في الكلام ما يجوز ان تكون هذه الكناية عنه إلا البقرة، ويجري ذلك مجرى ان يقول واحد لغلامه: اعطني تفاحة فيقول الغلام ماهي؟ بينها فلا يصرف واحد من العقلاء هذه الكناية إلا إلى التفاحة المأمور باعطائه اياها.
ثم يقال بعد ذلك انها بقرة لا فارض ولا بكر وقد علمنا ان الهاء في قوله: انه يقول كناية عنه تعالى، لانه لم يتقدم ما يجوز ان يكون كناية عنه إلا اسمه تعالى.
وكذا يجب ان يكون قوله انها كناية عن البقرة المتقدم ذكرها وإلا فما الفرق بين الامرين؟ وكذلك الكلام في الكناية الثانية والثالثة سواء.
ولا خلاف بين المفسرين ان الكناية في الآية من اولها إلى آخرها: كناية عن البقرة المأمور بها في الاول.
وقالت المعتزلة: انها كناية عن البقرة التي تعلق التكليف المستقبل بها.
ولا خلاف بين المفسرين ان جميع الصفات المذكورات للبقرة اعوز اجتماعها للقوم حتى توصلوا إلى اجتماع بقرة لها هذه الصفات كلها بمل_ء جلدها ذهبا.

(1/299)


تفسير التبيان ج1
وروي اكثر من ذلك.
ولو كان الامر على ما قاله المخالف لوجب ان لا يعتبروا فيما ببتاعونه إلا الصفات الاخيرة دون ما تقدمها، وتلغي الصفات المتقدمة اجماعهم على ان الصفات كلها معتبرة. دليل على ان الله تعالى أخر البيان.
فان قيل لم عنفوا على تأخيرهم امتثال الامر الاول مع ان المراد بالامر الاول تأخر؟ ولم قال فذبحوها وما كادوا يفعلون؟ قلنا ما عنفوا بتأخير امتثال الامر الاول: وليس في الظاهر ما يدل عليه بل كان البيان يأتي شيئا بعد شئ كما طلبوه من غير تعنيف فلا قول يدل على انهم بذلك عصاة.
فاما قوله: في اخر القصة: " فذبحوها وما كادوا يفعلون ".
فانما يدل على انهم كادوا يفرطون في اخر القصة، وعند تكامل البيان. ولايدل على انهم فرطوا في اول القصة.
ويقوي ذلك قوله تعالى بعد جمع الاوصاف: " الان جئت بالحق " اي جئت به على جهة التفصيل. وان كان جاءهم بالحق مجملا.
وهذا واضح بحمد الله، وقد استوفينا الكلام في هذه الآية وغيرها في العدة في اصول الفقه مالا مزيد عليه.
قوله تعالى: واذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون(72)
آية
تقدير الآية: واذكروا إذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها.
وهو عطف على قوله: " واذكروا نعمتي التي انعمت عليكم ".
وهو متقدم على قوله: " واذ قال موسى لقومه ان الله يأمركم ان تذبحوا بقرة " لانهم انما امروا بذبح البقرة بعد تدارئهم في امر المقتول.
ومعنى ادارأتم: اختلفتم واصله تدارأتم. فادغمت التاء في الدال بعد ان سكنت، وجعلوا قبلها ألفا لتمكن النطق بها.
قال ابوعبيدة: اداراتم: بمعنى اختلفتم فيها. من التدارؤ، ومن الدرء وقيل الدراء: العوج: اي اعوججتم عن الاستقامة،

(1/300)


تفسير التبيان ج1
ومنه قول الشاعر:
فنكب عنهم درء الاعادي
وداووا بالجنون من الجنون
اي اعوجاج الاعادي وقال قوم: الدرء المدافعة. ومعناه تدافعتم في القتل.
ومنه قوله: " ويدرأ عنها العذاب ".
وقال رؤبة ابن العجاج:
ادركتها قدام كل مدره
بالدفع عني درء كل عنجه(1)
ويقال: فلان لا يداري ولا يماري اي: لا يخالف.
ومنه قوله: " والله مخرج ما كنتم تكتمون " اي: مظهر ما كنتم تسرون من القتل.
قوله تعالى : فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون(73)
آية بلا خلاف.
روي ابن سيرين عن ابي عبيدة السلماني قال: كان رجل من بنى اسرائيل عقيما، وله مال كثير. فقتله وارثه وجره، فقدمه على باب اناس آخرين، ثم اصبح يدعيه عليهم حتى تسلح هؤلاء وهؤلاء، وارادوا ان يقتتلوا(2) فقال ذووا النهى: أتقتتلون(3) وفيكم نبي الله؟ فامسكوا حتى اتوه، فامرهم أن يذبحوا بقرة، فيضربوه ببعضها.
فقالوا: اتتخذنا هزوا.
قال: اعوذ بالله ان اكون من الجاهلين.
قال: فوجدوها عند رجل.
فقال: لا ابيعها إلا بمل_ء جلدها(4) ذهبها.
وكان بارا بابيه. فعوضه الله عن ذلك وجازاه عن بره بابيه، اذ باع البقرة بمل_ء جلدها ذهبا فضربوه ببعضها. فتكلم.
فقال: قتلني فلان، ثم عاد ميتا فلم يورث قاتل بعده.
واختلفوا (في البعض من البقرة المضروب به القتيل)(5).
فقال الفراء: ضرب بذنبها.
وقال البعض اقل من النصف.
وقال ابن زيد: ضرب ببعض ارابها.
وقال ابوالعالية: ضرب بعظم من عظامها.
وقال السدي: ضرب
---
(1) ديوانه. المدره: هو المدافع العتجة ذو الكبر والعظم. ومنه العنجهية.
(2 و 3) في المطبوعة (تقتلون).
(4) في المطبوعة (الا بمل_ء ذهبا).
(5) ما بين القوسين زدناهم عن " مجمع البيان " ليتم المعنى.
وهذه عبارة التبيان مخطوطته ومطبوعته " في أي موضع ضرب من القتيل. ".

(1/301)


تفسير التبيان ج1
بالبضعة التي بين الكتفين.
وقال مجاهد، وعكرمة، وقتادة: ضرب بفخذ البقرة.
والهاء في قوله فاضربوه كناية عن القتيل والهاء في قوله: ببعضها كناية عن البقرة.
وهذه الاقاويل كلها محتملة الظاهر. والمعلوم ان الله تعالى امر ان يضرب القتيل ببعض البقرة. ولا يضر الجهل بذلك البعض بعينه، وانما امرهم بذلك لانهم اذا فعلوه احيي الميت.
فيقول فلان قتلني: فيزول الخلف، والتداري بين القوم.
والقديم تعالى، وان كان قادرا على الاخبار بذلك فان هذا اظهر. والاخبار به أعجب لانه معجز خارق للعادة.
والتقدير في الآية فقلنا اضربوه ببعضها فضربوه فحيي كما قال: " اضرب بعصاك الحجر فانفلق " تقديره فضرب، فانفلق.
وكذلك قوله: " يحيي الموتى " فيه اضمار كانه قال: فقلنا اضربوه ببعضها فحيي كذلك يحيي الله الموتى. اي اعلموا ان ما عاينتموه ان الله قادر على ان يحيي الموتى للجزاء، والحساب الذي اوعدكم به.
ولما ضربوه ببعض البقرة، احياه الله تعالى، فقال: قتلني ابن اخي ثم قبض. وكان اسمه عاميل. فقال بنو اخيه والله ما قتلناه وكذبوا الحق بعد معاينته.
وانما جعل سبب احيائه الضرب بموات لا حياة فيه، لئلا يلتبس على ذي شبهة ان الحياة انتقلت اليه مما ضرب به لتزول الشبهة، وتتأكد الحجة.
وقوله: " كذلك يحيي الله الموتي "
يحتمل ان يكون حكاية عن قول موسى لقومه. ويحتمل ان يكون خطابا من الله تعالى لمشركي قريش.
وقوله: " لعلكم تعقلون " اي لتعقلوا.
وقد كانوا عقالا قبل ذلك، لان من لا عقل له، لا تلزمه الحجة، لكنه اراد تنبيههم، وان يقبلوا ما يدعون اليه، ويطيعوه ويعرفوه حق معرفته.

(1/302)


تفسير التبيان ج1
قوله تعالى: ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة او اشد قسوة وان من الحجارة لما يتفجر منه الانهار وان منها لما يشقق فيخرج منه الماء وان منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون(74)
آية واحدة بلا خلاف.
قرأ ابن كثير وحده هاهنا عما يعملون بالياء الباقون بالتاء.
الخطاب بقوله: " قلوبكم " قيل فيمن يتوجه اليه قولان:
احدهما - انه اريد بنواخى المفتول حين انكروا قتله بعد ان سمعوه منه عند احياء الله تعالى له، انه قتله فلان. هذا قول ابن عباس.
والثاني - قول غيره: أنه متوجه إلى بني اسرائيل كلهم. قال: وقوله: " من بعد ذلك " اي من بعد آيات الله كلها التي اظهرها على يد موسى.
وعلى الوجه الاول يكون ذلك اشارة إلى الاحياء.
ومعنى " قست قلوبكم " اي: غلظت ويبست وعتت.
اللغة: القسوة: ذهاب اللين، والرحمة والخشوع، والخضوع.
ومنه يقال: قسا قلبه يقسو قسوا وقسوة وقساوة.
وقوله من بعد ذلك اي من بعد احياء الميت لكم ببعض من اعضاء البقرة بعد ان تدارأوا فيه واخبرهم بقاتله، والسبب الذى من اجله قتله.
وهذه آية عظيمة كان يجب على من شاهد هذا ان يخضع ويلين قلبه. ويحتمل ان يكون من بعد احياء الميت.
والآيات الاخرى التي تقدمت كمسخ القردة والخنازير ورفع الجبل فوقهم وانبجاس الماء من الحجر وانفراق البحر وغير ذلك. وانما جاز ذلك وان كانوا جماعة. ولم يقل ذلكم، لان الجماعة: في معنى الجمع والفريق. فالخطاب في لفظ الواحد ومعناه جماعة.
قوله: " فهي كالحجارة "
يعني قلوبهم، فشبهها بالحجارة في الصلابة واليبس والغلظ والشدة: اي اشد صلابة، لامتناعهم بالافرار اللازم من حقه الواجب من طاعته بعد مشاهدة الآيات.
ومعنى " أو " في الآية: يحتمل امور: احدها ذكره الزجاج: فقال هي بمعنى التخيير كقولك جالس الحسن او ابن

(1/303)


تفسير التبيان ج1
سيرين ايهما جالست جائز، فكانه قال: ان شبهت قلوبهم بالحجارة جاز، وان شبهتها بما هو اصلب كان جائزا.
والثاني ان تكون " او " بمعنى الواو. وتقديره: فهي كالحجارة واشد قسوة، كما قال: " وارسلناه إلى مأة الف او يزيدون "(1) ومثله قول جرير:
نال الخلافة او كانت له قدرا
كما اتى ربه موسى على قدر(2)
وقال توبة ابن الحمر:
وقد زعمت ليلى باني فاجر
لنفسي تقاها او عليها فجورها اي وعليها.
ومثله قوله تعالى: " ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن او آباء بعولتهن "... الآية(3).
والثالث - ان يكون المراد الابهام على المخاطبين كما قال ابوالاسود الدؤلي:
احب محمدا حبا شديدا
وعباسا وحمزة والوصيا
فان يك حبهم رشدا اصبه
ولست بمخطئ إن كان غيا(4)
وأبوالاسود لم يكن شاكا في حبهم ولكن ابهم على من خاطبه.
وقيل لابي الاسود حين قال ذلك: شككت قال كلا ثم استشهد بقوله تعالى: " قل الله وإنا واياكم لعلى هدى او في ظلال مبين "(5) افتراه كان شاكا حين اخبر بذلك.
والرابع - ان يكون اراد بل اشد قسوة، ومثله " وارسلناه إلى مأة الف او يزيدون " اي بل يزيدون، ولا تكون بل للاضراب عن الاول بل مجرد العطف.
والخامس - انها كالحجارة، أو اشد قسوة عندكم.
والسادس - ان يكون اراد مثل قول القائل اطعمتك حلوا وحامضا وقد اطعمه النوعين جميعا.
---
(1) سورة الصافات آية: 147.
(2) ديوانه: والممدوح هو عمر ابن عبدالعزيز. وروايته (اذ كانت). وقد مر في 1: 92.
(3) سورة النور آية: 31.
(4) ديوانه: والاغاني " 1130 ورواية الديوان " وفيهم اسوة ان كان غيا ".
(5) سورة سبأ آية: 25.

(1/304)


تفسير التبيان ج1
وهو انه لم يشك انه اطعمه الطعمين معا فكأنه قال: فهي كالحجارة او اشد قسوة. ومعناه ان قلوبهم لا تخرج من احد هذين المثلين. اما ان تكون مثلا للحجارة القسوة. واما ان تكون اشد منها. ويكون معناه على هذا بعضها كالحجارة قسوة وبعضها اشد قسوة من الحجارة. وكل هذه الاوجه محتملة واحسنها الابهام على المخاطبين. ولا يجوز ان يكون المعنى الشك، لان الله تعالى عالم لنفسه لا يخفى عليه خافية.
وكذلك في امثال ذلك نحو قوله: " فكان قاب قوسين او ادنى " وغير ذلك وانشدوا في معنى او يراد به بل قول الشاعر:
بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى
فصورتها او انت في العين املح.
الاعراب: يريد بل انت. والرفع في قوله: " أو اشد قسوة " يحتمل امرين: احدهما - ان يكون عطفا على معنى الكاف التي في قوله: كالحجارة، لان معناها، فهي مثل الحجارة. والآخر: ان يكون عطفا على تكرير هي، فيكون التقدير فهي كالحجارة او هي اشد قسوة من الحجارة. وقرئ بنصب الدال شاذا فيكون نصبه على ان موضعه الجر بالكاف وانما نصب على انه وزن افعل لا ينصرف.
وقوله: " وان من الحجارة لما يتفجر منه الانهار ".
المعنى: معناه ان من الحجارة ما هو انفع من قلوبهم الفاسية، يتفجر منها انهار، وان منها لما يهبط من خشية الله، والتقدير ان من الحجارة حجارة يتفجر منها انهار الماء فاستغنى بذكر الانهار عن ذكر الماء. وكرر قوله منه للفظ ما.
اللغة: والتفجر: التفعل من فجر الماء: وذلك اذا نزل خارجا من منبعه وكل سائل

(1/305)


تفسير التبيان ج1
شخص خارجا من موضعه، ومكانه فقد انفجر. ماء كان او دماء او حديد او غير ذلك.
قال عمر بن لحاء:
ولما أن قربت إلى جوير
ابى ذو بطنه إلا انفجار(1)
يعني خروجا وسيلانا.
وقوله: " وان منها لما يشقق فيخرج منه الماء "
تشقق الحجارة انصداعها واصله يتشقق، لكن التاء ادغمت في الشين فصارت شينا مشددة.
وقوله: " فيخرج منه الماء ".
المعنى: يعني فيخرج منه الماء فيكون عينا نابعة لا انها جارية حتى يكون مخالفا للاول.
وقال الحسين بن علي المغربي: الحجارة الاولى حجارة الجبال تخرج منها الانهار. والثانية حجر موسى الذي ضربه فانفجر منه عيون، فلا يكون تكرارا.
وقوله: " وان منها لما يهبط من خشية الله ".
قال ابوعلي والمغربي: معناه بخشية الله، كما قال: يحفظونه من امر الله اي بامر الله.
قال وهي حجارة الصواعق والبرد.
والكناية في قوله منها قيل فيها قولان: احدهما: انها ترجع إلى الحجارة، لانها اقرب مذكور.
وقال قوم: انها ترجع إلى القلوب لا إلى الحجارة. فيلون معنى الكلام. وان من القلوب لما يخضع من خشية الله، ذكره ابن بحر وهو احسن من الاول.
ومن قال بالاول اختلفوا فيه.
فمنهم من قال: إن المراد بالحجارة الهابطة البرد النازل من السحاب. وهذا شاذ، لم يذكره غير ابي علي الجبائي.
وقال الاكثر إن المراد بذلك الحجارة الصلبة، لانها اشد صلابة.
وقالوا في هبوطها وجوها: احدها - ان هبوط ما يهبط من خشية الله تفيئ ظلاله. وثانيها انه الجبل الذي صار دكا تجلى له ربه.
---
(1) طبقات فحول الشعراء 369. والاغاني 8. 72 وروايته الا " انحدارا " " وذو بطنه " كناية عما يشمأز من ذكره.

(1/306)


تفسير التبيان ج1
وثالثها - قاله مجاهد: إن كل حجر تردى من رأس جبل فهو من خشية الله ورابعها - ان الله تعالى اعطى بعض الجبال المعرفة، فعقل طاعة الله تعالى، فاطاعه كالذي روي في حنين الجذع.
وما روي عن النبي " ص " انه قال: إن حجرا كان يسلم علي في الجاهلية إني لا اعرفه الآن.
وهذا الوجه فيه ضعف، لان الجبل ان كان جمادا، فمحال ان يكون فيه معرفة الله. وان كان عارفا بالله وبنيته بنية الحي فانه لا يكون جبلا. وأما الخبر عن النبي (ع) فهو خبر واحد. ولو صح، لكان معناه ان الله تعالى احيا الحجر فسلم على النبي " ص " ويكون ذلك معجزا له " ع ".
واما حنين الجذع فان الله تعالى خلق فيه الحنين، فكان بذلك خارقا للعادة، لانه اذا استند اليه النبي " ص " سكن واذا تنحى عنه، حن.
وقال قوم: يجوز ان يكون الله تعالى بنى داخله بنية حي، فصح منه الحنين وقال قوم: معنى " يهبط من خشية الله " إنه يوجب الخشية لغيره بدلالته على صانعه. كما قيل ناقة تاجرة. اذا كانت من نجابتها وفراهتها، تدعو الناس إلى الرغبة فيها: كما قال جرير بن عطية:
واعور من نبهان اما نهاره
فاعمى، واما ليله فبصير(1)
فجعل الصفة لليل والنهار. وهو يريد صاحبه النبهاني الذي يهجوه بذلك من اجل انه كان فيهما على ما وصفه به.
والذي يقوى في نفسي ان معنى الآية الابانة عن قساوة قلوب الكفار، وان الحجارة ألين منها، لو كانت تلين لشئ، للانت وتفجرت منها الانهار، وتشققت منها المياه، وهبطت من خشية الله. وهذه القلوب لا تلين مع مشاهدتها الآيات التي شاهدتها بنو اسرائيل: وجرى ذلك مجرى ما يقوله تعالى: " لو انزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله "(2) ومعناه لو انزلنا هذا القرآن على جبل، وكانت الجبال ما تخشع لشئ ما، لرأيته خاشعا متصدعا وكقوله تعالى: " ولو ان قرأنا سيرت به الجبال أو قطعت به الارض "(3) إلى آخرها سواء. وادخلت هذه اللامات فيها تأكيدا للخبر.
---
(1) ديوانه: 206.
(2) سورة الحشر آية: 21.
(3) سورة الرعد آية: 33.

(1/307)


تفسير التبيان ج1
ويجوز في قوله " فهي كالحجارة " اسكان الهاء وقد قرئ به، لان الفاء مع الهاء قد جعلت الكلمة بمنزلة تخذ فتحذف الكسرة استثقالا.
المعنى: والمعنى في الآية: انه تعالى لما اخبر عن بني اسرائيل وما انعم عليهم به، واراهم من الآيات، وغير ذلك، فقال مخبرا عن عصيانهم، وطغيانهم " ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة، أو اشد قسوة " ثم اخبر تعالى انه لا امتناع عند الحجارة مما يحدث فيها من امره، وان كانت قاسية، بل هي متصرفة على مراده لا يعدم شئ مما قدر فيها. وبنو اسرائيل مع كثرة نعمه عليهم وكثرة ما أراهم من الآيات، يمتنعون من طاعته، ولا تلين قلوبهم لمعرفة حقه، بل تقسو وتمتنع من ذلك.
وقوله: " وإن منها لما يهبط من خشية الله "
أي عند ما يحدث فيها من الآية الهائلة: كالزلازل وغيرها، واضاف الخشية إلى الحجارة. وان كانت جمادا على مجاز اللغة والتشبيه.
والمعنى في خشوع الحجارة انه يظهر فيها ما لوظهر في حي مختار قادر، لكان بذلك خاشعا. وهو ما يرى من حالها. وانها منصرفة لا متناع عندها مما يراد بها. وهو كقوله: " جدارا يريد ان ينقض "(1) لان ما ظهر فيه من الميلان، لو ظهر من حي لدل على انه يريد أن ينقض، ليس ان الجدار يريد شيئا في الحقيقة، ومثله " وإن من شئ الا يسبح بحمده "(2) وقوله: " ولله يسجد من في السموات ومن في الارض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس "(3) وقوله: " والنجم والشجر يسجدان "(4)
وقال زيد الخيل:
بجمع تظل البلق في حجراته
ترى الا كم فيه سجدا للحوافر(5)
فجعل ما ظهر في الاكم من آثار الحوافر، وقلة امتناعها عليها، مدافعتها لها كما يدافع الحجر الصلب الحديد الصلب سجودا لها، ولو أن الاكم كانت في صلابة
---
(1) سورة الكهف آية 78.
(2) سورة الاسرى آية 44.
(3) سورة الحج آية 18.
(4) سورة الرحمان آية 6.
(5) زيد الخيل بن مهلهل الطائي الفارس المشهور. والبلق جمع ابلق وبلقاء: الفرس المحجلة.
والحجرات جمع حجرة: الناحية والباء " بجمع " متعلقة ببيت سابق، هو:
بني عامر تعرفون اذا غدا
ابومكنف قد شد عقد الدوابر.

(1/308)


تفسير التبيان ج1
الحديد حتى يمتنع من الحوافر، ولا تؤثر فيها، ولا تذهب يمينا ولا شمالا، ولا تظاهر بكثرة تزداد الحوافر عليها، ما جاز ان يقال: انها تسجد للحوافر.
وقال ابن حمزة:
وعرفت من شرفات مسجدها
حجرين طال عليهما القصر
ركب الخلاء فقلت اذ بكيا
ما بعد مثل بكاهما صبر
وقال جرير:
لما اتى خبر الزبير تواضعت
سور المدينة والجبال الخشع
فصيرها متواضعة.
والعرب يفهم بعضها مراد بعض بهذه الاشياء. فمن تعلق بشئ من هذا ليطعن به، فانما يطعن على لغة العرب بل على لغة نفسه من اهل أي لغة كان. فان هذا موجود متعارف في كل لغة، وعند كل جيل.
وقوله: " وما الله بغافل عما تعملون "
من قرأ بالتاء، قال: الخطاب متوجه إلى بني اسرائيل فكأنه قال: وما الله بغافل يا معشر المكذبين بآياته والجاحدين بنبوة محمد " ص " عما تعملون. ومن قرأ بالتاء فكان الخطاب لغيرهم والكناية عنهم. والغفلة عن الشئ تركه على وجه السهو والنسيان فأخبرهم الله تعالى انه غير غافل عن اعمالهم السيئة ولاساه عنها.
قوله تعالى: أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون(75)
آية بلا خلاف.

(1/309)


تفسير التبيان ج1
المعنى: الالف في قوله أفتطمعون ألف استفهام والمراد به الانكار، كقوله: " ألم يأتكم نذير قالوا بلى "(1) فاذا كان في الاول نفيا، كان الجواب بلى واذا لم يكن نفيا كان الجواب لا.
وهذا خطاب لامة النبي " ص " فكأنه قال: أفتطمعون أيها المؤمنون أن يؤمنوا لكم من طريق النظر والاعتبار، ونفي التشبيه، والانقياد للحق وقد كان فريق منهم: أي ممن هو في مثل حالهم من اسلافهم يسمعون كلام الله ثم يعلمون انه الحق، ويعاندون فيحرفونه ويتأولونه، على غير تأويله.
وقوله: " وقد كان فريق منهم "
والفريق جمع كالطائفة لا واحد له من لفظه وهو فعيل من الفرق سمي به الجمع كما سميت الجماعة بالحزب من التحزب قال اعشى بن تغلبة:
اخذوا فلما خفت ان يتفرقوا
فريقين منهم مصعد ومصوب(2)
وقوله: " منهم "
يعني من بني اسرائيل، وانما جعل الله الذين كانوا على عهد موسى ومن بعد: من بني اسرائيل من اليهود الذين قال الله تعالى لاصحاب محمد " ص " افتطمعون أن يؤمنوا لكم، لانهم كانوا آباؤهم واسلافهم، فجعلهم منهم اذ كانوا عشائرهم وفرقهم واسلافهم.
وقوله: " يسمعون كلام الله "
قال قوم منهم مجاهد والسدي: إنهم علماء اليهود يحرفون التوارة، فيجعلون الحلال حراما والحرام حلالا ابتغاء لاهوائهم واعانة لمن يرشوهم.
وقال ابن عباس والربيع وابن اسحاق والبلخي: انهم الذين اختارهم موسى من قومه، فسمعوا كلام الله فلم يمتثلوا امره، وحرفوا القول في اخبارهم لقومهم حتى رجعوا اليهم وهم يعلمون انهم قد حرفوا.
وهذا اقوى التأويلين، لانه تعالى اخبر عنهم بانهم يسمعون كلام الله والذين سمعوا كلام الله. بلا واسطة هم الذين كانوا مع موسى. فاما هؤلاء فانما سمعوا ما يضاف إلى كلامه بضرب من العرف دون حقيقة الوضع. ومن قال بهذا. قال: هم الذين سمعوا كلام الله الذي اوحى الله إلى موسى.
وقال قوم هو التوراة التي علمها علماء اليهود.
وقوله: " ومن بعد ما عقلوه وهم يعلمون ".
قيل فيه وجهان: احدهما - وهم يعلمون انهم يحرفونه. والثاني - من بعد ما تحققوه وهم يعلمون ما في تحريفه من العقاب.
---
(1) سورة الملك: آية 8 و 9.
(2) ديوانه. اجد السير: انكمش فيه واسرع.
مصعد: مبتدئ في الصعود إلى نجف والحجاز.
ومصوب: منحدر في رجوعه إلى العراق.

(1/310)


تفسير التبيان ج1
والذي يليق بمذهبنا في الموافاة أن نقول: ان معناه وهم يعلمون انهم يحرفونه.
فان قيل فلماذا اخبر الله عن قوم بانهم حرفوا وفعلوا ما فعلوا من المعاندة ما يجب أن يؤيس من ايمان من هو في هذا الوقت، وأي علقة بين الموضوعين والحالين؟ قيل: ليس كلما يطمع فيه يؤيس منه على وجه الاستيقان بانه لا يكون، لان الواحد من افناء العامة(1) لا يطمع ان يصير ملكا.
ومع ذلك لا يمكن القطع على كل حال ان ذلك لايكون ابدا. ولكن لا يطمع فيه لبعده، والله تعالى نفى عنهم الطمع ولم يؤيسهم على القطع والثبات وانما لم يطمع فيهم لبعد ذلك من الوهم منهم مع احوالهم التي كانوا عليها. وشبههم باسلافهم المعاندين، وقد كانوا قادرين على ان يؤمنوا وكان ذلك منه جائزا. وهؤلاء الذين عاندوا - وهم يعلمون - كان قليلا عددهم، يجوز على مثلهم التواطؤ والاتفاق وكتمان الحق، وانما يمتنع ذلك في الجمع العظيم والخلق الكثير، لامر يرجع إلى اختلاف الدواعي. فأما على وجه التواطؤ والعمد فلا يمتنع فيهم ايضا، فيبطل بذلك قول من نسب فريقا إلى المعاندة دون جميعهم وان كانوا باجمعهم كفارا.
قوله تعالى: وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون(76)
آية.
هذه الآية فيها اخبار عمن رفع الله الطمع في ايمانهم من يهود بني اسرائيل الذين كانوا بين اظهرهم فقال: افتطمعون ايها المؤمنون ان يؤمنوا لكم، وهم القوم الذين كان فريق منهم يسمعون كلام، ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون، وهم الذين اذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا: أي صدقنا بمحمد صلى الله عليه وآله وبما صدقتم به واقررنا بذلك. فأخبر الله بانهم تخلقوا باخلاق المنافقين وسلكوا منهاجهم.
---
(1) اي لا يعلم ممن هو.

(1/311)


تفسير التبيان ج1
" واذا خلا بعضهم إلى بعض ": أي اذا خلا بعض هؤلاء اليهود الذين وصف الله صفتهم، إلى بعض منهم فصاروا في خلاء الناس، وذلك هو الموضع الذي ليس فيه غيرهم، قالوا - يعني بعضهم لبعض -: اتحدثونهم بما فتح الله عليكم.
وقال ابن عباس بما فتح الله عليكم أي بما ألزمكم الله به. فيقول له آخرون انما نستهزئ بهم ونضحك.
وروى سعيد ابن جبير عن ابن عباس ان معناه قالوا لا تحدثوا العرب بهذا. فانكم قد كنتم تستفتحون به عليهم. فانزل الله هذه الآية: أي تقرون بانه نبي وقد علمتم انه قد اخذ له الميثاق عليكم باتباعه وهو يخبركم بانه النبي الذي كنا ننتظره ونجده في كتابنا. اجحدوه ولا تقروا به لهم.
فقال الله تعالى: " اولا يعلمون ان الله يعلم ما يسرون وما يعلنون "(1)
وقال ابوالعالية: اتحدثونهم بما فتح الله عليكم: اي بما انزله في كتابكم من بعث محمد صلى الله عليه وآله وبه قال قتادة وقال مجاهد: ذلك قول يهود بني قريظة حين سبهم النبي صلى الله عليه وآله بانهم اخوة القردة والخنازير. قالوا من حدثك بهذا - حين ارسل اليهم عليا (ع) فاذوا محمدا صلى الله عليه وآله - فقال: يااخوة القردة والخنازير قال بعضهم لبعض: ما اخبره بهذا إلا منكم اتحدثونهم بما فتح الله عليكم، ليكون لهم حجة عليكم؟
وقال السدي: هؤلاء ناس آمنوا من اليهود ثم نافقوا وكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذبوا به فقال بعضهم لبعض: اتحدثونهم بما فتح الله عليكم من العذاب ليحاجوكم به، ليقولوا نحن احب إلى الله منكم واكرم عليه منكم؟ ومثله روي عن ابي جعفر " ع " واصل الباب الفتح في لغة العرب: القضاء والنصرة والحكم.
يقال اللهم افتح بيني وبين فلان: أي احكم بيني وبينه، ومنه قوله تعالى: " ويقولون متى هذا الفتح "(2) يعني هذا القضاء فقال تعالى: " قل يوم الفتح(3) يعني يوم القضاء.
وقال الشاعر:
ألا ابلغ بني عصم رسولا
فاني عن فتاحتكم غني(4)
---
(1) سورة البقرة آية 77.
(2) سورة آلم السجدة آية 28.
(3) سورة آلم السجدة آية 29.
(4) ينسب للاشعري الجعفي ومحمد بن حمران بن ابي حمران. أمالي القالي: 281.
اللسان: " فتح " وبنو عصم هم رهط عمروبن معديكرب الزبيدي..

(1/312)


تفسير التبيان ج1
ويقال للقاضي الفتاح قال الله تعالى: " ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وانت خير الفاتحين "(1) يعني احكم به.
ويقال فتح بمعنى علم، فقال افتح على هذا أي اعلمني بما عندك فيه. واذا كان معنى الفتح ما وصف فقد بان ان معنى الآية. اتحدثونهم بما حكم الله عليكم وقضاه فيكم، ومن حكمه ما أخذ به ميثاقهم من الايمان بمحمد " ص " بما بينه في التوراة ومن قضائه انه جعل منهم القردة والخنازير.
فاذا ثبت ذلك، فان اقوى التأويلات: قول من قال: اتحدثونهم بما فتح الله عليكم من بعث محمد " ص " وصفته في التوارة، وانه رسول الله " ص " إلى خلقه.
وروي عن ابي جعفر " ع " انه قال: كان قوم من اليهود ليسوا بالمعاندين المتواطئين، اذا لقوا المسلمين، حدثوهم بما في التوراة من صفة محمد " ص " فنهاهم كبراؤهم عن ذلك، وقالوا: لاتخبروهم بما في التوراة من صفة محمد " ص " فيحاجوكم به عند ربكم، فنزلت الآية.
ومعنى قوله: " افلا تعقلون " افلا تفهمون ايها القوم أن اخباركم محمد " ص " واصحابه، بما تحدثونهم به واقراركم لهم بما تقرون لهم من وجودكم بعث محمد في كتبكم وانه نبي مبعوث حجة عليكم عند ربكم يحتجون بها عليكم.
وقال ابوعبيدة " بما فتح الله عليكم " أي بما من عليكم واعطاكم ليحاجوكم به.
وقال الحسن: في قوله " ليحاجوكم به عند ربكم " أي في ربكم فيكونوا اولى منكم اذا كانت حجتهم عليكم.
قال الحسن: ثم رجع إلى المؤمنين فقال: " افلا تعقلون " ايها المؤمنون فلا تطمعوا في ذلك.
قوله تعالى: أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون(77)
آية بلا خلاف.
المعنى: معناه: اولا يعلمون ان الله يعلم سرهم وعلانيتهم، فكيف يستخيرون أن
---
(1) سورة الاعراف آية: 89.

(1/313)


تفسير التبيان ج1
يسروا إلى اخوانهم النهي عن التحدث بما هو الحق وليسوا كسائر المنافقين، وان كانوا يسرون الكفر فانهم غير عالمين بان الله يعلم سرهم وجهرهم، لانهم جاحدون له. وهؤلاء مقرون. فهم من هذه الجهة ألوم واعجب شأنا واشد جزاء.
وقال قتادة في " اولا يعلمون ان الله يعلم ما يسرون " من كفرهم وتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وآله اذا خلا بعضهم إلى بعض. " وما يعلنون " اذا لقوا اصحاب محمد " ص " قالوا آمنا يغرونهم بذلك.
ومثله روي عن ابي العالية.
قوله تعالى: ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون(78)
آية بلا خلاف.
القراءة: قرأ ابوجعفر المدني: اماني مخففا والباقون بالتشديد.
المعنى: قوله: " ومنهم " يعني هؤلاء اليهود الذين قص الله قصتهم في هذه الآيات وقطع الطمع في ايمانهم.
وقال اكثر المفسرين: سموا اميين، لانهم لا يحسنون الكتابة، ولا القراءة.
يقال منه: رجل امي بين الامية.
ومنه قوله " ع " أما امة اميون لا يكتب ولا يحسب وانما سمي من لا يحسن الكتابة اميا لاحد امور.
قال قوم: هو مأخوذ من الامة أي هو على اصل ما عليه الامة من انه لا يكتب. لا يستفيد الكتابة بعد اذ لم يكن يكتب الثاني - ان الامة: الخلقة. فسمي اميا لانه باق على خلقته.
ومنه قول الاعشى:
وان معاوية الا كرمي_
- ن حسان الوجوه طوال الامم(1)
والثالث - انه مأخوذ من الام. وانما اخذ منه، لاحد امرين: احدهما - لانه على ما ولدته امه من انه لا يكتب.
---
(1) اللسان " امم " الامم جمع امة يريد طوال القامات. في المخطوطة والمطبوعة " معونة " بدل " معاوية ".

(1/314)


تفسير التبيان ج1
والثاني - نسب إلى امه، لان الكتابة كانت في الرجال دون النساء فنسب من لا يكتب من الرجال إلى امه، لجهلها دون ابيه.
وقال ابوعبيدة الاميون هم الامم الذين لم ينزل عليهم كتاب.
والنبي الامي: الذي لا يكتب، وانشد لتبع:
له امة سميت بالزبو
ر امية هي خير الامم
وروي عن ابن عباس: ان الاميين قوم لم يصدقوا رسولا ارسله الله عزوجل ولا كتابا انزله، وكتبوا كتابا بايديهم، وقالوا: لقوم جهال هذا من عند الله.
وقال: قد اخبر انهم يكتبون بايديهم، ثم سماهم اميون لجحودهم كتاب الله عزوجل ورسله. والوجه الاول اوضح في اللغة.
وهذا الوجه مليح لقوله في الآية الثانية " فويل للذين يكتبون الكتاب بايديهم " فأثبت انهم يكتبون ومن قال بالاول يحتاج، ان يجعل هذا مستأنفا لغير من تقدم ذكره، أو لبعضهم.
وقوله: " لا يعلمون الكتاب " أي لا يعلمون ما في الكتاب الذي انزله الله عزوجل، ولايدرون ما أودعه من حدوده وأحكامه وفرائضه، كهبئة البهائم. وانما هم مقلدة لا يعرفون ما يقولون. والكتاب المعني به التوراة. وانما ادخل عليه لام التعريف، لانه قصد به قصد كتاب معروف بعينه.
ومعنى الآية فريق لا يكتبون ولا يدرون ما في الكتاب الذي عرفتموه، والذي هو عندكم، وهم ينتحلونه، ويدعون الاقرار به من احكام الله عزوجل وفرائضه وما فيه من حدوده التي بينها فيه إلا اماني.
قال ابن عباس ومجاهد إلا قولا يقولون بافواههم كذبا.
وقال قتادة الاماني انهم يتمنون على الله ما ليس لهم.
وقال آخرون: الاماني احاديث.
وقال الكسائي والفراء وغيرهما: معناه إلا تلاوة، وهو المحكي عن ابي عبيدة على ما رواه عنه عبدالملك بن هشام، وكان ثقة.
وضعف هذا الوجه الحسين بن علي المغربي، وقال هذا لا يعرف في اللغة. ومن صححه استدل بقوله تعالى: " اذا القى تمنى الشيطان في امنيته "(1).
---
(1) سورة الحج آية 52.

(1/315)


تفسير التبيان ج1
قال كعب بن مالك:
تمنى كتاب الله اول ليلة
واخره لا في حمام المقادر
وقال آخر:
تمنى كتاب الله بالليل خاليا
تمني داود الزبور على رسل
وقال ابومسلم محمد بن بحر الاصفهاني: الاماني التقدير.
قال الشاعر:
ولا تقولن لشئ سوف افعله
حتى يبين ما يمني لك الماني
أي ما يقدر لك المقدر " وإلا " هاهنا استثناء منقطع.
ومعناه لكن اماني وكل موضوع يعلم ان ما بعد إلا خارج عن الاول فهو بمعنى لكن، كقوله " ما لهم به من علم إلا اتباع الظن " وكقولهم ما في الدار واحد إلا حمارا، والا وتدا قال الشاعر:
ليس بيني وبين قيس عتاب
غير طعن الكلى وضرب الرقاب(1)
وقال آخر:
حلفت يمينا غير ذي مثنوية
ولا علم إلا حسن ظن بصاحب(2)
معناه لكن حسن ظني بصاحبي.
ومثله (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ)(3).
ومثله (لا عاصم اليوم من امر الله إلا من رحم)(4).
ولولا ولوما وهلا وإلا الثقيلة بمعنى واحد قال الشاعر:
تعدون عقر النيب افخر مجدكم
بني ضوطرى لولا الكمي المقنعا(5)
يعني هلا.
وقال آخر:
اتيت بعبد الله في القيد موثقا
فهلا سعيدا ذا الجناية والعذر
---
(1) قائله: عمر وبن الايهم التغلبي، وقيل اسمه: عمر وقيل هو اعشى تغلب.
(2) قائله: نابغة بني ذبيان. ديوانه. مثنوية: استثناء.
(3) سورة النساء آية 91.
(4) سوره هود آية 43.
(5) قائله: جرير، من قصيدة يهحو بها الفرزدق. عقر الناقة: ضرب قوائمها. النيب ج ناب: الناقة المسنة. ضوطرى: الرجل الضخم اللئيم. والضوطرى: الامرأة الحمقاء. الكمي: الشجاع.

(1/316)


تفسير التبيان ج1
ثم قال آخر:
وما شيخوني غير اني ابن غالب
واني من الاثرين عند الزغايف
واحدهم زغيف: وهو التابع.
وكل موضوع حسن ان يوضع فيه مكان إلا (لكن) فاعلم انه مكان استثناء منقطع. ولو قيل هاهنا ومنهم اميون لا يعلمون الكتاب لكن يتمنون لكان صحيحا.
والاماني واحدها امنية مثقل ومن خفف الياء قال، لان الجمع يكون على غير واحده بنقصان أو زيادة. والاماني كلهم يخففونها لكثرة الاستعمال، وكذلك الاضاحي.
واولى التأويلات قول ابن عباس ومجاهد: من ان الاميين الذين وصفهم الله بما وصفهم به في هذه الآية، وانهم لا يفقهون من الكتاب الذي انزل اليه على موسى شيئا لكنهم متخرصون الكذب. ويقولون: الباطل. والتمني في الموضوع تخلق الكذب وتخرصه. يقال منه تمنيت اذا افتعلته وتخلقته.
ومنه ما روي عن بعض الصحابة انه قال: ما تعنيت ولا تمنيت أي ما تخرصت الباطل، ولا تخلقت الكذب والافك، ويقوي ذلك قوله في آخر الآية: (وان هم إلا يظنون) فبين أنهم يتمنون ما يتمنون من الكذب ظنا لا يقينا، ولو كان المعنى انهم يتلونه لما كانوا ظانين وكذلك لو كانوا يتمنونه، لان الذي يتلوه اذا تدبر علمه، ولا يقال فيمن يقرأ كتابا لم يتدبره، وتركه انه ظان لما يتلوه إلا ان يكون شاكا فيما يتلوه ولا يدري أحق هو ام باطل، ولم يكن القوم الذين عاصروا النبي صلى الله عليه وآله من اليهود شاكين في التوراة انها من عند الله، وكذلك التمني.
لا يجوز ان يقال: هو ظان بتمنيه، لان التمني من المتمني اذا وجد لا يقال فيه شاك فيما هو عالم به، لانه ينافي العلم. والمتمني في حال وجود تمنيه لا يجوز ان يقال هو يظن تمنيه.
وقوله: (وان هم إلا يظنون) قال جميع المفسرين معناه يشكون.
والذي اقوله ان المراد بذلك نفي العلم عنهم، وقد ينتفي العلم تارة بالشك وتارة بالظن. واما في الحقيقة فالظن غير الشك، غير ان المعنى متفق عليه هاهنا..

(1/317)


تفسير التبيان ج1
قوله تعالى: فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون(79)
آية بلا خلاف.
اللغة والاعراب: قال الزجاج: الويل كلمة يستعملها كل واقع في هلكة. واصله في اللغة العذاب والهلاك وارتفع بالابتداء، وخبره الذين. ولو كان في غير القرآن، لجاز بالنصب على معنى جعل الله ويلا للذين.
والرفع على معنى ثبوت الويل للذين، ومثله الويح والويس اذا كان بعدهن لام رفعتهن. واما التعس والبعد وما اشبههما فهو نصب ابدا. فان اضفت ويل وويح وويس نصب من غير تنوين. تقول ويل زيد وويس زيد.
ولا يحسن في التعس والبعد الاضافة بغير لام فلذلك لم ترفع. وقد نصب قوم مع اللام فيقولون ويلا لزيد، ويحا لخالد.
قال الشاعر:
كسا اللؤم تيما خضرة في جلودها
فويلا لتيم من سرابيلها الخضر(1)
المعنى: قال ابن عباس: " الويل " في الآية العذاب.
وقال الاصمعي هو التقبيح.
ومنه قوله: " ولكم الويل مما تصفون ".
وقال المفضل: معناه الحزن.
وقال قوم: هو الهوان والخزي، ومنه قول الشاعر:
يا زبرقان اخا بني خلف
ما انت ويل ابيك والفخر(2)
وقال ابوسعيد الخدري: الويل واد في جهنم.
وقال عثمان بن عفان: هو جبل في النار.
---
(1) قائله جرير. اللسان: (ويل).
(2) البيت للمخبل اللسان: (ويل) وروايته (ويب) بدل (وبل). ومعنى ويب: التصغير والتحقير..

(1/318)


تفسير التبيان ج1
وقوله: " يكتبون الكتاب بايديهم "
معناه انهم يقولون كتبته، ثم يضيفونه إلى الله، كقوله " خلقت بيدي "(1) " وعملت ايدينا "(2) أي نحن تولينا ذلك ولم نكله إلى احد من عبادنا. ومثله رأيته بعيني وسمعته باذني ولفيته بنفسي. والمعنى في جميع ذلك التأكيد، ولانه قد يأمر غيره بالكتابة، فتضاف اليه مجازا.
فلذلك يقول الامي كتبت إلى آل فلان بكذا، وهذا كتابي اليك، وكما تقول: حملت إلى بلد كذا. وانما امرت بحمله. فاعلمنا الله تعالى انهم يكتبونه بايديهم، ويقولون هو من عندالله، وقد علموا يقينا اذا كتبوه بايديهم انه ليس من عند الله.
وفي الآية دلالة على ابطال قول المجبرة، لانه تعالى عابهم بهذا القول، اذ نسبوا ما كتبوه من التحريف إلى انه من عند الله، وجعل عليهم الويل. واذا كان تحريفه من الكتاب - ليس من عند الله، من جهة القول والحكم - فليس ذلك منه من جهة القضاء والحكم ولا التقدير والمشيئة.
وقال ابن السراج: معنى " بايديهم " أي من تلقاء انفسهم.
وقوله " ليشتروا به ثمنا قليلا ".
قال قوم: أي انه عرض الدنيا لانه قليل المدة، كما قال تعالى: " قل متاع الدنيا قليل "(3) ذهب اليه ابوالعالية.
وقال آخرون: إنه قليل لانه حرام.
وروي عن ابي جعفر (ع)، وذكره ايضا جماعة من اهل التأويل أن أحبار اليهود كانت غيرت صفة النبي صلى الله عليه وآله ليوقعوا الشك للمستضعفين من اليهود.
وقوله: " ويل لهم مما كانوا يكسبون "
يقولون مما يأكلون به الناس السفلة وغيرهم. واصل الكسب العمل الذي يجتلب به نفع أو يدفع به ضرر، وكل عامل عملا بمباشرة منه لما عمل. ومعناه هاهنا الاحتراف فهو كاسب لما عمل.
قال لبيد ابن ربيعة:
لمغفر قهد تنازع شلوه
غبس كواسب لا يمن طعامها(4)
---
(1) سورة ص: آية 75.
(2) سورة يس: آية 71.
(3) سورة النساء: آية 76.
(4) معلقته. اللسان: (عفر) في المخطوطة والمطبوعة (بمعفر فهد) بدل (لمعفر قهد). وفي المطبوعة (غبش) بدل (غبس).
والمعفر: الذي القي في العفر، وهو التراب. والقهد : ولد البقر. والشلو: العضو من اللحم. وغبس: غبر ولا يمن طعامها: تكسب طعامها بنفسها..

(1/319)


تفسير التبيان ج1
وقيل الكسب عبارة عن كل عمل بجارحة يجتلب به نفع، أو يدفع به مضرة ومنه قيل للجوارح من الطير: كواسب.
الآية: 80 - 89
قوله تعالى: وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون(80)
آية بلا خلاف.
المعنى: قوله: " وقالوا " يعني اليهود الذين قالوا لن تمسنا النار، ولن ندخلها إلا اياما معدودة. وانما لم يبين عددها في التنزيل، لانه تعالى اخبر عنهم بذلك، وهم عارفون بعدد الايام التي يوقتونها في النار، فلذلك نزل تسمية عدد الايام، وسماها معدودة، لما وصفنا.
وقال ابوالعالية وعكرمة والسدي وقتادة: هي أربعون يوما. ورواه الضحاك عن ابن عباس.
ومنهم قال: انها عدد الايام التي عبدوا فيها العجل.
وقال ابن عباس: إن اليهود تزعم انهم وجدوا في التوراة مكتوبا ان ما بين طرفي جهنم مسيرة اربعين سنة، وهم يقطعون مسيرة كل سنة في يوم واحد، فاذا انقطع المسير، انقطع العذاب وهلكت النار.
وقال مجاهد وسعيد بن جبير عن ابن عباس: إنها سبعة ايام، لان عمر الدنيا سبعة آلاف سنة، وانهم يعذبون بعدد كل ألف سنة يوما واحدا من ايام الآخرة، وهو كألف سنة من ايام الدنيا.
ولما قالت اليهود ما قالت من قولها: لن تمسنا النار إلا اياما معدودة على ما بيناه، قال الله تعالى لنبيه: " قل اتخذتم عند الله عهدا " بما تقولون من ذلك أو ميثاقا، فالله

(1/320)


تفسير التبيان ج1
لا ينقض عهده " ام تقولون على الله ما لاتعلمون " من الباطل جهلا وجراءة عليه القراءة: وفي القراء من قرأ " أوتخذتم " بادغام الذال في التاء.
ومنهم من لم يدغم. واصل أتخذتم أأتخذتم. دخلت ألف الاستفهام على ألف القطع من نفس الكلمة، فكره اجتماعهما فحذفت الاصلية، وبقيت التي للاستفهام، لانها لمعنى - وهي وان كانت للاستفهام في الاصل - فالمراد بها هاهنا النكير، والتوبيخ، والاعلام لهم ولغيرهم أن الامر بخلاف ما قالوه، وانهم يقولون بغير علم.
والدليل على انها ألف استفهام كونها مفتوحة. ولو كانت اصلية لكانت مكسورة في إتخذتم، ولذلك يدخل بينهما المد كما قالوا في " آلله اذن لكم "(1)، لان قوله: " اذن الله " لو اخبر بها لكانت مفتوحة. ولو لم تدخل المدة لاشتبهت ألف الاستفهام بهمزة الخبر، وليس كذلك هاهنا، لان الفتحة تختص للاستفهام وفي الخبر تكون مكسورة. وفي المفتوحتين لابد من الجمع بين الهمزتين.
ومنهم من يفصل بينهما بمدة. ومنهم من لا يفصل، نحو قوله " أأمنتم من في السماء "(2)
قوله تعالى: بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون(81)
آية بلا خلاف.
الاعراب والقراءة: قرأ اهل المدينة خطيئاته على الجمع. الباقون على التوحيد.
قوله " بلى "
جواب لقوله: " لن تمسنا النار إلا اياما معدودة " فرد الله عليهم بأن قال: " بلى من احاطت به خطيئته " ابدا. وبلى تكون جوابا للاستفهام الذي اوله جحود. وتكون جوابا للجحد وان لم تكن استفهاما، كقوله: " تقول
---
(1) سورة يونس: آية 59.
(2) سورة الملك: آية 16.

(1/321)


تفسير التبيان ج1
حين ترى العذاب " إلى قوله " بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها "(1).
ويقول القائل لم افعل كذا وكذا فيقول له غيره: بلى قد فعلت. بلى ونعم جوابان: أحدهما - يدخل فيما لا يدخل فيه الآخر، لان بلى تدخل في باب الجحود.
وقال الفراء: انما امتنعوا من استعمال نعم في جواب الجحد، لانه اذا قال لغيره مالك علي شئ فقال له نعم، فكأنه قد صدقه، وكأنه قال نعم ليس لي عليك شئ، فلهذا اختلف نعم وبلى.
وقوله: " سيئة " فمن همز اتى بيائين بعدهما همزة. ومن ترك الهمزة على لغة أهل الحجاز يقول " سية " مثل عية. ومن لين قال " سيئة " كأنه يشير إلى الهمزة ويسكنها.
المعنى: قال مجاهد، وابن عباس وابووايل، وقتادة وابن جريج: " السيئة " هاهنا الشرك.
وقال السدي: الذنوب التي وعد الله عليها النار.
والذي يليق بمذهبنا هاهنا قول مجاهد، لان ما عدا الشرك لا يستحق عندنا عليه الخلود في النار.
" وأحاطت به خطيئته ".
قال ابن عباس ومجاهد انها الشرك.
وقال الربيع ابن خيثم: من مات عليها.
وقال ابن السراج: هي التي سدت عليه مسالك النجاة.
وقال جميع المعتزلة: انه اذا كان ثوابه اكثر من عقابه.
والذي نقوله: الذي يليق بمذهبنا ان المراد بذلك الشرك والكفر. لانه الذي يستحق به الدخول مؤبدا. ولا يجوز ان يكون مرادا بالآية.
وقوله: " واحاطت به خطيئته " يقوي ذلك، لان المعنى فيه ان تكون خطاياه كلها اشتملت عليه ولا يكون معه طاعة يستحق بها الثواب، تشبيها بما احاط بالشئ من كل وجه. ولو كان معه شئ من الطاعات، لكان مستحقا للثواب فلا تكون السيئة محيطة به، لان الاحباط عندنا باطل فلا يحتاج إلى تراعي كثرة
---
(1) سورة الزمر آية 58، 59.

(1/322)


تفسير التبيان ج1
العقاب، وقلة الثواب، لان قليل الثواب عندنا يثبت مع كثرة العقاب، لما ثبت من بطلان التحايط بادلة العقل. وليس هذا موضع ذكرها، لان الآية التي بعدها فيها وعد لاهل الايمان بالثواب الدائم. فكيف يجتمع الثواب الدائم والعقاب الدائم، وذلك خلاف الاجماع؟ ومتى قالوا احدهما يبطل صاحبه، قلنا الاحباط باطل ليس بصحيح على ما مضى.
قوله تعالى: والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون(82)
آية.
هذه الآية متناولة(1) لمن آمن بالله وصدق به، وصدق النبي صلى الله عليه وآله وعمل الصالحات التي اوجبها الله تعالى عليه، فانه يستحق بها الجنه خالدا ابدا. وظاهرها يمنع من ان مرتكب الكبيرة مخلد في النار، لانه اذا كان مؤمنا مستحقا للثواب الدائم، فلا يجوز ان يستحق مع ذلك عقابا دائما، لان ذلك خلاف ما اجمع المسلمون عليه ومتى عادوا إلى الاحباط، كلموا فيه بينهم وبين بطلان قولهم.
قوله تعالى: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا واقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وانتم معرضون(83)
آية بلا خلاف.
القراءة: قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: " لا يعبدون " بالياء. الباقون بالتاء.
---
(1) في المخطوطة والمطبوعة (متأولة) بدل (متناولة).

(1/323)


تفسير التبيان ج1
وقرأ " حسنا " بنصب(1) الحاء والسين(2) حمزة والكسائي الباقون " حسنا " بضم الحاء وإسكان السين وتقدير الآية: واذكروا ايضا يا معشر بني اسرائيل اذ أخذنا ميثاقكم لا تعبدون إلا الله، فلما اسقطت ان، رفع.
كما قال الشاعر:
ألا ايهذا اللائمي اشهد الوغى
وان اشهد اللذات هل انت مخلدي(3)
ومثله قوله: " افغير الله تأمروني اعبد ".
ومن قرأ بالياء، تقديره انه اخبر انه تعالى أخذ ميثاقهم، لايعبدون إلا الله، وبالوالدين احسانا، ثم عدل إلى خطابهم فقال: " وقولوا للناس حسنا ". والعرب تفعل ذلك كثيرا.
وانما استخاروا ان يصيروا إلى المخاطبة بعد الخير، لان الخبر انما كان عمن خاطبوه بعينه، لاعن غيره. وقد يخاطبون، ثم يصيرون بعد ذلك إلى الخبر عن المخاطب.
مثال الاول قول الشاعر:
شطت مزار العاشقين فاصبحت
عسرا علي طلابك ابنة مخزم(4)
مزار نصب. والتاء من اصبحت كناية عن المرأة فأخبر عنها ثم خاطبها.
ومثال الثاني قول الشاعر:
اسيئي بنا أو احسني لا ملومة
لدنيا ولا مقلية ان تقلت(5)
وقال زهير:
فاني لو إلاقيك اجتهدنا
وكان لكل منكره كفاء
وابري موضحات الرأس منه
وقد يبرى من الجرب الهناء
ومن قرأ بالتاء فان الكلام من أوله خطاب.
وتقديره: واذ اخذنا ميثاق بني اسرائيل، قلنا لا تعبدوا الا الله.
قال بعض النحويين: المعنى واذ أخذنا ميثاق بني اسرائيل لا تعبدون الا الله، وبالوالدين
---
(1) في المخطوطة والمطبوعة هكذا والصحيح بفتح.
(2) في المطبوعة " الصواب وبفتح الحاء والسين " زائدة.
(3) قائله طرفه بن العبد البكري ديوانه: 317. من معلقته المشهورة.
وروايته: " الزاجر " بدل " اللائم ". واحضر - في الموضعين - بدل (اشهد).
(4) قائله عنترة بن شداد. اللسان (شطط) وروايته (طلابها) بدل (طلابك) وفي معلقته هكذا:
حلت بارض الزائرين فاصبحت
عسرا علي طلابك ابنة مخرم
(5) قائله كثير عزة، ديوانه 1: 53. قلاه يقليه قلى فهو مقلي: كرهه. وتقلى أي استعمل من القول أو الفعل ما يدعو إلى بغضه.

(1/324)


تفسير التبيان ج1
احسانا، حكاية، كأنه قال استحلفناهم لا يعبدون إلا الله، اذ قلنا لهم: والله لو قالوا والله لا تعبدون.
والاول اجود.
وقوله تعالى: " وبالوالدين احسانا " عطف على موضع أن المحذوفة في " تعبدون إلا الله وبالوالدين احسانا " فرفع لا تعبدون، لما حذفت أن، ثم عطف بالوالدين على موضعها: كما قال الشاعر:
معاوي اننا بشر فاسجح
فلسنا بالجبال ولا الحديدا(1)
فعطف(2) ولا الحديد على موضع الجبال.
واما الاحسان فمنصوب بفعل مضمر يؤدى عن معناه، قوله(3) " وبالوالدين " اذ كان مفهوما معناه.
وتقدير الكلام: واذ اخذنا ميثاق بني اسرائيل بان لا تعبدوا إلا الله وان تحسنوا إلى الوالدين احسانا.
وفاكتفى بقوله: " بالوالدين " عن ان يقول بان تحسنوا إلى الوالدين احسانا، اذ(4) كان مفهوما بما ظهر من الكلام.
وقال بعض اهل العربية: تقديره وبالوالدين فاحسنوا، فجعل الياء التي في الوالدين من صلة الاحسان مقدمة عليه.
وقال آخرون: الا تعبدوا إلا الله واحسنوا بالوالدين احسانا، فزعموا ان الباء في وبالوالدين من صلة المحذوف. اعني من احسنوا.
فجعلوا ذلك من كلامين والاحسان الذي اخذ عليهم الميثاق بان يفعلوه إلى الوالدين ما فرض على امتثالهما من فعل المعروف، والقول الجميل، وخفض جناح الذل رحمة بهما، والتحنن عليهما، والرأفة بهما، والدعاء لهما بالخير، وما اشبهه مما ندب الله تعالى إلى الفعل بهما.
وقوله: " ذي القربي " أي وبذي القربى ان تصلوا قرابة منهم، ورحمة.
اللغة: والقربى مصدر على وزن فعلى من قولك: قرب مني رحم فلان قرابة، وقربى وقربا بمعنى واحد.
---
(1) قائله عقيبة بن هبيرة الاسدي، جاهلي اسلامي. الخزانة: 343.
(2) في المطبوعة " فعطت ".
(3) في المطبوعة والمخطوطة " وقوله " على ما يظهر ان الناسخ زاد الواو لانه لم يفهم معنى الكلام.
(4) في المطبوعة والمخطوطة " اذا " الالف ايضا زيادة من الناسخ.

(1/325)


تفسير التبيان ج1
واليتامى جمع يتيم: مثل اسير واسارى. ويدخل في اليتامى الذكور منهم والاناث
المعنى: ومعنى ذلك: اخذنا ميثاق بني اسرائيل بان لا تعبدوا إلا الله وحده، دون ما سواه من الانداد، وبالوالدين احسانا وبذي القربى ان يصلوا رحمه، ويعرفوا حقه. وباليتامى ان يتعطفوا عليهم بالرأفة، والرحمة، وبالمساكين أن يوفوهم حقوقهم التي ألزمها الله في اموالهم. والمسكين هو المتخشع المتذلل من الفاقة والحاجة وهو مفعيل من المسكنة وهي ذل الحاجة والفاقة.
وقوله: " وقولوا للناس حسنا " فيه عدول إلى الخطاب بعد الخبر على مامضى القول فيه.
وقد ذكرنا اختلاف القراء في حسنا وحسنا. واختلف اهل اللغة في الفرق بينهما فقال بعض البصريين هو(1) على احد وجهين: أحدهما - أن يكون أراد بالحسن الحسن. ويكون لمعنيين مثل البخل والبخل واما ان يكون جعل الحسن هو الحسن في التشبيه، لان الحسن مصدر والحسن هو الشئ الحسن، فيكون ذلك: كقول القائل: انما انت أكل وشرب قال الشاعر:
وخيل قد دلفت لها بخيل
تحية بينهم ضرب وجيع(2)
فجعل التحية ضربا وقال آخر: بل الحسن هو الاسم العام الجامع جميع معاني الحسن، والحسن هو البعض من معاني الحسن، ولذلك قال تعالى اذ(3) وصى بالوالدين " ووصينا الانسان بوالديه حسنا "(4) يعني بذلك انه وصاه بجميع معاني الحسن: وقرئ في الشواذ: حسنى. لايقرء بها لشذوذها حكاها الاخفش. وذلك لا يجوز لان فعلى، وافعل لا يستعمل إلا بالالف واللام. نحو الاحسن والحسنى والافضل
---
(1) في المطبوعة والمخطوطة (المصريين) وهو خطأ.
(2) قاله عمرو بن معد يكرب. الخزانة 4: 54. يقال دلفت الكتيبة إلى الكتيبة في الحرب: أي تقدمت.
(3) في المطبوعة والمخطوطة (اذا) بزيادة الالف وهو خطأ.
(4) سورة العنكبوت: آية 9.

(1/326)


تفسير التبيان ج1
والفضلى قال الله تعالى: " للذين احسنوا الحسنى "(1) وروي عن أبي جعفر محمد ابن علي الباقر " ع " وعن عطا انهما قالا: وقولوا للناس حسنا للناس كلهم.
وعن الربيع بن انس قولوا للناس حسنا: أي معروفا.
وعن ابن الحنفية انه قال: " هل جزاء الاحسان إلا الاحسان " هي مسجلة للبر والفاجر.
يريد بمسجلها انها مرسلة.
ومنهم من قال: امروا بان يقولوا لبنى اسرائيل حسنا.
قال ابن عباس يأمرون بألا اله الا الله، من لم يقبلها ويرغب عنها حتى يقولها: كما قالوها.
فان ذلك قربة لهم من الله قال: والحسن ايضا من لين القول - من الادب الحسن الجميل - والخلق الكريم وهو مما ارتضاه(2) الله تعالى واحبه.
وقال ابن جريج: قولوا للناس حسنا: أي صدقا في شأن محمد " ص " وقال سفيان الثوري: مروهم بالمعروف، وانهوهم عن المنكر وقوله: " واقيموا الصلاة " ادوا بحدودها الواجبة عليكم. " وآتوا الزكاة " معناه واعطوها اهلها كما اوجبها عليكم. والزكوة: التي فرضها الله على بنى اسرائيل.
قال ابن عباس: كان فرض في اموالهم قربانا تهبط اليه نار فتحملها. وكان ذلك تقبله. ومن لم تفعل النار به ذلك، كان غير متقبل.
وروي عنه أيضا ان المعني به طاعة الله والاخلاص.
وقوله: " ثم توليتم إلا قليلا منكم وانتم معرضون " خبر من الله تعالى عن يهود بني اسرائيل انهم نكثوا عهده، ونقضوا ميثاقه بعد ما اخذ ميثاقهم على الوفاء له، بان لا يعبدوا غيره، وبان يحسنوا إلى الآباء والامهات، ويصلوا الارحام، ويتعطفوا على الايتام، ويردوا حقوق المساكين، ويأمروا عباد الله بما امرهم به، ويقيموا الصلاة بحدودها، ويؤتوا زكاة اموالهم، فخالفوا امره في ذلك كله، وتولوا عنه معرضين إلا من عصمه الله منهم، فوفى لله بعهده، وميثاقه. ووصف هؤلاء بأنهم قليل بالاضافة إلى من لم يؤمن.
وقال بعضهم: أراد " ثم توليتم إلا قليلا منكم، وانتم معرضون ": اليهود الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله. وعنى
---
(1) سورة يونس: آية 26.
(2) في المطبوعة " ارتضا " بدون الهاء.

(1/327)


تفسير التبيان ج1
بسائر الآية اسلافهم، كأنه ذهب إلى ان معنى الكلام: ثم توليتم إلا قليلا منكم ثم تولى سلفكم إلا قليلا منهم، ثم قال: وانتم معاشر بقاياهم معرضون ايضا عن الميثاق الذي اخذ عليكم.
وقال قوم: يلى قوله: (ثم توليتم إلا قليلا منكم وانتم معرضون) خطاب لمن كان بين ظهراني مهاجري رسول الله " ص " من يهود بنى اسرائيل، وذم لهم بنقضهم الميثاق، الذي اخذ عليهم في التوراة، وتبديلهم امر الله وركوبهم معاصيه.
وروي عن ابن عباس انه قال: قوله " وقولوا للناس حسنا " نسخ بقوله: قاتلوهم حتى يقولوا لا إله إلا الله أو يقروا بالجزية.
وقال آخرون: ليست منسوخة لكن امروا بأن يقولوا حسنا في الاحتجاج عليهم، اذا دعوا إلى الايمان، وبين ذلك لهم.
وقال قتادة نسختها آية السيف.
الصحيح انها ليست منسوخة، وانما امر، الله تعال بالقول الحسن في الدعاء اليه والاحتجاج عليه، كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن "(1) وبين في آية اخرى، فقال: " ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم(2) وليس الامر بالقتال ناسخا لذلك، لان كل واحد منهما ثابت في موضعه
قوله تعالى: وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون(84)
آية بلا خلاف
المعنى: قد بينا فيما مضى أن الميثاق هو العهد.
والمعنى في الآية: واذكروا اذ اخذنا ميثاق اسلافكم الذين كانوا في زمن موسى، والانبياء الماضين (ع)، وانما اضاف اليهم لما كانوا أخلافا(3) لهم على ما مضى القول فيه.
---
(1) سورة النحل آية: 125.
(2) سوره الانعام آية: 108.
(3) هذه عبارة المخطوطة وفي المطبوعة: " كانوا خلافا على ".

(1/328)


تفسير التبيان ج1
وتقدير الاعراب في هذه الآية مثل الآية الاولى سواء.
واما سفك الدم، فانه صبه واراقته.
ومعنى " لا تسفكون دماءكم ولاتخرجون انفسكم من دياركم " النههي عن أن يقتل بعضهم بعضا، وكان في قتل الرجل منهم قتل نفسه اذا كانت ملتهما واحدة، ودينهما واحد وكان اهل الدين الواحد في ولاية بعضهم بعضا بمنزلة رجل واحد.
كما قال النبي صلى الله عليه وآله: انما المؤمنون في تعاطفهم وتراحمهم بينهم بمنزلة الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى سائر الجسد بالحمى والسهر.
فهذا قول قتادة وابي العالية.
ويحتمل ان يكون المراد لا يقتل الرجل منكم غيره فيقاد به قصاصا. فيكون بذلك قاتلا نفسه، لانه كالسبب فيه واضيف قتل الولي اياه قصاصا اليه بذلك. كما يقال لرجل يعاقب لجناية جناها على نفسه: انت جنيت على نفسك.
وفيه قول ثالث: وهو ان قوله: " انفسكم " اراد به اخوانكم، لانهم كنفس واحدة.
وقوله: " ثم اقررتم وانتم تشهدون " اي اقررتم بذلك ايضا، وبذلتموه من انفسكم، وانتم شاهدون على من تقدمكم باخذنا منهم الميثاق، وما بذلوه من انفسهم. فذكر تعالى اقرارهم وشهادتهم، لان اخذ الميثاق كان على اسلافهم - وإن كان لازما للجميع، لتوكيد الحجة عليهم. -
وقال بعض المفسرين: نزلت هذه الآية في بني قريظة والنضير.
يقول: حرم الله في الكتاب ان تسفكوا دماءكم، اي لا تقتتلوا فيقتل بعضكم بعضا(1)، ولا تتركوا اسيرا في يد الآسرين ليقتلوه " ولا تخرجوا انفسكم من دياركم " معناه لا تغلبوا احدا على داره، فتخرجوه، فقبلتم ذلك واقررتم به. وهو اخذ الميثاق " وانتم تشهدون " بذلك.
واما النفس فمأخوذة من النفاسة، وهي الجلالة فنفس الانسان انفس مافيه. والدار هي المنزل الذي فيه ابنية المقام، بخلاف(2) منزل الارتحال.
---
(1) في المخطوطة " لا تقلوا ". وعبارة المطبوعة هكذا: " لا يقتلوا فيقتل بعضكم ولا تتركوا... ".
(2) في المطبوعة " بجلال ".

(1/329)


تفسير التبيان ج1
وقال الخليل: كل موضع حل فيه قوم فهو دار لهم - وان لم يكن فيه ابنية.
وقيل ايضا: إن معنى قوله: " ثم اقررتم وانتم تشهدون " ان اقرارهم هو الرضاء به، والصبر عليه: كما قال الشاعر:
الست كليبيا اذ سيم خطة
اقر كاقرار الحليلة للبعل
وقوله: " وانتم تشهدون " يحتمل امرين: احدهما - وانتم تشهدون على انفسكم بالاقرار. والثاني - وانتم تحضرون دماءكم. ويخرجون انفسكم من دياركم.
وحكي عن ابن عباس انه قال: ذلك خطاب من الله تعالى لليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجري رسول الله صلى الله عليه وآله أيام هجرته اليهم موبخا لهم على تضييعهم احكام ما في ايديهم من التوراة التي كانوا يقرون بحكمها.
فقال الله تعالى لهم: " ثم اقرتم " يعني بذلك اقر أو لكم وسلفكم وانتم تشهدون على اقرارهم، باخذ الميثاق عليهم بان لا يسفكوا دماءهم، ولا يخرجوا انفسهم من ديارهم، ويصدقوا بان ذلك حق من ميثاقي عليكم.
وقال ابوالعالية: ذلك خبر من الله عن أوائلهم.
ولكنه اخرج الخبر مخرج المخاطبة عنهم على النحو الذي وصفناه في سائر الآيات. " وانتم تشهدون " اي وانتم شهود.
قوله تعالى: ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالاثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم اخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحيوة الدنيا ويوم القيمة يردون إلى اشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون(85)
آية بلا خلاف.

(1/330)


تفسير التبيان ج1
القراءة: قرأ اهل الكوفة تظاهرون هاهنا، وفي التحريم بتخفيف الظاء. الباقون بالتشديد فيهما.
وقرأ حمزة " أسرى " بفتح الهمزة، وسكون السين بغير الف بعدها.
وقرأ اهل المدينة، وعاصم، والكسائي ويعقوب (تفادوهم) بضم التاء وبألف.
وقوله " ثم انتم هؤلاء " يحتمل وجهين: احدهما - ان يكون اريد به ثم انتم يا هؤلاء فترك يا استغناء، لدلالة الكلام عليه: كما قال " يوسف: اعراض عن هذا "(1) ومعنى الكلام ثم انتم يامعشر يهود بني اسرائيل بعد اقراركم بالميثاق الذي اخذته عليكم: ألا تسفكوا دماءكم، ولا تخرجوا انفسكم من دياركم، وبعد شهادتكم على انفسكم بذلك انه حق لازم لكم الوفاء به تقتلون انفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم متعاونين عليهم في اخراجكم اياهم بالاثم، والعدوان.
والتعاون هو التظاهر، وانما قيل للتعاون: التظاهر، لتقوية بعضهم ظهر بعض. فهو تفاعل من الظهر. هو مساندة بعضهم ظهره إلى ظهر بعض.
قال الشاعر:
تظاهرتم اشباه نيب تجمعت
على واحد لازلتم قرن واحد
ومنه قوله تعالى: " وان تظاهروا عليه فان الله هو مولاه " وقوله " والملائكة بعد ذلك ظهير "(2) وقوله: " ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا "(3) وقوله: " سحران تظاهرا "(4) وقوله: " وكان الكافر على ربه ظيرا "(5) ويقال: اتخذ معك نفرا ونفرين ظهيرين يعني عدة، والوجه الآخر أن يكون معناه: ثم انتم القوم تقتلون انفسكم فيرجع إلى الخبر عن (انتم) وقد اعترض بينهم وبين الخبر عنهم (هؤلاء) كما تقول العرب: انا ذا أقوم، وانا ذا أجلس.
ولو قيل أنا هذا يجلس لكان صحيحا.
وكذلك انت ذاك تقوم، وقال بعض النحويين: ان هؤلاء (في)(6)
قوله: " ثم انتم هؤلاء " تنبيه، وتوكيد لانتم. وزعم أن انتم: وان كان كناية عن
---
(1) سورة يوسف: آية 30.
(2) سورة التحريم: آية 4.
(3) سورة الاسرى: آية 88.
(4) سورة القصص: آية 48.
(5) سورة الفرقان: آية 55.
(6) زودنا (في) ليتم المعنى.

(1/331)


تفسير التبيان ج1
اسماء جميع المخاطبين فانما جازان يؤكد بهؤلاء.
وأولاء يكنى بها عن المخاطبين كما قال خفاف بن ندبة
اقول له والرمح يأطر متنه
تبين خفافا انني انا ذلكا(1)
يريد انا هو، وكما قال " حتى اذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة ".(2)
والاثم قيل معناه: هو ما تنفر منه النفس ولم يطمئن اليه القلب.
ومنه قول النبي صلى الله عليه وآله لنواس بن سمعان، حين سأله عن البر والاثم، فقال صلى الله عليه وآله: البر ما اطمأنت اليه نفسك والاثم ما حك في صدرك.
وقال قوم: معنى الاثم(3) ما يستحق عليه الذم، وهو الاصح. والعدوان مجاوزة الحق.
وقال قوم: هو الافراط في الظلم. واسرى جمع اسير واسارى جمع اسرى.
كما قالوا: مريض ومرضى وجريح وجرحى وكسير وكسرى.
هذا قول المفضل بن سلمة قال ابوعمرو بن العلاء: الاسارى هم الذين في الوثاق والاسرى الذين في اليد. ان لم يكونوا في الوثاق.
ومعنى تفادوهم أو تفدوهم: طلب الفدية من الاسير الذي في ايديهم من اعدائهم.
قال الشاعر:
قفي فادي اسيرك إن قومي
وقومك ما أرى لهم اجتماعا
وكان هذا محرما عليهم - وان كان مباحا لنا - فذكر الله تعالى توبيخا لهم في فعل ما حرم عليهم.
وقال آخرون: انه افتداء الاسير منهم اذا اسره اعداؤهم. وهذا مدح لهم ذكره من بعد ذمهم انهم خالفوه في سفك الدماء، وتابعوه في افتداء
---
(1) الاغاني 2: 329، 13: 134، 135، 16: 134 وقد مر في 1: 51 من هذا الكتاب.
قال هذا في مقتل ابن عمه معاوية بن عمرو: أخي الخنساء.
اقول له: أي لمالك ابن حمار الذي مر ذكره في البيت السابق وهو:
فان تك خيلي قد اصيب صميمها
فعمدا على عين تيممت مالكا
واطر الشئ: ان تقبض على احد طرفي الشئ ثم تعوجه، وتعطفه وتثنيه. واراد ان حر الطعنة جعله منثني من المها ثم ينثني ليهوي صريعا اذ أصاب الرمح مقتله. في المطبوعة " ناظر فنه " بدل " يأطر متنه " وهو تحريف.
(2) سورة يونس آية 22.
(3) في المخطوطة والمطبوعة " الاسم ".

(1/332)


تفسير التبيان ج1
الاسرى استشهادا على هذا الباطل بقوله: " أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض " وقال قوم: الفرق بين تفدوهم وتفادوهم، ان تفدوهم هو افتكاك بمال وتفادوهم هو افتكاك الاسرى بالاسرى.
اختلفوا فيمن عنى بهذه الآية فروى عكرمه عن ابن عباس انه قال: " ثم انتم هؤلاء تقتلون انفسكم " إلى قوله: والعدوان أي اهل الشرك، حتى يسفكوا دماءهم معهم، ويخرجوهم من ديارهم معهم قال: انبأهم الله بذلك من فعلهم، وقد حرم عليهم في التوراة سفك دمائهم، وافترض عليهم فيها فداء اسراهم.
وكانوا فريقين: طائفة منهم بنو قينقاع(1) وانهم حلفاء الخزرج. وحلفاء النضير وقريظة، وانهم حلفاء الاوس. وكانوا اذا كانت بين الاوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع(2) مع الخزرج، وخرجت بنو النضير وقريظة مع الاوس، يظاهر كل فريق حلفاءه على اخوانه، حتى يتسافكوا دماءهم بينهم وبايديهم التوراة، يعرفون منها ما عليهم ولهم.
والاوس والخزرج اهل شرك يعبدون الاوثان ولا يعرفون جنة ولا نارا، ولا قيامة ولا كتابا، ولا حلالا ولا حراما، فاذا وضعت الحرب اوزارها افتدوا اسراهم تصديقا لما في التوارة، واخذا به يفتدي بنو قينقاع من كان (من)(3) اسراهم في ايدي الاوس، ويفتدي بنو النضير وقريظة ما كان في ايدي الخزرج. ويطلبون ما اصابوا من الدماء، وما قتلوا من قتلوا منهم، فيما بينهم مظاهرة لاهل الشرك عليهم.
يقول الله تعالى حين انبأهم بذلك: " أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض؟ " أي تفادونهم بحكم التوراة وفي حكم التوراة ان لا يقتل ويخرج من داره ويظاهر(4) عليه من يشرك بالله ويعبدو الاوثان من دونه - ابتغاء عرض الدنيا - ففي ذلك من فعلهم مع الاوس والخزرج نزلت هذه القصة.
وذكر فيه اقوال اخر تزيد وتنقص لا فائدة في ذكرها، معناها متقارب لما اوردناه.
وقوله " يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم اخراجهم أفتؤمنون ببعض
---
(1 و 2) في المخطوطة والمطبوعة " قيقاع " وهو خطأ.
(3) زدنا " من " لانه لا يتم المعنى بدونها.
(4) في المخطوطة والمطبوعة " ان لا يقتل ويخرجونه من وتظاهر.. ".

(1/333)


تفسير التبيان ج1
الكتاب وتكفرون ببعض " القصد بذلك توبيخهم وتعنيفهم على سوء افعالهم.
فقال: ثم انتم بعد اقراركم بالميثاق الذي أخذته عليكم: " لا تسفكوا دماءكم ولا تخرجوا انفسكم من دياركم " تقتلون انفسكم يعني يقتل بعضكم بعضا. وانتم مع قتلكم من تقتلون منكم. اذا وجدتم اسيرا منكم في ايدي غيركم من اعدائكم تفدونهم. ويخرج بعضكم بعضا من ديارهم، وقتلكم اياهم واخراجكم اياهم من ديارهم حرام عليكم كما حرام عليكم تركهم اسرى في ايدي عدوكم. فكيف تستجيزون قتلهم ولا تستجيزون ترك فدائهم. وتستجيزون قتلهم وهما جميعا في اللازم لكم من الحكم فيهم سواء، لان الذي حرمت عليكم من قتلهم واخراجهم من دورهم نظير الذي حرمت عليكم من تركهم اسرى في ايدي عدوهم.
" أفتؤمنون ببعض الكتاب " الذي فرضت عليكم فيه فرائضي وبينت لكم فيه حدودي، واخذت عليكم بالعمل بما فيه ميثاقي، فتصدقون به فتفادون اسراكم من ايدي عدوكم، وتكفرون ببعضه فتجحدونه فتقتلون من حرمت عليكم قتله، من اهل دينكم ومن قومكم، وتخرجونهم من ديارهم وقد علمتم ان في الكفر منكم ببعضه نقضا منكم في عهدي وميثاقي.
وقوله: " فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا " فالخزي: الذل، والصغار يقال خزي الرجل يخزى خزيا.
" في الحياة الدنيا " يعني في عاجل الدنيا قبل الآخرة.
ثم اختلفوا في الخزي الذي خزاهم الله بما سلف منهم من المعصية فقال بعضهم: ذلك حكم الله الذي انزله على نبيه صلى الله عليه وآله من اخذ القاتل بما قتل، والقود به قصاصا، والانتقام من الظالم لمظلوم.
وقال آخر: بل ذلك هو الجزية منهم - ما اقاموا على دينهم - ذلة لهم وصغارا وقال آخرون: الخزي الذي خزوا به في الدنيا إخراج رسول الله صلى الله عليه وآله بني النضير من ديارهم لاول الحشر. وقيل: مقاتلة بني قريظة وسبي ذراريهم. وكان ذلك خزيا في الدنيا وفي الآخرة عذاب عظيم.
ومعنى قوله: " يوم القيامة يردون إلى اشد العذاب " أي اسوء العذاب، يعني بعد الخزي الذي يحل بهم في الدنيا يردهم الله إلى اشد العذاب - الذى اعده الله لاعدائه.

(1/334)


تفسير التبيان ج1
وقال بعضهم: يردهم يوم القيامة إلى اشد العذاب، يعني اشد من عذاب الدنيا - والاول اقوى: انه من أشد العذاب يعني اشد جنس العذاب. وذلك يقتضي العموم ولا يخص إلا بدليل.
وقوله: " وما الله بغافل عما تعملون ". منهم من قرأ بالياء، رده إلى من أخبر عنهم. ومن قرأ بالتاء، رده إلى المواجهين بالخطاب. والياء اقوى، لقوله: " فما جزاء من يفعل ذلك ".
وقوله: " ويوم القيامة يردون " فالرد إلى هذا أقرب من قوله: " أفتؤمنون ببعض الكتاب " فاتباع الاقرب أولى من إلحاقه بالاول. والكل حسن. والمعنى وما الله بساه عن اعمالهم الخبيثة بل هو محص لها وحافظ لها حتى يجازي عليها.
فان قيل: ظاهر الآية يقتضي ان يصح الايمان ببعض الاشياء، وان كفروا بالبعض الآخر، وذلك مناف لمذهبكم في الارجاء والموافاة. لان المعنى في ذلك إظهار التصديق بالبعض، والمنع بالتصديق بالبعض الآخر. ويحتمل ان يكون المراد ان ذلك على ما يعتقدونه، لانكم اذا اعتقدتم جميع ذلك ثم عملتم ببعضه دون بعض، فكأنكم آمنتم ببعضه دون بعض.
قوله تعالى: أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون(86)
آية بلا خلاف.
المعنى: قوله: " أولئك " إشارة إلى الذين اخبر عنهم يؤمنون ببعض الكتاب، فيفادون أساراهم من اليهود، ويكفرون ببعض فيقتلون من حرم الله عليهم قتله من اهل ملتهم، ويخرجون من داره من حرم الله اخراجه. وهم الذين اشتروا رياسة الحياة الدنيا. ومعناه ابتاعوها على الضعفاء واهل الجهل والغباء منهم. وانما وصفهم

(1/335)


تفسير التبيان ج1
بانهم اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، لانهم رضوا بالدنيا بكفرهم الله عزوجل فيها عوضا من نعيم الآخرة الذي اعده الله للمؤمنين. فجعل تركهم حظوظهم من نعيم الآخرة بكفرهم بالله ثمنا لما ابتاعوه من خسيس الدنيا بما اخبر الله انه لا حظ لهم في نعيم الآخرة، وان لهم في الآخرة عذابا غير مخفف عنهم فيها العقاب.
وقوله: " ولا هم ينصرون " أي لا ينصرهم احد في الآخرة فيدفع عنهم بنصرته عذاب الله تعالى.
قوله تعالى: ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى انفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون(87)
آية بلا خلاف.
القراءة: قرأ أهل الكوفة الرسل مثقل في جميع القرآن. وقرأ ابن كثير القدس بسكون الدال حيث وقع. الباقون بتثقيلها،
المعنى: ومعنى قوله " اتينا موسى الكتاب " انزلناه اليه واعطيناه. والكتاب بالمراد به التوراة.
وقوله " وقفينا " معناه واردفنا، واتبعنا بعضه خلف بعض، كما بقفو الرجل الرجل: اذا سار في اثره من ورائه واصله من القفا. يقال فيه قفوت فلانا اذا صرت خلف قفاه.
كما يقال دبرته اذا صرت في دبره قال امرؤ القيس:
وقفى على اثارهن بحاصب
فمر العشى البارد المتحصب(1)
ومعنى قوله: " بالرسل " من بعد موسى.
والمراد بالرسل الانبياء، وهم جمع رسول يقال: رسول ورسل، كما يقال: رجل صبور وقوم صبر. ورجل شكور، وقوم شكر.
---
(1) ديوانه 38. وروايته " فقفي " بدل وقفا وعجزه وغيبة شؤبوب من الشد ملهب والعجز الموجود اعلاه غير موجود في ديوان امرئ القيس.

(1/336)


تفسير التبيان ج1
والمعنى في " قفينا " اتبعنا بعضهم بعضا على منهاج واحد، وشريعة واحدة، لان كان من بعثه الله نبيا بعد موسى إلى زمن عيسى بن مريم (ع) فانما بعثه باقامة التوراة والعمل بما فيها والدعاء إلى ما فيها، فلذلك، قال: " وقفينا من بعده بالرسل " يعني على منهاجه وشريعته.
وقوله: " واتينا عيسى بن مريم البينات " اعطينا عيسى بن مريم الحجج والدلالات على نبوته من احياء الموتى وابراء الاكمه والابرص ونحو ذلك من الآيات التي دلت على صدقه وصحة نبوته.
وقوله: " وايدناه بروح القدس " أي قويناه واعناه. يقال منه ايدك الله، أي قواك الله.
وهو رجل ذو ايد وذو اياد أي ذو قوة ومنه قول العجاج: من ان تبدلت بآدي آدا(1) يعني بقوة شبابي قوة الشيب قال الشاعر:
ان القداح اذا اجتمعن فرامها
بالكسر ذو جلد وبطش أيد(2)
يعنى بالايد القوي.
قال قتادة والسدي والضحاك والربيع: روح القدس هو جبرائيل " ع ".
قال: ابن زيد ايد الله عيسى بالانجيل روحا كما جعل القرآن روحا كلاهما روح الله كما قال: " وكذلك أوحينا اليك روحا من امرنا ".
وروى الضحاك عن ابن عباس ان الروح: الاسم الذي كما يحيى به الموتى.
واقوى الاقوال قول من قال: هو جبرائيل (ع) لان الله تعالى ايد عيسى به كما قال تعالى " يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي التي انعمت عليك وعلى والدتك إذ ايدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا واذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل "(3) فاخبر انه ايده به ناو كان المراد به الانجيل لكان ذلك تكرارا. وانما سمي الله تعالى جبرائيل روحا واضافه إلى القدس، لانه كان بتكوين الله روحا من عنده من غير ولادة والد ولده.
وقال قوم سمي روحا لانه كان بمنزلة الارواح للابدان تحيى بما يأتي به من
---
(1) اللسان " ايد " والبيت الذي بعده: لم يك ينآد فامسى انآدا. وفي المطبوعة باد آذا.
(2) مروج الذهب 3: 104. قائله عبدالله بن عبدالاعلى.
(3) سورة المائدة آية 113.

(1/337)


تفسير التبيان ج1
البينات وقال آخرون: سمي بذلك، لان الغالب على جسمه الروحانية لرقته وكذلك سائر الملائكة وانما خص به تشريفا والتقديس والتطهير والقدس: الطهر وقال السدي: القدس هاهنا البركة يقال: قدس عليه: برك عليه. ويكون اضافته إلى نفسه كقوله " حق اليقين " وقال الربيع: القدس الرب.
وقال ابن زيد القدس هو الله، وايده بروحه، واحتج بقوله " الملك القدوس ".
وقال القدوس والقدس واحد.
وروي عن ابن عباس ان القدس الطاهر وقال الراجز: الحمد لله العلى القادس وقال رؤبة: دعوت رب القوة القدوسا وقوله: " افكلما جاءكم رسول بما لا تهوى انفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون " فالخطاب بذلك متوجه إلى يهود بني اسرائيل وكأنه قال: يامعشر يهود بني اسرائيل لقد اتينا موسى التوراة وتابعنا من بعده الرسل اليكم واتينا عيسى ابن مريم الحجج والبينات اذ بعثناه اليكم وايدناه بروح القدس وانتم كلما جاءكم رسول من رسلي بغير الذي تهواه انفسكم استكبرتم عليهم تجبرا وبغيا وكذبتم منهم بعضا وقتلتم بعضا، وظاهر الخطاب وان كان خرج مخرج التقدير فهو بمعنى الخبر.
قوله تعالى: وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون(88)
آية واحدة.
القراءة: القراء المعرفون على تسكين اللام من قوله غلف.
وقال ابن محيص غلف بضم اللام
المعنى: وروي عن ابن عباس ذلك فمن قرأ بالتسكين قال: معني غلف الواحد منها

(1/338)


تفسير التبيان ج1
اغلف وغلف مثل احمر وحمر فكأنهم قالوا: قلوبنا أوعية فلم لا تعي ما تأتينا به قالوا كما " قالوا قلوبنا في اكنة مما تدعونا اليه وفي اذانا وقرو من بيننا وبينك حجاب " أي لا تفقه لانها في حجاب.
ومنه يقال للرجل الذي لم يختن اغلف والمرأة غلفاء ويقال للسيف اذا كان في غلاف اغلف وقوس غلفاء: وجمعها غلف وكذلك كل لغة على وزن افعل للذكر والانثى فعلاء يجمع على فعل مضمومة الاول ساكنة الثاني نحو احمر وحمر واصفر وصفر فيكون ذلك جمعا للتذكير والتأنيث ولا يجوز ثقيل عين الفعل إلا في ضرورة الشعر.
قال طرفه:
ايها الفتيان في مجلسنا
جردوا منها ورادا وشقر(1)
فحرك لضرورة الشعر.
ومن قرأ " غلف " مثقلا قال: هو جمع غلاف مثل مثال ومثل وحمار وحمر. فيكون معناه إن قلوبنا اوعية للعلم فما بالها لا تفهم، وهي اوعية للعلم. ويجوز ان يكون التسكين عين التثقيل(2) مثل رسل ورسل.
وقال عكرمة غلف: أي عليها طابع.
والمعنى عندنا ان الله اخبر ان هؤلاء الكفار ادعوا ان قلوبهم ممنوعة من القبول وذهبوا إلى ان الله منعهم من ذلك، فقال الله ردا عليهم " بل لعنهم الله بكفرهم " أي انهم لما كفروا فالفوا كفرهم واشتد اعجابهم به ومحبتهم اياه، منعهم الله، من الالطاف والفوائد - ما يؤيته المؤمنين ثوابا على ايمانهم وترغيبا لهم في طاعتهم، وزجر الكافرين عن كفرهم، لان من سوى بين المطيع والعاصي له، فقد اساء اليها.
وفي الآية رد على المجبرة ايضا، لانهم قالوا: مثل ما يقول اليهود من أن على قلوبهم ما يمنع من الايمان ويحول بينهم وبينه، وكذبهم الله تعالى في ذلك بأن لعنهم وذمهم. فدل على أنهم كانوا مخطئين، كما هم مخطئون.
وقال ابوعلي الفارسي: ما يدرك به المعلومات من الحواس وغيرها، اذ اذكر بانه لا يعلم وصف بان عليه مانعا كقوله تعالى: " افلا يتدبرون القرآن ام على قلوب اقفالها "(3). فان الفعل لما كان مانعا من الدخول إلى المقفل عليه شبه القلوب به.
---
(1) ديوانه اشعار الستة الجاهليين. جردوا قدموا للفارة. وتجرد الفرس تقدم الحلبة فخرج منها. وراد جمع ورد " فتح فسكون " وهو من الخيل بين الكميت والاشفر.
(2) هذه عبارة المخطوطة وفي المطبوعة سقط.
(3) سورة محمد آية 24.

(1/339)


تفسير التبيان ج1
ومثله قوله: " سكرت ابصارنا "(1) وقوله: " الذين كنت اعينهم في غطاء عن ذكري "(2) ومثله " بل هم منها عمون "(3) وقوله: " صم بكم "(4).
لان العين اذا كانت في غطاء لم ينفذ شعاعها فلا يقع بها ادراك، فكأن شدة عنادهم بحملهم على رفع المعلومات. واللعن هو الاقصاء والابعاد. يقال: لعن الله فلانا يلعنه لعنا. فهو ملعون، ثم يصرف مفعول إلى فعيل، فيقال: هو لعين.
كما قال الشماخ بن ضرار:
ذعرت به القطا ونفيت عنه
مقام الذئب كالرجل اللعين(5)
أي المبعد: فصار معنى الآية قالت اليهود: " قلوبنا في اكنة مما يدعونا اليه " محمد صلى الله عليه وآله. فقال الله: ليس ذلك كما زعموا ولكنه تعالى اقصاهم وأبعدهم عن رحمته وطردهم عنها، لجحودهم به وبرسله.
وقوله تعالى: " قليلا ما يؤمنون "
قال قتادة: قيل منهم من يؤمن.
وقال قوم: " قيلا ما يؤمنون " أي لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم.
والذي نقوله ان معنى الآية ان هؤلاء الذين وصفهم الله تعالى قليلوا الايمان بما انزله الله تعالى على نبيه محمد " ص " ولذلك نصب قوله " قليلا " لانه نصب على نعت المصدر المتروك. وتقديره لعنهم الله بكفرهم، فأيمانا قليلا يؤمنون. ولو كان الامر على ما قال قتادة، لكان القليل مرفوعا، وكان تقديره فقليل ايمانهم.
وقال قوم من اهل العربية: ان ما زائدة لا معنى لها. كقوله: " فبما رحمة من الله لنت لهم "(6) وتقديره الكلام: قليلا يؤمنون، وانشد بيت مهلهل
لو بأبانين جاء يخطبها
ضرج ما انف خاطب بدم(7)
يعني ضرج انف خاطب. وما زائدة.
وقال قوم: ذلك خطأ في الآية وفي البيت وان ذلك من المتكلم على ابتداء الكلام بالخبر عن عموم جميع الاشياء اذا كانت
---
(1) سورة الحجر: آية 15.
(2) سورة الكهف: آية 102.
(3) سورة النحل آية: 66.
(4) سورة البقرة آية 17.
(5) ديوانه: 92. في المطبوعة والمخطوطة " دعوت " بدل ذعرت.
(6) سورة آل عمران آية 159.
(7) الكامل 2: 68. وروايته " خضب " بدل " ضرج " وفي المطبوعة والمخطوطة " بانين " ومع ذلك غير منقطة. ابانان: ابان الاسود وابان الابيض.

(1/340)


تفسير التبيان ج1
" ما " كلمة تجمع كل الاشياء، ثم تخص بعض ما عمته، فانها تذكر بعدها.
وفي الناس من قال: " فقليلا ما يؤمنون "، لانه كان معهم بعض الايمان من التصديق بالله وبصفاته، وغير ذلك مما كان فرضا عليهم، وذلك هو القليل بالاضافة إلى ما جحدوا به من التصديق بالنبي " ص " وما جاء به.
والذي يليق بمذهبنا ان نقول: إنه لم يكن معهم ايمان اصلا، وانما قال: " فقليلا ما يؤمنوا " كما يقول القائل: قل ما رأيت هذا قط.
وروي عنهم سماعا: - اعني العرب - مررت ببلد قل ما ينبت إلا الكراث والبصل. يريدون ما ينبت إلا الكراث والبصل.
قوله تعالى: ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين(89)
آية بلا خلاف.
المعنى: التقدير: ولما جاء اليهود من بني اسرائيل الذين وصفهم الله، كتاب من عند الله يعني به القرآن الذي انزله على محمد " ص " واشتقاق الكتاب من الكتب، وهو جمع كتبة وهي الخرزة. وكلما ضممت بعضه إلى بعض، فقد كتبته. والكتيبة من الجيش من هذا الانضمام بعضها إلى بعض.
وقوله: " مصدق لما معهم " من الكتب التي انزلها الله قبل القرآن من التوراة والانجيل وغيرهما.
" ومعنى مصدق لما معهم " لما في التوارة والانجيل، والاخبار التي فيها. ويحتمل ان يكون المراد: مصدق بان التوراة والانجيل من عند الله. ومصدق رفع، لانه نعت الكتاب. ولو نصب على الحال، لكان جائزا، لكن لم يقرأ به.
وقوله: " وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ".
قال ابوعبيدة معناه يستنصرون.
قال ابن عباس: إن اليهود كانوا يستنصرون على الاوس الخزرج

(1/341)


تفسير التبيان ج1
برسول الله " ص " قبل مبعثه فلما بعثه الله في العرب، فقال لهم معاذ بن جبل وبشير ابن معرور: يا معشر اليهود اتفوا الله واسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلى الله عليه وآله ونحن اهل الشرك، وتخبرونا بانه مبعوث. فقال لهم سلام بن مثكم: ما جاء بشئ، وما هو بالذي كنا نذكر لكم. فانزل الله ذلك.
وقال قوم: معنى " يستفتحون " يستحكمون ربهم على كفار العرب.
كما قال الشاعر:
ألا أبلغ بني عصم رسولا
فاني عن فتاحتكم غني(1)
اي محاكمتكم.
قال قوم: معناه يستعلمون من علمائهم صفة نبي يبعث من العرب، وكانوا يصفونه. فلما بعث انكروه.
واما جواب قوله: " ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم " فقال قوم: ترك جوابه استغناء بمعرفة المخاطبين. معناه كما قال: " ولو ان قرآنا سيرت به الجبال او قطعت به الارض او كلم به الموتى "(2) فترك الجواب، وكان تقديره ولو ان قرآنا سوى هذا القرآن سيرت به الجبال، اوقطعت به الارض، او كلم به الموتى لسيرت بهذا. ترك ذلك لدلالة الكلام عليه وكذلك الآية الجواب فيها محذوف لدلالة قوله: " فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به "
وقال آخرون: قوله: " كفروا " جواب لقوله: " ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم ".
ولقوله: " ولما جاءهم ما عرفوا ".
ونظيره قوله: " فاما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون "(3) فصار قوله: فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون جوابا لقوله: " فاما يأتينكم "، ولقوله: " فمن تبع هداي "، ومثله في الكلام قولك ما هو إلا ان جاءني فلان، فلما ان قعد وسعت له، فصار قولك: وسعت له جوابا لقولك: ما هو إلا ان جاءني، ولقولك: فلما ان قعد. وجاء الاول للكتاب وجاء الثاني - قيل: إنه - للرسول، فلذلك كرر.
وقوله: فلعنة الله على الكافرين "
---
(1) قائله الاشعر الجعفي. اللسان (فتح) وروايته:
ألا من مبلغ عمرا رسولا
فانى عن فتاحتكم غني
(2) سورة الرعد آية: 33.
(3) سورة البقرة آية: 38.

(1/342)


تفسير التبيان ج1
فقد بينا فيما مضى، معنى اللعنة، ومعنى الكفر فلا وجه لاعادته.
وقد مضى الجواب عمن يستدل بمثل ذلك على ان الكافر قد يكون عالما ببعض الاشياء التي اوجبها الله تعالى بخلاف ما يذهب اليه اصحاب الموافاة، وان من عرف الله فلا يجوز ان يكفر وان المعتمد على ذلك: ان نقول: لا يمتنع ان يكونوا قد عرفوا الله وكثيرا مما وجب عليهم، لكن لم يكن وقع نظرهم على وجه يستحقون به الثواب، لان ذلك هو الممنوع منه، وقد بينا ايضا صفة من يتعلق بذلك من اصحاب الضرورات، لان غاية ما في ذلك ان القوم كانوا عارفين فجحدوا ما عرفوا، وليس يمتنع ان يكونوا عارفين استدلالا ثم جحدوا: فالضرورة لم يجر لها ذكر.
الآية: 90 - 99
قوله تعالى: بئس ما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين(90)
آية.
اللغة والاعراب: أصل بئس: بئس من البؤس فأسكنت الهمزة ونقلت حركتها إلى الباء.
كما قالوا في ظللت ظلت، وكما قيل للكبد كبد، فنقلت حركة الباء إلى الكاف، لما سكنت الباء. ويحتمل ان تكون بئس. وان كان اصلها بئس من لغة من ينقل حركة العين من فعل إلى الفاء اذا كانت عين الفعل احد حروف الحلق الستة. كما قالوا في لعب: لعب. وفي سئم سيم، وهي لغه تميم.
ثم جعلت دلالة على الذم والتوبيخ ووصلت ب_(ما).
واختلفوا في (ما) فقال قوم من البصريين: هي وحدها اسم، " وان يكفروا " تفسير له. نحو نعم رجلا زيد " وان ينزل الله " بدل من انزل.
وقال الفراء: بئس الشئ اشتروا به انفسهم ان يكفروا. ف_(ما) اسم بئس، (وأن يكفروا) الاسم الثاني.
وقوله " ان ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده "، إن

(1/343)


تفسير التبيان ج1
شئت جعلت (أن) في موضع رفع، وان شئت في موضع خفض: فالرفع بئس الشئ هذا ان يكفروا، والخفض بئس الشئ إشتروا به انفسهم ان يكفروا بما انزل الله بغيا.
وفي قوله: " لبئس ما قدمت لهم انفسهم أن سخط الله عليهم "(1).
مثل ذلك. قال ابوعبيدة: والعرب تجعل (ما) وحدها في هذا الباب بمنزلة الاسم التام.
وقوله: " فنعما هي " " وبئس ما انت " قال الراجز:
لا تعجلا بالسير وادلواها
لبئسما بطء ولا نرعاها(2)
قال: ويقولون لبئس ما تزويج، ولا مهر: فيجعلون (ما) وحدها اسما بغير صلة.
وروي عن النبي " ص " انه قال: نعم ما المال للرجل الصالح، فجعلت (ما) اسما.
وقال قوم: هذا الوجه ضعيف، لان هذا القول، يكون التقدير بئس الشئ اشتروا به انفسهم، فقد صارت ما بصلتها اسما موقتا، لان اشتروا فعل ماضي، واذا وصلت بفعل ماضي كانت معرفة موقتة. تقديره بئس شراؤهم كفرهم. وذلك غير جائز عنده: فبان بذلك فساد هذا القول. وبئس ونعم لايلقاهما اسم علم كزيد وعمر، واخيك وابيك: فانما يلقاها المعرف بالالف واللام. كقولك: الرجل والمرأة، وما اشبه ذلك. فان نزعتهما، نصبت. كقوله: " بئس للظالمين بدلا "(3) " وساء مثلا القوم الذين كذبوا بايآتنا "(4) فان كانت نكرة مضافة إلى نكرة جاز الرفع والنصب. كقولك نعم غلام سفر غلامك، بالرفع والنصب - حكاه الفراء.
وقال بعضهم: إن (ان) في موضع خفض ان شئت، وان شئت في موضع رفع: فالخفض ان ترده على الهاء في به على التكرير على كلامين، لانك قلت: اشتروا انفسهم بالكفر: والرفع ان يكون تكرارا على موضع (ما) التي تلي
---
(1) سورة المائدة آية: 83.
(2) اللسان (دلا) دلوت الناقة دلوا: سقتها رويدا ورعى الماشية وارعاها: اطلقها في المرعى.
(3) سورة الكهف آية: 51.
(4) سورة الاعراف آية: 176.

(1/344)


تفسير التبيان ج1
بئس، ولا يجوزان يكون رفعا على قولك بئس الرجل عبدالله.
وقال بعضهم: أولى هذه الاقوال أن تجعل بئسما مرفوعا بالراجع من الهاء في قوله: اشتروا به. كما رفعوا ذلك بعبد الله، في قولهم: بئسما عبدالله، وجعل أن يكفروا مترجما عن بئس. فيكون التقدير بئس الشئ باع اليهود به انفسهم بكفرهم، بما انزل الله بغيا وحسدا ان ينزل الله من فضله.
وتكون ان التي في قوله: " ان ينزل الله " في موضع نصب، لانه يعني به ان يكفروا بما انزل الله من اجل ان ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده. وموضع (ان) جر.
والكسائي جعل ان في موضع خفض بنية الباء وانما كان النصب اقوم، لتمام الخبر قبلها ولا خافض معها. وحرف الخفض اذا كان مضمرا لا تخفض به.
المعنى: ومعنى قوله: " اشتروا به انفسهم " اي باعوا به انفسهم على وزن افتعلوا - من الشراء وسمي البائع الشاري بهذا، لانه باع نفسه ودنياه عنده. واكثر الكلام شريت بمعنى بعت. واشتريت بمعنى ابتعت.
قال الشاعر يزيد بن مفرغ الحميري:
وشريت بردا ليتني
من قبل برد كنت هامة(1)
ومعنى قوله: " وشروه بثمن بخس " باعوه وربما استعملت اشتريت بمعنى بعت. وشريت بمعنى ابتعت. والاكثر ما قلناه.
وقوله: " بغيا " اي حسدا وتعديا.
فان قيل: كيف باعت اليهود انفسها بالكفر وهل يشترى بالكفر شئ؟ قيل معنى الشراء والبيع - عند العرب - هو ازالة ملك المالك إلى غيره بعوض يعتاضه منه، ثم يستعمل ذلك في كل معتاض من عمله عوضا - خيرا كان أو شرا - يقال نعم ما باع فلان نفسه به، وبئس ما باع به نفسه. بمعنى نعم الكسب كسبها، وبئس الكسب كسبها.
وكذلك قوله: " بئس مااشتروا به انفسهم "، لما ابقوا انفسهم بكفرهم بمحمد " ص " واهلكوها.
---
(1) طبقات فحول الشعراء: 555 من قصيدة له في هجاء عباد بن زياد - وكان قد باع غلاما لابن مفرغ: اسمه (برد) قوله: كنت هامة: اي كنت هالكا.

(1/345)


تفسير التبيان ج1
خاطبهم الله بالعرف الذي يعرفونه: فقال بئس ما اعتاضوا من كفرهم بالله، وتكذيبهم محمدا " ص " إذا كانوا رضوا به عوضا من ثواب الله، وما اعدلهم - لو كانوا امنوا بالله وما انزل على انبيائه - بالنار، وما اعدلهم بكفرهم بذلك ونظير هذه الآية قوله: في سورة النساء: " الم تر إلى الذين اوتوا نصيبا من الكتاب " إلى قوله: " وآتيناهم ملكا عظيما "(1). وكان ذلك حسدا منهم لكون النبوة في غيرهم.
وقوله: " بغيا " نصب لانه مفعول له. والمعنى فسادا.
قال الاصمعي: مأخوذ من قولهم: بغى الجرح اذا فسد. ويجوز ان يكون مأخوذا من شدة الطلب للمطاول. وسميت الزانية بغيا لانها تطلب. واصل البغي الطلب.
و " بغيا ان ينزل الله " اي لان ينزل الله. وكذلك كل ما في القرآن.
ومثله قول الشاعر:
أتجزع أن بان الخليط المودع
وحبل الصفا من عزة المتقطع
وقوله: " فباءوا بغضب على غضب " اي رجعوا. والمراد رجعت اليهود من بني اسرائيل بعد ما كانوا عليه من الاستنصار لمحمد " ص " في الاستفتاح به، وبعد ما كانوا يخبرون الناس من قبل مبعثه انه نبي مبعوث - مرتدين علي اعقابهم حين بعثه الله نبيا - بغضب من الله استحقوه منه بكفرهم به وجحدهم بنبوته، وانكارهم اياه.
وقال السدي: الغضب الاول حين عبدوا العجل، والثاني - حين كفروا بمحمد " ص ".
وقال عطا وغيره: الغضب الاول - حين غيروا التوراة قبل مبعث محمد " ص ": والغضب الثاني - حين كفروا بمحمد " ص ".
وقال عكرمة والحسن: الاول - حين كفروا بعيسى " ع ": والثاني - حين كفروا بمحمد " ص ". وقد بينا ان الغضب من الله هو ارادة العقاب بهم.
وقوله: " وللكافرين بعذاب مهين " معناه للجاحدين بنبوة محمد " ص " عذاب مهين من الله: إما في الدنيا، وإما في الآخرة.
---
(1) سورة النساء آية: 43 - 53.

(1/346)


تفسير التبيان ج1
و " مهين " هو المذل لصاحبه المخزي لملبسه هوانا وذلة.
وقيل " المهين " هو الذي لا ينتقل منه إلى اعتزاز وإكرام. وقد يكون غير مهين اذا كان تمحيصا وتكفيرا ينتقل بعده إلى اعتزار وتعظيم: فعلى هذا من ينتقل من عذاب النار إلى الجنة، لايكون عذابه مهينا.
قال المؤرخ: " فباءوا " استوجبوا اللعنة بلغة جرهم -. ولا يقال باء مفردة حتى يقول بكذا وكذا: اما بخير واما بشر.
قال ابوعبيدة: " فباءوا بغضب " احتملواه واقروا به. واصل البواء التقرير والاستقرار.
قال الشاعر:
أصالحكم حتى تبوءوا بمثلها
كصرخة حبلى يسرتها قبولها(1)
قوله تعالى: واذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تفتلون انبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين(91)
آية بلا خلاف.
المعنى: قوله: " بما انزل الله " يعني القرآن.
" قالوا نؤمن بما أنزل علينا "من التوراة.
" ويكفرون بما وراءه " يعني بما بعده قال الشاعر:
تمني الاماني ليس شئ وراءها
كموعد عرقوب اخاه بيثرب(2)
وقال الفراء: معنى " وراءه " هاهنا سواه.
كما يقال للرجل يتكلم بالحسن: ما وراء هذا الكلام شئ يراد به، ليس عند المتكلم شئ سوى ذلك الكلام.
---
(1) قائله الاعشى الكبير اللسان (قبل) وروايته (اسلمتها قبيلها) أي يئست منها قابلتها التي تستقبل المولود. وديوانه 177، رقم القصيدة 23. وروايته (يسرتها قبولها) أي سهلت ولادتها قابلتها.
وفي المخطوطة والمطبوعة (بشرتها قبيلها) وفي المخطوطة (نصالحكم) بدل (اصالحكم) وفي المطبوعة (نصاحبكم). تبوءوا تعودوا.
(2) لم نجد هذا البيت في مصادرنا. وفي اللسان (عرقب) بيت للاسجعى عجزه كعجز هذا الا أن (مواعيد) جاءت به بدل (كموعد). ويقول (بيثرب) - بالتاء - مكان في المن (وبيثرب) - بالثاء - المدينة نفسها.

(1/347)


تفسير التبيان ج1
ومعنى قوله: " ويكفرون بما وراءه وهو الحق " وبما سوى التوراة وبما بعده من كتب الله عزوجل التي انزلها الله إلى رسله.
قوله: " هو الحق مصدقا " يعني القرآن مصدقا لما معهم - ونصب على الحال - ويسميه الكوفيون علي القطع.
وقوله: " من قبل " ضم على الغاية، وكذلك اخواتها نحو بعد وتحت وفوق اذا جعلت غاية ضمت. وفي ذلك خبر من الله تعالى ذكره انهم من التكذيب في التوراة على مثل الذي هم عليه من التكذيب بالانجيل والقرآن عنادا وخلافا لامره، وبغيا على رسله.
وقوله: " فلم تقتلون انبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين " يعني قل يا محمد ليهود بني اسرائيل اذا قلت لهم آمنوا - قالوا لك نؤمن بما انزل علينا: لم تقتلون ان كنتم مؤمنين بما أنزل الله عليكم - انبياءه - وقد حرم عليكم في الكتاب الذي انزل عليكم قتلهم، بل امركم فيه باتباعهم وطاعتهم وتصديقهم. وفي ذلك تكذيب لهم في قولهم نؤمن بما انزل علينا، وتغيير عليهم.
وقوله: " فلم تقتلون " وان كان بلفظ الاستقبال المراد به الماضي، بدلالة قوله: من قبل. وذلك لما مضى، كما قال: " واتبعوا ما تتلوا الشياطين "(1) اي ما تلت.
قال الشاعر:
ولقد امر على اللئيم يسبنى
فمضيت عنه وقلت لا يعنيني(2)
وفي رواية اخرى ثمت.
قلت يريد بقوله ولقد امر بدلالة قوله: فمضيت ولم يقل فأمضى وقال آخر:
واني لاتيكم تشكر ما مضى
من الامر واستيجاب ما كان في غد(3)
---
(1) سورة البقرة آية: 102.
(2) قائله رجل من بني سلول. سيبويه 416. وشرح شواهد المغنى وغيرها كثير. وروايتهم جميعا " ثمت " بدل عنه.
(3) قائله الطرماح بن حكيم الطائي. ديوانه 146. واللسان (كون) وروايته (الاستنجاز) بدل (استيجاب) وكذلك المطبوعة.

(1/348)


تفسير التبيان ج1
يعنى بذلك ما يكون في غد.
قال الحطيئة:
شهد الحطيئة حين يلقى ربه
ان الوليد احق بالعذر(1)
يعني يشهد وقال آخر:
فما أضحى ولا امسيت إلا
اراني منكم في كوفان(2)
فقال: اضحى، ثم قال: ولا امسيت.
ومثله " يحسب ان ماله اخلده "(3) اي يستخلده.
وقال بعض الكوفيين انما قال: " فلم تقتلون انبياء الله من قبل " واراد به الماضي كما يقول القائل - موبخا لغيره، ومكذبا له: لم تكذب، ولم تبغض نفسك إلى الناس.
قال الشاعر:
اذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة
ولم تجدي من ان تقري به بدا(4)
فالجزاء المستقبل، والولادة كلها قد مضت، وجاز ذلك لانه معروف.
وقال قوم: معناه فلم ترضون بقتل انبياء الله إن كنتم مؤمنين.
وقالت فرقة ثانية: فلم تقاتلون انبياء الله فعبر عن القتال بالقتل، لانه يؤول اليه.
قوله تعالى: ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون(92)
آية بلا خوف.
المعنى: " ولقد جاءكم موسى " يعني جاء اليهود موسى " بالبينات " الدالة على صدقه وصحة نبوته. كقلب العصاحية، وانبجاس الماء من الحجر، واليد البيضاء، وفلق البحر، والجراد، والقمل، والضفادع، وغيرها من الآيات. وسماها بينات، لظهورها وتبينها للناظرين اليها انها معجزة لا يقدر على أن يأتي بمثلها بشر. وانما هي جمع بينة مثل طيبة وطيبات.
---
(1) ديوانه 85 وانساب الاشراف 5: 32. من قصيدة قالها في الوليد بن عقبة بن ابي معيط - وكان قد جده عثمان بن عثمان على شرب الخمر.
(2) اللسان (كوف) والكوفان (بتشديد الواو): الاختلاط والشدة والعناء.
(3) سورة الهمزة آية: 3.
(4) قائله زائدة بن صعصعة وقد مر في 1: 289.

(1/349)


تفسير التبيان ج1
وقوله: " ثم اتخذتم العجل من بعده " يعني بعد " موسى " لما فارقهم ومضى إلى ميقات ربه.
ويجوز ان تكون الهاء كناية عن المجيئ.
فيكون التقدير: ثم اتخذتم العجل من بعد مجيئ موسى بالبينات " وانتم ظالمون " كما يقول القائل: جئتني فكرهتك: اي كرهت مجيئك. وليس المراد بثم هاهنا النسق، وانما المراد بها التوبيخ، والتعجب والاستعظام لكفرهم مع ما رأوا من الآيات.
وقوله: " وانتم ظالمون " يعني انكم فعلتم ما فعلتم من عبادة العجل. وليس ذلك لكم، وعبدتم غير الله، وكان ينبغي لكم ان تعبدوا الله، لان العبادة لا تكون لغير الله، فانتم بفعل ذلك ظالمون انفسكم.
قوله تعالى: واذ اخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين(93)
آية بلا خلاف.
المعنى: تقديره واذكروا إذ أخذنا ميثاقكم وعهودكم بان تأخذوا ما آتيناكم من التوراة التي انزلها الله على موسى بجد واجتهاد، ومعناه اقبلوا ما سمعتم، كما قيل سمع الله لمن حمده: اي قبل الله حمده قال الراجز:
بالحمد والطاعة والتسليم
خير واعفى لفتى تميم(1)
فصار تقدير الآية: " واذ اخذنا ميثاقكم " بأن " خذوا ما آتيناكم بقوة " واعملوا بما سمعتم واطيعوا الله " ورفعا فوقكم الطور " من اجل ذلك.
---
(1) قائله رجل من ضبة من بني ضرار يدعى جبير بن الضحاك. تاريخ الطبري 4: 223. في ذكر سنة 55 وروايته (السمع) بدل (بالحمد).

(1/350)


تفسير التبيان ج1
وقوله: " قالوا سمعنا وعصينا " كأن الكلام خرج مخرج الخبر عن الغائب بعد أن كان الابتداء بالخطاب، لما تقدم ذكره من ابتداء الكلام، اذ كان حكاية.
والعرب تخاطب، ثم تعود بعد ذلك إلى الخبر عن الغائب، ثم تخاطب، لان قوله: " واذ اخذنا ميثاقكم " بمعنى قلنا لكم، فأجبتمونا، وقوله: " سمعنا " إخبار من الله تعالى عن اليهود الذين أخذنا ميثاقهم ان يعملوا بما في التوراة، وان يطيعوا الله بما يسمعون منها انهم قالوا حين قيل لهم ذلك: سمعنا قولك، وعصينا أمرك ويحتمل ان يكون ما قالوه لكن فعلوا ما يدل على ذلك، فقام الفعل مقام القول.
كما قال الشاعر:
امتلا الحوض وقال قطني
مهلا رويدا قد ملات بطني(1)
وقوله: " واشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم " فيه وجوه: احدهما - ما قال قتادة وأبوالعالية: واشربوا في قلوبهم حب العجل. يقال أشرب قلبه حب كذا وكذا قال زهير:
فصحوت عنها بعد حب داخل
والحب يثربه فؤداك داء(2)
وقالت اعرابية:
باهلي من عادى ونفسي فداؤه
به هام قلبي منذ حين ولا يدري
هوى اشربته النفس ايام جهلها
ولح عليه القلب في سالف الدهر
وقال السدي: لما رجع موسى إلى قومه اخذ العجل الذي وجدهم عاكفين عليه، فذبحه ثم حرقه بالمبرد، ثم ذراه في اليم فلم يبق بحر يجري يومئذ إلا وقع فيه شئ منه، ثم قال اشربوا فشربوا، فمن كان يحبه خرج على شاربه الذهب.
والاول عليه اكثر محصلي المفسرين وهو الصحيح، لان الماء لا يقال فيه: أشرب منه فلان في قلبه، وانما يقال ذلك: في حب الشئ على ما بيناه، ولكن يترك ذكر الحب اكتفاء بفهم السامع، لمعنى الكلام، اذ كان معلوما ان العجل لا يشربه القلب وان الذي اشرب منه حبه.
---
(1) اللسان (قطط) وروايته (سلا) بدل (مهلا).
(2) ديوانه: 339. وروايته (تشربه) بضم التاء وسكون الشين وكسر الراء.

(1/351)


تفسير التبيان ج1
كما قال " واسأل القرية " وانما اراد اهلها.
كما قال الشاعر:
حسبت بغام راحلتي عناقا
وما هي ويب غيرك بالعناق(1)
يريد بذلك حسبت بغام راحلتي بغام عناق.
وقال طرفه بن العبد:
ألا إنني سقيت اسود حالكا
ألا بجلي من الشراب ألا بجل(2)
يريد بذلك سقيت سما اسود، فاكتفى بذكر (اسود) عن ذكر (السم) لمعرفة السامع بمعنى ما اراد بقوله سقيت اسود.
وقال آخر:
وكيف تواصل من أصبحت
خلالته كأبي مرحب؟(3)
اي كخلالة أبي مرحب وقال آخر: وشر المنايا ميتة وسط اهله(4) اي ميتة ميت.
وقد يقول العرب: اذا سرك ان تنظر إلى السخاء، فانظر إلى هرم(5)، أو إلى حاتم. فيجتزئون بذكر الاسم عن ذكر فعله، للعلم به.
وقوله: " بئسما يأمركم به ايمانكم إن كنتم مؤمنين " معناه قل يا محمد ليهود بني اسرائيل: بئس الشئ يأمركم به ايمانكم إن كان يأمركم بقتل انبياء الله ورسله والتكذيب بكتبه، وجحد ما جاء من عنده.
وقال الازهري: معنى ان كنتم:
---
(1) اللسان (عنق) انشده ابن الاعرابي. لقريظ يصف الذئب وفي اللسان (بغم) نسبه إلى ذي الخرق.
البغام: الصوت من الحيوان الصامت.
العناق: الانثى من المعز، ويب كلمة تقولها العرب للتحقير. بمعنى ويل.
(2) ديوانه: 343 (اشعار الستة الجاهلين)، واللسان (سود) وروايته (شربت) بدل (سقيت) بضم السين وتشديد القاف وضم التاء. ويروى (سالخا) بدل (حالكا) واختلف فيما اراد بقوله (اسود) قيل الماء، وقيل المنية، وقيل اسم. وبجلي حسبي.
(3) قائله النابغة الجعدي: اللسان (خلل).
ابي مرحب: كنية الظل، ويقال هو كنية عرقوب الذي قيل عنه: مواعيد عرقوب اخاه بيثرب انظر 1: 85 فثمت ايضاح كاف.
(4) وعجز البيت: كهلك الفتى قد اسلم الحي حاضره.
(5) في المطبوعة " هرمرا " وهو تحريف وهرم: هو ابن سنان صاحب زهير بن ابي سلمي وحاتم: الطائي المشهور.

(1/352)


تفسير التبيان ج1
اي ما كنتم مؤمنين - نفيا - والاول اجود.
ومعنى ايمانهم: تصديقهم الذي زعموا انهم مصدقون، من كتاب الله اذا قيل لهم آمنوا بما انزل الله قالوا: نؤمن بما أنزل علينا.
وقوله: " ان كنتم مؤمنين " أي ان كنتم مصدقين كما زعمتم، فأخبر ان تصديقهم بالتوراة، انه كان يأمرهم بذلك، فبئس الامر يأمرهم به. وانما ذلك نفي عن التوراة ان يكون يأمر بشئ بما يكرهه الله من افعالهم، واعلاما منه ان الذي تأمرهم به اهواؤهم، وتحمل عليه عداوتهم.
وهذا كما يقول الرجل: بئس الرجل انا إن رضيت بفعلك، او ساعدتك عليه.
والمعنى وأشربوا في قلوبهم حب العجل بكفرهم، اي لالفهم الكفر وثبوتهم فيه، والكفر يدعو بعضه إلى بعض، ويحسن بعضه بعضا.
وليس المعنى في قوله: " واشربوا " ان غيرهم فعل ذلك بهم، بل هم الفاعلون له، كما يقول القائل: أنسيت ذلك من النسيان(3) ليس يريد إلا انك فعلت.
وقولهم: لقد أوتى فلان علما جما - وان كان هو المكتسب له، وإن الجنس الذين قالوا: سمعنا وعصينا غير الذين رفع عليهم الطور بأعيانهم، لكنهم كانوا على منهاجهم، وسبيلهم. فأما أولئك باعيانهم، فانهم آمنوا: إما طوعا، واما كرها. والمعنى في (الباء) المتصلة بالكفر: أنهم كفروا بالله بما اشربوا من محبة العجل. وليس المعنى انهم في ذلك اشربوا حب العجل جزاء على كفرهم، لان محبة العجل كفر قبيح. والله لايفعل الكفر في العبد، لا إبتداء، ولا مجازاة.
---
(1) في المطبوعة والمخطوطة " الست من الشنئان " وهو غلط.

(1/353)


تفسير التبيان ج1
قوله تعالى: قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين(94)
آية واحدة بلا خلاف.
هذه الآية مما احتج الله بتأويلها لنبيه صلى الله عليه وآله على اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجره، وفضح بها احبارهم وعلماءهم، لانه دعاهم إلى قضية عادلة بينه وبينهم، كما كان من الخلف الواقع بينهم.
فقال لفريق من اليهود: ان كنتم صادقين ان الجنة خالصة لكم دون الناس كلهم، او دون محمد واصحابه الذين آمنوا به فتمنوا الموت، لان من اعتقد انه من أهل الجنة قطعا، كان الموت أحب اليه من حياة الدنيا التي فيها النغص، وانواع الآلام، والمشاق، ومفارقتها إلى نعيم خالص يتخلص به من اذى الدنيا.
وقوله: " فتمنوا الموت " - وان كان صورته صورة الامر - المراد به التوبيخ، والزام الحجة.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: لو ان اليهود تمنوا الموت لماتوا، ولرأوا مقاعدهم من النار فقال الله تعالى لهم " ولن يتمنونه ابدا بما قدمت ايديهم " تحقيقا لكذبهم، فقطع على انهم لا يظهرون التمني وفي ذلك اعظم الدلالة على صدقه، لانه اخبر بشئ قبل كونه، فكان كما اخبر، لانه لا خلاف انهم لم يتمنوا. وقيل انهم ما تمنوا، لانهم علموا انهم لو تمنوا الموت، لماتوا - كما قاله - فلذلك لم يتمنوه.
وهذا قول ابن عباس.
وقال غيره: إن الله صرفهم عن اظهار التمني، ليجعل ذلك آية لنبيه صلى الله عليه وآله.
أما التمني فهو قول لما كان: ليته لم يكن، ولما لم يكن ليته كان.
وقال قوم: هو معنى في القلب.
غير انه لا خلاف انه ليس من قبل الشهوة.
فمن قال من المفسرين: انه أراد فتشهوا، فقد اخطأ.
قد روي عن ابن عباس انه قال: فاسألوا الموت. وهذا بعيد،

(1/354)


تفسير التبيان ج1
لان التمني بمعنى السؤال لا يعرف في اللغة.
فان قيل: من اين انهم ما تمنوه بقلوبهم عند من قال: انه معنى في القلب؟ قلنا: لو تمنوه بقلوبهم لاظهروه بألسنتهم حرصا منهم على تكذيبه في إخباره، وجهدا في اطفاء امره.
وهذه القصة شبيهة بقصة المباهلة، وان النبي صلى الله عليه وآله لما دعا النصارى إلى المباهلة امتنعوا لقلة ثقتهم بما هم عليه، وخوفهم من صدق النبي صلى الله عليه وآله. ومعنى " خالصة ": صافية.
يقال خلص لي هذا الامر: اي صار لي وحدي، وصفا لي يخلص خلوصا وخالصة.
والخالصة: مصدر كالعاقبة يقال للرجل هذا خلصاني: اي خالصتي - من دون اصحابي.
قوله تعالى: ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين(95)
آية بلا خلاف.
اخبر الله تعالى عن هؤلاء الذين قيل لهم: " تمنوا الموت ان كنتم صادقين " بانهم لا يتمنون ذلك ابدا. قد بينا ان في ذلك دلالة على صدق النبي صلى الله عليه وآله من حيث تضمنت انهم لا يتمنون ذلك في المستقبل.
وكان كما قال.
وقوله: " ابدا " نصب على الظرف: اي لم يتمنوه ابدا طول عمرهم. كقول القائل: لا أكلمك ابدا،. وانما يريد ما عشت.
وقوله: " بما قدمت ايديهم " معناه بالذي قدمت ايديهم ويحتمل ان يكون المراد بتقدمة ايديهم: فتكون (ما) مع ما بعدها بمنزلة المصدر.
وقوله: " والله عليم بالظالمين " انما خص الظالمين بذلك - وان كان عالما بغيرهم لان الغرض بذلك الزجر، كانه قال: عليم بمجازاة الظالمين. كما يقول القائل لغيره، مهددا له: انا عالم بك بصير بما تعمله.
وقيل: انه عليم بانهم لا يتمنونه ابدا حرصا على الحياة، لان كثيرا منهم يعلم انه مبطل: وهم المعاندون منهم الذين يكتمون الحق وهم يعلمون.

(1/355)


تفسير التبيان ج1
قوله تعالى: ولتجدنهم أحرص الناس على حيوة ومن الذين أشركوا يود احدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون(96)
آية بلا خلاف.
المعنى: قال ابن عباس، وابوالعالية: ومجاهد، والربيع: ان المعنى بقوله احرص الناس على حياة اليهود واحرص من الذين اشركوا وهم المجوس وهم الذين يود احدهم لو يعمر الف سنة وما هو بمزحزحه لانه اذا دعا بعضهم لبعض يقول له: هزار سال بده: اي عشرة الاف سنة واليهود احرص على الحياة منهم " وما هو بمزحزحه " اي بمباعده من العذاب ان يعمر لانه لو عمر ما تمنى لما دفعه طول العمر من عذاب الله تعالى على معاصيه وانما وصف الله اليهود بانهم احرص الناس على حياة لعلمهم بما قد اعد الله لهم في الآخرة على كفرهم، مما لا يقر به اهل الشرك الذين لا يؤمنون بالبعث ويعلمون ما هناك من العذاب. وان المشركين لا يصدقون ببعث ولا عقاب. واليهود احرص منهم على الحياة واكره للموت.
وقوله: " وما هو بمزحزحه من العذاب ان يعمر " يعنى وما التعمير وطول البقاء بمزحزحه من عذاب الله، وهو عماد لطلب (ما) الاسم اكثر من طلبها الفعل كما قال الشاعر: وهل هو مرفوع بما هاهنا راس(1) وان في قوله: " يعمر " رفع بمزحزحه وحسنت الباء في قوله " بمزحزحه "
---
(1) معاني القرآن للفراء 1: 52 صدر البيت: بثوب ودينار وشاة ودرهم وقوله: " بثوب " متعلق بقوله " باع " من البيت المتقدم.
وهو بأن السلامي الذي بضرية
امير الحمى قد باع حقي بني عبس
ومعنى " فهل هو مرفوع بما هاهنا رأس " فهل نجد ناصرا ينصرنا ويأخد لنا حقنا، فترفع رؤسنا وهذه كلمة يقولونها في مثل ذلك.

(1/356)


تفسير التبيان ج1
كما تقول: ما عبدالله بملازمة زيد وهي التي مع (ما) ذكره عماد للفعل، لاستفتاح العرب النكرة قبل المعرفة.
وقال قوم: ان هو التي مع (ما) كناية عن ذكر العمر وجعل ان يعمر مترجما عن هو يريد ما هو بمزحزحه من العذاب ان يعمر: اي وان عمر قال الزجاج: وما هو كناية عن احدهم كانه قال: وما احدهم بمزحزحه من العذاب كانه قال: يود احدهم ان يعمر الف سنة وما ذلك العمر بمزحزحه من العذاب وقوله: " بمزحزحه " اي بمبعده قال الحطيئة:
فقالوا تزحزح لا بنا فضل حاجة
اليك ولامنا لو هيك رافع(1)
يعنى تباعد يقال منه: زحزحه يزحزحه زحزحة وزحزاحا.
فتأويل الآية: وما طول العمر بمبعده من عذاب الله، ولا منجيه منه، لانه لابد للعمر من الفناء فيصير إلى الله تعالى، وقال الفراء: " احرص الناس على حياة، ومن الذين اشركوا " ايضا والله اعلم كقولك هو اسخى الناس. من حاتم ومن هرم(2) لان تأويل قولك: اسخى الناس انما هو اسخى من الناس.
وقوله: " والله بصير بما يعملون " قرئ بالتاء والياء معا: اي لايخفى عليه شئ من اعمالهم، بل هو بجميعها محيط، ولها حافظ حتى يذيقهم بها العذاب ومعنى بصير مبصر عند اهل اللغة وسميع بمعنى مسمع، لكنه صرف إلى فعيل في بصير وسميع، ومثله " عذاب أليم " بمعنى مؤلم " وبديع السموات " بمعنى مبدع.
وعند المتكلمين المبصر: هو المدرك للمبصرات، والبصير هو الحي الذي لاآفة به، لانه يجب ان يبصر المبصرات اذا وجدت. وليس احدهما هو الآخر وكذلك سميع ومسمع.
وقوله: " يود " تقول وددت الرجل أود ودا وودا وودادا وودادة ومودة واود: لايكون ماضيه، الا وددت وقال بعض المفسرين: ان تأويل قوله " لتجدنهم احرص الناس على حياة " اي من الناس اجمع، ثم قال واحرص من الذين اشركوا
---
(1) الاغاني 13: 6 وقد نسب البيت لقيس بن الحدادية من قصيدة طويلة، نفيسة.
(2) في المخطوطة والمطبوعة " هرية " انظر 1: 355.

(1/357)


تفسير التبيان ج1
على وجه التخصيص، لان من لايؤمن بالبعث، والنشور، يكون حرصه على البقاء في الدنيا اكثر ممن يعتقد الثواب، والعقاب.
فان قيل: أليس نجد كثيرا من المسلمين يحرصون على الحياة، ويكرهون الموت؟ فكيف تدل هذه الآية على ان اليهود لم يكونوا على ثقة مما كانوا يدعونه من انهم اولى به من المسلمين - مع ان المسلمين يشاركونهم في الحرص على الحياة - وهم على يقين من الآخرة، وما فيها من الثواب، والعقاب؟ قيل: ان المسلمين لا يدعون أن الدار الآخرة لهم خالصة، ولا انهم احباء الله، ولا انهم من اهل الجنة قطعا، كما كانت اليهود تدعي ذلك، بل هم مشفقون من ذنوبهم، يخافون أن يعذبوا عليها في النار، فلهذا يشفقون من الموت، ويحبون الحياة، ليتوبوا من ذنوبهم التي يخافون ان يعذبوا عليها في النار، فلهذا يشفقون من الموت ويحبون الحياة ليتوبوا من ذنوبهم، ويصلحوا اعمالهم. ومن كان على يقين مما يصير اليه، لم يؤثر الحياة على الموت.
كما روي عن علي (ع) انه قال: لا ابالي سقط الموت علي او سقطت على الموت، وقال: اللهم سئمتهم، وسئموني: فابدلني بهم خيرا منهم، وابدلهم بي شرا مني.
وقوله: اللهم عجل الي الراحة، وعجل لهم الشقوة.
وكما روي عن عمار (ره) انه قال يوم صفين: القى الا حبة: محمدا وصحبه.
وكما قال حذيفة عند الموت: حبيب جاء على فاقة لا افلح من ندم.
قوله تعالى: قل من كان عدوا لجبريل فانه نزله على قلبك باذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين(97)
آية واحدة بلا خلاف.
القراءة: قرأ ابن كثير: (جبريل) بفتح الجيم وكسر الراء وبعدها ياء ساكنة من غير همزة مكسورة.
وقرأ حمزة والكسائي وخلف وابوبكر إلا يحيى: بفتح الجيم والراء بعدها همزة مكسورة بعدها ياء ساكنة على وزن (جبرعيل).

(1/358)


تفسير التبيان ج1
وروى يحيى كذلك إلا انه حذف بعده الهمزة فيصير (جبريل).
الباقون بكسر الجيم والراء، وبعدها ياء ساكنة من غير همز.
وقرأ اهل البصرة (ميكال) بغير همز، ولا ياء.
وقرأ اهل المدينة بهمزة مكسورة بعد الالف.
مثل (ميكاعل) الباقون باثبات ياء ساكنة بعد الهمزة على وزن (ميكاعيل).
اللغة: قال ابوالحسن الاخفش: في (جبريل) ست لغات: جبرائيل، وجبرئيل، وجبرال، وجبريل، وجبرال، وجبريل.
وحكى الزجاج بالنون ايضا بدل اللام، وهي لغة بني أسد. وبتشديد اللام.
النزول: اجمع اهل التأويل على ان هذه الآية نزلت جوابا لليهود - حين زعموا أن جبريل عدو لهم، وان ميكال ولي لهم - لما أخبروا ان جبريل هو الذي نزل على محمد صلى الله عليه وآله - قالوا: جبريل عدو لنا، ياتي بالحرب والجدب. وميكائيل ياتي بالسلام والخصب: فقال الله تعالى: " قل من كان عدوا لجبريل " اذ كان هو المنزل الكتاب عليه، فانه انما أنزله على قلبه باذن الله، لا من تلقاء نفسه، وانما انزل لما هو مصدق بين يديه من الكتب التي في ايديهم، لامكذبا لها، وانه وإن كان فيما أنزل الامر في الحرب، والشدة على الكافرين. فانه هدى وبشرى للمؤمنين.
المعنى: وقوله: " على قلبك " ولم يقل على قلبي. كقولك للذي تخاطبه: لاتقل للقوم إن الخبر عندك، ويجوز ان تقول: لا تقل: ان الخبر عندي.
وكما تقول: قال القوم: جبرائيل عدونا، ويجوز ان تقول: قالوا: جبرائيل عدوهم. ولاينبغي أن يستنكر أحد أن اليهود يقولون: إن جبرائيل عدونا، لان الجهل في هؤلاء أكثر من ان يحصى. وهم الذين اخبر الله عنهم بعد مشاهدة فلق البحر، والمعجزات

(1/359)


تفسير التبيان ج1
الباهرة " اجعل لنا إلها كما لهم آلهة "(1) وقالوا: " ارنا الله جهرة:(2) مثل ذلك طائفة من النصارى تعادي سليمان فلا تذكره ولا تعظمه، ولا نفر نبوته.
والاعراب: وجبرائيل، وميكائيل: اسمان اعجميان أعربا.
وقيل: ان جبر عبد وايل الله مثل عبدالله(3).
وضعف ذلك ابوعلي الفارسي من وجهين: احدهما - ان ايل لا يعرف في اسماء الله في لغة العرب. والثاني - انه لو كان كذلك لاعراب آخر الكلمة. كما فعل ذلك في سائر الاسماء المضافة: والامر بخلافه.
سبب النزول: وكان سبب نزول هذه الآية ما روي أن صوريا، وجماعة من يهود اهل فدك، لما قدم النبي صلى الله عليه وآله المدينة سألوه، فقالوا: يا محمد كيف نومك، فقد اخبرنا عن نوم النبي الذي يأتي في اخر الزمان؟ فقال: تنام عيناي وقلبي يقظان.
فقالوا: صدقت يا محمد، فاخبرنا عن الولد يكون من الرجل او من المرأة؟ فقال: اما العظام والعصب والعروق، فمن الرجل، واما اللحم والدم والظفر والشعر: فمن المرأة.
قالوا: صدقت يا محمد، فما بال الولد يشبه اعمامه، ليس فيه من شبه اخواله شئ، او يشبه اخواله ليس فيه من شبه اعمامه شئ؟ فقال: ايهما علا ماؤه كان الشبه له.
قالوا: صدقت يا محمد، فاخبرنا عن ربك ما هو؟ فانزل الله تعالى: " قل هو الله احد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد "(4).
فقال ابن صوريا: خصلة واحدة إن قلتها آمنت بك، واتبعتك، اي ملك يأتيك بما ينزل الله لك، قال: جبريل.
قالوا: ذلك عدونا ينزل بالقتال والشدة والحرب، وميكائيل ينزل باليسر والرخاء، فلو كان ميكائيل هو الذي يأتيك: آمنا بك.
فأنزل الله عزوجل هذه الآية.
---
(1) سورة الاعراف آية: 137.
(2) سورة النساء آية: 102.
(3) في المخطوطة والمطبوعة واو زائدة قبل " مثل ".
(4) سورة الاخلاص بأجمعها.

(1/360)


تفسير التبيان ج1
المعنى: وقوله: " مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين " يعني القرآن. ونصب مصدقا على الحال. والهاء في قوله: " نزله على قلبك " يا محمد " مصدقا لما بين يديه " يعني القرآن، ويعني مصدقا لما سلف من كتب الله امامه التي انزلها على رسله، وتصديقا لها: موافقة لمعانيها في الامر باتباع النبي صلى الله عليه وآله، وما جاء به من عند الله.
وانما اضافه " هدى وبشرى للمؤمنين " من حيث كانوا المهتدين به، والعالمين العاملين به - على ما بيناه فيما مضى -.
قوله تعالى: من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فان الله عدو للكافرين(98)
آية.
وقد بينا اختلاف القراء في جبريل وميكائيل - وان كانا من جملة الملائكة - فانما افراد بالذكر، لاجل امرين:
أحدهما - ذكرا لفضلهما ومنزلتهما.
كما قال: " فيهما فاكهة ونخل ورمان "(1) ولما تقدم من فضلهما، وان الآية نزلت فيهما، وفيما جرى من ذكرهما.
والثاني - ان اليهود لما قالت: جبريل عدونا، وميكال ولينا، خصا بالذكر، لئلا يزعم اليهود ان جبريل وميكال مخصوصان من جملة الملئكة، وغير داخلين في جملتهم، فنص الله تعالى عليهما، لا بطال ما يتأولونه من التخصيص.
ثم قال: " فان الله عدو للكافرين " ولم يقل فانه، فكرر اسم الله لئلا يظن ان الكناية راجعة إلى جبرائيل، او ميكائيل. ولم يقل (لهم) لانه يجوز ان ينتقلوا عن العداوة بالايمان.
وفي هذه الآية دلالة على خطأ من قال من المجبرة: ان الامر ليس بمحدث احتجاجا بقوله: " ألاله الخلق والامر "(2) قالوا: فلما افرد الامر بالذكر بعد ذكره الخلق ؟ على ان الامر ليس بمخلوق. ولو كان الامر على ما قالوه، لوجب ان لا يكون جبريل
---
(1) سورة الرحمان آية: 68.
(2) سورة الاعراف آية: 53.

(1/361)


تفسير التبيان ج1
وميكائيل من الملائكة. ونظير ذلك أيضا قوله: " واذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح "(1).
قوله تعالى: ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون(99)
آية بلا خلاف.
المعنى: معنى الآيات يحتمل امرين: احدهما - ذكره البلخي وجماعة من أهل العلم يعني سائر الآيات المعجزات التي اعطاها الله النبي صلى الله عليه وآله من الآيات: القرآن، وما فيه، وغير ذلك من الدلالات وقال بعضهم: هو الاخبار عما غمض مما في كتب الله السالفة من التوراة، والانجيل، وغيرهما.
وقال ابن عباس: ان ابن صوريا القطراني قال لرسول الله صلى الله عليه وآله: يا محمد ما جئتنا بشئ نعرفه، وما انزل عليك من آية بينة فنتبعك لها. فانزل الله في ذلك " ولقد أنزلنا اليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون " فان قال بعض اليهود: انتم مقرون باياتنا ونحن نجحد بآياتكم، فحجتنا لازمة لكم لانها مردودة إلى ما تعرفونه(2)؟ قيل لهم فيجب على هذا ألا يكون لكم حجة على الدهرية والبراهمة والثنوية، لانهم لا يعترفون باياتكم.
وانما قال: " وما يكفر بها الا الفاسقون " ولم يقل الكافرون وان كان الكفر اعظم من الفسق، لاحد امرين:
الاول - انه عنى الخارجين عن اديانهم، وان اظهروا انهم يتمسكون بها، لان اليهود قد خرجت بالكفر بالنبي صلى الله عليه وآله من شريعة موسى. الفسق هو الخروج عن امر الله إلى ما يعظم من معصيته.
والثاني - انه اراد الفاسقين المتمردين في كفرهم، لان الفسق لا يكون الا اعظم الكبائر فان كان في الكفر، فهو اعظم الكفر، وان كان فيما دون الكفر، فهو
---
(1) سورة الاعراف: 33.
(2) في المطبوعة (تعرفون).

(1/362)


تفسير التبيان ج1
أعظم المعاصي.
هذا يجيئ على مذهب الحسن، لانه ذكر ان الفاسقين: عني به جميع من كفر بها، وقد يدخل في هذا الكلام احد امرين: احدهما - لقوم يتوقعون الخبر او لقرب(1) الماضي من الحال.
تقول: قد ركب الامير، وجاء زيد، وقد عزم على الخروج، إي عازما عليه، وهي هاهنا مع لام القسم على هذا تقديره قوم يتوقعون الخبر، لان الكلام اذا أخرج ذلك المخرج كان أوكد وابلغ، والآية هي العلامة التي فيها عبرة.
وقيل العلامة هي الحجة. والبينة الدلالة الفاصلة بين القضية الصادقة والكاذبة ماخوذة من ابانه احد الشيئين عن الاخر فيزول التباسه به.
---
(1) في المطبوعة " الخبر وليقرب ".

(1/363)


تفسير التبيان ج1
الآية: 100 - 109
قوله تعالى: أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل اكثرهم لا يؤمنون(100)
آية واحدة.
الاعراب: الواو في قوله " او كلما " عند سيبويه واكثر النحويين واو العطف. الا ان الف الاستفهام دخلت عليها، لان لها صدر الكلام، وهي او الاستفهام بدلالة ان الواو يدخل على هل، لان الالف اقوى منها.
قال الزجاج وغيره تقول: وهل زيد عاقل، ولا يجوز وأزيد عاقل.
وقال بعضهم يحتمل ان تكون زائدة. كزيادة الفاء في قولك: أفالله لتصنعن.
والاول - اصح لانه لا يحكم بالزيادة مع وجود معنى من غير ضرورة، والعطف على قوله: " خذوا ما اتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا "(1) او كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم " وانما اتصل ذكر العهد بما قبله لاحد امرين: احدهما - بقوله: " واذ اخذنا ميثاقكم ".
والثاني - انهم كفروا ينقض العهد كما كفروا بالآيات.
---
(1) سورة البقرة آية: 93.

(1/364)


تفسير التبيان ج1
المعنى: والمراد بالعهد هاهنا: الميثاق الذي اخذه الله ليؤمنن بالنبي الامي - على قول ابن عباس - وقال ابوعلي: المعني به العهود التي كانت اليهود اعطوها من انفسهم - في ايام انبيائهم، وفي ايام نبينا محمد صلى الله عليه وآله، لانهم كانوا عاهدوه انهم لا يعينوا عليه احدا فنقضوا ذلك واعانوا عليه قريشا يوم الخندق.
اللغة: وقوله: " نبذه " النبذ والطرح والالقاء نظائر.
قال صاحب العين: والنبذ طرحك الشئ عن يدك امامك، او خلفك.
والمنابذة: انتباذ الفريقين للحرب.
تقول نبذنا إليهم على سواء: اي نابذناهم الحرب.
والمنبوذون هم الاولاد الذين يطرحون - والنبيذ معروف - والفعل نبذت لي، ولغيري، وانبذت: خاصة لنفسي.
والمنابذة في البيع منهي عنها وهي كالرمي، كأنه اذا رمى اليه. وجب له، وسمي النبيذ: نبيذا، لان التمر كان يلقى في الجرة وغيرها(1). وهي فعيل بمعنى مفعول. واصاب الارض نبذة من المطر: اي قليل.
المعنى: قال قتادة: معنى نبذه في الآية: نقضه، وقيل: تركه وقيل ألقاه، والمعنى متقارب - قال ابوالاسود الدؤلي:
نظرت إلى عنوانه فنبذته
كنبذك نعلا اخلقت من نعالكا(2)
وقوله: " بل اكثرهم " الهاء، والميم عائدتان على المعاهدين، ولا يصلح على الفريق اذ كانوا كلهم غير مؤمنين.
واما المعاهدون: فمنهم من آمن كعبد الله
---
(1) في المطبوعة والمخطوطة " في الجر وغيره ".
(2) ديوانه: 11. من ابيات كتب بها إلى صديقه الحصين بن الحر، وهو وال على ميسان. وكان كتب اليه في امر يهمه فشغل عنه -.
وقيل البيت.
وخبرني من كنت ارسلت انما
اخذت كتابي معرضا بشمالكا.

(1/365)


تفسير التبيان ج1
ابن سلام، وكعب الاحبار وغيرهما. وانما دخلت بل على قوله: " اكثرهم لا يؤمنون "، لامرين:
احدهما - انه لما قال: " نبذه فريق منهم " دل على انه كفر ذلك الفريق بالنقض، وحسن هذا التفصيل، لان منهم من نقض عنادا. ومنهم من نقض جهلا.
والوجه الثاني - كفر فريق منهم بالنقض، وكفر اكثرهم بالجحد للحق، وهو امر النبي " ص " وما يلزم من اتباعه، والتصديق به.
وقيل بل يعني ان الفريق وان كانوا هم المعاندون، والجميع كافرون. كما تقول: زيد كريم بل قومه جميع كرام.
وقوله: " او كلما " نصب على الظرف، والعامل فيه نبذ، ولا يجوز ان يعمل فيه عاهدوا، لانه متمم (لما): اما صلة، واما صفة.
قوله تعالى: ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون(101)
آية.
المعنى: قال السدي واكثر المفسرين: المعني بالرسول محمد " ص ". وقال بعضهم يجوز أن يعنى به هاهنا الرسالة.
كما قال كثير:
فقد كذب الواشون ما بحت عندهم
بليلى ولا ارسلتهم برسول(1)
وهذا ضعيف، لانه خلاف الظاهر، قليل الاستعمال. والكتاب يحتمل ان يراد به التوراة. ويحتمل ان يراد به القرآن.
قال السدي: نبذوا التوراة، واخذوا بكتاب اصف، وسحر هاروت وماروت: يعني انهم تركوا ما تدل عليه التوراة من صفة النبي " ص ".
وقال قتاده وجماعة من اهل العلم: إن ذلك الفريق كانوا معاندين.
---
(1) اللسان " رسل " وقد جاء على وجهين احدهما - " برسيل " بدل " برسول " والثاني - " بسر " بدل " بليلى " وفي كليهما " لقد " بدل " فقد ".

(1/366)


تفسير التبيان ج1
وقال ابوعلي: لا يجوز على جماعتهم ان يكتموا ماعلموا مع كثرة عدوهم، واختلاف هممهم، لانه خلاف العادة، ولكن يجوز على الجمع الكثير ان يتواطوا على الكتمان، ولذلك قال: " فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله ".
وقوله: " مصدق لما معهم " يحتمل أمرين: احدهما - مصدق لما معهم، لانه جاء على الصفة التي تقدمت بها البشارة. والثاني - انه مصدق بالتوراة انها حق من عند الله - والاول احسن، - لان فيه حجة عليهم، وعبرة لهم.
وقال الحسن: " مصدق لما معهم " من التوراة، والانجيل.
وقال غيره: يصدق بالتوراة، لان الاخبار هاهنا عن اليهود دون النصارى.
وانما قال: " نبذ فريق منهم من الذين أوتو الكتاب " ولم يقل منهم، اذ تقدم ذكرهم، لاحد امرين: احدهما - انه لما اريد علماء اهل الكتاب، اعيد ذكرهم لاختلاف المعنى - على قول البلخي. والثاني - انه للبيان.
وكان يجوز النصب في مصدق، لان كتابا قد وصف، لانه من عند الله - على ما قاله الزجاج وقوله: " كأنهم لا يعلمون " فمعناه انهم يعلمون وكأنهم لكفرهم وكتمانهم لايعلمون.
قوله تعالى: واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا باذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق ولبئس ما اشتروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون(102)
آية بلا خلاف.

(1/367)


تفسير التبيان ج1
القراءة: قرأ ابن عامر، وحمزة،، والكسائي، وخلف: " ولكن الشياطين " " ولكن الله قتلهم "(1) " ولكن الله رمى "(2) بتخفيف النون من (لكن) وكسرها في الوصل، ورفع الاسم بعدها. الباقون بالتشديد. وروي تثنية (الملكين) بكسر اللام، هاهنا حسب.
المعنى: واختلفوا في المعني بقوله " واتبعوا " على ثلاثة اقوال: فقال ابن جريج، وابواسحاق: المراد به اليهود الذين كانوا في زمن النبي " ص " وقال الجبائي: المراد به اليهود الذين كانوا في زمن سليمان.
وقال قوم: المراد به الجميع وهو قول المتأخرين، قال:، لان مبتغي السحر من اليهود لم يزالوا منذ عهد سليمان إلى ان بعث محمد " ص ".
وروي عن الربيع: أن اليهود سألوا محمدا " ص " زمانا عن امور من التوراة - لايسألونه عن شئ من ذلك إلا انزل الله عليه ما سألوا عنه - فيخبرهم، فلما رأوا ذلك قالوا: هذا أعلم بما انزل علينا منا وانهم سألوه عن السحر، وخاصموه به، فأنزل الله عزوجل " واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان " ومعنى " تتلوا " قال ابن عباس: تتبع، لان التالي تابع.
وقال بعضهم: يدعى - وليس بمعروف - وقال قتادة، وعطا: معناه تقرأ من تلوت كتاب الله: اي قراته.
وقال تعالى: " هنالك تتلو كل نفس ما اسلفت "(3) اي تتبع وقال حسان بن ثابت:
بني يرى مالا يرى الناس حوله
ويتلو كتاب الله في كل مشهد(4)
---
(1، 2) سورة الانفال آية 17.
(3) سورة يونس: آية 30.
(4) قائله حسان بن ثابت. ديوانه: 88. من ابيات قالها في خبرام معبد حن خرج رسول الله " ص " مهاجرا إلى المدينة وروايته " مسجد " بدل " مشهد ".

(1/368)


تفسير التبيان ج1
والذي تتلوه هو السحر - على قول ابن اسحاق، وغيره من اهل العلم: - وقال بعضهم: الكذب.
ومعنى قوله: " على ملك سليمان " على عهد سليمان.
قال ابن اسحاق وابن جريج: في ملك سليمان حين كان حيا.
وهو قول المبرد وقال قوم: إنما قال تتلو " على ملك " لانهم كذبوا عليه بعد وفاته كما قال: " ويقولون على الله الكذب "(1) وقال: " أتقولون على الله ما لاتعلمون "(2) وقال الشاعر:
عرضت نصيحة من ليحيى
فقال غششتني والنصح مر
ومابي ان اكون اعيب يحيى
ويحيى طاهر الاخلاق بر
ولكن قد اتاني ان يحيى
يقال عليه في نفعاء شر
فاذا صدق، قيل: تلا عنه. واذا كذب، قيل تلا عليه، واذا أبهم، جاز فيه الامران.
قوله: " الشياطين " قال قوم: هم شياطين الجن، لان ذلك هو المستفاد من اطلاق هذه اللفظة.
وقال بعضهم: المراد به الشياطين الانس المتمردة في الضلالة.
كما قال جرير:
ايام يدعونني الشيطان من غزلي
وكن يهوينني اذ كنت شيطانا
وقوله: " وما كفر سليمان " وإن لم يجر لذلك ذكر، يكون هذا تكذيبا له. فمعناه ان اليهود اضافوا إلى سليمان السحر، وزعموا ان ملكه كان به، فبرأه الله مما قالوا.
وهو قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة.
وقال ابن اسحاق: قال بعض أحبار اليهود: ألا تعجبون من محمد " ص " يزعم أن سليمان كان نبيا، والله ما كان إلا ساحرا فانزل الله تعالى: " وما كفر سليمان " وقيل: تقدير الكلام واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان من السحر، فتضيفه إلى سليمان.
وما كفر سليمان. لان السحر لما كان كفرا، نفى الله تعالى عنه ذلك على المعنى - وان كانوا لم يضيفوا اليه كفرا - والسبب الذي لاجله اضافت اليهود إلى سليمان السحر، ان سليمان جمع كتب السحر تحت كرسيه. وقيل في خزائنه، لئلا يعمل به فلما مات
---
(1) سورة آل عمران: آية 75، 78.
(2) سورة الاعراف آية: 27، سورة يونس آية: 68.

(1/369)


تفسير التبيان ج1
وظهر عليه قالت الشياطين: بهذا كان يتم ملكه، وشاع في اليهود وقبلوه، لعداوتهم لسليمان. وقيل انهم وضعوا كتاب السحر بعد سليمان واضافوه اليه وقالوا: بهذا كان يتم له مكان فيه، فكذبهم الله تعالى في ذلك، ونفى عنه ذلك.
اللغة: والسحر والكهانة والحيلة نظائر.
يقال سحره يسحره سحرا، واسحرنا اسحارا، وسحره تسحيرا.
قال صاحب العين: السحر عمل يقرب إلى الشيطان. كل ذلك يكتبونه السحر.
ومن السحر الاخذة التي تأخذ العين حتى يظن ان الامر كما ترى - وليس الامر كما ترى - والجمع الاخذ.
والسحر البيان من اللفظ كما قال النبي " ص ": ان من البيان لسحرا، والسحر فعل السحر في شئ يلعب به الصبيان اذا مد خرج على لون، فاذا مد من جانب آخر خرج على لون آخر يسمى السحارة والسحر العدو قال لبيد:
ارانا موضعين لامر غيب
ونسحر بالطعام وبالشراب(1)
وقال آخر:
فان تسلينامم نحن فاننا
عصافير من هذا الانام المسحر(2)
وقوله: " انما انت من المسحرين "(3) يعنى من المخلوقين. وفي تمييز العربية هو المخلوق الذي يطعم، ويسقى، والسحر اخر الليل. بالتنوين.
قال الطرماح:
بان الخليط بسحرة فتبددوا
والدار تشعب بالخليط وتبعد(4)
---
(1) اللسان (سحر) وقد نسبه لامرئ القيس. والبيت الذي يليه:
عصافير وذبان ودود
واجرأ من مجلحة الذئاب
والسحر: الغذاء. وموضعين: مسرعين لامر غيب: يريد الموت.
(2) اللسان (سحر) قائله لبيد. وروايته (تسألينا فيما) بدل (تسلينامم).
والسحر هنا: يحتمل احد امرين: الخديعة، والغذاء.
(3) سورة الشعراء: آية 153، 185.
(4) اللسان " خلط " ذكر الصدر فقط. الخليط: القوم الذين امرهم واحد والجمع خلطاء، وخلط.

(1/370)


تفسير التبيان ج1
وتسحرنا اكلنا سحورا، واسحرنا كقولك اصبحنا. والسحر الرئة مخفف، وما يتعلق بالحلقوم.
ويقال للجبان اذا جبن انتفخ مسحره واستحر الطائر اذا غلبه بسحر. واصل الباب الخفاء، والسحر قيل: الخفاء سببه توهم قلب الشئ عن حقيقته كفعل السحرة في وقت موسى - لما اوهموا ان العصا والحبال صارت حيوانا - فقال: " يخيل اليه من سحرهم انها تسعى "(1).
وقوله: " لكن الشياطين كفروا " قيل فيه ثلاثة اقوال:
احدها - انهم كفروا بما نسبوه إلى سليمان من السحر.
والثاني - انهم كفروا بما استخرجوه من السحر.
والثالث - معناه ولكن الشياطين سحروا فعبر عن السحر بالكفر.
وقوله: " يعلمون الناس السحر " قيل فيه قولان: احدهما - انهم القوا السحر اليهم فتعلموه. والثاني - (انهم دلوه على استخراجه من تحت الكرسي فتعلموه)(2)
وقوله: " وما انزل على الملكين "
قال ابن عباس وقتادة وابن زيد والسدي: ان (ما) بمعنى الذي.
وقال الربيع في احدى الروايتين عن ابن عباس: انها بمعنى الجحد.
وروي عن القاسم بن محمد: انها تحتمل الامرين. وموضع (ما) نصب لفظها على السحر، وقيل انها عطف على (ما) في قوله: " ماتتلو الشياطين " وقال بعضهم: موضعها جر عطف على ملك سليمان، وعلى ما انزل.
ومن قرأ بكسر اللام في الملكين قال: هما من ملوك بابل، وعلوجها.(3)
وهو قول ابي الاسود الدؤلي، والربيع، والضحاك، وبه قرأ الحسن البصري، ورواها عن ابن عباس، واختلف
---
(1) سورة (طه) آية: 66.
(2) ما بين القوسين من مجمع البيان، لان الشيخ ذكر قولين، ولا يوجد في المخطوطة وفي المطبوعة الاقول واحد.
(3) العلوج، جمع علج، ويجمع ايضا على اعلاج ومعلوجي، ومعلوجاء وهو الرجل الشديد من كفار العجم.
ومنهم من يطلقه على عموم الكافر.

(1/371)


تفسير التبيان ج1
من قال بهذا فقال قوم: كانا مؤمنين، ولذلك نهيا عن الكفر.
وقال قوم: انهما كانا نبيين من انبياء الله.
ومن قرأ بالفتح.
قال قوم منهم: كانا ملكين وقال آخرون: كانا شيطانين.
وقال قوم: هما جبريل وميكائيل خاصة.
واختلفوا في بابل فقال قوم: هي بابل العراق، لانها تبلبل بها الالسن: وروي ذلك عن عائشة وابن مسعود.
وقيل: بابل دماوند.
ذكره السدي.
وقال قتادة: هي من نصيبين إلى رأس العين: وقال الحسن ان الملكين ببابل الكوفة إلى يوم القيامة، وان من اتاهما سمع كلامهما. ولا يراهما وبابل بلد لا ينصرف.
وقيل في معنى السحر اربعة اقوال:
احدها - انه خدع ومخاريق، وتمويهات لا حقيقة لها يخيل إلى المسحور أن لها حقيقة.
والثاني - انه اخذ بالعين على وجه الحيلة.
والثالث - انه قلب الحيوان من صورة إلى صورة، وانشاء الاجسام على وجه الاختراع فيمكن الساحر ان يقلب الانسان حمارا وينشئ اجساما.
والرابع - انه ضرب من خدمة الجن كالذي يمسك له التجدل فيصرع، واقرب الاقوال الاول، لان كل شئ خرج عن العادة الخارقة، فانه لا يجوز أن يتأتى من الساحر.
ومن جوز للساحر شيئا من هذا، فقد كفر لانه لا يمكنه مع ذلك العلم بصحة المعجزات الدالة على النبوات، لانه اجاز مثله من جهة الحيلة والسحر.
وقوله: " وما يعلمان من احد حتى يقولا انما نحن فتنة فلا تكفر " يتصل قوله: " فلا تكفر " باحد ثلاثة أشياء: احدها - فلا تكفر بالعمل بالسحر والثاني - فلاتكفر بتعلم السحر ويكون مما امتحن الله عزوجل به كما امتحن بالنهر في قوله: " فمن شرب منه فليس منى " وثالثها(1) - فلا تكفر بواحد منهما للتعلم للسحر والعمل به فان قيل كيف يجوز ان يعلم الملكان السحر؟ قيل يعلمان ماالسحر وكيف الاحتيال به، ليجتنب، ولئلا يتموه على الناس انه من جنس المعجزات التي تظهر على يد
---
(1) سورة البقرة آية: 249.

(1/372)


تفسير التبيان ج1
الانبياء فيبطل الاستدلال بها.
وقال جماعة من المفسرين منهم: ابوعلي وغيره انزلهما الله من السماء وجعلهما بهيئة الانس، حتى بينا للناس بطلان السحر.
وقال الحسن وقتادة: اخذ عليهما ألا يعلماه " حتى يقولا: انما نحن فتنة فلا تكفر ".
وقوله: " وما يعلمان من احد حتى يقولا انما نحن فتنة فلا تكفر " على قول من جعل ما جحدا.
وقوله: " وما انزل على الملكين " يحتمل ان يكون ذلك من قول هاروت وماروت وليسا ملكين.
كما يقول الغاوي الخليع لنا انك في ضلال فلا ترد ما انا فيه، فيقر بالذنب وهو يأتيه.
والتقدير على هذا: " ولكن الشياطين كفروا " هاروت وماروت.
فمن قرأ الملكين بفتح اللام - وهو قراءة الجمهور، اختلفوا فمنهم من قال: ان سحرة اليهود زعموا ان الله انزل السحر على لسان جبريل، وميكايل إلى سليمان، فاكذبهم الله بذلك وفي الكلام تقديم وتأخير، فتقديره وما كفر سليمان وما انز على الملكين، ولكن الشياطين كفروا. يعلمان الناس السحر. ببابل هاروت وماروت - وهما رجلان ببابل غير الملكين اسم احدهما - هاروت والآخر ماروت، ويكون هاروت وماروت بيانا عن الناس.
وقال قوم: ان هاروت وماروت ملكان من الملائكة. واختلفوا في سبب هبوطهما - على قولين.
فقال قوم: ان الله اهبطهما ليامرا بالدين، وينهيا عن السحر، لان السحر كان كثيرا في ذلك الوقت، ثم اختلفوا فقال قوم: كانا يعلمان الناس كيفية السحر وينهيانهم عن فعله، ليكون النهي بعد العلم به، لان من لا يعرف الشئ فلا يمكنه اجتنابه.
وقال قوم آخرون: لم يكن للملكين تعليم السحر، ولا اظهاره، لما في تعليمه من الاغراء بفعله. والثالث هبطا لمجرد النهي - اذ كان السحر فاشيا -.
وقال قوم: كان سبب هبوطهما ان الملائكة تعجبت من معاصي بني آدم مع كثرة نعم الله عليهم، فقال لهم: اما لو كنتم مكانهم لعملتم مثل اعمالهم، فقالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا، فامرهم ان يختاروا ملكين ليهبطا إلى الارض فاختاروا هاروت و ماروت، فاهبطا إلى الارض، وركب فيهما شهوة الطعام والشراب والنكاح،

(1/373)


تفسير التبيان ج1
واحل لهما كل شئ بشرط الا يشركا بالله ولا يشربا الخمر ولا يزنيا، ولا يقتلا النفس التي حرم الله فعرضت لهما امرأة للحكومة فمالا اليها، فقالت لهما لا اجيبكما حتى تعبدا صنما وتشربا الخمر، وتقتلا النفس، فعبدا الصنم وواقعاها، وقتلا سائلا مر بهما خوفا ان يشهر امرهما في حديث طويل، لافائدة في ذكره.
قال كعب فو الله ما امسيا من يومهما الذي اهبطا فيه حتى استكملا جميع ما نهيا عنه فتعجبت الملائكة من ذلك ثم لم يقدر هاروت وماروت على الصعود إلى السماء وكانا يعلمان الناس السحر ومن قال: بعصمة الملائكة، لم يجز هذا الوجه.
وقال قوم من اهل التأويل: ان ذلك على عهد ادريس.
وانما قوله: " انما نحن فتنة ".
اللغة: فالامتحان والفتنة والاختبار نظائر. يقال فتنه فتنة وافتتن افتتانا.
وقال ابو العباس، فتن الرجل وأفتن(1) بمعنى اختبر.
وتقول: فتنت الرجل، وافتنته.
ولغة قريش: فتنته قال الله تعالى: " وفتناك فتونا "(2) وقال " ولقد فتنا سليمان "(3)، وقال اعشى همدان:
لئن فتنتنى فهي بالامس افتنت
سعيدا فأمسى قد قلا كل مسلم(4)
فجاء باللغتين.
وقوله تعالى: " فظن داود أنما فتناه "(5) اي اختبرناه.
ويقال فتنت الذهب في النار: اذا اختبرته فيها، لتعلم اخالص هوام مشوب. فقيل - لكل ما أحميته في النار: - فتنته. وتقول فتنت الخبزة في النار: اذا أنضجتها. ومثله يقال في اللحم. قوله: " والفتنة أشد من القتل "(6) اي الكفر أشد
---
(1) في المطبوعة والمخطوطة (فتن) باسقاط الالف.
(2) سورة طه آية: 40.
(3) سورة ص آية: 34.
(4) اللسان (فتن) وروايته (لهي) بد (فهي) قال ابن بري: قال بن جني ويقال هذا البيت لابن قيس.
والبيت الذي يليه:
والقى مصابيح القراءة واشترى
وصال الغواني بالكتاب المتمم
فقال سعيد: كذبتن كذبتن. وفي مجمع البيان (لقد) بدل (لئن) (وهي) بدل (فهي).
(5) سورة: ص آية 24.
(6) سورة البقرة: آية 191.

(1/374)


تفسير التبيان ج1
من القتل. والفتن في الدين والحروب وقولهم: فتنة السوط أشد من فتنة السيف، ومعناه اختبار السوط أشد لان فيه تغذيبا متطاولا.
وقوله: " يوم هم على النار يفتنون "(1) اي يشوون.
ومن قولك فتنت الخبز والمعنى الصحيح انهم يعذبون بكفرهم.
يقال فتن الكافر، العذاب وافتنته اي جزاه بفتنته.
كقولك: كذب واكذبته. كل من صبأ فقد فتن.
وقوله: " بايكم المفتون "(2) قال الاخفش: معناه الفتنة: فهو مصدر، كقولك: رجل ليس له معقول، وخذ ميسوره ودع معسوره.
وابى ذلك سيبويه. وقال: خذ ميسوره اي ما تيسر له. وليس له مرفوع: اي ما يرفع.
قال صاحب العين: فتن فلان فتونا فهو فاتن: اي مفتن.
وقوله: " وما انتم عليه بفاتنين "(3) اي مضلين - عن الحسن ومجاهد. - وأصل الباب الاختبار.
ومعناه في الآية: انما نحن اختبار وبلوى وامتحان، فلا تكفر.
وقال قتادة: " انما نحن فتنة " اي بلاء.
ويحتمل أن يكون معناه انهما كانا كافرين، فيكون معنى قولهما: " انما نحن فتنة " اي شئ عجيب مستطرف كما يقال للمرأة الحسناء انها فتنة من الفتن.
ويكون قوله: " فلا تكفر " على هذا الوجه يعني بما جئناك به، بل صدق به واعمل عليه.
وقوله: " حتى يقولا " يحتمل امرين: احدهما - ان حتى، بمعنى إلا وتقديره وما يعلمان من احد إلا أن يقولا: انما نحن فتنة، فلا تكفر ويكون ذلك زيادة في الابتلاء من الله في التكليف. والثاني - انه نفي لتعليمهما الناس السحر، وتقديره ولا يعلمان أحدا السحر، فيقولان: " انما نحن فتنة فلا تكفر " فعلى هذا يكون تعليم السحر من الشياطين، والنهي عنه من الملكين.
وقوله: " فيتعلمون " قال قوم: معنى تعلم واعلم واحد. كما جاء علمت،
---
(1) سورة الذاريات: آية 13.
(2) سورة القلم: آية 6.
(3) سورة الصافات: آية 164.

(1/375)


تفسير التبيان ج1
واعلمت، وفهمت، وافهمت كما قال كعب بن زهير:
تعلم رسول الله إنك مدركي
وان وعيدا منك كالاخذ باليد(1)
وقال القطامي:
تعلم ان بعد الغي رشدا
وان لهذه الغير انقشاعا
ومنهم من قال: تعلم بمنزلة تسبب إلى مابه تعلم من النظر في الادلة. وليس في اعلم ذلك، لانه قد ينبئهم على مايعلمه بالتأمل له: كقوله: اعلم ان الفعل يدل على الفاعل. وما لم يسبق المحدث فهو محدث. والاول كقوله: تعلم النحو والفقه.
فان قيل كيف يفرق بين المرء وزوجه؟ قلنا فيه ثلاثة اقوال:
احدها - انه اذا تعلم السحر كفر فحرمت عليه امرأته.
والثاني - ان يمشي بينهما بالنميمة حتى يفسد بينهما، فيفضي إلى الطلاق والبينونة.
والثالث - قال قتادة وغيره: يوجد كل واحد منهما على صاحبه ويبغضه اليه.
وقيل: انه كان من شرع سليمان أن من تعلم السحر، بانت منه زوجته.
وقوله: " منهما " الضمير - قيل: - انه راجع إلى الملكين.
وقيل بل إلى الكفر والسحر. لانه تقدم الدليل عليهما في قوله: " ولكن الشياطين كفروا " كما جاء " سيذكر من يخشى ويتجنبها الاشقى "(2) اي يتجنب الذكرى.
ومن قال الملائكة معصومون، يقول الكناية ترجع إلى الكفر والسحر لا غير دون الملكين.
فكأنه قيل: " فيتعلمون " مكان ما علماهم " ما يفرقون به بين المرء وزوجه "، كقول القائل: ليت لنا من كذا، وكذا كذا: اي بدله.
قال الشاعر:
جمعت من الخيرات وطبا وعلبة
وصرا لاخلاف المزممة البزل
---
(1) شذور الذهب: 362. وهذا بيت من قصيدة طويلة نسبها لانس بن زنيم الديلي يقولها بعد فتح مكة معتذرا لرسول الله " ص " مما كان عمرو بن سالم الخزاعي يقوله فيه وفي اصحابه ومطلعها:
انت الذي تهدى معد بامره
بل الله يهديهم وقال: لك اشهد
(2) سورة الاعلى: آية 10.

(1/376)


تفسير التبيان ج1
ومن كل اخلاق الكرام نمية
وسعيا على الجار المجاور بالنجل(1)
يريد جمعت مكان خيرات الدنيا هذه الخيرات الرديئة، والافعال الدنيئة.
اللغة: وقوله: " يفرقون بين المرء وزوجه " فالمرء تأنيثه المرأة.
قال صاحب العين: امرأة تأنيث المرء ويقال مرأة بلا ألف.
والمرأة مصدر الشئ المرئ الذي يستمرأ يقال ما كان مريئا، ولقد مرؤ واستمرأته، وهو المرئ، للطعام وأصل الباب المرئ، فقولهم مرأة كقولهم جارية اي جرت في النور والشباب. فأما امراء الطعام فانه يجري وينفذ في مجاريه، ولايقف. وكذلك المرأة تجري في السن إلى حد. وفرق في الشواذ ما بين المرء - بضم الميم - وهي لغة هذيل.
قوله: " وما هم بضارين به من احد " فالضرر والالم والاذى نظائر. والضر نقيض النفع. يقال ضره يضره ضرا، واضر به اضرارا، واستضر استضرارا، واضطر اضطرارا. وضاره مضارة وضرارا.
قال صاحب العين: الضر والضر لغتان، فاذا جمعت الضر والنفع. فتحت الضاد.
والضرر نقصان يدخل في الشئ. يقال دخل عليه ضرر في ماله.
والضرورة اسم لمصدر الاضطرار. والضرير: الذاهب البصر من الناس. تقول: رجل ضرير بين الضرارة.
والضراء من الضر. وقوم اضراء.
والضرر مصدر اضره مضارة وفي الحديث (لا ضرر ولا ضرار) واذا ضر به المرض قيل: ضرير، وامرأة ضريرة.
والضرير: اسم للمضارة، واكثر ما يستعمل في الغيرة تقول: ما اشد ضريره عليها.
---
(1) امالي المرتضى 1: 421. الوطب صفاء اللبن خاصة.
والعلبة: جلدة تؤخذ من جنب البعير فتسوى مستديرة كالقصعة المدورة يشرب بها الرعيان.
والصر: شد ضرع النوق الحلوبات والفاعل صرار.
والاخلاف: جمع خلف - بكسر فسكون - ضرع الناقة.
والبزل: جمع بازل: الناقة او البعير اذا استكمل الثامنة، وطعن في التاسعة، وبزل نابه اي انشق عن اللحم.
والمزممة: هي التي علق عليها الزمام.
والنجل تمزيق العرض بالغيبة وفي الحديث " من نجل الناس نجلوه " في المطبوعة والمخطوطة (رطبا) - بدل (وطبا). و (غلبة) بدل (علبة) و (لمحلى) بدل " بالنجل ".

(1/377)


تفسير التبيان ج1
قال الشاعر يصف حمارا وحشيا: -
حتى اذا مالان من ضريره(1) والضرتان: امرأتان للرجل، والجمع الضرائر.
والضرتان: الالية من جانبي عظمها، وهما الشحمتان اللتان تهدلان من جانبيها.
وضرة الابهام: لحمة تحتها.
وضرة الضرع: لحمة تحتها.
والضر: الهزال.
وضرير الوادي: جانباه وكل شئ دنا منك حتى يزحمك: فقد اضربك.
وأصل الباب: الانتقاص.
وقوله: " من أحد الا باذن الله " يحتمل امرين: احدهما - بتخلية الله. والثاني - الا بعلم الله من قوله: " فاذنوا بحرب من الله " معناه اعلموا. بلا خلاف ويقال: انت آذن اذنا.
قال الحطيئة:
الا يا هند إن جددت وصلا
والا فاذنيني بانصرامي(2)
وقال الحارث بن حلزة: آذنتنا ببينها اسماء(3) معناه اعلمتنا.
والاذن في اللغة على ثلاثة أقسام: احدها - بمعنى العلم وذكرنا شاهده.
والثاني - الاباحة والاطلاق كقوله " فانكحوهن باذن اهلهن "(4). وقوله: " يا ايها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت ايمانكم "(5).
والثالث - بمعنى الامر: كقوله: " انزله على قلبك باذن الله "(6) وقد اجمعت الامة على انه لم يأمر بالكفر، ولم يتجه نفي القسم الثالث. ولا يجوز أن يكون المراد
---
(1) اللسان " ضرر ".
(2) في المطبوعة والمخطوطة " ألا " ساقطة. وفي المطبوعة " ماهند " وعجزه فيهما: والا فأذنيني عاجلا بانصرامي.
(3) معلقته الشهيرة وهذا مطلعها. وعجزه: رب ثاويمل منه الثواء.
(4) سورة النساء: آية 24.
(5) سورة النور: آية 58.
(6) سورة البقرة: آية 97.

(1/378)


تفسير التبيان ج1
" إلا باذنه " الا بارادته، ومشيئته، لان الارادة لا تسمى إذنا. الا ترى أن من اراد الشئ من غيره أن يفعله، لايقال أذن له فيه؟ فبطل ما قالوه.
وقد روي عن سفيان إلا بقضاء الله.
وقال بعض من لا معرفة له: الاذن بمعنى العلم بفتح الهمزة والذال دون الاذن بكسر الهمزة وسكون الذال - وهذا خطأ، لان الاذن مصدر يقال فيه اذن واذن مثل حذر وحذر.
وقال تعالى: " خذوا حذركم "(1) ويجوز فيه لغتان مثل: شبه وشبه ومثل ومثل.
وقال هذا القائل: من شاء الله يمنعه، فلم يضره السحر. من شاء خلى بينه، وبينه، يضره.
وقوله: " لا ينفعهم ".
اللغة: فالنفع نقيض الضر. والنفع والمنفعة واللذة نظائر. يقال نفع ينفع نفعا، فهو نافع. وانتفع فلان بكذا وكذا. ورجل نفاع ينفع الناس. وأصل النفع: ضد الضر.
وحد النفع هو كل فعل يكون الحيوان به ملتذا: اما لانه لذة، او يؤدي إلى اللذة.
والمضرة كل معنى يكون الحيوان به ألما: اما لانه ألم، او يؤدي إلى الالم.
والهاء في قوله " لمن اشتراه " عائدة إلى السحر.
المعنى: والمعنى لقد علمت اليهود أن من استبدل السحر بدين الله، ماله في الآخرة من خلاق.
وهو قول ابن زيد، وقتادة.
وقال قوم من المفسرين، كأبي علي، وغيره. كانوا يعطون عليه الاجرة، فلذلك اشتراؤهم له.
والخلاق: النصيب من الخير، وهو قول مجاهد، وسفيان.
وقال قوم: ماله من جهة.
وقال الحسن: ماله من دين.
قال امية بن ابي الصلت:
يدعون بالويل فيها لاخلاق لهم
إلا سرابيل من قطر واغلال(2)
يعني لا نصيب لهم في الآخرة من الخير. ومعنى " شروا به انفسهم " باعوا به
---
(1) سور النساء: آية 70، 101.
(2) ديوانه: 47.
والقطر: النحاس الذائب. في المطبوعة (لا سرائيل) بدل (الا سرابيل).

(1/379)


تفسير التبيان ج1
انفسهم في قول السدي، وغيره - فان قيل: كيف قال: " لو كان يعلمون " وقد قال قبله " ولقد علموا لمن اشتراه "؟
قلنا عنه ثلاثة اجوبة: احدها - إنهم فريقان: فريق علموا. وعاندوا وفريق علموا وضيعوا.
والثاني - انهم فريق واحد إلا انهم ذموا في أحد الكلامين بنفي العلم، لانه بمنزلة المنتفي. واخبر عن حالهم في الاخرة وتقديره أنهم علموا قدر السحر، ولم يعلموا ان هلاكهم بتصديقه، واستعماله، اولم يعلموا كنه ما اعد الله من العذاب على ذلك وان علموه على وجه الجملة.
والثالث - وقال قوم: هو مقدم ومؤخر. وتقديره وما هم بضارين به من احد الا باذن الله، ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولبئس ما شروا به انفسهم لو كانوا يعلمون.
ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق وقال بعضهم: هما جميعا خبر عن فريق واحد، واراد بقوله: " ولبئس ماشروا به انفسهم لو كانوا يعلمون " اي لو كانوا يعلمون بما علموه فعبر عن المعلوم بالعلم، كما قال كعب بن زهير المزني يصف ذئبا وغرابا تبعاه، لينالا من طعامه، وزاده:
اذا حضراني قلت لو تعلمانه
الم تعلما اني من الزاد مرمل(1)
فاخبر انه قال لهما: لو تعلمانه فنفى عنهما العلم، ثم استخبرهما، فقال: الم تعلما، وكذلك الآية.
وقال قوم: إن الذين علموا الشياطين والذين لم يعلموا الناس دون الشياطين، فان قيل: ما معنى لمن اشتراه، واين جوابها ان كانت شرطا؟ قلنا عنه جوابان احدهما - انها بمعنى الجزاء.
والآخر بمعنى الذي في قول الزجاج، وجوابها مكتفى منه جواب القسم.
كما قال: " لئن اخرجوا لا يخرجون معهم "(1) ولذلك وقع قالوا: ولا يجوز الجزم إلا في ضرورة الشعر، كما قال الشاعر:
لئن كان ما حدثته اليوم صادقا
اصم في نهار الفيظ للشمس باديا
والوجه، لاصو من.
ولا يجوز لاصوم إلا في ضرورة الشعر كما قال:
---
(1) ديوانه 51 وآمالي الشريف المرتضى 1: 224 المرمل الذي نقدزاده، ومنه الارمل.
(2) سورة الحشر: آية 12.

(1/380)


تفسير التبيان ج1
لئن تك قد ضاقت عليكم بيوتكم
ليعلم ربي ان بيتي واسع(1)
قالوا وان جزمت الاول، جاز جزم الثاني، كقولك: لئن تفم لا نقم إليك.
وقوله: " فيتعلمون " يجوز ان يكون عطفا على فيأتون فيتعلمون، وقد دل اول الكلام على يأتون.
وقيل: فيعلمون الناس السحر فيتعلمون - وكلاهما ذكره الكسائي والفراء - وانكر الزجاج القول الاخير، لاجل قوله: " منهما اي من الملكين، واجاز القول الاول، واختار قولا ثالثا: وهو يعلمان، فيتعلمون، والذي انكره يجوز إذا كان " منهما " راجعا إلى السحر والكفر، ولا يجوز ان يكون " فيتعلمون " جوابا لقوله: " فلا تكفر " فينصب، لان تقديره لا يكن كفر فتعلم، كما تقول: لاتدن من الاسد فيأكلك: اي لايكن دنو فأكل.
فهذا نهي عن دنو يقع بعده اكل. وانما النهي في الاول عن الكفر بتعلم السحر، للعمل وليس يصلح للجواب على هذا المعنى. ولا يجوز ان يكون جوابا للنفي في قوله: " وما يعلمان "، لان لفظه على النفي، ومعناه الايجاب كانه قيل: يعلمان اذا قالا نحن فتنة فلا تكفر.
فان قيل: ما اللام الاولى في قوله: " ولقد علموا " وما الثانية في قوله: " لمن اشتراه " ومثله قوله: " ولئن جئتهم بآية ليقولن "(2) قيل: الثانية لام القسم بالاجماع.
قال الزجاج: لانك إنما تحلف على فعلك لا على فعل غيرك - في قولك: والله لئن جئنني لا كرمنك - فأما الاولى فزعم بعض النحويين أنها لما دخلت في اول الكلام اشبهت لام القسم، فاجيبت بجوابه - قال الزجاج: هذا خطأ، لان جواب القسم لايشبه القسم، ولكن اللام الاولى دخلت إعلاما ان الجملة بكاملها معقودة بالقسم، لان الجزاء - وان كان القسم عليه -، فقد صار للشرط فيه حظ، ولذلك دخلت اللام.
قال الرماني: هذا الذي ذكره، لايبطل شبهها بالقسم، لانها للتوكيد، كما انه للتوكيد، فكأنه قال: والله إن اتيتني لا كرمنك
---
(1) الخزانة 4: 220 نسبه لكميت بن معروف. في المخطوطة (ري) بدل (ربي) وفي المطبوعة (رئ).
(2) سورة الروم: آية 58.

(1/381)


تفسير التبيان ج1
والظاهر في ورايات اصحابنا ان الساحر يجب قتله وفيه خلاف ذكرناه في الخلاف.
وقال ابوعلي من قال: انه بقلب الاجسام، وينشئها، يجب قتله ان لم يتب، لانه مرتد كافر بالانبياء، لانه لا يجد بين ما ادعى وبين آياتهم فضلا(1) واما من قال: إنه يموه ويمخرق(2)، فانه يؤدب، فلا يقتل.
واما الروايات التي في ان الملكين اخطأا، وركبا الفواحش، فانها اخبار آحاد. من اعتقد عصمة الملائكة، يقطع على كذبها ومن لم يقطع على ذلك، جوز ان تكون صحيحة، ولا يقطع على بطلانها.
والذي نقوله ان كان الملكان رسولين فلا يجوز عليهما ذلك، وان لم يكونا رسولين، جاز ذلك - وان لم نقطع به - وقد بينا الكلام عليه فيما مضى.
فأما ماروي من أن النبي " ص " سحر - وكان يرى انه يفعل مالم يفعله - وانه لم يفعله فأخبار آحاد، لايلتفت اليها. وحاشى النبي " ص " من كل صفة نقص، اذ تنفر من قبول قوله، لانه حجة الله على خلقه، وصفيه من عباده، واختاره الله على علم منه. فكيف يجوز ذلك مع ما جنبه الله من الغظاظة والغلظة، وغير ذلك من الاخلاق في الدنيئة، والخلق المشينة، ولا يجوز ذلك على الانبياء الا من لم يعرف مقدارهم ولا يعرفهم حقيقة معرفتهم.
وقد قال الله تعالى: " والله يعصمك من الناس "(3) وقد اكذب الله من قال: ان يتبعوا إلا رجلا مسحورا.
فقال: " وقال الظالمون ان يتبعون إلا رجلا مسحورا "(4) فنعوذ بالله من الخذلان، ونحمده على التوفيق لما يرضاه. و " لكن " مشددة، ومخففة معناهما واحد.
قال الكسائي: والذي أختارته العرب اذا كانت (ولكن) بالواو مشددة، واذا كانت بلا واو اختاروا التخفيف - وكل صواب - وقرئ بغير ما اختاروه اتباعا للاخبار في القراءة.
---
(1) في المطبوعة " بين ابائهم فصلا ".
(2) الممخرق، والمموه يطلقان على معنى واحد. والمخرقة مأخوذة من مخاريق الصبيان: وهي خرق مفتولة يلعبون بها.
(3) سورة المائدة: آية 70.
(4) سورة الاسرى: آية 47 والفرقان: آية 8.

(1/382)


تفسير التبيان ج1
قوله تعالى: ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون(103)
آية بلا خلاف
الاعراب: الضمير في قوله: " ولو انهم آمنوا " عائد على الذين يتعلمون السحر.
قال الحسن: تعلموا ان ثواب الله خير لهم من السحر. وأما جواب لو فللنحويين فيه قولان. فالبصريون يذهبون إلى ان جوابه محذوف، وتقديره. ولاثيبوا. واوقع لمثوبة من عند الله موقعه. لدلالته عليه.
وقال بعضهم: التقدير ولو انهم آمنوا واتقوا لاثيبوا، ثم قال: " ولمثوبة من عندالله خير لو كانو يعلمون " أي لو كانوا يستعملون ما يعلمون. وليس انهم كانوا يجهلون ذلك، كما يقول الانسان لصاحبه - وهو يعظه: - ما أدعوك اليه خير لك لو كنت تعقل أو تنظر في العواقب والفكر فيها.
وقال الفراء: الجواب في " لمثوبة ". لان " لو " اشبهت لئن،(1) من حيث كان كل واحد منهما جزاء، فلما اشبهتها اجيبت بجوابها، فالمعنى لئن آمنوا لمثوبة.
فعلى القول الاول، لايجوز، لو أتاني زيد لعمرو خير منه. وعلى الثاني يجوز. ولو قلت لو اتاني زيد، لاكرامي خير له، جاز على الوجهين.
واللام التي في (لمثوبة) لام الابتداء، لانها دخلت على الاسم، كما دخلت في (علمت لزيد خير منك). ولو جاز هاهنا، لام القسم، لنصبت الاسم في علمت.
المعنى: فان قيل ما معنى قول الله تعالى " لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون " وهو خير علموا أولم يعلموا؟ قيل: لو كانوا يعلمون، لظهر لهم بالعلم ذلك، أي لعلموا أن ثواب الله خير من السحر.
وقال ابوعلي: المعني في ذلك الدلالة على جهلهم، والترغيب لهم في ان يعلموا ذلك، وان يطلبوا ما هو خير لهم من السحر - وهو ثواب
---
(1) في المطبوعة والمخطوطة (يكن) وهو تحريف فظيع.

(1/383)


تفسير التبيان ج1
الله الذي ينال بطاعته، واتباع مرضاته. وفيه دلالة على بطلان قول اصحاب المعارف، لانهم لو كانوا عارفين - على ما يقولونه، لما قال: " لو كانوا يعلمون ".
والمثوبة: الثواب - في قول قتادة والسدي والربيع - والثواب: هو الجزاء على العمل بالاحسان وهو منافع مستحقة يقاربها تعظيم وتبجيل.
اللغة: والمثوبة والثواب والاجر نظائر. ونقيض المثوبة العقوبة، يقال ثاب يثوب ثوبا وإثابة، واثابه اثابة، وثوابا، ومثوبة، واستثابة. وثوب تثويبا. والثواب في الاصل معناه: ما رجع اليك من شئ. تقول اعترت الرجل غشية، ثم ثابت اليه نفسه، ولذلك صار حق الثواب الجزاء، لانه العائد على صاحبه مكافأة ما فعل.
ومنه التثويب في الاذان وغيره: وهو ترجيع الصوت، ولا يقال، ذلك للصوت مرة واحدة.
ويقال ثوب الداعي اذا كرر دعاءه إلى الحرب، أو غيرها.
ويقال انهزم القوم ثم ثابوا، أي رجعوا.
والثوب مشتق من هذا، لانه ثاب لباسا بعد أن كان قطنا، أو غزلا.
والثيب: التي قد تزوجت بوجه ما كان، ولا يوصف به الرجل إلا ان تقول ولد الثيبين وولد البكرين.
والمثابة: الموضع الذي يثوب اليه الناس.
قال الله تعالى: " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس " أي مجتمعا بعد التفرق.
ان لم يكن تفرقوا من هناك، فقد كانوا متفرقين ثابوا اليه.
ويقال ثاب الحوض ثئوبا اذا امتلا أو كاد يمتلئ.
وأصل الباب الثوب: الرجوع القراءة: قرأ قتادة (لمثوبة) بسكون الثاء وفتح الواو - وهي لغة جازت على الاصل - كما قالوا: مشورة ومشورة - بفتح الواو وسكون الشين، وضم الشين وسكون الواو - والقراء على خلافه.
والعرب مجمعون على إلقاء الالف من قولهم: هذا خير منك، وشر منك، إلا بعض بني عامر يقولون: ما اريد خيرا اخير من ذا.
وقال بعضهم أيضا: هذا أشر من ذا - والوجه طرح الالف -

(1/384)


تفسير التبيان ج1
قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب اليم(104)
آية بلا خلاف
اللغة: المراعاة: التفقد للشئ في نفسه، أو احواله. والمراعاة، والتحفظ، والمحافظة، والمراقبة: نظائر.
ونقيض المراعاة الاغفال: يقال رعى يرعى رعيا، والرعي: ما تأكله الماشية من نبات الارض.
ورعى الله فلانا اذا حفظه.
ورعيت له عهده وحقه بعده، أو في من خلف. وارعيته سمعي اذا اصغيت اليه.
وراعيته نفسي: اذا لا حظته. وجمع الراعي: رعاء ورعاة ورعيان.
والرعاية: فعل الراعي، ويرعاها رعاية: اذا ساقها، وسرحها، وأراحها، فقد رعاها، وكل من ولي قوما فهو راعيهم - وهم رعيته - والمرعي من الناس: المسوس.
والراعي: السائس ويقال: فلان يراعي كذا: معناه ينظر إلى ما يصير اليه أمره.
ورعيت النجوم: أي رقبتها، واسترعاه الله خلقه، أي ولاه أمرهم ليرعاهم.
والارعاء: الابقاء على اخيك.
وتقول اراعينى سمعك أي اسمع يا فلان.
وكان المسلمون يقولون: يا رسول الله راعنا: أي استمع منا، فحرفت اليهود، فقالوا: يا محمد راعنا - وهم يلحدون إلى الرعونة - يريدون به النقيصة، والوقيعة، فلما عوتبوا قالوا: نقول كما يقول المسلمون، فنهى الله عن ذلك فقال: " يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا " ورجل ترعية: الذي لم تزل صنعته وصنعة آبائه الرعاية(1).
قال الشاعر:
يسوقها ترعية جاف فضل
إن رتعت صلى وإلا لم يصل(2)
واصل الباب: الرعي: الحفاظ.
---
(1) في المطبوعة لم يزل صنعة وصنيعه امامة الرعاية.
(2) اللسان (فضل) وبه رواية اخرى يلضا: يتبعها بدل يسوقها.
وفي المخطوطة والمطبوعة هكذا:
يسوسها ترعية حاف فصل
فان رعت صلا والا لم يصل
رجل فضل وامراة فضل: متفضل في ثوب واحد.

(1/385)


تفسير التبيان ج1
المعنى: وأما الآية فللمفسرين فيها ثلاثة أقوال: - قال ابن عباس ومجاهد: " لاتقولوا راعنا "، أي لاتقولوا: اسمع منا ونسمع منك.
وقال عطاء: " لاتقولوا راعنا "، أي لاتقولوا خلافا. وروي ذلك ايضا عن مجاهد. وهذا الاوجه له - إلا ان يراد (راعنا) بالتنوين. - وقيل: معناه ارقبنا.
قال الاعشى:
يرعي إلى قول سادات الرجال اذا
ابدوا له الحزم أو ما شاءه ابتدعا(1)
يعني يصغي.
وقال الاعشى ايضا:
فظلت أرعاها وظل يحوطها
حتى دنوت اذا الظلام دنا لها(2)
والسبب الذي لاجله وقع النهي عن هذه الكلمة، قيل فيه خمسة أقوال: احدها - ما قاله قتادة وعطية: انها كلمه كانت تقولها اليهود على وجه الاستهزاء.
(الثاني) - وقال عطاء هي كلمة كانت الانصار تقولها في الجاهلية، فنهوا عنها في الاسلام.
(الثالث) - وقال ابوالعالية: ان مشركي العرب كانوا اذا حدث بعضهم بعضا، يقول احدهم لصاحبه ارعنا سمعا فنهوا عن ذلك.
(الرابع) - وقال السدي: كان ذلك كلام يهودي بعينه، يقال له: رفاعة ابن زيد. يريد بذلك الرعونة فنهي المسلمون عن ذلك.
---
(1) ديوانه: 86. ابتدع: احدث ما شاء.
(2) ديوانه: 27. في المخطوطة والمطبوعة (وضللت) بدل (فظللت) و (نحو دنوت) بدل (حتى دنوت).

(1/386)


تفسير التبيان ج1
(الخامس) - وقال ابوعلي قد بين الله عزوجل، انها كلمة كانت اليهود تلوي بها السنتهم - في قوله: - " من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ".(1) " ويقولون سمعنا وعصينا "(2) " اسمع غير مسمع وراعنا ليا بالسنتهم وطعنا في الدين "(3) وهو قول ابن عباس، وقتادة وقيل: " لاتقولوا راعنا " من المراعاة والمكافأة. فامروا أن يخاطبوا النبي صلى الله عليه وآله بالتوقير والتعظيم، اي لا تقولوا: راعنا سمعك، حتى نفهمك وتفهم عنا.
وقال ابوجعفر (ع) هذه الكلمة: سب(4) بالعبرانية - اليه كانوا يذهبون - قال الحسين بن علي المغربي فبحثتهم عن ذلك فوجدتهم يقولون راع رن(5) قال: على معنى الفساد والبلاء، ويقولون: (انا) بتفخيم النون، واشمامها بمعنى، لان مجموع اللفظين واللفظتين فاسد، لان فلما عوتبو على ذلك قالوا إنا نقول: كما يقول المسلمون. فنهي المسلمون عن ذلك. ولما كان معنى (راعنا) يراد به النظر قال: قولوا عوضها انظرنا، اي انظرنا الينا " واسمعوا ": ما يقوله لكم الرسول.
القراءة: وروي عن الحسن انه كان يقرأ " راعنا " بالتنوين بمعنى لاتقولوا: قولا راعنا يعني من الرعونة، وهي الحمق، والجهل، وهذا شاذ لا يؤخذ به، وفي قراءة ابن مسعود " راعنا " خطاب من جماعة لجماعة بمراعاتهم وهذا ايضا شاذ.
المعنى: ومعنى انظرنا يحتمل امرين: احدهما - انتظرنا نفهم ونتبين ما تعلمنا. والثاني - قال مجاهد: معناه ففهمنا، بين لنا يامحمد يقال منه: نظرت الرجل انظره
---
(1) سورة النساء: آية 45. والمائدة: 14.
(2) سورة البقرة: آية 93.
(3) سورة النساء: آية 45.
(4) في المخطوطة والمطبوعة (سبت). هكذا في المخطوطة والمطبوعة. ولم نجدها في باقي التفاسير.

(1/387)


تفسير التبيان ج1
نظرة، بمعنى انتظرته وارتقبته.
ومنه قوله: " انظرونا نقتبس "(1) اي انتظرونا وقيل معناه: اقبل علينا.
وقوله: " واسمعوا " يحتمل امرين: احدهما - قال الحسن والسدي: إن معناه اسمعوا ما ياتيكم به الرسول.
والثاني - ما قال ابوعلي: معناه اقبلوا ما يامركم به الرسول من قوله: سمع ألله لمن حمده، وسمع الله دعاك، وقبله.
وقال علقمة والحسن والضحاك: كل شئ من القرآن: " يا ايها الذين امنوا " فانه نزل بالمدينة.
قوله تعالى: ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين ان ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم(105)
آية واحدة بلا خلاف.
معنى ما يود: ليس يحب. يقال منه: وده يوده ودا، وودادا. والمودة المحبة.
" ولا المشركين " في موضع جر بالعطف على اهل الكتاب. وتقديره، ولا من المشركين.
وقوله: " ان ينزل " في موضع نصب بقوله: " يود ".
وانما ذموا على ذلك - وان كان ذلك ميل الطباع، - لان ذلك في دلالة على انهم فعلوا كراهية لذلك، وتعرضوا بذلك لعداوة المؤمنين. وكان الذم عليهم لذلك، ولو رفع " المشركين " عطفا على " الذين كفروا " كان جائزا ولكن لم يقرا به احد.
ومثله في احتماله الامرين قوله: " يا آيها الذين امنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم لهوا ولعبا من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم والكفار اولياء "(2). - بخفض الراء وفتحها - وقرئ بهما.
---
(1) سورة الحديد: آية 13.
(2) سورة المائدة: آية 60.

(1/388)


تفسير التبيان ج1
و " من " في قوله: " من خير " زائدة مؤكدة، كقولك: ما جاءني من احد.
وموضعها رفع قال ابوذؤيب:
جزيتك ضعف الود لما استبنته
وما ان جزاك الضعف من احد قبلي(1)
واما " من " في قوله: " من ربكم " فلابتداء الغاية.
والتي في قوله: " من اهل الكتاب " فللتنويع، مثل التي في قوله: " فاجتنبوا الرجس من الاوثان "(2).
قوله: " يختص برحمته من يشاء ".
المعنى: روي عن علي (ع) وابي جعفر الباقر (ع) انه أراد النبوة.
وبه قال الحسن، وابوعلي والرماني، والبلخي وغيرهم من المفسرين.
وقال " يختص بها من يشاء " من عباده.
وروي عن ابن عباس انه اراد دين اسلام.
وهذا بعيد، لانه تعالى وصف ذلك بالانزال، وذلك لا يليق الا بالنبوة.
اللغة: والاختصاص بالشئ هو الانفراد به. والاخلاص له مثله. وضد الاختصاص الاشتراك.
ويقال خص خصوصا، وتخصص: تخصصا.
وخصصه: تخصيصا، وكلمه خاصة من ذلك، وكلمة عامة ووسائط من ذلك.
ويقال: خصه بالشئ، يخصه خصا: اذا وصله به. وخصان الرجل. من يختصه من اخوانه.
والخصائص: الفرج والخصاصة: الحاجة. والخص شبه كوة تكون في قبة أو نحوها، اذا كان واسعا قدر الوجه.
وقال الراجز:
وان خصاص ليلهن استدا
ركبن في ظلمائه ما اشتدا(3)
---
(1) اللسان (ضعف) قال الاصمعي: معناه اضعفت لك الود، وكان ينبغي أن يقول: ضعفي الود.
(2) سورة الحج: آية 30.
(3) اللسان (خصص) استد أي استتر بالغما.

(1/389)


تفسير التبيان ج1
شبه القمر بالخصاص. وكل خلل أو خروق تكون في السحاب او النخل، تسمى الخصاصة: والخصائص فرج بين الاثا في(1) وأصل الباب: الانفراد بالشئ.
فمنه الخصائص: الفرج انفراد كل واحد عن الآخر من غير جمع بينهما.
ويقال: اختصصته بالفائدة واختصصت بها انا، كقولك: افردته بها، وانفردت بها.
وتقدير الآية ما يحب الكافرون من اهل الكتاب، ولا المشركين بالله من عبدة الاوثان، ان ينزل عليكم شيئا من الخير الذي عنده، والخير الذي تمنوه الا ينزله الله عليهم ما اوحى إلى نبيه، وانزله عليه من الشرائع، والقرآن بغيا منهم، وحسدا.
" والله ذو الفضل العظيم " خير منه (تعالى) ان كل خيرنا له عباده في دينهم، ودنيا هم، فانه من عنده ابتداء، وتفضلا منه عليهم من غير استحقاق منهم ذلك عليه.
قوله تعالى: ما ننسخ من آية او ننسها نات بخير منها او مثلها الم تعلم ان الله على كل شئ قدير(106)
آية بلا خلاف.
القراءة: قرأ ابن عامر، الا الداحوني عن هشام " ما ننسخ " بضم النون وكسر السين. الباقون يفتحها.
وقرأ ابن كثير وابوعمرو " ننساها " بفتح النون، والسين، واثبات الهمزة الساكنة بعد السين.
الباقون - بضم النون، وخفض السين بلا همزة.
اللغة: النسخ والبدل والخلف نظائر. يقال: نسخ نسخا، وانتسخ انتساخا، واستنسخ استنساخا، وتناسخوا تناسخا، وناسخ مناسخة.
---
(1) بين الاثافي أي بين الاصابع.

(1/390)


تفسير التبيان ج1
قال ابن دريد: كل شئ خلف شيئا، فقد انتسخه، ونسخت الشمس الظل، وانتسخ الشيب الشباب.
وقال صاحب العين: النسخ ان تزيل امرا كان من قبل يعمل به، ثم تنسخه بحادث غيره. كالآية نزل فيها امر، ثم يخفف الله عن العباد بنسخها بآية اخرى، فالآية الاولى منسوخة، والثانية ناسخة. وتناسخ الورثة أن تموت ورثة بعد ورثة واصل الميراث قائم لم يقسم، وكذلك تناسخ الازمنة من القرون الماضية. واصل الباب: الابدال من الشئ غيره.
وقال الرماني: النسخ الرفع، لشئ قد كان يلزمه العمل به إلى بدل، وذلك كنسخ الشمس بالظل لانه يصير بدلا منها - في مكانها - وهذا ليس بصحيح، لانه ينتقض بمن تلزمه الصلاة قائما ثم يعجز عن القيام، فانه يسقط عنه القيام لعجزه. ولا يسمى العجز ناسخا، ولا القيام منسوخا، وينتقض بمن يستبيح بحكم العقل عند من قال بالاباحة، فاذا ورد الشرع يحظره، لا يقال الشرع نسخ حكم العقل، ولا حكم العقل يوصف بانه منسوخ، فاذا الاولى في ذلك ما ذكرناه في اول الكتاب: وهو ان حقيقة كل دليل شرعي دل على ان مثل الحكم الثابت بالنص الاول غير ثابت فيما بعد على وجه لولاه لكان ثابتا بالنص الاول مع تراخيه عنه، فاذا ثبت ذلك، فالنسخ في الشرع: على ثلاثة اقسام. نسخ الحكم دون اللفظ، ونسخ اللفظ دون الحكم، ونسخهما معا.
فالاول - كقوله: " يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبون مأتين " إلى قوله: " الآن خفف الله عنكم وعلم ان فيكم ضعفا فان يكن منكم مأة صابرة يغلبون مأتين "(1)، فكان الفرض الاول وجوب ثبات الواحد للعشرة، فنسخ بثبوت الواحد للاثنين، وغير ذلك من الاي المنسوخ، حكمها، وتلاوتها ثابتة، كآية العدة، وآية حبس من يأتي بالفاحشة، وغير ذلك.
والثاني - كآية الرجم. قيل انها كانت منزلة فرفع لفظها وبقي حكمها.
والثالث - هو مجوز وان لم يقطع بانه كان.
وقد روي عن ابي بكر انه كان يقرأ لا ترغبوا عن آبائكم فانه كفر(2)
---
(1) سورة الانفال: آية 65، 66.
(2) في المطبوعة زيادة (بكم).

(1/391)


تفسير التبيان ج1
المعنى: واختلفوا في كيفية النسخ على أربعة اوجه: - قال قوم: يجوز نسخ الحكم والتلاوة من غير افراد واحد منهما عن الآخر.
- وقال آخرون: يجوز نسخ الحكم دون التلاوة.
- وقال آخرون: يجوز نسخ القرآن من اللوح المحفوظ، كما ينسخ الكتاب من كتاب قبله.
- وقالت فرقة رابعة: يجوز نسخ التلاوة وحدها، والحكم وحده، ونسخهما معا - وهو الصحيح - وقد دللنا على ذلك، وافسدنا سائر الاقسام في العدة في اصول الفقه.
وذلك ان سبيل النسخ سبيل سائر ما تعبد الله تعالى به، وشرعه على حسب ما يعلم من المصلحة فيه فاذا زال الوقت الذي تكون المصلحة مقرونة به، زال بزواله.
وذلك مشروط بما في المعلوم من المصلحة به، وهذا القدر كاف في ابطال قول من ابى النسخ - جملة - واستيفاؤه في الموضع الذي ذكرناه.
وقد انكر قوم جواز نسخ القرآن، وفيما ذكرناه دليل على بطلان قولهم، وقد جاءت اخبار متظافرة بانه كانت اشياء في القرآن نسخت تلاوتها، فمنها ما روي عن ابي موسى: انهم كانوا يقرؤون لو ان لابن آدم واديين من مال لا بتغى اليهما ثالث، لا يملا جوف ابن آدم إلا التراب. ويتوب الله على من تاب. ثم رفع.
وروي عن قتادة قال: حدثنا انس بن مالك أن السبعين من الانصار الذين قتلوا ببئر معونة: - قرأنا فيهم كتابا - بلغوا عنا قومنا انا لقينا ربنا، فرضي عنا وارضانا، ثم ان ذلك رفع. ومنها الشيخ والشيخة - وهي مشهورة -.
ومنها ما روي عن ابى بكر انه قال: كنا نقرأ: لاترغبوا عن آبائكم فانه كفر.
ومنها ما حكي: ان سورة الاحزاب كانت تعادل سورة البقرة - في الطول - وغير ذلك من الاخبار المشهورة بين اهل النقل.

(1/392)


تفسير التبيان ج1
والخبر على ضربين: احدهما - يتضمن معنى الامر بالمعروف - فما هذا حكمه - يجوز دخول النسخ فيه.
والآخر يتضمن الاخبار عن صفة الامر.(1) لا يجوز تغييره في نفسه، ولا يجوز ان يتغير من حسن إلى قبح أو قبح إلى حسن، فان ذلك لا يجوز دخول النسخ فيه. وقد بينا شرح ذلك في العدة.
والافعال على ثلاثة اقسام - احدها - لا يكون إلا حسنا.
وثانيها - لا يكون إلا قبيحا.
وثالثها - يحتمل الحسن والقبح بحسب ما يقع عليه من الوجوه:
فالاول - كارادة الافعال الواجبة، أو المندوبة التي لا يجوز تغيرها، كشكر المنعم، ورد الوديعة، والاحسان الخالص وغير ذلك.
والثاني - كارادة القبيح، وفعل الجهل.
والثالث - كسائر الافعال التي تقع على وجه، فتكون حسنة، وعلى آخر فتصير قبيحة.
فالاول، والثاني لايجوز فيه النسخ. والثالث يجوز فيه النسخ.
ومن قرأ ننسخ - بفتح النون - فمن نسخت الكتاب. فانا ناسخ، والكتاب منسوخ.
ومن قراء - بضم النون، وكسر السين - فانه يحتمل فيه امرين: احدهما - قال ابوعبيدة: ما ننسخك يا محمد. يقال نسخت الكتاب، وانسخه غيري. والاخر - نسخته جعلته ذا نسخ.
كما قال قوم للحجاج - وقد قتل رجلا -: أقبرنا فلانا أي جعله ذا قبر يقال قبرت زيدا: اذا دفنته واقبره الله: جعله ذا قبر كما قال: " ثم اماته فاقبره "(2) وقوله " أوننسأها " فالنس_ء التأخير ونقيضه التقديم، يقال انسأت الابل عن الحوض أنسأها نسأ: اذا اخرتها عنه، وانتسأت عن الشئ -: اذا تباعدت عنه - انتساء ونسأت الابل في ظمئها فانا أنسؤها نسأ: اذا زدتها في ظمئها يوما أو يومين، أو اكثر من ذلك.
---
(1) في المطبوعة (صنعة الامر).
(2) سورة عبس: آية 21.

(1/393)


تفسير التبيان ج1
وظمؤها: منعها الماء.
ونسأت الماشية تنسأ نسأ: اذا سمنت.
وكل سمين ناسئ، تأويلها ان جلودها نسأت اي تأخرت عن عظامها، قاله الزجاج، قال غيره: انما قيل ذلك لانها تأخرت في المرعى حتى سمنت، ونسأت المرأة تنسئ نسأ اذا تأخر حيضها عن وقته، ورجي حملها، ويقال: انسأت فلانا البيع(1) ونسأ الله في اجل فلان، وانسأ الله اجله اذا أخر اجله.
والنسئ تأخر الشئ، ودفعه عن وقته، ومنه قوله تعالى: " انما النسئ زيادة في الكفر "(2) وهو ما كانت العرب تؤخر من الشهر الحرام في الجاهلية. ونسأت اللبن أنسؤه نسأ اذا اخذت حليبا وصببت عليه الماء، واسم ذلك: النسئ، والنسئ هذا سمي بذلك، لانه اذا خالطه الماء أخر بعض اجزاء اللبن عن بعض قال الشاعر:
سقوني النس_ء ثم تكنفوني
عداة الله من كذب وزور(3)
ويقال للعصاة المنساة، لانها ينسأ بها، أي يؤخر بها ما يساق عن مكانه، ويدفع بها الانسان عن نفسه ونسأت ناقتي اذا رفعتها في السير واصل الباب التأخير.
المعنى: وقال الحسن في قوله: " ما ننسخ من آية أو ننسها " ان نبيكم صلى الله عليه وآله أقرئ قرآنا ثم نسيه، فلم يكن شيئا. ومن القرآن ما قد نسخ وأنتم تقرأونه.
وقال ابن عباس " ما ننسخ من آية " أي ما نبدل من آية، ومن قرأ ننسأها بالهمز فان معناه نؤخرها(4) من قولك هذا الامر أنسؤه نساء اذا أخرته وبعته بنسأ أي بتأخير، وهو قول عطا وابن ابي نجيح، ومجاهد، وعطية وعبيد بن عمير.
وعلى هذا يحتمل نؤخرها امرين.
احدهما فلا ننزلها وننزل بدلا منها ما يقوم مقامها في المصلحة، أو ما يكون اصلح للعباد منها. وهذا ضعيف لانه لا فائدة في تأخير ما لايعرفه العباد، ولاعلموه ولا سمعوه.
---
(1) في المخطوطة والمطبوعة (المنع).
(2) سورة التوبة: آية 38.
(3) قائلة عروة بن الورد العبسي. اللسان (نسأ) في المخطوطة والمطبوعة (النسئ) بدل (النس_ء) وهما لغتان.
(4) في المطبوعة (لو أخرها) وهو تحريف من الناسخ.

(1/394)


تفسير التبيان ج1
والثاني - نؤخرها إلى وقت ثان، فنأتي بدلا منها في الوقت المقدم، بما يقوم مقامها.
فاما من حمل ذلك، على معنى يرجع إلى النسخ، فليس يحسن لانه يصير تقديرها، ما ننسخ من آية او ننسخها. وهذا لايجوز.
ومعنى قوله: " نأت بخير منها او مثلها ".
المعنى: قيل فيه قولان: احدهما - قال ابن عباس نأت بخير منها لكم في التسهيل والتيسير، كالامر بالقتال الذي سهل على المسلمين بدلالة قوله " الان خفف الله عنكم "(1) او مثلها كالعبادة بالتوجه إلى الكعبة بعد ما كان إلى بيت المقدس. والوجه الثاني بخير منها في الوقت الثاني، اي هي لكم خير من الاولى في باب المصلحة، او مثلها في ذلك.
وهو قول الحسن وهذا الوجه اقوى، وتقديره كأن الآية الاولى في الوقت الثاني في الدعاء إلى الطاعة، والزجر عن المعصية، مثل الآية الاولى في وقتها. فيكون اللطف بالثانية، كاللطف بالاولى الا انه في الوقت الثاني يسهل بها دون الاولى.
وقال ابوعبيدة معنى " ننساها "(2) اي نمضيها فلا ننسخها قال طرفة:
امون كألواح الاران نسأتها
على لاحب كانه ظهر برجد(3)
يعني امضيتها ومن قرأ " ننسها " بضم النون، وكسر السين يحتمل امرين: احدهما - ان يكون مأخوذا من النسيان إلا انه لا يجوز أن يكون ذلك
---
(1) سورة الانفال: آية 66.
(2) في المخطوطة (يستقيم).
(3) معلقته المشهورة، واللسان (أرن). في المخطوطة (وعنس) بدل (أمون) وفي المطبوعة (كالراح) بدل (كالواح). ومعنى الامون التي أمنت أن تكون ضعيفة، والاران: التابوت الذي تحمل فيه الموتى، واللاحب: الطريق الواضح، والبرجد: كساء من اكسية العرب.

(1/395)


تفسير التبيان ج1
من النبي صلى الله عليه وآله لانه لا يجوز ذلك من حيث ينفر عنه، ويجوز ذلك على الامة بان يؤمروا بترك قراءتها، وينسونها على طول الايام.
ويجوز ان ينسيهم الله (تعالى) ذلك وان كانوا جمعا كثيرا، ويكون ذلك معجزا بمعنى الترك من قوله: " نسوا الله فنسيهم "(1) والاول عن قتادة، والثاني عن ابن عباس وقال معناه: نتركها لا نبدلها.
وقال الزجاج: ننسها بمعنى نتركها خطأ، انما يقال: نسيت بمعنى تركت، ولا يقال انسيت بمعنى تركت وانما معنى ننساها نتركها، اي ان نامركم بتركها.
قال الرماني: انما فسر المفسرون على ما يؤول اليه المعنى لانه اذا امر بتركها، فقد تركها.
فان قيل: اذا كان نسخ الآية رفعها، وتركها فما معنى ذلك إلا ان يترك، ولم جمع بينهما؟ قيل: ليس معنى تركها الا ان يترك، وقد غلط الزجاج في توهمه ذلك، وانما معناه اقرارها، فلا ترفع، كما قال ابن عباس: يتركها، ولا نبدلها وانما قال: " الم تعلم ان الله على كل شئ قدير " تنبيها على انه يقدر على ايات وسور مثل القرآن ينسخ بها امره لنا فيه بما امرنا، فيقوم في النفع مقام المنسوخ. او اكثر.
وقال بعضهم: معنى " او " في الآية الواو، كان قال: ما ننسخ من ايه وننساها نات بخير منها، فعلى هذا زالت الشبهة.
فان قيل: اي تعلق بين هذه الآية وبين التي قبلها؟ قلنا: لما قال في الآية الاولى " ما يود الذين كفروا من اهل الكتاب ولا المشركين ان ينزل عليكم من خير من ربكم " دل في هذه الآية على انه جل وعز، لايخليهم من إنزال خير اليهم، خلاف ما يود اعداؤه لهم: فان قيل: هل يجوز نسخ القرآن بالسنة أم لا؟ قلنا فيه خلاف بين الفقهاء، ذكرناه في اصول الفقه، وبين اصحابنا ايضا فيه خلاف، إلا ان يقوى في النفس جواز ذلك.
وقد ذكرنا ادلة الفريقين، الشبه فيها في اصول الفقه - لايحتمل ذكرها هذا المكان. وانما اخرنا ذلك، لان تلاوة القرآن، والعمل بما فيه تابع للمصلحة، ولا يمتنع ان تتغير المصلحة، تارة في التلاوة فتنسخ، وتارة في الحكم فينسخ، وتارة فيهما فينسخان. وكذلك لايمتنع ان تكون المصلحة في ان تنسخ، تارة بقرآن، وتارة
---
(1) سورة التوبة: آية 68.

(1/396)


تفسير التبيان ج1
بالسنة المقطوع بها. فذلك موقوف على الادلة.
وقوله: " نأت بخيرمنها " لا يدل على ان السنة خير من القرآن، لان المراد بذلك نأت بخير منها من باب المصلحة. على ان قوله: " نات بخير منها " فمن اين ان ذلك الخبر يكون ناسخا. فلا متعلق في الآية يمنع من ذلك. والاولى جوازه. على ان هذا وان كان جائزا، فعندنا انه لم يقع، لانه لا شئ من ظواهر القرآن يمكن ان يدعى انه منسوخ بالسنة اجماعا، ولا بدليل يوجب العلم. واعيان المسائل فيها خلاف، نذكر ما عندنا فيه - اذا مررنا بتاويل ذلك.
واما ما روي عن ابن سعيد ابن المسيب من انه كان يقرأ (أو تنسها) بالتاء المعجمة من فوق، وفتح السين - فشاذ، لا نلتفت اليه، لانا قد بينا ان النبي " ص " لا يجوز عليه ان ينسى شيئا من وحي الله.
وكذلك ما روي عن ابي رحا العطاردي " ننسها " بضم النون الاولى، وفتح الاخرى، وتشديد السين - ذكرها شاذة.
وفي الآية دليل على ان القرآن غير الله، وان الله هو المحدث له، والقادر عليه، لان ما كان بعضه خيرا من بعض، او شرا من بعض، فهو غير الله لا محالة. وفيها دليل ان الله قادر عليه، وما كان داخلا تحت القدرة، فهو فعل، والفعل لا يكون إلا محدثا، ولانه لو كان قديما لما صح وجود النسخ فيه، لانه اذا كان الجميع حاصلا فيما لم يزل، فليس بعضه بان يكون ناسخا، والاخر منسوخا باولى من العكس.
فان قيل: لم قال: " ألم تعلم ان الله " او ما كان النبي " ص " عالما بان الله على كل شئ قدير؟ قلنا عنه جوابان: احدهما - ان معنى قوله: " الم تعلم " اما علمت؟ والثاني - انه خرج ذلك مخرج التقرير، كما قال: " أأنت قلت للناس "(1).
وفيه جواب ثالث - انه خطاب للنبي " ص " والمراد امته، بدلالة قوله بعد ذلك: " وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ".
---
(1) سورة المائدة آية 116.

(1/397)


تفسير التبيان ج1
قوله تعالى: ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والارض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير(107)
آية.
المعنى: " الولي " في الآية: هو القيم بالامر. من وليه الشئ. ومنه ولي عهد المسلمين.
ومعنى قوله: " من دون الله " سوى الله.
قال امية بن ابي الصلت:
يا نفس مالك دون الله من واقي
وما على حدثان الدهر من باقي(2)
وفي قوله: " مالكم من دون الله من ولي ولا نصير " ثلاثة اوجه:
احدها - التحذير من سخط الله وعقابه اذ لا احد يمنع منه.
والثاني - التسكين لنفوسهم: ان الله ناصرهم دون غيره، اذ لا يعتد بنصر احد مع نصره.
والثالث - التفريق بين حالهم، وحال عباد الاوثان. مدحا وذما لاؤلئك.
وبهذا قال ابوعلي الجبائي، وإنما للنبي " ص " " الم تعلم ان الله له ملك السماوات والارض " وان كان النبي " ص " عالما بان له ملك كله، لامرين: احدهما - التقرير والتنبيه الذي يؤول إلى معنى الايجاب كما قال جرير:
ألستم خير من ركب المطايا
واندى العالمين بطون راح؟
وانكر الطبري ان يدخل حرف الاستفهام على حرف الجحد بمعنى الاثبات والبيت الذي انشدناه، يفسد ما قاله، وايضا قوله: " أليس ذلك بقادر على ان يحيي الموتى "(2) وقوله: " أليس الله بكاف عبده "(3) وغير ذلك يفسد ما قاله.
---
(1) ديوانه: 43 في المطبوعة (راق) بدل (واق).
(2) سورة الانسان: آية 40.
(3) سورة الزمر: آية 36.

(1/398)


تفسير التبيان ج1
والوجه الثاني - انه خطاب للنبي صلى الله عليه وآله والمراد به امته كما قال: " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء "(1) وقال جميل بن معمر:
ألا ان جيراني العشية رائح
دعتهم دواع من هوى ومنادح(2)
وانما يحسن ذلك، لان غرضه الخبر عن واحد فلذلك قال: رائح وقال أيضا:
خليلي فيما عشتما هل رأيتما
قتيلا بكى من حب قاتله قبلي(3)
يريد قاتلته، فكنى بالمذكر بالمذكر عن المؤنث.
قال الكميت:
إلى السراج المنير احمد لا
يعدلني رغبة ولا رهب(4)
عنه إلى غيره ولو رفع الن_
اس الي العيون وارتقبوا(5)
وقيل افرطت بل قصدت ولو
عنفنى القائلون او ثلبوا(6)
لج بتفضيلك اللسان ولو
اكثر فيك الضجاج واللجب
(7) انت المصفى المحض المهذب في الن_
سبة إن نص قومك النسب(8)
قالوا: انما خرج كلامه على وجه الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله، واراد به أهل بيته بدلالة قوله: ولو اكثر فيك الضجاج واللجب، لانه لا أحد يوصف من المسلمين بتعنيف مادح النبي صلى الله عليه وآله ولا باكثار الضجاج واللجب في إطناب القول فيه، وانما قال: " له ملك السموات " ولم يقل ملك، لانه اراد ملك السلطان والملكة دون الملك.
---
(1) سورة الطلاق: آية 2.
(2) لم نجده في ديوانه، منادح: البلاد الواسعة البعيدة.
(3) الامالي 2: 74 والاغاني 1: 117 و 7: 140. في المخطوطة والمطبوعة " أو " بدل " هل ".
(4) الهاشميات 34 والحيوان للجاحظ 170 - 171.
(5) " عنه إلى غيره " متعلق بقوله: " لا يعدلني.. " في البيت قبله.
(6) افرطت: جاوزت الحد.
قصدت: عدلت بين الافراط والتقصير.
الثلب: العيب والذم.
في المخطوطة والمطبوعة " العالمون " بدل " القائلون ".
(7) فيك - هنا -: بسببك ومن اجلك.
الضجاج: مصدر ضاجه - بتشديد الجيم - يضاجه مضاجة وضجاجا: المشاغبة مع الصياح.
واللجب ارتفاع الاصوات واختلاطها طلبا للغلبة.
(8) هذب الشئ: نقاه من كل ما يعيب. نص الشئ: رفعه وأبانه. يعني أبان فضلهم على غيرهم.

(1/399)


تفسير التبيان ج1
يقال من ذلك: ملك فلان على هذا الشئ يملكه ملكا وملكا وملكا. والنصير فعيل من قولك: نصرتك انصرك فأنا ناصر ونصير، وهو المؤيد والمقوي.
قوله تعالى: أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالايمان فقد ضل سواء السبيل(108)
آية بلا خلاف.
سبب النزول: اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية، فروي عن ابن عباس أنه قال: قال رافع بن خزيمة، ووهب بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وآله إئتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرأه، وفجر لنا انهارا، نتبعك ونصدقك، فانزل الله في ذلك من قولهما " أم تريدون ان تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل " وقال الحسن عنى بذلك المشركين من العرب لما سألوه فقالوا " أو تاتي بالله والملائكة قبيلا "(1) وقالوا: " او نرى ربنا "(2) وقال السدي: سالت العرب محمدا صلى الله عليه وآله أن ياتيهم بالله فيروه جهرة.
وقال مجاهد: سألت قريش محمدا أن يجعل لهم الصفا ذهبا. فقال نعم هو لكم كالمائدة لبني إسرائيل. فأبوا ورجعوا.
وقال ابوعلي: روي ان النبي صلى الله عليه وآله سأله قومه ان يجعل لهم ذات أنواط كما كان للمشركين ذات انواط وهي شجرة كانوا يعبدونها، ويعقلون عليها التمر، وغيره من الماكولات. كما سألوا موسى " اجعل لنا الها كما لهم الهة "(3) ومعنى " أم " في قوله: " أم تريدون " التوبيخ وإن كان لفظها لفظ الاستفهام كقوله تعالى " كيف تكفرون بالله "(4).
---
(1) سورة الاسراء: آية 92.
(2) سورة الفرقان: آية 21.
(3) سورة الاعراف: آية 137.
(4) سورة سورة البقرة: آية 38.

(1/400)


تفسير التبيان ج1
اللغة: وأم على ضربين: متصلة، ومنفصلة: فالمتصلة عديلة الالف وهي مفرقة لما جمعته اي.
كما ان او مفرقة لما جمعته احد تقول: اضرب ايهم شئت أزيدا ام عمرا ام بكرا.
والمنفصلة غير المعادلة لالف الاستفهام قبلها لا يكون الا بعد كلام، لانها بمعنى بل والالف كقول العرب: إنها لابل ام شاة كانه قال: بل شاة هي.
ومنه قوله: " الم تنزيل الكتاب لاريب فيه من رب العالمين.
أم يقولون افتراه "(1) كانه قال: بل يقولون: افتراه.
وكذلك " أم تريدون " كانه قيل: بل تريدون وقال الاخطل.
كذبتك عينك ام رأيت بواسط
غلس الظلام من الرباب خيالا(2)
وقال الفراء: إن شئت قلت قبله استفهام فترده عليه. وهو قوله: " ألم تعلم ان الله على كل شئ قدير " وقال الرماني في هذا بعد أن تكون على المعادلة ولابد ان يقدر له أم تعلمون خلاف ذلك " فتسألون رسولكم كما سئل موسى من قبل " والمعنى(3) أنهم يتخيرون الايات ويسالون المحالات. كما سئل موسى، فقالوا: " اجعل لنا إلها كما لهم الهة " وقالوا " لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة "(4) وهذا الوجه اختاره البلخي والمغربي وحكي عن بعضهم أن ذلك عطف على قوله: " افتؤمنون ببعض الكتاب "(5) وقيل ايضا لما قيل لهم قولوا: " انظرنا واسمعوا "(6) كان تقدير الكلام فهل تعقلون هذا ام تريدون ان تسألوا رسولكم.
---
(1) سورة الم - السجدة آية 3.
(2) ديوانه 41. واسط قرية غربي الفرات وهي من منازل بنى تغلب. الفلس ظلمة اخر الليل اذا اخطلطت بتباشير الصباح. في المطبوعة والمخطوطة " عكس " بدل " غلس ".
(3) في المخطوطة والمطبوعة " والمعنى عنهم بانهم ".
(4) سورة البقرة: آية 55.
(5) سورة البقرة: آية 85.
(6) سورة البقرة: آية 104.

(1/401)


تفسير التبيان ج1
وقوله: " سواء السبيل " معناه قصد الطريق - على قول الحسن - وسواء بالمد تكون على ثلاثة اوجه بمعنى قصد وعدل، وبمعنى وسط. كقوله: " خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم "(1) وقوله: " فاطلع فرآه في سواء الجحيم "(2) اي وسطها قال حسان:
ياويح انصار النبي ونسله
بعد المغيب في سواء الملحد(3)
وتكون بمعنى غير كقولك للرجل اتيت سواك أي غيرك.
ومعنى ضل هاهنا الذهاب عن الاستقامة قال الاخطل:
كنت القذى في موج اكدر مزبد
قذف الاتي به فضل ضلالا(4)
أي ذهبت يمينا وشمالا والسبيل والطريق والمذهب نظائر ويقال: اسبل اسبالا وسبله تسبيلا. والسبيل يذكر ويؤنث، والجمع السبل.
والسابلة: المختلفة في الطرقات في حوائجهم، والجمع السوابل.
وسبل سابل كقولهم شعر شاعر.
والسبلة ما على الشفة العليا من الشعر بجمع الشاربين وما بينهما والسبل المطر المسبل والمسبولة هي سنبلة الذرة والارز ونحوه اذا مالت ويقال للزرع اذا سنبله: سنبلة ويقال اسبلت اسبالا: اذا ارخيته.
واسبل الرجل ازاره: اذا ارخاه من الخيلاء قال الشاعر: واسبل اليوم من برديك اسبالا وأصل الباب الاسبال: وهو الحد.
والسؤال: هو الطلب ممن يعلم معنى الطلب أمرا من الامور.
ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها والتعلق بينهما انه لما دل الله بما تقدم من الآيات على تدبير الله لهم فيما ياتي به من الآيات وما ينسخه فكانه قال:
---
(1) سورة الدخان: آية 47.
(2) سورة الصافات: آية 55.
(3) ديوانه: 98. وروايته " رهطه " بدل نسله وفى المخطوطة كما اثبتنا وفي المطبوعة " قبله ". والقصيدة يرثي بها رسول الله " ص " المغيب من غيب: وارى. اللحد: القبر.
(4) ديوانه: 50 القذى: ما يكون فوق الماء من اوساخ.
وقوله: (اكدر): بحر كدر بعد صفاء مزيد: بحر هائج يقذف بالزيد. الاتي السيل. ورواية الديوان: (في لج اكدر).

(1/402)


تفسير التبيان ج1
ام لا ترضون بذلك فتخيروا الآيات وتسألوا المحالات " كما سئل موسى " لان الله تعالى انما يأتي بالآيات على ما يعلم فيها من المصلحة، فاذا اتى بآية تقوم بها الحجة فليس لاحد الاعتراض عليها، ولا له اقتراح غيرها. لانه تعنت اذ قد صح البرهان بها.
وقوله: " ومن يتبدل الكفر بالايمان " معناه من يستبدل الكفر يعني الجحود بالله وباياته بالتصديق بالله وبايآياته وبالاقرار به.
وقال بعضهم عبر بالكفر هاهنا عن الشدة وبالايمان عن الرخاء وهذا غير معروف في اللغة ولا العرف الا ان يراد بذلك الثواب والعقاب اللذان يستحقان عليهما فيكون له وجه في التنزيل.
قوله تعالى: ود كثير من اهل الكتاب لو يردونكم من بعد ايمانكم كفارا حسدا من عند انفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بامره ان الله على كل شئ قدير(109)
آية واحدة.
المعنى بقوله: " ود كثير من اهل الكتاب " عن الحسن - النصارى واليهود.
وقال الزهري، وقتادة: كعب بن الاشراف، وعن ابن عباس حي بن اخطب، وابوياسر بن اخطب. وحسدا نصب على أحد أمرين: أحدهما - على الجملة التي قبله بدلا من الفعل. كانه قال: حسدوكم حسدا كانه قال: نحسدك حسدا. والآخر: ان يكون مفعولا. كانه قال: يردونكم لاجل الحسد كما تقول: جئته خوفا منه.
تقول حسدت احسد حسدا، وحسدتك على الشئ، وحسدتك الشئ بمعنى واحد.
قال الشاعر:
فقلت إلى الطعام فقال منهم
فريق نحسد الانس الطعاما(1)
---
(1) اللسان: " حسد ". وروايته " زعيم " بدل " فريق ".
قال ابن بري: الشعر لشمر بن ذي الحرث الضبى وربما روي لتأبط شرا.
وانكر ابوالقاسم الزجاجي رواية من روى " عموا صباحا " واستدل على ذلك بأن هذا البيت من قطعة كلها من روي الميم. قال ابن برى.
قد وهم ابوالقاسم في هذا أو لم تبلغه هذه الرواية لان الذمي يرويه عموا صباحا يذكره مع ابيات كلها على روي الحاء وهي للخرع بن سنان الغساني.
ومن جملة الابيات:
نزلت بشعب واد الجن لما
رأيت الليل قد نشر الجناحا
- باختصار عن اللسان -

(1/403)


تفسير التبيان ج1
ورجل حاسد وحسود، وحساد. والحسد هو الاسف بالخير على من له خير.
واشد الحسد التعرض للاغتمام بكون الخير لاحد. وقد يكون الحاسد متمنيا لزوال النعمة عن المحسود وان لم يكن يطمع في تحول تلك النعمة. والصفح هو التجاوز عن الذنب. والصفح، والعفو، والتجاوز بمعنى واحد.
يقال صفح صفحا وتصفح تصفحة، وتصافحوا تصافحا والصفحة ما كان من ظاهر الشئ.
يقال لظاهر جلد الانسان: صفحة، وكذلك هو من كل شئ.
ومن هذا صافحته: اي لقيت صفحة كفه صفحة كفي.
وفي الحديث النشيج للرجال والتصفح للنساء: اي التصفيق. فانما هو لانها تضرب بصفحة كف على صفحة الاخرى.
وانشد الاصمعي:
كأن مصفحات في ذراه
وانواحا عليهن المآلى(2)
المآلي جمع مئلاة وهي خرقة تمسكها النايحة تقلص بها دمعتها. والصفاح من السيوف العراض واحدها صفحة وصفحة.
وقال:
ضربناهم حتى اذا ارفض جمعهم
علوناهم بالمرهفات الصفائح
وصفحت عنه قيل فيه قولان: احدهما - اني آخذه بذنبه. وابديت له مني صفحة جميلة. (الثاني) وقيل بل لم ير مني ما يقبض صفحته.
وتقول صفحت الورقة: اي تجاوزتها إلى غيرها. ومنه تصفحت الكتاب، وقد تصفح الكتاب، وقد يتصفح الكتاب من لا يحسن ان يقرأ. ويسمى الصفح
---
(1) اللسان " صفح " وقد نسب البيت إلى لبيد. وفي المطبوعة والمخطوطة " بايديها " بدل " عليهن " المصفحات - بكسر الفاء وتشديدها - نساء يصفقن بايدبهن في ماتم.
وروي " مصفحات " - بفتح الفاء وتشديدها - اريد بها السيوف العريضة.

(1/404)


تفسير التبيان ج1
من المصحف وغيره من الدفاتر من الصفحة. ومنه " فاصفح الصفح الجميل "(1).
وقوله: " فاعفوا واصفحوا " قال الحارث بن هشام:
وصفحت عنهم والاحبة فيهم
طمعا لهم بعقاب يوم سرمد
اي لم احاربهم لافبض صفاحهم، او اريهم ذلك في نفسي.
ويقال نظر اليهم صفحا بقدر ما ابدي صفحته لم يتجاوز. والصفاح موضع سمي بذلك، لانه صخور مستوية تبدو صفائحها. وأصل الباب صفحة الشئ وهي ظاهره.
وقوله: " من عند انفسهم "
قال الزجاج: متعلق ب_" ود كثير " لابقوله: " حسدا "، لان حسد الانسان، لايكون من غير نفسه. وقد يجوز ان يتصل بقوله: " حسدا " على التوكيد. كما قال تعالى: " ولاطائر يطير بجناحية "(2) ويحتمل وجها آخرا وهو ان اليهود كما يضيفون الكفر والمعاصي إلى الله تعالى، فقال الله: " من عند انفسهم " تكذيبا لهم انها من عند الله.
وقوله: " من بعد ما تبين لهم الحق "
قال قتادة: من بعد ما تبين لهم ان محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله والاسلام دين الله. وهو قول الربيع والسدي وابن زيد، وروى عن ابن عباس مثله.
وقال بن عباس: ان قوله: " فاعفوو اصفحوا حتى يأتي الله بامره " منسوخة بقوله: " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم "(3).
وقال قتادة نسخت بقوله: " قاتلوا المشركين الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر " الآية.
وبه قال الربيع والسدي.
وروي عن ابي جعفر محمد بن علي: انه قال: لم يؤمر رسول الله صلى الله عليه وآله بقتل، ولا اذن له فيه حتى نزل جبرائيل (ع) بهذه الآية " اذن للذين يقاتلون بانهم ظلموا "(4) وقلده سيفا.
---
(1) سورة الحجر: آية 85.
(2) سورة الانعام: آية 38.
(3) سورة التوبة: آية 6.
(4) سورة الحج: آية 39.

(1/405)


تفسير التبيان ج1
وقوله: " حتى يأتي الله بأمره " قال ابوعلي: " بامره " لكم يعاقبهم او يعافيهم هو على ذلك، ثم اتى بامره فقال: " قاتلوا الذين لايؤمنون بالله "(1)
وقوله: " ان الله على كل شئ قدير " قيل فيه ثلاثة اقوال: قال ابوعلي: انه قدير على عقابهم اذ هو " على كل شئ قدير ".
وقال الزجاج: قدير على ان يدعو إلى دينه بما احب مما هو الاليق بانجائكم اي فيأمر بالصفح تارة وبالعقاب اخرى على حسب المصلحة.
والثالث - انه لما امر بالامهال، والتأخير في قوله: " فاعفوا واصفحوا " كأن فيه تعلق النفس بالعافية في ذلك، فقال امهلوهم فانهم لا يعجزون الله، ولا يفوتونه، اذ هو " على كل شئ قدير ". وانما امرهم بالصفح، والعفو وان كانوا مضطهدين مقهورين مقموعين، من حيث ان كثيرا من المسلمين كانوا عزيزين في عشائرهم، وأقوامهم يقدرون على الانتصار والانتقام من الكفار، فامرهم الله تعالى بان يعفوا وإن قدروا حتى يأتي الله بامره.
---
(1) سورة التوبة: آية 30.

(1/406)


تفسير التبيان ج1
الآية: 110 - 119
قوله تعالى: وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لانفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير(110)
آية واحدة بلا خلاف.
ان قيل ما المقتضي لذكر الصلاة والزكاة هاهنا، قلنا: انه تعالى لما اخبرهم بشدة عداوة اليهود لهم وامرهم بالصفح عنهم قال: " اقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " فان في ذلك معونة على الصبر مع ما تجزون بهما من الثواب والاجر، كما قال في موضع آخر: " واستعينوا بالصبر والصلاة ".
وقوله: " وما تقدموا " معنى (ما) الجزاء وجوابه " تجدوه ". ومثله " ما
يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها " والخير المذكور في الآية هو العمل الصالح الذي يرضاه الله.
ومعنى " تجدوه " اى تجدوا ثوابه.
وكذا قال الربيع كما قال ابن نجا: وسبحت المدينة لا تلمها(1) اي سبحت اهل المدينة.
وقوله: " ان الله بما تعملون بصير " معناه انه لا يخفى عليه شئ من اعمالكم. جازاكم على الاحسان بما تستحقونه من الثواب، وعلى الاساءة بما تستحقونه من العقاب، فاعملوا عمل من يدري انه يجازيه من لا يخفى عليه شئ من عمله، ففي ذلك دلالة على الوعد، والوعيد، والامر والزجر، وان كان خبرا عن غير ذلك في اللفظ.
قوله تعالى: وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك امانيهم قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين(111)
آية بلا خلاف.
المعنى: قوله: " هودا " يريد يهودا فحذف الياء المزادة ووحد كان، لان لفظة (من) قد تكون للواحد وتكون للجماعة والعرب تقول: من كان صاحباك. ولا يجوز الوقف على قوله: " وقالوا " بل يجب صلته بقوله: " لن يدخل الجنة " الآية.
فان قيل كيف جمع بين اليهود والنصارى في الحكاية مع افتراق مقالتهما في المعنى، وكيف يحكي عنهما ما ليس يقول لهما؟ قلنا: فعل ذلك للايجاز والاختصار وتقديره: قالت اليهود: لن يدخل الجنة الا من كان يهوديا، وقالت النصارى، لن يدخل الجنة الا من كان نصرانيا، فادرج الخبر عنهما للايجاز من غير اخلال، اذ شهرة حالهما تغني عن البيان.
---
(1) وعجز البيت: رأت قمرا بسوقهم نهارا.

(1/407)


تفسير التبيان ج1
ومثله في الادراج، والجمع من غير تفصيل قوله: " قلنا اهبطوا "(1) وانما كانت الصورة إهبط لا بليس، ثم قيل اهبطا لادم وحواء فحكاه على المعنى وتقدير الكلام.
وقال بعض اهل الكتاب: لن يدخل الجنة الا من كان هودا.
وقال بعضهم: لن يدخل الجنة الا من كان نصارى: والبعض الثاني غير الاول الا انه لما كان اللفظ واحدا أجمع مع الاول.
قال حسان بن ثابت:
فمن يهجو رسول الله منكم
ويمدحه وينصره سواء(2)
تقديره ومن يمدحه وينصره.
غير انه لما كان اللفظ واحدا أجمع مع الاول، وصار كانه اخبار به عن جملة واحدة. وانما كان(3) حقيقة عن بعضين متفرقين.
ومثله " هو الذي خلقكم من نفس واحدة "(4) يعني آدم، ثم قال " وجعل منها زوجها "(5) اي من النفس بمعنى الجنس فهو في اللفظ على مخرج الراجع إلى النفس الاولى.
وفي تحقيق المعنى لغيرها وهذا قول اكثر المفسرين السدي وغيره وفي معنى(6) هود ثلاثة اقوال.
احدها - انه جمع هائد وهود كحائل وحول وعائد وعود وعائط وعوط وهو جمع المذكر والمؤنث على لفظ الواحد. والهائد: التائب الراجع إلى الحق.
والوجه الثاني - ان يكون مصدرا يصلح للواحد والجمع. كما يقال: رجل فطر، وقوم فطر ونسوة فطر ورجل صوم وقوم صوم.
والثالث - ان يكون معناه إلا من كان يهوديا الا ان الياء الزائدة حذفت. ورجع إلى معنى الاصل من اليهود.
ومعنى " امانيهم " قال المؤرخ: اباطيلهم - بلغة قريش - وقال قتادة: اماني يتمنونها على الله كاذبة وبه قال الربيع.
---
(1) سورة البقرة: آية 36.
(2) ديوانه من قصيدة يذم بها أبا سفيان حين علم أن أبا سفيان هجا رسول الله " ص " ومطلعها:
ألا ابلغ أبا سفيان عني
فانت مجوف بخب هواء
(3) في المطبوعة " كان " ساقطة. " 4، 5 " سورة الاعراف: آية 188.
(6) في المطبوعة " معنى " ساقطة.

(1/408)


تفسير التبيان ج1
وقيل ايضا معناه تلك أقاويلهم وتلاوتهم كما قال " لا يعلمون الكتاب الا اماني "(1) اي تلاوة.
ومعنى " هاتوا " احضروا.
وهو وإن كان على لفظ الامر المراد به الانكار والتعبير. وتقديره ان آتيتم ببرهان صحت مقالتكم. ولن ياتوا به، لان كل مذهب باطل فلا برهان عليه.
اللغة: والبرهان والحجة والدلالة والبيان بمعنى واحد، وهو ما أمكن الاستدلال به على ما هو دلالة عليه مع قصد فاعله إلى ذلك.
وفرق الرماني بين الدلالة والبرهان بأن قال: الدلالة قد تنبئ عن معنى فقط، لاتشهد بمعنى اخر، وقد تنبئ عن معنى يشهد بمعنى اخر، والبرهان ليس كذلك، لانه بيان عن معنى ينبئ عن معنى اخر، وهذا الذي ذكره لايسلم له لانه محض الدعوى وبه قال الحسن، ومجاهد والربيع والسدي.
المعنى: " هاتوا برهانكم " اي حجتكم.
وفي الآية دلالة على فساد التقليد لانه لو جاز التقليد، لما ألزم القوم ان ياتوا فيما قالوه ببرهان. وقد يجوز في العربية امانيهم بالتخفيف على ما ذكره الزجاج. والثقيل اجود.
قوله تعالى: بلى من اسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون(112)
آية بلا خلاف.
- فان قيل: اليس بلى انما تكون في جواب الاستفهام مثل قوله " الست بربكم قالوا بلى " فكيف دخلت هاهنا؟ قلنا إنما جاز ذلك لانه يصلح ان يكون تقديره أما
---
(1) سورة البقرة: آية 78.

(1/409)


تفسير التبيان ج1
يدخل الجنة احد فقيل " بلى من اسلم وجهه الله " لان ماتقدم يقتضي هذا السؤال، ويصلح ان يكون جوابا للجحد على التكذيب - كقولك: ما قام زيد فيقول: بلى قد قام، ويكون التقدير هاهنا ليس الامر كما قال الزاعمون " لن يدخل الجنة الا من كان هودا او نصارى " ولكن " من اسلم وجهه لله وهو محسن " فهو الذي يدخلها وينعم فيها، أو بلى من اخلص نفسه لطاعة الله.
ومعنى اسلم يحتمل امرين: احدهما - اسلم إلى كذا بمعنى صرفه اليه كقولك اسلمت الثوب اليه، والثاني - اسلم له بمعنى اخلص له من قولك: قد سلم الشئ لفلان اذ اخلص له.
ومنه قوله: " ورجلا سلما لرجل "(1) اي خالصا وقال زيد ابن عمرو بن نفيل:
واسلمت نفسي لمن اسلمت
له المزن تحمل عذبا زلالا(2)
وانما جاز اسلم وجهه لله على معنى اسلم نفسه لله على مجرى كلام العرب في استعمال وجه الشئ، وهم يريدون نفس الشئ، إلا انهم ذكروه باللفظ الاشرف الابنه ودلوا عليه به.
كما قال عزوجل: " كل شئ هالك إلا وجهه "(3) أي إلا هو.
وقال: " كل من عليها فان ويبقى وجه ربك "(4) وقال الاعشى:
أؤول الحكم على وجهه
ليس قضائي بالهوى الجائر(5)
يعني على ما هو من صحته، وصوابه.
وقال ذو الرمة:
فطاوعت همي وانجلى وجه بازل
من الامر لم يترك خلاجا بزولها(6)
---
(1) سورة الزمر آية 29.
(2) سيرة ابن هشام 1: 246 المزن واحدته مزنة: وهو السحاب عامة.
وقيل: المزن: السحاب البيضاء.
(3) سورة القصص آية: 88.
(4) سورة الرحمان: آية 27.
(5) ديوانه: 143. رقم القصيدة 18. اول الحكم إلى اهله: رده اليهم. الجائر: المنحرف عن الصواب.
في المطبوعة والمخطوطة " وأول " بدل " أؤول ". " ب_" ديوانه: 56 من قصيدة يمدح بها عبيد الله بن عمر بن عبيد الله بن معمر التميمي طاوعت همي: طاوعت ما همت به نفسي.
وقوله: بازل من الامر هذا مثل.
يقال: بزل ناب البعير يزولا اي انشق وظهر.
وخطة بزلاء: تفصل بين الحق والباطل. والخلاج: الشك والتردد.
والبيت في المطبوعة هكذا:
فطاعت هي وانجل اوجه نازل
من الامر لم يترك خلاجا تزولها
وفي المخطوطة قريب من هذا

(1/410)


تفسير التبيان ج1
يريد انجلى البازل من الامر.
وقال ابن عباس: اسلم وجهه لله: اخلص عمله لله.
وقال الربيع: اخلص لله.
وقال الحسن: يعني بوجهه: وجهه في الدين.
وقيل معناه استسلم لامر الله.
ومن الوجه يقال: توجه توجها، وواجه مواجهة، وتواجهوا تواجها.
والجهة: النحو.
تقول: كذا على وجه كذا، والوجهة القبلة شبهها في كل وجهة: اي كل وجه استقبلته، واخذت فيه. وتقول توجهوا اليك، ووجهوا اليك.
كل يقال: غير أن قولك: توجهوا اليك على معنى ولو اليك وجوههم. والتوجه الفعل اللازم.
والوجاه والتجاه لغتان: وهو ما استقبل شئ شيئا تقول دار فلان تجاه دار فلان.
والمواجهة: استقبالك بكلام او بوجه.
وأصل الباب الوجه مستقبل كل شئ ووجه الانسان: محياه.
ونقيض الوجه القفاء.
ويقال: وجه الكلام، تشبيها بوجه الانسان، لانه اول ما يبدو منه، ويعرف به.
وقد يقال في الجواب: هذا وجه وذلك خلف، تشبيها ايضا من جهة الحسن، لان الغالب في الوجه انه احسن.
ويقال: هذا وجه الرأي الذي يبدوا منه، ويعرف به.
والوجه من كل شئ: اول ما يبدو، فيظهر بظهور ما بعده.
وقوله: " وهو محسن " في موضع نصب، لانه في موضع الحال.
وانما قال: " فله اجره " على التوحيد، ثم قال: " ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون " على الجمع لان (من) لفظها لفظ الواحد، ومعناها الجمع، فمرة تحمل على اللفظ: واخرى على المعنى كما قال: " ومنهم من يستمع اليك "(1) وفي موضع اخر " ومنهم من يستمعون اليك "(2).
وقال الفرزدق:
تعال فان عاهدتني لا تخونني
نكن مثل من ياذئب يصطحبان(3)
---
(1) سورة انعام: آية 25 وسورة محمد: آية 16.
(2) سورة يونس: آية 42.
(2) انظر 1: 248.

(1/411)


تفسير التبيان ج1
فثنى واللفظ واحد لاجل المعنى.
فان قيل اذا كان قد ذكر " فلهم اجرهم عند ربهم " فلم قال: " ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون " قيل عن ذلك جوابان: احدهما - الدلالة على انهم على يقين لا على رجاء يخاف معه ألا يكون الموعود به.
والثاني - الفرق بين حالهم، وبين حال اهل العقاب الذي يخافون ويحزنون.
قوله تعالى: وقالت اليهود ليست النصارى على شئ وقالت النصارى ليست اليهود على شئ وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون(113)
آية بلا خلاف.
النزول: اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية فقال ابن عباس: انه لما قدم اهل نجران من النصارى على رسول الله " ص " اتتهم احبار يهود، فتنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه وآله فقال رافع بن خويلد: ما انتم على شئ، وكفر بعيسى وبالانجيل، فقال رجل من من اهل نجران من النصارى: ما أنتم على شئ وجحد بنبوة موسى، وكفر بالتوراة فأنزل الله في ذلك الآية إلى قوله: " فيما كانوا فيه يختلفون ".
وقال الربيع: هؤلاء اهل الكتاب الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله.
المعنى: ومعنى الآية احد شيئين: احدهما - حل الشبهة بانه ليس في تلاوة الكتاب معتبر في الانكار، لما لم يؤت على انكاره، ببرهان فلا ينبغي ان تدخل الشبهة بانكار اهل الكتاب لملة اهل الاسلام

(1/412)


تفسير التبيان ج1
اذ كل فريق من اهل الكتاب قد انكر ما عليه الآخر، ثم بين أن سبيلهم كسبيل من لا يعلم الكتب في الانكار لدين الاسلام من مشركي العرب، وغيرهم ممن الكتاب له فيهم، وجحدهم لذلك سواء اذ لا حجة معهم يلزم بها تصديقهم، لا من جهة سمع ولا عقل.
والوجه الآخر - الذم لمن انكر ذلك من اهل الكتاب على جهة العناد، اذ قد ساوى المعاند منهم للحق الجاهل به في الدفع له، فلم ينفعه علمه، بل حصل على مضرة الجهل كما حصل عليه من لا علم له به.
فان قيل: اذا كانت اليهود انما قالت: ليست النصارى على شئ في تدينها في التوراة فكيف قال: " كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم " وأهل الحق ايضا يقولون مثل قولهم؟ قيل: إن المعنى " كذلك قال الذين لا يعلمون الكتاب ". اي فقد ساووا في ذلك من لا كتاب له. وكما لا حجة في جحد هؤلاء كذلك لا حجة في جحدهم، ولم يساووا أهل الحق فيه، لانهم قالوه عن علم.
والمعني بقوله: " كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم " - في قول السدي - هم العرب الذين قالوا: ليس محمد صلى الله عليه وآله على شئ.
وقال الربيع: قالت النصارى: مثل قول اليهود قبلهم، ووجه هذا القول، اي فقد ساووكم يا معشر اليهود في الانكار " وهم لا يعلمون ".
وقال عطاء: هؤلاء الذين لا يعلمون امم كانت قبل اليهود والنصارى، وقبل التوراة والانجيل.
اللغة " والقيامة " مصدر إلا انه صار كالعلم على وقت بعينه، وهو الوقت الذي بعث الله عزوجل فيه الخلق، فيقومون من قبورهم إلى محشرهم.
تقول: قام يقوم قياما وقيامة: مثل عاد يعود عيادا وعيادة، وصانه صيانة، وعاده عيادة.
المعنى: وقوله: " فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون " يحتمل امرين:(1)
---
(1) أثبت ثلاثة أمور.

(1/413)


تفسير التبيان ج1
احدهما - قال الحسن حكمه فيهم ان يكذبهم جميعا ويدخلهم النار.
وقال ابوعلي: حكمه الانصاف من الظالم المكذب بغير حجة ولا برهان للمظلوم المكذب.
وقال الزجاج: حكمه ان يريهم من يدخل الجنة عيانا.
وهذا هو حكم الفصل في الآخرة فاما حكم العقل في الدنيا فالحجة التي دل الله بها على الحق من الباطل في الديانة.
قوله تعالى: ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها إسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أو يدخلوها إلا خائفين(114)
آية واحدة.
المعنى: اختلف المفسرون في المعنى بهذه الآية، فقال ابن عباس، ومجاهد، واختاره الفراء انهم الروم، لانهم كانوا غزوا بيت المقدس، وسعوا في خرابه حتى كانت أيام عمر، فاظهر الله عليهم المسلمين، وصاروا لا يدخلونه إلا خائفين: وقال الحسن وقتادة والسدي: هو بخت نصر خرب بيت المقدس.
قال قتادة: واعانه عليه النصارى.
وقال قوم: عنى به سائر المشركين، لانهم يريدون صد المسلمين عن المساجد، ويحبونه.
وقال ابن زيد، والبلخي، والجبائي والرماني: المراد به مشركي العرب.
وضعف هذا الوجه الطبري من بين المفسرين بان قال: إن مشركي قريش لم يسعوا قط في تخريب المسجد الحرام. وهذا ليس بشئ، لان عمارة المساجد بالصلاة فيها وخرابها بالمنع من الصلاة فيها.
وقد روي انهم هدموا مساجد كان أصحاب النبي يصلون فيها بمكة، لما هاجر النبي واصحابه.
وقال: وهو ايضا لا يتعلق بما قبله من ذم أهل الكتاب كما يتعلق اذا عنى به النصارى، وبيت المقدس.
فيصير الكلام منقطعا، فيقال له: قد جرى ذكر لغير أهل الكتاب من المشركين في قوله: " كذلك قال الذين لايعلمون " وهذا أقرب من اليهود والنصارى، ولان ذلك كله ذم: فمرة

(1/414)


تفسير التبيان ج1
يوجه إلى اليهود، ومرة إلى النصارى، ومرة إلى عباد الاوثان وغيرهم من أهل الشرك.
فان قيل: كيف قال: " مساجد الله " بالجمع وهو أراد المسجد الحرام، أو بيت المقدس؟ قيل عنه جوابان: احدهما - ان كل موضع منه مسجد، كما يقال لكل موضع من المجلس العظيم مجلس. فيكون اسما يصلح ان يقع على جملته، وعلى كل موضع سجود فيه.
(والثاني) - قال الجبائي لانه يدخل فيه المساجد التي بناها المسلمون للصلاة بالمدينة.
وقوله: " ممن منع "
اللغة: والمنع، والصد والحيلولة نظائر. وضد المنع الاطلاق.
يقال: منع منعا. وامتنع امتناعا. وتمنع تمنعا. وتمانع تمانعا. ومانعة ممانعة.
وقال صاحب العين: المنع: ان يحول بين الرجل وبين الشئ يريده.
وتقول: منعته فامتنع.
ورجل منيع لايخلص اليه وهو في عز ومنعة يخفف ويثقل.
وامرأة منيعة ممتنعة لا تؤاتى على فاحشة وقد تمنعت مناعة.
وكذلك الحصن وغيره تقول: منع مناعا: اذا لم يرم ومناع، أي امنع.
قال الشاعر:
مناعها من ابل مناعها
ألا ترى الموت لدى اوباعها(1)
المعنى: ومساجد الله قد بينا ان منهم من (قال) أراد المسجد الاقصى، ومنهم من (قال) أراد المسجد الحرام، ومنهم من قال: أراد جميع المساجد.
وروي عن زيد بن علي عن أبيه عليهما السلام انه أراد جميع الارض، لقوله
---
(1) لم نجد هذا البيت في مصادرنا ووجدنا بيتا يشبهه في شواهد سيبويه 1: 123 ولم ينسبه وهو !
تراكها من ابل تراكها
أما ترى الموت لدى أوراكها
وهذا ايضا موجود في الكامل للمبرد: 413.

(1/415)


تفسير التبيان ج1
عليه السلام: جعلت لي الارض مسجدا وترابها طهورا.
وقوله: " وسعى في خرابها "
اللغة: والسعي والعدو والركض نظائر. وضد السعي الوقف.
تقول: سعى(1) سعيا، واستسعى استسعاء وتساعوا تساعيا.
قال صاحب العين: السعي عدو دون الشديد. وكل عمل من خير أو شر، فهو السعي يقال: فلان يسعى على عياله أي يكسب لهم يقولون: ان السعي الكسب والعمل.
قال الشاعر:
سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا
فكيف لو قد سعى عمرو عقالين(2)
عقال صدقة عام.
والساعية ان تسعى بصاحبك إلى وال من فوقه.
والسعاية ما يستسعى به العبد من ثمن رقبته اذا اعتق بعضه، وهو ان يكلف من العمل ما يؤدي عن نفسه ما بقي ويقال سعى للسلطان اذا ولي الصدقة وساعي الرجل الامة: اذا فجربها. ولا تكون المساعاة إلا في الاماء.
واصل الباب: السعي: العدو.
وقوله: " في خرابها " فالخرب، والهدم، والنقض نظائر ونقيض الخراب العمارة.
يقال: خرب خرابا واخربه إخرابا. وتخرب تخربا وخربه تخريبا. والخرب الذكر من الحبارى والجمع الخربان.
قال الشاعر:
ما رأينا خربا ينفر عنه البيض صقر
لا يكون المهر جحشا لا يكون الجحش مهر
والخربة: سعة خرق الاذن.
قال ذو الرمة:
كأنه حبشي يبتغي أثرا
أو من معاشر في آذانها الخرب(3)
---
(1) في المطبوعة سعى ساقطة.
(2) انظرا: 300 فثمت ايضاح واف.
(3) اللسان (خرب) يصف نعاما شبهه برجل حبشي، لسوادة.
وقوله (يبتغي اثرا) لانه مدلى الرأس وفي آذانها الخرب: يعني السند.
وقيل الخربة سعة خرق الاذن في المطبوعة (اشرا) بدل (أثرا) و (جشي) بدل (حبشي).

(1/416)


تفسير التبيان ج1
والخربة: عروة المزادة وكذلك كل بيت مستدير.
والخارب: اللص.
وما رأينا من فلان خربة أي فسادا في دينه أو شينا. والخارب من شدائد الدهر.
قال الشاعر:
ان بها اكتل أو رزاما
خوير بين ينقفان الها ما(1)
والرزام: الهزال.
والخروبة شجرة الينبوت. والخرابة: سرقة الابل.
قال الاصمعي لا يكادون يسمون الخارب إلا سارق الابل وأصل الباب: الخراب ضد العمران.
وقوله: " ومن اظلم " رفع لانه خبر الابتداء وتقديره أي أحد اظلم.
وقوله: " ان يذكر " يحتمل وجوها من النصب قال الاخفش: يجوز ان يكون على حذف (من)، وتقديره من ان يذكر، ويجوز أن يكون على البدل من " مساجد الله "، وقال الزجاج: يجوز على معنى كراهية أن يذكر. وعلى الوجوه كلها العامل فيه (منع)
المعنى: ومعنى قوله: " اولئك ما كان لهم ان يدخلوها إلا خائفين " فيها خلاف.
قال قتادة: هم اليوم كذلك لا يوجد نصراني في بيت المقدس إلا انهك(2) ضربا، وابلغ اليه في العقوبة.
وبه قال السدي.
وقال ابن زيد: نادى رسول الله صلى الله عليه وآله ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
وقال الجبائي بين الله انه ليس لهؤلاء المشركين دخول المسجد الحرام، ولا دخول المساجد فان دخل منهم داخل إلى بعض المساجد، كان على المسلمين اخراجه منه إلا ان يدخل إلى بعض الحكام
---
(1) اللسان (خرب) الاكتل والكتال: هما شدة العيش. والرزام الهزال.
قال ابو منصور: اكتل ورزام - بكسر الراء - رجلان خاربان أي لصان.
وقوله: خوربان أى هما خاربان وصغرهما وهما اكتل ورزام، ونصب خوربين على الذم. والجمع خراب.
في المطبوعة والمخطوطة (خربيان) بدل (خويربين) و (نفقان) بدل (ينقفان)
(2) في المطبوعة " الا ازهك " بدل " الا انهك ".

(1/417)


تفسير التبيان ج1
بخصومة بينه وبين غيره إلى بعض القضاة، فيكون دخوله خائفا من الاخراج على وجة الطرد بعد انفصال خصومته، ولا يقعد مطمئنا كما كان يقعد المسلم. وهو الذي يليق بمذهبنا، ويمكن الاستدلال به على ان الكفار لا يجوز أن يمكنوا من دخول المساجد على كل حال.
فأما المسجد الحرام خاصة، فان المشركين يمنعون من دخوله، ولا يتركون ليدخلوه لحكومة، ولا غيرها، لان الله تعالى قد امر بمنعهم من دخوله بقوله: " ما كان للمشركين ان يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر "(1) يعني المسجد الحرام.
وقال الزجاج: أعلم الله ان أمر المسلمين يظهر على جميع من خالفهم حتى لا يمكن دخول مخالف إلى مساجدهم إلا خائفا.
وهو كقوله: " ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون "(2) كأنه قيل: أولئك ما كان لهم ان يدخلوها إلا خائفين، لاعزاز الله الدين واظهاره المسلمين.
قوله تعالى: لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم(114)
آية.
المعنى: قال قتادة: معناه انهم " يعطون الجزية عن يدوهم وهم صاغرون ".
وقال السدي: خزيهم في الدنيا انهم اذا قام المهدي، وفتحت قسطنطينية قتلهم، فلذلك خزيهم في الدنيا ان يقتلوا ان كانوا حربا، ويؤدون الجزية ان كانوا ذمة.
وقال الجبائي: الخزي لهؤلاء الكفار الذين امر بمنعهم من دخول المساجد على سبيل ما يدخلها المؤمنون.
وقوله: " ولهم في الآخرة عذاب عظيم " قال الفراء: يقول فيما وعد الله المسلمين من فتح الروم وان لم يكن بعد - والناس على خلافه، في ان معنى الآخرة
---
(1) سورة التوبة: آية 19.
(2) سورة التوبة: آية 34.

(1/418)


تفسير التبيان ج1
يوم القيامة. كأنه قيل: لهم في الآخرة عذاب جهنم.
قوله تعالى: ولله المشرق والمغرب فاينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم (115)
آية بلا خلاف.
اللغة: المشرق والشرق: اسمان لمطلع الشمس، والمغرب، والغرب: اسمان لغربها.
يقال: شرق شروقا، واشرق إشرقا، وتشرق تشريقا.
والمشرقان والمغربان: مشرقا الشتاء والصيف، ومغرباهما.
والمشارق مطالع الشمس في كل يوم حتى تعود إلى المشرق الاول في الحول.
وشرقت الشمس: اذا طلت، واشرقت: اذا اضاءت.
وتقول: لا افعل ذلك ماذر شارق: أي ما طلع قرن الشمس.
وشرق يشرق شرقا: اذا اغتص.
وقال عدي بن زيد:
لو بغير الماء حلقي شرق
كنت كالغصان بالماء اعتصاري(1)
والمشرقة(2) حيث يقعد المشرق في وجه الشمس.
قال الشاعر:
تحبين الطلاق وأنت عندي
بعيش مثل مشرقة الشتاء(3)
وشرق الثوب بالصبغ: اذا احمر واشتدت حمرته، ولطمه فشرق الدم في عينه: اذا احمرت.
وتقول: اشرورقت عينه، واغرورقت.
وناقة شرقاء: اذا شقت أذنها(4) بنصفين طولا، وكذلك الشاة.
وأيام التشريق أيام مشرق اللحم في الظل.
---
(1) اللسان شرق و (عصر) الشرق بالماء والريق: كالغصص بالطعام.
الاعتصار: ان يغص الانسان بالطعام فيعتصر بالماء: وهو أن يشربه قليلا قليلا.
(2) المشرقة فيها اربع لغات - بضم الراء، وفتحها - وشرقة - بتسكين الراء - ومشراق.
(3) لم نجد هذا البيت في مصادرنا ولم نعرف قائله.
وفي اللسان (شرق) بيت يشبهه وهو:
تريد بن الفراق وأنت مني
بعيش مثل مشرقة الشمال
(4) في المطبوعة (وفاقه شرقا اذا شقتانها).

(1/419)


تفسير التبيان ج1
وقال صاحب العين: كانوا يشرقون اللحم تلك الايام في الشمس.
وقوله: " فاخذتهم الصيحة مشرقين "(1) أي حيث طلعت عليهم الشمس.
والشرق طائر من الطيور الصوائد. مثل الصقر، والشاهين وقال الشاعر:
قد اغتدى والصبح ذو بريق
بملحم احمر سو ذنيق
أجدل أو شرق من الشروق(2) وكل شئ طلع من الشمس يقال: شرق يشرق.
وفي الحديث: لا تشريق إلا في مصر، ومسجد جامع، أي لاصلاة عيد، لانها وقت طلوع الشمس.
واصل الباب الطلوع. والمغرب والمغيب نظائر.
تقول: غرب يغرب غروبا، واغترب اغترابا واستغرب استغرابا، وغرب تغريبا. وسمي الغراب غرابا لبعده ونفوره(3) وانه أشد الطيور خوفا وأصل الباب الحد والتباعد حتى بلغ النهاية.
ومن هذا مغرب الشمس. والرجل الغريب المتباعد.
وشطت غربة النوى أي بعد المتنائي: وهو أبعد البعد.
وغرب السيف والسهم: حده سمي بذلك، لانه يمضي فلا يرد، فهو مأخوذ من الابعاد.
ويقال لموضع الرداء: غارب.
وقولهم للدابة: مغرب: اذا ابيضت حدقته، واهدابه. شبيه بابيضاض الشمس عند الغروب.
وقولك للرجل: أغرب معناه أبعد.
وثوبي غربي: اذا لم تستحكم حمرته. مأخوذ من الدابة الغرب.
وتقول: اصابه حجر غرب: اذا أتاه من حيث لا يدري.
وأتاه حجر غرب: اذا رمى غيره فاصابه.
ويقال: إقطع غرب لسان فلان عني: أي اقطع حدة لسانه.
وناقة ذات غرب، أي حدة الغرب.
والغرب: الدمع الحار الفاسد.
وقال الكميت: أبى غرب عينيك إلا انهمالا وجمعه غروب.
---
(1) سورة الحجر آية 73.
(2) اللسان " شرق " ولم ينسبها الملحم - بفتح الحاء - من يطعم اللحم - بفتح العين - السوذق، والسوذنيق والسوذانق، وربما قالوا: ذيذونق: الشاهين، وهو طائر كالصقر وجميع مادة " سوذق " فارسية معربة.
وفي المخطوطة والمطبوعة هكذا:
قد اعتدى والصبح ذو نبيق
لمسلحم اكلب شوذنيق
(3) في المطبوعة " عن أبا لبعده ونقول ".

(1/420)


تفسير التبيان ج1
والغرب دلو ضخم يتخذ من جلد تام.
والغرب: ما قطر من الماء من الدلاء من الحوض، والبئر ويقال: اغرب الحوض: اذا سال من جوانبه وفاض والغرب: جنس من الشجر خارج عن حد ما يحمل بحمل، أو طيب ريح، أو صلابة.
وغاية مغربة: أي بعيدة.
والغرب: الفضة.
وقيل: انه جام من فضة.
وقيل: انه الذهب.
قال الشاعر: كما دعدع سافي الاعاجم الغربا(1) والغارب: اعلى الموج.
والغارب: ما بين يدي السنام.
وعنقاء مغرب: موضوع على طائر لا يعرف حده والغربيب: الاسود الشديد السواد.
وأصل الباب: الغرب: الحد.
واللام في قوله: " ولله المشرق " لام الملك وأصلها لام الاضافة وهي على ثمانية اوجه: الملك، والفعل، والعله، والولادة، والاختصاص، والاستغاثة، ولام كي. وهي لام الغرض(2) ولام العاقبة.(3)
فلام الملك كقولك: له مال، والفعل: له كلام، والعلة:(4) هو اسود لما فيه السواد، ولام الولادة:(5) أب له ولد له أخ، والاختصاص: له علم، وله ارادة(6) والاستغاثة يالبكر، ولام كي: " وليرضوه وليقترفوا ماهم مقترفون "،(7) ولام العاقبة: " فالتقطة آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا " فهذه وجوه لام الاضافة.
وانما قيل: " ولله المشرق والمغرب " بالتوحيد وله جميع المشارق والمغارب لاحد امرين:
---
(1) اللسان (غرب). قائله الاعشى. و (كما) زائدة من الصدر والبيت:
قد عد عاسرة الركاء كما
دعدع ساقي الاعاجم الغربا
والغرب: جام الفضة.
قال ابن بري هذا البيت للبيد وليس للاعشى كما زعم الجوهري.
(2) في المطبوعة (كلام الفرض).
(3) في المطبوعة " الغايية "(4) في المطبوعة (يعله).
(5) في المطبوعة " له " ساقطة.
(6) في المطبوعة " وله ارادة في ارادة ".
(7) سورة الانعام: آية 123.

(1/421)


تفسير التبيان ج1
احدهما - انه اخرج ذلك مخرج الجنس، فدل على الجمع، كما قيل اهلك الناس الدينار والدرهم.
والآخر - انه على الحذف. كأنه قيل المشرق الذي تشرق منه الشمس كل يوم، والمغرب الذي تغرب فيه كل يوم.
وانما خص الله تعالى ذكر ذلك هاهنا لاحد امور:
احدها - قال ابن عباس: واختاره الجبائي انه رد على اليهود لما انكروا تحويل القبلة إلى الكعبة، وقال: ليس هو في جهة دون جهة، كما تقول المشبهة.
والثاني: قال ابن زيد وقتادة، كان للمسلمين التوجه بوجوههم إلى الصلاة حيث شاؤوا ثم نسخ ذلك بقوله: " فول وجهك شطر المسجد الحرام "(1) وانما كان النبي صلى الله عليه وآله اولا اختار التوجه إلى بيت المقدس، وقد كان له التوجه إلى حيث شاء.
وقال آخرون: كان ابن عمر يصلي حيث توجهت به راحلته في السفر تطوعا، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يفعل ذلك ويتاول عليه الآية.
وقيل: نزلت في قوم صلوا في ظلمة وقد خفيت عليهم جهة القبلة، فلما اصبحوا اذا هم صلوا إلى غير القبلة، فانزل الله هذه الآية. وهذا قول عبدالله بن عامر عن ابيه. والنخعي والاول اقوى الوجوه.
وقوله: " فثم وجه الله " المراد بالوجه، فيه اختلاف.
قال الحسن، ومجاهد: المراد به، فثم جهة القبلة، وهي الكعبة، لانه يمكن التوجه اليها من كل مكان.
قال ابن بيض:
أي الوجوه انتجعت قلت لها
لاي وجه إلا إلى الحكم
متى يقل صاحبا يرادفه
هذا ابن بيض بالباب يبتسم
وقيل: معناه فثم وجه الله، فادعوه كيف توجهتم.
---
(1) سورة البقرة: آية 150.

(1/422)


تفسير التبيان ج1
وقال آخرون، واختاره الرماني والجبائي: فثم رضوان الله.
كما يقال: هذا وجه العمل، وهذا وجه الصواب وكانه قال: الوجه الذى يؤدي إلى رضوان الله.
وتقدير الآية واتصالها بما قبلها، كأنه قال: لا يمنعكم تخريب من خرب المساجد ان تذكروه حيث كنتم من أي وجه، وله المشرق والمغرب، والجهات كلها.
المعنى: وقوله: " والله واسع عليم " قال قوم: معناه غني، فكانه قيل: واسع المقدور.
وقال الزجاج: يدل على التوسعة للناس فيما رخص لهم في الشريعة، وكانه قيل: واسع الرحمة، وكذلك رخص في الشريعة.
ومعنى القول الاول انه غني عن طاعتكم، وانما يريدها لمنفعتكم.
وقال الجبائي: معناه واسع الرحمة.
اللغة: والسعة والفسحة والمباعدة نظائر. وضد السعة الضيق يقال: وسع يسع سعة، وأوسع إيساعا، وتوسع توسعا، واتسع اتساعا، ووسع توسعة، والواسع: جدة الرجل وقدرة ذات يده، فرحمة الله وسعت كل شئ وانه ليسعنى ما وسعك.
وتقول: وسعت الوعاء فاتسع فعل لازم. وكذلك اتوسع.
وسع الفرس سعة ووساعة، فهو وساع.
وأوسع الرجل: اذا كان ذا سعة في المال، فهو موسع، وموسع عليه.
وتقول سير وسيع ووساع.
وفي القرآن " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها "(1) أي طاقتها واصل الباب: السعة نقيض الضيق.
المعنى: ومعنى عليم انه عالم يوجه الحكمة، فبادروا إلى ما أمركم به من الطاعة.
وقيل واسع الرحمة عليم ابن يضعها على وجوه الحكمة.
ومعنى (ثم) هناك تقول لما قرب من المكان: هنا، وما تراخى: ثم وهناك.
---
(1) سورة البقرة: آية 286.

(1/423)


تفسير التبيان ج1
الاعراب: وانما بني، لان فيه معنى الاشارة إلى المكان لابهامها، وبني على الحركة لالتقاء الساكنين، وفتح لخفة الفتحة في المضاعف.
وقوله: " فاينما تولوا " جزم باينما. والجواب فثم وجه الله. " وثم " موضعه النصب لكنه بني على الفتح.
وقوله: " اينما " تكتب موصولة في اربعة مواضع ليس في القرآن غيرها.
هذه واحدة، وفي النحل " اينما يوجهه "(1) وفي الاحزاب " ملعونين اينما ثقفوا "(2) وفى الشعراء " اينما كنتم تعبدون "(3) ومن الناس من يجعل معها التي في النساء " اينما تكونوا يدرككم الموت "(4) وكلها على القياس إلا التي في الشعراء، فان قياسها ان تكتب مفصولة، لان (ما) اسم موصول بما بعده بمعنى الذي.
قوله تعالى: وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والارض كل له قانتون(116)
آية واحدة بلا خلاف.
القراءة: قرأ ابن عامر وحده: " قالوا " بلا واو.
المعنى: والمعنى بهذه الآية النصارى وقال قوم: النصارى، ومشركوا العرب معا، من حيث قالوا: الملائكة بنات الله، وقالت النصارى: المسيح بن الله - هذا قول الزجاج. - وفي هذه الآية دلالة على انه لا يجوز الولد على وجه من الوجوه،
---
(1) آية 76.
(2) آية 61.
(3) آية 92.
(4) آية 77.

(1/424)


تفسير التبيان ج1
لانه اذا كان جميع ما في السماوات والارض ملكا له، فالمسيح عبد مربوب، وكذلك الملائكة المقربون، لان الولد لا يكون إلا من جنس الوالد، ولا يكون المفعول إلا من جنس الفاعل، وكل جسم فعل لله فلا مثل له ولا نظير على وجه من الوجوه (تعالى الله) عن صفات(1) المخلوقين.
وقوله: " كل له قانتون ".
الاصل في القنوت الدوام. وينقسم اربعة اقسام: الطاعة، كقوله: " كل له قانتون " أي مطيعون والقنوت الصلاة كقوله: " يامريم اقنتي لربك واسجدي واركعي "(2). والقنوت: طول القيام.
وروي عن جابر بن عبدالله قال: سئل النبي صلى الله عليه وآله أي الصلاة أفضل فقال: طول القنوات. ويكون القنوت السكوت، كما قال زيد بن ارقم: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت " وقوموا لله قانتين "(3) فامسكنا عن الكلام.
وقيل في " قانتون " هاهنا ثلاثة أقوال: (الاول) قال مجاهد: معناه مطيعون، وطاعة الكافر في سجود ظله.
وقال ابن عباس: مطيعون.
الثاني - قال السدي: كل له مطيعون يوم القيامة.
وقال الربيع: كل له قائم يوم القيامة.
الثالث - قال الحسن: كل قائم له بالشهاده عبدة.
وقالت فرقة رابعة - وهو الاقوى -: كل دائم على حالة واحدة بالشهادة بما فيه من آثار الصنيعة، والدلالة على الربوبية.
وزعم الفراء: انها خاصة لاهل الطاعة، بدلالة انا نجد كثيرا من الخلق غير طائعين.
وعلى ما اخترناه لا يحتاج إلى التخصيص.
---
(1) في المطبوعة " طبقات ".
(2) سورة آل عمران: آية 43.
(3) سورة البقرة: آية 238.

(1/425)


تفسير التبيان ج1
اللغة: وأما القنوت في اللغة فقد يكون بمعنى الطاعة.
تقول: قنت يقنت قنوتا، فهو قانت: اذا اطاع وقال صاحب العين: القنوت في الصلاة دعاء(1) بعد القراءة في آخر الوتر، يدعو قائما.
ومنه قوله: " امن هو قانت أناء الليل ساجدا أو قائما "(2).
والقنوت، والدعاء: قيام في هذا الموضع.
وقيل في قوله: " وقوموا لله قانتين "(3) أي خاشعين.
وقال ابن دريد: القنوت: الطاعة.
وقال ابوعبيدة: القانتات: الطائعات، والقنوت في الصلاة: طول القيام - على ما قاله المفسرون - في قوله: " وقوموا لله قانتين ".
واصل الباب: المداومة على الشئ.
قوله تعالى: بديع السماوات والارض وإذا قضى أمرا فانما يقول له كن فيكون (117)
آية بلا خلاف.
القراءة: قرأ ابن عامر " فيكون " نصبا. الباقون بالرفع.
اللغة: بديع بمعنى مبدع. مثل أليم بمعنى مؤلم، وسميع بمعنى مسمع. وبينهما فرق لان في بديع مبالغة ليس في مبدع، ويستحق الوصف في غير حال الفعل على الحقيقة. بمعنى ان من شأنه الانشاء، لانه قادر عليه، ففيه معنى مبدع.
---
(1) في المطبوعة " دعة ".
(2) سورة الزمر: آية 9.
(3) سورة البقرة: آية 238.

(1/426)


تفسير التبيان ج1
وقال السدي: تقول ابتدعها، فخلقها ولم يخلق قبلها شيئا(1) تتمثل به.
والابداع، والاختراع، والانشاء نظائر.
وضد الابتداع الاحتذاء على مثال.
يقال: أبدع إبداعا وابتدع ابتداعا، وبدع تبديعا.
وقال ابن دريد: بدعت الشئ: اذا انشأته: والله " بديع السماوات والارض " أي منشئهما.
وبدعت الركي،(2) اذا استنبطتها، وركي بديع: أي جديد الحضر. ولست ببدع في كذا. أي لست بأول من أصابه هذا.
ومنه قوله: " ما كنت بدعا من الرسل "(3). وكل من احدث شيئا، فقد ابدعه.
والاسم: البدعة وأبدع بالرجل: اذا كلت راحلته، وانقطع به.
وقوله: " ما كنت بدعا من الرسل " أي ما كنت بأول مرسل.
والبدعة: ما ابتدع من الدين، وغيره، وجمعها بدع.
وفي الحديث: كل بدعة ضلالة.
وتقول جئت بأمر بديع، أي مبتدع عجيب وأبدعت الابل: اذا تركت في الطريق من الهزل.
وأصل الباب: الانشاء.
المعنى: وقوله: " اذا قضى امرا " يحتمل أمرين: أحدهما - اذا خلق امرا. كما قال " فقضاهن سبع سماوات في يومين "(4) أي خلقهن - وهو اختيار البلخى، والرماني، والجبائي. والثاني: حتم بان يفعل أمرا وحكم.
وقيل احكم امرا، كما قال ابوذؤيب:
وعليهما مسرودتان قضاهما
داود أو صنع السوابغ تبع(5)
---
(1) في تفسير الطبري - دار المعارف المصرية - 2: 541 " ابتدعها فخلقها ولم يخلق شئ فيتمثل به " ومثله في الدار الثمين 1: 11 وفي مطبوعة بولاق من التفسير المذكور كما أثبتنا.
(2) الركي، جمع ركية: البئر تحفر.
(3) سورة الاحقاف: آية 9.
(4) - سورة حم - السجدة: آية 12.
(5) ديوانه: 19.
واللسان " صنع " من قصيدة يرثي بها أولاده حين ماتوا بالطاعون ومسرودتان: درعان من السرد وهو الخرز والنسج.
تبع: اسم لكل ملك من ملوك حمير الصنع: الحاذق والامرأة: صناع.

(1/427)


تفسير التبيان ج1
اللغة: قضاهما: احكمهما، والقضاء والحكم نظائر.
يقال: قضى يقضي قضاء، واقتضى اقتضاء، وتقاضيا تقاضيا، واستقضى استقضاء، وتقض تقضيا وقض تقضية، وقاضاه مقاضاة، وانقضى انقضاء.
قال صاحب العين: قضى يقضي قضاء، وقضية: يعني حكم.
وتقول: قضى اليه عهدا معناه اوصى اليه.
ومنه قوله: " وقضينا إلى بني اسرائيل "(1). " وقضى عليها الموت "(2) أي اتى عليه. والانقضاء فناء الشئ، وذهابه. وكذلك التقضي. وأصل الباب: القضاء.
والفصل والقضاء ينصرف على وجوه: منها الامر كقوله تعالى: " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه "(3) أي أمر. ومنه الخلق كقوله: " قضاهن سبع سماوات "(4) أي خلقهن. ومنه الاخبار، والاعلام، كقوله: " وقضينا إلى بني اسرائيل في الكتاب "(5) أي اخبرناهم ومنه الفصل: قضى القاضي بين الخصمين أي فصل الامر بينهما.
المعنى: ومعنى قوله: " فانما يقول له كن فيكون " قيل فيه قولان: أحدهما - انه بمنزلة المثل ومعناه ان منزلة الفعل له في السهولة، وانتفاء التعذر كمنزلة ما يقال له كن فيكون كما يقال قال فلان برأسه كذا وقال بيده: اذا حرك رأسه وأومى بيده، ولم يقل شيئا في الحقيقة وقال ابوالنجم:
---
(1) - سورة اسرى: آية 4.
(2) - سورة الزمر: آية 42.
(3) - سورة الاسرى: آية 23.
(4) - سورة - حم - السجدة: آية 12.
(5) سورة الاسراء: آية 4.

(1/428)


تفسير التبيان ج1
اذ قالت الانساع للبطن الحقى
قدما فآضت كالفنيق المحنق(1)
وقال عمرو بن حممة الدوسي(2):
فاصبحت مثل النسر طارت فراخه
اذا رام تطيارا يقال له: قع(3)
وقال آخر:
امتلا الحوض وقال قطنى
مهلا رويدا قد ملات بطني(4)
وقال آخر:
فقالت له العينان سمعا وطاعة
وحدرتا كالدر لما يثقب(5)
و قال العجاج:(6) يصف ثورا:
وفيه كالاعواض للعكور
فكر ثم قال في التفكير
ان الحياة اليوم في الكرور والوجه الآخر أنه علامة جعلها الله للملائكة اذا سمعوها، علموا انه احدث امرا. وكلاهما حسن والاول أحسن وأشبه في كلام العرب في عادة الفصحاء.
ونظيره قوله تعالى: " فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا اتينا طائعين "(7) وهو الذي اختاره البلخي، والرماني، واكثر المفسرين. وقد قيل في ذلك اقوال فاسدة، لا يجوز التعويل عليها:
---
(1) اللسان (حنق) ذكر البيتين. وفي (قول) البيت الاول فقط. وروايته " قد قالت " بدل " اذ قالت ".
يصف الشاعر ناقة انضاها السير.
الانساع: جمع نسع - بكسر النون وسكون السين - وهو السير: خيط من الجلد.
ولحق البطن: ضمر.
وآض: صار ورجع الفنيق: الجمل الفحل.
والمحنق: الضامر القليل اللحم.
(2) في المطبوعة " عمر بن حمد السدوسي " والصحيح ما أثبتناه. وهو احد المعمرين زعمو أنه عاش ثلاثمئة وتسعين سنة وهو ايضا أحد حكام العرب.
(3) الحماسة للبحتري: 205.
(4) اللسان " قطط " البيتان. و " قول " البيت الاول فقط.
(5) اللسان " قول " وروايته " قالت " بدل " فقالت " وبالفاء اتم للوزن. وفي مجمع البيان " وقالت " بالواو.
(6) في المطبوعة " ضعيف " زائدة في هذا الموضع.
(7) سورة - حم - السجدة: آية 11.

(1/429)


تفسير التبيان ج1
ان الامر خاص في الموجودين الذين قيل لهم " كونوا قردة خاسئين "(1) ومن جرى مجراهم، لانه لا يؤمر المعدوم عندهم. ومنها انه أمر للمعدوم من حيث هو لله معلوم، فصح أن يؤمر فيكون.
ومنها - ان الآية خاصة في الموجودات من اماتة الاحياء واحياء(2) الموتى وما جرى مجرى ذلك من الامور.
وانما قلنا بافساد هذه الاقوال، لانه لا يحسن ان يؤمر إلا من كان عاقلا مميزا يقدر على ما أمر به، ويتمكن من فعله. وجميع ما ذكروه بخلافه. لان المعدوم ليس بحي، ولا عاقل. ولايصح امره. ومن كان موجودا لا يجوز ان يؤمر أن يكون قردة، لان المعاني التي تكون بها كذلك، ليس في مقدوره.
كذلك القول في الاماتة والاحياء وتأويل قوله: " كونوا قردة خاسئين " قد بيناه فيما مضى.
فقال بعضهم: إنه أمر للموجود في حال كونه لاقبله ولا بعده، وانه مثل قوله: " ثم اذا دعاكم دعوة من الارض اذا انتم تخرجون "(3) وان دعاء الله إياهم لا يتقدم خروج القوم من قبورهم، ولا يتأخر عنه.
وهذا فاسد لان من شرط حسن الامر أن يتقدم المأمور به.
وكذلك القول في الدعاء، فلا يسلم ما قالوه.
وتأويل ما استشهدوا به على ما بيناه في الآية سواء في انه اخبار عن تسهيل الفعل وسرعة وقوعه، وارادته، لا ان يكون هناك دعاء على الحقيقة، ثم يلزم على جميع ما ذكروه ان تكون الاشياء مطيعة لله تعالى لان الطاعة هي مانعة الامر من الاشياء التي قالها: كوني بأن فعلت نفسها، ويلزم ان يكون لها عقل وتمييز وكل ذلك فاسد.
فاما من استدل بهذه الآية ونظائرها على ان كلام الله قديم من حيث انه لو كان محدثا لاقتضى ألا يحصل إلا (بكن). والكلام في (كن) كالكلام فيه إلى أن ينتهي إلى (كن) قديمة. وهو كلام الله القديم. فهذا باطل لانا قد بينا معنى الآية، فلا يصح ما قالوه. على ان الآية تقتضى حدوث كلامه من
---
(1) سورة البقرة: آية 65.
(2) واحياء ساقطة من المطبوعة.
(3) سورة الروم: آية 25.

(1/430)


تفسير التبيان ج1
حيث أخبر ان المكونات تكون عقيب (كن) لان الفاء توجب التعقيب، فاذا كانت الاشياء محدثة، فما يتقدمها بوقت واحد لا يكون إلا محدثا فبطل ما قالوه.
وايضا فانه قال: " اذا قضى امرا " ومعناه خلق فبين انه يخلق الامر وقوله: " كن " أمر يوجب أن يكون محدثا. ودلت الآية على نفي الولد عن الله من وجهين.
احدهما - ان الذي ابتدع السماوات والارض من غير مثال هو الذي ابتدع المسيح من غير والد.
والآخر - ان من هذه صفته، لايجوز عليه اتخاذ الولد، كما لا يجوز صفات النقص عليه (تعالى) عن ذلك.
واذا حملنا الآية على وجود المثال، فوجود الخلق هو كقوله: " كن " إلا انه خرج على تقدير فعلين، كما يقال: اذا تكلم فلان بشئ، فانما كلامه مباح، واذا أمر بشئ فانما هو حتم، وكما قال: تاب فاهتدى فتوبته هي اهتداؤه، فلا يتعذر أن يقال: كن قبله، أو معه. ومتى حملنا ذلك على انه علامة للملائكة فانه يحتمل ان يكون معه، ويحتمل ان يكون قبله. كما تقول: اذا قدم زيد، قدم عمرو. فانه يحتمل ان يكون وقتا للامرين معا إلا أنه اشبه الشرط، كقولك: ان جئتني اعطيتك. ولذلك دخلت الفاء في الجواب، كما تجئ في الشرط، كقوله: " ان يسرق فقد سرق اخ له من قبل "(1) وكذلك تحتمل الآية الامرين:
الاعراب: ورفع قوله: " فيكون " يحتمل أمرين: احدهما - ان يكون عطفا على يقول. والآخر - على الاستئناف أي فهو يكون. ونصبه على جواب الامر، فلا يجوز، لانه انما يجب الجواب بوجود الشرط. فما كان على فعلين في الحقيقة، كقولك إأتني فأكرمك، فالاتيان غير الاكرام، فأما " كن فيكون " فالكون الحاصل هو الكون المأمور به، ومثله انما اقول له إأتني، فيأتيني.
وقال ابوعلي الفارسي: يجوز ذلك
---
(1) سورة يوسف: آية 77.

(1/431)


تفسير التبيان ج1
على وجه: وهو على ان لفظه لما كن لفظ الامر، نصب كما نصب في جواب الامر، فان كان الامر بخلافه - كما قال ابوالحسن في نحو قوله تعالى " قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة "(1) ويجوز ذلك في الآي على انه اجري مجرى جواب الامر - وان لم يكن جوابا له في الحقيقة - وقد يكون اللفظ على شئ، والمعنى على غيره نحو قولهم: ما أنت وزيد، والمعنى لم تؤذيه. وليس ذلك في اللفظ، ومثله " فلا تكفر فيتعلمون "(2) ليس فيتعلمون جوابا لقوله: " فلا تكفر " ولكن معناه يعلمون أو يعلمان، فيتعلمون منهما غير أن قوله " فلا تكفر " نهي على الحقيقة. وليس قوله " كن " امرا على الحقيقة، فمن هاهنا ضعفت هذه القراءة.
قوله تعالى: وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الايات لقوم يوقنون(118)
آية بلا خلاف.
المعنى: المعني بهذه الآية في قول مجاهد: النصارى.
وقول ابن عباس: اليهود.
وفي قول الحسن وقتادة: مشركوا العرب.
وكل ذلك يحتمل. غير انه لمشركي العرب أليق، لانه يشاكل ما طلبوا حين قالوا: " لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا " إلى قوله: " هل كنت إلا بشرا رسولا "(3) ويقوي ذلك قوله: " وقال الذين لا يعلمون ": الكتاب. فبين أنهم ليسوا أهل كتاب.
من اختار ان المراد بها النصارى قال: لانه قال قبلها " وقالوا اتخذ الله ولدا "(4) وهذا
---
(1) سورة ابراهيم: آية 31.
(2) سورة البقرة: آية 102.
(3) سورة البقرة: آية 119.
(4) سورة البقرة: آية 116.

(1/432)


تفسير التبيان ج1
لا دلالة فيه، ولا يمتنع ان يذكر قوما، ويخبر عنهم، ثم يستأنف قوما آخرين، فيخبر عنهم على ان مشركي العرب قد اضافوا إلى الله البنات فدخلوا في جملة من قال: " اتخذ الله ولدا ".
ومعنى قوله: " لولا " هلا، كما قال الاشهب بن رميلة:
تعدون عقر النيب أفضل مجدكم
بنى ضو طرى لولا الكمي المقنعا(1)
أي هلا تعقرون الكمي المقنعا.
وانما قال: " أو تأتينا آية " وقد جاءتهم الآيات، لانهم طلبوا آية، كما ان آية الرسل توافق دعوتهم، ويكلمهم الله كما كلمهم الله.
والمعني بقوله " كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم " اليهود على قول مجاهد.
وعلى قول قتادة والسدي والربيع: اليهود والنصارى.
والضمير في قوله: " تشابهت قلوبهم " يعني كناية عن قلوب اليهود والنصارى - على قول مجاهد - وعلى قول الربيع وقتادة: عن العرب واليهود والنصارى وغيرهم، فقوله " تشابهت قلوبهم " يعني في الكفر، بالاعتراض على انبياء الله بالجهل، لان اليهود قالت لموسى: " أرنا الله جهرة " وقالت النصارى للمسيح: " أنزل علينا مائدة من السماء ".
وقالت العرب لمحمد صلى الله عليه وآله: حول لنا الصفا ذهبا، وغير ذلك.
وكذلك قال الله تعالى: " أتوا صوابه "(2) وروي عن ابن إسحاق انه قرأ " تشابهت " - بتشديد الشين - خطأ، لان ذلك انما يجوز في المضارع.
بمعنى تتشابه - فتدغم احدى التاءين في الشين - هكذا قال الفراء، وغيره من أهل العلم.
وقوله: " قد بينا الآيات لقوم يوقنون " معناه أيقن بها قوم من حيث دلتهم على الحق، فالواجب على كل هؤلاء ان يستدلوا بها، ليصلوا إلى اليقين كما وصل غيرهم اليه بها.
---
(1) وقيل انه لجرير وهو مذكور في ديوانه: 338. وروايته افضل سعيكم. وقد مر في 1: 319.
والبيت من قصيدة طويلة في مناقضة جرير والفرزدق. والكمي: الشجاع.
(2) سورة الذاريات: آية 51.

(1/433)


تفسير التبيان ج1
اللغة: واليقين والعلم والمعرفة نظائر في اللغة.
ونقيضه الشك، والجهل.
تقول أيقن ايقانا، وتيقن تيقنا، واستيقن استيقانا.
وقال صاحب العين: اليقين النفس.
قال الشاعر:
وما بالذي ابصرته العيو
ن من قطع يأس ولا من يقن(1)
واليقين: علم يثلج به الصدر، ولذا يقولون: أجد برد اليقين، ولا يقولون: وجد برد العلم.
فان قيل: لم لم يؤتوا الآيات التي طلبوها، لتكون الحجة أأكد قلنا: اظهار الآيات يعتبر فيه المصالح، وليس بموقوف على اقتراح العباد. ولو علم الله ان ما اقترحوا من الآيات فيه مصلحة، لاظهرها، فلما لم يظهرها، علمنا انه لم يكن فيها مصلحة لنا اصلا.
قوله تعالى: إنا ارسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم (119)
آية بلا خلاف.
القراءة: قرأ نافع " لا تسأل ". بفتح التاء وجزم اللام. على النهي، وروي ذلك عن ابي جعفر محمد بن علي الباقر (ع)، وابن عباس.
ذكر ذلك الفراء، والبلخي الباقون على لفظ الخبر على مالم يسم فاعله.
المعنى: معنى قوله: " ولا تسأل عن أصحاب الجحيم " تسلية للنبي صلى الله عليه وآله فقيل له
---
(1) اللسان " يقن " اليقن - بفتح الياء والقاف -: اليقن. في المطبوعة " يقين " بدل " يقن " وفي المخطوطة " تيقين ".

(1/434)


تفسير التبيان ج1
" انما انت بشير ونذير " ولست " تسأل عن أصحاب الجحيم " ومثله قوله: " فلا تذهب نفسك عليهم حسرات " وقوله " ليس عليك هداهم "(1) وقوله " عليه ما حمل وعليكم ما حملتم "(2)
الاعراب: وموضع " تسأل " يحتمل أمرين: احدهما - ان يكون استئنافا ولا موضع له. والآخر - ان يكون حالا، فيكون موضعه نصبا. ذكر ذلك الزجاج، لانه قال: " أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا " غير مسئول عن اصحاب الجحيم. ومن فتح التاء على الخبر.
تقديره: غير سائل. وانكر قوم الحال.
واعتلوا ان في قراءة أبي: " وما تسأل " وفي قراءة عبدالله: " ولن تسأل " وهذا غير صحيح، لان ليس قياس (لا) قياس لن(3) وما، لانه يجوز أرسلناك لا سائلا، ولا يجوز ما سائلا. ولذلك احتمل مع لا الحال، ولن يحتمل مع ما ولن، لان للا(4) تصرفا ليس لهما فيجوز ان يعمل ما قبلها في ما بعدها، ولا يجوز ذلك فيهما.
تقول: جئت بلا خبر، ولا يجوز بما خبر. والجحيم النار بعينها اذا شبت وقودها.
قال امية بن ابي الصلت:
اذا شبت جهنم ثم زادت
واعرض عن قوابسها الجحيم(5)
فصار كالعلم على جهنم.
وقال صاحب العين: الجحيم: النار الشديدة التأجج، والالتهاب كما اججوا نار ابراهيم.
وهي تجحم جحوما(6) يعني توقدت جمرتها وجاحم الحرب: شدة القتل في معركتها.
وقال سعيد بن مالك بن ضبيعة.
---
(1) سورة البقرة: آية 272.
(2) سورة النور: آية 54.
(3) (لن) ساقطة من المطبوعة.
(4) في المطبوعة (لانه لا).
(5) ديوانه 53. وروايته (فارت) بدل (زادت).
(6) في المطبوعة " حجواما ".

(1/435)


تفسير التبيان ج1
والحرب لا يبقى لجا
حمها التخيل والمراح(1)
إلا الفتى الصبار في الن_
- جدات والفرس الوقاح
والجحمة: العين بلغة حمير قال الشاعر:
أيا جحمتا بكي على أم مالك
اكيلة قلوب بأعلى المذانب(2)
وجحمتا الاسد: عيناه.
وتقول: جحمت النار جحما: اذا اضطرمت.
وجمر جاحم: اذا اشتد اشتعاله.
ومنه اشتقاق الجحيم. واصل الباب الالتهاب.
ومنه الاجحم: الشديد حمرة العين شبه بالنهار في حمرتها. الحرب تشبه بالتهاب النار.
المعنى: وفي الآية دلالة على انه لا يؤخذ احد بذنب غيره قريبا كان منه أو بعيدا. كما بين الله انه لا يطالب احد بذلك غيره. وان كان قد فرض على النبي " ص " ان يدعوا إلى الحق، ويزجر عن الباطل. وليس عليه ان يقبل المدعو.
ومن قرأ بلفظ النهي.
قال الزجاج: يحتمل أمرين: أحدهما - ان يكون امره بترك المسألة.
والآخر - ما قاله الاخفش: ان يكون المعنى علي تفخيم ما أعد لهم من العقاب.
كما يقال لا تسال عن فلان أي قد صار إلى امر عظيم.
وقال قوم: لو كان على النهي: لقال فلا " بالفاء "، لانه يصير بمنزلة الجواب كأنه يدل على لانا ارسلناك إلا بالحق ولا تسأل عن اصحاب الجحيم.
ولا يحتاج بالرفع إلى الفاء، واذا كان على الرفع فظاهر الكلام الاول يقتضيه اقتضاء الاحوال، أو اقتضاء البيان الذي يجري مجرى الحجاج على من اعترض بان فعل
---
(1) اللسان " حجم " في المخطوطة والمطبوعة " الخيل " بدل " التخيل ".
(2) اللسان " جحم قال ابن بري صواب انشاده بما قبله وما بعده:
اتيح لها القلوب من ارض فرقرى
وقد يجلب الشر البعيد الجوالب
أيا جحمتي بكي على أم مالك
اكيلة قليب ببعض المذانب
فلم يبق منها غير نصف عجانها
وشنطرة منها واحدي الذوائب
القلوب: الذئب.

(1/436)


تفسير التبيان ج1
الداعي إلى الايمان لايحل موقعه الا بان يقبل المدعو اليه.
واما ايصاله ما تقدم على الجزم، فانما هو على معنى التغليظ لشان الجحيم، ليزحر(1) بذلك عن ترك اتباعه صلى الله عليه وآله والتصديق بما اتى به من البشارة.
قال أبوعلي الفارسي إنما تلزم الفاء اذا كان الكلام الاول علة فيما بعد ذلك، كقولك اعطيك فرسا فلا تسأل شيئا اخرا والآية بخلاف ذلك.
وفي الناس من قال: القراءة بالجزم مردودة، لانه لم يتوجه له اتصال الكلام، ولا كيف جاء بالواو دون الفاء.
وقد بينا الاتصال. فاما المجئ بالواو فلانه لم يرد الدلالة على معنى الجواب، ولكن عطف جملة على جملة تتعلق بها وتقتضي على ما انطوى عليه معناها.
ومعنى الحق في قوله: " انا ارسلناك بالحق " الاسلام، بشيرا من اتبعك عليه بالثوب نذيرا من خالفك فيه بالعقاب.
وقيل: " إنا ارسلناك بالحق " يعني على الحق.
كما قال: " خلق الله السماوات والارض بالحق "(2) كأنه قال: على انهما حق لاباطل.
---
(1) في المطبوعة (ليرجم).
(2) سورة ابراهيم آية: 19.

(1/437)


تفسير التبيان ج1
الآية: 120 - 129
قوله تعالى: ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت اهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير(120)
قيل في معنى هذه الآية قولان: احدهما - ان النبي " ص " كان مجتهدا في طلب ما يرضيهم، ليقبلوا إلى الاسلام ويتركوا القتال، فقيل له: دع ما يرضيهم إلى ما امر الله به من مجاهدتهم.
والآخر - قال الزجاج: كانوا يسألونه " ع " الهدنة والمسالمة ويرونه انه ان امهلهم اسلموا. فاعلمه الله انهم لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم.
وهذه الآية تدل انه لايصح ارضاء اليهود ولا النصارى على حال، لانه تعالى علقه بان اليهود

(1/438)


تفسير التبيان ج1
لا يرضون عنه حتى يكون " ص " يهوديا، والنصارى لا يرضون عنه حتى يكون نصرانيا، فاستحال ان يكون يهوديا نصرانيا في حال واستحال إرضاؤهم بذلك.
اللغة: والرضا والمحبة، والمودة نظائر وضد الرضا الغضب.
ويقال رضي يرضى رضاء.
وارضاه إرضاء، وارتضاه ارتضاء، واسترضاه وترضاه ترضيا، وتراضوا تراضيا، والرضي والمرضي بمعنى واحد.
والرضا مقصور من بنات الواو بدلالة الرضوان تقول: رجل رضى ورجال رضى وامرأة ونساء رضى.
وأصل الباب الرضى نقيض الغضب.
وقوله: " حتى تتبع ملتهم " فالملة، والنحلة، والديانة نظائر.
وتقول وجد فلان ملة وملاله. وهو عدوى الحمى.
ومللت الشئ أمله ملالة ومللا: إذا سئمته ومللت الخبزة املها ملا: اذا دفنتها في الجمر والجمر بعينه الملة.
وقال صاحب العين: الملة الرماد والجمر وكل شئ تمله في الجمر فهو مملول.
قال الشاعر في وصف الحرباء: كأن ضاحيه بالنار مملول(1) والمملول(2) الممتل من الملة.
وطريق ممل مليل: قد سلك حتى صار معلما وملة رسول الله " ص " الامر الذي اوضحه.
وامتل الرجل اذا اخذ في ملة الاسلام: اي قصدها ما امل منه.
والامل املال الكتاب، ليكتب. والمليلة من الحمى.
المعنى: وقوله: " قل إن هدى الله هو الهدى " معناه هو الذي يهدي إلى الجنة. لا اليهودية، ولا النصرانية.
---
(1) البيت من قصيدة لكعب بن زهير. اللسان (ملل).
يقول كأن ما ظهر منه للشمس مشوي بالملة من شدة حره.
يقال: أطعمنا خبز ملة، واطعمنا خبزة مليلا، ولا يقال اطعمنا ملة. في المطبوعة.
كإن صاحبه في النار مملوك. هو تحريف فاحش.
وفي المخطوطة. كان صاحبه في النار مملول. والصحيح ما ذكرناه.
(2) في المطبوعة " والمملوك ".

(1/439)


تفسير التبيان ج1
وقيل ان معناه الدعاء إلى هدى الله الذي يكذب قولهم " لن يدخل الجنة إلا من ان هودا او نصارى "(1) وهي الادلة الواضحة على ان المطيع لله هو الذي يفوز بثوابه في الجنة، لامن ذكروه من العصاة له.
وهذه الآية تدل على ان من علم الله منه انه لا يعصي، يتناوله الوعيد والزجر، لانه تعالى علم ان النبي " ص " لا يعصي ولا يتبع اهواءهم، وفيها دلالة على ان كل من اتبع الكفار على كفرهم ماله من الله من ولي ولا نصير، لانه اذا وجب ذلك في متبع واحد، وجب ذلك في الجميع.
الاعراب: " حتى تتبع " نصب بحتى وحكى الزجاج عن الخليل وسيبويه، وجميع البصريين أن الناصب للفعل (أن) بعد حتى، لان حتى تخفض الاسم في قوله: " حتى مطلع الفجر "(2) ولا يعرف في العربية حرف يعمل في اسم وفعل، ولا ما يكون خافضا لاسم، يكون ناصبا لفعل. فصار ذلك مثل قولك جاء زيد ليضربك، فانها تنصب الفعل باضمار (ان) لكونها جارة للاسم.
قوله تعالى: ألذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون(121)
آية بلا خلاف.
المعنى: المعني بهذه الآية - في قول قتادة واختيار الجبائي - اصحاب النبي صلى الله عليه وآله الذين آمنوا بالقرآن وصدقوا به.
وقال ابن زيد: هو من آمن بالنبي صلى الله عليه وآله من بني اسرائيل. والكتاب على قوله: التوراة.
ومعنى قوله: " يتلونه حق تلاوته " قال ابن عباس: يتبعونه حق اتباعه،
---
(1) سورة البقرة: آية 111.
(2) سورة الفجر: آية 7.

(1/440)


تفسير التبيان ج1
ولا يحرفونه، ثم يعملون بحلاله ويقفون عند حرامه.
ومثله قوله: " والقمر اذا تلاها "(1) اي تبعها.
به قال ابن مسعود، ومجاهد وقتادة، وعطاء.
وروي عن ابي عبدالله (ع) حق التلاوة الوقوف عند ذكر الجنة والنار يسأل في الاولى، ويستجير من الاخرى.
وقال قوم " يتلونه حق تلاوته " يقرؤنه حق قراءته.
اللغة والتلاوة: في اللغة على وجهين: احدهما - القراءة. والثاني - الاتباع. والاول اقوى، وعليه اكثر المفسرين ولا يجوز ان يقال: يتلونه حق التلاوة على مذهب الكوفيين، كما لا يجوز يتلونه: اي التلاوة، لان ايا اذا كانت مدحا وقع على النكرة، ولم يقع على المعرفة.
فلايجوز مررت بالرجل حق الرجل كما لا يجوز مررت بالرجل اي الرجل. وكما لا يجوز مررت بابي عبدالله ابي زيد. وانما جاز تلاوته. كما يجوز رب رجل واخيه.
وقال بعض البصريين يجوز مررت بالرجل حق الرجل.
ولا يجوز مع اي لان ايا تدل على اليعيض. ليس كذلك حق. فاما مررت بالرجل كل الرجل فجائز عند الجميع، لان اصله التوكيد، فترك على حاله.
المعنى: والمعني بقوله " ومن يكفر به " اليهود - على قول ابن زيد - والاولى ان يكون ذلك محمول على عمومه في جميع الكفار. وبه قال الجبائي واكثر المفسرين.
---
(1) سورة الشمس: آية 2.

(1/441)


تفسير التبيان ج1
قوله تعالى: يا بنى إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين(122)
آية واحدة.
هذا خطاب من الله لبني اسرائيل الذين كانوافي عهد رسول الله " ص " امرهم الله ان يذكروا نعمته التي انعم بها عليهم.
اللغة: والنعمة: النفع يستحق به الشكر. والانعام والاحسان والافضال نظائر.
ونقيض النعمة: النقمة: وهو الضرر المستحق.
المعنى: ومعنى قوله: " واني فضلتكم على العالمين " يعني عالمي زمانهم. وتفضيله اياهم بان جعل فيهم النبوة والحكم وهذه الآية قد تقدم ذكر مثلها في رأس نيف واربعين.
وقيل في سبب تكريرها ثلاثة اقوال: احدها - ان نعم الله لما كانت الاصل الذى به يجب شكره، وعبادته ذكر بها، ليقبلوا إلى طاعته واتباع امره، وليكون مبالغة في استدعائهم إلى ما يلزمهم لربهم التظاهر بالنعم عليهم.
والثاني - انه لما ذكر الكتاب وعنى به التوراة، وكان فيه الدلالة على شأن عيسى ومحمد " ص " في النبوة والبشارة المتقدمة، ذكرهم عزوجل بما انعم عليهم من ذلك، وفضلهم كما جاء " فبأى آلاء ربكما تكذبان "(1) بعد نعم ذكرهم بها، ثم عدد نعما اخر، وقال فيها " فبأى آلاء ربكما تكذبان(2) اى فبأى هذه تكذبان وكل تقريع جاء، فانما هو موصول بتذكير نعمه غير الاول. والثالث غير الثاني. وهكذا إلى آخر السورة.
وكذلك الوعيد - في سورة المرسلات - بقوله: " ويل يومئذ للمكذبين "(3) انما هو بعد الدلالة على اعمال يعظم التكذيب بما تدعو اليه الادلة.
---
(1 و 2) سورة الرحمان من آية 13 إلى 77.
(3) سورة الطور آية 11، وسورة المرسلات من آية 15 إلى 49، وسورة المطففين آية 10.

(1/442)


تفسير التبيان ج1
الثالث - انه مقدمة لما بعده، لانه تعالى اراد وعظهم ذكرهم قبل ذلك بالنعم عليهم، لانه استدعاء إلى قبول الوعظ لهم(1).
وقيل: فيه وجه رابع. وهو انه لما تباعد بين الكلامين حسن التنبيه والتذكير. وموضع " التي " نصب بالعطف على نعمتي.
قوله تعالى: واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون(123)
آية بلا خلاف.
ومثل هذه الآية ايضا تقدم. وبينا ما فيها، فلا معنى للتكرار. وبينا ان العدل هو الفدية. وقيل هو المثل.
ويقال هذا عدله، اي مثله والعدل، هو الحمل وبينا قول من يقول: إن الشفاء لا تكون إلا لمرتكبي الكبائر: اذا ماتوا مصرين.
فان قلنا ظاهر الآية متروك بالاجماع، لانه لا خلاف ان هاهنا شفاعة نافعة والآية تقتضي نفيها، وان خصوا بانها لاتنفع المصرين، وانما ينفع التائبين؟ قلنا: لنا ان نخصها بالكافرين دون فساق(2) المسلمين.
واما قوله: " لا يشفعون " الا لمن ارتضى فنتكلم عليه اذا انتهينا اليه.
ومن قال: إنه ليس يعني ان يشفع لها شافع فلا تنفع شفاعته، لكنه يريد لا تأتي بمن يشفع لها.
كما قال الشاعر: على لا حب لا يهتدى بمناره وإنما اراد به لا منار هناك فيهتدى به لا يضرنا، لانا لانقول: إن هناك شفاعة تحصل ولا تنفع بل نقول: إن الشفاعة اذا حصلت من النبي، وغيره فانها تنفع لا محالة.
وكذلك عند المخالف، وان قلنا: انها تنفع في اسقاط المضار وقالوا: هم في زيادة المنافع. غير ان اتفقنا(3) على انها تحصل لا محالة ولسنا ممن ينفي حصول الشفاعة اصلا.
---
(1) في المخطوطة " لهم فيه ".
(2) في لمطبوعة " فلق " وهو تحريف.
(3) في المطبوعة " انقضا ".

(1/443)


تفسير التبيان ج1
قوله تعالى: واذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فاتمهن قال اني جاعلك للناس اماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين(124)
آية بلا خلاف.
القراءة: اسكن الياء من عهدي حمزة وحفص إلا ابن ساهي.
وكتب في بعض المصاحف " ابراهم " بغير ياء وفي اكثرها بالياء.
قال بعض الجرهميين: نحن ورثنا على احد (ابراهم)(1).
وقرأ ابن عامر ابراهام في خمسة وثلاثين موضعا في القرآن كله: في البقرة خمسة عشرة موضعا.
وهو جميع ما فيها. تقدير الآية واذكرو إذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات.
المعنى: والابتلاء هو الاختبار - وهو مجاز هاهنا لان حقيقته الامر من الله تعالى بخصال الايمان فسمي ذلك اختبارا، لان ما يستعمل بالامر منا في مثل ذلك على جهة الاختبار والامتحان، فجرى تشبيها بما يستعمله اهل اللغة عليه.
وقال بن الاخشاذ: إنما ذلك على انه جل ثناؤه يعامل العبد معاملة المختبر الذي لايعلم لانه لو جازاهم بعمله فيهم، كان ظالما لهم. والكلمات التي ابتلى الله ابراهيم بها فيها خلاف فيروى في بعض الروايات عن ابن عباس، و؟
قال قتادة، وابوالخلد: انه أمره(2) اياه بعشرة سنن(3) خمس في الرأس، وخمس في الجسد. فاما التي في الرأس فالمضمضة والاستنشاق والفرق وقص الشارب، والسواك. واما التي في الجسد: فالختان وحلق
---
(1) استدل بهذا على " ابراهم " - بدون ياء - وفي المطبوعة والمخطوطه بالياء. وهو غلط.
(2) في المخطوطة والمطبوعة " أمن ".
(3) في المطبوعة " سنين ".

(1/444)


تفسير التبيان ج1
العانة، وتقليم الاظفار، ونتف الابطين والاستنجاء.
وفي احدى الروايتين عن ابن عباس أنه ابتلاه من شرائع الاسلام بثلاثين شيئا عشرة منها في براءة " التابئون العابدون الحامدون.
إلى اخرها " وعشرة في الاحزاب: " ان المسلمين والمسلمات إلى اخرها " وعشرة في سورة المؤمنين: إلى قوله " والذين هم على صلاتهم يحافظون " وعشرة في سأل سائل إلى قوله: " والذين هم على صلاتهم يحافظون " فجعلها اربعين سهما وفي رواية ثالثة عن ابن عباس انه امره بمناسك الحج: الوقوف بعرفة والطواف والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار(1) والافاضه.
قال الحسن: ابتلاه الله بالكوكب وبالقمر وبالشمس، وبالختان وبذبح انبه، وبالنار، وبالهجرة وكلهن وفى لله فيهن.
وقال مجاهد: ابتلاه الله بالآيات التي بعدها وهي " اني جاعلك للناس اماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين " وقال الجبائي: أراد بذلك كلما كلفه(2) من طاعاته العقيلة والشرعية.
وقوله: (فاتمهن) معناه وفى بهن على قول الحسن وقال قتادة والربيع: عمل بهن، فاتمهن.
وقال البلخي: الضمير في اتمهن راجع إلى الله. وهو اختيار الحسين بن علي المغربي.
قال البلخي: الكلمات هي الامامة على ما قال مجاهد.
قال: لان الكلام متصل، ولم يفصل بين قوله: " اني جاعلك للناس اماما " وبين ما تقدمه بواو، فاتمهن الله بان اوجب بها الامامة له بطاعته، واضطلاعه، ومنع ان ينال العهد الظالمين من ذريته، واخبره بان منهم ظالما فرضي به وأطاعه وكل ذلك ابتلاء واختبار.
اللغة: والتمام والكمال والوفاء نظائر. وضد التمام النقصان.
يقال: تم تماما، وأتم إتماما. واستتم استتماما. وتمم تتميما وتتمة.
وتتمة كل شئ: ما يكون تمامه بغايته كقولك: هذه الدراهم تمام هذه المأة. وتتمة هذه المأة.
التم: الشئ التمام. تقول جعلته لك تماما
---
(1) ورمي الجمار ساقطة من المطبوعة.
(2) كلفه ساقطة من المطبوعة.

(1/445)


تفسير التبيان ج1
أي بتمامه، والتميمة: قلادة، من سيور. وربما جعلت فيه العوذ، تعلق على الصبيان. والليلة التمام اطول ليلة في السنة.
ويقال: بل ليل التمام لثلاث عشرة، لانه يستبان فيها نقصانها من زيادتها(1).
ويقال: بل ليلة اربع عشرة، لانه يتم فيها القمر، فيصير بدرا.
ويقال حملته لتمام - بفتح التاء وكسرها - والتمام في لغة تميم هو التمام.
وقال ابن دريد: امرأة حبلى متم(2) وولد الغلام اتم، وتمام. وبدر تمام، وليل تمام - بالكسر فيهن - وما بعد هذا فهو تمام - بالفتح -. وأصل الباب التمام، وهو الكمال.
المعنى: وقوله: " من ذريتي " معناه واجعل من ذريتي من يؤتم به، ويقتدى به - على قول الربيع وأكثر المفسرين. وقال بعضهم معناه انه سأل لعقبه ان يكونوا على عهده، وورثته.
كما قال: " واجنبني وبني ان نعبد الاصنام "(3) فأخبره الله ان في عقبه الظالم المخالف له، وذريته بقوله: " لا ينال عهدي الظالمين " والاول اظهر.
وقال الجبائي قوله: " ومن ذريتي " سؤال منه لله أن يعرفه هل في ذريته من يبعثه نبيا، كما بعثه هو، وجعله إماما.
وهذا الذي قاله ليس في الكلام ما يدل عليه، بل الظاهر خلافه. ولو احتمل ذلك لم يمتنع ان يضيف إلى مسألة منه لله ان يفعل ذلك بذريته مع سؤاله تعريفه ذلك.
اللغة: والذرية، والنسل والولد نظائر. واراد ابراهيم (ع) هذا.
وقال بعضهم: عبر بالذرية عن الآباء.
وقال تعالى: " وآية لهم انا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون "(4) اي آباءهم.
وهذا ليس بواضح. وبعض العرب ذرية - بكسر
---
(1) هكذا عبارة المخطوطة والمطبوعة. وفي لسان العرب " تمم " هي ثلاث ليال لا يستبان زيادتها من نقصانها.
(2) في المخطوطة والمطبوعة " ميتم ".
(3) سورة ابراهيم: آية 35.
(4) سورة يس: آية 41.

(1/446)


تفسير التبيان ج1
الذال - وبها قرأ زيد بن ثابت.
قال صاحب العين الذر: صغار النمل. واحده ذرة، والذر اخذك الشئ بأطراف اصابعك.
تقول: ذررت الدواء اذره ذرا. وكذلك الملح وغيره.
واسم الدواء - الذي يتخذ للعين - ذرور.
والذريرة: ذات قصب الطيب، وهو قصب يجاء به من الهند كأنه قصب النشاب(1).
والذرارة ما تناثر(2) من الشئ الذي تذره.
والذرية: فعلية من ذررت، لان الله تعالى ذرهم في الارض، فنثرهم فيها.
كما ان السريرة من سررت.
والجمع الذراري، والسراري وما أشبهه وإن خففت، جاز.
والذرور ذروة الشمس، فهو يذر ذرورا وذلك اول طلوعها، وسقوطها إلى الارض، أو الشجر.
وتقول ذر قرن الشمس اي طلع. وأصل الباب الذر وهو التفرقة.
وقوله: " لا ينال عهدي " والنيل واللحاق والادراك نظائر.
والنيل والنوال: ما نلته من معروف انسان.
واناله معروفه، ونوله: اعطاه نوالا.
قال طرفة:
إن تنوله فقد تمنعه
وتريه النجم يجري بالظهر(3)
وقولهم: نولك ان تفعل ذلك، ومعناه حقك ان تفعل.
والنول خشبة الحائك الذي ينسج الوسائد عليه ونحوها.
واذانه المنصوبة ايضا تسمى النوال.
وأصل الباب النيل، وهو اللحوق.
المعنى: والمراد بالعهد هاهنا فيه خلاف.
قال السدي واختاره الجبائي: إنه اراد النبوة.
وقال مجاهد: هو الامامة وهو المروي عن ابي جعفر، وابي عبدالله (ع) قالوا: لايكون الظالم إماما.
وقال ابوحذيفة: لا اتخذ إماما ضالا في الدنيا.
وقيل: معناه الامر بالوفاء له فيما عقده من ظلمه.
وقال ابن عباس: فاذا عقد عليك في ظلم، فانقضه.
وقال الحسن: ليس لهم عند الله عهد يعطيهم عليه خيرا في الآخرة، فأما في الدنيا، فقد يعاهدون فيوفى لهم. وكأنه على هذا التأويل طاعة يحتسب بها في الآخرة.
---
(1) في المطبوعة " النشاء ".
(2) في المطبوعة " ما تناش ".
(3) اللسان " نول ".

(1/447)


تفسير التبيان ج1
وقوله: " لا ينال عهدي الظالمين " يدل على انه يجوز ان يعطي ذلك بعض ولده اذا لم يكن ظالما، لانه لو لم يرد ان يجعل احدا منهم إماما للناس، كان يجب أن يقول في الجواب لا ولا ينال عهدي ذريتك.
وكان يجوز ان يقول في العربية: لا ينال عهدي الظالمون، لان ما نالك فقد نلته.
وروي ذلك في قراءة ابن مسعود إلا أنه في المصحف (بالياء).
تقول نالني خيرك، ونلت خيرك.
واستدل اصحابنا بهذه الآية على ان الامام لا يكون إلا معصوما من القبائح، لان الله تعالى نفى ان ينال عهده - الذي هو الامامة - ظالم، ومن ليس بمعصوم فهو ظالم: إما لنفسه، أو لغيره.
فان قيل: انما نفى ان يناله ظالم - في حال كونه كذلك -: فاما اذا تاب وأناب، فلا يسمى ظالما، فلا يمتنع أن ينال.
قلنا: اذا تاب لا يخرج من أن تكون الآية تناولته - في حال كونه ظالما - فاذا نفي ان يناله، فقد حكم عليه بانه لا ينالها، ولم يفد انه لا ينالها في هذه الحال دون غيرها، فيجب ان تحمل الآية على عموم الاوقات في ذلك، ولاينالها وإن تاب فيما بعد.
واستدلوا بها ايضا على أن منزلة الامامة منفصلة من النبوة، لان الله خاطب ابراهيم (ع) وهو نبي، فقال له: انه سيجعله إماما جزاء له على اتمامه ما ابتلاه الله به من الكلمات، ولو كان إماما في الحال، لما كان للكلام معنى، فدل ذلك على ان منزلة الامامة منفصلة من النبوة.
وانما أراد الله أن يجعلها لابراهيم (ع) وقد أملينا رسالة مقررة في الفرق بين النبي، والامام، وان النبي قد لا يكون إماما على بعض الوجوه، فاما الامام فلا شك انه يكون غير نبي.
واوضحنا القول في ذلك، من أراده وقف عليه من هناك وابراهيم، وابراهم لغتان، واصله ابراهام فحذفت الالف استخفافا.
قال الشاعر: عذت بما عاذبه إبراهم(1)
وقال امية: مع ابراهم التقي وموسى.
---
(1) قائله عبدالمطلب. اللسان (برهم) وتتمة الرجز:
مستقبل القبلة وهو قائم
اني لك اللهم عان راغم.

(1/448)


تفسير التبيان ج1
وقوله تعالى: وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى وعهدنا إلى ابراهيم واسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود (125)
آية واحدة.
القراءة: قرأ نافع وابن عامر " واتخذوا " على لفظ الخبر. الباقون بلفظ الامر.
المعنى: قوله: " واذ جعلنا " عطف على قوله " وإذ ابتلى ابراهيم ربه " وذلك معطوف على قوله: " يا بني اسرائيل اذكروا نعمتي التي انعمت عليكم " " واذكروا إذ ابتلى ابراهيم ربه " " واذا جعلنا البيت مثابة " والبيت الذي جعله مثابة هو البيت الحرام.
اللغة: والبيت في اللغة، والمنزل، والمأوى نظائر.
يقال: بات يبيت بيتوتة، وبيته مبايتة.
وتبيت تبيتا. وتبايتوا تبايتا.
والبيت من أبيات الشعر ومن بيوت الناس.
والبيت من بيوتات العرب: احياؤها(1).
وبيت فلان أبياتا تبيتا اذا بناها.
البيتوتة: الدخول في الليل.
تقول: بت افعل كذا، وبالنهار ظللت(2) وباتوا بيتوتة حسنة.
وأباتهم الله إباتة. وأباتهم الامر بياتا كل ذلك دخول الليل. وليس من النوم في شئ وما عنده بيت ليلة. ولا بيتة ليلة بكسر الباء يعني القوت. والله يكتب ما يبيتون عمل الليل وبيت الفوم اذا اوقعت فيهم ليلا. والمصدر البيت. والاسم: البيات.
ومنه قوله: " بأسنا بياتا " ويسمى البيت من الشعر بيتا لضمه الحروف والكلام كما يضم البيت أهله وامرأة الرجل: بيته.
---
(1) في المطبوعة والمخطوطة (أخيارها).
(2) في المطبوعة (وتاليها وظللت).

(1/449)


تفسير التبيان ج1
قال الراجز:
مالي اذا اخذتها صأيت(1)
أكبر غيرني أم بيت
وماء بيوت اذا بات ليلة في إنائه واصل الباب البيت: المنزل وقوله: " مثابة " في معناه خلاف.
قال الحسن يثيبون اليه كل عام، أي ليس هو مرة في الزمان فقط.
وقال ابن عباس: معناه أنه لا ينصرف عنه احد، وهو يرى انه قد قضى منه وطرا، فهم يعودون اليه.
وقال ابوجعفر (ع): يرجعون اليه لا يقضون منه وطرا وبه قال مجاهد.
وحكي الخازئي(2) ان معناه يحجون(3) اليه فيثابون عليه.
وقال الجبائي يثوبون اليه: يصيرون اليه اللغة: والفرق بين مثابة ومثاب، ان الاخفش قال: مثابة للمبالغة لما كثرمن يثوب اليه.
كما قيل علامة ونسابة وسيارة وقال الفراء والزجاج: معناهما واحد. كالمقامة والمقام بمعنى واحد. ووزن مثابة مفعلة واصلها مثوبة. من ثاب يثوب مثابة، ومثابا.
وثوابا: اذا رجع فنقلت حركة الواو إلى الياء ثم قلبت على ما قبلها.
قال ورقة بن نوفل في صفة الحرم:
مثاب لافناء القبائل كلها
تخب اليه اليعملات الطلائح(4)
---
(1) اللسان (بيت) وآمالي الشريف المرتضى 1: 378. ولم ينسبهما.
في المخطوطة والمطبوعة: البر قد عالني أم بيت صأي يصئي ويصأى صئيا - بكسر الصاد وضمها وفتحها - الفرخ: صاح.
وكذا العقرب ومنه المثل " يلذع ويصئي " يضرب لمن يظلم ويشكو.
(2) في المخطوطة الحارثي.
(3) في المطبوعة (الحجون).
(4) اللسان (ثوب) وروايته (الذوامل) بدل " الطلائح " وقد نسبه لابي طالب " رض " وفي تفسير الطبري 3: 26 وفي تفسير أبي حيان 1: 380 ايضا برواية التبيان الا أن ابي حيان نصب (مثابا) وافناء القبائل: اخلاطهم.
والخبب: ضرب سريع من العدو. واليعملات: ج. يعملة وهي الناقة السريعة المطبوعة على العمل.
اشتق اسمها من العمل. وطلائح ج. طليح: الناقة التي اجهدها السير.

(1/450)


تفسير التبيان ج1
ومنه ثاب اليه عقله، أي رجع اليه بعد عزوبه.
وقوله " وأمنا " فالامن مصدر قولك أمن يأمن أمنا. وانما جعله أمنا بان حكم ان من عاذبه والتجأ لايخاف على نفسه مادام فيه بما جعله في نفوس العرب من تعظيمه فكان من فيه آمنا على ماله ودمه ويتخطف الناس من حوله كما قال: " أولم يروا انا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم "(1) ولعظم حرمته ان من جنى جناية والتجأ اليه لا يقام عليه الحد حتى يخرج لكن يضبق عليه في المطعم والمشرب، والبيع والشراء، حتى يخرج منه، فيقام عليه الحد. فان احدث فيه ما يوجب الحد أقيم عليه فيه، لانه هتك حرمة الحرم. ولان الله تعالى جعل الاشهر الحرم لا يحل فيها القتال، والقتل وكل ذلك بسبب البيت الحرام، فهو آمن بهذه الوجوه.
القراءة والاعراب: وقوله: " واتخذوا من مقام ابراهيم " اكثر القراء على لفظ الامر. إلا ابن عامر ونافع فانهما قرأ اعلى لفظ الخبر من فعل ماض ويحتمل ان يكون اللفظ معطوفا على قوله: " واذكروا " كانه قال يا بني اسرائيل اذكروا نعمتي، واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى.
المعنى: وقال الربيع بن انس: من الكلمات التي ابتلى ابراهيم ربه قوله: " واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى " وكأنه قال: " اني جاعلك للناس إماما " وقال: " اتخذوا من مقام ابراهيم مصلى " وقيل: انه معطوف على " واذ جعلنا البيت " لان معناه واذكروا اذا جعلنا البيت واتخذوا وقيل: انه معطوف على معنى " جعلنا البيت مثابة للناس " لان فيه معنى ثوبوا اليه واتخذوا.
وظاهر قوله: واتخذوا انه عام لجميع المكلفين إلا من خصه الدليل وعليه اكثر المفسرين.
---
(1) سورة العنكبوت: آية 67.

(1/451)


تفسير التبيان ج1
وقال ابوعلي الفارسي: وجه قراءة من قرأ، على الخبر انه عطف على ما أضيف اليه اذ كأنه قال واذ اتخذوا قال.
وتقوية قوله ان ما بعده خبر، وهو قوله " وعهدنا إلى ابراهيم واسماعيل ".
المعنى: المعنى بقوله: " من مقام " قيل فيه اربعة أقوال: احدها - قال ابن عباس الحج كله مقام ابراهيم.
(ثانيها) - وقال عطا مقام ابراهيم عرفة والمزدلفة والجمار.
(ثالثها) - وقال مجاهد: الحرم كله مقام ابراهيم.
(رابعها) - وقال السدي: مقام ابراهيم هو الحجر الذى كانت زوجة اسماعيل وضعته تحت قدم ابراهيم حين غسلت رأسه.
فوضع ابراهيم رجله عليه وهو راكب فغسلت شقه ثم رفعته من تحته وقد غابت رجله في الحجر فوضعته تحت الشق الآخر فغسلته فغابت ايضا رجله فيه فجعلها الله من شعائره، فقال " واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى " وبه قال الحسن، وقتادة، والربيع، واختاره الجبائي، والرماني، وهو الظاهر في اخبارنا، وهو الاقوى، لان مقام ابراهيم اذا اطلق(1) لايفهم منه إلا المقام المعروف الذي هو في المسجد الحرام.
وفي المقام دلالة على نبوة ابراهيم (ع)، لان الله تعالى جعل الصخرة تحت قدمه كالطين حتى دخلت قدمه فيها - وكان ذلك معجزة له -.
وقيل في معنى قوله " مصلى " ثلاثة أقوال: قال مجاهد: مدعى مأخوذ من صليت بمعنى دعوت.
وقال الحسن والجبائي: قبلة.
وقال قتادة والسدي: أمروا أن يصلوا عنده. وهو المروي في أخبارنا.
وبذلك استدلوا على أن صلاة الطواف فريضة مثله، لان الله تعالى أمر بذلك والامر يقتضي الوجوب، وليس هاهنا صلاة يجب اداؤها عنده غير هذه بلا خلاف.
---
(1) في المطبوعة (انطلق وفى المخطوطة (انطلق).

(1/452)


تفسير التبيان ج1
وقوله: " عهدنا إلى ابراهيم واسماعيل " أي أمرنا ان طهرا.
قال الجبائي: أمرا أن يطهراه من فرث ودم كان يطرحه عنده المشركون قبل ان يصير في يد ابراهيم ويجوز أن يريد طهراه من الاصنام، والاوثان التي كانت عليه للمشركين قبل أن يصير في يد ابراهيم.
وبه قال قتادة، ومجاهد.
وقال السدي طهراه ببنائكما له على الطهارة، كما قال: " أفمن اسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير "(1) اللغة: والطائف والدائر والجائل نظائر.
طاف يطوف طوافا اذا دار حول الشئ.
وأطاف به اطافة: اذا ألم به.
وطوف تطويفا.
والطوف: خشب أو قصب يجمع بعضه إلى بعض، يركب عليه في البحر.
والطوفان مصدر طاف يطوف طوفا.
فاما طاف بالبيت فهو طواف.
وأطاف به اذا احاط به.
والطائف: العاس.
والطوافون المهاليك كقوله: (طوافون عليكم)(2) والطائف: طائف الجن والشيطان.
وكل شئ يغشى القلب من وسواسه فهو طيفه.
والطائفة من كل شئ قطعة.
تقول: طائفة من الناس، وطائفة من الليل.
قال الله تعالى (طائفة من الذين معك)(3) واصل الباب الطوف: الدور.
المعنى: ومعنى " الطائفين " هاهنا قيل فيه قولان: احدهما - ما قال سعيد بن جبير: " الطائفين " من أتاه من غربة.
والثاني - قال عطا واختاره الجبائي، وغيرهم: الطائفون بالبيت. - وهو الاصح -
وقوله: " والعاكفين " هاهنا قيل فيه اربعة أقوال:
---
(1) سورة التوبة: آية 110.
(2) سورة النور: آية 58.
(3) سورة المزمل: آية 20.

(1/453)


تفسير التبيان ج1
الاول - قال عطا واختاره الجبائي: انهم المقيمون بحضرته.
والثاني - قال مجاهد وعكرمة: انهم المجاورون.
والثالث - قال سعيد بن جبير، وقتادة: انهم أهل البلد الحرام.
والرابع - قال ابن عباس: هم المصلون.
والاول أقوى، لانه المفهوم من اطلاق هذه اللفظة.
قال النابغة(1)
عكوف على ابياتهم يثمدونها
رمى الله في تلك الاكف الكوانع(2)
اللغة: والعكف واللزوم والدوام على الشئ نظائر.
تقول عكف يعكف، عكفا وعكوفا، اذا الزم الشئ وأقام عليه فهو عاكف، وعكف الطير بالقتيل.
والعاكف المعتكف في المسجد، قلما يقولون عكف، وان قيل كان صوابا، وانما يقولون: اعتكف.
ويقال للنظم اذا نظم فيه الجوهر: عكف تعكيفا.
والمعكوف: المحبوس واصل الباب العكف وهو اللزوم.
المعنى: والمعني بقوله: " والركع السجود " قال قتاده وعطا: هم الذين يصلون عند الكعبة، يركعون عندها، ويسجدون.
وقال الحسن: " الركع السجود " جميع
---
(1) هو نابغة بنى ذبيان.
(2) ديوانه، اللسان (رمي) روايتهما (قعودا) بدل (عكوف) (والانوف) بدل (الاكف) وفي بعض المصادر الاخري (عكوفا) بدل (عكوف) وفي بعض الروايات (يثمدونهم) بدل " يثمدونها ".
وهذا البيت من أبيات قالها لزرعة بن عامر.
حين بعثت بنو عامر إلى حصن ابن حذيفة، وابنه عيينة بن حصن: أن اقطعوا حلف ما بينكم وبين بني أسد، والحقوهم ببني كنانة، ونحالفكم ونحن بنو ابيكم.
وكان عيينة هم بذلك، فقالت بنو ذبيان: اخرجوا من فيكم من الحلفاء، ونخرج من فينا ! فأبوا، فقال النابغة: هذه الابيات، فمدح بني أسد، وذم بني عبس، ونقص بني سهم ومالك من غطفان وعبد بن سعيد بن ذبيان. وهاجم بهذا البيت الجميع و " يثمدنها " الضمير عائد إلى الابيات. أي يلازمون بيوتهم، يسترزقونها، لان معنى الثمد الاسترزاق. وهو هزء بهم.
" الكوانع " جمع كانع: وهو الخاضع الذمي تدانى وتصاغر.

(1/454)


تفسير التبيان ج1
المؤمنين، وبه قال الفراء. وهو الاقوى، لانه العموم.
فان قيل: كيف امر الله تعالى ان يطهر بيته ولم يكن هناك بيت بعد؟ قيل: معناه ابنيالي بيتا مطهرا - في قول السدي - وقال عطا: معناه طهرا مكان البيت الذي تبنياه فيما بعد.
وفي الآية دلالة على ان الصلاة جوف البيت جائزة.
قوله تعالى: وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير (126)
آية.
المعنى: التقدير واذكروا إذ قال ابراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا.
فان قيل: هل كان الحرم آمنا قبل دعوة ابراهيم (ع)؟ قيل فيه خلاف: قال مجاهد عن ابن عباس، وابوشريح الخزاعي: كان آمنا لقول النبي صلى الله عليه وآله حين فتح مكة هذه حرم حرمها الله يوم خلق السماوات والارض، وهو الظاهر في رواياتنا.
وقال قوم: كانت قبل دعوة ابراهيم كسائر البلاد، وانما صارت حرما بعد دعوته (ع) كما صارت المدينة.
لما روي ان النبي صلى الله عليه وآله قال: ان ابراهيم (ع) حرم مكة، واني حرمت المدينة.
وقال بعضهم: كانت حراما والدعوة بوجه غير الوجه الذي صارت به حراما بعد الدعوة والاول يمنع الله إياها من الاضطلام، والانتقام، كما لحق غيرها من البلاد، وبما جعل في النفوس من تعظيمها، والهيبة لها.

(1/455)


تفسير التبيان ج1
والوجه الثاني - بالامر على ألسنة الرسل.
فأجابه الله إلى ما سأل. وانما سأل أن يجعلها آمنا من الجدب، والقحط لانه أسكن أهله بواد غير ذي زرع، ولاضرع. ولم يسأله أمنه من انتقال، وخسف، لانه كان آمنا من ذلك.
وقال قوم: سأله الامرين على ان يديمهما له. وان كان احدهما مستأنفا، والآخر كان قبل.
ومعنى قوله: " بلدا آمنا " أي يأمنون فيه.
كما يقال: ليل نائم أي النوم فيه.
اللغة: والبلد والمصر والمدينة نظائر. ورجل بليد اذا كان بعيد الفطنة. وكذلك يقال للدابة التي تقصر عن نظائرها. وأصل البلادة التأثير.
ومن ذلك قولهم لكركرة البعير: بلدة لانه اذا برك تأثرت(1).
والبلد: الاثر في الجلد، وغيره. وجمعه أبلاد.
وانما سميت البلاد من قولك.
بلد او بلدة، لانها مواضع مواطن الناس وتأثيرهم والبلد: المقبرة ويقال: هو نفس القبر قال حفاف:
كل امرئ نازل أحبته
ومسلم وجهه إلى البلد
" ولا اقسم بهذا البلد " يعني بمكة والتبلد نقيض التجلد.
وهو استكانة وخضوع.
وتبلد الرجل: اذا نكس وضعف في العمر، وغيره حتى في السجود.
والبلدة: منزل من منازل القمر.
وأصل الباب البلد، وهو الاثر في الجلد، وغيره.
المعنى: " وقوله " فأمتعه قليلا " يعني بالرزق الذي أرزقه إلى وقت مماته.
وقيل فأمتعه بالبقاء في الدنيا.
قال الحسن: فامتعه بالامن والرزق إلى خروج محمد صلى الله عليه وآله فيقتله إن أقام على كفره. أو يجليه(2) عنها.
وقد قرئ في الشواذ فامتعه على وجه الدعاء
---
(1) في المطبوعة (اذا ترك أخرت).
(2) في المطبوعة (الجلية) بدل (يجليه).

(1/456)


تفسير التبيان ج1
بصورة الامر، ثم اضطره بمثل ذلك على ان يكون ذلك سؤالا من ابراهيم ان يمتع الكافر قليلا ثم يضطره بعد ذلك إلى عذاب النار والاول اجود لانه قراءة الجماعة، هذا مروي عن ابن عباس.
القراءة: والراء مفتوحة في هذه القراءة وكان يجب ان تكسر كما يقال مد ومد ولم يقرأ به أحد وقرأ: ابن عباس وحده " فأمتعه قليلا " من المتعة على الخبر الباقون بالتشديد بدلالة قوله: " متعناهم إلى حين ".
اللغة: والفرق بين متعت وامتعت ان التشديد يدل على تكثير الفعل، وليس كذلك التخفيف.
وفعلت وافعلت يجئ على خمسة اقسام: احدها - ان يكونا بمعنى واحد كقولهم: سميت واسميت ويجئ على التكثير والتقليل ويجئ على النقص كقولك: فرطت: قصرت.(1) وافرطت: جاوزت.
والرابع - توليت الفعل وتركته حتى يقع: كقوله " يخربون بيوتهم " اي يهدمون. فاما اخربت فمعناه(2) تركت المنزل وهربت منه حتى خرب.
والخامس - ان ينفرد احدهما عن الآخر. كقولك: كلمت لا يقال فيه افعلت واجسلت ولا يقال: منه فعلت.
المعنى: ومعنى " ثم أضطره " ادفعه إلى عذاب النار وأسوقه اليها. والاضطرار هو الفعل في الغير على وجه لايمكنه الانفكاك منه، اذا كان من جنس مقدوره، ولهذا لايقال فلان مضطر إلى كونه - وان كان لايمكنه دفعه عن نفسه - لما لم يكن الكون من جنس مقدوره.
ويقال هو مضطر إلى حركة الفالج وحركة العروق، لما كانت الحركة من جنس مقدورة.
---
(1) في المطبوعة (فبصرت).
(2) المطبوعة فمتعناه.

(1/457)


تفسير التبيان ج1
وقوله: " وبئس المصير " هو الحال التي يؤدي اليها اولها.
اللغة: وصار وحال وآل نظائر. يقال صار يصير مصيرا، قياسه رجع يرجع مرجعا(1) وصيرة تصييرا قال صاحب العين: صير، كل امر مصيرة والصيرورة مصدر صار يصير صيرورة.
وقال بعضهم: صيور الامر اخره.
قال الكميت يمدح هشام ابن عبدالملك:
ملك لم يصنع الله منه
بدء أمر ولم يضع صيورا
وصارة الجبل: رأسه.
والصير: الشق.
وفي الحديث من نظر في صير باب ففقئت عينه فهي هدر.
وصير البقر: موضع يتخذه للحظيرة.
واذا كان للغنم فهو زريبة واصل الباب: المصير، وهو المآل.
المعنى: ومعنى الآية سأل سؤال عارف بالله مطيع له، وهو ان يرزق من الثمرات من آمن بالله، واليوم الاخر، فاجاب الله ذلك، ثم أعلمه انه يمنع من كفر به، لاجل الدنيا، ولايمنعه من ذلك كما يتفضل به على المؤمن، ثم يضطره في الآخرة، إلى عذاب النار، وبئس المصير.
وهي كما قال: نعوذ بالله منها.
وقوله في الآية " قليلا " يحتمل ان يكون صفة للمصدر كما قال متاعا حسنا فوصف به المصدر، وليس لاحد ان يقول كيف يوصف به المصدر، وهو فعل يدل على التكثير، وكيف يستقيم وصف الكثير بالقليل في قوله " فامتعه " وهلا كانت قراءة ابن عامر ان حج على هذا وذلك ايضا إنما وصفه بانه قليل من كان آخره إلى نفاد، ونقص، وفناء.
كما قال " متاع الدنيا قليل " ويجوز ايضا ان يكون صفة للزمان.
كما قال: " عما قليل ليصبحن نادمين " يعني بعد زمان قليل وعن ابي جعفر " ع " في قوله: " وارزقهم من الثمرات " اي تحمل اليهم من الآفاق.
---
(1) في المطبوعة (رجعا).

(1/458)


تفسير التبيان ج1
قوله تعالى: واذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت واسماعيل ربنا تقبل منا انك انت السميع العليم(127)
آية.
تقديره واذ يرفع ابراهيم القواعد.
اللغة: والرفع والاعلاء، والاصعاد نظائر. ونقيض الرفع الوضع. ونقيض العلو: السفل. ونقيض الاصعاد الانزال تقول: رفع يرفع رفعا.
وارتفع الشئ بنفسه. وبرق رافع: ساطع. والمرفوع: من سير الفرس. والبرذون دون الحضر، وفوق الموضوع. ويقال: إنه لحسن الموضوع. ويقال ارفع من دابتك. وقد رفع الرجل يرفع رفاعة، فهو رفيع والمرأة رفيعة. والحمار يرفع في عدوه ترفيعا: اذا كان عدو بعضه ارفع من بعض. وكذلك لو احدث شيئا فرفعته: الاول فالاول، قلت رفعة ترفيعا. فالرفع نقيض الخفض في كل شئ. والرفعة نقفض الذلة، ورفعته إلى السلطان رفعا اي قربته اليه.
وفي التنزيل " وفرش مرفوعة(1) اي مقربة. والمرفع كل شئ رفعت به شيئا، فجعلته عليه. واصل الباب الرفع: نقيض الخفض. تقول رفع رفعا وارتفع ارتفاعا، ورفع ترفيعا، وترافعوا ترافعا، وترفع ترفعا، ورافعه مرافعة. والقواعد: واحدها قاعدة.
قال الزجاج: اصله في اللغة الثبوت والاستقرار، فمن ذلك القاعدة من الجبل، وهي اصله. وقواعد البناء أساسه الذي بني عليه. واحدتها قاعدة. وامراة قاعدة اذا اتت عليها سنون لا تزوج.
ومنه قوله: " والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا "(2) واذا لم تحمل المرأة، ولا النخلة.
يقال: قد قعدت وهي قاعدة، وجمعها قواعد ايضا. وتأويلها انها قد ثبتت على ترك الحمل. واذا
---
(1) سورة الواقعة: آية 24.
(2) سورة سبأ: آية 60.

(1/459)


تفسير التبيان ج1
قعدت المرأة عن الحيض، فهي قاعد ايضا بغير هاء - لانه لافعل لها في قعودها عن الحيض وقد قعدت المرأة اذا كانت باولاد لئام فهي قاعدة.
والاقعاد ان يقعد الرجل عن الشئ البتة يقال: اقعد فهو مقعد اي اقعدته الزمانة.
وللجارية ثدي مقعد اذا كان متمكنا لا ينكس.
وشهر ذي العقدة كانت العرب تقعد فيه عن القتال.
والقعود ما يقتعد الراعي ويحمل عليه متاعه، وجمعه قعدان.
وقعيد الانسان جليسه.
ومنه قوله: " عن اليمين وعن الشمالى قعيد "(1) يعني الملكين.
والقعيد كلما اتي من طائر أو ظبي.
ويقال للئيم: قعد، والجبان: قاعد، لانه قعد عن الحرب.
وقعد الئيم عن الكرم قال الحطيئة:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها
واقعد فانك انت الطاعم الكاسي(2)
والقعدة في النسب أقرب القرابة إلى الاب أو الجد.
والمقاعد مواضع العقود في الحرب، وغيرها.
ومنه قوله: " مقاعد للقتال "(3) وقعيدة الرجل امرأته القاعدة في بيته.
وأصل الباب القعود. نقيض القيام. والقواعد والاساس والاركان نظائر.
وقيل: انما قيل في واحدة القواعد من النساء قاعد لشيئين: أحدهما - أن ذلك كالطالق والحائض وما اشبه ذلك من الصفافات التي تختص بالمؤنث دون المذكر فلم يحتج إلى علامة التأنيث.
وإن أردت الجلوس قلت: قاعدة لا غير لانها تشارك في ذلك الرجال.
الوجه الاخر - إن ذلك على وجه التشبيه اي ذات قعود كما يقال نابل ودارع أي ذو نبل ودرع. لا تريد به تثبيت الفعل.
الاعراب: وموضع الجملة من قوله: " ربنا تقبل منا " نصب بقول محذوف، فكأنه قال: يقولان ربنا تقبل منا.
واتصل بما قبله، لانه من تمام الحال لان (يقولان) في موضع الحال.
---
(1) سورة ق: آية 17.
(2) اللسان (طعم)، وكسا. طاعم: حسن المطعم.
(3) سورة آل عمران: آية 121.

(1/460)


تفسير التبيان ج1
المعنى: قال ابن عباس معناه يقولان(1): ربنا، ومثله " والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم "(2) أي يقولون(3) ومثله " والملائكة باسطو أيديهم اخرجوا أنفسكم "(4) أي يقولون.
وقال بعضهم: هو شاذ تقديره يقول: ربنا. يرده إلى اسماعيل وحده. ولا يعمل على ذلك لشذوذه.
وقال أكثر المفسرين كالسدي وعبد بن عمير الليثي، واختاره الجبائي، وغيرهم: إن ابراهيم واسماعيل معا رفعا القواعد.
وقال ابن عباس: كان ابراهيم يبني وإسماعيل يناوله.
وقال بعض الشذاذ(5) أن ابراهيم وحده رفعها وكان اسماعيل صغيرا - وهو ضعيف لانه خلاف ظاهر اللفظ وخلاف اقوال المفسرين.
وقال أكثر أهل العلم أنهما رفعا البيت للعبادة لا للسكنى، وبدلالة قوله: " ربنا تقبل منا ". وهل كانت للبيت قواعد قبل ابراهيم؟ فيه خلاف.
فقال ابن عباس وعطا: قد كان آدم عليه السلام بناه ثم عفي أثره، فجدده ابراهيم.
وهو المروي عن ابي جعفر وابي عبدالله (ع).
وقال مجاهد، وعمرو بن دينار: بل انشأه ابراهيم بامر الله عزوجل إياه.
وكان الحسن يقول: أول من حج البيت ابراهيم (ع).
وقد روي في اخبارنا ان أول من حج البيت آدم وذلك يدل على انه قد كان قبل ابراهيم.
وانما قال: " انك أنت السميع العليم " لانه لما ذكر الدعاء، اقتضى حينئذ ذكر ذلك، كأنه قال: انك أنت السميع العليم بنا، وبما يصلحنا.
ومعنى قوله " تقبل منا " اي اثبنا على عمله، وهو مشبه بتقبل الهدية في أصل اللغة.
وروي عن محمد بن علي الباقر (ع) انه قال: ان الله تعالى وضع تحت
---
(1) في مجمع البيان: وفي حرف عبدالله بن مسعود ويقولان ربنا تقبل منا ". وفي - حاشية - وفي حرف عبدالله يقولان ربنا.
(2) سورة الرعد: آية 25.
(3) يقولان سلام عليكم.
(4) سورة الانعام: آية 93.
(5) في المطبوعة والمخطوطة (السداد).

(1/461)


تفسير التبيان ج1
العرش اربع اساطين وسماه الصراح وهو البيت المعمور وقال للملائكة طوفوا به ثم بعث ملائكة، فقال ابنو في الارض بيتا بمثاله، وقدره وامر من في الارض ان يطوفوا بالبيت.
وقال ابوجعفر: اسماعيل أول من شق لسانه بالعربية، وكان ابوه يقول: وهما يبنيا البيت: - يا اسماعيل هابي ابن(1).
اي اعطني حجرا، فيقول له اسماعيل بالعربية: يا أبي هاك حجرا - وابراهيم يبني واسماعيل يناوله الحجارة.
وروى فلا عن عبدالله بن عمر قال: لما أهبط الله آدم من الجنه قال: اني منزل معك او مهبط معك بيتا تطوف حوله كما يطاف حول عرشي، وتصلي عنده كما يصلي عند عرشي، ولما كان زمن الطوفان رفع وكانت الانبياء يحجونه ولا يعملون مكانه حتى بوأه الله لابراهيم فاعلمه(2) مكانه فبناه من خمسة اجبل: من حرا، وثبير، ولبنان، وجبل الطور، وجبل الخمر(3).
قال الطبري وهو جبل بدمشق.
قوله تعالى: ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا انك أنت التواب الرحيم(128)
آية بلا خلاف.
روي في الشواذ عن عوف بن الاعرابي انه قرأ (مسلمين) على الجمع. وانما سألا الله تعالى أن يجعلهما مسلمين بمعنى: ان يفعل لهما من الالطاف ما يتمسكان معه بالاسلام في مستقبل عمرهما لان الاسلام كان حاصلا في وقت دعائهما ويجري ذلك مجرى احدنا، اذا أدب ولده وعرضه لذلك حتى صار أديبا جاز أن يقال: جعل ولده أديبا وعكس ذلك اذا عرضه للبلاء، والفساد، وجاز ان يقال: جعله ظالما محتالا فاسدا ويجوز ان يكونا قالا ذلك تعبدا كما قال تعالى: " رب احكم بالحق ".
---
(1) وفي العبرانية معنى اعطني حجرا: هاتلي ابن.
(2) في المطبوعة (كابراهيم اعلمه) وهو تحريف.
(3) الخمر جبل بيت المقدس سمي بذلك لكثرة كرومه (ياقوت).

(1/462)


تفسير التبيان ج1
اللغة: والاسلام: هو الانقياد لامر الله تعالى بالخضوع، والاقرار بجميع ما أوجب عليه. وهو والايمان واحد عندنا، وعند اكثر المرجئة والمعتزلة. وفي الناس من قال: بينهما فرق، وليس ذلك بصحيح، لقوله " ان الدين عندالله الاسلام ".
وقوله: " ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه "(1) وانما خصا بالدعوة بعض الذرية في قوله: " ومن ذريتنا "، لان (من) للتبعيض من حيث أن الله تعالى: كان أعلمه أن في ذريتهما من لا ينال العهد، لكونه ظالما.
وقال السدي: إنما عنيا(2) بذلك العرب. والاول هو الصحيح. وهو قول اكثر المفسرين.
وقوله: " وأرنا مناسكنا " فالمناسك هاهنا المتعبدات قال الزجاج: كل متعبد منسك(3).
وقال الجبائي: المناسك هي ما يتقرب به إلى الله من الهدى، والذبح، وغير ذلك من اعمال الحج والعمرة.
وقال قتادة: أراهما الله مناسكهما الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والافاضة عن عرفات والافاضة من جمع ورمي الجمار حتى أكمل الله الدين.
فهذا القول أقوى لانه العرف في معنى المناسك وقال عطا: مناسكنا مذابحنا.
اللغة: والنسك في اللغة: العبادة. ورجل ناسك عابد، وقد نسك نسكا.
والنسك: الذبيحة يقال: من فعل كذا فعلية نسك، اي دم يهريقه، ومنه قوله: " او نسك " اي دم واسم تلك الذبيحة: النسيكة والموضع الذي يذبح فيه المناسك والمنسك هو النسك نفسه.
قال الله تعالى: " ولكل امة جعلنا منسكا " ويقال: نسك ثوبه اي غسله وقال ابن دريد: النسك اصله ذبائح كانت تذبح في الجاهلية.
والنسيكة: شاة كانوا
---
(1) سورة آل عمران: آية 85.
(2) في المطبوعة (صينا).
(3) في المطبوعة والمخطوطة (منك).

(1/463)


تفسير التبيان ج1
يذبحونها في الحرم في الاسلام، ثم نسخ ذلك بالاضاحي قال الشاعر(1):
وذا النصب المنصوب لا تنسكنه
ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا(2)
واصل الباب العبادة وقيل ان النسك الغسل.
قال الشاعر:
فلا ينبت المرعى سباخ عراعر
ولو نسكت بالماء ستة اشهر(3)
اي غسلت ذكره الحسين بن علي المغربي.
قال: وليس بمعروف.
وقوله: " وارنا "(4) يحتمل امرين: احدهما - ان يكون من رؤية البصر.
والآخر - أن يكون من رؤية القلب بمعنى اعلمنا.
قال حطائط بن جعفر(5)
اريني جوادا مات هزلا لعلني
ارى ما ترين او بخيلا مخلدا(6)
اي عرفني ومعنى قوله: " وتب علينا " اي ارجع علينا بالرحمة والمغفرة وليس فيه دلالة على جواز الصغيرة، او فعل القبيح عليهم. ومن ادعى ذلك، فقد ابطل.
وقال قوم: معناه تب على ظلمة ذريتنا.
وقيل: بل قالا: ذلك انقطاعا اليه " تعالى " تعبدا ليقتدى بهما فيه. وهو الذي نعتمده.
" والتواب " القابل للتوبة هاهنا واذا وصف به العبد، فمعناه أنه فاعل التوبة دفعة بعد اخرى، فيفيد المبالغة.
فعلى مذهبنا اذا قلنا: قبل الله توبته اي تاب عليه معناه انه يستحق الثواب.
واذا قلنا: تاب العبد من كبيرة مع الاقامة على
---
(1) قائله الاعشى الكبير ميمون بن قيس من قصيدة يمدح بها رسول الله صلى الله عليه وآله.
(2) ديوانه 137 رقم القصيدة 17. وروايته (الاوثان) بدل (الشيطان). واللسان (نصب) ورواية العجز: لعافية والله ربك فاعبدا. وفي اللسان - حاشية - قوله: " العافية " كذا بنسخة من الصحاح الخط وفي نسخ الطبع كنسخ شارح القاموس " العاقبة ". وفي اللسان ايضا.
ويروي عجز بيت الاعشى: ولا تعبد.. اي كما اثبتنا. ذا النصب يعني اياك وذا النصب. اي لا تذبح القرابين للاصنام. فاعبدا أراد فاعبدن.
(3) اللسان - (نسك). ولم ينسبه.
(4) في المطبوعة (وانها)
(5) و رجل من بني نهشل بن دارم.
(6) اللسان " أنن " و " علل ". قال ابن بري فيه: قال حطائط بن جعفر، ويقال هو لدريد. وروايته " لانني " بدل " لعلني " وهما بمعنى واحد. والشاعر يخاطب امه عند مالامته على انفاقه ماله.

(1/464)


تفسير التبيان ج1
كبيرة اخرى معناه عند من أجاز ذلك انه رفع العقاب بها على تلك الكبيرة التي تاب منها. وعندنا أنه يستحق بها الثواب ايضا. وفي الآية دلالة على انه يحسن الدعاء بما يعلم الداعي أنه يكون لامحالة، لانهما كانا عالمين بأنهما لا يفارقان الاسلام. ولاياتيان الكبيرة.
القراءة: والاختيار في " ارنا " كسر الراء وهي قراءة الجمهور، لانها كسرة الهمزة حولت إلى الراء، لان اصله كان ارئنا، فنقلت الكسرة إلى الراء وسقطت الهمزة، فلا ينبغي أن تسكن، لئلا تجحف بالكلمة وتبطل الدلالة على الهمزة. وقد سكنه ابن كثير. وفي بعض الروايات عن ابي عمر وعلى وجه التشبيه بما يسكن في مثل كبد وفخذ وقال الشاعر: لو عصر منه المسك والبان انعصر وقال آخر:
قالت سليمى اشتر لنا دقيقا
واشتر وعجل خادما لبيقا
قوله تعالى: ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم انك أنت العزيز الحكيم(129)
آية واحدة بلا خلاف.
الضمير في قوله فيهم راجع إلى الامة المسلمة التي سأل الله ابراهيم من ذريته.
والمعنى بقوله " رسولا منهم " هو النبي صلى الله عليه وآله لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: انا دعوة ابي ابراهيم وبشارة عيسى (ع) يعني قوله " ومبشرا برسول يأتي من بعده اسمه أحمد "(1) وهول قول الحسن وقتادة والسدي وغيرهم من اهل العلم.
---
(1) سورة الصف: آية 6.

(1/465)


تفسير التبيان ج1
ويدل على ذلك ايضا، وان المراد به نبينا صلى الله عليه وآله دون الانبياء الذين بعثهم الله من بني اسرائيل انه دعى بذلك لذريته الذين يكونون بمكة وما حولها على ما تضمنته الآية.
وفي قوله: ربنا وابعث فيهم رسولا منهم " ولم يبعث الله من هذه صورته إلا محمدا " ص ".
والمراد بالكتاب القرآن - على قول ابن زيد واكثر المفسرين - ومعنى " الحكمة " هاهنا السنة.
وقيل المعرفة بالدين والفقه في التأويل.
وقيل العلم بالاحكام التي لا يدرك علمها إلا من قبل الرسل " ع " فالاول قول قتادة، والثاني قول انس بن مالك والثالث قول ابن زيد.
وقال قوم هو كلام مثنى كأنه وصف التنزيل بانه كتاب، وبانه حكمة، وبانه آيات.
وقال بعضهم: الحكمة شئ يجعله الله في القلب ينوره به كما ينور البصر فيدرك المبصر، وكل حسن.
ومعنى قوله: " ويزكيهم " قال ابن عباس: هو طاعة الله والاخلاص له.
وقال ابن جريج يطهرهم من الشرك ويخلصهم منه.
وقال الجبائي: " ويزكيهم " معناه يستدعيهم إلى فعل ما يزكون به، من الايمان والصلاح. ويحتمل ان يراد به انه يشهد لهم بالزكاء آمنوا واصلحوا.
اللغة: و " العزيز " القادر الذي لا يعجزه شئ.
وقيل: القادر الذي لايمتنع عليه شئ اراد فعله.
وقيل: القدير وهو مبالغة الوصف بالقدرة. ونقيض العز الذل.
ويقال: عزه يعز عزة وعزازا. واعتز به اعتزازا. وتعزز تعززا. وعازه معازة.
تقول: عز يعز عزة وعزا: اذا صار عزيزا. وعز يعز عزا: اذا قهر.
ومنه قولهم: من عزيز اي من غلب سلب.
وكل شئ صلب، فقد اعتز.
وسمي العزاز من الارض: وهو الطين الصلب الذي لايبلغ ان يكون حجارة. وعن الشئ اذا قل لا يكاد يوجد. وفلان اعتز بفلان اذا تشرف اذا تشرف به " وعزني في الخطاب "(1) اي غلبني في محاوراة الكلام.
---
(1) سورة ص: آية 23.

(1/466)


تفسير التبيان ج1
والعزاء: السنة الشديدة، والمطر يعزز الارض تعريزا اذا لبدها.
واصل الباب: القوة.
المعنى: وقوله: " الحكيم " يحتمل امرين: احدهما - المدبر الذي يحكم الصنع، يحسن التدبير.
والثاني بمعنى عليم، والاول بمعنى حكيم في فعله بمعنى محكم، فعدل إلى حكيم، للمبالغة.
وانما ذكر الحكيم هاهنا، لانه يتصل بالدعاء، كأنه قال: فزعنا إليك، لانك القادر على إجابتنا العالم بما في ضمائرنا وبما هو أصلح لنا مما لا يبلغه علمنا.
الآية: 130 - 141
قوله تعالى: ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين(130)
آية بلا خلاف.
اللغة: قوله: " ومن يرغب " فالرغبة: المحبة لما فيه للنفس منفعة. ورغب فيه ضد رغب عنه. والرغبة: المحبة(1). والرغبة والمحبة والارادة نظائر. وبينهما فرق.
نقيض الرغبة الرهبة ونقيض المحبة: البغضة. ونقيض الارادة الكراهية.
تقول: رغب رغبة وأرغبه إرغابا. ورغبة ترغيبا.
وتقول: رغب رغبة، ورغبا، ورغبى ورغبا إذا ملت لمحبك(2)، ورغبت عنه إذا صددت عنه، وأنا راغب به فيهما جميعا، والشئ مرغوب فيه، ومرغوب عنه. ولي عن فلان مرغب.
---
(1) والرغبة: المحبة " ساقطة من المطبوعة.
(2) في المطبوعة " اذا املت لمحبتك ".

(1/467)


تفسير التبيان ج1
وهو رجل رغيب: نهم شديد الاكل(1) وفرس رغيب الشحوة(2) كثير الاخذ بقوائمه من الارض. وموضع رغيب واسع والرغبة العطاء الكثير الذي يرغب في مثله.
وقال صاحب العين: اللهم اليك الرغباء ومن لدنك النعماء، ورغبت عن الشئ إذا تركته.
الاعراب: ومعنى " ومن يرغب عن ملة إبراهيم " لفظه الاستفهام، ومعناه الجحد(3)، كأنه قال: ما يرغب عن ملة ابراهيم ولا يزهد فيها إلا من سفه نفسه وكأنه قال: واي الناس يزهد فيها " إلا من سفه نفسه " والاولى على الاستفهام، ومعناه الجحد(4).
والثانية - بمعنى الذي كأنه قال: إلا الذي سفه نفسه. وفي نصب (نفسه) خلاف.
قال الاخفش: معناه سفه نفسه.
وقال يونس: اراها لغة.
قال الزجاج: اراد أن فعل(5) لغة في المبالغة. كما أن فعل كذلك. فعلى هذا يجوز سفهت زيدا: بمعنى سفهت.
وقال ابوعبيدة: معناه اهلك نفسه، وأوبق نفسه.
وقال ابن زيد: إلا من اخطأ حظه.
وقال ابن تغلب والمبرد: سفه - بكسر الفاء - يتعدى، وسفه - بضم الفاء - لا يعتدى.
فهذا كله وجه واحد.
والثاني - أن يكون على التفسير، كقوله " فان طبن لكم عن شئ منه نفسا "(6) وهو قول الفراء: قال: العرب توقع سفه على نفسه. وهي معرفة، وكذلك " بطرت معيشتها "(7).
وانكر الزجاج هذا الوجه. وقال: معنى التمييز لا يحتمل التعريف، لان التمييز انما هو واحد يدل على جنس(8)، فاذا عرفته صار مقصودا بعينه.
والوجه الثالث - ان يكون على التمييز، والمضاف على الانفصال، كما تقول:
---
(1) في المخطوطة " بهم بتسديد الاصل " وفى المطبوعة " بهم شديد الاكل ".
(2) في المطبوعة " الشجرة وفي المخطوطة غير منقطة.
(3 و 4) في المطبوعة " الحجة " وهو تحريف.
(5) في المخطوطة والمطبوعة " ان سفه " وهو غلط لان الجملة الثانية تدل على ما اثبتناه.
(6) سورة النساء: آية 4.
(7) سورة القصص: آية 58.
(8) في المطبوعة (حسن).

(1/468)


تفسير التبيان ج1
مررت برجل مثله أي مثل له.
والوجه الرابع - على حذف الجار، كما قال: " أن تسترضعوا اولادكم فلا جناح عليكم "(1) اي لاولادكم.
ومثله " ولا تعزموا عقدة النكاح "(2) اي على عقدة النكاح.
قال الشاعر:
نغالي اللحم للاضياف نيئا
ونرخصه إذا نضج القدير(3)
والمعنى نغالي(4) باللحم.
وقال الزجاج: وهذا مذهب صحيح. واختار هو أن سفه بمعنى جهل. وهو موافق لمعنى ما قال ابن السراج في " بطرت معيشتها " لان البطر مستقل النعمة غير راض بها.
وقال ابومسلم: معناه جهل نفسه، وما فيها من الآيات الدالة على ان لها صانعا ليس كمثله شئ فيعلم به توحيد الله وصفاته.
اللغة: ومعنى قوله: " ولقد اصطفيناه في الدنيا " اخترناه للرسالة والصفو: التميز من سائر الكدر. واصطفيناه على وزن افتعلناه من الصفوة. وانما قلبت التاء طاء، لانها اشبه بالصاد بالاستعلاء والاطباق، وهي من مخرج التاء فاتى بحرف وسط بين الحرفين. والاصطفاء والاختيار والاجتباء نظائر. والصفاء والنقاء والخالص(5) نظائر والصفاء نقيض الكدر.
وصفوة كل شئ خالصه من صفوة الدنيا، وصفوة الماء وصفوة الاخاء تقول: صفا صفاء، واصفاه اصفاء، واصطفاه، اصطفاء. وتصفى تصفيا وتصافوا تصافيا. وصفاه تصفية وصافاه مصافاة. وأستصفاه استصفاء. والصفا مصافاة المودة والاخاء. والصفاء مصدر الشئ الصافي وإذا اخذت صفوة ماء من غدير، قلت استصفيت صفوة.
---
(1) سورة البقرة: آية 233.
(2) سورة البقرة: آية 235.
(3) اللسان (غلا) قال ابومالك: نغالي اللحم نشتريه غاليا ثم نذله ونطعمه اذا نضج في قدورنا وفي المطبوعة (تعالى) بدل نغالي. وفي المطبوعة والمخطوطة (نبذله) بدل (نرخصه) و " القدور " بدل " القدير ".
(4) في المطبوعة " تعالى يستعمونها " بدل " نغالي باللحم ".
(5) في المطبوعة " الخاص ".

(1/469)


تفسير التبيان ج1
وصفي الانسان: الذي يصافيه المودة. وناقة صفي كثيرة اللبن.
ونخلة صفية: كثيرة الحمل. والجمع الصفايا والصفا: الحجر الضخم الاملس الصلب.
فاذا انثوا(1) الصخرة قالوا صفاة صفواء. واذا ذكروا قالوا صفا صفوان والصفوان واحدته صفوانة. ومن الحجارة: الملس لاتنبت شيئا.
قال تعالى: " كمثل صفوان عليه تراب "(2).
واصل الباب: الصفا: الخلوص.
قوله: " وانه في الآخرة لمن الصالحين " انما خص الآخرة بالذكر وان كان في الدنيا كذلك لان المعنى من الذين يستوجبون على الله الكرامة وحسن الثواب، فلما كان خلوص الثواب في الآخرة دون الدنيا، وصفه بما ينبئ عن ذلك.
ففي قوله: " ومن يرغب عن ملة ابراهيم الا من سفه نفسه " دلالة على ان ملة ابراهيم هي ملة نبينا محمد " ص "، لان ملة ابراهيم داخلة في ملة محمد " ص " مع زيادات في ملة محمد " ص " فبين أن الذين يرغبون من الكفار عن ملة محمد التي هي ملة ابراهيم، قد سفهوا أنفسهم وهو معنى قول قتادة والربيع.
قوله تعالى: اذ قال له ربه اسلم قال اسلمت لرب العالمين (131)
آية بلا خلاف.
قوله: " اذ قال له ربه " متعلق بقوله: " ولقد اصطفيناه " وموضعه نصب وتقديره: ولقد اصطفيناه حين قال له ربه اسلم.
وقال الحسن: انما قال ذلك، حين أفلت الشمس، " فقال يا قوم إني برئ مما تشركون. اني وجهت وجهي "(3) وانه اسلم حينئذ. وهذا يدل على أنه كان ذلك قبل النبوة. وأنه قال له ذلك: إلها ما استدعاه به إلى الاسلام، فاسلم حينئذ. لما وضح له طريق الاستدلال بما رأى من الآيات، والعبر الدالة على توحيده. ولا يصح أن يوحي الله تعالى اليه قبل اسلامه بانه نبي الله، لان النبوة حال اعظام واجلال. ولا يكون ذلك قبل الاسلام. وانما
---
(1) في المخطوطة (نعتوا).
(2) سورة البقرة: آية 264.
(3) سورة الانعام: آية 78.

(1/470)


تفسير التبيان ج1
قال: " اصطفيناه " على لفظ المتكلم مع قوله: " اذ قال له ربه " على لفظ الغائب للتصرف في الكلام كما قال الشاعر:
باتت تشكي الي النفس مجهشة
وقد حملتك سبعا بعد سبعينا(1)
والاسلام واجب على كل مكلف، وان اختلفت شرائع الانبياء فيما يتعبدون: من الحلال، والحرام. لقوله " تعالى ": ان " ان الدين عند الله الاسلام "(2) وان الاسلام انما هو الاخلاص لله بالعمل بطاعته، واجتناب معصيته وذلك واجب على كل متعبد. وكله اسلام.
وقوله تعالى: ووصى بها ابراهيم بنيه ويعقوب يا بني ان الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن الا وانتم مسلمون(132)
آية بلا خلاف.
القراءة: قرأ أهل المدينة، وابن عامر " واوصى " بهمزة مفتوحة بين الواوين، وتخفيف الصاد. الباقون ووصى مشددة الصاد. ومن قرأ وصى ذهب إلى قوله: " فلا يستطيعون توصية(3) ومصدر وصى مثل قطع تقطعة ولم يجيئوا به على تفعيل كراهية اجتماع الياءات مع الكسرة.
ومن قرأ أوصى فلقوله: " من بعد وصية يوصي بها "(4) وكلاهما جيدان.
اللغة: والوصية مأخوذة من قولهم: اوصى النبت: اذا اتصل بعضه ببعض فلما
---
(1) اللسان (جهش) قائله لبيد. اجهش اذا تهيأ للبكاء.
(2) سورة آل عمران: 19.
(3) سورة يس آية: 50.
(4) سورة النساء: آية 10.

(1/471)


تفسير التبيان ج1
أوصل الموصي جل أمره إلى الموصى إليه، قيل: وصية. ووصى وأوصى وأمر وعهد نظائر في اللغة. وضد أوصى أهمل. والوصاة كالوصية، والوصاية مصدر التوصي.
والفعل أوصيت إيصاء ووصيت توصية، في المبالغة، والكثرة وتقول: قد قبل الوصاية.
وإذا انطاع المرعى للسائمة فاصابته رواعد، قبل وصى لها الرعي يصي وصيا. ووصيا.
وأصل الباب: الوصية وهي الدعاء إلى الطاعة.
المعنى: والهاء في قوله: " ووصى بها " يحتمل ان تعود إلى احد شيئين: احدهما إلى الملة.
وقد تقدم ذكرها في قوله: " ومن يرغب عن ملة ابراهيم ".
والثاني - ان يعود إلى الكلمة في قوله: " اسلمت لرب العالمين ".
والاول أقوى، لانه مذكور في اللفظ. وهو قول الزجاج. واكثر المفسرين.
والثاني حكاه البلخي وبعض اهل اللغة. وارتفع يعقوب، لانه معطوف على ابراهيم. والمعنى ووصى بها يعقوب.
وبه قال ابن عباس وقتادة.
وقال بعضهم: إنه على الاستئناف كأنه قال: ووصى يعقوب أن " يا بني إن الله اصطفى لكم الدين " والاول اظهر لان عليه اكثر المفسرين. " والالف واللام ". في الدين للعهد دون الاستغراق، لانه إنما اراد بذلك دين الاسلام دون غيره من الاديان. وانما أسقطت (أن) في " وصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب " أن " يا بني " واثبت في " إنا ارسلنا نوحا إلى قومه أن انذر "(1)، لان اوصى في الآية بمعنى القول، فجعل بمنزلة قولك الا تقديره تقدير القول، فيجوز حينئذ إلحاق أن.
كما قال: " إنا ارسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر " ومثله " وآخر دعواهم أن الحمد لله "(2) وقوله: " فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله "(3) وكل هذا الباب يجوز فيه الوجهان: بان تقدره تقدير القول، ليكمل به تقدير الفعل الذي ليس بقول.
---
(1) سورة نوح: آية 1.
(2) سورة يونس: آية 10.
(3) سورة الاعراف: آية 43.

(1/472)


تفسير التبيان ج1
واما قوله: " ان كان ذا مال وبنين "(1) فلا يجوز إسقاطها في مثله من الكلام، لانه ليس فيه معنى الحكاية، والقول كما في الدعوى، والارسال.
واما قوله: " والملائكة باسطوا ايديهم اخرجوا انفسكم(2) فلا يجوز في مثله إثبات، لانه يضمر معه القول، ولا يجوز معه التصريح بالقول، ولامع اضمار أن لانه حكاية كما تقول: قلت له: زيد في الدار، ولا يجوز قلت له: أن زيدا في الدار وانشد الكسائي:
إني سأبدى لك فيما ابدي
لي شجنان: شجن بنجد
وشجن لي بباد الهند(3) لان الابداء قول.
ومنه قوله: " وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة "(4)، لان العدة قول.
فان قيل: كيف قال: " لا تموتن " على وجه النهي لهم عن الموت، والموت ليس في مقدورهم، فيصح أن ينهوا عنه؟ قلنا: اللفظ وإن كان على لفظ النهي. فما نهوا عن الموت، وانما نهوا في الحقيقة عن ترك الاسلام: لئلا يصاد فهم الموت عليه، وتقديره لا تتعرضوا للموت على ترك الاسلام بفعل الكفر، ومثله من كلام العرب لا رأيتك(5) هاهنا، فالنهي في اللفظ للمتكلم، وإنما هو في الحقيقة للمخاطب، فكأنه قال: لاتتعرض لان اراك بكونك هاهنا. ومثله لا يصادفنك الامام على ما يكره، وتقديره: لا تتعرض لان يصادفك على ما يكره.
ومثله لا يكونن زيد إلا عندك تقديره: لاتتعرض لان يكون زيد ليس عندك: بالتفريط في ذلك، والاهمال له والاصل في هذا أن التعريض لوقوع الشئ بمنزلة ايقاع الشئ.
وقوله: " وانتم مسلمون " جملة في موضع الحال. وتقديره: لا تموتن إلا مسلمين.
---
(1) سورة القلم: آية 14.
(2) سورة الاعراف: آية 93.
(3) اللسان (شجن).
الشجن: هوى النفس وهو مجاز من الحزن والهم. وكنوا به المرأة المحبوبة التي تشغل القلب.
(4) سورة المائدة: آية 10.
(5) في المخطوطة والمطبوعة (لاريتك).

(1/473)


تفسير التبيان ج1
قوله تعالى: أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون(133)
آية واحدة بلا خلاف.
(أم) هاهنا منقطعة وليست بمتصلة كقوله " الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه "(1) ومثله قول الشاعر(2):
كذبتك عينك أم رأيت بواسط
غلس الظلام من الرباب خيالا(3)
ولا تجئ منقطعة الالف وقد تقدمها كلام، لانها بمعنى بل، وألف الاستفهام.
كأنه قيل: بل كنتم شهداء، ومعناها - هنا - الجحد: اي ما كنتم شهداء. واللفظ لفظ الاستفهام.
والمعنى على خلافه، لان إخراجه مخرج الاستفهام أبلغ في الكلام، وأشد مظاهرة في الحجاج: أن يخرج الكلام مخرج التقرير بالحق فتلزم الحجة، والانكار له فتظهر الفضيحة، فلذلك اخرج الجحد(4) في الاخبار مخرج الاستفهام.
والمخاطب ب_" أم كنتم شهداء " أهل الكتاب في قول الربيع.
والمعنى: انكم لم تحضروا ذلك، فلا تدعوا على انبيائي ورسلي الاباطيل بنحلكم اياهم خلاف الاسلام من اليهودية والنصرانية، فايى ما بعثهم إلا بالحنفية. والشهداء جمع شهيد.
و (إذ) هاهنا بدل من (إذ) الاولى، والعامل فيها معنى الشهادة. وقيل بل العامل فيها حضر، وكلاهما حسن.
اللغة: والحاضر والشاهد من النظائر. ونقيض الحاضر الغائب.
---
(1) سورة السجدة: آية 1 و 2 و 3.
(2) هو الاخطل.
(3) انظرا: 3. 4 تجد التفصيل.
(4) في المطبوعة (الحجة).

(1/474)


تفسير التبيان ج1
ويقال: حضر حضورا، واحضره إحضارا، واستحضره استحضارا، واحتضره احتضارا، وحاضره محاضرة.
والحضر خلاف البدو. وحضرت القوم أحضرهم حضورا: اذا شهدتم. والحاضر خلاف الغائب.
واحضر الفرس إحضارا: اذا عدا عدوا شديدا واستحضرته استحضارا.
والحضرة الجماعة من الناس ما بين الخمسة إلى العشرة. وحاضرت الرجل محاضرة وحضارا: اذا عدوت معه. وحاضرته: اذا جانيته عند السلطان، أو في خصومة، ومحضر القوم مرجعهم إلى المياه بعد النجعة، وفرس محضر. ولا يقال: محضارا.
وألقت الشاة حضيرتها يعني المشيمة وغيرها والابل الحضار البيض. لا واحد لها من لفظها مثل الهجان سواء. وحضرة الرجل فناؤه وأصل الباب الحضور: خلاف الغيبة.
الاعراب: وقوله " إلها واحدا " يحتمل انتصابه أحد أمرين: احدهما - أن يكون حالا من قوله: " إلهك ": والآخر - أن يكون بدلا من إلهك. وتكون الفائدة فيه التوحيد، وانما قدم اسماعيل على اسحاق، لانه كان اكبرهم.
وبه قال ابن زيد.
وقوله: " ونحن له مسلمون " الجملة في موضع نصب على الحال. وقيل لا موضع لها، لانها على الاستئناف و " ابراهيم واسماعيل واسحاق " في موضع خفض. والعامل فيها ما عمل في ابائك، لانه مبين له. كما تقول: مررت بالقوم: اخيك، وغلامك وصاحبك. وانما قال: " آبائك " واسماعيل عم يعقوب، لما قاله الفراء وابوعبيدة: من أن العرب تسمي العم أبا فالآية دالة على ان العمومة يسمون آباء.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: ردوا علي ابي يعني العباس عمه فسمي العم أبا كما سمي الجد أبا من حيث يجب له التعظيم، نحو ما يجب للاب، وقد قرئ في الشواذ واله أبيك، فعلى هذا ينجر اسماعيل واسحاق على العطف، وهو غير المعنى الاول، لانه مترجم عن الآباء وفي الثاني عطف غير ترجمة كما تقول رأيت غلام زيد وعمر، أي غلامهما فكانه قال: لهم ولم يذكر بالابوة إلا ابراهيم وحده والقراءة الاولى هي المشهورة وعليها القراء.

(1/475)


تفسير التبيان ج1
قوله تعالى: تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون (134)
آية بلا خلاف.
اللغة: قوله: تلك امة قد خلت لهاما كسبت ولكم ما كسبتم " فالامة المراد بها هنا الجماعة والامة على ستة اقسام الجماعة والامة: الحين لقوله: " واذكر بعد امة "(1) أي بعد حين، والامة القدوة والامام.
لقوله: " ان ابراهيم كان امة قانتا &