الجزء الاول

                                       الجزء الثاني    الجزء الثالث

                                       الجزء الرابع    الجزء الخامس    الجزء السادس

                                       الجزء السابع    الجزء الثامن    الجزء التاسع    الجزء العاشر

                                          ملاحظة :  للبحث عن كلمة او اكثر اضغط  (  ctrl+f  )

 

تفسير التبيان ج3
التبيان في تفسير القرآن
تأليف
شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي
385 - 460 ه‍.
تحقيق وتصحيح أحمد حبيب قصير العاملي
المجلد الثالث
الآية: 141 - 149
قوله تعالى: (وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين(141))
آية.
المعنى، واللغة: قيل: في معنى قوله: " وليمحص الله " أربعة أقوال: أحدها - قال ابن عباس، ومجاهد، والسدي: ليبتلي، " ويمحق الكافرين " بنقصهم في قول ابن عباس، وقال غيره يهلكهم، وقال الفراء: " معنى " وليمحص الله " يعني ذنوب المؤمنين، وقال الزجاج: يخلصهم من الذنوب وهذا قريب من قول الفراء: وقال الرماني معناه " ولميحص الله الذين آمنوا " ينجيهم من الذنوب بالابتلاء ويهلك الكافرين بالذنوب عند الابتلاء، وأصل التمحيص التخليص في قول أبي العباس تقول محصت الشئ أمحصه محصا: إذا خصلته.
وقال الخليل: المحص الخلوص من العيب. محصته محصا أي خلصته من كل عيب، ومحص الجمل: إذا ذهب وبره يمحص. وجبل محص أي ملص، ومحص الظبي، يمحص إذا عدا عدوا شديدا محصا، ويستحب أن تمحص قوائم الفرس أي تخلص من الرهل.
وتقول: اللهم محص عنا ذنوبنا أي اذهبها عنا، لانه تخليص الحسنات بتكفير السيئات.
ويقال تمحص الفرس: إذا ذهب شحمه الردئ، وبقي لحمه، وقوته بالضمور. وأصل المحق فناء الشئ حالا بعد حال، ولهذا دخله معنى النقصان، وأمحق الشئ امحاقا، والمحاق: آخر الشهر إذا أمحق الهلال، فلم ير، لذهاب ضوئه حالا بعد حال.
وامتحق الشئ وتمحق: إذا ذهبت بركته بنقصانها حالا بعد حال. ومحقه تمحيقا. وإنما قابل بين التمحيص، والمحق، لان محص هؤلاء باهلاك ذنوبهم نظير محق أولئك باهلاك أنفسهم، وهذه مقابلة في المعنى.
وقيل في تمحيص المؤمنين بالمداولة قولان: أحدهما - لما في تخليتهم مع تمكين الكافرين منهم من التعريض للصبر الذي يستحقون به عظيم الاجر، ويحط كثيرا من الذنوب. الثاني - لما في ذلك من اللطف الذي يعصم من اقتراف المعصية.
... اللاحق فهرست الكتاب القرآن وعلومه

(3/1)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين(142))
آية بلا خلاف.
القراء ة والمعنى واللغة: قرأ الحسن " ويعلم الصابرين " بكسر الميم. الباقون بفتحها.
ووجه قراء ة الحسن أنه عطف على، ولما يعلم الله كأنه قال، ولما يعلم الله ويعلم الصابرين.
وقوله: " أم حسبتم " معناه: أحسبتم " ان تدخلوا الجنة " وقيل معنى (أم) معنى بل على جهة الانكار، لان يحسبوا ذلك الحسبان، كما يقال: قد صممت على الخلاف أم تتوهم الاهمال، والفرق بين لم ولما أن لما جواب، لقول القائل: قد فعل فلان يريد به الحال، فجوابه (لما فعل) وإذا قال: فعل فجوابه (لم يفعل)، فلما كانت (لما) مؤكدة بحرف كانت جوابا لما هو مؤكد بحرف وأيضا، فانه يجوز الوقف على (لما) في مثل أن يقول القائل: قد جاء فلان، فيجيبه آخر فيقول: لما أي لما يجئ، ولا يجوز ذلك في (لم).
ومعنى " ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم " أي لما يعلم الله جهادكم يعني أنهم لا يدخلون الجنة إلا بفعل الجهاد، لانه من أعظم أركان الشرع.
وقوله: " ويعلم الصابرين " نصب على الصرف عن العطف إذ ليس المعنى على نفي الثاني، والاول، وإنما هو على نفي اجتماع الثاني والاول، نحو قولهم: لا يسعني شئ ويعجز عنك.
وقال الشاعر:
لاتنه عن خلق وتأتي مثله
عار عليك إذا فعلت عظيم(1)
وانما جاز (ولا يعلم الله الذين جاهدوا منكم) على معنى نفي الجهاد دون
---
(1) قائله أبوالاسود الدؤلي، ونسب للمتوكل الكناني معجم البلدان 7: 384، والاغاني 11: 39 طبعة بولاق، والبيت من الابيات الحكمية المشهورة وقبله
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها
فاذا انتهت عنه فأنت حكيم

(3/2)


تفسير التبيان ج3
العلم، لما فيه من الايجاز في انتفاء الجهاد، لانه لو كان لعلمه، وتقديره ولما يكن المعلوم من الجهاد الذي أوجب عليكم، لان المعنى مفهوم لا يشتبه.
قوله تعالى: (ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون(143))
آية.
المعنى: قال الحسن، ومجاهد، والربيع: وقتادة، والسدي: كانوا يتمنون الموت بالشهادة بعد بدر قبل أحد، فلما رأوه يوم أحد أعرض كثير منهم عنه، فانهزموا فعاتبهم الله على ذلك.
وقوله: " فقد رأيتموه " فيه حذف ومعناه رأيتم أسباب الموت، لان الموت لا يرى كما قال الشاعر:
ومحلما يمشون تحت لوائه
والموت تحت لواء آل محلم
أي أسباب الموت.
وقال البلخي: معنى " رأيتموه " أي علمتم، وأنتم تنظرون أسباب الموت من غير أن يكون في الاول حذف. فان قيل هل يجوز أن يتمنى قتل المشركين لهم ليناوا منزلة الشهادة؟ قلنا: لا، لان قتل المشركين لهم معصية، ولا يجوز تمني المعاصي، كما لا يجوز إدارتها، ولا الامر بها. فاذا ثبت ذلك، فتمنيهم الشهادة بالصبر على الجهاد إلى أن يقتلوا، وقال الجبائي: إنما تمنوا الموت دون القتل إذا كانوا مجاهدين قال الازهري قوله: " رأيتموه وأنتم تنظرون " معناه وأعينكم صحيحة، كما يقول القائل رأيت كذا، وليس في عينك سوء. والفرق بين التمني والارادة أن الارادة من أفعال القلوب، والتمني هو قول القائل: ليت كان كذا وليت لم يكن كذا.
وقوله: " وأنتم تنظرون " بعد، قوله " فقد رأيتموه " يحتمل أمرين ".
أحدهما - أن يكون تأكيدا للرؤية، كما تقول: رأيته عيانا ورأيته بعيني. وسمعته باذني، لئلا يتوهم رؤية القلب، وسمع العلم.

(3/3)


تفسير التبيان ج3
والثاني - أن يكون معناه وأنتم تتأملون الحال في ذلك كيف هي، لان النظر هو تقليب الحدفة الصحيحة نحو المرئي طلبا لرؤيته، وليس معناه الرؤية على وجه الحقيقة.
قوله تعالى: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين(144))
آية بلا خلاف.
القصة، والنزول: قال ابن عباس، وقتادة، والضحاك، ومجاهد: إن سبب نزول هذه الآية انه لما ارجف بان النبي صلى الله عليه وآله قتل يوم أحد واشيع ذلك، قال ناس لو كان نبيا ما قتل. وقال آخرون نقاتل على ماقاتل عليه حتى نلحق به، وكان سبب انهزامهم وتضعضهم اخلال الرماة بمكانهم من فم الشعب، وكان النبي صلى الله عليه وآله نهاهم عن الاخلال به، وحذرهم من الانصراف عن الشعب مخافة أن يخرج منه كمين عليهم. فلما انهزم المشركون في الجولة الاولى، فتبعوهم المسلمون وتواقعوا في غنائمهم فقال الموكلون بالشعب: يغنمون ولا نغنم.
فقال لهم رئيسهم: الله الله لا تفعلوا فان النبي صلى الله عليه وآله أمرنا ألا نبرح، فلم يقبلوا منه وانصرفوا، وثبت رئيسهم مع إثني عشر رجلا، فقتلوا، خرج عليهم خالد بن الوليد في مأتي فارس من الشعب، وكان كامنا فيه، وكان ذلك سبب هزيمة المسلمين، وإصابة رباعية النبي صلى الله عليه وآله وجرحه، وكان الذي جرحه وكسر رباعيته عتبة بن أبي وقاص، وقيل إن عبدالله ابن قمية ضربه على حبل عاتقه، ومضى إلى المشركين، وقال قتلت محمدا وشاع ذلك فأنزل الله هذه الآية

(3/4)


تفسير التبيان ج3
فان قيل: كيف دخل الاستفهام على الشرط، وإنما هو كغيره من الانقلاب والتقدير أتنقلبون إن مات أو قتل؟ قيل: لانه لما انعقد الشرط به صار جملة واحدة وخبرا واحدا بمنزلة تقدير الاسم قبل الفعل في الذكر إذا قيل أزيد قام، وكذلك تقديمه في القسم، والاكتفاء بجواب الشرط من جواب القسم، كما قال الشاعر:(1).
حلفت له إن تدلج الليل لا يزل
أمامك بيت من بيوتي سائر(2)
أي حلفت له لا يزال امامك بيت وأجاز الفراء في مثله أفان مات أو قتل " تنقلبون بالرفع، والجزم ومعنى " انقلبتم على أعقابكم " أي ارتددتم كفارا بعد إيمانكم، لان الرجوع عن الحق إلى الباطل بمنزلة رجوع القهقرى في القبح، والتنكيل(3) بالنفس فجرى كالمثل في هذا المعنى، والالف في قوله " أفان " ألف انكار بصورة ألف استفهام، لان التقرير به يظهر ما فيه من المنكر، فلذلك أخرج مخرج الاستفهام مع أن معناه الانكار. ومثله أتختار الفساد على الصلاح والخطأ على الصواب.
وقوله: (أفان مات أو قتل) يدل عى أن الموت غير القتل لانه لو كان هو إياه لما عطف به عليه، لان الشئ لا يعطف على نفسه. والقتل هو نقض بنيه الحياة، والموت في الناس من قال: هو معنى يضاد الحياة وفيهم من قال: هو افساد البنية التي تحتاج الحياة إليها بفعل معان فيه تضاد المعاني التي تحتاج إليها الحياة.
وقوله: " ومن ينقلب على عقبيه " أي من يرتد ويرجع عن الاسلام " فلن يضر الله شيئا " لانه لايجوز عليه المضار بل مضرته عائدة عليه، لانه يستحق العقاب الدائم.
وقوله: " وسيجزي الله الشاكرين " معناه يثيب
---
(1) هو الراعي.
(2) معاني القرآن للفراء 1: 69 - 236 والمعاني الكبير: " 805. وخزانة الادب 4. 450 ورواية المعاني الكبير (عائر) بدل (سائر) وقال: أي بيت هجاء عائر.
من قولهم: عار الفرس: اذا ذهب وجاء مترددا ويقال: قصيدة عائرة أي سائرة في كل وجه. ادلج: سار في أول الليل.
(3) في المخطوطه (والسيل) والصحيح ما في المطبوعة.

(3/5)


تفسير التبيان ج3
الله الشاكرين على شكرهم لنعم الله واعترافهم بها. ووجه اتصال هذا بما قبله اتصال الوعد بالوعيد، لان قوله: " فلن يضر الله شيئا " دليل على معنى الوعيد، لان معناه انما يضر نفسه باستحقاقه العقاب " وسيجزي الله الشاكرين " بما يستحقونه من الثواب.
قوله تعالى: (وما كان لنفس أن تموت إلا باذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين(145))
آية بلا خلاف.
المعنى، والاعراب، واللغة: قيل في السبب الذي اقتضى قوله: " وما كان لنفس أن تموت إلا باذن الله " قولان:
أحدهما - التسلية عما يلحق النفس بموت النبي صلى الله عليه وآله من جهة أنه باذن الله عزوجل.
الثاني - للحض على الجهاد من حيث لا يموت أحد إلا باذن الله تعالى.
وقوله: " إلا باذن الله " يحتمل أمرين " أحدهما - إلا بعلمه. والثاني إلا بأمره.
وقال أبوعلي: الآية تدل على أنه لا يقدر على الموت غير الله، كما لا يقدر على ضده من الحياة إلا الله، ولو كان من مقدور غيره لم يكن باذنه، لانه عاص لله في فعله.
وقوله: " كتابا مؤجلا " نصب على المصدر بفعل محذوف دل عليه أول الكلام مع العلم بأن كلما يكون فقد كتبه الله، فتقديره كتب الله ذلك " كتابا مؤجلا ". ويجوز أن يدل على الفعل المحذوف مصدره المنتصب به.

(3/6)


تفسير التبيان ج3
وقوله: " ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها " قيل في معناه ثلاثة أقوال: أحدها - من عمل للدنيا لم نحرمه ما قسمنا له فيها من غير حظ في الآخرة - في قول ابن اسحاق - أي فلا يغتر بحاله في الدنيا.
الثاني -(1) من أراد بجهاده ثواب الدنيا أي النصيب من الغنيمة في قول أبي علي الجبائي.
الثالث - من يرد ثواب الدنيا بالتعرض له بعمل النوافل مع مواقعة الكبائر جوزي بها في الدنيا من غير حظ في الآخرة لاحباط عمله بفسقه على مذهب من يقول بالاحباط، ومن يرد بعمله ثواب الآخرة نؤته إياها.
و (من) في قوله: " منها " تكون زائدة. ويحتمل أن تكون للتبعيض، لانه يستحق الثواب على قدر عمله.
وإنما كرر قوله: " وسنجزي الشاكرين " ها هنا، وفي الآية الاولى، لامرين: أحدهما - للتأكد ليتمكن المعنى في النفس. الثاني - " وسنجزي الشاكرين " من الرزق في الدنيا، عن ابن اسحاق لئلا يتوهم ان الشاكر يحرم ما يعطاه الكافر مما قسم له في الدنيا.
وقال الجبائي في الآية دلالة على أن اجل الانسان إنما هو أجل واحد. وهو الوقت الذي يموت فيه، لانه لا يقتطع بالقتل عن الاجل الذي أخبر الله أنه اجل لموته، وقال ابن الاخشاذ: لا دليل فيه على ذلك لان للانسان أجلين أجل يموت فيه لا محالة، وأجل هو موهبة من الله تعالى له، ومع ذلك فلن يموت إلا عند الاجل الذي جعله الله أجلا لموته والاقوى الاول، لان الاجل عبارة عن الوقت الذي يحدث فيه الموت أو القتل، وبالتقدير لايكون الشئ أجلا كما لا يكون بالتقدير ملكا، وقد بينا في شرح الجمل ذلك مستوفى.
---
(1) في المطبوعة (الثاني) ساقطة.

(3/7)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين(146))
آية بلا خلاف.
القراء ة واللغة: قرأ ابن كثير " كاين " على وزن كاعن.
الباقون " كأين " مشددة على وزن كعين، ومعناهما واحد، وهو بمعنى كما قال جرير:
وكائن بالاباطح من صديق
يراني لو اصبت هو المصابا(1)
وقال آخر:
وكائن رددنا عنكم من مدحج
يجئ أمام الالف يردي مقنعا(2)
ومثل المشدد قول الشاعر:
كاين في المعاشر من اناس
اخوهم فوقهم وهم كرام
وأصل كاين (أي) دخلت عليها كاف التشبيه، كما أن أصل (كذا) (ذا) دخلت عليها كاف التشبيه. وانما غيرت في اللفظ لتغيرها في المعنى، لانها نقلت إلى معنى (كم) في التكثير. ومن خفف فلكراهية التضعيف، كما خفف لا سيما.
وقرأ أهل الكوفة، وابن عامر (قاتل) الباقون (قتل) فمن قرأ (قتل) نفى الوهن عمن بقي. ومن قرأ (قاتل) نفاه عمن ذكر.
المعنى، واللغة: وقوله: (ربيون) قيل في معناه أقوال.
أحدها - قال ابن عباس، والحسن: علماء فقهاء، وقال مجاهد، وقتادة: جموع كثيرة.
---
(1) ديوانه 1: 9.
(2) الكامل للمبرد: 1072.

(3/8)


تفسير التبيان ج3
وقال الاخفش: هم منسوبون إلى الرب. ومعناه المتمسكون بعبادة الله.
وقال غيره: منسوبون إلى علم الرب.
وقال الزجاج: الربو عشرة آلاف، وهو المروي عن أبي جعفر (ع)، وارتفاعه يحتمل أمرين: أحدهما - على مذهب الحسن في أنه لم يقتل نبي قط في معركة فيرتفع بأنه لم يسم فاعله في (قتل) وعلى مذهب ابن اسحاق، وقتادة، والربيع، والسدي: رفع بالابتداء، فقدم عليه الخبر بمعنى قتل، ومعه ربيون كثير، فعلى هذا يكون النبي المقتول، والذين معه لا يهنون، وذلك أن يوم أحد كان أرجف بأن النبي صلى الله عليه وآله قتل، فبين الله تعالى أنه لو قتل لما أوجب ذلك أن تهنوا وتضعفوا، كما لم يهن من كان مع الانبياء بقتلهم، وهو المروي عن أبي جعفر (ع).
والوهن هو الضعف وإنما قال: فما وهنوا، وما ضعفوا من حيث أن الوهن انكسار الجد بالخوف، ونحوه والضعف: نقصان القوة وقوله: " وما إستكانوا " معناه ما ظهروا الضعف، وقيل معناه ما خضعوا، لانه يسكن لصاحبه ليفعل به ما يريد، فلم يهنوا بالخوف، ولا ضعفوا بنقصان العدة، ولا استكانوا بالخضوع.
وقال ابن اسحاق: فما وهنوا بقتل نبيهم، ولا ضعفوا عن عدوهم. ولا استكانوا لما أصابهم في الجهاد عن دينهم.
وقال الزجاج معنى ما وهنوا ما فتروا، وما ضعفوا وما جبنوا عن قتال عدوهم، وما استكانوا ما خضعوا.
وقال الازهري: الاستكانة أصلها من الكنية، وهي الحالة السيئة يقال بات بكنية يعني بيتة سوء، ومجيئة سوء أي بحال سوء وقوله: " والله يحب الصابرين " معناه يريد ثواب من صبر في جنبه في امتثال أمره، والقيام بواجباته التي من جملتها الجهاد في سبيل الله.
قوله تعالى: (وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين(147))
آية

(3/9)


تفسير التبيان ج3
المعنى واللغة: هذا إخبار عن الربيين الذين ذكرهم في الآية الاولى بأنهم كانوا يقولون في أكثر أحوالهم " ربنا اغفر لنا ذنوبنا " لان من المعلوم أنهم قد كانوا يقولون أقوالا غير هذا، لكن لما كان هذا هو الاكثر لم يعتد بذلك.
وقيل: معناه وما كان قولهم حين قتل نبيهم إلا هذا القول انقطاعا إلى الله وطلبا لمغفرته.
وقوله: " اغفرلنا ذنوبنا " أي استرها علينا بترك عقابنا، ومجازاتنا عليها " واسرافنا في امرنا " فالاسراف هو مجاوزة المقدار الذي تقتضيه الحكمة. والاسراف مذموم، كما أن الاقتار مذموم، كما قال تعالى: " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط "(1) وكما قال " والذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما "(2) والاسراف، والافراط بمعنى، وضدهما التقصير والتقتير.
وقيل الاسراف مجاوزة الحق إلى الباطل بزيادة أو نقصان والاول أظهر. وأصل الاسراف مجاوزة الحد يقال: سرفت القوم إذا جاوزتهم، وأنت لا تعرف مكانهم وسرفت الشئ إذا نسيته لانك جاوزته إلى غيره بالسهو عنه.
ويقال: أصنع من سرفة، وهي دويبة صغيرة تنقب الشجر، وتبني فيه بيتا.
إن قيل: كيف قوبل الذنوب والاسراف في الامر؟ قلنا: قال الضحاك: هو بمنزلة اغفر لنا الصغير والكبير من خطايانا.
الاعراب، والمعنى: و " قولهم " نصب بأنه خبر (كل) والاسم (أن قالوا)، وانما اختير ذلك، لان ما بعد الايجاب معرفة، فهو أحق بأن يكون الاسم، كقول الشاعر:
وقد علم الاقوام ما كان داء ها
بثهلان إلا الخزي ممن يقودها(3)
---
(1) سورة الاسرى آية: 29.
(2) سورة الفرقان آية: 67.
(3) سيبويه 1: 24 ولم ينسبه. يصف كتيبة منهزمة يقول: لم يكن سبب انهزامها الا جبن من يقودها، فجعل الخزي كناية عن الجبن.

(3/10)


تفسير التبيان ج3
ويجوز الرفع على أنه اسم (كان) وقد قرئ به في الشواذ.
ومثله قوله: " ماكان حجتهم إلا أن قالوا "(1) " وما كان جواب قومه إلا أن قالوا "(2)
وقوله: " وثبت أقدامنا " أي أعنا وألطف لنا بما تثبت معه أقدامنا وإن كان ثبوت القدم من فعل العباد لكن لما كان بلطفه ومعونته جاز نسبته إليه مجازا.
قوله تعالى: (فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين(148))
آية.
المعنى، واللغة: قوله: " فآتاهم الله " يعني من تقدم ذكره من الربيين الذين وصفهم.
وقال الجبائي: يعني به المسلمين الذين صفتهم ماتقدم ذكره أي أعطاهم الله ثواب الدنيا قال قتادة، والربيع: هو نصرهم على عدوهم حتى ظفروا بهم، وقهروهم.
" وثواب الآخرة ": الجنة.
وزاد ابن جريج الغنيمة، ويجوز أن يكون ما آتاهم الله في الدنيا من الظفر والنصر وأخذ الغنيمة ثوابا مستحقا لهم على طاعاتهم، لان في ذلك تعظيما لهم وتبجيلا، ولذلك تقول: إن المدح على أفعال الطاعة والتسمية بالاسماء الشريفة بعض الثواب، ويجوز أن يكون الله تعالى أعطاهم ذلك تفضلا منه تعالى، أو لما لهم فيه من اللطف، فتكون تسميته بأنه ثواب مجازا، وحد الثواب هو النفع الخالص المستحق الذي يقارنه تعظيم وتبجيل، والعوض هو النفع المستحق الخالي من التعظيم والتبجيل، والتفضل هو النفع الذي ليس بمستحق ولامعه تعظيم وتبجيل. وانما جاز تأخير الثواب المستحق مع ثبوت الاستحقاق له عقيب الطاعة الامرين:
أحدهما - قال أبوعلي: لانه يوفر عليه ما يفوته في زمان التكليف إلى خير الثواب: وقال الرماني: لانه إذا أخر عظم ما يستحقه بالتأخر على ما كان
---
(1) سورة الجاثية آية: 24.
(2) سورة الاعراف آية: 81.

(3/11)


تفسير التبيان ج3
لو قدم، لانه إذا استحق مثلا مائة جزء عاجلا، فاذا أخر استحق مائة وعشرة أو مائة وجزء، وقيل في وجه حسن تأخيره أنه لو كان عقيب الطاعة لادى إلى أن يكون المكلف ملجأ إلى فعل الطاعة، لان المنافع الكثيرة تلجئ إلى الفعل كما أن دفع المضار العظيمة تلجئ إلى مثله، وذلك ينافي التكليف.
وقوله: " والله يحب المحسنين " أي يريد ثوابهم وتعظيمهم وتبجيلهم والفرق بين الاحسان والانعام أن الاحسان قد يكون إنعاما بأن يكون نفعا للمنتفعين به، وقد يكون احسانا بأن يكون فعلا حسا، ومن القسم الاخير يقال هو تعالى محسن بفعل العقاب، ولا يقال محسن من القسم الاول، ويقال هو محسن بفعل الثواب على الوجهين معا(1).
---
(1) في المخطوطة باسقاط (معا).

(3/12)


تفسير التبيان ج3
الآية: 150 - 159
قوله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين(149) بل الله مولاكم وهو خير الناصرين(150))
آيتان بلا خلاف.
المعنى: هذا خطاب للمؤمنين حذرهم الله من أن يطيعوا الكفار، وبين أنهم إن أطاعوهم ردوهم كافرين.
والمعني ب‍ " الذين كفروا " قيل فيهم قولان: أحدهما - قال الحسن، وابن جريج إنهم اليهود، والنصارى أي إن تستنصحوهم وتقبلوا رأيهم يردوكم خاسرين، وقال السدي: أراد إن تطيعوا أبا سفيان وأصحابه يرجعوكم كافرين.
والطاعة موافقة الارادة المرغبة في الفعل، وبالترغيب ينفصل من الاجابة، وإن كان موافقة الارادة حاصلة، وفي الناس من قال: الظاعة في موافقة الامر، والاول أصح، لان من فعل مايقتضي العقل وجوبه أو حسنه يقال: إنه

(3/13)


تفسير التبيان ج3
مطيع لله، وان لم يكن هناك أمر على أن من امتثل الامر إنما سمي مطيعا لموافقة الارادة المرغبة من حيث أن الامر لايكون أمرا إلا بارادة المأمور به، والطاعة تكون بمتابعة الواجب والندب معا، لان الارادة تتناولها.
الاعراب، والحجة، واللغة، والمعنى: وقوله: (إن تطيعوا) جزم بأنه شرط.
وقوله: " يردوكم " جزم بأنه جواب الشرط.
وقوله: " فتنقلبوا " جزم بالعطف عليه.
وقوله: " خاسرين " نصب على الحال.
وقوله: " بل الله " فحقيقة (بل) الاضراب عن الاول إلى الثاني سواء كانا موجبين أو نفيين أو احداهما موجبا والآخر نفيا قول: جاء زيد بل عمرو، وما جاء زيد بل عمرو لم يجئ، وما أتى زيد بل خالد.
فان قيل: كيف عطف ببل وهي لا تشرك الثاني مع الاول في المعنى؟ قلنا: لان الاضراب عن الاول كالبدل، ولذلك وجب العطف بالاشراك في الاعراب كما يجب في البدل غير أن البدل لم يحتج إلى حرف، لان الثاني هو الاول أو في تقدير ما هو كالاول، و (لكن) للاستدراك أيضا، وهو يقتضي نفيا إما متقدما أو متأخرا كقولك ما جاء ني زيد، لكن عمرو، وجاء زيد لكن عمرو لم يأت، وبهذا فارقت بل.
وقوله: " بل الله " كان يجوز النصب في (الله) قال الفراء: على معنى أطيعوا الله مولاكم، لان قبله " إن تطيعوا " ثم أضرب عن الاول وأوجب الثاني بل أطيعوا الله (مولاكم). والرفع يحتمل أن يكون على الابتداء ومولاكم خبره، ويحتمل أن يكون مولاكم مبتدأ، و (الله) خبره، وقد قدم عليه. ومعنى مولاكم أي هو أولى بطاعتكم ونصرتكم. وقيل معناه وليكم بالنصرة بدلالة.
قوله: " هو خير الناصرين " والاصل فيه، ولي الشئ الشئ من غير فصل بينه وبينه، فالولاية إيلاء النصرة، ويجوز لانه يتولى فعل النصرة، وان لم يكله إلى غيره، لان من فعل شيئا فقد تولى فعله.
فان قيل: كيف قال " وهو خير الناصرين " مع أنه لا يعتد بنصر غير الله مع نصرته؟ قيل: معناه إنه إن اعتد بنصرة غير الله فنصرة

(3/14)


تفسير التبيان ج3
الله خير منها، لانه لا يجوز أن يغلب، وغيره يجوز أن يغلب، وان نصر فالثقة بنصرة الله تحصل، ولا تحصل بنصرة غيره.
قوله تعالى: (سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله مالم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين(151))
آية بلا خلاف.
ذكر ابن اسحاق أنه لما نال المسلمين ما نالهم يوم أحد بمخالفة الرماة أمر نبيهم صلى الله عليه وآله وكان من ظهور المشركين عليهم ما كان عرفهم الله عزوجل الحال في ذلك ثم وعدهم بالنصر لهم، والخذلان، لاعدائهم بالرعب، وذكر السدي: أن أبا سفيان وأصحابه هموا بالرجوع بعد أحد لاستئصال المسلمين عند أنفسهم، فالقى الله الرعب في قلوبهم حتى انقلبو خائبين عقوبة على شركهم " بالله ما لم ينزل به سلطانا " يعني برهانا.
اللغة، والحجة: فالسلطان معناه هاهنا الحجة، والبرهان، وأصله القوة، فسلطان الملك قوته.
والسلطان: البرهان لقوته على دفع الباطل.
والسلطان: التوكيل على المطالبة بالحق، لانه تقوية عليه، والتسليط على الشئ: التقوية عليه مع الاغراء به.
والسلاطة: حدة اللسان مع شدة الصخب للقوة على ذلك مع إثبات(1) فعله: والسليط: الزيت لقوة اشتعاله بحدته.
والالقاء حقيقته في الاعيان، كقوله: " وألقى الالواح "(2) واستعمل في الرعب مجازا، ومثل قوله: " وألقيت عليك محبة مني "(3).
وقوله: " ومأواهم النار " أي مستقرهم وفي الآية دلالة على
---
(1) في المخطوطة (ايثار).
(2) سورة الاعراف آية: 149.
(3) سورة طه آية: 39.

(3/15)


تفسير التبيان ج3
فساد التقليد، لانه لا برهان مع صاحبه على صحة مذهبه، فكل من قال بمذهب لا برهان عليه، فمبطل بدلالة الآية، وقوله: " وبئس مثوى الظالمين " فالمثوى: المنزل، وأصله الثواء، وهو طول الاقامة ثوى يثوي ثواء: إذا طال مقامه وأثواني فلان مثوي أي أنزلني منزلا وربة البيت: أم مثواه.
والثوي: الضيف لانه مقيم مع القوم. وانما قيل لجهنم " بئس مثوى الظالمين " وبئس للذم، كما أن نعم للحمد لامرين: أحدهما - إن الضرر تنفر منه النفس كما ينفر العقل من القبح فجرى التشبيه على وجه المجاز - هذا قول أبي علي - وقال البلخي: لان الذم يجري علي النقص كما يجري على القبح حقيقة فيهما، نحو قولهم: الاخلاق المحمودة والاخلاق المذمومة وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (نصرت بالرعب مسيرة شهر) وقد رعبته رعبا أي أفزعته، والاسم الرعب ورعبت الاناء إذاملاته فهو مرعوب.
قوله تعالى: (ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم باذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الامر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين(152))
آية.
المعنى، والقصة: ذكر ابن عباس، والبراء بن عازب، والحسن، وقتادة، والسدي، والربيع، وابن اسحاق: أن الوعد المذكور كان يوم أحد، لان المسلمين كانوا يقتلون المشركين قتلا ذريعا حتى أخل الرماة بمكانهم الذي أمرهم النبي صلى الله عليه وآله بملازمته، فحينئذ حمل خالد بن الوليد من وراء المسلمين، وتراجع المشركون، وقتل من المسلمين

(3/16)


تفسير التبيان ج3
سبعون رجلا ثم هزموا، وقدنادى مناد قتل محمد ثم من الله على المسلمين، فرجعوا وقويت نفوسهم، ونزل الخذلان بعدوهم، حتى ولوا عنهم، ومعنى " تحسونهم " تقتلونهم.
اللغة: والحس هو القتل على وجه الاستئصال قال جرير:
تحسهم السيوف كما تسامى
حريق النار في أجم الحصيد(1)
وأصله الاحساس ومنه قوله: " هل تحس منهم من أحد "(2) وقوله: " فلما أحس عيسى منهم الكفر "(3) أي وجده من جهة الحاسة، وحسه يحسه: إذا قتله، لانه أبطل حسه بالقتل، والتحسس طلب الاخبار، وفي التنزيل: " يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه "(4) وذلك لانه طلب لهما بحاسة السمع. والمحسة التي ينفض بها التراب عن الدابة، لانه يحس بها من جهة حكها لجلدها.
وقوله: " باذنه " معناه بعلمه، ويجوز أن يكون المراد بلطفه، لان أصل الاذن الاطلاق في الفعل، فاللطف تيسر(5) له، كما أن الاذن كذلك إلا أن اللطف تدبير يقع معه الفعل لا محالة اختيارا كما يقع في أصل الاذن اختيارا.
المعنى: قال أبوعلي قوله: " إذ تحسونهم " يعني يوم بدر " حتى إذا فشلتم " يوم أحد " من بعد ما أراكم ما تحبون " يوم بدر. والاولى أن يكون هذا حكاية عن يوم أحد على ما بيناه.
وقوله: " حتى إذا فشلتم " معناه جبنتم عن عدوكم وكعتم
---
(1) ديوانه 1: 47 من قصيدة يمدح بها الحجاج.
(2) سورة الكهف آية: 99.
(3) سورة آل عمران آية: 52.
(4) سورة يوسف آية: 87.
(5) في المخطوطة (تفسير).

(3/17)


تفسير التبيان ج3
" وتنازعتم " في الامر يعني اختلفتم " من بعد ما أراكم ما تحبون " معناه أنهم أعطوا النصر، فخالفوا في ما قيل لهم من لزوم فم الشعب. واختلفوا، فعوقبوا بأن ديل عليهم في قول الحسن.
وقوله: " منكم من يريد الدنيا " أي منكم من قصده الغنيمة في حربكم " ومنكم من يريد الآخرة " أي بثبوته في موضعه بقصده بجهاده إلى ما عند الله في قول ابن مسعود، وابن عباس، والربيع.
الاعراب والمعنى: فان قيل أين جواب " حتى إذا "؟ قلنا: فيه قولان: أحدهما - إنه محذوف، وتقديره امتحنتم. والآخر - على زيادة الواو والتقديم والتأخير، وتقديره حتى إذا تنازعتم في الامر، فشلتم - في قول الفراء -، كما قال (فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا ابراهيم)(1) ومعناه ناديناه، والواو زائدة.
ومثله (حتى إذا فتحت ياجوج وما جوج... واقترب)(2) ومعناه اقترب.
ومثله قوله: (حتى إذا جاؤها وفتحت)(3) وأنشد:
حتى إذا قملت بطونكم
ورأيتم ابناء كم شبوا
قلبتم ظهر المجن لنا
ان اللئيم العاجز الخب(4)
والبصريون لايجيزون زيادة الواو ويتأولون جميع ما استشهد به على الحذف لانه أبلغ في الكلام، وأحسن من جهة الايجاز.
وقوله: (ثم صرفكم عنهم) قيل في إضافة انصرافهم إلى الله مع أنه معصية قولان:
---
(1) سورة الصافات: آية 103 - 105.
(2) سورة الانبياء: آية 76 - 77.
(3) سورة الزمر: آية 73.
(4) قائلهما الاسود بن يعفر النهشلي وهو في اكثر الكتب غير منسوب معاني القران: للفراء 1: 107، 238 واللسان: (قمل) وتأويل مشكل القرآن 2 381.
المعانى الكبير: 533 واللسان: (وقب) قملت بطونكم: كثرت قبائلكم المجن: الترس.
الخب: المخادع.

(3/18)


تفسير التبيان ج3
أحدهما - إنهم كانوا فريقين منهم من عصى بانصرافه، ومنهم من لم يعص، لانهم قلوابعد انهزام تلك الفرقة، فانصرفوا باذن الله بأن التجأوا إلى أحد، لان الله إنما أوجب ثبات المائة للمئتين فادا نقصوا، لايجب عليهم ذلك. وجاز أن يذكر الفريقين في الجملة بأنه صرفهم، وبأنهم عفا عنهم، ويكون على ما بيناه في التفصيل هذا قول أبي علي.
وقال البلخي (ثم صرفكم عنهم) معناه لم يأمركم بمعاودتهم من فورهم (ليبتليكم) بالمظاهرة في الانعام عليكم، والتخفيف عنكم.
وقوله (ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين. إذ تصعدون) فاذ تصعدون متعلق بقوله: (ولقد عفا) في قول الزجاج.
وقال الجبائي قوله: (ولقد عفا عنكم) خاص لمن لم يعص بانصرافه، والاولى أن يكون عاما في جميعهم، لانه لايمتنع أن يكون الله عفا لهم عن هذه المعصية.
وقال البلخي: معناه (ولقد عفا عنكم) بتتبعهم بعد أن كان أمرهم بالتتبع لهم، فلمابلغوا حمراء الاسد أعفاهم من ذلك، ولايجوز أن يكون، صرفهم فعل الله، لانه قبيح والله تعالى لايفعل القبيح.
قوله تعالى: (إذ تصعدون ولاتلوون على أحد والرسول يدعوكم في اخراكم فاثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون(153))
آية.
القراء ة، والحجة، واللغة، والمعنى: التقدير اذكروا (إذ تصعدون) ويجوز أن يكون متعلقا بقوله: (ولقد عفا عنكم.. إذ تصعدون)، والقراء كلهم على ضم التاء من الاصعاد.
وقرأ الحسن بفتح التاء والعين من الصعود، وقيل: الاصعاد في مستوى الارض، والصعود في

(3/19)


تفسير التبيان ج3
ارتفاع يقال أصعدنا من مكة إذا ابتد أنا السفر منهاو كذلك أصعدنا من الكوفة إلى خراسان على قول الفراء، والمبرد، والزجاج. ووجه ذلك أن الاصعاد إبعاد في الارض كالابعاد في الارتفاع، وعلى ذلك تأويل (تصعدون) أي أصعدوا في الوادي يوم أحد عن قتادة، والربيع.
وقال ابن عباس والحسن انهم صعدوا في أحد في الجبل فرارا، فيجوز أن يكون ذلك بعد أن أصعدوا في الوادي.
وقوله (ولاتلوون على أحد) معناه لاتعرجون على أحد.
وقوله: (والرسول يدعوكم في أخراكم) قال ابن عباس والسدي، والربيع: إن النبي صلى الله عليه وآله كان يدعوهم، فيقول: ارجعوا أي عبادالله ارجعوا أنا رسول الله.
وقوله: (فاثابكم غما بغم) في معناه قولان: أحدهما - إنه إنما قيل في الغم ثواب، لان أصله ما يرجع من الجزاء على الفعل طاعة كان أو معصية ثم كثر في جزاء الطاعة كما قال الشاعر:
واراني طربا في إثرهم
طرب الواله أو كالمختبل
فعلى هذا يكون الغم عقوبة لهم على فعلهم، وهزيمتهم.
والثاني - أن يكون وضع الشئ مكان غيره كماقال (فبشرهم بعذاب أليم)(1) أي ضعه موضع البشارة، كما قال الشاعر:
أخاف زيادا أن يكون عطاؤه
اداهم سودا او محدرجة سمرا(2)
أراد بقوله سودا قيودا.
وقيل في معنى قوله: (غما بغم) قولان: أحدهما - غما على غم، كما يقال: نزلت ببني فلان وعلى بني فلان.
وقال قتادة، والربيع: الغم الاول: القتل والجراح.
والثاني: الارجاف بقتل محمد صلى الله عليه وآله.
والقول الثاني - غما بغم أي مع غم كما يقال: ما زلت بزيد حتى فعل أي مع زيد.
---
(1) سورة الانبياء: 3، والتوبة آية: 35، والانشقاق آية: 24.
(2) قائله الفرزدق. ديوانه: 227، والنقائض: 618 وطبقات فحول الشعراء: 256، وتاريخ الطبري 6: 139، ومعاني القرآن للفراء 1: 239. وروايته مختلفة. وفي أغلب المصادر وهكذا: ولما خشيت أن يكون عطاؤه

(3/20)


تفسير التبيان ج3
وقال الحسن غما يوم أحد بعد غم يعني يوم بدر. أي كله للاستصلاح وان احتلف الحال.
وقال الحسين بن علي المغربي: معنى (غمابغم) يعني غم المشركين بماظهر من قوة المسلمين على طلبهم على حمراء الاسد، فجعل هذا الغم عوض غم المسلمين بمانيل منهم.
وقوله: (لكيلا تحزنوا على مافاتكم) معناه ما فاتكم من الغنيمة (ولاما أصابكم) من الهزيمة في قول ابن زيد.
واللام في قوله: (لكيلا تحزنوا على ما فاتكم) يحتمل أن يكون متعلقا بقوله: (عفا عنكم) (لكيلا تحزنوا على مافاتكم) ويحتمل أن يتعلق ب‍ (أثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم) من الغنيمة ولا ما أصابكم من الشدة في طاعة الله، لان ذلك يؤديكم إلى مضاعفة الغم عليكم.
وقوله: (والله خبير بما تعملون) فيه تجديد تحذير بأنه لايخفى عليه شئ من أعمال العباد.
قوله تعالى: (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الامر من شئ قل إن الامر كله لله يخفون في أنفسهم مالا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الامر شئ ما قتلنا ههنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور(154))
آية بلا خلاف.
القراء ة والمعنى والحجة والاعراب والقصة: قرأحمزة، والكسائي: تغشى بالتاء الباقون بالياء. فمن قرأ بالتذكير أراد

(3/21)


تفسير التبيان ج3
النعاس، ومن أنث أراد الامنة، ومثله (ألم يك نطفة من مني يمنى)(1) (وان شجرة الزقوم طعام الاثيم كالمهل يغلي)(2) بالتاء، والياء.
وقرأ أبوعمرو، وحده (إن الامر كله) بالرفع.
الباقون بالنصب، ووجه الرفع أنه على الابتداء، كما قال: (وكل اتوه داخرين)(3) ويكون (لله) خبره، لانه لما وقع الامر في الجواب اديت صورته في الاسم ثم جاء ت الفائدة في الخبر، ولانه نقيض بعض، فكما يجوز الرفع في (بعض) يجوز في (كل) نحو إن الامر بعضه لزيد. والنصب على أنه تأكيد للامر (وامنة) منصوب، لانه مفعول به، ونعاسا بدلا منه، والنعاس هو الامنة.
وهذه الامنة التي ذكرها الله في هذه الآية نزلت يوم أحد في قول عبدالرحمن ابن عوف وأبي طلحة، والزبير بن العوام، وقتادة، والربيع، وكان السبب في ذلك توعد المشركين لهم بالرجوع، فكانوا تحت الجحف متهيئين للقتال فأنزل الله تعالى الامنة على المؤمنين، فناموا دون المنافقين الذين أزعجهم الخوف بأن يرجع الكفار عليهم أو يغيروا على المدينة لسوء الظن، فطير عنهم النوم على ماذكره ابن اسحاق وابن زيد، وقتادة، والربيع.
وقوله: (يغشى طائفة منكم) يعني النعاس يغشى المؤمنين (وطائفة قد اهمتهم) القراء على الرفع.
والواو واو الحال كأنه قال: يغشى النعاس طائفة في حال ما أهمت طائفة منهم أنفسهم.
ورفعه بالابتداء، والخبر يظنون، ويصلح أن يكون الخبر (قد أهمتهم أنفسهم) والجملة في موضع الحال. ولايجوز النصب على أن يجعل واو العطف كما تقول ضربت زيدا وعمرا كلمته. والتقدير وأهمت طائفة أهمتهم أنفسهم.
المعنى: وقوله: (يقولون هل لنا من الامر من شئ) قيل في معناه قولان:
---
(1) سورة القيامة آية: 27.
(2) سورة الدخان: 43 - 45.
(3) سورة النمل آية: 87.

(3/22)


تفسير التبيان ج3
أحدهما - قال الحسن أخرجنا كرها، ولو كان الامر إلينا ماخرجنا. وذلك من قبل عبدالله بن أبي بن سلول، ومعتب بن قشير على قول الزبير بن العوام، وابن جريج.
والآخر - أي ليس لنا من الظفر شئ كما وعدنا على وجه التكذيب بذلك (يخفون في أنفسهم مالايبدون لك) أي من الشك، والنفاق، وتكذيب الوعد بالاستعلاء على أهل الشرك ذكره الجبائي.
وقوله: (وليبتلي الله ما في صدوركم) يحتمل أمرين: أحدهما - ليعاملكم معاملة المبتلى المختبر لكم مظاهرة في العدل عليكم وإخراج مخرج كلام المختبر لهذه العلة، لانه تعالى عالم بالاشياء قبل كونها، فلا يبتلي ليستفيد علما.
والثاني - ليبتلي أولياء الله ما في صدوركم إلا أنه اضيف الابتلاء إلى الله عزوجل تفخيما لشأنه.
وقوله: (قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم) يحتمل أمرين: أجدهما - لوتحلتفتم لخرج منكم الذين كتب عليهم القتل ولم يكن لينجيه قعودكم - عن أبي علي -.
الثاني - لوتخلفتم لخرج المؤمنون، ولم يتخلفوا بتخلفكم ذكره البلخي، ولايوجب ذلك أن يكون المشركون غير قادرين على ترك القتال من حيث علم الله منهم ذلك، وكتبه، لانه كما علم أنهم لايختارون ذلك بسوء اختيارهم علم انهم قادرون. ولو وجب ذلك لوجب أن لايكون تعالى قادرا على ماعلم أنه لايفعله وذلك كفر بالله.
قوله تعالى: (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ماكسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور رحيم(155))
آية.

(3/23)


تفسير التبيان ج3
المعنى، واللغة: روي عن عمر بن الخطاب، وقتادة، والربيع: ان المعني بالمتولي في هذه الآية هم الذين ولوا الدبر عن المشركين بأحد.
وقال السدي: هم الذين هربوا إلى المدينة في وقت الهزيمة.
وقوله: (إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا) قيل في الكسب الذي أداهم إلى الفرار الذي اقترفوه قولان: أحدهما - محبتهم للغنيمة مع حرصهم على تبقية الحياة، وفي ذلك الوجه عما يؤدي إلى الفتور فيما يلزم من الامور على قول الجبائي. والثاني - ذكره الزجاج، استزلهم بذكر خطايا سلفت لهم، فكرهوا القتل قبل اخلاص التوبة منها، والخروج من المظلمة فيها.
وقوله: (ولقد عفا الله عنهم) يحتمل أمرين: أحدهما - قال ابن جريج، وابن زيد: حلم عنهم إذ لم يعاجلهم بالعقوبة به، ليدل على عظم تلك المعصية. والآخر - عفا لهم تلك الحطيئة ليدل على أنهم قد أخلصوا التوبة.
وقوله: (إن الله غفور رحيم) فحلمه تعالى عنهم هو امهاله بطول المدة بترك الانتقام مع مافعل بهم من ضروب الانعام. وأصل الحلم الاناة، وهي ترك العجلة، فالامهال بفعل النعمة بدلامن النقمة كالاناة بترك العجلة. ومنه الحلم في النوم، لان حال السكون والدعة كحال الاناة. ومنه الحلمة: رأس الثدي، لخروج اللبن الذي يحلم الصبي.
وذكر البلخي أن الذين بقوا مع النبي صلى الله عليه وآله يوم أحد فلم ينهزموا ثلاثة عشر رجلا: خمسة من المهاجرين: علي (ع) وأبوبكر، وطلحة، وعبدالرحمن ابن أبي عوف، وسعد بن أبي وقاص، والباقون من الانصار. فعلي وطلحة، لاخلاف فيهما. والباقون فيهم خلاف.

(3/24)


تفسير التبيان ج3
وأما عمر، فروي عنه أنه قال: رأيتني أصعد في الجبل كأني أروى(1). وعثمان انهزم، فلم يرجع إلا بعد ثلاثة [ أيام ](2) فقال له النبي صلى الله عليه وآله: لقد ذهبت فيها عريضة.
وفي الآية دليل على فساد قول المجبرة: من أن المعاصي من الله، لانه تعالى نسب ذلك في الآية إلى استزلال الشيطان.
قوله تعالى: (ياأيها الذين آمنوا لاتكونوا كالذين كفروا وقالوا لاخوانهم إذا ضربوا في الارض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير(156))
آية.
المعنى، واللغة، والاعراب: هذا خطاب متوجه إلى المؤمنين الذين نهاهم الله أن يكونوا مثل الذين كفروا، وقالوا لاخوانهم، وهم عبدالله بن أبي بن سلول، وأصحابه - في قول السدي ومجاهد -: (إذا ضربوا في الارض) أي سافروا فيها لتجارة أو طلب معيشة - في قول ابن اسحاق، والسدي -، فأصله الضرب باليد.
وقيل الاصل في الضرب في الارض الايغال في السير (أو كانوا غرى) أي جمع غاز كما قالوا: شاهد وشهد، وقائل وقول، قال رؤبة:
فاليوم قد نهنهني تنهنهي
وأول حلم ليس بالمسفه
وقول: الاده فلاده(3)
---
(1) اروى: ضأن الجبل. ج أروية - بضم الهمزة وكسرها -.
(2) (ايام) ساقطة من المطبوعة.
(3) ديوانه: 166 ومجاز القرآن لابي عبيدة 1: 106 واللسان: (قول)، (ده) وخزانة الادب 3: 90 وغيرها وهو من قصيدة يذكر فيها شبابه. نهنهت فلانا عن الشئ فتنهنه زجرته فانزجر.
والاول: الرجوع وقد اختلف في تفسير (الاده فلاده).
قال أبوعبيدة: ان لم يكن هذا، فلا ذاوقال ابن قتية: ان لم يكن هذاالامر لم يكن غيره. ويروي أهل العربية ان الدال مبدلة من ذال.
قال بعضهم: هذا مثل يضرب للرجل يطلب شيئا فاذا منعه، طلب غيره.
وقال الاصمعي: لا أدري ما أصله.
قال بعضهم: (ده) كلمة فارسية:

(3/25)


تفسير التبيان ج3
ويجوز فيه غزاة كقاض، وقضاة. وغزاء ممدود كمخارب وخراب، وكاتب وكتاب.
ويجوز (قالوا لاخوانهم إذا ضربوا في الارض،) ولايجوز اكرمتك إذا زرتني على أن توقع إذا موضع إذ، لامرين: أحدهما لانه متصل ب‍ (لاتكونوا) كهؤلاء إذا ضرب اخوانكم في الارض. الثاني - لان (الذي) إذا كان مبهما غير موقت يجري مجرى ما في الجزاء، فيقع الماضي فيه.
وقع المستقبل، نحو (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله)(1) معناه يكفرون، ويصدون. ومثله (إلا من تاب وآمن)(2) معناه إلامن يتوب. ومثله كثير. ويجوز لاكرمن الذي أكرمك إذا زرته، لابهام الذي، ولايجوز لاكرمن هذا الذي أكرمك إذا زرته، لتوقيت الذي من أجل الاشارة إليه بهذا ولانه دخله معنى كلما ضربوا في الارض، فلا يصح على هذاالمعنى إلا باذا دون إذ قال الشاعر:
واني لاتيكم تشكر ما مضى
من الامر واستيجاب ما كان في غد(3)
أي مايكون في غد، وهذا قول الفراء واللام في قوله: (ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم) متعلقة ب‍ (لاتكونوا) كهؤلاء الكفار في هذا القول منهم، (ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم) دونكم.
والثاني - قالوا ذلك ليجعله حسرة على لام العاقبة - وهذا قول أبي علي - والحسرة عليهم في ذلك من وجهين: أحدهما - الخيبة فيما أملوا من الموافقة لهم من المؤمنين، فلما لم يقبلوا منهم،
---
(1) سورة الحج: آية 25.
(2) سورة مريم: آية 60.
(3) انظر 1: 351.

(3/26)


تفسير التبيان ج3
كان ذلك حسرة في قلوبهم. والآخر - ما فاتهم من عز الظفر والغنيمة.
وقوله: (والله يحيي ويميت) معناه ههنا الاحتجاج على من خالف أمرالله في الجهاد طلبا للحياة، وهربا من الموت، لان الله تعالى إذا كان هو الذي يحيي ويميت لم ينفع(1) الهرب من أمره بذلك خوف الموت، وطلب الحياة (والله بما يعملون بصير) أي مبصر. ويحتمل أن يكون بمعنى عليم. وفيه تهديد، لان معناه أن الله يجازي كلا منهم بعمله ان خيرا فحيرا وان شرا فشرا.
قوله تعالى: (ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون(157))
آية.
المعنى، والاعراب: إن قيل كيف قال: (لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون) مع تفاوت مابينهما ألا ترى أنه لايحسن أن يقول الانسان للدرة(2) خير من البعرة؟ ! قيل: إنما جاز ذلك لان الناس يؤثرون حال الدنيا على الآخرة حتى أنهم يتركون الجهاد في سبيل الله محبة للدنيا، والاستكثار منها، وماجمعوا فيها.
فان قيل أين جواب الجزاء ب‍ (إن)؟ قيل: استغني عنه بجواب القسم في قوله: (لمغفرة من الله ورحمة خير) وقد اجتمع شيئان كل واحد منهما يحتاج إلى جواب، فكان جواب القسم أولى بالذكر - لان له صدر الكلام - مما يذكر في حشوه.
---
(1) في المخطوطة (لم يمنع).
(2) في المخطوطة (الذرة).

(3/27)


تفسير التبيان ج3
فان قيل: لم شرط (لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون) وهو خير كيف تصرفت الحال؟ قلنا: لانه لايكون (لمغفرة) بالتعرض للقتل في سبيل الله خيرا من غير أن يقع التعرض لذلك لاستحالة استحقاقها بما لم يكن منه، لانه لم يفعل.
فان قيل: لم جاز جواب القسم مع الماضي في الجزاء دون المستقبل في نحو قولهم لئن قتلتم لمغفرة خير؟ قلنا: لان حرف الجزاء إذا لم يعمل في الجواب لم يحسن أن يعمل في الشرط، لان إلغاء ه من أحدهما يوجب ألغاء ه من الآخر كما أن اعماله في أحدهما يوجب اعماله في الآخر لئلا يتنافر الكلام بالتفاوت.
فان قيل: لم أعملت (ان) ولم تعمل (لو) وكل واحدة منهما تعقد الفعل بالجواب؟ قلنا: لان (ان) تنقل الفعل نقلين إلى(1) الاستقبال، والجزاء، وليس كذلك (لو) لانها لمامضى.
ان قيل: كيف وجب بالتعرض للقتل المغفرة وإنما تجب بالتوبة؟ قلنا: لانه يجب به تكفير الصغيرة مع أنه لطف في التوبة من الكبيرة.
ومعنى الآية أن المنافقين كانوا يثبطون المؤمنين عن الجهاد، على ماتقدم شرحه في هذه السورة فبين الله تعالى لو انكم إن قتلتم أو متم من غير أن تقتلوا (لمغفرة من الله ورحمة) تنالونهما (خير مما يجمعون) من حطام الدنيا، والبقاء فيها، وانتفاعكم في هذه الدنيا، لان جميع ذلك إلى زوال.
قوله تعالى: (ولئن متم أو قتلتم لالى الله تحشرون(158))
آية.
اللغة، والاعراب، والمعنى: اللام في قوله: (ولئن متم أو قتلتم) يحتمل أمرين: أحدهما - أن يكون خلفا من القسم، ويكون اللام في قوله: (لالى الله) جوابا كقولك: والله ان متم أوقتلتم لتحشرون إلى الله.
---
(1) في المطبوعة (في) بدل (إلى)

(3/28)


تفسير التبيان ج3
والثاني - أن تكون مؤكدة لما بعدها، كماتؤكد (ان) مابعدها، وتكون الثانية جوابا لقسم محذوف، والنون مع لام القسم في فعل المضارع لابد منها، لان القسم أحق بالتأكيد من كلما تدخله النون من جهة أن ذكر القسم دليل أنه من مواضع التأكيد فاذا جازت في غيره من الامر، والنهي، والاستفهام، والعرض، والجزاء مع ما اذ كان ذكرالقسم قد أنبأأنه من مواضع التأكيد، لزمت فيه، لانه أحق بها من غيره(1).
والفرق بين لام القسم ولام الابتداء: أن لام الابتداء تصرف الاسم إليه، فلايعمل فيه ماقبلها نحو (قد علمت لزيد خير منك) (وقد علمت بأن زيدا ليقدم).
وليس كذلك لام القسم، لانها لاتدخل على الاسم، ولاتكسر لها لام (إن) نحو قد علمت ان زيدا ليقومن، ويلزمها النون في المستقبل. والفرق بين (أو) و (أم) أن (أم) استفهام، وفيها معادلة الالف نحو (أزيد في الدار أم عمرو) وليس ذلك في (أو) ولهذا اختلف الجواب فيهما، فكل في (أم) بالتعيين وفي (أو) ب‍ (نعم) أو (لا) ومعنى الآية الحث على الجهاد وترك التقاعد. ويقال أن الله يحشر العباد ليجزي كل واحد على مايستحقه: المحسن على احسانه والمسئ على اساء ته سواء قتل أو مات كيف تصرفت به الحال.
قوله تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر فاذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين(159))
آية.
---
(1) في المخطوطة (لم لان الاخر من تفسير) بدل (فيه لانه أحق بها من غير) وقد أثبتنا ما في المطبوعة لانه أوضح.

(3/29)


تفسير التبيان ج3
الاعراب والمعنى: قوله: (فبمارحمة من الله) معناه فبرحمة، وما زائدة باجماع المفسرين ذهب إليه قتادة، والزجاج، والفراء وجميع أهل التأويل. ومثله قوله: (عماقليل ليصبحن نادمين) فجاء ت (ما) مؤكدة للكلام وسبيل دخولها لحسن النظم، كدخولها لاتزان الشعر، وكل ذلك تأكيد ليتمكن المعنى في النفس، فجرى مجرى التكرير.
قال الحسن بن علي المغربي عندي أن معنى (ما) أي وتقديره فبأي رحمة من الله، وهذا ضعيف. ورحمة مجرورة بالباء، ولو رفعت كان جائزا على تقدير فيما هورحمة. والمعنى ان لينك لهم ممايوجب دخولهم في الدين، لانك تأتيهم بالحجج والبراهين مع لين خلق.
اللغة، والمعنى: وقوله: (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوامن حولك) فالفظ الجافي، والغليظ القلب القاسي، يقال فيه فظظت تفظ فظاظة، فأنت فظ، وهو على وزن فعل إلا أنه ادغم كضب. وأصل الفظاظة الجفوة. ومنه الفظاظة.
ومنه الفظاظ: خشونة الكلام.
والافتظاظ: شرب ماء الكرش لجفائه على الطباع.
وقوله: (فظا غليظ القلب) انما جمع بين الصفتين مع اتفاقهما في المعنى، لازالة التوهم أن الفظاظة في الكلام دون ما ينطوي عليه القلب من الحال، وهو وجه من وجوه التأكيد إذ يكون لازالة الغلط في التأويل، ولتمكين المعنى في النفس بالتكرير، ومايقوم مقامه.
وقوله: (وشاورهم في الامر) أمر من الله تعالى لنبيه أن يشاور أصحابه يقال شاورت الرجل مشاورة وشوارا ومايكون عن ذلك اسمه المشورة. وبعضهم يقول المشورة. وفلان حسن الشورة، والصورة أي حسن الهيئة واللباس وإنه لشير صير، وحسن الشارة، والشوار: متاع البيت. ومعنى شاورت فلانا أي

(3/30)


تفسير التبيان ج3
أظهرت ماعندي في الرأي، وما عنده(1). وشرت الدابة أشورها: إذا امتحنتها فعرفت هيئتها في سيرها.
وقيل في وجه مشاورة النبي صلى الله عليه وآله إياهم مع استغنائه بالوحي عن تعرف صواب الرأي من العباد ثلاثة أقوال:
أحدها - قال قتادة، والربيع، وابن اسحاق أن ذلك على وجه التطييب لنفوسهم، والتأليف لهم، والرفع من أقدارهم إذ كانوا ممن يوثق بقوله: (ويرجع إلى رأيه).
والثاني - قال سفيان بن عيينه: وجه ذلك لتقتدي به أمته في المشاورة ولا يرونها منزلة نقيصة كما مدحوا بأن أمرهم شورى بينهم.
الثالث قال الحسن، والضحاك: انه للامرين، لاجلال الصحابة واقتداء الامة به في ذلك.
وأجاز أبوعلي الجبائي: أن يستعين برأيهم في بعض أمور الدنيا.
وقال قوم: وجه ذلك أن يمتحنهم فيتميز الناصح في مشورته من الغاش النية.
وقوله: (فاذا عزمت فتوكل على الله) فالتوكل على الله هو تعويض الامر إليه للثقة بحسن تدبيره، وأصله الاتكال، وهو الاكتفاء في فعل ما يحتاج إليه بمن يسندإليه. ومنه الوكالة، لانها عقدعلى الكفاية بالنيابة والوكيل هو المتكل عليه بتفويض الامر إليه.
وقوله: (إن الله يحب المتوكلين) معناه يريد ثوابهم على توكلهم واسنادهم أمورهم إلى الله تعالى.
---
(1) في المخطوطة ساقطة جملة (في الرأي وماعنده).

(3/31)


تفسير التبيان ج3
الآية: 160 - 169
قوله تعالى: (إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون(160))
آية بلاخلاف.
المعنى: معنى هذه الآية الترغيب في طاعة الله التي يستحق بها النصرة، والتحذير من معصيته التي يستحق بها خذلانه مع ايجاب التوكل عليه الذي يؤمن معه أن يكلهم إلى أنقسهم فيهلكوا، ولانه إذا نصرهم الله فلا أحد يقدر على مغالبته، وإذا خذلهم فلا أحد يقدر على نصرتهم بعده.
و (من) في قوله: (فمن ذا الذي ينصركم من بعده) معناها التقرير بالنفي في صورة الاستفهام أي لاينصركم أحد من بعده، كماتقول من يعد لك إن فسقك الامام. وإنما تضمن حرف الاستفهام معنى النفي، لان جوابه يجب أن يكون بالنفي، فصار ذكره يغني عن ذكر جوابه. وكان أبلغ لتقرير المخاطب فيه.
قال أبوعلي الجبائي: وفي الآية دليل على أن من غلبه أعداء الله من الباغين لم ينصره الله، لانه لو نصره لما غلبوه، وذلك بحسب ما في المعلوم من مصالح العباد من تعريض المؤمنين لمنازل الابرار بالصبر على الجهاد مع خوف القتل من حيث لم يجعل على أمان من غلبة الفجار، وهذا إنما هو في النصر بالغلبة، فاما النصر بالحجة، فان الله تعالى نصر المؤمنين من حيث هداهم إلى طريق الحق بما نصب لهم من الادلة الواضحة والبراهين النيرة، ولولا ذلك لماحسن التكليف.
قال البلخي: المؤمنون منصورون أبدا إن غلبوا، فهم المنصورون بالغلبة، وان غلبوا، فهم المنصورون بالحجة.
قال الجبائي: والنصر بالغلبة ثواب، لانه لايجوز أن ينصرالله الظالمين من حيث لايريد استعلاء هم بالظلم على غيرهم.
وقال ابن الاخشاد: ليس بثواب كيف تصرفت الحال، لان الله قد أمرنا أن ننصر الفئة المبغي عليها.
وقال البلخي لايجوز أن ينصرالله الكافر على وجه.
فأما الخذلان فعقاب بلاخلاف. والخذلان هو الامتناع من المعونة على العدو في وقت الحاجة إليها، لانه لو امتنع إنسان من معونة بعض الملوك على عدوه مع استغنائه عنها لم يكن خاذلا، وكذلك سبيل المؤمن المغلوب في بعض الحروب ليس يحتاج إلى المعونة مع الاستفساد بها بدلا من الاستصلاح، فلذلك لم يكن ماوقع به على جهة الخذلان.

(3/32)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (وماكان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفي كل نفس ماكسبت وهم لايظلمون(161))
آية.
القراء ة، والمعنى، والحجة، والنزول، واللغة: قرأ ابن كثير وابن عمرو، وعاصم (يغل) بفتح الياء وضم الغين. الباقون بضم الياء وفتح الغين. فمن قرأ بفتح الياء وضم الغين، فمعناه ماكان لنبي أن يخون يقال من الغنيمة غل يغل: إذا خان فيها.
ومن الخيانة أغل يغل قال النمر بن تولب:
جزى الله عنا حمزة ابنة نوفل
جزاء مغل بالامانة كاذب
بما سألت عني الوشاة ليكذبوا
علي وقد أوليتها في النوائب(1)
[ ويقال من ](2) الخيانة غل يغل، ومن قرأبضم الياء وفتح الغين أراد، وماكان لنبي أن يخون أي ينسب إليه الخيانة. ويحتمل أن يكون أراد ما كان لنبي أن يخان بمعنى يسرق منه. ويكون تخصيص النبي بذلك تعظيما للذنب.
قال أبوعلى الفارسى: لايكاد يقال: ما كان لزيد أن يضرب، فهذه حجة من قرأ بفتح الياء.
وقال ابن عباس، وسعيد بن جبير: سبب نزول هذه الآية أن قطيفة حمراء فقدت يوم بدر من المغنم، فقال بعضهم لعل النبي صلى الله عليه وآله أخذها.
وقال الضحاك إنما لم يقسم للطلائع من المغنم، فعرفه الله الحكم.
وروي عن الحسن أنه قال: معنى يغل يخان.
وقال بعضهم: هذا غلط، لانه لايجوز أن يخان أحد نبيا كان أو غيره، فلا معنى للاختصاص. وهذا الطعن ليس بشئ لان وجه اختصاصه بالذكر لعظم خيانته على خيانة غيره، كماقال: (اجتنبوا الرجس من الاوثان)(3) وإن وجب اجتناب جميع الارجاس، وقد يجوز أن يخص النبي بالذكر، لانه القائم
---
(1) الصحاح للجوهر (غلل).
(2) مابين القوسين ساقط من المطبوعة.
(3) سورة الحج: آية 30

(3/33)


تفسير التبيان ج3
بأمر الغنائم، فيكون بمنزلة ماكان لاحد أن يغل. وأصل الغلول هو الغلل، وهو دخول الماء في خلل الشجر تقول: الغل الماء في أصول الشجر ينغل الغلالا، فالغلول الخيانة، لانها تجري في الملك على خفى من غير الوجه الذي يحل كالغلل، وانما خصت الخيانة بالصفة دون السرقة، لانه يجري إليها بسهولة، لانها مع عقد الامانة.
ومنه الغل الحقد، لان العداوة تجري به في النفس كالغلل. ومنه الغل.
ومنه الغليل، حرارة العطش.
والغلة، لانها تجري في الملك من جهات مختلفة، والغلالة، لانها شعار تحت. البدن والغلالة مسمار الدرع.
وقوله: (ومن يغلل يأت بماغل يوم القيامة) قيل في معناه قولان: أحدهما - يأتي به حاملا له على ظهره، كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه كان إذا غنم مغنمابعث مناديا ألا لا يغلن أحد مخيطا فما دونه، ألالايغلن أحد بعيرا فيأتي به على ظهره له رغاء، ألالايغلن أحد فرسا فيأتي به يوم القيامة على ظهره له حمحمة - في قول ابن عباس، وأبي هريرة وأبي حميد الساعدي، عبدالله بن انيس وابن عمر، وقتادة - وذلك ليفضح به على رؤوس الاشهاد.
قال البلخي: يجوز أن يكون ما تضمنه الخبر على وجه المثل كأن الله تعالى إذا فضحه يوم القيامة جرى ذلك مجرى أن يكون حاملا له وله صوت. الثاني - يأتي به يوم القيامة، لانه لم يكفر عنه، كما تكفر الصغائر، فهو يعاقب عليه. وفي الآية دلالة على فساد قول المجبرة: إن الله تعالى لو عذب الانبياء والمؤمنين لم يكن ظلما لهم، لانه قد بين أنه لو لم يوفها ماكسبت، لكان ظلما لها.
قوله تعالى: (أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير(162))
آية بلاخلاف.

(3/34)


تفسير التبيان ج3
المعنى، والنزول: قيل. في معنى الآية ثلاثة أقوال:
أحدها قال الحسن، والضحاك معناها، أفمن اتبع رضوان الله في ترك الغلول كمن باء بسخط من الله في فعل الغلول، وهو اختيار الطبري قال: لانه أشبه بما تقدم.
الثاني - قال ابن اسحاق (أفمن اتبع رضوان الله) في العمل بطاعته على ماكره الناس (كمن باء بسخط من الله) في العمل بمعصيته على ما أحبوا.
الثالث - قال الزجاج، وأبوعلي: (أفمن اتبع رضوان الله) بالجهاد في سبيله (كمن باء بسخط من الله) بالفرار منه رغبة عنه.
وسبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وآله لما أمر بالخروج إلى أحد قعد عنه جماعة من المنافقين، فأنزل الله فيهم هذه الآية.
اللغة: (ورضوان الله) - بكسر الراء وضمها - لغتان، وقرأ بالضم حفص عن عاصم على ماحكيناه عنه، فالضم على وزن الكفران. والكسر على وزن حسبان.
وباء معناه رجع تقول: باء بذنبه يبوء بوء ا إذا رجع به.
وبوأته منزلا أي هيأته، لانه يرجع إليه، لانه مأواه.
والبواء قتل الجائي بمن قتله. والسخط من الله من هو إرادة العقاب بمستحقه، ولعنه وهو مخالف للغيظ، لان الغيظ هو هيجان الطبع وانزعاج النفس، ولايجوز اطلاقه على الله تعالى.
والمصير: هوالمرجع.
والفرق بينهما أن المرجع هوانقلاب الشئ إلى حال قد كان عليها.
والمصير: انقلاب الشئ إلى خلاف الحال التي هو عليها نحو مصير الطين خزفا، ولم يرجع خزفا، لانه لم يكن قبل ذلك حزفا، فأما مرجع الفضة خاتما فصحيح، لانه قد كان قبل خاتما وأمامرجع العباد إلى الله، فلانهم ينقلبون إلى حال لايملكون فيها لانفسهم شيئا، كما كانوا قبل ماملكوا.

(3/35)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (هم درجات عندالله والله بصيربما يعملون(163))
آية
المعنى: قيل معنى قوله: (هم درجات عندالله) أن تقديره المؤمنون ذووا درجة رفيعة عندالله. والكفار ذووا درجة خسيسة. وقيل في معناه قولان:
أحدهما - اختلاف مراتب كل فريق من أهل الثواب، والعقاب، لان النار أدراك لقوله: (إن المنافقين في الدرك الاسفل من النار)(1) والجنة طبقات بعضهاأعلى من بعض، كماروي أن أهل الجنة ليرون أهل عليين(2)، كما يرى النجم في أفق السماء.
والثاني - اختلاف مرتبتي أهل الثواب، والعقاب بمالهؤلاء من النعيم، والكرامة ولاولئك من العذاب والمهانة. وعبر عن ذلك بدرجات مجازا.
فان قيل كيف قال: (هم درجات) وانما لهم درجات) وانما لهم درجات قيل، لان اختلاف أعمالهم قد ميزهم بمنزلة المختلفي الذوات كاختلاف مراتب الدرجات لتبعيدهم من استواء الاحوال، فجاء هذا على وجه التجوز، كماقال ابن هرمة انشده سيبويه -:
أنصب للمنية تعتريهم
رجالي أم هم درج السيول(3)
وقوله: (والله بصير بمايعملون) معناه عليم. وفيه تحذير من أن يتكل على الاسرار في الاعمال ظنا بأن ذلك يخفى على الله، لان أسرار العباد عند الله علانية. وفيه توثيق بأنه لايضيع للعامل لربه شئ لانه لايخفى عليه جميعه.
---
(1) سورة النساء: آية 144.
(2) في المخطوطة (أ) كما روي أن أهل الجنة ليرون أهل النار يطلعون عليهم فيرونهم كما يرى النجم في افق السماء. والاصح مافي المطبوعة.
(3) سيبويه 1: 206، واللسان (درج) ومجاز القرآن لابي عبيدة 1: 107 والخزانة 1: 203 وقد رواه بعضهم:
أرجما للمنون يكون قومي
لريب الدهر أم درج السيول

(3/36)


تفسير التبيان ج3
اللغة، والحجة: وأصل الدرجة الرتبة، فمنه الدرج، لانه يطوى رتبة بعد رتبة يقال: أدرجه إدراجا.
والدرجان مشي الصبي لتقارب الرتب، درج يدرج درجا ودرجانا. والدرج معروف.
والترقي في العلم درجة بعد درجة أي منزلة بعد منزلة كالدرجة المعروفة.
فان قيل هلا كان القرآن كله حقيقة، ولم يكن فيه شئ من المجاز، فان الحقيقة أحسن من المجاز؟ قلنا: ليس الامر على ذلك فان المجاز في موضعه أولى، وأحسن من الحقيقة لمافيه من الايجاز من غير اخلال بمعنى، وهي المبالغة بالاستعارة التي لاتنوب منابها الحقيقة، لان قولهم إذ هو الشمس ضياء أبلغ في النفوس من قولهم هو كالشمس ضياء، كذلك الجزاء بالجزاء أحسن من الجزاء بالابتداء، لانه أدل على تقابل المعنى بتقابل اللفظ، فكذلك (هم درجات) أولى وأبلغ من هم أهل درجات، للايجاز من غير اخلال.
قوله تعالى: (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين(164))
آية.
اللغة، والمعنى: قوله: (لقد من الله) معناه أنعم الله. وأصل المن القطع. منه يمنه منا: إذا قطعه.
(ولهم أجر غير ممنون)(1) أي غير مقطوع. والمن النعمة، لانه يقطع بها عن البلية.
ويقول القائل: من علي بكذا أي استنقذني به مما أنا فيه. والمن تكدير النعمة، لانه قطع لها عن وجوب الشكر عليها. والمنة القوة، لانه
---
(1) سورة حم السجدة: آية 8 وسورة الانشقاق: آية 25.

(3/37)


تفسير التبيان ج3
يقطع بها الاعمال. وفي تخصيص المؤمن بذكر هذه النعمة وإن كانت نعمة على جميع المكلفين قيل فيه من حيث أنها على المؤمنين أعظم منها على الكافرين، لانها نعمة عليهم من حيث هي نفع في نفسها. وفيما يؤدي إليه من الايمان بها، والعمل بما توجبه أحكامها، فالمؤمن يستحق اضافتها إليه من وجهتين، لما بيناه من حالها، ونظائر ذلك قد بيناه مثل قوله: (هدى للمتقين) وغير ذلك وإنما أضافه إلى المتقين من حيث أنهم المنتفعون بها دون غيرهم.
وقوله: (إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم) قيل فيه ثلاثة أقوال:
أحدها من أنفسهم ليكون ذلك شرفا لهم، فيكون ذلك داعيا لهم إلى الايمان.
الثاني - من أنفسهم، لسهولة تعلم الحكمة عليهم، لانه بلسانه.
الثالث - من أنفسهم، ليتيسر عليهم علم أحواله من الصدق والامانة والعفة والطهارة.
وقال الزجاج: من عليهم إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم من الاميين، لايتلو كتابا ولايخط بيمينه، فنشأ بين قوم يخبرونه ويعرفونه بالصدق والامانة وأنه لم يقرأكتابا ولا لقنه، فتلا عليهم أقاصيص الامم السالفة، فكان ذلك من أدل دليل على صدقة فيما أتى به.
وقوله: (يتلو عليهم آياته) معناه يقرأ عليهم ما أنزله عليه من آيات القرآن (ويزكيهم) يحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها - يشهد لهم بأنهم أزكياء في الدين، فيصيروا بهذه المنزلة الرفيعة في الخلق.
الثاني - يدعوهم إلى مايكونون به زاكين سالكين سبيل المهتدين.
الثالث - قال الفراء يأخذ منهم الزكاة التي يطهرهم بها.
وقوله: (ويعلمهم الكتاب والحكمة) يعني القرآن، وهو الحكمة. وإنما كرره بواو العطف لامرين: أحدهما - قال قتادة: الكتاب القرآن، والحكمة السنة. والثاني - لاختلاف فائدة الصفتين، وذلك أن الكتاب ذكر للبيان أنه مما يكتب ويخلد ليبقى على الدهر، والحكمة البيان عما يحتاج إليه من طريق المعرفة.

(3/38)


تفسير التبيان ج3
وقوله: (وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) يعني أنهم كانوا كفارا. وكفرهم هو ضلالهم فأنقذهم الله بالنبي صلى الله عليه وآله.
قوله تعالى: (أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شئ قدير(165))
آية واحده
المعنى: إنما دخلت الواو في (أولما أصابتكم) لعطف جملة على جملة إنه تقدمها ألف الاستفهام، لان له صدر الكلام. وإنما اتصل الواو الثاني بالاول ليدل على تعلقه به في المعنى، وذلك أنه وصل التقريع على الخطيئة بالتذكير بالنعمة لفرقة واحدة. والمصيبة التي أصابت المسلمين هو ما أصابهم يوم أحد، فانه قتل منهم سبعون رجلا وكانواهم أصابوا من المشركين يوم بدر مثليها، فانهم كانوا قتلوا من المشركين سبعين وأسروا منهم سبعين في - قول قتادة، والربيع، وعكرمة، والسدي - فقال الزجاج: لانهم أصابوا يوم أحد منهم مثلهم، ويوم بدر مثلهم، فقد أصابوا مثليهم. وهذا ضعيف، لانه خلاف لاهل السير، لانه لاخلاف أنه لم يقتل من المشركين مثل من قتل من المسلمين بل قتل منهم نفر يسير، فحمله على ما قاله ترك الظاهر.
وقوله: حكاية عن المسلمين (أنى هذا) أي من أين هذا.
وقوله: (قل هو من عند أنفسكم) قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها - قال قتادة، والربيع: لانهم اختلفوا في الخروج من المدينة للقتال يوم أحد وكان دعاهم النبي صلى الله عليه وآله إلى أن يتحصنوا بها ويدعوا المشركين إلى أن يقصدوهم فيها، فقالوا كنا نمتنع من ذلك في الجاهلية، ونحن في الاسلام، وأنت يارسول الله نبينا أحق بالامتناع وأعز.

(3/39)


تفسير التبيان ج3
والثاني - روي عن علي (ع) وعبيدة السلماني أن الحكم كان في أسرى بدر القتل، فاختاروا هم الفداء، وشرط عليهم أنكم إن قبلتم الفداء قتل منكم في القابل بعدتهم، فقالوا رضينا بذلك، فانا نأخذ الفداء وننتفع به. وإذا قتل منافيما بعد كنا شهداء. وهو المروي عن أبي جعفر (ع).
الثالث - لخلاف الرماة يوم أحد لما أمرهم به النبي صلى الله عليه وآله من ملازمة موضعهم.
وقوله: (إن الله على كل شئ قدير) معناه ههنا أنه على كل شئ قدير يدبركم بأحسن التدبير من النصر مع طاعتكم وتركه مع المخالفة إلى ما وقع به النهي، وهذا جواب لقوله: (أنى هذا) وقد تقدم الوعد بالنصرة، وفي الآية دلالة على فساد مذهب المجبرة: بان المعاصي كلها من فعل الله، لانه تعالى قال (قل هو من عند أنفسكم) ولولم يكن فعلوه، لما كان من عند أنفسهم كما أنه لو فعله الله، لكان من عنده.
قوله تعالى: (وما أصابكم يوم التقى الجمعان فباذن الله وليعلم المؤمنين(166))
آية .
المعنى: قوله: (وما أصابكم يوم التقى الجمعان) يعني يوم أحد وما دخل عليهم من المصيبة بقتل من قتل من المؤمنين.
وقوله: (فباذن الله) قيل في معناه قولان: أحدهما - بعلم الله. ومنه قوله: (فاذنوا بحرب من الله)(1) معناه اعلموا ومنه قوله: (وآذان من الله)(2) أي إعلام. ومنه (أذناك ما منا من شهيد)(3) يعني أعلمناك.
الثاني - أنه بتخلية الله التى تقوم مقام الاطلاق في الفعل برفع الموانع،
---
(1) سورة البقرة: آية 279.
(2) سورة التوبة: آية 3.
(3) حم السجدة: آية 47.

(3/40)


تفسير التبيان ج3
والتمكين من الفعل الذي يصح معه التكليف. ولايجوز أن يكون المراد به بأمر الله، لانه خلاف الاجماع، لان أحدا لايقول: إن الله يأمر المشركين بقتل المؤمنين، ولاانه يأمر بشئ من القبائح، ولان الامر بالقبيح قبيح، لايجوز أن يفعله الله تعالى. ويمكن أن يحمل مع تسليم أنه بأمر الله بأن يكون ذلك مصروفا إلى المنهزمين المعذورين بعد اخلال من أخل بالشعب، وضعفهم عن مقاومة عدوهم، وان حمل على الجميع أمكن أن يكون ذلك بعد تفرقهم وتبدد شملهم وانفساد نظامهم، لان عند ذلك أذن الله في الرجوع وألا يخاطروا بنفوسهم.
وقوله: (وليعلم المؤمنين) ليس معناه أن الله يعلم عند ذلك ما لم يكن عالما به، لانه تعالى عالم بالاشياء قبل كونها وإنما معناه، وليتميز المؤمنون من المنافقين إلا أنه أجرى على المعلوم لفظ العلم مجازا على المظاهرة في المجازاة بالقول على مايظهر من الفعل من جهة أنه ليس يعاملهم بمافي معلومه أنه يكون منهم إن بقوا، بل يعاملهم معاملة من كأنه لايعلم ما يكون منهم حتى يظهر. ليكونوا على غاية الثقة بأن الله إنما يجازي بحسب ما وقع من الاحسان أو الاساء ة.
فان قيل: هل يجوز أن يقول القائل: المعاصي تقع باذن الله، كما قال: (ما أصابكم) من ايقاع المشركين بكم (باذن الله)؟ قلنا: لايجوز ذلك لان الله تعالى إنما خاطبهم بذلك على وجه التسلية للمؤمنين، فدل ذلك على أن الاذن المراد به التمكين ليتميزوا بظهور الطاعة منهم.
وليس كذلك قولهم: المعاصي باذن الله، لانه لما عري من تلك القرينة صار بمعنى اباحة الله، والله تعالى لايبيح المعاصي، لانها قبيحة، ولان إباحتها تخرجها من معنى المعصية. والفاء انما دخلت في قوله: (فبأذن الله) لان خبر (ما) التي بمعنى الذي يشبه جواب الجزاء، لانه معلق بالفعل في الصلة كتعليقه بالفعل في الشرط، كقولك الذي قام فمن أجل أنه كريم أي، لاجل قيامه صح أنه كريم. ومن أجل كرمه قام. وقد قيل أن (ما) هي بمعنى الجزاء، ولايصح ههنا لان الفعل بمعنى المضي.

(3/41)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للايمان يقولون بافواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون(167))
آية بلا خلاف.
المعنى: قوله: (وليعلم الذين نافقوا) عطف على قوله: (وليعلم المؤمنين) وقيل في خبر ليعلم قولان: أحدهما - أنه مكتف بالاسم، لانه بمعنى ليعرف المنافقين. والثاني - أنه محذوف، وتقديره: وليعلم المنافقين متميزين من المؤمنين.
وقوله: (وقيل لهم: تعالوا قاتلوا في سبيل الله) روي أن القائل لهم ذلك كان عبدالله بن عمروبن خزام يذكرهم الله ويحذرهم أن يخذلوا نبيه عند حضور عدوه - في قول ابن اسحاق والسدي -.
وقوله: (أو ادفعوا) قيل في معناه قولان: أحدهما - قال السدي، وابن جريج: ادفعوا بتكثير سوادنا إن لم تقاتلوا معنا. الثاني - قال ابن عون الانصاري: معناه رابطوا بالقيام على الخيل إن لم تقاتلوا معنا.
وقوله: (قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم) قال ابن اسحاق، والسدي ان القائل لذلك عبدالله بن أبي بن سلول، انخزل يوم أحد بثلاثمائة نفس، قال لهم علام نقتل أنفسنا ارجعوابنا، وقالوا للمؤمنين لايكون بينكم قتال، ولو علمنا أنه يكون قتال لخرجنا معكم وأضمروا في باطنهم عداوة النبي صلى الله عليه وآله، والمؤمنين، فقال الله تعالى: (هم للكفر يومئذ أقرب منهم للايمان) لانهم بهذا الاظهار إلى الكفر أقرب منهم للايمان إذ كانوا قبل ذلك في ظاهر أحوالهم إلى الايمان أقرب

(3/42)


تفسير التبيان ج3
حتى هتكوا أنفسهم عندمن كانت تخفى عليه حالهم من المؤمنين الذين كانوا يحسنون الظن بهم، وليس المراد أن بينهم وبين المؤمنين قربا يوجب دخول لفظة أفعل بينهم.
وانما هومثل قول القائل: - وهو صادق - لمن هو كاذب: أناأصدق منك، وإن لم يكن بينهما مقاربة في الصدق.
وقوله: (يقولون بأفواههم ماليس في قلوبهم) انما ذكر الافواه، وإن كان القول لايكون إلا بالافواه لامرين: أحدهما - للتأكيد من حيث يضاف القول إلى الانسان على جهة المجاز، فيقال: قد قال كذا: إذاقاله غيره ورضي به، وكذلك (يكتبون الكتاب بأيديهم)(1) أي يتولونه على غير جهة الامر به. والثاني - لانه فرق بذكر الافواه بين قول اللسان وقول الكتاب.
وقوله: (والله أعلم بما يكتمون) يعني أعلم من الكافرين الذين قالوا: لايكون قتال، وما كتموه في نفوسهم من النفاق.
قوله تعالى: (الذين قالوا لاخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرأوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين(168))
آية.
الاعراب: موضع الذين يحتمل ثلاثة أوجه من الاعراب:
أحدها - أن يكون نصباعلى البدل من الذين نافقوا.
الثاني - الرفع على البدل من الضمير في يكتمون.
الثالث - الرفع على خبر الابتداء، وتقديره: هم (الذين قالوا لاخوانهم)
---
(1) سورة البقرة: آية 79.

(3/43)


تفسير التبيان ج3
المعنى: والمعني بهذا الكلام والقائلون لهذا القول عبدالله بن أبي وأصحابه من المنافقين قالوه في قتلى يوم أحدمن أخوانهم على قول جابربن عبدالله، وقتادة، والسدي، والربيع - وقوله: (قل فادرأوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين) معناه ادفعوا قال الشاعر:
تقول إذا درأت لها وضيني
أهذا دينه أبدا وديني(1)
فان قيل كيف يلزمهم دفع الموت عن أنفسهم بقولهم أنهم لو لم يخرجوا لم يقتلوا؟ قيل لان من علم الغيب في السلامة من القتل يجب أن يمكنه أن يدفع عن نفسه الموت فليدفعه، فهو، أجدى عليه.
فان قيل: كيف كان هذا القول منهم كذبا مع أنه اخبار على ماجرت به العادة؟ قلنا: لانهم لايدرون لعلهم لو لم يخرجوا لدخل المشركون عليهم في ديارهم، فقتلوهم هذا قول أبي علي وقال غيره معنى (إن كنتم صادقين) أي محقين في تثبيطكم من الجهاد فرارا من القتل.
قوله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون(169))
آية بلاخلاف.
المعنى: ذكر ابن عباس، وابن مسعود، وجابر بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لما أصيب أخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في حواصل طير خضر ترد انهار الجنة، وتأكل من ثمارها.
قال البلخي: وهذا ضعيف، لان الارواح جماد لاحياة فيها،
---
(1) انظر 2: 148.

(3/44)


تفسير التبيان ج3
ولو كانت حية لاحتاجت إلى أرواح أخر وأدى إلى مالا يتناهى فضعف الخبر من هذاالوجه.
وفي الناس من قال: إن تأويل الآية اخبار عن صفة حال الشهداء في الجنة من حيث فسد القول بالرجعة، وهذا ليس بشئ لانه خلاف الظاهر، ولان أحدا من المؤ منين لايحسب أن الشهداء في الجنة أموات، وأيضا، فقد وصفهم الله بأنهم أحياء فرحون في الحال، لان نصب فرحين هو على الحال.
وقوله: (لم يلحقوا بهم من خلفهم) يؤكد ذلك، لانهم في الآخرة قد لحقوا بهم، ومعنى الآية النهي عن أن يظن أحد أن المقتولين في سبيل الله أموات. والخطاب للنبي صلى الله عليه وآله، والمراد به جميع المكلفين، كما قال: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) وأنه ينبغي أن يعتقد أنهم (أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بماآتاهم الله) وبهذا قال الحسن، وعمروبن عبيد، وواصل بن عطاء واختاره الجبائي، والرماني، وأكثر المفسرين. وقال بعضهم وذكره الزجاج.
المعنى: ولاتحسبنهم أمواتا في دينهم بل هو أحياء في دينهم، كما قال: (أو من كان ميتا فاحييناه) الآية(1) وقال البلخي معناه: لاتحسبنهم كما يقول الكفار أنهم لايبعثون بل يبعثون، وهم (أحياء عند ربهم يرزقون فرحين).
وقال قوم: إن أرواحهم تسرح في الجنة وتلتذ بنعيمها، فهم (أحياء عند ربهم) وقوله: (عند ربهم) قيل في معناه قولان: أحدهما - أنهم بحيث لايملك لهم أحدنفعا ولاضرا إلا ربهم وليس المراد بذلك قرب المسافة لان ذلك من صفة الاجسام وذلك مستحيل عليه تعالى. والوجه الآخر عند ربهم أحياء من حيث يعلمهم كذلك دون الناس - ذكره أبوعلي -.
الاعراب: وقوله: (بل أحياء) رفع على أنه خبر الابتداء، وتقديره بل هم أحياء، ولايجوز فيه النصب بحال، لانه كان يصير المعنى بل احسبنهم أحياء، والمراد بل اعلمهم احياء.
---
(1) سورة الانعام: آية 122.

(3/45)


تفسير التبيان ج3
المعنى والحجة: فان قيل لم لايجوز أن يكون المعنى بل أحياء على معنى أنهم بمنزلة الاحياء كما يقال لمن خلف خلفا صالحا أو ثناء جميلا: مامات فلان بل هو حي؟ قلنا: لايجوز ذلك لانه انما جاز هذا بقرينة دلت عليه من حصول العلم بأنه ميت فانصرف الكلام إلى أنه بمنزلة الحي، وليس كذلك الآية لان إحياء الله لهم في البرزخ جائز مقدور والحكمة تجيزه.
فان قيل أليس في الناس من أنكر الحديث من حيث أن الروح عرض لايجوز أن يتنعم؟ قيل: هذا ليس بصحيح، لان الروح جسم رقيق هوائي مأخوذ من الريح.
والدليل على ذلك أن الروح تخرج من البدن وترد إليه وهي الحساسة الفعالة دون البدن، وليست من الحياة في شئ، لان ضد الحياة الموت وليس كذلك الروح - هذا قول الرماني سؤاله وجوابه -.
وفي الآية دليل على أن الرجعة إلى دار الدنيا جائزة لاقوام مخصوصين، لانه تعالى أخبر أن قوما ممن قتلوا في سبيل الله ردهم الله أحياء كما كانوا، فأما الرجعة التي يذهب إليها أهل التناسخ، ففاسدة، والقول بها باطل لما بيناه في غير موضع، وذكرنا جملة منه في شرح جمل العلم فمن أراده وقف عليه من هناك ان شاء الله.
وقال أكثر المفسرين الآية مختصة بقتلى أحد.
وقال أبوجعفر (ع)، وكثير من المفسرين: انها تتناول قتلى بدر وأحد معا.
الآية: 170 - 179
قوله تعالى: (فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولاهم يحزنون(170))
آية.

(3/46)


تفسير التبيان ج3
الاعراب: قوله: (فرحين) نصب على الحال من (يرزقون) وهو أولى من رفعه على بل أحياء لان النصب ينبئ عن اجتماع الرزق والفرح في حال واحدة، ولو رفع على الاستئناف لكان جائزا.
وقال الفراء: يجوز نصبه على القطع عن الاول.
المعنى، واللغة: وقوله: (بما آتاهم الله من فضله) معناه بما أعطاهم الله من ضروب نعمه، ومعنى يستبشرون أي يسرون بالبشارة وأصل الاستفعال طلب الفعل فالمستبشر بمنزلة من طلب السرور في البشارة، فوجده. وأصل البشارة من البشرة وذلك لظهور السرور بها في بشرة الوجه. ومنه البشر لظهور بشرته.
ومعنى قوله: (ويستبشرون بالذين لم يلحقوابهم) أي هم بمنزلة من قد بشرفي صاحبه بما يسر به.
ولاهل التأويل فيه قولان: أحدهما - قال ابن جريج، وقتادة: يقولون: اخواننا يقتلون كما قتلنا فيصيبون من كرامة الله ما أصبنا.
والآخر - أنه يؤتى الشهيد بكتاب فيه ذكر من يقدم عليه من اخوانه يبشر ذلك فيستبشر كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا - ذكره السدي - وقال الزجاج: معناه أنهم لم يلحقوا بهم في الفعل إلا أن لهم فضلا عظيما بتصديقهم وإيمانهم.
ولحقت ذلك والحقت غيري، مثل علمت وأعلمت، وقيل لحقت وألحقت لغتان بمعنى واحد مثل بان وأبان، وعلى ذلك: إن عذابك بالكفار ملحق أي لاحق على هذا أكثر نقاد الحديث.
وروى بعض الثقات ملحق بنصب الحاء ذكره البلخي.
وقوله: (ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون) قيل في موضع أن قولان: أحدهما - انه خفض بالباء وتقديره بان لاخوف، هذا قول الخليل، والكسائي والزجاج.

(3/47)


تفسير التبيان ج3
الثاني ان يكون موضعه نصبا على أنه لما حذف حرف الجر نصب بالفعل كما قال الشاعر: أمرتك الخير(1) أي بالخير في قول غيرهم.
قوله تعالى: (يستبشرون بنعمة من الله وفضل وإن الله لايضيع أجر المؤمنين(171))
آية.
القراء ة: قرأ الكسائي (وإن الله) - بكسرالالف - الباقون بفتحها على معنى وبأن الله، ورجح هذه القراء ة أبوعلي الفارسي. والكسر على الاستئناف.
وفي قراء ة عبدالله (والله لايضيع أجر المؤمنين). وهو يقوي قراء ة من قرأ بالكسر.
قوله: (يستبشرون).
المعنى: يعني هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله الذين وصفهم بانهم يرزقون فرحين بما أتاهم الله من فضله، وانهم يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، فوصفهم ههنا بانهم يستبشرون بنعمة من الله وفضل. وفضل الله وان كان هو النعمة قيل في تكراره ههنا قولان: أحدهما - لانها ليست نعمة مضيقة على قدر الكفاية من غير مضاعفة السرور واللذة.
---
(1) انظر 2: 348 فقد مر البيت هناك كاملا.

(3/48)


تفسير التبيان ج3
والآخر - للتأكيد لتمكين المعنى في النفس، والمبالغة. والنعمة هي المنفعة التي يستحق بها الشكر إذا كانت خالية من وجوه القبح، لان المنفعة على ضربين: أحدهما - منفعة اغترار، وحيلة، و [ الثاني ] - منفعة خالصة من شائب الاساء ة.
والنعمة: تعظيم بفعل غير المنعم، كنعمة الرسول على من دعاه إلى الاسلام فاستجاب له، لان دعاء ه له نفع من وجهين: أحدهما - حسن النية في دعائه إلى الحق ليستجيب له. والآخر - قصده الدعاء إلى حق من يعلم انه يستجيب له المدعو وانما يستدل بفعل غير المنعم على موضع النعمة في الجلالة وعظم المنزلة.
وقوله: (وإن الله لايضيع أجر المؤمنين) وان كانواهم علموا ذلك فانما ذكر الله انهم يستبشرون بذلك، لان ما يعلمونه في دار التكليف يعلمونه بدليل. وما يعلمونه بعد الموت يعلمونه ضرورة. وبينهما فرق واضح، لان مع العلم الضروري يتضاعف سرورهم، ويشتدا غتباطهم.
قوله تعالى: (الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم(172))
آية واحدة.
سبب النزول والقصة: ذكر ابن عباس والسدي، وابن اسحاق، وابن جريج، وقتادة: ان سبب نزول هذه الآية ان أباسفيان: صخر بن حرب، وأصحابه لما انصرفوا عن أحد، ندموا.
وقال بعضهم لبعض: لامحمدا قتلتم ولا الكواعب اردفتم فارجعوافا غيروا على المدينة، واسبوا ذراريهم.
وقيل: إن بعضهم قال لبعض: إنكم قتلتم عدوكم حتى إذالم يبق إلا الشريد تركتموهم. ارجعوا فاستأصلوهم. فرجعوا إلى حمراء الاسد وسمع بهم النبي صلى الله عليه وآله فدعا أصحابه إلى الخروج، وقال: لايخرج معنا

(3/49)


تفسير التبيان ج3
إلا من حضرنا أمس للقتال، ومن تأخر عنا، فلا يخرج معنا.
وروي أنه صلى الله عليه وآله أذن لجابر وحده في الخروج -. وكان خلفه أبوه على بناته يقوم بهن - فاعتل بعضهم بأن قال: بناجراح، وآلام فانزل الله تعالى (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله) وقيل نزلت فيهم أيضا (ولاتهنوا في ابتغاء القوم ان تكونوا تألمون فانهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالا يرجون)(1) ثم استجابوا على مابهم إلى اتباعهم وألقي الله الرعب في قلوب المشركين، فانهزموا من غير حرب. وخرج المسلمون إلى حمراء الاسد. وهي على ثمانية أميال من المدينة.
الاعراب، واللغة: وموضع (الذين) يحتمل ثلاثة أوجه من الاعراب: الجر - على أن يكون لغتا للمؤمنين - والرفع - على الابتداء - وخبر الذين الجملة - والنصب - على المدح -.
وقوله: (من بعد ما أصابهم القرح) معناه من بعد ما نالهم الجراح وأصله الخلوص من الكدر.
ومنه ماء قراح أي خالص.
والقراح من الارض: ماخلص طينه من السبخ، وغيره.
والقريحة خالص الطبيعة.
واقترحت عليه كذا أي اشتهيته عليه لخلوصه على ماتتوق نفسه إليه، كأنه قال: استخلصته.
وفرس قارح أي طلع نابه لخلوصه ببلوغ تلك الحال عن نقص الصغار، وكذلك ناقة قارح أي حامل.
فالقرح الجراح، لخلوص المه إلى النفس. وأجاب، واستجاب بمعنى واحد.
وقال قوم: استجاب: طلب الاجابة. واجاب: فعل الاجابة.
وقوله: (للذين احسنوا) فالاحسان هو النفع الحسن. والافضال النفع الزائد على أقل المقدار.
وقوله: (واتقوا) معناه اتقوا معاصي الله (أجر عظيم) معناه ههنا الذين فعلوا الحسن الجميل من طاعة النبي صلى الله عليه وآله، والانتهاء إلى قوله.
وقوله (منهم) معناه تبيين الصفة لاالتبعيض.
---
(1) سورة النساء: آية 103.

(3/50)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ايمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل(173))
آية بلاخلاف
المعنى: وقيل في المعني بقوله: (الناس) الاول ثلاثة أقوال: أولها - قال ابن عباس، وابن اسحاق: انهم ركب دسهم أبوسفيان إلى المسلمين ليجبنوهم عند منصرفهم من أحد لما أرادوا الرجوع إليهم وقال السدي: هو اعرابي ضمن له جعل على ذلك.
وقال الواقدي هو نعيم بن مسعود الاشجعي وهو قول أبي جعفر وأبي عبدالله (ع).
وقوله: (إن الناس قد جمعوا لكم) المعني به أبوسفيان و أصحابه - في قول أكثر المفسرين - وقال مجاهد: انماكان ذلك في بدر الصغرى وهي سنة أربع وكانت أحد في سنة ثلاث من الهجرة. وإنما عبر بلفظ الجميع عن الواحد في قوله: (قال لهم الناس) لامرين: أحدهما - ان تقديره جاء القول من قبل الناس، فوضع كلام موضع كلام - ذكره الرماني -. والثاني - إن الواحد يقوم مقام الناس، لان (الانسان) إذا انتظر قوما فجاء واحد منهم، قديقال: جاء الناس إما لتفخيم الشأن، وأما لابتداء الاتيان.
وقوله: (فاخشوهم) حكاية عن قول نعيم بن مسعود للمسلمين. يعني اخشوا أباسفيان، وأصحابه فبين الله تعالى ان ذلك القول زادهم ايمانا وثباتا على دينهم، واقامة على نصرة نبيهم. وقالوا عند ذلك (حسبناالله ونعم الوكيل) ومعناه كافينا الله.
اللغة، والقصة: وأصله من الحساب، لان الكفاية بحسب الحاجة، وبحساب الحاجة. ومنه

(3/51)


تفسير التبيان ج3
الحسبان وهوالظن.
والوكيل: الحفيظ.
وقيل: هو الولي. وأصله القيام بالتدبير.
المتولى للشئ قائم بتدبيره، والحافظ له يرجع إلى هذا المعنى.
ومعنى الوكيل في صفات الله المتولي للقيام بتدبير خلقه، لانه مالكهم رحيم بهم.
والوكيل في صفة غيره: انما يعقد بالتوكيل.
وقال قوم من المفسرين: إن هذا التخويف من المشركين كان في السنة المقبلة، لان أباسفيان، لماانصرف يوم أحد، قال موعدكم البدر في العام المقبل. فقال النبي صلى الله عليه وآله لمن حضره: قولوا نعم. فلما كان العام المقبل خرج النبي صلى الله عليه وآله باصحابه، وكان أبوسفيان كره الخروج، فدس من يخوف النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه لم يسمعوا منهم، وخرجوا إلى بدر فلما لم يحضر أحد من المشركين، رجعوا، وكانوا صادفوا هناك تجارة اشتروها فربحوا فيها، وكان ذلك نعمة من الله.
وروى ذلك أبوالجارود عن أبي جعفر (ع).
قوله تعالى: (فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذوفضل عظيم(174))
آية بلاخلاف.
المعنى، واللغة، والاعراب: الانقلاب، والرجوع، والمصير واحد. وقد فرق بينهما بأن الانقلاب هو المصير إلى ضد ما كان قبل ذلك كانقلاب الطين خزفا. ولم يكن قبل ذلك خزفا والرجوع هوالمصير إلى ماكان قبل ذلك.
وقوله: (بنعمة من الله وفضل) قيل في معناه قولان:
أحدهما - ان النعمة العافية. والفضل: التجارة. والسوء: القتل - في قول السدي، ومجاهد -
وقال الزجاج: النعمة ههنا الثبوت على الايمان في طاعة الله وفضل الربح في تجارتهم، لانه روي أنهم اقاموا في الموضع ثلاثة أيام فاشتروا أدما وزبيبا ربحوا فيه: وقال قوم: إن أقل ما يفعله الله بالخلق فهو نعمة، وما زادعليه فهو الموصوف بأنه فضل.

(3/52)


تفسير التبيان ج3
والفرق بين النعمة والمنفعة أن النعمة لاتكون نعمة إلا إذا كانت حسنة، لانه يستحق بها الشكر ولايستحق الشكر بالقبيح. والمنفعة قد تكون حسنة وقد تكون قبيحة مثل ان يغصب مالاينتفع به - وإن كان قبيحا -
وقوله: (لم يمسسهم سوء) موضعه نصب على الحال. وتقديره: فانقلبوا بنعمة من الله وفضل سالمين. والعامل فيه (فانقلبوا) والمعني بالآية الذين أمرهم الله تعالى بتتبع المشركين إلى حمراء الاسد، فلما بلغوا إليها وكان المشركون أسرعوافي المضي إلى مكة رجع المسلمون من هناك من غير أن يمسهم قتل ولاجراح غانمين سالمين، وقد امتثلوا ما أمرهم الله تعالى به. واتبعوا رضوانه (والله ذو فضل عظيم) أي ذو إحسان عظيم على عباده ديني ودنيوي.
قوله تعالى: (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياء ه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين(175))
آية.
معنى الآية انما ذلك التخويف الذي كان من نعيم بن مسعود من فعل الشيطان، وباغوائه، وتسويله. يخوف أولياء ه المؤمنين.
قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: يخوف المؤمنين بالكافرين.
وقال الزجاج، وأبوعلي الفارسي، وغيرهما من أهل العربية: إن تقديره يخوفكم أولياء ه. أي من أوليائه بدلالة قوله: (فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين) أي إن كنتم مصدقين بالله فقد أعلمتكم أني انصركم عليهم، فقد سقط عنكم الخوف.
ومثله قوله: (لينذر باسا شديدا من لدنه)(1) ومعناه لينذركم بأسا والتقدير لينذركم ببأس شديد، فلما حذف الجار نصبه.
وقيل: إن (يخوف) يتعدى إلى مفعولين، لانك تقول: خفت زيدا وخوفت زيدا عمرا. ويكون في الآية حذف أحد المفعولين، كماقلناه في
---
(1) سورة الكهف: آية 2.

(3/53)


تفسير التبيان ج3
قولهم: فلان يعطي الدراهم ويكسو الثياب.
وقال بعضهم: هذا لايشبه الآية، لانه انما أجازوا حذف المفعول الثاني في أعطى الدراهم، لانه لايشتبه أن الدراهم هي التي اعطيت. وفي الآية تشتبه الحال في من المخوف ومن المخوف وقال قوم: (يخوف اولياء ه) أي انما خاف المنافقون ومن لاحقيقة لايمانه.
وقال الحسن، والسدي: يخوف أولياء ه المنافقين، ليقعدوا عن قتال المشركين ويخوف يتعدى إلى مفعولين كما يتعدى، يعطي لان أصله خاف زيد القتال وخوفته القتال. كما تقول عرف زيد أخاك وعرفته أخاك.
فان قيل: كيف يكون الاولياء على المفعول الثاني وانما التخويف من الاولياء لغيرهم؟ قيل: ليس التقدير هكذا. وانما هو على (خاف المؤمنون أولياء الشيطان). وهو خوفهم أولياء ه.
قال الرماني: وغلط من قدر التقدير الاول.
وقوله: (فلا تخافوهم) يعني لاتخافوا المشركين. وانما قال: (ذلك) وهي انما يشاربها إلى ماهو بعيد لانه أراد ذلك القول تقدم من المخوف لهم من قوله: (إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم).
قوله تعالى: (ولايحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله أن لايجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم(176))
آية بلاخلاف.
القراء ة: قرأ نافع في جميع القرآن (يحزنك) - بضم الياء - إلا قوله: (لايحزنهم الفزع الاكبر)(1).
الباقون بفتح الياء في جميع القرآن.
وقرأ أبوجعفر عكس ماقرأ نافع.
---
(1) سورة الانبياء: آية 103.

(3/54)


تفسير التبيان ج3
فانه فتح في جميع القرآن إلا قوله (لايحزنهم) فانه ضم الياء وحكى البلخي عن ابن أبي محيص الضم في الجميع.
اللغة: قال سيبوية: تقول: فتن الرجل، وفتنته. وحزن، وحزنته. وزعم الخليل أنك حيث قلت فتنته، وحزنته، لم ترد أن تقول: جعلته حزينا وجعلته فاتنا. كما انك حين قلت: أدخلته جعلته داخلا، ولكن أردت أن تقول: جعلت فيه حزنا، وفتنة. فقلت فتنته كما قلت كحلته أي جعلت فيه كحلا. ودهنته جعلت فيه دهنا. فجئت بفعلته - على حده - ولم ترد بفعلته ههنا نفس قولك حزن وفتن ولو أردت ذلك لقلت أحزنته وأفتنته. وفتن من فتنته مثل حزن من حزنته قال: وقال بعض العرب: أفتنت الرجل وأحزنته إذا جعلته حزينا، وفاتنا، فغيره إلى أفعل - هذاحكاه أبوعلي الفارسي حجة لنافع -
وقال قوله: (لايحزنهم) إنما ضم على خلاف أصله لعله اتبع أثرا أو أحب الاخذ بالوجهين: المعنى: والمعني بقوله: (الذين يسارعون في الكفر) - على قول مجاهد - وابن اسحاق - المنافقون.
وفي قول أبي علي الجبائي: قوم من العرب ارتدوا عن الاسلام.
فان قيل: كيف قال: (يريد الله أن لايجعل لهم حظا في الآخرة) والارادة لاتتعلق بألايكون الشئ وإنما تتعلق بما يصح حدوثه؟ قلنا: عنه جوابان: أحدهما - قال ابن اسحاق: (يريد الله) أن يحبط أعمالهم بما استحقوه من المعاصي والكبائر. والثاني - ان الله يريد أن يحكم بحرمان ثوابهم الذى عرضوا له بتكليفهم، وهو الذي يليق بمذهبنا، لان الاحباط عندنا ليس بصحيح فان قيل كيف قال: (يريد الله) وهذا إخبار عن كونه مريدا في حال الاخبار، وإرادة الله تعالى لعقابهم تكون يوم القيامة، وتقديمها على وجه يكون عزما وتوطينا للنفس

(3/55)


تفسير التبيان ج3
لا(1) يجوز عليه تعالى؟ قلنا: عنه جوابان: أحدهما - قال أبوعلي: معناه أنه سيريد في الآخرة حرمانهم الثواب، لكفرهم الذي ارتكبوه. والثاني - أن الارادة متعلقة بالحكم بذلك، وذلك حاصل في حال الخطاب.
وقال الحسن: يريد بذلك فيما حكم من عدله.
وقوله: (يسارعون في الكفر) أي يبادرون إليه. والسرعة وإن كانت محمودة في كثير من المواضع، فانها مذمومة في الكفر. والعجلة مذمومة على كل حال إلا في المبادرة إلى الطاعات.
وقيل: إن العجلة هي تقديم الشئ قبل وقته، وهي مذمومة على كل حال، والسرعة فعل لم يتأخر فيه شئ عن وقته، ولا يقدم قبله، ثم بين تعالى أنهم لمسارعتهم إلى الكفر لايضرون الله شيئا، لان الضرر يستحيل عليه تعالى. وانما يضرون أنفسهم بأن يفوتوا نفوسهم الثواب، ويستحقوا العظيم من العقاب، ففي الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وآله عما يناله من الغم باسراع قوم إلى الكفر بأن وبال ذلك عائد عليهم، ولايضرون الله شيئا.
قوله تعالى: (إن الذين اشتروا الكفر بالايمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب اليم(177))
آية.
المعنى: استأنف الله تعالى بهذه الآية الاخبار بأن من اشترى الكفر بالايمان بمعنى استبدل الكفر بالايمان. وقد بينا فيما مضى أن تسمية ذلك شراء مجاز لكن لما فعلوا الكفر بدلا من الايمان شبه ذلك بشراء السلعه بالثمن وبين أن من فعل ذلك لايضر الله شيئا، لان مضرته عائدة عليه على مابيناه. وانماكرر (لن يضروا
---
(1) في المطبوعة (ولا).

(3/56)


تفسير التبيان ج3
الله) في هذه الآية، لانه ذكر في الآية الا ولى - على طريقة العلة - لما يجب من التسلية عن المسارعة إلى الضلالة، وذكر في هذه الآية على وجه العلة لاختصاص المضرة للعاصي دون المعصى.
اللغة: والفرق بين المضرة والاساء ة أن الاساء ة لاتكون إلا قبيحة، والمضرة قد تكون حسنة إذا كانت لطفا، أو مستحقة أو فيها نفع يوفي عليها أو دفع ضرر أعظم منهاكفعل العقاب، وضرب الصبي للتأديب، وغير ذلك.
الاعراب: وقوله: (شيئا) نصب على أنه وقع موقع المصدر، وتقديره (لن يضروا الله شيئا) من الضرر. ويحتمل أن يكون نصبابحذف الباء كأنه قال بشئ مما يضربه، كما يقول القائل: ماضررت زيدا شيئا من نقص مال، ولاغيره.
قوله تعالى: (ولايحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لانفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين(178))
آية واحدة بلاخلاف.
القراء ة، والاعراب: قرأ حمزه (ولاتحسبن) بالتاء وفتح السين. الباقون بالياء، وهو الاقوى، لان حسبت يتعدى إلى مفعولين (وأن) على تقدير مفعولين، لان قوله: (أنما نملي لهم خير لانفسهم) سدمسد المفعولين لانه لايعمل في (أنما) إلا ما يتعدى إلى مفعولين: نحو حسبت وظننت واخواتهما. وحسبت يتعدى إلى مفعولين أو مفعول

(3/57)


تفسير التبيان ج3
يسدمسد المفعوين نحو حسبت أن زيدا منطلق وحسبت أن يقوم عمرو.
فقوله: (أنما نملي لهم خير لانفسهم، سد مسد المفعولين اللذين يقتضيهما (يحسبن) وكسر (إن) مع القراء ة بالياء ضعيف وقرئ به. ووجه ذلك قال أبوعلي الفارسي (إن) يتلقى بها القسم كما يتلقى بلام الابتداء، ويدخل كل واحد منهما على الابتداء والخبر فكسر (إن) بعد (يحسبن) وعلق عنها الحسبان، كما يعلق باللام، فكأنه قال: لايحسبن الذين كفروا للاخرة خير لهم.
ومن قرأ بالتاء فعلى البدل، كقوله: (هل ينظرون إلا الساعة ان تأتيهم بغتة)(1) وكما قال الشاعر:
فما كان قيس هلكه هلك واحد
ولكنه بنيان قوم تهدما(2)
وقال الفراء: يجوز أن يكون عمل فيه (يحسبن) مقدرة تدل عليها الاولى.
وتقديره: ولاتحسبن الذين كفروا يحسبون انما نملي لهم وهكذا في قوله: (هل ينظرون) ويجوز كسر (انما) مع التاء في (يحسبن) وهو وجه الكلام، لتكون الجملة في موضع الخبر: نحو حسبت زيدا انه كريم. غير انه لم يقرأبه أحد من السبعة.
وقوله: (إنما نملي لهم ليزدادوا إثما) معنى اللام ههنا للعاقبة وليست بلام الغرض.
كأنه قال: إن عاقبة أمرهم ازدياد الاثم كما قال: (فالتقطه آل فرعون
---
(1) سورة الزخرف: آية 66.
(2) قائله عبدة بن الطبيب أمالي السيد المرتضى 1: 114، والاغاني 12: 148 والحماسة شرح التبريزي 2: 285، 286 وغيرها وهو من أبيات قالهافي قيس بن عاصم ومطلعها:
عليك سلام الله قيس بن عاصم
ورحمته ماشاء أن بترحما
وقيس بن عاصم رجل حليم شريف في قومه، وكان الاحنف بن قيس يقول: انما تعلمت الحلم من قيس بن عاصم.
وقال ابن الاعرابي: قيل ليس بماذا؟ دت؟ فقال: بثلاث: بذل الندى وكف الاذى، ونصر المولى.
قال التبريزي في شرحه لهذا الميت: يروى (هلك) بالنصب وبالرفع، فاذا نصبته كان (هلكه) في موضع البدل من (قيس) و (هلك) ينتصب على أنه خبر (كان) كأنه قال: فما كل هلك قيس هلك واحد من الناس بل مات لموته خق كثير. واذ رفعته كان (هلكه) في موضع المبتدأ (وهلك واحد) في موضع الخبر. والجملة في موضع النصب على انها خبر كان.

(3/58)


تفسير التبيان ج3
ليكون لهم عدوا وحزنا)(1) وكماقال: (وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله) ( وكقوله: (لاتكونوا كالذين كفروا وقالوا لاخوانهم إذاضربوا في الارض..) إلى قوله: (ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم)(3) وما قالوا ذلك ليكون حسرة وإنما كان عاقبته كذلك وقال الشاعر:
وأم سماك فلا تجزعي
فللموت ماتلد الوالده(4)
وقال آخر:
أموالنا لذوي الميراث تجمعها
ودورنا لخراب الدهر نبنيها
وقال:
وللمنايا تربي كل مرضعة
وللخراب يجد الناس بنيانا
وقال آخر:
لدوا للموت وابنوا للخراب
[ فكلكم يصير إلى ذهاب ]
ويقول القائل: ما تزيدك موعظتي الاشرا، وما أراها عليك إلاوبالا. ولا يجوز أن يحمل ذلك على لام الغرض والارادة، لوجهين: أحدهما - ان ارادة القبيح قبيحة ولاتجوز ذلك عليه تعالى. والثاني - لوكانت اللام لام الارادة لكان الكفار مطيعين لله من حيث فعلوا ما أراده الله وذلك خلاف الاجماع.
وقد قال الله تعالى: (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون) (ه وقال: (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع باذن الله)(6) وقال أبوالحسن الاخفش والاسكافي: في الآية تقديم وتأخير. وتقديره ولاتحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثما أنما نملي لهم خير لانفسهم. وهذا ضعيف،
---
(1) سورة القصص: آية 8.
(2) سورة الزمر: آية 8.
(3) سورة آل عمران: آية 156.
(4) العجز في الذيل من سمط الآلي: 92 وهو مثل سائر ينسب لشتيم بن خويلد الفزاري ولسماك بن عمرو الباهلي.
(5) سورة الذاريات: آية 56.
(6) سورة النساء: آية 63.

(3/59)


تفسير التبيان ج3
لانه كان يجب لوكان على التقديم، والتأخير أن تكون انما الاخيرة مفتوحة الهمزة لانها معمول تحسبن - على هذاالقول - وأن تكون الاولى مكسورة، لانها مبتدأة في اللفظ والتقديم والتأخير لايغير الاعراب عن استحقاقه وذلك خلاف ما عليه جميع القراء، فانهم أجمعوا على كسر الثانية. والاكثر على فتح الاولى.
ويمكن أن يقال: - نصرة لابي الحسن - أن يكون التقدير ولاتحسبن الذين كفروا قائلين: إنما نملي لهم ليزدادوا إثما، بل فليعلموا أنما نملي لهم خير لانفسهم. فيكون الحسبان قد علق، ولم يعمل. وتكون إنما الثانية كسرت، لانها بعد القول. وتكون في موضع نصب بالقول المقدر وتكون أنما الاولى منصوبة بالعلم المقدر الذي بيناه. وعلى هذا يجوز أن يكون الوعد عاما، ويكون الوعيد المذكور مشروطا بالمقام على الكفر.
وعلى الوجه الاول الذي حملنا اللام على العاقبة لابد من تخصيصها بمن علم منه انه لايؤمن، لانه لو كان فيهم من يؤمن لما توجه إليهم هذا الوعيد المخصوص وقال البلخي: معناه لاتحسبن الذين كفرواان املاء نا لهم رضاء بافعالهم، وقبول لها بل هو شر لهم، لانا نملي لهم وهم يزدادون إثما يستحقون به عذابا أليما. ومثله: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والانس)(1) أي ذرأنا كثيرا من الخلق سيصيرون إلى جهنم بسوء فعالهم و (ما) في قوله: (إنما) تحتمل أمرين: أحدهما - أن تكون بمعنى الذي والتقدير: إن الذي نمليه خير لانفسهم. والآخر - أن يكون ما نملي بمنزلة الاملاء فتكون مصدرا. وإذا كانت كذلك فلاتحتاج إلى عائد يعود إليها. والاملاء: طول المدة.
(فنملي لهم) معناه نطول أعمارهم. ومنه قوله: (واهجرني مليا)(2) أي حينا طويلا.
ومنه قوله: عشت طويلا، وتمليت حينا.
والملا: الدهر والملوان: الليل والنهار، لطول تعاقبهما.
واملاء الكتاب وانما أنكرتعالى أن يكون الاملاء خير لهم - وان
---
(1) سورة الاعراف: آية 178.
(2) سورة مريم: آية 46.

(3/60)


تفسير التبيان ج3
كانت نعمة دنيوية - من وجهين: أحدهما - قال الجبائي: أراد خيرمن القتل في سبيل الله، كشهداء أحد الثاني - قال البلخي: لاتحسبن ان ذلك خير استحقوه بفعلهم، أي لاتغتروا بذلك فتظنوا انه لمنزلة لهم، لانهم كانوا يقولون: إنه تعالى لو لم يرد ما هم عليه، لم يمهلهم.
قوله تعالى: (ماكان الله ليذر المؤمنين على ماأنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وماكان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فأمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم(179))
آية بلاخلاف.
قرأ حمزة والكسائي (يميز) - بالتشديد - الباقون بالتخفيف.
يقال: مازه يميزه، وميزه يميزه - لغتان -.
ومعنى الآية لم يكن الله ليدع المؤمنين على ماأنتم عليه، فلا يميز المؤمن من المنافق، والكافر (حتى يميز الخبيث من الطيب).
وقيل في معنى الخبيث ههنا: قولان: أحدهما قال مجاهد، وابن اسحاق، وابن جريج: هو المنافق.
قالوا: كما ميز المؤمن من المنافق يوم أحد. بالامتحان على مامضى شرحه.
الثاني - قال قتادة، والسدي: حتى يميز المؤمن من الكافر.
وسبب نزول الآية ماقاله السدي: إن المشركين قالوا: إن كان محمد صادقا فليخبرنا من يؤمن منا، ومن يكفر، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال قوم: إن كان يعلم المنافقين، فما حاجته إلى اختبارهم؟ فأنزل الله تعالى انه يميزهم.
وذلك يكون: تارة باختبارهم، وتارة بتعيينهم. والتمييز بين الكافر وبين المؤمن أو المنافق والمؤمن بالامتحان والاختبار في

(3/61)


تفسير التبيان ج3
تكليف الجهاد، ونحوه: مما يظهر به حالهم، وتنكشف ضمائرهم وقيل: بالدلالات، والعلامات التي يستدل بها عليهم من غير نص اعلام لهم فان قيل: هل اطلع نبيه صلى الله عليه وآله على الغيب؟ قلنا: عن ذلك جوابان: أحدهما - قال السدي: لا، ولكنه اجتباه، فجعله رسولا وقال ابن اسحاق: ولكن الله اجتبي رسوله باعلامه كثيرا من الغايبات. وهذا هو الاليق بالآية.
وقال الزجاج قوله: (ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء) سببه أن قوما قالوا: هلا جعلنا الله أنبياء؟ فأخبر الله تعالى أنه (يجتبي من رسله من يشاء) و (من) في الآية لتبيين الصفة لا للتبعيض، لان الانبياء كلهم مجتبون.
الآية: 180 - 189
قوله تعالى: (ولاتحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والارض والله بما تعملون خبير(180))
قرأ حمزة (ولاتحسبن) بالتاء المعجمة من فوق الباقون بالياء، وهو الاقوى، لان عليه أكثر القراء، فمن قرأ بالتاء، فالتقدير على قراء ته ولاتحسبن بخل الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خير لهم. وجاز حذف البخل مع الفصل لدلالة يبخلون عليه، كما يقال من كذب كان شرا له. والمعنى كان الكذب شرا له.
قال الشاعر:
إذا نهي السفيه جرى إليه
وخالف والسفيه إلى خلاف(1)
ومعناه خالف إلى السفه.
قال الزجاج: إنما تكون هو، وهما، وهم، وأنا وأنت، ونحن فصولا مع الافعال التي تحتاج إلى اسم وخبر، ولم يذكر سيبويه الفصل مع الابتداء، والخبر.
قال: ولو تأول متأول قوله الفصل هاهنا أنه يدل على أنه جائز في المبتدأ والخبر كان جائزا.
---
(1) معاني القرآن للقراء 1: 104 - 249. آمالي ابن الشجري 1: 68 - 113 - 305 و 2: 132 - 209 والانصاف: 63 والخزانة: 383.

(3/62)


تفسير التبيان ج3
قال: والقراء ة بالياء عندي هو الاجود ويكون الاسم محذوفا، قال: والقراء ة بالتاء لاتمتنع مثل قوله: (واسأل القرية)(1) وتقديره ولاتحسبن بخل الباخلين خيرا. ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها ما قاله السدي: إن المعنى بخلوا أن ينفقوا في سبيل الله كما بخلوا بمنع الزكاة.
وقيل إنها نزلت في أهل الكتاب بخلواأن يبينوه للناس - على قول ابن عباس - والوجه الاول أظهر لان أكثر المفسرين على أنها نزلت في مانعي الزكاة، وهو قول أبي جعفر (ع).
وقوله: (هو خيرالهم) فلفظة (هو) فصل، بين الاسم، والخبر على تقدير ولاتحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله البخل هو خيرا لهم فيمن قرأ بالياء.
وقوله: (سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة) قيل في معناه قولان: أحدهما - رواه ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله أنه شجاع أقرع يطوقونه، وهو المروي عن أبي جعفر (ع).
وقال ابراهيم النخعي: انهم يطوقون طوقا من نار.
وقال أبوعلي: هو كقوله: (يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لانفسكم)(2) وقال البلخي معناه سيجازون كأنهم طوقوا.
وقوله: (ولله ميراث السماوات والارض) معناه أنه يبطل ملك كل شئ إلا ملك الله، فيصير كالميراث لصحة الملك الثاني بعد زوال الاول وإن لم يكن في صفات الله على جهة الانتقال، لانه لم يزل مالكا (عزوجل) والبخل هو منع الواجب لانه تعالى ذم به وتوعد عليه، وأصله في اللغة مشقة الاعطاء، وإنما يمنع الواجب لمشقة الاعطاء.
---
(1) سورة يوسف: آية 82.
(2) سورة التوبة: آية 36.

(3/63)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الانبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق(181))
آية بلاخلاف.
قرأ حمزة وحده (سيكتب) بضم الياء. الباقون بالنون.
ذكر الحسن وقتادة: أن الذين نسبوا الله تعالى إلى الفقر وأنفسهم إلى الغناء هم قوم من اليهود لمانزل قوله: (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا)(1) قالوا إنما يستقرض الفقير من الاغنياء، فهو فقير ونحن أغنياء، والقائل لذلك حي بن أخطب وفنحاص اليهودي.
وقال أبوعلي الجبائي: هم قوم من اليهود، وانما قالوا ذلك من جهة ضيق الرزق.
وقيل: انهم قالوا ذلك تمويها على ضعفائهم لاأنهم اعتقدواأن الله فقير على الحقيقة.
وقيل: انهم عنوا بذلك إله محمد الذي يدعي أنه رسوله دون من يعتقدون هم أنه على الحقيقة.
فان قيل: كيف الحكاية عنهم بأنهم قالوا ذلك، وإنما قالوه على جهة الالزام دون الاعتقاد؟ قلنا: لانه إلزام باطل من حيث لايوجبه الاصل الذي الزموا عليه، لانه إنما قال تعالى: (من ذاالذي يقرض الله قرضا حسنا) على وجه التلطف في الاستدعاء إلى الطاعة، وحقيقته أن منزلة ماينفقون في وجوه البر كمنزلة القرض الذي يرجع إليكم ويضاعف به الاجر لكم مع أنهم أخرجوا ذلك مخرج الاخبار عن الاعتقاد. وفي الآية دلالة على أن الرضا بقبيح الفعل يجري مجراه في عظم الجرم، لان اليهود الذين وصفوا بقتل الانبياء لم يتولوا ذلك في الحقيقة، وإنما ذموا به، لانهم بمنزلة من تولاه في عظم الاثم.
وقوله: (سنكتب ماقالوا) قيل في معناه قولان: أحدهما - انه يكتب في صحائف أعمالهم، لانه أظهر في الحجة عليهم وأجرى ان يستحيوا من قراء ة ماأثبت من فضائحهم - على قول الجبائي -.
---
(1) سورة البقرة: آية 254 وسورة الحديد: آية 11.

(3/64)


تفسير التبيان ج3
الثاني - قال البلخي سيحفظ ما قالوا حتى يجازوا به أي هو بمنزلة ماقد كتب في أنه لايضيع منه شئ. والاول أظهر.
وقوله: (وذوقوا عذاب الحريق) يعني المحرق، والفائدة فيه ان يعلم أنه غذاب بالنار التي تحرق، وهي الملتهبة، لان مالم يلتهب لايسمى حريقا، وقد يكون العذاب بغير النار.
وقوله: (ذوقوا) يفيد أنكم لاتتخلصون من ذلك كمايقول القائل: ذق هذا البلاء يعني انك لست بناج منه.
قوله تعالى: (ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد(182))
آية.
المعنى: قوله: (ذلك) اشارة إلى ماتقدم ذكره من قوله: (ونقول ذوقوا عذاب الحريق. ذلك بما قدمت أيديكم) ومعناه بما جنيتموه على أنفسكم، فان الله لايظلم أحدا من عبيده، ولايبخسهم حقهم. وفيها دلالة على بطلان مذهب المجبرة، لانها تدل على أنه لو وقع العقاب من غير جرم سلف من العبد، لكان ظلما وذلك بخلاف مايذهبون إليه من أن الله تعالى يعذب الاطفال من غير جرم.
فان قيل: لم نفى كثرة الظلم على وجه لايدخل فيه القليل، وهلانفى على وجه العموم كقوله: (لايظلم مثقال ذرة)(1) وكقوله: (لايظلم الناس شيئا)(2) وقوله: (ولايظلمون فتيلا)(3) و (نفيرا)؟ قيل: لانه خرج مخرج الجواب لمن توهم مذهب المجبرة فدل على أنه لو كان على مايذهبون إليه، لكان ظلاما للعبيد، وما هو بظلام لهم.
---
(1) سورة النساء: آية 39.
(2) سورة يونس: آية 44.
(3) سورة النساء: آية 48 وسورة الاسرى: آية 71.

(3/65)


تفسير التبيان ج3
فان قيل: لم أضيف التقديم إلى أيديهم وإنما هولهم في الحقيقة؟ قيل: لانه إذاأضيف على هذه الطريقة كان أبعد من توهم الفساد في معنى الاضافة إذ قد يضاف الفعل إلى الانسان على معنى أنه أمر به ودعا إليه.
كما قال: (يذبح أبناء هم)(1) وإذا ذكرت اليد دل على تولي الفعل نحو قوله (أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا انعاما)(2).
الاعراب: (وان الله) انما فتح ان لانه معطوف على ماعملت فيه الباء، وتقديره وبأن الله ليس بظلام للعبيد أي ذلك العذاب بما سلف من الاجرام وبامتناع ظلم الله للعباد، فموضع أن جر وموضع الباء في قوله: (مما) رفع، لانها في موضع خبر ذلك وهي متصلة بالاستقرار كأنه قيل ذلك مستقر بما قدمت أيديكم، كما يقول القائل: عقابك مما كسبت يداك.
قوله تعالى: (الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألانؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاء كم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين(183))
آية.
المعني بقوله: ((الذين قالوا) هم الذين وصفهم الله بقوله: (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير. الذين قالوا إن الله عهد إلينا).
الاعراب والمعنى: والذين في موضع خفض ردا على قوله: (الذين قالوا إن الله فقير) ومعنى قولهم (إن الله عهد إلينا) أي أوصانا في كتبه، وعلى ألسن أنبيائه ألانصدق
---
(1) سورة القصص: آية 4.
(2) سورة يس: آية 71.

(3/66)


تفسير التبيان ج3
لرسول فيما يقوله: من أنه جاء به من عند الله من أمر ونهي، وغير ذلك، فالعهد: العقدالذي يتقدم به للتوثق، وهو كالوصية.
وقوله: (حتى يأتينا بقربان تأكله النار) معناه حتى يجيئنا بما يقرب به العبد إلى الله من صدقة وبر. وقربان مصدر على وزن عدوان، وخسران تقول قربت قربانا.
وأما قوله: (تأكله النار) فلان أكل النار ما قربه أحدهم لله في ذلك الزمان كان دليلا على قبول الله له، ودلالة على صدق المقرب فيما أدعى أنه حق فيما نوزع فيه - في قول ابن عباس، والضحاك -، فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله قل لهم يامعشرمن يزعم أن الله عهدإليه ألا يؤمن لرسول حتى يأتيه بقربان تأكله النار، قل: قد جاء كم رسل من الله من قبل.
المعنى: جاء أسلافكم بالبينات يعني بالحجج الدالة على صدق نبوتهم، وحقيقة قولهم: وقد ادعيتم أنه يدل على تصديق من أتى به والاقرار بنبوته من أكل النار قربانه، فلم قتلتموه إن كنتم صادقين؟ يعني قتلتموهم وأنتم مقرون بأن الذين جاء وكم به من ذلك حجة لهم عليكم إن كنتم صادقين فيما عهد إليكم مما ادعيتموه وأضاف القتل إليهم وإن كان أسلافهم تولوه لانهم رضوا بأفعالهم فنسب ذلك إليهم كما بيناه فيما تقدم في قوله تعالى: (ويقتلون النبيين بغير الحق)(1) فاراد الله أن يعلم المؤمنين ان هؤلاء معاندون متعنتون، وإلا فهم عالمون بصفات النبي صلى الله عليه وآله وما ذكره الله تعالى في التوراة وانه صادق فيما يدعيه، وإنما لم ينزل الله ما طلبوه لان المعجزات تابعة للمصالح وليست على الاقتراحات والتعنت. فان قيل هلا قطع الله عذرهم بالذي سألوا من القربان الذي تأكله النار؟ قيل: له لايجب ذلك لان ذلك اقتراح في الادلة على الله والذي يلزم من ذلك أن يزيح علتهم بنصب الادلة على ما دعاهم إلى معرفته.
---
(1) سورة البقرة: آية 61.

(3/67)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (فان كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤا بالبينات والزبر والكتاب المنير(184))
آية واحدة.
القراء ة، والحجة: قرأ ابن عامر وحده وبالزبر وكذلك هو في مصاحف أهل الشام.
الباقون بحذف الباء، فمن حذف فلان واو العطف أغنت عن تكرار العامل ومن أثبتها فانما كرر العامل تأكيدا، وكلاهما جيدان.
اللغة، والمعنى: وهذه الآية فيها تسلية للنبي صلى الله عليه وآله عما كان يصيبه من الاذى من اليهود وأهل الشرك بتكذيبهم إياه بأن قال فقد كذب أسلافهم من رسل الله من جاء هم بالبينات والحجج القاطعة، والادلة الواضحة. والزبر جمع زبور وهو البينات وكل كتاب فيه حكمة زبور.
ومنه قول امرئ القيس:
لمن طلل ابصرته فشجاني
كخط زبور في عسيب يمان(1)
ويقال زبرت الكتاب إذا كتبته، فهو مزبور وزبرت الرجل أزبره: إذا زجرته والزبرة: القطعة العظيمة من الحديد، ومنه قوله: (آتوني زبر الحديد)(2) والزبير: الحماة.
والزبرة مجتمع الشعر على كتف الاسد.
وزبرت البئر إذا أحكمت طيها بالحجارة، فهو مزبور وما لفلان زبر أي عقل، والكتاب المراد به التوراة والانجيل، لان اليهود كذبت عيسى، وماجاء به من الانجيل وحرفت ما جاء به موسى من صفة النبي صلى الله عليه وآله، وبدلت عهده إليهم فيه. والنصارى أيضا جحدت ما في الانجيل من نعته وغيرت ما أمرهم فيه به.
وقوله: (المنير) معناه الذي ينير، فينير الحق لمن اشتبه عليه، وهو حجة له. وإنما هو من النور، والاضاء ة يقال: قد أنارلك هذاالامر بمعنى أضاء لك وينير انارة فهومنير، وهذاقول
---
(1) ديوانه: 210 وروايته (الزبور في العسيب اليماني). الزبور الكتاب المزبور أي المكتوب بالمزبر وهو القلم. العسيب اليماني: سعف النخل.
(2) سورة الكهف: آية 97.

(3/68)


تفسير التبيان ج3
الحسن وابن جريج والضحاك، وأكثر المفسرين.
فان قيل: لم جمع بين الزبر والكتاب ومعناهما واحد؟ قلنا: لان أصلهما مختلف، فهو زبور لمافيه من الزجر عن خلاف الحق، وهو كتاب، لانه ضم الحروف بعضها إلى بعض، وسمي زبور داود لكثرة ما فيه من المواعظ والزواجر.
فان قيل: كيف قال (فان كذبوك، فقد كذب رسل من قبلك) وهم وان لم يكذبوه أيضا، فقد كذب رسل من قبله؟ قلنا: لان المعنى فقد جروا على عادة من قبلهم في تكذيب أنبيائهم إلا أنه ورد على وجه الايجاز كما تقول: إن أحسنت إلي فقد طالما أحسنت.
قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار ودخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلامتاع الغرور(185))
آية بلاخلاف.
لايجوز أن يجعل (ما) في (إنما) بمعنى الذي وترفع أجوركم، لان يوم القيامة يصير من صلة توفون وتوفون من صلة الذين فلا يأتي ما في الصلة بعد أجوركم. وأجوركم خبر، ومعنى الآية إن مصير هؤلاء المفترين على الله من اليهود المكذبين برسوله الذين وصفهم، ومصير غيرهم من جميع الخلق إليه تعالى من حيث حتم الموت على جميعهم، فقال لنبيه صلى الله عليه وآله لايحزنك قولهم وتكذيبهم وافتراء من افترى منهم على الله وعليك، وتكذيب من تقدمك من الرسل.
فان مرجعهم إلي وأوفي كل نفس منهم جزاء عمله، فقال: توفون أجوركم يعني أجور أعمالكم إن خيرا فخيرا وثوابا. وإن شرا فشرا وعقابا، وهو نصب على أنه مفعول به.
وقوله: (فمن زحزح عن النار) معناه نحي عن النار، وأبعد منها (وادخل الجنة فقد فاز) أي نجا وظفر بعظيم الكرامة. وكل من لقي ما يغتبط به فقد فاز، ومعنى (فاز) تباعد من المكروه، ولقي مايحب.
والمفازة: مهلكة. وإنما سموها مفازة

(3/69)


تفسير التبيان ج3
أي منجاة كما سموا اللديغ سليما، والاعمى بصيرا. وظاهر الآية يدل على أن كل نفس تذوق الموت، وإن كانت مقتولة - على قول الرماني - ونحن وإن قلنا: إن الموت غير القتل، فلابد أن نقول: إن المقتول يختار الله أن يفعل فيه الموت إذا كان في فعله مصلحة.
وقوله: (وما الحياة الدنيا إلامتاع الغرور) معناه وما لذات الدنيا، وشهواتها، ومافيها من زينتها إلا متعة متعكموها الغرور، والخداع: المضمحل الذي لاحقيقة له عند الاختبار والامتحان، لانكم تلتذون بما يمتعكم الغرور من دنياكم، ثم هو عائد عليكم بالفجائع والمصائب، فلا تركنوا إليه، ولا تسكنوا، فانما هي غرور وإنما أنتم منها في غرور.
وقال عكرمة: متاع الغرور، القوارير، وهي في الاصل كل متاع لابقاء له، وإنما وصفت الحياة الدنيا بأنها متاع الغرور مع كشفها عن حالها، لانها بمنزلة من يغتر بالمحبوب ويبذل ما فيه الفرح والسرور، ليوقع في بلية تؤدي إلى هلكة، مبالغة في التحذير منها - على منا بيناه - وفي الآية دلالة على أن أقل نعيم من الآخرة خير من نعيم الدنيا بأسره ولذلك قال صلى الله عليه وآله: (موضع سوط في الجنة خير من الدنيا، ومافيها) واستدل بهذه الآية على أن القتل هوالموت على الحقيقة.
ومنهم من قال في المقتول: موت، وقتل وللمخالف أن يقول: يمكن أن تكون الآية مخصوصة بمن يموت، ولايقتل كما قال: (كل نفس بما كسبت رهينة)(1) وهي مختصة بالعقلاء البالغين، ويمكن أن يكون المراد كل نفس تعدم الحياة، فيكون ذلك على وجه الاستعارة. ذكره البلخي.
وقوله: (ذائقة الموت) مجاز، لان الموت لايذاق في الحقيقة، لان ذلك مشهور في كلامهم يقولون: ذاق الموت، وشرب بكأس المنون، لانه بمنزلة مايذاق بذوق شدائده. والفرق بين الذوق وإدراك الطعم أن الذوق تقريب جسم المذوق إلى حاسة الذوق، والادراك للطعم هو وجدانه(2) وإن لم يكن هناك احساس، ولذلك يوصف تعالى بأنه مدرك للطعم ولايوصف بأنه ذائق له.
---
(1) سورة المدثر: آية 38.
(2) في المخطوطة: (هو وجدك به..)

(3/70)


تفسير التبيان ج3
ويقولون: ذقته فلم أجد له طعما أي لابس فمي فلم أحس له طعما.
قوله تعالى: (لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فان ذلك من عزم الامور(186))
آية.
قوله: (لتبلون) معناه لتختبرن أي توقع عليكم المحن، وتلحقكم الشدائد في أنفسكم، وأموالكم من قبل الكفار نحو ما نالهم من الشدائد في أنفسهم يوم أحد، ونحو ما كان الله يفعل بهم من الفقر وشدة العسر، وانمافعله ليصبروا وسماه بلوى مجازا، لان حقيقته لاتجوز عليه تعالى، لانها التجربة في اللغة. ويتعالى الله عن ذلك، لانه عالم بالاشياء قبل كونها. وإنما فعله ليتميز المحق منكم من غيره - هذا قول أبي علي الجبائي -.
وقال البلخي: معناه لتبلون بالعبادات في أنفسكم كالصلاة والصيام وغيرهما. وفي أموالكم من الانفاق في سبيل الله والزكوات، ليتميز المطيع من العاصي. واللام لام القسم. والنون دخلت مؤكدة، وضمت الواو لسكونها، وسكون النون. ولم تنصب لانها واو الجمع فرقا بينها وبين واو الاعراب.
ويقال للواحد، لتبلين يارجل وللاثنين لتبليان. ويفتح الياء في لتبلين في الواحد عند سيبويه لسكونها وسكون النون. وفي قول غيره تبنى على الفتح لضم النون إليها. كما يبنى ماقبل هاء التأنيث. وللمرأة لتبلين وللمرأتين لتبليان وللنساء لتبتلينان. زيدت الالف لاجتماع النونات.
وقوله: (ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا) يعني ما سمعوه من اليهود ومن كفار مكة وغيرهم من تكذيب النبي صلى الله عليه وآله ومن الكلام الذي يغمهم ويكرثهم ثم بين تعالى بقوله: (وإن تصبروا وتتقوا) إنكم ان صبرتم على ذلك وتمسكتم بالطاعة ولم تجزعوا عنده جزعا يبلغ الاثم، (فان ذلك من عزم الامور) ومعناه من جزم الامور، أي ما بان رشده وصوابه.

(3/71)


تفسير التبيان ج3
ووجب على العاقل العزم عليه. وأذى مقصور. ويكتب بالياء يقال أذى يأذى أذى: إذاسمع مايسوء ه وقد آذاني فلان يؤذيني إيذاء ا وتأذيت به تأذيا.
وقال عكرمة وغيره: إن هذه الآيات كلها نزلت في فنحاص اليهودى سيد بني قينقاع حين كتب النبي صلى الله عليه وآله إليه يستمده، فقال فنحاس: قد احتاج ربكم أن نمده.
وهو القائل: (إن الله فقير ونحن اعنياء)(1) ونزلت فيه أيضا (لاتحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شرلهم)(2) وقال الزهري: الآية نزلت في كعب بن الاشراف، وكان يهجو النبي صلى الله عليه وآله، والمؤمنين ويحرض المشركين عليهم حتى قتله محمد بن مسلمة غيلة. والبلوى التي ابتلوا بها، قال الحسن: هي فرائض الدين من الجهاد في سبيل الله، والنفقة في طاعة الله، والتمسك بما يجب لله في كلما أمر به ودعا إليه.
قوله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولاتكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون(187))
آية بلا خلاف.
القراء ة والحجة: قرأ ابن كثيرو أبوعمرو وأبوبكر عن عاصم ((ليبيننه للناس ولايكتمونه) بالياء فيهما. الباقون بالتاء فيهما، فمن قرأبالياء، فلانهم غيب. ومن قرأ بالتاء حكى المخاطبة التي كانت في وقت أخذ الميثاق (ولتبيننه) لجماعة الرجال وللواحد تفتح النون.
---
(1) سورة آل عمران: آية 181.
(2) سورة آل عمران: آية 180.

(3/72)


تفسير التبيان ج3
المعنى: والمعني به اذكروا (إذا أخذالله) منهم الميثاق ليبينن أمر نبوة النبي صلى الله عليه وآله ولايكتمونه (فنبذوه وراء ظهورهم) أي رموابه في قول ابن عباس، ولم يعملوا به وإن كانوا مقرين به.
ويقال لمن يطرح الشئ ولايعبأبه رميته بظهر، قال الفرزدق:
تميم بن قيس لاتكونن حاجتي
بظهر ولايعياعلي جوابها(1)
أي لاتتركنها، لاتعبأ بها، فاخبر الله تعالى عما حمل اليهود الذين كانوا رؤساء على كتمان أمر النبي صلى الله عليه وآله، فقال: (واشتروا به ثمنا قليلا) أي قبلوا على ذلك الرشا، وقامت لهم بذلك رئاسة اكتسبوها فذلك حملهم على الكفر بما يخفونه، ثم ذم تعالى أفعالهم بقوله: (فبئس مايشترون) لان مايكون عاقبته الهلاك والعقاب الدائم، وان كان نفعا عاجلا، فهو بئس الشئ.
وقال ابن عباس وسعيد ابن جبير وعكرمة والسدي وابن جريج ان المعني بهذه الآية فنحاص اليهودي، وأصحابه الذين كتموا أمر النبي صلى الله عليه وآله ومابينه الله في التوراة.
وقال قتادة وكعب وعبدالله بن مسعود هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم كافة، فمن علم شيئا فليعلمه وإياكم وكتمان العلم، فان كتمانه هلاك.
وقال الجبائي: المعني بالآية اليهود والنصارى.
وقال الحسن (لتبيننه ولاتكتمونه) معناه لتكلمن بالحق ولتصدقنه بالعمل.
والميثاق الذي ذكره الله في الآية هو الايمان التي أخذها عليهم أنبياؤهم ليبينن مافي كتبهم من الاخبار والآيات الدالة على نبوة النبي صلى الله عليه وآله ولايكتمونه. والهاء في (ليبيننه) عائدة على محمد صلى الله عليه وآله في قول سعيد بن جبير والسدي، فيعود على معلوم غير مذكور.
---
(1) ديوانه 1: 95 وروايته:
عم بن زيد لاتهونن حاجتي
لديك ولايعيا علي جوابها
وفي اللسان وفى الاغاني الصدر كما في الديوان والعجز هكذا: (بظهر فلا يخفى علي جوابها) ومعناه أي لاتجبني بجواب لاأدري ماهو.

(3/73)


تفسير التبيان ج3
وقال الحسن وقتادة: قي عائدة على الكتاب فيدخل فيه بيان أمر النبي صلى الله عليه وآله لانه في الكتاب.
قوله تعالى: (لاتحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم(188))
آية بلاخلاف.
القراء ة والحجة والاعراب: قرأأهل الكوفة ويعقوب (لاتحسبن) بالتاء وفتح الباء، وقرأ ابن كثير وأبوعمرو بالياء، وضم الباء. الباقون بالياء وفتح الباء. (وتحسبنهم) الاخير بالتاء بلاخلاف.
قال أبوعلي من قرأبالياء، لم يوقع يحسبن على شئ، (والذين) رفع بأنه فاعل (لاتحسبن) قال: ووجه قراء ة ابن كثير وأبي عمرو في أن لم يعديا (حسبت) إلى مفعوليه ان (يحسب) في قوله: (فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب) لما جعل بدلا من الاول وعدي إلى مفعوليه استغنى بها في تعدية الاول إليهما كما استغنى في قوله الشاعر:
بأي كتاب أم بأية سنة
ترى حبهم عارا علي وتحسب
فاكتفى بتعدية أحد الفعلين إلى المفعولين عن تعدية الآخر إليها.
فان قال قائل: كيف يستقيم تقدير البدل، وقد دخل الفاء بينهما، ولايدخل بين البدل والمبدل منه الفاء؟ والجواب أن الفاء زائدة، يدلك على ذلك أنها لايجوز أن تكون التي تدخل على الخبر، لان ماقبل الفاء ليس بمبتدأ، فتكون الفاء خبره، ولاتكون العاطفة، لان المعنى (لاتحسبن الذين يفرحون بماأتوا) ويحبون أنفسهم " بمفازة من العذاب " فاذاكان ذلك لم يجز تقدير العطف، لان الكلام لم يستقل بعد فيستقيم فيه تقدير العطف.

(3/74)


تفسير التبيان ج3
وأماقوله: " فلا تحسبنهم " فان فعل الفاعل الذي هو يحسبون تعدى إلى ضميره، وحذفت واو الضمير لدخول النون الثقيلة.
وقوله: (بمفازة من العذاب) في موضع المفعول الثاني، وفيه ذكر المفعول الاول. وفعل الفاعل في هذا الباب يتعدى إلى ضمير نفسه نحو ظننتني أخاه، لان هذه الافعال لماكانت تدخل على الابتداء والخبر أشبهت (إن) واخواتها في دخولهن على الابتداء والخبر كدخول هذه الافعال عليهما، وذلك نحو قولك: ظننتني ذاهبا، كما تقول: إني ذاهب، ولو قلت أظن نفسي تفعل، لم يجز كمايجوز أظننتني فاعلا.
وقال أبوسعيد الخدري، وأبووهب، والزجاج: المعني بهذه الآية قوم من أهل الكتاب دخلوا على النبي صلى الله عليه وآله وخرجوا من عنده، فذكروا لمن كان رآهم في ذلك الوقت أن النبي صلى الله عليه وآله قد أتاهم باشياء قد عرفوها، فحمدهم من شاهدهم من المسلمين على ذلك، وأظهروا خلاف ما أبطنوا، وأقاموا فيمابعد على الكفر، فأعلم الله تعالى نبيه أنهم ليسوا بمفازة أي ليسوا ببعد من العذاب. وقيل معناه ليسوا بمنجاة من العذاب، ووقعت، " فلا تحسبنهم " مكررة لطول القصة كما يقولون: لاتظنن زيدا إذا جاء ك كلمك بكذا وكذا، فلا تظننه صادقا، فيعيد فلا تظننه توكيدا، واعلاما ان ذلك يتعلق بالاول، ولو لم يكرر كان جائزا، لكن مع التأكيد أوضح.
وقوله: " ويحبون أن يحمدوا بمالم يفعلوا " قال البلخي: إنهم قالوا: " نحن أبناء الله وأحباؤه "(1) وأهل الصوم والصلاة وليسوا بأولياء الله، ولاأحباؤه، ولاأهل الصلاة والصيام، ولكنهم أهل شرك ونفاق. وهو المروي عن أبي جعفر (ع).
وقال قوم: " يحبون أن يحمدوا " على أنهم أبطلوا أمر محمد صلى الله عليه وآله، وكذبوا ماأبطلوه، ولالهم قدرة على ذلك.
النزول، والمعنى: وروي عن ابن عباس، وسعيد أن الآية نزلت في اليهود حيث كانوا يفرحون باجلال الناس لهم ونسبهم إياهم إلى العلم.
---
(1) سورة المائدة: آية 20.

(3/75)


تفسير التبيان ج3
وقال الضحاك، والسدي: نزلت في اليهود حيث فرحوا بما أثبتوا من تكذيب النبي صلى الله عليه وآله.
وقال سعيدبن جبير: فرحوا بما أتى الله آل ابراهيم.
وقال ابن عباس: إن النبي صلى الله عليه وآله سألهم عن شئ، فكتموه ففرحوا بكتمانهم، وأقوى هذه الاقوال أن يكون قوله: " لاتحسبن الذين يفرحون " يعني بها من أخبر الله عنهم أنه أخذ ميثاقهم ليبينن للناس أمر محمد صلى الله عليه وآله، ولايكتمونه، لان قوله: " لاتحسبن الذين يفرحون " في سياق الخبر عنهم وشبيه بقصتهم مع أن أكثر أهل التأويل عليه.
وقال الجبائي: الآية في المنافقين، لانهم كانوا يعطون المؤمنين شيئا يستعينون به على الجهاد لا على وجه القربة إلى الله بل على وجه الرياء ويفرحون بذلك، ويريدون مع ذلك أن يحمدوا على ذلك ويعتقد أنهم فعلوه لوجه القربة، فقال: " لاتحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا " بمنزلة المؤمنين الذين يفعلون الافعال لله على وجه القربة إليه.
وقال: " فلا تحسبنهم " مع ذلك بمنجاة " من العذاب " بل " لهم عذاب أليم " يعني مؤلم فحسبان الثاني متعلق بغير ماتعلق به الاول، فلذلك كرر.
فان قيل: أين خبر " لاتحسبن " الاولى؟ قلنا: عنه جوابان: أحدهما - " بمفازة من العذاب "، لانها مكررة لطول الكلام. وقيل: الفاء زائدة على هذا، وهوقول الزجاج.
والثاني - ان الخبر محذوف، كأنه قال ناجين، ودل الخبر الاخير عليه.
فان قيل: كيف يجوز أن يذم بالفرح وليس من فعل الانسان؟ قلنا ذم بالتعرض له على جهة الاشر والبطر كما قال: " لايحب الفرحين ".
قوله تعالى: (ولله ملك السماوات والارض والله على كل شئ قدير(189))
آية بلا خلاف.

(3/76)


تفسير التبيان ج3
معنى الآية الاخبار من الله تعالى بأنه مالك مافي السماوات، ومافي الارض بمعنى أنه يملك تدبيرهما، وتصريفهما على ماشاء من جميع الوجوه ليس لغيره الاعتراض عليه في ذلك وانه المقتدر على جميع ذلك " وهو على كل شئ قدير "، وفى الآية تكذيب لمن قال: " إن الله فقير ونحن أغنياء "(1) لان من ملك مافي السماوات والارض لايكون فقيرا.
وفي قوله: (والله على كل شئ قدير) تنبيه على أنه قادر على إهلاك من يقول هذا القول جهلا منه وعنادا، لكنه يحلم عنه ويؤخر عذابه لضرب من المصلحة وقوله: " على كل شئ قدير " خرج مخرج المبالغة، وهو أخص من قوله: " بكل شئ عليم " لان أفعال العباد لا توصف بالقدرة عليها، وفرق الرماني بين أن يقال هو قادر على أفعال العباد، وبين قادر على فعلهم، فقال قادر عليها يحتمل مالا يحتمل قادرعلى فعلهم، لانه يفيد أنه قادر على تصريفه كما يقولون فلان قادر على هذاالحجر أي قادر على رفعه، ووضعه، وفلان قادر على نفسه أي قادر على ضبطها، ومنعها مما تنازع إليه، فعلي هذا جائز أن يقال انه قادر على أفعال العباد بمعنى أنه قادرعلى المنع منها، والتمكين منها دون ما يستحيل من القدرة على ايجادها.
---
(1) سورة آل عمران: آية 181.

(3/77)


تفسير التبيان ج3
الآية: 190 - 200
قوله تعالى: (إن في خلق السماوات والارض واختلاف الليل والنهار لآيات لاولي الالباب(190))
آية.
في هذه الآية دلالة على وجوب النظر والفكر، والاعتبار بمايشاهد من الخلق والاستدلال على الله تعالى، ومدح لمن كانت صفته هذه، ورد على من أنكر وجوب ذلك، وزعم أن الايمان لايكون إلا تقليدا وبالخبر، لانه تعالى أخبر عما في خلق السماوات والارض، واختلاف الليل والنهار من الدلالات عليه وعلى وحدانيته، لان من فكر في السماوات وعظمها وعجائب مافيهامن النجوم والافلاك، ومسيرذلك على التقدير الذي تسير عليه، وفكر في الارض ومافيها من ضروب المنافع، وفي اختلاف الليل والنهار ومجيئهما بالاوقات والازمنة التي فيها المصالح، واتساق ذلك وانتظام بعضهاإلى بعض، وحاجة بعضها إلى بعض حتى لو عدم شئ منه لم يقم ماسواه (مقامه)(1) علم أن ذلك لايكون إلا من مدبر قادر عليم حكيم واحد، لانه لو كان قادرا، ولم يكن عالما بالعواقب لما أغنت القدرة شيئا، ولو كان عالماغير حكيم في فعله لماأغنى العلم شيئا، ولو كانا اثنين ماانتظم تدبير، ولاتم خلق، ولعلا بعضهم على بعض، كما قال تعالى: " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا "(2) فكيف ينسب إلى الفقر من كان جميع مافي السماوات والاض بيده، أم كيف يكون غنيا من كان رزقه بيد غيره إذاشاء رزقه وإذا شاء حرمه، ويدل على أن خالق الجسم لايشبهه، لانه لو أشبهه لكان محدثا مثله، ويدل على أنه قديم، لانه لوكان محدثا لاحتاج إلى محدث ولادى ذلك إلى مالايتناهى ويدل أيضا على أنه قادر على جميع الاجناس، لانه من قدر على الجسم يقدر على سائر الاجناس، ووجه الدلالة من خلق السماوات والارض على الله هو ان الانسان إذا فكر ورأى عظمها، وثقل الارض ووقوفها على غير عمد يقلها، وحركة السماوات حولها لاعلى شئ يدعمها، علم أن الممسك لذلك هو الذي لايشبه الاجسام ولا المحدثات، لانه لو اجتمع جميع الخلق على أن يمسكوا جسما خفيف المقدار، ويقلوه في الجو من غير أن يدعموه لماقدروا عليه، فعلم حينئذ ان الذي يقدر عليه مخالف لجميع الاشياء وعلم أيضا أنها لو كانت السماوات والارض معتمدة على غيرها لكان ذلك الغير يحتاج إلى مايعتمد عليه وفي ذلك اثبات مالايتناهى من الاجسام، وذلك محال فهذاأحد وجوه دلالة السماوات والارض، وهو أحد
---
(1) هكذا في المخطوطة (أ) وفي المطبوعة ما بين القوسين ساقط، والمخطوطة (ب) ناقصة في هذا المكان أوراقا كثيرة.
(2) سورة الانبياء: آية 22.

(3/78)


تفسير التبيان ج3
ماقال (إن في ذلك لآيات لاولي الالباب) ووجه الدلالة من اختلاف الليل والنهار هوأن جميع الخلق لو اجتمعوا على أن يأتوا بالليل بدلامن النهار، أو النهار بدلا من الليل أوينقصوا، أو يزيدوا من أحدهما في الآخر لماقدروا عليه، كما قال: (قل أرأيتم ان جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون قل أرأيتم ان جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون. ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله) الآية(1)
وقوله: (لاولي الالباب) معناه لذوي(2) العقول.
واللب: العقل سمي به لانه خير مافي الانسان واللب من كل شئ خيره، وخالصه.
فان قيل: فما وجه الاحتجاج بخلق السماوات [ والارض ](3) على الله ولم يثبت بعد انها مخلوقة قيل عند ثلاثة أجوبة:
أولها - على تقدير اثبات كونها مخلوقة قبل الاستدلال به لان الحجة به قامت عليه من حيث أنها لم تنفك من المعاني المحدثة.
الثاني - أن الغرض ذكر ما يوجب صحة الذي تقدم ثم يترقى من ذلك إلى تصحيح ما يقتضيه على مراتبه، كالسؤال عن الدلالة على النبوة فيقع الجواب بذكر المعجزة دون ما قبلها من الرتبة.
الثالث - أن تعاقب الضياء والظلام يدل على حدوث الاجسام.
قوله تعالى: (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والارض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار(191))
آية بلاخلاف
---
(1) سورة القصص: آية 71 - 72.
(2) في المخطوطة زيادة (والفكر) في هذا الموضع.
(3) في المطبوعة مابين القوسين ساقط.

(3/79)


تفسير التبيان ج3
موضع (الذين) خفض، لانه نعت (لاولي الالباب) أي فهؤلاء يستدلون على توحيد الله بخلقه السماوات والارض، وأنهم يذكرون الله في جميع أحوالهم قياما وقعودا، وهو نصب على الحال.
وقوله (وعلى جنوبهم) أي ومضطجعين، وانما عطف على قياما وقعودا، لان معناه يدل على الحال، لان الظرف يكون حالا للمعرفة كما يكون نعتا للنكرة، لانه من الاستقرار (كما تقول: مررت برجل على الحائط أي مستقرا على الحائط، ومررت برجل في الدار مثله، كما نقول أنا أصير إلى فلان ماشيا، وعلى الخيل، ومعناه وراكبا، كما(1) قال: (إذا مس الانسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما)(2) ومعناه مضطجعا أو قائما أو قاعدا فبين تعالى أن هؤلاء المستدلين على حقيقة توحيد الله يذكرون الله في سائر الاحوال.
وقال قوم: (يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم) أي يصلون على قدر إمكانهم في صحتهم وسقمهم، وهو المروي في أخبارنا، ولاتنافي بين التأويلين، لانه لايمتنع أن يصفهم بأنهم يفكرون في خلق السماوات والارض في هذه الاحوال ومع ذلك يصلون على هذه الاحوال في أوقات الصلوات، وهو قول ابن جريج وقتادة.
وقوله: (ربنا ماخلقت هذا باطلا) انما قال هذا ولم يقل هذه ولاهؤلاء، لانه أراد به الخلق كأنه قال ماخلقت هذا الخلق باطلا(3) أي يقولون (ربنا ما خلقت هذا باطلا) بل خلقته دليلا على وحدانيتك وعلى صدق ماأتت به أنبياؤك، لانهم يأتون بما يعجز عنه جميع الخلق.
وقوله: (سبحانك) معناه براء ة لك من السوء وتنزيها لك من أن تكون خلقتهما باطلا قال الشاعر:
أقول - لما جاء ني فخره -
سبحان من علقمة الفاخر(4)
---
(1) مابين القوسين ساقط من المخطوطة (أ).
(2) سورة يونس: آية 12.
(3) في المخطوطة نقص سطر في هذا الموضع.
(4) قائله اعشى بني تغلب. ديوان الاعشى الكبير: 143، القصيدة 18، واللسان (سبح).

(3/80)


تفسير التبيان ج3
وقال آخر:
سبحانه ثم سبحانا يعود له
وقبلنا سبح الجودي والجمد(1)
وقوله: (فقنا عذاب النار) أي فقد صدقنا رسلك بأن لك جنة ونارا فقنا عذاب النار.
ووجه اتصال قوله (فقناعذاب النار) بما قبله قيل فيه قولان: أحدهما - كأنه قال: (ما خلقت هذا باطلا) بل تعريضا للثواب بدلا من العقاب (فقنا عذاب النار) بلطفك الذي نتمسك معه بطاعتك. الثاني - اتصال الدعاء الذي هو طاعة لله بالاعتراف الذي هو طاعة له.
وفي الآية دلالة على أن الكفر والضلال وجميع القبائح ليست خلقا لله، لان هذه الاشياء كلها باطلة بلاخلاف. وقد نفى الله تعالى بحكايته عن أولي الالباب الذين رضي أقوالهم بأنه لاباطل فيما خلقه، فيجب بذلك القطع على أن القبائح كلها من فعل غيره، وأنه لايجوز اضافتها إليه تعالى.
قوله تعالى: (ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار(192))
آية.
وهذه أيضا حكاية عن أولي الالباب الذين وصفهم بانهم أيضا يقولون (ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته) أي من ناله عذاب النار ومافيهامن الذل والمهانة فهو المخزى.
وقال ابن جريج، وقتادة، وأنس بن مالك، وسعيد بن المسيب: الاخزاء يكون بالتأييد فيها.
وقال جابر بن عبدالله: إن الخزي يكون بالدخول فيها.
وروى عنه عمروبن دينار وعطا أنه قال: وما أخزاه من أحرقه بالنار إن دون ذا لخزيا، وهذا هو الاقوى، لان الخزي إنما هو هتك المخزى، وفضيحته، ومن عاقبه الله على ذنوبه،، فقد فضحه وذلك هو
---
(1) اللسان: (سبح) نسبه لامية.

(3/81)


تفسير التبيان ج3
الخزي، ولاينافي ذلك ما نذهب إليه من جواز العفو عن المذنبين، لانه تعالى إذا عفا عن العاصي لايكون أخزاه وان أدخله النار ثم أخرجه منها بعد استيفاء العقاب، فعلى قول من قال: الخزي يكون بالدوام لايكون أخزاه، ومن قال يكون بنفس الدخول، له أن يقول: إن ذلك وإن كان خزيا، فليس مثل خزي الكفار، وما يفعل بهم من دوام العقاب، وعلى هذا يحمل قوله تعالى: (يوم لايخزي الله النبي والذين آمنوا معه)(1)
وقوله: (وما للظالمين من أنصار) معناه ليس للظالمين من يدفع عنهم على وجه المغالبة والقهر، لان الناصر هوالذي يدفع عن المنصور على وجه المغالبة ولاينافي ذلك الشفاعة في أهل الكبائر لان الشفاعة هي مسألة وخضوع وضرع إلى الله تعالى، وليست من النصرة في شئ وقوله صلى الله عليه وآله (يخرجون من النار بعد مايصيرون حمما وفحما) صريح بوقوع العفو عن مرتكبي الكبائر وتأول الرماني الخبر تأويلين: أحدهما - أنه لولا الشفاعة، لواقعوا كبيرة يستوجبون بها الدخول فيها، فيخرجون بالشفاعة على هذا الوجه، كما يقال أخرجتني من السلعة إذا كان لولا مشورته، لدخل فيها بابتياعه إياها. الثاني - لولا الشفاعة، لدخلوها بما معهم من الصغيرة ثم أخرجوا عنها إلى الجنة.
والاول فاسد، لانه مجاز. والثاني - ليس بمذهب لاحد من القائلين بالوعيد لان الصغيرة تقع مكفرة لاعقاب عليها فكيف يدخل بها النار.
قوله تعالى: (ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للايمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الابرار(193))
آية بلاخلاف.
---
(1) سورة التحريم: آية 8.

(3/82)


تفسير التبيان ج3
في هذه الآية أيضا حكاية عمن تقدم وصفهم بأنهم أولوا الالباب وغير ذلك من الاوصاف التي مضت بأنهم يقولون: (ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للايمان) واختلفوا فيمن المنادي ههنا، فقال محمد بن كعب القرظي وقتادة: هو القرآن.
وقال ابن جريج وابن زيد: هو رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو الذي اختاره الجبائي، واختار الطبري الاول قال: لانه ليس كل أحد سمع قول النبي صلى الله عليه وآله ولا رآه ولاعاينه وسمع دعاء ه إلى الله تعالى. والقرآن سمعه من رآه ومن لم يره كما قال تعالى مخبرا عن الجن انهم قالوا: (سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد) وهذاالذي ذكره ليس بطعن، لانه إذا بلغه دعوة النبي صلى الله عليه وآله جاز أن يقول (سمعنا مناديا) وإن كان فيه ضرب من التجوز، وقال قتادة سمعوا دعوة من الله فأجابوهاو أحسنوا فيها وصبروا عليها.
وقوله: (سمعنا مناديا) يعني نداء مناد لان المنادي لايسمع وقوله: (للايمان) معناه إلى الايمان، كما قال: (الحمدلله الذي هدانا لهذا)(1) ومعناه إلى هذا قال الراجز:
أوحى لها القرار فاستقرت
وشدها بالراسيات الثبت(2)
يعني أوحى إليها.
ومنه قوله: (بأن ربك أوحى لها)(3) أي إليها، فمعنى الآية (ربنا اننا سمعنا) داعيا يدعو إلى الايمان والتصديق بك، والاقرار بوحدانيتك، واتباع رسولك واتباع أمره ونهيه، فصدقنا بذلك يا (ربنا فاغفر لنا ذنوبنا) ومعناه استرها علينا، ولاتفضحنا بها في القيامة على رؤوس الاشهاد بعقوبتك، لكن كفرها عنا (وكفر عنا سيئآتنا) معناه امحها بفضلك ورحمتك ايانا (وتوفنا مع الابرار) معناه واقبضنا إليك إذا قبضتنا في جملة الابرار، واحشرنا معهم.
---
(1) سورة الاعراف: آية 42.
(2) انظر 2: 459 تعليقة.
(3) سورة الزلزال: آية 5.

(3/83)


تفسير التبيان ج3
اللغة، والمعنى: والابرار جمع بر، وهم الذين بروا الله بطاعتهم إياه حتى أرضوه، فرضي عنهم.
وقال الحسن: هم الذين لايؤذون الذر وأصل البر الاتساع، فالبر الواسع من الارض خلاف البحر والبرصلة الرحم والبر: العمل الصالح.
والبر: الحنطة والابرار على الخصم الزيادة عليه.
وابتر من أصحابه إذا انفردمنهم.
فان قيل: إذاكان النداء إنما هو تنبيه المنادى ليقبل بوجهه على المكلم له، فما معنى ربنا؟ قلنا: الاصل في النداء تنبيه المنادى ثم استعمل في استفتاح الدعاء اقتضاء للاجابة واعترافا بالتفضل، ولايجوز فتح (أن) بعد ربنا بايقاع النداء عليه، لان بعده لايكون إلا جملة ولايقع فيه مفرد، لانه لايجوز ربنا ادخالك النار من أخزيته، لانه ابتداء لاخبر له.
فان قيل: ما معنى قوله: " وكفرعنا " وقد أغني عنه قوله: " فاغفرلنا " قلنا: جوابان: أحدهما - اغفرلنا ذنوبنا ابتداء بلاتوبة، وكفر عنا إن تبنا. والثاني - اغفر لنا بالتوبة ذنوبنا، وكفر عنا باجتناب الكبائر السيئآت، لان الغفران قد يكون ابتداء ومن سبب والتكفير لا يكون إلا عند فعل من العبد وقوله: " ان آمنوا " تحتمل ان أمرين: أحدهما - أن تكون بمعنى أي على ما ذكره الرماني. والثاني - أن تكون الناصبة للفعل، لانه لايقع في مثله دخول الباء نحو بأن آمنوا.
قوله تعالى: (ربنا آتنا ما وعدتنا على رسلك ولاتخزنا يوم القيامة إنك لاتخلف الميعاد(194))
آية بلاخلاف.
فهذه أيضا حكاية عمن تقدم وصفهم بأنهم يقولون أعطنا ماوعدتنا على

(3/84)


تفسير التبيان ج3
لسان رسلك من الثواب ولاتخزنا. والمخزي في اللغة المذل، المحقور بأمر قد لزمه بحجة تقول أخزيته أي ألزمته حجة أذللته معها، والخزي والانقماع والارتداع متقاربة المعنى، والخزاية شدة الاستحياء.
وقوله (إنك لاتخلف الميعاد) استئناف كلام ولذلك كسرت (إن) والمعنى انك وعدت الجنة لمن آمن بك، وإنك لاتخلف الميعاد.
فان قيل: ماوجه مسألتهم لله أن يؤتيهم ماوعدهم، والمعلوم أن الله ينجز وعده، ولايجوز عليه الخلف في الميعاد؟ قيل عن ذلك أجوبة: أحدها - مااختاره الجبائي، والرماني ان ذلك على وجه الانقطاع إليه والتضرع له والتعبد له كما قال: (رب احكم بالحق)(1) وقوله: (لاتحملنا مالا طاقة لنابه)(2) وأمثال ذلك كثيرة.
والثاني - قال قوم إن ذلك خرج مخرج المسألة ومعناه الخبر، وتقدير الكلام ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للايمان أن آمنوا بربكم فآمناربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الابرار، لتوفينا ماوعدتنا به على رسلك ولاتحزنا يوم القيامة لانهم علمواان ماوعدالله به فلابد من أن ينجزه.
والثالث - قال قوم: معناه المسألة والدعاء بأن يجعلهم ممن آتاهم ماوعدهم من الكرامة على ألسن رسله، لاأنهم كانوا قد استحقوا منزلة الكرامة عندالله في أنفسهم ثم سألوه أن يؤتيهم ماوعدهم بعد علمهم باستحقاقهم عند أنفسهم، لانه لوكان كذا، لكانوا زكوا أنفسهم وشهدوا لها أنهم ممن قد استوجب كرامة الله، وثوابه، ولايليق ذلك بصفة أهل الفضل من المؤمنين.
والرابع - قال قوم إنما سألوا ذلك على وجه الرغبة منهم إليه تعالى أن يؤتيهم ما وعدهم من النصر على أعدائهم من أهل الكفر وإعلاء كلمة الحق على الباطل فيجعل ذلك لهم لانه لايجوزأن يكونوا مع ماوصفهم الله به غير واثقين ولاعلى غير يقين ان الله لايخلف الميعاد فرغبوا إليه في تعجيل ذلك، ولكنهم
---
(1) سورة الانبياء: آية 112.
(2) سورة البقرة: آية 286.

(3/85)


تفسير التبيان ج3
كانوا وعدوا النصر ولم يوقت لهم في ذلك وقت فرغبوا إليه تعالى في تعجيل ذلك لهم لما لهم فيه من السرور بالظفر وهو اختيار الطبري.
وقال الآية مختصة بمن هاجر من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله من وطنه وأهله مفارقا لاهل الشرك بالله إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وغيرهم من تباع رسول الله صلى الله عليه وآله الذين رغبوا إليه تعالى في تعجيل نصرهم علي أعدائهم وعلموا انه لايخلف الميعاد ذلك غير أنهم سألوا تعجيله وقالوا لاصبر لنا على اناتك وحلمك وقوى ذلك بما بعد هذه الآية من قوله: " فاستجاب لهم ربهم أني لاأضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا... " الآيات بعدها وذلك لايليق إلا بما ذكره، ولايليق بالاقاويل الباقية وإلى هذا أومأ البلخي، لانه قال في الآية الاخري: انها والتي بعدها في الذين هاجروا إلى النبي صلى الله عليه وآله. وفي الآية دلالة على أنه يجوز أن يدعو العبد بمايعلم أنه يفعله مثل أن يقول رب احكم بالحق.
وقوله: " فاغفر لنا ذنوبنا " خلاف ما يقوله المجبرة، ولايلزم على ذلك جواز التعبد بأن يدعو بما يعلم أنه لايكون مثل أن يقول لايظلم، لان في ذلك تحكما على فاعله وتجبرا عليه في تدبيره، ولوسوى بينهما كان جائزا كما قلنا في قوله: (لاتحملنا مالاطاقة لنا به)(1) على أحد الوجهين.
وقوله: " انك لاتخلف الميعاد " فيه اعتراف بأنه لايخلف الميعاد بعد الدعاء بالايجاز لئلا ينوهم عليهم تجويز الخلف على الله تعالى.
---
(1) سورة البقرة: آية 286.

(3/86)


تفسير التبيان ج3
وقوله تعالى: (فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا واخرجوا من ديارهم واوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لاكفرن عنهم سيئآتهم ولادخلنهم جنات تجري من تحتها الانهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب(195))
آية بلاخلاف.
قرأ حمزة والكسائي وخلف " وقتلوا وقاتلوا " بتقديم المفعولين على الفاعلين الباقون " قاتلوا وقتلو " بتقديم الفاعلين على المفعولين، وشدد التاء من (قتلوا) ابن كثير وابن عامر.
وقرأ عمر بن عبدالعزيز " وقتلوا " بلاالف " وقتلوا " وقال الطبري القراء ة بتقديم المفعولين لاتجوز، وهذاخطأ ظاهر، لان من اختار اسم الفاعلين على المفعولين، وجه قراء ته أن القتال قبل القتل.
ومن قدم المفعولين على الفاعلين وجه قراء ته يحتمل أمرين:
أحدهما - أن يكون المعطوف بالواو ويجوز أن يكون أولا في المعنى. وان كان مؤخرا في اللفظ، لان الواو، لايوجب الترتيب وهي تخالف الفاء في هذا المعنى، وهكذا خلافهم في سورة التوبة.
والثاني - أن يكون لما قتل منهم قاتلوا ولم يهنوا ولم يضعفوا لمكان من قتل منهم كما قال تعالى (فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وماضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين)(1) وقوله: (فاستجاب لهم ربهم أني) أي بأني وحذف الباء، ولو قرئ بكسر الهمزة كان جائزا على تقدير: قال لهم " إني لاأضيع عمل عامل منكم " ومعنى قوله: " فاستجاب " أجابهم ربهم يعني الداعين بما تقدم وصف الله إياهم وأجاب واستجاب بمعنى قال الشاعر:
وداع دعا يامن يجيب إلى الندى
فلم يستجبه عند ذاك مجيب(2)
أي لم يجبه.
" بأني لاأضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى " من زائدة كما يقال كان من الحديث ومن الامر ومن القصة. ومن ههنا أحسن، لان حرف
---
(1) سورة آل عمران: آية 146.
(2) قائله كعب بن سعد الغنوي الاصمعيات: 98 والقصيدة مشهورة، يرثي بها أخاه أبا المغوار مر منها أبيات متفرقة. وقدمر هذا البيت في 1: 84.

(3/87)


تفسير التبيان ج3
النفي قد دخل في قوله: " لاأضيع " من ههنا ليست زائدة، لانها دخلت لمعنى ولايصلح الكلام إلابها، لانها للترجمة والتفسير عن قوله: " منكم " بمعنى لاأضيع عمل عامل منكم من الذكور والاناث، قالوا ولاتكون من زائدة إلا في موضع جحد.
وقوله: (لاأضيع عمل عامل منكم) لم يدركه الجحد لانك لاتقول لاأضرب غلام رجل في الدار، ولافي البيت، فيدخل ولا، لانه لم ينله الجحد ولكن (من) مفسرة.
وقوله: " لاكفرن عنهم سيئآتهم " معناه لاذهبنا واسقط عقابها، وهذه الآية، والتي قبلها - في قول البلخي - نزلت في المتبعين للنبي صلى الله عليه وآله والمهاجرين معه ثم هي في جميع من سلك سبيلهم واتبع آثارهم من المسلمين.
وقوله: " لاكفرن عنهم سيئآتهم " أي لاغطينها وأمحونها وأحطنها عنهم بما ينالهم من ألم الهجرة والجهاد واحتمال تلك الشدائد في جنب الله. وحمل السيئآت على الصغائر.
وقوله: " ثوابا من عند الله " نصب على المصدر ذكر على وجه التأكيد، لان معنى " ولادخلنهم جنات تجري من تحتها الانهار "(1) لاثيبنهم، ومثله " كتاب الله عليكم " لان قوله: " حرمت عليكم أمهاتكم وبنانكم "(2) معناه كتب الله عليكم (وكتاب الله عليكم) مؤكد ومثل ذلك " صنع الله الذي "(3) لان قوله: " وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب "(4) قد علم منه أن ذلك صنع الله.
وقوله: " من ذكر أوأنثى " روي انه قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله: مابال الرجال يذكرون، ولاتذكر النساء في الهجرة، فأنزل الله هذه الآية روي ذلك عن مجاهد، وعمرو بن دينار، ويقال ان القائل لرسول الله صلى الله عليه وآله كانت أم سلمة (رض).
وقوله: " بعضكم من بعض " قال أبوعلي: يحتمل أمرين: أحدهما - أن يريد بقوله: " بعضكم " العاملين " من بعض " يعني بعض العمل الذي أمرتم به.
---
(1) سورة المائدة: آية 13.
(2) سورة النساء: آية 22.
(3، 4) سورة النمل: 88.

(3/88)


تفسير التبيان ج3
والثاني - أن يكون عنى بقوله: " بعضكم من بعض " أن ذكور المؤمنين وأناثهم مستوون في أن لايضيع الله لاحد منهم عملا، وان يجازيهم على طاعاتهم، فأناث المؤمنين بعض المؤمنين، وكذلك ذكورهم، فبعضهم كبعض في هذا الباب.
وقال الطبري " بعضكم " يعني الذين يذكرونني " قياما وقعودا وعلى جنوبهم " من بعض في النصرة، والملة، والدين، وحكم جميعكم فيما أفعل بكم حكم أحدكم في " أني لاأضيع عمل عامل " ذكر منكم ولاأنثى.
والاضاعة: الاهلاك.
ضاع الشئ يضيع: إذا هلك.
وأضاعه اضاعة وضيعه تضييعا، ومنه الضيعة: القرية.
وقوله: (فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم) يعني الذين هاجروا عن قومهم من أهل الكفر في الله إلى اخوانهم المؤمنين " وأخرجوا من ديارهم " هم المهاجرون الذين أخرجهم المشركون من مكة " وأوذوا في سبيلي " بمعنى أوذوا في طاعتي وعبادتي، وديني. وذلك هو سبيل الله " وقاتلوا " يعني في سبيل الله " وقتلوا " فيها " لاكفرن عنهم سيئآتهم " يعني لامحونها عنهم، ولاتفضلن عليهم بعفوي ورحمتي، ولاغفرنها لهم. وذلك يدل على أن إسقاط العقاب تفضل على كل حال.
" ولادخلنهم جنات تجري من تحتها الانهار ثوابا " يعني جزاء لهم على أعمالهم " والله عنده حسن الثواب " معناه أن عنده من حسن الجزاء على الاعمال مالا يبلغه وصف واصف مما لاعين رأت ولاخطرعلى قلب بشر.
قوله تعالى: (لايغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد(196) متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد(197))
آيتان بلاخلاف.
المعنى: هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وآله.
وقيل في معناه قولان: أحدهما - ان ذلك على وجه التأديب والتحذير، لان النبي لاتجوز عليه

(3/89)


تفسير التبيان ج3
المعاصي لمكان التحذير من الله والتخويف، كماقال (لئن أشركت ليحبطن عملك)(1) الثاني - ان الخطاب وان توجه إليه، فالمراد به جميع المؤمنين، وتقديره لايغرنكم أيها المؤمنون ما ترون ان قوما من الكفار كانوا يتجرون ويربحون في الاسفار التي كانوا يسافرونها، ويسلمون فيها لكونهم في الحرم، فأعلم الله تعالى أن ذلك مما لاينبغي أن يغبطوا به، لان مأواهم ومصيرهم بكفرهم إلى النار، ولا خير بخير بعده النار.
وقوله: " متاع قليل " معناه ذلك الكسب، والربح الذي يربحونه متاع قليل وسماه متاعا، لانهم متعوا به في الدنيا، والمتاع النفع الذي تتعجل به اللذة اما بوجود اللذة أو بما يكون به اللذة نحو المال الجليل، والملك، وغير ذلك من الاولاد والاخوان. ووصفه بالقلة لسرعة زواله وانقطاعه، وذلك قليل بالاضافة إلى نعيم الآخرة. والمهاد الموضع الذي يسكن فيه الانسان ويفترشه. ووصفه بأنه بئس المهاد على ضرب من المجاز، لمافيه من أنواع العذاب، لان الذم انما هو على الاساء ة كقولك: بئس الرجل - هذا قول أبي علي الجبائي -
وقال البلخي: هو حقيقة لانه على وجهين: أحدهما - من جهة النقص. والآخر - من جهة الاساء ة، وهو معنى قول السدي، وقتادة، وأكثر المفسرين.
والغرور ايهام حال السرور فيما الامر بخلافه في المعلوم، وليس كل ايهام غرورا، لانه قد يتوهمه مخوفا فيحذر منه، فلا يقال غره. والفرق بين الغرر والخطر ان الغرر قبيح، لانه ترك الحزم فيما يمكن أن يتوثق منه، والخطر قد يحسن على بعض الوجوه، لانه من العظم من قولهم: رجل خطير أي عظيم، وبني المضارع مع النون الشديدة، لانه بمنزلة ضم اسم إلى اسم للتأكيد.
---
(1) سورة العنكبوت: آية 65.

(3/90)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير للابرار(198))
آية.
قرأ أبوجعفر (لكن) بتشديد النون وفتحها - ههنا وفي (الزمر) - وقرأ أبوعمرو والكسائي، وحمزة في أكثر الروايات (الاشرار، والابرار، والقرار) بالامالة.
الباقون - بالتفخيم - والامالة في فتحة الراء حسنة، لان الراء المكسورة تغلب المفتوحة كما غلبت المستعلي في قولهم: قارب وطارد، وقادر فيمن أمالهن، فاذا غلبت المستعلي، فان تغلب الراء المفتوحة أولى، لانه لا استعلاء في الراء، وإنما هو حرف من مخرج اللام فيه تكرير. ومن لم يمل، فلان كثيرا من الناس لايميل شيئا من ذلك.
لما أخبر الله تعالى عما للكفار من سوء العاقبة وأنواع العذاب بشر المؤمنين بما أعدلهم من الجزاء عندالله وجزيل الثواب، فقال: (لكن الذين اتقوا ربهم) بفعل الطاعات، وترك المعاصي (لهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها نزلا من عند الله) يعني ثوابا من عندالله، وهو نصب على المصدر على وجه التأكيد، لان خلودهم فيه أنزالهم فيها، كأنه قال: نزلوها نزلا، وهو بمعنى أنزلوها انزالا.
ويحتمل أن يكون نصبا على التفسير، كقولك: هو لك هبة.
وواحد الابرار بار: مثل صاحب، وأصحاب. ويجوز أن يكون بر وأبرار - على فعل وأفعال - تقول: بررت والدي، فانابر. وأصله بررلكن ادغمت الراء للتضعيف.
وقوله: " وما عندالله خير " يعني من الحبا والكرامة، وحسن المآب خير للابرار مما يتقلب فيه الذين كفروا، لان ما يتقلبون فيه زائل فان قليل، وما عندالله دائم غير زائل. وقدبينا معنى (لكن) فيما مضى، وانها للاستدراك بها خلاف المعنى المتقدم من اثبات بعد نفي أو نفي بعد اثبات.
فقوله: (لايغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد) يتضمن معنى فما لهم كبير نفع، فجاء على ذلك، (لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات).
وقوله: (تجري من تحتها الانها ر) معناه تجري من تحت شجرها.

(3/91)


تفسير التبيان ج3
ويقال انها تجري معلقة من غير أخدود لها.
روي ذلك عن عبدالله بن مسعود، ثم قال: مامن نفس برة ولافاجرة إلا والموت خير لها(1)، وقوله في الفاجرة: إن الموت خير لها يعني إذاكانت تدوم على فجورها.
قوله تعالى: (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل اليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لايشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب(199))
آية بلاخلاف.
النزول: اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية، فقال جابر بن عبدالله، وسعيد بن المسيب، وقتادة، وابن جريج إن النبي صلى الله عليه وآله لما بلغه موت النجاشي، دعا له واستغفر له، وصلى عليه، وقال للمؤمنين: صلوا عليه، فقالوا نصلي على رجل ليس بمسلم؟ وقال قوم منافقون: نصلي على علج بنجران؟ فنزلت هذه الآية، فالصفات التي فيها صفات النجاشي.
وقال ابن زيد وفي رواية عن ابن جريج وابن اسحاق إنها نزلت في جماعة من اليهود وكانوا أسلموا، منهم: عبدالله بن سلام، ومن معه.
وقال مجاهد: إنها نزلت في كل من أسلم من أهل الكتاب من اليهود والنصارى وهو أولى، لانه عموم الآية، ولادليل يقطع به على ما قالوه على انها لو نزلت في النجاشي أو من ذكر، لم يمنع ذلك من حملها على عمومها، في كل من أسلم من أهل الكتاب، لان الآية قد تنزل على سبب وتكون عامة في كل من تتناوله.
المعنى: وإنما خصوا بالوعيد، ليبين ان جزاء أعمالهم موفر عليهم، لايضرهم كفر
---
(1) في المطبوعة: (فيها).

(3/92)


تفسير التبيان ج3
من كفر منهم فتأويل الآية " وان من أهل الكتاب ": التوراة والانجيل " لمن يؤمن بالله " أي يصدق بالله ويقر بوحدانيته، " وماأنزل إليكم " أيها المؤمنون من كتابه ووحيه على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وآله، " وما أنزل إليهم " يعني إلى أهل الكتاب من الكتب " خاشعين " يعني خاضعين بالطاعة مستكينين له بها متذللين قال ابن زيد: الخاشع: المتذلل الخائف.
" لايشترون بآيات الله ثمنا قليلا " معناه لايحرفون ماأنزل الله في كتبه من أوصاف محمد صلى الله عليه وآله فيبدلونه، ولاغير ذلك من أحكامه، وحججه لغرض من الدنيا خسيس يعطونه على التبديل، وابتغاء الرئاسة على الجهال، كما فعله غيرهم ممن: صفه بقوله تعالى: " أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى "(1) وقال: " اولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة "(2) لكن ينقادون للحق، ويعملون بماأمرهم الله به مما أنزل إليهم، وينتهون عما نهاهم عنه ثم قال: " أولئك " يعني هؤلاء الذين يؤمنون " بالله. وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم... لهم أجرهم عند ربهم " يعني لهم عوض أعمالهم وثواب طاعاتهم فيما يطيعونه فيها مذخور عند ربهم حتى يوفيهم يوم القيامة " إن الله سريع الحساب " وصفه بالسرعة لانه لايؤخر الجزاء عمن يستحقه لطول الحساب، لانه لايخفى عليه شئ من أعمالهم قبل أن يعملوها وبعد أن عملوها، فلاحاجة به إلى احصاء، عدد فيقع في الاحصاء ابطاء.
وقال الجبائي: لانه قادر على أن يكلمهم في حال واحدة كل واحد بكلام يخصه. لانه قادر لنفسه و " خاشعين " نصب على الحال، ويمكن أن يكون حالا من الضمير في " يؤمن " وهو عائد إلى قوله: " لمن يؤمن بالله " ويمكن أن يكون حالا من قوله: (إليهم) وقال الحسن: الخشوع: الخوف اللازم للقلب من الله.
وأصل الخشوع: السهولة: والخشعة، سهولة الرمل كالربوة.
والخاشع من الارض: الذي لايهتدى له، لان الرمل يعفي اثاره.
---
(1) سورة البقرة: آية 16.
(2) سورة البقرة: آية 86.

(3/93)


تفسير التبيان ج3
ومنه قوله: " خاشعة أبصارهم "(1) " وخشعت الاصوات للرحمن "(2) والخاشع: الخاضع ببصره.
والخشوع: التذلل خلاف التصعب.
قوله تعالى: (ياأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون(200))
آية بلاخلاف.
اختلفوا في تأويل هذه الآية، فقال قوم: معنى اصبروا اثبتوا على دينكم وصابروا الكفار ورابطوهم يعني في سبيل الله ذهب إليه الحسن، وقتادة، وابن جريج، والضحاك وقال آخرون: معناها " اصبروا " على دينكم " وصابروا " الوعد الذي وعدتكم به " ورابطوا " عدوي وعدوكم ذهب إليه محمد بن كعب القرظي.
وقال آخرون " اصبروا " على الجهاد " وصابروا عدوكم ورابطوا " الخيل عليه ذهب إليه زيد بن أسلم.
وقال آخرون: رابطوا الصلوات أي انتظروها واحدة بعد واحدة، لان المرابطة لم تكن حينئذ وهذا مروي عن علي (ع) ذهب(3) إليه أبوسلمة بن عبدالرحمن، وجابر بن عبدالله وأبوهريرة والاولى أن تحمل الآية على عمومها في الصبر على كل ما هو من الدين، فعلا كان أوتركا.
وأصل الرباط ارتباط الخيل للعدو، والربط الشد، ومنه قولهم: ربط الله على قلبه بالصبر، ثم استعمل في كل مقيم في ثغر يدفع عمن وراء من أرادهم بسوء وينبغي(4) أن يحمل قوله رابطوا أيضا على المرابطة لما عندالله لانه العرف في استعمال الخبر، وعلى انتظار الصلاة واحدة بعد أخرى.
وقوله: " واتقوا الله " معناه اتقوا ان تخالفوه فيما يأمركم به لكي تفلحوا [ وتفوزوا ] (ه) بنعيم الابد وتنجحوا بطاعتكم من الثواب الدائم.
---
(1) سورة القلم: آية 43.
(2) سورة طه: آية 108.
(3) في المخطوطة (وذهب).
(4) في المطبوعة (ينبغي) باسقاط الواو.
(5) مابين القوسين ساقط من المطبوعة

(3/94)


تفسير التبيان ج3
وروي عن أبي جعفر (ع) انه قال اصبروا على المصائب، وصابروا على عدوكم، ورابطوا عدوكم. وانما جمع بين " اصبروا وصابروا " من أن المصابرة من الصبر، للبيان عن تفصيل(1) الصبر الذي يعني به في الذكر لان المصابرة صبر على جهاد العدو يقابل صبره لان المفاعلة بين اثنين. وإنما وصف (أي) بالموصول ولم يوصف بالمضاف، لان (الذي) يجري مجرى الجنس، لان فيه الالف واللام بمنزلة قوله ياأيها المؤمنون، ولايجوز ياأيها أخو زيد، لانه لايصح فيه الجنس.
---
(1) في المطبوعة (تفضيل).

(3/95)


تفسير التبيان ج3
(4) سورة النساء
مائة وسبعون آية كوفي. وخمس وسبعون بصري وهي مدينة كلها.
وقد روي عن بعضهم أنه قال: كلما في القرآن من قوله: (ياأيها الناس) نزل بمكة، والاول قول قتادة، ومجاهد، وعبدالله بن عباس بن أبي ربيعه، وقال بعضهم: ان جميعها نزلت بالمدينة إلا آية واحدة وهي قوله: (إن الله يامركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها)(1) فأنها نزلت بمكة حين أراد النبي صلى الله عليه وآله أن يأخذ مفاتيح الكعبة من عثمان بن طلحة ويسلمها إلى عمه العباس.
---
(1) سورة النساء: آية 57.

(3/96)


تفسير التبيان ج3
الآية: 1 - 9
بسم الله الرحمن الرحيم
قوله تعالى: (ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساء لون به والارحام إن الله كان عليكم رقيبا(1))
آية بلاخلاف.
القراء ة والحجة: قرأ أهل الكوفة (تساء لون به) بتخفيف السين، الباقون بتشديدها، وقرأ حمزة وحده " والارحام " بجر الميم، الباقون بفتحها. فمن قرأ من أهل الكوفة
" تساء لون به " بالتخفيف فوجهه ان أصله تتساء لون، فحذف احدى التاء ين وهي الاصلية: لان الاخرى للمضارعة، وانما حذفوها لاستثقالهم إياها في اللفظ فحذفت لان الكلام غير ملتبس. ومن شدد أدغم احدى التاء ين في السين، لقرب مكان هذه من هذه.
المعنى: ومعنى " تساء لون به " تطلبون حقوقكم به " والارحام " القراء ة المختارة عند النحويين النصب في الارحام على تقدير: واتقوا الارحام. وتكون(1) معطوفة على موضع " به " ذكره أبوعلي الفارسي، فأما الخفض فلايجوز عندهم إلا في ضرورة الشعر كما قال الشاعر أنشده سيبويه:
فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا
فاذهب فما بك والايام من عجب
فجروا الايام عطفا على موضع الكاف في " بك " وقال آخر:
نعلق في مثل السواري سيوفنا
وما بينها والكعب غوط نفانف(2)
فعطف الكعب على الهاء والالف في (بينها) وهو ظاهر على مكنى.
وقال آخر:
وان الله يعلمني ووهبا
وانا سوف نلقاه سوانا
فعطف وهبا على الياء في يعلمني، ومثل ذلك لايجوز في القرآن والكلام.
قال المازني: لان الثاني في العطف شريك للاول، فان كان الاول يصلح أن يكون شريكا للثاني جاز وإن لم يصلح أن يكون الثاني شريكا له لم يجز، قال: فكما لا تقول: مررت بزيد وذاك(3) لاتقول مررت بك وزيد.
وقال أبوعلي الفارسي: لان المخفوض حرف متصل غير منفصل فكأنه كالتنوين في الاسم فقبح أن يعطف باسم يقوم بنفسه على اسم لايقوم بنفسه.
---
(1) في المطبوعة: (أويكون).
(2) قائله مسكين الدارمي معاني القرآن للقراء 1: 253، والانصاف: 193 والخزانة 3382.
السواري جمع سارية وهي الاسطوانة والغوط: المطمئن من الارض.
والنفانف جمع نفنف وهو الهواء بين الشيئين * والبيت كناية عن طول قامتهم(3) في النسخ المخطوطة والمطبوعة (كذلك) والظاهر ما ذكرنا.

(3/97)


تفسير التبيان ج3
ويفسد من جهة المعنى من حيث ان اليمين بالرحم لايجوز، لان النبي صلى الله عليه وآله قال: (لاتحلفوا بآبائكم) فكيف تساء لون به وبالرحم على هذا وقال اسماعيل بن اسحاق: الحلف بغير الله أمر عظيم، وان ذلك خاص لله تعالى، وهو المروي في أخبارنا.
وقال ابراهيم النخعي وغيره: انه من قولهم: نشدتك بالله وبالرحم.
وقال ابن عباس، والسدي، وعكرمة، والحسن، والربيع، والضحاك، وابن جريج، وابن زيد، وقتادة: المعنى والارحام فصلوها. وهذه الآية خطاب لجميع المكلفين من البشر.
وقوله: (واتقوا ربكم) فيه وعظ بان يتقى عصيانه بترك(1) ما أمر به وارتكاب مانهى عنه. وحذر من قطع الارحام لماأراد من الوصية بالاولادو النساء والضعفاء، فأعلمهم انهم جميعا من نفس واحدة، فيكون ذلك داعيا لهم إلى لزوم أمره وحدوده في ورثتهم ومن يخلفون بعدهم، وفي النساء والايتام عطفا لهم عليهم.
ثم اخبر تعالى انه خلق الخلق من نفس واحدة فقال: " الذي خلقكم من نفس واحدة " والمراد بالنفس ههنا آدم عند جميع المفسرين: السدي وقتادة ومجاهد وغيرهم.
وقوله: (وخلق منها زوجها) يعني حواء. روي انها خلقت من ضلع من أضلاع آدم، ذهب إليه أكثر المفسرين.
وقال أبوجعفر (ع): خلقها من فضل الطينة التي خلق منها آدم، ولفظ النفس مؤنث بالصيغة، ومعناه التذكير ههنا، ولو قيل نفس واحد لجاز.
المعنى، واللغة: وقوله: (وبث منهما رجالا كثيرا ونساء) معنى بث نشر، يقال: بث الله الخلق. ومنه قوله: " كالفراش المبثوث "(2) وذلك يدل على بث. وبعض العرب يقول أبث الله الخلق، ويقال بثثتك سري، وابثثتك سري لغتان.
وقوله: (إن الله كان عليكم رقيبا) أي حافظا تقول رقب يرقب رقابا وانما
---
(1) في المطبوعة: (بقول).
(2) سورة القارعة: آية 4.

(3/98)


تفسير التبيان ج3
قال: " كان عليكم " ولفظ كان يفيد الماضي لانه أراد أنه كان حفيظا على من تقدم زمانه من عهد آدم وولده إلى زمان المخاطبين، وانه كان عالما بما صدر منهم، لم يخف عليه منه شئ. والرقيب الحافظ في قول مجاهد.
وقال ابن زيد: الرقيب العالم، والمعنى متقارب، يقال: رقب يرقب رقوبا ورقبا ورقبة.
قال أبوداود: كمقاعد الرقباء للضرباء أيديهم نواهد(1)
وقيل في معنى " الذي تسألون به " قولان: أحدهما - قال الحسن ومجاهد وابراهيم: هومن قولهم: اسألك بالله والرحم، فعلى هذا يكون عطفا على موضع به كأنه قال: وتذكرون الارحام في التساؤل. الثاني - قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك والربيع وابن زيد وهو المروي عن أبي جعفر (ع): واتقوا الارحام أن تقطعوها، فعلى هذا يكون معطوفا على اسم الله تعالى، ووجه النعمة في الخلق من نفس واحدة انه أقرب إلى أن يتعطفوا ويأمن بعضهم بعضا ويحامي بعضهم عن بعض، ولايأنف بعضهم عن بعض، لما بينهم من القرابة والرجوع إلى نفس واحدة، لان النفس الواحدة ههنا آدم (ع) باجماع المفسرين: الحسن وقتادة والسدي ومجاهد.
وجاز من نفس واحدة لان حواء من آدم على مابيناه، فرجع الجميع آدم وانما أنث النفس والمراد بها آدم لان لفظ النفس مؤنثة، وان عني بها مذكر كما قال الشاعر:
أبوك خليفة ولدته أخرى
وأنت خليفة ذاك الكمال(2)
فانث على اللفظ، وقد حكينا عن أكثر المفسرين: ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والسدي وابن اسحاق: ان حواء خلقت من ضلع من أضلاع آدم. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: (المرأة خلقت من ضلع، وانك ان أردت أن تقيمها كسرتها وان تركتها وفيها عوج استمعت بها).
---
(1) مجاز القرآن لابي عبيدة 1: 113، واللسان (رقب) وهو من أبيات في نعت النور الابيض. الرقباء جمع رقيب وهو أمين أصحاب الميسر يحفظ ضربهم بالقداح.
والضرباء جمع ضريب وهو: الضارب بالقداح.
وقيل أن الضمير في (أيديهم) يعود إلى الضرباء. وقيل انه يعود إلى الرقباء، وهو الاصح.
(2) انظر 2: 449 تعليقة.

(3/99)


تفسير التبيان ج3
وروي عن أبي جعفر (ع) أن حواء خلقت من فضل طينة آدم (ع).
قوله تعالى: (وآتوا اليتامى أموالهم ولاتتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا(2))
آية بلاخلاف.
المعنى: هذا خطاب لاوصياء اليتامى، أمرهم الله بأن يعطوا اليتامى أموالهم إذا بلغوا الحلم وأونس منه الرشد، وسماهم يتامى بعد البلوغ، وايناس الرشد مجازا، لان النبي صلى الله عليه وآله قال: (لايتم بعد احتلام) كما قالوا في النبي صلى الله عليه وآله إنه يتيم أبي طالب بعد كبره يعنون انه رباه.
وقوله: (ولاتتبدلوا الخبيث بالطيب) معناه: لاتستبدلوا ما حرمه الله عليكم من أموال اليتامى بما أحله الله لكم من أموالكم، واختلفوا في صفة التبديل فقال بعضهم كان أوصياء اليتامى يأخذون الجيد من مال اليتيم والرفيع منه ويجعلون مكانه الردئ الخسيس، ذهب إليه ابراهيم النخعي، والسدي، وابن المسيب، والزهري، والضحاك، وقال قوم: معناه " ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب " بأن تتعجلوا الحرام قبل أن يأتيكم الرزق الحلال الذي قدر لكم. ذهب إليه أبوصالح، ومجاهد.
وقال ابن زيد: معناه ما كان أهل الجاهلية يفعلونه، من أنهم لم يكونوا ايرزقون النساء ولاالصغار بل يأخذه الكبار.
وأقوى الوجوه الوجه الاول، لانه ذكر عقيب مال اليتامى وإن حمل على عموم النهي عن التبديل بكل مال حرام كان قويا.
وقوله: (ولاتأكلوا أموالهم إلى أموالكم) يعني أموال اليتامى مع أموالكم والتقدير: ولاتضيفوا أموالهم إلى أموالكم فتأكلوهما جميعا، فأما خلط مال اليتيم بمال نفسه إذا لم يظلمه فلابأس به بلاخلاف

(3/100)


تفسير التبيان ج3
قال الحسن لما نزلت هذه الآية كرهوا مخالطة اليتامى، فشق ذلك عليهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله، فأنزل الله تعالى: (ويسئلونك عن اليتامى قل اصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فاخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح)(1) وهوالمروي عن أبي جعفر وأبي عبدالله (ع).
وقوله: (انه كان حوبا كبيرا) يعني إن أكلكم أموال اليتامى مع أموالكم حوب كبير، أي اثم كبير في قول ابن عباس ومجاهد. والهاء في قوله: " انه " دالة على اسم الفعل الذي هو الاكل. والحوب الاثم، يقال: حاب يحوب حوبا وحباة والاسم الحوب.
وقرأ الحسن حوبا: ذهب إلى المصدر.
ويقال: تحوب فلان من كذا إذا تحرج منه.
ويقال نزلنا بحوبة من الارض وبحيب من الارض يعني بموضع سوء.
وحكى الفراء عن بني أسد ان الحائب القاتل.
وقال الشاعر:
إيها تطيع ابن عبس انها رحم
حبتم بها فانا ختم بحعجاع(2)
أي أثمتم والحوبة الحزن، والتحوب التحزن، والتحوب التأثم، والتحوب الهياح الشديد، والحوباء الروح والكبير العظيم.
قوله تعالى: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ماملكت أيمانكم ذلك أدنى ألاتعولوا(3) وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فان طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا(4))
آيتان.
---
(1) سورة آل عمران: آية 220.
(2) اللسان (حوب) نسبه إلى النابغة وفي (جعع) نسبه إلى نهكية الفزاري ورواية البيت فيهما: صبرا بغيض بن ريث انها رحم...

(3/101)


تفسير التبيان ج3
النزول، والمعنى: واختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية على ستة أقوال: أولها - ماروي عن عائشة انها قالت: نزلت في اليتيمة التي تكون في حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها، ويريد أن ينكحها بدون صداق مثلها، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لها صداق مهر مثلها، وأمروا أن ينكحوا ما طاب مما سواهن من النساء إلى الاربع " فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة " من سواهن " أوما ملكت ايمانكم " ومثل هذا ذكر في تفسير أصحابنا.
وقالوا: انها متصلة بقوله: (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لاتؤتونهن ماكتب لهن وترغبون ان تنكحوهن)(1) (فان خفتم ألاتقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء) الآية وبه قال الحسن والجبائي والمبرد.
والثاني - قال ابن عباس وعكرمة: ان الرجل منهم كان يتزوج الاربع والخمس والست والعشر ويقول ما يمنعني أن أتزوج كما تزوج فلان فاذا فنى ماله مال على مال اليتيم فانفقه، فنهاهم الله تعالى عن أن يتجاوزوا بالاربع إن خافوا على مال اليتيم وإن خافوا من الاربع أيضا أن يقتصروا على واحدة.
والثالث - قال سعيد بن جبير والسدي وقتادة والربيع والضحاك. وفي احدى الروايات عن ابن عباس قالوا: كانوا يشددون في أمر اليتامى ولايشددون في النساء، ينكح أحدهم النسوة فلايعدل بينهن، فقال الله تعالى كما تخافون ألا تعدلوا في اليتامى فخافوا في النساء، فانكحوا واحدة إلى الاربع، فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة.
والرابع - قال مجاهد: ان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى معناه: ان تحرجتم
---
(1) سورة النساء: آية 126.

(3/102)


تفسير التبيان ج3
من ولاية اليتامى وأكل أموالهم إيمانا وتصديقا فكذلك تحرجوا من الزنا، وانكحوا النكاح المباح من واحدة إلى أربع، فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة.
والخامس - قال الحسن: ان خفتم ألاتقسطوا في اليتيمة المرباة في حجركم فانكحوا ما طاب لكم من النساء مما أحل لكم من يتامى قراباتكم مثنى وثلاث ورباع، فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة، أو ما ملكت ايمانكم.
وبه قال الجبائي وقال: الخطاب متوجه إلى أولياء اليتيمة إذا أراد أن يتزوجها إذاكان هو وليها كان له أن يزوجها قبل البلوغ وله أن يتزوجها.
والسادس - قال الفراء: المعنى ان كنتم تتحرجون من مؤاكلة اليتامى فاحرجوا من جمعكم بين اليتامى، ثم لاتعدلون بينهن.
وقوله: (فانكحوا ما طاب لكم) جواب لقوله: (وان خفتم ألا تقسطوا) على قول من قال مارويناه أولا عن عائشة وأبي جعفر (ع).
ومن قال: تقديره: ان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فكذلك خافوا في النساء الجواب قوله: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء " والتقدير: فان خفتم ألا تقسطوا في أموال اليتامى فتعدلوا فيها فكذلك فخافوا ألا تقسطوا في حقوق النساء، فلا تتزوجوا منهن إلامن تأمنون معه الجور، مثنى وثلاث ورباع، وان خفتم أيضامن ذلك فواحدة، فان خفتم من الواحدة فما ملكت ايمانكم، فترك ذكر قوله فكذلك فخافوا ألا تقسطوا في حقوق النساء لدلالة الكلام عليه وهو قوله: (فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ماملكت ايمانكم) ومعنى " ألاتقسطوا " أي لاتعدلوا ولاتنصفوا، فالاقساط هو العدل والانصاف والقسط هوالجور. ومنه قوله: (وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا)(1) وقد بيناه فيما مضى. واليتامى جمع لذكران اليتامى واناثهم في هذا المعنى.
المعنى، واللغة، والاعراب وقال الحسين بن علي المغربي: معنى ما طاب أي بلغ من النساء كما يقال: طابت الثمرة إذا بلغت، قال: والمراد المنع من تزويج اليتيمة قبل البلوغ لئلايجري
---
(1) سورة الجن: آية 15.

(3/103)


تفسير التبيان ج3
عليها الظلم، فان البالغة تختار لنفسها، وقيل: معنى " ماطاب لكم من النساء " من أحل لكم منهن دون من حرم عليكم، وانما قال: " ما طاب " ولم يقل: من طاب وان كان من لما يعقل وما لما لايعقل لان المعنى: انكحوا الطيب أي الحلال هذه العدة، لانه ليس كل النساء حلالا، لان الله حرم كثيرا منهن بقوله: " حرمت عليكم أمهاتكم "(1) الآية. هذا قول الفراء.
وقال مجاهد: فانكحوا النساء نكاحا طيبا.
وقال المبرد: " ما " ههنا للجنس كقول القائل: ما عندك؟ فتقول: رجل أو أمرأة، فالمعني بقوله: ما طاب الفعل دون اعيان النساء واشخاصهن، لان الاعيان لاتحرم ولاتحلل، وإنما يتناول التحريم والتحليل التصرف فيها، وجرى ذلك مجرى قول القائل: خذ من رقيقي ما أردت: إذا أراد خذ منهم ارادتك ولو أراد خذ الذي تريد لم يجز إلا أن يقول خذ من رقيقي من أردت وكذلك قوله: " أوما ملكت ايمانكم " معناه أو ملك ايمانكم، ومعنى " فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع " فلينكح كل واحد منكم مثنى وثلاث ورباع، كما قال: " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا باربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة "(2) معناه: فاجلدوا كل واحد منهم ثمانين جلدة.
وقوله: (مثنى وثلاث ورباع) بدل من (ماطاب) وموضعه النصب وتقديره: اثنين اثنين، وثلاثا وثلاثا، واربعا اربعا، إلا انه لاينصرف لعلتين، احداهما: انه معدول عن اثنين اثنين وثلاث ثلاث في قول الزجاج، وقال غيره: لانه معدول ولانه نكرة، والنكرة أصل للاشياء، وقال غيرهم: هو معرفة، وهذافاسد عند البصريين، لانه صفة للنكرة في قوله: " اولي اجنحة مثنى وثلاث ورباع "(3) والمعنى اولي اجنحة ثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة.
وقال الفراء لانه معدول، لانه يقع على الذكر والانثى، ولانه مضاف إلى مايضاف إليه الثلاث، فكأن لامتناعه من الاضافة كان فيه الالف واللام.
قال الشاعر:
---
(1) سورة النساء: آية 220.
(2) سورة النور: آية 4.
(3) سورة فاطر: آية 12.

(3/104)


تفسير التبيان ج3
ولكنما اهلي بواد أنيسه
ذئاب تبغى الناس مثنى وموحدا(1)
ومن قال: انه اسم للعدد معرفة استدل بقول تميم بن أبي مقبل:
ترى النعرات الزرق تحت لبانه
احاد ومثنى أصعقتها صواهله(2)
فرد احاد ومثنى على النعرات وهي معرفة، وقد يجئ منكرا مصروفا كما قال الشاعر:
قتلنا به من بين مثنى وموحد
باربعة منكم وآخرخامس(3)
وترك الصرف أكثر قال صخر الغي:
منت لك أن تلاقيني المنايا
احاد احاد في شهر حلال(4)
وقد تقع هذه الالفاظ على الذكر والانثى، فوقوعها على الانثى مثل الآية التي نحن في تفسيرها، ووقوعها على الذكر قوله: " اولي اجنحة مثنى وثلاث ورباع " لان المراد به الجناح وهو مذكر، ويقال: احاد وموحد وثنى ومثنى، وثلاث ومثلث، ورباع ومربع، ولم يسمع في مازاد عليه مثل خماس ولاالمخمس ولاالسداس والسباع إلا بيت للكميت فانه يروى في العشره عشار، وهوقوله:
---
(1) قائله ساعدة بن جؤية الهذلي. اللسان (بغى) وروايته (سباع) بدل (ذئاب).
(2) معاني القرآن 1: 255، 345، واللسان (نعر)، (صعق)، (قرد)، (ثنى) وروايته في (فرد) فراد، بدل، احاد. وأضعفتها، بدل أصعقتها وفي (نعر) و (صعق) الحضر، بدل، الزرق. النعرات جمع نعرة وهي ذبابة تسقط على الدواب فتؤذيها وأصعقتها صواهله أي قتلتها صهيله.
(3) معاني القرآن للفراء 1: 254 وروايته:
وان الغلام المستهام بذكره
قتلنا به من بين مثنى وموحد
باربعة منكم وآخر خامس
وساد مع الاظلام في رمح معبد
ولم يعرف لهما قائل. والبيت في المتن كما ترى ملفق منهما. وساد - بالتنوين - بمعنى سادس.
(4) نسبة محمود محمد شاكرفي تفسير الطبري 7: 545 إلى عمرو ذي الكلب وخطأ من نسبه إلى غيره، وهذاخطأ منه لامحالة لان رواية القدماء أكثرها اذالم تكن جميعها تنسبه إلى صخر الغي. وقد اعترف هو أن الطبري روايته كذلك. وفي بعض الروايات (في شهر حلال) منت لك: أي قدرت لك نيتك أن تلقاني في شهر حلال، أو حرام على اختلاف الرواية.

(3/105)


تفسير التبيان ج3
فلم يستريثوك حتى رميت فوق الرجال خصالا عشارا(1) يريد عشرا.
وقال صخر السلمي في ثناوموحد:
ولقد قتلكتم ثناء وموحدا
وتركت مرة مثل امس الدابر(2)
ولم يردأنه قتل الثلاثة، وانماأراد انه قتل نفرا كثيرا منهم واحدا بعد واحد واثنين بعد اثنين، وقوله: " فواحدة " نصب على انه مفعول به، والتقدير: فان خفتى ألاتعدلوا فيما زاد على الواحدة فانكحوا واحدة، ولو رفع كان جايزا، وقد قرأبه أبوجعفر المدني، وتقديره: فواحدة كافية، أو فواحدة مجزية، كما قال: (فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان)(3) ومن استدل بهذه الآية على أن نكاح التسع، جائز فقد اخطأ، لان ذلك خلاف الاجماع، وأيضا فالمعنى: فانكحوا ماطاب لكم من النساء مثنى ان امنتم الجور وإماثلاث ان لم تخافوا ذلك أو رباع ان امنتم ذلك فيهن، بدلالة قوله: " فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة " لان معناه فان خفتم في الثنتين فانكحوا واحدة، ثم قال: فان خفتم أيضافي الواحدة فما ملكت ايمانكم. على أن مثنى لايصح إلا لاثنين اثنين، أو اثنتين اثنتين على التفريق في قول الزجاج، فتقدير الآية " فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث " [ فثلاث ](4) بدلا من مثنى ورباع بدلا من ثلاث، ولو قيل ب‍ (أو) لظن أنه ليس لصاحب مثنى ثلاث، ولالصاحب الثلاث رباع.
ومن استدل بقوله: " فانكحوا " على وجوب التزويج من حيث أن الامر يقتضي الايجاب، فقد اخطأ، لان ظاهر الامر وإن اقتضى الايجاب، فقد ينصرف عنه بدليل، وقد قام الدليل على أن التزويج ليس بواجب على أن الغرض بالآية النهي عن العقد
---
(1) مجاز القرآن 1: 116، والاغاني 3: 139 واللسان (عشر) استراثه: استبطأه، وعشار أي عشرا عشرا.
(2) مجاز القرآن 1: 115، والاغاني 13: 139. وروايته فيهما (المدبر) بدل (الدابر).
(3) سورة البقرة: آية 282.
(4) اثبتنا ما بين القوسين لعدم استقامة المعني بدونه.

(3/106)


تفسير التبيان ج3
على من يخاف ألا يعدل بينهن، والتقدير: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، فتحرجتم فيهم، فكذلك فتحرجوا في النساء، فلا تنكحوا إلا ما أمنتم الجور فيه(1) منهن، مما أحللته لكم منهن، من الواحدة إلى الاربع، وقد يراد. بصورة الامر ما يراد بالنهي(2) أو التهديد كقوله: " فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر "(3) وقال: " ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون "(4) والمراد بذلك كله التهديد والزجر، فكذلك معنى الآية النهي، وتقديرها: فلا تنكحوا إلا ماطاب لكم من النساء على مابيناه.
وقوله: (ذلك ادنى ألا تعولوا) اشارة إلى العقد على الواحدة مع الخوف من الجور فيما زاد عليها، أو الاقتصار على ماملكت أيمانكم، ومعنى " أدنى " أقرب " ألا تعولوا " وقيل في معنى " ألا تعولوا " ثلاثة أقوال: أحدها - وهو الاقوى والاصح = أن معناه: ألا تجوروا، ولاتميلوا يقال منه: عال الرجل يعول عولا وعيالة إذا مال وجار، ومنه عول الفرائض، لان سهامها إذا زادت دخلها النقص، قال أبوطالب: بميزان قسط وزنه غير عائل(5) وقال أبوطالب أيضا:
بميزان قسط لايخيس شعيرة
له شاهد من نفسه غير عائل(6)
وروي: لايضل شعيرة، وبهذا قال ابراهيم، وعكرمة، والحسن، ومجاهد، وقتادة، وأبومالك، والربيع بن أنس، والسدي، وابن عباس، واختاره الطبري، والجبائي.
وقال قوم: معناه: ألا تفتقروا، وهذا خطأ، لان [ العول ](7) الحاجة، يقال منه: عال الرجل يعيل عيلة إذا احتاج، كما قال الشاعر:
---
(1) في المطبوعة: (الا ماأمنتم به الجور فيه.).
(2) في المطبوعة: (مايراد النهي.) وفي المخطوطة: (مايراد به النهي.).
(3) سورة الكهف: آية 29.
(4) سورة النحل: آية 55، وسورة الروم: آية 34.
(5 - 6) سيرة ابن هشام 1: 296. وفي البيت رواية أخرى هي (بميزان صدق).
(7) أثبتنا ما بين القوسين لعدم تمامية المعني الايه.

(3/107)


تفسير التبيان ج3
وما يدري الفقير متى غناه
وما يدري الغني متى يعيل(1)
أي: متى يفتقر.
وقال ابن زيد: معناه: ألا تكثر عيالكم، وهذا أيضا خطأ، لان المراد لو كان ذلك لما أباح الواحدة، وما شاء من مالك الايمان، لان اباحة كل ماملكت اليمين أزيد في العيال من أربع حرائر، على أن من كثرة العيال يقال: أعال يعيل فهو معيل، إذا كثر عياله وعال العيال: إذا مانهم، ومنه قوله: ابدأ بمن تعول.
وحكي الكسائي، قال: سمعت كثيرا من العرب يقول: عال الرجل يعول إذاكثر عياله.
وقوله: " وآتوا النساء صدقاتهن نحلة " فصدقاتهن: جمع صدقة، يقال: هو صداق المرأة، وصدقة المرأة، وصدقة المرأة، وصداق المرأة، والفتح اقلها.
ومن قال: صدقة المرأة قال: صدقاتهن، كما تقول: غرفة وغرفات، ويجوز صدقاتهن، بضم الصاد وفتح الدال، وصدقاتهن، ذكره الزجاج. ولايقرأ من هذه إلا بما قرئ به صدقاتهن، لان القراء ة سنة متبعة.
وقوله: " نحلة " نصب على المصدر، ومعناه، قال بعضهم: فريضة، وقال بعضهم ديانة، كما يقال: فلان ينتحل كذا وكذا، أي يدين به، ذكره الزجاج، وابن خالويه.
قال بعضهم: هي نحلة من الله لهن، أن جعل على الرجل الصداق ولم يجعل على المرأة شيئا من الغرم، وذلك نحلة من الله تعالى للنساء.
ويقال: نحلت الرجل: إذا وهبت له نحلة ونحلا، ونحل جسمه ونحل: إذا دق، وسمي النحل نحلا لان الله نحل الناس منها العسل الذي يخرج من بطونها، والنحلة عطية عليك على غير جهة المثامنة، والنحلة الديانة، والمنحول من الشعر ماليس له، واختلفوا في المعني بقوله " وآتوا النساء " فقال ابن عباس، وقتادة، وابن جريج، وابن زيد، واختاره الطبري، والجبائي، والرماني، والزجاج: المراد به الازواج، أمرهم الله تعالى باعطاء المهر إذا دخل بها كملا، إذا سمى لها، فأما غير المدخول بها إذا طلقت فان لها نصف المسمى، وإن لم يكن سمى، فلها المتعة على ما بيناه فيما مضى.
---
(1) قائله أحيحة بن الجلاح الاوسي. معاني القرآن للفراء 1: 255، والكامل لابن الاثير 1: 278، واللسان (عيل) من قصيدة قالها في حرب بين قومه وبين الخزرج، وفي معاني القرآن بدل (وما) في الموضعين (ولا).

(3/108)


تفسير التبيان ج3
وقال أبوصالح: هذا خطاب للاولياء، لان الرجل منهم كان إذا زوج أيمة أخذ صداقها دونها، فنهاهم الله عن ذلك، وأنزل هذه الآية.
وروى هذا أبوالجارود، عن أبي جعفر (ع)، وذكر المعمر بن سليمان، عن أبيه، قال: زعم حضرمي ان اناسا كانوا يعطي هذا الرجل أخته، ويأخذ أخت الرجل، ولا يأخذون كثيرمهر، فنهى الله عن ذلك، وأمر باعطاء صداقهن، وأول الاقوال أقوى، لان الله تعالى ابتدأذكر هذه الآية بخطاب الناكحين للنساء، ونهاهم عن ظلمهن والجور عليهن، ولا ينبغي أن يترك الظاهر من غير حجة ولادلالة.
وقوله: (فان طبن لكم عن شئ منه نفسا) اختلفوا فيمن المخاطب به، فقال عكرمة، وابراهيم، وعلقمة، وقتادة، وابن عباس، وابن جريج، وابن زيد: الخطاب متوجه إلى الازواج، لان أناسا كانوا يتأثمون أن يرجع أحدهم في شئ مما ساق إلى امرأته، فانزل الله هذه الآية.
وقال أبوصالح:، المعني به الاولياء، لانه حمل أول الآية أيضا عليهم، على ما حكيناه عنه، والاول هو الاولى، لانابينا أن الخطاب متوجه إلى الازواج الناكحين، فكذلك آخر الآية.
ومعنى " فان طبن لكم عن شئ منه نفسا " إن طابت لكم أنفسهن بشئ، ونصبه على التمييز، كما يقولون: ضقت بهذا الامر ذرعا، وقررت به عينا، والمعنى ضاق به ذرعي وقرت به عيني، كما قال الشاعر:
إذا التياز ذو العضلات قلنا
" اليك اليك " ضاق بها ذراعا(1)
وإنما هو على ذرعا وذراعا، لان المصدر والاسم يدلان على معني واحد، فنقل صفة الذراع إلى رب الذراع، ثم أخرج الذراع مفسرة لموقع الفعل، ولذلك وحد النفس لما كانت مفسرة لموقع الخبر، والنفس المراد به الجنس، يقع على الواحد
---
(1) قائله القطامي، ديوانه: 44. واللسان (تيز) ومعاني القرآن 1: 256.
والتياز: الكثير اللحم. وقوله (اليك اليك) أي: خذها.

(3/109)


تفسير التبيان ج3
والجمع، كما قال الشاعر:
بها جيف الحسرى فأما عظامها
فبيض وأما جلدها فصليب(1)
ولم يقل: فجلودها، ولو قال: (فان طبن لكم عن شئ منه) أنفسا لمجاز، وكذلك ضقت به أذرعا وذراعا.
فأما قوله: (بالاخسرين أعمالا)(2) إنما جمع لئلا يوهم أنه عمل يضاف إلى الجميع، كما يضاف القتل إلى جماعة إذا رضوا به، ومالاوا عليه.
ومثل الآية: أنت حسن وجها، فالفعل للوجه، فلما نقل إلى صاحب الوجه، نصب الوجه على التمييز.
وقوله: (فكلوه هنيئا مريئا) فهنيئا مأخوذ من هنأت البعير بالقطران، وذلك إذا جرب فعولج به، كما قال الشاعر:
متبذلا تبدو محاسنه
يضع الهناء مواضع النقب(3)
فالهني شفاء من المرض، كما أن الهناء شفاء من الجرب.
ومعنى (فكلوه هنيئا مريئا) أي دواء شافيا، يقال منه: هنأني الطعام ومرأني: إذا صار لي دواء وعلاجا شافيا، وهنيني ومريني بالكسر، وهي قليلة، ومن قال: هناني يقول في المستقبل: يهناني، ويمراني، ومن يقول: هنأني، يقول يهنئني، ويمرئني، فاذا أفردوا قالوا: قد أمراني هذا الطعام، ولايقولون: أهنانى، والمصدر منه هنا، مرا، وقد مرؤ هذا الطعام مرا، ويقال: هنأت القوم إذا علتهم، وهنأت فلاناالمال إذا وهبته له، أهنؤه هنا، ومنه قولهم: انما سميت هانيا لتهنا، أي: لتعطي.
ومعنى قوله: (فان طبن لكم عن شئ منه) يعني من المهر، و " من " ههنا ليست للتبعيض وانما معناه لتبيين الجنس، كما قال (فاجتنبوا الرجس من الاوثان)(5) ولو وهبت له المهر كله لجاز، وكان حلالا بلاخلاف.
---
(1) قائله علقمة بن عبدة (علقمة الفحل) ديوانه: 27، وشرح المفضليات: 777، وسيبويه 1: 107 من قصيدة في الحارث بن جبلة بن أبي شمر الغساني حين أسر أخاه شأسا، فرحل اليه علقمة يطلب فكه.
وقوله: (بها حيف الحسرى) الضمير راجع إلى المطلوب في البيت السابق، وهي آثار الطريق، والصليب الودك الذي يسيل من جلودها بعد موتها.
(2) سورة الكهف: آية 104.
(3) قائله دريد بن الصمة. اللسان (نقب) والاغاني 10: 22، والشعر والشعراء 302.
والنقب - بضم النون وسكون القاف وفتحها - جمع نقبه، أول الجرب حين يبدو.
(4) سورة الحج: آية 30.

(3/110)


تفسير التبيان ج3
واستدل أبوعلي بهذه الآية على أن لولي اليتيمة الذي هو غير الاب أن يزوج اليتيمة، أو يتزوجها قبل أن تحيض، أو يكمل عقلها، بأن(1) قال الخطاب في قوله: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى) متوجه إلى الاولياء الذين كانوا يتحرجون من العقد على اليتامى اللائى لهم عليهن ولاية، خوفا من الجور، فقال الله لهم: ان خفتك من العقد على أربع فعلى ثلاث، أو اثنتين، أو واحدة، أوما ملكت أيمانكم من سوهن، ثم أمرهم باعطائهن المهر، ثم قال: (فان طبن لكم) يعني الازواج الذين هم الاولياء، " عن شئ " من ذلك، " فكلوه هنيئا مريئا " وهذا الذي قاله ليس بصحيح، لانه لايسلم له أولا أنه خطاب للاولياء، فما الدليل على ذلك ثم إن عندنا وعند الشافعي ليس لاحد من الاولياء أن يزوج الصغيرة إلا الاب(2) خاصة فكيف يسلم له ما قاله؟ ومن قال: يجوز ذلك، قال: يكون العقد موقوفا على بلوغها ورضاها، فان لم ترض كان لها الفسخ، فعلى كل حال لايصح ماقاله.
قوله تعالى: (ولاتؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا(5))
آية.
القراء ة، والمعنى: قرأنافع، وابن عباس، قيمابغير الف. اختلف أهل التأويل فيمن المراد بالسفهاء المذكورين في الآية، فقال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، والسدي، والضحاك، ومجاهد، وقتادة، وأبومالك: إنهم النساء والصبيان، وهو الذي رواه أبوالجارود، عن أبي جعفر (ع) وقال سعيد بن جبير، والحسن
---
(1) في المطبوعة: فان، وقد صححنا على المخطوطة.
(2) في المطبوعة: إلى الاب، وهو تحريف.

(3/111)


تفسير التبيان ج3
وقتادة، في رواية أخرى عنهم: أنهم الصبيان الذين لم يبلغوا فحسب، وقال أبومالك، معناه: لاتعط ولدك السفيه مالك فيفسده الذي هو قيامك وقال ابن عباس في رواية أخرى: إنها نزلت في السفهاء وليس لليتامى في ذلك شئ، وبه قال ابن زيد، وقال ابوموسى الاشعري ثلاثة يدعون فلا يستجيب الله لهم: رجل كانت له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، وقال: اللهم خلصني منها، ورجل أعطى مالا سفيها، وقد قال الله: " ولاتؤتوا السفهاء أموالكم "، ورجل له على غيره مال فلم يشهد عليه.
وقد روي عن أبي عبدالله (ع) ان السفيه شارب الخمر، ومن جرى مجراه، وقال المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: زعم حضرمي أن المراد به النساء خاصة، وروي ذلك عن مجاهد، والضحاك، وابن عمر، والاولى حمل الآية على عمومها في المنع من اعطاء المال السفيه، سواء كان رجلا أو امرأة بالغا أو غير بالغ.
والسفيه هو الذي يستحق الحجر عليه، لتضييعه ماله، ووضعه في غير موضعه، لان الله تعالى قال عقيب هذه الاوصاف: " وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح، فان آنستم منهم رشدا فادفعوا اليهم أموالهم " فامر الاولياء بدفع الاموال إلى اليتامى إذا بلغوا، وأونس منهم رشد، وقد يدخل في اليتامى الذكور والاناث، فوجب حملها على عمومها.
اللغة: فأما من حمل الآية على النساء خاصة، فقوله ليس بصحيح، لان فعيلة لايجمع فعلاء، وانما يجمع فعايل وفعيلات، كغريبة وغرايب وغريبات، وقد جاء: فقيرة وفقراء، ذكره الرماني. فأما الغرباء فجمع غريب.
المعنى: وقوله: " أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم " اختلفوا في معناه.

(3/112)


تفسير التبيان ج3
فقال ابن عباس، وأبوموسى الاشعري، والحسن، وقتادة، ومجاهد، وحضرمي.
معناه: لاتؤتوا ياأيها الرشد السفهاء من النساء والصبيان - على ماذكرنا من اختلافهم - " أموالكم التي جعل الله لكم " يعني أموالكم التي تملكونها، فتسلطوهم عليها، فيفسدوها، ويضيعوها، ولكن " ارزقوهم فيها " إن كانوا ممن يلزمكم نفقته، واكسوهم " وقولوا لهم قولا معروفا ".
وقال السدي: معناه: لاتعط امرأتك وولدك مالك، فيكونوا هم الذين ينفقون ويقومون عليك، واطعمهم من مالك، واكسهم.
وبه قال ابن عباس، وابن زيد.
وقال سعيد ابن جبير: يعني ب‍ " أموالكم " أموالهم، كما قال: " ولاتقتلوا أنفسكم "(1) قال: واليتامى لاتؤتوهم أموالهم، " وارزقوهم فيها واكسوهم ".
والاولى حمل الآية على الامرين، لان عمومه يقتضي ذلك، فلايجوز أن يعطى السفيه الذي يفسد المال، ولااليتيم الذي لم يبلغ، ولاالذي بلغ ولم يؤنس منه الرشد، ولا أن يوصى إلى سفيه، ولا يختص ببعض دون بعض، وإنما يكون اضافة مال اليتيم إلى من له القيام بأمرهم، على ضرب من المجاز، أو لانه أراد: لا تعطوا الاولياء ما يخصهم لمن هو سفيه(2) ويجري ذلك مجرى قول القائل لواحد: يافلان أكلتم أموالكم بالباطل، فيخاطب الواحد بخطاب الجميع، ويريد به أنك وأصحابك أو قومك أكلتم، ويكون التقدير في الآية: " ولاتؤتوا السفهاء أموالكم " التي بعضها لكم، وبعضها لهم، فيضيعوها.
اللغة: وقوله: " التي جعل الله لكم قياما " معناه: ماجعله قوام معايشكم ومعايش سفهائكم، التي بها تقومون قياما، وقيما، وقواما، بمعنى واحد.
وأصل القيام: القوام، فقلبت الواو ياء للكسرة التي قبلها، كما قالوا: صمت صياما، وحلت حيالا، ومنه: فلان قوام أهله، وقيام أهله.
---
(1) سورة النساء: آية 28.
(2) هكذا في المطبوعة والمخطوطة، وهي كما ترى.

(3/113)


تفسير التبيان ج3
ومنه: قوام الامر وملاكه، وهو اسم. والقيام مصدر.
المعنى: وبهذا التأويل قال أبومالك، والسدي، وابن عباس، والحسن، ومجاهد، وابن زيد.
وقوله: (وارزقوهم فيها واكسوهم) اختلفوا في تأويله، فمن قال: عنى بقوله: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) يعني أموال أولياء السفهاء، فانهم قالوا: معناه: وارزقوا أيها الناس سفهاء كم، من نسائكم وأولادكم من أموالكم، طعامهم، وما لابد لهم منه. ذهب إليه مجاهد، والسدي، وغيرهما ممن تقدم ذكره.
ومن قال: إن الخطاب للاولياء، بأن لايؤتوا السفهاء أموالهم، يعني أموال السفهاء، حمل قوله: " وارزقوهم فيها واكسوهم " على أنه من أموال السفهاء، يعني ما لابد منه من مؤنهم، وكسوتهم، وإذا حملنا الآية على عمومها، على مابيناه، فالتقدير: وارزقوا أيها الرشد من خاص أموالكم من يلزمكم النفقة عليه، مما لابد منه من مؤنة وكسوة، ولاتسلموا إليه إذا كان سفيها، فيفسد المال. ويا أيها الاولياء، أنفقوا على السفهاء من أموالهم، التي لكم الولاية عليها، قدر مايحتاجون إليه من النفقة والكسوة.
وقوله: (وقولوا لهم قولا معروفا) قال مجاهد، وابن جريج. قولوا لهم، يعني للنساء والصبيان، وهم السفهاء، " قولا معروفا " في البر والصلة.
وقال ابن زيد: ان كان السفيه ليس من ولدك، ولايجب عليك نفقته، فقل له قولا معروفا، مثل: عافانا الله وإياك، بارك الله فيك.
وقال ابن جريج: معناه: يامعاشر ولاة السفهاء، قولوا قولا معروفا للسفهاء، وهو: إن صلحتم ورشدتم، سلمنا إليكم أموالكم، وخلينا بينكم وبينها، فاتقوا الله في أنفسكم وأموالكم، وما أشبه ذلك، مما هو واجب عليكم، ويحثكم على الطاعة،، وينهاكم عن المعصية.

(3/114)


تفسير التبيان ج3
وقال الزجاج: معناه: علموهم مع إطعامكم إياهم وكسوتكم إياهم، أمر دينهم. وفي الآية دلالة على جواز الحجر على اليتيم إذا بلغ، ولم يؤنس منه الرشد، لان الله تعالى منع من دفع المال إلى السفهاء، وقد بيناأن المراد به أموالهم على بعض الاحوال.
وفي الآية دلالة على وجوب الوصية، إذا كان الورثة سفهاء، لان ترك الوصية بمنزلة إعطاء المال في حال الحياة إلى من هو سفيه، وإنما سمي الناقص العقل سفيها(1)، وان لم يكن عاصيا، لان السفه هو خفة الحلم، ولذلك سمي الفاسق سفيها، لانه لاوزن له عند أهل الدين(2)، والعلم فثقل الوزن وخفته، ككبر القدر وصغره.
قوله تعالى : (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فاذا دفعتم إليهم أموالهم فاشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا(6))
آية بلا خلاف.
المعنى: هذا خطاب لاولياء اليتامى، أمرالله تعالى بأن يختبروا عقول اليتامى في أفهامهم، وصلاحهم في أديانهم، وإصلاحهم أموالهم. وهو قول قتادة، والحسن، والسدي، ومجاهد، وابن عباس، وابن زيد. وقد بيناأن الابتلاء معناه الاختبار فيما مضى.
وقوله: " حتى إذا بلغوا النكاح " معناه: حتى يبلغوا الحد الذي يقدرون على مجامعة النساء وينزل، وليس المراد الاحتلام، لان في الناس من لايحتلم، أو يتأخر احتلامه، وهوقول أكثر المفسرين: مجاهد، والسدي، وابن عباس، وابن زيد.
---
(1) (سفيها) ساقطة من المطبوعة.
(2) عند (أهل الدين) ساقطة من المطبوعة.

(3/115)


تفسير التبيان ج3
ومنهم من قال: إذا كمل عقله، واونس منه الرشد، سلم إليه ماله، وهو الاقوى.
ومنهم من قال: لايسلم إليه حتى يكمل له خمس عشرة سنة، وإن كان عاقلا، لان هذا حكم شرعي، وبكمال العقل تلزمه المعارف لاغير، وقال أصحابنا: حد البلوغ إما بلوغ النكاح، أو الانبات في العانة، أوكمال خمس عشرة سنة.
وقوله: " فان آنستم منهم رشدا " معناه: فان وجدتم منهم رشدا وعرفتموه، وهو قول ابن عباس.
اللغة: تقول: آنست من فلان خيرا إيناسا وأنست به أنسا: إذا ألفته.
وفي قراء ة عبدالله: فان أحسيتم يعني أحسستم، أي وجدتم، والاصل فيه: أبصرتم.
ومنه قوله: " آنس من جانب الطور نارا "(1) أي أبصر، ومنه أخذ انسان العين، وهو حدقتها التي يبصر بها.
المعنى: واختلفوا في معنى الرشد(2)، فقال السدي، وقتادة: معناه عقلا ودينا وصلاحا.
وقال الحسن(3)، وابن عباس: معناه: صلاحا في الدين، وإصلاحا للمال.
وقال مجاهد، والشعبي: معناه العقل.
قال: لايدفع إلى اليتيم ماله، وإن أخذ بلحيته، وإن كان شيخا، حتى يؤنس منه رشده: العقل.
وقال ابن جريج: صلاحا، وعلما بما يصلحه. والاقوى أن يحمل على أن المراد به العقل، وإصلاح المال، على ماقال ابن عباس، والحسن، وهو المروي عن أبي جعفر (ع)، للاجماع على أن من يكون كذلك لايجوز الحجر في ماله، وان كان فاجرا في دينه، فاذا كان ذلك اجماعا
---
(1) سورة القصص: آية 29.
(2) (واختلفوا في معنى الرشد) ساقطة من المطبوعة.
(3) (الحسن) ساقط من المطبوعة.

(3/116)


تفسير التبيان ج3
فكذلك إذا بلغ، وله مال في يدوصي أبيه أو في يد حاكم قد ولي ماله، وجب عليه أن يسلم إليه ماله، إذا كان عاقلا، مصلحا لما له، وإن كان فاسقا في دينه. وفي الآية دلالة على جواز الحجر على العاقل، إذا كان مفسدافي ماله، من حيث أنه إذاكان عند البلوغ يجوز منعه المال إذا كان مفسدا له، فكذلك في حال كمال العقل إذاصار بحيث يفسد المال، جاز الحجر عليه، وهو المشهور في أخبارنا.
ومن الناس من قال: لايجوز الحجر على العاقل، ذكرناه في الخلاف.
وقوله: (فادفعوا إليهم أموالهم ولاتأكلوها إسرافا وبدارا) فهو خطاب لاولياء اليتيم، أمرهم الله تعالى إذا بلغ اليتيم، وأونس منه الرشد، على ما فسرناه، أن يسلم إليه ماله، ولايحبسه عنه.
وقوله: (ولا تأكلوها اسرافا) معناه بغير ما أباحه الله لكم.
وقال الحسن، والسدي: الاسراف في الاكل. وأصل الاسراف تجاوز الحد المباح إلى ما لم يبح، وربما كان ذلك في الافراط، وربما كان في التقصير غير أنه إذا كان في الافراط يقال منه: أسرف يسرف إسرافا، وإذا كان في التقصير يقال: سرف يسرف سرفا، يقال: مررت بكم فسرفتكم، يريد: فسهوت عنكم، واخطأتكم، كما قال الشاعر:
اعطوا هنيدة يحدوها ثمانية
ما في عطائهم من ولا سرف(1)
يعني لاخطأفيه، يريد أنهم يصيبون مواضع العطاء فلايخطونها.
وقوله: " وبدارا أن يكبروا " فالبدار والمبادرة مصدران، فنهى الله تعالى أولياء اليتامى أن يأكلوا أموالهم اسرافا بغير ما أباح الله لهم أكله، ولا مبادرة منكم بلوغهم، وإيناس الرشد منهم، حذرا أن يبلغو ا، فيلزمكم تسليمه إليهم، وبه قال ابن عباس، وقتادة، والحسن، والسدي، وابن زيد.
---
(1) قائله جرير ديوانه 2: 15 واللسان (هند) و (سرف) وهومن قصيدة يمدح بها يزيد بن عبدالملك، ويهجو آل المهلب.
قوله: (هنيدة) اسم لكل مئة من الابل، و (هنيد) لايصرف ولايدخل عليه الالف واللام ولايجمع وليس له واحد من جنسه.
و (ثمانية) أي ثمانية من العبيد: وكان في المخطوطة والمطبوعة (عطاء كم) وهو مناسب في المعنى ولكن لم أجد أحد يرويه الا (عطائهم).

(3/117)


تفسير التبيان ج3
وأصل البدار الامتلاء. ومنه البدر القمر، لامتلائه نورا، والبدرة: لامتلائها بالمال، والبيدر: لامتلائه بالطعام، وموضع " أن " نصب بالمبادرة، والمعنى: لاتأكلوها مبادرة كبرهم.
وقوله: (ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف " يعني: من كان غنيا من ولاة أموال اليتامى فليستعفف بماله عن أكلها، وبه قال ابن عباس، وابراهيم.
وقوله: (ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف) قال عبيدة: معناه القرض، وهو المروي عن أبي جعفر (ع)، ألا ترى أنه قال: (فاذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم) " ومن كان فقيرا " فاختلفوا في الوجه الذي يجوز له أكل مال اليتيم به إذا كان فقيرا، وهو المعروف، فقال سعيد بن جبير، وعبيدة السلماني، وأبوالعالية، وأبووائل، والشعبي، ومجاهد، وعمر بن الخطاب: هو أن يأخذه قرضا على نفسه فيما لابد له منه، ثم يقضيه، وبينا أنه المروي عن أبي جعفر (ع).
وقال الحسن، وإبراهيم، ومكحول، وعطاء بن أبي رباح: يأخذ ماسد الجوعة، ووارى العورة، ولا قضاء عليه، ولم يوجبوا أجرة المثل، لان أجرة المثل ربما كانت أكثر من قدر الحاجة. والظاهر في أخبارنا أن له أجرة المثل، سواء كان قدر كفايته، أولم يكن.
وسئل ابن عباس عن ولي يتيم له إبل هل له أن يصيب من ألبانها؟ فقال: إن كنت تلوط حوضها، وتهنأ جرباها، فأصبت من رسلها، غير مضر بغسل ولاناهكه في الحلب.
معنى تلوط حوضها: تطينه، وتهنأ جرباها، معناه: تطليها بالهناء، وهو الخضخاض، ذكره الازهري، والرسل اللبن، والنهك: المبالغة في الحلب.
واختلفوا في هل للفقير من ولي اليتيم أن يأكل من ماله هو وعياله، فقال عمروبن عبيد: ليس له ذلك، لقوله: " فليأكل بالمعروف " فخصه بالاكل، وقال الجبائي: له ذلك لان قوله: " بالمعروف " يقتضي أن يأكل هو وعياله، على ماجرت به العادة في أمثاله، وقال إن كان المال واسعا كان له أن يأخذ قدر كفايته، له ولمن يلزمه نفقته من غير اسراف، وإن كان قليلا كان له أجرة المثل

(3/118)


تفسير التبيان ج3
لاغير، وإنما لم يجعل له أجرة المثل إذا كان المال كثيرا، لانه ربما كان أجرة المثل أكثر من نفقته بالمعروف، وعلى ما قلناه من أن له أجرة المثل سقط هذا الاعتبار.
وقوله: (فاذا دفعتم إليهم أموالهم فاشهدوا عليهم) خطاب لاولياء اليتامى، إذا دفعوا أموال اليتامى إليهم، أن يحتاطوا لانفسهم بالاشهاد عليهم، لئلايقع منهم جحود، ويكونوا أبعد من التهمة، وسواء كان ذلك في أيديهم، أو استقرضوه ديناعلى نفوسهم، فان الاشهاد يقتضيه الاحتياط، وليس بواجب.
وقوله: (كفى بالله حسيبا) معناه: كفى الله، والباء زائدة، وقال السدي: معناه: شهيدا ههنا، وقيل: معناه: وكفى بالله كافيا من الشهود، ولان أحسبنى معناه: كفائي، والمعنى: وكفى بالله شهيدا في الثقة بايصال الحق إلى صاحبه والمحسب من الرجال المرتفع النسب. والمحسب، المكفى.
وولي اليتيم المأمور بابتلائه، وهوالذي جعل إليه القيام به، من وصي، أو حاكم، أو أمين،، ينصبه الحاكم. وأجاز أصحابنا الاستقراض من مال اليتيم إذا كان مليا، وفيه خلاف.
قوله تعالى: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والا قربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا(7))
آية بلاخلاف.
النزول: اختلفوا في سبب نزول هذه الآية، فقال قتادة، وابن جريج، وابن زيد: إن أهل الجاهلية كانوا يورثون الذكور دون الاناث، فنزلت هذه الآية ردا لقولهم.
وقال الزجاج: كانت العرب لاتورث إلا من طاعن بالرماح، وذاد عن الحريم والمال، فنزلت هذه الآية ردا عليهم، وبين أن للرجال نصيبا مما ترك الوالدان والاقربون، " وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والاقربون، مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا " يعني حظا مفروضا، قال الزجاج: مفروضا. نصب على الحال،

(3/119)


تفسير التبيان ج3
وقال غيره: هو إسم في موضع المصدر، كقولك قسما واجبا، وفرضا لازما، ولو كان إسما ليس فيه معنى المصدر، لم يجز قولك: عندي حق درهما، ويجوز: لك عندي درهم هبة مفترضة(1) وأصل الفرض الثبوت، والفرض: الحز في سية القوس حيث يثبت الوتر، والفرض: ما أثبته على نفسك من هبة أو صلة، والفرض: إيجاب الله عزوجل على العبد ما يلزمه فعله لاثباته عليه، والفرض: جند يفترضون، والفرض: ما أعطيت من غير قرض، لثبوت تمليكه، والفرض: ضرب من التمر.
والفارض المسنة، والفرضة: حيث ترمي(2) السفن من النهر وكل ضخم فارض، والفرق بين الفرض والوجوب أن الفرض هو الايجاب، غير أن الفرض يقتضي فارضا فرضه، وليس كذلك الواجب لانه قد يجب الشئ في نفسه من غير إيجاب موجب، ولذلك صح وجوب الثواب والعوض على الله تعالى، ولم يجز فرضه عليه.
وأصل الوجوب الوقوع، يقال: وجب الحائط وجوبا فهو واجب، إذا وقع، وسمعت وجبة أي وقعة كالهدة، ومنه " وجبت جنوبها "(3) أي وقعت لجنوبها، ووجب الحق وجوبا، إذا وقع سببه، كوجوب رد الوديعة، وقضاء الدين، ووجوب شكر المنعم، ووجوب الاجر، وإنجاز الوعد، ووجب القلب وجيبا إذا خفق من فزع وقعة كالهدة.
وفي الآية دليل على بطلان القول بالعصبة، لان الله تعالى فرض الميراث للرجال والنساء، فلو جاز أن يقال: النساء لايرثن في موضع، لجاز لآخرين أن يقولوا: والرجال لايرثون، والخبر المدعى في العصبة خبر واحد، لايترك له عموم القرآن، لانه معلوم، والخبر مظنون، وقد بينا ضعف الخبر في كتاب تهذيب الاحكام، فمن أراده وقف عليه من هناك.
وفي الآية أيضا دلالة على أن الانبياء يورثون، لانه تعالى عم الميراث للرجال والنساء، ولم يخص، نبيا من غيره، وكما لايجوز أن يقال: النبي لايرث،
---
(1) في المطبوعة: مقبوضة.
(2) في المطبوعة: ترقا.
(3) سورة الحج: آية 36.

(3/120)


تفسير التبيان ج3
لانه خلاف الآية، فكذلك لايجوز أن يقال: لايورث، لانه خلافها، والخبر الذي يروون أنه قال: نحن معاشر الانبياء لانورث، ماتركناه صدقة، خبر واحد، وقد بينا مافيه، في غير موضع، وتأولناه، بعد تسليمه.
قوله تعالى: (وإذاحضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا(8))
آية بلاخلاف.
المعنى: هذه الآية عندنا محكمة، وليست منسوخة، وهو قول ابن عباس، وسعيد ابن جبير، والحسن، وابراهيم، ومجاهد، والشعبي، والزهري، ويحيى بن يعمر، والسدي، والبلخي، والجبائي، والزجاج، وأكثر المفسرين والفقهاء.
وقال سعيد ابن المسيب، وأبومالك، والضحاك، هي منسوخة، وإرزاق من حضر قسمة الميراث من هذه الاصناف، ليس بواجب، بل هومندوب إليه، وهو الذي اختاره الجبائي، والبلخي، والرماني، وجعفر بن مبشر، وأكثر الفقهاء والمفسرين.
وقال مجاهد: هو واجب، وحق لازم ماطابت به أنفس الورثة. وكل من ذهب إلى أنها منسوخة قال: إن الرزق ليس بواجب، وكذلك من قال انها في الوصية. واختلفوا فيمن المخاطب بقوله: " فارزقوهم " فقال أكثر المفسرين: إن المخاطب بذلك الورثة، أمروا بأن يرزقوا المذكورين، إذا كانوا لاسهم لهم في الميراث، وقال آخرون إنها تتوجه إلى من حضرته الوفاة، وأراد الوصية، فانه ينبغي له أن يوصي لمن لايرثه من هؤلاء المذكورين، بشئ من ماله.
وروي هذا القول الاخير عن ابن عباس، وعبدالله بن عبدالرحمن بن أبي بكر، وسعيد ابن المسيب، واختار الطبري هذا الوجه، والوجه الاول روي عن ابن عباس، وعبدالله بن الزبير، وأبي موسى الاشعرى، وابن سيرين، والحسن، وسعيد بن جبير.

(3/121)


تفسير التبيان ج3
قال سعيد بن جبير: إن كان الميت أوصى لهم بشئ أنفذت وصيته، وإن كان الورثة كبارا أرضخوا لهم، وإن كانوا صغارا قال وليهم: إني لست أملك هذا المال، وليس لي، إنما هو للصغار، فذلك قوله: (وقولوا لهم قولا معروفا) وبه قال السدي، وابن عباس.
واختلفوا فيمن المامور [ بقول ](1) المعروف، فقال سعيد بن جبير: أمر الله يقول الولي الذي لايرث، للمذكورين قولا معروفا، ويقول: إن هذا لقوم غيب أو يتامى صغار، ولكم فيه حق، ولسنا نملك أن نعطيكم منه.
وقال قوم: المأمور بذلك الرجل الذي يوصي في ماله، والقول المعروف: أن يدعو لهم بالرزق والغنى، وما أشبه ذلك.
وروي عن ابن عباس، وسعيد بن المسيب، وابن زيد: أن الآية في الوصية، على أن يوصوا للقرابة، ويقولوا لغيرهم قولا معروفا.
ومن قال إنها على الوجوب، قال: لايعطي من مال اليتيم شيئا، ويقول قولا معروفا، ذهب إليه ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، والسدي.
وروى ابن علية، عن عبيدة، أنه ذبح شاة من مال اليتيم، وقسمه بينهم، وقال: كنت أحب أن يكون من مالي لولا هذه الآية.
وعمل ابن سيرين في مال اليتيم ماعمل عبيدة، وأقوى الاقوال أن يكون الخطاب متوجها إلى الوراث البالغين، لان فيه أمرا بالرزق لمن حضر، ولم يخاطب الله من لايملك أن يخرج من مال غيره شيئا، فكأن الله تعالى حث هؤلاء، ورغبهم في أن يجعلوا للحاضرين شيئا مما يحقهم(2)، ويقولوا لهم قولا، معروفا، فيصير ردا جميلا، من غير تأفف، ولا تضجر، وكذلك لو قلنا إنها متوجهة إلى الموصي، لكان محمولا على أنه يستحب له أن يوصي لهؤلاء بشئ من ماله، مالم يزد على الثلث، فان لم يختر ذلك قال لهم قولا جميلا، لا يتألمون منه، ولا يغتمون به.
وفي الآية حجة على المجبرة، لانه تعالى قال: " فارزقوهم " وفيه دلالة على أن الانسان يرزق غيره على معنى التمليك، وأن الله لايرزق حراما، لانه لو رزقه لخرج برزقه إياه من أن يكون حراما، ومثله قوله: " وهو خير الرازقين ".
---
(1) في المطبوعة: لقوله المعروف، وفي المخطوطة: لقوله بالمعروف، وكلاهما تحريف.
(2) هكذا في المطبوعة والمخطوطة والاولى: مما يلحقهم.

(3/122)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا(9))
آية بلاخلاف.
المعنى: قيل في معنى الآية أربعة أقوال: أحدها - النهي عن الوصية بمايجحف بالورثة، ويضر بهم، هذا قول ابن عباس، في بعض الروايات، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، والسدي، والضحاك، ومجاهد.
الثاني - قال الحسن: كان الرجل يكون عند الميت فيقول: أوص بأكثر من الثلث من مالك، فنهاه الله عن ذلك.
الثالث - روي عن ابن عباس: أنه خطاب لولي مال اليتيم، يأمره بأداء الامانة فيه، والقيام بحفظه، كما لو خاف على مخلفيه، إذاكانوا ضعافا، وأحب أن يفعل بهم.
الرابع - قال مقسم: هي في حرمان ذوي القربى أن يوصي لهم، بأن يقول الحاضر للوصية: لاتوص لاقاربك، ووفر على ورثتك.
اللغة: والذرية: على وزن فعلية، منسوبة إلى الذر، ويجوز أن يكون أصلها ذرورة، لكن الراء أبدلت ياء، وأدغمت الواو فيها، وهي بضم الذال، ويجوز فيها كسرها، وقد قرئ به في الشواذ، ومن كسر الذال فلكسرة الراء، كما قالوا في عنى عتي، وعصي، وضعاف: جمع ضعيف وضعيفة، كقولك: ظريف وظريفة وظراف، وخبيث وخباث، ويجمع أيضا ضعفاء.
وأصل الضعاف من الضعف، وهو النقص في القوة، ومنه المضاعف، لانه ينفي الضعف، ومنه الضعف.
وقوله: (فليتقوا الله) يعني: فليتقوا معاصيه، (وليقولوا قولا سديدا)

(3/123)


تفسير التبيان ج3
وهو السليم من خلل الفساد، وذلك الحق بالدعاء إلى العدل في القسم بمالايجحف بالورثة، ولايحرم ذوي القربي، وأصل السديدمن سد الخلل، تقول: سددته أسده سدا، والسداد: الصواب، والسداد - بكسر السين - من قولهم: فيه سداد من عوز، وسدد السهم: إذا قومه، والسد الردم، والسدة في الانف.
المعنى: ومعنى الآية، أنه ينبغي للمؤمن الذي لو ترك ذرية ضعافا بعد موته، خاف عليهم الفقر والضياع، أن يخشى على ورثة غيره من الفقر والضياع، ولايقول لمن يحضر وصيته أن يوصي بما يضر بورثته، وليتق الله في ذلك، وليتق الاضرار بورثة المؤمن، وليقل قولا سديدا، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وآله أن يوصى بأكثر من الثلث، وقال: " والثلث كثير " وقال لسعد " لان تدع ورثتك أغنياء أحب الي من أن تدعهم عالة يتكففون الناس بأيديهم ".
الآية: 10 - 19
قوله تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامي ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا(10))
آية.
القراء ة والحجة: قرأ ابن عامر، وأبوبكر، عن عاصم: وسيصلون - بضم الياء - الباقون، بفتحها، والفتح أقوى، لقوله: " لايصلاها إلا الاشقى "(1) وقوله: " إلا من هو صال الجحيم "(2) ومن ضم الياء ذهب إلى أصلاه الله إذا أحرقه بالنار.
المعنى: وإنما علق الله تعالى الوعيد في الآية لمن يأكل أموال اليتامى ظلما، لانه قد
---
(1) سورة الليل: آية 15.
(2) سورة الصافات: آية 163.

(3/124)


تفسير التبيان ج3
يأكله على وجه الاستحقاق، بأن يأخذ منه أجرة المثل، على ماقلناه. أو يأكل منه بالمعروف على مافسرناه، أو يأخذه قرضا على نفسه، فان قيل: إذا أخذه قرضا على نفسه، أو أجرة المثل، فلايكون أكل مال اليتيم، وإنما أكل مال نفسه.
قلنا: ليس الامر على ذلك، لانه يكون أكل مال اليتيم، لكنه على وجه التزم عوضه في ذمته، أو استحقه بالعمل في ماله، فلم يخرج بذلك من استحقاق الاسم بانه مال اليتيم، ولو سلم ذلك، لجاز أن يكون المراد بذلك ضربا من التأكيد وبيانا، لانه لايكون أكل مال اليتيم إلا ظلما. ونصب ظلما على المصدر، وتقديره: إن من أكل مال اليتيم فانه يظلمه ظلما.
وقوله: (إنما يأكلون في بطونهم نارا) قيل في معناه وجهان: أحدهما - ماقاله السدي من أن من أكل مال اليتيم ظلما يبعث يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه، ومن مسامعه، ومن أذنيه وأنفه وعينيه، يعرفه من رآه. بأكل مال اليتيم.
الثاني - أنه على وجه المثل، من حيث أن فعل ذلك يصير إلى جهنم، فتمتلئ بالنار أجوافهم، عقابا على ذلك الاكل منهم، كما قال الشاعر:
وان الذي اصبحتم تحلبونه
دم غير أن اللون ليس باحمرا
يصف أقواما أخذوا الابل في الدية، يقول: فالذي تحلبون من ألبانها ليس لبنا، إنما هو دم القتيل.
اللغة: وقوله: (وسيصلون سعيرا) فالصلا لزوم النار، للاحراق، أو التسخن، أوالانضاج، يقال: صلي بالنار يصلى صلا بالقصر، قال العجاج: وصاليات للصلا صلي(1) ويقال الصلا بالكسر والمد، قال الفرزدق:
---
(1) ديوانه: 67 من ارجوزته المشهورة.

(3/125)


تفسير التبيان ج3
وقاتل كلب الحي عن نار أهله
ليربض فيها والصلا متكنف(1)
واصطلى صلى بالنار اصطلاء، وأصليته النار اصلاء، إذا القيته فيها.
وفي التنزيل: " فسوف نصليه نارا "(2) والصالي بالشر الواقع فيه قال الشاعر:
لم اكن من جناتها علم الله
واني بحرها اليوم صالي(3)
ومنه شاة مصلية، أي مشوية.
والسعير بمعنى مسعورة، مثل كف خضيب، بمعنى مخضوبة، والسعر اشعال النارتقول سعرتها أسعرها سعرا.
ومنه قوله: " وإذا الجحيم سعرت "(4) واستعرت النار في الحطب استعارا، واستعرت الحرب والشر استعارا، ومنه سعر السوق، لاستعارها به في النفاق.
المعنى: وأكل مال اليتيم على وجه الظلم، وغصبه متساويان في توجه الوعيد إليه، ولايدل على مثل ذلك في غير مال اليتيم، لان الزواجر عن مال اليتيم أعظم.
وقال الجبائي: هماسواء، ومن غصب من مال اليتيم خمسة دراهم فان الوعيد يتوجه إليه وقال الرماني: لايتوجه إليه، لان أقل المال مئتادرهم.
وقال الجبائي: يلزمه كما يلزم مانع الزكاة.
وقال الرماني: هذا ليس بصحيح، لانه يجوز أن يكون منع الزكاة أعظم، وما قلناه أولا أولى بعموم الآية.
وقوله: لايسمى المال إلا مئتادرهم دعوى محضة، لابرهان عليها.
---
(1) ديوانه: 56 والنقائض 561 واللسان (صلا) والمعنى: ان الكلب يزاحم أهل الحي على النار وهم متجمعون - متكنفون - عليها من شدة البرد.
(2) سورة النساء: آية 29.
(3) قائله الحارث بن عباد البكري الاصمعيات 67 القصيدة 17، وحماسة البحتري 33 والكامل لابن الاثير 1: 220 وخزانة الادب 1: 225 وغيرها. وقد مر البيت في 1: 195 من هذا الكتاب.
(4) سورة التكوير: آية 12.

(3/126)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين فان كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولابويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فان لم يكن له ولد وورثه أبواه فلامه الثلث فان كان له إخوة فلامه السدس من بعد وصية يوصى بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لاتدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما(11))
آية بلاخلاف.
القراء ة والحجة: قرأ ابن عامر، وابن كثير، وأبوبكر، عن عاصم: يوصى - بفتح الصاد - الباقون بكسرها، وهو الاقوى، لقوله: " مما ترك إن كان له ولد " فتقدم ذكر الميت، وذكر المفروض مما ترك(1)، ومن فتحها فلانه ليس لميت معين، وإنما هو شائع في الجميع.
سبب النزول والقصة: وقيل في سبب نزول هذه الآية قولان: أحدهما - قال السدي، وابن عباس: إن سبب نزولها، أن القوم لم يكونوا يورثون النساء والبنات والبنين الصغار، ولم يورثوا إلا من قاتل وطاعن، فأنزل الله الآية، وأعلمهم كيفية الميراث.
وقال عطاء، عن ابن عباس، وابن جريج، عن مجاهد، عن ابن عباس، إنهم كانوا يورثون الولد، وللوالدين الوصية، فنسخ الله ذلك.
وقال محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: كنت عليلا مدنفا، فعاده النبي صلى الله عليه وآله، ونضح الماء على وجهه فأفاق، وقال: يارسول الله، كيف أعمل في مالي: فأنزل الله الآية.
---
(1) في المطبوعة (ماترك)

(3/127)


تفسير التبيان ج3
وروي عن ابن عباس قال: كان المال للولد، والوصية للوالدين والاقربين، فنسخ(1) ذلك بهذه الآية.
المعنى: وهذه الآية عامة في كل ولد يتركه الميت، وان المال بينهم للذكر مثل حظ الانثيين، وكذلك حكم البنت والبنتين. والبنت(2) لها النصف، ولهما الثلثان على كل حال، إلا من خصه الدليل من الرق، والكفر، والقتل، فانه لاخلاف أن الكافر، والمملوك، والقاتل عمدا، لايرثون، وإن كان القائل خطأ، فقيه الخلاف وعندنا يرث من المال دون الدية. فأما المسلم فانه عندنا يرث الكافر، وفيه خلاف، ذكرناه في مسائل الخلاف، والعبد لايورث لانه لايملك شيئا، والمرتد لايرث وميراثه لورثته المسلمين، وهذا قول علي (ع).
وقال سعيد بن المسيب: نرثهم ولايرثونا وبه قال معاوية، والحسن، وعبدالله بن معقل، ومسروق وقوله صلى الله عليه وآله " لايتوارث أهل ملتين " معناه: لايرث كل واحد منهما صاحبه، فانا نقول: المسلم يرث الكافر، والكافر لايرث المسلم، فلم تثبت حقيقة التوارث بينهما.
ومعنى: " يوصيكم الله " فرض عليكم، لان الوصية من الله فرض، كما قال: " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به "(3) يعني فرض، عليكم، ذكره الزجاج، وإنما لم يعد قوله: " يوصيكم " إلى (مثل) فينصبه، لانه كالقول في حكاية الجملة بعده، والتقدير: قال الله: " في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين " ولان الغرض بالآية الفرق بين الموصى به والموصى له، في نحو أوصيت زيدا بعمرو.
وقوله: (فان كن نساء فوق اثنتين) فالظاهر يقتضي أن الثنتين لايستحقان الثلثين، وإنما يستحق الثلثان إذا كن فوق اثنتين، لكن أجمعت الامة أن حكم البنتين حكم من زاد عليهما من البنات، فتركنا له الظاهر.
---
(1) في المطبوعة (فنسخ بهذه الآية) باسقاط ذلك.
(2) (والبنت) ساقطة من المطبوعة.
(3) سورة الانعام: آية 151.

(3/128)


تفسير التبيان ج3
وقال أبوالعباس المبرد، واختاره إسماعيل بن اسحاق القاضي: إن في الآية دليلا على أن للبنتين الثلثين، لانه إذاقال: (للذكر مثل حظ الانثيين) وكان أول العدد ذكرا وأنثى، للذكر الثلثان وللانثى الثلث علم من ذلك أن للبنتين الثلثين، وأعلم الله أن مافوق البنتين لهن، الثلثان.
وحكى الزجاج عمن قال: ذلك معلوم، بقوله تعالى: (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ماترك)(1) فجعل للاخت النصف، كما جعل للبنت النصف، ثم قال: (فان كانتا اثنتين فلهما الثلثان)(2) فأعطيت البنتان الثلثين(3)، كما أعطيت الاختان الثلثين وأعطي جملة الاخوات الثلثين، فكذلك جملة البنات.
وذكر عن ابن عباس: أن البنتين بمنزلة البنت، وإنما استحق الثلثين الثلاث بنات فصاعدا.
وحكى النظام، في كتاب النكت، عن ابن عباس: أن للبنتين نصفا وقيراطا، قال: لان للبنت الواحدة النصف، وللثلاث بنات الثلثين، فينبغي أن يكون للبنتين ما بينهما، ثم يشتركان في النصف وقيراط بالسوية.
وقوله: (وإن كانت واحدة فلها النصف " يدل على أن فاطمة (ع) كانت مستحقة للميراث، لانه عام في كل بنت، والخبر المدعي في أن الانبياء لايورثون خبر واحد، لايترك له عموم الآية لانه معلوم لايترك بمظنون.
وقوله: (ولابويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد) ليس في ذلك خلاف، وكذلك إن كان واحد من الابوين مع الولد، كان له السدس بالتسمية، بلاخلاف، ثم ينظر، فان كان الولد ذكرا، كان الباقي للولد واحدا كان أو أكثر، بلا خلاف، وكذلك إن كانوا ذكورا واناثا فالمال بينهم، " للذكر مثل حظ الانثيين " وإن كانت بنتا كان لها النصف، ولاحد الابوين السدس، والباقي عندنا يرد على البنت وأحد الابوين على قدر سهامهما، أيهما كان، لان قرابتهما سواء، ومن خالفنا يقول: إن كان أحد الابوين اباكان الباقي له، لانه عصبة وإن كانت أما ففيهم من يقول بالرد على البنت وعلى الام ومنهم من يقول: الباقي لبيت المال،
---
(1، 2) سورة النساء: آية 175.
(3) في المخطوطة والمطبوعة (اعطيت البنتين الثلثان) وهو؟.

(3/129)


تفسير التبيان ج3
وإنما رددنا عليهما لقوله: (وألوا الارحام بعضهم أولى ببعض(1) وههنا هما متساويان، لان البنت تتقرب بنفسها إلى الميت، فكذلك أحد الابوين، والخبر المدعى في أن ماأبقت الفرائض فلاولي عصبة ذكر، خبر ضعيف، بينا وجهه في تهذيب الاحكام، لايخص به عموم القرآن.
وقوله (فان لم يكن له ولد وورثه أبواه فلامه الثلث) فمفهومه أن الباقي للاب وليس فيه خلاف، فان كان في الفريضة زوج كان له النصف، وللام الثلث بالظاهر، وما بقى فللاب.
ومن قال: للام ثلث ما يبقي، فقد ترك الظاهر، وبمثل ماقلناه قال ابن عباس، فان كان بدل الزوج زوجة، كان الامر مثل ذلك، للزوجة الربع، وللام الثلث، والباقي للاب، وبه قال ابن عباس، وابن سيرين.
قوله: (فان كان له إخوة فلامه السدس) ففي أصحابنا من يقول: إنما يكون لها السدس إذا كان هناك أب لان التقدير: فان لم يكن له ولد وورثه أبواه فلامه الثلث، فان كان له إخوة وورثه أبواه فلامه السدس، ومنهم من قال: إن لها السدس مع وجود الاخوة، سواء كان هناك أب أو لم يكن، وبه قال جميع الفقهاء، غير أنا نقول: إن كان هناك أب، كان الباقي للاب، وإن لم يكن أب كان الباقي ردا على الام، ولايرث - أحد من الاخوة والاخوات مع الام شيئا، سواء كانوا من قبل أب وأم أومن قبل أب، أو من قبل أم - على حال، لان الام أقرب منهم بدرجة، ولا يحجب عندنامن الاخوة إلا من كان من قبل الاب والام، أو من قبل الاب، فأما من كان من قبل الام فحسب، فانه لايحجب على حال، ولايحجب أقل من أخوين، أو أخ وأختين، أو أربع أخوات، فأما الاختان فلايحجبان على حال، وخالفنا جميع الفقهاء في ذلك فأما الاخوان(2) فلا خلاف أنه تحجب بهماالام عن الثلث إلى السدس، إلا ماقال إبن عباس: أنه لايحجب بأقل من ثلثة، لقوله: " إخوة " والثلاثة أقل الجمع، وحكي عن
---
(1) سورة الانفال: آية 75.
(2) في المطبوعة (الاخوات).

(3/130)


تفسير التبيان ج3
ابن عباس أيضا: أن ما يحجبه الاخوة من سهم الام من الثلث إلى السدس، يأخذه الاخوة دون الاب، وذلك خلاف ما أجمعت الامة عليه، لانه لاخلاف أن أحدامن الاخوة لايستحق مع الابوين شيئا، وإنما قلناإن اخوة بمعنى أخوين للاجماع من أهل العصر على ذلك، وأيضا فانه يجوز وضع لفظ الجمع في موضع التثنية إذا اقترنت به دلالة، كماقال: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما)(1) ويقول القائل: ضربت الرجلين أرؤسهما، ومن أخويك ظهورهما.
فان قيل: لم حجب الاخوة الام من غير أن يرثوامع الاب؟ قلنا: قال قتادة: معونة للاب، لانه يقوم بنفقتهم، ونكاحهم، دون الام، وهذا بعينه رواه أصحابنا، وهو دال على أن الاخوة من الام لايحجبون، لان الاب لايلزمه نفقتهم على حال.
وقوله: (آباؤكم وأبناؤكم لاتدرون أيهم أقرب لكم نفعا) معناه: لاتعلمون أيهم أقرب لكم نفعا في الدين والدنيا، والله يعلمه، فاقسموه على مابينه من يعلم المصلحة فيه.
وقال بعضهم: الاب يجب عليه نفقة الابن إذا احتاج إليها، وكذلك الابن يجب عليه نفقة الاب مع الحاجة، فهما في النفع في هذا الباب سواء، لاتدرون أيهم أقرب نفعا.
وقيل: لاتدرون أيكم يموت قبل صاحبه، فينتفع الآخر بماله.
فان قيل: كيف قدم الوصية على الدين في هذه الآية وفي التي بعدها، مع أن الدين يتقدم عليها بلاخلاف؟ قلنا: لان (أو) لاتوجب الترتيب، وإنما هي لاحد الشيئين، فكأنه قال: من بعد أحد هذين، مفردا أو مضموما إلى الآخر كقولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين، أي جالس أحدهما مفرداأو مضموما إلى الآخر ويجب البدأة بالدين، لانه مثل رد الوديعة التي يجب ردها على صاحبها، فكذلك حال الدين، وجب ره أولا، ثم يكون بعده(2) الوصية، ثم الميراث.
وماقلنا اختاره الجبائي، والطبري، وهو المعتمد عليه في تأويل الآية.
---
(1) سورة التحريم: آية 4.
(2) في المطبوعة (هذه) بدل (بعده)

(3/131)


تفسير التبيان ج3
وقوله: (فريضة من الله) نصب على الحال من قوله: (لابويه) وتقديره: فلهؤلاء الورثة ما ذكرناه مفروضا، ف‍ " فريضة " مؤكدة لقوله: " يوصيكم الله " هذا قول الزجاج، وقال غيره: هونصب على المصدر من قوله: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين) فرضا مفروضا.
وقال غيره: يجوز أن يكون نصبا على التمييز من قوله: (فلامه السدس) فريضة، كما تقول: هولك صدقة، أوهبة. والثلث، والربع، والسدس، يجوز فيه التخفيف والتثقيل، فالتخفيف لثقل الضمة، وقال قوم: الاصل فيها التخفيف، وإنما ثقل للاتباع، قال الزجاج: هذا خطأ لان الكلام وضع على الايجاز بالتخفيف عن التثقيل.
وقوله: (إن الله كان عليما حكيما) قيل(1) في معناه ثلاثة أقوال: أحدها - قال سيبويه: كان القوم شاهدوا علما: وحكمة، ومغفرة، وتفضلا، فقيل لهم: (إن الله كان عليما حكيما) لم يزل على ما شاهدتم عليه(2).
والثاني - قال الحسن: كان الله عليما بالاشياء قبل حدوثها، حكيما فيما يقدره ويدبره منها.
الثالث - قال بعضهم: الخبر عن هذه الاشياء بالمضي، كالخبر بالاستقبال والحال، لان الاشياء عند الله على كل حال فيما مضى ومايستقبل.
وإنما قال في تثنية الاب والام: أبوان تغليبا للفظ الاب، ويقال أيضا للام أبة، ولايلزم على ذلك أن يقال: في إبن وإبنة: إبنان، لانه يوهم، فان لم يوهم جاز ذلك ذكره الزجاج.
---
(1) المطبوعة (فيدخل) بدل (قيل).
(2) هكذافي المخطوطة والمطبوعة والعبارة فيها ما ترى.

(3/132)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (ولكم نصف ماترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فان كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فان كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين وإن كان رجل يورث كلالة أو أمرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فان كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عليم حليم(12))
آية بلاخلاف.
قوله: (ولكم نصف ماترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد) لاخلاف أن للزوج نصف ماتترك الزوجة إذا لم يكن لها ولد، فان كان لها ولد فله الربع أيضا بلاخلاف سواء كان الولد منه أو من غيره، وإن كان ولد لايرث لكونه مملوكا، أو كافرا، أو قاتلا، فلا يحجب الزوج من النصف إلى الربع، ووجوه كعدمه.
وكذلك حكم الزوجة، لهاالربع إذا لم يكن المزوج ولد، على ما قلناه في الزوجة سواء، فان كان له ولد، كان لها الثمن، وما تستحقه الزوجة إن كانت واحدة فهو لها، وإن كن اثنتين أو ثلاثا أو أربعا لم يكن لهن أكثر من ذلك بلاخلاف، ولا يستحق الزوج أقل من الربع في حال من الاحوال، ولا الزوجة أقل من الثمن على وجه من الوجوه، ولايدخل عليهما النقصان، وكذلك الابوان لاينقصان في حال من الاحوال من السدسين، لان العول عندنا باطل على مابيناه في مسائل الخلاف.
وكل من ذكر الله له فرضا، فانما يستحقه إذاأخرج من التركة الكفن، والدين، والوصية، فان استغرق الدين المال لم تنفذ الوصية، ولا ميراث، وإن بقي نفذت الوصية، مالم تزد على ثلث ما يبقي بعد الدين، فان زادت ردت إلى الثلث.
وقوله: (وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت) يعني من الام، بلاخلاف.

(3/133)


تفسير التبيان ج3
الاعراب: " وكلالة " نصبه يحتمل أمرين: أحدهما - على أنه مصدر وقع موقع الحال، وتكون كان تامة، وتقديره: يورث متكلل النسب كلالة. والثاني - بأن يكون خبركان، ذكره الرماني، والبلخي، وتقديره " فان كان " (رجل) إسم كان ويورث: صفته. وكلالة خبره. والاول هو الوجه، لان (يورث) هوالذي اقتضى ذكر الكلالة، كما تقول: يورث هذا الرجل كلالة، بخلاف من يورث ميراث الصلب، ويورث كلالة عصبة وغير عصبة.
المعنى: واختلفوا في معنى الكلالة، فقال أبوبكر وعمر، وابن عباس، وابن زيد، وقتادة، والزهري، وابن اسحاق: هوماعدا الوالد والولد(1).
وروي عن ابن عباس في رواية أخرى، أن الكلالة ما عدا الولد(2)، وورث الاخوة من الام السدس مع الابوين، وهذاخلاف إجماع أهل الاعصار.
وقال ابن زيد: الميت يسمى كلالة.
وقال جابر، وابن زيد: من عدا الوالد والولد من الورثة يسمى كلالة، فعلى هذا يسمى الزوج والزوجة كلالة، وقال قوم: الكلالة هوالميت الذي لاولدله، ولاوالد. وعندنا أن الكلالة هم الاخوة والاخوات، فمن ذكر في هذه الآية هومن كان من قبل الام، ومن ذكر في آخر السورة فهو من قبل الاب والام، أو من قبل الاب.
اللغة: وأصل الكلالة: الاحاطة، فمنه الاكليل، لاحاطته بالرأس، ومنه الكل
---
(1، 2) في المخطوطة (ماعدا الولد) في الموضعين.

(3/134)


تفسير التبيان ج3
لاحاطته بالعدد، والكلالة لاحاطتها بأصل النسب الذي هوالولد والوالد، ومنه الكلال، لانه تعب قد أحاط.
وقال أبومسلم: أصلها من كل إذا أعيا، فكأنه تناول الميراث من بعد على كلال وإعياء.
وقال الحسين بن علي المغربي: أصله عندي ما تركه الانسان وراء ظهره، مأخوذا من الكلالة، وهي مصدر الاكل، وهو الظهر، وقال: قرأت على أبي أسامة في كتاب الجيم، لابي عمرو الشيباني: تقول العرب: ولاني فلان أكله على وزن أظله، أي: ولاني ظهره، قال وهذا الاسم تعرفه العرب، وتخبر به عن جملة النسب والوراثة، قال عامر بن الطفيل:
وأني وان كنت ابن فارس عامر
وفي السر منها والصريح المهذب
فما سودتني عامر عن كلالة
أبى الله ان أسمو بأم ولاأب(1)
هكذا أنشده الرازي في كتابه، وينشد عن وراثة.
وقال زياد بن زيد العذري:
ولم أرث المجد التليد كلالة
ولم يأن مني فترة لعقيب
والكل الثقل، ويقولون لابن الاخ ومن يجري مجراه، ممن يعال على وجه التبرع: هذاكلي، ومن قال: إن الاب لايدخل في الكلالة استدل بقول الشاعر:
فان أبا المرء أحمى له
ومولى الكلالة لايغضب(2)
فأفرد الاب من الكلالة. ولاخلاف أن الاخوة والاخوات من الام يتساوون في الميراث.
الاعراب: وقوله: " وصية " نصب على المصدر بقوله: " يوصيكم الله " وصية وقال الفراء: نصب بقوله: " فلكل واحد منها السدس " وصية كما نقول: لك درهمان نفقة إنى أهلك، والاول أعم فائدة، وأولى.
---
(1) اللسان (كال).
(2) اللسان (كل).

(3/135)


تفسير التبيان ج3
وقوله: " والله عليم حليم " معناه ههنا: عليم بمصالح خلقه، حليم بامهال من يعصيه، فلا يغتر مغتر بامهاله.
وقوله: " وإن كان رجلا يورث كلالة أو أمرأة " ثم قال: " وله أخ أو أخت " ولم يقل: لهما، كما تقول: من كان له أخ أو أخت فليصله، ويجوز: فليصلها، ويجوز: فليصلهما، فالاول يرد الكناية إلى الاخ، والثاني على الاخت، والثالث عليهما، كل ذلك حسن.
وقوله: " غير مضار " نصب على الحال، يعني: يوصي بذلك غير مضار.
وقال الزجاج: يجوز أن يكون نصبا على أنه مفعول به. وحكى البلخي عن أبي عبيدة، وذكره الزجاج: " يورث " بكسر الراء، قال: ومعناه من ليس بولد ولا والد، ومن نصب الراء أراد المصدر.
المعنى: ومسائل المواريث وفروعها بسطناها في النهاية والمبسوط، وأوجزناها في الايجاز، في الفرائض، لانطول بذكرها في الكتاب، غير أنا نعقد ههنا جملة تدل على المذهب فنقول: الميراث يستحق بشيئين: نسب وسبب، فالسبب الزوجية، والولاء، والولاء على ثلاثة أقسام: ولاء العتق، وولاء تضمن الجريرة، وولاء الامامة، ولايستحق الميراث بالولاء إلا مع عدم ذوي الانساب.
والميراث بالزوجية ثابت مع جميع الوراث، سواء ورثوا بالفرض أو بالقرابة، ولاينقص الزوج عن الربع في حال، ولايزاد على النصف، والزوجة لاتزاد على الربع، ولاتنقص من الثمن على وجه.
والميراث بالنسب يستحق على وجهين: بالفرض، والقرابة، فالميراث بالفرض لايجتمع فيه إلا من كانت قرباه واحدة إلى الميت، مثل البنت أو البنات مع الوالدين أو أحدهما، فانه متى انفرد واحدمنهم أخذ المال كله، بعضه بالفرض، والباقي بالرد، وإذا اجتمعا أخذ كل واحد منهم ماسمي له، والباقي يرد عليهم، إن فضل.

(3/136)


تفسير التبيان ج3
على قدر سهامهم، وان نقص، لمزاحمة الزوج أو الزوجة لهم، كان النقص داخلا على البنت أو البنات، دون الابوين، أو أحدهما، ودون الزوج والزوجة.
ولايجتمع مع الاولاد، ولامع الوالدين، ولامع أحدهما أحدممن يتقرب لهما، كالكلالتين فانهما لاتجتمعان مع الاولاد، ذكورا كانوا أو إناثا، ولامع الوالدين، ولامع أحدهما أباكان أو أما، بل تجتمع كلالة الاب وكلالة الام، فكلالة الام إن كان واحدا كان له السدس، وإن كانا إثنين فصاعدا كان لهم الثلث، لاينقصون منه، والباقي لكلالة الاب، فان زاحمهم الزوج أوالزوجة دخل النقص على كلالة الاب دون كلالة الام، ولاتجتمع كلالة الاب والام مع كلاله الاب خاصة، فان اجتمعا كان المال لكلالة الاب والام، دون كلالة الاب، ذكرا كان أو أنثى، أوذكورا، أو أناثا، أو ذكورا وأناثا(1) ومن يورث بالقرابة دون الفرض لايجتمع إلا [ مع ](2) من كانت قرباه واحدة، وأسبابه ودرجته متساوية، فعلى هذا لايجتمع مع الولد للصلب ولد الولد، ذكرا كان ولد الصلب أو أنثى، لانه أقرب بدرجة، وكذلك لايجتمع مع الابوين ولامع أحدهما من يتقرب بهما من الاخوة والاخوات، والجد والجدة على حال، ولايجتمع الجد والجدة مع الولد للصلب، ولامع ولد الولد وإن نزلوا، ويجتمع الابوان مع ولد الولد وإن نزلوا، لانهم بمنزلة الولد للصلب، إذا لم يكن ولد الصلب، والجد والجدة يجتمعان مع الاخوة والاخوات، لانهم في درجة واحدة(3) والجدمن قبل الاب بمنزلة الاخ من قبله، والجدة من قبله بمنزلة الاخت من قبله، والجد من قبل الام بمنزلة الاخ من قبلها، والجدة من قبلها بمنزلة الاخت من قبلها، وأولاد الاخوة والاخوات يقاسمون الجد والجدة، لانهم بمنزلة آبائهم، ولايجتمع مع الجد والجدة من يتقرب بهما من العم والعمة، والخال والخالة، ولاالجد الاعلى،
---
(1) (أو ذكورا وأناثا) ساقطة من المطبوعة.
(2) (مع) ساقطة من المطبوعة.
(3) في المطبوعة (دج والجد) باسقاط واحدة والتأنيث من درجة.

(3/137)


تفسير التبيان ج3
ولاالجدة العليا، وعلى هذا تجري جملة المواريث، فان فروعها لاتنحصر، وفيما ذكرناه تنبيه على مالم نذكره. وأما المسائل التي اختلف قول الصحابة فيها، فقد ذكرناها في خلاف الفقهاء، فلاوجه لذكرها ههنا، لانه يطول به الكتاب.
قوله تعالى: (تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم(13) ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين(14))
آيتان بلاخلاف.
القراء ة، والحجة: قرأ نافع، وابن عامر: ندخله بالنون في الموضعين، الباقون بالياء، فمن قرأ بالياء فلان ماتقدم لفظ الغائب ومن قرأ بالنون عدل عن خطاب الغائب إلى الاخبار عن الله بنون العظمة، كما قال: " بل الله مولاكم "(1) وقال بعده: " سنلقي " فعدل عن الغائب.
المعنى، والاعراب: قال الفراء، والزجاج: معنى " تلك " هذه، كأنه قال هذه حدود الله واختلفوا في معنى الحدود، فقال السدي: تلك شروط الله، وقال ابن عباس: تلك طاعة الله، وقال قوم: تلك فرائض الله وأمره، وقال قوم: تلك تفصيلات الله لفرائضه، وهو الاقوى، لان أصل الحد هو الفصل، مأخوذا من حدود الدار التي تفصلها من غيرها، فمعنى الآية: هذه القسمة التي قسمها الله لكم، والفرائض التي فرضها لاحيائكم من
---
(1) سورة آل عمران: آية 150.

(3/138)


تفسير التبيان ج3
أمواتكم حدود الله، يعني فصول بين طاعة الله ومعصيته على ماقال ابن عباس، والمعنى تلك حدود طاعة الله، وانما اختص لوضوح المعنى للمخاطبين.
فان قيل: إذا كان ما تقدم ذكره دل على أنها حدود الله، فما الفائدة في هذا القول؟ قلنا عنه جوابان: أحدهما - للتأكيد، والثاني - أن الوجه في إعادته ماعلق به من الوعد والوعيد الصريح.
فان قيل: لم خصت الطاعة في قسمة الميراث بالوعد، مع أنه واحب في كل طاعة إذا فعلت لوجه الوجوب؟ قلنا: للبيان عن عظم موقع هذه الطاعة، مع التذكير بمايستحق عليها ترغيبا فيها بوعد مقطوع.
وقوله: (يدخله جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها) نصب على الحال.
قال الزجاج والتقدير: يدخلهم مقدرين الخلود فيها، والحال يستقبل فيها، كما تقول: مررت برجل معه باز، صائدا به غدا، أي يقدر الصيد به غدا.
وقوله: (وذلك الفوز العظيم) معناه الفلاح العظيم، فوصفه بأنه عظيم ولم يبين بالاضافة إلى ماذا، لان المراد به أنه عظيم بالاضافة إلى منفعة الخيانة في التركة، من حيث كان أمر الدنيا حقيرا بالاضافة إلى أمر الآخرة.
وقوله: (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده) معناه يعصي الله فيما بينه من الفرائض، وأموال اليتامى، " ويتعد " معناه: يتجاوز مابين له، " يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين " وخالدا نصب على أحد وجهين: أحدهما - أن يكون حالا من الهاء في يدخله.
والآخر - أن يكون صفة لنار في قول الزجاج، كقولك: زيد مررت بدار ساكن فيها، على حذف الضمير، والتقدير: ساكن هو فيها، لان إسم الفاعل إذا جرى على غيرمن هوله لم يتضمن الضمير كما يتضمنه الفعل لو قلت: يسكن فيها.
واستدلت المعتزلة بهذه الآية على أن فاسق أهل الصلاة مخلد في النار، ومعاقب لامحالة، وهذالادلالة لهم فيه من وجوه، لان قوله: " ويتعد حدوده " إشارة

(3/139)


تفسير التبيان ج3
إلى من يتعدى جميع حدود الله، ومن كان كذلك فعندنا يكون كافرا، وأيضا فلاخلاف أن الآية مخصوصة بصاحب الصغيرة، وإن كان فعل المعصية، وتعدى حدا فانه خارج منها، فان جاز لهم إخراج الصغيرة منها لدليل، جازلنا أن.
نخرج من يتفضل الله عليه بالعفو، أو يشفع فيه النبي صلى الله عليه وآله.
وأيضا فان التائب لابد من إخراجه من هذه الآية لقيام الدلالة على وجوب قبول التوبة، فكذلك يجب أن يشترط من يتفضل الله باسقاط عقابه، فان قالوا: قبول التوبة واجب، والعفو ليس بواجب، قلنا: قبول التوبة واجب إذا حصلت، وكذلك سقوط العقاب واجب إذاحصل العفو، فان قالوا: يجوز أن لايختار الله العفو، قلنا: وكذلك يجوز ألا يختار العاصي التوبة، فان جعلوا الآية دالة على أن الله لايختار العفو، جاز لغيرهم أن يجعل الآية دالة على أن العاصي لايختار التوبة، على أن هذه الآية معارضة بآيات كثيرة، في وقوع العفو، كقوله: " ويغفر مادون ذلك لمن يشاء "(1) على ماسنبينه فيما بعد.
وقوله: " إن الله يغفر الذنوب جميعا "(2) وقوله: " وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم "(3) فان شرطوا في آياتنا التوبة، شرطنا في آياتهم إرتفاع العفو، والكلام في ذلك مستقصى في الوعيد، لانطول بذكره هذا الكتاب. ويمكن - مع تسليم ذلك - أن تحمل الآية على من يتعدى الحدود مستحلا لها، فانه يكون كافرا، ويتناوله الوعيد، على أن عند كثير من المرجئة العموم لاصيغة له، فمن أين ان " من " يفيد جميع العصاة؟ وما المنكر أن تكون الآية مختصة بالكفار.
---
(1) سورة النساء: آية 47، 115.
(2) سورة الزمر: آية 53.
(3) سورة الرعد: آية 7.

(3/140)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (والاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فان شهدوا فامسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا(15))
آية بلاخلاف.
المعنى: قال أكثر المفسرين، كالضحاك، وابن زيد، والجبائي، والبلخي، والزجاج، ومجاهد، وابن عباس، وقتادة، والسدي: إن هذه الآية منسوخة، لانه كان الفرض الاول أن المرأة إذا زنت وقامت عليها البينة بذلك، أربعة شهود، أن تحبس في البيت أبدا حتى تموت، ثم نسخ ذلك بالرجم في المحصنين، والجلد في البكرين.
واللاتي جمع التي، وكذلك اللواتي، قال الشاعر:
من اللواتي والتي واللاتي
زعمن أن كبرت لداتي(1)
ويجمع اللاتي باثبات الياء وبحذفها، قال الشاعر:
من اللات لم يحججن يبغين حسبة
ولكن ليقتلن البرئ المغفلا(2)
وقوله: (أو يجعل الله لهن سبيلا) قيل في معنى السبيل ثلاثة أقوال: أحدها - قال ابن عباس، وعبدالله بن كثير، أنه الجلد للبكر مائة، وللثيب المحصن الرجم، وإذا جلد البكر فانه ينفى سنة عندنا، وبه قال الحسن، وقتادة، وفيه خلاف ذكرناه في الخلاف.
و [ الثاني ] - قال الجبائي: النفي يجوز من طريق اجتهاد الامام، وأما من وجب عليه الرجم فانه يجلد أولاثم يرجم عند أكثر أصحابنا، وبه قال الحسن، وقتادة، وعبادة بن الصامت، وجماعة ذكرناهم في الخلاف.
وفي أصحابنا من يقول: ذلك يختص الشيخ والشيخة، فاذا لم يكونا كذلك فليس عليهما غير الرجم، وأكثر الفقهاء على أنهما لايجتمعان، وثبوت الرجم معلوم من جهة التواتر على وجه لايختلج فيه شك، وعليه اجماع الطائفة، بل اجماع الامة، ولم يخالف فيه إلا الخوارج، وهم لا يعتد بخلافهم.
وقوله: " يأتين الفاحشة " يعني بالفاحشة،
---
(1) اللسان (لتا) والصاح، والتاج. ومجاز القرآن 1: 119 وخزانة الادب وغيرها ولم يعرف قائله.
(2) نسبه أبوعبيدة إلى عمر بن أبي ربيعة ولم نجده في ديوانه، ونسب إلى الحارث بن خلد في بعض النسخ. مجاز القرآن 1: 120.

(3/141)


تفسير التبيان ج3
وحذف الباء كما يقولون: أتيت أمرا عظيما، أي: بأمر عظيم، وتكلمت كلاما قبيحا، أي بكلام قبيح.
وقال أبومسلم: " واللاتي يأتين الفاحشة " قال: هما المرأة تخلوا بالمرأة في الفاحشة المذكورة عنهن: " أو يجعل الله لهن سبيلا " فالتزويج والاستغناء بالحلال، وهذا قول مخالف للاجماع، ولما عليه المفسرون، فانهم لايختلفون أن الفاحشة المذكورة في الآية الزنا، وأن هذا الحكم منسوخ، وهو المروي عن أبي جعفر (ع) وأبي عبدالله (ع).
ولما نزل قوله: " الزانية والزاني "(1) قال النبي صلى الله عليه وآله: قدجعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر، جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب الجلد ثم الرجم.
قوله تعالى: (واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فان تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما(16))
آية بلاخلاف.
القراء ة، واللغة: قرأ ابن كثير: " واللذان " بتشديد النون، وكذلك: " هذان " " وفذانك "، ووافقه أبوعمروا في: فذانك.
الباقون بالتخفيف، قال أبوعلي: من شدد النون فوجهه أنه عوض من الحذف الذي لحق الكلمة، لان قولهم: (ذا) قد حذف لامها، وقد حذف الياء من اللذان في التثنية، لان أصله اللذيان، فعوض عن ذلك التشديد، وفي العرب من يقول: اللذ بلاياء، وفي التثنية اللذا، وفي الجمع اللذوا، وللمرأة اللت، واللتا، واللات، بلاياء، وطي تقول مكان الذي: ذو، ومكان التي: ذات.
المعنى: والمعني بقوله: " اللذان " فيه ثلاثة أقوال:
---
(1) سورة النور: آية 2.

(3/142)


تفسير التبيان ج3
أولها - قال الحسن، وعطا: الرجل والمرأة، وقال السدي وابن زيد: هما البكران من الرجل والنساء، وقال مجاهد: هما الرجلان الزانيان، قال الرماني: قول مجاهد لايصح، لانه لو كان كذلك لم يكن للنثية معنى، لانة إنما يجئ الوعد والوعيد بلفظ الجمع، لانه لكل واحد منهم، أو بلفظ الواحد لدلالته على الجنس الذي يعم جميعهم، وأما التثنية فلافائدة فيها، قال: والاول أظهر.
قال أبومسلم: هما الرجلان يخلوان بالفاحشة بينهما، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: السحاق زناء النساء بينهن، ومباشرة الرجل للرجل زناء، ومباشرة المرأة للمرأة زناء، قال: ولا يعرف في كلام العرب جمع بين الذكر والانثى في لفظ التذكير إلا إذا تقدمه مايدل عليه، كقوله: " إن المسلمين والمسلمات "، ثم قال: " أعدالله لهم "(1) وإلى هذا التأويل في معنى الرجلين ذهب أهل العراق، فلايحدون للوطي، وهذا قول بعيد، والذي عليه جمهور المفسرين أن الفاحشة الزنا، وأن الحكم المذكور في الآية منسوخ بالحد المفروض في سورة النور، ذهب إليه الحسن، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن زيد، والضحاك، والبلخي، والجبائي، والطبري، والزجاج، وغيرهم.
وبعضهم قال: نسخها الحدود بالرجم أو الجلد.
وقوله: " فآذوهما " قيل في معناه قولان: أحدهما - قال ابن عباس: هوالتعيير باللسان، والضرب بالنعال.
وقال قتادة، والسدي، ومجاهد: هوالتعيير والتوبيخ، فان قيل: كيف ذكر الاذى بعد الحبس؟ قلنا: فيه ثلاثة أوجه: أحدها - قال الحسن إن هذه الآية نزلت أولا، ثم أمر بأن توضع في التلاوة بعد، فكان الاذى أولا، ثم الحبس، بعد ذلك، ثم(2) نسخ الحبس بالجلد أو بالرجم . الثاني - قال السدي: انه في البكرين خاصة، دون الثيبين، والاولى في الثيبين دون البكرين.
---
(1) سورة الاحزاب: آية 35.
(2) (ثم) ساقطة من المطبوعة.

(3/143)


تفسير التبيان ج3
والثالث - قال الفراء: هذه الآية نسخت الاولى، قال أبوعلي الجبائي: في الآية دلالة على نسخ القرآن بالسنة، لانها نسخت بالرجم أو الجلد، والرجم ثبت بالسنة، ومن خالف في ذلك قول: هذه الآية نسخت بالجلد في الزنا، وأضيف إليه الرجم زيادة لانسخا، فلم يثبت نسخ القرآن بالسنة.
فأما الاذى المذكور في الآية، فليس بمنسوخ، فان الزاني يؤذى ويعنف، ويوبخ على فعله، ويذم. وإنما لايقتصر عليه، فزيد في الاذى إقامة الحد عليه، وإنما نسخ الاقتصار عليه.
قوله تعالى: (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما(17))
آية واحدة.
المعنى: التوبة هي الندم على القبيح مع العزم على ألا يعود إلى مثله في القبح، وفي الناس من قال: يكفي الندم على ما مضى من القبيح، والعزم على ألايعود إلى مثله، والاول أقوى، لاجماع الامة على أنها إذا حصلت على ذلك الوجه أسقطت العقاب، وإذا حصلت على الوجه الثاني ففي سقوط العقاب عنها خلاف، وقد ذكر الله تعالى في هذه الآية أن التوبة إنما يقبلها ممن يعمل السوء بجهالة، وقيل في معنى بجهالة أربعة أقوال:
أحدها - قال مجاهد، وقتادة، وابن عباس، وعطا، وابن زيد: هو أن يفعلوها على جهه المعصية لله تعالى، لان كل معصية لها جهالة، لانه يدعو اليها الجهل، ويزينها للعبد، وإن كانت عمدا.
الثاني - بجهالة، أي بحال كحال الجهالة، التي لايعلم صاحبها ماعليه في مثلها من المضرة.

(3/144)


تفسير التبيان ج3
الثالث - قال الفراء: معنى " بجهالة " أي لايعلمون كنه مافيه من العقوبة، كما يعلم الشئ ضرورة.
الرابع - " بجهالة " أي وهم يجهلون أنها ذنوب ومعاصي، اختاره الجبائي، قال: يفعلونها بجهالة إما بتأويل يخطؤن فيه.
أوبان يفرطوا في الاستدلال على قبحها، قال الرماني: هذا ضعيف، لانه تأويل بخلاف ما أجمع عليه المفسرون، قال أبوالعالية: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله كانوا يقولون: كل ذنب أصابه عبد فبجهالة، وقال قتادة: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله على ذلك، وأيضا فانه يوجب أن من علم أنها ذنوب أن لايكون له توبة، لان قوله: " انما التوبة " يفيد أنها لهؤلاء دون غيرهم، وظاهر الآية يدل على أن الله يقبل التوبة من جميع المعاصي كفرا كان أو قتلا أو غيرهما من المعاصي، ويقربه أيضا قوله: " والذين لايدعون مع الله إلهاآخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق.. " إلى قوله: " إلامن تاب "(1) فاستثنى من القتل، كما استثنى من الزنا والشرك، وحكي عن الحسن أنه قال: لا يقبل الله توبة القاتل.
وروي أنه إنما قال ذلك لرجل كان عزم على قتل رجل على أن يتوب فيمابعد، فأراد صده عن ذلك.
وقوله " فأولئك يتوب الله عليهم " بعد قوله " ثم يتوبون من قريب " معناه إن الله يقبل توبتهم إذا تابوا وأنابوا، وقوله: " من قريب " حث على أن التوبة يجب أن تكون عقيب المعصية، خوفا من الاخترام، وليس المراد بذلك أنها لو تأخرت لما قبلت.
وقال الزجاج: معناه ثم يتوبون قبل الموت، لان مابين الانسان وبين الموت قريب، والتوبة مقبولة قبل اليقين بالموت.
وقال الحسن، والضحاك، وابن عمر: القريب ما لم يعاين الموت.
وقال علي (ع)، وقد قيل له: فان عاد؟ يغفر الله له ويتوب، مرارا، قيل: إلى متى؟ قال: حتى يكون الشيطان هوالمحسور.
وقال السدي، وابن عباس: في حال الصحة قبل الموت.
وقوله: " وكان الله عليما حكيما " معناه ههنا: وكان الله
---
(1) سورة الفرقان: آية 68 - 70.

(3/145)


تفسير التبيان ج3
عليما بتوبتهم إن تابوا، وإصرارهم إن أصروا، حكيما في مؤاخذتهم إن لم يتوبوا.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: لما هبط إبليس قال: وعزتك وعظمتك، لاأفارق ابن آدم حتى تفارق روحه جسده، فقال الله: وعزتي وعظمتي لاأحجب التوبة عن عبدي حتى يغرغو.
قوله تعالى: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك اعتدنا لهم عذابا أليما(18))
آية واحدة.
المعنى: أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لايقبل التوبة من الذي يعمل المعاصي حتى إذا حضره الموت قال: إني تبت الآن، وأجمع أهل التأويل على أن الآية تناولت عصاة أهل الصلاة، إلا ماحكي عن الربيع أنه قال: إنهافي المنافقين، وهذا غلط لان المنافقين كفار، وقد بين الله الكفار بقوله: (ولاالذين يموتون وهم كفار) وقال الربيع أيضا: إن الآية منسوخة بقوله: (إن الله لايغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء)(1).
وهذا خطأ لان النسخ لايدخل في الخبر الذي يجري هذا المجرى، ومن جوز العفو بلاتوبة يمكنه أن يقول: إن التوبة التي وعد الله باسقاط العقاب عندها قطعا متى حصلت في هذا الوقت لايسقط العقاب، ولايمنع ذلك من أن يتفضل الله باسقاط العقاب ابتداء بلاتوبة، كما لو خرج من دار الدنيامن غير توبة أصلا، لم يمنع ذلك من جواز العفو عنه، فليس في الآية ماينافي القول بجواز العفو من غير توبة.
وقال جميع المفسرين، كابن عباس، وابن عمر، وابراهيم، وابن زيد، وغيرهم: إن الذين يحتضرون لاتقبل لهم توبة، غير إن الذين يحضرون الميت لايعرفون تلك الحال معرفة يمكن بها الاشارة إليها.
---
(1) سورة النساء: آية 47.

(3/146)


تفسير التبيان ج3
فان قيل: فلم لم تقبل التوبة في الآخرة؟ قيل: لرفع التكليف، وحصول الالجاء إلى فعل الحسن دون القبيح، والملجأ لايستحق بفعله ثوابا ولا عقابا، لانه يجري مجرى الاضطرار.
وحكي الرماني عن قوم أنهم قالوا بتكليف أهل الآخرة، وان التوبة إنمالم يجب قبولها، لان صاحبها هناك في مثل حال المتعوذ بها، لاالمخلص فيها، وهذا خطأ، لان الله تعالى يعلم أسرارهم كما يعلم إعلانهم.
وقوله: (أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما) معناه أعددنا، وقال قوم: التاء بدل من الدال، وقال آخرون هو أفعلنا من العتاد، ومعناه اعددنا، وعتاد الرجل: عدته، وهو الاصل. والشئ العتيد هوالمعد، والعتيدة: طبلة معدة للطيب، ومعنى إعداد العذاب لهم، إنما هو بخلق النار التي هي مصيرهم. والاليم بمعنى المؤلم.
وليس في الآية مايمنع من جواز العفو عن مرتكبي الكبائر بلا توبة، لان قوله: (أولئك) يحتمل أن يكون راجعا إلى الكفار لانه جرى ذكر الكفار وهم أقرب إلى أولئك من ذكر الفساق، ويحتمل أن يكون التقدير: أعتدنا لهم عذابا، إن لم نشأ العفو عنهم، وتكون الفائدة فيه إعلامهم ما يستحقونه من العذاب، وألا يأمنوا أن يفعل بهم ذلك، وإن كان تعالى يعلم هل يعفو أو لايعفو.
قوله تعالى: (ياأيها الذين آمنوا لايحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فان كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا(19))
آية بلاخلاف.
القراء ة واللغة: قرأ (بفاحشة مبينة) بفتح الياء، ابن كثير، وأبوبكر، عن عاصم.
الباقون بالكسر، وهو الاقوى، لانه لايقصد إلى إظهارها.

(3/147)


تفسير التبيان ج3
وقرأحمزة والكسائي " كرها " بضم الكاف هنا وفي التوبة والاحقاف، وافقهما في الاحقاف عاصم، وابن عامر، إلا الحلواني، ويعقوب.
الكره والكره لغتان، مثل الشهد والشهد، والضعف والضعف، والفقر والفقر.
المعنى: هذا الخطاب متوجه إلى المؤمنين، نهاهم الله أن يرثوا النساء كرها، واختلفوا في معنى ذلك، فقال الزهري، والجبائي، وغيرهما، وروي ذلك عن أبي جعفر (ع): هو أن يحبس الرجل المرأة عنده، لاحاجة له اليها، وينتظر موتها حتى يرثها، فنهى الله (تعالى) عن ذلك.
وقال الحسن، ومجاهد: معناه ما كان يعمله أهل الجاهلية، من أن الرجل اذامات، وترك امرأته قال وليه: ورثت امرأته، كما ورثت ماله، فان شاء تزوجها بالصداق الاول، ولايعطيها شيئا، وإن شاء زوجها وأخذ صداقها، وروي ذلك أبوالجارود، عن أبي جعفر (ع).
وقال مجاهد: إذا لم يكن الولي ابنها قال أبومجلز: وكان أولى بالميراث أولى بها من ولي نفسها.
وقوله: (ولاتعضلوهن) قيل فيمن عني بهذا النهي أربعة أقوال: أحدها - قال ابن عباس، وقتادة، والسدي، والضحاك: هو الزوج أمره الله بتخلية السبيل إذا لم يكن له فيها حاجة، ولا يمسكها إضرارا بها، حتى تفتدي ببعض مالها.
والثاني - قال الحسن: هوالوارث، نهي عن منع المرأة من التزويج، كما يفعل أهل الجاهلية على مابيناه.
والثالث قال مجاهد: المراد الولي.
الرابع - قال ابن زيد: المطلق يمنعها من التزويج، كما كانت تفعل قريش في الجاهلية، ينكح الرجل منهم المرأة الشريفة، فاذا لم توافقه فارقها، على أن لاتتزوج إلا باذنه، فيشهد عليها بذلك، ويكتب كتابا، فاذا خطبها خاطب، فان أعطته

(3/148)


تفسير التبيان ج3
وأرضته، أذن لها وإن لم تعطه عضلها، فنهى الله عن ذلك. والاول أظهر الاقاويل.
اللغة: والعضل هو التضييق بالمنع من التزويج، وأصله الامتناع، يقال: عضلت الدجاجة ببيضتها: إذا عسرت عليها، ومنه العضلة: لصلابتها، ومنه الداء العضال إذا لم يبرء، وعضل الفضا بالجيش الكثير إذا لم يمكن سلوكه لضيقه.
المعنى: وقوله: (إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) قيل فيه قولان: أحدهما - قال الحسن، وأبوقلابه، والسدي: يعني الزنا، وقالوا إذا أطلع منها على زنية فله أخذ الفدية.
والثاني - قال ابن عباس، والضحاك، وقتادة: هو النشوز، والاولى حمل الآية على كل معصية، لان العموم يقتضي ذلك، وهو المروي عن أبي جعفر (ع) واختاره الطبري.
وقوله: (وعاشروهن بالمعروف) قال السدي: معناه خالطوهن، وخالقوهن، من العشرة التي هي المصاحبة بما أمركم الله به من المصاحبة، بأداء حقوقهن التي أوجبها على الرجال، أو تسريح باحسان.
وقوله: (فان كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا) يعني في إمساكهن على كره منكم " خيرا كثيرا " من ولد يرزقكم، أو عطفكم عليهن بعد الكراهية، وبه قال ابن عباس، ومجاهد.
الاعراب: والهاء في فيه، يحتمل أن ترجع إلى الشئ في قوله: (أن تكرهوا شيئا) ويحتمل أن تكون راجعة إلى الذي يكرهونه.
وقوله: (ولاتعضلوهن) يحتمل أن يكون جزما بالنهى، ويحتمل أن يكون نصبا بالعطف على قوله: (لايحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن) وفي قراء ة عبدالله: (ولا أن تعضلوهن) باثبات أن.

(3/149)


تفسير التبيان ج3
النزول: وقيل في سبب نزول هذه الآية أن أباقيس بن الاسلت لما مات عن زوجته كبشة بنت معن بن عاصم، أراد ابنه أن يتزوجها، فجاء ت إلى النبي صلى الله عليه وآله فقالت: يانبي الله: لاأنا ورثت زوجي، ولا أنا تركت فأنكح، فنزلت هذه الآية، ذكره أبوجعفر عليه السلام، وغيره.
الآية: 20 - 29
قوله تعالى: (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا(20))
آية.
المعنى: أخذ مال المرأة، وإن كان محرما على كل حال من غير أمرها، فانما خص الله تعالى الاستبدال بالنهي، لان مع الاستبدال قد يتوهم جواز الاسترجاع، من حيث أن الثانية تقوم مقام الاولى، فيكون لها ما أعطيته الاولى، فبين الله تعالى أن ذلك لايجوز.
والمعنى: إن أردتم تخلية المرأة سواء استبدل مكانها أولم يستبدل.
وقوله: (وآتيتم إحداهن قنطارا) معناه: ليس ما آتيتموهن موقوفا على التمسك بهن، دون تخليتهن، فيكون إذا أردتم الاستبدال جاز لكم أخذه، بل هو تمليك صحيح، لايجوز الرجوع فيه. والمراد بذلك ما أعطى المرأة مهرا لها، ويكون دخل بها، فأما إذا لم يدخل بها، وطلقها، جاز له أن يسترجع نصف ما أعطاها، فأما ما أعطاها على وجه الهبة، فظاهر الآية يقتضي أنه لايجوز له الرجوع في شئ منه. لكن علمنا بالسنة أن ذلك سائغ له، وإن كان مكروها.

(3/150)


تفسير التبيان ج3
اللغة: والقنطار المال الكثير، واختلفوا في مقداره، فقال بعضهم هو مل ء جلد ثور ذهبا، وقال آخرون: هودية الانسان، وغير ذلك من الاقوال التي قدمنا ذكرها فيما مضى. وأصل ذلك مأخوذ من القنطرة، ومنه القنطر الداهية، لانها كالقنطرة في عظم الصورة، وإحكام البنية.
ويقال: قنطر في الامر يقنطر إذا عظمه، بتكثير الكلام فيه، من غير حاجة إليه.
وقوله: " أتأخذونه بهتانا " قيل في معناه قولان: أحدهما - يعني بهتانا ظلما كالظلم بالبهتان، وقيل بطلانا كبطلان البهتان. الثاني - بهتانا أي بأن تبهتوا أنكم ملكتموه فتسترجعوه(1) وأصل البهتان الكذب الذي يواجه به صاحبه على وجه المكابرة، وأصله التحير، ومنه قوله: " فبهت الذي كفر "(2) أي تحير عند انقطاع حجته، فالبهتان كذب يحير صاحبه. ونصب بهتانا على أنه حال في موضع المصدر، والمعنى أتأخذونه مباهتين وآثمين.
وقوله " مبينا " أي ظاهرا لاشك فيه.
قوله تعالى: (وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا(21))
آية بلاخلاف.
المعنى: قيل في نسخ هذه الآية، والتي قبلها، ثلاثة أقوال: أحدها - أنها محكمة ليست منسوخة، لكن للزوج ان يأخذ الفدية من المختلعة، لان النشوز منها، فالزوج في حكم المكره لاالمختار للاستبدال، ولا
---
(1) في المطبوعة (لتستوجبوه).
(2) سورة البقرة: آية 258.

(3/151)


تفسير التبيان ج3
يتنافى حكم الآيتين، فلا يحتاج إلى نسخ احداهما بالاخرى.
الثاني - قال بكربن عبدالله المري: هي محكمة، وليس للزوج لاجل ظاهرها أن يأخذ من المختلعة شيئا، ولا من غيرها.
الثالث - قال ابن زيد، والسدي: هي منسوخة بقوله: (إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فان خفتم ألا يقيماحدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به)(1) وقيل في معنى الافضاء قولان: أحدهما - قال ابن عباس، ومجاهد، والسدي: هو كناية عن الجماع. الثاني - انه الخلوة، وإن لم يجامع، فليس له أن يسترجع نصف المهر، وإنما يجوز ذلك فيمن لم يدخل بها بالخلوة معها. وكلاهما قد رواه أصحابنا، واختلفوا فيه، والاول هو الاقوى.
اللغة والمعنى: والافضاء إلى الشئ هوالوصول إليه بالملابسة له، قال الشاعر:
بلى وثاي أفضى إلى كل كئبة
بدا سيرها من ظاهر بعد باطن(2)
أي وصل البلى والفساد إلى الحزز، والفضاء السعة، فضا يفضو فضوا وفضاء إذا تسع، ومنه: تمر فضا، مقصور أي مختلط، وقوله: (وأخذن منكم ميثاقا غليظا) قيل في معناه أربعة أقوال: أحدهما - قال الحسن، وابن سيرين، والضحاك، وقتادة، والسدي، والفراء، وهو المروي عن أبي جعفر (ع) أنه قوله: (إمساك بمعروف أو تسريح باحسان)(3) وقال مجاهد، وابن زيد، هو كلمة نكاح، التي يستحل بها الفرج.
الثالث - قول النبي صلى الله عليه وآله: (أخذ تموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله).
الرابع - قال قتادة.
---
(1) سورة البقرة: آية 229.
(2) لم يعرف قائله. وقو في تفسير الطبري، 8 - 124 مشوه محرف ولم نجده في مصادرنا.
(3) سورة البقرة: آية 229.

(3/152)


تفسير التبيان ج3
كان يقال للناكح في الاسلام الله عليك لتمكن بمعروف أو لتسرحن باحسان، وهذاالكلام وإن كان ظاهره للاستفهام، فالمراد به التوبيخ، والتهديد، كما يقول القائل لغيره: كيف تفعل هذا وأنا غير راض به، على وجه التهددله.
قوله تعالى: (ولاتنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ماقد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا(22))
آية.
المعنى: قيل في معنى الآية قولان: أحدهما - قال ابن عباس، وقتادة، وعطاء، وعكرمة: إنه حرم عليهم ما كان أهل الجاهلية يفعلونه من نكاح امرأة الاب.
والثاني - أن يكون " ما نكح " بمنزلة المصدر، والتقدير: ولاتنكحوا نكاح آبائكم، أي مثل نكاح آبائكم، فعلى هذا يدخل فيه النهي عن حلائل الاباء، وكل نكاح كان لهم فاسدا، وهو اختيار الطبري وقال: إن هذا الوجه أجود، لانه لو أراد حلائل الآباء لقال: لاتنكحوا من نكح آباؤكم، وهذا ليس بطعن، لانه ذهب به مذهب الجنس، كما يقول القائل: لاتأخذ ماأخذ أبوك من الاماء، فيذهب به مذهب الجنس ثم يفسره. ب‍ (من).
وقوله: (إلا ماقد سلف) معنى إلا لكن، وكذلك كل استثناء منقطع، كقول القائل: لاتبع من متاعي إلا مابعت، أي لكن ما بعت فلا جناح عليك فيه، وقيل في معنى الآية قولان: أحدهما - " إلا ماقد سلف " فانكم لاتؤخذون به. الثاني - حكاه بعضهم: " إلا ماقدسلف " فدعوه، فهو جائزلكم، قال

(3/153)


تفسير التبيان ج3
البلخي: وهذا لايجوز بالاجماع.
والهاء في قوله: " إنه كان فاحشة " يحتمل أن تكون عائدة إلى النكاح بعد النهي، ويحتمل أن تكون عائدة على النكاح الذي كان عليه أهل الجاهلية قبل، ولايكون ذلك إلا وقد قامت عليهم الحجة بتحريمه، من جهة الرسل، فالاول اختاره الجبائي، وهوالاقوى، وتكون " إلا ماقد سلف " فالسلامة منه الاقلاع عنه بالتوبة والانابة، قال البلخي: وليس كل نكاح حرمه الله زنا، لان الزنا هو فعل مخصوص، لايجري على طريقة لازمة، وسنة جارية، ولذلك لايقال للمشركين في الجاهلية: أولاد زنا، ولالاولاد أهل الذمة والمعاهدين: أولاد زنا، إذا كان ذلك عقدا بينهم يتعارفونه.
اللغة، والاعراب، والمعنى: والمقت، هو بغض عن أمر قبيح ركبه صاحبه، وهومقيت، وقد مقت إلى الناس مقاتة، ومقته الناس مقتا، فهو ممقوت. وقيل إن ولد الرجل من امرأة أبيه كان يسمي المقتي، قال المبرد: كان زائدة، والتقدير: إنه فاحشة.
وقال الزجاج: هذا ليس بصحيح، لانها لو كانت زائدة مل تعمل، كما قال الشاعر:
فكيف إذاحللت ديار قوم
وجيران لناكانوا كرام
لما كانت زائدة لم تعمل في الخبر.
قال الرماني: هي كقوله " وكان الله غفورا رحيما " فدخلت كان لتدل على أنه قبل تلك الحال كذا، وقال الجبائي: معناه أنه كان فيما مضى أيضا فاحشة ومقتا، وكان قد قامت الحجة عليهم بذلك. وكل من عقد عليها الاب من النساء تحرم على الابن، دخل بها الاب، أولم يدخل، بلاخلاف، فان دخل بها الاب على وجه السفاح فهل تحرم على الابن ففيه خلاف، وعموم الآية يقضي بأنها تحرم عليه، لان النكاح يعبر به عن الوطي، كما يعبر به عن العقد، فيجب أن يحمل عليهما، وأمرأة الاب وإن علا تحرم على الابن وإن نزل، بلاخلاف.
وقوله: " وساء سبيلا " أي قبح ذلك السبيل الذى سلكوه سبيلا، وهونصب على التمييز.

(3/154)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الاخ وبنات الاخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نساء كم اللاتي دخلتم بهن فان لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الاختين إلا ماقد سلف إن الله غفورا رحيما(23))
آية بلاخلاف.
المعنى: في الناس من اعتقد أن هذه الآية ومايجري مجراها، كقوله: " حرمت عليكم الميتة "(1) مجملة لايمكن التعلق بظاهرها في تحريم شئ، وإنما يحتاج إلى بيان قالوا: لان الاعيان لاتحرم ولاتحل، وإنما يحرم التصرف فيها، والتصرف يختلف، فيحتاج إلى بيان التصرف المحرم، دون التصرف المباح، والاقوى أنها ليست مجملة، لان المجل هو مالا يفهم المراد بعينه بظاهره، وليست هذه الآية كذلك لان المفهوم من ظاهرها تحريم العقد عليهن، والوطي، دون غيرهما من أنواع الفعل، فلا يحتاج إلى البيان مع ذلك، وكذلك قوله: " حرمت عليكم الميتة " المفهوم الاكل، والبيع، دون النظر إليها، أورميها، وما جرى مجراهما كيف وقد تقدم هذه الآية مايكشف عن أن المراد ما بيناه من قوله: " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم " فلما قال.
بعده: " حرمت عليكم أمهاتكم " كان المفهوم
---
(1) سورة المائدة: آية 4.

(3/155)


تفسير التبيان ج3
أيضا تحريم نكاحهن، وقد استوفينا ذلك في العدة في أصول الفقه، فلا نطول بذكره ههنا.
قال ابن عباس: حرم الله في هذه الآية سبعا بالنسب، وسبعا بالسبب، فالمحرمات من النسب الامهات، ويدخل في ذلك أمهات الامهات وإن علون، وأمهات الآباء مثل ذلك، والبنات، ويدخل في ذلك بنات الاولاد وأولاد البنين وأولاد البنات وإن نزلن، والاخوات، سواء كن لاب وأم أو لاب أو لام، وبنات الاخ، وبنات الاخت وإن نزلن.
والمحرمات بالسبب الامهات من الرضاعة، والاخوات أيضا من الرضاعة، وكل من يحرم بالسبب يحرم مثله بالرضاع، لقوله صلى الله عليه وآله: " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " وأمهات النساء يحرمن بنفس العقد، وإن لم يدخل بالبنت، على قول أكثر الفقهاء، وبه قال ابن عباس، والحسن، وعطاء، وقالوا: هي مبهمة، وخصوا التقييد بقوله: " وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن " ورووا عن علي (ع)، وزيد بن ثابت، أنه يجوز العقد على الام مالم يدخل بالبنت، وجعلوا قوله: " من نسائكم اللاتي دخلتم بهن " راجعا إلى جميع من تقدم من أمهات النساء، والربائب.
اللغة: والربائب: جمع ربيبة، وهي بنت الزوجة من غيره، ويدخل فيه أولادها وإن نزلن، وسميت بذلك لتربيته إياها، ومعناها مربوبة، نحو قتيلة في موضع: مقتولة، ويجوز أن تسمى ربيبة سواء تولى تربيتها وكانت في حجره، أولم تكن، لانه إذا تزوج بأمها سمي هو رابها، وهي ربيبته، والعرب تسمي الفاعلين والمفعولين بما يقع بهم، ويوقعونه، يقولون: هذا مقتول، وهذا ذبيح، وإن لم يقتل بعد ولم يذبح، إذا كان يراد قتله أو ذبحه، وكذلك يقولون: هذه

(3/156)


تفسير التبيان ج3
أضحية لما أعد للتضحية، وكذلك: هذه قتوبة، وحلوبة، أي مما يقتب، ويحلب فمن قال: إنه لاتحرم بنت الزوجة إلا إذا تربت في حجره فقد أخطأعلى ماقلناه ويقال لزوج المرأة: ربيب ابن امرأته، يعنى به، رابه، نحو: شهيد، بمعنى شاهد، وخبير، بمعنى خابر، وعليم، بمعنى عالم.
الاعراب: وقوله: (من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) قال المبرد: " اللاتي دخلتم بهن " نعت للنساء اللواتي من أمهات الربائب لاغير قال: لاجماع الناس على أن الربيبة تحل إذا لم يدخل بامها، وإن من أجاز أن يكون قوله: (من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) هو لامهات نسائكم فيكون معناه: أمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن، فيخرج أن يكون اللاتي دخلتم بهن لامهات الربائب، قال الزجاج: لان الخبرين إذا اختلفا لم يكن نعتهما واحدا، لايجيز النحويون: مررت بنسائك، وهربت من نساء زيد الظريفات، على أن يكون (الظريفات) نعتا لهؤلاء النساء، وهؤلاء النساء.
وقال: من اعتبر الدخول بالنساء، لتحريم أمهاتهن يحتاج أن يقدر: أعني، فيكون التقدير: وأمهات نسائكم أعني اللاتي خلتم بهن، وليس بناإلى ذلك حاجة.
المعنى: والدخول المذكور في الآية قيل فيه قولان: أحدهما - قال ابن عباس: هو الجماع، واختاره الطبري. الثاني - قال عطاء: وما جرى مجراه من المسيس، وهو مذهبنا، وفيه خلاف بين الفقهاء.
وقوله: " وحلائل أبناء كم الذين من أصلابكم " يعني نساء البنين للصلب، دخل بهن البنون أولم يدخلوا، ويدخل في ذلك أولاد الاولاد من البنين والبنات، وإنما قال " من أصلابكم " لئلا يظن أن امرأة من يتبنى به تحرم عليه.
وقال عطاء: نزلت الآية حين نكح النبي صلى الله عليه وآله إمرأة زيد بن حارثة، فقال

(3/157)


تفسير التبيان ج3
المشركون في ذلك، فنزلت: " وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم " وقال: " وما جعل أدعيائكم أبنائكم "(1) وقال: " ماكان محمد أبا أحد من رجالكم "(2) فأما حلائل الابناء من الرضاعة فمحرمات بقوله صلى الله عليه وآله: " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ".
وإنما سميت المرأة حليلة لامرين: أحدهما - لانها تحل معه في فراش. الثاني - لانه يحل له وطؤها.
وقوله: " وأن تجمعوا بين الاختين " فيه تحريم الجمع بينهما في عقد واحد، وتحريم الجمع بينهما في الوطي بملك المين، فاذا وطأ إحداهما لم تحل له الاخرى حتى يخرج تلك من ملكه، وهو قول الحسن، وأكثر المفسرين والفقهاء.
وروي عن ابن عباس أنه أجاز الجمع بينهما بملك اليمين، وتوقف فيهما علي وعثمان، وباقي الصحابة حرموا الجمع بينهما.
وروي عن علي (ع) أنه قال: حرمتهما آية، وأحلتهما أخرى، وأنا أنهى عنهما نفسي، وولدي، فغلب التحريم.
ومن أجاز الجمع بينهما في الوطي بملك اليمين - على مايذهب إليه داود وقوم من أهل الظاهر - فقد أخطأ في الاختين، وكذلك في الربيبة وأم الزوجة، لان قوله: " وأمهات نسائكم " يدخل فيه المملوكة، والمعقود عليها، وكذلك قوله: " من نسائكم اللاتي دخلتم بهن " يتناول الجميع، وكذلك قوله: " وأن تجمعوا بين الاختين " عام في الجميع على كل حال، في العقد والوطي، وإنما أخرجنا جواز ملكهما بدلالة الاجماع، ولا يعارض ذلك قوله: " أوما ملكت أيمانكم " لان الغرض بهذه الآية مدح من حفظ فرجه إلا عن الازواج، أو ملك الايمان، فاما كيفية ذلك فليس فيه، ويمكن الجمع بينهما بأن يقال: " أو ماملكت أيمانكم " إلا على وجه الجمع بين الام والبنت، أوالاختين والسابعة قوله: (ولاتنكحوا ما نكح آباؤكم) وهي امرأة الاب، سواء
---
(1) سورة الاحزاب: آية 4.
(2) سورة الاحزاب: آية 40.

(3/158)


تفسير التبيان ج3
دخل بها أو لم يدخل، ويدخل في ذلك نساء الاجداد وإن علوا، من قبل الاب والام بلاخلاف.
وقوله: " إلا ما قد سلف " استثناء منقطع، وتقديره: لكن ما سلف لايؤاخذكم الله به، وليس المراد أن ما سلف حال النهي تجوز استدامته، بلاخلاف. وقيل إن إلا بمعنى سوى.
وقوله: " وأن تجمعوا " (أن) في موضع الرفع، والتقدير: حرمت عليكم هذه الاشياء، والجمع بين الاختين، وكل من حرمه الله في هذه الآية فانما هو على وجه التأييد، مجتمعات ومنفردات، إلا الاختين فانهما تحرمان على وجه الجمع دون الانفراد. ويمكن أن يستدل بهذه الآية على أنه لا يصح أن يملك واحدة من ذوات الانساب المحرمات، لان التحريم عام، وبقوله صلى الله عليه وآله " يحرم من الرضاع مايحرم من النسب " على أنه لايصح ملكهن من جهة الرضاع، وإن كان فيه خلاف.
وأما المرأة التي وطؤها بلاتزويج، ولاملك، فليس في الآية مايدل على أنه يحرم وطي أمها وبنتها، ولان قوله: " وأمهات نسائكم "
وقوله: " من نسائكم اللاتي دخلتم بهن " يتضمن إضافة الملك، إما بالعقد أو بملك المين، فلا يدخل فيه من وطأ من لايملك وطأها، غير أن قوما من أصحابنا ألحقوا ذلك بالموطوء ة بالعقد والملك بالسنة والاخبار المروية في ذلك، وفيه خلاف بين الفقهاء. وأما الرضاع فلا يحرم عندنا إلا ما كان خمس عشرة رضعة متواليات، لايفصل بينهن برضاع امرأة اخرى، أو رضاع يوم وليلة، أو ما أنبت اللحم وشد العظم.
وفي أصحابنا من حرم بعشر رضعات. ومتى دخل بين الرضاع رضاع امرأة أخرى، بطل حكم ما تقدم.
وحرم الشافعي بخمس رضعات، ولم يعتبر التوالي.
وحرم أبوحنيفة بقليله وكثيره، وهو اختيار البلخي. وفي أصحابنا من ذهب إليه.
واللبن عندنا للفحل، ومعناه إذا أرضعت امرأة بلبن فحل لها صبيانا كثيرين، من أمهات شتى، فانهم جميعهم يصيرون أولاد الفحل، ويحرمون على جميع أولاده الذين ينتسبون إليه ولادة ورضاعا، ويحرمون على أولاد المرضعة الذين ولدتهم، فأما

(3/159)


تفسير التبيان ج3
من أرضعته بلبن غيرهذا الفحل، فانهم لايحرمون عليهم، وكذلك إن كان للرجل امرأتان، فارضعتا صبيين لاجنبيين، حرم التناكح بين الصبيين، وخالف في هذه ابن علية.
ولايحرم من الرضاع عندنا إلا ماوصل إلى الجوف من الثدي من المجرى المعتاد الذي هوالفم، فاما مايوجر به، أو يسعط، أو ينشق، أو يحقن به، أو يحلب في عينه، فلا يحرم بحال.
ولبن الميتة لاحرمة له في التحريم، وفي جميع ذلك خلاف.
ولا يحرم من الرضاع إلا ما كان في مدة الحولين، فاماماكان بعده فلا يحرم بحال.
فاما الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها فحرم بالسنة، ويجوز عندنا نكاح العمة والخالة على المرأة، ونكاح المرأة على العمة والخالة لايجوز إلا برضاء العمة والخالة، وخالف فيه جميع الفقهاء.
والمحرمات بالنسب ومن يحرم بالسبب على وجه التأييد يسمون مبهمات، لانه يحرم من جميع الجهات، ماخوذ من البهيم الذي لايخالط معظم لونه لون آخر، يقال: فرس بهيم لاشية فيه، وبقرة بهيم، والجمع بهم.
وقوله: (إن الله كان غفورا رحيما) اخبار أنه كان غفورا حيث لم يؤآخذهم بما فعلوه من نكاح المحرمات، وأنه عفى لهم عما سلف، ولايدل على أنه ليس بغفور فيما بعد، لان ذلك معلوم بدلالة أخرى، وفي الناس من قال: كان زائدة، وقد بينا أن هذا ضعيف، لانها تكون عبثا ولغوا، وذلك لايجوز.

(3/160)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ماوراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما(24))
آية بلاخلاف.
القراء ة: قرأ الكسائي: " المحصنات " (ومحصنات)، بكسرالصاد حيث وقع، إلا قوله: " والمحصنات من النساء " ههنا فانه فتح الصاد.
وقرأ أهل الكوفة إلا أبوبكر، وأبوجعفر: " وأحل لكم " - بضم الهمزة، وكسر الحاء - الباقون: بفتحها.
وقرأ أهل الكوفة إلاحفصا: " أحصن " بفتح الهمزة والصاد، الباقون بضم الهمزة وكسر الصاد.
المعنى: قيل في معنى قوله: " والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم " ثلاثة أقوال: أحدها - وهو الاقوى - ماقاله علي (ع)، وابن مسعود، وابن عباس، وأبوقلابة، وابن زيد، عن أبيه، ومكحول، والزهري، والجبائي: أن المراد به ذوات الازواج إلاما ملكت أيمانكم، من سبي من كان لهازوج.
وقال بعضهم، مستدلا على ذلك بخبر أبي سعيد الخدري، أن الآية نزلت في سبي أوطاس، ومن خالفهم ضعف هذا الخبر بأن سبي أوطاس كانوا عبدة الاوثان، دخلوا في الاسلام.
الثاني - قال أبي بن كعب، وجابر بن عبدالله، وأنس بن مالك، وابن مسعود - في رواية أخرى عنه - وسعيد بن المسيب، والحسن، وابراهيم: إن المراد به ذوات الازواج إلا ماملكت أيمانكم ممن قد كان لها زوج، لان بيعها طلاقها.
وقال ابن عباس: طلاق الامة ست: سبيها طلاقها، وبيعها، وعتقها، وهبتها، وميراثها، وطلاقها. وحكي عن علي (ع)، وعمر، وعبدالرحمن بن عوف: أن السبي خاصة طلاقها، قالوا لان النبي صلى الله عليه وآله خير بريرة بعد أن أعتقتها عائشة،

(3/161)


تفسير التبيان ج3
ولو بانت بالعتق لماصح. وزعم هؤلاء أن طلاقها كطلاق الحرة.
الثالث - قال أبوالعالية. وعبيدة، وسعيد بن جبير، وعطاء، واختاره الطبري: ان المحصنات العفائف، إلاما ملكت أيمانكم بالنكاح، أو بالثمن ملك استمتاع بالمهر والبينة، أو ملك استخدام بثمن الامة.
اللغة والاعراب: وأصل الاحصان المنع. وسمي الحصن حصنا لمنعه من أراده من أعدائه، والدرع الحصينة أي المنيعة، والحصان الفحل من الافراس لمنعه صاحبه من الهلاك، والحصان العفيفة من النساء، لمنعها فرجها من الفساد.
ومنه قوله: " التي أحصنت فرجها "(1) وكذلك أحصنها الزوج، وبناء حصين ممتنع، وحصنت المرأة تحصن حصانة، والحاصن: العفيفة، قال العجاج:
وحاصن من حاصنات ملس
من الاذى ومن قراف الوقس(2)
وقال أبوعلي الفارسي، قال سيبويه: حصنت المرأة حصنا وهي حصان، مثل: جبنت جبنا فهي جبان، وقالوا حصنا، كما قالوا: علما قال الازهري: يقال للرجل إذا تزوج: أحصن فهو محصن، كقولهم: ألفج فهو ملفج إذا أعدم وافتقر، وأسهب فهو مسهب، إذا أكثر الكلام. وكلام العرب كله على أفعل فهو مفعل، بكسر العين، مثل أسمع فهو مسمع، وأعرب فهو معرب، وأفصح فهو مفصح، إلا ما ذكرناه والاحصان على أربعة أقسام: أحدها - يكون بالزوجة، كقوله: " والمحصنات من النساء ".
والثاني - بالاسلام، كقوله: " فاذا أحصن فان أتين بفاحشة فعليهن نصف ماعلى المحصنات "(3).
---
(1) سورة التحريم: آية / 12.
(2) ديوانه 78، واللسان (قنس)، (وقس)، (حصن) ومجاز القرآن 1: 122 ورواية اللسان (عن) بدل (من) في العجز في الموضعين.
(3) سورة النساء: آية 25.

(3/162)


تفسير التبيان ج3
والثالث - بالعفة كقوله: " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء "(1).
الرابع - يكون بالحرية، كقوله: " والمصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم "(2)
وقوله: " كتاب الله عليكم " يحتمل نصبه وجهين: أحدهما - أن يكون مصدرا جرى على غير فعله وفيه معناه، كأنه قال: حرم الله ذلك كتابا من الله، أو كتب كتابا، كماقال: " صنع الله الذي أتقن كل شئ "(3) فنصبه بقوله: " وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب "(4) فكان ذلك دلالة على أنه قد صنعها فنصب على أنه مصدر، وقال الشاعر: ورضت فذلت صعبة أي اذلال (ه) لان معنى رضت أذللت، قال الزجاج: ويجوز أن يكون منصوبا على جهة الامر، ويكون " عليكم " مفسرا، والمعنى: الزموا كتاب الله.
الثاني - على الاغراء، والعامل محذوف، لان عليكم لايعمل فيما قبله: وأنشد:
ياأيها المائح دلوى دونكا
إني رأيت الناس يحمدونكا(6)
والمعنى هذا دلوي دونكا، وهو معنى قول الزجاج.
المعنى: وقوله: (وأحل لكم ماوراء ذلكم أن تبتغوا باموالكم) قيل في معناه أربعة أقوال:
---
(1) سورة النور: آية 4.
(2) سورة المائدة: آية 6.
(3، 4) سورة النمل: آية 88.
(5) قائله امرؤ القيس. ديوانه: 161. وصدره: وصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا.
(6) البيت لجاهلي من بني أسيد بن عمر بن تميم.
معاني القرآن 1: 260، وخزانة الادب 3: 17.

(3/163)


تفسير التبيان ج3
أحدها - قال عبيدة السلماني، والسدي: أحل لكم مادون الخمس، أن تبتغوا باموالكم على وجه النكاح.
الثاني - قال عطاء أحل لكم ماوراء ذوات المحارم من أقاربكم.
الثالث - قال قتادة: (ماوراء ذلكم) مما ملكت أيمانكم.
الرابع - ماوراء ذوات المحارم إلى الاربع، أن تبتغوا باموالكم نكاحا، أو بملك يمين، وهذا الوجه أولى، لانه حمل الآية على عمومها في جميع ماذكر الله، ولاتنافي بين هذه الاقوال.
ومن فتح الهمزة حمله على أقرب المذكورين في قوله: (كتاب الله علكيم) ومن ضم حمله على (حرمت) وموضع (أن تبتغوا) نصب، ويحتمل نصبه على وجهين: أحدهما - على البدل من ما. والثاني - على حذف اللام من " لان تبتغوا "، ومن قرأ بالضم جاز عنده الرفع والنصب، وقوله: " محصنين " أي عاقدين التزويج، غير مسافحين: عافين للفروج، فال مجاهد، والسدي: معناه غير زانين وأصله: صب الماء، تقول: سفح الدمع إذا صبه، وسفح الجبل أسفله، لانه مصب الماء منه، وسافح إذا زنا نصبه الماء باطلا.
وقال الزجاج: المسافح والمسافحة الزانيان غير ممتنعين من أحد، فاذا كانت تزني بواحد فهي ذات خدن، فحرم الله الزنا على كل حال، على السفاح واتخاذ الصديق.
وقوله: (فما استمتعتم به منهن) قال الحسن، ومجاهد، وابن زيد: هوالنكاح، وقال ابن عباس، والسدي: هو المتعة إلى أجل مسمى، وهو مذهبنا، لان لفظ الاستمتاع إذا أطلق لايستفاد به في الشرع إلا العقد المؤجل، ألا ترى أنهم يقولون: فلان يقول بالمتعة، وفلان لايقول بها، ولا يريدون إلا العقد المخصوص، ولاينافي ذلك قوله: " والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أوماملكت أيمانهم "(1) لانا نقول: إن هذه زوجة، ولايلزم أن يلحقها
---
(1) سورة المؤمنون: آية 5 - 6 وسورة المعارج آية 29 - 3.

(3/164)


تفسير التبيان ج3
جميع أحكام الزوجات، من الميراث، والطلاق، والايلاء، والظهار، واللعان، لان احكام الزوجات تختلف، ألا ترى أن المرتدة تبين بغير طلاق، وكذلك المرتد عندنا، والكتابية لاترث، وأما العدة فانها تلحقها عندنا، ويلحق بها أيضا الولد، فلا شناعة بذلك، ولولم تكن زوجة لجاز أن يضم ماذكر في هذه السورة إلى مافي تلك الآية، لانه لا تنافي بينهما، ويكون التقدير: إلا على أزواجهم أو ماملكت أيمانهم أو ما استمتعتم به منهن وقد استقام الكلام.
وروي عن ابن مسعود، وابن عباس، وأبي بن كعب وسعيد بن جبير: أنهم قرأوا " فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى " وذلك صريح بما قلناه، على أنه لو كان المراد به عقد النكاح الدائم لوجب لها جميع المهر بنفس العقد، لانه قال: (فآتوهن أجورهن) يعني مهورهن، عندأكثر المفسرين، وذلك غير واجب بلاخلاف، وإنما يجب الاجر بكماله في عقد المتعة.
وفي أصحابنا من قال: قوله: (أجورهن) يدل على أنه أراد المتعة، لان المهر لايسمى أجرا، بل سماه الله صدقة ونحلة، وهذا ضعيف، لان الله سمى المهر أجرا في قوله (فانكحوهن باذن أهلهن وآتوهن أجورهن)(1) وقال: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن)(2) ومن حمل ذلك كله على المتعة كان مرتكبا لما يعلم خلافه، ومن حمل لفظ الاستمتاع على الانتفاع فقدأبعد، لانه لو كان كذلك لوجب أن لايلزم من لاينتفع بها شئ من المهر، وقد علمنا أنه لو طلقهاقبل الدخول لزمه نصف المهر، وإن خلا بها خلوة تامة لزمه جميع المهر عند كثير من الفقهاء، وإن لم يلتذ ولم ينتفع.
وأما الخبر الذى يروونه أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن المتعة، فهو خبر واحد لايترك له ظاهر القرآن، ومع ذلك يختلف لفظه وروايته فتارة يروون أنه نهى عنها في عام خيبر، وتارة يروون أنه نهى عنها في عام الفتح، وقد طعن أيضا في طريقه بما هو معروف، وأدل دليل على ضعفه قول عمر: (متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما) فاخبر أن هذه المتعة كانت على
---
(1) سورة النساء: آية 25.
(2) سورة المائدة: آية 6.

(3/165)


تفسير التبيان ج3
عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، وأنه الذي نهى عنهما، لضرب من الرأي.
فان قالوا. إنما نهى لان النبي صلى الله عليه وآله كان نهى عنهما، قلنا: لو كان كذلك لكان يقول: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فنهى عنهما، وأنا أنهى عنهما أيضا، فكان يكون آكد في باب المنع، فلما لم يقل ذلك دل على أن التحريم لم يكن صدر عن النبي صلى الله عليه وآله، وصح ماقلناه.
وقال الحكم بن عتيبة، قال علي (ع) لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنا إلا شقي. وذكر البلخي، عن وكيع، عن اسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عبدالله بن مسعود: قال كنا مع النبي صلى الله عليه وآله ونحن شباب، فقلنا يارسول الله ألا نستخصي، قال: لا، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب، إلى أجل.
وقوله: (ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة) قال الحسن، وابن زيد: أي تراضيتم به من حط بعض الصداق أو تأخيره، أو هبة جميعه.
وقال السدي وقوم من أصحابنا: معناه: لاجناح عليكم فيما تراضيتم به من استئناف عقد آخر بعد انقضاء المدة التي تراضيتم عليها، فتزيدها في الاجر وتزيدك في المدة. وفي الآية دلالة على جواز نكاح المرأة على عمتها وخالتها، لان قوله: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) عام في جميعهن، ومن ادعى نسخه فعليه الدلالة، وما يروى من قوله صلى الله عليه وآله: (لاتنكح المرأة على عمتها ولا خالتها) خبر واحد لاينسخ به القرآن، ولو كان معلوما لما جاز أن ينسخ به القرآن عند أكثر الفقهاء، لان نسخ القرآن لايجوز عندهم بالسنة، وادعاؤهم الاجماع على الخبر غير مسلم، لانا نخالف فيه.
وقوله: (إن الله كان عليما حكيما) معناه عليما بما يصلح أمر الخلق، حكيما فيما فرض لهم من عقد النكاح الذى به حفظت الاموال، والانساب.
قال البلخي: والآية دالة على أن نكاح المشركين ليس بزنا. لان قوله: (والمحصنات من النساء) المراد به ذوات الازواج من أهل الحرب، بدلالة قوله: (إلا ماملكت أيمانكم) بسبيهن ولاخلاف أنه لايجوز وطي المسبية إلا بعد استبرائها بحيضة.

(3/166)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ماملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بايمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن باذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخذان فاذا أحصن فان أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم(25))
آية بلاخلاف.
القراء ة، واللغة: قرأأهل الكوفة إلا حفصا (فاذا أحصن) - بضم الهمزة وكسر الصاد - الباقون بفتحهما، وقرأ " المحصنات " - بكسر الصاد - الكسائي وحده، قوله: (ومن لم يستطع منكم طولا) معناه: من لم يجد منكم طولا وقيل في معنى الطول قولان: أحدهما - قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن زيد: هوالغنى، وهوالمروي عن أبي جعفر (ع). والثاني - قال ربيعة، وجابر، وعطاء، وابراهيم: أنه الهوى، قال: إذا هوي الامة فله أن يتزوجها وإن كان ذا يسار.
وقال الحسن، والشعبي: لايجوز ذلك، والقول الاول هوالصحيح، وعليه أكثر الفقهاء. والطول الغنى، وهو ماخوذ من الطول خلاف القصر، فشبه الغنى به، لانه ينال به معالي الامور، وقولهم ليس فيه طائل.

(3/167)


تفسير التبيان ج3
أي: لاينال به شئ من الفوائد، والتطول الافضال بالمال، والتطاول على الناس الترفع عليهم، وكذلك الاستطالة، وتقول: طلا فلان طولا، أي كأنه فضل عليه في القدرة، وقد طالت طولك وطيلك أي طالت مدتك، قال الشاعر:
إنا محيوك فاسلم أيها الطلل
وإن بليت وإن طالت بك الطيل(1)
والطول الحبل.
المعنى: وفي الآية دلالة على أنه لايجوز نكاح الامة الكتابية، لانه قيد جواز العقد على الاماء إذاكن مؤمنات، وهو قول مالك بن أنس، ومجاهد، وسعيد بن عبدالعزيز، وأبي بكر بن عبدالله بن أبي مريم، والحسن، والطبري، وقال أبو ميسرة، وأبوحنيفة، وأصحابه: يجوز ذلك، لان التقييد هوعلى جهة الندب دون التحريم، والاول أقوى، لانه الظاهر، وما قالوه عدول عنه.
ومنهم من قال: لان التأويل: من فتياتكم المؤمنات دون المشركات من عبدة الاوثان، بدلالة الآية التي في المائدة، وهي قوله تعالى: " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم "(2) وهذا ليس بشئ، لان الكتابية لاتسمى مؤمنة.
ومن أجاز العقد على الكتابية له أن يقول: آية المائدة مخصوصة بالحرائر منهن دون الاماء، وظاهر الآية يقتضي أن من وجد الطول من مهر الحرة ونفقتها، ولايخاف من العنت. وهو مذهب الشافعي، غير أن أكثر أصحابنا قالوا: ذلك على وجه الافضل، لا أنه لو عقد عليها وهو غني كان العقد باطلا، وبه قال أبوحنيفة، وقووا ذلك بقوله: " ولامة مؤمنة خير من مشركة "(3) إلاأن من شرط صحة العقد على الامة عند أكثر الفقهاء، أن لاتكون عنده حرة، وهكذا عندنا، إلا أن ترضى الحرة
---
(1) قائله القطامي ديوانه: 32 وجمهرة الاشعار: 313 والطيل جمع طيلة وهي الدهر.
(2) سورة المائدة: آية 6.
(3) سورة البقرة: آية 221.

(3/168)


تفسير التبيان ج3
بأن يتزوج عليها أمة، فان أذنت كان العقد صحيحا عندنا، ومتى عقد عليها بغير إذن الحرة كان العقد على الامة باطلا.
وروى أصحابنا أن الحرة تكون بالخيار بين أن تفسخ عقد الامة، أو تفسخ عقد نفسها، والاول أظهر، لانه إذا كان العقد باطلا لايحتاج إلى فسخه، فاما تزويج الحرة على الامة، فجائز، وبه قال الجبائي.
وفي الفقهاء من منع منه، غير أن عندنا لايجوز ذلك إلا باذن الحرة، فان لم تعلم الحرة بذلك كان لها أن تفسخ نكاحها، أو نكاح الامة، وفي الناس من قال: في عقده على الحرة طلاق الامة.
وقوله: " من فتياتكم المؤمنات " فالفتى الشاب، والفتاة الشابة، والفتاة الامة، وإن كانت عجوزا لانها كالصغيرة في أنها لاتوقر توقير الكبيرة، والفتوة حال الحداثة، ومنه الفتيا، تقول: أفتى الفقيه. يفتي لانه يسأله مسألة في حادثة.
وقوله: " والله أعلم بايمانكم بعضكم من بعض " قيل في معناه قولان: أحدهما - كلكم ولد آدم. والثاني - كلكم على الايمان. ويجوز أن تكون الامة أفضل من الحرة، وأكثر ثوابا عندالله، وفي ذلك تسلية لمن يعقد على الامة، إذا جوز أن تكون أكثر ثوابا عندالله، مع اشتراكهم بأنهم ولد آدم، وفي ذلك صرف عن التغاير بالانساب.
ومن كره نكاح الامة قال: لان الولد عندنا يلحق بالحرية في كلا الطرفين.
وقوله: " فانكحوهن باذن أهلهن " أي اعقدوا عليهن باذن أهلهن، وفيه دلالة واضحة على أنه لايجوز نكاح الامة بغير اذن وليها الذي هو مالكها.
وقوله: " وآتوهن أجورهن " معناه: اعطوا مالكهن مهورهن، لان مهر الامة لسيدها، " بالمعروف " وهوما وقع عليه العقد وتراضي.
وقوله: " محصنات غير مسافحات " يعني بالعقد عليهن، دون السفاح معهن، " ولامتخذات أخذان " وقد بينا الفرق بين الخدن والسفاح فيما مضى، والخدن هو الصديق يكون للمرأة، بزني بها سرا، كذا كان في الجاهلية، والسفاح ماظهر منه، وكان فيهم من يحرم ما ظهر من الزنا، ولايحرم ماخفي منه، ذكر ذلك ابن عباس، وغيره من المفسرين. وخدن الرجل وخدينه صديقه.

(3/169)


تفسير التبيان ج3
وقوله: (فاذا أحصن) من قرأ بالضم، قال: معناه تزوجن، ذكر ذلك ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة.
ومن فتح الهمزة قال: معناه أسلمن، روي ذلك عن عمر، وابن مسعود، والشعبي، وابراهيم، والسدي.
وقال الحسن: يحصنها الزوج، ويحصنها الاسلام، وهو الاولى، لانه لاخلاف أنه يجب عليها نصف الحد إذا زنت، وإن لم تكن ذات زوج، كما أن عليها ذلك وان كان لها زوج، لانه وإن كان لها زوج لايجب عليها الرجم، لانه لايتبعض، فكان عليها نصف الحد خمسين جلدة.
على أن قوله: " فعليهن نصف ماعلى المحصنات " يعني نصف ما على الحرائر، وليس المراد به ذوات الازواج، فالاحصان المذكور للامة التزويج، والمذكور للمحصنات الحرية، وبينا أنه يعبر به عن الامرين.
وقال بعضهم: إذا زنت الامة قبل أن تتزوج، فلا حد عليها، وإنما عليها نصف الحد إذا تزوجت بظاهر الآية.
وقوله: (ذلك لمن خشي العنت منكم)، فالعنت معناه ههنا الزنا في قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعطية العوفي، والضحاك، وابن زيد.
وقال قوم: هو الضرر الشديد في الدين أوالدنيا، مأخوذ من قوله: " ودوا ما عنتم "(1) والاول أقوى، وقوله: " وإن تصبروا خير لكم " يعني: عن نكاح الاماء، في قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، وعطية.
وأكمة عنوت صعبة المرتقى.
ومتى اجتمع عند الرجل حرة وأمة كان للحرة يومان وللامة يوم، وعندنا أن بيع الامة طلاقها، إلا أن يشاء المشتري إمضاء العقد، وكذلك الهبة، وكل ماينتقل به الملك من الميراث، والسبي، وغيره.
فاما عتقها فانه يثبت به لها الخيار، كما ثبت لبريره، ومتى كانت تحت الزوج الحر أو عبد لغيره، لم يكن للمولى التفرقة بينهما، فان كانا جميعا له كان التفرقة إلى المولى.
---
(1) سورة آل عمران: 118.

(3/170)


تفسير التبيان ج3
واستدلت الخوارج على بطلان الرجم بهذه الآية، قالوا: لماقال الله تعالى: (فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب)، وكان الرجم لا يمكن تبعيضه، دل على أنه لاأصل له، وعلى ما بيناه من أن المراد فعليهن نصف ما على الحرائر، دون ذوات الازواج، يسقط هذا السؤآل.
ويدل على أن الاحصان يعبر به عن الحرية زائدا على ما تقدم، قوله في أول الآية: (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم) ولا شك أنه أراد الحرة أو العفائف، لان التي لها زوج لايمكن العقد عليها، وجد طولها أولم يجد، وقوله: (والذين يرمون المحصنات) يدل عليه أيضا، لان المراد به المسلمة الحرة، سواء كانت ذات زوج أولم تكن، بلاخلاف.
والرجم معلوم من دين المسلمين بالتواتر فانهم لايختلفون أنه صلى الله عليه وآله رجم ماعز بن مالك الاسلمي، ورجم يهوديا ويهودية، وعليه جيمع الفقهاء من عهد الصحابة إلى يومنا هذا، فخلاف الخوارج لايلتفت إليه.
وفي الناس من قال: إن قوله: " أن ينكح المحصنات " المراد به الحرائر دون أن نكون مختصا يالعفائف، لانه لوكان مختصا بالعفائف لما جاز العقد على من ليس كذلك، لان قوله: " الزاني لاينكح إلا زانية أو مشركة " إلى قوله: " وحرم ذلك على المؤمنين "(1) منسوخ بالاجماع، وبقوله: " فانكحوا ما طاب "(2) وبقوله: " وانكحوا الايامى "(3) ويمكن أن يخص بالعفائف على الافضل دون الوجوب، وقوله: " فعليهن " معناه لازم لهن نصف ما يلزم المحصنات، دون أن يكون ذلك واجبا عليهن، وقوله: " وان تصبروا " في موضع رفع، والتقدير والصبر عن نكاح الامة خير لكم.
وفي الآية تقديم وتأخير، لان التقدير: " ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم " أي فلينكح مما ملكت أيمانكم (من فتياتكم المؤمنات بعضكم من بعض والله أعلم بايمانكم) ذكره الطبري وهو جيد مليح.
---
(1) سورة النور: آية 3.
(2) سورة النساء: آية 3.
(3) سورة النور: آية 3.

(3/171)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم(26))
آية بلاخلاف.
الاعراب: اللام في قوله: (ليبين لكم) للنحويين فيه ثلاثة أقوال: أولها - قال الكسائي، والفراء، والكوفيون: إن معناها (أن)، وإنما لايجوز ذلك في أردت وأمرت لانها تطلب الاستقبال، لايجوز أردت أن قمت، ولا أمرت أن قمت فلما كانت (أن) في سائر الافعال تطلب الاستقبال، استوثقوا له باللام، وربما جمعوابين اللام وكي لتأكيد الاستقبال، قال الشاعر:
أردت لكيما لاترى لي عثرة
ومن ذا الذي يعطى الكمال فيكمل(1)
وقال الفراء: ربما جاء مع غير الارادة والامر، أنشدني بن الجراح:
أحاول إعنا اتي بما قال أم رجا
ليضحك مني أو ليضحك صاحبه(2)
ومعناه: رجا أن يضحك، ومثله: (وأمرا لنسلم)(3) وفي موضع آخر.
(أمرت أن أكون أول من أسلم)(4) وربما جمعوا بين اللام وكي وأن، قال الشاعر:
أردت لكيما أن تطير بقربتي
فتتركها شنا ببيداء بلقع(5)
---
(1) معاني القرآن 1: 262 أنشده أبوتروان.
وفي شواهد الهمع 2: 5 روايته (تراني عشيرتي) بدل (ترى لي عثرة).
(2) معاني القرآن 1: 262 قائله أبوالجراح الانفي من بني انف الناقة.
وكان في المخطوطة والمطبوعة هكذا
أحاول اعدائي بما قال أم رجا
فيضحك مني أو ليضحك صاحبه
(3) سورة الانعام: آية 71.
(4) سورة الانعام: آية 14.
(5) لم يعرف قائله.
معاني القرآن 1: 262 والانصاف: 242 والخزانة 3: 585.
والعيني (هامش الخزانة) 4: 405، وحاشية الصبان 3: 280.
قوله (أن تطير) كناية عن الهرب، والشن: الخلق البالي، والبيداء: المغازة المهلكة، والبلقع: الارض القفراء.

(3/172)


تفسير التبيان ج3
ولايجوز في الظن أن تقع اللام بمعنى أن، لان الظن يصلح معه الماضي والمستقبل، نحو: ظننت أن قمت، وظننت أن تقوم، ولايجوز: ظننت لتقوم بمعنى: ظننت أن تقوم.
الثاني - قال الزجاج لايجوز أن تقع اللام بمعنى أن، واستشهد بقول الشاعر:
أردت لكيما يعلم الناس إنها
سراويل سعد والوفود شهود
فلو كانت بمعنى أن لم تدخل على كي، كما لا تدخل أن على كي، قال: الرماني: ولقائل أن يقول: إن هذه لام الاضافة مردودة إلى أصلها، فلا يجب وقوع أن موقعها، ومذهب سيبويه وأصحابه أن اللام دخلت في هذا على تقدير المصدر، أي: ارادة للبيان لكم، نحو قوله: (إن كنتم للرؤيا تعبرون)(1) (وردف لكم بعض الذي تستعجلون)(2) ومعناه: إن كنتم تعبرون الرؤيا، قال كثير:
أريد لانسى ذكرها فكأنما
تمثل لي ليلى بكل سبيل أي: إرادتي لهذا.
الثالث - ضعف هذين الوجهين بعض النحويين، بأن جعل اللام بمعنى (أن) لم تقم به حجة قاطعة، وحمله على المصدر يقتضي جواز ضربت لزيد بمعنى ضربت زيدا، وهذا لايجوز، ولكن يجوز في التقديم، نحو لزيد ضربت وللرؤيا تعبرون، لان عمل الفعل في التقديم يضعف، كعمل المصدر في التأخير، ولذلك لم يجز إلا في المتصرف، فاما " ردف لكم " فعلى تأويل: ردف ما ردف لكم، وعلى ذلك يريد ما يريد لكم، وكذلك قوله: " وأمرنا لنسلم "(3) أي أمرنا بما أمرنا لنسلم، فهي تجري بهذا على أصولها، وقياس بابها.
وقال قوم معناه: يريدالله هذا من أجل أن يبين لكم، كما قال: " وأمرت لاعدل بينكم "(4) معناه: وأمرت بهذا من أجل ذلك، وإنما لم يجز أن يراد الماضي لامرين: أحدهما - أن الارادة لاستدعاء الفعل، ومحال أن يستدعي ماقد فعل، كما أنه محال أن يؤمر بما قد وقع، لانه لايحسن أن يقول: إفعل أمس، أو أريد أمس.
---
(1) سورة يوسف: آية 43.
(2) سورة النمل: آية 72.
(3) سورة الانعام: آية 71.
(4) سورة الشورى: 15.

(3/173)


تفسير التبيان ج3
والثاني - أن بالارادة يقع الفعل على وجه دون وجه، من حسن أو قبح، أوطاعة أو معصية، وذلك محال فيما مضى.
المعنى: وقوله: " ويهديكم سنن الذين من قبلكم " قيل فيه قولان: أحدهما - " يهديكم سنن الذين من قبلكم " من أهل الحق، لتكونوا على الاقتداء بهم في اتباعه لما لكم فيه من المصلحة.
الثاني - (سنن الذين من قبلكم) من أهل الحق، لتكونوا على بصيرة فيما تفعلون أو تجتنبون من طرائقهم، وفي الآية دلالة على بطلان مذهب المجبرة، لان الله تعالى بين أنه يريد أن يتوب على العباد، وهم يزعمون أنه يريد منهم الاصرار على المعاصي.
وقال أبوعلي الجبائي: في الآية دلالة على أن ماذكر في الآيتين من تحريم النكاح أو تحليله، قد كان على من قبلنا من الامم، لقوله تعالى: " ويهديكم سنن الذين من قبلكم " أي في الحلال والحرام.
قال الرماني: لايدل ذلك على اتفاق الشريعة، وإن كنا على طريقتهم في الحلال والحرام، كما لايدل عليه وإن كنا على طريقتهم في الاسلام، وهذا هو الاقوى.
قوله تعالى: (والله يريدأن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما(27))
آية.
المعنى: معنى الآية الاخبار من الله تعالى أنه يريد من المواجهين بها، أن يتوب

(3/174)


تفسير التبيان ج3
عليهم، بمعنى أن يقبل توبتهم، عما سلف من آثامهم، ويتجاوز عما كان منهم في الجاهلية، من استحلالهم ما هو حرام عليهم من حلائل الآباء والابناء، وغير ذلك مما كانوا يستحلونه، وهو حرام عليهم.
إن قيل: لم كرر قوله: " والله يريد أن يتوب عليكم "؟ مع ما تقدم من قوله: " يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم " قلنا عنه جوابان: أحدهما - أنه لما في الاول، وتقديره: يريد الله ليتوب عليكم أنى في الثاني ب‍ (أن) ليزول الايهام أنه يريد ليتوب، ولايريد(3) أن يتوب علينا. والآخر - أن يبين أن ارادته منا خلاف إرادة أصحاب الاهواء لنا، لنكون على بصيرة من أمرنا، وجاء الثاني على التقابل، بان الله يريد شيئا ويريدون خلافه.
والمعني: بقوله: " ويريد الذين يتبعون الشهوات " قيل فيه أربعة أقوال: الاول - قال ابن زيد: كل مبطل، لانه يتبع شهوة نفسه في باطله.
الثاني - قال مجاهد: يعني به: الزناة.
الثالث - قال السدي: هم اليهود والنصارى.
الرابع - اليهود خاصة، لانهم يحلون نكاح الاخت من الاب، والاول أقوى، لانه أعم فائدة، وأوفق لظاهر اللفظ.
وقوله: " أن تميلوا ميلا عظيما " معناه أن تعدلوا عن الاستقامة بالاستكثار من المعصية، وذلك أن الاستقامة هي المؤدية إلى الثواب، والفوز بالسلامة من العقاب، وأما الميل عن الاستقامة فيؤدي إلى الهلاك واستحقاق العقاب.
فان قيل: ما معنى إرادتهم الميل بهم؟ قيل قد يكون ذلك لعداوتهم، وقد يكون لتمام الانس بهم في المعصية، فبين الله أن إرادته لهم خلاف ارادتهم منهم، وليس في الآية مايدل على أنه لايجوز اتباع داعي الشهوة في شئ البته، لانه لاخلاف أن اتباع الشهوة فيما أباحه الله تعالى جائز، وإنما المحظور من
---
(1) في المخطوطة (ولانه يريد) بدل (ولا يريد).

(3/175)


تفسير التبيان ج3
ذلك ما يدعوإلى ما حرمه، لكن لا يطلق [ على ](1) صاحبه بانه متبع للشهوة، لان إطلاقه يفيد اتباع الشهوة فيما حرم عليه.
قوله تعالى: (يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الانسان ضعيفا(28))
آية بلاخلاف.
المعنى واللغة: معنى قوله: " يريد الله أن يخفف عنكم " ههنا أي في نكاح الاماء، لان الانسان خلق ضعيفا في أمر النساء، هذا قول مجاهد، وطاووس، وزيد. وأصل التخفيف خفة الوزن، والتخفيف على النفس بالتيسير، كخفة الحمل بخفة الوزن، ومنه الخفافة النعامة السريعة، لانها تسرع أسراع الخفيف الحركة، والخفوف السرعة، ومنه الخف الملبوس لانه يخف به التصرف، ومنه خف البعير.
والمراد بالتخفيف ههنا تسهل التكليف، بخلاف التصعب فيه، فتحليل نكاح الاماء تيسير بدلا من تصعيب، وكذلك جميع ما يسره الله لنا إحسانا منه إلينا، ولطفا بنا.
فان قيل: هل يجوز التثقيل في التكليف، مع خلق الانسان ضعيفا عن القيام به بدلا من التخفيف؟ قيل: نعم إذا أمكنه القيام به، وإن كان فيه مشقة، كما ثقل التكليف على بني اسرائيل في قتل أنفسهم، غير أن الله لطف بنا فكلمنا ما يقع به صلاحنا، بدلا من فسادنا.
وفي الآية دلالة على فساد قول المجبرة: ان الله يكلف عباده ما لايطيقون، لان ذلك مناف لارادة التخفيف عنهم في التكليف، من حيث أنه غاية التثقيل.
وقوله: " وخلق الانسان ضعيفا " أي يستميله هواه.
---
(1) في المخطوطة والمطبوعة (لصاحبه) يدل (على صاحبه).

(3/176)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (ياأيها الذين آمنوا لاتأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما(29))
آية واحدة بلاخلاف.
القراء ة، والاعراب: قرأأهل الكوفة: " تجارة " نصبا، الباقون: بالرفع، فمن رفع ذهب إلى أن معناه: إلا أن تقع تجارة، ومن نصب فمعناه: إلا أن تكون الاموال تجارة، أو أموال تجارة، وحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، ويكون الاستثناء منقطعا، ويجوز أن يكون التقدير: إلا أن تكون التجارة تجارة، كما قال الشاعر: إذا كان يوما ذا كواكب أشنعا(1) وتقديره: إذا كان اليوم يوما ذا كواكب، ذكره أبوعلي النحوي.
وقال الرماني التقدير: إلا أن تكون الاموال تجارة، ولم يبين.
والقول ما قال أبوعلي، لان الاموال ليست تجارة.
ومن شأن خبر كان أن يكون هو إسمها في المعنى.
وقيل: الرفع إقوى، لانه أدل في الاستثناء على الانقطاع، فان التحريم لاكل المال بالباطل على الاطلاق.
وفي الناس من زعم أن نصبه على قول الشاعر: إذا كان طعنا بينهم وعناقا(2) أي إذا كان الطعن طعنا.
قال الرماني: وهذا ليس بقوي، لان الاضمار قبل الذكر ليس يكثر في مثل هذا، وإن كان جائزا، فالرفع يغني عن الاضمار فيه.
المعنى: وفي معنى قوله: " لاتأكلوا أموالكم بينكم بالباطل " قولان: أحدهما - قال السدي: بالربا، والقمار، والبخس، والظلم، وهو المروي عن أبي جعفر (ع).
---
(1) لم يعرف قائله معاني القرآن للفراء 1: 186 وسيبويه 1: 22 وصدره: ولله قومي أي قوم لحرة.
(2) لم يعرف قائله معاني القرآن 1: 186 وصدره: أعيني هلا تبكيان عفاقا. وعفاق: اسم رجل.

(3/177)


تفسير التبيان ج3
الثاني - قال الحسن: بغير استحقاق من طريق الاعواض.
وكان الرجل يتحرج أن يأكل عند أحد من الناس بعد ما نزلت هذه الآية، إلى أن نسخ ذلك بقوله في سورة النور: " ولاعلى أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم.. " إلى قوله: " جميعا أو أشتاتا "(1) والاول أقوى، لان ما أكل على وجه مكارم الاخلاق فليس هو أكل بالباطل.
وقيل: معناه التخاون، ولذلك قال: " بينكم ".
وقوله: " إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم " فيه دلالة على بطلان قول من حرم المكاسب، لانه تعالى حرم أكل الاموال بالباطل، وأحله بالتجارة على طريق المكاسب.
ومثل قوله: " وأحل الله البيع وحرم الربا "(2) وقيل في معنى التراضي بالتجارة قولان: أحدهما - إمضاء البيع بالتفرق، أو بالتخاير بعد العقد في قول شريح، وابن سيرين، والشعبي، لقوله صلى الله عليه وآله: البيعان بالخيار مالم يتفرقا أو يكون بيع خيار.
وربما قالوا: أويقول أحدهما للآخر اختر، وهو مذهبنا.
الثاني - إمضاء البيع بالعقد - على قول مالك بن أنس، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، - ومحمد - بعلة رده إلى عقد النكاح، ولاخلاف أنه لاخيار فيه بعد الافتراق، وقيل: معناه إذا تغابنوا فيه مع التراضي فانه جائز.
وقوله: " ولا تقتلوا أنفسكم " قيل فيه: ثلاثة أقوال: أحدها - قال عطاء، والسدي، وأبوعلي الجبائي، والزجاج: لايقتل بعضهم بعضا من حيث كانوا أهل دين واحد، فهم كالنفس الواحدة، كما يقول القائل: قتلنا ورب الكعبة، ومعناه قتل بعضنا، لانه صار كالقتل لهم، ومثله قوله: " فاذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم "(3).
الثاني - قال البلخي: فيه نهي عن قتل نفسه في حال غضب، أو زجر،
---
(1) سورة النور: آية 61.
(2) سورة البقرة: آية 275.
(3) سورة النور: آية 61.

(3/178)


تفسير التبيان ج3
والاول أقوى، لانه أكثر وأغلب، وأيضا فانه إذا حرم عليه قتل غيره من أهل دينه، لانه بمنزلة قتل نفسه، فقد حرم عليه قتل نفسه.
الثالث - قال قوم: معناه: لاتقتلوا أنفسكم، بان تهلكوها بارتكاب الآثام، والعدوان في أكل المال بالباطل، وغيره من ارتكاب المعاصي، التي تستحقون بها العقاب.
وروي عن أبي عبدالله (ع): أن معناه لاتخاطروا بنفوسكم في القتال، فتقاتلون من لاتطيقونه.
وقوله: " إن الله كان بكم رحيما " قال ابن عباس: كان صلة، والمعنى إن الله غفور رحيم، ويحتمل أن يكون المراد: " إن الله كان بكم رحيما " حيث كلفكم الامتناع من أكل المال بالباطل الذي يؤدي إلى العقاب، وحرم عليكم قتل نفوسكم التي حرمها عليكم، ويعلم انه رحيم فيما بعد بدليل آخر.
الآية: 30 - 39
قوله تعالى: (ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا(30))
آية بلاخلاف.
المعنى: قيل في تعليق الوعيد والاشارة بقوله: " ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما... " الآية، أربعة أقوال:
أولها - وهو أقواها - انه على أكل الاموال بالباطل، وقتل النفس بغير حق، والوعيد بكل واحدة من الخصلتين، لان الوعيد ذكر عقيب ذكر النهي عن الامرين، وهو اختيار الطبري.
الثاني - قال عطاء: هو على قتل النفس المحرمة خاصة.
الثالث - على فعل كلما نهى الله عنه، من أول السورة.

(3/179)


تفسير التبيان ج3
الرابع - أنه راجع إلى قوله: " يا أيها الذين آمنوا لايحل لكم أن ترثوا النساء كرها "(1) لان ما قبله مقرون بالوعيد.
وقوله: (وكان ذلك على الله يسيرا) معناه: أنه قادر على إنجاز الوعيد، لايمكن صاحبه الامتناع منه، ولا الهرب منه، فيتعذر الايقاع به، فيجب أن تنزلوا الوعيد منزلته، وتكونوا على بصيرة فيه، غير مغترين بامر يصرف عنه، وإنما قيد قوله: " ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما " لان من وقع منه قتل النفس على وجه السهو والخطأ في خلاف المراد، لم يتناوله الوعيد، وكذلك إذا أكل من أموال الناس على وجه مباح، لم يتوجه إليه الوعيد.
والعدوان تجاوز ما أمر الله به، والظلم أن يأخذه على غير وجه الاستحقاق، وأصله وضع الشئ في غير موضعه، وفي المرجئة من قال: إنما قيد بذلك لان المراد من استحل أكل المال بالباطل، واستحل أيضا قتل النفوس، وذلك لايكون إلا كافرا، فلذلك هدده بالوعيد المخصوص، فأما إذا فعل ذلك محرما له، فانه يجوز أن يعفو الله عفو، فلا يتناوله الوعيد قطعا على كال حال، ولو لم تحمل الآية على المستحلين، لامكننا أن نخص الآية بمن لايعفو الله عنه، كما أنهم لابد لهم أن يخصوها بمن لم يتب من ذلك ولاتكون معصية صغيرة، فليس في الآية ما يمنع من القول بجواز العفو.
وإنما قال: (وكان ذلك على الله يسيرا) وإن كان يسيرا عليه الآن وفي مستقبل الاوقات، ليعلم أن الاوقات متساوية في ذلك على كل حال، ولايجوز أن يقال قياسا على ذلك وكان الله قديما، لان قولنا قديم أغنى عن كان، إذ لم يختص بالحال بل أفاد الوجود في الازل، فلا معنى لادخال كان فيه.
واليسير السهل، يقال: يسر الشئ إذا سهل فهو يسير، وعسر فهو عسير، إذا لم يتسهل.
قوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما(31))
آية.
---
(1) سورة النساء: آية 19.

(3/180)


تفسير التبيان ج3
القراء ة، والحجة: قرأ نافع، وأبوبكر، عن عاصم: مدخلا - بفتح الميم - الباقون بضمها، وهو الاقوى، لانه من ادخلوا والآخر جائز، لان فيه معنى: فيدخلون، وليس كقول الشاعر:
الحمدلله ممسانا ومصبحنا
بالخير صبحنا ربي ومسانا(1)
ويروى بفتح الميم فيهما، أنشده البلخي في البيت، لانه ليس فيه فعل، ولكن قد حكي بالفتح على التشبيه بالاول، ويحتمل أن يكون من قرأ بفتح الميم أراد: مكانا كريما، كما قال: " ومقام كريم "(2) وقرأ المفضل، عن عاصم " يكفر " " ويدخلكم " بالياء فيهما، الباقون بالنون، وهوالاجود، لانه وعد على وجه الاستئناف، فالاحسن ألا يعلق بالاول من جهة ضمير الغائب، واختاره الاخفش، ومن قرأ بالياء رده إلى ذكر الله في قوله: " إن الله كان بكم رحيما ".
المعنى: والمعاصي وإن كانت كلها عندنا كبائر، من حيث كانت معصية لله تعالى، فانا نقول: إن بعضها أكبر من بعض، ففيها إذا كبير بالاضافة إلى ماهو أصغر منه.
وقال ابن عباس: كلما نهى الله عنه فهو كبير.
وقال سعيد بن جبير: كلما أوعدالله عليه النار فهو كبير، ومثله قال أبوالعالية، ومجاهد، والضحاك.
وعند المعتزلة أن كل معصية توعدالله تعالى عليها بالعقاب، أو ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله أو كان بمنزلة ذلك، أو أكبر منه، فهو كبير، وما ليس ذلك حكمه فانه يجوز أن يكون صغيرا، ويجوز أن يكون كبيرا، ولايجوز أن يعين الله الصغائر، لان في تعيينها الاغراء بفعلها، فمن المعاصي المقطوع على كونها كبائر: قذف المحصنات:
---
(1) قائله أمية بن أبي الصلت. ديوانه: 62 ومعاني القرآن للقراء 1: 264 والخزانة 1: 120، واللسان (إمسى).
(2) سورة الشعراء: آية 59. وسورة الدخان: آية 26

(3/181)


تفسير التبيان ج3
وقتل النفس التي حرم الله، والزنا، والربا، والفرار من الزحف في قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، والضحاك، ومثله عن أبي عبدالله (ع)، وزاد: وعقوق الوالدين، والشرك، وإنكار الولاية.
وقال ابن مسعود: كلما نهى الله عنه، من أول السورة إلى رأس الثلاثين، فهو كبير.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: عقوق الوالدين، وشهادة الزور، كبير.
فعلى مذهب المعتزلة: من اجتنب الكبائر، وواقع الصغائر، فان الله يكفر الصغائر عنه، ولايحسن مع اجتناب الكبائر عندهم المؤآخذة بالصغائر، ومتى آخذه بها كان ظالما.
وعندنا أنه يحسن من الله تعالى ان يؤآخذ العاصي بأي معصية فعلها، ولايجب عليه إسقاط عقاب معصية لمكان اجتناب ماهو أكبر منها، غير أنا نقول: إنه تعالى وعد تفضلا منه أن من اجتنب الكبائر فانه يكفر عنه ماسواها، بان يسقط عقابها عنه تفضلا، ولو أخذه بها لم يكن ظالما، ولم يعين الكبائر التي إذا اجتنبها كفر ما عداها، لانه لو فعل ذلك لكان فيه إغراء بما عداها، وذلك لايجوز في حكمته تعالى.
وقوله: " إن تجتنبوا كبائر " معناه من تركها جانبا والمدخل الكريم: هو الطيب الحسن المكرم بنفي الآفات والعاهات عنه.
وقوله تعالى: (ولاتتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شئ عليما(32))
آية بلاخلاف.
القراء ة: قرأ ابن كثير، والكسائي " وسلوا " بغير همزة، وكذلك كلما كان أمر للمواجه في جميع القرآن، الباقون بالهمزة، ولم يختلفوا في: " وليسألوا ما انفقوا "(1) لانه أمر لغائب.
---
(1) سورة الممتحنة: آية 10.

(3/182)


تفسير التبيان ج3
قال أبوعلي الفارسي.
كلاهما جيد، إن ترك الهمزة واثباتها.
النزول: وقيل في سبب نزول هذه الآية أن أم سلمة قالت: (يارسول الله لانغزو مع الرجال، ولنانصف الميراث، ياليت كنا رجالا، فكنا نقاتل معهم) فنزلت هذه الآية، في قول مجاهد.
وقال الزجاج: قال الرجال: ليتنا كنا فضلنا في الآخرة على النساء، كما فضلنا عليهن في الدنيا، وبه قال السدي.
اللغة: والتمني هو قول القائل: ليت كان كذالما لم يكن، وليت لم يكن كذا لما كان.
وفي الناس من قال: هو معنى في القلب.
وقال الرماني: هوما يجب على جهة الاستمتاع به، ومن قال: هومعنى في القلب قال: ليس هو من قبيل الشهوة، ولا من قبيل الارادة، لان الارادة لاتتعلق إلابمايصح حدوثه، والتمني قد يتعلق بما مضى، والشهوة أيضا كالارادة في أنها لاتتعلق بما مضى.
المعنى: وظاهر الخطاب يقتضي تحريم تمني ما فضل الله به بعضنا على بعض وقال الفراء: هو على جهة الندب والاستحباب، والاول هو حقيقة التمني، والذي قلناه هو قول أكثر المفسرين، ووجه تحريم ذلك أنه يدعو إلى الحسد، وأيضا فهو من دنايا الاخلاق، وأيضا فان تمني الانسان لحال غيره قد يؤدي إلى تسخط ما قسم الله له، ولايجوز لاحد أن يقول ليت مال فلان لي، وإنما يحسن أن يقول: ليت مثله لي.
وقال البلخي: لايجوز للرجل أن يتمنى أن كان امرأة، ولاللمرأة أن تتمنى لو كانت رجلا، بخلاف ما فعل الله، لان الله لايفعل من الاشياء إلا ما هو أصلح، فيكون قد تمنى ما ليس بأصلح، أوما يكون مفسدة.
ويمكن أن يقال: إن ذلك يحسن بشرط أن لايكون مفسدة، كما يقول في حسن السؤال سواء.

(3/183)


تفسير التبيان ج3
وقوله: (وللرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن) قيل في معناه أقوال: أحدها - أن لكل واحد حظا من الثواب على حسب ما كلفه الله من الطاعات بحسن تدبيره، فمتى فعل ذلك استحق به علو المنزلة، فلاتتمنوا خلاف هذا التدبير، لما فيه من حرمان الحظ الجزيل.
الثاني - أن كل أحد إنما له جزاء ما اكتسب، فلا يضيعه بتمني ما لغيره، ممايؤدي إلى إبطال عمله، فكأنه قيل: لاتضيع ما هو لك، بتمني ما لغيرك.
والثالث - أن لكل فريق من الرجال والنساء نصيبا مما اكتسب من نعيم الدنيا، بالتجارات والزراعات وغير ذلك من أنواع المكاسب، فينبغي أن يقنع ويرضى بما قسم له.
وروي عن ابن عباس أنه قال: ذلك في الميراث، للرجال نصيب منه، وللنساء نصيب منه.
والاجوبة الاولى أقرب، لان الميراث ليس مما يكتسبه الرجال والنساء، وإنما هو شئ يورثهم الله تعالى، والآية تضمنت أن لهم نصيبا مما اكتسبوا، وذلك لايليق إلابما تقدم.
وقوله: (واسألوا الله من فضله) معناه: إن احتجتم إلى ما لغيركم، فاسألوا الله أن يعطيكم مثل ذلك من فضله، بشرط أن لايكون فيه مفسدة لكم ولا لغيركم، لان المسألة لاتحسن إلا كذلك، وقال سعيد بن جبير: واسألوا الله العبادة، وبه قال السدي،، ومجاهد.
وقوله: (إن الله كان بكل شئ عليما) معناه: إنه قسم الارزاق على ماعلمه من الصلاح للعباد، بدلا من الفساد، فينبغي أن ترضوا بما قسمه، وتسألوه من فضله، غير منافسين لغيركم في عطيته.

(3/184)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (ولكل جعلنا موالي مماترك الوالدان والا قربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شئ شهيدا(33))
آية بلاخلاف.
القراء ة، والاعراب، والحجة قرأأهل الكوفة " عقدت " بغير ألف، الباقون بألف، فمن قرأ باثبات الالف، قال: لان المعاقدة تدل على عقد الحلف باليمين من الفريقين، وقال بعضهم إنه يعني عن ذلك جميع الايمان، قال الرماني: هذا خطأ، لانها قد تجمع لردها على أحد الفريقين الحالف بها، قال أبوعلي الفارسي: الذكر الذي يعود من الصلة إلى الموصول ينبغي أن يكون منصوبا، فالتقدير: والذين عاقدتم أيمانكم، فجعل الايمان في اللفظ هي المعاقدة، والمعنى على الحالفين الذين هم أصحاب الايمان، فالمعنى: والذين عاقدت حلفهم أيمانكم، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، فعاقدت أشبه بهذا المعنى، لان لكل نفس من المعاقدين يمينا على المحالفة.
ومن قال: " عقدت أيمانكم " كل المعنى: عقدت حلفهم أيمانكم، فحذف الحلف، وأقام المضاف إليه مقامه، والاولون حملوا الكلام على المعنى، حيث كان من كل واحد من الفريقين يمين، ومن قال: " عقدت " حمل على اللفظ، لفظ الايمان، لان الفعل لم يسند إلى أصحاب الايمان في اللفظ، وإنما أسند إلى الايمان.
المعنى واللغة: ومعنى الآية جعلنا الميراث لكل من هومولى الميت، والموالي المذكورون في الآية، قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد: هم العصبة، وقال السدي: هم الورثة: وهو أقواها، والتقدير ولكلكم جعلنا ورثة مماترك الوالدان والاقربون، ثم استانف: والذين. وأصل الموالي من ولي الشئ يليه ولاية، وهوالاتصال للشئ بالشئ، من غير فاصل، والمولى على وجوه: فالمولى المعتق، والمولى المعتق، والمولى العصبة،

(3/185)


تفسير التبيان ج3
والمولى إبن العم، والمولى الحليف، والمولى الولي، والمولى الاولى بالشئ والاحق. فالمعتق مولي النعمة بالعتق، والمعتق لانه مولى النعمة، والمولى الورثة، لانهم أولى بالميراث، والمولى الحليف، لانه يلي المحالف أمره بعقد اليمين، والمولى إبن العم، لانه يلي النصرة لتلك القرابة، والمولى الولي، لانه يلي بالنصرة.
وفي التنزيل: (ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وان الكافرين لامولى لهم)(1) أي لاناصرلهم، وهو ناصر المؤمنين، والمولى السيد. لانه أولى بمن يسوده.
قال الاخطل:
فاصبحت مولاها من الناس كلهم
وأحرى قريش أن تهاب وتحمدا
والمولى الاولى والاحق، ومنه قوله (ع): (أيما امرأة نكحت بغير إذن مولاها فنكاحها باطل) أي بغير إذن من هو أولى بهاوأحق.
وقال الفضل ابن العباس في المولى بمعنى ابن العم:
مهلا بني عمنا مهلا موالينا
لاتظهرون لنا ما كان مدفونا(2)
والمراد بقوله: (والذين عاقدت أيمانكم) قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها - قال سعيد بن جبير، وقتادة، وعامر، والضحاك: إنهم الحلفاء.
الثاني - قال الحسن، وسعيد بن المسيب: هم رجال كانوا يتبنون، على عادة الجاهلية. ليجعل لهم نصيب من الوصية، ثم هلكوا، فذهب نصيبهم بهلاكهم.
الثالث - في رواية أخرى عن ابن عباس، وابن زيد انهم قوم آخى بينهم رسول الله صلى الله عليه وآله. والاول أقوى وأظهر في أقوال المفسرين.
وقال أبومسلم: أراد بذلك عقد المصاهرة والمناكحة.
وقال أبوعلي: الحليف لم يؤمر له بشئ أصلا، لانه عطف على قوله " ترك الوالدان والاقربون " أي: وترك الذين عاقدت أيمانكم، فآتوا كلا نصيبه من الميراث. وهذا ضعيف لانه
---
(1) سورة محمد: آية 11.
(2) مجاز القرآن لابي عبيدة 1: 125 والكامل للمبرد 2: 279 والحماسة للبحتري 1: 121 واللسان (ولي) وقد روي: لاتنبشوا بيننا ما كان مدفونا

(3/186)


تفسير التبيان ج3
يفيد التكرار، لان قوله: " الوالدان والاقربون " عام في كل أحد.
وعلى ما قال المفسرون، يكون قوله: (ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان) إذا كانوا مناسبين له، ثم استأنف حكم الحلفاء، فقال: " فآتوهم نصيبهم ".
فان قيل: بم يتصل قوله: " مما ترك الوالدان " وما العامل فيه؟ قيل فيه قولان: أحدهما - يتصل ب‍ (موالي) على جهة الصفة، والعامل الاستقرار، كأنه قال: موالي مما خلف الوالدان والاقربون، والذين عاقدت أيمانكم من الورثة. الثاني - يتصل بمحذوف، والتقدير: موالي يعطون مماترك الوالدان والاقربون، والذين عاقدت أيمانكم من الميراث.
وقال أبوعلي الجبائي تقديره: ولكل شئ مما ترك الوالدان والاقربون وارث من الميراث.
قال الرماني: وهذا لايجوز، لانه فصل بين الصفة والموصوف بما عمل في الموصوف، نحو: لكل رجل - جعلت درهما - فقير.
والنصيب الذي أمر به للحليف قيل فيه قولان: أحدهما - قال ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، وعامر، والضحاك: انه نصيب على ما كانوا يتوارثون بالحلف في الجاهلية، ثم نسخ ذلك بقوله: " وألوا الارحام بعضهم أولى ببعض ". الثاني - في رواية أخرى عن ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، والسدي: انه النصيب من النصرة والنصيحة دون الموارثة، فعلى هذا الآية غير منسوخة.
وروي عنه أنه قال: لاحلف في الاسلام، فأما ما كان في الجاهلية فلم يزده الاسلام إلا شدة.
وقوله: (إن الله كان على كل شئ شهيدا) أي: شاهدا، وذلك دال على أنه عالم به، لانه لايشهد إلا بماعلم.

(3/187)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما انفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فان أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا(34))
آية بلاخلاف.
القراء ة والنزول: قرأ أبوجعفر المدني: " بما حفظ الله " - بالنصب - ومعناه: بالذي حفظ الله، ويحتمل أن يكون معناه: بحفظ الله وهو ضعيف، لانه يكون حذف الفاعل وهو ضعيف. وسبب نزول هذه الآية ما قاله الحسن، وقتادة، وابن جريج، والسدي: أن رجلا لطم امرأته فجاء ت إلى االنبي صلى الله عليه وآله تلتمس القصاص، فنزلت الآية: " الرجال قوامون على النساء ".
المعنى واللغة: والمعنى: (الرجال قوامون على النساء) بالتأديب والتدبير لما " فضل الله " الرجال على النساء في العقل والرأي.
وكان الزهري يقول: ليس بين الرجل وامرأته قصاص فيما دون النفس.
ويقال: رجل قيم، وقوام، وقيام.
ومعناه: إنهم يقومون بأمر المرأة بالطاعة لله ولهم.
وقوله: (فالصالحات قانتات) قال قتادة: وسفيان: معنى (قانتات) مطيعات لله ولازواجهن. وأصل القنوت دوام الطاعة، ومنه القنوت في الوتر لطول القيام.
وقوله: " حافظات للغيب بما حفظ الله " معناه، قال قتادة، وعطاء، وسفيان: حافظات لما غاب عنه أزواجهن من ماله، وما يجب من رعايته وحاله، وما يلزم من صيانتها نفسها له، " وبما حفظ الله " قال عطاء، والزجاج: أي بما حفظهن الله في مهورهن، وألزم الزوج النفقة عليهن.
وقال بعضهم: معناه، والله أعلم: بالشئ الذي يحفظ أمرالله، ودين الله.
وقوله: " واللاتي تخافون " قيل فيه قولان: أحدهما - تعلمون، لان خوف النشز للعلم بموقعه، فلذلك جاز أن توضع

(3/188)


تفسير التبيان ج3
مكان تعلم، كما قال الشاعر:
ولاتدفنني بالفلاة فانني
أخاف إذامامت ألا أذوقها(1)
وقال آخر:
أتاني كلام عن نصيب يقوله
وماخفت ياسلام انك عائبي(2)
وقال الفراء: معناه: ماظنت، ومنه قوله صلى الله عليه وآله: أمرت بالسواك حتى خفت أن أدرد.
الثاني - الخوف الذي هو خلاف الامن، كأنه قال: تخافون نشوزهن لعلمكم بالاحوال المؤذنة به، ذكره محمد بن كعب.
ومعنى النشوز ههنا: قال ابن عباس، والسدي، وعطاء، وابن زيد: انه معصية الزوج، وأصله الترفع على الزوج بخلافه، مأخوذا من قولهم: هو على نشز من الارض، أي ارتفاع، يقال: نشزت المرأة تنشز وتنشز، قرئ بهما: " وإذا قيل انشزوا فانشزوا "(3) فالنشوز يكون من قبل المرأة خاصة، والشقاق منهما.
وقوله: " فهظوهن " أي خوفوهن بالله، فان رجعن وإلا فاهجروهن في المضاجع. وقيل في معناه ثلاثة أقوال:
أحدها - قال ابن عباس، وعكرمة، والضحاك، والسدي: هجر الكلام. وقال سعيد بن جبير: هوهجر الجماع. وقال مجاهد، والشعبي، وابراهيم: هو هجر المضاجعة، وهوقول أبي جعفر (ع). وقال: يحول ظهره إليها.
وقال بعضهم: " اهجروهن " اربطوهن بالهجار، من قولهم: هجر الرجل البعير إذا ربطه بالهجار، وقال امرؤ القيس:
رأت هلكا بنجاف الغبيط
فكادت تجد لذاك الهجارا(4)
---
(1) انظر 2: تعليقة 2.
(2) انظر 2: 189، 244.
(3) سورة المجادلة: آية 11.
(4) ديوانه: 111 واللسان (هلك). الهلك الفراغ.
نجاف الغبيط: مدرعة البرذعة.
الهجار: حبل يسوى له عروتان في طرفيه ثم تشد احداهما في رسغ رجل الفرس وتزر وكذلك الاخرى.

(3/189)


تفسير التبيان ج3
وهذا تعسف في التأويل، ويضعفه قوله: " في المضاجع " ولايكون الرباط في المضجع. وأما الضرب فانه غير مبرح بلاخلاف قال أبوجعفر (ع): هو بالسواك. والمضاجع جمع مضجع، وأصله الاستلقاء، يقال: ضجع ضجوعا واضطجع اضطجاعا إذا استلقى للنوم، وأضجعته إذا وضعت جنبه بالارض، فكل شئ أملته فقد أضجعته.
وقوله: (فان أطعنكم فلا تبغوا عليهن) أي لاتطلبوا، تقول: بغيت الضالة إذا طلبتها، قال الشاعر يصف الموت:
بغاك وما تبغيه حتى وجدته
كأنك قد واعدته أمس موعدا(1)
وأصل الهجر الترك عن قلى، تقول: هجرت فلانا أي تركت كلامه عن قلى، والهجر القبيح من الكلام، لانه مهجور، والهجار حبل يشد به البعير، لانه يهجر به التصرف، والهاجرة نصف النهار، لانه وقت يهجر فيه العمل.
وقوله: " إن الله كان عليا كبيرا " أي متعاليا عن أن يكلف إلا بالحق، ومقدار الطاقة، وقد قيل: معناه إنه قادر عليه، قاهر له، وليس المراد به علو المكان، لان ذلك يستحيل عليه تعالى.
والكبير السيد، يقال: لسيد القوم كبيرهم، والمعنى: فان استقمن لكم فلاتطلبوا العلل في ضربهن، وسوء معاشرتهن، فان الله تعالى قادر على الانتصاف لهن.
قوله تعالى: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا(35))
آية بلاخلاف.
المعنى واللغة قوله: (وإن خفتم) في معناه قولان: أحدهما - إن علمتم. الثاني - الخوف الذي هو خلاف الامن، وهوالاصح، لانه لوعلم الشقاق يقينا لم يحتج إلى الحكمين، فان أريد به الظن كان قريبا مما قلناه.
---
(1) قائله سحيم بن الحسحاس ديوانه: 41 وروايته (الا وجدته) بدل (حتى وجدته).

(3/190)


تفسير التبيان ج3
والشقاق الخلاف، والعداوة، واشتقاقه من الشق، وهوالجزء الباين، ومنه إسم المتشاقين، لان كل واحد منهما في شق أي في ناحية، ومنه المشقة في الامر، لانه يشق على النفس، فأمر الله متى خيف ذلك بين الزوجين أن يبعثوا حكما من أهله وحكمامن أهلها، والحكم القيم بما يسندإليه.
والمأمور ببعث الحكمين قيل فيه قولان: أحدهما - قال سعيد بن جبير، والضحاك، وأكثر الفقهاء، وهو الظاهر في اخبارنا: انه السلطان الذي يترافعان إليه. والثاني - قال السدي: انه الرجل والمرأة، وقيل: أيهما كان ناب عن الآخر، وهو اختيار الطبري.
واختلف الفقهاء في الحكمين هل هما وكيلان، أو هما حكمان، فعندنا أنهما حكمان، وقال قوم: هما وكيلان، واختلفوا هل للحكمين أن يفرقا بالطلاق إن رأياه أم لا؟ فعندنا ليس لهما ذلك إلابعد أن يستأمراهما، أوكان اذن لهما في الاصل في ذلك، وبه قال الحسن، وقتادة، وابن زيد، عن أبيه.
ومن قال: هما وكيلان، قال: لهماذلك، ذهب إليه سعيدبن جبير، والشعبي، والسدي، وابراهيم، وشريح، ورووه عن علي (ع).
وقوله: (إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما) معناه يوفق الله بينهما، والضمير في بينهما عائد على الحكمين، والمعنى: إن أرادا إصلاحا في أمر الزوجين يوفق الله بينهما.
وبه قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والسدي. وأصل التوفيق الموافقة، وهي المساواة في أمر من الامور.
والتوفيق هواللطف الذي يتفق عنده فعل الطاعة، والتوفيق بين نفسين هوالاصلاح بينهما، والاتفاق في الجنس والمذهب المساواة بينهما، والاتفاق في الوقوع كرمية من غير رام لمساواتهما نادرا.

(3/191)


تفسير التبيان ج3
وقوله: (إن الله كان عليما خبيرا) يعني بما يريد الحكمان من الاصلاح. أو الافساد.
وقيل معناه أنه عالم بما تعبدكم به، لعلمه بما فيه صلاحكم في دينكم ودنياكم.
" وشقاق بينهما " إنما أضافه إلى البين لان البين قد يكون اسما كما قال: " لقد تقطع بينكم "(1) ممن قرأ بالرفع.
قوله تعالى: (واعبدو الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لايحب من كان مختالا فخورا(36))
آية.
المعنى: هذا خطاب لجميع المكلفين، أمرهم الله بأن يعبدوه وحده، ولايشركوا بعبادته شيئا سواه " وبالوالدين إحسانا " نصب على المصدر، وتقديره: وأحسنوا إلى الوالدين إحسانا، ويحتمل أن يكون نصبا على تقدير: واستوصوا بالوالدين إحسانا، لان قوله: " اعبدوا الله " بمنزلة استوصوا بعبادة الله، وأن تحسنوا إلى ذي قرباكم، وإلى اليتامى الذين لاأب لهم، والمساكين وهم الفقراء، والجار ذي القربي، يعني الجار القريب.
اللغة: وأصل الجار العدول، جاوره مجاورة وجوارا، فهو مجاور له وجارله، لعدوله إلى ناحيته في مسكنه، والجور الظلم، لانه عدول عن الحق، ومنه جار السهم إذا عدل عن قصده، وجار عن الطريق إذا عدل عنه، واستجار بالله، لانه
---
(1) سورة الانعام: آية 94.

(3/192)


تفسير التبيان ج3
يسأله العدول به عن النار، وجواز الذمة، لانه عدول بها إلى ناحية صاحبها.
" والجار الجنب " أصل الجنب التنحية، جنبت فلانا عن كذا فتجنب أي نحيته، ومنه قوله: " واجنبني وبني أن نعبد الاصنام "(1) والجانبان الناحيتان، لتنحي كل واحدة عن الاخرى، ومنه جنب الانسان وكل حيوان، والاجتناب الترك للشئ، والجار الجنب معناه الغريب الاجنبي، لتنحيه عن القرابة، قال علقمة بن عبدة:
فلاتحرمني نائلا عن جنابة
فاني امرؤ وسط القباب غريب(2)
أي عن غربة.
وقال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد: الجار ذي القربى القريب في النسب، والجار الجنب: الغريب، أي عن غربة.
وروي عن النبي (ص) أنه قال: الجيران ثلاثة، جارله ثلاثة حقوق: حق الجوار، وحق القرابة، وحق الاسلام.
وجار له حقان: حق الجوار، وحق الاسلام. وجار له حق الجوار، المشرك من أهل الكتاب.
المعنى واللغة: " والصاحب بالجنب " قيل في معناه ثلاثة أقوال: أحدها - قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد، وقتادة، والسدي، والضحاك: هوالرفيق.
الثاني - قال عبدالله بن مسعود، وعلي (ع) وابراهيم، وابن أبي ليلى: الزوجة.
الثالث - قال ابن زيد، وابن عباس،، في رواية أخرى عنه: إنه المنقطع اليك رجاء رفدك.
وقيل إنه جميع هؤلاء، وهو أعم فائدة.
وقال الزجاج. الجار ذي القربى الذي يقاربك ويعرفك وتعرفه، والجار الجنب البعيد.
---
(1) سورة ابراهيم: آية 35.
(2) ديوانه: 107 والمفضليات 789 والكامل للمبرد 437، واللسان (جنب).

(3/193)


تفسير التبيان ج3
وروي أن حد الجوار إلى أربعين دارا. وروي إلى أربعين ذراعا.
(وابن السبيل) معناه صاحب الطريق، وقيل في المراد به ههنا قولان: أحدهما - قال مجاهد، والربيع: إنه المسافر. الثاني - قال قتادة، والضحاك: انه الضيف، وقال إصحابنا: يدخل فيه الفريقان.
" وماملكت أيمانكم " يعني المماليك من العبيد والاماء، أمرالله بالاحسان إلى هؤلاء أجمع.
وقوله: " إن الله لايحب من كان مختالا " فالمختال الصلف التياه، والاختيال هو التطاول، وإنما ذكره الله ههنا وذمه، لانه أراد بذلك من يختال فيأنف من قراباته وجيرانه إذا كانوا فقراء، لكبره وتطاوله، فأما الاختيال في الحرب فممدوح، لان في ذلك تطاولا على العدو واستخفافا به.
وأصل المختال من التخيل، وهو التصور، فالمختال لانه يتخيل بحاله مرح البطر، ومنه الخيل، لانها تختال في مشيها، إي تتبختر، والخيال، لانه يتخيل به صاحبه، والاخيل الشقراق، لانه يتخيل في لونه الخضرة من غير خلوصها، والخول الحشم، وخلته راكبا خيلانا أي تخيلته، والخال المختال، والخال أخ الام، " والفخور " هوالذي يعدد مناقبه كبرا وتطاولا، وأما الذي يعددها اعترافا بالنعم فيها فهو شكور غير فخور.
وروي عن المفضل عن عاصم أنه قرأ: " والجار الجنب " - بفتح الجيم - قال أبوالحسن: هولغة في الجنب، قال الراجز: الناس جنب والامير جنب يعني ناحية: قال أبوعلي الفارسي: يحتمل أمرين: أحدهما - أن يريد الناحية، والتقدير: ذي الجنب، فحذف المضاف، لان المعنى مفهوم، لان الناحية لاتكون هي الجار.
والثاني - أن يكون وصفا، مثل: ضرب وندب وفسل، فهذا وصف جرى على موصوف.

(3/194)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله واعتدنا للكافرين عذابا مهينا(37))
آية.
القراء ة: قرأ حمزة، والكسائي ههنا وفي الحديد: " بالبخل " بفتح الباء والخاء. الباقون بضم الباء وتسكين الخاء.
فمن نصب قال: لانه مصدر بخل يبخل بخلا، الباب كله هكذا، ومن اختار الضم وتسكين الخاء فلانه نقيض الجود فحمل على وزنه، فهما لغتان.
وحكي لغة ثالثة " بالبخل " - بفتح الباء وسكون الخاء.
الاعراب: وقوله: " الذين " يحتمل أن يكون موضعه نصبا من وجهين، ورفعا من وجهين، فأحد وجهي النصب أن يكون بدلا من " من " في قوله: " لايحب من كان ". والثاني - على الذم.
وأحد وجهي الرفع - على الاستئناف بالذم، ويكون خبره " إن الله لايظلم "(1) والآية الثانية عطفا عليها.
والوجه الثاني على البدل من الضمير في " فخور ". والبخل أصله مشقة الاعطاء.
المعنى واللغة: وقالوا في معناه ههنا قولان: أحدهما - أنه منع الواجب، لانه إسم ذم لايطلق إلا على مرتكب كبيرة. والثاني - هومنع مالاينفع منعه، ولايضر بذله، ومثله الشح، وضده الجود، والاول أليق بالآية، لانه تعالى نفى محبته عمن كان بهذه الصفة، وذلك لايليق إلابمنع الواجب.
قال الرماني: معناه منع الاحسان لمشقة الطباع، ونقيضه الجود وهو بذل الاحسان لانتفاء مشقة الطباع، وقال ابن عباس، ومجاهد، والسدي، وابن زيد: إن الآية نزلت في اليهود، إذ بخلوا باظهار ما علموه وكتموه من صفة محمد (ص).
---
(1) سورة النساء: آية 4.

(3/195)


تفسير التبيان ج3
وقال الجبائي، والبلخي: الآية في كل من كان بهذه الصفة، وإنما ذكروا بالكفر لكتمانهم نعمة الله عليهم. والآمر بالبخل يتناوله الوعيد، كما أن من فعل البخل يتناوله الوعيد.
وقيل: معنى " يكتمون ما آتاهم الله من فضله " يجحدون اليسار والثروة اعتذارا في البخل، وقوله: " وأعتدنا " قدفسرناه فيما مضى وهو أن معناه أعددناه، وجعلناه ثابتا لهم " وللكافرين " يعني الجاحدين ما أنعم الله عليهم " عذابا مهينا " أي يهينهم ويذلهم.
قوله تعالى: (والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا(38))
آية بلاخلاف.
الاعراب: قوله: " والذين " عطف على " الذين " في الآية الاولى. واعرابه يحتمل ما قلناه في الآية الاولى سواء.
وقال الزجاج وغيره: المعني بهذه الآية المنافقون.
وقال مجاهد: المعني بها اليهود، والاول أقوى وأظهر، لان الرياء ضرب من النفاق وواو العطف يقوي ذلك، لانه لو أراد الموصوفين في الآية الاولى لقال: " الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس "، مع أنه قد ورد عطف الصفات بالواو لموصوف واحد على ما بيناه فيما مضى، غير أن الاجود ما قلناه.
المعنى واللغة: فذم الله تعالى بهذه الآية من ينفق ماله رئاء الناس دون أن ينفقه لوجهه وطلب رضاه، ولايؤمن بالله أي لايصدق به، " ولاباليوم الآخر " الذي فيه الثواب والعقاب.
ثم قال: " ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا " معناه من قبل من الشيطان، وأطاعه فيما يدعوه إليه فبئس القرين قرينه. والقرين أصله

(3/196)


تفسير التبيان ج3
الاقتران، ومنه قرن الثور لاقتران بعض ببعض، والقرن أهل العصر من الناس، وقرنة الشئ حرفه، والقرن المقاوم في الحرب، " وما كنا له مقرنين "(1) أي مطيقين، والقرين الصاحب المألوف.
قال عدي بن زيد:
عن المرء لاتسأل وأبصر قرينه
فان القرين بالمقارن يقتدي(2)
ويمكن الانسان الانفكاك من مقارنة الشيطان بالمخالفة له، فلا يعتد بالمقارنة.
وقال أبوعلي: لايمكن ذلك، لانه يقرن به الشيطان في النار فلايمكنه الانفكاك منه، وقوله: " فساء قرينا " نصب على التفسير، كقوله: " ساء مثلا " وتقديره: ساء مثلا مثل الذين، وتقول: نعم رجلا، وتقديره نعم الرجل رجلا.
قوله تعالى: (وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وانفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليما(39))
آية واحدة بلاخلاف.
المعنى والاعراب: معنى قوله: " وماذا عليهم.
" الآية الاحتجاج على المتخلفين عن الايمان بالله واليوم الآخر بماعليهم فيه ولهم، وذلك أنه يجب على الانسان أن يحاسب نفسه فيما عليه وله، فاذا ظهر له ما عليه في فعل المعصية من استحقاق العقاب اجتنبها، وماله في تركها من استحقاق الثواب عمل في ذلك من الاختيار له، أو الانصراف عنه.
وفي ذلك دلالة على بطلان قول المجبرة في أن الكافر لايقدر على الايمان، لان الآية نزلت على أنه لاعذر للكفار في ترك الايمان، ولو كانوا غير قادرين لكان فيه أوضح العذر لهم، ولما جاز أن يقال: " وماذا عليهم لو آمنوا بالله " لانهم لايقدرون عليه، كمالايجوز أن يقال لاهل النار: ماذا عليهم لو خرجوا منها
---
(1) سورة الزخرف: آية 13.
(2) ديوانه في شعراء الجاهلية: 466، وقد شاعت روايته على ألسن الناس:
عن المرء لاتسأل وسل عن قرينه
فكل قرين بالمقارن يقتدي

(3/197)


تفسير التبيان ج3
إلى الجنة، من حيث لايقدرون عليه، ولايجدون السبيل إليه، ولذلك لايجوز أن يقال للعاجز: ماذا عليه لوكان صحيحا، ولا للفقير: ماذا عليه لوكان غنيا.
وموضع " ذا " يحتمل من الاعراب وجهين: أحدهما - أن يكون رفعا، لانه في موضع الذي، وتقديره: ما الذي عليهم لوآمنوا. الثاني - لاموضع له، لانه مع (ما) بمنزلة إسم واحد، وتقديره: وأي شئ عليهم لو آمنوا بالله، ففي الآية تقريع على ترك الايمان بالله واليوم الآخر، وتوبيخ على الانفاق مما رزقهم الله في غير أبواب البر وسبيل الخير على وجه الاخلاص، دون الرياء.
وقوله: (وكان الله بهم عليما) معناه ههنا ان الله بهم عليم، يجازيهم بما يسرون من قليل أو كثير، فلا ينفعهم ما ينفقونه على جهة الرياء.
الآية: 40 - 49
قوله تعالى: (إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما(40))
آية بلاخلاف.
القراء ة، والحجة، والاعراب: قرأ: (وإن تك حسنة) بالرفع ابن كثير، ونافع.
الباقون بالنصب، فمن نصب معناه: وإن تك زنة الذرة حسنة، أو: وإن فعلته حسنة، ومن رفع ذهب إلى أن كان تامة، وتقديره: وإن تحدث حسنة.
وأصل (تك) تكون، فحذفت الضمة للجزم، والواو لسكونها وسكون النون، لكثرة الاستعمال، وقد ورد القرآن باثباتها، قال الله تعالى: (إن يكن غنيا أو فقيرا)(1) فاجتمع في النون أنها ساكنة وأنها تشبه حروف اللين، فحذفت لكثرة الاستعمال، كما قالوا لا أدر، ولم ابل، والاجود: لم أبال، ولا أدري " ويؤت " بغير ياء، سقطت الياء
---
(1) سورة النساء: 134.

(3/198)


تفسير التبيان ج3
للجزم بالعطف على (يضاعفها). ولدن في موضع خفض.
وفيها لغات، يقال: لد ولدن ولدا ولدا، والمعنى واحد، ومعناه من قبله، ولدن لما يليك، وعند يكون لما يليك ولما بعد منك، تقول: عندي مال وإن كان بينك وبينه بعد، فاذا أضفته إلى نفسك فقلت: من لدني ومن لدنا زدت فيها نونا أخرى، وأدغموا الاولى منهما ليسلم سكون النون ومثله قالوا في (من)، إذا أضافوه قالوا: مني ومنا.
وقرأ ابن كثير، وابن عامر: (يضعفها) مشدده، الباقون: (يضاعفها) من المضاعفة. والظلم هو الالم الذي لانفع فيه يوفي عليه، ولادفع مضرة أعظم منه عاجلا ولاآجلا، ولاهو مستحق، ولا هو واقع على وجه المدافعة.
اللغة: وأصله وضع الشئ في غير موضعه، وقيل: أصله الانتقاص، من قوله: (ولم تظلم منه شيئا)(1) أي لم ينقص. والظلم انتقاص الحق، والظلمة انتقاص النور بذهابه، والظلم الثلج، لانتقاصه بالجمود، وشبه به ماء الاسنان، وفي المثل (من أشبه أباه فما ظلم)، وسقاء مظلوم إذا شرب منه قبل أن يدرك، والظليم ذكر النعام، لانه يضع الشئ في غير موضعه من حيث(2) يحضن غير بيضه.
وأصل المثقال الثقل، فالمثقال مقدار الشئ في الثقل، والثقل ماثقل من متاع السفر، والمثقل الذي أثقله المرض، والثقيل البطئ في عمله (فمثقال ذرة): مقدار ذرة في الزنة. والذرة النملة الحمراء في قول ابن عباس، وابن زيد، وهي أصغر النمل، وهي من ذررت الشئ أذره ذرا إذابددته سحوقا.
المعني: وفي الآية دلالة على أن منع الثواب ظلم لانه لو لم يكن ذلك ظلما لماكان لهذا الكلام معنى على هذا الترتيب. وفيه أيضا دلالة على أنه قادر على الظلم، لانها
---
(1) سورة الكهف: آية 32.
(2) (من حيث) ساقطة من المطبوعة.

(3/199)


تفسير التبيان ج3
صفة تعظيم وتنزيه عن فعل مايقدر عليه من الظلم، ولو لم يكن قادر عليه لما كان فيه مدحة، غير أنه وإن كان قادرا عليه فانه لايفعله لعلمه بقبحه، وبأنه غني عنه، ولانه لو فعل لكان ظالما، لان الاشتقاق يوجب ذلك وذلك منزه عنه تعالى.
قوله تعالى: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا(41))
آية.
الاعراب: " كيف " لفظها لفظ الاستفهام، ومعناها ههنا التوبيخ، والتقدير فكيف يكون حال هؤلاء يوم القيامة، وحذف لدلالة الكلام عليه. والعامل في " كيف " الابتداء المحذوف، لان التقدير: كيف حالهم، على مابيناه. وإنماجاز خروج كيف عن الاستفهام إلى التوبيخ لانه يقتضي إقرار العبد على نفسه بما كان من قبيح عمله، كما يقتضي الجواب في الاستفهام، ولايجوز أن يكون العامل في " كيف " " جئنا " لاضافة " إذا " إليه والمضاف إليه لايعمل فيما قبله كما لاتعمل الصلة فيما قبل الموصول، لانه من تمام الاسم.
المعنى: والشهادة تقع يوم القيامة من كل نبي بأنه بلغ قومه ما تقوم به عليهم الحجة، وأنه أدى ماتقوم به الحجة عليها من مراد الله، هذا قول عبدالله، وابن جريج، والسدي.
وقال الجبائي: يشهد عليهم باعمالهم.
وقال الزجاج، والطبري: يشهد لهم وعليهم بما عملوه، ووجه حسن الشهادة ما في ذلك من اقامة الحجة عليهم، فيستجيبون عندتصور تلك الحال من خزي ذلك المقام، وفي ذلك أكبر الاتعاظ.

(3/200)


تفسير التبيان ج3
وروي عن ابن مسعود أنه قرأ على النبي صلى الله عليه وآله سورة النساء فلما بلغ " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا " فاضت عيناه وقوله: " وجئنا بك " يعني محمدا صلى الله عليه وآله " على هؤلاء " يعني على أمته.
وقال السدي: إن أمة نبينا تشهد للانبياء بالاداء والتبليغ، ويشهد النبي لامته بتصديقهم في تلك الشهادة، كما قال: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)(1).
قوله تعالى: (يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لوتسوى بهم الارض ولايكتمون الله حديثا(42))
آية بلاخلاف.
القراء ة، والحجة: قرأ حمزة، والكسائي: " تسوى " مفتوحة التاء خفيفة السين.
وقرأ نافع وابن عامر - بفتح التاء وتشديد السين - الباقون بضم التاء وتخفيف السين.
وقال الطبرى: الاختيار فتح التاء، لموافقته لقوله: " ياليتني كنت ترابا "(2) ولم يقل: كونت.
وقال الرماني هذا ليس بشئ، لان التمني فيه معنى الفعل، وبضم التاء أبين وليس كذلك الآخر، لانه بمنزلة التمني لان يكون معدوما لم يوجد قط.
قال أبوعلي: من قرأ بضم التاء أراد: لوجعل هووالارض سواء، ومن فتح التاء أراد: تتسوى، وإنما أدغم التاء في السين، قال: وفي هذا تجوز، لان الفعل مسند إلى الارض وليس ذلك المراد، لانه لافائدة لهم أن تصيرالارض مثلهم. وإنما ودواأن يتستو واهم بمالايتسوى بهم، ومن فتح التاء وخفض السين أراد هذا، غير أنه حذف إحدى التائين وهي الاصلية دون التي للمضارعة.
المعنى: ومعنى الآية الاخبار من الله تعالى أن الكفار يوم القيامة يودون - لعلمهم
---
(1) سورة البقرة: آية 143.
(2) سورة النبأ: آية 40.

(3/201)


تفسير التبيان ج3
بما يصيرون إليه من العذاب والخلود في النار - أنهم لن يبعثوا أو أنهم كانوا والارض سواء.
وروي في التفصسير أن البهائم يوم القيامة تصير ترابا، فيتمنى عند ذلك الكفار أنهم صاروا كذلك ترابا، وهذا لايجيزه إلا من قال: إن العوض منقطع، فأما من قال: هو دائم لم يصحح هذا الخبر.
وقوله: " وعصوا الرسول " ضموا الواو لانها واو الجمع، وحركت لالتقاء الساكنين.
وقوله: " لو استطعنا " كسرت على أصل الحركة، لالتقاء الساكنين. وإنما وجب لواو الجمع الضم لانها لما منعت مالها من ضم ما قبلها، جعلت الضمة عند الحاجة إلى حركتها فيها.
والعامل في " يومئذ " (يود الذين) وإنما عمل في (يومئذ) مابعد (إذا) ولم يجز مثل ذلك في (إذا جئنا من كل أمة) لانه لما أضيف (يوم) إلى (إذ) بطلت إضافته إلى الجملة، وجاء التنوين ليدل على تمام الاسم. يبين ذلك قوله: (من عذاب يومئذ ببنيه)(1).
وقوله: (ولايكتمون الله حديثا) لاينافي قوله: (والله ربنا ما كنا مشركين)(2) لانه قيل في معنى الآية سبعة أقوال: أحدها - قال الحسن إن الآخرة مواطن، فموطن (لاتسمع إلا همسا)(3) أي صوتا خفيا، وموطن يكذبون فيقولون: (ماكنا نعمل من سوء)(4) (والله ربنا ما كنا مشركين) وموطن يعترفون بالخطأ بأن يسألوا الله أن يردهم إلى دار الدنيا.
الثاني - قال ابن عباس: إن قوله: (ولايكتمون الله حديثا) داخل في التمني بعد مانطقت جوارحهم بفضيحتهم، فكأنهم لمارأوا المؤمنين دخلوا الجنة كتموا فقالوا: (والله ربناما كنا مشركين) فختم الله أفواههم، وأنطق جوارحهم بما فعلوه، فحينئذ تمنوا أن يكونوا (تسوى بهم الارض ولايكتمون الله حديثا) فتمنوا الامرين وقال الفراء: تقديره: (يومئذ يود الذين كفروا
---
(1) سورة المعارج: آية 12.
(2) سورة الانعام: آية 23.
(3) سورة طه: آية 108.
(4) سورة النمل: آية 28.

(3/202)


تفسير التبيان ج3
وعصوا الرسول لوتسوى بهم الارض) ويودون لايكتمون حديثا.
الثالث - قال أبوعلي: انه لايعتد بكتمانهم، لانه ظاهر عندالله لايخفى عليه شئ منه.
الرابع - لم يقصدوا الكتمان، لانهم إنما أخبروا على ماتوهموا، ولايخرجهم من أن يكونوا كذبوا.
والخامس - قال بعضهم: إن قوله: (انظر كيف كذبوا على أنفسهم)(1) انما معناه: أوجبوا العذاب بمثل حال الكاذب في الاقرار، كما يقال: كذب عليك الحج، قال الشاعر:
كذب العتيق وماء شن بارد
إن كنت سائلتي غبوقا فاذهبي
وقال الرماني: هذا التأويل ضعيف، لانه يجري مجرى اللغز.
والسادس - قال الحسين بن علي المغربي: تمنوا أن يكونوا عدما، وتم الكلام ثم استأنف فقال: (ولايكتمون الله حديثا) أي لاتكتمه جوارحهم وإن كتموه هم.
السابع - قال البلخي: (ولايكتمون الله حديثا) على ظاهره لايكتمون الله شيئا، لانهم ملجأون إلى ترك القبائح والكذب.
وقوله: (ما كنا مشركين) أي عند أنفسنا، لانهم كانوا يظنون في الدنيا أن ذلك ليس بشرك من حيث يقربهم إلى الله تعالى.
---
(1) سورة الانعام: 24.

(3/203)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (ياأيها الذين آمنوا لاتقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولاجنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا(43))
آية بلاخلاف.
القراء ة والمعنى: قرأ حمزة، والكسائي: " أو لمستم النساء " بغير ألف، الباقون " لامستم " بالف، فمن قرأ " لامستم " بالف قال: معناه الجماع: وهو قول علي (ع)، وابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وأبوعلي الجبائي، واختاره أبوحنيفة. ومن قرأ بلا الف أراد اللمس باليد وغيرها بما دون الجماع، ذهب إليه ابن مسعود، وعبيدة، وابن عمر، والشعبي، وابراهيم، وعطاء، واختاره الشافعي. والصحيح عندنا هوالاول، وهو اختيار الجبائي، والبلخي، والطبري، وغيرهم. والملامسة واللمس معناهما واحد، لانه لايلمسها إلا وهي تلمسه، وقيل: ان الملامسة بمعنى اللمس، كماقيل: عافاه الله، وعاقبت اللص.
النزول: وقيل في سبب نزول هذه الآية قولان: أحدهما - قال ابراهيم: إنها نزلت في قوم من الصحابة أصابهم جراح. والثاني - قالت عائشة نزلت في قوم من الصحابة أعوزهم الماء.
المعنى واللغة: وظاهر الخطاب متوجه إلى المؤمنين كلهم بأن لايقربوا الصلاة وهم سكارى، يعني في حال سكرهم، يقال: قرب يقرب متعد، وقرب يقرب لازم، وقرب الماء يقربه إذا ورده.
وقيل في معنى السكر المذكور في الآية قولان: أحدهما - قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وابراهيم: إنه السكر من الشراب، وقال مجاهد، والحسن، وقتادة نسخها تحريم الخمر. الثاني - قال الضحاك هوسكر النوم خاصة.

(3/204)


تفسير التبيان ج3
وأصل السكر من السكر، وهو سد مجرى الماء يقال سكره يسكره، وإسم الموضع السكر والسكر، لانسداد طريق المعرفة به.
سكر يسكر سكرا وأسكره إسكارا، وسكرة الموت غشيته.
فان قيل: كيف يجوز نهي السكران في حال سكره مع زوال عقله، وكونه بمنزلة الصبي والمجنون؟ قلنا عنه جوابان: أحدهما - إنه قد يكون سكران من غير أن يخرج من نقص العقل إلى مالا يحتمل الامر والنهي. الثاني - إنمانهوا عن التعرض للسكر مع أن عليهم صلاة يجب أن يؤدوها في حال الصحو.
وقال أبوعلي: فيه جواب ثالث وهو أن النهي إنمادل على أن عليهم أن يعيدوها إن صلوها في حال السكر.
فان قيل: كيف يسوغ تاويل من ذهب إلى أن السكران مكلف أن ينتهي عن الصلاة في حال سكره؟ مع أن عمل المسلمين على خلافه، لان من كان مكلفا تلزمه الصلاة، قلنا عنه جوابان: أحدهما - أنه منسوخ.
والآخر - إنه نهي عن الصلاة مع الرسول صلى الله عليه وآله في جماعة.
وقوله: (ولاجنبا إلا عابري سبيل) يقال: رجل جنب إذا أجنب، ورجل جنب أي غريب، ولايثنى ولايجمع، ويجمع أجنابا أي غرباء، وإنما نصب لانه عطف على قوله: " وأنتم سكارى " وهي جملة في موضع الحال.
وقيل في معناه قولان. أحدهما - قال علي (ع)، وابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والحكم، وابن كثير، وابن زيد: إلا مسافرين فلكم أن تتيمموا. الثاني - قال ابن عباس في رواية أخرى، وجابر، والحسن، وسعيد بن جبير، وابراهيم، والزهري، وعطاء، والجبائي: ان معناه لاتقربوا مواضع الصلاة من المساجد إلا مجتازين، وهو قول أبي جعفر (ع)، وحذف لدلالة الكلام عليه،

(3/205)


تفسير التبيان ج3
وهو الاقوى، لانه تعالى بين حكم الجنب في آخر هذه الآية إذا عدم الماء، فلو حملناه على ذلك لكان تكرارا، وإنما أراد أن يبين حكم الجنب في دخول المساجد في أول الآية، وحكمه إذا أراد الصلاة مع عدم الماء في آخرها.
وقوله: (وإن كنتم مرضى أوعلى سفر) فالمرض الذي يجوز معه التيمم مرض الجراح، والكسير، وصاحب القروح، إذا خاف من مس الماء في قول ابن مسعود، والضحاك، والسدي، وابراهيم، ومجاهد وقتادة.
وقال الحسن، وابن جبير: هوالمرض الذي لايستطيع معه تناول الماء، ولايكون هناك من يناوله. وكان الحسن لايرخص للجريح التيمم، والمروي عن أبي جعفر وأبي عبدالله (ع) جواز التيمم عند جميع ذلك.
وقوله: " أوعلى سفر أوجاء أحد منكم من الغائط " يعني الحدث المخصوص، وأصله المطمئن من الارض، يقال: غائط وغيطان، والتغوط كناية عن الحدث في الغائط، والغوطة موضع كثير الماء والشجر بدمشق، وقوله: " أو لامستم النساء " قد فسرناه، وعندنا المراد به الجماع.
وقوله: " فتيمموا صعيدا طيبا " فالتيمم التعمد، ومثله التأمم قال الاعشى:
تيممت قيسا وكم دونه
من الارض من مهمه ذي شزن(1)
يعني تعمدت، وقال سفيان: معنى تيمموا تعمدوا وتحروا، والصعيد وجه الارض من غير نبات ولاشجر، في قول ابن زيد قال ذو الرمة:
كأنه بالضحى ترمي الصعيد به
دبابة في عظام الراس خرطوم(2)
ومنه قوله: (فتصبح صعيدازلقا)(3) فبين أن الصعيد قد يكون زلقا. والصعدات الطرقات، قال الزجاج: لاأعلم خلافا بين أهل اللغة بأن الصعيد وجه الارض، سواء كان عليه تراب أو لم يكن، وهذا يدل على ما نقوله من أن التيمم يجوز بالحجارة سواء كان عليها تراب أو لم يكن (وطيبا) أي طاهرا،
---
(1) ديوانه: 19 القصيدة: 2.
(2) ديوانه: 571.
(3) سورة الكهف آية 41.

(3/206)


تفسير التبيان ج3
وقال سفيان: يعني حلالا. وأصل الصعيد من الصعود، وهو ما تصعد على وجه الارض من ترابها، والاصعاد في الماء بخلاف الانحدار، والصعود عقبة يشق صعودها، ومنه قوله: " سأرهقه صعودا "(1) وقيل: انه جبل في النار يؤخذ بصعوده، والصعدة هي القناة التي نبتت مستوية، لانها تصعد في نباتها على استقامة، والصعداء تنفس بتوجع.
وقوله: (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) قيل في صفة التيمم ثلاثة أقوال:
أحدها - ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين، ذهب إليه بن عمر، والحسن، والشعبي، والجبائي، وأكثر الفقهاء، وبه قال قوم من أصحابنا.
الثاني - ضربة للوجه وضربة لليدين إلى الزندين، ذهب إليه عمار بن ياسر، ومكحول، واختاره الطبري، وهو مذهبنا إذا كان التيمم بدلا من الجنابة، وان كان بدلا من الوضوء فيكفيه ضربة واحدة يمسح بها الوجه إلى طرف أنفه واليدين إلى الزندين.
الثالث - قال أبواليقظان، والزهري: انه إلى الابطين، وقال قوم انه جائز أن يضرب بيديه على الرمل فيمسح بهما وجهه، وإن لم يعلق بهما شئ، وبه نقول.
ويجوز للجنب أن يتيمم عندنا، وعند أكثر الفقهاء وأهل العلم. وبه قال عمار بن ياسر ورواه عن النبي صلى الله عليه وآله.
وروي عن عمر، وابن مسعود، وابراهيم: أنه لايجوز للجنب أن يتيمم، لقوله: (ولاجنبا إلا عابري سبيل) وقدبينا نحن أن المراد بذلك النهي عن دخول المساجد، فكأنه قال: ولاتقربوا المساجد للصلاة وأنتم سكارى " ولاجنبا إلا عابري سبيل " لان من لم يكن له طريق غير المسجد، أو أصابه الاحتلام في المسجد جاز له أن يجتاز فيه، ولايلبث فيه.
والسكران الذي زال عقله لاتصح صلاته، ويجب عليه قضاؤها، ولايصح منه شئ من العقود ولارفعها، كالنكاح، والطلاق، والعتق، والبيع، والشراء، وغير ذلك.
---
(1) سورة المدثر: آية 17.

(3/207)


تفسير التبيان ج3
وقضاء الصلاة يلزمه إجماعا، وأما مايلزم به الحدود والقصاص فعندنا أن جميع ذلك يلزمه، إن سرق قطع، وإن قذف جلد، وإن زنا حد، وغير ذلك، لاجماع الفرقة المحقة على ذلك، ولعموم الآية المتناولة لذلك، ولايلزم على ذلك تكليف من قطع رجل نفسه الصلاة قائما، لان ذلك تكليف مالايطاق، وإيجاب قضاء الصلاة على السكران ليس كذلك، وكذلك إقامة الحدود، لان ذلك تابع للشرع، وفيه خلاف.
ويجوز إن يصلي صلوات الليل والنهار عندنا بتيمم واحد، وهوكاو ضوء في هذا الباب، مالم يحدث، أو يتمكن من استعمال الماء، وبه قال الحسن، وعطاء، وأبوحنيفة وأصحابه، وقال إبن عمر، والشعبي، وقتادة، وابراهيم، والشافعي يجب التيمم لكل صلاة، ورووا ذلك عن علي (ع)، وذلك عندنا محمول على الاستحباب.
ولايجوز التيمم عندنا إلا عند تضيق الوقت، والخوف من فوته، واختار ذلك البلخي.
وقال الشافعي: لايجوز إلا بعد دخول الوقت، وقال أبو حنيفة: يتيمم أي وقت شاء، وإن كان قبل الوقت فهو كالوضوء.
ومسائل التيمم استوفيناها في المبسوط، والنهاية، ولا نطول بذكرها ههنا.
وقوله: (إن الله عفوا غفورا) أي يقبل منكم العفو، ويغفر لكم، لان قبوله التيمم بدلا من الوضوء تسهيل علينا.
وقيل: يعفو بمعني يصفح عنكم الذنوب، ويغفرها أي يسترها عليكم.
قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل(44) والله أعلم باعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا(45))
آيتان.

(3/208)


تفسير التبيان ج3
القراء ة والنزول: في الكوفي جعلوا (السبيل) آخر الاولى، وآية واحدة في غير الكوفي.
ذكر ابن عباس، وقتادة، وعكرمة: أن الآية نزلت في قوم من اليهود، وكانوا يستبدلون الضلالة بالهدى، لتكذيبهم بالنبي صلى الله عليه وآله بدلا من التصديق به، مع قيام الحجة عليهم بما ثبت من صفته عندهم، فكأنهم اشتروا الضلالة بالهدى.
وقال أبوعلي الجبائي، وغيره: كانت اليهود تعطي أحبارها كثيرا من أموالهم على ماكانوا يصفونه لهم، فجعل ذلك اشتراء منهم. وقال الزجاج: كانوا يأخذون الرشا.
المعنى: ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها التأكيد للاحكام التي يجب العمل بها، بالتحذير ممن يدعوإلى خلافها، ويكذب بها.
وقوله: (ألم تر) قال الزجاج، معناه: ألم تخبر في جميع القرآن؟ وقال غيره: ألم تعلم؟ وقال الرماني، معناه: رؤية البصر، والمرئي هوالدين، وإنما دخلت (إلى)، لان الكلام يتضمن معنى التعجب، كقولك: ألم تر إلى زيد ما أكرمه؟ تقديره: ألم تر عجبا بانتهاء رؤيتك إلى زيد؟ ثم بين ذلك بقوله: ما أكرمه، ومثله قوله: (ألم تر إلى ربك كيف مدالظل)(1).
كأنه قال: ألم تر عجبا بانتهاء رؤيتك إلى تدبير ربك كيف مدالظل؟ قال: ومن فسره على: ألم تخبر، ألم تعلم، فانما ذهب إلى ما يؤول المعنى إليه، لان الخبر والعلم لايصلح فيهما (إلى) كما يصلح مع الرؤية.
وقوله: (ويريدون أن تضلوا السبيل) معناه: يريد هؤلاء اليهود أن تضلوا، معشر المؤمنين، أي تزلوا عن قصد الطريق، ومحجة الحق، فتكذبوا بمحمد فتكونون ضلالا، وفي ذلك تحذير للمؤمنين أن يستنصحوا أحدامن أعداء الاسلام في شئ من أمورهم لدينهم ودنياهم، ثم
---
(1) سورة الفرقان: آية 45.

(3/209)


تفسير التبيان ج3
بين تعالى أنه أعلم منكم بعداوة اليهود لكم أيها المؤمنون، فانتهوا إلى طاعتي، وامتثال أوامري فيما نهيتكم عنه من استنصاحهم في دينكم، فاني أعلم بباطنهم منكم، وماهم عليه من الغش، والحسد، والعداوة.
وقيل معناه: والله يجازيهم على عداوتهم، كقولك: إني أعلم ما تفعل أي اجازيك عليه.
وقوله: (وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا) معناه: إن ولاية الله لكم، ونصرته إياكم، تغنيكم عن غيره من هؤلاء اليهود ومن جرى مجراهم، ممن تطمعون في نصرته.
ودخلت الباء في قوله: " بالله " لاحد أمرين: أحدهما - للتأكيد، لان الاسم في " كفى الله " كان يتصل اتصال الفاعل، فلما دخلت الباء صار يتصل اتصال المضاف واتصال الفاعل، ليعلم أن الكفاية منه ليست كالكفاية من غيره في المرتبة، وعظم المنزلة، فضوعف لفظها لمضاعفة معناها. الثاني - لانه دخله معنى: اكتفوا بالله، ذكره الزجاج، وموضعه رفع بلاخلاف.
اللغة: والعداوة الابعاد من حال النصرة، وضدها الولاية، وهي التقرب من حال النصرة، وأما البغض فهو إرادة الاستخفاف والاهانة، وضده المحبة وهي إرادة الاعظام والكرامة. والكفاية بلوغ الغاية في مقدار الحاجة، كفى يكفي كفاية فهو كاف، والاكتفاء الاجتزاء بشئ دون شئ، ومثله الاستغناء، والنصرة الزيادة في القوة للغلبة، ومثلها المعونة، وضدها الخذلان، ولايكون ذلك إلا عقوبة، لان منع المعونة مع الحاجة عقوبة.

(3/210)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بالسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلايؤمنون إلا قليلا(46))
آية بلاخلاف.
المعنى والاعراب: قيل في معنى قوله: (من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه) قولان:
أحدهما - قال الفراء، والزجاج، والرماني: ان يكون تبيينا للذين " أوتوا نصيبامن الكتاب " ويكون العامل فيه " أوتوا " وهو في صلة الذين، ويجوز ألا يكون في الصلة، كما تقول: انظر إلى النفر من قومك ما صنعوا.
الثاني - أن يكون على الاستئناف، والتقدير: " من الذين هادوا " فريق (يحرفون الكلم) كما قال ذو الرمة:
فضلوا ومنهم دمعه سابق له
وآخر يثني دمعة العين بالمهل(1)
وأنشد سيبويه:
وماالدهر إلا تارتان فمنهما
أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح
وقال آخر:
لو قلت ما في قومها لم تيثم
يفضلها في حسب وميسم(2)
أي أحد يفضلها وقال النابغة:
كانك من جمال بني أقيش
يقعقع خلف رجليه بشن(3)
يريد كأنك جمل من جمال بني أقيش.
---
(1) ديوانه: 485، وروايته (عبرة) بدل (دمعة). (بالهمل) بدل (بالمهل).
(2) قائله حكيم بن معية انظر الخزانة 2: 311.
(3) ديوانه: 58، وسيبويه 1: 375، ومجاز القرآن 1: 101.
الشن: القرية البالية.

(3/211)


تفسير التبيان ج3
قال الفراء: المحذوف (من) والتقدير: من الذين هادوا من يحرفون الكلم كما يقولون: منايقول ذاك ومنا لايقوله، قال: والعرب تضمر (من) في مبتدأ الكلام بمن، لان من بعض لما هي منه، كما قال: (ومامناإلا له مقام معلوم)(1) وقال: (وان منكم إلا واردها)(2) وأنشد بيت ذي الرمة الذي قدمناه، قال: ولايجوز إضمار (من) في شئ من الصفات على هذا المعنى إلافي من لما قلناه، وضعف البيت الذي أنشدناه: (لوقلت ما في قومها لم تيثم) وهي لغة هوازن، وتأثم رواية أخرى.
وقال انما جاز في (في) لانك تجد (في) تضارع معنى (من) لانه بعض ما أضيف، لانك تقول: فينا الصالحون وفينادون ذلك، كأنك قلت: منا، ولايجوز: في الدار يقول ذاك، وتريد: من يقول ذاك، لانه إنما يجوز إذا أضفت (في) إلى جنس المتروك.
وقال أبوالعباس، والزجاج ما قاله الفراء لايجوز، لان (من) تحتاج إلى صلة أو صفة تقوم مقام الصلة، فلا يحسن حذف الموصول مع بقاء الصلة، كما لا يحسن حذف بعض الكلمة، وإنما قال: (من الذين هادوا) لانه ليس جميع اليهود حرفوا، وإنما حرف أحبارهم وعلماؤهم.
وقوله: (يحرفون الكلم عن مواضعه) يعني يغيرونها عن تأويلها، والكلم جمع كلمة. وقال مجاهد: يعني بالكلم التوراة.
وقوله: (سمعنا وعصينا) يعني اليهود يقولون: سمعنا قولك يامحمد، ويقولون سرا عصينا.
وقوله: (واسمع غيرمسمع) اخبار من الله تعالى عن اليهود الذين كانوا حوالي المدينة في عصره، لانهم كانوا يسبون رسول الله صلى الله عليه وآله ويؤذونه بالقبيح من القول، ويقولون له: اسمع منا غير مسمع، كما يقول القائل لغيره إذا سبه بالقبيح: اسمع لا أسمعك الله، ذكره ابن عباس، وابن زيد.
وقال مجاهد، والحسن: ان تأويل ذلك اسمع غير مقبول منك، أي غير مجاب.
---
(1) سورة الصافات: آية 164.
(2) سورة مريم: آية: 71.

(3/212)


تفسير التبيان ج3
وقوله: (وراعنا ليا بالسنتهم) قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها - أن هذه اللفظة كانت سبا في لغتهم، فاعلم الله نبيه ذلك ونهاهم عنها.
الثاني - انها كانت تجري منهم على وجه الاستهزاء والسخرية.
الثالث - انهاكانت تجري منهم على حد الكبر، كما يقول القائل: انصت لكلامنا، وتفهم عنا.
وانما راعنا من المراعاة التي هي المراقبة.
وقوله: " ليا بالسنتهم " يعني تحريكا منهم ألسنتهم بتحريف منهم لمعناه إلى المكروه.
اللغة: وأصل اللي القتل، تقول: لويت العود ألويه ليا، ولويت الغريم إذا مطلته، واللوى من الرمل - مقصور - مسترقه، ولواء الجيش ممدود، واللوية ما تتحف به المرأة ضيفها لتلوي بقلبه إليها، وألوى بهم الدهر إذا أفناهم، ولوي البقل إذا اصفر ولم يستحكم يبسه.
واللسان آلة الكلام، واللسان اللغة، ومنه قوله: " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه "(1) ولسن فلان فلانا بلسنه إذا أخذه بلسانه، ورجل لسن: بين اللسن.
ولسان الميزان، ولسان القوم: متكلمهم، وشئ ملسن إذا كان طرفه كطرف اللسان.
وقوله: " وطعنا في الدين " فالاصل الطعن بالرمح ونحوه.
والطعن باللسان كالطعن بالرمح.
ومنه تطاعنوا في الحرب.
وأطعنوا مطاعنة وطعانا، وطعن يطعن ويطعن طعنا.
وقوله: " ولو أنهم قالوا " يعني هؤلاء اليهود " سمعنا " يامحمد قولك " وأطعنا " أمرك، وقبلنا ما جئتنا به " واسمع " منا " وانظرنا " بمعنى انتظرنا نفهم عنك ما تقول لنا " لكان خيرا لهم وأقوم " يعني أعدل وأصوب في القول، مأخوذا من الاستقامة، ومنه قوله: " وأقوم قيلا "(2) بمعنى وأصوب.
وقوله: " ولكن لعنهم الله بكفرهم " يعني أبعدهم الله من ثوابه.
ثم أخبر تعالى، فقال: " فلا يؤمنون " في المستقبل " إلا قليلا " منهم فانهم آمنوا.
---
(1) سورة ابراهيم: آية 4.
(2) سورة المزمل: آية 6.

(3/213)


تفسير التبيان ج3
وقال البلخي: معناه لايؤمنون إلا ايمانا قليلا كما قال الشاعر:
فالفيته غير مستعتب
ولا ذاكر الله إلا قليلا(1)
يريد إلا ذكرا قليلا. وسقط التنوين من ذاكر لاجتماع الساكنين.
وقال أبوروق: إلا قليلا ايمانهم قولهم: الله خالقنا ورازقنا، وليس لعن الله لهم بمانع لهم من الايمان، وقدرتهم عليه، لانه إنما لعنهم الله لما كفروا فاستحقوا ذلك، ولو تركوا الكفر وآمنوا، لزال عنهم استحقاق اللعن.
قوله تعالى: (يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أونلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان امر الله مفعولا(47))
آية.
المعنى: هذه الآية خطاب لاهل الكتاب: اليهود، والنصارى أمرهم الله بان يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وآله وما أنزل عليه من القرآن، وغيره من الاحكام مصدقا لما معهم من التوراة والانجيل اللذين تضمنا صفة النبي صلى الله عليه وآله وصحة ما جاء به.
وقوله: (من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها) قيل في معناه أربعة أقوال:
أحدها - قال ابن عباس وعطية العوفي وقتادة: معناه نمحو آثارها حتى تصير كالقفا. ونجعل عيونهافي قفاها، فتمشي القهقرى.
الثاني - قال الحسن، ومجاهد، والضحاك، وابن أبي نجيح، والسدي، ورواه أبوالجارود عن أبي جعفر (ع): أن معناه نطمسها عن الهدى، فنردها على أدبارها في ضلالتها ذما لها(2) بأنها لاتصلح أبدا، وهم وإن كانوا في
---
(1) انظر 2، 76 تعليقة 2، 3.
(2) في المخطوطة (ومآبها).

(3/214)


تفسير التبيان ج3
الضلالة في الحال فتوعدهم بأنهم متى لم يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وآله ازدادوا بذلك ضلالا إلى ضلالتهم وإيآسالهم أن يؤمنوا فيما بعد.
الثالث - قال الفراء، واختاره البلخي، والحسين بن علي المغربي: إن معناه نجعل في وجوههم الشعر كوجه القرود.
الرابع - قال قوم: معناه أن يردهم إلى الشام من الحجاز الذي هو مسكنهم، وهو أضعف الوجوه، لانه ترك للظاهر، وخلاف أقوال المفسرين: والادبار: جمع دبر.
فان قيل: كيف يجوز تاويل من قال نجعلها كالاقفاء وهذا لم يجز على ماتوعد به؟ قيل عنه جوابان: أحدهما - لانه آمن جماعة من أولئك الكفار كعبدالله بن سلام وثعلبة بن شعبة وأسد بن ربيعة، وأسدبن عبيد، ومخيرق(1)، وغيرهم. وأسلم كعب في أيام عمر حين سمع هذه الآية، فاما من لم يؤمن منهم فانه يفعل به ذلك في الآخرة على أنه تعالى قال: أو نلعنهم، والمعنى أنه يفعل أحدهما، ولقد لعنهم الله بذلك.
وقوله: " كما لعنا أصحاب السبت " يعني المسخ الذي جرى عليهم، ذكره البلخي.
والجواب الثاني - أن الوعيد يقع بهم في الآخرة، لان الله تعالى لم يذكر أنه يفعل بهم ذلك في الدنيا تعجيلا للعقوبة ذكره البلخي ايضا، والجبائي.
اللغة: والطمس هو الدثر، وهوعفو الاثر، والطامس، والداثر، والدارس بمعنى واحد. وطمست أعلام الطريق تطمس طموسا: إذا دثرت، قال كعب بن زهير: من كل نضاحة الذفرى إذا غرق عرضتها طامس الاعلام مجهول(2)
---
(1) في المطبوعة: (وثعلبة بن سعنه)، (وأحد بن عبيد)، (ومخبريق).
(2) ديوانه: 9 نضح الرجل العرق سال منه.
الذفرى: الموضع الذي يعرق من البعير خلف الاذن، والاعلام: أعلام الطريق.

(3/215)


تفسير التبيان ج3
والعين التي هي الجارحة عبارة عن الشق بين الجفنين.
والادبار جمع دبر، وأصله من الدبر يقولون دبره يدبره دبرا فهو دابر: إذا صار خلفه.
والدبر: خلاف القبل.
والدابر: التابع.
ومنه قوله: " والليل إذا أدبر "(1) أي تبع النهار. فاما أدبر فمعناه ولى.
والدبور: الريح، لانها تدبر الكعبة إلى جهة المشرق.
والدبار الهلاك.
ودابرة الطائر: الاصبع التى من خلف.
والدبر: النحل.
والدبر: المال الكثير، والتدبير، لانه احكام ادبار الامور، وهي عواقبها.
المعنى: وقوله: (أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت) قال السدي، وقتادة، والحسن: معناه نمسخهم قردة وإنما كنى عنهم بقوله: " أو نلعنهم " بعد أن خاطبهم بقوله: " ياأيها الذين " لامرين: أحدهما - التصرف في الخطاب، والانتقال من مواجهة إلى كناية كما قال: " حتى إذا كنتم في الفلك " فخاطب ثم قال: " وجرين بهم "(2) فكنى. والثاني - أن يعود الضمير على أصحاب الوجوه، لانه بمنزلة المذكور.
وقوله: " وكان أمر الله مفعولا " قيل في معناه قولان: أحدهما - ان كل أمر من أمور الله من وعد أو وعيد أو مخبر خبر فانه يكون على ما أخبر به، ذكره الجبائي. والثاني - ان معناه " وكان أمر الله مفعولا " أي الذين يأمر به بقوله: " كن " وذلك يدل على أن كلامه محدث.
وقال البلخي: معناه أنه إذا أراد شيئا من طريق الاجبار. والاضطرار كان واقعا لامحالة. لا يدفعه دافع، كقبض الارواح، وقلب الارض وارسال الحجارة، والمسخ وغير ذلك، فاما ما يأمر به على وجه الاختيار، فقد يقع، وقد لايقع. ولايكون في ذلك مغالبة له لانه تعالى لو أراد إلجاء ه إلى ما أمره به لقدر عليه.
---
(1) سورة المدثر: آية 33.
(2) سورة يونس: آية 22.

(3/216)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (إن الله لايغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما(48))
آية واحدة بلاخلاف.
قال الفراء قوله: " أن يشرك " في موضع النصب، وتقديره " إن الله لايغفر " الشرك قال: ويحتمل أن يكون موضعه الجر وتقديره لايغفر الذنب مع الشرك.
وقال قوم: الفرق بين قوله: " إن الله لايغفر أن يشرك به "، وبين قوله: " إن الله لايغفر " الشرك به من وجهين: أحدهما - أن (أن) تدل على الاستقبال. والآخر - ذكره الرماني أنهاتدل على وجه الفعل في الارادة، ونحوها.
إذ كان قد يريد الانسان الكفر مع ظنه أنه ايمان، كما يريد النصارى عبادة المسيح. ولايجوز ارادته أن يكفر مع التوهم انه ايمان وكذلك لايريد الضرمع التوهم أنه نفع، ولايجوز ارادته أن يضر مع التوهم أنه نفع، وكذلك أمره بالخطأمع التوهم أنه صواب، ولايجوز أمره أن يخطئ مع التوهم أنه صواب، وهذا عندي ليس بصحيح، لان الشرك مذموم على كل حال سواء علمه فاعله كذلك، أولم يعلم.
ألا ترى أن النصارى يستحقون اللعنة والبراء ة على ما يعتقدونه من التثليث وإن اعتقدوا هم صحته، فالفرق الاول هوالجيد وظاهر الآية يدل على أن الله تعالى لايغفر الشرك أصلا، لكن أجمعت الامه على أنه لايغفره مع عدم التوبة، فاما إذا تاب منه فانه يغفره، وإن كان عندنا غفران الشرك مع التوبة تفضلا، وعند المعتزلة هوواجب، وهذه الآية من آكد مادل على إن الله تعالى يعفو عن المذنبين من غير توبة ووجه الدلالة منها أنه نفى أن يغفر الشرك إلامع التوبة وأثبت أنه يغفر ما دونه، فيجب أن يكون مع عدم التوبة، لانه إن كان ما دونه، لا يغفره إلا مع التوبة، فقد صار ما دون الشرك مثل الشرك، فلا معنى للنفي، والاثبات.

(3/217)


تفسير التبيان ج3
وكان ينبغي أن يقول: " إن الله لايغفر " المعاصي إلا بالتوبة ألا ترى أنه لايحسن أن يقول الحكيم أنا لاأعطي الكثير من مالي تفضلا، واعطي القليل إذااستحق علي، لانه كان يجب أن يقول: أنا لا أعطي شيئا من مالي إلا إذا استحق علي كيف وفي الآية ذكر العظيم الذي هو الشرك، وذكر ماهو دونه؟ والفرق بينهما بالنفي والاثبات، فلا يجوز ألايكون بينهما فرق من جهة المعنى.
فان قيل: نحن نقول: إنه يغفر مادون الشرك من الصغائر من غير توبة.
قلنا: هذا فاسد من وجهين. أحدهما - انه تخصيص، لان مادون الشرك يقع على الكبير والصغير. والله تعالى أطلق أنه يغفر ما دونه، فلا يجوز تخصيصه من غيردليل. الثاني - ان الصغائر تقع محبطة فلا يجوز المؤاخذة بها عند الخصم وما هذا حكمه لا يجوز تعليقة بالمشيئة وقد علق الله تعالى غفران ما دون الشرك بالمشيئة، لانه قال: " لمن يشاء " فان قيل: تعليقة بالمشيئة يدل على أنه لايغفر مادون الشرك قطعا. قلنا: المشيئة دخلت في المغفور له لافيما يغفر، بل الظاهر يقتضي انه يغفر ما دون الشرك قطعا، لكن لمن يشاء من عباده، وبذلك تسقط شبهة من قال القطع على غفران مادون الشرك من غير توبة، اغراء بالقبيح الذي هو دون الشرك، لانه إنما يكون اغراء لو قطع على أنه يغفر ذلك لكل أحد.
فاما إذا علق غفرانه لمن يشاء، فلا اغراء لانه لاأحد إلا وهو يجوز أن يغفر له، كما يجوز أن يؤاخذ به فالزجر حاصل على كل حال، ومتى عارضوا هذه الآية بآيات الوعيد كقوله: " ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا "(1) وقوله: " ومن يعص الله ورسوله " ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها "(2) وقوله: " إن الفجار لفي جحيم "(3) كان لنا أن نقول: العموم لاصيغة له، فمن أين لكم أن المراد به جميع العصاة ثم نقول نحن نخص آياتكم بهذه الآية ونحملها على الكفار. فمتى قالوا لنا: بل نحن نحمل
---
(1) سورة الفرقان: آية 19.
(2) سورة النساء: آية 13.
(3) سورة الانفطار: آية 14.

(3/218)


تفسير التبيان ج3
آياتكم على أصحاب الصغائر. فقد تعارضت الآيات ووقفنا وجوزنا العفو بمجرد العقل، وهو غرضنا وقد استوفينا ما في ذلك في الاصول في باب الوعيد من أراده وقف عليه من هناك.
وقوله: " ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما " معناه من يشرك بالله، فقد كذب، لانه يقول: إن عبادته يستحقها غير الله. وذلك افتراء، وكذب.
وقوله: " إثما عظيما " نصب على المصدر فكأنه قال: افترى، وأثم " اثما عظيما " لان افترى بمعنى أثم، فلذلك نصب المصدر به.
وقال ابن عمر: لما نزل قوله: " إن الله يغفر الذنوب جميعا " ظن أنه تعالى يغفر الشرك أيضا، فانزل الله هذه الآية.
وقال ابن عمر: ما كنا نشك معشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله في قاتل المؤمن، وآكل مال اليتيم وشاهد الزور، وقاطع الرحم، حتى نزلت هذه الآية فامسكنا عن هذه الشهادة. وهذا يدل على أن الصحابة كانت تقول بما نذهب إليه من جواز العفو عن فساق أهل الملة من غير توبة، بخلاف ما يذهب إليه أصحاب الوعيد من المعتزلة، والخوارج، وغيرهم.
قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا(49))
آية بلاخلاف.
المعنى: قد فسرنا معنى " ألم تر إلى الذين " فيما مضى، وأن معناه ألم تعلم في قول أكثر أهل العلم، واللغة وقال بعضهم: معناه ألم تخبر وفيه سؤال على وجه الاعلام. وتاويله اعلم قصتهم ألم ينته علمك إلى هؤلاء الذين يزكون أنفسهم؟ وقيل في معناه قولان: أحدهما - قال الحسن، والضحاك، وقتادة، وابن زيد، وهوالمروي عن أبي جعفر (ع): انهم اليهود، والنصارى في قوله: " نحن ابناء الله وأحباء ه "(1)
---
(1) سورة المائدة: آية 20.

(3/219)


تفسير التبيان ج3
" وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم "(1) قال الزجاج: اليهود جاء وا إلى النبي صلى الله عليه وآله باولادهم الاطفال، فقالوا يامحمد أعلى هؤلاء ذنوب؟ فقال صلى الله عليه وآله: لا، فقالوا: كذلك نحن ما نعمل بالليل يغفر بالنهار، وما نعمل بالنهار يغفر بالليل، فقال الله تعالى: " بل الله يزكي من يشاء " وقال: مجاهد، وأبومالك: كانوا يقدمونهم في الصلاة ويقولون: هؤلاء لاذنب لهم.
وقال ابن عباس: كانوا يقولون: أطفالنا يشفعون لنا عندالله.
الثاني - روي عن عبدالله بن مسعود انه تزكية الناس بعضهم بعضا لينالوا بذلك مالامن مال الدنيا، فاخبر الله تعالى أنه الذي يزكي من يشاء. وتزكيتهم أنفسهم هو أن يقولوا: نحن أزكياء.
اللغة والاعراب والنظم: والزكا النمو يقال زكا الزرع يزكو وزكا الشئ: إذا نما في الصلاح وقوله: " ولايظلمون فتيلا " قال الزجاج: لايظلمون مقدار فتيل. فيكون نصبه على أنه مفعول ثان: كقولك: ظلمته حقه أي انتقصته حقه.
قال الرماني: ويحتمل أن يكون نصبا على التمييز كقولك: تصببت عرقا.
وقيل في معنى القتيل ههنا قولان: أحدهما - هوقول ابن عباس في رواية وقول عطاء ابن أبي رياح، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وعطية: إنه الذي في شق النواة.
وقال الحسن: الفتيل ما في بطن النواة، والنقير: ما في ظهرها، والقمطير قشرها.
الثاني - مافتلت بين اصبعيك من الوسخ.
في رواية أخرى عن ابن عباس، وأبي مالك، والسدي: والفتل: لي الشئ يقال.
فتلت الحبل أفتله فتلا، وانفتل فلان في صلاته.
والفتيلة معروفة. واقة فتلاء. إذاكان في ذراعيها فتل عن الجنب.
والفتيل في معنى المفتول.
---
(1) سورة البقرة: آية 111.

(3/220)


تفسير التبيان ج3
ووجه اتصال قوله: " ولا يظلمون فتيلا " بما قبله أنه لما قال: " بل الله يزكي من يشاء " نفى عن نفسه الظلم لئلا يظن أن الامر بخلافه.
الآية: 50 - 59
قوله تعالى: (أنظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا(50))
آية بلاخلاف.
اللغة: النظر هوالاقبال على الشئ بالبصر ومن ذلك النظر بالقلب، لانه إقبال على الشئ بالقلب، فكذلك النظر بالرحمة، ونظر الدهر إلى الشئ: إذا أهلكه، والنظر إلى الشئ تلمسه والنظر إليه بالتأميل له.
والانتظار: الاقبال على الشئ بالتوقع له.
والانظار التاخير إلى وقت.
والاستنظار سؤال الانظار.
والمناظرة: اقبال كل واحد على الآخر بالمحاجة.
والنظير مثل الشئ لاقباله على نظيره بالمماثلة: والفرق بين النظر بالعين، وبين الرؤية أن الرؤية هي إدراك المرئي، والنظر إنما هو الاقبال بالبصر نحوالمرئي، ولذلك قد تنظر ولا نراه، كما يقولون: نظرت إلى الهلال فلم أره، ولذلك يجوز أن يقال في الله أنه رائي. ولا يجوز أن يقال ناظر.
وقوله: " كيف يفترون " فالافتراء والاختلاق متقاربان، والفرق بينهما أن الافتراء هوالقطع على كذب أخبر به، واختلق قدر كذبا أخبر به، لان الفري القطع، والخلق التقدير.
المعنى: وافتراؤهم الكذب على الله ههنا المراد به تزكيتهم لانفسهم بانا " أبناء الله وأحباؤه " وأنه " لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى " ذكره ابن جريج وقوله: " وكفى به إثمامبينا " معناه تعظيم اثمه وإنما يقال كفى به في العظم على جهة المدح أو الذم، كقولك: كفى بحال المؤمن نبلاوكفى بحال الكافر إثما

(3/221)


تفسير التبيان ج3
كأنه قيل: ليس يحتاج إلى حال أعظم منه في المدح أو الذم. كما يقال ليس يحتاج إلى أكثر مما به. ويحتمل أن يكون معناه كفى هذا إثما أي ليس يقصر عن منزلة الاثم.
قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا(51))
آية بلاخلاف.
المعنى: قيل في المعني بهذه الآية قولان: أحدهما - قال ابن عباس، وقتادة: هم جماعة من اليهود منهم: حي بن أخطب وكعب بن الاشرف، وسلام بن أبي الحقيق، والربيع بن الربيع(1). قالوا لقريش: أنتم أهدى سبيلا ممن آمن بمحمد.
الثاني - قال عكرمة إن المعني به كعب بن الاشرف، لانه قال هذا القول، وسجد لصنمين كانا لقريش.
وقيل في معنى الجبت، والطاغوت خمسة أقوال: أحدها - قال عكرمة: إنهما صنمان.
وقال أبوعلي: هؤلاء جماعة من اليهود آمنوا بالاصنام التي كانت تعبدها قريش، والعرب مقاربة لهم ليعينوهم على محمد صلى الله عليه وآله.
الثاني - قال ابن عباس: الجبت الاصنام.
والطاغوت: تراجمة الاصنام الذين يتكلمون بالتكذب عنها.
الثالث - إن الجبت الساحر. والطاغوت الشيطان، قاله ابن زيد.
وقال مجاهد: الجبت: السحر.
---
(1) في المخوطة (الربيع) بالقاط (ابن الربيع) وفي مجمع البيان (أبورافع).

(3/222)


تفسير التبيان ج3
الرابع - قال سعيد بن جبير، وأبوالعالية: الجبت: الساحر. والطاغوت: الكاهن.
والخامس - في رواية عن ابن عباس والضحاك: ان الجبت حي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الاشراف، لانهما جاء اإلى مكة، فقال لهماأهل مكة: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم القديم، فاخبرونا عنا وعن محمد صلى الله عليه وآله، فقالا: ما أنتم وما محمد؟ قالوا: نحن ننحر الكوماء ونسقي اللبن على الماء، ونفك العناة، ونصل الارحام، ونسقى الحجيج. ومحمد منبوز قطع أرحامنا، واتبعه سراق الحجيج بنو غفار فقالا: أنتم خير منه، وأهدى سبيلا فانزل الله هذه الآية.
وقال الزجاج، والفراء، والبلخي: هما كل معبود من دون الله تعالى.
اللغة: ووزن طاغوت فعلوت على وزن رهبوت.
قال الخليل: هومن طغا وقلبت اللام إلى موضع العين كما قيل: لاث في لايث. وشاك في شايك. وهذا تغيير لايقاس عليه، لكنه يحمل على النظير.
والجبت لاتصريف له في اللغة العربية.
وقيل: هوالساحر بلغة حبش عن سعيد بن جبير: والسبيل المذكور في الآية هو الدين. وإنما سمي سبيلا، لانه كالسبيل الذي هوالطريق في الاستمرار عليه ليؤدي إلى الغرض المطلوب. ونصبه على التمييز كقولك هو أحسن منك وجها وأجود منك ثوبا لانك في قولك: هذا أجود منك قد أبهمت الشئ الذي فضلته به إلا أن تريد ان جملته أجود من جملتك فتقول هذا أجود منك وتمسك.
قوله تعالى: (أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا(52))
آية بلاخلاف.

(3/223)


تفسير التبيان ج3
النزول: قوله: " اولئك " اشارة إلى الذين ذكرهم في الآية الاولى.
وقال قتادة: لما قال كعب بن الاشرف، وحي بن أخطب " هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سيبلا " وهما يعلمان أنهما كاذبان. أنزل الله هذه الآية " أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا " فالوعيد فيها على ما تقدم من القول على جهة العناد، لانها اشارة إلى ما تقدم من صفتهم الدالة على عنادهم.
اللغة والمعنى: (أولئك) لفظ جمع، وواحده ذافي المعنى كما قالوا: نسوة في جماعة النساء. وللواحدة امرأة. وغلب على أولاء (ها) التي للتنبيه. وليس ذلك في أولئك، لان في حرف الخطاب تنبيها للمخاطب إذ كان الكاف انما هو حرف لحق، لتنبيه المخاطب، فصار معاقبا للهاء التي للتنبيه في أكثر الاستعمال.
واللعنة: الابعاد من رحمة الله عقابا على معصيته، فلذلك لايجوز لعن البهائم، ولامن ليس بعاقل من المجانين، والاطفال، لانه سؤال العقوبة لمن لايستحقها. فمن لعن حية أو عقربا أو نحو ذلك مما لامعصية له فقد اخطأ، لانه سأل الله عزوجل مالا يجوز في حكمته. فان قصد بذلك الابعاد لاعلى وجه العقوبة، كان ذلك جائزا.
فان قيل: كيف قال: " فلن تجد له نصيرا " مع تناصر أهل الباطل على باطلهم؟ قلنا: عنه جوابان: أحدهما - " فلن تجد له نصيرا " ينصره من عقاب الله الذي يحله به مما قد أعده له، لانه الذي يحصل عليه وماسواه يضمحل عنه. الثاني - " فلن تجد له نصيرا "، لانه لايعتد بنصرة ناصرله مع خذلان الله إياه.
قوله تعالى: (أم لهم نصيب من الملك فاذا لايؤتون الناس نقيرا(53))
آية.

(3/224)


تفسير التبيان ج3
النظم والاعراب: وجه اتصال هذه الآية بما قبلها اتصال الصفة بالبخل، والصفة بالحسد والجهل، لان قوله: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا) يدل على أنهم حسدوا المؤمنين وأنهم يعملون أعمال الجاهلين، إلا أن الكلام خرج مخرج الاستفهام، للتوبيخ، والتقريع بتلك الحال. وجاء ت أم ههنا غير معادلة للالف لتدل على اتصال الثاني بالاول.
والمعنى بل ألهم نصيب من الملك؟ وتسمى أم هذه المنقعطة عن الالف لانها بخلاف المتصلة بها على المعادلة.
ومثله " الم تنزيل الكتاب لاريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه "(1) وقال بعضهم: إن الالف محذوفة، لان أم لاتجئ مبتدأة على تقدير أهم أولى بالنبوة " أم لهم نصيب من من الملك " فيلزم الناس طاعتهم. وهذا ضعيف، لان حذف الالف إنما يجوز في ضرورة الشعر بالاجماع ولا ضرورة في القرآن.
" وإذا " لم تعمل في يؤتون لانها إذا وقعت بين الفاء، والفعل، جاز أن تقدر متوسطة فتلغى كما تلغى (أرى)(2) إذا توسطت أو تأخرت، لان النية به التأخير. والتقدير أم لهم نصيب من الملك فلا يؤتون الناس نقيرا اذا، وكذلك إذاكان معها واو، نحو " وإذا لايلبثون خلافك إلا قليلا "(3) ويجوز أن تقدر مستأنفة، فتعمل مع حرف العطف.
و (اذن) لاتعمل إلا بشروط أربعة: أن تكون جوابا لكلام، وأن تكون مبتدأة في اللفظ، ولايكون ما بعدها متعلقا بما قبلها، ويكون الفعل بعدها مستقبلا. ومتى نقص واحد من هذه الشروط لم تعمل.
المعنى واللغة: وقوله: (لايؤتون الناس نقيرا) اخبار من الله تعالى عن لومهم، وبخلهم أي لايؤتونهم نقيرا.
---
(1) سورة ألم السحدة: آية 1، 2، 3،.
(2) أي (أرى) القلبية.
(3) سورة الاسرى: آية 76.

(3/225)


تفسير التبيان ج3
وقيل في معنى النقير ههنا ثلاثة أقوال: أحدها - قال ابن عباس، وقتادة، والسدي، وعطاء، والضحاك، وابن زيد: إنه النقطة التي في ظهر النواة. وقال مجاهد: هوالحبة التي في بطن النواة.
وفي رواية أخرى عن ابن عباس أن النقير ما نقر الرجل باصبعه، كماينقر الدرهم.
والنقر: النكت ومنه المنقار، لانه ينقر به.
والناقور: الصور، لان الملك ينقر فيه بالنفخ المصوت.
والنقرة: حفرة في الارض أو غيرها، والنقير: خشبة تنقر وينبذفيها.
والمناقرة: مراجعة الكلام.
وانتقر: اختص كما يختص بالنقر واحدا واحدا.
والمنقر: المقلع عن الشئ، لانه كما يقلع في النقر، ثم يعود إليه.
ومعنى (أم لهم نصيب من الملك) ما يدعيه اليهود أن الملك يعود إليهم.
وقوله: " فاذا لايؤتون الناس " يعني العرب.
وذكر الزجاج في معناه وجهين: أحدهما - بل لهم نصيب، لانهم كانوا أصحاب بساتين وأموال، وكانوا في غاية البخل. والثاني - أنهم لو أعطوا الملك، ما أعطوا الناس نقيرا من بخلهم اختاره البلخي وبه قال السدي، وابن جريج.
قوله تعالى: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما(54))
آية
المعنى: المعني بقوله: (أم يحسدون الناس) قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها - قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، والسدي، وعكرمة: إنه النبي صلى الله عليه وآله، وهوقول أبي جعفر (ع)، وزاد فيه وآله.

(3/226)


تفسير التبيان ج3
الثاني - قال قتادة: هم العرب(1): محمد صلى الله عليه وآله وأصحابه، لانه قد جرى ذكرهم في قوله: " يقولون للذين هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا " ذكره الجبائي.
والفضل المذكور في الآية قيل فيه قولان: أحدهما - قال الحسن، وقتادة، وابن جريج: النبوة. وهو قول أبي جعفر (ع) قال وفي آله الامامة. الثاني - قال ابن عباس: والضحاك والسدي ما أباحه الله للنبي من نكاح تسعة.
اللغة: والحسد تمني زوال النعمة عن صاحبها لما يلحق من المشقة في نيله لها، والغبطة: تمني مثل النعمة، لاجل السرور بها لصاحبها، ولهذاكان الحسد مذموما والغبطة غير مذمومة.
وقيل: إن الحسد من افراط البخل، لان البخل مع النعمة، لمشقة بذلها. والحسد تمني زوالها لمشقة نيل صاحبها لها بالعمل فيها على المشقة بنيل النعمة.
ثم قال " فقدآتينا آل ابراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما " فما حسدوهم على ذلك فكيف حسدوا محمداوآله ما أعطاهم الله إياه.
المعنى: والملك المذكور في الآية ههنا قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها - قال ابن عباس: هو ملك سليمان، وبه قال عطية العوفي.
الثاني - قال السدي: هو ما أحل لداود من النساء تسع وتسعون امرأة، ولسليمان مئة لان اليهود عابت النبي صلى الله عليه وآله بكثرة النساء فبين الله ان ذلك وأكثر منه كان في آل ابراهيم.
الثالث - قال مجاهد، والحسن: إنه النبوة.
وقال أبوجعفر (ع): انه الخلافة، من أطاعهم، أطاع الله ومن عصاهم عصى الله.
---
(1) في المخطوطة (الذين هم محمد..).

(3/227)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا(55))
آية بلاخلاف.
المعنى: الضمير في قوله: (فمنهم من آمن) يحتمل أن يكون عائدا إلى أحد أمرين: أحدهما - قال مجاهد، والزجاج، والجبائي: إن من أهل الكتاب من آمن بمحمد صلى الله عليه وآله لتقدم الذكر في " يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم "(1). الثاني - فمن أمة ابراهيم من آمن بابراهيم، ومنهم من صد عنه. كما أنكم في أمر محمد صلى الله عليه وآله كذلك. وليس في ذلك توهين لامره كما ليس فيه توهين لامر ابراهيم.
واتصال الكلام على هذاالوجه ظاهر وعلى الوجه الاول تقديره وقع(2) هذا كله " فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه " وقال قوم: " فمنهم من آمن " بداود وسليمان " ومنهم من صد عنه " وليس في الآية دلالة على أن ما تقدم من الوعيد إنما صرف عنهم لايمان هذا الفريق، لانه قال في الآخرة " يوم تبيض وجوه وتسود وجوه "(3) وقال بعضهم: فيه دلالة على ذلك، ولذلك قال: " وكفى بجهنم سعيرا " أي ان كان صرف بعض العقاب، فكفى بجهنم استغرافا بالعذاب.
اللغة: وسعير بمعنى مسعورة وترك - لاجل الصرف - التأنيث للمبالغة في الصفة كما قالوا: كف خضيب ولحية دهين. وتركت علامة التأنيث، لانها لما كان دخولها فيما
---
(1) سورة النساء: آية 46.
(2) في المخطوطة (ومع) بدل (وقع).
(3) سورة آل عمران: آية 106.

(3/228)


تفسير التبيان ج3
ليست له، للمبالغة نحو رجل علامة كان سقوطها فيما بقي له للمبالغة فحسن هذا التقابل في الدلالة.
والسعر: ايقاد النار ومنه قوله: " وإذا الجحيم سعرت "(1) واستعرت النار والحرب والشر استعارا.
واسعرتها اسعارا. وسعرتها تسعيرا.
والسعر: سعر المتاع وسعروه تسعيرا وذلك لاستعار السوق بحماها في البيع.
الساعور كالتنور في الارض.
والمسعور: الذي قد ضربته السموم، والعطش.
وزيدت الباء في قوله: " وكفى بجهنم " لتأكيد الاختصاص، لانه يتعلق به من وجهين: وجه الفعل في كفى جهنهم كقولك: كفى الله، ووجه الاضافة في الكفاية بجهنم.
وعلى ذلك قيل: كفى بالله للدلالة على أن الكفاية تضاف إليه من أوكد الوجوه، وهووجه الفعل، ووجه المصدر.
قوله تعالى: (إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما(56))
آية بلاخلاف.
المعنى واللغة: أخبر الله تعالى في هذه الآية أن من حجد معرفته وكذب أنبياء ه، ودفع الآيات التي تدل على توحيده، وصدق نبيه أنه سوف يصليه نارا لتدل على أن ذلك يفعله به في المستقبل، ولم يكن دخولها لشك، لانه تعالى عالم بالاشياء لايخفى عليه إمر من الامور.
ومعنى نصليه نارا: نلزمه إياها تقول: أصليته النار: إذا القيته فيها، وصليته صليا: إذا شويته: وشاة مصلية أي مشويه. والصلا الشواء.
وصلي فلان بشر فلان.
وصلي برجل سوء.
وقوله: (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها) قيل فيه ثلاثة أقوال:
---
(1) سورة التكوير: آية 12.

(3/229)


تفسير التبيان ج3
أحدها - قال الرماني: إن الله يجدد لهم جلودا غير الجلود التي احترقت وتعدم المحترقة على ظاهر القرآن من أنها غيرها، لانها ليست بعض الانسان.
قال قوم هذا لايجوز، لانه يكون عذب من لايستحق العذاب.
قال الرماني: لايؤدي إلى ذلك، لان ما يزاد لايألم، ولاهو بعض لما يألم، وإنماهو شئ يصل به الالم إلى المستخق له.
وقال الجبائي: لايجوز أن يكون المراد ان يزاد جلدا على جلده، كلما نضجت لانه لو كان كذلك لوجب أن يملاجسد كل واحد من الكفار جهنم إذا أدام الله العقاب، لانه كلما نضجت تلك الجلود زاد الله جلدا آخر، فلابد أن ينتهي إلى ذلك.
والجواب الثاني - اختاره البلخي والجبائي، والزجاج: ان الله تعالى يجددها بان يردها إلى الحالة التي كانت عليها غير محترقة، كما يقال جئتني بغير ذلك الوجه وكذلك، إذا جعل قميصه قباء جاز إن يقال جاء بغير ذلك اللباس أو غير خاتمه فصاغه خاتما آخر جاز أن يقال هذاغير ذلك الخاتم، وهذا هوالمعتمد عليه.
والثالث - قال قوم: إن التبديل إنما هو للسرابيل التي ذكرها التي ذكرها الله في قوله: " سرابيلهم من قطران "(1) فاما الجلود فلو عذبت ثم إوجدت، لكان فيه تفتير عنهم، وهذا بعيد، لانه ترك للظاهر وعدول بالجلود إلى السرابيل، ولانقول إن الله تعالى يعدم الجلود، بل على ماقلناه يجددها ويطريها بما يفعل فيها من المعاني التي تعود إلى حالتها، فاما من قال: إن الانسان غير هذه الجملة، وأنه هو المعذب، فقد تخلص من هذاالسؤال.
ويقوي ما قلناه ان أهل اللغة يقولون: أبدلت الشئ بالشئ إذا أزلت عينا بعين، كما قال الراجز: عزل الامير بالامير المبدل وبدلت - بالتشديد - إذا غيرت هيئة، والعين واحدة.
يقولون: بدلت جتي قميصا: إذا جعلنها قميصا ذكره المغربي، وقال البلخي: ويحتمل وجها آخر وهو أن يخلق الله لهم جلدا آخر فوق جلودهم، فاذا احترق التحناني أعاده الله.
---
(1) سورة ابراهيم: آية 50.

(3/230)


تفسير التبيان ج3
وهكذا يتعقب الواحد الآخر قال: ويحتمل أن يخلق الله لهم جلدا لايألم يعذبهم فيه، كما يعذبهم في سرابيل القطران.
فان قيل: كيف قال: (ليذوقوا العذاب) مع أنه دائم لازم؟ قيل: لان احساسهم في كل حال كاحساس الذائق في تجدد الوجدان من غير نقصان، لان من استمر على الاكل، لايجد الطعم، كما يجد الطعم من يذوقه.
وقوله: " إن الله كان عزيزا حكيما " معناه أنه قادر قاهر لايمتنع عليه انجاز ما توعد به أو وعد، وحكيم في فعله لايخلف وعيده، ولايفعل إلاقدر المستحق به فينبغي للعاقل أن يتدبره، ويكون حذره منه على حسب علمه به ولايغتر بطول الامهال، والسلامة من تعجيل العقوبة.
قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا(57))
آية بلاخلاف.
المعنى: لما ذكر الله تعالى في الآية الاولى ما توعد به الكفار والجاحدين لآياته تعالى، وعدفي هذه الآية المصدقين به تعالى، والعاملين الاعمال الصالحات، وهي الحسنات التي هي طاعات الله، وصالح يجري على وجهين: أحدهما - على من يعمل الطاعة. الثاني - على نفس العمل ويقال: رجل صالح، ومعناه ذوعمل صالح، ويقال: عمل صالح، فيجري عليه الوصف بأنه صالح.
وعدهم بأن سيدخلهم جنات وهي جمع جنة وهي البستان التي يجنها الشجر " تجري من تحتها الانهار " وفيه محذوف، لان التقدير تجري من تحتهامياه الانهار، لان الماء هوالجاري دون الانهار

(3/231)


تفسير التبيان ج3
غير أنه بعرف الاستعمال سقط عنه اسم مجاز، كما سقط في قولهم: هذا شعر امرئ القيس وان كان المراد انه حكاية عنه، فاماقوله: " واسأل القرية " مجار لامحالة، لانه لابد فيه من تقدير أهلها، وقوله: " خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة " يعني من النفاس والحيض ومن جميع الاقذار، والادناس.
اللغة: والطهارة نقيض النجاسة. والنجاسة في الاصل هي ماكان نتنا نحو الجيف، وغيرها، وشبه بذلك نجاسة الحكم تبعا للشريعة كما يقال في الخمر: إنها نجسة.
وقوله: " ويدخلهم ظلا ظليلا " فالظل أصله الستر من الشمس قال رؤبة: كل موضع يكون فيه الشمس، فتزول عنه، فهو ظل وفئ. وماسوى ذلك فظل، لايقال فيه فئ.
والظل: الليل، لانه كالستر من الشمس.
والظلة: السترة، وظل يفعل كذا: إذا فعله نهارا، لانه في الوقت الذي يكون للشمس ظل.
والاظلال الدنو، لان الشئ بدنوه، كأنه قد ألقى عليك ظله.
والاظل: باطن منسم البعير، لان المنسم يستره.
والظليل: هوالكنين، لانه لاشمس فيه ولاسموم.
قال الحسن: ربما كان ظل ليس بظليل، لانه يدخله الحر والسموم، فلذلك وصف ظل الجنة بأنه ظليل. ومنه قوله: " وظل ممدود "(1) لانه ليس كل ظل ممدودا.
وروي أن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام، لايقطعها وهي شجرة الخلد.
وقيل: إنما قال " ظلا ظليلا " فرقا بينه وبين " ظل ذي ثلاث شعب لاظليل ولايغني من اللهب "(2) وقيل يدخلهم ظلا ظليلا في الموقف حيث لاظل إلاظل عرشه.
---
(1) سورة الواقعة: آية 31.
(2) سورة المرسلات آية 31 - 32.

(3/232)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا(58))
آية بلاخلاف.
المعنى: قيل في المعني بهذه الآية ثلاثة أقوال: أولها - ما قال ابن عباس، وأبي بن كعب، والحسن، وقتادة، وهوالمروي عن أبي جعفر (ع)، وأبي عبدالله (ع): إن كل مؤتمن على شئ يلزمه رده.
الثاني - قال زيد بن أسلم، ومكحول، وشهربن حوشب: إن المراد به ولاة الامر وهو اختيار الجبائي، وروي ذلك عن أبي جعفر أيضا وأبي عبدالله (ع) وقالوا: أمر الله الائمة كل واحد منهم أن يسلم الامر إلى من بعده، وعلى الوجه الاول يدخل هذا فيه، لان ذلك من جملة ما ائتمنه الله عليه. ولذلك قال أبوجعفر (ع): إن اداء الصلا ة والزكاة والصوم والحج من الامانة، ويكون الامر للآمر باداء الامانة من الغنائم والصدقات، وغير ذلك مما يتعلق به حق الرعية.
الثالث - قال ابن جريج: نزلت في عثمان بن طلحة. أمر الله تعالى نبيه أن يردإليه مفاتيح الكعبة، والمعتمد هوالاول، وإن كان الاخير روي أنه سبب نزول الآية، غير أنه لايقصر عليه.
اللغة والمعنى: تقول: أديت الشئ أؤديه تأدية، وهوالمصدر الحقيقي، ولو قلت: أديت أداء كان جائزا يقام الاسم المصدر.
ويقال: أدوات للصيد آدوله ادوا: إذا ختلته، لتصيده.
وأدى اللبن يأدي: إذا حمض.
وقوله: " وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل " أمر الله تعالى الحكام بين الناس أن يحكموا بالعدل لابالجور " ان الله نعما يعظكم به " معناه نعم الشئ شيئا يعظكم الله به من أداء الامانة وكتبت (ما) في (نعما) موصولة، لانها بمنزلة الكافي في (إنما)، و (ربما)، غير انها في نعما

(3/233)


تفسير التبيان ج3
اسم يعودإليه الضمير في (به) فتقديره نعم شيئا يعظكم به أونعم وعظا يعظكم به، ولا يجوز إسكان العين مع الميم في نعما لانه جمع بين ساكنين، ولكن يجوز اختلاس الحركة من غير اشباع الكسرة، كالاختلاس في " يأمركم " وبارئكم " وعلى هذا تحمل قراء ة أبي عمر.
وقال الزجاج: اجتماع الساكنين فيه ينكره جميع البصريين.
والسميع: هومن كان على صفة يجب لاجلها أن يسمع المسموعات إذا وجدت والبصير من كان على صفة يجب لاجلها أن يبصر المبصرات إذا وجدت.
والسامع هوالمدرك للمسوعات.
والمبصر هو المدرك للمبصرات.
ولذلك يوصف تعالى فيما لم يزل بأنه سميع بصير، ولا يوصف بأنه سامع مبصر إلا بعد وجود المبصرات والمسموعات.
وقوله: (إن الله سميعا بصيرا) اخبار بانه كان سميعا بصيرافيما مضى. وذلك يرجع إلى كونه حيا لاآفة به فاذا كان لايجوز خروجه عن كونه حيا، فلا يجوز خروجه عن كونه سميعا بصيرا.
قوله تعالى: (ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا(59))
آية بلاخلاف.
المعنى: هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين يأمرهم أن يطيعوه ويطيعوا رسوله ويطيعوا أولي الامر منهم، فالطاعة هي امتثال الامر. فطاعة الله هي امتثال أوامره والانتهاء عن نواهيه. وطاعة الرسول كذلك امتثال أوامره وطاعة الرسول أيضا هي طاعة الله، لانه تعالى أمر بطاعة رسوله، فمن أطاع الرسول، فقد أطاع

(3/234)


تفسير التبيان ج3
الله كما قال " من يطع الرسول فقد أطاع الله "(1) فأما المعرفة بأنه رسول، فمعرفة بالرسالة ولايتم ذلك إلا بعد المعرفة بالله، وليست احداهما هوالاخرى، وطاعة الرسول واجبة في حياته وبعدوفاته، لان بعد وفانه يلزم اتباع سنته، لانه دعا إليها جميع المكلفين إلى يوم القيامة، كما أنه رسول إليهم أجميعن.
فاما أولو الامر، فللمفسرين فيه تاويلان: أحدهما - قال أبوهريرة، وفي رواية عن ابن عباس، وميمون بن مهران، والسدي، والجبائي، والبلخي، والطبري: إنهم الامراء. الثاني - قال جابر بن عبدالله، وفي رواية أخرى عن ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وعطاء، وأبي العالية: انهم العلماء.
وروى أصحابنا عن أبي جعفر وأبي عبدالله (ع) أنهم الائمة من آل محمد صلى الله عليه وآله فلذلك أوجب الله تعالى طاعتهم بالاطلاق، كما أوجب طاعة رسوله وطاعة نفسه كذلك. ولايجوز ايجاب طاعة أحد مطلقا إلا من كان معصوما مأمونا منه السهو والغلط، وليس ذلك بحاصل في الامراء، ولاالعلماء، وإنما هو واجب في الائمة الذين دلت الادلة على عصمتهم وطهارتهم، فاما من قال المراد به العلماء، فقوله بعيد، لان قوله (وأولي الامر) معناه أطيعوا من له الامر، وليس ذلك للعلماء، فان قالوا: يجب علينا طاعتهم إذا كانوا محقين، فاذا عدلوا عن الحق فلا طاعة لهم علينا.
قلنا: هذا تخصيص لعموم ايجاب الطاعة لم يدل عليه دليل. وحمل الآية على العموم، فيمن يضح ذلك فيه أولى من تخصيص الطاعة بشئ دون شئ كما لايجوز تخصيص وجوب طاعة الرسول وطاعة الله في شئ دون شئ.
وقوله: (فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) فمعنى الرد إلى الله هو إلى كتابه والرد إلى رسوله هو الرد إلى سنته. وقول مجاهد، وقتادة، وميمون بن مهران، والسدي: والرد إلى الائمة يجري مجرى الرد إلى الله والرسول، ولذلك قال في آية أخرى " ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم "(2) ولانه إذا كان
---
(1) سورة النساء: آية ث 79.
(2) سورة النساء: آية 82.

(3/235)


تفسير التبيان ج3
قولهم حجة من حيث كانوا معصومين حافظين للشرع جروا مجرى الرسول في هذا الباب.
وقوله: (إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) أي تصدقون بهما.
(ذلك خير وأحسن تاويلا) ذلك اشارة إلى الردإلى الله وإلى الرسول (وأحسن تاويلا) قال قتادة، والسدي، وابن زيد: أحمد عاقبة.
وقال مجاهد: معناه أحسن جزاء.
وهومن آل يؤول إذا رجع والمآل المرجع والعاقبة مآل، لانها بمنزلة ما تفرقت عنه الاشياء ثم رجعت إليه.
وتقول: إلى هذا يؤول الامر أي يرجع.
وقال الزجاج: أحسن من تأويلكم أنتم إياه من غير رد إلى أصل من كتاب الله وسنة نبيه، وهذا هوالاقوى، لان الرد إلى الله والرسول والائمة المعصومين أحسن من تأويل بغير حجة.
واستدل جماعة بهذه الآية على أن الاجماع حجة بأن قالوا: إنماأوجب الله الرد إلى الكتاب والسنة بشرط وجود التنازع، فدل على أنه إذا لم يوجد التنازع، لايجب الرد، ولايكون كذلك إلاوهو حجة، وهذا إن استدل به مع فرض أن في الامة معصوما حافظا للشرع كان صحيحا، وإن فرضوا مع عدم المعصوم كان باطلا، لان ذلك استدلال بدليل خطاب، لا تعليق الحكم بشرط أو صفة لايدل على أن ماعداء بخلافه عند أكثر المحصلين، فكيف يعتمد عليه ههنا، على أنهم لايجمعون على شئ إلا عن كتاب أوسنة، فكيف يقال: إذا أجمعوا لايجب عليهم الرد إلى الكتاب والسنة، وهم قد ردوا إليها على أن ذلك يلزم في كل جماعة، وإن لم يكونوا جميع الامة إذا اتفقوا على شئ ألايجب عليهم الرد إلى الكتاب والسنة، لان قوله: (فان تنازعتم) يتناول جماعة ولايستغرق جميع الامة، فعلم بذلك فساد الاستدلال بما قالوه. وقد بينا الكلام على ذلك مستوفى في العدة في أصول الفقه.
الآية: 60 - 69
قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا(60))
آية بلاخلاف.
المعنى واللغة: عجب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله في هذه الآية ممن يزعم أنه آمن بما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله، وما أنزل من قبله بان قال ألم ينته علمك إلى هؤلاء الذين ذكرنا وصفهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمرهم الله أن يكفروا به.
وقال الحسن، والجبائي: نزلت الآية في قوم منافقين احتكموا إلى الاوثان بضرب القداح. وقد بينا معنى الطاغوت فيما تقدم.
وقيل في معناه ههنا قولان: أحدهما - أنه كاهن تحاكم إليه رجل من المنافقين، ورجل من اليهود هذا قول الشعبي، وقتادة. وقال السدي اسمه أبوبردة.
الثاني - قال ابن عباس، ومجاهد، والربيع، والضحاك: إنه كعب ابن الاشرف رجل من اليهود، فاختار المنافق التحاكم إلى الطاغوت، وهو رجل يهودى.
وقيل: كعب بن الاشراف، لانه يقبل الرشوة، واختار اليهودي التحاكم إلى محمد نبينا صلى الله عليه وآله لانه لايقبل الرشوة.
ومعنى الطاغوت ذو الطغيان - على جهة المبالغة في الصفة - فكل من يعبد من دون الله فهو طاغوت، وقد تسمى به الاوثان كما تسمى بأنها رجس من عمل الشيطان، ويوصف به كل من طغى، بان حكم بخلاف حكم الله تعالى غير راض بحكمه تعالى.
وروي عن أبي جعفر وأبي عبدالله (ع) أن الآية في كل من يتحاكم إلى من يحكم بخلاف الحق، و (زعم)، يحتاج إلى اسم، وخبر، " وانهم " في الآية نائب عن الاسم، والخبر، لانها على معنى الجملة، ومخرج المفرد، وليس بمنزلة ظننت ذلك، لانه على معنى المفرد ومخرج المفرد، لان قولك: زعمت أنه قائم يفيد ما يفيد هو قائم، وكذلك ظننت ذاك، لانه يدل دلالة الاشارة إلى ما تقدر علمه عند المخاطب.

(3/236)


تفسير التبيان ج3
وقوله: (ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا) يدل على بطلان قول المجبرة: إن الله تعالى يفعل المعاصي ويريدها، لان الله تعالى نسب إضلالهم إلى أنه بارادة الشيطان على وجه الذم لهم، فلو أراد تعالى أن يضلهم بخلق الضلال فيهم، لكان ذلك أوكد وجوه الذم في إضلالهم. وأصل الضلال الهلاك بالعدول عن الطريق المؤدي إلى البغية، لانه ضد الهدى الذي هوالدلالة على الطريق المؤدي إلى البغية، وله تصرف كثير يرجع إلى هذه النكتة ذكرناه فيما مضى.
وأضله الله معناه: سماه الله ضالا أو حكم عليه به، كما يقال أكفره بمعنى سماه بالكفر، ولايجوز أن يقال أكفره الله بمعنى أنه دعاه إلى الكفر، لانه منزه عن ذلك، فتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
قوله تعالى: (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا(61))
آية.
قال ابن جريج: الداعي إلى حكم الرسول هوالمسلم الذي يدعو المنافق إلى حكم الرسول صلى الله عليه وآله وقال قتادة: هويهودي دعا المنافق إلى حكم الرسول، لعلمه أنه لايجوز في الحكم " وتعالوا " أصله من العلو وهو تفاعلوا، منه كقولك: توافقوا، فاذا قلت لغيرك: تعال، فمعناه ارتفع علي - وان كان في اتخفاض من الارض - لانه جعله كالرفيع بكونه فيه، ويجوز أن يكون أصله للمكان العالي حتى صار لكل مكان.
وقوله: (يصدون عنك صدودا) قيل في سبب صد المنافقين عن النبي صلى الله عليه وآله قولان: أحدهما - لعلهم بأنه لايأخذ الرشا على الحكم وأنه يحكم بمر الحق. والثاني - لعداوتهم للدين.

(3/237)


تفسير التبيان ج3
وصددت الاصل فيه ألايتعدى، لانك تقول: صددت عن فلان أصد بمعنى أعرضت عنه، ويجوز صددت فلانا عن فلان - بالتعدي - لانه دخله معنى منعته عنه.
ومثله رجعت أنا ورجعت غيري، لانه دخله معنى رددته، فلذلك جاز رجعته، " وصدودا " نصب على المصدر على وجه التأكيد للفعل، كقوله: " وكلم الله موسى تكليما "(1) ومعنى ذلك أنه ليس ذلك على بيان كالكلام بل كلمه في الحقيقة.
وقيل في معنى " تكليما " أنه كلمه تكليما شريفا عظيما ويمكن مثله في الآية. ولايكون تقديره رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا عظيما.
قوله تعالى: (فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا(62))
آية.
الاعراب: قيل في موضع كيف من الاعراب قولان: أحدهما - انه رفع بتقدير: فكيف صنيعهم إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم، كأنه قال الاساء ة صنيعهم بالجرأة في كذبهم أم الاحسان بالتوبة من جرمهم. والثاني - انه نصب وتقديره: كيف يكونون أمصرين أم تائبين يكونون؟ ويجوز الرفع على معنى كيف بك.
كأنه قال أصلاح أم فساد؟ المعنى: وقيل في معنى المصيبة في الآية قولان: أحدهما - ذكره الزجاج: ان بعض المنافقين أظهرأنه لايرضى بحكم رسول الله صلى الله عليه وآله، فقتله عمر، ثم جاء إخوانه من المنافقين يطالبون بدمه " يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا " كذبا وزورا.
---
(1) سورة الانفطار: آية 14.

(3/238)


تفسير التبيان ج3
الثاني - ان أصابتهم نقمة من الله لم ينيبوا تائبين من المعصية بل يزدادون جرأة بحلفهم كاذبين بالله عزوجل.
وقال الحسين بن علي المغربي: الآية نزلت في عبدالله بن أبي وما أصابه من الذل عند مرجعهم من غزوة بني المصطلق هي غزوة المريسيع حين نزلت سورة المنافقين، فاضطر إلى الخشوع والاعتذار، وذلك مذكور في تفسير سورة المنافقين أو مصيبة الموت لما تضرع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله في الاقالة والاستغفار واستوهبه ثوبه، ليتقي به النار يقولون: ما أردنا إلا إحسانا وتوفيقا أي بكلامه بين الفريقين المتازعين في غزوة بني المصطلق.
وقوله: (فاعرض عنهم) يأسا منهم (وعظهم) ايجابا للحجة عليهم " وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا " فيه دلالة على فضل البلاغة وحث على اعتمادها.
وقوله: " إن أردنا إلا احسانا أردنا وتوفيقا " معناه قيل فيه قولان: أحدهما - أي ما اردنا بالمطالبة بدم صاحبنا إلااحسانا إلينا، وما وافق الحق في أمرنا. الثاني - ما أردنا بالعدول عنك في المحاكمة توفيقا بين الخصوم، واحسانا بالتقريب في الحكم دون الحمل على مر الحق. كل ذلك كذب منهم وافك.
ان قيل كيف يقتضي الانتقام منهم الاعتذار لما سلف من جرمهم؟ قلنا: عنه جوابان: أحدهما - للتقريع بتعجيل العقاب على ما ارتكبوا من الاثام. الثاني - ان الانتقام قد يكون اقصاء النبي صلى الله عليه وآله واذلاله إياهم، وتخويفه بالنفي أو القتل ان لم ينتهوا عن قبائحهم - هذا قول الجبائي - والحلف: القسم.
ومنه الحلف، لتحالفهم فيه على الامر.
وحليف الجود ونحوه، لانه كالحلف في اللزوم، أو حلف الغلام إذاقارب البلوغ.
قوله تعالى: (أولئك الذين يعلم الله مافي قلوبهم فاعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا(63))
آية.

(3/239)


تفسير التبيان ج3
المعنى: (أولئك) اشارة إلى المنافقين الذين تقدم وصفهم، وإنما قال: يعلم ما في قلوبهم وإن كان معلوما ذلك بدلالة العقل لامرين: أحدهما - تأكيدا لما علمناه. والثاني - انه يفيد أنه لايغنى عنهم كتمان ما يضمرونه شيئا من العقاب، لان الله يعلم ما في قلوبهم من النفاق. وكذلك كل ما ذكره الله مما هو معلوم عند المخاطب. إنما الفائدة في مقارنته بما ليس بمعلوم على جهة الاحتجاج به، أو غيره من الوجوه.
وقوله: (فاعرض عنهم وعظهم) جمع بين معنى الاعراض والاقبال.
وقيل في معناه ثلاثة أوجه: أحدها - فاعرض عنهم بعداوتك لهم، وعظهم.
الثاني - فاعرض عن عقابهم وعظهم.
الثالث - قال الجبائي: أعرض عن قبول الاعتذار منهم.
وقوله: " وقل لهم في أنفسهم قوالا بليغا " قال الحسن: القول البليغ الذي أمر به في الآية أن يقول إن أظهرتم ما في قلوبكم قتلتكم، فهذايبلغ من نفوسهم كل مبلغ.
وقال الجبائي: خوفهم بمكاره تنزل بهم في أنفسهم إن عادوا لمثل ما فعلوه. ويجوز أن يكون المراد ازجرهم عما هم عليه بأبلغ الزجر.
اللغة: وأصل البلاغة البلوغ، تقول: بلغ الرجل بالقول بليغ بلاغة، فهو بليغ: إذا كان بعبارته يبلغ كثير ما في قلبه.
ويقال: أحمق بليغ، وبلغ ومعناه. أنه أحمق يبلغ حيث يريد.
وقيل: معناه قد بلغ في الحماقة.
وفي الآية دلالة على فضل البلاغة، وأنها أحد أقسام الحكمة، لما فيهامن بلوغ المعنى الذي يحتاج إلى التفسير باللفظ الوجيز مع حسن الترتيب.

(3/240)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع باذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما(64))
آية بلاخلاف.
المعنى: " ما " في قوله: " وماأرسلنا " نافية فلذلك قال: " من رسول "، لان (من) لاتزاد في الايجاب، وزيادتها تؤذن باستغراق الكلام كقولك: ما جاء ني من أحد.
والتقدير في الآية: وما أرسلنا رسولا إلا ليطاع، فيمتثل ما نأمره به. والذي اقتضى ذكر طاعة الرسول إعراض هؤلاء المنافقين - الذين تحاكموا إلى الطاغوت - عن طاعته، وهم يزعمون أنهم يؤمنون به حتى كأنه قد قيل لهم: من الايمان أن لاتطيعوه في كل ما يدعوإليه، فبين الله تعالى أنه كغيره من الرسل الذي ما أرسل إلا ليطاع.
وقوله: " باذن الله " معناه بأمر الله الذي دل على وجوب طاعتهم، والاذن على وجوه: يكون بمعنى اللطف، كقوله: " وما كان لنفس أن تؤمن إلا باذن الله "(1) ومنهاالامر مثل هذه الآية. ومنها التخلية نحو " وماهم بضارين به من أحد إلا باذن الله "(2) وقوله: " ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم " معناه إذ بخسوها حقها بادخال الضرر عليها بفعل المعصية من استحقاق العقاب، وتفويت الثواب بفعل الطاعة.
الاعراب والمعنى: وموضع " أنهم " رفع. والمعنى لو وقع مجيئهم في وقت ظلمهم مع استغفارهم " لوجدوالله توابا رحيما " و (لو) موضوعة للفعل، لما فيها من معنى الجزاء تقول: لو كان كذا، لكان كذا. ولايقع بعدها إلا (أن). وإنما اجيز في (أن)
---
(1) سورة يونس: آية 100.
(2) سورة البقرة: آية 102.

(3/241)


تفسير التبيان ج3
خاصة أن تقع بعدها، لانها كالفعل في إفادة معنى الجملة. وفتحت (ان) لانها مبنية على (لو) بترتيبها على نحو ترتيبها بعد العامل فيها.
وفي الآية دلالة على بطلان مذهب المجبرة: من أن الله تعالى يريد أن يعصي الانبياء قوم ويطيعهم آخرون، لانه تعالى بين أنه ما أرسلهم إلا ليطاعوا، واللام لام الغرض ومعناه إلا وأراد من المبعوث إليهم أن يطيعوا. وذلك خلاف مذهبهم. وفيها أيضا دلالة على أن من كان مرتكبا لكبيرة يجب أن يستغفر الله فان الله سيتوب عليه ويقبل توبته، ولاينبغي لاحد أن يستغفر مع كونه مصرا على المعصية بل ينبغي أن يتوب ويندم على ما فعل ويعزم على أن لايعود إلى مثله ثم يستغفر باللسان ليتوب الله عليه.
وقوله: " لوجدوا الله " يحتمل أمرين: أحدهما - لوجدوا مغفرة الله لذنوبهم ورحمته إياهم. والثاني - لعلموا الله توابا رحيما. والوجدان قد يكون بمعنى الادراك، فلا يجوز عليه تعالى أنه تعالى غير مدرك في نفسه.
وذكر الحسن في هذه الآية: أن اثني عشر رجلا من المنافقين اجتمعوا على أمر من النفاق وائتمروا به فيما بينهم، فاخبره الله بذلك، وقد دخلوا على رسول الله، فقال رسول الله: إن اثني عشر رجلا من المنافقين اجتمعوا على أمر من النفاق، وائتمروا به فيما بينهم، فليقم أولئك فليستغفروا ربهم، وليعترفوا بذنوبهم حتى اشفع لهم. فلم يقم أحد. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ألا تقومون؟ مرارا -. ثم قال: قم يافلان وأنت يافلان، فقالوا يارسول الله نحن نستغفر الله ونتوب إليه، فاشفع لنا. قال الآن أنا كنت في إول أمركم أطيب نفسا بالشفاعة، وكان الله تعالى أسرع إلى الاجابة أخرجوا عني، فاخرجوا عنه حتى لم يرهم.
قوله تعالى: (فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما(65))
آية.

(3/242)


تفسير التبيان ج3
قيل في معنى دخول (لا) في أول الكلام قولان: أحدهما - أنها رد لكلام. كأنه قيل لا الامر كما يزعمون من الايمان وهم على تلك الحال من الخلاف، ثم استؤنف قوله: " وربك لايؤمنون حتى.. ".
الثاني - انها توطئة للنفي الذي يأتي فيما بعد، لانه إذا ذكر في أول الكلام وآخره كان أوكد وأحسن، لان النفي له صدر الكلام. وقد اقتضى القسم أن يذكر في الجواب.
النزول: وقيل في سبب نزول هذه الآية قولان: أحدهما - أنها نزلت في الزبير ورجل من الانصار تخاصهما إلى النبي صلى الله عليه وآله في سراح من الحرة كانا يسقيان منه نخلا لهما، فقال النبي صلى الله عليه وآله اسق يازبير ثم ارسل إلى جارك، فغضب الانصاري، وقال: يارسول الله ان كان ابن عمتك؟ ! فتلون وجه رسول الله حتى عرف ان قد ساء ه، ثم قال يازبير احبس الماء إلى الجدد(1) أو إلى الكعبين، ثم خل سبيل الماء، فنزلت الآية.
وقال أبوجعفر (ع) كانت الخصوصة بين الزبير، وحاطب بن أبي بلتعة روي ذلك عن الزبير وأم سلمة. وذهب إليه عمر بن شبه، والواقدي.
وقال قوم وهو اختيار الطبري: إنها نزلت في المنافق واليهودي اللذين احتكما إلى الطاغوت. قال: لان سياق الكلام بهذا أشبه.
اللغة والمعنى: وقوله: (فيما شجر بينهم) معناه فيما وقع بينهم من الاختلاف. تقول شجر يشجر شجرا وشجورا وشاجره في الامر: إذا نازعه فيه مشاجرة، وشجارا وتشاجروا فيه: تشاحوا. وكل ذلك لتداخل كلام بعضهم في بعض كتداخل الشجر بالتفافه.
وفي الآية دلالة على فساد مذهب المجبرة، لانه إذا وجب الرضى بفعل النبي صلى الله عليه وآله فالرضا بفعل الله تعالى أولى، ولو كان خلق الكفر والمعاصي لوجب على الخلق الرضابه وذلك خلاف الاجماع. وقيل في معنى الحرج قولان:
---
(1) أراد مارفع من اعضاد المزرعة لتمسك الماء كالجدار. وفي رواية، قال له: " احبس الماء حتى يبلغ الجدى - بضم الميم وتشديد الدال - " وهي المسناة - عن لسان العرب: (جدد) -.

(3/243)


تفسير التبيان ج3
أحدهما - قال مجاهد هو الشك. وقال الضحاك: الاثم.
وأصل الحرج الضيق فكأنه قال ضيق شك أو اثم وكلاهما يضيق الصدر.
ومعنى الآية أن هؤلاء المنافقين لايؤمنون حتى يحكموا النبي صلى الله عليه وآله فيما وقع بينهم من الاختلاف، ثم لايجدوا حرجا مما قضى به أي لاتضيق صدورهم به، ويسلموا لما يحكم به لايعارضونه بشئ فحينئذ يكونون مؤمنين.
و " تسليما " مصدر مؤكد والمصادر المؤكدة بمنزلة ذكرك للفعل ثانيا كأنك قلت: سلمت تسليما ومن حق التوكيد أن يكون محققا لما تذكره في صدر كلامك، فاذا قلت: ضربت ضربا، فمعناه أحدثت ضربا احقه حقا ولا أشك فيه. ومثله في الآية انهم يسلمون من غير شك يدخلهم فيه.
وقال أبوجعفر (ع): لما حكم النبي صلى الله عليه وآله للزبير على خصمه، لوى شدقه وقال لمن سأله عمن حكم له، فقال: لمن يقضي؟ لابن عمته. فتعجب اليهودي وقال: إنا آمنا بموسى فاذنبنا ذنبا فامرنا الله تعالى بان نقتل أنفسنا، فقتلناها فاجلت عن سبعين ألف قتيل. وهؤلاء يقرون بمحمد صلى الله عليه وآله ويطؤون عقبه ولايرضون بقضيته، فقال ثابت بن الشماس لو أمرني الله أن أقتل نفسي لقتلتها فانزل الله " ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم.. " إلى قوله: " إلا قليل منهم " يعني ابن الشماس ذكره السدي.
قوله تعالى: (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا مايوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا(66))
آية بلاخلاف.
القراء ة، والحجة: قرأ ابن عامر وحده " إلا قليلا " بالنصب، وكذلك هو في مصاحف أهل الشام. الباقون بالرفع.
وقيل: إن النصب قراء ة أبي، فمن رفع فعلى البدل من

(3/244)


تفسير التبيان ج3
المضر كأنه قال: مافعله إلا قليل منهم. وهذايجوز في النفي دون الاثبات، لانه لايجوز أن يقول فعله إلا قليل منهم، لان الفعل ليس للقليل في الاثبات كما هو لهم في النفي.
وقال الكسائي: ارتفع بالتكرار.
والمعنى مافعلوه ما فعله إلا قليل.
ومن نصب فانه قال: الاستثناء بعدتمام الكلام، لان قوله: " ما فعلوه " كلام تام كما أن قولك فعل القوم كلام تام. فاستثنى بعده، ولم يجعل ما بعد إلا عليه الاعتماد. والوجه الرفع، لان الفعل لهم. فهو أدل على المعنى.
وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي " إن اقتلوا " بضم النون وبضم الواوفي قوله: " أو اخرجوا " وقرأ عاصم وحمزة بكسرهما وكسر النون.
وضم الواو أبوعمرو. فمن ضمهما فلان الثالث مضموم أنبع الضمة.
ومن كسرهما فعلى أصل الحركة لالتقاء الساكنين.
وأبوعمرو ضم الواو تشبيها بواو " اشتروا الضلالة "(1). " ولاتنسوا الفضل بينكم "(2).
المعنى: ومعنى قوله: (ولو أنا كتبنا عليهم) أي لو أنا ألزمناهم وأوجبنا عليهم " أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم " أي لو كتبنا عليهم ذلك - كما أوجبنا على قوم موسى وقتلوا أنفسهم وأخرجهم إلى التيه - مافعله هؤلاء للمشقة التي فيه مع أنه كان ينبغي أن يفعلوه، لمالهم فيه من الحظ، لانا لم نكن لنأمرهم به إلا لما تقضيه الحكمة، وما فيه من المصلحة مع تسهيلنا تكليفهم وتيسيرنا عليهم، فمايقعدهم عنه مع تكامل أسباب الخير فيه وسهولة طريقة؟ ولو فعلوا ما يوعظون به أي ما يؤمرون به، لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا.
وقيل في معناه قولان: أحدهما - ان البصيرة أثبت من اعتقاد الجهالة لما يعتري فيها من الحيرة واضطراب النفس الذي يتميز من حال المعرفة بسكون النفس إليه. الثاني - ان اتباع الحق إثبت منفعة لان الانتفاع بالباطل يضمحل بمايعقب
---
(1) سورة البقرة: آية 16، 175.
(2) سورة البقرة: آية 237.

(3/245)


تفسير التبيان ج3
من المضرة وعظيم الحسرة. وفالاول لاجل البصيرة. والثاني لاجل دوام المنفعة.
وقال البلخي معنى الآية أنه لو فرض الله عليهم قتل أنفسهم كما فرض على قوم موسى عندما التمسوا أن يتوب عليهم أو الخروج من ديارهم ما فعلوه. فاذا لم يفرض عليهم ذلك، فليفعلوا ما أمروا به مما هو أسهل عليهم منه، فان ذلك خير لهم وأشد تثبيتا لهم على الايمان. وفي الدعاء اللهم ثبتنا على ملة رسولك. ومعناه اللهم الطف لنا ما نثبت معه على التمسك بطاعة رسولك والمقام على ملته.
قوله تعالى: (وإذا لاتيناهم من لدنا أجرا عظيما(67) ولهديناهم صراطا مستقيما(68))
آيتان بلاخلاف.
قيل: ان " إذا " دخلت ههنا لتدل على معنى الجزاء، كأنه قال ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما جزاء على فعلهم [ ومعنى ] " إذا " جواب وجزاء وهي تقع متقدمة ومتأخرة ومتوسطة وإنما تعمل متقدمة خاصة إلا أن يكون الفعل بعدها للحال نحو إذا أظنك خارجا. وتلغى اذا عن العمل من بين أخواتها لانها تشبه أظن في الاستدراك بها تقول: زيد في الدار أظن فتستدرك بها بعد ما مضى صدر الكلام على اليقين.
وكذلك يقول القائل: أنا أجيئك فتقول: وأنا أكرمك اذن. أردت أن تقول: وأنا أكرمك ثم استدركته باذن. ولدن مبنية ولم تبن عند، لانها أشد إبهاما إذا كانت تقع في الجواب نحو أين زيد، فتقول: عند عمرو، فلايقع لدن هذا الموقع، فجرت لشدة الابهام مجرى الحروف.
ومعنى (لدنا) ههنا من عندنا. وإنما ذكر " من لدنا " تأكيدا للاختصاص، بأنه مالا يقدر عليه إلا الله، لانه قديؤتي بما يجريه على يد غيره. وقد يؤتي بمايختص بفعله. وذلك أشرف له وأعظم في النعمة ولانه متحف بمالايقدر عليه غيره.
وقوله: " ولهديناهم " معناه ولفعلنا من اللطف بهم ما يثبتون معه على الطاعة، ولزوم الاستقامة وإنما لم يفعل بهم هذا اللطف مع الحال التي هم عليها، لانه يخرجهم

(3/246)


تفسير التبيان ج3
من معنى اللطف حتى يصيروا بمنزلة من لالطف له على وجه. ومثله " اهدنا الصراط المستقيم " أي ثبتنا بلطفك على الصراط المستقيم.
وقال أبوعلي: معناه الاخذبهم على طريق الجنة في الآخرة.
قال: ولايجوز أن يكون المراد بالهداية ههنا الارشاد إلى الدين لانه تعالى وعد بهذا من يكون مؤمنا مطيعا. ولايكون كذلك إلا وقد اهتدى، فان قيل: لم جاز أن يمنعوا اللطف لسوء فعلهم. ولم يجز أن يمنعوا لسوء فعل غيرهم إذ قد صاروا بمنزلة من لالطف لهم؟ قلنا: لانهم يؤتون في معاصيهم من قبل أنفسهم ولايجوز أن يؤتوا فيها من قبل غيرهم ولو جاز ذلك لجاز أن يقتطعوا عن التوبة بالقتل فيكونوا قد أوتوا في معاصيهم من قبل المتقطع لهم وتكون التخلية فيه بمنزلة الاماتة. والواجب في هذا ان يمنع غير هذا المكلف من سوء الفعل الذي فيه ارتفاع اللطف. فان كان لطف هذا المكلف متعلقا بفعل غيره، وقد علم انه لايفعله، لم يحسن تكليف هذا المكلف لانه ان منع هذا من الايمان، فسد، وان ترك وسوء الفعل فسد.
واللام في قوله: " ولهديناهم صراطا مستقيما " لام الجواب التي تقع في جواب (لو) كما تقع في جواب القسم.
كما قال امرؤ القيس:
حلفت لها بالله حلفة فاجر
لناموا فما ان من حديث ولاصال(1)
والفرق بين لام الجواب ولام الابتداء ان لام الابتداء لاتدخل إلا على الاسم المبتدأ إلا في باب (ان) خاصة فانها تدخل على الفعل لمضارعته الاسم. يبين ذلك قولك: قد علمت ان زيدا ليقوم. وقد علمت ان زيدا ليقومن فتكسر (ان) الاولى وتفتح الثانية.
وقوله: (صراطا) نصب على أنه مفعول ثان، لانه في معنى مفعول كسوته ثوبا، أي فاكتسى ثوبا. فكذلك ولهديناهم فاهتدوا صراطا.
---
(1) ديوانه: 161 حلفة فاجر: قسم فاسق.
صال: مستدفئ بالنار.
في المطبوعة (حديث) بدل (حديث).

(3/247)


تفسير التبيان ج3
الآية: 70 - 79
قوله تعالى: (ومن يطع الله والرسول فاولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا(69) ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما(70))
آيتان.
المعنى واللغة والنزول: لما جرى ذكر الطاعة فيماتقدم والحض عليها اقتضى ذكر طاعة الله، وطاعة الرسول، والوعد عليها.
وقيل: إنه وعدبامر مخصوص على الطاعة من مرافقة النبيين ومن ذكر معهم وهوأعم فائدة.
ومعنى قوله: (فاولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين " انه يستمتع برؤية النبيين وزيارتهم، والحضور معهم. فلا ينبغي أن يتوهم من أجل أنهم في أعلى عليين انه لايراهم.
وقال الحسن، وسعيد بن جبير، ومسروق، وقتادة، والربيع، والسدي، وعامر: إن سبب نزول هذه الآية ان بعض الناس توهم ذلك، فخزن له، وسأل النبي صلى الله عليه وآله عن ذلك، فانزل الله الآية.
وقيل في معنى الصديق قولان: أحدهما - المداوم على مايوجبه التصديق بالحق. الثاني - ان الصديق هوالمتصدق بما يخلص له من عمل البر. والاول أظهر.
والشهداء جمع شهيد. وهو المقتول في سبيل الله. وفي تسميته شهيدا قولان: أحدهما - لانه قام بشهادة الحق حتى قتل في سبيل الله. والآخر - انه من شهداء الآخرة بما ختم له من القتل في سبيل الله. وليست الشهادة هي القتل، لانها معصية، ولكنها حال المقتول في اخلاص القيام بالحق لله مقرا به، وداعيا إليه.
وقيل: الشهادة هي الصبر على ما أمره الله به من قتال عدوه والانقياد له. فاما الصبر على الالم بترك الانين فليس بممنوع، بل هو مباح إذا لم يقل ما يكرهه الله.
وقال الجبائي: الشهداء جمع شهيد. وهم الذين جعلهم الله شهداء في الآخرة. فهم عدول الآخرة. وهذا على مذهبه بعيد، لان أهل الجنة

(3/248)


تفسير التبيان ج3
كلهم عدول عنده، لان من ليس بعدل لايدخل الجنة. والله تعالى وعدمن يطيعه ويطيع رسوله بأنه يحشره مع هؤلاء. فينبغي أن يكونوا غير الموعود لهم. وإلا يصير تقديره إنهم مع نفوسهم.
والصالح: من استقامت نفسه بحسن عمله. والمصلح المقوم لعمل يحسنه.
ويقال: الله يصلح في تدبير عباده. بمعنى أنه يحسن تدبير عباده. ولايوصف بانه صالح.
الاعراب وقوله: (وحسن أولئك رفيقا) نصب على التميز. ولذلك لايجمع. وهو في موضع رفقاء وقيل إنه لم يجمع، لان المعنى، حسن كل واحد منهم رفيقا كماقال: " يخرجكم طفلا "(1) وقال الشاعر:
نصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا
باسهم أعداء وهن صديق(2)
ومن قال: " رفيقا " نصب على التمييز، قال: لانه قد سمع حسن أولئك من رفقاء، وكرم زيد من رجل.
وقال قوم: هونصب على الحال، فانه قد تدخل (من) في مثله. فاذا سقطت (من) فالحال هو الاختيار، لانه من أسماء الصفات كاسماء الاجناس. ويكون التوحيد لما دخله من معنى حسن كل واحد منهم مرافقا. ونظيره: لله درهم فارسا، أي حال الفروسية.
اللغة: والرفيق: مشتق من الرفق في العمل. وهو الارتفاق فيه. ومنه الترفق في
---
(1) سورة الحج: آية 5، وسورة المؤمن: آية 68.
(2) قائله جرير. ديوانه 2: 20 الطبعة الاولى.
المطبعة العلمية بمصر وروايته (دعون) بدل (نصبن) وفي المطبوعة (باعين) بدل (بأسهم) وأثبتناها كما في جميع المصادر طبقات فحول الشعراء: 351، واللسان (صدق) والعقد الفريد 7: 48 وروايتة (بعثن) بدل (نصبن) وما بعده.
وما ذقت طعم العيش منذنأيتم
وماساغ لي بين الجوانح ريق

(3/249)


تفسير التبيان ج3
السير، ونحوه. ومنه المرافقة. والمرفق من اليد - بكسر الميم - لانه يرتفق به.
ويقال أيضا في العمل نحو قوله: " ويهيئ لكم من أمركم مرفقا "(1) أي رفقا يصلح به أمركم.
والمرفق: بفتح الميم - من مرافق الدار.
والرفقة: الجماعة في السفر، لارتفاق بعضهم ببعض.
وقوله: " ذلك الفضل " اشارة إلى الثواب بالكون مع النبيين، والصديقين. والتقدير ذلك هو الفضل من الله. وهو وإن كان مستحقا، فلم يخرج من أن يكون تفضلا، لان سببه الذي هو التكليف، تفضل.
والفضل: هوالزائد على المقدار إلا أنه قد كثر على ما زاد من الانتفاع. وكل ما يفعله تعالى فهو فضل، وتفضل، وافضال، لانه زائد على مقدار الاستحقاق الذي يجري على طريق المساواة.
وقوله: " وكفى بالله عليما " انما ذكر، ليعلم انه لايضيع عنده شئ من جزاء الاعمال. من حيث كان تعالى: عالما به، وبما يستحق عليه. وتقديره، وكفى بالله عليما بكنه الجزاء على حقه، وتوفير الحظ فيه. ودخلت الباء في اسم الله زائدة للتوكيد.
والمعنى كفى الله ووجه التأكيدأن اتصال الاسم بالفعل من جهة بنائه عليه وجه من وجوه الاتصال واتصاله بالباء وجه آخرمن وجوه الاتصال، فاذا اجتمعا كان أوكد. ووجه آخر هو أن معناه اكتفى العباد بالله. ووجه ثالث وهو أنه توطئة لباب سير بزيد وأكرم بزيد من جهة أن موضعه رفع، وفيه حرف من حروف الجر. والكفاية مقدار مقاوم للحاجة. ولايخلو المقدار من أن يكون فاضلا أو مقصرا أو كافيا، فهذه الاقسام الثلاثة متقابلة.
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا(71))
آية.
المعنى واللغة: هذا خطاب للمؤمنين الذين صدقوا بالله، وبرسوله. ومعناه أيقنوا بالله،
---
(1) سورة الكهف: آية 16.

(3/250)


تفسير التبيان ج3
ورسوله. أمرهم الله أن يأخذوا حذرهم.
وقيل في معناه: قولان: أحدهما - قال أبوجعفر (ع) وغيره: خذوا سلاحكم، فسمي السلاح حذرا لان به يقى الحذر. الثاني - احذروا عدوكم باخذ السلاح، كما يقال للانسان خذ حذرك. بمعنى احذر. والحذر والحذر لغتان. مثل الاذن والاذن. والمثل المثل.
ثم أمرهم بان ينفروا.
والنفور: الفزع نفر ينفر نفورا: إذا فزع.
ونفر إليه: إذا فزع من أمر إليه.
والمعنى انفروا إلى قتال عدوكم. ومنه النفر: جماعة تفزع إلى مثلها. والنفير إلى قتال العدو.
ونفر الحاج يوم الثاني والثالث من التشريق، لانهم يفزعون إلى الاجتماع للرجوع إلى الاوطان.
والمنافرة: المحاكمة للفزع إليها فيما يختلف فيه وقيل: إنما كانت، لانهم يسألون الحاكم أينا أعز نفرا.
ونفره تنفيرا. ونافره منافرة.
وتنافروا تنافرا. واستنفره استنفارا.
وقوله: " ثبات " قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، والسدي: إن معناه انفروا فرقة بعد فرقة، أو فرقة في جهة وفرقة في جهة.
أوانفروا جميعا من غير تفرق بالاوقات، والجهات.
والثبات جمع ثبة وهي جماعات في تفرقة أي يأتون متفرقين.
وقال أبوجعفر: الثبات: السرايا والجميع العسكر.
قال أبوذؤيب:
فلما اجتلاها بالايام تحيرت
ثبات عليها ذلها واكتئابها(1)
يصف العاسل، وتدخينه على النحل.
والايام - بكسر الهمزة على وزن لجام - الدخان ويجمع ثبة على ثبتين، أيضا.
قال زهير:
وقد اغدوا على ثبة كرام نشاوى واجدين لما نشاء(2)
وانما جاز أن يجع ثبة ثبون - وان كان هذا الجمع يختص ما يعقل - للعوض من النقص الذي لحقه، لان أصله ثبوة. ومثله عضين وسنين وعرين. فان صغرت
---
(1) - اللسان (جلا). البيت لابي ذؤيب يصف النحل والعاسل. وفي رواية (اجتلاها) بدن جلاها. يعني جلا العاسل النحل عن مواضعها بالايام وهوالدخان.
(2) - ديوانه: 72. مجاز القرآن لابي عبيدة: 132 واللسان: (ثبا)، (نشو).

(3/251)


تفسير التبيان ج3
قلت ثبيات(1) وسنيات، لان النقص قد زال.
وقيل: ان الثبة عصبة منفردة من (عصب). وتقول ثبيت على الرجل اثبي تثبية: إذا ثنيت عليه. وذكرت محاسنه في حال حياته. وتصغيرثبة ثبية. فاما ثبة الحوض، فهي وسطه. الذي يثوب إليه الماء. وهي من ثاب يثوب، لان تصغيرها ثويبة. [ وقوله: " أو انفروا جميعا " وقد مضى معناه ](2).
قوله تعالى: (وإن منكم لمن ليبطئن فان أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا(72))
آية.
قال الحسن، ومجاهد، وقتادة، وابن جريج، وابن زيد: نزلت هذه الآية في المنافقين الذين كانوا يثبطون الناس عن الجهاد. فاذا أصابتهم مصيبة فيه، من قتل أو هزيمة، قالوا قول الشامت بهم في تلك الحال: قد أنعم الله علينا إذ لم نكن معهم شهداء أي حضورا.
وقال أبوجعفر (ع): من يتمنى التأخر عن جماعة المسلمين، لايكون إلا كافرا.
فقوله: " وان منكم لمن ليبطئن " خطاب للمؤمنين. وانما أضاف المنافقين إليهم لامرين: أحدهما - ان من عدادكم ودخلائكم. الثاني - أي منكم في الحال الظاهرة، أو حكم الشريعة من حقن الدم، ونحو ذلك من الموارثة، والمناكحة. واللام الاولى لام الابتداء بدلالة دخولها على الاسم، والثانية لام القسم بدلالة دخولها على الفعل مع نون التأكيد. وتقديره إن منكم لمن حلف بالله ليبطئن. وانما جاز صلة " من " بالقسم، ولم يجز بالامر والنهي لان القسم خبر يوضح الموصول، كما يوضح الموصوف في قولك: مررت برجل لتكرمنه، لانه خصصه بوقوع الاكرام به في المستقبل من كل رجل غيره. وليس كذلك
---
(1) - في المخطوطة زيادة: " على الاصل انثى ثبية " - في هذا الموضع.
(2) - مابين القوسين ساقط من المطبوعة وهو موجود في المخطوطة.

(3/252)


تفسير التبيان ج3
الامر في قولك: مررت برجل أضربه، لانه لايتخصص بالضرب في الامر كما، تخصص في الخبر.
قال: الفراء تدخل اللام في النكرات وفي من وما والذى. فاذا جئت بالمعرفة الموقتة، لم يجز ادخال اللام فيها. لاتقول إن عبدالله ليقومن وان زيدا ليذهبن، لان زيدا، وعبدالله، لايحتاجان إلى صلة، والابطاء: اطالة مدة العمل لقلة الانبعاث.. ضده الاسراع. وهو قصر مدة العمل، للتدبير فيه.
والاناة: اطالة الاحكام الذي لاسبيل إليه إلا بالتثبت فيه. وضدها العجلة وهي قصر المدة من غير إحكام الصنعة تقول: بطؤ في مشيه يبطؤ بطاء: إذاثقل وتباطأ تباطيا وبطأتبطيا واستبطأ استبطاء وأبطأ إبطاء: إذا تأخر.
قوله تعالى: (ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ياليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما(73))
آية بلاخلاف.
المعني بهذه الآية المنافقون الذين وصفهم الله بانهم يفرحون بتأخرهم عن المؤمنين إذا اصيبوا، وانهزموا. فاخبر عنهم انه إذا أصاب المؤمنين فضل من الله بان يظفروا أو يقهروا العدو، بانهم يتمنون الكون معهم، فيفوزوا فوزا عظيما.
وانما ذمهم الله بهذا التمني لاحد أمرين: أحدهما - لانهم قالوه على وجه ايثار الغنيمة لاعلى حال المثوبة من جهة الله لشكهم في الجزاء من الله. الثاني - قال قتادة وابن جريج انهم قالوا: ذلك على جهة الحسد للمؤمنين.
والاصابة. ملامسة المرمي لما وقعت به الرمية.
فاذا قيل: أصاب - مطلقا - فمعناه أصاب الغرض.
ويجوز أن ينفي فيقال: لم يصب، يعني الغرض، وان أصاب غيره.

(3/253)


تفسير التبيان ج3
وقوله: " كان لم تكن بينكم وبينه مودة " قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها - انه اعتراض بين القول، والتمني، ولايكون له موضع من الاعراب. وتقديره ليقولن: ياليتني كنت معهم، فافوز فوزا عظيما. كأن لم يكن بينكم وبينه مودة.
الثاني - أن يكون اعتراضا وموضعه التقديم. وتقديره فان أصابتكم مصيبة، قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا كأن لم يكن بينكم، وبينه مودة. واختار هذا الوجه أبوعلي النحوي.
الثالث - أن يكون في موضعه على موضع الحال.
كما تقول: مررت بزيد كأن لم يكن بينك وبينه معرفة فضلا عن مودة.
والزجاج أجاز الوجوه الثلاثة.
المعنى: وفي معنى الآية قولان: أحدهما - قال الجبائي: المعنى ليقولن لهؤلاء الذين أقعدهم عن الجهاد، كأن لم يكن بينكم وبينه أي وبين محمد صلى الله عليه وآله مودة، فيخرجكم لتأخذوا من الغنيمة، ليبغضوا إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله. الثاني - انه يقول قول الممنوع بالعداوة. وانما أنى من جهله بتلك الحال. وهوالاظهر.
والمعنى كأنه لم يعاقد كم على الايمان ولم يظهر لكم مودة على حال يخاطبون بذلك من اقعدوه عن الخروج، ثم يقول من قبل نفسه: ياليتني كنت معهم.
وقال الحسين بن علي المغربي: المعنى ليس الكون معهم في الخبر، والشر، كأهل المودات، وانما يتمنون ذلك عند الغنيمة كالبعداء يذمهم بسوء العهد مع سوء الدين. وانما نصب جواب التمني بالفاء، لانه مصروف عن العطف محمول على تأويل المصدر. وتقديره ياليتني كان لي حضور، معهم ففوز. ولوكان على العطف، لكان ياليتني كنت معهم ففزت.
وقرأ أبوجعفر المدني، وحفص، ورويس، والبرجمي: " كان لم تكن " - بالتاء - لان لفظة المودة مؤنثة. ومن قرأ بالياء، فلان التأنيث ليس بحقيقي، ومع ذلك قدوقع فصل بين الفعل، والفاعل.

(3/254)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما(74))
آية.
لما أخبر الله تعالى في الآية الاولى ان قوما من المنافقين يثبطون المؤمنين عن جهاد العدو والقتال في سبيل الله، حث في هذه الآية على الجهاد، بأن قال: لاتلتفتوا إلى تثبيط المنافقين، وقاتلوا في سبيل الله بائعين للدنيا بالآخرة، إذ لكم بذلك أعظم الاجر وأكبر الحظ.
وقال الزجاج: فليكن من الذين يقاتلون في سبيل الله أو عمن كان بينه وبينكم عقد مودة.
ومعنى (يشرون الحياة الدنيا بالآخرة) يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة. وبيعهم إياها بالآخرة هو استبدالهم إياها بالآخرة ببذلهم أنفسهم، وأموالهم في سبيل الله، وبتوطين أنفسهم على الجهاد في طاعة الله.
يقال: شريت بمعنى بعت. واشتريت: ابتعت.
ويشرون: يبيعون - في قول الحسن، والسدي، وابن زيد، وجميع أهل اللغة -.
قال يزيد بن مفرغ:
وشريت بردا ليتني
من بعد برد كنت هامة
وبرد اسم غلامه.
وشريته بمعنى بعته. وفي الآية حذف.
والتقدير يشرون الحياة الدنيا بالحياة الآخرة.
كأنه قال: يبيعون الحياة الفانية بالحياة الباقية.
ويجوز يبيعون الحياة الدنيا بنعيم الآخرة، ثم قال: (ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب). فالوعد على القتال، لاعلى القتل، والغلبة.
وقوله: " فيقتل " عطف على يقاتل. ولذلك جزمه والجواب قوله: " فسوف نؤتيه " وإنما قال: أو يغلب، لان الوعد على القتال حتى ينتهي إلى تلك الحال، لانه أعظم الجهاد. وعليه أعظم الاجر.

(3/255)


تفسير التبيان ج3
والاجر العظيم هو أعلى أثمان العمل. وذلك أن ثمن العمل على ثلاثة أوجه. ثمن أعلى، وثمن أدنى، وثمن أوسط بينهما فالله تعالى يثامن عليه بالثمن الاعظم الاعلى، فلذلك حسن وصف الاجر بالعظم من غير تقييد له، إذ كان لا ثمن أعظم مما يثامن الله عليه في ذلك العمل.
قوله تعالى: (ومالكم لاتقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والوالدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا(75))
آية.
المعنى والاعراب: معنى قوله: " ومالكم " أي شئ لكم. و " لاتقاتلون " في موضع الحال كأنه قال: أي شئ لكم تاركين، أي في حال القتال مع هذه الامورالتي تقتضي الحرص على الجهاد، أي لا عذر لكم ألا تقاتلوافي سبيل الله، ومثله قوله: " فما لهم عن التذكرة معرضين "(1) وقوله: " والمستضعفين " خفض بالعطف على ما عملت فيه (في) وتقديره في المستضعفين.
وقيل في معناه قولان: أحدهما - وعن المستضعفين، فوقع (في) موقع (عن) فاذا ذكرت (عن) فلصرف الاذى عنهم إذ كانت لما عدا الشئ وإذا ذكرت (في) فلان القتال مضمن بهم، لخلاصهم، إذا كانت في للوعاء.
الثاني - ان يكون على محذوف، وتقديره وفي اعزاز المستضعفين، وقد قال المبرد: هو عطف على اسم الله بتقدير، وسبيل المستضعفين " من الرجاء والنساء والوالدان ".
---
(1) سورة المدثر: آية 50

(3/256)


تفسير التبيان ج3
اللغة والمعنى: والوالدان جمع ولدعلى مثال خرب وخربان، وبرق وبرقان، وورل وورلان، مثل ولد وولدان، وهومن ابنية الكثير، والاغلب على بابه فعال نحو جبال وجمال.
وقوله: " الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها " قال ابن عباس والحسن وابن أبي نجيح، والسدي ومجاهد وابن زيد: إنها مكة، لان أهل مكة كانوا قد اجتهدوا أن يفتنوا قوما من المؤمنين عن دينهم، والاذى لهم وكانوا مستضعفين في أيديهم.
وقال تعالى " مالكم " لاتسعون في خلاصهم. وهم يسمون كل مدينة قرية، وإنما جاز أن يجري صفة ظالم على الاول وهو في المعنى للثاني، لانها قوية في العمل لقربها من الفعل متمكنة من الوصف بأنها تصرف تصرفه في التأنيث والتذكير والتثنية، والجمع، خلاف باب أفعل منك، فلذلك جاز مررت برجل ظالم أبوه، ولم يجز مررت برجل خير منه أبوه. والولي القيم بالامر حتى يستقذهم من أمر أعدائهم، لانه يتولى الامر بنفسه، ولايكله إلى غيره.
وحكى أبوعلي ان منهم سلمة بن هشام، والوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة وأبوجندل بن سهيل، وانما قال: (يقولون.. الظالم أهلها) وان كان فيهم الولدان لاينطقون تغليبا للاكثر، كقولك قال أهل البصرة، وإن كان قولا لبعضهم.
قوله تعالى: (الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا(76))
آية بلاخلاف.
المعنى: أخبر الله تعالى في هذه الآية أن الذين صدقوا بالله، ورسوله يقاتلون في سبيل الله، وفي معنى سبيل الله قولان:

(3/257)


تفسير التبيان ج3
أحدهما - طاعة الله، لانها تؤدي إلى ثواب الله في جنته التي أعدها لاوليائه.
الثاني - قال أبوعلي: إنه دين الله الذي شرعه الذي يؤدي إلى ثوابه ورحمته.
وتقديره في نصرة دين الله، ثم قال: " والذين كفروا " يعني الذين جحدوا آيات الله الدالة على توحيده، ونبوة نبيه.
وقوله: " يقاتلون في سبيل الطاغوت " قد فسرناه فيما مضى.
فقال قوم: هوالشيطان. وقال آخرون: هوماعبد من دون الله.
والاول قول الحسن والشعبي. والثاني حكاه الزجاج.
وقال أبوالعالية: هوالكاهن.
وهو يؤنث ويذكر قال الله تعالى: " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به "(1) فذكره وقال: " والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها "(2) فانث قال أبوعبيدة هو ههنا في موضع جماعة، كماقال: " حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير "(3) وكان المراد به الجنس.
وقوله: " فقاتلوا أولياء الشيطان " يقوي قول من قال: المراد بالطاغوت الشيطان.
وقوله: " إن كيد الشيطان كان ضعيفا " إنما دخلت (كان) ههنا مؤكدة لتدل على ان الضعف لكيد الشيطان لازم في جميع الاوقات فيما مضى، والحال، والمستقبل. وليس هو عارضا في حال دون حال. والكيد السعي في فساد الحال على وجه الاحتيال تقول كاده يكيده كيدا، فهو كائد له. إذا عمل في ايقاع الضرر به على وجه الحيلة عليه. وانما وصف تعالى كيد الشيطان، بالضعف لامرين:
أحدهما - لضعف نصرته، لاوليائه بالاضافة إلى نصرة الله المؤمنين - ذكره الجبائي - وقال الحسن: أخبرهم أنهم سيظهرون عليهم، فلذلك كان ضعيفا.
الثاني - لضعف دواعي أوليائه إلى القتال بانها من جهة الباطل إذ لانصير لهم. وانما يقاتلون بما تدعو إليه الشبهة. والمؤمنون يقاتلون بماتدعو إليه الحجة.
---
(1) سورة النساء: آية 59.
(2) سورة الزمر: آية 17.
(3) سورة المائدة: آية 4.

(3/258)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا(77))
آية بلاخلاف.
القراء ة، والحجة: قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف، والحلواني عن هشام ولا يظلمون بالياء. الباقون بالتاء. فمن قرأبالياء حمل الكلام على لفظ الغيبة ومن قرأ بالتاء فعلى المواجهة.
النزول: وقيل في سبب نزول هذه الآية قولان: أحدهما - قال ابن عباس، والحسن، وعكرمة، وقتادة، والسدي: انها نزلت في ناس من الصحابة استأذنوا النبي صلى الله عليه وآله قال ابن عباس: منهم عبدالرحمن ابن عوف. وهم بمكة في قتال المشركين. فلم ياذن لهم: فلما كتب عليهم القتال. وهم بالمدينة قال فريق منهم ما حكاه الله في الآية. فان قيل: كيف. وز ذلك، والله تعالى يقول: " كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " فامرهم باقامة الصلاة وايتاء الزكاة، ولم تكن الزكاة فرضت بمكة؟ قيل: قد قال البلخي في ذلك: إنه يجوز أن يكون قوم من المنافقين عرضوا على رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك والاقوى عندي أن يكون الله قال ذلك على وجه الندب، والاستحباب دون الزكاة المقدرة على وجه مخصوص.
الثاني - قال مجاهد: نزلت في اليهود. نهى الله هذه الامة أن يصنعوا مثل صنيعهم.

(3/259)


تفسير التبيان ج3
المعنى: قوله: (ألم تر) معناه ألم ينته علمك إلى هؤلاء تعجيبا من ذلك.
ولو قال: ألم تر هؤلاء أو ألم تعلم هؤلاء لم يظهر فيه معنى التعجب منهم كمايظهر ب (إلى)، لانها تؤذن بحال بعيدة قد لاينتهي إليها، لبعدها، لما فيها من العجب الذي يقع بها.
وقوله: (الذين قيل لهم كفوا أيديكم) يعني حين طلبوا القتال وقيل لهم: اقتصروا على اقامة الصلاة وإيتاء الزكاة (فلما كتب عليهم القتال) يعني الجهاد (إذا فريق منهم) يعني جماعة (يخشون الناس كخشية الله) قال الحسن: هو من صفة المؤمنين لما طبعوا عليه من البشرية والخوف، لاعلى وجه كراهة المخالفة.
وقال أبوعلي: هومن صفة المنافقين، لانهم كانوا كذلك حرصا منهم على الدنيا والبقاء فيها والاستكثار منها وقال يخشون القتل من قبل المشركين كما يخشون الموت من قبل الله.
وقوله: (أوأشد خشية) ليس معنى (أو) ههنا الشك، لان ذلك لايجوز عليه تعالى.
وقيل في معناها قولان: أحدهما - أنها دخلت للابهام على المخاطب. والمعنى أنهم على احدى الصفتين. وهذا أصل (أو) وهو معنى واحدعلى الابهام.
الثاني - على طريق الاباحة نحو قولك: جالس الحسن أو ابن سيرين. ومعناه إن قلت يخشون الناس كخشية الله فانت مصيب، وان قلت يخشونهم أشد من ذلك فأنت مصيب لانه قد حصل لهم مثل تلك الخشية وزيادة.
وقولهم: " لم كتبت علينا القتال " معناه ألزمتنا وأوجبت علينا.
وقوله: (لولا أخرتنا) معناه هلا أخرتنا " إلى أجل قريب وهو إلى أن نموت بآجالنا فأعلمهم الله تعالى أنه متاع الدنيا قليل، وأن الآخرة خير لاهل التقى وأعلمهم أن آجالهم لاتخطئهم " ولايظلمون فتيلا " أي لايبخسون هذا القدر، وكيف ما زادعليه.

(3/260)


تفسير التبيان ج3
والفتيل: ماتقتله بيدك من الوسخ ثم تلقيه في قول ابن عباس.
وقيل: هو مافي شق، النواة، لانه كالخيط المفتول في شق النواة.
قوله تعالى: (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا(78))
آية بلاخلاف.
اللغة والمعنى: أعلمهم الله تعالى في هذه الآية أن الآجال لاتخطئهم، ولاتنفعهم الخشية من القتل ولو كانوافي بروج مشيدة، وأينما كانوا من المواضع أدركهم الموت بمعنى أصابهم. " وأينما " كتبت موصولة.
وفي قوله: " ان ماتوعدون " مفصولة، لان الاولى زائدة. والثاني - بمعنى الذي ففصلت هذه كما تفصل الاسماء، ووصلت تلك كما توصل الحروف.
وقيل في معنى البروج ثلاثة أقوال: أحدها - قال مجاهد، وابن جريج: هي القصور. الثاني - قال السدي، والربيع: هي قصور في السماء، باعيانها.
وقال الجبائي: هي البيوت التي تكون فوق الحصون. وأصل البروج الظهور.
يقال تبرجت المرأة: إذا أظهرت محاسنها.
والبرج - في العين - اتساعها لظهورها بالاتساع.
والمشيدة: المزينة بالجص. وهوالشيد.
قال الجبائي: معناه المجصصة.
وقال الزجاج، وغيره: معناه المطولة في ارتفاع.
وقال قوم: المشدد، والمخفف سواء إلا من جهة تكثير الفعل.
وقال آخرون: المشيدة بالتشديد - المطولة.
والمشيدة بالتخفيف - المطلية بالجص والنورة.
والشيد رفع البناء. تقول شاد بناء يشيده شيدا: إذا رفعه.

(3/261)


تفسير التبيان ج3
والشيد: الجص، لانه مما يرفع به البناء. ويجوز أشاد الرجل بناء ه.
فأما بالذكر فتقول أشاد بذكره لاغير: إذا رفع منه.
وقوله: (وان تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وان تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك) حكاية عن المنافقين، وصفة لهم. في قول الحسن، وأبي علي وأبي القاسم.
وقال الزجاج: قيل: هوفي صفة اليهود.
وبه قال الفراء. وذلك أن اليهود، لما قدم النبي صلى الله عليه وآله المدينة، فكانوا إذا زكت ثمارهم، واخصبوا، قالوا هذا من عند الله، فاذا أجدبوا، وخاست ثمارهم، قالوا هذا لشؤم محمد صلى الله عليه وآله. وفي معنى الحسنة، والسيئة ههناقولان: قال ابن عباس، وقتادة، وأبوالعالية: هوالسراء والضراء والبؤس. والرخاء، والنعمة والمصيبة، والخصب، والجدب.
وقال الحسن، وابن زيد: هو النصر، والهزيمة.
وقوله: (من عندك) قيل في معناه قولان: أحدهما - قال ابن زيد: معناه بسوء تدبيرك. والثاني - قال الجبائي، والبلخي، والزجاج. أي بشؤمك الذي لحقنا كما حكي عن قوم موسى (وان تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه) فامر الله تعالى نبيه أن يقول: إن جميع ذلك من عندالله، ثم قال: " فما لهؤلاء القوم لايكادون يفقهون حديثا " قال الفراء: (مال) كثرت في الكلام حتى توهموا أن اللام متصلة بما، وانهاحرف واحد، ففصلوا اللام بماخفضت في بعض المواضع، ووصلوهافي بعض المواضع. والاتصال الوجه. والوقف عل اللام، لايجوز، لانها لام الخفض.
والمعنى أي شئ لهؤلاء القوم، لايفقهون حديثا، أي لايفهمون معناه. تقول: فقه الرجل يفقه فقهاوالاسم الفقيه: وصار بعرف الاستعمال علما على علم الفقهاء من علوم الدين.
وفقه الرجل يفقه فقها: إذا صار فقيها.
وأفقهته: أفهمته والتفقه: تعلم الفقه وتفاقه: إذا تعاطى ليرى انه فقيه. وليس هوكذلك.
ومثله تعالم وقيل: معنى الحديث ههنا القرآن.
وقوله: (لايكادون) معناه لايقاربون فيه معنى الحديث الذي هو القرآن، لانهم بعيدون منه باعراضهم عنه، وكفرهم به ولا

(3/262)


تفسير التبيان ج3
يفهمون ان ما ذكرناه من السراء، والضراء، والشدة والرخاء على ما وصفناه.
قوله تعالى: (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا(79))
آية بلاخلاف.
المعنى: قال الزجاج: هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وآله. والمراد به الامة.
كما قال (ياأيها النبي إذا طلقتم النساء)(1) فان المراد به الامة.
وقال قوم: المخاطب به الانسان، كأنه قال: ما أصابك أيها الانسان - في قول قتادة، والجبائي -.
وقيل في معنى الحسنة والسيئة ههنا قولان: أحدهما - قال ابن عباس، والحسن: الحسنة ما أصابه يوم بدر من الظفر، والغنيمة. والسيئة ما أصابه يوم أحد من كسر رباعيته صلى الله عليه وآله، والهزيمة.
وقال الجبائي: معناهما النعمة، والمصيبة. ويدخل في النعمة نعمة الدنيا، والدين. وفي المصيبة مصائب الدنيا، والدين إلا أن أحدهما من عمل العبد للطاعة، وماجر إليه ذلك العمل.
والآخر - من عمل العبد للمعصية وما جر إليه عمله لها.
وهذا يوافق الاول الذي حكيناه عمن تقدم.
والثاني - ان الحسنة، والسيئة: الطاعة، والمعصية - ذكره أبوالعالية، وأبوالقاسم - ويكون المعنى ان الحسنة التي هي الطاعة باقدار الله، وترغيبه فيها، ولطفه لها.
والسيئة بخذلانه على وجه العقوبة له على المعاصي المقدمة.
وسماه سيئة كما قال: " وجزاء سيئة سيئة مثلها "(2) والتقدير ما أصابك من ثواب حسنة
---
(1) - سورة الطلاق: آية / 1.
(2) - سورة الشورى: آية 40.

(3/263)


تفسير التبيان ج3
فمن الله، لانه الذي عرضك للثواب، وأعانك عليها. وماأصابك من عقاب سيئة فمن نفسك، لانه تعالى نهاك عنها، وزجرك عن فعلها. فلما ارتكبتها كنت الجاني على نفسك. وانما احتاج إلى التقدير، لان ما أصابك ليس هو ما أصبته. ويجوز أن يكون المراد بالسيئة ما يصيبهم في دار الدنيا من المصائب، لانه لايجوز أن يكون ذلك عقابا أو بعض ما يستحقونه.
وقوله: " فمن نفسك " معناه فبذنبك في قول الحسن، وقتادة، والسدي، وابن جريج، والضحاك.
قال البلخي: مصيبة هي كفارة ذنب صغير، أو عقوبة ذنب كبير. ويحتمل أن يكون المراد أو تأديب وقع لاجل تفريط.
فان قيل: كيف عاب قول المنافقين في الآية الاولى، لما قالوا إذا أصابتهم حسنة انها من عندالله، وإذا إصابتهم سيئة، قالوا هذه من عندك.
وقد اثبت مثله في هذه الآية؟ قلنا عنه جوابان: أحدهما - ان ذلك على وجه الحكاية. والتقدير يقولون: ما أصابك من حسنة، فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك. ويكون (يقولون) محذوفا، لدلالة سياق الكلام عليه.
الثاني - ان معناهما مختلف، فالاول عند أكثر أهل العلم ان المراد به النعمة، والمصيبة من الله تعالى. وفي الآية الثانية المراد به الطاعة، والمعصية. فلما اختلف معناهما، لم يتناقضا.
ويكون وجه ذكر هذه الآية عقيب الاولى ألا يظن ظان ان الطاعات والمعاصي من فعل الله، لما قال في الآية الاولى: (قل كل من عند الله) وفي الآية دلالة على فساد مذهب المجبرة، لانه تعالى قال: " فمن نفسك " فاضاف المعصية إلى العبد ونفاها عن نفسه تعالى. ولو كانت من خلقه، لكانت منه على أوكد الوجوه. ولاينافي ذلك قوله في الآية الاولى " كل من عندالله " لانا بينا وجه التأويل فيه.
قال الرماني: وفي الآية دلالة على أنه تعالى، لايفعل الالم إلا على وجه اللطف، أو العقاب دون العوض فقط، لان المصائب إذا كانت كلها من قبل ذنب العبد، فهي اما عقوبة، واما من قبل تأديب المصلحة.
وقوله: (وأرسلناك للناس رسولا) معناه من الحسنة ارسالك يامحمد (صلى

(3/264)


تفسير التبيان ج3
الله عليه وآله) ومن السيئة خلافك يامحمد صلى الله عليه وآله وكفى بالله شهيدا لك وعليك.
والمعنى وكفى الله.
وقوله: (ما أصابك من حسنة) معنى " من " هنا للتبيين ولو قال: إن أصابك من حسنة كانت زائدة لامعنى لها.
الاعراب والحجة: (ورسولا) نصب بارسلناك، وانما ذكره تأكيدا لان أرسلناك دل على أنه رسول، " وشهيدا " نصب على التمييز، لانك إذا قلت كفى الله ولم تبين في أي شئ الكفاية كنت مبهما.
وقوله: " وما أصابك من سيئة فمن نفسك " دخلت الفاء في الجواب لان معنى (ما) من وادخل من على السيئة، لان ما نفي و (من) يحسن ان تزاد في النفي مثل ما جاء ني من أحد.
الآية: 80 - 89
قوله تعالى: (من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا(80))
آية.
بين الله تعالى بهذه الآية أن طاعة الرسول صلى الله عليه وآله طاعة الله. وانما كان كذلك، لان طاعة الرسول بامر الله، فهي طاعة الله على الحقيقة، وبارادته وان كانت أيضا طاعة للنبي من حيث وافقت ارادته المستدعية للفعل. فاما الامر الواحد، فلايكون من آمرين كما لا يكون فعل واحد من فاعلين.
وقوله: (ومن تولى) أي اعرض ولم يطع " فما أرسلناك عليهم حفيظا " وقيل في معناه ثلاثة أقوال: أحدها - قال ابن زيد: حافظا لهم من التولي حتى يسلموا.
والثاني - حافظا لاعمالهم التي يقع الجزاء عليها، لان الله تعالى هوالمجازي عليها.
الثالث - قال أبوعلي: حافظا لهم من المعاصي حتى لاتقع.

(3/265)


تفسير التبيان ج3
قال ابن زيد: هذا أول مابعث، كما قيل له: " ان عليك إلا البلاغ "(1) ثم أمر فيما بعد بالجهاد ووجه جواب الجزاء في قوله: " فما أرسلناك عليهم حفيظا " من المعاصي حتى لاتقع - في قول أبي علي - وعلى القول الآخر لانك لم ترسل عليهم حفيظا لاعمالهم التي يقع الجزاء عليها، فتخاف أن لاتقوم بها. وفي الآية دلالة على ان الرسول لايأمر بالخطأ، لان الله تعالى جعل طاعته طاعة نفسه. والله لايأمر بالخطأ بلا خلاف.
النظم: ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها انه لما ذكر الحسنة التي هي نعمة من الله، بين أن منها ارسال نبي الله ثم بين أن منها طاعة الرسول التي هي طاعة الله. فهو في ذكر نعم الله مجملة، ومفصلة. وفيها تسلية للنبي صلى الله عليه وآله في تولي الناس عنه وعن الحق الذي جاء به، مع تضمنها تعظيم شأنه بكون طاعته طاعة الله.
قوله تعالى: (ويقولون طاعة فاذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون فاعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا(81))
آية بلاخلاف.
قرأ أبوعمر بادغام التاء في الطاء.
وبه قرأ حمزة: والباقون بالاظهار والفتح.
وفرق الكسائي بين بيت طائفة فاظهر في الفعل وادغم في الاسم إذا قال بيتت طائفة.
قال المبرد، والزجاج: لاوجه لذلك، بل هما سواء. وانماحسن ادغام التاء في الطاء، لقرب مخرجهما. ولم يجز إدغام الطاء في التاء، لما فيها من الاطباق. وكذلك يجوز إدغام الباء في الميم في " تكتب ما يبيتون " ولايجوز ادغام الميم في الباء نحو " لااقسم بهذا البلد " لانه يخل باذهاب الغنة في ذلك، ولايخل بها في الاول.
---
(1) سورة الشورى: آية 48.

(3/266)


تفسير التبيان ج3
ويحتمل رفع طاعة وجهين: أحدهما - أمرنا طاعة. والثاني - منا طاعة.
قال الزجاج: الاول أحسن، لانه أجمع. ويجوز طاعة " نصبا " على معنى نطيع طاعة. ولم يقرأ به. ومن القائلون لهذا القول؟ قيل فيه قولان: [ أحدهما ] - قال الحسن، والسدي، والضحاك: هم المنافقون. الثاني - انهم الذين حكى عنهم انهم يخشون الناس كخشية الله أوأشد خشية وقوله: (فاذا برزوا من عندك) يعني خرجوا من عندك بيت طائفة منهم يعني دبر جماعة منهم ليلا.
قال المبرد: التبييت كل شئ دبر ليلا.
وقال الجبائي معناه دبروه في بيوتهم وهذا بعيد لاوجه له في اللغة.
قال الرماني: وفيه معنى الاخفاء في النفس، وكذلك لايوصف تعالى به.
قال عبيدة بن همام:(1)
أتوني فلم أرض ما بيتوا
وكانوا أتوني بشئ نكر
لانكح أيمهم منذرا
وهل ينكح العبد حر لحر؟ !(2)
ومعنى " بيت طائفة منهم غير الذي تقول " [ أي غير ما تقول بأن اضمروا الخلاف فيما أمرتهم به أو نهيتهم عنه - هذا قول ابن عباس، وقتادة: والسدي.
وقال الحسن: قدرت طائفة منهم ](3) غير الذي تقول على جهة التكذيب.
وقوله: (والله يكتب ما يبيتون) فيه قولان: الاول - نكتبه في اللوح المحفوظ ليجازوا به.
الثاني - قال الزجاج: يكتب بان ينزله اليك في الكتاب. ثم أمرالله نبيه
---
(1) قيل هو أخوبني العدوية من بني مالك بن حنظلة من بني تيم وقيل: عبيد بن همام التغلبي وقيل غيرذلك.
(2) مجاز القرآن 1: 133، الحيوان 4: 376 الكامل للمبرد 2: 35، 106، الازمنة والامكنة للمرزوقي 1: 263، ديوان الاسود بن يعفر النهشلي: أعشى بني نهشل في ديوان الاعشيين: 298، واللسان (تكر).
(3) ما بين القوسين ساقط من المطبوعة. وهوفي المخطوطة.

(3/267)


تفسير التبيان ج3
بالاعراض عنهم، وألاتسميهم باعيانهم ابقاء عليم، وبستر أمورهم إلى أن يستقر أمر الاسلام. وأمره بان يتوكل عليه " وكفى بالله وكيلا " يعني حفيظا، لما يجب تفويضه إليه من التدبير. وأصل الوكيل القائم بما فوض إليه من التدبير. ومعنى بيت اضمر. وأصله إحكام الامر ليلا من البيات.
قوله تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا(82))
آية.
المعنى: هذا الآية تدل على أربعة أشياء:
أحدها - على بطلان التقليد، وصحة الاستدلال في اصول الدين، لانه حث ودعا إلى التدبر. وذلك لايكون إلابالفكر والنظر.
والثاني - يدل على فساد مذهب من زعم ان القرآن، لايفهم معناه إلا بتفسير الرسول له من الحشوية، والمجبرة، لانه تعالى حث على تدبره، ليعلموابه.
الثالث - يدل على أنه لو كان من عند غيرالله، لكان على قياس كلام العباد من وجود الاختلاف فيه.
الرابع - تدل على أن المتناقض من الكلام ليس من فعل الله، لانه لوكان من فعله، لكان من عنده، لامن عند غيره.
اللغة: والتدبر: هوالنظر في عواقب الامور. وأصله الدبر.
والتدابر: التقاطع، لان كل واحد يولي الآخر دبره، بعداوته له.
ودبر القوم يدبرون دبارا: إذا هلكوا، لانهم يذهبون في جهة الادبار عن الغرض.
وادبر القوم: إذا ولى أمرهم عن الرشد.

(3/268)


تفسير التبيان ج3
والدبر: النحل.
والدبر: المال الكثير.
والتدبير: اصلاح الامر لعاقبة.
وفي الحديث " لاتدابروا " أي لاتكونوا أعداء.
والفرق بين التدبر والتفكران التدبر تصرف القلب بالنظر في العواقب، والتفكر تصرف للقلب بالنظر في الدلائل.
والاختلاف: هو امتناع أحد الشيئين أن يسد مسد الآخر فيما يرجع إلى ذاته كالسواد الذي لايسد مسد البياض، وكذلك الذهاب في الجهات المختلفة جهة الخلف، والقدام واليمين، والشمال.
وقيل في معنى الاختلاف ههنا ثلاثة أقوال: أحدها - قال أبوعلي من جهة بليغ، ومرذول.
وقال الزجاج: الاختلاف في الاخبار بما يسرون.
الثالث - قال قتادة، وابن زيد: اختلاف تناقض من جهة حق، وباطل.
والاختلاف على ثلاثة اضرب: اختلاف تناقض، واختلاف تفاوت، واختلاف تلاوة. وليس في القرآن اختلاف تناقض، ولااختلاف تفاوت، لان اختلاف التفاوت هو في الحسن والقبح، واخطأ والصواب، ونحو ذلك مما تدعو إليه الحكمة أويصرف عنه. وأما اختلاف التلاوة، فهو ماتلاء م في الحسن، فكله صواب، وكله حق. وهو اختلاف وجوه القراء ات واختلاف مقادير الآيات والسور واختلاف الاحكام في الناسخ والمنسوخ. ومن اختلاف التناقض ما يدعو فيه أحد الشيئين إلى فساد الآخر. وكلاهما باطل. نحو مقدارين وصف أحدهما بأنه أكبر من الآخر ووصف الآخر بأنه أصغر منه، فكلاهما باطل إذ هو مساو له.
وفي الناس من قال: انتفاء التناقض عن القرآن إنما يعلم انه دلالة على أنه من فعل الله، لما أخبرنا الله تعالى بذلك. ولو لاأنه تعالى أخبر بذلك كان لقائل أن يقول(1): إنه يمكن أن يتفحظ متحفظ في كلامه ويهذبه تهذيبا، لايوجد فيه شئ من التناقض وعلى هذا لايمكن أن يجعل ذلك جهة اعجاز القرآن قبل أن يعلم صحة السمع، وصدق النبي صلى الله عليه وآله.
---
(1) في المطبوعة (يكون) بدل (يقول).

(3/269)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (وإذا جاء هم أمر من الامن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا(83))
آية.
أخبر الله تعالى عن المنافقين، الذين تقدم وصفهم بأنهم إذا جاء هم " أمرمن الامن أو الخوف " وهوماكان يرجف به من الاخبار في المدينة: اما من قبل عدو يقصدهم أو يظهر المؤمنين على عدوهم، أو هلاك بعض أعدائهم وهو الامن.
والاول: الخوف اذاعوا به، وتحدثوا به من غير أن يعلموا صحته، فكره تعالى ذلك، لان من فعل هذا لايخلو كلامه من الكذب. ولما يدخل على المؤمنين به من الخوف ومعنى اذاعوا به: أعلنوه، وأفشوه في قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، وابن حريج وأصله اشاعة الخبر في الجماعة.
اللغة: يقال: اذاعه اذاعة واذاعوا به قال الشاعر:
اذاع به في الناس حتى كأنه
بعلياء نار أوقدت بثقوب(1)
وأصل الاذاعة التفريق.
قال تبع: لما ورد المدينة:
ولقد شربت على براجم شربة
كادت بباقية الحياة تذيع(2)
أي تفرق.
وبراجم: ماء بالمدينة كان يشرب منه، فنشبت(3) بحلقه علقة. وذاع الخبر ذيعا.
---
(1) قائله أبوالاسود الدؤلي. اللسان (ذيع) ومجاز القرآن 1: 133 والاغاني 12: 305.
(2) لم نجده في مصادرنا.
(3) في المطبوعة (فشبت) وفي مجمع البيان (فتشبثت). وقدأثبتنا ما في المخطوطة.

(3/270)


تفسير التبيان ج3
ورجل مذياع: لايستطيع كتمان خبر.
واذاع الناس بما في الحوض: إذا شربوه.
وكذلك اذاعوا بالمتاع: إذا ذهبوا به.
واذاعة السر: اظهاره.
والاذاعة، والاشاعة، والافشاء، والاعلان، والاظهار، نظائر وضده الكتمان، والاسرار، والاخفاء.
المعنى: ثم قال: (ولو ردوه إلى الرسول) بمعنى لو ردوه إلى سنته " وإلى أولي الامر منهم ".
قال أبوجعفر (ع): هم الائمة المعصومون.
وقال ابن زيد، والسدي، وأبوعلي: هم امراء السرايا، والولاة، وكانوا يسمعون باخبار السرايا ولا يتحققونه فيشيعونه ولايسألون أولي الامر.
وقال الحسن، وقتادة، وابن جريج، وابن أبي نجيح، والزجاج: هم أهل العلم، والفقه الملازمين للنبي صلى الله عليه وآله، لانهم لو سألولهم عن حقيقة ما أرجفوا به، لعلموا به.
قال الجبائي: هذا لايجوز، لان أولي الامر من لهم الامرعلى الناس بولاية والاول أقوى، لانه تعالى بين أنهم متى ردوه إلى أولي العلم علموه. والرد إلى من ليس بمعصوم، لايوجب العلم لجواز الخطأ عليه بلاخلاف سواء كانوا امراء السرايا، أو العلماء.
وقوله: " يستنبطونه " قال ابن عباس، وأبوالعالية: معناه يتحسسونه.
وقال الزجاج: يستخرجونه.
اللغة والاعراب والمعنى: والاستنباط، والاستخراج، والاستدلال، والاستعلام، نظائر، وأصل الاستنباط الاستخراج.
يقال لكل ما استخرج حتى تقع عليه رؤية العين، أو معرفة القلب: قد استنبط.
والنبط الماء يخرج من البئر أول ماتحفر.
وانبط فلان أي استنبط الماء من طين حر.
ومنه اشتقاق النبط، لاستنباطهم العيون.
والضمير في قوله: " منهم " يحتمل أن يعود إلى أحد أمرين: أحدهما - وهو الاظهرانه عائد إلى أولي الامر.

(3/271)


تفسير التبيان ج3
والآخر - إلى الفرقة المذكورة من المنافقين، أو الضعفة.
وقوله: (ولولافضل الله عليكم ورحمته) معناه لولااتصال مواد الالطاف من جهة الله، " لاتبعتم الشيطان إلا قليلا " وقيل فيما وقع الاستثناء منه: أربعة أقوال: أحدها - " لاتبعتم الشيطان إلا قليلا " منكم، فانه لم يكن يتبع الشيطان. ويكون الفضل ههنا بالنبي صلى الله عليه وآله، والقرآن - في قول الضحاك -، وهو اختيار الجبائي.
الثاني - لاتبعتم الشيطان إلا قليلا من الاتباع. ويكون الفضل على جملة اللطف، لان ذلك لم يكن يزكو به أحد منهم.
الثالث - قال الحسن، وقتادة. وذكره الفراء، لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلا.
الرابع - قال ابن عباس، وابن زيد: اذاعوا به إلا قليلا هو اختيار الكسائي والفراء والمبرد والبلخي والطبري. وتقديره يستنبطونه منهم إلا قليلا.
قال المبرد: لان العلم بالاستنباط في الناس أقل. وليس كذلك الاذاعة.
وغلط الزجاج النحويين في ذلك. وقال: كل هذه الاقوال جائزة.
وقال قوم حكاه الطبري: ان مخرجه الاستثناء. وهو دليل الجمع، والاحاطة.
والمعنى انه لولافضل الله لم ينج أحد من الضلالة. فجعل قوله: " إلا قليلا " دليلا على الاحاطة كما قال الطرماح يمدح بزيدبن المهلب: قليل المثالب والقادحة(1) والمعنى انه لامثالب.
---
(1) ديوانه: 139 وصدره: أشم كثير يدي النوال يدي - بضم الياء وكسر الدال وتشديد الياء - أو - بفتح الياء وكسر الدال وتشديد الياء - جمع (يد).

(3/272)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (فقاتل في سبيل الله لاتكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا(84))
آية بلاخلاف.
هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وآله خاصة أمره الله أن يقاتل في سبيل الله وحده بنفسه.
وقوله: " لا تكلف إلا نفسك " ومعناه لاتكلف إلا فعل نفسك، لانه لاضرر عليك في فعل غيرك فلاتهتم بتخلف المنافقين عن الجهاد فعليهم ضرر ذلك، وليس المراد لايأمر أحدا بالجهاد. وانما أراد ما قلناه ألا ترى أنه قال " وحرض المؤمنين " على القتال يعني حثهم على الجهاد. وفي ذلك دلالة على أنه لايجوز أن يؤاخذ الله الاطفال بكفر آبائهم ويؤيده قوله: " ولاتزر وازرة وزر أخرى " لان مفهوم هذا الكلام أنه لايجوز أن تؤخذ بذنب غيرك.
والفاء في قوله: " فقاتل في سبيل الله " قيل في معناه قولان: أحدهما - أن يكون جوابا لقوله: (ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما)(1) هكذا ذكره الزجاج، لانه محمول على المعنى من حيث دل على معنى إن أردت الفوز، فقاتل. الثاني - أن يكون متصلا بقوله: (وما لكم لاتقاتلون في سبيل الله)(2) فقال في سبيل الله.
كذا ذكره الزجاج ووجهه لاحظ لك في ترك القتال فتتركه، ثم وضع فقاتل موضع فتتركه.
وقوله: " وحرض المؤمنين " معناه حثهم " عسى الله أن يكف " قال الحسن، والبلخي، والزجاج: إن (عسى) من الله واجب ووجه ذلك ان اطماع الكريم انجاز وانما الاطماع تقوية أحد الامرين على الآخر دون قيام الدليل على التكافؤفي الجواز. وخرج (عسى) في هذا من معنى الشك
---
(1) سورة النساء آية: 74.
(2) سورة النساء آية: 75.

(3/273)


تفسير التبيان ج3
كخروجها في قول القائل: أطع ربك في كل ما أمرك به، ونهاك عنه عسى(1) ان تفلح بطاعتك.
ومعنى " أن يكف بأس الذين كفروا " ان يمنع شدة الكفار، ثم قال: " والله أشد بأسا وأشد تنكيلا " فالبأس: الشدة(2) في كل شئ ومعنى التنكيل قال الحسن، وقتادة: هو العقوبة.
وقال أبوعلي الجبائي: هو الشدة بالامور الفاضحة(3) ونكل به، وشوه به، وندد به نظائر.
وأصله النكول: وهو الامتناع للخوف.
نكل عن اليمين، وغيرها ينكل نكولا.
والنكال: مايمتنع به من الفساد خوفا من مثله من العذاب. والنكل القيد.
قوله تعالى: (من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شئ مقيتا(85))
آية.
المعنى واللغة: قيل في معنى الشفاعة ههنا قولان: أحدهما - قال أبوعلي: الشفاعة الحسنة: الدعاء للمؤمنين.
والشفاعة السيئة: الدعاء عليهم، لان اليهود كانت تفعل ذلك فتوعدهم الله تعالى عليه.
وقال الحسن، ومجاهد، وابن زيد: الشفاعة هي مسألة الانسان في صاحبه أن يناله خير بمسألته.
وقال الازهري معنى " من يشفع شفاعة حسنة " من يزد عملا إلى عمل.
والشفع: الزيادة.
سئل تغلب عن اشتقاق الشفعة، فقال: الزيادة وهو أن يشفعك في ماتطلبه حتى تضمه إلى ما عندك، فتشفعه أي تزيده بها إن كان واحدا، فضمت إليه ما زاد صار شفعا.
---
(1) (عسى) ساقط من المطبوعة.
(2) في المطبوعة (الشهرة) بدل (الشدة) وهو تحريف.
(3) في المخطوطة (بالامر الفاصم).

(3/274)


تفسير التبيان ج3
وعندنا ان حقيقة الشفاعة هي المسألة في اسقاط الضرر. وانما تستعمل في مسألة المنافع مجازا، لان أحدا لايقول: إنا نشفع في النبي صلى الله عليه وآله إذا سألنا الله أن نزيد في كراماته، ولوكان الامر على ما قاله الحسن، ومجاهد، لكنا شافعين فيه.
ووجه اتصال هذا الكلام بما تقدم، انه لما قيل " لاتكلف إلا نفسك " عقب ذلك بان لك مع هذا في دعاء المؤمنين إلى الحق ما للانسان في شفاعة صاحبه بخير يصل إليه، لئلا يتوهم ان العبد من أجل انه لايؤخذ بعمل غيره، لايتزيد فعله بعمل غيره. الثاني - ان الشفاعة تصير الانسان شفعا لصاحبه في جهاد عدوه من الكفار.
والكفل: قال الحسن، وقتادة: هوالوزر، وهو قول أبي جعفر (ع).
وقال السدي، والربيع، وابن زيد: هوالنصيب.
ومنه قوله: " يؤتكم كفلين من رحمته " وأصل الكفل(1): المركب الذي يهيأ كالسرج للبعير من كسا، أخرق أو نحوه حول السنام. وانما قيل كفل، واكتفل البعير، لانه لم يستعمل الظهر كله. وانما استعمل نصيب منه.
وقال الازهري: الكفل الذي لايحسن ركوب الفرس.
وأصله الكفل: وهو ردف العجز.
ومنه الكفاية بالنفس، وبالمال. والكفل المثل.
والمقيت: قيل في معناه خمسة أقوال: قال السدي، وابن زيد، والكسائي: هوالمقتدر.
والثاني - قال ابن عباس، واختاره الزجاج: إنه الحفيظ.
والثالث - قال مجاهد: هوالشهيد.
والرابع - المقيت: الحسيب عنه.
والخامس - قال الجبائي: هو المجازي كأنه قال: وكان الله على كل شئ من الحسنات، والسيئات مجازيا.
وأصل المقيت: القوت، قاته يقوته قوتا: إذا أعطاه ما يمسك رمقه.
والمقيت: المقتدر لاقتداره على مايمسك رمقه.
يقال منها قات الرجل يقيت اقاتة حكاه الكسائي وينشد للزبير بن عبدالمطلب عم النبي صلى الله عليه وآله:
---
(1) في المطبوعة (وأهله) بدل (وأصل).

(3/275)


تفسير التبيان ج3
وذي ضغن كففت النفس عنه وكنت على مساء ته مقيتا(1)
فهذه لغة قريش.
وقال كثير:
وماذاك عنها عن نوال اناله
ولاانني منها مقيت على ود
أي مقتدر فاما قول اليهودي:
ألي الفضل أم علي إذاحو
سبت اني على الحساب مقيت(2)
قيل: ومعناه موقوف. أي كما ان من يحتاج إلى القوت موقوف على سد خلته. ويحتمل معنى مقيت أي مقتدر على الحساب بتوجيه إلى انه لي أوعلي بحسب عملي.
وقال ابن كثير: المقيت الواصب وهو القائم على كل شئ بالتدبير.
وأقوى الوجوه معنى المقتدر بدلالة البيت الذي للزبيربن عبدالمطلب.
قوله تعالى: (وإذا حييتم بتحية فحيوا باحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شئ حسيبا(86))
آية بلاخلاف.
هذا خطاب من الله تعالى لجميع المكلفين، يأمرهم إذا دعى لهم انسان بطول الحياة، والبقاء والسلامة، ان يحيوهم باحسن من ذلك أويردوا عليهم مثله.
قال النحويون: أحسن ههنا صفة لاينصرف، لانه على وزن افعل وهو صفة لاتنصرف والمعنى حيوا بتحية أحسن منها.
والتحية: مفعلة من حييت. ومعناها ههنا السلام قال السدي: وابن جريج وعطا، وإبراهيم: إنه إذا سلم عليك واحد من المسلمين، فسلم عليه باحسن مما سلم عليك. أورد عليه مثل ما قال. وذلك إذا قال السلام عليك، فقل أنت وعليك السلام ورحمة الله أو تقول كما قال لك.
وقال قتادة، وابن عباس، ووهب: فحيوا باحسن منها أهل الاسلام، أو ردوها على أهل الكفر
---
(1) البيت مختلف في نسبته فقيل انه لابي قيس بن رفاعة. وقيل لاحيحة بن الجلات الانصاري. اللسان (قوت) وطبقات فحول الشعراء: 242 - 243 والدر المنتور 2: 188.
(2) ديوانه: 14 والاصمعيات: 85 ومجاز القرآن 1: 135 وطبقات فحول الشعراء 237. واللسان (قوت).

(3/276)


تفسير التبيان ج3
والاول أقوى، لانه روي عن النبي صلى الله عليه وآله، انه قال: إذا سلم عليك أهل الكتاب، فقولوا وعليكم.
وقال الحسن، وجماعة من متقدمي المفسرين: إن السلام تطوع. والرد فرض، لقوله: (وإذا حييتم بتحية فحيوا باحسن منها أو ردوها) وذلك أمر يقتضي الايجاب.
وقوله: (إن الله كان على كل شئ حسيبا) قيل في معنى الحسيب قولان: أحدهما - قال مجاهد:، وابن أبي نجيح: معنى حسيب حفيظ وقال قوم: معناه ههنا من قولهم: احسبني الشئ يحسبني احسابا بمعنى كفاني. ومنه قولهم: حسبي كذا وكذا أي كفاني.
وقال بعضهم: الحسيب في هذا الموضع فعيل من الحساب الذي هو بمعنى الاحصاء يقال منه: حاسبت فلانا على كذا وكذا وهو حسيبه وذلك إذاكان صاحب حسابه.
قال الزجاج: معناه يعطي كل شئ من العلم والحفظ والجزاء مقدارما يحسبه أي يكفيه.
ومنه قوله: " عطاء حسابا "(1) أي كافيا. وسمي الحساب حسابا، لانه يعلم به ما فيه الكفاية وذكر الحسن: انه دخل على النبي صلى الله عليه وآله رجل، فقال: السلام عليكم، فقال النبي صلى الله عليه وآله: وعليك السلام ورحمة الله، ثم دخل آخر فقال. السلام عليكم ورحمة الله، فقال النبي (ص): وعليك السلام ورحمة الله، وبركاته، ثم دخل آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، وبركاته، فقال النبي صلى الله عليه وآله: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. قال بعضهم يارسول الله كيف هذا فقال النبي صلى الله عليه وآله الاولان بقيامن التحية بقية فرددتها. وهذا لم يبق منها شيئا فرددت عليه ما قال(2).
قوله تعالى: (الله لاآله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لاريب فيه ومن أصدق من الله حديثا(87))
آية بلاخلاف.
---
(1) سورة النبأ: آية 36.
(2) في المطبوعة سقط فظيع في هذا الحديث وقد أثبتنا ما في المخطوطة.

(3/277)


تفسير التبيان ج3
قد بينا فيما تقدم معنى الله. وهو الذي تحق له العبادة.
وانه من كان قادرا على خلق اصول النعم التي يستحق بها العبادة.
وليس هو عبارة عمن يستحق العبادة، لانه لوكان كذلك، لما كان تعالى إلها فيما لم يزل.
وإذا ثبت انه موصوف به فيما لم يزل، دل على ان المراد ما قلناه.
وإذا ثبت ذلك، فقد بين تعالى بهذه الآية انه لايستحق العبادة سواه.
وقوله: " ليجمعنكم إلى يوم القيامة " اللام في ليجمعنكم لام القسم كقولك: والله ليجمعنكم.
وقيل في معناه قولان: أحدهما - ليبعثنكم من بعد مماتكم، ويحشرنكم جميعا إلى موقف الحساب الذي يجازي فيه كلا بعمله، ويقضي فيه بين أهل طاعته، ومعصيته. الثاني - قال الزجاج: معناه ليجمعنكم في الموت وفي قبوركم.
وقوله: " لاريب فيه " معناه لاشك فيما أخبركم به. من قوله: اني جامعكم يوم القيامة. وقيل في تسمية ذلك اليوم بالقيامة قولان: أحدهما - لان الناس يقومون من قبورهم. الثاني - انهم يقومون للحساب.
قال الله تعالى " يوم يقوم الناس لرب العالمين "(3)
وقوله: " ومن أصدق من الله حديثا " تقرير في صورة الاستفهام ومعناه لاأحد أصدق من الله في الخبر الذي يخبر به من حيث لايجوز عليه الكذب في شئ من الاشياء، لانه لايكذب إلامحتاج يجتلب به نفعا، أو يدفع به ضررا. وهما يستحيلان عليه تعالى. فاذا يستحيل عليه الكذب. وانما يجوز ذلك على من سواه. فلذلك كان تعالى أصدق القائلين. ونصب حديثا على التمييز كماتقول: من أحسن من زيد فهما أو خلقا؟
---
(1) سورة المطففين: آية 6.

(3/278)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يظلل الله فلن تجد له سبيلا(88))
آية بلاخلاف.
المعنى والنزول: خاطب الله تعالى بهذه الآية المؤمنين.
فقال: ما شأنكم أيها المؤمنون في أهل النفاق فرقتين مختلفتين " والله أركسهم بما كسبوا " يعني بذلك والله ردهم إلى أحكام أهل الشرك في اباحة دمائهم، وسبي ذراريهم " بما كسبوا " يعني بما كذبوا الله ورسوله، وكفروا بعد إسلامهم.
والاركاس: الرد.
ومنه قول أمية بن أبي الصلت:
فاركسوافي حميم النار انهم
كانوا عصاة وقالوا الافك والزورا(1)
قال الفراء: يقال منه أركسهم، وركسهم وقد ذكر أنها في قراء ة عبدالله وأبي (والله ركسهم) بغير الف.
وفيمن نزلت هذه الآية قيل فيه خمسة أقوال:
أحدها - قال قوم نزلت في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله في الذين تخلفوا عن رسول الله يوم أحد، وانصرفوا إلى المدينة. وقالوا لرسول الله وأصحابه لو نعلم قتالا لاتبعناكم. ذكر ذلك زيد بن ثابت.
والثاني - قال مجاهد، وأبوجعفر (ع)، والفراء: إنها نزلت في اختلاف كان بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله في قوم كانوا قدموا المدينة من مكة، واظهروا للمسلمين أنهم مسلمون، ثم رجعوا إلى مكة، لانهم استوخموا المدينة، واظهروا لهم الشرك، ثم سافروا ببضائع المشركين إلى اليمامة.
فاراد المسلمون أن يأخذوهم وما معهم فاختلفوا.
وقال قوم: لانفعل ذلك(2) لانهم مؤمنون.
وقال آخرون: هم مرتدون.
فانزل الله فيهم الآية: الثالث - قال ابن عباس، وقتادة، والضحاك: بل كان اختلافهم في قوم
---
(1) ديوانه: 36، وهو هكذا:
اركسوا في جهنم أنهم كانوا * عتاة تقول افكا وزورا
وهو في الدر المنثور 2: 191 هكذا:
اركسوا في جهنم انهم كانوا عتاة
يقولوا مينا وكذبا وزورا
(2) في المطبوعة (ذلك) ساقطة.

(3/279)


تفسير التبيان ج3
من أهل الشرك كانوا أظهروا الاسلام بمكة، وكانوا يعينون المشركين على المسلمين، فقال قوم: دماؤهم، وأموالهم حلال وقال آخرون: لابل هوحرام.
الرابع - قال السدي نزلت في قوم كانوا بالمدينة أرادوا الخروج عنهم نفاقا. وقالوا للمؤمنين أصابنا جدب وخصاصة نخرج إلى الظهر حتى نتماء ل، ونرجع، فقال قوم: هو منافقون. وقال آخرون: هم مؤمنون.
والخامس - قال ابن زيد: بل نزلت في اختلاف أصحاب رسول الله في قصة أهل الافك عبدالله بن أبي، وأصحابه، لما تكلموا في عائشة.
الاعراب: وقوله: (فئتين) يحتمل نصبه أمرين: أحدهما - قال بعض البصريين هو نصب على الحال كقولك: مالك قائما. ومعناه مالك في حال القيام.
وقال الفراء: هو نصب على فعل مالكم ولاينافي(1) كان المنصوب في مالك: معرفة، أو نكرة.
ويجوز أن تقول مالك السائر معنا، لانه كالفعل الذي ينصب بكل، وأظن، وما أشبهما قال: وكل موضع صلحت فيه فعل ويفعل من المنصوب، جازنصب المعرفة، والنكرة. كما تنصب كان وأظن، لانهما نواقص في المعنى. وان ظننت انهن تامات. واختلفوا في معنى اركسهم، فقال ابن عباس: معناه ردهم.
وفي رواية أخرى عنه: أوقعهم. وقال قتادة: اهلكهم [ وقال السدي: معناه أضلهم بما كسبوا. ومعناه أيضا اهلكهم ](2) وقوله: (أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يظلل الله فلن تجد له سبيلا) معناه أتريدون أيها المؤمنون أن تهدوا إلى الاسلام من أضله الله. ويحتمل معنيين: أحدهما - أن من وجده الله ضالا، وسماه بانه ضال، وحكم به من حيث ضل بسوء اختياره. الثاني - أضله الله بمعنى خذله.
---
(1) في المطبوعة (تبالي) بدل (ينافي).
(2) ما بين القوسين ساقط من المطبوعة.

(3/280)


تفسير التبيان ج3
ولم يوفقه كما وفق المؤمنين، لانهم لما عصوا وخالفوا استحقوا هذا الخذلان عقوبة لهم على معصيتهم، فيريدون الدفاع عن قتالهم مع ما حكم الله بضلالهم وخذلانهم.
وقال الجبائي: المعنى ومن يعاقبه الله على معاصيه، فلاتجد له طريقا إلى الجنة. وطعن على الاول من قول البغداديين ان المراد به التسمية، والحكم بأن قال: لو أراد ذلك، لقال: ومن ضلل الله وهذا ليس بشئ، لانهم يقولون: أكفرته وكفرته، وأكرمته وكرمته: إذاسميته بالكفر أو الكرم قال الكميت:
فطائفة قد أكفروني بحبكم
وطائفة قالوا مسيئ ومذنب(1)
ويحتمل أن يكون المراد وجدهم ضلالا، كما قال الشاعر: هبوني امرأمنكم أضل بعيره أي وجده ضالا، ثم قال لهم أليس الله قال: ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا "(2) أنرى أراد أن الشيطان يخلق فيهم الضلالة؟ بل انما أراد يدعوهم إليها ولاخلاف أن الله تعالى لايدعو إلى الضلالة، ويقوي قول من قال: المراد به التسمية.
قوله: (أتريدون أن تهدوا من أضل الله) وانما أراد ان تسموهم مهتدين لانهم كانوا يزعمون أنهم مؤمنون فحينئذ رد الله عليهم، فقال: لاتختلفوا في هؤلاء، وقولوا باجمعكم: إنهم منافقون. ولم يكونوا يدعونهم إلى الايمان، فخالفهم أصحابهم، فعلم ان الصحيح ما قلناه، ثم أخبر الله تعالى فقال: " ومن يضلل الله يعني من خذله " فلن تجد له سبيلا " يامحمد ولاطريقا.
ومن قال من المجبرة: إن قوله: " أركسهم بما كسبوا " يدل على أنه أوقعهم في النفاق. فقولهم باطل، لانه قال: بما كسبوا، فبين انه فعل بهم ذلك على وجه الاستحقاق. وذلك لايليق إلا بما قدمناه، لانه لو أوقعهم في النفاق(3) لمعصية تقدمت، لكان يجب أن
---
(1) خزانة الادب: 236.
(2) سورة النساء: آية 59.
(3) (في النفاق) ساقط من المطبوعة.

(3/281)


تفسير التبيان ج3
يكون أوقعهم فيها لمعصية أخرى. وذلك يؤدي إلى مالا يتناهى أو ينتهي إلى معصية ابتدأهم بهاوذلك ينافي قوله: " بما كسبوا " والفئة الفرقة من الناس. مأخوذ من فأيت رأسه إذاشققته.
الفأو: الشعب من شعاب الجبل.
والركس: الرد إلى الحالة الاولى.
ومنه قيل للعذرة، والروث: ركس.
قوله تعالى: (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فان تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولاتتخذوا منهم وليا ولانصيرا(89))
آية.
أخبرالله تعالى في هذه الآية عن هؤلاء المنافقين أنهم يودون ويتمنون أن تكفروا أي تجحدوا وحدانية الله تعالى وتصديق نبيكم كما جحدوا، هم " فتكونون سواء " يعني مثلهم كفارا تستوون أنتم، وهم في الكفر بالله، ثم نهاهم أن يتخذوا منهم أولياء، ويستنصحوهم، بل ينبغي أن يتهموهم، ولا ينتصحوهم، ولا يستنصروهم، ولايتخذوا منهم ولياناصرا، ولاخليلا مصافيا " حتى يهاجروا في سبيل الله " ومعناه حتى يخرجوا من دار الشرك. ويفارقوا أهلها المشركين " في سبيل الله " يعني في ابتغاء دين الله. وهوسبيله، فيصيروا عند ذلك مثلكم، لهم مالكم، وعليهم ما عليكم - وهو قول ابن عباس - ثم قال: " فان تولوا " يعني هؤلاء المنافقين عن الاقرار بالله، ورسوله، وعن الهجرة من دار الشرك، ومفارقة أهله " فخذوهم " أيها المؤمنون " واقتلوهم حيث وجدتموهم " أي أصبتموهم من أرض الله.
(ولاتتخذوا منهم وليا ولانصيرا) يعني ولاتتخذوا منهم خليلا ولا ولاناصرا ينصركم على أعدائكم - وهو قول ابن عباس والسدي -.
الآية: 90 - 99
قوله تعالى: (إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاؤكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فان يقاتلوكم والقوا اليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا(90))
آية بلاخلاف.
لما أمر الله تعالى المؤمنين بقتال الذين لايهاجرون عن بلاد الشرك حيث وجدوهم، وألا يتخذوا منهم وليا ولانصيرا استثنى من جملتهم من وصل منهم إلى قوم بينكم وبينهم موادعة، وعهد وميثاق، فدخلوا فيهم وصاروا منهم. ورضوا بحكمهم فان لمن وصل إليهم ودخل فيهم راضيا بحكمهم حكمهم في حقن دمائهم بدخوله فيهم.
والمعني بقوله: " إلاالذين يصلون " بنو مدلج، كان سراقة بن مالك بن جعشم(1) المدلجي جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله بعد أحد، فقال له: أنشدك الله والنعمة. وأخذ منه ألا يغزوا قومه، فان أسلمت قريش أسلموا، لانهم كانوا في عقد قريش، فحكم الله فيهم ما حكم في قريش، وحرم منهم ما حرم منهم، ففيهم نزلت هذه الآية - على ما ذكره بن شبة -.
وقال أبوجعفر (ع) قوله تعالى: " إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق " قال: هو هلال بن عويمر السلمي. واثق عن قومه ألاتخفيف يامحمد من أتاك ولانخيف من أتانا.
وبمثل هذا التأويل قال السدي، وابن زيد، وعكرمة وقال أبوعبيدة " يصلون " بمعنى ينتسبون إليهم. والعرب تقول قد اتصل الرجل: إذا انتمى إلى قوم وقال الاعشى يذكر امرأة انتسبت إلى قومها:
إذا اتصلت قالت: ابكر بن وائل
وبكر سبتها والانوف رواغم(2)
وقدضعف هذا الجواب، لان تعيين الانتساب لو أوجب إن يكون حكم
---
(1) في المخطوطة (ابن جعيثم) وفي مجمع البيان (ابن خثعم) وقد اثبنا ما في المطبوعة والطبري واكثر التفاسير، وكتب الرجال.
(2) ديوانه: 81 رقم القصيدة 9. ومجاز القرآن 1: 136، واللسان (وصل).

(3/282)


تفسير التبيان ج3
المنتسب حكم من انتسب إليه ممن بينهم وبينهم ميثاق، لوجب ألا يقاتل النبي صلى الله عليه وآله قريشا، لما بينهم وبين المؤمنين من الانتساب. وحرمة الايمان أعظم من حرمة الموادعة.
فان قيل: هذه الآية منسوخة قيل: لعمري إنها منسوخة لكن لاخلاف أنها نسخت بقوله في سورة براء ة " اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " وبراء ة نزلت بعد فتح مكة، فكان يجب ألا يقاتل قريشا على دخول مكة وقد علمنا خلافه وقوله: " أو جاؤكم حصرت صدورهم " قال عمر بن شبة يعني به أشجع فانهم قدموا المدينة في سبعمائة يقودهم مسعود بن دخيلة فاخرج إليهم النبي صلى الله عليه وآله احمال التمر ضيافة.
وقال: نعم الشئ الهدية أمام الحاجة.
وقال لهم: ماجاء كم؟ قالوا: قربت دارنا منك، وكرها جربك، وحرب قومنا، يعنون بني ضمرة الذين بينهم وبينهم عهد لقلتنا فيهم، فنزلت الآية.
وقوله: " جاؤكم حصرت صدورهم " معناه قد حصرت، لانه في موضع الحال والماضي إذا كان المراد به الحال قدر معه قد، كما يقولون: جاء فلان، وذهب عقله.
والمعنى قد ذهب عقله. وسمع الكسائي من العرب من يقول: أصبحت نظرت إلى ذات التنانير بمعنى قد نظرت. وانما جاز ذلك، لان قد تدني الفعل من الحال. وقرأالحسن، ويعقوب " حصرة صدورهم " منصوبا على الحال. وأجاز يعقوب الوقف بالهاء. وهو صحيح في المعنى وقراء ة القراء بخلافه.
ومعنى " حصرت صدورهم " ضاقت عن أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم وكل من ضاقت نفسه عن شئ من فعل أوكلام يقال: قد حصر. ومنه الحصر في القراء ة وما قلناه معنى قول السدي وغيره.
وقوله: " ولو شاء الله لسلطهم عليكم " مثل قوله: " ولو شاء الله لاعنتكم "(1) ومعناه الاخبار عن قدرته على ذلك لو شاء لكنه لايشاء ذلك، بل يلقي في قلوبهم الرعب حتى يفزعوا، ويطلبوا الموادعة، والمسالمة، ويدخل بعضهم في حلف من بينكم وبينهم ميثاق وفي ذمتهم، ثم قال: " فان اعتزلوكم " يعني هؤلاء الذين أمرنا بالكف عن قتالهم من المنافقين بدخولهم في أهل عهدكم أو بمصيرهم إليكم " حصرت
---
(1) سورة البقرة: آية 220.

(3/283)


تفسير التبيان ج3
صدورهم "، فلم يقاتلوكم " والقوا اليكم السلم " يعني صالحوكم، واستسلموا، كما يقول القائل: أعطيتك قيادي والقيت إليك خطامي إذا استسلم له وانقاد لامره، فكذلك قوله: " والقوا اليكم السلم " يريد به الصلح وقال أكثر المفسرين: البلخي والطبري والجبائي، وغيرهم: ان المراد به الاسلام.
قال الطرماح:
وذاك ان تميما غادرت سلما
للاسد كل حصان وعثة اللبد(1)
يعني استسلاما.
وقال: " فما جعل الله لكم عليهم سبيلا " يعني إذا استسلموا لكم فلا طريق لكم على نفوسهم، وأموالهم.
قال الربيع: السلم هاهنا الصلح، ثم نسخ ذلك بقوله: " فاذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم "(2) الآية.
وبه قال عكرمة والحسن قالا. نسخت هذه الآية إلى قوله: " سلطانا مبينا " وقوله: في الممتحنة: " لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم " إلى قوله: " الظالمون "(3) نسخت هذه الاربع آيات بقوله: في براء ة الآية التي تلوناها، وبه قال قتادة وابن زيد.
قوله تعالى: (ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة اركسوا فيها فان لم يعتزلوكم ويلقوا اليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا(91))
آية بلاخلاف.
النزول قيل في الذين نزلت فيهم هذه الآية ثلاثة أقوال:
---
(1) ديوانه: 145 من قصيدته التي هجا بها الفرزدق الحصان: المرأة العفيفة.
وعثة: كثيرة اللحم لبدة - بكسر فسكون - كساء يفرش للجلوس عليه.
(2) سورة التوبة: آية 6.
(3): آية 8.

(3/284)


تفسير التبيان ج3
أحدها - قال ابن عباس، ومجاهد: نزلت في ناس كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وآله فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قريش، ويرتكسون في الاوثان يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا وهاهنا، فأمر الله بقتالهم ان لم يعتزلوا، ويصلحوا.
الثاني - قال قتادة: نزلت في حي كانوا بتهامة قالوا: يانبي الله لانقاتلك، ولانقاتل قومنا. وأرادوا ان يأمنوا قومهم ويأمنوا نبي الله فأبى الله عليهم ذلك.
فقال: " كلما ردوا إلى الفتنة " يعني إلى الكفر " اركسوا فيها " يعني وقعوا فيها.
الثالث - قال السدي: نزلت في نعيم بن مسعود الاشجعي، وكان يأمن في المسلمين بنقل الحديث بين النبي صلى الله عليه وآله، والمشركين، فنزلت هذه الآية، وقال مقاتل: نزلت في أسد وغطفان.
المعنى: وقال أبوالعالية معنى قوله: " كلما ردوا إلى الفتنة اركسوا فيها " يعني كلما ابتلوا بها عموا فيها.
وقال قتادة: كلما عرض لهم بلاء هلكوا فيه.
والفتنة في اللغة هي الاختبار.
والاركاس: الرجوع.
فمعنى الكلام كلما ردوا إلى الاختبار، ليرجعوا إلى الكفر والشرك رجعوا إليه.
وقوله: " فان لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم " معناه وان لم يعتزلوكم أيها المؤمنون هؤلاء الذين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم وهم كلما دعوا إلى الشرك أجابوا إليه (ويلقوا إليكم السلم) يعني ولم يستسلموا لكم فيعطوكم المقادة ويصالحوكم ويكفوا أيديهم عن قتالكم (فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم) يعني حيث أصبتموهم.
ثم قال: " وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا " يعني حجة ظاهرة.
وقال السدي، وعكرمة: السلطان الحجة وقال أبوعلي: نزلت في قوم كانوا يظهرون الاسلام، فاذا اجتمعوا مع قريش اظهروا لهم الكفر.
وهو قوله: (كلما ردوا إلى الفتنة) يعني الكفر (اركسوا فيها) بمعنى وقعوا فيها، فما داموا مظهرين للاسلام وكافين عن قتال المسلمين، فلا يتعرض لهم.

(3/285)


تفسير التبيان ج3
ومتى لم يظهروا الاسلام، وجب قتالهم على ماذكره الله، ثم قال قوم: الآية منسوخة وان من لم يحارب مع المؤمنين، وجب قتاله. واختارهو أنها غير منسوخة.
قال: لانه لادليل على ذلك.
قوله تعالى: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فان كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما(92))
آية بلاخلاف.
المعنى والاعراب: قوله: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ) معناه لم يأذن الله، ولا أباح لمؤمن أن يقتل مؤمنا فيما عهده إليه، لانه لو أباحه وأذن فيه ماكان خطأ. والتقدير إلا أن يقتله خطأ، فان حكمه هكذا على ما ذكر. فذهب إلى هذا قتادة وغيره.
وقوله: (إلا خطأ) استثناء منقطع - في قول أكثر المفسرين - وتقديره إلا أن المؤمن قد يقتل المؤمن خطأ، وليس ذلك مما جعل الله له، ومثله قول الشاعر:
من البيض لم تظعن بعيدا ولم تطأ
على الارض إلا ريط برد مرجل(1)
والمعنى لم تطأعلى الارض إلا أن تطأ ذيل البرد، وليس ذيل البرد من الارض.
---
(1) قائله جرير ديوانه: 458، والنقائض: 706، ومجاز القرآن 1: 137.

(3/286)


تفسير التبيان ج3
وقد ذكرنا لذلك نظائر فيما مضى، ولانطول باعادتها.
وتقدير الآية: إلا أن المؤمن قد يقتل المؤمن خطأ وليس ذلك مما جعل الله له.
وقال قوم: الاستثناء متصل والمعنى: لم يكن للمؤمن أن يقتل متعمدا مؤمنا. ومتى قتله متعمدا لم يكن مؤمنا فان ذلك يخرجه من الايمان، ثم قال: " إلا خطأ " ومعناه إن قتله له خطأ لايخرجه من الايمان. ثم أخبر تعالى بحكم من قتل من المؤمنين مؤمنا خطأ، فقال: " ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ". ومعناه فعليه تحرير رقبة مؤمنة. يعني مظهرة للايمان وظاهر ذلك يقتضي أن تكون بالغة ليحكم لها بالايمان وذلك في ماله خاصة.
" ودية مسلمة إلى أهله " تؤديها عنه عاقلته إلى أولياء المقتول إلا أن يصدق أولياء المقتول حينئذ تسقط عنهم. وموضع (أن) من قوله: " إلا أن يصدقوا " نصب، لان المعنى فعليه ذلك إلا أن يصدقوا النزول: وقيل: إن الآية نزلت في عياش ابن أبي ربيعة المخزومي: أخي أبي جهل، لانه كان أسلم، وكان قد قتل رجلا مسلما بعد اسلامه، وهو لايعلم باسلامه. وهذا قول مجاهد، وابن جريج، وعكرمة، والسدي.
وقالوا: المقتول هوالحارث بن يزيد بن أبي نبشية العامري. ولم يعلم أنه اسلم، وكان أحدمن رده عن الهجرة، وكان يعذب عياشا مع أبي جهل، قتله بالحرة بعد الهجرة. وقيل: قتله بعد الفتح وقد خرج من مكة وهو لايعلم باسلامه. ورواه أبوالجارود عن أبي جعفر (ع).
وقال ابن زيد: نزلت في رجل قتله أبوالدرداء، كان في سرية فعدل أبوالدرداء إلى شعب يريد حاجة، فوجد رجلا من القوم في غنم له، فحمل عليه بالسيف فقال: لاإله إلا الله ! فبدر فضربه ثم جاء بغنمه إلى القوم ثم وجد في نفسه شيئا فأتى رسول الله (ص) فذكر ذلك له، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: ألا شققت عن قلبه فقال: ما عسيت أن أجد ! هل هوإلا دم أو ماء؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله فقد أخبرك بلسانه فلم تصدقه قال كيف بي يارسول الله؟ قال: فكيف بلا إله إلا الله؟ ! قال فكيف بي

(3/287)


تفسير التبيان ج3
يارسول الله؟ قال: وكيف بلا إله إلا الله؟ ! حتى تمنيت أن يكون ذلك اليوم مبتدأ إيماني، ثم نزلت هذه الآية والذي ينبغي أن يعول عليه ان ما تضمنته الآية حكم من قتل خطأ ويجوز في سبب نزول الآية كل واحد مما قبل.
المعنى: وقال ابن عباس، والشعبي، وابراهيم، والحسن، وقتادة: الرقبة المؤمنة لاتكون إلا بالغة قد آمنت وصامت وصلت. فاما الطفل فانه لايجزي ولاالكافر.
وقال عطاء: كل رقبة ولدت في الاسلام فهي تجزي. والاول أقوى، لان المؤمن على الحقيقة لايطلق إلا على بالغ مظهر للايمان ملتزم لوجوب الصوم والصلاة، إلا أنه لاخلاف أن المولود بين مؤمنين يحكم له بالايمان، فبهذا الاجماع ينبغي أن يجزي في كفارة قتل الخطأ. وأما الكافرة والمولود بين كافرين فانه لايجزي بحال. والدية المسلمة إلى أهل القتيل هي المدفوعة إليهم موفرة غير منتقصة حقوق أهلهامنها " إلا أن يصدقوا " معناه يتصدقوا فادغمت التاء في الصاد لقرب مخرجها وفي قراء ة أبي " إلا ان يتصدقوا ".
وقوله: (فان كان من قوم عدولكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة) يعني إن كان هذا القتيل الذي قتله المؤمن خطأمن قوم هم أعداء لكم مشركون وهو مؤمن، فعلى قاتله تحرير رقبة مؤمنة. واختلفوا في معناه، فقال قوم: إذا كان القتيل في عداد قوم أعداء وهو مؤمن بين أظهرهم لم يهاجر، فمن قتله فلا دية له. وعليه تحرير رقبة مؤمنة، لان الدية ميراث، وأهله كفار لايرثونه. هذا قول ابراهيم، وابن عباس، والسدي، وقتادة، وابن زيد، وابن عياض.
وقال آخرون: بل عنى به أهل الحرب من يقدم دار الاسلام فيسلم ثم يرجع إلى دار الحرب إذا مربهم جيش من أهل الاسلام فهرب قومه وأقام ذلك المسلم فيهم فقتله المسلمون،

(3/288)


تفسير التبيان ج3
وهم يحسبونه كافرا. ذكر ذلك عن ابن عباس في رواية أخرى.
وقوله: (فان كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة) ومعناه إن كان القتيل الذي قتله المؤمن خطأ من قوم بينكم وبينهم أيها المؤمنون ميثاق أي عهدوذمة وليسوا أهل حرب لكم " فدية مسلمة إلى أهله " تلزم عاقلة قاتله. وتحرير رقبة على القاتل كفارة لقتله. واختلفوا في صفة هذا القتيل الذي هو من قوم بيننا وبينهم ميثاق أهو مؤمن أم كافر؟ فقال قوم: هو كافر إلا أنه يلزم قاتله دية، لان له ولقومه عهدا. ذهب إليه ابن عباس، والزهري، والشعبي، وابراهيم النخعي، وقتادة، وابن زيد.
وقال آخرون: بل هومؤمن، فعلى قاتله دية يؤديها إلى قومه من المشركين، لانهم أهل ذمة. روي ذلك أيضا عن ابراهيم والحسن. وهوالمروي في أخبارنا. إلا أنهم قالوا: يعطي ديته ورثته المسلمين دون الكفار. والميثاق هوالعهد. وقد بيناه فيما مضى. والمراد ههنا الذمة، وغيرها من العهود وبه قال السدي والزهري، وابن عباس والخطأ هو ان تريد شيئا فتصيب غيره. وهو قول ابراهيم، وأكثر الفقهاء.
والدية الواجبة في قتل الخطأ مئة من الابل ان كانت العاقلة من أهل الابل - بلا خلاف - وان اختلفوا في أسنانها فقائل يقول. هي أرباع: خمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون ابنة مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون. روي ذلك عن علي (ع).
وقال آخرون: هي أخماس: عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنت لبون، وعشرون بنو لبون، وعشرون بنت مخاض. وينسب ذلك إلى ابن مسعود. وروى الامرين معا أصحابنا.
وقال قوم: هي أرباع غير أنها ثلاثون حقة، وثلاثون بنت لبون، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنو لبون. روي ذلك عن عثمان وزيد بن ثابت.
قال الطبري: هذه الروايات متكائة. والاولى التخيير.
ولايحمل على العاقلة صلح، ولااقرار، ولاماكان دون الموضحة.
وأما الدية من الذهب فالف دينار، ومن الورق عشرة آلاف درهم.
وقال بعضهم: اثني عشرألفا والاول عندنا هو الاصح. ودية عمد الخطأ مئة من

(3/289)


تفسير التبيان ج3
الابل مغلظة اثلاثا - وروي أرباعا - ثلث بنت لبون، وثلث حقة، وثلث جذعة. وتستأدى في سنين. ودية الخطأ في ثلاث سنين. ودية العمد إذا تراضوا بها في سنة.
وأما دية أهل الذمة فقال قوم: هي دية المسلم سواء. ذهب اليه ابوبكر، وعثمان، وابن مسعود، وابراهيم، ومجاهد، والزهري، وعامر الشعبي، واختاره الطبري، وأبوحنيفة وأصحابه. وقال قوم: على النصف من دية المسلم. ذهب اليه عمرو بن شعيب رواه عن عمر بن الخطاب وبه قال عمر بن عبد العزيز.
وقال قوم: هي على الثلث من دية المسلم ذهب اليه سعيد بن المسيب، والشافعي غير أنها اربعة آلاف واختلاف الفقهاء قد ذكرناه في الخلاف.
واما دية المجوسي فلا خلاف أنها ثمانمئة وكذلك عندنا نادية اليهودي والنصراني.
(فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما) يعني فمن لم يجد الرقبة المؤمنة كفارة عن قتله المؤمن لاعتباره فعليه صيام شهرين متتابعين. واختلفوا في معناه: فقال قوم: مثل ما قلناه ذهب إليه مجاهد. وقال آخرون: " فمن لم يجد " الدية فعليه. صوم الشهرين عن الدية والرقبة. وتأويل الآية فمن لم يجد رقبة مؤمنة ولادية يسلمها إلى أهلها فعليه صوم شهرين متتابعين، ذهب إليه مسروق والاول هوالصحيح، لان دية قتل الخطأعلى العاقلة، والكفارة على القاتل باجماع الامة على ذلك. وصفة التتابع في الصوم أن يتابع الشهرين لايفصل بينهما بافطار يوم.
وقال أصحابنا: إذا صام شهرا وزيادة ثم أفطر اخطأ وجاز له البناء.
وقوله: (توبة من الله) نصب على القطع. ومعناه رجعة من الله لكم إلى التيسير عليكم بتخفيفه عنكم ما خفف عنكم من فرض تحرير الرقبة المؤمنة بايجاب صوم الشهرين المتتابعين توبة " وكان الله عليما حكيما " معناه لم يزل الله عليما بما يصلح عباده فيما يكلفهم من فرائضه حكيما بما يقضي فيهم. ويدبره.
وقال الجبائي: انما قال: (توبة من الله) تعالى بهذه الكفارة التي يلتزمها بدره عقاب القاتل. وذمه لانه يجوز أن يكون عاصيا في السبب، وان لم يكن عاصيا في القتل من حيث أنه رمى في موضع هومنهي عنه بأن يكون رجمة، وان لم يقصد القتل وهذا

(3/290)


تفسير التبيان ج3
ليس بشئ لان الآية عامة في كل قاتل خطأ، وما ذكره ربما اتقق في الآحاد. والزام دية قتل الخطأ العاقلة ليس هو مؤاخذة البرئ بالسقيم، لان ذلك ليس بعقوبة بل هو حكم شرعي تابع للمصلحة. ولو خلينا والعقل ما أوجبناه.
وقيل: ان ذلك على وجه المواساة والمعاونة
قوله تعالى: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما(93))
آية بلاخلاف.
المعنى: أخبر الله تعالى في هذه الآية ان من يقتل مؤمنا متعمدا يعني قاصدا إلى قتله ان جزاؤه جهنم خالدا فيها أي مؤيدا في جهنم وغضب الله عليه. وقد بينا ان غضب الله هو ارادة عقابه، والاستخفاف به.
" ولعنه " معناه أبعده من ثوابه ورحمته " واعدله عذابا عظيما " يعني لايعلمون قدر مبلغه لكثرته واختلفوا في صفة قتل العمد، فعندنا أن من قصد قتل غيره بما يقتل مثله في غالب العادة سواء كان بحديدة حادة كالسلاح أو مثقلة من حديد أو خنق أو سم أو إحراق أو تفريق أو موالات ضرب بالعصا حتى يموت أو بحجارة ثقيلة فان جميع ذلك عمد يوجب القود، وبه قال ابراهيم، وعبيد بن عمير، والشافعي، وأصحابه، واختاره الطبري.
وقال قوم: لايكون قتل العمد إلا ما كان بحديد. ذهب اليه سعيد ابن المسيب، وابراهيم، والشافعي في رواية أخرى، وطاووس وأبوحنيفة وأصحابه غير أن عندنا أنه إذا قتله بغير حديدة فلا يستقاد منه إلا بحديدة.
وقال الشافعي يستقاد منه بمثل ماقتل به فأما القتل شبيه العمد فهو ان يضربه بعصا أو غيرها مما لم تجر العادة بحصول الموت عنده، فاذا مات منه، كان شبيه العمد، وفيه الدية مغلظة في مال القاتل خاصة لايلزم العاقلة.

(3/291)


تفسير التبيان ج3
وقد بينا اختلاف الفقهاء في مسائل الخلاف في هذه المسألة. واستدلت المعتزلة بهذه الآية على أن مرتكب الكبيرة مخلد في نار جهنم. وأنه اذا قتل مؤمنا، فانه يستحق الخلود، ولايعفى عنه بظاهر اللفظ. ولنا أن نقول: ما انكرتم ان يكون المراد بالآية للكفار ومن لاثواب له أصلا. فأما من هو مستحق للثواب، فلا يجوز ان يكون مرادا بالخلود اصلا، لما بيناه فيما مضى من نظائره.
وقد روى اصحابنا ان الآية متوجهة إلى من يقتل المؤمن لايمانه، وذلك لايكون إلا كافرا.
وقال عكرمة، وابن جريج: ان الآية نزلت في انسان بعينه ارتد ثم قتل مسلما، فانزل الله تعالى فيه الآية، لانه كان مستحلا لقتله، على أنه قد قبل: إن قوله: " خالدا فيها " لايفهم من الخلود في اللغة الا طول اللبث، فأما البقاء ببقاء الله، فلا يعرف في اللغة، ثم لاخلاف أن الآية مخصوصة بمن لايتوب، لانه ان تاب فلابد من العفو عنه اجماعا، وبه قال مجاهد.
وقال ابن عباس: لاتوبة له ولاإذا قتله في حال الشرك ثم اسلم وتاب.
وبه قال ابن مسعود، وزيدبن ثابت والضحاك. ولايعترض على ماقلناه قول من يقول ان قاتل العمد لايوفق للتوبة، لان هذا القول إن صح فانما يدل على أنه لايختار التوبة. ولاينافي ذلك القول بأنها لو حصلت، لازالت العقاب. وإذا كان لابد من تخصيص الآية واخراج التائبين عنها، جاز لنا ان نخرج منهامن يتفضل الله عليه بالعفو على ان ظاهر الآية يتضمن ان جزاء ه جهنم فمن أين أن ذلك لابد من حصوله، وان العفو لايجوز حصوله؟ وهذا قول أبي مجلز وأبي صالح.
ولايدفع ذلك قوله: " وغضب الله عليه ولعنه واعدله عذابا عظيما " لان ذلك اخبار عن انه مستحق لذلك، فمن اين حصوله لامحالة؟ وقال الجبائي: الجزاء عبارة عما يفعل، وما لايفعل لايسمى جزاء. ألا ترى ان الاجير اذا استحق الاجرة على من استأجره، لايقال في الدراهم التي مع المستأجر انها جزاء عمله؟ ! وانما يسمى بذلك اذا أعطاه إياها. وهذا ليس بشئ، لان الجزاء عبارة عن المستحق سواء فعل، اولم يفعل الا ترى انا نقول: جزاء من فعل الجميل ان يقابل عليه بمثله، وان كان ما فعل بعد؟ وانما يراد انه ينبغي ان يقابل بذلك.

(3/292)


تفسير التبيان ج3
ونقول: من استحق عليه القود، أو حد من الحدود إن جزاء هذا ان يقتل، أو يقام عليه الحد. ولو كان الامر على ما قالوه، لوجب ألايكون الخلود في النار جزاء للكفار، لانه لم يقع بعد، ولايصح ان يقع، لان ما يوجد منه لايكون إلا متناهيا وانما لم يقل في الدراهم، انها جزاء لعمله، لان ما يستحقه الاجير في الذمة لايتعين في دراهم معينة. وللمستأجر أن يعطيه منها، ومن غيرها. فلذلك لم توصف هذه المعينة بانها جزاء للعمل، ثم لنا أن نعارض بآيات الغفران، كقوله: " إن الله لايغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء "(1) وقوله: " ان الله يغفر الذنوب جميعا "(2) وقوله: " ان ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم "(3). وإذا تعارضا، وقفا وبقينا على جواز العفو عقلا.
وقال الجبائي والبلخي: الآية نزلت في اهل الصلاة. لانه تعالى بين في الآية الاولى حكم قتل الخطأ من الدية، والكفارة. وذلك يختص أهل الصلاة، ثم عقب ذلك بذكر قتل العمد منهم. وهذا ليس بصحيح، لان لزوم الدية في الخطأ يتناول المسلم، والمعاهد. وأما الكفارات فان عندنا تلزمهم أيضا لانهم متعبدون بالشرائع. ولو سلمنا ان الآية الاولى تختص المسلمين، لم يلزم ان تختص الثانية بهم، بل لايمتنع ان يراد بها الكفار على وجه الخصوص أوالكفار، والمسلمين على وجه العموم. غير اناقد علمنا انه لايجوز ان يراد بها من هو مستحق الثواب، لان الثواب دائم. ولايجوز مع ذلك أن يستحق العقاب الدائم مع ثبوت بطلان الاحباط، لاجماع الآية على خلافه.
---
(1) سورة النساء: آية 47 - 115.
(2) - سورة الزمر: آية 53.
(3) - سورة الرعد: آية 7 وسورة حم السجدة: آية 43.

(3/293)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (ياأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن القى اليكم السلم لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا ان الله كان بما تعملون خبيرا(94))
آية.
القراء ة، والحجة: قرأ أهل المدينة، وابن عباس، وخلف (السلم) بغير الف. الباقون بالف.
وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما فتثبتوا (بالثاء) من الثبوت في الموضعين ههنا وفي الحجرات الباقون (فتبينوا) من التبين.
وقرئ من طريق النهرواني لست مؤمنا - بفتح الميم الثانية - الباقون بكسرها وبه قرأ أبوجعفر محمد بن علي (ع) على ما حكاه البلخي.
فمن قرأ بالثاء من الثبوت. فانما اراد التثبت الذي هو خلاف العجلة.
ومن قرأ بالياء والنون، اراد من التبيين الذي هو النظر، والكشف عنه حتى يصح. والمعنيان متقاربان، لان المثبت متبين، والمتبين مثبت.
ومن قرأ (السلم) بلاالف اراد الاستسلام. ومنه قوله: " والقوا إلى الله يومئذ السلم "(1) أي استسلموا.
وقوله: " ورجلا سلما " أي مستسلما.
وروى أبان عن عاصم بكسر السين. والمعنى خلاف الحرب.
ومن قرأ بالف ذهب إلى التحية. ويحتمل أن يكون المراد لاتقولوا لمن اعتزلكم وكف عن قتالكم: لست مؤمنا.
قال أبوالحسن: يقولون: انما فلان سلام إذا كان لايخالط أحدا.
المعنى: خاطب الله تعالى بهذه الآية المؤمنين الذين إذا ضربوا في الارض بمعنى ساروا فيها للجهاد وأن يتأنوا في قتال من لايعلمون كفره، ولاايمانه، وعن قتل من يطهر الايمان وان ظن به الكفر باطنا. ولايعجلوا حتى يبين لهم أمرهم فانهم ان بادروا ربما أقدموا على قتل مؤمن. ولايقتلوا من استسلم لهم، وكف عن قتالهم، واظهر انه اسلم. والا يقولوا لمن هذه صورته: لست مؤمنا، فيقتلوه طلب عرض
---
(1) سورة النحل: آية 87.

(3/294)


تفسير التبيان ج3
" الحياة الدنيا " يعني متاع الحياة الدنيا الذي لابقاء له. فان عند الله مغانم كثيرة وفواضل جسيمة فهو خير لكم ان أطعتم الله فيما أمركم به، وانتهيتم عما نهاكم عنه.
النزول: واختلفوا في سبب نزول هذه الآية فقال عمر بن شبة: نزلت في مرداس رجل من غطفان، غشيتهم خيل المسلمين، فاستعصم قومه في الجبل، وأسهل هو مسلما مستسلما، فاظهر لهم اسلامه، فقتلوه، وأخذوا ما معه.
وقال أبو عمر والواقدي، وابن اسحاق. نزلت في عامر بن الاضبط الاشجعي لقيته سرية لابي قتادة فسلم عليه فشد محلم بن جثامة فقتله لاحنة كانت بينهم، ثم جاء النبي صلى الله عليه وآله وسأل ان يستغفر له فقال النبي صلى الله عليه وآله لاغفر الله لك. وانصرف باكيا فما مضت عليه سبعة ايام حتى هلك فدفن، ثم لفظته الارض فجاؤا إلى النبي صلى الله عليه وآله وأخبروه فقال (ع): إن الارض تقبل من هو شر من محلم صاحبكم، لكن الله اراد أن يعظم من حرمتكم، ثم طرحوه بين صد في جبل، والقوا عليه الحجارة، فنزلت الآية.
وقال ابن عباس: لحق ناس رجلا في غنيمة له، فقال السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غنمه. فنزلت الآية.
قال ابن عباس: فكان الرجل يسلم في قومه، فاذا غزاهم أصحاب النبي صلى الله عليه وآله، وهرب أصحابه وقف، وأظهر تحية الاسلام (السلام عليكم) فيكفون عنه، فلما خالف بعضهم، وقتل من أظهر ذلك نزلت فيه الآية وبه قال السدي: وقال الرجل السلام عليكم، أشهد ان لاإله إلا الله، وان محمدا رسول الله. فشد عليه أسامة بن زيد وكان أمير القوم، فقتله، فنزلت الآية.
وقال قوم: كان صاحب السرية المقداد.
وقال آخرون: ابن مسعود. وكل واحد من هذه الاسباب يجوز أن يكون صحيحا، ولايقطع بواحد منها بعينه. والذي يستفاد من ذلك أن من اظهر الشهادتين لايجوز لمؤمن أن يقدم على قتله، ولا إذا أظهر ما يقوم مقامها من تحية الاسلام.

(3/295)


تفسير التبيان ج3
المعنى: وقوله (كذلك كنتم من قبل) اختلفوا في معناه، فقال قوم: كما كان هذا الذي قتلتموه بعدما القى إليكم السلام مستخفيا من قومه بدينه خوفا على نفسه منهم، كنتم أنتم مستخفين باديانكم من قومكم حذرا على أنفسكم فمن الله عليكم، ذهب إليه سعيد بن جبير وقال ابن زيد معناه كما كان هذا المقتول كافرا فهداه الله، كذلك كنتم كفارا، فهداكم الله.
وبه قال الجبائي.
وقال المغربي: معناه كذلك كنتم أذلاء آحادا إذا صار الرجل منكم وحده، خاف أن يختطف.
وقوله: (فمن الله عليكم) قيل في معناه قولان: أحدهما - قال سعيد بن جبير: فمن الله عليكم باظهار دينه، واعزاز أهله حتى أظهرتم الاسلام بعد ما كنتم تكتمونه من اهل الشرك.
وقال السدي: معناه تاب الله عليكم " فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا " معناه انه كان عليمابما تعملونه قبل أن تعملوه.
قال البلخي في الآية دلالة على أن المجتهد لايضل، لان النبي صلى الله عليه وآله لم يضلل مقدادا ولا بترأ منه.
ومن قرأ " لست مؤمنا " بفتح الميم الثانية، قال: معناه لا تقولوا لمن استسلم لكم لسنا نؤمنك. وهو وجه حسن.
قوله تعالى: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله باموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين باموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما(95) درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما(96))
آيتان.

(3/296)


تفسير التبيان ج3
القراء ة، والحجة: قرأ أهل المدينة وابن كثير غير أولي الضرر - نصبا - الباقون بالرفع. فمن رفع جعله نعتا للقاعدين. ومن نصبه فعلى الاستثناء. وهو اختيار أبي الحسن الاخفش.
المعنى: بين الله بهذه الآية انه " لايستوي " ومعناه لايعتدل " القاعدون " يعني المتخلفون عن الجهاد في سبيل الله من أهل الايمان بالله وبرسوله. المؤثرون الدعة والرفاهية على مقاساة الحر والمشقة بلقاء العدو، والجهاد في سبيله إلا أهل الضرر منهم بذهاب أبصارهم، وغيرذلك من العلل التي لاسبيل لاهلها إلى الجهاد للضرار الذي بهم " والمجاهدون في سبيل الله " ومنهاج دينه لتكون كلمة الله هي العليا والستفرغون وسعهم في قتال أعداء الله، وأعداء دينهم " باموالهم " انفاقا لها فيما يوهن كيدأعداء أهل الايمان.
وقال قوم: إن قوله: " غير أولي الضرر " نزل بعد قوله: " لايستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله " فجاء عمر بن أم مكتوم، وكان أعمى فقال: يارسول الله كيف وأنا أعمى، فما برح حتى نزل قوله: " غير أولي الضرر ". ذكر ذلك البراء بن عازب، وزيد بن أرقم وزيد بن ثابت. وهو يقوي قراء ة من قرأ بالنصب.
الاعراب والمعنى: " والقاعدون " رفع بيستوي ويستوي ههنا يقتضي فاعلين، فصاعدا وقوله: " والمجاهدون " معطوف عليه. والتقدير لايستوي القاعدون إلا أولي الضرر والمجاهدون.
وقال الفراء: الرفع أجود لاتصال " غير " بقوله: " القاعدون " والاستثناء كان يجب أن يكون بعد تمام الكلام بقوله: " لايستوي القاعدون... والمجاهدون غير أولي الضرر " قال ويجوز خفضه نعتا للمؤمنين وماقرئ به.

(3/297)


تفسير التبيان ج3
والاول أقوى.
ويحتمل النصب على الحال كقولك: جاء زيد غير مريب.
فان قيل: أيجوز أن يساوي أهل الضرر المجاهدين على وجه، فان قلتم: لا، فقد صاروا مثل من ليس من أولي الضرر؟ قلنا: يجوز أن يساووهم بأن يفعلوا طاعات أخر تقوم مقام الجهاد، فيكون ثوابهم عليهم مثل ثواب الجهاد. وليس كذلك من ليس بأولي الضرر، لانه قعد عن الجهاد، بلاعذر. وظاهر الآية يمنع من مساواته على وجه.
وقال ابن عباس لايستوي القاعدون من المؤمنين عن بدر، والخارجين إلى بدر ثم قال: (وفضل الله المجاهدين باموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة) قال ابن جريج وغيره معناه فضل الله المجاهدين باموالهم وأنفسهم درجة على القاعدين من أهل الضرر ثم قال: (وكلا وعد الله الحسنى) يعني وعد الله الحسنى المجاهدين بأموالهم وأنفسهم والقاعدين أولي الضرر. والمراد بالحسنى ههنا الجنة في قول قتادة وغيره من المفسرين.
وبه قال السدي.
وقوله: (وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما) معناه فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين من غير أولي الضرر أجراعظيما.
وقوله: (درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما) قال قتادة هو كما يقال: الاسلام درجة، والفقه درجة، والهجرة درجة، والجهاد في الهجرة درجة، والقتل في الجهاد درجة.
وقال عبدالله بن زيد: معنى الدرجات هي التسع درجات التي درجها في سورة براء ة.
وهي قوله: (ماكان لاهل المدينة ومن حولهم من الاعراب أن ن يتخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله ولايرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لايصيبهم ظمأ ولانصب ولامخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيض الكفار ولاينالون من عدو نيلا) إلى قوله: (ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون)(1) قال: هذه التسع درجات.
وقال قوم: المراد بالدرجات ههنا الجنة. واختاره الطبري.
(ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما) معناه لم يزل الله غفارا للذنوب صافحا لعبيده عن العقوبة. رحيما بهم متفضلا عليهم. فان
---
(1): آية 120، 121.

(3/298)


تفسير التبيان ج3
قيل: كيف قال في أول الآية (فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة) ثم قال في آخرها (وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات) وهذا ظاهر التناقض؟ ! قلنا عنه جوابان: أحدهما - ان في اول الآية فضل الله المجاهدين على القاعدين أولي الضرر درجة وفي آخرها فضلهم على القاعدين غير أولي الضرر درجات ولا تناقض في ذلك، لان قوله: (وكلا وعد الله الحسنى) يدل على ان القاعدين لم يكونوا عاصين مستخفين. وان كانوا تاركين للفضل.
والثاني - قال أبوعلي الجبائي: أراد بالدرجة الاولى علو المنزلة وارتفاع القدر على وجه المدح لهم كما يقال: فلان أعلى درجة عند الخليفة من فلان يريدون بذلك أنه أعظم منزلة.
وبالثانية أراد الدرجات في الجنة التي تتفاضل بها المؤمنون بعضهم على بعض على قدر استحقاقهم، ولاتنافي بينهما.
وقال الحسين بن علي المغربي انما كرر لفظ التفضيل، لان الاول أراد تفضيلهم في الدنيا على القاعدين والثاني أراد تفضليهم في الآخرة بدرجات النعيم.
قوله تعالى: (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي انفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الارض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فاولئك مأواهم جهنم وساء ت مصيرا(97) إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لايستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا(98) فاولئك عسى الله ان يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا(99))
ثلاث آيات.
هذه الآية نزلت في قوم أظهروا للنبي صلى الله عليه وآله الاسلام بمكة، فلما هاجر

(3/299)


تفسير التبيان ج3
النبي صلى الله عليه وآله وهاجر أصحابه فتنوهم آباؤهم عن دينهم فافتتنوا وخرجوا مع المشركين يوم بدر فقتلوا كلهم. وقيل: انهم كانوا خمسة نفر.
قال عكرمة: هم قيس بن الفاكة بن المغيرة، والحارث بن زمعة بن الاسود بن أسد، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وأبوالعاص بن ميتة بن الحجاج، وعلي بن أمية بن خلف.
وذكر أبوالجارود عن أبي جعفر (ع) مثله، فانزل الله فيهم الآيات. وقال (ع): ان الذين توفاهم الملائكة يعني قبض أرواحهم " ظالمي أنفسهم " نصب على الحال يعني في حال هم فيها ظالموا نفوسهم بمعنى بخسوها حقها من الثواب وادخلوا عليها العقاب بفعل الكفر. وقالت لهم الملائكة " فيم كنتم " أي في أي شئ كنتم من دينكم على وجه التقرير لهم والتوبيخ لفعلهم (قالوا كنا مستضعفين في الارض) يستضعفنا أهل الشرك بالله في ارضنا وبلادنا بكثرة عددهم وقوتهم، ويمنعونا من الايمان بالله واتباع رسوله على جهة الاعتذار فقالت لهم الملائكة " ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها " يعني فتخرجوا من أرضكم وداركم وتفارقوا من يمنعكم من الايمان بالله وبرسوله إلى أرض يمنعكم أهلها من أهل الشرك، فتوحدوه وتعبدوه وتتبعوا نبيه ثم قال تعالى " فأولئك مأواهم جهنم " يعني مسكنهم جهنم " وساء ت " يعني جهنم لاهلها الذين صاروا اليها " مصرا " وسكنا ثم استثنى من ذلك المستضعفين الذين استضفعهم المشركون (من الرجال والنساء والولدان) وهم الذين يعجزون عن الهجرة لاعسارهم وقلة حيلتهم " ولايهتدون سبيلا " يعني في الخلاص من مكة.
وقيل معناه لايهتدون لسوء معرفتهم بالطريق من أرضهم إلى أرض الاسلام استثنوا من جملة من أخبر أن مأواهم جهنم للعذر الذي هم فيه. ونصب المستضعفين بالاستثناء من الهاء والميم في قوله: " مأواهم جهنم " فقال تعالى: " فاولئك عسى الله ان يعفو عنهم " يعني لعل الله أن يعفو عنهم لما هم عليه من الفقر ويتفضل عليهم بالصفح عنهم في تركهم الهجرة من حيث لم يتركوها اختيارا " وكان الله عفوا غفورا " ومعناه لم يزل الله ذا صفح بفضله عن ذنوب عباده بترك عقوبتهم على معاصيهم " غفورا " ساترا عليهم ذنوبهم بعفوه لهم عنها.

(3/300)


تفسير التبيان ج3
قال ابن عباس كنت أنا وأمي من المستضعفين.
قال عكرمة وكان العباس منهم وكان النبي صلى الله عليه وآله يدعو في دبر صلاة الظهر اللهم خلص الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن ربيعه وضعفة المسلمين من أيدي المشركين الذين لايستطيعون حيلة ولايهتدون سبيلا. وبالجملة التي ذكرناها قال ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، والسدي، وقتادة، والضحاك، وابن وهب، وابن جبير.
وقوله: (توفاهم) يحتمل ان يكون فعلا ماضيا ويكون موضعه الفتح لان الماضي مبني على الفتح. والثاني ان يكون رفعا والمعنى تتوفاهم وقد حذف أحد التائين وقدبينا فيما مضي أن (عسى) من الله معناه الوجوب قال المغربي: ذكر (عسى) ههنا تضعيف لامر غيرهم كمايقول القائل ليت من أطاع الله سلم، فكيف من عصاه.
ومثله قول الشاعر:
ولم تر كافر نعمى نجا
من السوء ليت نجا الشاكر
والتوفي هوالاحصاء قال الشاعر:
إن بني أدرد ليسوا من أحد
ليسوا إلى قيس وليسوا من أسد
ولاتوفاهم قريش في العدد بمعنى أحصاهم.
والملائكة تتوفى. وملك الموت يتوفى. والله يتوفى.
ومايفعله ملك الموت والملائكة يجوز أن يضاف إلى الله إذا فعلوه بأمره وما تفعله الملائكة جاز أن يضاف إلى ملك الموت، إذا فعلوه بامره.
الآية: 100 - 109
قوله تعالى: (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الارض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما(100))
آية.

(3/301)


تفسير التبيان ج3
أخبر الله تعالى في هذه الآية ان من يفارق وطنه، ويخرج من ارض الشرك وأهله هربا بدينه إلى أرض الاسلام وأهلها والمهاجر في سبيل الله يعني منهاج دين الله وطريقه الذي شرعه لخلقه يجد في الارض مراغما كثيرا (يجد) مجزوم، لانه جواب الشرط.
اللغة: والمراغم المضطرب في البلاد والمذهب يقال منه: راغم فلان قومه مراغما ومراغمة قال الفراء: هما مصدران ومنه قول النابغة الجعدي:
كطود يلاذ بأركانه
عزيز المراغم والمهرب(1)
وقال الشاعر:
إلى بلد غير داني المحل
بعيد المراغم والمضطرب
والمراغم مأخوذ من الرغام وهو التراب ومعنى راغمت فلانا هجرته. ولم أبال رغم أنفه أي وان لصق بالتراب أنفه.
المعنى: واختلف أهل التأويل في معناه، فقال ابن عباس: المراغم التحول من أرض إلى أرض وبه قال الضحاك، والربيع، والحسن، وقتادة، ومجاهد.
وقال السدي يعني معيشة.
وقال ابن زيد يعني مهاجرا.
وقال ابن عباس يعني سعة في الرزق.
وبه قال الربيع بن أنس والضحاك.
وقال قتادة: سعة من الضلالة إلى الهدى.
وقال يزيد بن أبي حبيب: ان أهل المدينة يقولون من خرج فاصلا من أهله يريد الغزو وجب سهمه لقوله: (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله)
وقوله: " وسعة " يحتمل أمرين: أحدهما - السعة في الرزق. الثاني - السعة مما كان فيه من تضيق المشركين عليهم في أمر دينهم بمكة. ثم أخبر تعالى أن من خرج مهاجرا
---
(1) ديوانه: 22 ومجاز القرآن 1: 138 واللسان (رغم).

(3/302)


تفسير التبيان ج3
من أرض الشرك فارا بدينه إلى الله ورسوله وأدركه الموت قبل بلوغه دار الهجرة وأرض الاسلام " فقدوقع أجره على الله " يعني ثواب عمله وجزاء هجرته عليه تعالى " وكان الله غفورا " يعني ساترا على عباده ذنوبهم بالعفو عنهم " رحيما " بهم رفيقا.
النزول: وقيل في سبب نزول الآية ان الله لما أنزل ان الذين " توفاهم الملائكة ظالمي انفسهم " كتب المسلمون بالآيات وبعثوها إلى أخوانهم من أهل مكة فخرج حينئذمنها جماعة، فقالوا: لم يبق لناعذر فهاجروا.
وقال سعيد بن جبير وعكرمة والضحاك والسدي وابن زيد وابن عباس ورواه أبوالجارود عن أبي جعفر (ع) انها نزلت في ضمرة بن العيص بن ضمرة بن زنباع أوالعيص بن ضمرة وكان مريضا فأمر أهله ان يفرشوا له على سريره ويحملوه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله قال ففعلوا فأتاه الموت بالتغيم، فنزلت فيه الآية.
وبه قال قتادة وقال: قال ضمرة وأنا أعرف الطريق ولي سعة في المال أخرجوني فأخرج، فمات.
وقال عمر بن شبة: هو أبوأمية ضمرة بن حندب الخزاعي.
وقال الزبير بن بكار: هو خالد بن حزام أخو حكيم بن حزام خرج مهاجرا فمات في الطريق.
قال عكرمة وخرج جماعة من مكة مهاجرين فلحقهم المشركون وفتنوهم عن دينهم فافتتنوا، فانزل الله فيهم " ومن الناس من يقول أمنا بالله فاذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله "(1) وكتب بها المسلمون من المدينة إليهم ثم نزل فيهم " ثم ان ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا ان ربك من بعدها لغفور رحيم. "
---
(1) سورة العنكبوت: آية 10

(3/303)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا(101))
آية بلاخلاف.
معنى قوله: (وإذا ضربتم في الارض) إذا سرتم فيها فليس عليكم جناح يعني حرج ولااثم ان تقصروا من الصلاة يعني من عددها فتصلوا الرباعيات ركعتين. وظاهر الآية يقتضي أن التقصير لايجوز إلاإذا خاف المسافر، لانه قال " ان خفتم أن يفتنكم " ولاخلاف اليوم أن الخوف ليس بشرط، لان السفر المخصوص بانفراده سبب للتقصير. والظاهر يقتضي ان التقصير جائز لااثم فيه. ويقتضي ذلك انه يجوز الاتمام، وعندنا وعندكثير من الفقهاء ان فرض المسافر مخالف لفرض المقيم، وليس ذلك قصرا، لاجماع اصحابنا على ذلك.
ولما روي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: فرض المسافر ركعتان غير قصر. واما الخوف بانفراده فعندنا يوجب القصر. وفيه خلاف وقد روي عن ابن عباس أن صلاة الخائف قصر من صلاة المسافر. وانها ركعة ركعة.
وقال قوم: معنى قوله: " ليس عليكم جناح أن تقصروا " يعني من حدود الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا. وهو الذي رواه أصحابنا في صلاة شدة الخوف. وأنه يصلي إيماء والسجود اخفض من الركوع. فان لم يقدر فان التسبيح المخصوص يكفي عن كل ركعة. ثم أخبر تعالى أن الكافرين يعني الجاحدين لتوحيد الله ونبوة نبيه فقد أبانوا عداوتهم لكم بماصبتهم لكم الحرب على عبادتكم الله، وترككم عبادة الاوثان. وفي قصر الصلاة ثلاث لغات تقول: قصرت الصلاة أقصرها وهي لغة القرآن. وقصرتها تقصيرا، واقصرتها إقصارا.
واختلف أهل التأويل في قصر الصلاة فقال قوم: هي قصر من صلاة الحاضر ما كان يصلي أربع ركعات أذن له في قصرها، فيصليها ركعتين. ذهب إليه يعلى ابن أمية، وعمر بن الخطاب. وان يعلى قال لعمر كيف نقصر الصلاة وقد أمنا فقال عمر: عجبت ما عجبت منه، فسألت النبي صلى الله عليه وآله عن ذلك فقال: صدقة تصديق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته. وبه قال ابن جريج وقتادة.

(3/304)


تفسير التبيان ج3
وفي قراء ة أبي " وإذاضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة أن يفتنكم الذين كفروا " ولايقرأ " إن خفتم " ومعنى هذه القراء ة الا يفتنكم الذين كفروا وحذف (لا) كماحذف في قوله: " يبين الله لكم أن تضلوا "(1) ومعناه ألا تضلوا.
وقال قوم: القصر لايجوز إلا مع الخوف روي ذلك عن عائشة، وسعد بن أبي وقاص.
وقال قوم: عنى بهذه الآية قصر صلاة الخوف في غير حال المسابقة، وفيها نزلت. ذهب اليه مجاهد وغيره.
وقال آخرون: عنى بها قصر الصلاة صلاة الخوف في حال غير شدة الخوف.
وعنى به قصر الصلاة من صلاة السفر لامن صلاة الاقامة، لان صلاة السفر عندهم ركعتان تمام غير قصر، كماقلناه - ذهب إليه السدي، وابن عمر، وسعيد بن جبير، وجابر بن عبدالله، وكعب - وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله قطعت يده يوم اليمامة وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وثعلبة ابن زهدم اليربوعي وكان من الصحابة - وأبوهريرة.
وروي عن ابن عباس في رواية اخرى إن القصر المراد به صلاة شدة الخوف تقصر من حدودها وتصليها إيماء وهو مذهبنا. وأما حد السفر الذي يجب فيه التقصير فعندنا انه ثمانية فراسخ.
وقال ابوحنيفة، واصحابه: مسيرة ثلاثة أيام.
وقال الشافعي ستة عشر فرسخا ثمانية واربعين ميلا.
وقال قوم: يجب في قليل السفر وكثيره. بينا الخلاف فيه في كتاب الخلاف.
وانما قال في الاخبار عن الكافرين انهم عدو، ولم يقل أعداء لان لفظة فعول وفعيل تقع على الواحد والجماعة، وفتنت الرجل أفتنه فهو مفتون لغة أهل الحجاز وتميم وربيعة.
وأهل نجد كلهم وأسد يقولون: أفتنت الرجل فهو فاتن.
وقد فتن فتونا: إذا دخل في الفتنة.
---
(1) سورة النساء: آية 175.

(3/305)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (وإذا كنت فيهم فاقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فاذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن اسلحتكم وامتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولاجناح علكيم إن كان بكم اذى من مطر او كنتم مرضى ان تضعوا اسلحتكم وخذوا حذركم ان الله اعد للكافرين عذابا مهينا(102))
آية واحدة بلاخلاف.
قوله (إذا كنت فيهم) معناه في الضاربين في الارض من أصحابك يامحمد الخائفين عدوهم أن يفتنوهم، فاقمت لهم الصلاة يعني أتممت لهم الصلاة بحدودها وركوعها وسجودها، ولم تقصرها القصر الذي يجب في صلاة شدة الخوف من الاقتصار على الايماء. فلتقم طائفة من اصحابك الذين كنت فيهم معك في صلاتك وليكن سائرهم في وجه العدو. ولم يذكر ما ينبغي ان تفعله الطائفة غير المصلية لدلالة الكلام عليه " ولياخذوا اسلحتهم " قال قوم: الفرقة المامورة بأخذالسلاح هي المصلية مع رسول الله صلى الله عليه وآله والسلاح مثل السيف يتقلد به والخنجر يشده إلى درعه وكذلك السكين ونحو ذلك من سلاحه وهو الصحيح.
وقال ابن عباس الطائفة المأمورة بأخذ السلاح هي التي بازاء العدو دون المصلية، فاذا سجدوا يعني الطائفة التي قامت معك مصلية بصلاتك، وفرغت من سجودها فليكونوا من ورائكم يعني فليصيروا بعد فراغهم من سجودهم مصافين للعدو.
وعندنا انهم يحتاجون أن يتموا صلاتهم ركعتين، والامام قائم في الثانية ثم ينصرفون إلى موضع اصحابهم ويجئ، الآخرون فيستفتحون الصلاة فيصلي بهم الامام الركعة الثانية، ويطيل تشهده حتى يقوموا فيصلوا بقية صلاتهم ثم يسلم بهم الامام.
ومن قال: إن صلاة الخائف ركعة، قال: الاولون إذا صلوا ركعة فقد فرغوا. وكذلك الفرقة الثانية. وروى ذلك أبوالجارود عن أبي جعفر (ع).

(3/306)


تفسير التبيان ج3
ورواه مسلمة عن ابي عبدالله (ع) وهذا عندنا انما يجوز في صلاة شدة الخوف.
وفي الناس من قال: ان النبي صلى الله عليه وآله يسلم بهم ثم يقومون فيصلون تمام صلاتهم. وقد بينا اختلاف الفقهاء في مسائل الخلاف في صلاة الخوف.
وقوله: " وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم " يعني الطائفة الثانية يأخذون السلاح والحذر في حال الصلاة. وذلك يبين ان المأمورة بأخذ السلاح في الاول هم المصلون دون غيرهم.
وقوله: " ود الذين كفروا لوتغفلون عن اسلحتكم وامتعتكم " معناه تمنى الذين كفروا لو تغفلون عن اسلحتكم وامتعتكم وتشتغلون عن أخذها تأهبا للقتال وعن أمتعتكم التي بها بلاغكم في أسفاركم فتنهون عنها (فيميلون عليكم ميلة واحدة) معناه يحملون عليكم، وأنتم متشاغلون بصلاتكم عن أسلحتكم، وأمتعتكم حملة واحدة فيصيبون منكم غرة فيقتلونكم، ويستبيحون عسكركم، وما معكم.
والمعنى لاتشاغلوا باجمعكم بالصلاة عند مواقفة العدو، فتمكنوا عدوكم من أنفسكم، وأسلحتكم، ولكن اقيموها على مابينت. وخذوا حذركم باخذ السلاح. ومن عادة العرب أن يقولوا: ملنا عليهم بمعنى حملنا عليهم.
قال العباس بن عبادة بن نصلة الانصاري لرسول الله (ص) ليلة العقبة الثانية: والذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن غدا على اهل منى باسيافنا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لم نؤمر بذلك يعني في ذلك الوقت
وقوله: " ولاجناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا اسلحتكم وخذوا حذركم " معناه لاجرم عليكم ولااثم ان كان بكم أذى من مطر يعني إن نالكم من مطر، وأنتم مواقفو عدوكم، او كنتم مرضى يعني أعلاء، أو جرحى ان تضعوا اسلحتكم إذا ضعفتم عن حملها، لكن إذا وضعتموها، فخذوا حذركم. يعني احترسوا منهم أن يميلوا عليكم وأنتم غافلون غارون، ثم قال: " إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا " يعني عذابا مذلا يبقون فيها أبدا. وقيل " وان كنتم مرضى " نزلت في عبدالرحمن بن عوف وكان جريحا. ذكره ابن عباس.

(3/307)


تفسير التبيان ج3
واللام في قوله: " فلتقم " لام الامر وهي تجزم الفعل. ومن حقها أن تكون مكسورة إذا ابتدئ بها. وبنو سليم يفتحونها. يقولون: ليقم زيد. كما تميم لام كي يقولون جئت لآخذ حقي. فاذا اتصلت بما قبلها من الواو والفاء جاز تسكينها وكسرها. ذكره الفراء.
وقال: " طائفة أخرى " ولم يقل: آخرون، ثم قال: " لم يصلوا فليصلوا معك " ولم يقل: فلتصل معك حملا للكلام تارة على اللفظ وأخرى على المعنى كما قال: " وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا "(1) ولو قال: اقتتلنا لكان جائزا ومثله " فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة "(2) وفي قراء ة أبي: حق عليه الضلالة ومثله " نحن جميع منتصر "(3) ولم يقل منتصرون ومثله كثير.
وفي الآية دلالة على نبوة النبي صلى الله عليه وآله. وذلك ان الآية نزلت والنبي صلى الله عليه وآله بعسفان والمشركون بضجنان، فتواقفوا فصلى النبي صلى الله عليه وآله بأصحابه صلاة الظهر بتمام الركوع، والسجود فهم بهم المشركون ان يغيروا عليهم، فقال بعضهم: لهم صلاة أخرى أحب إليهم من هذه يعنون العصر، فأنزل الله عليه الآية فصلى بهم العصر صلاة الخوف، ويقال: إنه كان ذلك سبب اسلام خالد بن الوليد، لانه كان هم بذلك فعلم أنه ما أطلع النبي صلى الله عليه وآله على ما هموا به غير الله تعالى فاسلم وفي الناس من قال: من حكم صلاة الخوف اختص به النبي صلى الله عليه وآله وقال آخرون - وهوالصحيح - انه يجوز لغيره.
قوله تعالى: (فاذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فاذا اطمأننتم فاقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا(103))
آية.
المعنى: معنى الآية انكم أيها المؤمنون إذا فرغتم من صلاتكم - وأنتم مواقفو
---
(1) سورة الحجرات: آية 9.
(2) سورة الاعراف: آية 29.
(3) سورة القمر: آية 44.

(3/308)


تفسير التبيان ج3
عدوكم - التي بيناها لكم (فاذكروا الله قياما وقعودا) أي في حال قيامكم وفي حال قعودكم، ومضطجعين على جنوبكم.
والجنب: الجانب تقول نزلت جنبه أي جانبه بالتعظيم له والدعاء لانفسكم بالظفر على عدوكم لعل الله أن يظفركم بهم. وينصركم عليهم. وذلك مثل قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا لله كثيرا لعلكم تفلحون)(1). وهو قول ابن عباس وأكثر المفسرين.
وقوله: (فاذا أطمأننتم فاقيموا الصلاة " اختلفوا في تأويله، فقال قوم معناه اذا استقررتم في أوطانكم وأقمتم في سفركم وضربكم في الارض.
ذهب إليه مجاهد، وقتادة وقال آخرون معناه إذا استقررتم بزوال الخوف من عدوكم، وحدوث الامن لكم، فاقيموا الصلاة أي فأتموا حدودها بركوعها، وسجودها. ذهب اليه السدي، وابن زيد، ومجاهد في رواية أخرى. وهواختيار الجبائي، والبلخي الطبري.
وأقوى التأويلين قول من قال: إذا زال خوفكم من عدوكم، وأمنتم فأتموا الصلاة بحدودها غير قاصرين لها عن شئ من حدودها، لانه تعالى عرف عباده الواجب عليهم من فرض صلاتهم بهاتين الآيتين في حالين: احداهما - حال شدة الخوف أذن لهم فيها بقصر الصلاة على ما بيناه من قصر حدودها، والاقتصار على الايماء. والثانية - حال غير شدة الخوف امرهم فيها باقامة حدودها وإتمامها على مامضى من معاقبة بعضهم بعضا في الصلاة خلف أئمتها، لانه قال: " وإذا كنت فيهم فاقمت لهم الصلاة " فلما قال: " فاذا اطمأننتم فاقيموا الصلاة " كان معلوما انه يريد إذا اطمأننتم من الحال التي لم تكونوا فيها مقيمين صلاتكم فاقيموا الصلاة بجميع حدودها غير قاصرين لها.
وقال ابن مسعود نزلت الآية في صلاة المرضى. والظاهر بغيره أشبه.
وقوله: (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) اختلفوا في تأويله، فقال قوم:
---
(1) سورة الانفال: آية 46.

(3/309)


تفسير التبيان ج3
معناه ان الصلاة كانت على المؤمنين فريضة مفروضة، ذهب إليه عطية العوفي، وابن عباس، وابن زيد، والسدي، ومجاهد، وهو المروي عن أبي جعفر (ع) وأبي عبدالله (ع).
وقال آخرون: كانت على المؤمنين فرضا واجبا. ذهب اليه الحسن، ومجاهد، في رواية، وابن عباس في رواية وأبوجعفر في رواية أخرى عنه، والمعنيان متقاربان بل هما واحد.
وقال آخرون: معناه كانت على المؤمنين كتابا موقوتا يعني منجما يؤدونها في انجمها ذهب اليه ابن مسعود وزيد بن أسلم وقتادة. وهذه الاقوال متقاربة، لان ما كان مفروضا فهو واجب وما كان واجبا اداؤه في وقت بعد وقت فمفروض منجم. واختار الجبائي والطبري القول الاخير قال: لان موقوتا مشتق من الوقت فكانه قال: هي عليهم فرض في وقت وجوب أدائها.
قوله تعالى: (ولاتهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فانهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالا يرجون وكان الله عليما حكيما(104))
آية بلاخلاف.
المعنى: معنى قوله: (ولاتهنوا) لاتضعفوا يقال وهن فلان في الامر يهن وهنا ووهونا.
وقوله في ابتغاء القوم يعني في طلب القوم. والقوم هم أعداء الله وأعداء المؤمنين من أهل الشرك " إن تكونوا " أيها المؤمنون " تألمون " مما ينالكم من الجراح منهم في الدنيا " فانهم " يعني المشركين " يألمون " أيضا مما ينالهم منكم من الجراح والاذى مثل ما تألمون انتم من جراحهم واذاهم " وترجون " أنتم أيها المؤمنون " من الله " الظفر عاجلا والثواب آجلا على ماينالكم منهم " مالا يرجون " هم على ما ينالهم منكم يقول: فأنتم إن كنتم مؤمنين من ثواب الله لكم

(3/310)


تفسير التبيان ج3
على ما يصيبكم منهم بما هم مكذبون به فأولى وأحرى ان تصبروا على حربهم وقتالهم منهم على قتالكم وحربكم. وهو قول قتادة، والسدي، ومجاهد، والربيع، وابن زيد، وابن عباس، وابن جريج.
النزول: وقال ابن عباس، وعكرمة: الآية نزلت في أهل أحد لما أصاب المسلمين ما أصابهم وصعد النبي صلى الله عليه وآله الجبل وجاء أبوسفيان وقال يامحمد صلى الله عليه وآله يوم لنا ويوم لكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله أجيبوه، فقال المسلمون لاسواء لاسواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، فقال أبوسفيان عزى لنا ولاعزى لكم، فقال النبي صلى الله عليه وآله قولوا: الله مولانا ولامولى لكم.
قال أبوسفيان اعل هبل، فقال النبي صلى الله عليه وآله قولوا له: الله أعلى وأجل، فقال أبوسفيان موعدنا وموعدكم بدر الصغرى، ونام المسلمون وبهم الكلوم وفيهم نزلت " ان يمسسكم قرح فقد.. " الآية. وفيهم نزلت " إن تكونوا تألمون فانهم يألمون كما تألمون " لان الله تعالى أمرهم على ما بهم من الجراح ان يتبعوهم وأراد بذلك ارهاب المشركين فخرجوا إلى بعض الطريق وبلغ المشركين ذلك فاسرعوا حتى دخلوا مكة.
المعنى واللغة: وقال بعضهم معنى " وترجون من الله مالايرجون " أي تخافون من جهته مالا يخافون كما قال: " قل للذين آمنوا يغفروا للذين لايرجون أيام الله "(1) بمعنى لايخافون. وقال قوم لايعرف في كلام العرب الرجاء بمعنى الخوف إلا إذا كان في الكلام جحد سابق كما قال: " مالكم لاترجون لله وقارا "(2) بمعنى لاتخافون لله عظيمة.
---
(1) سورة الجاثية: آية 13.
(2) سورة نوح: آية 13.

(3/311)


تفسير التبيان ج3
وقال الشاعر:
لاترتجى حين تلاقي الزائدا
أسبعة لاقت معا أو واحد(1)
وقال أبوذؤيب الهذلي:
إذا لسعته النحل لم يرج لسعها
وحالفها في بيت نوب عوامل(2)
قال: الفراء: نوب ونوب، وهو النحل. ولايجوز أن تقول رجوتك بمعنى خفتك. وانما استعمل الرجاء بمعنى الخوف لان الرجاء أمل قد يخاف ألايتم. وهي لغة حجازية.
قال الكسائي: لم أسمعها إلا بتهامة ويذهبون معناها إلى قولهم: ماأبالي وما أحفل قال الشاعر:
لعمرك ما أرجو إذا كنت مسلما
على أي جنب كان لله مصرعي
أي ما أبالي.
وقوله: " كان الله عليما " يعني بمصالح خلقه حكيما في تدبيره أياهم وتقديره أحوالهم.
قوله تعالى: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولاتكن للخائنين خصيما(105) واستغفر الله كان غفورا رحيما(106))
آيتان.
المعنى: خاطب الله بهذه الآية نبيه صلى الله عليه وآله، فقال: " إنا أنزلنا إليك " يامحمد صلى الله عليه وآله " الكتاب " يعني القرآن " بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله " يعني بما أعلمك الله في كتابه " ولاتكن للخائنين خصيما " نهاه أن يكون لمن خان مسلماأو معاهدا في نفسه أو ماله خصيما يخاصم عنه، ويدفع من طالبه عنه بحقه الذي خانه فيه. ثم أمره بأن يستغفر الله في مخاصمته عن الخائن مال غيره " إن الله كان غفورا
---
(1) معاني القرآن 1: 286 واللسان (رجا).
(2) ديوانه 143، ومعاني القرآن 1: 286، والصحاح الجوهري (رجا) ويروى (عوامل).

(3/312)


تفسير التبيان ج3
رحيما " يصفح عن ذنوب عباده ويسترها عليهم، ويترك مؤآخذتهم بها. وعندنا أن الخطاب وإن توجه إلى النبي صلى الله عليه وآله من حيث خاصم من رآه على ظاهر الايمان والعدالة، وكان في الباطن بخلافه فلم يكن ذلك معصية، لانه (ع) منزه عن القبائح فانما ذكر على وجه التأديب له في أن لايبادر فيخاصم ويدفع عن خصم إلا بعد أن يبين الحق منه. والمراد بذلك امته عليه السلام. على أنا لانعلم أن ماروي في هذا الباب وقع من النبي صلى الله عليه وآله، لان طريقه الآحاد، وليس توجه النهي إليه بدال على أنه وقع منه ذلك المنهي قال " لئن أشركت ليحبطن عملك "(1) ولا يدل ذلك على وقوع الشرك منه.
وقال قوم من المفسرين: انه لم يخاصم عن الخصم وإنما هم به فعاتبه الله على ذلك.
القصة والنزول: والآية نزلت في بني أبيرق كانوا ثلاثة أخوة بشر وبشير ومبشر وكان بشر يكنى أبا طعمة فنقبوا على عم قتادة بن النعمان وأخذوا له طعاما وسيفا، ودرعا فشكى ذلك إلى ابن أخيه قتادة وكان قتادة بدريافجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فذكر له القصة، وكان معهم في الدار رجل يقال له لبيد بن سهل وكان فقيرا شجاعا مؤمنا، فقال بنو ابيرق لقتادة هذا عمل لبيد بن سهل، فبلغ لبيدا ذلك، فاخذ سيفه وخرج إليهم. وقال يابني ابيرق أترموني بالسرق وأنتم أولى به مني، وانتم المنافقون تهجون رسول الله وتنسبون إلى قريش لتبنين ذلك أو لاضعن سيفي فيكم فداروه.
وقالوا: ارجع رحمك الله فانت برئ من ذلك. وبلغهم ان قتادة مضى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فمشوا إلى رجل من رهطهم يقال له أسير بن عروة، وكان منطيقا لسنا فأخبروه، فمشى أسير إلى رسول الله صلى الله عليه وآله في جماعة، فقال: يارسول الله صلى الله عليه وآله إن قتادة بن النعمان رمى جماعة من أهل الحسب منا بالسرق واتهمهم بما ليس فيهم وجاء قتادة إلى النبي صلى الله عليه وآله فاقبل
---
(1) سورة الزمر: آية 65.

(3/313)


تفسير التبيان ج3
عليه النبي صلى الله عليه وآله، وقال عمدت إلى أهل بيت حسب ونسب رميتهم بالسرق وعاتبه فاغتم قتادة ورجع إلى عمه، فقال: ليتني مت ولم أكن كلمت رسول الله صلى الله عليه وآله فقد قال لي ما كرهت، فقال عمه الله المستعان، فنزلت هذه الآية (ومن يكسب خطيئة أو اثما ثم يرمي به بريئا)(1) يعني لبيد بن سهل حين رماه بنو ابيرق بالسرق " فقد احتمل بهتانا واثما مبينا " إلى قوله: (وكان فضل الله عليك عظيما)(2) فبلغ ذلك بني ابيرق فخرجوا من المدينة، ولحقوا بمكة وارتدوا لهم يزالوا بمكة مع قريش فلما فتح مكة هربوا إلى الشام فانزل الله فيهم (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى)(3) إلى آخر الآيات.
ولما مضى إلى مكة نزل على سلامة بنت سعد ابن شهيد امرأة من الانصار كانت ناكحا في بني عبدالدار بمكة فهجاها حسان، فقال:
وقد أنزلته بنت سعد وأصبحت
ينازعها جلد استها وتنازعه
ظننتم بأن يخفي الذي قد صنعتم
وفينا نبي عنده الوحي واضعه(4)
فحملت رحله على رأسها وألقته بالابطح وقالت. ما كنت تأتيني بخير أهديت إلي شعرحسان. ونزل فيه قوله: (ومن يشاقق الرسول)(5) هذا قول مجاهد، وقتادة بن النعمان، وابن زيد، وعكرمة، إلا أن قتادة، وابن زيد، وعكرمة قالوا: إن بني ابيرق طرحوا ذلك على يهودي يقال له زيد بن السمين، فجاء اليهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وبمثله قال ابن عباس.
وقال ابن جريج: هذه الآيات كلها نزلت في أبي طعمة بن أبي ابيرق إلى قوله: (إن الله لايغفران يشرك به. ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)(6) وقال: رمى بالدرع في دارأبي مليك ابن عبدالله الخزرجي فلما نزل القرآن لحق بقريش، وقال الضحاك: نزلت في
---
(1، 2) سورة النساء: آية 111.
(3، 5) سورة النساء: آية 114.
(4) ديوانه: 271.
(6) سورة النساء: آية 47، 115.

(3/314)


تفسير التبيان ج3
رجل من الانصار استودع درعا فجحد صاحبها فخونه رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله فغضب له قوم فاتوا نبي الله، فقالوا: أخونوا صاحبا، وهو أمين مسلم؟ فعذره النبي صلى الله عليه وآله وكذب عنه. وهو يرى أنه يرئ مكذوب عليه، فانزل الله فيه الآيات. واختار الطبري هذا الوجه وقال: لان الخيانة إنما تكون في الوديعة فأما السارق فلايسمى خائنا فحمله عليه أولى وكل ذلك جائز.
قوله تعالى: (ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لايحب من كان خوانا أثيما(107))
آية.
نهى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يجادل عن الذين يختانون أنفسهم بمعنى يخونون أنفسهم فيجعلونها خونة بخيانتهم ماخانوا من الاموال. وهم الذين تقدم ذكرهم من بني بيرق فقال: لاتخاصم عنهم فيما خانوا فيه ثم أخبر (إن الله لايحب من كان خوانا أثيما) يعني من كان صنعته خيانة الناس في أموالهم (أثيما) يعني مأثوما وبمثله قال من تقدم من المفسرين قال قتادة: وفيهم نزلت الآيات إلى قوله: (ومن يشاقق الرسول).
قوله تعالى: (يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون مالا يرضى من القول وكان الله بما تعملون محيطا(108))
آية.
معنى يستخفون يكتمون فأخبر الله تعالى ان هؤلاء الخائنين يكتمون خيانتهم من الناس الذين لايقدرون لهم على شئ إلا الذكر لهم بقبيح ما أتوه من فعلهم وتشنيع ما ركبوه إذا اطلعوا منهم على ذلك حياء منهم وحذرا من قبح

(3/315)


تفسير التبيان ج3
الاحدوثة ولايستخفون من الله الذي هو معهم بمعنى أنه مطلع عليهم لايخفى عليه شئ من أمرهم وبيده العقاب.
والنكال وتعجيل العذاب فهو أحق بأن يستحيا منه وأولى بأن يعظم من أن يراهم حيث يكرهه إذ يبيتون مالايرضى من القول معناه حين يسرون ليلا ما لا يرضى من القول فيغيرونه عن وجهه. ويكونون فيه. والتبييت هوكل كلام أو أمرأصلح ليلا وأصله من فكرهم فيه ليلا.
وقال الشاعر:
أتوني فلم أرض ما بيتوا
وكانوا أتوني بشئ نكر(1)
وحكي عن بعض طئ ان التبييت في لغتهم التبديل.
وأنشد الاسود بن عامر بن جوين الطائي في معاتبة رجل:
وبيت قولي عبد المليك
قاتلك الله عبدا كنودا(2)
يعني بدلت قولي.
وروي عن الاعمش عن أبي رزين: ان معنى " يبيتون مالايرضى " يؤلفون مالايرضى يعني في رمي البرئ بجرم السقيم.
والمعنى متقارب، لان التأليف والتشويه والتغيير عما هو عليه وتحويله عن معناه إلى غيره واحد والمعني بالآية الرهط الذين مشوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله في مسألة المدافعة عن بني ابيرق، والجدال عنه " وكان الله بما تعملون محيطا " يعني يعلم مايعلمه هؤلاء المستخفون من الناس وتبييتهم مالايرضى من القول وغيره من أفعالهم " محيطا " بمعنى عالما محصيا لايخفى عليه شئ منه حافظا لجميعه ليجازيهم عليه ما يستخفونه قال الزجاج: الذي بيتوه قولهم إن اليهودي سارق الدرع وعزمهم على أن يحلفوا انهم ما سرقوا وان يمينهم تقبل دون يمين اليهودي، لانه مخالف الاسلام.
---
(1) مرتخريجه في 3: 9؟ 2.
(2) لم نجده في مصادرنا.

(3/316)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا(109))
آية بلا خلاف.
هاأنتم (ها) للتنبيه واعيدت مع (أولاء) والمعنى ها أنتم الذين جادلتم، لان (هؤلاء، وهذا) يكون في الاشارة للمخاطبين التي أنفسهم بمنزلة الذين. وقد يكون لغير المخاطبين بمنزلة الذين، قال يزيد بن مفرغ: نجوت وهذا تحملين طليق(1) أي والذي تحملين طليق.
قال الزجاج هؤلاء بمعنى الذين، لان المخاطب المواجه لايحناج إلى الاشارة إلى نفسه.
وقال المغربي: هؤلاء كناية عن اللصوص الذين يجادل عنهم. وهو غير أنتم ولذلك حسن التكرير.
ومعنى الآية ها أنتم الذين جادلتم.
والجدال أشد الخصومة مأخوذ من جدلت الحبل إذا أحكمت فتله.
ورجل مجدول شديد.
والاجدل الصقر، لانه أشد الطيور.
والمعنى يامعاشر من جادل عن بني أبيرق في الحياة الدنيا. والهاء والميم في عنهم كناية عن الخائنين، فمن يجادل الله عنهم. معناه من ذايخاصم الله عنهم يوم تقوم الساعة يوم يقوم الناس من قبورهم إلى محشرهم فيدافع عنهم ماالله فاعل بهم.
والمعنى إنكم إن دافعتم في عاجل الدنيا فانهم سيصيرون في الآخرة إلى من لايدافع عنده عنهم أحد فيما يفعل بهم من العذاب وأليم النكال.
وقوله: (أم من يكون عليهم وكيلا) معناه ومن ذا الذي يكون وكيلا على هؤلاء الخائنين يوم القيامة يتوكل عنهم في خصومة الله عنهم يوم القيامة. وقد بينا أن الوكالة هي القيام بأمرمن يوكل له.
---
(1) قائله يزيد بن مفرغ الحميري.
حاشية الصبان 1: 160 قطر الندى 106، وأكثر كتب النحو وصدره: عدس ما لعباد عليك امارة وهو من قصيدة هجا بها عباد بن زياد بن أبي سفيان فسجنه وأطال سجنه فكلم فيه معاوية فوجه بريدا يقال له حمحام فأخرجه وقدمت له فرس (وقيل بغلة) فنفرت فقال: عدس.. الخ وعدس صوت يزجر به البغل.

(3/317)


تفسير التبيان ج3
الآية: 110 - 118
قوله تعالى: (ومن يعمل سوء ا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما(110))
آية.
المعنى: المعنى من يعمل ذنبا، وهو السوء، أويظلم نفسه باكتساب المعاصي التي يستحق بها العقوبة " ثم يستغفر الله " يعني يتوب اليه مما عمل من المعاصي، ويراجعه " يجد الله غفورا رحيما " ومعناه يعلمه ساترا عليه ذنبه بصفحه له عن عقوبة جرمه " رحيما " به. واختلفوا فيمن عنى بهذه الآية، فقال قوم: عنى بها الخائنين الذين وصفهم في الآية الالى.
وقال آخرون: عنى الذين كانوا يجادلون عن الخائنين. قال لهم: " ها أنتم جادلتم عنهم في الحياة الدنيا ". والاولى حمل الآية على عمومها في كل من عمل سوا او ظلم نفسه، وان كان سبب نزولها فيمن تقدم ذكره من الخائنين أو المجادلين. وبه قال أكثر المفسرين: الطبري، والبلخي، والجبائي، وابن عباس، وعبدالله ابن معقل، وابووائل، وغيرهم.
قوله تعالى: (ومن يكسب إثما فانما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما(111))
المعنى: المعنى من يأت ذنبا على عمد منه ومعرفة فانما يجترح وبال ذلك الذنب،

(3/318)


تفسير التبيان ج3
وضره وخزيه وعاره على نفسه دون غيره من سائر خلق الله.
والمعنى ولاتجادلوا أيها الناس الذين يجادلون عن هؤلاء الخونة - فانكم وإن كنتم لهم عشيرة وقرابة - فيما أتوه من الذنب، ومن التبعة التي يتبعون بها، فانكم متى دافعتم عنهم أو خاصمتم بسببهم كنتم مثلهم، فلا تدافعوا عنهم ولاتخاصموا " وكان الله عليما حليما " يعني عالما بما تفعلون أيها المجادلون عن الخائنين أنفسهم، وغير ذلك من أفعالهم وافعال غيرهم " حكيما " في أفعاله من سياستكم وتدبيركم، وتدبير جميع خلقه. وقيل: إنها نزلت في أبريق. وفي الآية دلالة على أنه لايؤخذ أحد بجرم غيره، ولايعاقب الاولاد بذنوب الآباء على ما يذهب اليه قوم من أهل الحشو. ومثله قوله: " ولاتزر وازرة وزر أخرى "(1).
قوله تعالى: (ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا(112))
آية بلاخلاف.
اللغة، والمعنى: الخطيئة، والخطئ: الاثم العمد، تقول: خطئ يخطأ: إذا تعمد الذنب، وأخطأ يخطأ: إذا لم يتعمد.
قال الزجاج: لما سمى الله تعالى المعاصي بانها خطيئة ووصفها دفعة أخرى بانها إثم، فصل بينهما ههنا حتى يدخل الجنسان فيه.
وقال غيره: المعنى من يعمل خطيئة، وهي الذنب، أو إثما، وهو مالا يحل من المعصية، وفرق بين الخطيئة والاثم، لان الخطيئة قد تكون عمداوغير عمد، والاثم لايكون إلا عمدا. فبين تعالى أن من يفعل خطيئة على غير عمد منه لها مما يلزمه
---
(1) سورة الانفال: آية 164.

(3/319)


تفسير التبيان ج3
فيه الغرامة، وان لم يكن إثم فيه، أو آثما فيه على عمد منه، وهو مايستحق به العقاب " ثم رمى به بريئا " يعني أضافه إلى من هو برئ منه " فقد احتمل بهتانا " يعني فقد تحمل بفعله ذلك فرية وكذبا " وإثما مبينا " يعني وجرما عظيما.
والبهتان: الكذب الذي تتحير فيه من عظمه وبيانه.
يقال: بهت فلان: إذا كذب، وبهت يبهت: إذا تحير، قال الله تعالى: " فبهت الذي كفر "(1) وإنما قال " به " وقد ذكر الخطيئة والاثم قال الفراء: لانه يجوز أن يكنى عن الفعلين أحدهما مؤنث والآخر مذكر بلفظ التذكير والتوحيد ولوكثر لجازت الكناية بالتوحيد، لان (الافاعيل) تقع على فعل واحد، فكذلك جاز، فان شئت جعلتها لواحد، وإن شئت جعلت الهاء للاثم خاصة كما قال: " وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا اليها "(2) فجعله للتجارة.
وفي قراء ة عبدالله " وإذا رأوا لهوا أو تجارة " فجعله للتجارة في تقديمها وتأخيرها.
ولو ذكر على نية اللهو لجاز وقد جاء مثنى، قال تعالى: " إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما "(3) وفى قراء ة أبي " إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهم ".
وفي قراء ة عبدالله بن مسعود مثله، لانه في مذهب الجمع كما يقول: أصبح الناس صائما ومفطرا، فأدى اثنان عن الجمع.
وقال الزجاج: المعنى ثم يرمي بذلك بريئا.
قال رؤبة:
فيه خطوط من سواد وبلق
كأنه في الجلد توليع البهق(4)
أي كأن ذلك. واختلفوا فيمن عنى به بقوله: " بريئا " بعد إجماعهم على أن الرامي ابن أبيرق، فقال قوم: البرئ رجل مسلم يقال له: لبيد بن سهل.
وقال آخرون: بل هو رجل يهودي يقال له زيد بن السمين. وقد ذكرناه فيما مضى.
وبالاخير قال ابن سيرين، ورواء ابوالجارود عن ابي جعفر (ع).
---
(1) سورة البقرة، آية 257.
(2) سورة الجمعة، آية 11.
(3) سورة النساء، آية 134.
(4) انظر 1: 296.

(3/320)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شئ وأنزل عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما(113))
آية.
معنى الآية لولا أنه تعالى تفضل عليك يامحمد فعصمك بتوفيقه وبيانه لك أمر هذا الخائن حتى كففت عن الجدال عنه " لهمت طائفة " ومعناه لقد همت فرقة منهم، بتقدير (قد) ذكره الفراء. ويعني بالفرقة التي همت من الخائنين أنفسهم " أن يضلوك " بمعنى يزلوك عن الحق، ويخطئوك.
وقيل: يهلكوك بتلبيسهم أمر الخائن عليك وشهادتهم عندك بانه برئ مما ادعي عليه، ثم قال تعالى: " وما يضلون " هؤلاء الذين هموا باضلالك عن الواجب في أمر هذا الخائن " إلا انفسهم ". واضلالهم انفسهم كان بأن الله لما كان قد بين لهم ما ينبغي أن يعملوا عليه من المعاونة على البر والتقوى، والا يتعاونوا على الاثم والعدوان، فلما عدلوا عن ذلك وتعاونوا على الاثم والعدوان، فكانوا بذلك مضلين انفسهم عن طريق الحق.
وقوله: " وما يضرونك من شئ " يعني هؤلاء الذين هموا بازلالك، لايضرونك، لان الله قديثبتك ويسددك في أمورك، ويبين لك أمرالمحق والمبطل.
" وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة " معناه ومن فضل الله عليك يامحمد، ما تفضل به عليك، انزاله عليك الكتاب الذي هوالقرآن، وفيه تبيان كل شئ وهدى وموعظة وانزل عليك الحكمة مضافة إلى الكتاب، وهي بيان ما ذكره في الكتاب مجملا من أحكام الكتاب: من الحلال والحرام، والامر والنهي " وعلمك مالم تكن تعلم " من خبر الاولين والآخرين وما كان وماهو كائن. وكل ذلك من فضل الله.

(3/321)


تفسير التبيان ج3
وقوله: " وكان فضل الله عليك عظيما " يعني لم يزل فضل الله عليك يامحمد عظيما، فاشكره على ما أولاك من نعمه واحسانه.
قال الجبائي: وفي الآية دلالة على ان التسمية بالضلال تسمى اضلالا، لانه لوكان ذلك صحيحا، لكانوا قد اضلوا النبي صلى الله عليه وآله حيث نسبوه إلى الضلال وقد نفى الله عنه ذلك.
وهذا ليس بصحيح لامرين: أحدهما - انهم ما سموه بهذا الفعل ضالا، وانما قصدوا التمويه، والتلبيس عليه، فلما كشف الله تعالى ذلك بطل غرضهم. والثاني - ان من قال: إن الضلال يكون بمعنى التسمية لم يقل: إنه لايكون الا كذلك، لان الاضلال على وجوه مختلفة: بمعنى التسمية، وغير ذلك مما بيناه فيما تقدم.
والاضلال يكون بمعنى الدفن قال النابغة:
وآب مضلوه بغير جلية
وغودر بالجولان جرم ونائل(1)
يعني دافنوه.
قوله تعالى: (لاخير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما(114))
آية بلاخلاف.
(القراء ة والحجة): قرأ " فسوف يؤتية " - بالياء - ابوعمر، وحمزة، وقتيبة، وخلف.
---
(1) انظر 1: 194.

(3/322)


تفسير التبيان ج3
الباقون بالنون من قرأ بالياء حمله على قوله: " ومن يفعل ". ومن قرأ بالنون حمله على المعنى.
أخبر الله تعالى: أنه لاخير في كثير من نجوى الناس جميعا.
والنجوى هو ما ينفرد به الاثنان أو الجماعة سرا كان أو جهرا.
ويقال: نجوت الشئ: إذا خلصته والقيته.
يقال: نجوت الجلد: إذا القيته عن البعير، وغيره قال الشاعر:
فقلت انجوا عنها نجا الجلد إنه
سيرضيكما منها سنام وغاربه(1)
ونجوت فلانا: اذا استنكهته
قال الشاعر:
نجوت مجالدا فوجدت منه
كريح الكلب مات حديث عهد(2)
ونجوت الوتر واستنجيته إذا خلصته كما قال الشاعر:
فتبازت فتبازخت لها
جلسة الاعسر يستنجي الوتر(3)
وأصله كله من النجوة، وهوما ارتفع من الارض، قال الشاعر يصف سيلا:
فمن بنجوته كمن بعقوته
والمستكن كمن يمشي بقرواح(4)
ويقول: ما أنجا فلان شيئا ومانجا شيئا منذ أيام إذا لم يتغوط.
والتقدير في الآية " لاخير في كثير " مما يديرونه بينهم من الكلام " إلا " كلام " من أمر بصدقة أومعروف أوإصلاح بين الناس ".
الاعراب: قال الزجاج يحتمل موضع من نصبا وأن يكون خفضا، فالخفض على إلا في نجوى من أمر بصدقة أومعروف أو اصلاح. والنصب على أن يكون إستثناء منقطعا بمعنى لكن كأنه قال: لكن من أمربصدقة أومعروف ففي نجواه خير. وطعن بعضهم على الوجه الاول بأن قال لايجوز أن يعطف بالاعلى الهاء والميم في مثل هذاالموضع من أجل أنه لم ينله الجحد.
وقال الفراء: يحتمل الخفض على
---
(1) لسان العرب: (نجا).
(2) انظر: 218، اللسان (بحا).
(3) اللسان " نجا " ويروى. جلسة الجازر. قائله عبدالرحمن بن حسان.
(4) قائله عبيد بن الابرص. مرفي 1: 218. اللسان نجا

(3/323)


تفسير التبيان ج3
تقدير لاخيرفى كثير من نجواهم إلا فيمن أمر بصدقة فيكون النجوى على هذا هم الرجال المتناجون كما قال: (مايكون من نجوى ثلاثة الاهو رابعهم)(1) وكما قال: " واذهم نجوى "(2) والنصب على أن يجعل النجوى فعلافيكون نصبا، لانه حينئذ يكون استثناء منقطعا، لان (من) خلاف النجوى ومثله قول الشاعر:
وقفت فيها أصيلالا أسائلها
أعيت جوابا وما بالدار من أحد(3)
إلا الاواري لاياما ابينها
والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد
ويحتمل وجها ثالثا أن يكون رفعا كما قال الشاعر:
وبلدة ليس بها أنيس
إلا اليعافير والاالعيس(4)
واقوى الوجوه أن تجعل (من) في موضع خفض بالرد النجوى، ويكون بمعنى المتناجين، خرج مخرج السكرى والجرحى، ويكون التقدير لاخير في كثير من نجواهم يعني من المتناجين يامحمد إلا فيمن أمر بصدقة أو معروف أو اصلاح بين الناس، فان أولئك فيهم الخير.
وقوله: " ومن يفعل ذلك " اشارة إلى ماتقدم من الامر بالصدقة والمعروف والاصلاح بين الناس ابتغاء مرضاة الله يعني طلب مرضاة الله ونصب ابتغاء على أنه مفعول له وتقديره لابتغاء مرضاة الله، وهو في معنى المصدر، لان التقدير ومن يتبع ذلك ابتغاء مرضاة الله.
وقوله: " فسوف نؤتيه أجرا عظيما " يعني ثوابا جزيلا في المستقبل.
---
(1) سورة المجادلة، آية / 7.
(2) سورة الاسرى، آية 47.
(3) أنظر 1: 44 (وأصيلالا) فيها روايتان أخريان: أصيلانا وأصيلاكي. والبيتان للنابغة من معلقته المشهورة.
(4) أنظر 1: 151 ومعاني الفراء 1: 288.

(3/324)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ماتولى ونصله جهنم وساء ت مصيرا(115))
آية بلاخلاف.
المعنى: معنى يشاقق الرسول يباين الرسول معاديا له، فيفارقه على العداوة، لان المشاقة هي المباينة على وجه العداوة، من بعد ما تبين له الهدى " معناه من بعد مانبين له وظهر أنه رسول الله، وأن ما جاء به من عند الله حق، وهدى موصل إلى الصراط المستقيم بمامعه من الآيات والمعجزات مثل القرآن وغيره.
وقوله: " ويتبع غيرسبيل المؤمنين " معناه ويتبع غير سبيل من صدقه وسلك منهاجا غير منهاجهم " نوله ما تولى " معناه نجعل ناصره ما استنصره واستعان به من الاوثان والاصنام وهي لا تغنيه ولاتدفع عنه من عذاب الله شيئا " ونصله جهنم " أي ونجعله صلى نار جهنم معناه نحرقه بها وقد بينا معنى الصلى فيما تقدم " وساء ت مصيرا " يعني موضعا يصير إليه من صار اليه.
[ القراء ة ]: وقرأ ابوعمرو وحمزة وابوبكر الاالبرجمي، والداجوى عن هشام، وابوجعفر من طريق النهرواني قوله " ونصله، ونوده " " ولايؤده " حيث وقع بسكون الهاء فيهن، قال الزجاج يقول في ذلك كسر الهاء، واثبات الياء وضم الهاء، واشباعها بالواو وبكسر الهاء بلاياء.
ولايجوز اسكان الهاء بلاكسر، لان الهاء من حقها أن تكون معهاياء فحذف الياء.
واثبات الياء وضم الهاء ضعيف، ولايجوز حذف الياء إلا اذا كان هناك كسرة يدل عليها النزول والمعنى.
ونزلت هذه الآية في الخائنين الذين ذكرهم الله في قوله: " ولاتكن للخائنين خصيما " لما أبى التوبة أبوطعمة بن الابيرق ولحق بالمشركين من عبدة الاوثان بمكة مرتدا مفارقا رسول الله صلى الله عليه وآله وهو قول مجاهد وقتادة، وأكثر المفسرين.
وهو المروي عن أبى جعفر عليه السلام.
وقد استدل خلق من المتكلمين، والفقهاء بهذه الآية على أن الاجماع حجة،

(3/325)


تفسير التبيان ج3
بأن قالوا: توعد الله على اتباع غير سبيل المؤمنين كما توعد على مشاقة الرسول صلى الله عليه وآله فلولا أن اتباعهم واجب لم يجز ذلك، وهذا ليس بصحيح من وجوه: أحدها - أن الآية نزلت في من تقدم ذكره وكان قد ارتد ولحق بالمشركين فيجب أن يتناوله ويتناول كل من يجري مجراه من المرتدين ومخالفي الاسلام.
والثاني - أن من أصحابنا من قال: لانسلم أنه أزاد ب‍ (من) في هذه الآية الاستغراق، ولابلفظة (سبيل) جميع السبل، ولا ب‍ (المؤمنين) جميع المؤمنين، فمن أين لهم وجوب الاستغراق.
وإذا احتمل التخصيص، جاز لنا أن نحمل على سبيل الايمان الذي من خالفه كان كافرا، أو المؤمنين أراد به الائمة المعصومين، ولو جاز حملها على العموم، لوجب حملها على أهل جميع الاعصار على وجه الجمع دون أهل كل عصر، لان العموم يقتضي ذلك، فاذا خصوا بأهل كل عصر، خصصنا ببعض أهل العصر على أنه إنما حرم اتباع غير سبيل المؤمنين، فمن أين وجوب اتباع سبيلهم، ولم لايجوز أن يكون اتباع غير سبيلهم محصورا.
واتباع سبيلهم موقوفا على الدليل، ويجوز أن يكون أيضا محظورا مثله أو مباحا أو مندوبا، فمن أين الوجوب مع احتمال جميع ذلك على أنه لو سلم جميع ذلك، لكان يجب علينا اتباع إذا كانوا مؤمنين، لانه هكذا أوجب، فمن أين انهم لايخرجون عن كونهم مؤمنين.
ووجوب الاتباع تابع لكونهم مؤمنين، فيحتاجون إلى دليل آخر في أنهم لايخرجون عن كونهم مؤمنين غير الآية على أن ظاهر الآية يتضمن أن من شاق الرسول واتبع غير سبيل المؤمنين يتناوله الوعيد، فمن أين أنه إذا انفرد احدهما عن الآخر يتناوله الوعيد.
ونحن إنما نعلم تناول الوعيدعلى مشاقة الرسول صلى الله عليه وآله بانفرادها بدليل غيرالآية، فعلى من خالف أن يقول: إن اتباع غير سبيل المؤمنين يتناوله الوعيد بدليل غير الآية.
وقد استوفينا ما في هذه الآية في أصول الفقه، وغيره من كتبنا مشروحا لانطول بذكره ها هنا.

(3/326)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (إن الله لايغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا(116))
آية بلاخلاف
اخبرالله تعالى في هذه الآية أنه لايغفر الشرك، وأنه يغفر ما دونه، وقد بينا الاستدلال بذلك على مانذهب اليه من جواز العفو عن مرتكبي الكبائرمن أهل الصلاة، وإن لم يتوبوا فما مضى، فلاوجه لاعادته وقيل أنه عنى بهذه الآية أباطعمة الخائن حين أشرك ومات على شركه بالله، غير أن الآية وإن نزلت بسببه، فعندنا وعند جميع الامة أن الله لايغفر لمن أشرك به بلاتوبة: لتناول العموم لهم، فان قيل: فعلى هذا من لم يشرك بالله بان لايعبد معه سواه، وإن كان كافرا بالنبي صلى الله عليه وآله من اليهود النصارى ينبغي أن يكون داخلا تحت المشيئة، لانه مما دون الشرك !
قلنا: ليس الامرعلى ذلك لان كل كافر مشرك، لانه إذا جحد نبوة النبي اعتقد أن ماظهر على يده من المعجزات - ليست من فعل الله، ونسبها إلى غيره، وان الذي صدقه بها ليس هوالله، ويكون ذلك اشراكا معه على أن الله تعالى أخبرعنهم بأنهم قالوا: - يعني النصارى - " المسيح ابن الله، وقالت اليهود عزيز بن الله "(1) وذلك هوالشرك بالله تعالى على أنه لولم يكونوا داخلين في الشرك لخصصناهم من جملة من تناولتهم المشيئة لاجماع الامة على أن الله تعالى لايغفر الكفر على وجه الابتوبة.
وقوله: " ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا " يعني من يجعل في عبادته مع الله شريكا، فقد ذهب عن طريق الحق وزال عن قصد السبيل ذهابا بعيدا، لانه باشراكه مع الله في عبادته فقد أطاع الشيطان، وسلك طريقه وترك طاعة ربه.
---
(1) سورة التوبة، آية 31.

(3/327)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (إن يدعون من دونه إلا اناثا وان يدعون الا شيطانا مريدا(117))
آية
اختلفوا في تأويل هذه الآية على خمسة أقوال: فقال أبومالك، والسدي، وابن زيد، والزجاج: ان المراد بذلك آلهتهم، واللات، والعزى، ومنات، وساف، ونائله سماهن إناثا بتسمية المشركين اياها باسماء الاناث.
الثاني - قال ابن عباس، وقتادة، والحسن: معناه ان يدعون من دونه الا اناثا يقول ميتا ليس فيه روح، قال الحسن: الاناث كل شئ ميت ليس فيه روح، مثل خشبة يابسة أو حجر يابس. وقال الزجاج لان الموات يخبر عنها بلفظ التأنيث كما يعبر عن المؤنث تقول: الاحجار تعجبني ولاتقول يعجبوني.
الثالث - قال الحسن في رواية أخرى: إن أهل الاوثان كانوا يسمون أوثانهم أناثا، وكان لكل حي صنم يسمونها أنثى.
الرابع - قال مجاهد: الاناث هي الاوثان. وروي عن عروة عن أبيه أن في مصحف عائشة الاأوثانا وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأها إلا وثنا جمع وثن كأنه جمع وثنا، وثنا، ثم قلب الواو همزة مضمومة مثل وجوه وأوجه وقتت واقتت، وقرأ بعضهم أنثا جمع أناث مثل ثمار وثمر والقراء ة المشهورة أناثا، وعليه القراء من أهل الامصار.
الخامس - قال الحسين بن علي المغربي: إلا اناثا معناه ضعافا عاجزين لاقدرة لهم يقولون: سيف أنيث وميناثة بالهاء وميناث أي غير قاطع. قال صخر الغي:
فتخبره بأن العقل عندي
جراز لاأفل ولاأنيث
وأنث في أمره: اذالان، وضعف والانيث المخنث، وقال الكميت:
وشذبت عنهم شوك كل قتادة
بفارس يخشاها الانيث المغمز

(3/328)


تفسير التبيان ج3
قال الازهري: والاناث الموات.
وقوله: (وان يدعون الاشيطانا مريدا) المعنى إن هؤلاء الذين يعبدون غير الله ليس يعبدون الا الجمادات، والا الشيطان المريد وهو المتمرد على الله في خلافه فيما أمر به ونهى عنه وهو ابليس، وبه قال قتادة واكثر المفسرين " ويدعون " معناه يعبدون، لانهم، إذا دعوا الله مخلصين، فقد عبدوه، ومثله قوله: " ادعوني استجب لكم "(1) اي اعبدوني بدلالة قوله: " ان الذين يستكبرون عن عبادتي "(1) قال الزجاج: المريد هوالخارج عن الطاعة يقال حائط ممرد أي مملس وشجرة مرداء إذا تناثر ورقها ومنه سمي أمرد ومن لالحية له أي أملس موضع اللحية، ويقال مرد الرجل يمرد مرودا ومرادة: إذا عتا وخرج عن الطاعة.
قوله تعالى: (لعنه الله وقال لاتخذن من عبادك نصيبا مفروضا(118))
آية.
معنى لعنه الله ابعده الله من ثوابه، واخزاه واقصاه والهاه في (لعنه) الله كناية عن الشيطان والتقدير، وان يدعون إلا شيطانا مريدا قد لعنه الله وابعده من كل خير.
وقوله: " وقال لاتخذن " يعني بذلك ان الشيطان المريد قال لربه (عزوجل) اذ لعنه: لاتخذن من عبادك نصيبا مفروضا يعني قسما معلوما وبه قال الضحاك. واتخاذ الشيطان النصيب من عباد الله يكون باغوائه اياهم عن قصد السبيل، ودعائه اياهم إلى طاعته، وتزيينه لهم الضلال والكفر، فمن أجاب دعاء ه واتبعه، فهو من نصيبه المعلوم، وحظه المقسوم، وانما اخبر بذلك ليعلم الذين شاقوا الرسول من بعد ماتبين له الهدى انهم من نصيب الشيطان الذي لعنه الله.
والمفروض: الموقت.
---
(1) سورة المؤمن، آية 60.

(3/329)


تفسير التبيان ج3
والمعنى هاهنا ما افترضه عليهم من طاعتي والفرض: القطع والفريضة الثلمة تكون في النهر والفريضة: كل ما أمر الله به والزمه وقوله: " وقد فرضتم لهن فريضة "(1) أي قطعة من المال وفرضت للرجل: إذا جعلت له قطعة من مال الفئ والفرض التمر قال الشاعر:
إذا اكلت سمكا وفرضا
ذهبت طولا وذهبت عرضا(2)
وإنما سمي التمر فرضا لانه يؤخذ في فرائض الصدقة يقال: سقاها بالفراض والفرض والفرض الحز يكون في المسواك يشد فيه الخيط، والفرض في القوس: الحز يشد فيه الوتر.
---
(1) سورة البقرة، آية 277.
(2) لسان العرب (فرض).

(3/330)


تفسير التبيان ج3
الآية: 119 - 129
قوله تعالى: (ولاضلنهم ولامنينهم ولامرنهم فليبتكن اذان الانعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا(119) يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان الاغرورا(120) أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا(121))
ثلاث آيات.
المعنى: قوله: " ولاضلنهم " إخبار عن الشيطان المريد الذي وصف صفته في الآية الاولى انه قال لربه: " لاتخذن من عبادك نصيبا مفروضا.
ولاضلنهم " ومعناه ولاصدن النصيب المفروض الذي اتخذه من عبادك عن محجة الهدى إلى الضلال ومن الاسلام إلى الكفر " ولامنينهم " ومعناه أوهمهم انهم ينالون في الآخرة حظا لازيغنهم بما أجعل في أنفسهم من الاماني عن طاعتك وتوحيدك إلى طاعتي والشرك بي " ولامرنهم فليبتكن اذان الانعام " يعني لامرن النصيب المفروض من

(3/331)


تفسير التبيان ج3
عبادك بعبادة غيرك من الانداد والاوثان ينسكوا له ويحرموا يحللوا ويشرعوا غير الذي شرعه الله لهم فيتبعوني ويخالفوك.
اللغة: والتبتيك: القطع تقول بتكت الشئ ابتكه تبتيكا: إذا قطعته. وبتكه وبتك مثل قطعه وقطع وسيف باتك: قاطع والمراد في هذا الموضع قطع اذن البحيرة، ليعلم انها بحيرة. واراد الشيطان بذلك دعاء هم إلى البحيرة فيستجيبون له، ويعملون بها طاعة له.
قال قتادة: البتك قطع اذان البحيرة والسائبة لطواغيتهم وقال السدي: كانوا يشقونها.
وبه قال عكرمة وقوله: " ولامرنهم فليغيرن خلق الله " اختلفوا في معناه فقال ابن عباس، والربيع بن انس عن انس: انه الاخصاء وكرهوا الاخصاء في البهائم وبه قال سفيان، وشهر بن حوشب، وعكرمة وابوصالح وفي رواية أخرى عن ابن عباس فليغيرن دين الله وبه قال إبراهيم ومجاهد وروي ذلك عن ابي جعفر وابي عبدالله عليهم السلام قال مجاهد: كذب العبد يعني عكرمة في قوله: إنه الاخصاء وإنما هو تغيير دين الله الذي فطر الناس عليه في قوله: " فطرة الله التي فطر الناس عليها لاتبديل لخلق الله ذلك الدين القيم "(1) وهو قول قتادة، والحسن والسدي، والضحاك، وابن زيد.
وقال قوم: هوالوشم.
روي ذلك عن الحسن والضحاك وابراهيم ايضا وعبدالله.
وقال عبدالله: لعن الله الواشمات والموتشمات والمتفلجات المغيرات خلق الله وقال الزجاج: خلق الله تعالى الانعام ليأكلوها، فحرموها على انفسهم وخلق الشمس والقمر والحجارة مسخرة للناس ينتفعون بها، فعبدها(2) المشركون وأقوى الاقوال من قال: فليغيرن خلق الله بمعنى دين الله بدلالة قوله: " فطرة الله التي فطر الناس عليها لاتبديل لخلق الله ذلك الدين القيم " ويدخل في ذلك جميع ماقاله المفسرون، لانه إذا كان ذلك خلاف الدين فالآية تتناوله، ثم اخبر تعالى عن حال نصيب الشيطان المفروض الذين شاقوا
---
(1) سورة الروم: آية 3.
(2) في الاصل (فعبدوها)

(3/332)


تفسير التبيان ج3
" الله ورسوله من بعد ما تبين له الهدى "(1) فقال ومن يتبع الشيطان فيطيعه في معصية الله وخلاف امره " فقد خسر خسرانا مبينا " معناه هلك هلاكا ظاهرا، وبخس نفسه حظها خسرانا مبينا عن عطيه وهلاكه، لان الشيطان لايملك له نصيرا من الله إذاأراد عقابه، ثم اخبر تعالى الشيطان أنه يعد من يتبعه ويمنيهم فيعدهم النصر ممن ارادهم، ويمنيهم الظفر على من أرادهم بمكروه، ثم قال تعالى: " ومايعدهم الشيطان إلا غرورا " يعني باطلا وسماه غرورا، لانهم كانوا يظنون أن ذلك حق، فلما بان لهم انه باطل، كان غرورا وقوله ": اولئك ماواهم جهنم " إشارة إلى هؤلاء الذين اتخذوا الشيطان وليا من دون الله مأواهم يعني مصيرهم الذين يصيرهم اليه جهنم ولايجدون عنها محيصا يعني لايجدون عنها معدلا إذا حصلوا فيها.
[ اللغة ]: يقول حاص فلان عن هذا الامر يحيص حيصاوحوصا: اذا عدل عنه ومنه حديث ابن عمر (بعثارسول الله صلى الله عليه وآله سرية، كنت فيهم فلقينا المشركون فحصنا حيصة) وقال بعضهم: فجاضوا جيضة وهما بمعنى واحد، غير انه لايقرأ إلابالصاد والحاء وحصت احوص حوصا وحياصا إذا خطت يقال حص عين صقرك، اي خط عينه والحوص في العين مؤخرها. والخوص غورها.
قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ومن اصدق من الله قيلا(122))
آية
---
(1) سورة النساء آية: 114.

(3/333)


تفسير التبيان ج3
لما ذكرالله تعالى حكم من يشاقق الرسول، ويتبع غير سبيل المؤمنين، وذكر ان من يشرك به لايغفر له وبين حكم من يتبع الشيطان ويكون من نصيبه، ذكر في هذه الآية حكم من يؤمن به ويوحده، ويقر بنبيه ويصدقه ويضيف إلى ذلك عمل الصالحات، وانه سيدخلهم جنات تجري من تحتها الانهار ثوابا على اعمالهم، وجزاء إيمانهم، ويخلدهم فيها " وخالدين " نصب على الحال والمعنى ان هذه الحال ستدوم لهم، وتتأبد، وان ذلك وعد حق من الله لهم.
وقوله: " ومن اصدق من الله قيلا " صورته صورة الاستفهام والمراد به التقرير والانكار والمعنى لاأحد اصدق من الله قيلا أي قولا ووعدا، لانه لايجوز عليه خلف الميعاد ولاالاخلال بما يجب عليه من الثواب. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
قوله تعالى: (ليس بامانيكم ولا اماني اهل الكتاب من يعمل سوء يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولانصيرا(123))
آية
المعنى: في (ليس) ضمير والتقدير ليس الثواب بامانيكم، ولاأماني أهل الكتاب والاماني يخفف ويثقل فيقال بامانى واماني على وزن افاعيل وفعالل كقراقير وقراقر. واختلفوا في من عنى بهذه الآية فقال مسروق تفاخر المسلمون، وأهل الكتاب، فقال المسلمون نحن اهدى منكم.
وقال أهل الكتاب: نحن اهدى منكم.
فانزل الله تعالى: " ليس بامانيكم ولاأماني أهل الكتاب من يعمل سوء يجزبه " فقال أهل الكتاب نحن وأنتم سوآء فانزل الله تعالى " ومن يعمل من الصالحات من ذكر وانثى وهومؤمن "(1) ففلح المسلمون. ذهب إلى ذلك قتادة والسدي، والضحاك وابو صالح.
---
(1) في المطبوعة (ففنج).

(3/334)


تفسير التبيان ج3
وقال مجاهد معناه ليس بامانيكم يعني أهل الشرك من قريش، لانهم قالوا: لانبعث ولانعذب، ولااماني أهل الكتاب انهم خير من المسلمين، ولايدخل الجنة إلامن كان هودا أو نصارى ذهب اليه ابن زيد وهذا الوجه أقوى لانه لم يجر لاماني المسلمين ذكر وقد جرى ذكر اماني الكفار في قوله: " ولامنينهم " يعني الذي يتخذهم الشيطان نصيبا مفروضا " ويقوي ذلك أن الله تعالى قد وعد المؤمنين بقوله: " والذين آمنوا وعملوا الصالحات " بادخال الجنة والخلود فيها. وتلك غاية أماني المسلمين، فكيف ينفي بعد ذلك امانيهم؟.
وقوله: " ومن يعمل سوء يجزبه " اختلفوا في تأويله فقال قوم: إنه يريد بذلك جميع المعاصي صغائرها وكبائرها وإن من ارتكب شيئا منها، فان الله يجازيه عليها. اما في الدنيا أو في الآخرة ذهب اليه قتادة وعائشة، ومجاهد.
وقال آخرون: من يعمل سوء من أهل الكتاب، نجزيه ذهب اليه، الحسن. قال: كقوله: " وهل نجازي الاالكفور "(1) وبه قال ابن زيد والضحاك وهو الذي يليق بمذهبنا، لانا نقطع على ان الكفار لايغفر لهم على حال والمسلمون يجوز أن يغفر لهم ما يستحقونه من العقاب، فلايمكننا القطع على أنه لابد أن يجازي بكل سوء.
وقال قوم: معنى السوء هاهنا الشرك فمعنى الآية من يعمل الشرك يجزبه(2) ذهب اليه ابن عباس وسعيد بن جبير.
وروى أبوهريرة انه لما نزلت هذه الآية شقت على المسلمين، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال صلى الله عليه وآله: فادفعوا وتشددوا، ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها او الشوكة يشاكها.
وقيل لبعض الصحابة: أليس بمرض، اليست تصيب اللاواء؟. قال: بلى فهو ما تجزون به.
وقوله: " ولاتجد له من دون الله وليا ولا نصيرا " معناه ولايجد الذي يعمل سوء من معاصي الله، وخلاف امره وليا يلي أمره وينصره ويحامي عنه، ويدفع عنه ماينزل به من عقوبة الله، " ولانصيرا " يعني ناصرا ينصره مما يحل به من عقاب الله، واليم عذابه.
واستدلت المعتزلة على المنع من غفران معاصي أهل
---
(1) سورة سبأ، آية 17.
(2) في المطبوعة (ينجزبه).

(3/335)


تفسير التبيان ج3
الصلاة بهذه الآية.
قالوا: لانه تعالى بين أنه يجازي على كل سيئة، وذلك يمنع من جواز العفو قلنا: قد تكلمنا على نظير ذلك فيما مضى بما يمكن اعتماده هاهنا منها انا لانسلم انها تستغرق جميع من فعل السوء، بل في أهل التأويل من قال: المرادبه الشرك. وهو ابن عباس وقد قدمناه، ثم لاخلاف ان الآية مخصوصة، لان التائب ومن كانت معصيته صغيرة، لايتناوله العموم، فاذا جاز لهم تخصيص الفريقين، جاز لناأن نخص من يتفضل الله عليه بالعفو. وهذا واضح وقد بينا الجواب عما يزاد على ذلك من الاسئلة بما فيه كفاية فيما مضى وفي كتاب شرح الجمل، لانطول بذكره هاهنا.
قوله تعالى: (ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فاولئك يدخلون الجنة ولايظلمون نقيرا(124))
آية.
[ القراء ة ]: قرأابن كثير وابوعمرو، وابوبكر، الاالكسائى وابوجعفر وروم " يدخلون " بضم الياء وفتح الخاء هاهنا وفي مريم والمؤمن. وافقهم رويس الافي هذه السورة.
[ المعنى ]: وعد الله تعالى بهذه الآية جميع المكلفين من الذكور والاناث إذا عملوا الاعمال الصالحات، وهم مؤمنون مقرون بتوحيد الله وعدله، مصدقون بنبيه صلى الله عليه وآله، عاملون لما اتى به بأنه يدخلهم الجنة وينيبهم فيها، ولايبخسهم شيئا مما يستحقونه من الثواب، وان كان مقدار نقير في الصغر، وهي النقطة التي في ظهر النواة، وقيل منها تنبت النخلة.

(3/336)


تفسير التبيان ج3
ومن ضم الياء وفتح الخاء، فلانه قال: " ولايظلمون " فضم الياء، ليزدوج الكلام، ولانهم لايدخلونها حتى يدخلوها. ومن فتح الياء، فلانهم إذا ادخلوا الجنة، فقد دخلوها.
فان قيل ظاهر الآية يقتضي انه لايثيب الا من آمن وعمل الصالحات فمن انفرد بالايمان، لايستحق الثواب، وكذلك من فعل بعض الصالحات قلنا: ظاهر العموم مخصوص بلاخلاف لانه لو آمن بالله واليوم الآخر واخترم عقيبه، لاخلاف انه يدخل الجنة، فكذلك إذا اخل ببعض الصالحات أو ارتكب معصية، فانا نعلم دخوله الجنة بدليل آخر على أن (من) في قوله: " من الصالحات " يقتضي انه لوفعل بعض الصالحات لادخل الجنة، لانها للتبعيض. وانما تقتضي الاستغراق إذا حملت على ان معناها بيان الصفة، فاذا احتمل الظاهر ما قلناه، سقطت المعارضة فاما من قال: ان (من) زائدة فلايعول على قوله، لانه إذا امكن حمل الكلام على فائدة، لم يجز أن يحمل على الزيادة. وبما قلناه في معنى النقير، قال مجاهد وعطية والسدي وغيرهم.
قوله تعالى: (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة ابراهيم حنيفا واتخذ الله ابراهيم خليلا(125))
آية: قضى الله تعالى في هذه الآية للاسلام بالفضل على سائر الملل بقوله: ومن أحسن دينا ايها الناس وهو في صورة الاستفهام. والمراد به التقرير.
والمعنى من احسن دينا وأصوب طريقا، واهدى سبيلاممن اسلم وجهه الله يعني استسلم وجهه لله. والوجه يراد به هاهنا نفسه وذاته كما قال: " كل شئ هالك الاوجهه "(1) فانقادله بالطاعة ولنبيه صلى الله عليه وآله بالتصديق " وهو محسن " بمعنى وهو فاعل للفعل الحسن مما امره الله به " واتبع ملة ابراهيم حنيفا " يعني واتبع الذي كان عليه (ابراهيم)،
---
(1) سورة القصص، آية 88.

(3/337)


تفسير التبيان ج3
وامر به نبيه من بعده، وأوصاهم به من الاقرار بتوحيده، توعدله وتنزيهه عمالايليق به " حنيفا " يعني مستقيما على منهاجه وسبيله. وقد بينا فيما مضى معنى الحنيف، فلافائدة في إعادته، وبمثل ذلك قال الضحاك، وغيره من المفسرين.
وقوله: " واتخذالله ابراهيم خليلا " ومعنى الخليل يحتمل أمرين: احدهما - المحبة، مشتقا من الخلة بضم الخاء والمعنى اتخذ الله ابراهيم محبا وتكون خلة ابراهيم: موالاته لاولياء الله ومعاداته لاعدائه. وخلة الله له نصرته على من اراده بسوء مثل مااراد نمرود من احراقه بالنار، فانقذه الله منها، وأعلى حجته عليه. وكما فعل بملك مصر حين راوده عن اهله، وجعله اماما لمن بعده من عباده، وقدوة لهم.
والثاني - ان يكون ذلك مشتقا من الخلة التي هي الفقر بفتح الخاء - كما قال زهير يمدح هرم بن سنان:
وان أتاه خليل يوم مسألة
يقول لاغائب مالي ولاحرم(1)
ويروى يوم مسغبة وهو الاظهر وانما انشد البلخي يوم مسألة، وهوبخلاف الروايات.
وقال آخر:
واني وان لم تسعفانى بحاجة
إلى آل ليلى مرة لخليلي(2)
أي لمحتاج.
وقيل: انه أصاب أهل ناحية ابراهيم (ع) جدب، فارتحل إلى خليل له من أهل مصر يلتمس طعاما لاهله من قبله، فلم يصب عنده حاجته، فلما قرب من أهله مربمفازة ذات رمل لينة فملا غرائره(3) من ذلك الرمل لئلا يغم أهله برجوعه بغير ميرة(4)، فيظنوا ان معه طعاما فحول الله تعالى غرائره دقيقا، فلما وصل إلى اهله قام أهله، ففتحوا الغرائر فوجدوا دقيقا، فعجنوامنه، فخبزوا فاستيقظ
---
(1) اللسان: (حرم) و (واخلل). رفع (يقول) مع انه جواب الحزاء،، لى التقديم كأنه قال: ان اتاه خليل. أجاز ذلك سيبويه.
(2) لم أجد البيت في مصادرنا.
(3) الغرائر جمع غرارة - بكسر الغين - وهي الجوالق التي يوضع فيها الدخن والقمح.
(4) الميرة الطعام أو جلبه.

(3/338)


تفسير التبيان ج3
ابراهيم فسألهم من اين خبزوا؟ فقالوا من الدقيق الذي جئت به من عند خليلك(1) المصري فقال: لابل من عند خليلي الله (عزوجل) فسماه الله خليلا.
فهذا ما روي وهومن آيات الانبياء صلى الله عليه وآله فاما الاشتقاق فالخلة بضم الخاء: الصداقة.
والخلة بفتح الخاء: الحاجة، للاختلال الذي يلحق الفقير فيما يحتاج اليه.
والخلة بمعنى الصداقة، فلان كل واحد منهما يسد خلل صاحبه في المودة، والحاجة.
وقيل: لانه يطلعه على اسراره فكانه في خلل قلبه والخلل: كل فرجه تقع في شئ والخلال: هو ما يتخلل به لانه يتبع به الخلل بين الاسنان.
قال الشاعر:
ونظرن من خلل الستور باعين
مرضى مخالطها السقام صحاح
يعني نظرن من الفرج التي في الستور وقولهم: لك خلة من خلال.
تأويله إني أخلي لك من رأيي، او مما عندي عن خلة من خلال ومعنى أخلي أخلل. فابدل من إحدى اللامين ياء. ويجوز أن يكون أخلي من الخلوة، والخلوة والخلل يرجعان إلى معنى واحد.
والخل: الطريق في الرمل إذا انفرجت منه فرجة فصارت طريقا. والخل ما يؤكل معروف.
واختار الفراء والبلخي أن يكون من الخلة التتي هي الفقر قال: ويخالف المحبة، لان المحبة من الله لعبده هي الثناء عليه ومدحه له، ولانه يحب الانسان ما ليس من جنسه، ولايخاف إلاماهو من جنسه. وعلى ما بيناه، لايمنع ذلك وإن كان فيه بعض التجوز.
وقال الازهري: الخليل الذي خص بالمحبة يقال: دعا فلان فخلل أي خص. واختار الجبائي هذا الوجه وقال: كل نبي فهو خليل الله، لانه خصه بما لم يخص به غيره والخلة: الخصلة، وجمعها خلال. وانما خص الله تعالى ابراهيم فأنه خليله من الفقر، وان كان الخلق كلهم فقراء إلى رحمته تشريفا له بالنسبة اليه واختصاصه به من حيث انه فقير اليه لايرجو لسدخلته سواه. وخص ابراهيم من بين سائر الانبياء بانه خليل الله على المعنيين، كما خص موسى بانه كليم الله ومحمد صلى الله عليه وآله بانه حبيب الله، وعيسى بانه روح الله ولايلزم على ذلك
---
(1) في المطبوعة (خليلك)

(3/339)


تفسير التبيان ج3
تسمية عيسى بانه ابن الله، لان هذه اللفظة لاتستعمل حقيقتها إلا في من خلق من مائه أو ولد على فراشه، ومجازها في من يجوز ذلك فيه. ولذلك لايجوز أن يتخذ الشاب شيخا ابنا، وان جاز ان يتبنى بصبي، ولايجوز ان يتخذ البهيمة ابنا، لما لم يجز ان تكون مخلوقة من مائه على وجه. والحنيفية التي امرالله نبيه بأن يتبع ابراهيم فيها عشرة اشياء: خمسة في الرأس وخمسة في الجسد.
فالتي في الرأس: المضمضة.
والاستنشاق، والسواك، وقص الشارب، والفرق لمن يكون طويل الشعر، والتي في الجسد: فالاستنجاء، والختان، وحلق العانة، ونتف الابط وقص الاظفار وجميع ذلك مستحب الا الختان والاستنجاء، فانهما واجبان. وفيه خلاف ذكرناه في الخلاف.
وقال الجبائي كلما كان تعبدالله به ابراهيم، فانه تعبدبه النبي صلى الله عليه وآله وأمته وزاده اشياء لم يتعبد بها ابراهيم (ع) وعموم الآية يقتضي ماقاله، وإن كان ذلك شرعا لنبينا من حيث اعلمه الله ذلك، وتعبده به بوحي من جهته.
قوله تعالى: (ولله ما في السماوات وما في الارض وكان الله بكل شئ محيطا(126))
آية
لما ذكر الله تعالى انه اتخذ ابراهيم خليلا لطاعته ربه واخلاصه له العبادة، ومسارعته إلى رضاه، بين ذلك بفضله لامن حاجة إلى خلته فقال: وكيف يحتاج إلى خلته من له مافى السماوات والارض من قليل وكثير ملكا، ومع ذلك مستغن عن جميع خلقه. وجميع الخلق يحتاجون اليه فكيف يحتاج إلى خلة ابراهيم، لكنه اتخذه خليلا لمسارعته إلى رضاه وامتثاله ما يأمره به.
" وكان الله بكل شئ محيطا " يعني لم يزل الله عالما بجميع ما فعل عباده ان كان محسنا اثابه، وان كان مسيئا عاقبه ان شاء.

(3/340)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن ومايتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لاتؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين من الولدان وان تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فان الله كان به عليما(127))
آية بلاخلاف.
المعنى: يسألك يامحمد، اصحابك ان تفتيهم في امر النساء، والواجب لهن وعليهن. واكتفى بذكر النساء من ذكر شأنهن لدلالة الكلام على المراد " قل الله يفتيكم فيهن " يعني قل يامحمد، انه يفتيكم فيهن يعني في النساء ومايتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لاتؤتونهن ما كتب لهن.
الاعراب: واختلفوا في اعراب (ما يتلى).
قال الزجاج والفراء معا: يحتمل ان يكون موضع (ما) رفعا والتقدير في قول الزجاج، والذي يتلى عليكم في الكتاب أيضا يفتيكم فيه.
وقال الفراء تقديره الله يوصيكم فيهن وما يتلى عليكم. وقالا جميعا يجوز ان يكون موضع (ما) خفضا بالعطف على فيهن إلا ان الزجاج ضعف هذا وقال: هذا بعيد لان عطف المظهر على المضمر لايجوز.
وقال الفراء: يجوز على تقديرفيهن وما يتلى عليكم.
واختلفوا في تأويل " وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لاتؤتونهن ما كتب لهن " فقال قوم: الذي يتلى عليكم هو آيات الفرائض التي في أول السورة. روى ذلك سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان اهل الجاهلية

(3/341)


تفسير التبيان ج3
لايورثون المولود حتى يكبر، ولايورثون المرأة، فانزل الله آية الميراث أول السورة، وهو معنى " اللاتي لاتؤتونهن ما كتب لهن ".
وبه قال مجاهد: وروي ذلك عن ابي جعفر (ع).
وقال قوم: كان الرجل تكون في حجره اليتيمة بها ذمامة، ولها مال، فكان يرغب عنها ان يتزوجها ويحبسها لما لها طمعا أن تموت فيرثها، فنزلت الآية. ذهب اليه عائشة، وقتادة والسدي وابومالك وابراهيم قال السدي: كان جابر بن عبدالله الانصاري ثم السلمي له بنت عم عمياء ذميمة قد ورثت عن أبيها مالا، فكان جابر يرغب عن نكاحها، ولاينكحها مخافة ان يذهب الروج بما لها فسأل النبي صلى الله عليه وآله عن ذلك وقال: اترث إذا كانت عمياء؟ فقال صلى الله عليه وآله: نعم فانزل الله فيه هذه الآية.
وقال قوم: معناه يفتيكم فيهن وفيما يتلى عليكم في آخر السورة من قوله: " يستفتونك قل الله يفتيكم " في الكلالة ذهب اليه ابن جبير وقالت عائشة: كان الرجل تكون في حجره اليتيمة تشاركه في ماله فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها من غير أن يقسط في صداقها، فنهى الله عن ذلك في قوله: " وإن خفتم الاتقسطوا في اليتامى فانكحوا " من غيرهن " ماطاب لكم " قالت: وقوله " ومايتلى عليكم " هو ما ذكره في أول السورة من قوله: " وان خفتم الاتقسطوا ".
فعلى هذه الاقوال (ما) في موضع خفض بالعطف على الهاء والنون في قوله: " فيهن " والتقدير قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم، وعلى ما قال الفراء: قل الله يفتيكم فيهن مايتلى عليكم في الكتاب وقال آخرون: نزلت الآية في قوم من اصحابه صلى الله عليه وآله سألوه عن أشياء من أمر النساء، وتركوا المسألة عن أشياء أخر كانوا يفعلونها، فافتاهم الله فيما سألوه عنه، وفيما تركوا المسألة عنه ذهب اليه محمد بن أبي موسى. ويكون معنى قوله: وما يتلي عليكم في الآية التي بعدها وقيل: هم اليتامى الصغار من الذكور والاناث. وما بعدها قوله: " وان امرأة خافت من بعلها نشوزا أو اعراضا " والذي سألوا عنه، فاجيبوا ما كتب الله لهن من الميراث في آية الميراث. واختار الطبري أن يكون المراد به آيات الفرائض قال: لان الصداق ليس مما كتب الله للنساء الا بالنكاح، فما لم تنكح فلا صداق لها عند احد.

(3/342)


تفسير التبيان ج3
وقوله: " والمستضعفين من الولدان " في موضع جر وتقديره وفي المستضعفين من الولدان. وقيل هم اليتامى الصغار من من الذكور والاناث، لانهم كانوا لايورثون الصغار من الذكور حتى يبلغ.
" وان تقوموا لليتامى " والمعنى وفي ان تقوموا لليتامى بالقسط على ماقاله في قوله: " وان خفتم ان لاتقسطوا في اليتامى ": فامرهم أن يؤتوا المستضعفين من الولدان حقوقهم من الميراث، ويعدلوا فيهم، ويعطونهم ما فرضه الله لهم في كتابه. وبه قال السدي، وابن زيد، ومجاهد، وابن عباس.
وقوله: " وترغبون ان تنكحوهن " معناه ترغبون عن أن تنكحوهن. وقال الحسن في قوله: " والمستضعفين من الولدان " قال: يعني في يتامى النساء اللاتى لاتؤتونهن أي الايأكلوا اموالهم إلا بالقسط، يعني بالعدل.
وقال عبيدة السليمانى فيما رواه ابن سيرين عنه ان معنى " وترغبون ان تنكحوهن " ترغبون فيهن. وفي رواية ابن عون عن ابن شيرين يرغبون عنهن.
وقال الحسن: يرغبون عنهن وكان عيينة بن حضن يقول: يامحمد أتعطي الوالدان المال؟ وانما يأخذ المال من يقاتل ويجوز الغنيمة، فنزل قوله: " والمستضعفين من الولدان ".
وقوله: " وما تفعلوا من خير فان الله كان به عليما " المعنى مهما فعلتم، أيها المؤمنون من عدل في أمر اليتامى التي أمركم الله أن تقوموا، فيهن بالقسط، وأنتهيتم فيه إلى أمره وإلى طاعته، فان الله كان به عالما لم يزل وقيل معناإن الله سيجازيكم عليه كما يقول القائل أنا أعرف لك ما تفعله بمعنى اجازيك عليه.

(3/343)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (وان امرأة خافت من بعلها نشوزا أو اعراضا فلا جناح عليهما ان يصلحا بينهما صلحا والصلح خير واحضرت الانفس الشح وان تحسنوا وتتقوا فان الله كان بما تعملون خبيرا(128))
آية.
[ القراء ة والحجة ]: قرأ اهل الكوفة ان يصلحا بضم الياء وكسر اللام وبسكون الصاد. الباقون يصالحا بتشديد الصاد فمن شدد الصاد، قال معناه يتصالحا ويكون قوله: (صلحا) اسما لامصدرا ومن قرأ بخلافه قال: هومصدر.
[ المعنى ]: يقول الله تعالى: " وان امرأة خافت " ومعناه علمت " من بعلها "، أي زوجها " نشوزا " يعني استعلاء بنفسه عنها إلى غيرها.
وارتفاعا بها عنها: إما لبغضه، واما لكراهة منه شيئا منها إما ذمامتها، واماسنها وكبرها، أو غير ذلك " او اعراضا " يعني انصرافا بوجهه او ببعض منافعه التي كانت لها منه " فلاجناح عليهما " أي لاحرج عليهما ان يصالحا بينهما صلحا بان تترك المرأة له يومها، او تضع عنه بعض ما يجب لها. من نفقة او كسوة، وغير ذلك تستعطفه بذلك، وتستديم المقام في حباله، والتمسك بالعقد الذي بينهما وبينه من النكاح، ثم قال: " والصلح " بترك بعض الحق استدامة للخدمة، وتمسكا بعقد النكاح خير من طلب الفرقة، وقال بعضهم: الصلح خير من النشوز، والاعراض والاول أشبه. هذا إذا كان بطيبة من نفسها، فان لم يكن كذلك، فلايجوز له الا ما يسوغ في الشرع من القيام بالكسوة والنفقة، والقسمة وإلا يطلق.
وبهذه الجملة قال علي عليه السلام، وعمر وابن عباس، وسعد بن جبير وعائشة وعبيدة السلماني، وابراهيم والحكم وقتادة، ومجاهد وعامر الشعبي والسدى، وابن زيد قال ابن عباس: خشيت سودة بنت زمعة ان يطلقها رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت لاتطلقنى واجلسنى مع نسائك ولانقسم لي، فنزلت " وان امرأة خافت من بعلها نشوزا او اعراضا " وقال سعيد بن المسيب عن سليمان بن يسار.

(3/344)


تفسير التبيان ج3
ان رافع بن خديج كانت تحته امرأة قد علا من سنها، قال أبوجعفر (ع) هي بنت محمد بن مسلمة، فتزوج عليها شابة فآثر الشابة عليها، فابت الاولى أن تقر على ذلك، فطلقها تطليقة حتى إذا بقي من أجلها يسيرا قال: إن شئت راجعتك وصبرت على الاثرة، وان شئت تركتك حتى يخلو أجلك، ثم طلقها الثانية، وفعل فيها ما فعل اولا، قالت: بل راجعنى واصبر على الاثرة، فراجعها. فذلك الصلح الذي بلغنا ان الله أنزل فيه " وان امرأة خافت. الآية ".
وقوله: " واحضرت الانفس الشح وان تحسنوا وتتقوا فان الله كان بما تعملون خبيرا " واختلفوا في تأويله فقال بعضهم واحضرت الانفس النساء الشح على انصبائهن من انفس ازواجهن واموالهم وايامهن منهم.
ذهب اليه ابن عباس وسعد بن جبير وعطا، وابن جريج والسدي. ويزعم انها في سورة بنت زمعة، ورسول الله صلى الله عليه وآله لانها كانت كبرت، فاراد رسول الله صلى الله عليه وآله ان يطلقها، فاصطلحا على ان يمسكها ويجعل يومها لعائشة، فشحت بمكانها من رسول الله صلى الله عليه وآله.
وقال آخرون: واحضرت انفس كل واحد من الرجل والمرأة الشح بحقه قبل صاحبه. وهو اعم فيكون شح المرأة بترك حقها من النفقة والقسمة وغير ذلك وشح الرجل إنفاقه على التي لايريدها، وبذلك قال ابن وهب، وابن زيد.
والشح: افراط في الحرص على الشئ ويكون بالمال وبغيره من الاعراض يقال: هو شحيح بمودتك اي حريص على دوامها ولايقال في ذلك بخيل والبخل يكون بالمال خاصة.
قال الشاعر:
لقد كنت في قوم عليك اشحة
بفقدك إلا ان من طاح طائح
يودون لوخاطوا عليك جلودهم
وهل يدفع الموت النفوس الشحائح(1)
فان قيل: قوله: " وإن امرأة خافت " ليس فيه ان الرجل نشز على امرأة والخوف ليس معه يقين قلنا: عنه جوابان: احدهما - إن الخوف في الآية بمعنى العلم وتقديره، وإن امرأة علمت.
---
(1) مجمع البيان 2: 119 - طبع صيدا - العقد الفريد 3: 247 - 248.

(3/345)


تفسير التبيان ج3
والثاني - انها لاتخاف النشوز من الرجل إلا وقد بدأ منه ما يدل على النشوز والاعراض من أمارات ذلك ودلائله.
وقوله: " وإن امرأة خافت " ارتفعت المرأة بفعل مضمر دل عليه ما بعد الاسم، وتقديره وإن خافت امرأة خافت والتفرقة بين ان التي للجزاء(1) والفعل الماضي قال الزجاج هو جيد، ولايجوز ذلك في الفعل المستقبل.
لاتقول: ان امرأة تخف، (ان) لاتفصل بينهما وبين ما يجزم ويجوز ذلك في ضرورة الشعر قال الشاعر:
فمتى واغل بينهم يحيوه
ويعطف عليه كاس الساقي(2)
وانما جاز في الماضي مع الاختيار، لان (ان) غير عاملة في لفظه وان لم تكن من(3) حروف الجزاء، فجاز أن يفرق بينهما وبين الفعل، وغير ان يقبح فيه الفصل مع الماضي والمستقبل لاتقول: متى زيد جاء نى اكرمته، ويجوز ان تقول: إن الله أمكنني فعلت.
وقوله: " وان تحسنوا " خطاب للرجال يعني ان تفعلوا الجميل بالصبر على من تكرهون من النساء، وتتقوا من الجور عليهن في النفقة والعشرة بالمعروف، فان الله عالم بذلك. وكان عالما بما تعملون فيما قبل فيجازيكم على ذلك.
قوله تعالى: (ولن تستطيعوا ان تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وان تصلحوا وتتقوا فان الله كان غفورا رحيما(129))
آية بلاخلاف.
---
(1) في المطبوعة (التي الجزاء).
(2) لسان العرب: (وغل) ومجمع البيان 2: 119 الواغل: الداخل على القوم في طعامهم - وقيل: في شرابهم - دون أن يدعوه أو نفق معهم: وفي رواية أخرى: وتعطف على كف الساقى.
(3) في المطبوعة (وان أم حروف الجزاء).

(3/346)


تفسير التبيان ج3
المعنى: نفى الله تعالى في هذه الآية ان يقدر احد من عباده على التسوية بين النساء والازواج في حبهن والميل إليهن حتى لايكون ميله إلى واحدة منهن الامثل ما يميل إلى الاخرى. لان ذلك تابع لما فيه من الشهوة، وميل الطبع. وذلك من فعل الله تعالى، ولاصنع للخلق فيه، وان حرص على ذلك كل الحرص. وليس يريد بذلك نفي القدرة على التسوية بينهن في النفقة، والكسوة والقسمة، لانه لوكان كذلك لما امر الله تعالى بالتسوية في جميع ذلك، لانه تعالى لايكلف العبد مالا يطيقه. كما قال: " لايكلف الله نفسا الا وسعها "(1) وقال: " لايكلف الله نفسا الاما اتاها "(2) ولاتجوز المناقضة في كلامه تعالى.
ولو حملنا على انه نفى الاستطاعة في التسوية بينهن في النفقة، جاز أن يكون المراد به ان ذلك لايخف عليكم بل يثقل ويشق عليكم تسويتهن، لميلكم إلى بعضهن، فاباح الله تعالى حينئذ ورخص ان يفضل بعضهن على بعض في مازاد على الواجب من القسمة والنفقة، ولايؤاخذه بذلك.
وقوله: " فلا تميلوا كل الميل " معناه فلا تعدلوا باهوائكم عمن لم تملكوا محبته منهن كل الميل حتى يحملكم ذلك على ان تجورواعلى صواحبها في ترك اداء الواجب لهن عليكم من حق القسمة، والنفقة والكسوة، والعشرة بالمعروف، " فتذروها كالمعلقة "، يعني تذورا التي لاتميلون اليها كالمعلقة يعني كالتي هي لاذات زوج، ولاهي ايم. وبه قال مجاهد وعبيدة، والحسن وابن عباس، وقتادة وابن زيد والضحاك وسفيان، والطبري والجبائي والبلخي وغيرهم. وهوالمروي عن ابي جعفر (عليه السلام) وابى عبدالله (عليه السلام).
وروى ابوملكية أن الآية نزلت في عائشة وروى ابوقلابة عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه كان يقسم بين نسائه ويقول: اللهم هذه قسمتي في ما املك فلا تلمنى فيما تملك، ولااملك.
وقوله: " وان تصلحوا " يعني في القسمة بين الازواج والتسوية بينهن في النفقة،
---
(1) سورة البقرة، آية 286.
(2) سورة الطلاق، آية 7.

(3/347)


تفسير التبيان ج3
والكسوة والعشرة بالمعروف، وتتركوا الميل(1) الذي نهاكم الله عنه، من تفضيل واحدة على الاخرى في ذلك، " فان الله كان غفورا رحيما " تستر عليكم ما مضى منكم من الحيف في ذلك اذا تبتم، ورجعتم إلى الاستقامة والتسوية بينهن، ويرحمكم بترك المؤاخذة على ذلك، وكذلك كان يفعل فيما مضى مع غيركم يعني في قبول التوبة من(2) كل تائب مقلع نادم على مافرط وروي عن علي (عليه السلام) انه كان له امرأتان، فكان إذا كان يوم واحدة لايتوضأ في بيت الاخرى.
وروي عن جعفر بن محمدعن ابيه عن ابائه (عليهم السلام) ان النبي (صلى الله عليه وآله) كان يقسم بين نسائه في مرضه، فيطاف [ به ](3) بينهن، وكان معاذ بن جبل له امرأتان ماتتافي الطاعون أقرع بينهما ايهما تدفن قبل الاخرى؟.
---
(1) المطبوعة (وكل).
(2) من ساقطة المطبوعة.
(3) (به) ساقطة من المطبوعة والتصحيح عن مجمع البيان والسياق يقتضي ذلك أيضا.

(3/348)


تفسير التبيان ج3
الآية: 130 - 139
قوله تعالى: (وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما(130))
آية.
[ المعنى ]: إن الزوجين اللذين تقدم ذكرهما، متى أبى كل واحد منها مصالحة الآخر فإن تطالب المرأة بنصيبها من القسمة والنفقة والكسوة ويمتنع الزوج من اجابتها التى ذلك، لميله إلى الاخرى ومحبته لها، أو لصغر سنهاأو جمالها ويتفرقا حينئذ بالطلاق، فان الله يغني كل واحدمنهما من سعته يعني من فضله ورزقه " وكان الله واسعا حكيما " يعني كان لم يزل هكذا واسع الفضل على عباده، رحيما بهم في مايدبرهم به وفي الآية دليل على ان الارزاق كلها بيدالله وهو الذي يتولاها

(3/349)


تفسير التبيان ج3
لعباده وإن كان ربما أجراها على يدي من يشاء من عباده وقال ابن عباس: " كلامن سعته " يعني من رزقة وهذه الجملة بهاقال مجاهد وجميع المفسرين.
قوله تعالى: (ولله مافي السماوات وما في الارض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم ان اتقوا الله وإن تكفروا فان الله مافي السماوات وما في الارض وكان الله غنيا حميدا(131) ولله ما في السماوات وما في الارض وكفى بالله وكيلا(132) ان يشأ يذهبكم ايها الناس ويات باخرين وكان الله على ذلك قديرا(133) من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والاخرة وكان الله سميعا بصيرا(134))
اربع آيات.
لما ذكر الله قوله: وان يتفرقا يغن الله كلا من سعته بين في هذه الآية بان له ملك ما في السموات وما في الارض، لايتعذر عليه إغناء كل واحد من الزوجين عند التفرق، وإيناسه من وحشته ثم رجع إلى توبيخ من سعى في أمر بني أبيرق وتعنيفهم، ووعيد من فعل فعل المرتد منهم، فقال: ولقد وصينا أهل التوراة والانجيل وهم الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أي وأمرناكم أيضا أيها الخلق " ان اتقوا الله " والتقدير بان اتقوا الله وأحذروا أن تعصوه، وتخالفوا أمره ونهيه " وإن تكفروا " يعني تجحدوا وصيته إياكم أيها المؤمنون، فتخالفوها، " فان لله ما في السموات وما في الارض " يعني له ملك ما فيهما، فلايستحضر بخلافكم وصيته ولاان تكونوا أمثال اليهود والنصارى، بل تضرون انفسكم بما يحل بكم من عقابه، وغضبه " وكان الله غنيا " لم يزل، غير محتاج إلى خلقه وإن الخلق

(3/350)


تفسير التبيان ج3
هم المحتاجون إليه " حميدا " يعني مستوجب الحمد عليكم بصنائعه الحميدة إليكم، والائه الجميلة، فاستدعوا ذلك باتقاء معاصيه، والمسارعة إلى طاعته فيما يامركم به وهذه الجملة مروية عن علي (عليه السلام) وهو قول جميع المفسرين، ثم قال: " ولله ما في المسوات وما في الارض " بمعنى له ملك ما فيهما، وهو القيم بجميعه والحافظله لايغرب عنه علم شئ ولايؤوده حفظه وتدبيره " وكفى بالله وكيلا " يعني كفى الله حافظا.
فان قيل لم كرر قوله: " ولله ما في السموات وما في الارض " الآيتين، احداهما عقيب الاخرى؟ قلنا: لاختلاف الخبرين: الاول في الآية الاولى عن حاجة الخلق إلى بارئه، وغناه تعالى عن خلقه، وفي الثانية حفظ الله تعالى إياهم وعلمه بهم، وتدبيره لهم فان قيل: هلا قال: وكان الله غنيا حميدا أو كفى به وكيلا؟ قيل: ما ذكره في الآية الاولى يصلح ان يختم به وصف الله تعالى بالغناء وأنه محمود، ولم يذكر فيها ما يقتضي وصفه بالحفظ والتدبير، فلذلك كرر قوله: " ولله ما في السموات ".
وقوله: " ان يشأ يذهبكم " معناه، ان يشأ الله ايها الناس ان يهلككم، ويفنيكم ويأت بقوم آخرين غيركم ينصرون نبيه محمد صلى الله عليه وآله ويؤازرونه، كان الله تعالى على ذلك قديرا، فوبخ تعالى بهذه الآيات الخائنين الذين خانوا الدرع(1) وساعدوهم على ذلك، ودافعوا عنهم وحذر أصحاب النبي صلى الله عليه وآله أن يكونوا مثلهم وان يفعلوا فعل المرتد منهم في ارتداده ولحاقه بالمشركين وبين أن من فعل ذلك لايضر إلا نفسه، لانه المحتاج إليه (تعالى) وغناه عنه (عزوجل) وعن جميع الخلق وروي عن النبي صلى الله عليه وآله انه لما نزلت هذه الآية ضرب بيده علي ظهر سلمان، فقال: هم قوم هذا رواه ابوهريرة عن النبي صلى الله عليه وآله، ثم أخبر (تعالى) من كان ممن أظهر الايمان بمحمد صلى الله عليه وآله من أهل النفاق الذين يبطنون الكفر، ويظهرون الايمان. يريد ثواب الدنيا يعني عرض الدنيا باظهاره بلسانه في الايمان، " فعندالله ثواب الدنيا " يعني جزاؤه في الدنيا منها، وثوابه فيها هو ما يأخذ من الفئ والغنيمة إذا شهد مع
---
(1) - انظر تفسير آية(105) من سورة النساء.

(3/351)


تفسير التبيان ج3
المسلمين الحرب، وأمنه على نفسه وماله وذريته. وأما ثوابه في الآخرة فنار جهنم.
" وكان الله سميعا بصيرا " يعني انه كان لم يزل على صفة يجب ان يسمع المسموعات إذا وجدت، ويبصر المبصرات إذا وجدت. وهذه الصفة هي كونه حيا لاآفة فيه والصفة حاصلة له في الازل والافات مستحيلة عليه، فوجب وصفه بانه سميع بصير وانما ذكر هاهناذلك، ليبين ان مايقوله المنافقون اذالقوا المؤمنين فان الله يسمعه ويعلمه وهوقولهم: إنا مؤمنون بصيرابما يضمرونه وينطوون عليه من النفاق. وموضع كان في قوله: " من كان " جزم، لانه شرط والجواب الفاء. وارتفعت (يريد) لانه ليس فيها حرف عطف كما قال: " من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها نوف اليهم اعمالهم فيها "(1) وقال: " من كان يريد حرث الدنيا نؤته منها "(2) جزم، لانه جواب الشرط.
قوله تعالى: (ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على انفسكم أو الوالدين والاقربين ان يكن غنيا أو فقيرا فالله اولى بهما فلا تتبعوا الهوى ان تعدلوا وان تلووا او ترضوا فان الله كان بما تعملون خبيرا(135))
آية.
القراء ة والحجة: قرأابن عامر وحمزه (وإن تلوا) بضم اللام، بعدها واو واحدة ساكنة. الباقون يسكنون اللام بواوين بعدها أولهما مضمومة. حجة من قرأبواو واحدة أن قال: إن ولاية الشئ اقبال عليه وخلاف الاعراض عنه.
والمعنى ان تقبلوا أو تعرضوا فإن الله بما تعملون خبيرا فيجازي المحسن المقبل باحسانه، والمسئ المعرض
---
(1) سورة هود، آية 10.
(2) سورة الشورى، آية 20.

(3/352)


تفسير التبيان ج3
باعراضه وتركه الاقبال على مايلزمه ان يقبل عليه قال: ولو قرأت بالواوين، لكان فيه تكرار، لان اللي كالاعراض ألاترى ان قوله: " لووا رؤسهم ورايتهم يصدون "(1) معناه أعراض منهم، وترك الانقياد للحق ومثله " ليا بالسنتهم "(2) معناه أنحراف وأخذ فيما لاينبغي ان يأخذوا به.
وحجة من قرأ بالواوين من لووا ان تقول لايمتنع ان تتكرر اللفظتان المختلفتان بمعنى واحد على وجه التأكيد، كقوله: " فسجد الملآئكة كلهم اجمعون " وكقول الشاعر:
وهنداتى من دونها
النأي والبعد(3)
وقول آخر: والفى قولها كذبا ومينا وقالوا: أيضا يجوزان يكون تلوا كان أصله تلووا، وان الواو التي هي عين همزت لانضمامها، كما همزت في قوله: (أدروا) والقيت حركة الهمزة على اللام التي هي فاء، فصار تلوا اجاز ذلك الزجاج والفراء وأبوعلي الفارسي.
المعني واللغة: ومعنى الآية ان الله تعالى لما حكى عن الذين سعواإلى رسول الله في امربني أبيرق وقيامهم لهم بالعذر، وذبهم عنهم من حيث كانوا أهل فقر وفاقة، أمر الله المؤمنين ان يكونوا " قوامين بالقسط " يعني بالعدل والقسط، والاقساط: العدل يقال: أقسط الرجل إقساطا إذا عدل وأتى بالقسط وقسط ويقسط قسوطا: إذا أجار وقسط البعير يقسط قسطا إذا يبست يده ويد قسط، أي يابسة " شهد الله " وهو جمع شهيد ونصب شهداء على الحال من الضمير في قوله: (قوامين) وهو ضمير الذين آمنوا.
وقوله: " ولو على انفسكم " يعني ولوكانت شهادتكم على انفسكم أو على والديكم أو على أقرب الناس اليكم، فقوموا فيها بالقسط والعدل، وأقيموها على صحتها، وقولوا فيها الحق، ولاتميلوا فيها لغنى غني، ولافقر فقير، فتجوروا، فان الله قد سوى بين الغني والفقير فيما ألزمكم من أقامه الشهادة لكل واحد منهما بالعدل، وهو
---
(1) سورة المنافقون آية 5.
(2) سورة النساء، آية 45.
(3) قائله الحطيئة صدر البيت: الا حبذا هند وأرض بها هند

(3/353)


تفسير التبيان ج3
تعالى أولى بهما وأحق، لانه مالكهما والههما دونكم وهواعلم بما فيه مصلحة كل واحد منهما في ذلك، وفي ذلك، وفي غيره من الاموركلها منكم، فلا تتبعوا الهوى في الميل في شهادتكم إذا قمتم بها لغني وفقير إلى احدهما، فتعدلوا عن الحق أي تجوزوا عنه وتضلوا ولكن قوموا بالقسط، وأدوا الشهادة على ماامركم الله عزوجل بادائها بالعدل لمن شهدتم عليه وله، فان قيل كيف تكون شهادة الانسان على نفسه حتى يامر الله تعالى بذلك، قلنا: بان يكون عليه حق لغيره، فيقر له ولايجحده، فادب الله تعالى المؤمنين ان يفعلوا ما فعله الذين عذروا بني أبيرق في سرقتهم ما سرقوا، وخيانتهم ما خانوا واضافتهم ذلك إلى غيرهم فهذا اختيار الطبري.
وقال السدي: انها نزلت في النبي صلى الله عليه وآله وقد اختصم اليه رجلان غني وفقير، فكان ضلعه(1) مع الفقير، لظنه أن الفقير لايظلم الغني، فابى الله تعالى إلا القيام بالقسط في أمر الغني والفقير قال: " ان تكن غنيا او فقيرا فالله أولى بهما " وهذا الوجه فيه بعد، لانه لايجوز على النبي صلى الله عليه وآله في الحكم ان يميل إلى احد الخصمين سواء كان غنيا أو فقيرا فان ذلك ينافي عصمته وقال ابن عباس: أمرالله سبحانه المؤمنين أن يقولوا الحق ولو على انفسهم، او ابنائهم، ولايجابوا غنيا لغناه، ولامسكينا لمسكنته وهذا هو الاولى، لانه أليق بالظاهر من غير عدول عنه.
وفي الآية دلاله على جواز شهادة الوالد لولده والولد لوالده، وكل ذي قرابة لمن يقرب منه، فقال ابن شهاب: كان سلف المسلمين على ذلك حتى دخل الناس فيما بعدتهم، وظهرت فيهم امور حملت الولاة على اتهامهم، فتركت شهادة من يتم إذا كان من اقربائهم وجاز ذلك من الولد والوالد والاخ والزوج والمرأة وبمعنى قول ابن عباس، قال قتادة، وابن زيد.
وقوله: " فالله اولى بهما " إنما ثنى، ولم يقل به لانه أراد " فالله اولى بغناء الغني وفقر الفقير) لان ذلك منه تعالى وقال قوم: لم يقصد غنيا بعينه، ولافقيرا بعينه وهومجهول وما ذلك حكمه جاز الرد عليه التوحيد والتثنية والجميع.

(3/354)


تفسير التبيان ج3
وفي قراء ة ابي " فالله اولى بهم " وقال قوم: (او) بمعنى الواو في هذا الموضع، فلذلك ثنى وقال آخرون: جاز تثنية قوله " بهما "، لانهما قدذكرا، كما قيل: وله اخ أو أخت فلكل واحد منهما وقيل جازذلك، لانه أضمر فيه (من) كانه قال: وله أخ او اخت إن يكون من خاصم غنيا او فقيرا، بمعنى غنيين أو فقيرين " فالله اولى بهما ".
وقوله: " فلا تتبعوا الهوى ان تعدلوا " يحتمل ثلاثة اوجه: احدها - لاتتبعوا الهوى في ان تعدلوا عن الحق، فتجوروا بترك إقامة الشهادة بالحق.
والثاني - ان يكون التقدير لاتتبعوا اهوآء انفسكم هربا من ان تعدلوا في إقامة الشهادة.
والثالث - فلاتتبعوا الهوى، لتعدلوا، كما يقال: لاتتبع هواك لترضي ربك، بمعنى انهاك عنه كيما ترضى ربك بتركه. ذكره الفراء والزجاج.
وقوله: " وإن تلووا أو تعرضوا " اختلفوا في تأويله فقال قوم: معناه وان تلووأ ايها الحكام في الحكم لاحد الخصمين على الاخر، او تعرضوا فان الله كان بما تعملون خبيرا وحملوا الاية على انها نزلت في الحكام ذهب اليه السدي على ماقال: إنها نزلت في النبي صلى الله عليه وآله وروي عن ابن عباس انه قال: هما الرجلان يجلسان بين يدي القاضي، فيكون لي القاضي واعراضه لاحدهما على الاخر وقال اخرون: معناه وان تلووا ايها الشهداء في شهادتكم، فتحرفوها، فلا تقيموها أو تعرضوا عنها، فتتركوها ذهب اليه ابن عباس ومجاهد وقال مجاهد: معنى تلووا تبدلوا الشهادة أو تعرضوا أي تكتموها وهوقول ابي جعفر (ع) وبه قال ابن زيد والضحاك وأولى التأويلين قول من قال: إنه لي الشهادة لمن شهد له أو عليه بان يحرفها بلسانه أو يتركها، فلا يقيمها، ليبطل بذلك شهادته وأعراضه عنها فلو ترك اقامتها فلا يشهد بها.
وسياق الآية يدل على ما قال ابن عباس وقوله: " فان الله كان بما تعملون خبيرا " معناه انه كان عالما بها يكون منهم من اقامة الشهادة، وتحريفها والاعراض عنها، واللي

(3/355)


تفسير التبيان ج3
هوالمطل لما يجب من الحق قال الاعشى:
يلوينني ديني النهار واقتضي
ديني إذا رقد النعاس الرقدا(1)
قوله تعالى: (ياايها الذين آمنوا امنوا بالله ورسوله والكتاب الذي انزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا(136))
آية.
[ القراء ة والحجة ]: قرأ ابن كيثر وأبوعمر وابن عامر والكسائي عن أبي بكر " الكتاب الذي نزل والكتاب الذي أنزل " بضم النون، والهمزة وكسر الزاء الباقون بفتحهما، فمن فتحهما حمله على قوله: " أنا نحن نزلنا الذكر " وقوله: " وانزلنا اليك الذكر " ومن ضمها حملهما على قوله: " ولنبين للناس ما نزل اليهم " وقوله: " يعلمون انه منزل " وكل جيد سايغ. قبل في تأويل أمر من آمن - آمن يؤمن - بالله ورسوله ثلاثة اقوال:
احدها - وهو المعتمد عليه عندنا واللايق بمذهبنا ان المعنى ياأيها الذين آمنوا في الظاهر بالاقرار بالله ورسوله، وصدقوهما، آمنوا بالله ورسوله في الباطن، ليطابق باطنكم ظاهركم ويكون الخطاب خاصا بالمنافقين الذين كانوا يظهرون خلاف مايبطنون. والكتاب الذي نزل على رسوله هوالقران امرهم بالتصديق به والكتاب الذي انزل من قبل، يعنى التوراة والانجيل امرهم بالتصديق بهما، وانهما من عند الله.
والثاني - ما اختاره الجبائي والزجاج والبلخي ان يكون ذلك خطابا لجميع المؤمنين
---
(1) ديوانه من قصيدة قالها لكسرى حين اراد منهم رهائن لما أغار الحارث بن وعلة على بعض السواد ورقمها: 34. يلوينني: يمطلنني.

(3/356)


تفسير التبيان ج3
الذين هم مؤمنون على الحقيقة ظاهرا او باطنا أمرهم الله تعالى أن يؤمنوا به في المستقبل بان يستديموا الايمان، ولاينتقلوا عنه، لان الايمان الذي هو التصديق لايبقى وانما يستمر بان يجدده الانسان حالا بعد حال وهذا أيضا وجه جيد.
الثالث - ما اختاره الطبري من ان ذلك خطاب لاهل الكتاب اليهود والنصارى امرهم الله (تعالى) بان يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وآله، والكتاب الذي أنزل عليه كما آمنوا بما معهم من الكتب: التوراة والانجيل ويكون قوله: " والكتاب الذي نزل من قبل " اشارة إلى مامعهم من الانجيل والتوراة ويكون وجه أمرهم بالتصديق لهما وان كانوا مصدقين بهما، لاحد امرين: احدهما - ان التوراة والانجيل اذا كان فيهما صفات النبي صلى الله عليه وآله، وما ينبئ عن صدق قوله وصحة نبوته فمن لم يصدق النبي صلى الله عليه وآله، ولم يصدق الكتاب الذي أنزل معه، لايكون مصدقا بما معه، لان في تكذيبه، تكذيب مامعه من التوراة والانجيل، فيجب عليه أن يصدق النبي صلى الله عليه وآله ويقر بما انزل عليه، ليكون مصدقا بما معه، ومعترفا به. والثاني - أن يكون متوجها إلى اليهود الذين آمنوا بالتوراة دون الانجيل والقران، فيكون الله أمرهم بالاقرار بمحمد (صلى الله عليه وآله) وبما انزل من قبل يعني الانجيل. وذلك لايصح الا بالاقرار بعيسى (عليه السلام) أيضا وانه نبي من قبل الله وقوله: " ومن يكفر بالله وملئكته وكتبه ورسله واليوم الاخر " معناه ان من كفر بمحمد صلى الله عليه وآله فيجحد نبوته ويجحد ما انزله الله عليه، فكانه جحد جميع ذلك، لانه لايصح ايمان احد من الخلق الا بالايمان بما امره الله بالايمان به، والكفر بشئ منه كفر بجميعه خطابه لاهل الكتاب وامره اياهم بالايمان بمحمد صلى الله عليه وآله تهديدا لهم، وان كانوا مقرين بوحدانية الله تعالى والملائكة والكتب والرسل، واليوم الآخر سوى محمد (صلى الله عليه واله) وما جاء به من القران فبين لهم ان من جحد محمدا بنبوته لاينفعه الايمان بشئ سواه، ويكون وجوده وعدمه سواء.

(3/357)


تفسير التبيان ج3
وقوله: " فقد ضل ضلالا بعيدا " معناه فقد ذهب عن قصد السبيل وجاز عن محجة الطريق ألى المهالك ضلالا ذهابا، وجورا بعيدا.
قوله تعالى: (ان الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم ازدادوا كفرا الم يكن الله ليغفر لهم ولاليهديهم سبيلا(137))
آية واحدة.
[ المعنى ]: قيل في المعني بهذه الآية ثلاثة اقوال:
الاول - قال قتادة عنى بذلك الذين امنوا بموسى، ثم كفروا بان عبدوا العجل، ثم آمنوا يعني النصاري بعيسى، ثم كفروا به، ثم ازدادوا كفرا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وقال الزجاج والفراء: آمنوا بموسى، وكفروا بعزير، ثم امنوا بعزير، ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وآله.
والثاني - قال مجاهد وابن زيد يعني بذلك اهل النفاق انهم آمنوا، ثم ارتدوا ثم آمنوا، ثم ارتدوا، ثم ازدادوا كفرا بموتهم على كفرهم.
والثالث - قال ابوالعالية: هم اليهود والنصارى أذنبوا ذنبا في شركهم، ثم تابوا فلم تقبل توبتهم، ولو تابوا من الشرك لقبل منهم واقوى الاقوال عندنا قول مجاهد، لان المؤمن على الحقيقة عندنا لايجوز ان يكفر، لان الايمان يستحق عليه الثواب الدائم والكفر يستحق عليه العقاب الدائم بلاخلاف فيهما والاحتياط عندنا باطل، فلو اجزنا الارتداد بعد الايمان الحقيقي لادى إلى اجتماع استحقاق الثواب الدائم والعقاب الدائم والاجماع بخلافه واختار الطبري الوجه الاول وقال الجبائي والبلخي يجوزان تكون الآية نزلت في قوم كانوا آمنوا ثم ارتدوا، ثم آمنوا ثم كفروا، ثم ازدادوا كفرا.
وقوله: " لم يكن الله ليغفر " معناه لم يكن الله ليغفر لهم الايمان الثاني الكفر

(3/358)


تفسير التبيان ج3
المتقدم، لانه لما ارتد فيما بعد، دل على ان ما تقدم، لم يكن ايمانا فلايستحق به غفران عقاب الكفر المتقدم وهوالذي اختاره الزجاج وقال البلخي والزجاج: لم يكن الله ليغفر لهم إذا لم يتوبوا منه وهذا الذي ذكروه لايصح، لان الكفر على كل حال ولومرة واحدة، لايغفر الله الابالتوبة، فلامعنى لنفي الغفران عن كفر بعد إيمان تقدمه كفر تقدمه ايمان.
وقوله: " ولاليهديهم سبيلا " معناه لايهديهم سبيل الجنة والثواب فيها، لانهم غير مستحقين له ويحتمل ان يكون المراد بذلك أنه لايلطف لهم فيما بعدبل يخذلهم عقوبة لهم على كفرهم المتقدم. ولايجوز ان يكون المراد به أنه لاينصب لهم الدلالة، لان نصب الادلة قد تقدم في الكليف الاول والمرتد عندنا على ضربين: احدهما - لايستتاب ويقتل على كل حال وهومن ولدعلى فطرة الاسلام بين مسلمين متى كفر فانه يقتل على كل حال. والآخر وهو من كان كافرا فاسلم، ثم ارتد فانه يستتاب ثلاثا فان تاب والاقتل، ولايستتاب اكثر من ذلك.
وبه قال علي عليه السلام وابن عمر.
وقال قوم: يستتاب ابدا. ذهب اليه ابراهيم وغيره. واختاره الطبري.
والمرأة تستتاب على كل حال فان تابت، والا خلدت في السجن ولاتقتل بحال وفي ذلك خلاف بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف.
قوله تعالى: (بشر المنافقين بأن لهم عذابا اليما(138) الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ايبتغون عندهم العزة فان العزة لله جميعا(139))
ايتان بلاخلاف.
المعنى: معنى قوله " بشر المنافقين " جعل موضع بشارتهم لهم العذاب والعرب تقول: تحيتك الضرب وعقابك السيف، أي بدلا من ذلك.

(3/359)


تفسير التبيان ج3
قال الشاعر:
وخيل قد دلفت لها بخيل
تحية بينهم ضرب وجميع
امرالله (تعالى نبيه) ان يبشر المنافقين بان لهم عذابا أليما وهوالمؤلم الموجع. على نفاقهم، ثم وصف هؤلاء المنافقين فقال: " الذين يتخذون " أهل الكفر بالله ونبيه اولياء يعني انصارا وأحلافا من دون المؤمنين يعني من غيرهم، ثم قال: " يبتغون عندهم العزة " معناه يطلبون عندهم المنفعة والقوة باتخاذهم اولياء من دون اهل الايمان به (تعالى)، ثم أخبر ان العزة باجمعها له (تعالى) وان هؤلاء الذين يطلبون من جهنم العزة.
المنعة، لامنعة عندهم، بل النصر والمنعة من عندالله الذي له العزة والمنعة الذي يعز من يشاء، ويذل من يشاء.
واصل العزة الشدة ومنه قيل للارض الصلبة الشديدة: عزازويقال: استعز المريض اذا اشتد مرضه وتعزز اللحم: إذا اشتدو منه قيل: عز علي ان يكون كذا، اي اشتد علي ومنه قولهم: " من عزيز أي من غلب سلب. وقولهم: عز الشئ معناه صعب وجوده واشتد حصوله.
الآية: 140 - 149
قوله تعالى: (وقد نزل عليكم في الكتاب ان إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره انكم إذا مثلهم ان الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا(140))
آية.
قرأ عاصم ويعقون " وقدنزل " بفتح النون والزاي وتشديده. الباقون بضم النون وكسر الزاي والمنزل في الكتاب.

(3/360)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فاعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره إلى قوله.. الظالمين).
اعلم الله تعالى في هذه الآية المؤمنين ان المنافقين يهزء ون بكتاب الله الذي هوالقرآن، وأمرهم ان لايقعدوا معهم حتى يخوضوا، يعني يأخذوا في حديث غير القرآن، ثم قال: انكم ان جالستموهم على الخوض في كتاب الله والهزء به، فانتم مثلهم، وانما حكم بانهم مثلهم متى رضوا بما هم فيه، ولم ينكروا عليهم مع القدرة على الانكار، ولم يظهروا كراهية، فانهم متى كانوا راضين بالكفر، كانوا كفارا، لان الرضاء بالكفر كفر. وفي الآية دلالة على وجوب انكار المنكر مع القدرة على ذلك، وزوال العذر عنه. وإن من ترك ذلك مع القدرة عليه كان مخطئا آثما. وكذلك فيها دلالة على انه لايجوز مجالسة الفساق، والمبتدعين من اي نوع كان.
وبه قال جماعة من المفسرين. ذهب اليه ابووائل، وابراهيم وعبدالله.
وقال ابراهيم: من ذلك إذا تكلم الرجل في مجلس بكذب، يضحك منه جلساؤه، فسخط الله عليهم.
وبه قال عمر بن عبدالعزيز وقيل: إنه ضرب صائما كان قاعدا مع قوم يشربون الخمر.
وقال ابن عباس: امرالله بذلك الانفاق، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، والمراء والخصومة وبه قال الطبري والجبائي والبلخي وجماعة من المفسرين.
قال ابوعلي الجبائي: اما الكون بالقرب منهم بحيث يسمع صوتهم ولايقدر على انكاره، فليس يمحظور، وانما المحظور مجالستهم من غير اظهار كراهية ماسمعه أو يراه.
وقوله: " إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا " ومعناه ان الله يجمع الفريقين من اهل الكفر، والنفاق في القيامة في النار. والعقوبة فيها كما اتفقوا في الدنيا على عداوة المؤمنين، والمؤازرة عليهم.
قال الجبائي: في الآية دلالة على بطلان قول الاصم، ونفاة الاعراض وقولهم: انه ليس ها هنا غير الاجسام، لانه

(3/361)


تفسير التبيان ج3
قال: " حتى يخوضوا في حديث غيره " فاثبت غيرا لما كانوا فيه. وذلك هوالعرض.
قوله تعالى: (الذين يتربصون بكم فان كان لكم فتح من الله قالوا الم نكن معكم وان كان للكافرين نصيب قالوا الم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا(141))
آية بلاخلاف.
(الذين) في موضع خفض صفة للمنافقين والكافرين في قوله: " إن الله جامع المنافقين والكافرين ". أخبر الله تعالى عن هؤلاء المنافقين أنهم يتربصون بالمؤمنين اي ينتظرون بهم فان فتح الله على المؤمنين فتحا من عدوهم، فاقاء عليهم فيئا من الغنائم، قالوا لهم الم نكن معكم نجاهد عدوكم ونغزوهم معكم، فاعطونا نصيبنا من الغنيمة، فانا شهدنا القتال وان كان للكافرين نصيب أي حظ باصابتهم من الغنيمة، فانا شهدنا القتال وان كان للكافرين نصيب أي حظ باصابتهم من المؤمنين، وليس المراد بذلك ان لهم نصيبا من الله، لانه (تعالى) لم يجعل لهم غلبة المسلمين، ولااباح لهم شيئا من اموالهم، بل حظر ذلك عليهم.
وقوله: " قالوا " يعني قال المنافقين للكافرين: الم نستحوذ عليكم بمعنى الم نغلب عليكم؟ في قول السدي.
وقال ابن جريج: معناه ألم نبين لكم انا على ما انتم عليه والاستحواذ الغلبة ومنه قوله: " استحوذ عليهم فأنساهم ذكر الله " ومعناه غلب عليهم. يقال منه: حاذ عليه يحوذ.
واستحاذ يستحيذ. وحاذ يحيذ.
قال العجاج يصف ثورا وكلاما: يحوذهن وله حوذي(1) وانشده ابوعبيد والاصمعي بالزاي يحوزهن وله حوزي والمعنيان متقاربان.
---
(1) اللسان (حوذ). ديوانه: 71 ومجاز القرآن لابي عبيده 1: 141 وبده: خوف الخلاط فهو اجنبي كما يحوذ الفئة الكمي

(3/362)


تفسير التبيان ج3
وقال لبيد في صفة عيرواتن على احاذ.
إذا اجتمعت واحوذ جانبيها
واوردها على عوج طوال(1)
العوج الطوال القوائم.
وقيل: هي النخيل الطوال. فمعنى احوذ جانبيها لم يشذ منها شئ.
والاحوذ: الجاد المنكش الخفيف في اموره كلها.
وكان القياس يقتضي ان يقول: استحاذ، لان الواو إذاكانت عين الفعل وكانت محركة بالفتح، وما قبلها ساكن تقلب حركتها إلى فاء الفعل، وقلبوها الفا اتباعا لحركة ماقبلها.
كقولهم: استحاذ واستبان واستنار واستعاذ بالله وهاهنا تركت على الاصل وهي لغة القرآن.
وقوله: " ونمنعكم من المؤمنين " يعني يقول المنافقين الكافرون منعنا المؤمنين منكم بتخذيلنا اياهم، واطلاعنا اياكم على اخبارهم، وكوننا عيونالكم حتى انصرفوا عنكم وغلبتموهم.
وقوله: " فالله يحكم بينكم يوم القيامة " اخبار منه (تعالى) انه الذي يحكم بين الخلائق يوم القيامة ويفصل بينهم بالحق، وينصر المؤمنين " ولايجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا " اي بالغلبة والقهر. وان حملناه على دار الدنيا يمكن حمله على انه لايجعل لهم عليهم سبيلا بالحجة، وان جاز ان يغلبوهم بالقوة، لكن المؤمنين منصورون بالحجة والدلالة.
وبالتأويل الاول قال علي (عليه السلام): والسدى وابومالك وابن عباس.
قال السدي: السبيل - هاهنا - الحجة.
وبالثاني قال: الزجاج والجبائي والبلخي.
وقال الجبائي: ولوحملنا ذلك على الغلبة، كان أيضا صحيحا، لان غلبة الكفار للمؤمنين ليس مما فعله الله، لان ذلك قبيح، والله لايفعل القبيح. وليس كذلك غلبة المؤمنين للكفار، لانه حسن وطاعة، فكان ذلك منسوبا إلى الله (تعالى).
---
(1) اللسان (حوذ). القصيدة: 17 وبعده:
رفعن سرادقا يوم ريح
يصفق بين ميل واعتدال

(3/363)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يرآون الناس ولايذكرون الله الا قليلا(142) مذبذبين بين ذلك لاالى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا(143))
آيتان.
- قدبينا - في اول البقرة معنى الخداع من المنافقين، ومن الله (تعالى) وجملته ان الخداع من المنافقين اظهارهم الايمان الذي حقنوا به دماء هم واموالهم، كما حقن المؤمنون على الحقيقة.
وقال: الحسن والزجاج والازهري ان معناه يخادعون نبي الله فسماه خداعا لله للاختصاص، كما قال: إن الذين ببايعونك انما يبايعون الله فسمى مبايعة النبي صلى الله عليه وآله مبايعة الله، للاختصاص، لانه بأمره.
ومعنى الخداع من الله يحتمل امرين: احدهما - ان يجازيهم على خداعهم فسمى الجزاء باسم الشئ، للازدواج، كما قال: " وجزاء سيئة سيئة مثلها " والجزاء ليس بسيئة. وقال: " ومكروا ومكر الله " والله لايمكر، غير انه يجازي عليه. والثاني - ما حكم الله فيهم من منع دمائهم بما اظهروه من الايمان بلسانهم مع علمه بباطنهم، واعتقادهم الكفر استدراجا منه لهم في الدنياحتى يلقوه يوم القيامة، فيوردهم بما ابطنواهم نار جهنم.
وقال السدي: يعطيهم الله نورا يوم القيامة يمشون به مع المسلمين، كما كانوا في الدنيا، ثم يسلبهم ذلك النور، ويضرب بينهم بسور، فذلك هو الخداع منه (تعالى).
وبه قال ابن جريج، والحسن وغيرهم من المفسرين: على ما بيناه فيما مضى.
وقوله: " وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس " يعني ان المنافقين لايعملون شيئا من اعمال العبادات التي اوجبها على المؤمنين على وجه القربة إلى الله، لانهم غير موقنين بها، ولاان لهم عليها ثوابا أو عقابا وانما يفعلون ذلك إبقاء على انفسهم، وحذرا من المؤمنين ان يقتلوهم، ويسلبوا اموالهم، فهم إذا قاموا إلى الصلاة، قاموا كسالى اليها رياء للمؤمنين،

(3/364)


تفسير التبيان ج3
ليحسبوهم المؤمنون منهم، وليسوا منهم، لانهم لايعتقدون فرضها. وبه قال قتادة وابن زيد.
وقوله: " ولايذكر الله إلا قليلا " إنما وصف ما استثناه من ذكرهم لله بالقلة من حيث انهم لايقصدون به وجه الله، ولاالتقرب اليه، لا ان شيئا من ذكرالله يوصف بانه قليل، بل يوصف جميعه بانه كثير، قال الحسن: وصفه بالقلة، لانه كان لغير الله.
وقال قتادة: لانه لم يقبله الله وكلما رده الله، فهو قليل، وماقبله فهو كثير.
وقال الجبائي: لانهم إذا قاموا إلى الصلاة، لم يذكروا غير تكبيرة الاحرام.
وقوله: " مذبذبين " في موضع نصب على الحال. ومعناه انهم يقومون إلى الصلاة يعني المنافقين مترددين، لاالى هؤلاء يعني المؤمنين فيفعلونه، فيستحقون به الثواب ولا إلى هؤلاء يعني الكفار فيجاهرون بالكفر، بل بين ذلك يظهرون الايمان، فيجري عليهم حكم أهله، ويبطنون الكفر فيستحقون به عقاب أهله.
واصل التذبذب التحرك والاضطراب.
قال النابغة:
الم تر ان الله اعطاك سورة
يرى كل ملك دونها يتذبذب(1)
وقال الحسن بن علي المغربي: مذبذبين مطرودين من هؤلاء، ومن هؤلاء، من الذب الذي هوالطرد. وصف الله تعالى هؤلاء المنافقين بالحيرة في دينهم، وانهم لايرجعون إلى صحة فيه، لامع المؤمنين على بصيرة، ولامع الكفار على جهالة.
وقال ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وآله ان مثلهم مثل الشاة العائرة بين الغنمين تتحير، فتنظر إلى هذه والى هذه، لاتدري ايهما تتبع.
وبهذه الجملة قال السدي وقتادة ومجاهد وابن جريج وابن زيد وغيرهم من المفسرين.
وقوله: " ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا " يحتمل امرين: احدهما - من يضله الله عن طريق الجنة، فلن تجد له سبيلا إلى طريق الجنة. والثاني - من يجد له عقوبة على معاصيه عن طريق الرشاد والاسلام، ولم
---
(1) - مر في 1: 19

(3/365)


تفسير التبيان ج3
يوفقه، لحرمانه نفسه التوفيق بسوء اختياره، فلن تجد له سبيلا يعني طريقا إلى الحق يفضيه اليه.
قوله تعالى: (ياايها الذين آمنوا لاتتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين اتريدون ان تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا(144))
آية.
هذا خطاب للمؤمنين نهاهم الله ان يتخذوا الكافرين اولياء وانصارا من دون المؤمنين، فيكونون مثلهم في ركوب مانهاهم الله عنه من موالاة اعدائه " اتريدون ان تجعلوا الله عليكم سلطانا مبينا " يعني حجة ظاهرة.
قال عكرمة، كل ما في القرآن من ذكر سلطان، فمعناه حجة.
وبه قال مجاهد والزجاج.
وهو يذكر ويؤنث وقيل للامير سلطان، لان معناه ذو الحجة ومعنى الاية النهي عن اتخاذ الكفار أولياء من دون المؤمنين. فمن فعل ذلك، فقد جعل الله على نفسه الحجة، وتعرض لغضبه وعقابه وفي الآية دلالة على أنه لايجوز أن يبتدئ، الله الخلق بالعذاب، ولايعاقب الاطفال بذنوب الآباء، لانه لوكان ذلك شائعا، لما قال للمؤمنين: " تجعلون لله عليكم سلطانا مبينا " يعني باتخاذكم الكفار أولياء من دون المؤمنين، لان ذلك دلالة على انه لم يكن له ذلك، وانه لاكان له حجة على الخلق لولا معاصيهم ومخالفتهم له تعالى.
قوله تعالى: (ان المنافقين في الدرك الاسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا(145) الا الذين تابوا واصلحوا واعتصموا بالله واخلصوا دينهم لله فاولئك مع المؤمنين وسوف يؤتي الله المؤمنين اجرا عظيما(146))
آيتان بلاخلاف.

(3/366)


تفسير التبيان ج3
[ القراء ة والحجة ]: قرأأهل الكوفة إلا أبابكر، الاالعلمي (الدرك) بسكون الراء الباقون بفتحها وهما الغتان مثل نهر ونهر وشمع وشمع فمن فتح الراء قال في الجمع: إدراك في القلة والكثرة ومن سكنها قال إدراك وفي الكثير الدرك والتسكين لغة وليس يسكن من المفتوح، لان مثل ذلك لايجوز تسكينه، فلايسكن جمل وجبل وانما هما لغتان مثل شمع وشمع ونهر ونهر. قالوا بفتح الراء افصح، سمع من العرب من يقول: أعطني دركا اصل به حبلي، يعني ما يصل به حبله الذي عجز عن بلوغ الركة.
[ المعنى ]: ومعنى الاية الاخبار من الله أن المنافقين في الطبق الاسفل من النار.
قال عبدالله: المنافقون في توابيت من حديد مغلقة عليهم في النار وبه قال ابوهريرة، وابن عباس.
قال ابن جريج: قال عبدالله بن كثير وأبوعبيدة، سمعنا ان جهنم إدراك منازل. وليس يمتنع ان يجعل الله قوما من الكفار في الدرك الاسفل، كفرعون وهامان وأبى جهل، فان هؤلاء اعظم كفرا من المنافقين وليس في اخبار الله ان المنافقين هناك ما يمنع أن يكون غيرهم فيه أيضا، وان تفاضلوا في العقاب قال ابن جريج: هذه الايات نزلت في عبدالله بن ابي واصحابه.
قال البلخي يجوز ان يكون الادراك منازل بعضها أسفل من بعض بالمسافة، ويجوزأن يكون ذلك اخبارا عن بلوغ الغاية في العقاب والاهانة، كما يقال بلغ فلانا السلطان الحضيض، وبلغ فلانا العرش. ويريدون بذلك علو المنزلة وانحطاطها لاالمسافة.
وقوله: " ولن تجد له نصيرا " معناه لاتجد يامحمد، لهؤلاء المنافقين إذا جعلهم الله في اسفل طبقة من النار ناصرا ينصرهم، فينقذهم من عذابه، ويدفع عنهم أليم عقابه، ثم استثنى فقال: " الاالذين تابوا " فاستثنى منهم التائبين من نفاقهم إذا اصلحوا نباتهم، واخلصوا الدين لله، وتبرؤا من الآلهة والانداد، واعتصموا يعني تمسكوا بكتاب الله وصدقوا رسله، فانهم إذا فعلوا ذلك فانهم

(3/367)


تفسير التبيان ج3
يكونون مع المؤمنين في الجنة، ومحل الكرامة، ويسكنهم مساكنهم وماوعدهم من الجزاء على توبتهم، وسوف يؤتي الله المؤمنين اجرا عظيما. فكان تقدير الآية إن الذين راجعوا الحق، واقروا بوحدانية الله، وتصديق رسوله، وما جاء به من عند الله، واصلحوا اعمالهم فعملوا بما امرهم الله به وادوا فرضه وانتهوا عما نهاهم، وانزجروا عن معاصيه، وتمسكوا بعهد الله وميثاقه، فقطع حينئذانه تعالى يؤتي المؤمنين، أي يعطيهم أجرا، يعني عظيما، ودرجات في الجنة كما اعطى من مات على النفاق منازل في النار في اسفل طبقة منها. وهذه الجملة معنى قول حذيفة بن اليمان، وجميع المفسرين.
" وسوف يؤت الله " كتبت في المصحف بلاياء تخفيفا ومثله " يوم يأت لا تكلم " وقوله: " ماكنا نبغ " وغير ذلك. وكان الكسائي يثبت الياء في الوصل دون الوقف، ثم رجع عنه. وابوعمرو يثبتها في الوصل واهل المدينة يثبتونها في الحالين.
قوله تعالى: (ما يفعل الله بعذابكم ان شكرتم وامنتم وكان الله شاكرا عليما(147))
آية.
خاطب الله (تعالى) بهذه الآية المنافقين الذين تابوا وآمنوا، واصلحوا اعمالهم، فقال: إن انتم تبتم إلى الله وراجعتم الحق الواجب لله عليكم، وشكرتمره على نعمه واخلصتم عبادته، واعتصمتم به وتركتم رياء الناس، وآمنتم برسوله محمد صلى الله عليه وآله وصدقتم به، واقررتم بما جاء به من عند الله مايصنع. بعذابكم، أي لاحاجة بالله إلى عذابكم، وجعلكم في الدرك الاسفل من جهنم، لانه لايجتلب بعذابكم نفعا، ولايدفع عن نفسه ضررا، لانهما مستحيلان عليه.
" وكان الله شاكرا " يعني لم يزل الله مجازيا للشاكر على شكره في جميع

(3/368)


تفسير التبيان ج3
عباده عليمابما يستحقونه على طاعاته من الثواب، ولايضيع عنده شئ منه، ولا يفوته شئ من معاصي من عصاه، فيجازي بذلك من يشاء منهم على سوء أفعالهم جزآء بما كسبوه. وبه قال قتادة وغيره من المفسرين.
والشكر هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من تعظيم المنعم، وذلك لايجوز الشكر منه بمعنى الجزاء عليه كما قال: " ومكرواو مكر الله " " وجزاء سيئة سيئة مثلها " والجزاء ليست سيئة ولكن اطلق ذلك لازدواج الكلام.
قوله تعالى: (لايجب الله الجهر بالسوء من القول الامن ظلم وكان الله سميعا عليما(148))
آية بلاخلاف.
[ القراء ة والحجة ]: الفراء ضم الظاء في قوله: " الامن ظلم " وكسر اللام.
وقرأ زيد بن اسلم والضحاك بن مزاحم (ظلم) بفتح الظاء واللام.
فمن ضم الظاء، اختلفوا في تأويله فقال قوم: معنى ذلك لايحب الله ان يجهر احد بالدعاء على احد، وهو الجهر بالسوء إلا من ظلم فيدعو على ظالمه، لايكره ذلك وذلك انه رخص له فيه. ذهب اليه ابن عباس وقتادة والحسن.
[ الاعراب ]: و (من) على قول ابن عباس في موضع رفع، لانه وجهه إلى ان الجهر بالسوء في معنى الدعاء. واستثنى المظلوم منه وقال الزجاج: وجه الرفع أن يكون بدلا من احد وتقديره لايحب الله أن يجهر احدبالسوء إلا من ظلم وقال الفراء تقديره لايحب الله أن يجهر بالسوء الا المظلوم، فلا حرج عليه في الجهر اما بان يدعو عليه، أو بان يخبر بما فعله به، ويذمه عليه. وبه قال الجبائي قال: ولايجوز

(3/369)


تفسير التبيان ج3
لمن ليس بمظلوم ان يذكر احدا بسوء لان الله (تعالى) امره بالستر عليه والكتمان، وانما يجب عليه ان ينكر عليه فيما بينه وبينه على وجه لايفضحه، وانما جاز ذلك للمظلوم، لانه خصم يجوز له ان يدعي على خصمه ما ظلمه فيه، فان أقام بذلك بينة استوفى له حقه، والاابطل دعواه.
وقال بعض النحويين: هذا خطأفي العربية، لان من لايجوز أن يكون رفعا بالجحد لانها في صلة ان، ولم ينله الجحد، فلايجوز العطف عليه. لايجوز ان يقول: لايعجبني ان يقوم الازيد. ويحتمل أن يكون (من) نصبا في تأويل ابن عباس.
[ المعنى ]: وقوله: " لايحب الله الجهر بالسوء من القول " يكون كلاما، ثم قال: " الامن ظلم فلا حرج عليه " فيكون (من) استثناء من الفعل، وان لم يكن قبل الاستثناء شئ ظاهر يستثنى منه، كما قال: " لست عليهم بمسيطر الامن تولى وكفر ". وكقولهم: إني لاكره الخصومة والمراء، اللهم إلا رجلا يريدالله بذلك. ولم يذكر فيه شئ من الاشياء ذكره الفراء.
وقال آخرون: معناه لايحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم فيخبر بماينل منه. ذهب اليه مجاهد قال مجاهد: هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن اليه فقد رخص له أن يقول ذلك فيه وروي عن أبي عبدالله انه قال: هوالضيف ينزل بالرجل، فلايحسن ضيافته، جاز أن يقول ذلك فيه.
وقال آخرون: الامن ظلم فانتصر من ظلمه، فان ذلك قد أذن له فيه، ذهب اليه السدي وهوالمروي عن ابي جعفر (ع) و (من) على هذا يكون في موضع نصب على انقطاعه من الاول. ومن شان العرب ان تنصب مابعد الافي الاستثناء المنقطع. فالمعنى على هذا القول سوى قول ابن عباس: لايحب الله الجهر بالسوء من القول، لكن من ظلم فلا حرج عليه ان يخبر بما ينل منه، ينتصر ممن ظلمه.
ومن فتح الظاء قال تأويله: لايجب الله الجهر بالسوء من القول، الامن ظلم، فلابأس ان يجهر له بالسوء من القول.

(3/370)


تفسير التبيان ج3
ذهب اليه ابن زيد قال: يجهر له بالسوء حتى يفزع. (ومن) على هذا القول في موضع نصب والمعنى لا يحب الله الجهر أن يجهر احد لاحد من المنافقين بالسوء من القول إلا من ظلم منهم فاقام على نفاقه، فانه لابأس بالجهر بالسوء من القول.
قال الزجاج: وفيه وجه آخر لم يذكره النحويون وهو أن يكون الامن ظلم، لكن الظالم اجهروا له بالسوء من القول، وهو استثناء ليس من الاول. وهذا الذي ذكره هو قول ابن زيد بعينه.
وقال الفراء: موضع (من) نصب في القراء تين معا. ويجوز الرفع على تقدير لايحب الله أن يجهر بالسوء الاالمظلوم.
وقال البلخي: كان الضحاك يقول: فيه تقديم وتأخير والتقديم ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وامنتم إلا من ظلم بفتح الظاء ثم قال: لايحب الله الجهر بالسوء من القوم على كل حال.
قال البلخي: ويجوز ان يكون (إلا) بمعنى الواو، كانه قال: لايحب الله الجهر بالسوء، ولامن ظلم، فانه لايحب الجهر بالسوء منه.
وقال قطرب: يجوزان يكون المراد به المكره في قوله: " الامن ظلم " لانه إذا اكره على الجهر بالسوء من القول، فلا شئ عليه.
والقراء ة المعروفة أولى بالصواب، لان هذه شاذة. والتأويل فيه لايحب الله ان يجهر احد لاحد بالسوء من القول إلامن ظلم، فلاحرج عليه أن يخبر بما اسئ اليه. وتكون (من) في موضع نصب لانقطاعها عما قبلها، فانه لااسماء قبله يستثنى منها. وهومثل قوله: " لست عليهم بمسيطر الامن تولى وكفر ".
وقوله: " وكان الله سميعا عليما " يعني سميعا لما يجهرون من سوء القول لمن يجهرون له، وغير ذلك من كلامكم واصواتكم عليما بما تخفون من سوء قولكم وكلامكم لمن يخفون له به فلايجهرون يحصي ذلك كله عليكم فيجازي على ذلك كل المسئ باساء ته. والمحسن باحسانه.
قوله تعالى: (ان تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فان الله كان عفوا قديرا(149))
آية.

(3/371)


تفسير التبيان ج3
[ المعنى ]: هذا خطاب لجميع المكلفين. يقول الله لهم: " ان تبدوا " بمعنى ان تظهروا (خيرا) اي حسنا جميلا من القول لمن احسن اليكم شكرا على إنعامه عليكم، أو تخفوه أي تتركوا اظهاره، فلا تبدوه، " أو تعفوا عن سوء " معناه أو تصفحوا عمن اساء اليكم عن اساء ته، فلا تجهروا له بالسوء من القول الذي أذنت لكم أن تظهروه، وتجهروا به " فان الله كان عفوا " يعني لم يزل كان صفوحا عن خلقه يصفح لهم عن معاصيه " قديرا " يعني قادرا على الانتقام منهم. وانما أراد بذلك انه مع صفحه قادرا على الانتقام، ليكون اعظم للمدح ليحث بذلك الخلق على العفو عمن أساء اليهم. إذا قدروا على الانتقام منهم، والمكافات لهم. ولا يجهروا له بالسوء من القول مع القدرة عليه، ويتأدبوا في ذلك بأدب الله تعالى.
وروى عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (ان الله عفو يحب العفو).
الآية: 150 - 159
قوله تعالى: (ان الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون ان يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون ان يتخذوا بين ذلك سبيلا(150) أولئك هم الكافرون حقا واعتدنا للكافرين عذابا مهينا(151))
آيتان.
[ المعنى ]: معنى الآية الاخبار من الله تعالى " إن الذين يكفرون " ومعناه يجحدون بالله ورسله من اليهود والنصارى " ويريدون ان يفرقوا بين الله ورسله " أي يكذبوا رسل الله الذين أرسلهم إلى خلقه وأوحى اليهم ويزعمون انهم كاذبون على الله.

(3/372)


تفسير التبيان ج3
وذلك معنى إرادتهم التقريق بين الله ورسله " ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض " ومعناه أنهم يقولون نصدق بهذا ونكذب بهذا، كمافعلت اليهود صدقوا موسى ومن تقدمه من الانبياء، وكذبوا عيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وكما فعلت النصارى صدقت عيسى ومن تقدمه من الانبياء، وكذبوا محمدا صلى الله عليه وآله " ويريدون ان يتخذوا بين ذلك سبيلا " يعني يريد المفرقون بين الله ورسله الزاعمون انهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض ان يتخذوا بين قولهم: نؤمن ببعض، ونكفر ببعض سبيلا يعني طريقا إلى الضلالة التي أحدثوها، والبدعة التي ابتدعوها يدعون جهال الناس اليه، ثم اخبر عن حالهم فقال: " أولئك هم الكافرون حقا " أي هؤلاء الذين أخبر عنهم بانهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، وتفريقهم بين الله ورسله هم الكافرون حقا فاستيقنوا ذلك ولا ترتابوا بدعواهم انهم يقرون بما زعموا انهم فيه مقرون من الكتب والرسل، فانهم يكذبون في دعواهم هذه، لانهم لو كانوا صادقين في ذلك، لصدقوا جميع رسل الله، لانه لايصح ان يكونوا عارذفين بالله ورسوله مع جحودهم، لنبوة بعض الانبياء على مايذهب اليه في الموافات.
وعند من قال بالاحباط لايمتنع ان يكونوا عارفين بالله، وبعض رسله فاذا كفروا ببعضهم، انحبط ما معهم من الثواب على ايمانهم وهذا لايصح على مذهبنا في بطلان الاحباط فالصحيح إذا ما قلناه.
وقوله: " واعتدنا " معناه أعددنا للكافرين يعني الجاحدين الذين ذكرهم ولغيرهم من اصناف الكفار (عذابا) في الاخرة " مهينا " يهينهم ويذلهم مخلدون في ذلك وقال قتادة والسدي ومجاهد نزلت في اليهود والنصارى وانما قال: إن هؤلاء هم الكافرون حقا، وإن كان غيرهم أيضا كافرا حقا على وجه التأكيد لئلا يظن انهم ليسوا كفارا لقولهم: نؤمن ببعض ونكفر ببعض وقيل إنه قال ذلك استعظاما لكفرهم، كما قال إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم إلى

(3/373)


تفسير التبيان ج3
قوله: " أولئك هم المؤمنون حقا " وقديكون مؤمنا حقا من لم يلحق هذه الخصال بلاخلاف.
قوله تعالى: (والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين احد منهم أولئك سوف نؤتيهم اجورهم وكان الله غفورا رحيما(152))
آية بلاخلاف.
[ القراء ة والحجة ]: قرأ يؤتيهم بالياء حفص الباقون بالنون حجة حفص قوله: " سوف يؤت الله المؤمنين " ومن قرأ نؤتيهم - بالنون - فلقوله: " واتيناه اجره " وقوله: " أولئك سنؤتيهم اجرا " وغير ذلك من الآي.
[ المعنى ]: لما ذكر الله تعالى حكم من فرق بين الله ورسله، والايمان ببعض دون بعض، وانهم الكافرون، وانه أعدلهم العذاب المهين، اخبر عقيبه عمن آمن بالله ورسله، وصدقهم وأقر بنبوتهم، ولم يفرقوا بين احدمنهم، بل آمنوا بجميعهم، فان الله (تعالى) سيؤتيهم أجورهم بمعنى سيعطيهم ثوابهم الذي استحقوا على ايمانهم بالله ورسله، والاقرار بهم، وإنه يعطيهم جزاء هم على ذلك.
" وكان الله غفورا رحيما " ومعناه يغفرلمن هذه صفته ما سلف له من المعاصي والآثام، ويسيرها عليهم، ويترك العقوبة عليها، فانه لم يزل كان غفورا رحيما أي متفضلا عليهم بالهداية إلى سبيل الحق موفقا لهم لما فيه خلاص رقابهم من عقاب النار.

(3/374)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (يسئلك اهل الكتاب ان تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سئلوا موسى اكبر من ذلك فقالوا ارنا الله جهرة فاخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاء تهم البينات فعفونا عن ذلك واتينا موسى سلطانا مبينا(153))
آية بلاخلاف.
هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وآله يسألك يامحمد اهل الكتاب يعني اليهود ان تنزل عليهم كتابا من السماء، واختلفوا في الكتاب الذي سأل اليهود محمد صلى الله عليه وآله ان ينزل عليهم من السماء فقال قوم: سألوا ان ينزل كتابا من السماء مكتوبا، كما جاء موسى بني اسرائيل بالتوراة مكتوبة من عند الله في الالواح.
ذهب اليه السدي ومحمد بن كعب القرطي، فانزل الله فيهم هذه الآية إلى قوله: " على مريم بهتانا عظيما " وقال اخرون: بل سألوه ان ينزل عليهم كتابا خاصا لهم ذهب اليه قتادة.
وقال آخرون: بل يسألون أن ينزل على رجال منهم بأعيانهم كتبابالامر بتصديقه، واتباعه ذكر ذلك ابن جريج، واختاره الطبري وقال الزجاج: ذلك حين سألوا فقالوا: " لن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه " وقال الجبائي: كان سؤالهم على وجه التعنت والافكان فيما أنزله الله من القران دلالة واضحة على نبوته.
وقوله: " فقد سألوا موسى اكبر من ذلك " فانه توبيخ من الله تعالى، سئل انزال الكتاب عليهم، وتفريع منه لهم بقوله لنبيه صلى الله عليه وآله: يامحمد لايعظن عليك مسألتهم، إياك ذلك فانهم من جهلهم بالله عزوجل وجرأتهم عليه، واغترارهم بحلمه، لو أنزلت عليهم الكتاب الذي سألوه لخالفوا امر الله، كما خالفوابعد أحياء الله اوائلهم من صعقتهم، فعبدوا العجل، واتخذوه آلها فعبدوه من دون خالقهم وبارئهم الذي أراهم قدرته، وعظمته وسلطانه بما أراهم، ثم قص من قصتهم وقصة موسى

(3/375)


تفسير التبيان ج3
ماقص، فقال: " فقد سالوا موسى اكبر من ذلك " يعني سأل اسلاف هؤلاء اليهود موسى (ع) اعظم مما سألوك فقالوا أرنا الله جهرة أي عيانا نماينه وننظر اليه. وقد بينا معنى الجهرة فيما مضى.
وحكي عن ابن عباس انه قال: فيه تقديم وتأخير، وتقديره إنما قالوا جهرة أرنا الله: وهو الذي اختاره ابوعبيدة. وقال غيره: أراد رؤية بالبصر ظاهرة منكشفة، لان من علم الله فقدرآه. وهواختيار الزجاج لقوله تعالى: " لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة " وقول ابن عباس يدل على انه كان يذهب إلى الستحالة الرؤية عليه تعالى، لان على تأويله بنفس سؤال الرؤية، اخذتهم الصاعقة دون رؤية مخصوصة على مايذهب اليه من قال بالرؤية.
وقوله: " فاخذتهم الصاعقة بظلمهم " يعني فصعقوا بظلمهم انفسهم عن سؤالهم موسى ان يريهم الله، لان ذلك مماهو مستحيل عليه (تعالى) وفي ذلك دلالة واضحة على استحالة الرؤية عليه (تعالى) واستعظام لتجويزها، لانهم كانوا يكفرون به ويجحدونه ولم ينزل عليهم الصاعقة، فلما سألوا الرؤية أنزلها عليهم. وفي ذلك دلالة على أن اصل كل تشبيه تجويز الرؤية عليه تعالي على قوله ابي على. وقدبينا معنى الصاعقة فيما مضى، فلا نطول باعادته.
وقوله: " ثم اتخذوا العجل من بعد ماجاء تهم البينات " معناه، ثم اتخذ هؤلاء الذين سألوا موسى ماسألوا من رؤية الله بعد ما احياهم وبعثهم من صعقتهم - العجل الذي كان السامري أضلهم به. وقد بينا فيما مضى السبب الذي من اجله اتخذوا العجل، وكيف كان أمرهم.
وقوله: " من بعد ما جاء تهم البينات " معناه من بعد ماجاء ت هؤلاء الذين سألوا موسى البينات من الله، ومن الدلالات الواضحات بان الرؤية مستحيلة عليه، ومنها اصعاق الله اياهم عند مسألتهم موسى بريدون ان يريهم ربهم جهرة، ثم احياؤه اياهم بعد مماتهم مع غيره من الآيات التي أراهم الله دلالة على ذلك، فقال الله مقبحا فعلهم، وموضحاعن جهلهم ونقص عقولهم باقرارهم للعجل بانه الههم، وهم يرونه عيانا، وينظرون اليه، فعكفوا على

(3/376)


تفسير التبيان ج3
عبادته مصدقين بالآهيته ثم قال تعالى: " فعفونا عن ذلك " ومعناه عفونا للذبن عبدوا العجل عن عبادتهم بعد ان اراهم الله آية على أنهم لايرون ربهم.
وقوله: " واتينا موسى سلطانا مبينا " معناه اعطينا موسى حجة ظاهرة تبين عن صدقه وحقيقة نبوته، وتلك الحجة هي الآيات التي اتاه الله اياها.
قوله تعالى: (ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنالهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لاتعدوا في السبت واخذنا منهم ميثاقا غليظا(154))
آية اجماعا.
[ القراء ة والحجة ]: قرأأهل المدينة (لاتعدوا) بتسكين العين وتشديد الدال والجمع بين ساكنين بمعنى لاتعتدوا، ثم ادغم التاء في الدال فصارت دالا مشددة مضمومة، كما قرأ من قرأ (يهتدي) بتسكين الهاء - وقووا ذلك بقوله: " ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت " فجاء في هذه القصة افتعلوا وقال: " لاتعتدوا فان الله لايحب المعتدين " وقرأ الباقون بتسكين العين - من عدوت في الامر: اذا تجاوزت الحق فيه أعدو عدوانا وعداء وعدوا قال ابوزيد: عداعلى اللص: اشد العدو.
والعدو والعداء والعدوان اي سرقك وظلمك.
وعدت عينه عن ذلك اشد العدو وتعدو وحجتهم قوله: إذ يعدون في السبت في هذه القصة وقوله: فاولئك هم العادون.
[ المعنى ]: معنى قوله: " ورفعنا فوقهم الطور " يعني الجبل لما امتنعوا من العمل بما في التوراة وقبول ما جآء هم به موسى بميثاقهم يعني بما اعطوا الله من الميثاق والعقد، ليعملن بما في التوراة.

(3/377)


تفسير التبيان ج3
" وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا " يعني باب حطه حين امرهم الله ان يدخلوا فيه سجودا، فدخلوا على استاههم يزحفون.
وقلنا لهم: " لاتعدوا في السبت " اي لاتتجاوزوا في يوم السبت ما أبيمح لكم إلى ما حرم عليكم.
قال قتادة: امرهم الله ان لايأكلوا الحيتان يوم السبت، ولايعرضوا لها. واحل لهم ما عداه.
وقوله: " واخذنا - منهم ميثاقا غليظا " يعني عهدا مؤكدا بأنهم يعملون ما أمرهم الله به وينتهون عمانهاهم الله عزوجل عنه. وقد بينا فيما مضى السبب الذي من أجله كانوا أمروا بدخول الباب سجدا، وما كان من أمرهم في ذلك.
قال ابن عباس: رفع الله فوقهم الجبل، فقيل لهم: إما ان تأخذوا التوراة بما فيها، اويلقى عليكم الجبل.
وقال ابومسلم: رفع الله الجبل فوقهم ظلالا لهم من الشمس بميثاقهم أي بعهدهم جزاء لهم على ذلك.
والاول قول اكثر المفسرين.
قوله تعالى: (فيما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بايات الله وقتلهم الانبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون الا قليلا(155) وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما(156))
آيتان.
[ المعنى ]: المعني في قوله: " بما نقضهم " قولان: احدهما - قال الفراء والزجاج وغيرهما: " إن (ما) زائدة ". وتقديره فبنقضهم. والثاني - انها بمعنى شئ. وتقديره فبشئ ونقضهم. بدل منه ومجروربه.

(3/378)


تفسير التبيان ج3
مثله قوله: " مثلا ما بعوضة "(1) وفيه القولان. والتقدير فبنقض هؤلاء الذين وصفهم من اهل الكتاب وميثاقهم يعني عهودهم التي عاهدوا الله عليها أن يعملوا بما في التوراة " وكفرهم بايآت الله " يعني جحودهم بايآت الله. وهي اعلامه، وادلته التي احتج بها عليهم في صدق انبيائه، ورسله " وقتلهم الانبياء بغير حق " يعني وقتلهم الانبياء بعدقيام الحجة عليهم بصدقهم بغير حق يعني بغير استحقاق منهم، لكبيرة أتوها ولاخطيئة استوجبوا بها القتل. وقتل الانبياء، وان كان لايكون إلابغير حق، فانما اكده بقوله: " بغير حق " ومعناه ما قدمنا القول فيه أنه لايكون ذلك إلابغير حق، كما قال: " ومن يدع مع الله الها آخرلابرهان له به " والمعنى إن هذا لايكون عليه برهان.
ومثله قول الشاعر: على لاحب لايهتدى بمناره(2) وانما اراد لا منارها هناك يهتدى به. وقد استوفينا ما في ذلك فيما مضى " وقولهم قلوبنا غلف " تقديره يقولون: قلوبنا عليها غشاوة وأغطية لانفقه ما تقول، ولانعلق له، فاكذبهم الله في ذلك وقال الفراء والزجاج: معناه قلوبنا أوعية للعلم لانفقة ما تقول. وقد بينا معنى الغلف فيما مضى.
قوله: " بل طبع الله عليها بكفرهم " والمعنى كذبوا في قولهم قلوبنا غلف ما هي بغلف، ولاعليها اغطية، بل طبع الله عليها بكفرهم. وقد بينا معنى الطبع فيما مضى. وهو أنه السمة والعلامة وسم الله تعالى وعلم على قلوب قوم من الكفار الذين علم من حالهم أنهم لايؤمنون فيما بعد، وجعل ذلك عقوبة لهم على كفرهم الذي ارتكبوه في الحال تعرفه الملائكة.
وقوله: " فلايؤمنون إلا قليلا " معناه فلا يصدقون الا تصديقا قليلا. وإنما وصفه بالقلة لانهم لم يصدقوا على ما أمرهم الله به لكن صدقوا ببعض الانبياء، وبعض الكتب وكذبوا بالبعض، فكان تصديقهم بما صدقوا به قليلا، لانهم، وان صدقوا به من وجه، فهم يكذبون به من وجه آخر. ويجوز.
---
(1) سورة البقرة، آية 26.
(2) انظرا: 189 - 279 - 444.

(3/379)


تفسير التبيان ج3
أن يكون الاستثناء من الذين نفى الله عنهم الايمان فكانه علم انه يؤمن منهم جماعة قليلة فيما بعد، فاستثناهم من جملة من اخبر عنهم انهم لايؤمنون. وبهذه الجملة قال جماعة المفسرين: قتادة وغيره. واختلفوا في قوله: " فيما نقضهم " هل هو متصل بما قبله من الكلام او منفصل منه، فقال قتادة هو منفصل وقال لما ترك القوم أمر الله، وقتلوا رسله وكذبوا بآياته ونقضوا ميثاقه طبع الله على قلوبهم بكفرهم، ولعنهم وقال قوم: بل هو متصل بما قبله.
قالوا: معناه فاخذتهم الصاعقة بظلمهم بنقضهم ميثاقهم، وبكفرهم بايات الله، وبقتلهم الانبياء بغير حق، وبكذا وكذا أخذتهم الصاعقة، فتبع الكلام بعضه بعضا. ومعناه مردود على أوله، وجوابه قوله " فبظلم " من الذين قالوا الزجاج هوبدل من قوله: " فيما نقضهم " واختار الطبري الاول، وأنه منفصل من معنى ماقبله والمعنى فيما نقضهم ميثاقهم، وكفرهم بايات الله وبكذا وكذا لعناهم، وغضبنا عليهم، فترك ذكر لعناهم لدلالة قوله: " بل طبع الله عليها بكفرهم " على معنى ذلك من حيث كان من طبع على قلبه، فقد لعن وسخط عليه قال: وانما قلنا ذلك، لان الذين اخذتهم الصاعقة كانوا على عهد موسى، الذين قتلوا الانبياء، والذين رموا مريم بالبهتان العظيم، وقالوا قتلنا عيسى، كانوا بعد موسى بدهر طويل، ومعلوم أن الذين اخذتهم الصاعقة لم تأخذهم عقوبة على رميهم مريم بالبهتان، ولالقولهم: انا قتلنا المسيح فبان بذلك أن الذين قالوا هذه المقالة غير الذين عوقبوا بالصاعقة.
وقوله: " وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما " معناه وبكفر هؤلاء الذين وصفهم، وقولهم على مريم بهتانا يعني رميهم لها بالزنا، وهو البهتان وبفريتهم عليها، لانهم رموها وهي بريئة بغير بينه ولابرهان به بل هتوها بباطل القول. وهوقول ابن عباس والسدي والضحاك.

(3/380)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (وقولهم انا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وان الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم الا اتباع الظن وما قتلوه يقينا(157) بل رفعه الله اليه وكان الله عزيزا حكيما(158))
آية.
[ المعنى ]: هذه الآية عطف على ما قبلها وتقديره، فيما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بايات الله وقتلهم الانبياء بغير حق، وقولهم: قلوبنا غلف وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله، أنزلنا من العذاب، وأوجبنا لهم من العقاب، لان اخبارهم انهم قتلوا المسيح يقينا، وماقتلوه، كفرمن حيث هو جرأة على الله في قتل انبيائه، ومن دلت المعجزات على صدقه، ثم كذبهم الله في قولهم: إنا قتلناه فقال: " وما قتلوه وماصلبوه ولكن شبه لهم ". واختلفوا في كيفية التشبيه الذي شبه لليهود في أمر عيسى فقال وهب بن منبه: أنى عيسى ومعه سبعة عشرمن الحواريين في بيت فاحاطوا بهم، فلما دخلوا عليهم صيرهم الله كلهم على صورة عيسى فقالوا لهم سحر تمونا ليبرزن لنا عيسى أو لنقتلنكم جميعا، فقال عيسى لاصحابه: من يشري نفسه منكم اليوم بالجنة، فقال رجل منهم: انا، فخرج اليهم فقال: انا عيسى، وقدصيره الله على صورة عيسى، فاخذوه وقتلوه، وصلبوه. فمن ثم شبه لهم، وظنوا انهم قد قتلوا عيسى، وظنت النصارى مثل ذلك أنه عيسى، ورفع الله عيسى من يومه ذلك.
وبه قال قتادة والسدي وابن اسحاق ومجاهد وابن جريج، وان اختلفوا في عدد الحواريين، ولم يذكر احد غير وهب ان شبهه ألقي على جميعهم، بل قالوا: ألقي شبهه على

(3/381)


تفسير التبيان ج3
واحد، ورفع عيسى من بينهم قال ابن اسحاق: وكان اسم الذي القي عليه شبهه سرجس، وكان احد الحواريين، ويقال: إن الذي دلهم عليه وقال هذا عيسى أحد الحواريين أخذ على ذلك ثلاثين درهما، وكان منافقا، ثم انه ندم على ذلك فاختنق حتى قتل نفسه، وكان اسمه بودس زكريابوطا، وهو ملعون في النصارى، وبعض النصارى يقول: إن بودس زكريا بوطاهو الذي شبه لهم فصلبوه، وهو يقول: لست بصاحبكم الذي دللتكم عليه.
قال الطبري: الاقوى قول ابن المنبه، وهوان سبعة عشر القي على جماعتهم شبه عيسى، لانه لو كان ألقي على واحدمنهم مع قول عيسى ايكم يلقى عليه شبهي وله الجنة، ثم رأوا عيسى قد رفع من بين ايديهم لما اشتبه عليهم، وما اختلفوا فيه، وان جاز ان يشتبه على أعدائهم من اليهود الذين لم يكونوا يعرفونه، لكن لما ألقي شبهه على جميعهم، فكان يرى كل واحد بصورة عيسى، فلما قتل واحد منهم اشتبه الحال عليهم. وهذا الذي ذكره قريب.
وقال الجبائي: وجه التشبيه ان رؤساء اليهود اخذوا إنسانا فقتلوه وصلبوه على موضع عال، ولم يمكنوا احدا من الدنو منه فتغيرت حليته وتنكرت صورته.
وقالوا: قتلنا عيسى، ليوهموا بذلك على عوامهم، لانهم كانوا احاطوا بالبيت الذي فيه عيسى فلما دخلوه كان رفع عيسى من بينهم، فخافوا أن يكون ذلك سبب إيمان اليهود به، ففعلوا ذلك.
والذين اختلفوا غير الذين صلبوا من صلبوه، وهم باقي اليهود، فان قيل: هل يجوز ان يلقي الله شبه زيد على عمر حتى لايفصل الناظر اليهما بينهما، كما كان يفصل قبل القاء الشبه؟ قيل: ذلك مقدور لله بلاخلاف، ويجوز ان يفعله عندنا تغليظا للمحنة، وتشديدا للتكليف، وان كان ذلك خارقا للعادة، يجوز أن يجعل ذلك معجزة أو كرامة، لبعض اوليائه الصالحين، أو الائمة المعصومين (ع).
وعند المعتزلة لايجوز ذلك الا على يدي الانبياء أو في وقتهم، لانه لايجوز خرق العادة عنهم إلاعلى يده.
وقد قيل: إن اصحاب عيسى (ع) تفرقوا عنه حتى لم يبق غير عيسى، وغير الذي القي شبهه عليه، فلذلك

(3/382)


تفسير التبيان ج3
اشتبه على النصارى، فان قيل: كيف يجوز من الخلق العظيم ان يخبروا بالشئ على خلاف ما هوبه، وقد علمنا كثرة اليهود والنصارى، ومع كثرتهم اخبروا ان عيسى صلب وقتل، فكيف يجوزان يكونوا مع كثرتهم كذابين؟ ولئن جاز هذا لم نثق بشئ من الاخبار اصلا ويؤدي ذلك إلى قول السنمية ! قلنا: هؤلاء القوم دخلت عليهم الشبهة، لان اليهود لم يكونوا يعرفون عيسى، وانما اخبروا انهم قتلوا واحدا، وقيل لهم انه عيسى، فهم في ذلك صادقون، وان لم يكن المقتول عيسى. وأما النصارى فاشتبه عليهم، لانه كان ألقي شبهه على غيره، فلما رأوامن هو في صورته مقتولا، ظنوا انه عيسى، فلم يخبر احد من الفريقين بما ظن ان الامر على ما اخبر به، فلايؤدي ذلك إلى بطلان الاخبار بحال.
وقوله: " وان الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم الا اتباع الظن وما قتلوه يقينا " يعني به الذين أحاطوا بعيسى واصحابه حيث أرادوا قتله لانهم كانوا قد عرفوا عدة من في البيت، فلما دخلوا عليهم فقدوا واحدا منهم، فالتبس عليهم امر عيسى بفقدهم واحدا من العدة، وقتلوا من قتلوا على شك منهم في امر عيسى. هذا على قول من قال: لم يتفرق أصحابه حتى دخل عليهم اليهود واما من قال تفرقوا عنه، فانه يقول: اختلافهم كان بأن عيسى هل كان في من بقي في البيت أو كان في الذين خرجوا. فاشتبه الامر عليهم.
قال الزجاج: وجه اختلاف النصارى أن: منهم من ادعى انه له لايقتل، ومنهم من قال قتل، فكذب الله الجميع.
وقوله: " إلا اتباع الظن " استثناء منقطع. وتقديره لم يكن لهم بمن قتلوه علم لكنهم اتبعوه ظنا منهم انه عيسى، ولم يكن به.
وقوله: " وما قتلوه يقينا " معناه وما قتلوا ظنهم الذي اتبعوا المقتول الذي قتلوه، وهم يحسبونه عيسى يقينا إنه عيسى، ولاانه غيره، لكنهم كانوا منه على ظن وشبهة، كمايقول القائل: ما قتلت هذا الامر علما، وما قتلته يقينا: إذا تكلم فيه بالظن على غير يقين. فالهاء في (قتلوه) عائدة على الظن.

(3/383)


تفسير التبيان ج3
وقال ابن عباس وجويبر وما قتلوا ظنهم يقينا.
وحكى الزجاج عن قومهم: أن الهاء. راجعة إلى عيسى (ع). نفى الله عنه القتل على وجه التحقيق واليقين.
وقال السدي: وما قتلوا أمره يقينا إن الرجل هو عيسى (ع) وقوله: " بل رفعه الله اليه " يعني بل رفع الله المسيح اليه، ولم يقتلوه، ولم يصلبوه، لكن الله رفعه وطهره من الذين كفروا وقوله: " كان الله عزيزا حكيما " معناه لم يزل الله عزيزا منتقما من اعدائه كانتقامه من الذين اخذتهم الصاعقة بظلمهم، وكلعنه من نقض ميثاقه وفعل ما قصه الله، حكيما في افعاله وتدبيراته وتصريفه خلقه في قضائه، واحذروا أيها السائلون محمدا ان ينزل عليكم كتابا من السماء - حلول عقوبته بكم، كما حل باوائلكم الذين فعلوا فعلكم في تكذيبهم رسلي وأفترائهم على اوليائى.
وبه قال ابن عباس.
وقوله: " بل رفعه الله ".
[ القراء ة والحجة ]: في القراء من ادغم اللام في الراء وعليه الاكثر. وهوالاقوى لقرب مخرج اللام من مخرج الراء. وهو أقوى من ادغام الراء في اللام، لان في الراء تكويرا فهو يجري مجرى الحرفين. ومن لم يدغم قال: لانه من كلمتين.
وقال الفراء: لايجوز غير الادغام.
وقال سيبويه: الادغام اجود وتركه جائزوهي لغة حجازية.
وقوله: " بل رفعه الله اليه " معناه انه رفعه إلى الموضع الذي يختص الله (تعالي) بالملك، ولم يملك احدا منه شيئا. وهو السماء، لانه لايجوز ان يكون المراد انه رفعه إلى مكان هو (تعالى)، فيه لان ذلك من صفات الاجسام (تعالى الله عن ذلك) وعلى هذا يحمل قوله حكاية عن ابراهيم " إني ذاهب إلى ربي " يعني إلى الموضع الذي امرني به وربي ومثل قوله: " ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله " يعني مهاجرا إلى الموضع الذي أمره الله بالهجرة اليه.

(3/384)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (وان من اهل الكتاب الا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا(159))
آية.
معنى (ان) معنى (ما) النافية وموضعها الرفع وهي مثل قوله: " وإن منكم إلا واردها " أي ما منكم احد إلا واردها. ومعنى الآية الاخبار منه (تعالى) بانه إلا ليؤمنن به يعني بعيسى قبل موته واختلفوا في الهاء إلى من ترجع فقال قوم: هي كناية عن عيسى، كانه قال: لايبقى احد من اليهود الايؤمن بعيسى قبل موت عيسى بأن ينزله الله إلى الارض إذا اخرج المهدي (عج) وانزله الله لقتل الدجال، فتصير الملل كلها ملة واحدة وهي ملة الاسلام الحنيفية دين ابراهيم (ع). ذهب اليه ابن عباس وأبومالك والحسن وقتادة، وابن زيد وذلك حين لاينفعهم الايمان. واختاره الطبري.
قال: والآية خاصة لمن يكون في ذلك الزمان وهو الذي ذكره علي بن ابراهيم في تفسير أصحابنا.
وروى شهر بن حوشب عن محمد بن علي بن الحنفية ان الحجاج سأله عن هذه الآية وقال: نرى اليهود تضرب رقبته، فلا يتكلم بشئ فقال: حدثنى محمد بن علي أن الله يبعث اليه ملكا ينفضه ويضرب رأسه ودبره، ويقول له: كذبت عيسى، فيؤمن حينئذ ويقول: كذبت عيسى ويعترف به. فقال الحجاج: عمن؟ فقال: عن محمد بن علي فقال له، جئت بها من عين صافية. فقيل لشهرما أردت بذلك؟ قال: اردت ان اغيظه وذكره البلخي مثل ذلك وضعف هذا الوجه الزجاج وقال: الذين يبقون إلى زمن نزول عيسى (ع) من أهل الكتاب قليل. والآية تقتضي عموم إيمان أهل الكتاب أجمع قال: إلا ان تحمل على ان جميعهم يقول: ان عيسى الذي ينزل لقتل الدجال نحن نؤمن به فعلى هذا يجوز.
واختار الوجه الثاني وقال قوم: الهاء كناية عن الكتابي، وتقديره أنه لايكون احد من أهل الكتاب يخرج من دار الدنيا إلا ويؤمن بعيسى عند

(3/385)


تفسير التبيان ج3
موته إذا زال تكليفه، وتحقق الموت، ولكن لاينفعه الايمان حينئذ ذهب اليه ابن عباس في رواية أخرى، ومجاهد.
قال ابن عباس: لو ضربت رقبته لم تخرج نفسه حتى يؤمن وبه قال عكرمة والضحاك.
وفي رواية عن الحسن وقتادة وقال قوم: الهاء كناية عن محمد صلى الله عليه وآله والتقدير وليس من أهل الكتاب إلا من يؤمن بمحمد صلى الله عليه وآله قبل موت الكتابي ذهب اليه عكرمة وطعن الطبري على هذا الوجه بل قال: لو كان ذلك صحيحا لما جاز اجزاء احكام الكفار عليهم إذا ماتوا من ترك الصلاة عليهم. ومنع المدافنة والموراثه. وغير ذلك. ووجب اجراء حكم الاسلام عليهم. وهذا الذي ذكره ليس بشئ لان ايمانهم بمحمد صلى الله عليه وآله انما يكون في حال زوال التكليف، فلا حكم لذلك الايمان.
وذلك مثل إيمان فرعون حين غرق وقال: " امنت انه لا اله إلا الذي امنت به بنو اسرائيل " فقال الله تعالى له: " الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين " فكذلك إيمان هؤلاء لايعتد به، وانما يضعف هذا الجواب من حيث انه لم يجر لمحمد صلى الله عليه وآله ذكر فيما تقدم، ولا هاهنا ضرورة موجبة لرد الكناية عليه. وما هذه صورته لا تجوز الكناية عنه.
وانما قلناه في قوله: حتى توارت بالحجاب إنها كناية عن الشمس للضرورة، لانه يتحمل سواها. وقد جرى ذكر عيسى والكتابي فامكن ان يكون كناية عن كل واحد منهما، فلا يجوز العدل عنه وقوله " ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا " قال قتادة وابن جريح: يكون عيسى عليهم شهيدا على أنه قد بلغ رسالة ربه، واقر على نفسه بالعبودية مكذبا من كذبه ومصدقا من صدقه.
الآية: 160 - 176

(3/386)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ما احل لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا(160) واخذهم الربا وقد نهوا عنه واكلهم اموال الناس بالباطل واعتدنا للكافرين منهم عذابا اليما(161))
آيتان
هاتان الآيتان معطوفتان على ما تقدم.
قال الزجاج: قوله: " فبظلم " بدل من قوله: " فبما نقضهم ميثاقهم " والعامل في الياء قوله: " حرمنا عليهم طيبات " لما طال الكلام أجمل (تعالى) ما ذكره هاهنا في قوله: فبظلم واخبر انه حرم على اليهود الذين نقضوا ميثاقهم الذين واثقوا الله عليه، وكفروا باياته، وقتلوا أنبياء ه، وقالوا، البهتان على مريم وفعلوا ما فعلوا مما وصفه الله في كتابه طيبات من المأكل وغيرها، وكانت لهم حلالا، عقوبة لهم بظلمهم الذي أخبر الله عنه لانهم لما فعلوا ما فعلوا، اقتضت المصلحة تحريم هذه الاشياء عليهم. وهو قول مجاهد واكثر المفسرين.
وقوله: " وبصدهم عن سبيل الله كثيرا " يعنى بمنعهم عباد الله عن دينه وسبيله التي شرعها لعباده صدا كثيرا، وكان صدهم عن سبيل الله بقولهم على الله الباطل، وادعائهم ان ذلك عن الله، وتبديلهم كتاب الله وتحريفهم معانيه عن وجوهه. ومن أعظم ذلك جحدهم نبوة محمد صلى الله عليه وآله وتركهم بيان ما قد عملوا من امره من جهل امره من الناس، وهوقول مجاهد وغيره.
وقوله: " وأخذهم الربا " يعني على رؤوس أموالهم بتأخيرهم له عن محله إلي محل آخر وقد نهوا عنه يعني عن الربا، وأكلهم اموال الناس بالباطل يعني بغير استحقاق، ولا استيجاب. وهو ما كانوا يأخذونه من الرشا على الاحكام، كما قال تعالى: " واكلهم السحت لبئس ماكانوا يعملون " ومنه ما كانوا يأخذونه من اثمان الكتب التي كانوا يكتبونها بايديهم، ويقولون هذا من عندالله، وما اشبه ذلك من المآ كل الخسيسة الخبيثة، فعاقبهم الله تعالى على جميع ذلك بتحريم ما حرم عليهم من الطيبات.
وقوله: " واعتدنا للكافرين منهم عذابا " معناه وجعلنا للظالمين أنفسهم بكفرهم بالله، وجحدهم رسوله محمد (صلى الله عليه وآله) من هؤلاء اليهود العذاب الاليم. وهوالمؤلم الموجع يصلونها في الاخرة عدة لهم.
قال ابوعلي: حرم الله (تعالي) هذه الطيبات على الظالمين منهم عقوبة لهم على ظلمهم ومن لم يكن ظالما منهم نسخه منهم اما على لسان عيسى أو علي لسان محمد صلى الله عليه وآله

(3/387)


تفسير التبيان ج3
نبينا وهوما حرمه من كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير، وغير ذلك مما ذكره في قوله: " وعلى الذين هاد واحرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلي قوله.. ذلك خزيناهم ببغيهم " فهذا البغي هوالظلم الذي ذكره هاهنا.
قوله تعالى: (لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما انزل اليك وما انزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر اولئك سنؤتيهم اجرا عظيما(162))
آية.
استثنى الله تعالى من اليهود الذين وصف صفتهم فيما مضى من الآيات في قوله: يسألك اهل الكتاب إلى هاهنا من هداه الله لدينه، ووفقه لرشده فقال: " لكن الراسخون " وهم الذين رسخوا في العلم وثبتوا فيه. وقد مضى معنى الرسوخ فيما مضى في العلم الذي جاء به الانبياء، واحكام الله التي ادوها إلى عباده، والمؤمنون بالله. ورسوله منهم يؤمنون بالقرآن الذي أنزله الله اليك يامحمد صلى الله عليه وآله وبالكتب التي انزلها على من قبلك من الانبياء، والرسل، ولا يسألونك ما يسأل هؤلاء الجهال من انزال كتاب من السماء، ولانهم قد علموا صدق قولك بما قرأوا من الكتب التي انزلها على الانبياء، ووصفك فيها وأنه يجب عليهم اتباعك، فلا حاجة بهم إلى ان يسألوك معجزة اخرى، ولادلالة غير ما علموا من امرك بالعلم الراسخ في قلوبهم وهو قول قتادة والمفسرين.
وقوله: " والمقيمين الصلاة " اختلفوا هل هم الراسخون في العلم أو غيرهم؟ فقال قوم: هم هم. واختلف هؤلاء في إعرابه ومخالفته لاعراب الراسخين فقال قوم منهم: هوغلط من الكتب وانما هو، لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون والمقيمون الصلاة ذكر ذلك حمادبن سلمة عن الزبير.
قال: قلت لابان بن عثمان بن عفان. ما شانها كتبت لكن الراسخون في العلم

(3/388)


تفسير التبيان ج3
منهم والمؤمنون والمقيمين الصلاة فقال: قال: إن الكاتب لما كتب لكن الراسخون في العلم منهم إلى قوله: من قبلك قال: ما اكتب؟ قيل له: اكتب والمقيمين الصلاة.
وروى عروة بن الزبير قال: سألت عائشة عن قوله: " والمقيمين الصلاة "، وعن قوله: " والصابئون " وعن قوله: " ان هذان " فقالت: يابن اخي هذا عمل الكتاب أخطأوا في الكتابة وفي مصحف ابن مسعود (والمقيمون الصلوة) وقال الفراء أو الزجاج وغيرهما من النحويين: هومن صفة الراسخين، لكن لما طال، واعترض بينهما كلام نصب المقيمين على المدح وذلك سائغ في اللغة كما قال في ألايات التي تلوناها، وفي قوله: " والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء " وقال اخرون: هومن صفة الراسخين في العلم هاهنا، وان كان الراسخون في العلم من المقيمين.
قالوا: وموضع (المقيمين) خفض عطفا على ما في قوله: يؤمنون بما أنزل اليك وما انزل من قبلك، ويؤمنون بالمقيمين الصلاة.
والمعنى يؤمنون باقام الصلاة وقوله: والمؤتون الزكاة.
قالوا: عطف على قوله: " والمؤمنون " وقال آخرون المقيمون الصلاة هم الملائكة. واقامتهم للصلاة تسبيحهم ربهم، واستغفارهم لمن في الارض. ومعنى الكلام والمؤمنون يؤمنون بما انزل اليك وما انزله من قبلك، وبالملائكة. واختاره الطبري. قال لانه في قراء ة أبي كذلك، وكذلك هو في مصحفه. فلما وافق مصحفه لمصحفنا ذلك على انه ليس بغلط.
وقال اخرون: المعنى المؤمنون يؤمنون بما انزل اليك، وما انزل من قبلك، ويؤمنون بالمقيمين الصلاة، وهم الائمة المعصومون، والمؤتون الزكاة، كما قال: يؤمن بالله، ويؤمن للمؤمنين. وانكروا النصب على المدح.
قالوا: وانما يجوز ذلك بعد تمام خبره قالوا وخبر الراسخين قوله: " اولئك سنؤتيهم اجرا عظيما " فلايجوز نصب المؤمنين على المدح في وسط الكلام قبل تمام الخبر. واختار الزجاج ذلك.
قال: يجوز ان تقول مررت بزيد كريم. بالجر والنصب والرفع: النصب على المدح، والخفض على الصفة، والرفع على تقدير هوالكريم. وانشد في النصب على المدح

(3/389)


تفسير التبيان ج3
يت خرنق:
لايبعدن قومي الذين
هم سم العداة وافة الجزر
النازلين بكل معترك
والطيبون معاقد الازر
على معنى اذكر النازلين وهم الطيبون. ولو نصب لكان جائزا.
وقال قوم المعنى لكن الراسخون في العلم منهم ومن المقيمين الصلاة قالوا فموضعه خفض.
وقال: قوم: المعنى يؤمنون بما أنزل. اليك وإلى المقيمين الصلاة وهذان الوجهان الاخيران ضعيفان عند النحويين، لانه لايكاد يعطف ظاهر على مكنى.
قوله: " اولئك سنؤتيهم اجرا عظيما " إشارة إلى هؤلاء الذين وصفهم الله فاخبر أنه سيعطينهم أجرا أي ثوابا، وجزآء على ما كان منهم من طاعة الله واتباع أمره من الخلود في الجنة.
وقيل من جملة الراسخين: عبدالله بن سلام وابن يامين وابن صوريا، واسد وثعلبة، وسلام وغيرهم من علماء اليهود الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وآله.
قوله تعالى: (إنا أوحينا اليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده واوحينا إلى ابراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والاسباط وعيسى وايوب ويونس وهارون وسليمان واتينا داود زبورا(163))
آية.
القراء ة والحجة: قرأ حمزة وخلف (زبورا) بضم الزاي. الباقون بفتحها حيث وقعت من ضم الزاي احتمل ذلك وجهين: احدهما أن يكون جمع زبر، فاوقع على المزبور الزبر.
كما قيل: ضرب الامير ونسج اليمن.
كمايسمى المكتوب الكتاب، ثم جمع الزبر على زبور لوقوعه موقع الاسماء التى ليست مصادر، كما يجمع الكتاب كتب، فلما استعمل استعمال الاسماء، قالوا: زبور والوجه الآخر ان يكون جمع زبور يحذف الزيادة على زبور، كما قالوا: ظريف وظروف، وكروان وكروان، وورشان

(3/390)


تفسير التبيان ج3
وورشان ونحو ذلك مما يجمع بحذف الزيادة يدل على قوة هذا ان التكسير مثل التصغير.
وقد اطرد هذا الحذف في ترخيم التصغير نحو ازهرو زهير، وحارث وحريث وثابت وثبيت والجمع مثله في القياس، وإن كان اقل منه في الاستعمال، ومن فتح الزاي أراد الكتاب المنزل على داود (ع) كما سمى المنزل على موسى التوراة، والمنزل على عيسى الانجيل، والمنزل على محمد صلى الله عليه وآله الفرقان.
[ المعنى ]: قال الحسين بن علي المغربى: زبور جمع زبور ومثله تخوم وتخوم وعذوب وعذوب قال: ولايجمع فعول - بفتح الفاء - على فعول - بضم الفاء - إلا هذه الثلاثة فيما عرفنا.
والزبر احكام العمل في البئر خاصة يقال: بئر مزبورة: اذا كانت مطوية بالحجارة.
ويقال: ما لفلان زبراي عقل.
وزبر الحديد: قطعة واحدها زبرة.
ويقول زبرت الكتاب ازبره زبرا مثل اذبره ذبرا - بالذال المعجمة -.
[ المعنى ]: هذا خطاب من الله للنبي صلى الله عليه وآله يقول الله: إنا اوحينا اليك يامحمد أي ارسلنا اليك رسلنا بالنبوة كما أرسلنا إلى نوح وسائر الانبياء الذين سميناهم لك من بعد والذين لم نسمهم لك.
وقيل: إن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وآله لان بعض اليهود لما فضحهم الله بالآيات - التي انزلها على رسوله صلى الله عليه وآله من عند قوله: " يسألك أهل الكتاب ان تنزل عليهم كتابا من السماء، وما بعده " فتلا ذلت عليهم رسول الله، قالوا: ما انزل الله على بشر من شئ بعد موسى، فانزل الله هذه الآيات تكذيبا لهم، واخبر نبيه والمؤمنين بها انه قد انزل على من بعد موسى من الذين سماهم في هذه الآية وعلى من لم يسمهم وهو قول ابن عباس.
وقال آخرون بل قالوا لما انزل الله الايات التي قبل هذه في ذكرهم: ما انزل الله على بشر من شئ، ولاعلى عيسى.

(3/391)


تفسير التبيان ج3
ذهب اليه محمد بن كعب القرطي وفيم نزل قوله: " وما قدروا الله حق قدره اذ قالوا ما انزل الله على بشر من شئ " والاسباط في ولد اسحاق كالقبائل في اولاد اسماعيل.
وقد بعث منهم عدة رسل: كيوسف وداود وسليمان، وموسى وعيسى، فيجوز ان يكون اراد بالوحي اليهم الوحي إلى الانبياء منهم، كما تقول: ارسلت إلى بني تميم، وإن ارسلت إلى وجوههم وليس يصح عندنا ان الاسباط الذين هم اخوة يوسف، كانوا انبياء.
قوله تعالى: (ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما(164))
آية بلاخلاف.
[ الاعراب والمعنى ]: يحتمل نصب (ورسلا) امرين: احدهما - على قول الفراء - انا اوحينا اليك كما اوحينا إلى نوح، والى رسل قد قصصناهم عليك، ورسل لم نقصصهم عليك. فلما حذف إلى نصب رسلا.
وقال الزجاج: تقديره انه لما قال: " إنا اوحينا " كان معناه ارسلناك رسولا عطف على ذلك، فقال: ورسلا.
وتقديره وارسلنا رسلا، فعطف الرسل على معنى الاسماء قبلها في الاعراب كما قال الشاعر:
أوحيت بالخبزله ميسرا
والبيض مطبوخا معا والسكرا
لم يرضه ذلك حتى يشكرا والوجه الثاني - أن يكون نصبا بفعل يفسره ما بعده، ويتلوه، وهو اختيار الزجاج. وتقديره وقصصنا عليك رسلا قد قصصناهم عليك، كما قال: " والظالمين اعدلهم " والتقدير واعد للظالمين اعدلهم عذابا اليما.
وقرأ ابي ورسل - بالرفع - لما كان في الفعل عائد اليهم، وهو قوله:

(3/392)


تفسير التبيان ج3
" وقد قصصناهم عليك " وقوله: " وكلم الله موسى تكليما " نصب تكليما على المصدر وفائدة وكلم الله موسى بلاواسطة خصوصا من بين سائر الانبياء كلمهم الله بواسطة الوحي وقيل: إنما قال ذلك، ليعلم، ان كلام الله من جنس هذا المعقول الذي يشقق من التكلم على خلاف مايقول المبطلون. وقيل انما اتى بالمصدر تاكيدا.
وقيل: انما أراد بذلك تعظيم كلامه، كانه قال: كلم الله موسى تكليما شريفا كما قال: " فغشيهم من اليم ما غشيهم " يريد بذلك تعظيم ما غشيهم من الاهوال فاما قول من قال: ان الله كلم موسى باللغات كلها التي لم يفهمها. فلما كان آخر شئ كلمه بكلام فهمه، فان ذلك لايجوز عليه تعالى، لان خطاب من لايفهم خطابه عبث يجري مجرى قبح خطاب العربي بالزنجية، والله (يتعالى عن ذلك) قال البلخي: وفي الآية دلالة على أن كلام الله محدث من حيث انه كلم موسى خاصة دون غيره من الانبياء، وكلمه في وقت دون وقت، ولو كان الكلام قديما ومن صفات ذاته لم يكن في ذلك اختصاص ومن فصل بين الكليم والتكلم، فقد ابعد لان المكلم لغيره لايكون الامتكلما، وان كان يجوز ان يكون متكلما وان لم يكن مكلما فالمتكلم يجمع الامرين.
قوله تعالى: (رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما(165))
آية بلاخلاف.
نصب (رسلا) على القطع من اسماء الانبياء الذين ذكر اسماء هم (مبشرين) نصب على الحال. والتقدير أرسلت هؤلاء الانبياء رسلاإلى خلقي وعبادي مبشرين بثوابي من اطاعني وصدق رسلي (ومنذرين) يعني مخوفين من عقابي من عصاني وخالف أمري، وكذب رسلي " لئلا تكون للناس على الله حجة بعد الرسل " وقال

(3/393)


تفسير التبيان ج3
ابوعلي: ذلك مخصوص بمن علم الله من حاله أن له في بعثه الانبياء لطفا، لانه إذا كان كذلك متى لم يبعث اليهم نبيا يعرفهم ما فيه لطفهم، كان في ذلك اتم الحجة عليه (تعالى) وذلك يفسد قول من قال: في مقدوره من اللطف ما لو فعله بالكافر لآمن به، لانه لو كان الامر على ما قالوه، لكانت لهم الحجة بذلك علي الله (تعالى) قائمة.
فاما من لم يعلم من حاله ان له في انفاذ الرسل اليه لطفا، فالحجة قائمة عليه بالعقل، وأدلته على توحيده، وصفاته وعدله، ولولم تقم الحجة بالعقل ولاقامت إلا بانفاذ الرسل، لفسد ذلك من وجهين: أحدهما - ان صدق الرسل لايمكن العلم به الابعد تقدم العلم بالتوحيد والعدل فان كانت الحجة، لم تقم عليه بالعقل فكيف الطريق له إلى معرفة النبي صلى الله عليه وآله وصدقه. والثاني - انه لوكانت الحجة لاتقوم الابالرسول لاحتاج الرسول أيضا إلى رسول آخر حتى تقوم عليه الحجة.
والكلام في رسوله كالكلام في هذا الرسول ويؤدي ذلك إلى مالا يتناهى. وذلك فاسد فمن استدل بهذه الآية على ان التكليف، لايصح بحال الابعد انفاذ الرسل، فقد ابعد على ما قلناه.
وقوله: " وكان الله عزيزا حكيما " معناه انه مقتدر على الانتقام ممن يعصيه ويكفر به لايمنعه منه مانع لعزته حكيم فيما امر به خلقه وفي جميع افعاله.
قوله تعالى: (لكن الله يشهد بما انزل اليك انزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا(166))
آية.
قال الزجاج: الرفع مع تخفيف (لكن) والنصب مع تشديده جائز، لكن لم يقرأ بالتشديد احد.
ومعنى " لكن الله يشهد " أي يبين ما تشهد به ويعلم مع ابانته انه حق.

(3/394)


تفسير التبيان ج3
" والملائكه يشهدون وكفى بالله شهيدا " دخلت الباء مؤكدة.
والمعنى اكتفوا بالله في شهادته والمعنى في الآية ان هؤلاء اليهود الذين سألوك ان ينزل عليهم كتابا من السماء وقالوا لك ما أنزل الله على بشر من شئ، قد كذبوا ليس الامر كما قالوا، لكن الله يشهد بتنزيل ما انزله اليك من كتابه ووحيه انزل ذلك اليك، وهو عالم بانك خيرته من خلقه، وصفوته من عباده يشهد لك بذلك ملآئكته، فلا يحزنك تكذيب من كذبك، وخلاف من خالفك " وكفاك بالله شهيدا " أي حسبك بالله شاهداعلى صدقك، دون ما سواه.
قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في جماعة من اليهود كان النبي صلى الله عليه وآله دعاهم إلي اتباعه، واخبرهم أنهم يعلمون حقيقه نبوته فجحدوا نبوته، وانكروا معرفته، فانزل الله فيهم هذه الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وآله وتعزية له عن تكذيب من كذبه.
ومن استدل بهذه الآية على انه تعالى عالم بعلم، فقد اخطأ لان، قوله بعلمه معناه، وهو عالم به. ولو كان المراد بذلك ذاتا اخرى، لوجب ان يكون العلم آلة في الانزال، كما يقولون كتبت بالقلم، وقطعت بالسكين، ونجرت بالفاس. ولاخلاف ان العلم ليس بآلة في الانزال.
وقال الزجاج معناه إنزال القرآن الذي علمه فيه. وهو اختيار الازهري.
قوله تعالى: (ان الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالا بعيدا(167))
آية
المعنى: ان الذين جحدوا نبوتك بعد علمهم بها من أهل الكتاب الذين ذكر قصتهم، وانكروا ان الله تعالى أوحى اليك وانزل كتابه عليك، وصدوا عن سبيل الله يعني عن الدين بعثك به الي خلقه. وهو الاسلام بقولهم للذين يسألونهم

(3/395)


تفسير التبيان ج3
عن صحة نبوتك ما نجد صفة محمد صلى الله عليه وآله في كتبنا، وادعاؤهم عهد إليهم ان النبوة لاتكون إلا في ولد هارون. ومن ذرية داود، ومااشبه ذلك فقد ضلوا ضلالا بعيدا يعني جاروا عن قصد الطريق جورا شديدا، وزالوا عن المحجة التي هي دين الله الذي ارتضاه لعباده وبعثك به الي خلقه زوالا بعيدا، ابعدوا من الرشاد.
قوله تعالى: (إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفرلهم ولا ليهديهم طريقا(168) الا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا(169))
آيتان.
هذا خبر من الله تعالى بان الذين جحدوا رسالة محمد (صلى الله عليه وآله) كفروا بالله، وجحدره بجحودهم رسالة نبيه وظلموا نبيه بتكذيبهم اياه، ومقامهم على الكفر على علم منهم بظلمهم عباد الله، وحسدا للعرب، وبغيا على رسوله " لم يكن ليغفر لهم " يعني لم يكن الله ليعفو عن ذنوبهم بترك عقابهم عليها، لكنه تعالى يفضحهم بها (جل ثنآؤه) بعقوبته إياهم عليه، ولاليهديهم طريقا يعني لايهديهم لطريق الجنة، لان الهداية إلى طريق الايمان قد سبقت، وقد عم الله ايضا بها جميع المكلفين.
ويحتمل ان يكون المراد لم يكون الله يفعل بهم ما يؤمنون عنده في المستقبل عقوبة لهم على كفرهم الماضي، واستحقاقهم حرمان ذلك، وانه يخذلهم عن ذلك حتى يسلكوا طريق جهنم، ويكون المعنى لم يكن الله ليوفقهم للاسلام، لكنه يخذلهم عنه إلى طريق جهنم جزاء لهم على ما فعلوه من الكفر خالدين فيها مقيمين ابدا.
" وكان ذلك على الله يسيرا "
المعنى: وكان تخليد هؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم في جهنم على الله يسيرا، لانه تعالى إذا أراد ذلك به لم يقدر على الامتناع منه، ولايصعب عليه عقاب من يعصيه، فذلك كان يسيرا عليه.

(3/396)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (ياايها الناس قد جاء كم الرسول بالحق من ربكم فأمنوا خيرا لكم وان تكفروا فان لله ما في السماوات والارض وكان الله عليما حكيما(170))
آية بلاخلاف.
خاطب الله بهذه الآية جميع الكفار الذين لم يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وآله من مشركي العرب، وجميع اصناف الكفار، وبين انه قدجاء هم الرسول - يعني محمد (صلى الله عليه وآله) - بالحق من ربكم - يعني بالاسلام الذي ارتضاه الله لعباده دينا من ربكم. يعني من عند ربكم " فامنوا خيرا لكم " معناه صدقوه وصدقوا ما جاء كم به من عند ربكم من الدين فان الايمان بذلك خير لكم من الكفر " وان تكفروا " اي تجحدوا نبوته وتكذبوا رسالته وبما جاء به من عند الله فان ضرر ذلك يعود عليكم دون الله تعالى الذي له ملك السماوات، لاينقص كفركم بما كفرتم به من امره، وعصيانكم فيما عصيتموه فيه من ملكه وسلطانه شيئا.
" وكان الله عليما " بما انتم صائرون اليه من طاعته أو معصيته " حكيما " في امره اياكم ونهبه عما نهاكم عنه وفي غير ذلك من تدبيره فيكم، وفي غيركم من خلقه.
الاعراب: واختلفوا في نصب " خيرا لكم " فقال الخليل، وجميع البصريين: إن ذلك محمول على المعنى، لانك إذا قلت: انته خيرا لك، فانت تدفعه عن امر، وتدخله في غيره، كانك قلت: انته وات خيرا لك، وادخل فيما هو خير لك وانشد الخليل وسيبويه قول عمر بن ابي ربيعة:
فواعديه سرحتي مالك
او الربا بينهما اسهلا
وتقديره وأنني مكانا اسهلا وقال الكسائي: انتصب يخروجه من الكلام.

(3/397)


تفسير التبيان ج3
قال: وهذا تفعله العرب في الكلام التام، نحو قولك لتقو من خيرا لك، وانته خيرا لك، فاذا كان الكلام ناقصا، لم يخبر غير الرفع تقول: ان تنته خير لك، وان تصبروا خير لكم.
وقال الفراء انتصب ذلك لانه متصل بالامر وهومن صفته. الاترى انك، تقول: انته هو خيرلك؟ فما اسقطت هو اتصل بما قبله، وهو معرفة فانتصب وقال ابوعبيدة: انتصب ذلك على اضمار كان، كانه قال: فامنوا يكن الايمان خيرا لكم. قال: وكذلك كل امر ونهي قال الفراء: يلزم على ذلك ما يبطله. ألاترى انك تقول: اتق الله تكن محسنا، ولايجوز ان تقول: اتق الله محسنا باضمار كان، ولايصلح ان تقول: انصرنا اخانا، وانت تريد تكن اخانا.
وقال قوم. انتصب ذلك بفعل مضمر اكتفى في ذلك المضمر بقوله: لاتفعل ذلك وافعل صلاحا لك.
قوله تعالى: (ياأهل الكتاب لاتغلوا في دينكم ولاتقولوا على الله الا الحق انما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته القاها إلى مريم وروح منه فامنوا بالله ورسله ولاتقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم انما الله اله واحد سبحانه ان يكون له ولد له ما في السماوات وما في الارض وكفى بالله وكيلا(171))
آية واحدة.
هذا خطاب من الله تعالى لاهل الكتاب الذي هو الانجيل وهم النصارى نهاهم الله (تعالى) ان يغلوا في دينهم بان يجاوزوا الحق فيه، ويفرطوا في دينهم، ولا يقولوافي عيسى غير الحق، فان قولهم في عيسى انه ابن الله قول بغير الحق، لانه (تعالى) لم يتخذ ولدا فيكون عيسى أو غيره من خلقه ابناله، ونهاهم ان يقولوا على الله. الاالحق، وهو الاقرار بتوحيده، وانه لاشريك له ولاصاحبة ولاولد.
واصل الغلو في كل شئ تجاوز حده يقال: غلا فلان الدين يغلو غلوا.

(3/398)


تفسير التبيان ج3
وغلا بالجارية عظمها ولحمها: إذا انسرعت الشباب، وتجاوزت لذاتها.
يغلو بها غلوا وغلاء قال الحارث بن خالد المخزومي:
خمصانة فلق موشحها
رود الشباب غلابها عظم(1)
وقوله: انما المسيح عيسى بن مريم، فأصل المسيح المموح - نقل من مفعول إلى فعيل. سماه الله بذلك لتطهيره إياه من الذنوب، وقيل مسح من الذنوب والادناس التي تكون في الادميين كما يمسح الشئ من الاذى الذي يكون فيه. وهو قول مجاهد.
وقال ابوعبيدة: هذه الكلمة عبرانية أو سريانية مشيحا، فعربت فقيل المسيح، كما عرب سائر أسماء الانبياء في القرآن، نحو اسماعيل واسحاق وموسى وعيسى.
وقال قوم ليس هذا مثل ذلك، لان اسماعيل واسحاق وما اشبههما اسماء، لاصفات.
والمسيح صفة ولايجوز ان يخطب العرب وغيرها من اجناس الخلق في صفة شئ إلا بما يفهم، فعلم بذلك انها كلمة عربية وقال ابراهيم: المسيح المسيح الصديق واما المسيح الدجال فانه ايضا بمعنى الممسوح العين صرف من مفعول إلى فعيل فمعنى المسيح في عيسى (ع) الممسوح البدن من الادناس والآثام.
ومعنى المسيح في الدجال الممسوح العين اليمنى أو اليسرى كما يروى عن النبي صلى الله عليه وآله في ذلك، وقوله: رسول الله اخباره منه (تعالى) ان المسيح أرسله الله وجعله نبيا.
وقوله: (كلمته القاها إلى مريم) فانه يعني بالكلمة الرسالة التي امر الله ملائكته أن يأتي بها بشارة من الله (تعالى) لها التي ذكرت في قوله: " قالت الملائكة يامريم ان الله يبشرك بكلمة منه " يعني برسالة منه وبشارة من عنده وقال قتادة والحسن: هو قوله: " كن فكان " واختار الطبري الاول وقال الجبائي: ذلك مجاز، وانما اراد بالكلمة انهم يهتدون بعيسى، كما يهتدون بكلامه. وكذلك يحبون به في دينهم كما يحيى الحي بالروح، فلذلك سماه روحا.
---
(1) - اللسان (علا) - مجاز القرآن 1: 143 وفي الاغاني (علا) بدل (فلا).
خمصانة بفتح الحاء وضعها - ضامرة البطن. رؤد الشباب شابة حسنة.

(3/399)


تفسير التبيان ج3
وقوله: " القاها إلى مريم " فمعناه اعلمها بها واخبرها كما يقال القيت اليك كلمة حسنة بمعنى اخبرتك بها.
وقال الجبائي: معنى القاها إلى مريم خلقه في رحمها.
وقوله: " وروح منه " اختلفوا فيه على ستة اقوال: فقال، قوم: معناه ونفحة منه وسماء روحا، لانه حدث عن نفحة جبرائيل في درع مريم بامرالله له بذلك، ونسب إلى الله، لانه كان بامره. وانما سمي النفخ روحا، لانها ريح تخرج من الروح. واستشهدوا على ذلك قول ذي الرمة - واسمه غيلان - في صفة نار نفثها.
فلما بدت كفنتها وهي طفلة
بطلساء لم تكمل ذراعا ولاشبرا.
وقلت له: ارفعها اليك واحيها
بروحك واقتتها لها قيتة قدرا
وظاهر لها من يابس الشخت، واستعن
عليها الصبا واجعل يديك لهاسترا(2).
معنى احيها بروحك اي بنفخك.
وقال بعضهم: معناه انه كان انسانا باحياء الله اياه بتكوينه بلاواسطة من جماع، ونطفة على مجرى العادة.
وقال قوم: قوله: " وروح منه " معناه ورحمة منه.
كما قال في موضع: " وايدهم بروح منه " ومعناه ورحمة منه.
قال: فجعل الله عيسى رحمة على من اتبعه، وآمن به وصدقه، لانه هداهم إلى سبيل الرشاد.
وقال آخرون: معنى ذلك وروح من الله خلقها فصورها، ثم أرسلها إلى مريم، فدخلت في فيها فصيرها الله تعالى روح عيسى ذهب اليه ابوالعالية عن أبي ابن كعب.
---
(1) - ديوانه. واللسان (روح) يصف نارا طلساء خرقة اقتتها..: (نفخ بها برفق) الشحت: الدقيق من كل شئ.

(3/400)


تفسير التبيان ج3
وقال بعضهم: ان معنى الروح - هاهنا - القوة التي كان بها يحيي الموتى قال الراجز: اذعرج الليل بروح الشمس وقال قوم: معنى الروح هاهنا جبرائيل.
قالوا: والروح معطوفة به على ما في قوله من ذكر الله تعالى. والمعنى ان القاء الكلمة إلى مريم كان من الله تعالى. ثم من جبرائيل.
وقوله: " فامنوا بالله ورسله " امر من الله اياهم بتصديق الله تعالى، والاقرار بوحدانيته، وتصديق رسله فيما جاؤا به من عندالله، وفيما اخبرهم به أن الله لاشريك له، ولاصاحبة ولاولدا.
وقوله: " ولاتقولوا ثلاثة انتهوا " نهي لهم عن أن يقولوا الارباب ثلاثة، وانما رفع ثلاثة بمحذوف دل عليه ظاهر الكلام. وتقديره ولاتقولوا: هم ثلاثة. وانما جاز ذلك، لان القول حكاية ومثل ذلك قوله: " سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم "(1) وكذلك كلما ورد من مرفوع بعد القول لارافع معه ففيه اضماراسم رافع لذلك الاسم، ثم قال متوعدا لهم على عظيم قولهم الذي قالوه في الله: انتهوا أيها القائلون الله ثالث ثلاثة عما تقولون من الزوج والشرك بالله، والانتهاء عن ذلك خير لكم من قولكم لما لكم عند الله من العقاب العاجل لكم على قولكم ذلك ان أقمتم عليه، ولم ترجعوا إلى الحق. ووجه النصب في " انتهوا خيرلكم " ما قلناه في قوله آمنوا خيرا لكم، فلا وجه لاعادته.
وقوله: " انما الله اله واحد " معناه الاخبار من الله (تعالى) ان الذي يحق له العبادة واحد، لان من كل له ولد، لايكون آلها وكذلك من كان له صاحبة لايجوز ان يكون إلها معبودا، ولكن الله الذي له الالوهية والعبادة إله واحد، ومعبود واحد لاولد له، ولاوالد، ولاصاحبة، ولاشريك، ثم نزه تعالى نفسه وعظمها ورفعها عما قاله المبطلون الكافرون فقال: " سبحانه ان يكون
---
(1) سورة الكهف، آية 23.

(3/401)


تفسير التبيان ج3
له ولد " ولفظة سبحان تفيد المتنزيه عما لايليق به من الولد والصاحبة، لان من يملك ما في السماوات والارض وما بينهما وله التصرف فيهما، وفيهم عيسى وامه، وهم عبيده، وهو رازقهم وخالقهم، وهم أهل الحاجة إليه والفاقة، فكيف يكون المسيح ابناله، وهو إما في الاض أو في السماء. وهو تعالي يملك جميع ذلك، ويحتمل ان يكون في موضع نصب لانه يصلح ان يقال عن ان يكون او من ان يكون، فاذا حذف حرف الجر كانت في موضع نصب.
وكان الكسائي يقول هو في موضع خفض.
والاول قول الفراء وغيره.
وقوله: " وكفى بالله وكيلا " معناه حسب ما في السموات وما في الارض بالله قيما ومدبرا، ورازقا من الحاجة معه إلى غيره ومعنى كفى بالله اكتفوا بالله. وقد شبهت النصارى قولها: انه ثلاثة اقانيم جوهر واحد بقولنا: سراج واحد، ثم نقول. انه ثلاثة اشياء دهن وقطن ونار وللشمس انها شمس واحدة، ثم نقول انها جسم وضوء وشعاع.
قال البلخي، وهذا غلط، لانا وان قلنا إنه سراج واحد، لانقول هوشئ واحد، ولاالشمس انها شئ واحد بل نقول هو أشياء على الحقيقة، كما نقول عشرة واحدة، وانسان واحد، ودار واحدة، وشهر واحد، وهي اشياء متغايرة.
فان قالوا: إن الله شئ واحد حقيقة كما انه إله واحد، فقولهم بعد ذلك انه ثلاثة مناقضه لايشبه ما قلناه.
وان قالوا: هو اشياء، وليس بشئ واحد دخلوا في قول المشبهة، وتركوا القول بالتوحيد.
والعجب انهم يقولون: إن الاب له ابن والابن لااب له، ثم يزعمون ان الذي له ابن هوالذي لااب له، ويقولون إن من عبد الانسان، فقد اخطأ وضل، ثم يزعمون ان المسيح إله انسان، وانهم يعبدون المسيح.
وقد تكلمنا على ما نعقل من مذاهبهم في الاقانيم والاتحاد والنبوة في كتاب شرح الجمل بما لامزيد عليه لانطول بذكره هاهنا.

(3/402)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (لن يستنكف المسيح ان يكون عبدا لله والملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فيسحشرهم اليه جميعا(172))
آية.
معنى " لن يستنكف المسيح " لم يأنف.
وأصله في اللغة من نكفت الدمع: إذا نحيته باصبعك من خدك.
قال الشاعر:
فباتوا فلولا ما تذكرمنهم
من الخلف لم ينكف لعينيك مدمع
فتأويل " لن يستنكف " لن ينقبض ولن يمتنع.
فمعنى الآية " لن يستكبر المسيح ان يكون عبدا " بمعنى من ان يكون عبدا لله ولاالملائكة المقربون.
ومعناه ولايستنكف الملائكة أيضا، ولايأنفون، ولا يستكبرون من الاقرار لله بالعبودية، والاذعان له بذلك " المقربون " الذين قربهم ورفع منازلهم على غيرهم من خلقه.
وقال الضحاك: المقربون معناه انه قربهم إلى السماء الثانية.
وقوله: " ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر " معناه من يأنف من عبادة الله، ويتعظم عن التذلل والخضوع له، والطاعة له من جميع خلقه " فسيحشرهم ".
ومعناه فسيبعثهم يوم القيام جميعا يجمعهم لموعدهم عنده.
ومعنى إليه إلى الموضع الذي لايملك التصرف فيه سواه، كما يقال صار أمر فلان إلي القاضي أي لايملكه غير القاضي، ولايراد بذلك المكان الذي فيه القاضي.
واستدل قوم بهذه الآية على ان الملائكة أفضل من الانبياء، قالوا: لايجوز ان يقول القائل: لايأنف الامير أن يركب الي ولاغلامه.
وانما يجوزأن يقال: لايأنف الوزيرأن يركب الي ولاالامير، فيعطف بعالي الرتبة على الادون، ولايعطف بالادون على الاعلى.
وهذا الذي ذكروه لادلالة فيه من وجوه: احدها - ان يكون هذا القول متوجها إلى قوم اعتقدوا أن الملائكة أفضل من الانبياء، فاجرى الكلام على اعتقادهم، كما يقول القائل لغيره: لايستنكف ابي من من كذا، ولاابوك. وإن كان القائل يعتقد ان اباه أفضل.

(3/403)


تفسير التبيان ج3
الثاني - انه لاتفاوت بين الانبياء والملائكة التفاوت البعيد كتفاوت الامير والحارس، وما يجري مجرى ذلك. ويجوزأن يقدم الفاضل ويؤخر المفضول. ألا ترى أنك تقول: لايستكف الامير فلان من كذا، ولاالامير فلان؟ وان كان الاول افضل.
والثالث - انه اخرذكر الملائكة، لان جميع الملائكة اكثر ثوابا لا محالة من المسيح منفردا فمن اين ان كل واحد منهم افضل من المسيح، او غيره من الانبياء؟
قوله تعالى: (فاما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم اجورهم ويزيدهم من فضله واما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا اليما ولايجدون لهم من دون الله وليا ولانصيرا(173))
آية.
أخبر الله تعالى في هذه الاية ووعد ان الذين يقرون بوحدانيته تعالى، ويعترفون بربوبيته، ويخضعون لعبادته، ويعملون الاعمال الصالحات التي أمر الله بها، وبعث بها رسله انه يوفيهم اجورهم.
ومعناه يؤتيهم جزاء أعمالهم الصالحة وافيا تاما، ويزيدهم من فضله يعني يزيدهم ما كان وعدهم به من الجزاء على أعمالهم الصالحة والثواب عليها من الفضل، والزيادة هو مالم يعرفهم مبلغه لانه (تعالى) وعد على الحسنة عشر أمثالها من الثواب، والزيادة على ذلك تفضل من الله عليهم، وإن كان كل ذلك من فضله إلى عباده. وقد روي ان الزيادة إلى سبعين ضعفا وإلى سبعمائة وإلى الفين وكل ذلك جائز على ما يختاره الله ويفعله.
وقوله " وأما الذين استنكفوا واستكبروا " معناه أن الذين يأنفون عن الاقرار بتوحيد الله، ويتعظمون عن الاعتراف بعبوديته، والاذعان له بالطاعة،

(3/404)


تفسير التبيان ج3
واستكبروا عن التذلل له، وتسليم ربوبيته يعذبهم عذابا اليما أي مؤلما موجعا، ولايجدون لهم من دون الله وليا ولانصيرا. وانما رفع ولايجدون بالعطف على ما بعد فيعذبهم ولو جزم على موضع ما بعدالفاء، كان جائزا يعني ولايجد المستنكفون والمستكبرون لانفسهم وليا ينجيهم من عذابه، وناصرا ينقذهم من عقابه.
قوله تعالى: (ياأيها الناس قد جآء كم برهان من ربكم وانزلنا اليكم نورا مبينا(174))
آية بلاخلاف.
هذا خطاب من الله (تعالى) لجميع الخلق من الناس المكلفين من سائر اصناف الملل الذين قص قصصهم في هذه السورة من اليهود والنصارى والمشركين " قدجاء كم " يعني أتاكم حجة من الله تبرهن لكم عن صحة ما أمركم به، وهو محمد (صلى الله عليه واله) جعله الله حجة عليكم، وقطع به عذركم، " وانزلنا إليكم نورا مبينا " يعني وانزلنا اليكم معه نورا مبينا يعني بين لكم المحجة الواضحة، والسبل الهادية إلى ما فيه لكم النجاة من عذاب الله واليم عقابه، وذلك النور هوالقرآن الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه وآله وهو قول مجاهد، وقتادة والسدي وابن جريج، وجميع المفسرين. وانما سماه نورا لنا فيه من الدلالة على ما امر الله به ونهى عنه والاهتداء به تشبها بالنور الذي يهتدي به في الظلمات وفي الآية دلالة على أن كلام الله محدث، لانه وصفه بالانزال فلو كان قديما، لما جاز ذلك عليه.
قوله تعالى: (فاما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم اليه صراطا مستقيما(175))
آية.

(3/405)


تفسير التبيان ج3
هذا اخبار من الله ووعد منه لمن صدق الله وأقر بوحدانيته، واعترف بما بعث به نبيه محمداصلى الله عليه وآله من أهل الملل، واعتصم به وتمسك بالنور الذي أنزله إلى نبيه.
قال ابن جريج الهاء في (به) كناية عن القرآن، فسيدخلهم في رحمة منه معناه ستنالهم رحمته التي تنجيهم من عقابه، وتوجب لهم ثوابه، وجنته، ويلحقهم مالحق أهل الايمان به، والتصديق لرسله، " ويهديهم اليه صراطا مستقيما " يعني يوفقهم لاصابة فضله الذي تفضل به على أوليائه ويسددهم لسلوك منهج من أنعم عليه من أهل طاعته واقتفاء اثارهم واتباع دينهم. وذلك هوالصراط المستقيم. وهوالاسلام الذي ارتضاه الله دينا لعباده. ونصب " صراطا مستقيما " على القطع من الهاء في قوله (إليه) ويحتمل أن يكون المراد بقوله: " ويهديهم اليه " يعني إلى ثوابه.
قوله تعالى: (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ان امرؤ هلك ليس له ولد وله اخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها ان لم يكن لها ولد فان كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وان كانوا اخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الانثيين يبين الله لكم ان تضلوا والله بكل شئ عليم(176))
آية آخر السورة.
[ النزول ]: روى البراء بن عازب قال: آخر سورة نزلت كاملة براء ة. وآخر آية نزلت خاتمة سورة النساء " يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة " وقال جابر بن عبدالله: نزلت في المدينة وقال ابن سيرين: نزلت في مسير كان فيه رسول الله صلى الله عليه وآله واصحابه.

(3/406)


تفسير التبيان ج3
واختلفوا في سبب نزول هذه الآية فقال سعيد بن المسيب: سأل عمر النبي صلى الله عليه وآله عن الكلالة، فقال: اليس قد بين الله ذلك؟ قال: فنزلت " يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة " وقال جابر بن عبدالله: اشتكيت وعندي تسع اخوات لي أوسبع، فدخل علي النبي صلى الله عليه وآله فنفخ في وجهي، فافقت.
فقلت: يارسول الله ألا أوصي لاخواتي بالثلثين؟ قال: أحسن. قلت: الشطر.
قال: احسن، ثم خرج وتركني، ورجع الي فقال: ياجابر اني لااراك ميتا من وجعك هذا، وان الله عزوجل قد أنزل في الذي لاخواتك فجعل لهن الثلثين.
قال: وكان جابر يقول: نزلت هذه الآية في.
وقال قتادة: ان اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله همهم شأن الكلالة، فانزل الله (عزوجل)، فيها هذه الآية.
[ المعنى ]: معنى يستفتونك يسألونك يامحمد ان تفتيهم في الكلالة. وحذف اقتصارا لما دل الجواب عليه.
والاستفتاء والاستقضاء واحديقال: قاضيته وفاتيته.
قال الشاعر:
تعالوا نفاتيكم أأعيا وفقعس
إلى المجد أدنى ام عشيرة حاتم
هكذا انشده الحسين بن علي المغربي.
وقد فسرنا معنى الكلالة وذكرنا اختلاف العلماء في ذلك فأغنى عن الاعادة.
وقوله: " أن امروء هلك ليس له ولد " قال السدي: معناه مات ليس له ولد ذكر وانثى، (وله اخت) يعني وللميت اخت لابيه وامه، فلها نصف ما ترك، فان لم يكن أخت لاب وأم،، وكانت اخنا لاب قامت مقامها، والباقي عندنا رد على الاخت سواء كان هناك عصبة، اولم يكن.
وقال جميع الفقهاء: إن الباقي للعصبة، وإن لم يكن هناك عصبة، وهم العم وبنوالعم، واولاد الاخ.
قال فمن قال: الرد على ذوي الارحام، رد على الاخت الباقي وهواختيار الجبائي، وأكثر اهل العلم.
وقال زيد بن ثابت، والشافعي وجماعة: إن الباقي لبيت المال يرثه جميع المسلمين.
وقوله: " وهو يرثها إن لم يكن لها ولد " يعني إن كانت الاخت هي

(3/407)


تفسير التبيان ج3
الميتة، ولها أخ من أب وأم، أو من اب فالمال كله له بلاخلاف إذا لم يكن هناك ولد، سواء كان ولدها ذكرا، أو انثى، فان كان ولدها ذكرا، فالمال له بلاخلاف ويسقط الاخ، وإن كانت بنتا كان لها النصف بالتسمية بلاخلاف والباقي رد عليها، لانها اقرب دون الاخ، ولان الله (تعالى) انما قال: " وهو يرثها " يعني الاخ إذا لم يكن لها ولد. والبنت [ ولد ](1) بلاخلاف ومن خالف في تسمية البنت ولدا فقد اخطأ.
ذكر ذلك البلخي واستدل على ذلك بان قال: لو مات وخلف بنيا وأبوين إن للابوين الثلث، مع قوله: " ولابويه لكل واحد منهما السدس ان كان له ولد " وإنما أراد الولد الذكر.
وهذا الذي ذكره خطأ، لانه خلاف لاهل اللغة. لانه لاخلاف في تسمية البنت بانها ولد، ولانه قال: " يوصيكم الله في أولادكم " ثم فسر الاولاد فقال: " للذكر مثل حظ الانثيين " فلوكان الولد لايقع على الانثى، لكان المال بينهم بالسوية، وذلك خلاف القرآن. على انا نخالف في المسألة التي ذكرها، فنقول للابوين السدسان، وللبنت النصف والباقي رد عليهم على قدر سهامهم، فنجعل الفريضة من خمسة ومن رد الباقي على الاب فانما يرده بالتعصيب، لالان البنت لاتسمى ولدا، فبان بطلان ماقاله.
ومن خالفنا من الفقهاء في مسألة الاخ والبنت، يقول: الباقي للاخ، لقوله (ع): (ما ابقت الفرائض فلاولي عصبته) ذكر هذا الخبر عندنا ضعيف، لانه أولا خبر واحد. وقد طعن على صحته. ضعفه أصحاب الحديث بما ذكرناه في مسائل الخلاف، وتهذيب الاحكام، وغير ذلك من كتبنا. وما هذه صفته لايترك له ظاهر القران.
وقوله: " فان كانتا اثنتين " يعني ان كانت الاختان اثنتين، فلهما الثلثان. وهذا لاخلاف فيه والباقي على مابيناه من الخلاف في الاخت الواحدة. عندنا، رد عليها دون عصبتها، ودون ذوي الارحام، وإذاكان هناك عصبة، رد الفقهاء الباقي عليهم، وإن لم يكن رد على ذوي الارحام. من قال بذلك فرد على الاختين، لانهما أقرب، ومن لم يقل بذلك رد على بيت المال. فان كانت احدى الاختين لاب وام، والاخرى لاب، فللاخت للاب والام النصف، بلاخلاف.
---
(1) - ساقطة من المطبوعة.

(3/408)


تفسير التبيان ج3
والباقي ردعليها عندنا، لانها تجمع السببين ولاشئ للاخت للاب، لانها انفردت بسبب واحد وعند الفقهاء لها السدس تكملة الثلثين والباقي على ما بيناه من الخلاف، وإن كانوا أخوة رجالا ونساء يعني يكون الورثة أخوة رجالا ونساء للاب، والام، أو للاب فللذكر مثل حظ الانثيين. بلاخلاف فان كان الذكور منهم للاب والام والاناث للاب، انفرد الذكور بجميع المال بلاخلاف. وإن كان الاناث للاب والام والذكور للاب كان للاناث الثلثان ما سمي بلاخلاف والباقي عندنا، رد عليهن لما بيناه من اجتماع السببين لهن. وعند جميع الفقهاء ان الباقي للاخوة من الاب، لانهم عصبة.
وقد قلنا ما عندنا في خبر العصبة ويمكن ان يحمل خبر العصبة مع تسليمه على من مات، وخلف زوجا أو زوجة وأخالاب وأم، وأخا للاب أو ابن اخ لاب وأم، أو ابن أخ لاب أو ابن عم لاب وام، وابن عم لاب فان للزوج سهمه المسمى والباقي لمن يجمع كلالة الاب والام دون من يتفرد بكلالة الاب.
وقوله: " يبين الله لكم أن تضلوا " قال الفراء: معناه لئلا تضلوا.
قال القطامي:
رأينا ما رأى البصراء فيها
فآلينا عليها ان تباعا(1)
والمعنى الاتباعا.
وقال الزجاج والبصريون: لايجوز إضمارلا.
والمعنى يبين الله لكم كراهة أن تضلوا. وحذف كراهة، لدلالة الكلام عليه.
قالوا: وانما جاز الحذف في قوله: " وسل القرية " والمعنى وسل اهل القرية، لانه بقي المضاف فدل على المحذوف. فاما حذف (لا) وهى حرف جاء لمعنى النفي، فلايجوز، لكن قد تدخل في الكلام مؤكدة وهي لغو كقوله: " لئلا يعلم أهل الكتاب " والمراد لئن يعلم.
ومثله قول الشاعر:
وما الوم البيض الا تسخرا
إذا راين الشمط القفندرا(2)
---
(1) - ديوانه: 43 يصف ناقته.
(2) - أنظرا: 45

(3/409)


تفسير التبيان ج3
والمعنى وما الوم البيض ان تسخر ومثله قوله: " لااقسم بهذا البلد "(1) " ولااقسم بيوم القيامة "(2) والمعنى أقسم. ولايجوز على القياس على ذلك أن تقول: لاأخلف عليك وتريد أخلف عليك، لان (لا) إنما تلغى إذا مضى صدر الكلام على غير النفي، فاذا بنيت الكلام على النفي، فقد نقضت الايجاب وانما جاز الغاء (لا) في اول السورة، لان القرآن كله كالسورة الواحدة ألا ترى أن جواب الشئ فيه يقع وبينهما سور؟ كما قال تعالى جوابا لقوله: " وقالوا ياايها الذين نزل عليه الذكر انك لمجنون "(3) فقال: " نون والقلم وما يسطرون. ما انت بنعمة ربك بمجنون "(4) وبينهما سور كثيرة. ذكره الزجاج.
وقوله: " إن امرؤ هلك " قال الفراء (هلك) في موضع جزم.
ومثله قوله: " وان احد من المشركين استجارك "(5) ولوكان موضعها يفعل كان جزما.
وقال الزجاج: جاز مع ان تقديم الاسم قبل الفعل، لان (ان) لاتعمل في الماضي، ولانها (ام) في الجزاء قال: والتقدير ان هلك امرؤهلك.
وانشد الفراء:
صعدة قد نبتت في حائر
اينما الريح تميلها تمل
فجزم تميلها.
وقدحال بينها وبين اينما بالاسم وهو الريح.
وقال عمر: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن الكلالة، فقال: ألم تسمع الآية التي انزلت في الصيف. وفي خبر آخر - تكفيك آية الصيف.
وقوله: " امرؤهلك ليس له ولد وله اخت فلها نصف ما ترك " يمنع أن يكون الاخت ترث مع البنت، لانه شرط في ميراثها عدم الولد. والبنت ولد بلا حلاف بين أهل اللغة.
وما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أن الاخوات مع البنات عصبة خبر واحد، لايلتفت اليه، لانه يخالف نص القرآن.
وبما قلناه قال ابن عباس، لانه لم يجعل الاخوات مع البنات عصبة.
---
(1) - سورة البلد، آية 1.
(2) - سورة القيامة، آية 1.
(3) - سورة الحجر، آية 6.
(4) - سورة القلم، آية 1 - 2.
(5) سورة التوبة، آية 7.

(3/410)


تفسير التبيان ج3
وموضع (ان) في قوله (ان تضلوا) نصب في قول الاكثر، لاتصالها بالفعل وفي قول الكسائي: خفض، لان تقديره عنده لئلا تتولوا، فان قيل: ما وجه قوله: " اثنتين " مع أن قوله: " فان كانتا " قد دل على الثنتين؟ قيل: يحتمل امرين: احدهما - ان يكون ذلك تاكيدا للمضمر يقول القائل: فعلت أنا. والثاني - ان يبين بذلك ان المطلوب في ذلك العدد، لاغيره من الصفات من صغر او كبر أو عقل أو عدمه، وغير ذلك من الصفات، بل متى جعل العدد ثبت ماذكره من الميراث.
وقوله: والله بكل شي عليم " معناه عالم بكل شئ من مصالح عباده في قسمته مواريثهم، وغيرها من جميع الاشياء، لايخفى عليه شئ من جميعه.
(5) سورة المائدة
هي مدنية في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة.
وقال جعفر بن مبشر: هي - مدينة إلا آية منهما نزلت في حجة الوداع وهي قوله: " اليوم اكملت لكم دينكم " وهي كلهامدنية بمعنى انها نزلت بعد الهجرة.
وقال الشعبي: نزل قوله: " اليوم اكملت " والنبي (صلى الله عليه وآله) واقف على راحلته في حجة الوداع.
وقال عبدالله بن عمر آخر سورة نزلت المائدة.
وهي مائة وعشرون آية كوفي واثنتان وعشرون في المدينتين. وثلاثة وعشرون بصرى.
الآية: 1 - 9
بسم الله الرحمن الرحيم
قوله تعالى: (ياايها الذين آمنوا اوفوا بالعقود احلت لكم بهيمة الانعام الا مايتلى عليكم غير محلي الصيد وانتم حرم ان الله يحكم ما يريد(1))
آية بلاخلاف.

(3/411)


تفسير التبيان ج3
هذا خطاب من الله (تعالى) للمؤمنين المعترفين بوحدانيته تعالى المقرين له بالعبودية المصدقين لرسوله صلى الله عليه وآله في نبوته، وفيما جاء به من عند الله من شريعة الاسلام، أمرهم الله بايفاء العقود وهي العهود التي عاهدوها مع الله وأوجبوا على انفسهم حقوقا، والزموا نفوسهم بها فروضا امرهم الله تعالى بالاتمام بالوفاء والكمال لما لزمهم يقال: أوفى بالعهدو وفى به وأوفى به لغة أهل الحجاز. وهي لغة القرآن، واختلف اهل التأويل في العقود التي امرالله " تعالى " بالوفاء بها في هذه الآية بعد اجماعهم على ان المراد بالعقود العهود، فقال قوم: هي العقود التي كان اهل الجاهلية عاقد بعضهم بعضا على النصرة والمؤازرة. والمظاهرة على من حاول ظلمهم اوبغاهم سوء وذلك هو معنى الحلف.
ذهب اليه ابن عباس ومجاهد، والربيع ابن أنس والضحاك وقتادة والسدي وسفيان الثوري.
والعقود جمع عقد.
وأصله عقد الشئ بغيره.
وهو وصله به، كما يعقد الحبل إذا وصل به شيئا.
يقال منه: عقد فلان بينه وبين فلان عقدا فهو يعقده.
قال الحطيئة:
قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم
شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا(1)
وذلك إذا واثقه على امر عاهده علي عهد بالوفاء له بما عاقده عليه من امان، أو ذمة أو نصرة، أونكاح أوغيره ذلك.
قال قتادة: هي عقود الجاهلية الحلف.
ويقال: اعقدت العسل فهو عقيد ومعقد وروى بعضهم عقدت، العسل والكلام وأعقدت.
وقال آخرون: هي العهود التي أخذ الله على عباده بالابان به، وطاعته فيما احل لهم أو حرم عليهم.
روي ذلك عن ابن عباس وقال: هو ما أحل وحرم وما فرض، وما حد في القرآن كله، فلا تعدوا أو لاتنكثوا، ثم سدد فقال:
---
(1) ديوانه: 6 القرآن لابي عبيدة 1: 145 اللسان (كرب) من قصيدته التي قالها في الزبرقان بن بدر وبغيض بن عامر من بني أنف الناقة.
العناج: خيط يشد في اسفل الدلو.
الكرب: الحبل.

(3/412)


تفسير التبيان ج3
" والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه إلى قوله: سوء الدار ".
وبه قال ايضا مجاهد: وقال قوم: بل العقود التي يتعاقدها الناس بينهم ويعقدها المرء على نفسه كعقد الايمان، وعقد النكاح، وعقد العهد، وعقد البيع، وعقد الحلف. ذهب اليه عبدالله بن عبيدة وابن زيد، وهو عبدالرحمن بن زيد بن اسلم عن ابيه.
وقال اخرون: ذلك امر من الله لاهل الكتاب بالوفاء بما أخذ به ميثاقهم من العمل بما في التوراة والانجيل في تصديق محمد (صلى الله عليه واله) وما جاء به من عند الله. ذكر ذلك ابن جريج وأبوصالح.
وقال الجبائي: أراد به الوفاء بالايمان فيما يجوز الوفاء به. فاما ما كان يمينا بالمعصية، فعليه حنثه وعليه الكفارة. وعندنا ان اليمين في معصية لاتنعقد، ولاكفارة في خلافها.
وأقوى هذه الاقوال ما حكيناه عن ابن عباس أن معناه أوفوا بعقود الله التي اوجبها عليكم، وعقدها فيما أحل لكم وحرم، وألزمكم فرضه. وبين لكم حدوده. ويدخل في جميع ذلك ما قالوه إلاما كان عقدا على المعاونة على أمر قبيح. فان ذلك محظور بلاخلاف.
وقوله: " احلت لكم بهيمة الانعام " اختلفوا في تأويل بهيمة الانعام في هذه الآية فقال قوم: هي الانعام كلها: الابل والبقر، والغنم. ذهب اليه الحسن وقتادة والسدي والربيع والضحاك، وقال اخرون: أراد بذلك اجنة الانعام التي توجد في بطون امهاتها إذا ذكيت الامهات. وهي ميتة.
ذهب اليه ابن عمر وابن عباس.
وهو المروي عن ابي عبدالله.
والاولى حمل الآية على عمومها في الجميع.
والانعام جمع نعم، وهو اسم للابل، والبقر والغنم خاصة عند العرب كما قال تعالى: " والانعام خلقها لكم فيها دف ء ومنافع ومنها تأكلون " ثم قال: " والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة " ففضل جنس النعم من غيرها من اجناس الحيوان وأما بهائمها فانها أولادها.
وقال الفراء بهيمة الانعام: وحشها كالظباء، وبقر الوحش، والحمر الوحشية. وانما سميت بهيمة الانعام، لان كل حي لايميز، فهو بهيمة الانعام، لانه ابهم عن ان يميز.

(3/413)


تفسير التبيان ج3
وقوله: " الاما يتلى عليكم " اختلفوا في المراد بقوله " الاما يتلى عليكم " فقال بعضهم: أراد بذلك أحلت لكم أولاد الابل، والبقر والغنم إلا ما بين الله تعالى فيما يتلى عليكم بقوله: " حرمت عليكم الميته والدم... الآية " ذهب اليه مجاهد وقتادة وقال: الميتة، وما لم يذكر اسم الله عليه. وبه قال السدي وابن عباس. وقال اخرون: استثنى من ذلك الخنزير روي ذلك أيضا عن ان عباس، والضحاك. والاول أقوى، لان قوله: " إلا ما يتلى عليكم " يجب حمله على عمومه في جميع ما حرم الله (تعالى) في كتابه. والذي حرمه هو ما ذكره في قوله: " حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به... إلى آخر الآية " والخنزير وإن كان محرما، فليس من بهيمة الانعام، فمتى حملناه عليه كان الاستثناء منقطعا، ومتى خصصنا بالميتة والدم، كان الاستثناء متصلا.
وإن حملناه على الكل نكون غلينا حكم الميتة وما ذكر بعده، فيكون الاستثناء أيضا حقيقة ومتصلا. واختار الطبري تخصيصه بالميتة والدم، وما أهل لغير الله به.
قال الحسين ابن علي المغربي إلا ما يتلى معناه من البحيرة والسائبة والوصيلة فلا تكون المحرم، واستثنى هاهنا ما حرمه (تعالى) فلا يليق بذلك.
وقوله: " غير محلي الصيد وانتم حرم " اختلفوا في تأويله فقال بعضهم: معناه أوفوا بالعقود غير محلين الصيد وانتم حرم أحلت لكم بهيمة الانعام. ويكون فيه التقديم والتاخير، فغير يكون منصوبا على هذا الحال مما في قوله: " اوفوا بالعقود " من ذكر الذين آمنوا. وتقدير الكلام أوفوا أيها الذين آمنوا بعقود الله التي عقدها عليكم في كتابه لامحلين الصيد، وانتم حرم.
وقال اخرون: معنى ذلك احلت لكم بهيمة الانعام الوحشية من الظباء، والبقر والحمر غير محلي الصيد غير مستحلين اصطيادهم، وانتم حرم، وإلامايتلى عليكم (فغير) على هذا منصوب على الحال من الكاف، والميم اللين في قوله: " أحلت لكم بهيمة الانعام " والتقدير أحلت لكم ياأيها الذين آمنوا بهيمة الانعام، لامستحلي اصطيادها في حال إحرامكم وقال اخرون: معناه أحلت لكم بهيمة الانعام كلها إلا ما يتلى عليكم.

(3/414)


تفسير التبيان ج3
بمعنى إلا ما كان منها وحشيا، فانه صيد، ولايحل لكم وانتم حرم. والتقدير على هذا أحلت لكم بهيمة الانعام كلها إلا ما بين لكم من وحشها غير مستحلي اصطيادها في حال إحرامكم، فتكون (غير) منصوبة علي الحال في الكاف والميم في قوله: إلا ما يتلى عليكم. ذهب إلى ذلك الربيع، والحرم جمع حرام.
وهو المحرم قال الشاعر:
فقلت لها حثي اليك فانني
حرام وإني بعد ذاك لبيب
أي واني ملب.
وقوله: " إن الله يحكم ما يريد " معناه إن الله يقضي في خلقه ما يشاء من تحليل ما يريد تحليله، وتحريم ما يريد تحريمه، وايجاب ما يريد ايجابه. وغير ذلك من احكامه وقضاياه، فافعلوا ما أمركم به، وانتهوا عما نهاكم عنه.
[ الاعراب ]: (وما) في قوله: " إلا ما يتلى عليكم " في موضع نصب بالاستثناء.
وقال الفراء يجوز ان يكون موضعها الرفع. كما تقول جاء ني القوم، إلا زيدا وإلا زيد قال الزجاج: وهذا لايجوز إلا أن تكون إلا بمعنى غير، فتكون صفة. فاما بمعنى الاستثناء، فلايجوز.
وقوله عليه السلام: (ذكاة الجنين ذكاة امه عندنا) معناه انه إذا ذكيت الام وخرج الولد ميتا، قداشعرا واوبر، جاز أكله.
وبه قال الشافعي وأهل المدينة وقال ابوحنيفة: معناه انه يذكى كما تذكى امه وهو اختيار البلخي.

(3/415)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (ياايها الذين آمنوا لاتحلوا شعائر الله ولاالشهر الحرام ولا الهدي ولاالقلآئد ولاآمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم فاصطادوا ولايجرمنكم شنآن قوم ان صدوكم عن المسجد الحرام ان تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان واتقوا الله ان الله شديد العقاب(2))
آية.
[ القراء ة ]: قرأأبوبكر عن عاصم، وابوجعفر واسماعيل المسيبي (شنئآن) بسكون النون الاولى في الموضعين.
الباقون بفتحها وقرأ ابن كثير وأبوعمر (وان صدوكم) بكسر الهمزة الباقون بفتحها.
[ المعنى ]: هذا خطاب من الله (تعالى) للمؤمنين ينهاهم ان يحلوا شعائر الله.
واختلفوا في معنى شعائر الله على سبعة اقوال: فقال بعضهم: معناه لاتحلوا حرمات الله، ولاتعدوا حدوده، وحملوا الشعائر على المعالم. وارادوا بذلك معالم حدود الله وأمره ونهيه، وفرائضه ذهب اليه عطا وغيره.
وقال قوم: معناه لاتحلوا حرم الله وحملوا شعائر الله على معالم حرم الله من البلاد.
ذهب اليه السدي.
وقال اخرون: معنى شعائر الله مناسك الحج.
والمعنى لاتحلوا مناسك الحج، فتضيعوها. ذهب اليه ابن جريج، ورواه عن ابن عباس.
وقال ابن عباس: كان المشركون يحجون البيت، ويهدون الهدايا، ويعظمون حرمة المشاعر، ويتجرون في حججهم، فاراد المسلمون ان يغيروا عليهم، فنهاهم الله عن ذلك.
وقال مجاهد: شعائر الله الصفا والمروة والهدي من البدن، وغيرها. كل هذا من شعائرالله.

(3/416)


تفسير التبيان ج3
وقال الفراء كانت عامة العرب لاترى الصفا والمروة من الشعائر، ولايطوفون بهما، فنهاهم الله عن ذلك وهو قول ابي جعفر (عليه السلام).
وقال قوم: معناه لاتحلوا ما حرم الله عليكم في إحرامكم. روي ذلك عن ابن عباس في رواية اخرى.
وقال الجبائي الشعائر: العلامات المنصوبة للفرق بين الحل، والحرم نهاهم الله أن يتجاوزوها إلى مكة بغير إحرام.
وقال الحسين بن علي المغربي: المعنى لاتحلوا الهدايا المشعرة. وهوقول الزجاج واختاره البلخي.
وأقوى الاقوال قول عطا من أن معناه، لاتحلوا حرمات الله، ولاتضيعوا فرائضه لان الشعائر جمع شعيرة وهي. على وزن فعيلة، واشتقاقها من قولهم: شعر فلان بهذا الامر: إذا علم به، فالشعائر المعالم من ذلك، وإذا كان كذلك، وجب حمل الآية على عمومها، فيدخل فيه مناسك الحج، وتحريم ما حرم في الاحرام، وتضييع ما نهى عن تضييعه واستحلال حرمات الله، وغير ذلك من حدوده وفرائضه وحلاله وحرامه، لان كل ذلك من معالمه، فكان حمل الآية على العموم اولى.
وقوله: " ولاالشهر الحرام " معناه ولاتستحلوا الشهر الحرام بقتالكم فيه اعداء كم من المشركين، كما قال: " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير " وهوقول ابن عباس وقتادة. والشهر الحرام الذي عناه الله هاهنا قال قوم: هو رجب، وهوشهر كانت مضر تحرم فيه القتال.
وقال قوم: هو ذو العقدة. ذكره عكرمة.
وقال ابوعلي الجبائي: هواشهر الحرام كلها، نهاهم الله عن القتال فيها. وهواليق بالعموم. وبه قال البلخي.
وقوله: " ولاالهدي ولاالقلائد " فالهدي جمع واحده هدية واصله هدية وهو ما هداه الانسان من بعير او بقرة أو شاة أو غير ذلك إلى بيت الله تقربا به إلى الله (تعالى) وطلبا لثوابه يقول الله: لاتستحلوا ذلك فتغصبوه أهله عليه، ولا تحولوا بينهم وبين ما اهدوا من ذلك إلى بيت الله ان يبلغوه محله من الحرم، ولكن

(3/417)


تفسير التبيان ج3
خلوهم حتى يبلغوا به المحل الذي جعله عزوجل له. وهوكعبته.
قال ابن عباس: والهدي يكون هديا قبل ان يقلد ما جعله على نفسه أن يهديه ويقلده.
وقوله: " ولا القلائد " معناه ولاتحلوا القلائد. واختلفوا في معناه فقال بعضهم: عنى بالقلائد الهدي. وانما كرر، لانه أراد المنع من حل الهدي الذي لم يقلد، والهدى الذي قلد. وهو قول ابن عباس.
وقال آخرون: يعني بذلك القلائد التي كان المشركون يتقلدونها إذا أرادوا الحج مقبلين إلى مكة من لحاء السمر، وإذا خرجوا منها إلى منازلهم منصرفين منها إلى المشعر. ذهب اليه قتادة وقال كان في الجاهلية إذا خرج الرجل من أهله يريد الحج تقلد من السمر، فلا يعرض له أحد وإذا رجع تقلد قلادة شعر، فلا يعرض له احد.
وقال عطا: كانوا يتقلدون من لحاء شجر الحرم يأمنون به إذا خرجوا من الحرم.
وقال الفراء: كان اهل الحرم يتقلدون بلحاء الشجر، واهل غير الحرم يتقلدون بالصوف والشعر وغيرهما، فنزلت " لاتحلوا شعائر الله.. "
وقال مجاهد: وهو اللحافي رقاب الناس. والبهائم امن لهم. وهوقول السدي.
وقال ابن زيد: إنما عنى بالمؤمنين نهاهم أن ينزعوا شيئا من شجر الحرم يتقلدون به، كما كان المشركون يفعلونه في جاهليتهم. ذهب اليه عطا في رواية والربيع بن أنس.
وقال ابوعلي الجبائي: القلائد هوما قلده الهدي، نهاهم عن حلها، لانه كان يحب أن يتصدق بها. قال: ويحتمل أن تكون عبارة عن الهدي المقلد. والاقوى ان يكون المراد بذلك النهي عن حل القلائد، فيدخل فيه الانسان والبهيمة إذ هو نهي عن استحلال حرمة المقلد، هو هديا كان ذلك أو انسانا.
قوله: " ولاآمين البيت الحرام " معناه، ولاتحلوا قاصدين البيت الحرام.
يقال: أممت كذا: إذا قصدته وعمدته.
وبعضهم يقول يممته قال الشاعر:
إني كذاك إذا ما ساء ني بلد
يممت صدر بعيرى غيره بلدا(1)
والبيت الحرام بيت الله بمكة، وهوالكعبة.
---
(1) مجاز القرآن لابي عبيدة 1: 146.

(3/418)


تفسير التبيان ج3
وقوله: " يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا " معناه يلتمسون أرباحا في تجارتهم من الله " ورضوانا " يعني وان ترضى عنهم منسكهم. نهى الله تعالى أن يحل ويمنع من هذه صورته. فاما من قصد البيت ظلما لاهله، وجب منعه ودفعه عنهم.
[ النزول ]: وقال ابوجعفر (عليه السلام): نزلت هذه الآية في رجل من بني ربيعة يقال له: الحطم.
قال السدي: أقبل الحطم بن هند البكري حتى أتى النبي (صلى الله عليه وآله) وحده، وخلف خيله خارجة من المدينة، فدعاه فقال: الام تدعو فاخبره وقد كان النبي صلى الله عليه وآله قال: لاصحابه: يدخل اليوم عليكم رجل من ربيعة يتكلم بلسان شيطان، فلما أخبره النبي (صلى الله عليه وآله) قال: انظروا لعلي اسلم ولي من اشاوره، فخرج من عنده فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لقد دخل بوجه كافر، وخرج بعقب غادر، فمر بسرج من سرج المدينة فساقه وانطلق به، وهو يرتجز ويقول:
قد لفها الليل بسواق حطم
ليس براعي ابل ولاغنم
ولابجزار على ظهر وضم
باتوا نياما وابن هند لم ينم
بات يقاسيها غلام كالزلم
خدلج الساقين ممسوح القدم(1)
ثم اقبل من عام قابل حاجا قد قلد هديا، فاراد رسول الله (صلى الله عليه واله) أن يبعث اليه، فنزلت هذه الآية " ولاآمين البيت الحرام " هذا قول ابن جريج، وعكرمة والسدي وقال ابن زيد: نزلت يوم الفتح في ناس يأمون البيت من المشركين بهلون بعمرة.
---
(1) البيان والتبيين 2: 308 الاغاني 14: 44 اللسان (حطم) وقبل هذا الرجز قوله هذا أوان الشد فاشتدي زيم.
حطم السائق الذي يسير بأقصى سرعة: الوضم: خشبة القصاب التي يقطع عليك اللحم الزلم: قدح الميسر.
خدلج الساقين: ممتلئ الساقين.
ممسوح القدم: قدمه مستو.
وقد جاء في صفة رسول الله صلى الله عليه وآله: مسيح القدمين.

(3/419)


تفسير التبيان ج3
فقال المسلمون: يارسول الله صلى الله عليه وآله إنما هؤلاء مشركون، مثل هؤلاء دعنا نغير عليهم، فانزل الله تعالى الآية قال ابن عباس: ذلك في كل من توجه حاجا. وبه قال الضحاك والربيع بن انس.
[ النسخ ]: واجمعوا على انه نسخ من حكم هذه الآية شئ إلاابن جريج فانه قال: لم ينسخ منها شئ، لانه لايجوز أن يبتدأ المشركون في أشهر الحرم بالقتال إلا إذا قاتلوا. وهو المروي عن ابي جعفر (ع) وقال الشعبي: لم ينسخ من المائدة غير هذه الآية وقال أبوميسرة: في المائدة ثمانية عشر فريضة ليس منها شئ منسوخ.
واختلفوا فيما نسخ منه فقال بعضهم: نسخ جميعها ذهب إليه الشعبي وقال: لم ينسخ من المائدة غير هذه الآية لاتحلوا شعائر الله ولاالشهر الحرام، ولاالهدي، ولا القلائد. وبه قال مجاهد: قال: نسخها قوله: " اقتلوا المشركين حيث وجد تموهم " وبه قال قتادة والضحاك وحبيب بن ابي ثابت وابن زيد.
وقال اخرون: نسخ منها قوله: " ولاالشهر الحرام، امين البيت الحرام " ذكر ذلك عن ابن ابي عروبة عن قتادة وقال: نسخها قوله: " اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " وقوله: " ماكان للمشركين أن يعمروا مساجد الله " وقوله: " انما المشركون نجس فلايقربوا المسجد الحرام... الآية " في السنة التي نادى علي (عليه السلام) فيها بالاذان. وبه قال ابن عباس وقال قوم: لم ينسخ منه إلا القلائد. وروي ذلك عن ابن ابى بحيح عن مجاهد.
وأقوى الاقوال قول من قال: نسخ منها " ولاالشهر الحرام ولا القلائد ولاامين البيت الحرام " لاجماع الامة على أنه (تعالى) احل قتال أهل الشرك في أشهر الحرام وغيرها من شهور السنة. واجمعوا ايضا على ان مشركا لو قلد لحا جميع اشجار الحرم عنقه او ذراعه، لم يكن ذلك أمانا له من القتل إذا لم يتقدم له امان.

(3/420)


تفسير التبيان ج3
[ المعنى ]: وقوله: " ولاآمين البيت " ظاهره يحتمل المسلم والمشرك لعموم اللفظ، لكن خصصنا المشركين بقوله: " اقتلوا المشركين.. الآية " ويحتمل أيضا أن يكون مخصوصا بأهل الشرك. وعليه اكثر المفسرين. فان كان مخصوصا بهم، فلا شك أيضا أنه منسوخ بما قدمناه من الآية والاجماع.
وقوله: " يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا " معناه يلتمسون ويطلبون الزيادة، والارباح في التجارة ورضوان الله عنهم وألا يحل بهم ما حل بغيرهم من الامم بالعقوبة في غالب دنياهم. وهو قول قتادة وقال: هي للمشركين يلتمسون فضل الله، ورضوانه بمايصلح لهم دنياهم. وبه قال ابن عباس والربيع بن انس ومجاهد وفي الآية دلالة على جواز حمل المتاع للتجارة في الحج.
وقوله: إذا حللتم، فاصطادوا فأهل الحجاز يقولون: حللت من الاحرام أحل، والرجل حلال. وكذلك سعد بن بكر وكذا يقولون: حرم الرجل فهو حرام: إذا صار محرما، وقوم حرم واسد وقيس وتميم يقولون: أحل من احرامه، فهو محل وأحرم فهو محرم. معناه إذا حللتم من إحرامكم، فاصطادوا الصيد الذي نهيتكم ان تحلوه، وأنتم حرم. وهو بصورة الامر. ومعناه الاباحة. وتقديره لاحرج عليكم في اصطياده فاصطادوه ان شئتم حينئذ لان السبب المحرم قدزال. وهوقول جميع المفسرين: مجاهد وعطا، وابن جريج وغيرهم.
وقوله: " ولايجرمنكم " قال ابن عباس: ولايحملنكم شنآن قوم. وهو قول قتادة. واختلف اهل اللغة في تأويلها، فقال الاخفش، وجماعة من البصريين، لايحقن لكم، مثل قوله: " لاجرم ان لهم النار " ومعناه حق ان لهم النار.
وقال الكسائي والزجاج معناه: لايحملنكم وقال بعض: الكوفيين معناه لايحملنكم. قال: يقال: جرمني فلان على ان صنعت كذا أي حملني عليه.
وقال الفراء: معناه لايكسبنكم شنآن قوم.
واستشهد الجميع بقول الشاعر:
ولقد طعنت ابا عيينة طعنة
جرمت فزارة بعدها ان يغضبوا(1)
---
(1) قائله أبوأسم ء بن الضريبة.
مجاز القرآن لابي عبيدة 1: 147 اللسان: (جرم)

(3/421)


تفسير التبيان ج3
فمنهم من حمل قوله: جرمت على ان معناه حملت. ومنهم من حمله على أن معناه أحقت الطعنة، لفزارة الغضب.
ومنهم من قال: معناه كسبت فزارة أن يغضبوا وقال المغربي: معناه قطعت فزارة وليس من هذافي شئ. وسمع الفراء من العرب من يقول: فلان جريمة أهله أي كاسبهم. وخرج يجرمهم أي يكسبهم. والاقاويل متقاربة المعاني.
وقراء ة القراء المعروفين " لايجرمنكم " - بفتح الياء من جرمته.
وقرأ يحيى بن وثاب، والاعمش " يجرمنكم " بضم الياء من أجرمته فهو يجرمني.
وقيل: هما لغتان. والاولى أفصح، وأعرف، وأجاز أبوعلي الفارسي معنى جرم كسب.
قال: وهو فعل يتعدى الي مفعولين مثل كسب يدل على ذلك قول الشاعرفي صفة عقاب:
جريمة ناهض في رأسه نيق
يرى لعظام ماجمعت صليبا
معناه تكسب لفرخها.
جريمة ناهض يحتمل تقريرين: احدهما - جريمه قوت ناهض اي كاسب قوته، كما قالوا ضارب قداح، وضريب قداح وعريف وعارف. والآخر - ان تقدر حذف المضاف، وتضيف جريمة إلى ناهض.
والمعنى كاسب ناهض، فجرم يستعمل في الكسب وما يريد من سعي الانسان عليه.
واما جرم فمعناه اكتسب الاثم قال الله تعالى: " إنا من المجرمين منتقمون " وقال: " فعلي إجرامي " ومعناه فعلي عقوبة إجرامي أو اثم إجرامي ومعنى " لايجرمنكم شنئآن قوم " لا تكتسبوا لبغض قوم عدوانا، ولاتفتنوه، فمن فتح أن أوقع النهي في اللفظ على الشنئآن.
والمعنى بالنهي المخاطبون، كماقالوا: لاأريتك هاهنا ولا تموتن إلا وانتم مسلمون.
الاعراب: وكذلك قوله: لايجرمنكم شقاقي يصيبكم المفعول الثاني واسماء المخاطبين المفعول الاول، كما أن المفعول الاول في الآية الاخرى المخاطبون.
والثاني قوله: " أن تعتدوا " ولفظ النهي واقع على الشقاق.

(3/422)


تفسير التبيان ج3
والمعني بالنهي المخاطبون.
قال الزجاج: موضع (ان) الاولى نصب بانه مفعول له. وتقديره لايحملنكم بغض قوم لان صدودكم عن المسجد يعني النبي صلى الله عليه وآله واصحابه، لما صدوهم عن مكة. وموضع ان الثانية مفعول به ومعناه لايكسبنكم بغض قوم أي بغضكم قوما الاعتداء عليهم، لصدهم عن المسجد الحرام.
وقوله: " شنئآن قوم " معناه بغض قوم في قول ابن عباس، وقتادة وابن زيد، وغيرهم يقول: شنئت الرجل اشناه شنئا وشنأنا وشنا ومنشأة: إذا أبغضته وذهب سيبويه إلى أن ماكان من المصادر على فعلان لم يتعد فعله إلا أن يشد شئ نحو شنيته شنأ ولايجوز أن يكون شنيته يراد به حذف الجر، كقول سيبويه في فرقته وحذرته أن اصله حذرت منه لان اسم الفاعل منه على فاعل، نحو شاني و " ان شانئك هوالابتر " وقال الشاعر: بشانيك الضراعة والكلول.
قال ابوعلي: هذا يقوي انه مثل علم يعلم، فهو عالم، ونحوه من المتعدي وأيضا، فان شنيت في المعنى بمنزلة أبغضت، فلما كان معناه عدي كماعدي أبغضت كما أن الرفث لما كان بمعنى الافضاء عدي بالجار، كما عدى الافضاء به.
وقال سيبويه: قالوا: لويته حقه ليانا على فعلان، فيجوز ان يكون شنان فيمن اسكن النون مصدرا كالليان فيكون المعنى لايحملنكم بغض قوم، لو فتح النون.
قال ابوعبيدة: " شنأن قوم " بغضاء وهي متحركة الحروف مصدر شنيت، وبعضهم يسكنون النون الاولى وانشد للاحوص:
وما العيش الاما تلذ وتشتهي
وان عاب فيه ذوالشنان وفندا
فحذف الهمزة قال أبوعلي: ويجوز ان يكون خففها.
وقال أبوعبيدة: وشنيت أيضا بمعنى أقررت به، وبؤت به وانشد للعجاج.
زل بنو العوام عن آل الحكم
وشنؤا الملك لملك ذوقدم

(3/423)


تفسير التبيان ج3
وقال الفرزدق:
ولو كان هذا الامر في جاهلية
شنئت به أوغص بالماء شاربه
قال ابوعلي: وقدجاء فعلان مصدرا ووصفا وهما جميعا قليلان. فمما حل مصدرا ما حكاه سيبويه من قولهم: خصمان وندمان.
وانشد ابوزيد ما ظاهره أن يكون فعلان منه صفة وهو:
لما استمر بها شيحان منبجح
بالبين عنك بها مولاك شنأنا
[ اللغة ]: حكي أبوزيد في مؤنث شنآن شنآنى. ويقرب أن يكون شيحان فعلان. وفي الحديث (ثم اعرض وأشاح) قال ابوعلي: وترك صرف شيحان في البيت مع أنه لافعلى له. ويجوز ان يكون، لانه اسم علم. ويجوز ان يكون على قول من يجوز ترك صرف ما يتصرف في الشعر.
فاما الشنان قال ابوعلي: فعلان يجئ على ضربين: احدهما - اسم، والاخر - صفة فالاسم على ضربين: احدهما ان يكون مصدرا، كالنقر ان والغليان، والطوفان والغثيان. وعامة ذلك يكون معناه التحرك والتقلب. والاسم الذي ليس بمصدر نحو الورشان والعلجان. وأما مجيئه فنحو الزفيان والقطوان والصميان، وكبش اليان ونعجة اليانة، وكباش الي، ومثله حمار قطوان واتان قطوانة من قطا يقطوقطوا وقطوا: إذا قارب بين خطوه. ومن خفف النون ذهب إلى انه مصدر، مثل ليان.
ومعنى الاية لايحملنكم بغض قوم أي بغضكم قوما لصدهم إياكم ومن اجل صدهم اياكم ان تعتدوا فاضيف المصدر الي المفعول وحذف الفاعل كقوله: من دعاء الخير وسؤال نعجتك وقوله: ان صدوكم من كسر الهمزة الي ان (ان) للجزاء يقوي ذلك ان في قراء ة ابن مسعود ان يصدوكم فمتى؟ قيل كيف تكون للجزاء والصد ماض، لانه كان سنة الحديبية من المشركين للمسلمين، وما يكون ماضيا لايكون شرطا؟ قيل:

(3/424)


تفسير التبيان ج3
ذكر ابوعلي ان الماضي قد يقع في الجزاء لا ان المراد بالماضي الجزاء، لكن على انه إن كان مثل هذا الفعل، فيكون اللفظ على ما مضى والمعنى على مثله، كانه يقول: إن وقع مثل هذا الفعل يقع منكم كذا.
وعلى ذلك حمل قول الشاعر:
إذا ما انتسبنا لم تلدنى لئيمة
ولم تجدي من أن تقري به بدا(1)
إن قد أغنى عنه ما تقدم من قوله: " لايجر منكم " والمعنى إن صدوكم قوم عن المسجد الحرام، فلا تكسبوا عدوانا.
ومن فتح الهمزة، فلانه مفعول له والتقدير لايجرمنكم شنأن قوم، لان صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا، فان الثانية في موضع نصب بانه المفعول الثاني. والاولى منصوبة، لانه مفعول له وقوله: " ان تعتدوا " معناه إن تجاوزوا حكم الله فيهم إلى مانهاكم عنه. وذكر انها نزلت في النهي عن الطلب بدخول الجاهلية. ذهب اليه مجاهد وقال: هذاغير منسوخ. وهو الاولى. وقال غيره هو منسوخ ذهب اليه ابن زيد. وإنما قلنا: إنه غير منسوخ، لان معناه لاتتعدوا الحق فيما امرتكم به. وإذا احتمل ذلك، لم يخبر أن يقال هو منسوخ إلا بحجة.
وقوله: وتعاونوا على البر والتقوى ولاتعاونوا على الاثم والعدوان ليس بعطف على أن تعتدوا، فيكون في موضع نصب، بل هو استئناف كلام أمر الله تعالى الخلق بان يعين بعضهم بعضا على البر وهوالعمل بما امرهم الله به، واتقاء ما نهاهم عنه، ونهاهم ان يعين بعضهم بعضا على الاثم. وهو ترك ما أمرهم به، وارتكاب ما نهاهم عنه من العدوان، ونهاهم ان يجاوزوا ما حد الله لهم في دينهم، وفرض لهم في أنفسهم وبه قال ابن عباس وابوالعالية وغيرهما من المفسرين.
وقوله: " واتقوا الله ان الله شديد العقاب " أمر من الله، ووعيد وتهديد لمن اعتدى حدوده، وتجاوز أمره يقول الله:. ومعناه احذروا معاصيه وتعدي حدوده فيما امركم به ونهاكم عنه، فتستوجبوا عقابه متى خالفتم وتستحقوا
---
(1) انظر 1: 289 - 352.

(3/425)


تفسير التبيان ج3
اليم عقابه، ثم وصف عقابه بالشدة فقال: إن الله شديد العقاب لمن يعاقبه من خلقه، لانه نار لايطفى حرها، ولايخمد جمرها، ولايسكن لهيبا (نعوذ بالله منها).
قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما اهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما اكل السبع الا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وان تستقسموا بالازلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشونى اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لاثم فان الله غفور رحيم(3))
آية بلاخلاف.
[ اللغة ]: بين الله (تعالى) في هذا الآية ما استثناه في قوله: " احلت لكم بهيمة الانعام إلاما يتلى عليكم " فهذا مما تلاه علينا فقال مخاطبا للمكلفين: " حرمت عليكم الميتة " وأصله الميتة مشدد غير انه خفف، ولو قرئ، على الاصل كان جائزا إلا انه لم يقرأ به احد هاهنا إلا أبا جعفر المدني يقال: ميت بمعنى واحد.
وقال بعضهم الميت لما لم يمت والميت لما قد مات وهذا ليس بشئ لان ميت يصلح لما قد مات، ولما سيموت.
قال الله (تعالى): " انك ميت وانهم ميتون " وقال الشاعر في الجمع بين اللغتين:
ليس من مات فاستراح بميت
انما الميت ميت الاحياء
فجعل الميت مخففا من الميت وقال بعضهم: الميتة كلما له نفس سائلة من دواب

(3/426)


تفسير التبيان ج3
البر، وطيره مما اباح الله اكلها أهليها ووحشيها فارقتها روحها بغير تذكية.
وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه سمى الجراد والسمك ميتا فقال: ميتتان مباحان: الجراد، والسمك.
وقوله: " والدم " تقديره، وحرم عليكم الدم.
وقيل: إنهم كانوا يجعلون في المباعر يشوونها وياكلونها، فاعلم الله تعالى ان الدم المسفوح أي المصبوب حرام، فاما المتلطخ باللحم، فهو كاللحم، وما كان منه كاللحم مثل الكبد فهو مباح. وأما الطحال، فهو محرم عندنا.
وقد روي كراهته عن " علي عليه السلام، وابن مسعود واصحابهما " وعند جميع الفقهاء أنه مباح.
وانما شرطنا في الدم المحرم ما كان مسفوحا، لانه (تعالى) بين ذلك في آخرى فقال: " او دما مسفوحا ".
وقوله: " ولحم الخنزير " معناه وحرم عليكم لحم الخنزير اهليه وبريه، فالميتة والدم مخرجهما في الظاهر مخرج العموم. والمراد بهما الخصوص. ولحم الخنزير على ظاهره في العموم. وكذلك كل ما كان من الخنزير حرام كلحمه من الشحم والجلد، وغير ذلك.
وقوله ": وما اهل لغير الله به " موضع ما رفع وتقديره وحرم عليكم ما اهل لغير الله به. ومعنى اهل لغير الله به ما ذبح للاصنام والاوثان أي ذكر اسم غير الله عليه، لان الاهلال رفع الصوت بالشئ. ومنه استهلال الصبي وهو صياحه إذا سقط من بطن امه. ومنه إهلال المحرم بالحج أو العمرة: إذا لي به.
قال ابن احمر:
يهل بالفر قد ركباننا
كما يهل الراكب المعتمر
فما تقرب به من الذبح لغيرالله اوذكر عليه غير اسمه حرام، وكل ما حرم اكله مما عددناه يحرم بيعه وملكه، والتصرف فيه. والخنزير يقع على الذكر والانثى. وفي الاية دلالة على ان ذبائح من خالف الاسلام، لايجوز اكله، لانهم يذكرون عليه اسم غير الله لانهم يعنون بذلك من ابد شرع موسى، أو اتخذ عيسى ابنا، وكذب محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله وذلك غير الله، فيجب ان لايجوزا أكل ذبيحته. فاما من اظهر الاسلام، ودان بالتجسيم،

(3/427)


تفسير التبيان ج3
والصورة وقال بالجبر والتشبيه أو خالف الحق، فعندنا لايجوز اكل ذبيحته. فاما الصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين وموارثته، فانه يجري عليه، لان هذه الاحكام تابعة في الشرع لاظهار الشهادتين. واما مناكحته فلاتجوز عندنا.
وقال البلخي حاكيا عن قوم: إنه لايجوز أجراء شئ من ذلك عليهم. وحكى عن آخرين أنه يجري جميع ذلك عليهم، لانهاتجري على من اظهر الشهادتين دون المؤمنين على الحقيقة، وكذلك أجريت على المجانين، والاطفال.
فاما التسمية على الذبيحة، فعندنا واجبة من تركها متعمدا، لايجوز اكل ذبيحته، وان تركها ناسيا، لم يكن به يأس. وكذلك إن ترك استقبال القبلة متعمدا لم يحل أكل ذبيحته، وان تركه ناسيا، لم يحرم.. وفي ذلك خلاف بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف.
والمنخنقة قال السدي: هي التي تدخل رأسها بين شعبتين من شجرة فتختنق وتموت.
وقال الضحاك: هي التي تخنق وتموت.
وقال قتادة: هي التي تموت في خناقها.
وقال ابن عباس: هي التي تختنق، فتموت.
وحكي عن قتادة ان أهل الجاهلية كانوا يخنقونها، ثم يأكلونها.
والاولى حمل الآية على عمومها في جميع ذلك وهي التي تختنق حتى تموت، سواء كان في وثاقها أوبادخال رأسها في موضع لاتقدر على التخلص أو غير ذلك، لان الله (تعالى) وصفها بأنها المنخنقة، ولوكان الامر على ماحكي عن قتادة، لقال: " والمخنوقة ".
وقوله: " والموقوذة " يعني التي تضرب حتى تموت: يقال: وقذتها أقذها وقذا وأوقذها يوقذها إيقاذا: إذا اثخنتها ضربا.
قال الفرزدق:
شفارة تقذ الفصيل برجلها
فطارة لقوادم الابكار
وهو قول ابن عباس، وقتادة والضحاك والسدي: وقوله: " والمتردية يعني التي تقع من جبل، أو تقع في بئر أو من مكان عال، فتموت. وهو قول ابن عباس. وقتادة والسدي، والضحاك ومتى وقع في بئر ولايقدر على موضع ذكاته، جاز أن يطعن ويضرب بالسكين في غير المذبح حتى يبرد، ثم يؤكل.

(3/428)


تفسير التبيان ج3
وقوله: " والنطيحة " يعني التي تنطح أوتنطح، فتموت والنطيحة بمعنى المنطوحة، فنقل من مفعول الي فعيل، فان قيل: كيف تثبت فيها الهاء، وفعيل إذاكان بمعنى مفعول مثل لحية دهين، وعين كحيل وكف خضيب، بلاهاء، التأنيث في شئ من ذلك؟ قيل: اختلف في ذلك فقال: بعض البصريين اثبت فيها الهاء أعني في النطيحة، لانها جعلت كالاسم، مثل الطويلة والظريفة فوجه. هذا تأويل النطيحة الي معنى الناطحة. ويكون المعنى حرمت عليكم الناطحة التي تموت من نطاحها.
وقال بعض الكوفيين: إنما يحذف الهاء من فعيلة بمعنى مفعولة إذا كانت صفة لاسم قد تقدمها، مثل كف خضيب، وعين كحيل، فاما إذا حذف الكف والعين والاسم الذي يكون فقيل نعتا له واجتزوا بفعيل أثبتوا فيه هاء التأنيث، ليعلم بثبوتها فيه أنها صفة للمؤنث دون المذكر فيقول: راينا كحيلة وخضيبة واكيلة السبع، فلذلك دخلت الهاء في النطيحة، لانها صفة المؤنث. والقول بأن النطيحة بمعنى المنطوحة هو قول اكثر المفسرين: ابن عباس، وابوميسرة والضحاك، والسدي وقتادة، لانهم اجمعوا على تحريم الناطحة والمنطوحة إذاماتا.
وقوله: " وما اكل السبع " موضع (ما) رفع وتقديره وحرم عليكم ما اكل السبع بمعنى ما قتله السبع. وهوقول ابن عباس، والضحاك وقتادة، وهو فريسة السبع.
وقوله: " إلا ما ذكيتم " معناه إلا ما ادركتم ذكاته، فذكيتموه من هذه الاشياء التي وصفها. وموضع (ما) نصب بالاستثناء. واختلفوا في الاستثناء إلى ماذا يرجع فقال قوم: يرجع إلى جميع ما تقدم ذكره من قوله: " حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وماأهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما اكل السبع " الاما لايقبل الذكاة من الخنزير والدم. وهوالاقوى. ذهب اليه علي (عليه السلام) وابن عباس قال: وهو أن تدركه تتحرك أذنه او ذنبه، أو تطرف عينه.

(3/429)


تفسير التبيان ج3
وهوالمروى عن ابي جعفر وابي عبدالله (ع) وبه قال الحسن وقتادة وإبراهيم وطاووس، وعبيد بن عمير والضحاك، وابن زيد وقال اخرون: هواستثناء من التحريم، لا من المحرمات، لان الميتة لاذكاة لها، ولاالخنزير قالوا: والمعنى حرمت عليكم الميتة والدم وسائر ماذكر إلاما ذكيتم مما احله الله لكم بالتذكية، فانه حلال لكم.
ذهب اليه مالك وجماعة من أهل المدينة، والجبائي وسئل مالك من الشاة يخرق جوفها السبع حتى يخرج أمعاء ها فقال لا أرى ان تذكى ولايؤكل أي شئ يذكى منها. وقال كثيرمن الفقهاء إنه يراعي أن يلحق فيه حياة مستقرة، فيذكى ويجوز أن يؤكل وما يعلم أنه لاحياة فيه مستقرة، فلا يجوز بحال.
واختار الطبري الاقل. وقال: كل ما أدرك ذكاته مما ذكر من طير أو بهيمة قبل خروج نفسه ومفارقة روحه جسده، فحلال اكله إذا كان مما أحله الله لعباده واختار البلخي، والجبائي الاول، فان قيل: فما وجه تكرير قوله: " وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة " وجميع ما عدد تحريمه في هذه الآية وقد افتتح الآية بقوله: " حرمت عليكم الميتة " والميتة تعم جميع ذلك وان اختلفت أسباب موته من خنق أو ترد أو نطح أواهلال لغير الله به أوا كيل سبع. وانما يكون لذلك معنى على قول من يقول: إنها، وان كانت فيها حياة إذا كانت غير مستقرة، فلا يجوز أكلها.
قيل: الفائدة في ذلك ان الذين خوطبوا بذلك لم يكونوا يعدون الميت إلا مامات حتف انفه من دون شئ من هذه الاسباب، فاعلمهم الله ان حكم الجميع واحد، وان وجه الاستباحة هوالتذكية المشروعة.
وقال السدي إن ناسا من العرب كانوا يأكلون جميع ذلك، ولايعدونه ميتا. انما يعدون الميت الذي يموت من الوجع.
والتذكية: هوفري الاوداج والحلقوم إذا كانت فيه حياة، ولايكون بحكم الميت. واصل الذكاء في اللغة تمام الشئ فمن ذلك الذكاء في السن، والفهم وهو تمام السن.
قال الخليل: الذكاء أن تأتي في السن على قروحه، وهوسن في ذات الحافر، هي البزولة في ذات الخف، وهي الصلوغه في ذات الظلف. وذلك تمام استكمال القوة.

(3/430)


تفسير التبيان ج3
قال الشاعر:
يفضله اذا اجتهدا عليها
تمام السن منه والذكاء
وقيل جرى المذكيات غلاب اي جرى المسار التي قد أسنت ومعنى تمام السن النهاية في الشباب، فاذا نقص عن ذك أوزاد، فلا يقال له الذكاء. والذكاء في الفهم أن يكون فهما تاما سريع القبول وذكيت النار إنما هو من هذا تأويله أتممت اشعالها فالمعنى على هذاما ذكيتم أي ما ادركتم ذبحه على التمام.
وقوله: " وما ذبح على النصب " فالنصب: الحجارة التي كانوا يعبدونها وهي الاوثان. واحدها نصب، ويجوز أن يكون واحدا، وجمعه أنصاب. (وما) موضعه رفع عطفا على ما تقدم. وتقديره وحرم عليكم ما ذبح على النصب. وبه قال مجاهدو ابن جريج، وقتادة.
وقال ابن جريج: النصب ليست اصناما الصنم يصور وينقش، وهذه حجارة تنصب ثلثمائة وستون حجرا.
ومنهم من يقول ثلثمائة منها لخزاعه، فكانوا إذا ذبحوا نضحوا الدم على ما أقبل من البيت، وشرحوا اللحم، وجعلوه على الحجارة. فقال المسلمون: كان أهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم فنحن أحق أن نعظمه، فانزل الله " لن ينال الله لحومها ولادماؤها... الاية "
وقوله: " وان تستقسموا بالازلام ذلكم فسق " موضع (ان) رفع. وتقديره. وحرم عليكم الاستقسام بالازلام. وواحد الازلام زلم وزلم قال الراجز: بات يراعيها غلام كالزلم وهي سهام كانت للجاهلية مكتوب على بعضها أمرني ربي، وعلى بعضها نهاني ربي، فاذا أرادوا سفرا أو أمرايهتم به. ضربوا تلك القداح فان خرج السهم الذي عليه أمرني ربي، مضى لحاجته وإن خرج الذي عليه نهاني ربي، لم يمض، وإن خرج ماليس عليه شئ أعادوها فبين الله (تعالى) أن ذلك حرام العمل به. والاستقسام الاستفعال من قسمت أمري أي قلبته ودبرته قال الراعي:
وتركت قومي يقسمون امورهم
اليك أم يتلبثون قليلا

(3/431)


تفسير التبيان ج3
وقيل: معناه طلب قسم الارزاق بالقداح التي كانوا يتفاء لون بها في اسفارهم وابتداء ات أمورهم قال الشاعر يفتخر بقوة عزيمته وانه لايلتفت إلى ذلك. أولم اقسم فترثبني القسوم(1) وبه قال ابن عباس، وقتادة وسعيد بن جبير، ومجاهد والسدي قال مجاهد: هي سهام العرب، وكعاب فارس والروم كانوا يتقامرون بها.
وقوله: " ذلكم فسق " معنى هذه الاشياء التي ذكرها فسق يعني خروج من طاعة الله إلى معصيتة وهو قول ابن عباس، وأصله من فسقت الرطبة: إذا خرجت من قشرها.
قال الزجاج: ولوكان بعض هذه المرفوعات نصبا بتقدير وحرم الله الدم ولحم الخنزير، لكان جائزا إلا انه لم يقرأ به احد والقراء ة متبعة، لايجوز خلاف ما قرئ به.
وقوله: " اليوم يئس الذين كفروا من دينكم " نصب اليوم على الظرف. والعامل فيه يئس ذو والفسق اليوم. وليس يراد به يوما بعينه ومعناه الآن يئس الذين كفروامن دينكم، كما يقول القائل: أنا اليوم قد كبرت، وهذا لايصلح إلى اليوم يريد الآن. وبئس على وزن فعل ييأس على وزن يفعل - بفتح العين، وروي بكسرها - وقيل: يئس على وزن لعب بكسر اللام، والعين - وذكر يأيس.
والمعنى ان الله قد حول الخوف الذي كان يلحقكم منكم اليهم، ويئسوا من بطلان الاسلام، وجاء كم ما كنتم توعدون به من قوله، ليظهره على الدين كله. والدين اسم لجميع ما تعبدالله به خلقه وأمرهم بالقيام به. ومعنى يئس انقطع طمعهم من دينكم أن تتركوه، وترجعوا منه إلى الشرك.
وبه قال ابن عباس والسدي وعطا. وقيل: إن اليوم الذي ذكر هو يوم عرفة من حجة الوداع بعد دخول العرب كلها في الاسلام. ذهب اليه مجاهد، وابن جريج وابن زيد.
---
(1) في المطبوعة " فتوثبني " بدل " فترثبني ".
الطبري 9 - 510 مجاز القرآن لابي عبيدة 1: 152.
قسوم جمع قسم: الحظ الربث حبسك الانسان عن حاجته.

(3/432)


تفسير التبيان ج3
وقيل: يوم جمعة، لما نظر النبي (صلى الله عليه واله) فلم ير الا مسلما موحدا، أو لم يرمشركا.
وقوله " فلا تخشوهم " هذا خطاب للمؤمين نهاهم الله ان يخشوا ويخافوا من الكفار أن يظهروا على دين الاسلام، ويقهر والمسلمين ويرد وهم عن دينهم، ولكن اخشوني وخافوني إن خالفتم امري وارتكبتم معصيتي ان احل بكم عقابي وأنزل عليكم عذابي وهوقول ابن جريج، وغيره.
وقوله: " اليوم اكملت لكم دينكم " في تأويله ثلاثة اقوال: احدها - قال ابن عباس، والسدي واكثر المفسرين إن معناه أكملت لكم فرائضي وحدودي وأمري ونهيي وحلالي وحرامي بتنزيلي ما انزلت، وتبياني ما بينت لكم، فلا زيادة في ذلك، ولانقصان منه بالنسخ بعد هذا اليوم. وكان ذلك اليوم عام حجة الوداع قالوا: ولم ينزل بعد هذا على النبي صلى الله عليه وآله شئ من الفرائض في تحليل شئ، ولاتحريمة وأنه (عليه السلام) مضى بعد ذلك بأحدى وثمانين ليلة. وهواختيار الجبائي والبلخي، فان قيل: أكان دين الله ناقصا في حال حتى أتمه ذلك اليوم؟ قيل: لم يكن دين الله ناقصا في حال، ولاكان إلا كاملا، لكن لما كان معرضا للنسخ، والزيادة فيه. وذلك يجري مجرى وصف العشرة بانها كاملة العدد، ولايلزم أن توصيف بانها ناقصة، لماكان عددالمئة اكثر منها، واكمل. فكذلك ما قلناه.
وقال الحكم وسعيد بن جبير وقتادة معناه أكملت لكم حجكم وأفردتكم بالبلد الحرام تحجون دون المشركين، ولايخالطكم مشرك وهوالذي اختاره الطبري قال لان الله قد انزل بعد ذلك قوله: " يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة " وقال الفراء هي آخر آية نزلت. وهذا الذي ذكره لوصح لكان ترجيحا لكن فيه خلاف.
وقال الزجاج: معنى اكملت لكم الدين كفيتكم خوف عدوكم وأظهرتكم عليهم، كما تقول: الآن كمل لنا الملك. وكمل لنا ما نريد أي كفينا ما كنا تخافة.
وروي عن أبي جعفر وأبي عبدالله (ع) أن الآية نزلت بعد أن نصب النبي صلى الله عليه وآله عليا علما للامة يوم غدير خم منصرفه عن حجة الوداع، فانزل الله يومئذ " اليوم اكملت لكم دينكم ".

(3/433)


تفسير التبيان ج3
وقوله: " واتممت عليكم نعمتي " خاطب الله (تعالى) جميع المؤمنين بأنه أتم نعمته عليهم باظهارهم على عدوهم المشركين، ونفيهم إياهم عن بلادهم، وقطعه طمعهم من رجوع المؤمنين، وعودهم إلى ملة الكفر، وانفراد المؤمنين بالحج البلد الحرام. و: قال ابن عباس وقتادة والشعبي.
وقوله: " ورضيت لكم الاسلام دينا " معناه رضيت لكم الاستسلام لامري والانقياد لطاعتي على ما شرعت لكم من حدوده، وفرائضه ومعالمه دينا يعني بذلك طاعة منكم لي.
فان قيل: أوما كان الله راضيا الاسلام دينا لعباده الايوم أنزلت هذه الاية؟ قيل: لم يزل الله راضيا لخلقه الاسلام دينا، لكنه لم يزل يصف نبيه محمد (صلى الله عليه واله) واصحابه في درجات الاسلام، ومراتبه درجة بعد درجة، ومرتبة بعد مرتبة، وحالا بعد حال حتى اكمل لهم شرائعه وبلغ بهم أقصى درجاته، ومراتبه، ثم قال: حين أنزلت هذه الآية " ورضيت لكم الاسلام دينا " فالصفة التي لها اليوم والحال التي انتم عليها، فالزموه، ولاتفارقوه.
قال ابن عباس وعمر وعامر الشعبي وقتادة، كان ذلك يوم الجمعة.
وقال الطاووس بن شهاب، وشهر ابن خوشب، واكثر المفسرين نزلت هذه الآية يوم عرفة حجة الوداع.
وروى حنش عن ابن عباس، قال: ولد النبي صلى الله عليه وآله يوم الاثنين، وخرج من مكة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وأنزلت المائدة يوم الاثنين، وانزلت " اليوم اكملت لكم دينكم يوم الاثنين " ورفع الذكر يوم الاثنين.
وقال الربيع بن أنس: نزلت في المسير من حجة الوداع.
وقوله: " فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لاثم " معناه من دعته الضرورة في مجاعة لان المخمصة شدة ضمور البطن. لاثم أي غير مائل إلى إثم. والمخمصة مفعلة، مثل المجنبة والمنجلة من خمص البطن وهوطيه، واضطماره من الجوع، وشدة السغب هاهنا دون أن يكون مخلوقا كذلك.
قال النابغة الدنباني

(3/434)


تفسير التبيان ج3
في صفة امرأة بخمص البطن:
والبطن ذوعكن خميص لين
والنحر ينفجه بثدي مقعد(1)
ولم يرد بذلك وصفها بالجوع، لكن أراد وصفها بلطافة طي ما علا الاوراك والافخاذ من جسدها، لان ذلك المحمود من النساء.
فاما الاضطمار من الضر فكقول أعشى ثعلبة:
تبيتون في المشتى ملاء بطونكم
وجاراتكم غبر تبن خماصا(2)
يعني يبتن مضطرات البطن من الجوع.
وقال بعض نحوي البصريين: المخمصة المصدر من خمصه الجوع.
وغيره يقول: هو اسم للمصدر، وكذلك تقع المفعلة اسما في المصادر للتأنيث، والتذكير: والذي قلناه هو قول ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد.
وقوله: " غير متجانف لاثم " نصب على الحال. والمتجانف المتمايل للاثم المنحرف اليه. ومعناه في هذا الموضع المعتمد له القاصد اليه من جنف القوم: إذا مالوا. وكل اعوج، فهو اجنف.
والمعنى فمن اضطر إلى أكل الميتة، وما عدد الله تحريمه عند المجاعة الشديدة غير متعمد إلى ذلك، ولامختار له، ولامستحل له على كل حال، فان الله أباحه له. تناول ذلك مقدار ما يمسك رمقه، لازيادة عليه. وهو قول أهل العراق.
وقال أهل المدينة: يجوز أن يشبع منه عند الضرورة. وماقلناه قول ابن عباس، ومجاهد وقتادة.
قال قتادة: " غير متجانف لاثم " أي غير عاص بان يكون باغيا أو محاربا أو خارجا في معصيتة.
وقال ابن زيد: لاتأكل ذلك ابتغاء الاثم ولاجرأة عليه.
وقوله: " فان الله غفور رحيم " في الكلام متروك دل ماذكر عليه، لان المعنى فمن اضطر في مخمصة إلى ما حرمت عليه مما ذكرت في هذه الآية غير متجانف لاثم، فاكله لدلالة الكلام عليه.
ومعنى " فان الله غفور رحيم " ان الله لمن أكل ما حرمت عليه بهذه الآية
---
(1) - ديوانه: 66 واللسان: (قعد).
العكن: اطواء البطن. تنفجه: ترفعه.
(2) ديوانه: 109. ومجاز القرآن 1: 153.

(3/435)


تفسير التبيان ج3
أكله في مخمصة متجانف، لاثم غفور لذنوبه أي ساترعليه أكله، ويعفو عن مؤاخذته به، وليس يريد أن يغفر له عقاب ذلك، لانه اباحه له، فلا يستحق عليه العقاب وهورحيم أي رفيق بعباده. لان رحمته ورفقه أنه أباح لهم أكل ما حرم عليهم في حال الخوف على النفس وروى المثنى قال: قلنا يارسول الله صلى الله عليه وآله إنا بارض يصيبنا فيها مخمصة، فما يصلح لنامن الميتة؟ قال: اذا لم تصطبحوا أو تعتبقوا أو تختفؤا بها بقلا، فشأنكم بها.
وقال الحسن: يأكل منها مسكته. وذكر في تختفئوا خمس لغات: تختفئوا بالهمزة وتختفوا - بحذفها - وتختفيوا - بقلبها ياء - وتختفوا وتخفوا - بالتخفيف - والخفاأصل البردي كانوا يقشرونه ويأكلونه في المجاعة، فمع وجود ذلك لايجوز اكل الميتة.
وقوله: " فان الله غفور رحيم " عقيب قوله: " فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لاثم " لايدل على ان له أن يعاقبهم على فعل المباح، لان الوجه في ذلك أنه أراد أن يصف نفسه بمغفرة الذنوب وسترها، والصفح عنها ليدل بذلك على أنه أحرى ألا يؤخذ بفعل المباحات التي ليست بذنوب، كما قال: " إن تعذبهم فانهم عبادك وإن تغفر لهم فانك انت العزيز الحكيم " فدل على أن ما يفعله من المغفرة أو العقوبة صواب وحكمة، ليكون أعم في الدلالة على استحقاقه الاوصاف المحمودة. واجاز بعضهم أن يكون ذلك ثوابا لبعض المكلفين قدمه، كما انه يجوز ان تكون الحدود عقابا لهم قدمه فلا شبهة في ذلك.
قوله تعالى: (يسئلونك ماذا احل لهم قل احل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما امسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله ان الله سريع الحساب(4))
آية بلاخلاف.

(3/436)


تفسير التبيان ج3
موضع (ما) رفع ويحتمل أن يكون وحدها اسما وخبرها قوله: (ذا) واحل من صلة ذا. وتقديره اي شئ الذي احل لهم؟ ويحتمل أن يكون ما وذا اسما واحدا، ورفع بالابتداء وتقديره أي شئ احل لهم؟ واحل لهم خبر الابتداء. فمعنى الآية يسألك يامحمد اصحابك ما الذي احل لهم اكله من المطاعم، فقل لهم: احل لكم الطيبات منها وهي الحلال الذي أذن لكم ربكم في أكله من الذبائح على قول الطبري والجبائي، وغيرهما وقال البلخي: الطيبات هو ما يستلذبه.
قال قوم: واحل لكم ايضا مع ذلك صيد ما علمتم من الجوارح وهي الكواسب من سباع الطير، والبهائم ولايجوز أن يستباح عندنا أكل شئ مما اصطاده الجوارح من السباع سوى الكلب إلا ما ادرك ذكاته. وسميت الطير جوارح، لجرحها أربابها وكسبها اياهم أقواتهم من الصيد يقال منه: جرح فلان أهله خيرا إذا كسبهم خيرا. وفلان جارحة أهله يعني كاسبهم، ولاجارحة لفلانة أي لاكاسب لها قال اعشى بني ثعلبة:
ذات خد منضج ميسمها
تذكر الجارح ما كان اجترح
يعني اكتسب.
وقوله: " وما علمتم " تقديره وصيدما علمتم من الجوارح وحذف لدلالة الكلام عليه، لان القوم على ما روي كانوا سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله حين أمرهم بقتل الكلاب عما يحل لهم اتخاذه منها، وصيده. فانزل الله (تعالى) فيما سألوا عنه هذه الآية، فاستثنى (عليه السلام) مماكان حرم اتخاذه منها، وأمر بقتله كلاب الصيد، وكلاب الماشية، وكلاب الحرث وأذن في اتخاذ ذلك ذكرت ذلك سلمى ام رافع عن أبي رافع.
قال جاء جبرائيل إلى النبي صلى الله عليه وآله يستأذن عليه، فاذن له فقال: قداذنا لك يارسول الله فقال: اجل ولكنا لاندخل بيتا فيه كلب.
قال ابورافع: فأمرني رسول الله (صلى الله عليه واله) أن أقتل كل كلب بالمدينة، فقتلت حتى انتهيت إلى امرأة عندها كلب ينبح عليها، فتركته رحمة لها. وجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فاخبرته، فأمرني فرجعت، وقتلت الكلب، فجاؤا فقالوا: يارسول الله ما يحل لنا من هذه الامة التي أمرت بقتلها، فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله

(3/437)


تفسير التبيان ج3
فانزل الله " يسألونك ماذااحل لهم قل احل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين " وبه قال عكرمة ومحمد بن كعب القرطي واختلفوا في الجوارح التي ذكر الي الاية: بقوله: " وما علمتم من الجوارح مكلبين " فقال قوم: هو كل ما علم فصبد فيتعلمه بهيمة كانت او طائرا. ذهب ليه الحسن، ومجاهد وحثيمة بن عبدالرحمن.
ورووه عن ابن عباس، وطاووس وعلي بن الحسين وابي جعفر (ع) وقالوا: الفهد والبازي من الجوارح.
وقال قوم: عنى بذلك الكلاب خاصة دون غيرها من السباع. ذهب اليه الضحاك والسدي وابن عمر وابن جريج. وهوالذي رواه أصحابنا عن ابي عبدالله (عليهما السلام) فاما ما عدا الكلاب، فما ادرك ذكاته، فهو مباح، وإلا فلايحل أكله.
ويقوي قولنا قوله تعالى: " مكلبين " وذلك مشتق من الكلب ومن صاد بالباز والصقر لايكون مكلبا.
وقوله: " مكلبين " نصب على الحال وتقديره وأحل لكم صيد ما علمتم من الجوارح مكلبين أي في هذة الحال.
يقال: رجل مكلب وكلاب إذا كان صاحب صيد بالكلاب. وفي ذلك دليل على أن صيد الكلب الذي لم يعلم، حرام إذا [ لم ](1) تدرك ذكاته.
وقوله: " تعلمونهن مما علمكم الله " معناه تؤدبون الجوارح، فتعلمونهن طلب الصيد لكم بما علمكم الله من التأديب الذي أدبكم به.
وقال بعضهم: معناه كما علمكم الله. ذهب اليه السدي. وهذا ضعيف لان من المعنى الكاف لايعرب في اللغة، ولابينهما تقارب، لان الكاف للتشبيه ومن للتبعيض واختلفوا في صفة التعليم للكلب فقال بعضهم: هوان يستشلى لطلب الصيد إذا أرسله صاحبه، ويمسك عليه إذا أخذه، فلا يأكل منه ويستجيب له إذا دعاه. فاذا توالي منه ذلك كان معلما. ذهب إليه ابن عباس وعط وابن عمرو الشعبي وطاووس وابراهيم والسدي.
قال عطا: إذا أكل منه فهو ميتة.
وقال ابن عباس: إذا اكل الكلب من الصيد، فلا تأكل منه فانما امسك على نفسه. وهوالذي دلت عليه أخبارنا. غير أنهم اعتبروا ان يكون
---
(1) - (لم) - ساقطة من المطبوعة.

(3/438)


تفسير التبيان ج3
اكل الكلب للصيد دائما. فاما إذا كان نادرا، فلا بأس ما أكل منه.
وقال ابويوسف، ومحمد: حد التعليم أن يفعل ذلك ثلاث مرات.
وقال قوم: لاحد لتعليم الكلاب، فاذا فعل ما قلناه، فهو معلم.
وقد دل على ذلك رواية اصحابنا، لانهم رووا أنه إذا أخذ كلب مجوسي فعلمه في الحال، فاصطاد به، جاز أكل ما يقتله. وقد بينا أن صيد غير الكلب، لايحل أكله الاما أدرك ذكاته. فلايحتاج أن تراعي كيف تعلمه، ولااكله منه. ومن أجاز ذلك أجازأكل ما اكل منه البازي والصقر. ذهب اليه عطا وابن عباس والشعبي وابراهيم، وقالوا: تعلم البازي هو أن يرجع إلى صاحبه.
وقال قوم: جوارح الطير والسباع سواء في ذلك ما أكل منه، وما لايؤكل. روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله والشعبي وعكرمة، وابن جريج.
وقال قوم: تعليم كل جارحة من البهائم والطير واحد وهو أن يشلى على الصيد، فيستشلى، ويأخذ الصيد، ويدعوه صاحبه، فيجيب، فاذا كان كذلك كان معلما اكل منه أو لم يأكل. روي ذلك عن سلمان رواه قتادة عن ابي وقاص. وقال لولم يبق إلا جذية، جاز أكلها وبه قال ابوهريرة، وابن عمر. وقد بينا مذهبنا في ذلك وهوالذي رواه عدي بن حاتم عن النبي (صلى الله عليه واله).
وقوله: " فكلوا مما امسكن عليكم " يقوي قول من قال: ما أكل منه الكب لايجوز أكله، لانه أمسك على نفسه. ومن شرط استباحة ما يقتله الكلب ان يكون صاحبه سمى عند إرساله، فان لم يسم لم يجزله اكله إلا إذا ادرك ذكاته وحده أن يجده يتحرك: عينه أو أذنه أو ذنبه، فيذكيه حينئذ بفري الحلقوم والاوداج، واختلفوا في (من) [ من ] قوله: " مما امسكن عليكم " فقال قوم: هي زائدة، لان جميع ما يمسكه، فهو مباح. وتقديره فكلوا ما امسكن عليكم. وجرى ذلك مجرى قوله: " يكفرعنكم من سيئاتكم " وقوله: " وينزل من السماء من جبال فيها من برد " وتقديره وينزل من السماء جبالا فيها برد.

(3/439)


تفسير التبيان ج3
وقال بعضهم: وينزل من السماء من جبال فيها من برد أي من السماء من برد يجعل الجبال من برد في السماء ويجعل الانزال منها وانكر قوم ذلك وقالوا (من) للتبعيض ويقوي قولهم: قد كان من مطر وكان من حديث. يقول هل كان من مطر، وهل كان من حديث عندكم ونكفرعنكم من سيئاتكم ما يشآؤه ويريده.
وقوله: " وينزل من السماء من جبال فيها من برد " يجيز حذف (من) برد ولايجيز حذفها من الجبال.
ويقول: المعنى وينزل من السماء من امثال جبال بردا، ثم أدخلت في من البرد مفسر عنده عن أمثال الجبال. وقد أقيمت الجبال مقام الامثال. والجبال هي جبال فلايجيز حذف (من) من الجبال، لانها دالة على أن في السماء الذي أنزل منه البرد أمثال جبال برد، لاجبال برد. واجاز حذف (من) من برد، لان البرد مفسر من الامثال، كما يقال: عندي رطلان زيتا، ومن زيت. وليس عندك الرطلان وانما عندك المقدار، فمن تدخل في المفسر وتخرج منه، وكذلك عند هذا القائل من السماء من امثال جبال، وليس بجبال.
وقال: فان كان أنزل من جبال في السماء من برد جبالا ، ثم حذف الجبال الثانية فالجبال الاولى في السماء جاز كما يقال: أكلت من الطعام يريدا كلت من الطعام طعاما، ثم يحذف الطعام، ولايحذف (من). والاقوى أن تكون من في الآية للتبعيض، لان مايمسكه الكلب من الصيد، لايجوز أكل جميعه لان في جملته ما هو حرام من الدم، والفرث والغدد، وغير ذلك مما لايجوز أكله، فاذا قال: فكلوا مما امسكن عليكم، أفاد ذلك بعض ما أمسكن، وهوالذي أباح الله أكله من اللحم، وغيره.
وقوله: " ونكفر عنكم من سيئاتكم " قدبينا الوجه فيه وسنبين الوجه في قوله: " من السماء جبال فيها من برد " إذا انتهينا اليه ان شاء الله.
وقوله: " واذكروا اسم الله عليه " صريح في وجوب التسمية عند الارسال. وهوقول ابن عباس والسدي وغيرهما.
وقوله: " واتقوا الله " معناه واجتنبوا مانهاكم عنه، فلا تقربوه، واحذروا معاصيه في ارتكاب مانهاكم عنه في أن تأكلوا من صيد الكلب غير المعلم، أو مما لم يمسكه عليكم، أو تأكلوا مما لم يسم

(3/440)


تفسير التبيان ج3
الله عليه من الصيد، والذبائح مما صاده اهل الاوثان والاصنام " ان الله سريع الحساب " معناه التخويف بأنه سريع حسابه لمن حاسبه على نعمه، لايشغله حساب بعض عن بعض. ومتى غاب الكلب والصيد عن العين، ثم رآه ميتالايجوز أن يأكله، لانه يجوز أن يكون مات من غير قتل الصيد.
وفي الحديث: (كل ما أصميت ولاتأكل ما أنميت) فمعنى اصميت أن تصطاد بكلب أو غيره، فمات وأنث تراه مات بصيدك. واصل الصميان السرعة والخفة: ومعناه هاهناما أسرع فيه الموت وأنت تراه.
ومعنى ما أنميت ما غاب عنك فلاتدري مات بصيدك أو بعارض آخر يقال نمت الرمية: إذا مضت والسهم فيها. وأنميت الرمية: إذا رميتها، فمضيت، والسهم فيها قال امرؤ القيس:
فهولاتنمى رميته
ماله لاعد من نفره
وقال الحارث بن وعلة الشيباني: قالت سليمى فد غنيت فتى فالان لاتصمى ولاتنمى أي عشت ومتى اخذالكلب الصيد ومات في يده من غير أن يجرحه، لم يجز أكله. واجاز قوم ذلك. والاول أحوط. وكل من لاتؤكل ذبيحته من أجناس الكفار، لايؤكل صيده أيضا. فأما الاصطياد بكلابه المتعلمه فجائز إذا صاده المسلم.

(3/441)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين اتوا الكتاب من قبلكم إذا اتيمتوهن اجورهن محصنين غير مسافحين ولامتخذي اخدان ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين(5))
آية بلاخلاف.
أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه أحل للمؤمنين الطيبات، وهي الحلال على ما بينا القول فيه في الآية الاولى، دون ماحرم في الآية المتقدمة.
وقيل: معنى الطيبات ما يستلذ ويستطاب.
وظاهر الآية على هذا يقتضي تحليل كل مستطاب إلا ما قال دليل على تحريمه.
وقوله: " وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم " رفع بالابتداء " وحل لكم " خبره وذلك يختص عند اكثر اصحابنا بالحبوب، لانها المباحة من أطعمة أهل الكتاب، فاما ذبائحم وكل مائع يباشرونه بايديهم فانه تحبس ولايحل استعماله وتذكيتهم لاتصح لان من شرط صحتها التسمية لقوله: ولاتأكلوا ممالم يذكر اسم الله عليه وهؤلاء لايذكرون اسم الله. وإذا ذكروه قصدوا بذلك اسم من ابد شرع موسى أو عيسى أواتخذ عيسى ابنا. وكذب محمدا (صلى الله عليه وآله) وذلك غير الله. وقد حرم الله ذلك بقوله: " ومااهل لغير الله به " على ما مضى القول فيه واكثر المفسرين على أن قوله ": وطعام الذين اوتوا الكتاب " المراد به ذبائحهم وبه قال قوم من اصحابنا: فممن ذهب اليه الطبري والبلخي والجبائي واكثر الفقهاء، ثم اختلفوا، فمنهم من قال: أراد بذلك ذباحة كل كتابي ممن أنزل عليه التوراة والانجيل، أو ممن دخل في ملتهم ودان بدينهم، وحرم ما حرموا، وحلل ما حللوا.
ذهب اليه ابن عباس والحسن وعكرمة وسعيد بن المسيب، والشعبي وابن جريج، وعطا والحكم وقتادة. واجازوا ذبائح نصارى بني تغلب وقال آخرون: إنما عنى به الذين أنزلت التوراة والانجيل عليهم، ومن كان دخيلا فيهم من سائر الامم، ودان بدينهم، فلاتحل ذبائحهم.
حكى ذلك الربيع عن الشافعي من الفقهاء.
وروي تحريم ذبائح نصارى تغلب عن علي (عليه السلام) ورواه سعيد بن جبير عن ابن عباس.
وقال مجاهد، وابراهيم وابن عباس وقتادة والسدي والضحاك، وابن زيد وابوالدرداء إن اطعام الذين اوتوا الكتاب ذبائحهم وغيرها من الاطعمة.

(3/442)


تفسير التبيان ج3
وبه قال الطبري والجبائي والبلخي وغيرهم.
وقوله: " وطعامكم حل لهم " فيه بيان إن طعامنا ايضا حل لهم، فان قيل فما معنى ذلك، وهم لايستحلون طعامنا بتحليلنا لهم ذلك؟ قلنا عنه جوابان: احدهما - ان الله بين بذلك أنه حلال لهم ذلك سواء قبلوه، أو لم يقبلوه. والثاني - أن يكون حلال للمسلمين بذله لهم، ولوكان محرما عليهم، لما جاز لمسلم بذله اياه.
وقوله: " والمحصنات من المؤمنات " معناه واحل لكم العقد على المحصنات يعني العفائف من المؤمنات. وقيل هن الحرائر منهن، ولايدل ذلك على تحريم من ليس بعفيفة، لان ذلك دليل خطاب يترك لدليل يقوم على خلافه، ولاخلاف أنه لو عقد على من ليس بعفيفة، ولا امة كان عقده صحيحا غير مفسوخ، وان كان الاولى تجنبه. وكذلك لو عقد على أمة بشرط جواز العقد على الامة على مامضى القول فيه. واختلف المفسرون في المحصنات التي عنا هن هاهنا فقال بعضهم عنى بذلك الحرائر خاصة: فاجرة كانت أوعفيفة وحرموا إماء اهل الكتاب بكل حال لقوله: " ومن لم يستطع منكم طولا ان ينكح المحصنات فمما ملكت ايمانكم من فتياتكم المؤمنات ". ذهب اليه مجاهد وطارق بن شهاب، وعامر الشعبي والحسن وقتادة.
وقال اخرون: أراد بذلك العفائف من الفريقين: حرائر كن او إماء، وأجازوا العقد على الامة الكتابية.
روى ذلك أيضا عن مجاهد، وعامر الشعبي وسفين وابراهيم والحسن بن ابي الحسن وقتادة في رواية، ثم اختلفوا في المحصنات من الذين أوتوا الكتاب، فقال قوم: هو عام في العفائف منهن: حرة كانت أو أمة، حربية كانت او ذمية. وهوقول من قال المراد بالمحصنات العفائف.
وقال اخرون: أراد الحرائر منهن: حربيات كن أوذميات. وعلى قول الشافعي المراد بذلك من كان من نساء بني اسرائيل دون من دخل فيهن من سائر الملل.
وقال قوم: أراد بذلك الذميات منهن. ذهب اليه ابن عباس. واختار الطبري أن يكون المراد بذلك الحرائر من المسلمات والكتابيات.

(3/443)


تفسير التبيان ج3
وعندنا لايجوز العقد على الكتابية نكاح الدوام، لقوله تعالى: " ولاتنكح المشركات حتى يؤمن، " ولقوله: " ولاتمسكوا بعصم الكوافر " فاذا ثبت ذلك، قلنا في قوله ": والمحصنات من الذين اوتوا الكتاب " تأويلان.
احدهما - ان يكون المراد بذلك اللائي أسلمن منهن.
والمراد بقوله: " والمحصنات من المؤمنات " من كن في الاصل مؤمنات. ولدن على الاسلام قيل: إن قوما كانوا يتحرجون من العقد على الكافرة إذا اسلمت فبين الله بذلك انه لاحرج في ذلك، فلذلك أفردهن بالذكر حكى ذلك البلخي.
والثانى - أن يخص ذلك بنكاح المتعة أو ملك اليمين، لانه يجوز عندنا وطؤهن بعقد المتعة، وملك اليمين على أنه روى أبوالجارود عن أبي جعفر (ع) أن ذلك منسوخ بقوله: " ولاتنكح المشركات حتى يؤمن " روى عن ابي عبدالله (ع) انه قال: هو منسوخ بقوله: " ولاتمسكوا بعصم الكوافر " وقوله: " وإذا اتيتموهن اجورهن " يعني مهورهن. وهو عوض الاستمتاع بهن. وهوقول ابن عباس، وجيمع المفسرين.
وقوله: " محصنين غير مسافحين ولامتخذي اخذ ان " نصب على الحال وتقديره أحل لكم المحصنات من الفريقين، وانتم محصنون غير مسافحين، ولامتخذي أخدان يعني اعفاء غير مسافحين بكل فاجرة، وهو الزنا، ولامتخذي اخذ ان يعني اعنا غير مسافحين، ولامتخذي أخدان، ولامتفردين ببغية واحدة، خادنها وخادنته اتخذها لنفسه صديقة يفجربها. وقد بينا معنى الاحصان ووجوهه، ومعنى السفاح والخدن في سورة النساء، فلاوجه لاعادته وبذلك قال ابن عباس وقتادة والحسن.
وقوله: " ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله وهو في الاخرة من الخاسرين " يعني من يجحد ما أمر الله الاقرار به، والتصديق به من توحيد الله، ونبوة نبيه،

(3/444)


تفسير التبيان ج3
والاقرار بما جاء به فقد حبط عمله يعني الاعمال التي يعملها، ويعتقدها قربات إلى الله، فانها تنحبط، ولايستحق عليها ثوابا، بل يستحق عليها العقاب، " وهو في الآخرة من الخاسرين " يعني الهالكين الذين غبنوا نفوسهم حظها من ثواب الله بكفرهم، واستحقاقهم العقاب على جحدهم التوحيد، والاسلام.
وقال قوم: إن قوله: " ومن يكفر بالايمان " عنى به اهل الكتاب، لان قوما تحرجوا من نكاح نساء أهل الكتاب، واكل طعامهم وما بين الله في هذه الآية. ذهب اليه قتادة وابن جريج ومجاهد وابن عباس.
فان قيل ما معنى " ومن يكفر بالايمان " قيل: الايمان هوالاقرار بتوحيد الله، وصفاته، وعدله، والاقرا بالنبي (صلى الله عليه واله) وماجاء به من عند الله. فمن جحد ذلك أو شيئا منه كان كافرا بالايمان. وقد حبط عمله الذي يرجو به الفوز والنجاة. وهو في الاخرة من الخاسرين.
وقال مجاهد: معناه من يكفر بالله.
قال البلخي لايعرف تأويل مجاهد في اللغة.
قوله تعالى: (ياايها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وايديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وارجلكم إلى الكعبين وان كنتم جنبا فاطهروا وان كنتم مرضى او على سفر أو جاء احد منكم من الغائط او لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وايديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون(6))
آية بلاخلاف
[ القراء ة ] قرأ نافع وابن عامر والكسائي وحفص ويعقوب، والاعشى إلا النقار " وارجلكم " - بالنصب - الباقون بالجر وقرأ لمستم بلاالف حمزة والكسائي

(3/445)


تفسير التبيان ج3
وخلف الباقون لامستم بالف هاهنا وفي النساء هذا خطاب للمؤمنين أمرهم الله إذا أرادوا القيام إلى الصلاة، وهم على غير طهر، أن يغسلوا وجوههم، ويفعلوا ما أمرهم الله به فيها. وحذف الارادة، لان في الكلام دلالة عليه، ومثله " فاذا قرأت القران فاستعذ بالله " ومعناه وإذا اردت قراء ة القرآن فاستعذ، وإذا قمت فيهم فاقمت لهم الصلاة ومعناه فاردت أن تقيم لهم الصلاة. ثم اختلفوا هل يجب ذلك كلما أراد القيام إلى الصلاة او بعضها او في اي حال هي؟ فقال قوم: المراد به إذا اراد القيام اليها، وهو على غير طهر. وهو الذي اختاره الطبري والبلخي والجبائي والزجاج وغيرهم. وهو المروي عن ابن عباس، وسعد بن ابي وقاص، وابي موسى الاشعري وأبي العالية، وسعيد بن المسيب وجابر بن عبدالله، وابراهيم والحسن والضحاك، والاسود والسدي، وغيرهم.
وقال آخرون: معناه إذا قمتم من نومكم إلي الصلاة ذهب اليه زيد ابن اسلم والسدي وقال آخرون: المراد به كل حال قيام الانسان إلى الصلاة، فعليه ان يجدد طهر الصلاة. ذهب اليه عكرمة.
وقال: كان علي يتوضأ عند كل صلاة، ويقرأهذه الآية.
وقال ابن سيرين إن الخلفاء كانوا يتوضؤن لكل صلاة، والاول هوالصحيح عندنا.
وما روي عن علي (عليه السلام) في تجديد الوضوء عند كل صلاة محمول على الندب.
وقال قوم: كان الفرض أن يتوضأ لكل صلاة، ثم نسخ ذلك بالتخفيف، وهوالمروي عن ابن عمر انه حدثته أسماء بنت زيد بن الخطاب أن عبدالله بن حنظلة بن ابي عامر الغسيل حدثها أن النبي صلى الله عليه وآله أمر بالوضوء عند كل صلاة، فشق ذلك عليه فأمر بالسواك ورفع عنه الوضوء إلا من حدث، فكان عبدالله يرى أن فرضه عليه، فكان يتوضأ وروى سليمان بن بريدة عن ابيه قال: كان رسول الله (صلى الله عليه واله) يتوضأ لكل صلاة، فلما كان عام الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد.
فقال عمر: يارسول الله صنعت شيئا ما كنت تصنعه ! قال: عمدا فعلته ياعمر.
وقال الحسين بن علي المغربي: معنى إذا قمتم إذا عزمتم عليها وهممتم بها.

(3/446)


تفسير التبيان ج3
قال الراجز للرشيد:
ما قاسم دون الفتى ابن امه
وقد رضيناه فقم فسمه
فقال: يا أعرابي، ما رضيت ان تدعونا إلى عقد الامر له قعودا حتى أمرتنا بالقيام، فقال: قيام عزم لاقيام جسم.
وقال حريم الهمداني:
فحدثت نفسي أنها أو خيالها
اتانا عشاء حين قمنا لنهجعا
أي حين عزمنا للهجوع.
وأقوى الاقوال ما حكيناه أولا من ان الفرض بالوضوء يتوجه إلى من اراد الصلاة وهوعلى غير طهر، فاما من كان متطهرا، فعليه ذلك استحبابا.
وما روي عن النبي صلى الله عليه وآله والصحابة في تجديد الوضوء، فهو محمول على الاستحباب في جميع الاحوال، لاجماع أهل العصر على أن الفرض في الوضوء كان في كل صلاة، ثم نسخ، فعلمنا بذلك أن ما روي من تجديد الوضوء، كان على وجه الاستحباب.
وقال قوم: إن الله (تعالى) أنزل هذه الآية اعلاما للنبي (صلى الله عليه واله) أنه لاوضوء عليه إلا إذا قام إلى الصلاة دون غيرها من الاعمال، لانه كان إذا أحدث امتنع من الاعمال حتى يتوضأ فاباح الله له بهذه الآية أن يفعل ما بداله من الاعمال بعد الحدث إلى عمل الصلاة، توضأ أولم يتوضأ. وأمره بالوضوء للصلاة.
روى ذلك عبدالله بن أبي بكر بن عمروبن حزم عن عبدالله بن علقمة عن ابيه قال: كان رسول الله (صلى الله عليه واله) إذا بال لم يرد جواب السلام حتى يتطهر للصلاة، ثم يجيب حتى نزلت هذه الآية.
وقوله: " فاغسلوا وجوهكم " امر من الله بغسل الوجه واختلفوا في حد الوجه الذي يجب غسله، فحده عندنامن قصاص شعر الرأس إلى محاذي شعر الذقن طولا وما دخل بين الوسطى والابهام عرضا، وما خرج عن ذلك فلا يجب غسله. وما نزل من الشعر عن المحادر، فلايجب غسله.
وقال بعضهم: ما ظهر من بشرة الانسان من قصاص شعر رأسه منحدرا إلى منقطع ذقنه طولا، وما بين الاذنين عرضا. قالوا والاذنان وما بطن من داخل الفم والانف والعين، فليس من الوجه، ولايجب غسل ذلك، ولاغسل شئ منه. واما ما غطاه الشعر كالذقن، والصدغين،

(3/447)


تفسير التبيان ج3
فان امرار الماء على ما علا الشعر عليه يجزي من غسل ما بطن منه من بشرة الوجه، لان الوجه عندهم ما ظهر لعين الناظر من ذلك يقابلها دون غيره. وهذا بعينه مذهبنا. إلا ما خرج عن الابهام والوسطى إلى الاذن، فانه لايجب غسله. ذهب إلى ما حكيناه إبراهيم، ومغيرة والحسن وابن سيرين، وشعبة والزهري وربعية وقتادة، والقاسم بن محمد وابن عباس، وابن عمر.
قال ابن عمر: الاذنان من الرأس.
وبه قال قتادة والحسن، ورواه أبوهريرة عن النبي (صلى الله عليه واله) وقال آخرون: الوجه كل ما دون منابت شعر الرأس إلى منقطع الذقن طولا، ومن الاذن إلى الاذن الاخرى عرضا ما ظهر من ذلك لعين الناظر، وما بطن منه من منابت شعر اللحية، والعارضين، وما كان منه داخل الفم والانف، وما أقبل من الاذنين على الوجه.
وقالوا: يجب غسل جميع ذلك ومن ترك شيئا منه لم تجزه الصلاة.
ذهب اليه ابن عمر في رواية نافع عنه، وابوموسى الاشعري. ومجاهد وعطا والحكم، وسعيد بن جبير وطاووس، وابن شيرين والضحاك، وانس بن مالك وام سلمة، وابوايوب وابوامامة، وعمار بن ياسر وقتادة كلهم قالوا بتخليل اللحية، فاما غسل باطن الفم، فذهب اليه مجاهد، وحماد وقتادة.
واما من قال: ما أقبل من الاذنين يحب غسله، وما أدبر يجب مسحه فالشعبي. وقد بينا مذهبنا في ذلك. والذي يدل على صحة ذلك أن ما قلناه مجمع على انه من الوجه. ومن ادعى الزيادة فعليه الادلة. واستوفينا. ذلك في مسائل الخلاف وتهذيب الاحكام.
وقوله: " وايديكم إلى المرافق " منصوب بالعطف على الوجوه الواجب غسلها. ويجب عندنا غسل الايدي من المرافق، وغسل المرافق معها إلى رؤوس الاصابع، ولا يجوز غسلها من الاصابع إلى المرافق (وإلي) في الآية بمعنى مع كقوله: " تاكلوا اموالهم إلى اموالكم " وقوله: " من انصاري إلى الله " وأراد بذلك (مع) قال امرؤ القيس:
له كفل كالدعص لبده الندى
الي حارك مثل الرتاج المضبب

(3/448)


تفسير التبيان ج3
وقال النابغة الجعدي:
ولوح ذراعين في بركة
إلى جؤجؤ رهل المنكب
اراد مع حارك ومع رهل.
وطعن الزجاج على ذلك فقال: لوكان المراد بالى مع، لوجب غسل اليد إلى الكتف، لتناول الاسم له. وانما المراد بالى الغاية والانتهاء، لكن المرافق يجب غسلها مع اليدين. وهذا الذي ذكره ليس بصحيح، لانالو خلينا وذلك، لقلنا بما قاله. لكن خرجنا بدليل.
ودليلنا على صحة ما قلناه: اجماع الامة على أنه متى بدأمن المرافق كان وضوء ه صحيحا وإذا جعلت غاية ففيه الخلاف. واختلف أهل التأويل في ذلك، فقال مالك بن أنس: يجب غسل اليدين إلى المرفقين، ولايجب غسل المرفقين. وهو قول زفر.
وقال الشافعي: لاأعلم خلافا في ان المرافق يجب غسلها.
وقال الطبري: غسل المرفقين، وما فوقهما مندوب اليه غير واجب.
وانما. اعتبرنا غسل المرافق، لاجماع الامة على أن من غسلهما صحت صلاته. ومن لم يغسلهما، ففيه الخلاف. والمرافق جمع مرفق. وهو المكان الذي يرتفق به، ويتكأ عليه على المرفقة وغيرها.
وقوله: " وامسحوا برؤسكم " اختلفوا في صفة المسح، فقال قوم: يمسح منه ما يقع عليه اسم المسح، وهو مذهبنا. وبه قال ابن عمر، والقاسم بن محمد، وعبد الرحمن بن ابي ليلي، وابراهيم والشعبي وسفيان. واختاره الشافعي واصحابه والطبري. وذهب قوم إلى انه يجب مسح جميع الرأس ذهب اليه مالك.
وقال ابو حنيفة، وابويوسف ومحمد: لايجوز مسح الرأس باقل من ثلاثة أصابع. وعنه روايتان فيهما خلاف، ذكرناهما في الخلاف. وعندنا لايجوز المسح إلا على مقدم الرأس. وهوالمروي عن ابن عمر والقاسم بن محمد، واختاره الطبري. ولم يعتبر احد من الفقهاء ذلك.
وقالوا: أي موضع مسح أجزاه وإنما اعتبرنا المسح ببعض الرأس، لدخول الباء الموجبة، للتبعيض لان دخولها في الموضع الذي يتعدى الفعل فيه بنفسه لاوجه له غير التبعض وإلاكان لغوا. وحملها على الزيادة لايجوز مع

(3/449)


تفسير التبيان ج3
إمكان حملها على فائدة مجددة، فان قيل: يلزم على ذلك المسح ببعض الوجه في التيمم قلنا كذلك نقول، لانانقول بمسح الوجه من قصاص الشعر إلى طرف الانف ومن غسل الرأس، فانه لايجزيه عن المسح عندنا وخالف جميع الفقهاء في ذلك، وقالوا يجزيه لانه يشتمل عليه. وهذا غير صحيح، لان حد المسح هو إمرار العضو الذي فيه نداوة على العضو الممسوح من غير أن يجري عليه الماء. والغسل لايكون الا بجريان الماء عليه، فمعناهما مختلف، وليس إذا دخل المسح في الغسل يسمى الغسل مسحا، كما أن العمامة لاتسمى خرقة، وان كانت تشتمل على خرق كثيرة.
وقوله: " وارجلكم إلى الكعبين " عطف على الرؤوس فمن قرأ بالجر ذهب إلى انه يجب مسحهما كما وجب مسح الرأس، ومن نصبهما ذهب إلى انه معطوف على موضع الرؤوس، لان موضعها نصب لوقوع المسح عليها، وانماجر الرؤوس لدخول الباء الموجبة للتعبيض على ما بيناه فالقراء تان جميعا تفيدان المسح على مانذهب اليه. وممن قال بالمسح ابن عباس والحسن البصري وابوعلى الجبائي ومحمد بن جرير الطبري، وغيرهم ممن ذكرناهم في الخلاف، غير أنهم أوجبوا الجمع بين المسح والغسل المسح بالكتاب، والغسل بالسنة وخيرة الطبري في ذلك. وأوجبوا كلهم استيعاب جميع الرجل ظاهرا وباطنا. وعندنا أن المسح على ظاهرهما من رؤوس الاصابع إلى الكعبين. وهما الناتئان في وسط القدم على ما استدل عليه.
وقال عكرمة عن ابن عباس: الرضوء غسلتان ومسحتان.
وبه قال أنس بن مالك.
وقال عكرمة ليس على الرجلين غسل إنما فيهما المسح.
وبه قال الشعبي: ألا ترى أن التيمم يمسح ماكان غسلا ويلغي ما كان مسحا.
وقال قتادة افترض الله مسحتين وغسلتين.
روى أوس ابن أبي أوس قال: رأيت النبي (صلى الله عليه وآله) توضأ ومسح على نعليه، ثم قام فصلي.
وروى حذيفة قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وآله سباطة قوم، فبال عليها فائما، ثم دعا بماء، فتوضأومسح على نعليه.
وروى حبة الغربي قال: رأيت علي ابن ابي طالب (عليه السلام) شرب في الرحبة قائما، ثم توضأ ومسح علي نعليه.
وروي عن ابن عباس أنه وصف وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فمسح على رجليه.

(3/450)


تفسير التبيان ج3
وعنه أنه قال: إن كتاب الله المسح ويأبى الناس الا الغسل.
وعن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أنه قال ما نزل القرآن إلا بالمسح.
فان قيل: القراء ة بالجر ليست على العطف على الرؤوس في المعنى. وانما عطف عليها على طريق المجاورة، كما قالوا: حجر ضب خرب، وخرب، من صفات الحجر لا الضب وكما قال الشاعر:
كان بثيرا في عرانين وبله
كبير اناس في بجاد مزمل
والمزمل من صفة الكبير لاالبجاد.
وقال الاعشى:
لقد كان في حول ثواء ثويته
تقضى لبانات ويسام سائم
قلنا: هذا لايجوز من وجوه: احدها - ما قال الزجاج أن الاعراب بالمجاورة، لايجوز في القرآن، وانما يجوز ذلك في ضرورة الكلام والشعر.
والثاني - أن الاعراب بالمجاورة لايكون مع حرف العطف فاما قول الشاعر:
فهل انت ان ماتت اتانك راحل
إلى آل بسطام بن قيس فخاطب
قالوا: جر مع حرف العطف الذي هوالفاء، فانه يمكن أن يكون أراد الرفع وانما جر الراوي وهما. ويكون عطفا على راحل يكون قد أقوى لان القصيدة مجرورة. وقال قوم: أراد بذلك الامر وإنما جر لاطلاق الشعر.
والثالث - أن الاعراب بالمجاورة إنما يجوز مع ارتفاع اللبس. فاما مع حصول اللبس، فلايجوز، ولايشتبه على احد أن خرب من صفة حجر، لاالضب.
وكذلك قوله: مزمل من صفة الكبير لاالبجاد. وليس كذلك في الآية، لان الارجل يمكن أن تكون ممسوحة ومغسولة، فاما قول الشاعر: ثواء ثويته، فانما جره بالبدل من الحول والمعنى لقد كان في ثواء ثويته تقضى لبانات. وهو من بدل الاشتمال، كقوله: " قتل اصحاب الاخدود النار ".
وقول الشاعر:
لم يبق الا اسير غير منفلت
وموثق في عقال الاسر مكبول
فليس خفض موثق على المجاورة، لان معنى البيت لم يبق غير اسير قالا بمعنى غير وهي تعاقبها في الاستثناء.

(3/451)


تفسير التبيان ج3
فقوله غير موثق عطف المعنى على موضع اسير. وتقديره لم يبق غيراسير وغير منفلت.
واما قوله: " وحورعين " في قراء ة من جرهما، فليس بمجرور على المجاورة، بل يحتمل امرين: احدهما - أن يكون عطفا على قوله: " يطوف عليهم ولدان مخلدون باكواب واباريق وكأس من معين " إلى قوله: " وحورعين " عطف على اكواب. وقولهم: انه لايطاف إلا بالكاس غير مسلم، بل لايمتنع أن يطاف بالحور العين كما يطاف بالكاس وقدذكر في جملة ما يطاف به الفاكهة واللحم.
والثاني - أنه لما قال: " اولئك المقربون في جنات النعيم " عطف بحورعين على جنات النعيم فكانه قال: هم في جنات النعيم. وفي مقاربة أو معاشرة حورعين. ذكره أبوعلي الفارسي، فاما من قال: الرجلان ممسوحان ويراد بالمسح الغسل، فقوله: يبطل بما قلناه من أن المسح غير الغسل. واستشهادهم بقولهم: تمسحت للصلاة وأنهم سموا الغسل مسحا.
وقوله: " فطفق مسحا بالسوق والاعناق "، وانه أراد غسلها باطل بما قدمناه، ولانه لوكان ذلك محتملا لغة، لما احتمل شرعا، لان الشرع فرق بين الغسل والمسح، ولذلك قالوا بعض اعضاء الطهارة مغسولة، وبعضها ممسوحة. وفلان يرى غسل الرجلين، وفلان يرى مسحهما، ولانه لاخلاف أن الرأس ممسوح مسحا ليس بغسل، فلا بد ان يكون حكم الرجلين حكمه، لكونهما معطوفتين عليه، وقولهم: تمسحت للصلاة، فلانهم لما أرادوا أن يخبروا بلفظ مختصر عن جميع أفعال الصلاة، لم يخز أن يقولوا اغتسلت للصلاة، لان في الطهارة ما ليس بغسل. واستطالوا أن يقولوا أغتسلت وتمسحت للصلاة قالوا: بدلا من ذلك تمسحت توسعا، ومجازا.
وقوله: " فطفق مسحا بالسوق " فاكثر المفسرين على ان المراد به فطفق ضربا. ذهب اليه الفراء وأبوعبيدة.
وقال آخرون: أراد المسح في الحقيقة، وأنه كان مسح أعراقها وسوقها. وانما حمل على الغسل شاذمنهم ومن قال القراء ة تقتضي المسح غير أنه المسح على الخفين، فقوله باطل، لان الخف

(3/452)


تفسير التبيان ج3
لايسمى رجلا في لغة ولاشرع. والله (تعالى) أمر بايقاع الفرض علي ما يسمى رجلا في الحقيقة. واما لقراء ة بالنصب، فقد بينا أنها معطوفة علي موضع الرؤوس لان موضعها النصب، والحكم فيها المسح والعطف على الموضع جائز، لانهم يقولون: لست بقائم ولاقاعدا. ويقولون حسبت بصدره وصدر زيد وان زيدا في الدار وعمرو، فيرفع عمرو بالعطف على الموضع.
وقال الشاعر:
معاوي اننا بشر فاسجح
فلسنا بالجبال ولا الحديدا
وقال اخر:
هل انت باعث دينار لحاجتنا
او عبد رب اخاعون بن مخراق
وانما نصب عبد رب، لان التقدير باعث دينارا، فحمله على الموضع، وقد سوغوا العطف على المعنى، وان كان اللفظ لايقتضيه قال الشاعر:
جئني بمثل بني عمرو لقومهم
أو مثل اسرة منظور بن سبار
لما كان معنى جئني هات مثلهم، أو اعطني مثلهم.
قال: أو مثل بالنصب عطفا على المعنى، وعطف الارجل على الايدي لايجوز، لان الكلام متى حصل فيه عاملان: قريب وبعيد لا يجوز إعمال البعيد دون القريب مع صحة حمله، عليه. لايجوز أن يقول القائل: ضربت زيدا وعمرا وأكرمت خالدا وبكرا. ويريد بنصب بكر العطف على زيد أو عمرو المضروبين، لان ذلك خروج عن فصاحة الكلام، ودخول في معنى اللغو وبمثل ما قلناه ورد القران واكثر الشعر قال الله تعالى: " وانهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله احدا " ولو اعمل الاول، لقال: كما ظنتموه.
وقال " آتوني افرغ عليه قطرا " ولو أعمل الاول، لقال أفرغه.
وقال: " هاؤم اقرأوا كتابيه " ولو اعمل الاول لقال: هاؤم اقرأوه.
وقال الشاعر:
قضى كل ذي دين فوفى غريمه
وعزة ممطول معنى غريمها
ولو أعمل الاول، لقال: فوفاه غريمه.
فاما قول أمرئ القيس:
فلوانما أسعى لادنى معيشة
كفاني ولم اطلب قليل من المال

(3/453)


تفسير التبيان ج3
فانما أعمل الاول للضرورة، لانه لم يجعل القليل مطلوبا وانما كان المطلوب عنده الملك. وجعل القليل كافيا. ولولم يرد هذا ونصب، لفسد المعنى. فاما من نصب بتقدير واغسلوا أرجلكم، كما قالوا: متقلدا سيفا ورمحا وعلفها تبنا وماء باردا فقد اخطأ، لان ذلك إنما يجوز إذا استحال حمله على اللفظ. فاما إذا جاز حمله علي ما في اللفظ، فلايجوز هذا التقدير.
ومن قال يجب غسل الرجلين، لانها محدودتان كاليدين، فقوله ليس بصحيح، لانا لانسلم ان العلة في كون اليدين مغسولتين كونهما محدودتين. وانما وجب غسلهما، لانهما عطفا على عضو مغسول. وهوالوجه. فكذلك إذا عطف الرجلين على ممسوح هوالرأس، وجب أن يكونا ممسوحين. والكعبان عندنا هما الناتئان في وسط القدم.
وبه قال محمد بن الحسن وإن أوجب الغسل.
وقال اكثر المفسرين والفقهاء: الكعبان هما عظما الساقين يدل على ماقلناه أنه لو أراد ما قالوا، لقال إلى الكعاب، لان في الرجلين منها أربعة.
وايضا فكل من قال: يجب مسح الرجلين، ولايجوز الغسل قال الكعب هوما قلناه، لان من خالف في أن الكعب ما قلناه على قولين: قائل يقول بوجوب الغسل، وآخر يقول يالتخيير.
قال الزجاج: كل مفصل للعظام فهو كعب.
وفي الآية دلالة على وجوب الترتيب في الوضوء من وجهين: احدهما - ان الواو يوجب الترتيب لغة على قول الفراء وأبي عبيد وشرعا على قول كثير من الفقهاء، ولقوله (عليه السلام): ابدأوا بما بدأ الله به. والثاني - ان الله أوجب على من يريد القيام إلى الصلاة إذاكان محدثا أن يغسل وجهه أولا، لقوله: " إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا " والفاء توجب التعقيب والترتيب بلاخلاف، فاذا ثبت أن البداء ة بالوجه هوالواجب، ثبت في باقي الاعضاء، لان أحدا لايفرق ويقويه قوله (عليه السلام) للاعرابي - حين علمه الوضوء، فقال: هذا وضوء لايقبل الله الصلاة إلابه، فان كان رتب فقد بين انه الواجب الذى لايقبل الله الصلاة إلا به، وان لم يرتب لزم أن يكون من رتب، لايجزيه وقد اجتمعت الامة على خلافه.

(3/454)


تفسير التبيان ج3
وفي الآية دلالة على أن من مسح على العمامة أو الخفين لايجزيه، لان العمامة لاتسمى رأسا. والخف لايسمى رجلا كمالا يسمى البرقع وما يستر اليدين وجهاولا يدا. وما روي من المسح على الخفين أخبار احاد لايترك لها ظاهر القرآن. على أنه روي عن علي (عليه السلام) أنه قال: نسخ ذلك بهذه الآية وكذلك قال لمن قال: اقبل المائدة أو بعدها. وفي الآية دلالة على وجوب النية في الوضوء، لانه قال: إذاقمتم إلى الصلاة فاغسلوا. وتقديره فاغسلوا للصلاة كما يقول القائل: إذا أردت لقاء عدوك، فخذ سلاحك بمعنى فخذ سلاحك للقائه ولا يمكن أن يكون غاسلا هذه الاعضاء للصلاة إلا بنية.
وقوله: ". ان كنتم جنبا فاطهروا " معناه وإن أصابتكم جنابة وأردتم القيام إلى الصلاة فاطهروا بالاغتسال. والجنابة تكون بشيئين: احدهما - بانزال الماء الدافق في النوم أو اليقظة. وعلى كل حال بشهوة كان أو بغير شهوة. والآخر - بالتقاء الختانتين وحده غيبوبة الحشفة أنزل أو لم ينزل، والجنب يقع على الواحد والجماعة والاثنين، والمذكر والمؤنث مثل رجل عدل، وقوم عدل، ورجل زور وقوم زور، ونحو ذلك وهوبمنزلة المصدر قال الزجاج: تقديره ذو جنب.
ويقال أجنب الرجل وجنب واجتنب والفعل الجنابة وقدحكي في جمعه أجناب والاول أظهر.
واصل الجنابة البعد قال علقمة:
فلا تحرمني نائلا عن جنابة
فاني امرؤ وسط القباب غريب
وقوله: " وان كنتم مرضى او على سفر أو جاء احدمنكم من الغائط او لامستم النساء " معناه وان كنتم مرضى يعني ان كنتم جرحى أو مجدرين أو مرضى يضربكم استعمال الماء وكنتم جنبا أو على غير وضوء قدبينا ذلك في سورة النساء وقوله: " أو على سفر " معناه وإن كنتم مسافرين وأنتم جنبا وجاء أحد منكم من الغائط معناه أو جاء أحد منكم من الغائط قدقضى حاجته فيه، وهو مسافر أو لامستم النساء معناه أو جامعتم النساء، وانتم مسافرون. وقد بينا اختلاف الفقهاء في اللمس، وبينا أصح الاقوال في ذلك، فلاوجه لاعادته، فان قيل: ما معنى

(3/455)


تفسير التبيان ج3
تكرير قوله: لامستم النساء إن كان معنى اللمس الجماع مع انه قد تقدم ذكر الواجب عليه لقوله: " وان كنتم جنبا فاطهروا " قلنا وجه ذلك أن المعني في قوله: " وان كنتم جنبا " غير المعني الذي الزمه الله بقوله: او لامستم النساء، لانه (تعالى) بين الحكم بقوله: " وان كنتم جنبا فاطهروا " معناه إذا كنتم واجدين للماء ممكنين لاستعماله، ثم بين حكمه إذا عدم الماء، أو لايتمكن من استعماله أو هو مسافر غير مريض مقيم، فاعلمه أن التيمم هو فرضه، وهو طهارته. وقد بينا حكم التيمم ومعناه وكيفيته فيما مضى.
وقوله: " فلم تجدواماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وايديكم منه " قد بينا جميع ذلك فيما مضى.
جملته أنه يقول: أيها المؤمنون إذا قمتم إلى الصلاة، وانتم على غير طهر، ولم تجدوا ماء، ولاتتمكنون من استعماله، فاقصدوا وجه الارض طاهرا نظيفا غير نجس، ولاقذر " فامسحوا بوجوهكم وايديكم منه " يعني مما يعلق بايديكم منه يعني من الصعيد وقد بينا كيفية التيمم، وأنه من قصاص الشعر إلى طرف الانف، ومن الزند الي اطراف الاصابع في اليدين. وقد بينا اختلاف المفسرين والفقهاء في ذلك، فلا معنى لاعادته.
وقوله: " ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج " معناه ما يريد الله مما فرض عليكم من الوضوء إذا قمتم إلى الصلاة والغسل من الجنابة والتيمم صعيدا طيبا عند عدم الماء أو تعذر استعماله، ليلزمكم في دينكم من ضيق، ولالتفتنكم فيه، وهوقول علي (عليه السلام) ومجاهد وجميع المفسرين.
وقوله: " ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون " معناه لكن يريد الله ليطهركم بما فرض عليكم من الوضوء والغسل من الاحداث والجنابة أن ينظف بذلك اجسامكم من الذنوب. واللام في قوله: " ليطهركم " دخلت لتبيين الارادة والمعنى ارادته لتطهيركم كما قال الشاعر:
اريد لانسى ذكرها فكانما
تمثل لي ليلى بكل سبيل
روي ما قلناه عن قتادة عن شهربن حوشب عن أبي امامة ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: إن الوضوء يكفر ما قبله وقوله: " وليتم نعمته

(3/456)


تفسير التبيان ج3
عليكم " معناه ويريد الله مع تطهيركم من ذنوبكم بطاعتكم اياه فيما فرض عليكم من الوضوء والغسل إذا قمتم إلى الصلاة مع وجود الماء، والتيمم مع عدمه، أن يتم نعمته باباحته لكم التيمم، وتصييره لكم الصعيد الطيب طهورا رخصة منه لكم في ذلك مع سوابغ نعمه التي أنتم بها عليكم " لعلكم تشكرون " معناه ولتشكروا الله على نعمه التي أنعم بها عليكم بطاعتكم اياه فيما امركم به ونهاكم عنه.
قوله تعالى: (واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا واطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور(7))
آية بلاخلاف.
في هذه الآية اذكار بنعم الله تعالى عليهم برسوله (صلى الله عليه واله) وميثاقه الذي واثقهم به عندما ضمنوا لرسول الله صلى الله عليه وآله السمع والطاعة، ثم حذرهم ان ينقضوا ذلك بقلوبهم، واعلمهم أنه عليم بذات الصدور. والميثاق الذي واثقهم به قال البلخي: والجبائي هوما أخذ عليهم رسول الله (صلى الله عليه واله) عند اسلامهم وبيعتهم بأن يطيعوا الله في كل ما يفرضه عليهم مما ساء هم أو سرهم.
قال الجبائي: هو مبايعتهم له ليلة العقبة وبيعة الرضوان وهوقول ابن عباس وقال اخرون: هوما اخذه عليهم حين أخرجهم من صلب آدم (ع) واشهدهم على انفسهم الست بربكم؟ قالوا: بلى. ذهب اليه مجاهد. والصحيح قول ابن عباس لامرين: احدهما - ان الخبر مروي في أخذ الميثاق على من استخرج من صلب ادم (ع) ضعيف تحيله العقول. والثاني - أن الله (تعالى) ذكر بعقب تذكيره المؤمنين ميثاقه الذي واثق به اهل التوراة بعدما أنزل كتابه على نبيه موسى (ع) فيما أمرهم به ونهاهم عنه،

(3/457)


تفسير التبيان ج3
فقال: " ولقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا " الايات بعدها منبها بذلك أصحاب رسول الله محمد (صلى الله عليه واله) على مواضع حظوظهم من الوفاء لله بما عاهدهم عليه وتعريفهم سوء عاقبة هل الكتاب في تضييعهم من الوفاء لله بما عاهدهم عليه وما ضيعوا من ميثاقه الذي واثقهم به في أمره ونهيه زاجرا لهم عن نكث عهده لئلا يحل بهم ما حل بمن تقدم من الناكثين عهده من اهل الكتاب.
وقال ابوالجارود عن ابى جعفر (ع) - الميثاق هوما بين لهم في حجة الوداع من تحريم كل مسكر وكيفية الوضوء على ما ذكره الله وغير ذلك ونصب امير المؤمنين (عليه السلام) اماما للخلق وهذا داخل فيما حكيناه عن ابن عباس إذ هو بعض ما أمر الله به.
قوله تعالى: (ياايها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ان لاتعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى واتقوا الله ان الله خبير بما تعملون(8))
آية بلاخلاف.
هذا خطاب للمؤمنين امرهم الله تعالى ان يكونوا قوامين بالقسط أي قائمين بالعدل يقومون به، ويدومون عليه شهدا. لله أي مبينون عن دين الله، لان الشاهد يبين ما شهدعليه. و " قوامين " نصب بانه خبر كان (شهداء) نصب على الحال.
وقوله: " ولايجرمنكم " قد فسرناه فيما مضى. قال الكسائي: وابوعبيدة معناه لايحملنكم بغض قوم على الا تعدلوا يقال: جرمني فلان على أن فعلت كذا أي حملني عليه وقال الفراء يجرمنكم يكسبنكم يقال: جرمت على أهلي أي كسبتهم. وفلان جريمة أهله أي كاسبهم قال الكسائي: وفيه لغتان جرمت اجرم جرما وأجرمت اجرم أجراما. وشنآن قال الكسائي: معناه البغض وفيه لغتان: فتح

(3/458)


تفسير التبيان ج3
النون الاولى وجزمها. وقد بينا اختلاف القراء فيه.
قال الزجاج: من حرك النون اراد بغض قوم. ومن سكن اراد بغيض قوم. وحكى ايضا جرم واجرم لغتين وقيل اجرمته ادخلته في الجرم كما قيل أثمته ومعناه ادخلته في الاثم والمعنى لايحملنكم شنآن قوم اي بغض قوم ألا تعدلوا في حكمكم فيهم، وسيرتكم بينهم، فتجوروا عليهم.
وقال عبدالله بن كثير: نزلت هذه الآية في يهود حين مضى النبي صلى الله عليه وآله إلى حصن بني قريظة يستعينهم في دية فهموا أن يقتلوه، فنزلت هذه الآية، ثم أمرهم بعدالنبي عن الجور أن يفعلوا العدل مع كل أحد وليا كان أو عدوا، فان فعل العدل أقرب لكم أيها المؤمنون إلى التقوى، ثم حذرهم تعالى فقال " واتقوا الله " أي خافوا عقابه باجتناب معاصيه وفعل طاعاته، فان الله خبير أي عالم باعمالكم والكناية في قوله: " هو أقرب للتقوى " كناية عن العدل أي العدل أقرب للتقوى، ولولم يكن هو في الكلام، لكان أقرب نصبا، كما قال: انتهوا خيرالكم وكنى عن الفعل في هذا الموضع بهو.
قوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة واجر عظيم(9))
آية بلاخلاف.
وعد الله تعالى في هذه الآية الذين صدقوا بوحدانية الله واقروا بنبوة نبيه محمد (صلى الله عليه واله) وعملوا الصالحات ان لهم مغفرة او وعدهم مغفرة ووقعت الجملة موقع المفرد كما قال الشاعر:
وجدنا الصالحين لهم جزاء
وجنات وعينا سلسبيلا
وتكون الجملة التي هي لهم مغفرة في موضع النصب، ولذلك عطف في البيت وعينا، فنصب على الموضع، ويحتمل ان يكون موضع (لهم مغفرة) في موضع الرفع، ويكون الموعود به محذوفا، ويكون التقدير لهم مغفرة وأجر عظيم فيما

(3/459)


تفسير التبيان ج3
وعدهم أولهم مغفرة وأجر عظيم هو الجنة. وهو معنى قول الحسن والجبائي والوعد، هوالخبر الذي يتضمن النفع من المخبر.
والوعيد: هوالخبر الذي يتضمن الضرر من المخبر.
وتقول: وعدته خيرا وأوعدته شرا والا يعاد مطلقا يكون في الشر.
والوعد مطلقا في الخير، فاذا قيدته بذكر الخير او الشر، قلت فيهما معا وعدته وأوعدته معا فيما حكاه الزجاج.
والمغفرة اصلها التغطية ومعناها تكفير السيئة.
والتكفير ايضا: التغطية ومنه تكفر في السلاح: اذا تغطى به قال لبيد: في ليلة كفرالنجوم غمامها والاجر المذكور في الآية هوالثواب الذي وعد الله المؤمنين به على فعلهم الطاعات.
والفرق بين الثواب والاجر في العرف أن الثواب هوالجزاء على الطاعات.
والاجر قد يكون مثل ذلك وقد يكون في المعنى المعاوضة على المنافع بمعنى الاجر.
الآية: 10 - 19
قوله تعالى: (والذين كفروا وكذبوا باياتنا اولئك اصحاب الجحيم(10))
آية.
قوله: " والذين كفروا " معناه جحدوا توحيد الله، وصفاته وعدله، وانكروا نبوة نبيه، والاعتراف بما جاء به من عند الله، وكذبوا بآيات الله أخبر الله عنهم أنهم اصحاب الجحيم. وجحيم اسم من اسماء جهنم، فعلى هذا قوله، " والذين " في موضع رفع على الابتداء " وكفروا " في صلة الذين وكذبوا باياتنا عطف على ما في الصلة.
وقوله: اولئك اصحاب الجحيم جملة في موضع خبر الذين. وحدالكفر عندنا كل معصية يستحق بها عقاب دائم، لان ما ليس بكفر من المعاصي لايستحق عليه إلا عقاب منقطع، ثم ينقسم قسمين فان كان كفرردة، تعلقت عليه أحكام من منع الموارثة من المسلم والصلاة عليه، والدفن في مقابر المسلمين، وغير ذلك. وان كان كافر ملة بأن يكون مظهرا للشهادتين لم يجر عليه شئ من هذه الاحكام.

(3/460)


تفسير التبيان ج3
وقال قوم: إن الكفر أعظم الاجرام، لانه جحد انعم الله، ونعمته أعظم النعم، ويستحق عليها أعظم الشكر، فيجب أن يكون كفرها وجحدها أعظم الاجرام والمكذب بآيات الله، وان يعلمها ايات، فهوكافر إذا كان له سبيل إلى معرفتها. ومعنى أصحاب الجحيم أنهم يخلدون في النار، لان المصاحبة تقتضي الملازمة كما يقال اصحاب الصحراء بمعنى الملازمين لها.
قوله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم اذهم قوم أن يبسطوا اليكم أيديهم فكف ايديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون(11))
آية بلاخلاف.
هذا خطاب للمؤمنين ذكرهم الله نعمته عليهم حين هم قوم أن يبسطوا اليهم أيديهم. واختلفوا في الباسطين أيديهم على خمسة اقوال: فقال مجاهد وقتادة وابومالك: هم اليهود هموا بأن يقتلوا النبي صلى الله عليه وآله لما مضى إلى بني قريظة يستعين بهم على دية مقتولين من بني كلاب بعد بئر معونة كانا وفدا على النبي (صلى الله عليه واله) فلقيهما عمروبن أمية الضمري فقال: أمسلمين؟ فقالا: بل رافدين، فقتلهما، فقال له النبي صلى الله عليه وآله قتلت قتيلين قبل أن يبلغا الماء والله لادينهما. ومضى إلى يهودبني قريظة يستعين بهم.
وقيل: كان يستقرض لاجل الدية لانه كل يحملها، فهمت بنو قريظة بالفتك به وبقتله، فأعلم الله تعالى النبي صلى الله عليه وآله ذلك فانصرف عنهم.
وقال الحسن: إنما بعثت قريش رجلا ليفتك بالنبي (صلى الله عليه واله) فاطلع الله نبيه على امره ومنعه الله منه، لانه دخل على النبي صلى الله عليه وآله وسيفه مسلول فقال له: أرنيه فاعطاه اياه، فلما حصل في يده قال: ماالذي يمنعني من قتلك؟ فقال النبي (صلى الله عليه واله) الله يمنعك فرمى بالسيف وأسلم. واسم الرجل عمرو بن وهب الجمحي بعثه صفوان بن أمية ليغتاله (صلى الله عليه واله) بعد بدر،

(3/461)


تفسير التبيان ج3
فاعلمه الله ذلك. وكان ذلك سبب إسلام عمرو بن وهب.
وقال الواقدي. غزا رسول الله صلى الله عليه وآله جمعامن بني ذبيان ومحارب بذي أمر فتحصنوا برؤوس الجبال، ونزل رسول الله صلى الله عليه وآله بحيث يراهم، فذهب لحاجته فاصابه مطرفبل ثوبه، فنشره على شجرة واضطجع تحته بعيدا من أصحابه، والاعراب ينظرون اليه فاخبروا سيدهم دعشور بن الحارث المحاربي فجاء حتى وقف على رأسه بالسيف مشهورا، فقال: يامحمد صلى الله عليه وآله من يمنعك منى اليوم؟ فقال: الله ودفع جبرائيل في صدره وقع السيف من يده، فاخذه رسول الله صلى الله عليه وآله، وقام على رأسه وقال: من يمنعك مني اليوم؟ فقال: لااحد وانا اشهد ان لااله إلا الله، وان محمدارسول الله صلى الله عليه وآله فنزلت الآية.
وقال ابوعلي الجبائي المعني بذلك ما لطف الله (تعالى) المسلمين من كف أعدائهم عنهم حين هموا باستئصالهم باشياء شغلهم بها من الامراض والقحط، وموت الاكابر، وهلاك المواشي وغير ذلك من الاسباب التي انصرفوا عندها عن قتل المؤمنين: وقال ابن عباس. كانت اليهود دعوا رسول الله صلى الله عليه وآله إلى طعام لهم، وعزموا على الفتك به، فاعلم الله ذلك نبيه صلى الله عليه وآله فلم يحضر.
وقال اخرون: نزلت الآية فيما عزم المشركون على الايقاع بالنبي صلى الله عليه وآله وأصحابه يوم بطن النخلة إذا دخلوا في الصلاة، فاعلمه الله ذلك، فصلى بهم صلاة الخوف. وانما جعل الله تخليص النبي مما هموا به نعمة على المؤمنين من حيث كان إمامهم وسيدهم، وكان مبعوثا اليهم بما فيه مصالحهم، فمقامه بينهم نعمة على المؤمنين، فلذلك اعتد به عليهم.
وقال قوم: هو مردود على قوله: " اليوم يئس الذين كفروا من دينكم " ومعناه جملة الظفر.
[ اللغة ]: والذكر هو حضور المعنى للنفس يقال: ذكر يذكر ذكرا.
واذكره إدكارا وتذا كروا تذاكرا. وذاكره مذاكرة. وذكره تذكيرا.
واستذكر استذكارا واذكر اذكارا.
وقد يستعمل الذكر بمعنى القول، لان من شأنه أن تذكر به المعنى.

(3/462)


تفسير التبيان ج3
والتذكر هو طلب المعني لاطلب القول.
والفرق بين الذكر والعلم ان الذكر ضده الجهل.
وقد يجمع الذكر للشئ والجهل به من وجه واحد.
ومحال ان يجتمع العلم به والجهل به من وجه واحد والفرق بين الذكر والخاطر أن الخاطر مرور المعنى على القلب.
والذكر حصول المعنى في النفس وايضا الذكر يجري على نقيض النسيان، لانه يستعمل بعدما نسيه. وليس كذلك الخاطر. والهم بالامر هو حديث النفس بفعله.
يقال: هم بالامريهم هما. ومنه الهم. وهو الفكر الذي يغم. وجمعه هموم واهتم اهتماما.
وأهمه الامر إذاعني به، فحدث نفسه به والفرق بين الهم بالشئ والقصد اليه انه قد يهم بالشئ قبل أن يريده ويقصده بان يحدث نفسه به وهو مع ذلك مميل في فعله ثم يعزم اليه ويقصد اليه.
قوله تعالى: (ولقد اخذ الله ميثاق بنى اسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله انى معكم لئن اقمتم الصلاة واتيتمم الزكوة وامنتم برسلى وعززتموهم واقرضتم الله قرضا حسنا لاكفرن عنكم سيئاتكم ولادخلنكم جنات تجري من تحتها الانهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سوآء السبيل(12))
آية بلا خلاف.
الميثاق: اليمين المؤكدة، لانه يستوثق بها من الامر، فاخذالله ميثاقهم باخلاص العبادة له، والايمان برسله. وما يأتون به من شرايع دينه.
وقوله: " بعثنا منهم اثني عشر نقيبا " فالنقيب فيه أربعة أقوال: قال الحسن " هو الضمين وقال الربيع: هوالامين.
وقال قتادة: هوالشهيد على قومه.
وقال قوم: هوالرئيس من العرفاء.
[ اللغة ]: واصل النقيب في اللغة النقب وهوالثقب الواسع.
وقال ابومسلم: هو فعيل بمعنى مفعول كانه اختير ونقر عليه، فقيل نقيب، لانه ينقب عن احوال

(3/463)


تفسير التبيان ج3
القوم، كما ينقب عن الاسرار. ومنه نقاب المرأة.
ومنه المناقب وهي الفضائل. والنقب: الطريق في الجبل.
ويقال نقب الرجل على القوم ينقب نقبا: إذا صار نقيبا.
ونكب عليهم ينكب نكابة: إذا صار منكبا. وهوعون العريف. وقد نقب نقابة.
والنقبة سراويل بغير رجلين لاتساع نقبه تلبسة المرأة.
وأول الجرب النقبة وجمعها النقب.
والنقب قال الشاعر:
متبذلا تبدو محاسنه
يضع الهاء مواضع النقب
ويقال: كلب نقيب إذا نقب حنجرته، لئلا يرتفع صوته في نباحه يفعل ذلك البخلاء، لئلا يطرقهم ضيف بسماع نباح الكلاب.
ومنه نقبت الحائط: إذا بلغت في النقب آخره.
وفي معنى قوله: " اثني عشر نقيبا " قولان: احدهما - قال الحسن والجبائي: أنه اخذمن كل سبط منهم ضمينا بما عقد عليهم بالميثاق من امر دينهم. الثاني - قال مجاهد والسدي: إنهم بعثوا إلى الجبارين، ليقفوا على آثارهم ويرجعوا بذلك إلى موسى، فرجعوا ينهون قومهم عن قتالهم لمارأوا من شدة بأسهم، وعظم خلقهم إلى اثنين منهم. وقال البلخي: يجوز أن يكون النقباء رسلا ويجوز ان يكونوا قادة.
وقوله: " بعثنا " لايدل على أنهم رسل، كما اذا قال القائل: الخليفة بعث الامير أو القضاة لايفيد أنهم رسل، بل يفيدأنه ولاهم وقلدهم. والغرض بذلك إعلام النبي صلى الله عليه وآله أن هؤلاء الذين هموا بقتل النبي صلى الله عليه وآله صفاتهم وأخلاقهم أخلاق أسلافهم الغدر، ونقض العهد.
وقوله: " وقال الله اني معكم " معناه ناصركم على عدوكم وعدوي الذي أمرتكم بقتالهم إن قاتلتموهم، ووفيتم بعهدي وميثاقي الذي أخذته عليكم. وفي الكلام حذف، وتقديره وقال الله: إني معكم. وإنما حذف استغناء بقوله: " ولقد اخذ الله ميثاق بني اسرائيل " ثم ابتدأ تعالى قسما، لئن أقمتم الصلاة معشر بني إسرائيل

(3/464)


تفسير التبيان ج3
" وآتيتم الزكاة " أي اعطيتموها " وآمنتم برسلي " معناه وصدقتم بما اتاكم به رسلي من شرائع ديني وقال الربيع بن أنس: هذا الخطاب من الله للنقباء وقال غيره: هوخطاب لبني اسرائيل.
والتقديران موسى (ع) قال لهم عن الله تعالى: إن الله ناصركم على عدوكم ما اقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي " وعزز تموهم " قيل معناه قولان: احدهما - قال مجاهد والسدي: معناه نصرتموهم وهو اختيار الزجاج. الثاني - قال عبدالرحمن بن زيد: معناه ونصرتموهم وأطعتموهم. وبه قال أبو عبيدة.
والعزز - في اللغة -: الرد والمنع في قول الفراء تقول: عزرت فلانا: إذا أدبته، وفعلت به ما يردعه عن القبيح. وقال تعالى: " وتعزروه وتوقروه " ومعناه تنصروه. وإلا كان تكرارا.
وهواختيار الطبري وأنشد أبوعبيدة في التعزير بمعنى التوقير قول الشاعر:
وكم من ما جدلهم كريم
ومن ليث يعزر في الندي(1)
أي يعظم. وهوقول أبي علي.
وقوله: " واقرضتم الله قرضا حسنا " معناه وانفقتم في سبيل الله، وجهاد عدوه وعدوكم قرضا حسنا.
وقيل: معناه بطيبة نفس. وقيل معناه الا يتبعه من ولااذى.
وقيل من الحلال دون الحرام. وانما قال: قرضا، ولم يقل إقراضا، لانه رده إلى قرض قرضا، كما قال: " انبتكم من الارض نباتا "(2) ولم يقل إنباتا ويقال: اعطيته عطاء.
وقال امرؤ القيس: ورضت فذلت صعبة اي إذلال(2) لان فيه معنى اذللت.
وقوله: " لاكفرن عنكم سيئاتكم " اللام جواب القسم. وهو قوله: " لئن اقمتم الصلاة " فالاولى لام القسم والثانية جوابه، وقال قوم: كل واحد منهما قسم.
---
(1) - مجاز القرآن لابي عبيدة 1: 157 وتفسير الطبري 10: 120.
الندي مجلس القوم ماداموا مجتمعين فيه.
(2) سورة نوح، آية 17.
(3) ديوانه: 141. راض الدابة علمها السير.

(3/465)


تفسير التبيان ج3
وصحيح الاول، لان الكلام لم يتم في قوله: " لئن اقمتم الصلاة واتيتم الزكوة " ومعنى " لاكفرن " لاعطين بعفوي وصفحي عن عقوبتكم على ما مضى اجرامكم، ولادخلنكم مع ذلك جنات تجري من تحتها الانهار والجنات البساتين والكفر معناه الجحود، والتغطية والستر.
قال لبيد: في ليلة كفر النجوم غمامها(1) وقوله تجري من تحتها يعني من تحت اشجار هذه الجنات الانهار.
وقوله: فمن كفر بعد ذلك منكم يعني من جحد منكم يامعشر بني اسرائيل ما أمرته به، فتركه أو ركب ما نهيته عنه بعد اخذي الميثاق عليه، فقد ضل يعني أخطأ قصد الطريق الواضح، وزال عن منهاج السبيل القاصد. والضلال هو الركوب على غير هدى. وسواء السبيل يعني وسطه.
قوله تعالى: (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولاتزال تطلع على خائنة منهم الا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح ان الله يحب المحسنين(13))
آية بلاخلاف.
[ القراء ة ]: قرأحمزه والكسائي قسية بلاالف - وقرأ الباقون قاسية - بالف.
[ المعنى ]: المعني بالآية تسلية النبي صلى الله عليه وآله فقال الله له: لاتعجبن من هؤلاء اليهود الذين هموا ان يبسطوا ايديهم اليك وإلى اصحابك ونكثوا العهد الذي بينك
---
(1) - انظر 1: 60

(3/466)


تفسير التبيان ج3
وبينهم، وغدروا بك، فان ذلك من عادتهم، وعادات اسلافهم، لاني اخذت ميثاق سلفهم على عهد موسى على طاعتي، وبعثت منهم اثني عشر نقيبا، فنقضوا ميثاقي، ونكثوا عهدي، فلعنتهم بنقضهم ميثاقهم. وفي الكلام محذوف اكتفى بدلالة الظاهر عليه.
والمعنى فمن كفر بعد ذلك منكم، فقد ضل سواء السبيل، فنقضوه، فلعنتهم فبما نقضهم ذلك لعناهم فاكتفى بقوله: فبما نقضهم من ذكر فنقضوا. (وما) زائدة والتقدير فبنقضهم (وما) مؤكدة. وهوقول قتادة وجميع المفسرين ومثله قول الشاعر: لشئ ما يسود من يسود والهاء والميم كنايتان عن بني اسرائيل واللعن هوالطرد للسخط على العبد، وهوالابعاد من رحمة الله على جهة العقوبة.
وقال الحسن: هوالمسخ الذي كان فيهم حين صاروا قردة، وخنازير. ومعنى جعلنا - هاهنا - قال البلخي: سميناها بذلك عقوبة على كفرهم، ونقض ميثاقهم. قال: ويجوز أن يكون المراد ان الله بكفرهم لم يفعل بهم اللطف الذي تنشرح به صدورهم كما يفعل بالمؤمن.
وذلك مثل قولهم: افسدت سيفك: إذا تركت تعاهده حتى صدئ.
ويقولون: جعلت اظافيرك سلاحك: إذا لم تقصها.
ويشهد للاول قوله تعالى: " وجعلوا لله شركاء الجن " وأراد بذلك انهم سموا لله شركاء.
وقال ابوعلي: هو البيان عن حالهم، وجفا قلوبهم عن الايمان بالله ورسوله، كما يقال: جعلته فاسقا مهتوكا: إذا أبان عن حاله للناس. ومعنى قاسية. أي يابسة يقال للرحيم: لين القب، ولغير الرحيم: قاسي القلب.
والقاسي والقاسح - بالحاء - الشديد الصلابة.
ويقال: قسا يقسو قسوة ومنه " فهي كالحجارة أو أشد قسوة " وقسية أشد مبالغة.
وقاسية أعرف وأكثر في الاستعمال.
وقال ابوعبيدة: قاسية معناه فاسدة من قولهم: درهم قسي أي زائف قال أبوزبيد:

(3/467)


تفسير التبيان ج3
لها صواهل في صم السلام كما
صاح الفسيات في ايدي الصياريف
يصف وقع المساحي في الحجارة.
وقال ابوعباس: الدرهم انما سمي قسيا اذا كان فاسدا لشدة صوته بالقس الذى فيه، فهو راجع إلى الاول.
وقال الراجر: وقد قسوت وقسا لداتي وقوله: " يحرفون الكلم " فالتحريف يكون بأمرين: بسوء التاويل، وبالتغيير والتبديل، كما قال تعالى: " ويقولون هومن عند الله وما هو من عند الله " بعد قوله: " وان منهم لفريقا يلوون السنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب " والكلم جمع كلمة.
وقوله: " ونسوا حظا مما ذكروا به " معناه تركوا نصيبا مما ذكروا به يعني مما أنزل على موسى. وهوقول الحسين والسدي وابن عباس.
وقوله: " ولاتزال تطلع على خائنة منهم " معناه على خيانة منهم وفاعله في اسماء المصادر كثير، نحو عافاه لله عافية. " والمؤتفكات بالخاطئة " و " اهلكوا بالطاغية " ويقال: قائلة بمعنى القيلولة. كل ذلك بمعنى المصدر وراغية الابل وثاغية الشاة.
ويقال: رجل خائنة قال الشاعر:
حدثت نفسك بالوفاء ولم تكن
للغدر خائنة مغل الاصبع
فخائنة على وجه المبالغة، كما قالوا: رجل نسابة، لانه يخاطب رجلا. ومعناه لاتخن، فتغلل اصبعك في المتاع أي تدخلها الخيانة، ومغل بدل من خائنة. ويجوز أن يكون على خائنة معناه على فرقة خائنة.
وقوله: " الا قليلامنهم " نصب على الاستثناء من الهاء والميم في قوله: " على خائنة منهم ".
وقوله: " فاعف عنهم واصفح ان الله يحب المحسنين " قال قتادة: هو

(3/468)


تفسير التبيان ج3
منسوخ بقوله: " قاتلوا الذين لايؤمنون بالله ولا باليوم الآخر " وقال ابوعلي بقوله: " واماتخافن من قوم خيانة فانبذ اليهم على سواء " وقال البلخي: يجوز أن يكون أمر بالعفو والصفح بشرط التوبة أو بذل الجزية، لانهم إذا بذلوا الجزية لايؤاخذون بشئ من كفرهم. وهو قول الحسن، وجعفر بن مبشر. واختار الطبري هذا. فعلى هذا لايكون منسوخا.
وقوله: " يحرفون الكلم " لايدل على أنه جعل قلوبهم قاسية، ليحرفوا بل يحتمل امرين: احدهما - ان يكون كلاما مستأنفا ويكون التمام عند قوله: " قاسية " ثم أخبر عنهم بانهم يحرفون الكلام عن مواضعه. الثاني - أن يكون ذلك حالا، لقوله: " فيما نقضهم ميثاقهم يحرفون " اي يحرفون الكلم ناسين لحظوظهم " لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية ".
قوله تعالى: (ومن الذين قالوا انا نصارى اخذنا ميثافهم فنسوا حظا مما ذكروا به فاغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون(14))
آية بلا خلاف.
قوله: " ومن الذين قالوا إنا نصارى " انما لم يقل: من النصارى لما قاله الحسن: من أنه اراد تعالى بذلك أن يدل على أنهم ابتدعوا النصرانية التي هم عليها اليوم، وتسموابها.
وقوله: " اخذنا ميثاقهم " يعني بتوحيد الله عزوجل، والاقرار بنبوة المسيح، وجميع انبياء الله وانهم كلهم عبيد الله لايذكر.
وقال ابوعلي: معناه تركوا العمل به، فكان كالذي لايذكر.
وقوله: " مما ذكروا به " يعني فيما أنزله الله على موسى وعيسي في التوراة والانجبيل، والكتب المتقدمة.

(3/469)


تفسير التبيان ج3
وقوله: " فاغرينا بينهم " قال مجاهد وقتادة وابن زيد والسدي والجبائي: معناه بين اليهود والنصارى.
وقال الربيع والزجاج والطبري: معناه بين النصارى. وهو ما وقع بينهم من الخلاف نحو الملكية، وهم الروم والنسطورية، واليعقوبية من العداوة. وأصل الاغراء تسليط بعضهم على بعض.
وقيل: معناه التحريش. وأصله اللصوق.
يقال: غريت بالرجل غرى - مقصور وممدود - ومعناه لصقت به.
قال كثير:
إذا قيل مهلا قالت العين بالبكا
غراء ومدتها حوافل تهمل
واغريت زبدا بكذا حتى غرى به.
ومنه الغراء الذى يغرى به للصوق والاغراء بالشئ معناه الالصاق من جهة التسليط. وانما أغرى بينهم بالاهواء المختلفة في الدين في قول إبراهيم.
وقيل. بالقاء البغضاء بينهم - عن الحسن وقتادة - وقيل: يامر بعضهم أن يعادي بعضا في قول ابي علي فكأنه يذهب إلى ما تقدم من الامر لهم بمعاداة الكفار.
والذي يقوله أن الوجه في اغراء الله فيما بينهم أنه امر النصارى بمعاداة اليهود فيما يفعله اليهود من القبيح في التكذيب بالمسيح، وشتم امه، والقذف لها والغرية عليها، واضافتها اليه تعالى، ووصفها بما لا يليق، وامر اليهود بمعاداة النصارى في اعتقادهم التثليث، وان المسيح ابن الله وغير ذلك من اعتقاداتهم الفاسدة، نقضوا هذا الميثاق واعرضوا عنه حتى صار بمنزلة المنسي فكان في ذلك أمر كل واحد منهما بالطاعة، فان قيل يمنع من ذلك قوله: (فنسوا حظا مما ذكروا به فاغرينا بينهم العداوة والبغضاء) فجعل اغراء ه لهم بالعداوة جوابا لقوله: (فنسوا حظا مما ذكروا به) لان الفاء تدل على الجواب. واذا كانت جوابا، وجب أن يكون (تعالى) إنما أغرى بينهم، لاجل نسيانهم للحظ الذي ذكروا به، وانه عاقبهم بهذا الاغراء، وليس في الامر والنهي والعبادات عقوبات - بلاخلاف - فدل جوابه بالفاء في قوله: " فاغرينا " عقيب قوله: " فنسوا حظا " على أنه عاقب بالاغراء لاعلى ما قلتموه؟ قيل: قوله " فنسوا حظا مما ذكروا به " جوابه وانه فعل هذا الاغراء، لاجل نسيانهم. غيرأنه ليس بعقوبة، وان كان جوابا.

(3/470)


تفسير التبيان ج3
فكا لاجل نسيانهم. غير أنه ليس بعقوبة، وان كان جوابا. فكان الاغراء إنما وقع بينهم من أجل نسيانهم لحظهم من قبل أنهم نسواما ذكروابه من معرفة التوحيد، والتدين به، فصاروا إلى القول بالاتحاد والشرك والفربة عليه (تعالى) فلاجل ذلك أمرالله أضدادهم بمعاداتهم، واغرائهم بهم.
فان قيل: فان الله (تعالى) ذكر النصارى في هذه الآية بنسيان حظهم ثم أجاب بالفاء في قوله: " فاغرينا بينهم " وليس يصح على هذا ان يكون أغرى بينهم من اجل ما فعله النصارى من الكفر، لانه إذا أمر اليهود بمعاداة النصارى، لاجل نسيان النصارى وكفرهم فانماهذا عن امرالله اليهود بهم، وليس باغراء بعضهم ببعض، وقوله: " فاغرينا بينهم " يدل على ان الله بعث كل واحد من الفريقين على صاحبه، وهذا يوجب خلاف قولكم؟ ! قيل: الامر على ما قلتم من أن امر اليهود بمعاداة النصارى هو إغراء لهم بهم، وليس باغراء بين النصارى، لكنه تعالى قد ذكر اليهود فيما تقدم من هذه السورة، وتكذيبهم، وفريتهم على الله، ثم ذكر النصارى، فلما جمع بين الفريقين في الذكر في هذه السورة، وان لم يجمعهم في هذه الآية، جاز ان يذكر انه اغرى بينهم العداوة بان امر كل واحد منهما بمعاداة عدوه فيما عصى فيه. وصح الاغراء بينهم والقاء العداوة والتباعد والمنافرة، وصح أن يجعل ذلك جوابا.
وقد قال البلخي جوابا آخر: وهوان يكون الاغراء بين النصارى خاصة بعضهم لبعض على ظاهر الآية، وهو أن الله تعالى نصب الادلة على ابطال قول كل فرقة من فرق النصارى، فاذا عرفت طائفة منها فساد مذهب الاخرى فيما نصب الله لها من الادلة، وان جهلت فساد مقالة نفسها لتفريطها في ذلك، وسوء اختيارها، فجاز على هذا أن يضاف الاغراء في ذلك إلى الله من حيث انه امر كل فرقة منها بمعاداة الاخرى على ما تعتقده، وان أمرها ايضا بأن تترك ما هي متمسكة به لفساده وهذا واضح بحمد الله، فان قيل: أيجوز على هذا ان يقال ان الله اغرى بين المؤمنين والكفار العداوة؟ قلنا: اما اغراء المؤمن بالكفر فصحيح، واما اغراء الكافر بالمؤمن، فليس بصحيح، لان ما عليه المؤمنون حق، وما عليه الكفار، باطل.

(3/471)


تفسير التبيان ج3
وإنما يقال: إن الله اغرى بين قوم وقوم إذا كان على بطلان قول كل طائفة منهما دليل يدل على فساد قول من يخالفها فعلى هذا لايصح إطلاق القول بما قالوه، ومتى قيد القول على ما بيناه، جاز، وأن لم يخبر مع الاطلاق.
وقوله: " وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون " لماقال (تعالى) لنبيه: " فاعف عنهم واصفح " بين انه من وراء الانتقام منهم، وانه سيجازيهم عند ورودهم عليه، بما كانوا يصنعون في الدنيا من نقض الميثاق، ونكث العهد ويعاقبهم على ذلك بحسب استحقاقهم.
قوله تعالى: (يااهل الكتاب قد جاء كم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاء كم من الله نور وكتاب مبين(15) يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور باذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم(16))
آيتان كوفي وثلاث بصري ومدني.
هذا خطاب لاجل الكتاب من اليهود والنصارى الذين عصوا الرسول فيما أمرهم به، ودعاهم اليه، فقال لهم.
قد جاء كم رسولنا محمد (صلى الله عليه واله) يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب أي يبين للناس ما كنتم تخفونه.
وقال ابن عباس وقتادة: إن مما بينه رجم الزانين، وأشياء كانوا يحرفونها بسوء التأويل. وانما لم يقل: ياأهل الكتابين، لان الكتاب اسم جنس. وفيه معنى العهد، وهو أو جزوا حسن في اللفظ من حيث كانوا، كانهم أهل كتاب واحد. والوجه في تبيين بعضه، وترك بعضه أنه يبين ما فيه دلالة على نبوة النبي صلى الله عليه وآله من صفاته، ونعته، وبشارته به، وما يحتاج إلى علمه من غير ذلك مما تتفق له الاسباب التي يحتاج معها إلى استعلام ذلك، كما اتفق في الرجم وما عداهذين مما ليس في تفصيله فائدة يكفي ذكره في الجملة.

(3/472)


تفسير التبيان ج3
وقوله: " ويعفو عن كثير " معناه يترك كثيرا لايأخذكم به، ولايذكره لانه لم يؤمر به على قول ابي علي وقال الحسن: ويصفح عن كثير بالتوبة منه. ومعنى النورفي الآية يحتمل امرين: احدهما - أنه النبي (صلى الله عليه واله) في قول الزجاج والاخر - هو القرآن على قول ابي علي وانما سمي نورا، لانه يهتدى به كما يهتدى بالنور ، ويجب ان يتبع لانه نور مبين عن الحق من الباطل في الدين.
والاولى ان يكون كناية عن النبي، لان قوله: " وكتاب مبين " المراد به القرآن، وقوله: " يهدي به الله " يعني يفعل اللطف المؤدي إلى سلوك طريق الحق يعني بالنبي (صلى الله عليه واله) او الكتاب " من اتبع رضوانه " يعني رضا الله والرضوان والرضا من الله ضد السخط. وهوارادة الثواب لمستحقه وقال قوم: هو المدح على الطاعة والثناء.
وقال الرماني: هو جنس من الفعل يقتضي وقوع الطاعة الخالصة مما يبطلها، ويضاد الغضب. قال لان الرضا بما كان يصح، وارادة ما كان لايصح إذ قد يصح أن يرضى بما كان، ولايصح أن يريد ما كان. وهذا الذي ذكره ليس بصحيح، لان الرضا عبارة عن ارادة حدوث الشئ من الغير، غير انها لاتسمى بذلك إلا إذا وقع مرادها، ولم يتخللها كراهة، فتسميتها بالرضا، موقوفة على وقوع المراد إلا أن بعد وقوع المراد بفعل ارادة هي رضالما كان فسقط ما قاله.
وقوله: " سبل السلام " السبل جمع سبيل. وفي السلام قولان: احدهما - هوالله في قول الحسن والسدي - والمعنى دين الله. وقال: " هو الله الذي لااله إلاهو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن " الثاني - قال الزجاج: إنه السلامة من كل مخافة ومضرة إلا ما لايعتد به، لانه يؤول إلى نفع في العاقبة.
وقوله: " يخرجهم من الظلمات إلى النور باذنه " معناه من الكفر إلى الايمان، لان الكفر يتحير فيه صاحبه كما يتحير في الظلام، ويهتدي بالايمان إلى النجاة كما

(3/473)


تفسير التبيان ج3
يهتدي. بالنور وقوله: " باذنه " معناه بلطفه.
وقوله: " يهديهم إلى صراط مستقيم " معناه يرشدهم إلى طريق الحق. وهو دين الحق.
وقال الحسن: هو الذي يأخذ بصاحبه حتي يؤديه إلى الجنة. وبه قال أبوعلي.
ومعنى " صراط مستقيم " طريق مستقيم وهودين الله القويم الذي لا اعوجاج فيه.
قوله تعالى: (لقد كفر الذين قالوا ان الله هوالمسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن اراد ان يهلك المسيح ابن مريم وامه ومن في الارض جميعا ولله ملك السماوات والارض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شئ قدير(17))
آية بلا - خلاف -
اللام في قوله: " لقد كفر " جواب للقسم وتقديره أقسم لقد كفر الذين قالوا.
وانما كفروا بقولهم: إن الله هوالمسيح بن مريم على وجه التدين به، لانهم لوقالوه على وجه الحكاية منكرين لذلك لم يكفروا به.
وانما كانوا بذلك كافرين من وجهين: احدهما - انهم كفروا بالنعمة من حيث أضافوها إلى غير الله ممن ادعوا الهيته. والثاني - كفر صفة لانهم وصفوا المسيح وهومحدث بصفات الله تعالى، فقالوا: هو إله واحد فكل جاهل بالله كافر، لانه لما ضيع حق نعمة الله، كان بمنزلة من أضافها إلى غيره ومعنى من يملك من الله شيئا من يقدر ان يدفع من أمر الله شيئا، من قولهم: ملكت على فلان أمره: إذا اقتدرت عليه حتى لايمكنه انفاذ شئ من امره الابك. وتقديره من يملك من امره شيئا. ووجه الاحتجاج بذلك انه لو كان المسيح إلها، لقدر على دفع أمر الله اذا اتى باهلاكه واهلاك غيره، وليس بقادر عليه لاستحالة القدرة على مغالبة القديم (تعالى) إذا ذلك من صفات المحتاج الذليل.

(3/474)


تفسير التبيان ج3
وقوله: " ولله ملك السموات والارض وما بينهما " انهالم يقل وما بينهن مع ذكر السموات على الجمع، لانه أراد به النوعين أو الصنفين كما قال الشاعر:
طرقا فتلك هما همى اقريهما
قلصا لواقح كالقسي وحولا
فقال: طرفا، ثم قال: فتلك هما همى.
فان قيل: كيف حكى عنهم ان الله هو المسيح بن مريم. وعندهم هو ابن الله؟ قلنا: لانهم زعموا انه اله. وهذا الاسم انما هو للاله بمنزلة ذلك، كما لو قال الدهري: إن الجسم قديم لم يزل، وان لم يذكره بهذا الذكر.
قوله تعالى: (وقالت اليهود والنصارى نحن ابناء الله واحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل انتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والارض وما بينهما واليه المصير(18))
آية بلاخلاف.
روي عن ابن عباس أن جماعة من اليهود قالوا للنبي حين حذرهم بنقمات الله وعقوباته، فقالوا: لاتخوفنا فاننا ابناء الله واحباؤه وقال السدي: إن اليهود تزعم ان الله عزوجل أوحى إلى بني اسرائيل إن ولدك بكر من الولد.
وقال الحسن: انما قالوا ذلك على معنى قرب الولد من الوالد. واما قول النصارى، فقيل فيه: إنهم تأولواما في الانجيل من قول عيسى اذهب إلى ابي وأبيكم.
وقال قوم: لما قالوا: المسيح ابن الله أجرى ذلك على جميعهم، كما يقولون: هذيل شعراء أي منهم شعراء وكما قالوا في رهط مسيلمة قالوا: نحن انبياء أي قال قائلهم. وكما قال جرير: ندسنا ابا مندوسة القين بالقنى فقال: ندسنا. وانما النادس رجل من قوم جرير.

(3/475)


تفسير التبيان ج3
وقوله: " واحباؤه " جمع حبيب، فقال الله لنبيه محمد (صلى الله عليه واله) قل لهؤلاء المفترين على ربهم: " فلم يعذبكم بذنوبكم " فلاي شئ يعذبكم بذنوبكم إن كان الامر على ما زعمتم، فان الاب يشفق على ولده. والحبيب على حبيبه، لايعذبه وهم يقرون بأنهم معذبون، لانهم لو لم يقولوا به، كذبوا بكتبهم وأباحوا الناس ارتكاب فواحشهم. واليهود تقر انهم يعذبون أربعين يوما. وهي عدد الايام التي عبدوا فيها العجل.
وقوله: " بل انتم بشر " معناه قل لهم: ليس الامر على مازعمتم انكم ابناء الله واحباؤه، بل انتم بشر ممن خلق من بني آدم ان أحسنتم جوزيتم على إحسانكم مثلهم، وإن اسأتم، جوزيتم علي إساء تكم، كما يجازى غيركم. وليس لكم عند الله إلاما لغيركم من خلقه.
وقوله: " يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء " فانه وان علق العذاب بالمشيئة، فالمراد به المعصية، لانه تعالى لايشاء العقوبة إلا لمن كان عاصيا، فكان ذكرها أوجزوأبلغ، لما في ذلك من رد الامر إلى الله الذي يجازي به على وجه الحكمه. وانماهذا وعيد من الله لهؤلاء اليهود والنصارى المتكلين على منازل أسلافهم في الجنان عندهم. فقال الله تعالى: لاتغتروا بذلك فانهم نالوا ما نالوا بطاعتي وايثار رضاي، لابالاماني.
وقال السدي: معنى " يغفر لمن يشاء " يعني يهدي من يشاء في الدنيا فيغفر له، ويميت من يشاء على كفره، فيعذبه.
وقوله تعالى: " ولله ملك السموات والارض " معناه انه يملك ذلك وحده لاشريك له يعارضه، فقد وجب اليأس مما قدروا من كل جهة، وأنه لامنجي لهم الا بالعمل بطاعة الله واجتناب معاصيه.
وقال أبوعلي: ذلك بأنه يملك السموات، والارض ومابينهما على أنه لاولد له، لان المالك لذلك لاشبه له، ولان المالك لايملك ولده لخلقه له.
وقوله: " واليه المصير " معناه انه يوؤل اليه امر العباد في أنه لايملك ضرهم،
---
(1) - في المطبوعة (يجزيها).

(3/476)


تفسير التبيان ج3
ولانفعهم غيره - عزوجل -، لانه يبطل تمليكه لغيره ذلك اليوم كما ملكهم في دار الدنيا كما يقال: صار أمرنا إلى القاضي لاعلى معنى قرب المكان، وإنما يراد بذلك أنه المتصرف فينا والآمر لنا دون غيره.
قوله تعالى: (يااهل الكتاب قدجاء كم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل ان تقولوا ما جاءنا من بشير ولانذير فقد جاء كم بشير ونذير والله على كل شئ قدير(19))
آية بلاخلاف
هذا خطاب لليهود والنصارى ناداهم الله خصوصا لينبههم على ما يذكر لهم.
وقوله (قد جاء كم رسولنا يبين لكم) يدل على أنه اختصه من العلم بما ليس مع غيره " على فترة من الرسل " يعني على انقطاع من الرسل. وفيه دلالة على أن زمان الفترة: لم يكن فيه نبي.
والفترة انقطاع ما بين النبيين عند جميع المفسرين.
والاصل فيها الانقطاع عما كان عليه من الجد فيه من العسل، يقال: فترعن عمله وفترته عنه.
وفتر الماء إذا انقطع عما كان عليه من البرد إلى السخونة.
وامرأة فاترة الطرف أي منقطعة عن حدة النظر.
وفتور البدن كفتور الماء، والفتر ما بين السبابة والابهام إذا فتحا.
وقال الحسن: كانت هذه الفترة بين عيسى ومحمد (ص) ستمائة سنة وقال قتادة خمسمائة وخمسين سنة.
وقال الضحاك أربعمائة سنة وبضعا وستين سنة.
وقوله (أن تقولوا ما جاء نا من بشير ولانذير) يدل على بطلان مذهب

(3/477)


تفسير التبيان ج3
المجبرة في القدرة، لان الحجة بمنع القدرة أوكد من الحجة بمنع اللطف، وتكون الحجة في ذلك لمن علم الله أن بعثة الانبياء مصلحة لهم، فاذا لم يبعث، تكون لهم الحجة، فامامن لايعلم ذلك فيهم، فلاحجة لهم، وان لم يبعث اليهم الرسل.
ومعنى " أن تقولوا " ألا تقولوا " ما جاء نا من بشير ولانذير ".
على قول الفراء وغيره من الكوفيين، كقوله تعالى: " يبين الله لكم أن تضلوا " ومعناه ألا تضلوا.
وقال البصريون: معناه كراهة أن تضلوا، وكراهة أن تقولوا، وحذفت كراهة.
كما قال " واسأل القرية " وإنما أراد أهلها. وأن " تقولوا " في موضع نصب عند أكثر البصريين وقال الخليل والكسائي: موضعه الجر وتقديره لئلا تقولوا.
والبيان الذي أتاهم به النبي صلى الله عليه وآله هودين الاسلام الذي ارتضاه الله.
وهوبيان نفس الحق من الباطل، ومايجب.
والبشير هوالمبشر لكل مطيع بالثواب.
والنذير هوالمنذر المخوف كل عاص لله بالعقاب ليتمسك المطيع بطاعته، ويجتنب العاصي لمعصيته.
والجملة التي ذكرناها قول ابن عباس وقتادة وجميع المفسرين.
الآية: 20 - 29
قوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه ياقوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم مالم يؤت أحدا من العالمين(20))
آية بلاخلاف
في هذه الآية اعلام من الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله قديم تمادي هؤلاء اليهود في الغي وبعدهم من الحق وسوء اختيارهم لانفسهم وشدة خلافهم لانبيائهم مع

(3/478)


تفسير التبيان ج3
كثرة نعم الله عليهم وتتابع أياديه وآلاله عليهم، مسليا بذلك نبيه صلى الله عليه وآله من مقاساتهم في ذات الله.
فقال: فاذكر يامحمد إذ قال موسى لهم (ياقوم اذكروا نعمة الله عليكم) وأياديه لديكم وآلائه عليكم.
وهو قول ابن عباس وابن عيينة.
وقوله (إذ جعل فيكم أنبياء) يعني ان موسى ذكر قومه بنعمه عليهم، وبلائه لديهم فقال لهم (اذكروا نعمة الله عليكم) إذفضلكم بأن جعل فيكم أنبياء يخبرونكم بأنباء لغيب، ولم يعط ذلك غيركم في زمانكم هذا، وقيل ان الانبياء الذين ذكرهم الله أنهم جعلوا فيهم هم الذين اختارهم موسى إلى الجبل: وهم السبعون الذين ذكرهم الله تعالى فقال (واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا)(1) وقال قوم: هم الانبياء الذين كانوا بعد موسى (ع).
وقوله (وجعلكم ملوكا) معناه سخر لكم من غيركم خدما يخدمونكم.
وقال قتادة: لانهم أول من سخر لهم الخدم من بني اسرائيل، وملكوا.
قال قوم: كل من ملك بيتا أو خادما أو امرأة ولايدخل عليه إلا بأمره فهوملك - كائنا من كان - ذهب اليه عمرو بن العاص وزيد بن اسلم والحسن والفراء قال: هؤلاء إنما خاطبهم موسى بذلك لانهم كانوا يملكون الدور والخدم ولهم نساء وأزواج.
وبه قال الحسن وابن عباس ومجاهد.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله.
وقال السدي جعلهم ملوكا يملك الرجل منهم نفسه وأهله وماله.
وقال الزجاج: جعلكم الله تملكون أمركم ولايغلبكم عليه غالب.
---
(1) سورة 7 الاعراف آية 154.

(3/479)


تفسير التبيان ج3
وقال البلخي: ليس ينكر أن يكون الله جعل لهم الملك والسلطان ووسع عليهم التوسعة التي يكون الانسان بها ملكا.
وقال المؤرج: معناه - بلغة كنانة وهذيل - جعلكم أحرارا.
وقال أبوعلي: الملك هو الذي له ما يستغني به عن تكلف الاعمال وتحمل المشاق، والتسكع في المعاش.
وقال ابن عباس، ومجاهد: جعلوا ملوكا بالمن والسلوى والحجر والغمام. وزاد الجبائي: وبغير ذلك من الاموال.
وقال قوم: ملكوا أنفسهم بالتخلص من الغيظ.
وقوله: (وآتاكم مالم يؤت أحدا من العالمين) يعني أعطاكم ما لم يعط أحدا من عالمي زمانهم. وهوقول الحسن والبلخي.
وقال أبوعلي: أعطاكم مالم يعط أحدا من العالمين أي من اجتماع هذه الامور وكثرة الانبياء فيهم، والآيات التي جاء تهم، إنزال المن والسلوى عليهم. وهوقول الفراء والزجاج.
وقال ابن عباس ومجاهد والحسن: هذا خطاب موسى لامته - وهو الاظهر - وقال سعيد بن جبير، وأبومالك: هو خطاب من الله لامة محمد صلى الله عليه وآله.
وإنما قلنا: أن الاول أولى لان الله أخبر حاكيا عن موسى (ع) أنه قال لهم " اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا) ثم عطف على ذلك قوله: (وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين) فالعدول عن ذلك من غير ضرورة لايجوز.
وقوله: " أنيباء " لاينصرف في معرفة ولانكرة لان علامة التأنيث فيها لازمة مثل حمراء تأنيث أحمر. ويخالف ذلك علامة التأنيث في طلحة وقائمة تأنيث قائم فلذلك انصرف هذا في النكرة دون المعرفة.

(3/480)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: (ياقوم ادخلوا الارض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين(21))
آية بلاخلاف
هذه حكاية عن موسى (ع) أنه خاطب قومه وأمرهم بالدخول إلى الارض المقدسة وهي: بيت المقدس على قول ابن عباس، وابن زيد، والسدي وأبي علي.
وقال الزجاج والفراء: هي دمشق وفلسطين وبعض الاردن.
قال الفراء بتشديد النون - وقال قتادة: هي الشام.
وقال مجاهد هي أرض الطور. والمقدسة في اللغة: المطهرة. وقيل: إنها طهرت من الشرك وجعلت مسكنا وقرارا للانبياء والمؤمنين، والاصل التقديس، وهو التطهير، ومنه قيل للسطل الذي يتطهرمنه: القدس. وقيل: بيت المقدس لانه يطهرمن الذنوب. ومنه تسبيح الله وتقديسه سبوح قدوس، وهو تنزيهه عما لايجوز عليه من نحو الصحابة والولد والظلم والكذب.
وقوله: " كتب الله لكم " يعني في اللوح المحفوظ. فان قيل: كيف كتب الله لهم مع قوله " فانها محرمة عليهم "؟ قلنا عنه جوابان: أحدهما - قال ابن اسحاق: إنها كانت هبة من الله لهم ثم حرمهم إياها. والثاني - إن ظاهر ذلك يقتضي العموم بأن الله كتب لهم، فلما قال " إنها محرمة عليهم أربعين سنة " استثنى ذلك من جملته.
ويحتمل أن يكون المراد انها يدخلها قوم منهم. وقيل: ان القوم الذين كتب لهم دخولها غير الذين حرم عليهم، والذين كتب لهم دخولها مع يوشع بن نون بعد موت موسى بشهرين.

(3/481)


تفسير التبيان ج3
وقوله: " ولاترتدوا على أدباركم " فيه قولان: أحدهما - لاترجعوا عن طاعة الله إلى معصيته - في قول أبي علي. الثاني - لاترجعوا عن الارض التي أمرتم بدخولها.
وقوله " فتنقلبوا خاسرين " قيل في معناه قولان: أحدهما - أنه كان فرض عليهم دحولها كما فرضت الصلاة والصوم والزكاة والحج، فلما لم يفعلوا فقد خسروا الثواب. هذا قول قتادة والسدي.
والثاني - أنه أراد بذلك خسران حظهم كالخسران في البيع بذهاب رأس المال. وخاسرين نصب على الحال، والعامل فيه " فتنقلبوا " دون قوله " ولاترتدوا ".
قوله تعالى: قالوا ياموسى ان فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فان يخرجوا منها فانا داخلون(22))
آية بلاخلاف
هذه حكاية من الله عن قوم موسى لما أمرهم بدخول الارض المقدسة، انهم قالوا: إن في الارض قوما جبارين، ونصب (جبارين) ب‍ (أن) و (فيها) خبر (إن) قدم على الاسم. والجبار هوالذي لاينال بالقهر وأصله - في النخل - ما فات اليد طولا والجبار من الناس هوالذي يجبرهم على مايريد.
وقال ابن عباس: بلغ من جبرية هؤلاء القوم أنه لما بعث موسى من قومه

(3/482)


تفسير التبيان ج3
اثنى عشر نقيبا ليخبروه خبرهم، رآهم رجل من الجبارين يقال له عوج فأخذهم في كمه مع فاكهة كان حملها من بستانه وأتى بهم الملك فنثرهم بين يديه وقال معجبا للملك منهم: هؤلاء يريدون قتالنا؟ فقال الملك: ارجعوا إلى صاحبكم فاخبروه خبرنا. وقال قتادة ومجاهد مثله.
قال مجاهد كانت فاكهتهم لايقدرعلى حمل عنقود لهم خمسة رجال بالخشب. ويدخل في قشر رمانة خمسة رجال. وان موسى كان طوله عشرة أذرع وله عصا طولها مثل ذلك ونزا من الارض مثل ذلك، فبلغ كعب عوج بن عوق فقتله.
وقيل كان سريره مئة ذراع.
وأصل الجبار من الاجبار على الامر وهوالاكراه عليه.
والجبر جبر العظم وهو كالاكراه على الصلاح.
قال العجاج:
قدجبر الدين الاله فجبر
وعور الرحمن من ولى العور(1)
أي أصلحه ولامه كجبر العظم كرها.
والجبار هدر الارش لان فيه معنى الكره.
والجبار في صفات الله صفة التعظيم، لانه يفيد الاقتدار، وتقول: لم يزل الله جبارا بمعنى أن ذاته تدعو العارف بها إلى تعظيمها.
والفرق بين الجبار والقهار أن القهار هوالغالب لمن ناوأه أو كان في حكم المناوئ بمعصيته إياه، ولايوصف فيما لم يزل بأنه قهار.
والجبار في صفة المخلوقين صفة ذم، لانه يتعظم بما ليس له من العظمة. فان العظمة لله تعالى.
وقوله (وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها) يعني هؤلاء الجبارين " فان
---
(1) لسان العرب (جبر)، (عور)، والعور هنا بمعنى قبح الامر وفساده، تقول: عورت عليه أمره أي أفسدته عليه.

(3/483)


تفسير التبيان ج3
يخرجوا منها فانا داخلون " تمام الحكاية عن قوم موسى.
قوله تعالى: قال رجلان من الذين يخافون انعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فاذا دخلتموه فانكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين(23))
آيتان في البصري وآية عند الباقين.
هذا إخبار من الله تعالى عن رجلين من جملة النقباء الذين بعثهم موسى لتعرف خبر القوم. وقيل هما يوشع بن نون، وكالب، وقيل كلاب بن يوفنا، في قول ابن عباس ومجاهد والسدي وقتادة والربيع.
وقال الضحاك: هما رجلان كانا في مدينة الجبارين وكانا على دين موسى (ع).
وقوله: " من الذين يخافون " قال قتادة: يخافون الله - عزوجل - وقال أبوعلي يخافون الجبارين أي لم يمنعهم الخوف من الجبارين أن قالوا الحق " أنعم الله عليهما " بالتوفيق للطاعة.
وقال الحسن: أنعم الله عليهما بالاسلام. وكان سعيد بن جبير يقرأ " يخافون " بضم الياء.
وروي تأويل ذلك عن ابن عباس: انهما كانا من الجبارين أنعم الله عليهما بالاسلام.
وقوله: " ادخلوا عليهم الباب فاذ ادخلتموه فانكم غالبون " اخبار عن قول الرجلين انهما قالا ذلك. وإنما صار الظفر بدخول باب مدينة الجبارين لما رأوا من رعبهم وما ألقى الله في قلوبهم من حكمة بأنه كتبها لهم، وما تقدم من وعد موسى (ع) إياهم بأنهم إن دخلوا الباب غلبوا.
وقوله " وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين " معناه فتوكلوا على الله في

(3/484)


تفسير التبيان ج3
نصره إياكم على الجبارين إن كنتم مؤمنين بالله، وبما آتاكم به رسوله من عنده.
قوله تعالى: قالوا ياموسى انا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا انا ههنا قاعدون(24))
آية بلاخلاف.
هذا إخبار عن قوم موسى أنهم قالوا: لاندخل هذه المدينة مادام الجبارون فيها، لانهم جنبوا وخافوا من قتال الجبارين لعظم أجسامهم وشدة بطشهم، ولم يثقوا بوعد نبيهم بالنصر لهم عليهم والغلبة لهم.
وقوله " فاذهب أنت وربك " إنما أبرز الضمير ليصح العطف عليه، لانه لايجوز العطف على الضمير قبل أن يؤكد. وإنما جاز في قوله " فاجمعوا أمركم وشركاء كم "(1) ذلك، لان ذكر المفعول صار عوضا عن المنفصل مثل (لا) في " لو شاء الله ما اشركنا ولاآباؤنا "(2) وإنما لم يقرن قوله (اذهب أنت وربك فقاتلا) بالنكير - إذ الذهاب لايجوز عليه تعالى - لامرين: أحدهما - لان الكلام كله يدل على الافكار عليهم والتعجب من جهلهم في تلقيهم أمر نبيهم بالرد له والمخالفة عليه. الثاني - لانهم قالوا ذلك على المجاز بمعنى وربك معين لك - على ما ذكره البلخي - والاول أقوى لانه أظهر من أولئك الجهال. وإنما يتأول على ما قاله البلخي لوكانوا ممن لايجوز عليهم مثل ذلك.
وقال الحسن: هذا القول منهم يدل على أنهم كانوا مشبهة وأنهم كفروا بذلك بالله.
وقال أبو علي: إن كانوا قالوه على وجه الذهاب من مكان إلى مكان فهو كفر، لان
---
(1) سورة يونس آية 71.
(2) سورة الانعام آية 148

(3/485)


تفسير التبيان ج3
ذلك جل بالله تعالى. وإن قالوه على وجه الخلاف فهو فسق.
فان قيل: هل يجوز وصفه تعالى بالقتال كما قال " قاتلهم الله أنى يؤفكون)(1)؟ قلنا: هذا مجاز، والمعنى إن عداوته لهم عداوة المقاتل، وانه يحل بهم ما يحله بالمقاتل المستعلي بالاقتدار وعظم السلطان، وليس كذلك قول هؤلاء الجهال.
قوله تعالى: قال رب إني لاأملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين(25))
آية بلاخلاف.
في هذه الآية إخبار من الله تعالى عما قاله موسى (ع) عقيب ما كان من قومه من الخلاف وقلة القبول على نبيهم، وخرج ذلك مخرج الغضب منه على قومه لما كان من عصيانهم إياه. ومثل ذلك لايخرج إلاعلى غضب.
وقوله " لاأملك إلانفسي وأخي " مجاز، لان الانسان لايصح أن يملك نفسه، لان الاصل في الملك القدرة، والمالك هوالقادر، ومحال أن يقدر الانسان على نفسه، ثم من حق المملوك أن يكون مقدورا عليه أو في حكم المقدور عليه في أن له أن يصرفه تصريف المقدور عليه كملك الانسان للمال والعبد ونحوه، فلايجوز على هذا أن يملك نفسه. ومعنى الآية أنه لما ملك تصريف نفسه في طاعة الله جاز أن يصف نفسه بأنه يملكها، لانه مما يجوز أن يملكه.
وقوله: " وأخي " لانه كان أيضا طائعا له فيما يأمره به، فكان كالقادر عليه. ويحتمل موضعه أربعة أوجه:
---
(1) سورة 9 التوبة آية 31 وسورة 65 المنافقون آية 4.

(3/486)


تفسير التبيان ج3
أحدها - الرفع على موضع (إن) وتقديره: إني لاأملك إلا نفسي وأخي لايملك الا نفسه.
الثاني - الرفع أيضا بالعطف على الياء في (إني).
الثالث - النصب بالعطف على الياء في (إني).
الرابع - النصب بالعطف على نفسي.
وقوله " فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين " قيل في الوجه الذي سأل الفرق بينه وبينهم قولان: أحدهما - أن يحكم ويقتضي بما يدل على بعدهم عن الحق وذهابهم عن الصواب فيما ارتكبوا من العصيان ولذلك القوا في التيه. هذا قول ابن عباس والضحاك. الثاني - قال أبوعلي إنما دعا بأن يفرق بينه وبينهم في الآخرة بأن يكون هؤلاء في النار، وأن يكون هؤلاء في الجنة. ولو دعا بالهلاك في الدنيا لاهلكهم الله.
وقال قوم: إنما سأل أن ينصره الله عيلهم حتى يرجعوا إلى الحق.
وقال البلخي معناه باعد، وافصل.
وحكي عن المؤرج ان معناه: اقض - بلغة مدبن - والفرق الذي يدل على المباعدة مثل قول الراجز:
يارب فافرق بينه وبيني
أشد ما فرقت بين اثنين
وقوله " الفاسقين " في الآية - لايدل على ان ما وقع منهم كان فسقا لاكفرا، لان الكفر قد يوصف بالفسق، لان الفسق هوالخروج من الطاعة إلى المعصية على وجه التمرد، ويكون ذلك في الكفر قال الله تعالى " إلا ابليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه "(1) وكان بذلك كافرا بلاخلاف.
---
(1) سورة 18 الكهف آية 51.

(3/487)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: قال فانها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الارض فلا تأس على القوم الفاسقين(26))
آية
هذه الآية إخبار من الله، وخطاب لموسى (ع) أن قومه قد حرم عليهم دخول بلد الجبارين أربعين سنة، وفي كيفية التحريم قولان: أحدهما - قول أكثر المفسرين: أنه تحريم منع كما قال الشاعر:
جالت لتصرعني فقلت لها اقصري
اني امرؤ صرعي عليك محرم
يعني دابته التي هو راكبها ويريد بذلك إني فارس لايمكنك أن تصرعني.
وقال أبوعلي: يجوز أن يكون المراد به تحريم تعبد - والاول هو الاظهر - وقال البلخي: يجوز أن يكونوا أمروا بأن يطوفوا فيه أربعين سنة يتيهون في الارض يعني في المسافة التي بينهم وبينها.
وقال الربيع: وكان مقداره ستة فراسخ.
وقال مجاهد، والحسن: كانوا يصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا.
وقال الحسن: لم يمت موسى (ع) في التيه.
وروي عن ابن عباس أنه مات في التيه على علم منه فيه.
وأما هارون فانه مات قبل موسى في التيه، وكان أكبر من موسى. واستخلف موسى يوشع بعده. وقال: إن الله بعثه نبيا. وفي دخوله أيضا مدينة الجبارين خلاف. وأصل التيه التحير الذي لايهتدى لاجله للخروج عن الطريق إلى الغرض المقصود. وأصله الحيرة.
يقال: تاه يتيه تيها: إذا تحير.
وتيهته، وتوهته، والياء أكثر.
والتيهاء - من الارض - هي التي لايهتدي فيها.
يقال: أرض تيه وتيهاء.
قال الشاعر: تيه أتاويه على السفاط

(3/488)


تفسير التبيان ج3
فان قيل: يجوز على جماعة - عقلا - كثيرين أن يسيروا في فراسخ يسيرة فلا يهتدوا للخروج منها؟ قلنا عنه جوابان: أحدهما - قال أبوعلي: يكون ذلك بأن تحول الارض التي هم عليها إذا ناموا فيردهم إلى المكان الذي ابتدؤا منه. الثاني - أن يكون بالاشتباه.
والاسباب المانعة من الخروج عنها إما بأن يمحو العلامات التي يستدل بها أو بآن يلقى شبه بعضها على بعض، ويكون ذلك معجزة خارقة للعادة. وقيل: إن التيه كان عقوبة لهم بعدد الايام التي عبدوا فيها العجل عن كل يوم سنة.
ومن قال هذا قال: لم يكن موسى وهارون فيها، أو كانا فيها غير متوهين، كما كان ابراهيم في نار نمرود غير متألم بها.
وقوله: (أربعين سنة) نصبه يحتمل أمرين: أحدهما - على قول الربيع ب‍ " محرمة " حرمها عليهم أربعين سنة. والثاني - " يتيهون " على قول الحسن وقتادة، لانهما قالا: إنه ما دخلها أحد منهم.
وقيل: انه دخلها يوشع بن نون وكالب بن يوفنا بعد موت موسى بشهرين.
قالوا لانه لاخلاف بين المفسرين أن دخولها كان محرم عليهم على طريق التأييد. وإنما دخلها أولادهم مع يوشع وكالب بن يوفنا.
وقوله: " فلاتأس على القوم الفاسقين " خطاب لموسى (ع) أمره الله أن لا يحزن على هلاكهم لفسقهم.
والاسى: الحزن يقال أسى يأسى أسى أي حزن قال امرؤ القيس:
وقوفا بها صحبي على مطيهم
يقولون لاتهلك أسى وتجمل
وقال الزجاج: هوخطاب للنبي صلى الله عليه وآله.

(3/489)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لاقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين(27))
آية بلاخلاف
وجه إتصال هذه الآية بما قبلها أن الله تعالى أراد أن يبين أن حال اليهود في الظلم ونقض العهد وارتكاب الفواحش من الامور كحال ابن آدم قابيل في قتله أخاه هابيل، وماعاد عليه من الوبال بتعديه. فأمر نبيه أن يتلو عليهم اخبارهما وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وآله لما ناله من جهلهم بالتكذيب في جحوده وتبكيت اليهود.
وقوله: " إذ قربا قربانا " متعلق بنبأ، وتقديره: اقرأ عليهم خبر ابني آدم وما جرى منهما إذ قربا قربانا. والقربان يقصد به القرب من رحمة الله من أعمال البر وهوعلى وزن فعلان من القرب، كالفرقان من الفرق، والعدوان من العدو، والشكران من الشكر، والكفران من الكفر.
قال ابن عباس وعبدالله بن عمر، ومجاهد، وقتادة، وأكثر المفسرين: إن المتقربين كانا ولدي آدم لصلبه: قابيل، وهابيل.
وقال الحسن، وأبو مسلم محمد بن بحر، والزجاج: هما من بني اسرائيل، لان علامة تقبل القربان لم تكن قبل ذلك. وكان سبب قبول قربان أحدهما. ورد الآخر أحد أمرين: أحدهما - أنه رد قربان أحدهما لانه كان فاجرا فاسقا. وقبل قربان هابيل لانه كان متقيا مطيعا، ولذلك قال الله (إنما يتقبل الله من المتقين). الثاني - انه قرب بشر ماله وأخسه. وقرب الآخر بخير ماله، وأشرفه. فتقبل الاشرف، ورد الاخس.

(3/490)


تفسير التبيان ج3
وقال قوم ان سبب القربان أنه لم يكن هناك فقير فمن أراد القربان أخرج من ماله ما أحب، ففعلا ذلك، فأكلت النار قربان أحدهما دون الآخر، ولم يكن ذلك عن أمر الله.
وقال أكثر المفسرين ورواه أبوجعفر وغيره من المفسرين: أنه ولد لكل واحد من قابيل وهابيل اخت توأم له فأمر آدم كل واحد بتزويج اخت الآخر. وكانت اخت قابيل أحسن من الاخرى، فارادها، وحسد أخاه عليها، فقال آدم قربا قربانا، فأيكما قبل قربانه فهي له، وكان قابيل صاحب زرع فعمد إلى اخبث طعام. وعمد هابيل إلى شاة سمينة ولبن وزبد، فصعدا به الجبل فأتت النار فأكلت قربان هابيل، ولم تعرض لقربان قابيل. وكان آدم غائبا عنهما بمكة، فقال قابيل لاعشت ياهابيل في الدنيا، وقدتقبل قربانك ولم يتقبل قرباني. وتريد أن تأخذ اختي الحسناء. وآخذاختك القبيحة، فقال له هابيل: ما حكاه الله تعالى، فشدخه بحجر فقتله، ثم حمله على عاتقه وكان يضعه على الارض ساعة ويبكي ويعود يحمله كذلك ثلاثة أيام إلى أن رأى الغرابين.
وقوله: " لاقتلنك " معناه قال الذي لم يتقبل قربانه: و " قال إنما يتقبل الله " يعني الذي تقبل قربانه، وإنما حذف لدلالة الكلام عليه.
وقيل في علامة القبول قولان: قال مجاهد كانت النار تأكل المردود.
وقال غيره بل كانت العلامة في ذلك نارا تأتي فتأكل المتقبل ولاتأكل المردود.
وقال قوم في الآية دلالة على ان طاعة الفاسق غير متقبلة لكنها تسقط عقاب تركها.
واما النافلة فيصل اليه ضرب من النفع بها. وتقبل الطاعة إيجاب الثواب عليها - وهذا الذي ذكروه غير صحيح - لان قوله " إنما يتقبل الله

(3/491)


تفسير التبيان ج3
من المتقين ": معناه إنما يستحق الثواب على الطاعات من يوقعها لكونها طاعة فاما إذا فعلها لغير ذلك فانه لايستحق عليها ثوابا. فاذا ثبت ذلك، فلا يمتنع أن تقع من الفاسق يوقعها على الوجه الذي يستحق عليها الثواب فيستحق الثواب ولاتحابط عندنا بين ثوابه وما يستحق عليه العقاب. والاتقاء يكون لكل شئ يمتنع منه غير أنه لايطلق اسم المتقين إلا على المتقين للمعاصي خاصة بضرب من العرف، لانه أحق ما يجب أن يخاف منه كما لايطلق خالق إلا على الله - عزوجل - لانه أحق بهذه الصفة من كل فاعل، لان جميع أفعاله تقع على تقدير وترتيب وقوله: " إنما يتقبل الله من المتقين " يعني القرابين إنما
قوله تعالى: لئن بسطت إلى يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لاقتلك إني أخاف الله رب العالمين(28))
آية
يتقبلها الله من الذين يتقون معاصي الله خوف عقابه دون من لايتقيها.
في هذه الآية إخبار عن ولد آدم المقتول، وهوهابيل أنه قال لاخيه حين هدده بالقتل لما تقبل قربانه ولم يتقبل قربان أخيه، فقال " لئن بسطت إلي يدك " ومعناه لئن مددت إلي يدك. والبسط هوالمد وهو ضد القبض " لتقتلني " معناه لان تقتلني ما أنا باسط يدي اليك لان أقتلك.
فان قيل لم قال ذلك وقد وجب بحكم العقل الدفع عن النفس وإن أدى إلى قتل المدفوع؟ ! قلنا: عنه جوابان: أحدهما - أن معناه لئن بدأتني بقتل لم أبدأك لاعلى أني لاادفعك عن نفسي إذا قصدت قتلي هذا قول ابن عباس وجماعة، وقيل: إنه قتله غيلة بأن ألقى عليه وهونائم صخرة شدخه بها.

(3/492)


تفسير التبيان ج3
الثاني - قال الحسن، ومجاهد، والجبائي: إنه كان كتب عليهم إذا أراد الرجل قتل رجل تركه ولم يمتنع منه. وكان عمرو بن عبيد يجيز الوجهين وهوالاقوى لان كلا الامرين جائز.
فان قيل كيف يجوز الوجه الاخير وفيه اطماع في النفس؟ ! قلنا: ليس فيه شئ من ذلك لانه يجري مجرى قول القائل لغيره لئن ظلمتني لم أظلمك، ولئن قبحت في أمري لم أقبح في أمرك بل في ذلك غاية الزجر والردع عن القبيح، لان القبيح منفر عن نفسه صارف عن فعله.
وقوله: " إني أخاف الله رب العالمين " يعني أخاف الله في ابتداء مدي اليك يدي لقتلك " رب العالمين " يعني رب الخلائق. واللام في قوله " لئن " لام القسم وتقديره أقسم " لئن بسطت إلي يدك " وجوابه " ما أنا بباسط " ولاتقع (ما) جوابا للشرط والفرق بينهما أن ل‍ (ما) صدر الكلام والقسم لايخرجها عن ذلك كما جاز ان يكون جواب القسم ب‍ (أن) ولام الابتداء، ولم يجز بالفاء لان المقسم عليه ليس يجب بوجوب القسم وإنما القسم يؤكده، وجواب الشرط يجب بوجوبه، واذا اجتمع القسم والجزاء كان جواب القسم أولى من جواب الجزاء، لانه لما تقدم وصار الجزاء في حشو الكلام غلبه على الجواب فصار له واكتفى به من جواب الجزاء لدلالته عليه.
وروى غياث بن ابراهيم عن ابي اسحق الهمداني عن علي (ع) أنه قال: لما قتل ابن آدم (ع) اخاه بكا وقال:
تغيرت البلاد ومن عليها
فوجه الارض مغبر قبيح
تغير كل ذي لون وطعم
وقل بشاشة الوجه المليح

(3/493)


تفسير التبيان ج3
فأجاب آدم (ع)
أيا هابيل قد قتلا جميعا
وصار الحي بالموت الذبيح
وجاء بشرة قد كان فيه
على خوف فجاء بها يصيح
قوله تعالى: إني أريد أن تبوء بأثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين(29))
في هذه الآية إخبار عن ابن آدم (ع) المقتول أنه قال: لاأبدأك بالقتل لاني " أريد أن تبوء باثمي " ومعناه أن ترجع، وأصله الرجوع إلى المنزل يقال: باء إذا رجع إلى المباء ة وهي المنزل " وباء وا بغضب من الله "(1) أي رجعوا. والبواء الرجوع بالقود، وهم في هذا الامر بواء أي سواء، لانهم يرجعون فيه إلى معنى واحد.
وقال الشاعر:
ألا تنتهي عنا ملوك وتتقي
محارمنا لايبؤؤالدم بالدم(2)
أي لا يرجع الدم بالدم.
وقوله " باثمي واثمك " معناه اثم قتلي ان قتلتني، واثمك الذي كان منك قبل قتلي - هذا قول ابن عباس، وابن مسعود والحسن، وقتادة، والضحاك، ومجاهد - وقال مجاهد معناه خطيأتي ودمي، ذهب إلى ان المعنى مثل إثمي.
وقال الجبائي، والزجاج. وإثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك. ويجوز أن يريد باثمي الاول اثم قتلي ان قتلتني
---
(1) سورة 2 البقرة آية 61 وسورة 3 آل عمران آية 112.
(2) اللسان (بوء) وفيه روايتان: لايبأء، لايبؤء.

(3/494)


تفسير التبيان ج3
واثمك الذي قتلتني، فاضافه تارة إلى المفعول واخرى إلى الفاعل، لانه مصدر يصح ذلك فيه، كماتقول ضرب زيد عمرا وضرب عمرو زيد فتضيفه تارة إلى الفاعل واخرى إلى المفعول.
فان قيل: كيف جاز أن يريد منه الاثم وهو قبيح؟ قلنا: المراد بذلك عقاب الاثم، لان الرجوع بالاثم رجوع بعقابه، لانه لايجوز لاحد أن يريد معصية الله من غيره كما لايجوز. أن يريدها من نفسه، وهوقول أبي علي وغيره.
وقال قوم: التقدير إني أريد أن لاتبوء باثمي كما قال " يبين الله لكم أن تضلوا " ومعناه ألا تضلوا. وهذا وجه يحتمله الكلام لكن الظاهر خلافه، وإنما يحمل على ذلك إذا دل الدليل على أنه لايجوز أن يريد من غيره الاثم. وليس ههنا مايدل عليه والكلام يدل على أنه أراد العقاب لامحالة لو أراد الاثم.
وقوله " فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين " لايدل على فساد القول بالارجاء، لان ظاهره يقتضي أنه يستحق بذلك النار والعذاب، وان ذلك جزاء ه وليس في ذلك ما يمنع من جواز اسقاطه بغير توبة فينبغي أن لايمنع منه. وفي الآية دلالة على أن الوعيد بالنار قد كان في زمن آدم بخلاف ما يدعيه جماعة من اليهود والنصارى.
الآية: 30 - 39
قوله تعالى: فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين(30))
آية بلاخلاف

(3/495)


تفسير التبيان ج3
قيل في معنى " طوعت له نفسه " ثلاثة أقوال: احدها - شجعته نفسه على قتل أخيه في قول مجاهد.
وقال قتادة زينت له نفسه قتل أخيه.
وقال قوم: معناه ساعدته نفسه على قتل اخيه، فلما حذف حرف الجر نصب قوله " قتل أخيه ".
ومن قال معناه زينت نصبه كأنه مفعول به. يقال طاع لهذه الظبية اصول الشجرة، وطاع لفلان كذا أي أتاه طوعا، ويقال أيضا انطاع. ولايقال اطاعته نفسه، لان (أطاع) يدل على قصد لموافقة معنى الامر، وليس كذلك طوع، لانه بمنزلة انطاع له اصول الشجرة. وفي الفعل ما يتعدى إلى نفس الفاعل نحو حرك نفسه، وقتل نفسه. وفيه ما لايتعدى نحو أمر ونهى، لان الامر والنهي لايكون إلا ممن هو أعلى لمن هودونه.
وقال ابن عباس وابن مسعود وأبومالك وأبوجعفر (عليه السلام): إنه قتله بصخرة شدخ رأسه بها، وقال مجاهد: لم يدر كيف يقتله حتى ظهر له ابليس فعلمه ذلك، ظهر في صورة طير، فأخذ طيرا آخر وترك رأسه بين حجرين فشدخه. وقابيل ينظر اليه ففعل مثله. وقيل هو أول قتل كان في الناس.
وقوله: " فأصبح من الخاسرين " لايدل على أنه قتله ليلا، لان معناه صار من الخاسرين بقتله ليلا أو نهارا، لانه يحسن في هذا أن يقال: أصبح، لانه بمنزلة الامر الذي بيت ليلا، فكانت ثمرته الوبال والخسران، والمعنى - ههنا - ذهاب رأس المال بهلاك نفسه. وذلك أعظم الخسران كما قال تعالى " خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة " فمعنى الآية أصبح من الذين باعوا الآخرة بالدنيا، فخسروا في ذلك وخابت صفقتهم.

(3/496)


تفسير التبيان ج3
قوله تعالى: فبعث الله غرابا يبحث في الارض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال ياويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين(31))
آية بلاخلاف
قرأ الحسن (ياويلتني) مضاف، وهما لغتان يقال ياويلتا وياويلتي ذكره الازهري.
قيل: إنه كان أول ميت من الناس فلذلك لم يدر كيف يواريه وكيف يدفنه حتى بعث الله غرابين أحدهما حي والآخر ميت، وقيل كانا حيين فقتل أحدهما صاحبه ثم بحث الحي الارض فدفن فيه الغراب الميت، ففعل به مثل ذلك قابيل، وهوقول ابن عباس وابن مسعود وابن مالك ومجاهد والضحاك وقتادة. وفي ذلك دلالة على فساد ما قال الحسن وأبوعلي وأبومسلم إنهما كانا من بني اسرائيل، لانه لم يكن الناس إلى زمان بني اسرائيل، لايدرون كيف يدفنون ميتهم، قال الرماني ولايجوز أن يكون الغراب مكلفا، لان المعلوم من دعوة الرسول أن المكلفين هم الملائكة والانس والجن، والمعلوم ضرورة أنه لامطيع لله أحد إلا من هذه الثلاثة أصناف، وأيضا فقد بعث الله النبي صلى الله عليه وآله إلى كل مكلف سوى الملائكة ولايقول أحد: إنه مبعوث إلى الغربان.
ومعنى " فبعث الله غرابا " ألهمها ذلك.
وقال الزجاج أكرم الله المقتول بأن بعث غرابا حثا عليه التراب ليريه كيف يواري سوأة أخيه.

(3/497)


تفسير التبيان ج3
وقال قوم: كان ملكا في صورة الغراب.
وقال أبوعلي يجوز أن يكون الغراب قد زاد الله في عقله ماعقل أمر الله لاعلى وجه التكليف كما نأمر صبياننا وأولادنا فيفهمون عنا.
ومعنى " سوء ة أخيه " قيل فيه قولان: أحدهما - قال أبوعلي: إنه جيفة أخيه، لانه كان تركه حتى أنتن فقيل لجيفته سوء ة. وقال غيره: معناه عورة أخيه والظاهر يحتمل الامرين.
وأصل السوء التكرة تقول ساء ه يسوء ه إذا أتاه بما يكرهه.
وروى الحسن عن النبي صلى الله عليه وآله أن الله ضرب لكم مثلا ابني آدم فخذوا من خيرهما ودعوا شرهما).
وقوله " قال وياويلتا " فيه حذف لان تقديره ليريه كيف يواري سوأة أخيه فواراه قال والقائل أخاه ياويلتاه.
وقال الزجاج الوقف في غير القران عليها ياويلتاه، والنداء لغير الآدميين نحو " ياحسرتا على العباد "(1). و " ياويلتا أألد وأنا عجوز "(2). وقال ياويلتا وإنما وقع في كلام العرب. على تنبيه المخاطب وان الوقت الذي يدعي هذه الاشياء هووقتها.
والمعنى ياويلتا تعالي فانه من ابانك أي قوله: مني الويل وكذلك ياعجبا: المعنى ياأيها العجب هذا وقتك.
وقال سيبويه: الويل كلمة تقال عند الهلكة.
وقيل الويل واد في جهنم وقوله " أعجزت " يقال عجزت عن الامر أعجز عجزا ومعجزة.
---
(1) سورة يس آية 30.
(2) سورة هودآية 72.

(3/498)


تفسير التبيان ج3
وقوله " فأصبح من النادمين " قيل كانت توبته غير صحيحة، لانها ل