الجزء الاول

                                       الجزء الثاني     الجزء الثالث

                                       الجزء الرابع     الجزء الخامس     الجزء السادس

                                       الجزء السابع     الجزء الثامن     الجزء التاسع      الجزء العاشر

                                               ملاحظة :  للبحث عن كلمة او اكثر اضغط  (  ctrl+f  )

 

 

التبيان في تفسير القرآن
تأليف

شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي

385 - 460 ه .
تحقيق وتصحيح أحمد حبيب قصير العاملي
المجلد الرابع

سورة المائدة

(4/1)


تفسير التبيان ج4
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على ماتفضل وأنعم وصلى الله على محمد وآله وسلم وبعدلقد نفدت الطبعة الاولى من هذا السفر النفيس ورأينا الطلب لم يزل كما هو فعزمنا على إعادته طبعة ثانية متكلين على الله تعالى وحده. وسوف نعتني بضبط مافاتنا من الاخطاء إن شاء الله تعالى. وعلينا أن نبذل الجهد، وعلى الله التوفيق.
أحمد حبيب قصير العاملي
الآية: 83 - 89

(4/2)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: وإذا سمعوا ماأنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين(83)
آية، بلاخلاف.
هذا وصف للذين آمنوا من هؤلاء النصارى الذين ذكرهم الله أنهم أقرب مودة للمؤمنين بأنهم اذا سمعوا ماأنزل الله من القرآن يتلى " ترى أعينهم تفيض من الدمع " يعني من آمن من هؤلاء النصارى.
قال الزجاج وأبوعلي: تقديره ومنهم اذا سمعوا ولم يذكر (منهم) لدلالة الكلام عليه وما وصفهم به فيما بعده. وفيض العين من الدمع امتلاؤها منه سيلا ومنه فيض النهر من الماء وفيض الاناء، وهو سيلانه عن شدة امتلاء، ومنه قول الشاعر:
ففاضت دموعي فظل الشؤو
ن إما وكيفا وإما انحدارا(1)
وخبر مستفيض أي شائع، وفاض صدر فلان بسره، وأفاض القوم من عرفات إلى منى اذا دفعوا، وأفاض القوم في الحديث اذا اندفعوا فيه، والدمع الماء الجاري من العين ويشبه به الصافي، فيقال دمعة.
والمدامع مجاري الدمع وشجة دامعة تسيل دما.
وقوله " مما عرفوا من الحق " أي مما علموه من صدق النبي وصحة ماأتى به " يقولون ربنا " في موضع الحال، وتقديره قائلين " ربنا آمنا " أي صدقنا بما أنزلت " فاكتبنا مع الشاهدين " قيل في معناه قولان: أحدهما - فاجعلنا مع الشاهدين فيكون بمنزلة ماقد كتب ودون. الثانى - فاكتبنا معهم في أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ.
و (الشاهدين) قال ابن عباس وابن جريج: مع أمة محمد صلى الله عليه وآله الذين يشهدون بالحق من
---
(1) قائله الاعشى. ديوانه: 35.

(4/3)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى " وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس "(1) وقال الحسن: هم الذين يشهدون بالايمان. وقال أبوعلي الذين يشهدون بتصديق نبيك وكتابك.
قوله تعالى: ومالنا لانؤمن بالله وماجاء نا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين(84)
آية بلا خلاف.
هذا إخبار عن هؤلاء الذين آمنوا من النصارى بأنهم قالوا: " ومالنا " قال الزجاج: وهو جواب لمن قال لهم من قومهم معنفين لهم: لم آمنتم.
وقال غيره: قدروا في أنفسهم كأن سائلا يسألهم عنه، فاجابوا بذلك.
وقوله " لانؤمن " في موضع نصب على الحال، وتقديره أي شئ لنا تاركين للايمان أي في حال تركنا للايمان.
والايمان هو التصديق عن ثقة، لان الصدق راجع إلى طمأنينة القلب بماصدق به.
والحق هوالشئ الذي من عمل عليه نجا، ومن عمل على ضده من الباطل هلك.
ومعنى (من) - هاهنا - قيل في معناه قولان: أحدهما - تبيين الاضافة التي تقوم مقام الصفة، كأنه قيل: والجائي لنا الذي هو حق.
وقال آخرون: إنها للتبعيض لانهم آمنوا بالذي جاء هم على التفصيل.
ووصف القرآن بأنه (جاء) مجاز، كما قيل: نزل، ومعناه نزل به الملك، فكذلك جاء به الملك.
ويقال: جاء بمعنى حدث نحو " جاء ت سكرت الموت "(2) وجاء البرد والحر.
وقوله " ونطمع " فالطمع تعلق النفس بما يقوى أن يكون من معنى
---
(1) سورة 2 البقرة آية 143.
(2) سورة 50 ق آية 19

(4/4)


تفسير التبيان ج4
المحبوب، ونظيره الامل والرجاء فالطمع يكون معه الخوف أو لايكون.
" أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين " معناه أن يدخلنا معهم الجنة. والصالح هوالذي يعمل الصلاح في نفسه واذا عمله في غيره فهو مصلح، فلذلك لم يوصف الله تعالى بأنه صالح ووصف بأنه مصلح.
قوله تعالى: فاثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين(85)
آية بلاخلاف.
معنى " فأثابهم الله " جازاهم الله بالنعيم على العمل كما أن العقاب الجزاء بالعذاب على العمل وأصل الثواب الرجوع. ومنه قوله " هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون "(1) أي هل رجع اليهم جزاء عملهم.
وقوله " بما قالوا " يعني قولهم " ربنا آمنا " وقوله " جنات تجري من تحتها الانهار " إنما ذكرها بلفظ الجمع وإن كانت هي جنة الخلد، لانها جنة فيها جنات أي بساتين، وتذكر بالجمع لتبين عن اختلاف صورها وأحوال أشجارها وأنهارها ووجوه الاستمتاع بها، ووجه آخر: هو أن يكون جمعها مضافا اليهم كما يقال لهم جنة الخلد إلا أنها مرة تذكر على طريق الجنس، ومرة على غير طريق الجنس.
وقوله " وذلك جزاء المحسنين " (ذلك) إشارة إلى الثواب. والاحسان هو إيصال النفع الحسن إلى الغير، وضده الاساء ة، وهي إيصال الضرر القبيح اليه، وليس كل من كان من جهته إحسان فهو محسن مطلقا، فالمحسن فاعل الاحسان الخالي مما يطلبه، كما أن المؤمن هو فاعل الايمان الخالص مما يحبطه، وعندنا لايحتاج إلى شرط خلوه مما يبطله، لان الاحباط عندنا باطل، لكن يحتاج أن يشرط فيه أن يكون خاليا من وجوه القبح.
---
(1) سورة 83 المطففين آية 36:

(4/5)


تفسير التبيان ج4
وقوله " وذلك جزاء المحسنين " وإن كان مطلقا فهو مقيد في المعنى بالمحسنين الذين يجوز عليهم الوعد بالنفع، لانه وعد به، ألا ترى أن الله تعالى يفعل الاحسان وإن كان لايصح عليه الثواب لانه مضمن بمن يجوز عليه المنافع والمضار فجزاؤه هذه المنافع العظام دون المضار، لانه خرج مخرج استدعاء العباد إلى فعل الاحسان.
قوله تعالى: والذين كفروا وكذبوا بآياتنا اولئك أصحاب الجحيم(86)
آية بلاخلاف.
لما كان أهل الكتاب فريقين أحدهما آمنوا، والثاني كفروا، وذكر الوعد للمؤمنين منهم اقتضى أن يذكر الوعيد لمن كفر منهم وأطلق اللفظ ليكون لهم ولكل من جرى مجراهم، وإنما شرط في الوعيد على الكفر بالتكذيب بالايات وإن كان كل واحد منهما يستحق به العقاب، لان صفة الكفار من أهل الكتاب أنهم يكذبون بالايات، فلم يصلح - هاهنا - لو كذبوا لانهم قد جمعوا الامرين، ولان دعوة الرسول صلى الله عليه وآله بوعيد الكفار ظاهرة مع مجئ القرآن به في نحو قوله " ان الله لايغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء "(1) فلم يقع فيه اشكال لهذا.
وقوله " أولئك " يعني هؤلاء الكفار. و " أصحاب الجحيم " يعني الملازمون لها، كقولك أصحاب الصحراء وليس كمثل أصحاب الاموال، لان معنى ذلك ملاك الاموال. وليس من شرط المكذب أن يكون عالما أن ماكذب به صحيح بل اذا اعتقد أن الخبر كذب سمي مكذبا، وإن لم يعلم أنه كذب، وإنما يستحق الذم، لانه جعل
---
(1) سورة 4 النساء آية 47، 115.

(4/6)


تفسير التبيان ج4
له طريق إلى أن يعلم صحة ماكذب به.
و " الجحيم " النار الشديدة الايقاد وهو إسم من أسماء جهنم ويقال: جحم فلان النار اذا شدد ايقادها، ويقال أيضا لعين الاسد: جحمة لشدة ايقادها، ويقال ذلك للحرب أيضا قال الشاعر:
والحرب لاتبقى لجا
حمها التخيل والمراح
إلا الفتى الصبار في النج
دات والفرس الوقاح(1)
قوله تعالى: يا أيها الذين امنوا لاتحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولاتعتدوا إن الله لايحب المعتدين(87)
آية بلاخلاف.
هذا خطاب للؤمنين خاصة نهاهم الله أن يحرموا طيبات ماأحل الله لهم.
والتحريم هو العقد على مالايجوز فعله للعبد، والتحليل حل ذلك العقد، وذلك كتحريم السبت بالعقد على أهله، فلايجوز لهم العمل فيه، وتحليله تحليل ذلك العقد بأنه يجوز لهم الان العمل فيه.
والطيبات اللذيذات التي تشتهيها النفوس وتميل اليها القلوب.
ويقال: طيب بمعنى حلال.
وتقول: يطيب له كذا أي يحل له، ولايليق ذلك بهذا الموضوع، لانه لايقال: لاتحرموا حلال ماأحل الله لكم.
والذي اقتضى ذكر النهي عن تحريم الطيبات - على ماقال ابن عباس ومجاهد وأبومالك وقتادة وابراهيم - حال الرهبان الذين حرموا على أنفسهم المطاعم الطيبة والمشارب اللذيذة وحبسوا أنفسهم في الصوامع وساحوا في الارض، وحرموا النساء، فهم قوم من الصحابة أن يفعلوا مثل ذلك، فنهاهم الله عن ذلك.
وقال أبوعلي: نهوا أن يحرموا الحلال من الرزق بما يخلطه من الغصب.
واختار الرماني الوجه الاول، لان أكثر المفسرين عليه.
---
(1) انظر 2: 438 من هذا الكتاب.

(4/7)


تفسير التبيان ج4
وقال السدي: نهاهم الله عما هم به عثمان بن مظعون من جب نفسه.
وقال عكرمة: هو ماهمت به الجماعة: من تحريم النساء والطعام واللباس والنوم.
وقال الحسن: لاتعتدوا إلى ماحرم عليكم وهو أعم فائدة.
والاعتداء مجاوزة حد الحكمة إلى مانهى عنه الحكيم، وزجر عنه إما بالعقل أو السمع، وهو تجاوز المرء ماله إلى ماليس له.
وقوله " إن الله لايحب المعتدين " معناه يبغضهم ويريد الانتقام منهم وانما ذكره على وجه النفي لدلالة هذا النفي على معنى الاثبات إذ ذكر في صفة المعتدين، وكأنه قيل يكفيهم في الهلاك ألا يحبهم الله.
قوله تعالى: وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون(88)
آية اجماعا.
سبب نزول هذه الاية والتي قبلها على ماقال عكرمة وأبوقلابة وأبو مالك وابراهيم وقتادة والسدي وابن عباس والضحاك: إن جماعة من الصحابة منهم علي (ع) وعثمان بن مظعون وابن مسعود وعبدالله بن عمر، هموا بصيام الدهر وقيام الليل، واعتزال الناس وجب أنفسهم وتحريم الطيبات عليهم.
فروي أن عثمان بن مظعون قال أتيت النبي صلى الله عليه وآله فقلت: يارسول الله إئذن لي في الترهب فقال: (لاإنما رهبانية أمتي الجلوس في المسجد وانتظار الصلاة بعدالصلاة) فقلت: يارسول الله أتأذن لي في السياحة قال: (سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله) فقلت: يارسول الله أتأذن لي في الاختصاء فقال: (ليس منا من خصا واختصا إنما اختصاء أمتي الصوم).
وقوله " وكلوا " لفظه لفظ الامر والمراد به الاباحة أباح الله تعالي

(4/8)


تفسير التبيان ج4
للمؤمنين أن يأكلوا مما رزقهم حلالا طيبا، فالرزق هوماللحي الانتفا به وليس لغيره منعه منه.
وقال الرماني: الرزق هو العطاء الجاري في الحكم ومن ذلك قيل: رزق السلطان الجند اذا جعل لهم عطاء جاريا في حكمه في كل شهرأو في كل سنة.
قال الرماني: وكلما خلقه الله في الارض مما يملك، فهو رزق للعباد في الجملة بدلالة قوله " هوالذي خلق لكم مافي الارض جميعا "(1) ولولا ذلك لجوزنا أن يكون منه ماليس للانس إلا أنه وإن كان رزقا لهم في الجملة فتفصيل قسمته على مايصح ويجوز من الاملاك، ولا يجوز أن يكون الرزق حراما، لان الله منع منه بالنهي، فاما البغاة فيرزقون حراما اذا حكموا بأن المال للعبد، وهو مغصوب لايحل، قال وماافترسه السبع رزق له بشرط غلبته عليه كما أن غنيمة المشركين رزق لنا بشرط غلبتنا عليها، لان المشرك يملك مافي يده، فاذا غلبنا عليه بطل ملكه، وصار رزقا لنا في هذه الحال، قال: وقد أمرنا بأن نمنعه من الانسان مع الامكان، وأذن لنا أن نمنعه من غيره من نحو الميتة والوحش إن شئنا ويسقط جميع ذلك في حال التعذر علينا.
وعندي أنه لايجب أن يطلق أن مايغلب عليه السبع رزق له بل إنما نقول: إن رزقه ماليس لنا منعه منه فأما مالنا منعه منه إما بأن يكون ملكا لنا أو أذن لنافيه، فلايكون رزقا له بالاطلاق، وقد يسلط الله السبع على بعض المشركين فيكون رزقا له وعقابا للمشرك، والاصل فيه قوله تعالى " وما من دابة في الارض إلا على الله رزقها "(2) فمفهوم هذا أنه رزقه بشرط الغلبة عليه.
فان قيل: اذاكان الرزق لايكون إلا حلالا فلم قال: (حلالا)؟ قيل: ذكر ذلك على وجه التأكيد كما قال " وكلم الله موسى تكليما "(3)
---
(1) سورة 2 البقرة آية 29.
(2) سورة 11 هود آية 6.
(3) سورة 4 النساء آية 163

(4/9)


تفسير التبيان ج4
وقد أطلق في موضع آخر على جهة المدح " ومما رزقناهم ينفقون "(1)
وقوله: " واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون " استدعاء إلى التقوى بألطف الاستدعاء وتقديره أيها المؤمنون بالله لاتضيعوا ايمانكم بالتقصير في التقوى فيكون عليكم الحسرة العظمى واتقوا تحريم ماأحله الله لكم في جميع معاصيه من أنتم به تؤمنون وهوالله تعالى. وأصل الصفة التعريف ثم يخرج إلى غيرذلك من المدح والذم وغير ذلك من المعاني التي تحسن في مخرج الصفة، فلذلك قال الذي " أنتم به مؤمون " وفي هاتين الايتين دلالة على كراهة التخلي والتفرد والتوحش والخروج عما عليه الجمهور في التأهل وطلب الولد وعمارة الارض.
قوله تعالى: لايؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ماتطعمون أهليكم أوكسوتهم أوتحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون(89)
آية بلاخلاف.
قرأ " عاقدتم " بالالف ابن عامر، و " عقدتم " بلا ألف مع تخفيف القاف حمزة والكسائي وأبوبكر عن عاصم. والباقون بالتشديد. ومنع من القراء ة بالتشديد الطبري، قال: لانه لا يكون إلا مع تكرير اليمين والمؤاخذة تلزم من غير تكرير بلا خلاف. وهذا ليس بصحيح لان تعقيد
---
(1) سورة 2 البقرة آية 3.

(4/10)


تفسير التبيان ج4
اليمين إن يعقدها بقلبه ولفظه ولو عقد عليها في أحدهما دون الاخر لم يكن تعقيدا، وهو كالتعظيم الذي يكون تارة بالمضاعفة وتارة بعظم المنزلة.
وقال أبوعلى الفارسي من شدد احتمل أمرين: أحدهما - أن يكون لتكثير الفعل القوله " ولكن يؤاخذكم " مخاطبا الكثرة، فهو مثل " وغلقت الابواب "(1). والاخر أن يكون (عقد) مثل (ضعف) لا يراد به التكثير، كما أن (ضاعف) لايراد به فعل من اثنين.
وقال الحسين بن علي المغربي: في التشديد فائدة، وهو أنه اذا كرر اليسين على محلوف واحد فاذا حنث لم يلزمه إلا كفارة واحدة. وفي ذلك خلاف بين الفقهاء. والذي ذكره قوي.
ومن قرأ بالتخفيف جاز أن يريد به الكثير من الفعلل والقليل إلا ان فعل يختص بالكثير كما أن الركبة تختص بالحال التي يكون عليها الركوب، وقالوا: عقدت الحبل والعهد واليمين عقدا ألا ترى أنها تتلقى بما يتلقى به القسم، قال الشاعر: قوم اذا عقدوا عقدا لجارهم(2) ويقال: أعقدت العسل فهو معقد وعقيد.
وحكى أبواسحاق عقدت العسل. والاول أكثر.
فأما قراء ة ابن عامر فيحتمل أمرين: أحدهما - ان يكون عاقدتم يراد به عقدتم كما أن (عافاه الله) و (عاقبت) (اللص) و (طارقت النعل) بمنزلة فعلت. ويحتمل أن يكون أراد فاعلت الذي يقتضي فاعلين فصاعدا، كأنه قال يؤاخذكم بما عاقدتم عليه اليمين، ولما كان عاقد في المعنى قريبا من عاهد؟؟ ب (على) كما يعدى عاهد بها.
قال الله تعالى " ومن أوفي بما عاهد عليه الله "(3) والتقدير يؤاخذكم بالذي عاقدتم
---
(1) سورة 12 يوسف آية 23.
(2) اللسان (عقد).
(3) سورة الفتح آية 10

(4/11)


تفسير التبيان ج4
عليه، ثم قال: عاقدتموه الايمان فحذف الراجع. ويجوز أن يجعل (ما) مع الفعل بمنزلة المصدر فيمن قرأ عقدتم بالتخفيف والتشديد، فلا يقتضي راجعا كما لا يقتضيه في قوله " ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون "(1).
وقيل في سبب نزول هذه الاية قولان: أحدهما - قال ابن عباس: إن القوم لما حرموا الطيبات من المآكل والمناكح والملابس حلفوا على ذلك فنزلت الاية. وقال ابن زيد نزلت في عبدالله بن رواحة كان عنده ضيف فأخرت زوجته عشاه فحلف لا يأكل من الطعام، وحلفت المرأة لا تأكل إن لم يأكل، وحلف الضيف لا يأكل ان لم يأكلا، فأكل عبدالله بن رواحة واكلا معه، وأخبر النبي صلى الله عليه وآله بذلك فقال له: أحسنت. ونزلت هذه الاية.
واللغو في اللغة هو مالا يعتد به قال الشاعر:
أو مائة تجعل أولادها
لغوا وعرض المائة الجلمد(2)
أي الذي يعارضها في قوة الجلمد يعني بالمائة نوقا أي لا يعتد به بأولادها.
ولغو اليمين هو الحلف على وجه الغلط من غير قصد مثل قول القائل: لا والله وبلى والله على سبق اللسان، هذا هو المروي عن أبي جعفر وأبي عبدالله (ع) وهو قول أبي علي الجبائي.
وقال الحسن وأبومالك: هو اليمين على ما يرى صاحبها أنه على ما حلف ولا كفارة في يمين اللغو عند أكثر المفسرين والفقهاء.
وروي عن ابراهيم أن فيها الكفارة بخلاف عنه. بين الله تعالى بهذه الاية أنه لا يؤآخذ على لغو الايمان وأنه يؤآخذ بما عقد عليه قلبه ونواه.
وقوله " فكفارته " (الهاء) يحتمل رجوعها إلى أحد ثلاثة أشياء.
أحدها - إلى (ما) من قوله بما عقدتم الايمان.
الثاني - على اللغو.
الثالث - على حنث اليمين لانه مدلول عليه.
والاول هو الصحيح، وبه قال
---
(1) سورة البقرة آية 10.
(2) اللسان (جلمد).

(4/12)


تفسير التبيان ج4
الحسن والشعبي وأبومالك وعائشة.
وقوله " إطعام عشرة مساكين " إنما ذكر بلفظ المذكر تغليبا للتذكير في كلامهم لانه لاخلاف أنه لو أطعم الاناث لاجزاه، ويحتاج أن يعطي قدر ما يكفيهم. وقد حده أصحابنا أن يعطي كل واحد مدين أو مدا، وقدره رطلان وربع منفردا، أو يجمعهم على ما هذا قدره ليألكوه. ولا يجوز أن يعطي خمسة ما يكفي عشرة، وهو قول أبي علي، وفيه خلاف بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف. وهل يجوز اعطاء القيمة؟ فيه خلاف، والظاهر يقتضي أنه لا يجزى والروايات تدل على إجزائه، وهو قول أبي علي وأهل العراق. وانما ذكر الكفارة في الاية ولم يذكر التوبة، لان المعنى فكفارته الشرعية كذا. واما العقاب فلانه يجوز أن تكون المعصية صغيرة أو كبيرة فلاجل ذلك لم يبين. وعندنا أن حكم التوبة معلوم من الشرع، فلذلك لم يذكر.
وقوله " من أوسط ما تطعمون " قيل فيه قولان: أحدهما - الخبز والادم دون اللحم، لان أفضله الخبز واللحم والتمر، وأوسطه الخبز والزيت أو السمن، وأدونه الخبز والملح. وبه قال ابن عمر والاسود وعبيدة وشريح.
الثاني - قيل: أوسطه في المقدار إن كنت تشبع أهلك أو لا تشبعهم، بحسب العسر واليسر، فبقدر ذلك - هذا قول ابن عباس والضحاك - وعندنا يلزمه أن يطعم كل مسكين مدين، وبه قال علي (ع) وعمر وابراهيم وسعيد بن جبير والشعبي ومجاهد.
وقال: يكفيه مد - ذهب اليه زيد ابن ثابت والشافعي والطبري وغيرهم - وروي ذلك في أخبارنا.
وقوله " أو كسوتهم " فالذي رواه أصحابنا أنه ثوبان لكل واحد مئزر وقميص، وعند الضرورة قميص، وقال الحسن ومجاهد وعطاء وطاوس وابراهيم: ثوب.
وقوله " أو تحرير رقبة " فالرقبة التي تجزي في الكفارة

(4/13)


تفسير التبيان ج4
كل رقبة كانت سليمة من العاهة صغيرة كانت أو كبيرة مؤمنة كانت أو كافرة والمؤمنة أفضل، لان الاية مطلقة مبهمة. وفيه خلاف ذكرناه في الخلاف.
وما قلناه قول أكثر المفسرين: الحسن وغيره، ومعنى فتحرير رقبة عتق رقبة.
وقيل: تحرير من الحرية أي جعلها حرة قال الفرزدق: ابني عدانة انني حررتكم فوهبتكم لعطية بن جعال(1) أي أعتقتكم من ذل الهجاء ولزوم العار. وهذه الثلاثة أشياء مخير فيها بلا خلاف وعندنا أنها واجبة على التخيير.
وقال قوم إن الواجب منها واحد لابعينه. والكفارة قبل الحنث لا تجزي وفيه خلاف.
وقوله " فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام " يحتمل رفعه أن يكون بالابتداء وخبره فكفارته، ويجوز أن يكون رفعا بالخبر، ويكون تقديره فكفارته صيام. وحد من ليس بواجد هو (من ليس عنده مايفضل عن قوته وقوت عياله يومه وليلته) وهو قول قتادة والشافعي. وصوم الثلاثة أيام متتابعة، وبه قال ابن كعب وابن عباس ومجاهد وابراهيم وقتادة وسفيان وأكثر الفقهاء. ويقويه أنه في قراء ة ابن مسعود وابي " صيام ثلاثة أيام متتابعات ".
وقال مالك والحسن: التتابع أفضل والتفريق يجوز.
فاما اذا قال القائل: إن فعلت كذا فلله علي أن أتصدق بمئة دينار، فان هذا نذر عندنا، وعند أكثر الفقهاء، - يلزمه به مئة دينار.
وقال أبوعلي عليه كفارة يمين - لقوله " ذلك كفارة أيمانكم " وهو عام في جميع الايمان. وهذا ليس بيمين عندنا بل هو نذر يلزمه الوفاء به لقوله " أوفوا بالعقود "(2) واليمين على ثلاثة أقسام: أحدها - عقدها طاعة وحلها معصية، فهذه يتعلق بحنثها كفارة بلا خلاف كقوله: والله لاشربت خمرا، ولاقتلت نفسا. الثاني - عقدها معصية وحلها طاعة كقوله: والله لاصليت ولاصمت، فاذا جاء بالصلاة والصوم، فلا كفارة عليه - عندنا - وخالف جميع الفقهاء
---
(1) ديوانه: 726، والنقائض: 275.
(2) سورة 6 الانعام آية 1

(4/14)


تفسير التبيان ج4
في ذلك واوجبوا عليها عليه الكفارة.
الثالث - أن يكون عقدها مباحا كقوله: والله لالبست هذا الثوب فمتى حنث تعلق به الكفارة بلاخلاف.
وقوله " ذلك كفارة أيمانكم اذا حلفتم " معناه حنثتم.
وقوله " واحفظوا ايمانكم " قيل في معناه قولان: أحدهما - احفظوها أن تحلفوا بها، ومعناه لاتحلفوا. الثاني - احفظوها من الحنث، وهو الاقوى، لان الحلف مباح إلا في معصية بلا خلاف - وانما الواجب ترك الحنث، وذلك يدل على أن اليمين في المعصية غير منعقدة، لانها لو انعقدت للزم حفظها، واذا لم تنعقد لم تلزمه كفارة على مابيناه.
وقوله " كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون " معناه إن الله يبين لكم آياته وفرائضه كما بين لكم أمر الكفارة لتشكروه على تبيينه لكم أموركم ونعمه عليكم وتسهيله عليكم المخرج من الاثم بالكفارة. فأما إقسام الايمان وما ينعقد منها ومالا ينعقد وشرائطها، فقد بيناها في كتب الفقه مشروحة لانطول بذكرها الكتاب.
الآية: 90 - 99
قوله تعالى: ياأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون(90)
آية بلاخلاف.
هذا خطاب للمؤمنين أخبرهم الله تعالى أن الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس، فالخمر عصير العنب المشتد، وهو العصير الذي يسكر كثيرة وقليله. والخمر حرام وتسمى خمرالانها بالسكر تغطي على العقل،

(4/15)


تفسير التبيان ج4
والاصل في الباب التغطية من قول أهل اللغة خمرت الاناء اذا غطيته، ومنه دخل في خمار الناس اذا خفي فيما بينهم بسترهم له والخمير العجين الذي يغطى حتى يختمر، وخمار المرأة، لانها تغطي رأسها به. وخامره الحزن اذا خالطه منتشرا في قلبه واستخمرت فلانا أي استعبدته. والاصل فيه أمرته أن يتخذ الخمر، ثم كثر حتى جرى في كل شئ يأمر به. وعلى هذا الاشتقاق يجب أن يسمى النبيذ وكل مسكر على اختلاف أنواعه خمرا، لاشتراكها في المعنى وان يجري عليها أجمع جميع أحكام الخمر. و " الميسر " القمار كله مأخوذ من تيسير أمر الجزور بالاجتماع على القمار فيه والذي يدخل فيه ييسر والذي لايدخل فيه برم.
قال أبوجعفر (ع) ويدخل فيه الشطرنج والنرد وغير ذلك حتى اللعب بالجوز. والاصل فيه اليسر خلاف العسر وسميت اليد اليسرى تفاؤلا بتيسير العمل بها.
وقيل: بل لانها تعين اليمنى فيكون العمل أيسر، وذهب يسرة خلاف يمنة.
" والانصاب " الاصنام واحدها نصب.
وقيل لها أنصاب، لانها كانت تنصب للعبادة وأصله الانتصاب: القيام، نصب ينصب نصبا.
ومنه النصب التعب عن العمل الذي ينتصب له، ونصاب السكين، لانها تنصب فيه، ومناصبة العدو: الانتصاب لعداوته قال الاعشى:
وذا النصب المنصوب لاتنسكنه
ولاتعبد الشيطان والله فاعبدا(1)
و " الازلام " القداح، وهي سهام كانوا يجيلونها ويجعلون عليها علامات (إفعل، ولاتفعل ونحو ذلك على مايخرج من ذلك في سفر أو إقامة أو غير ذلك من الامور المهمة، وكانوا يجيلونها للقمار، واحدها زلم، وزلم.
وقال الاصمعي: كان الجزور يقسمونه على ثمانية وعشرين جزء ا.
وقال أبو عمرو: كان عددها على عشرة.
وقال أبوعبيدة: لاعلم لي بمقدار عدتها، وقد ذكرت أسماؤها مفصلا، وهي عشرة: ذوات الحظوظ منها سبعة
---
(1) ديوانه 46 وروايته (الاوثان) بدل (الشيطان).

(4/16)


تفسير التبيان ج4
وأسماؤها: الفذ، والتوء م والرقيب، والحلس، والنافس، والمسبل، والمعلى.
والاغفال التي لا حظوظ لها ثلاثة اسماؤها: السفيح، والمنيح، والوغد. ذكر القتيبي ذلك.
وقوله " رجس " أي نجس " والرجز " العذاب. ومنه قوله " لئن كشفت عنا الزجر "(1) أي العذاب وقوله " والرجز فاهجر "(2) يعني الاوثان.
ومعناه الرجس فاهجر، وأصل الرجز تتابع الحركات يقال ناقة رجزاء اذا كانت ترتعد قوائمها في ناحية. وقال الزجاج: يقال: رجس يرجس اذا عمل عملا قبيحا. والرجس بفتح الراء شدة الصوت، وسحاب الرجاس، ورعد رجاس اذاكان شديد الصوت قال الشاعر: وكل رجاس يسوق الرجسا(3) وقوله " من عمل الشيطان " إنما نسبها إلى عمل الشيطان وهي أجسام لما يأمر به فيها من الفساد فيأمر بالسكر ليزيل العقل، ويأمر بالقمار لاستعمال الاخلاق الدنيئة ويأمر بعبادة الاوثان لما فيها من الكفر بالله العظيم، ويأمر بالازلام لما فيها من ضعف الرأي والاتكال على الاتفاق.
وقوله " فاجتنبوا " أمر بالاجتناب أي كونوا جانبا منه في ناحية " لعلكم تفلحون " ومعناه لكي تفوزوا بالثواب. وفي الاية دلالة على تحريم الخمر، وهذه الاشياء الاربعة من أربعة أوجه: أحدها - أنه وصفها بأنها رجس وهي النجس والنجس محرم بلا خلاف.
الثاني - نسبها إلى عمل الشيطان وذلك لايكون الا محرما.
والثالث - أنه أمرنا باجتنابه. والامر يقتضي الايجاب.
الرابع - أنه جعل الفوز والفلاح باجتنابه.
---
(1) سورة 7 الاعراف آية 133.
(2) سورة 74 المدثر آية 5.
(3) اللسان (رجس).

(4/17)


تفسير التبيان ج4
والهاء في قوله " فاجتنبوه " راجعة إلى عمل الشيطان، وتقديره اجتنبوا عمل الشيطان.
قال ابن عباس: الرجس - هاهنا - معناه السخط.
وقال ابن زيد: هو الشر.
قوله تعالى: إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر، والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلوة فهل أنتم منتهون(91)
آية بلاخلاف.
قيل في سبب نزول هذه الاية قولان: أحدهما - أنه لاحق سعد بن أبي وقاص رجلا من الانصار، وقد كانا شربا الخمر فضربه بلحي جمل ففزر أنف سعدبن ابي وقاص، فنزلت هذه الاية. الثاني - أنه لمانزل قوله " ياأيها الذين آمنوا لاتقربوا الصلاة وأنتم سكارى "(1) قال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت هذه الاية. والشيطان انما يريد إيقاع العداوة والبغضاء بينهم بالاغراء المزين لهم ذلك حتى اذا سكروا زالت عقولهم وأقدموا من المكاره والقبائح على ماكانت تمنعه منه عقولهم.
وقال قتادة: كان الرجل يقامر في ماله وأهله فيقمر، ويبقى حزينا سليبا فيكسبه ذلك العداوة والبغضاء.
وقوله " ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة " أي يمنعكم من الذكر لله بالتعظيم له والشكر له على آلائه، لما في ذلك من الدعاء إلى الصلاح واستقامة الحال في الدين والدنيا بالرغبة فيما عنده، والتوسل اليه بالاجتهاد في طاعته التي تجمع محاسن الافعال ومكارم الاخلاق.
وقوله " فهل أنتم منتهون "؟ صيغته صيغة الاستفهام ومعناه النهي، وانما جاز ذلك، لانه اذا ظهر قبح الفعل للمخاطب صار في منزلة من نهي عنه،
---
(1) سورة 4 النساء آية 42.

(4/18)


تفسير التبيان ج4
فاذا قيل له: أتفعله؟ بعد ماقد ظهر من أمره وصار في محل من عقد عليه باقراره.
فان قيل: ما الفرق بين انتهوا عن شرب الخمر، وبين لا تشربوا الخمر، قلنا: لانه اذا قال: انتهوا دل ذلك على أنه مريد لامر ينافي شرب الخمر. وصيغة النهي إنما تدل على كراهة الشرب، لانه قد ينصرف عن الشرب إلى أخذ أشياء مباحة، وليس كذلك المأمور به، لانه لاينصرف عنه إلا في محذور. والمنهي عنه قد ينصرف عنه إلى غير مفروض.
قوله تعالى: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فان توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين(92)
آية بلاخلاف.
لما أمر الله تعالى باجتناب الخمر والميسر والانصاب والازلام أمرفي هذه الاية بطاعته في ذلك وغيره من أوامر الله تعالى. والطاعة هي امتثال الامر، والانتهاء عن المنهي عنه، ولذلك يصح أن تكون الطاعة طاعة لاثنين بأن يوافق أمرهما وإرادتهما.
وقوله " واحذروا " أمر منه تعالى بالحذر، وهو امتناع القادر من الشئ لما فيه من الضرر. والخوف هو توقع الضرر الذي لايؤمن كونه. والجزع مفاجأة الضرر الذي يزعج النفس مثله. الفزع والرعب مثل الجزع.
وقوله " فان توليتم فاعلموا انما على رسولنا البلاغ المبين " معناه الوعيد والتهديد كأنه قال: فاعلموا أنكم قد حق لكم العقاب لتوليكم عما أدى رسولنا من البلاغ المبين، يعني الاداء الظاهر الواضح، فوضح كلام موضع كلام للايجاز ولو كان على صيغته من غير هذا التقدير لم يصح، لان عليهم أن يعلموا ذلك تولوا أو لم يتولوا. و " ما " في قوله: " أنما " كافة

(4/19)


تفسير التبيان ج4
ل " أن " عن عملها، وذلك أنها لما كانت من عوامل الاسماء خاصة ثم احتيج إلى ادخالها على غيرها زيد عليها (ما) ليعلم تغيرها عن حالها فصارت كافة لها.
قوله تعالى: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين(93)
آية.
قال ابن عباس وابن مالك والبراء بن عازب ومجاهد، وقتادة والضحاك: إنه لما نزل تحريم الخمر قالت الصحابة كيف بمن مات من اخواننا وهو يشربها، فأنزل الله الاية وبين أنه ليس عليهم في ذلك شئ اذا كانوا مؤمنين عاملين للصالحات، ثم يتقون المعاصي وجميع ما حرم الله عليهم.
فان قيل لم كرر الاتقاء ثلاث مرات في الاية؟ قيل: الاول المراد به اتقاء المعاصي.
الثاني - الاستمرار على الاتقاء.
والثالث - اتقاء مظالم العباد، وضم الاحسان إلى الاتقاء على وجه الندب واعتبر أبوعلي في الثالث الامرين.
وقوله " والله يحب المحسنين " أي يريد ثوابهم واجلالهم واكرامهم.
والاحسان النفع الحسن الواصل إلى الغير، ولايقال لكل حسن إحسان، لانه لايقال في العذاب بالنار أنه إحسان وان كان حسنا.
والصلاح استقامة الحال وهو مما يفعله العبد، وقديفعل الله تعالى له الصلاح في دينه باللطف فيه.
والايمان هو الاطمئنان إلى الصواب بفعله مع الثقة به وهو من أفعال العباد.
وعلى هذا يحمل قوله " وآمنوا " والاول على الايمان بالله الذي هوالتصديق.
وروي أن قدامة بن مظعون شرب الخمر في أيام عمر، فأراد

(4/20)


تفسير التبيان ج4
عمر أن يقيم عليه الحد فقال " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا " فأراد عمر أن يدرأ عنه الحد حين لم يعلم تحريمها.
فقال أمير المؤمنين (ع) أديروه على الصحابة، فان لم يسمع أحدا منهم قرأ عليه آية التحريم، فأدرؤا عنه، وان كان قد سمع فاستتيبوه، وأقيموا عليه الحد، فان لم يتب وجب عليه القتل.
قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشئ من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم(94)
آية واحدة بلا خلاف.
هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين وقسم منه أنه يبلوهم بشئ من الصيد، لان اللام في قوله: " ليبونكم " لام القسم والواو مفتوحة لالتقاء الساكنين في قول بعضهم مثل (واو) اغزون. وأما واو " ليبونكم " قال سيبويه هي مبنية على الفتح.
وقال الزجاج: فتحت واو " ليبلونكم " لانها حرف الاعراب الذي تتعاقب عليه الحركات وضمت واو " لتبلون " لانها واو الجمع، فصح لالتقاء الساكنين نحو قوله " فلا تخشوا الناس واخشوني "(1) ومعنى " ليبلونكم " ليختبرن طاعتكم من معصيتكم " بشئ من الصيد " وأصله اظهار باطن الحال ومنه البلاء للنعمة لانه يظهر به باطن حال المنعم عليه في الشكر، والكفر. والبلاء النقمة، لانه يظهر به مايوجبه كفر النعمة. والبلى الخلوقة لظهور تقادم العهد فيه.
وقوله " بشئ من الصيد " قيل في معنى (من) ثلاثة أوجه: أحدها - صيد البر، دون البحر. والاخر صيد الاحرام دون الاحلال.
---
(1) سورة 5 المائدة آية 47.

(4/21)


تفسير التبيان ج4
الثالث - للتجنيس نحو اجتنبوا الرجس من الاوثان - في قول الزجاج - وقوله " تناله أيديكم ورماحكم " يعني به فراخ الطيور وصغار الوحش في قول ابن عباس ومجاهد، وزاد مجاهد: واليض. والذي تناله الرماح الكبار من الصيد.
قال أبوعلي: معنى " تناله أيديكم ورماحكم " إن صيد الحرم يقرب من الناس ولاينفر منهم فيه كما ينفر في الحل، وذلك آية من آيات الله.
وقال الحسن ومجاهد: حرم الله بهذه الاية صيد البر كله.
وقال أبوعلي: صيد الحرم هوالمحرم بهذه الاية.
وقال الزجاج: بين النبي صلى الله عليه وآله تحريم صيد الحرم على المحرم وغيره بهذه الاية، وهذا صحيح. وصيد غير المحرم إنما يحرم على المحرم دون المحل.
وقوله " ليعلم الله من يخافه بالغيب " معناه لعاملكم معاملة من يطلب أن يعلم، مظاهرة في العدل. ووجه آخر - ليظهر المعلوم، والاول أحسن. واختار البلخي الوجه الثاني، قال والله تعالى وان كان عالما ابما يفعلونه فيما لم يزل، فانه لايجوز أن يثيبهم ولايعاقبهم على مايعلم منهم، وانما يستحقون ذلك اذا علمه واقعا منهم على وجه كلفهم، فاذا لابد من التكليف والابتلاء.
وقوله " من يخافه بالغيب " يعني من يخشى عقابه اذا توارى بحيث لايقع عليه الحس - في قول الحسن - تقول: غاب يغيب غيابا فهو غائب عن الحس، منه الغيبة وهي الذكر بظهر الغيب بالقبيح.
وقال قوم: معناه من يخاف صيد الحرم في السر كمايخافه في العلانية، فلايعرضون له على حال.
وقوله " فمن اعتدى بعد ذلك " يعني من تجاوز حدالله بمخالفة أمره وارتكاب نهيه بالصيد في الحرم، وفي حال الاحرام " فله عذاب أليم " أي مؤلم.
قال البلخي: يجوز أن يكون ذلك في النار، ويجوز أن يكون غير ذلك من صنوف الالام والعقوبات، قال سليمان " لاعذبنه عذابا شديدا "(1) يعني الهدهد ولم يرد عذاب النار.
---
(1) سورة 27 النحل آية 21:

(4/22)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: ياأيها الذين آمنوا لاتقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ماقتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذوانتقام(95)
آية بلاخلاف.
قرأ أهل الكوفة ويعقوب " فجزاء " منونا " مثل " رفع. الباقون بالاضافة.
وقرأ ابن عامر وأهل المدينة " أو كفارة " بغير تنوين " طعام " بالخفض.
الباقون بالتنوين وأجمعوا على جمع مساكين.
وقرأ بعضهم (أو عدل ذلك بالكسر) قال الاخفش: وهو الوجه، لان العدل هو المثل.
والعدل مصدر عدلت هذا بهذا عدلا حسنا.
والعدل أيضا المثل " ولايقبل منها عدل "(1) أي مثل.
قال الفراء: العدل - بفتح العين - ماعدل الشئ من غير جنسه - وبكسر العين - المثل، تقول: عندي غلام عادل غلامك - بالكسر - لانه من جنسه وان أردت قيمته دراهم، قلت: عندي عدل غلامك، لانها من غير جنسه.
قال أبوعلي الفارسي: حجة من رفع المثل أنه صفة للجزاء والمعنى فعليه جزاء من النعم مماثل المقتول. والتقدير فعليه جزاء أي فاللازم له أو فالواجب عليه جزاء من النعم مماثل ماقتل من الصيد.
وقوله " من النعم " على هذه القراء ة صفة للنكرة التي هي (جزاء) وفيه ذكر، ويكون مثل صفة للجزاء لان المعنى عليه جزاء مماثل للمقتول من الصيد من النعم. والمماثلة في القيمة أو الخلقة على اختلاف الفقهاء في ذلك. ولاينبغي
---
(1) سورة 2 البقرة آية 123.

(4/23)


تفسير التبيان ج4
إضافة (جزاء) إلى المثل ألا ترى انه ليس عليه جزاء مثل ماقتل في الحقيقة، وانما عليه جزاء المقتول لاجزاء مثله، ولاجزاء عليه لمثل المقتول الذي لم يقتله. واذاكان كذلك علمت ان الجزاء لاينبغي أن يضاف إلى (مثل) ولا يجوز أن يكون قوله " من النعم " على هذه القراء ة متعلقا بالمصدر كما جاز أن يكون الجار متعلقا به في قوله " وجزاء سيئة سيئة مثلها "(1) ب (مثلها) لانك قد وصفت الموصول، واذا وصفته لم يجز أن تعلق به بعد الوصف شيئا كما انك اذا عطفت عليه أو أكدته لم يجز أن تعلق به شيئا بعد العطف عليه والتأكيد له.
فأما في قراء ة من أضاف الجزاء إلى المثل، فان قوله " من النعم " يكون صفة للجزاء كما كان في قول من نون، ولم يضف صفة له. ويجوز فيه وجه آخر لايجوز في قول من نون ووصف: وهو أن يقدره متعلقا بالمصدر. ولايجوز على هذا القول أن يكون فيه ذكر كما تضمن الذكر لماكان صفة. وانما جاز تعلقه بالمصدر على قول من أضاف، لانك لم تصف الموصول كما وصفته في قول من نون، فيمتنع تعلقه به.
وأما من أضاف الجزاء إلى (مثل) فانه وإن كان جزاء المقتول لاجزاء مثله فانهم مثل قد يقولون: أنا أكرم مثلك. يريدون أنا أكرمك، وكذلك اذا قال (فجزاء مثل) فالمراد ما قتل، فاذا كان كذلك كانت الاضافة في المعنى كغير الاضافة لان المعنى فعليه جزاء ما قتل. ولو قدرت الجزاء تقدير المصدر واضفته إلى المثل كما تضيف المصدر إلى المفعول به لكان في قول من جر (مثلا) على الاتساع الذي وصفناه ألا ترى أن المعنى " فجزاء مثل " أي يجازى مثل ما قتل، والواجب عليه في الحقيقة جزاء المقتول لاجزاء مثل المقتول.
خاطب الله بهذه الاية المؤمنين ونهاهم عن قتل الصيد وهم حرم وقوله " وأنتم حرم " قيل فيه ثلاثة أوجه: أحدها - وانتم محرمون لحج أو عمرة.
---
(1) سورة 42 الشورى آية 40.

(4/24)


تفسير التبيان ج4
الثاني - وانتم في الحرم. يقال: أحرمنا أي دخلنا في الحرم كما يقال أنجدنا واتهمنا.
الثالث - وأنتم في الشهر الحرام. يقال أحرم اذا دخل في الشهر الحرام.
قال أبوعلي: الاية تدل على تحريم قتل الصيد في حال الاحرام بالحج، والعمرة وحين الكون في الحرم.
وقال الرماني: يدل على الاحرام بالحج أو العمرة فقط.
والذي قاله أبوعلي أعم فائدة، وأما القسم الثالث فلا خلاف أنه غير مراد. وقاتل الصيد اذا كان محرما لزمه الجزاء عامدا كان في القتل أو أخطأ أو ناسيا لاحرامه أو ذاكرا.
وبه قال مجاهد، والحسن - بخلاف عنه - وابن جريج، وابراهيم، وابن زيد، وأكثر الفقهاء، واختاره البلخي والجبائي.
وقال ابن عباس وعطاء والزهري واختاره الرماني: انه يلزمه اذا كان متعمدا لقتله ذاكرا لاحرامه، وهو أشبه بالظاهر.
والاول يشهد به روايات أصحابنا. واختلفوا في مثل المقتول فقال الحسن وابن عباس والسدي ومجاهد وعطاء والضحاك: هو أشبه الاشياء به من النعم: إن قتل نعامة فعليه بدنة، حكم النبي صلى الله عليه وآله بذلك في البدنة. وان قتل أروى(1) فبقرة. وان قتل غزالا أو أرنبا، فشاة. وهذا هو الذي تدل عليه روايات أصحابنا.
وقال قوم: يقوم الصيد بقيمة عادلة ثم يشترى بثمنه مثله من النعم ثم يهدى إلى الكعبة، فان لم يبلغ ثمن هدي كفر أو صام، وفيه خلاف بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف واختلف من قال بذلك في المكان الذي يقوم فيه الصيد، فقال ابراهيم، والنخعي وحماد، وأبوحنيفة، وأبويوسف، ومحمد: يقوم بالمكان الذي أصاب فيه إن كان بخراسان أو غيره.
وقال ابن عامر والشعبي: يقوم بمكة أو منى.
---
(1) " الاروى " اناث الوعل، وهو اسم جمعها وواحدها (أرية) بضم الهمزة وسكون الراء وكسر الواو وفتح الياء المشددة.

(4/25)


تفسير التبيان ج4
وقوله: " يحكم به ذوا عدل منكم " يعني شاهدين عدلين فقيهين يحكمان بأنه جزاء مثل ما قتل من الصيد.
وقوله: " هديا بالغ الكعبة " ف (هديا) نصب على المصدر. ويحتمل ان يكون نصبا على الحال، و (بالغ الكعبة) صفة له وتقديره يهديه هديا يبلغ الكعبة وقوله " بالغ الكعبة " فهو وان كان مضافا إلى المعرفة فالنية فيه الانفصال، كما نقول هذا ضارب زيد، فيمن حذف النون ولم يكن قد فعل، فانه يكون نكرة، والهدي يجب أن يكون صحيحا بالصفة التي تجزي في الاضحية، وهو قول أبي علي.
وقال الشافعي يجوز في الهدي ما لا يجوز في الاضحية. وان قتل طائرا أو نحوه قال أبوعلي عليه دم شاة. وعندنا فيه دم.
وقال قوم يجوز ان يهدي سخلة أو جديا. والنعم هي الابل والبقر والغنم.
وقوله " أو كفارة طعام مسكين " فمن رفع (طعام مساكين) جعله عطفا على الكفارة عطف بيان لان الطعام هو الكفارة، ولم يضف الكفارة إلى الطعام، لانها ليست للطعام وانما هي لقتل الصيد، فلذلك لم يضف الكفارة إلى الطعام. ومن اضافها إلى الطعام، فلانه لما خير المكفر بين ثلاثة أشياء: الهدى، والطعام، والصيام اجاز الاضافة لذلك، فكأنه قال: كفارة طعام لاكفارة هدي، ولاكفارة صيام، فاستقامت الاضافة لكون الكفارة من هذه الاشياء وقيل في معناه قولان: أحدهما - يقوم عدله من النعم ثم يجعل قيمته طعاما في قول عطا. وهو مذهبنا.
وقال قتادة: يقوم نفس الصيد المقتول حياثم يجعل طعاما.
وقوله: " أو عدل ذلك صياما " نصب صياما على التمييز وفي معناه قولان: أحدهما - لكل مد يقوم من الطعام يوم في قول عطاء. وقال غيره: عن كل مدين يوم وهو مذهبنا.

(4/26)


تفسير التبيان ج4
وقال سعيد بن جبير: يصوم ثلاثة أيام إلى عشرة أيام.
وقوله " ليذوق وبال امره " يعني عقوبة ما فعله ونكاله.
وقال المغربي: الوبال من الطعام الوبيل الذي لا يستمرى، أو لا يوافق، وهو قول الازهري قال كثير:
فقد أصبح الراضون إذ أنتم بها
مشوم البلاد يشتكون وبالها
وقوله: " عفا الله عما سلف " قيل في معناه قولان: أحدهما - قال الحسن: عفا الله عما سلف من امر الجاهلية.
وقال آخرون: عما سلف من الدفعة الاولى في الاسلام.
وقوله: " ومن عاد فينتقم الله منه " اختلفوا في لزوم الجزاء بالمعاودة على قولين: أحدهما - قال عطاء وابراهيم وسعيد بن جبير ومجاهد: يلزمه الجزاء بالمعاودة وهو قول بعض أصحابنا. الثاني - قال ابن عباس، وشريح، والحسن، وابراهيم، بخلاف عنه: لاجزاء عليه وينتقم الله منه، وهو الظاهر من مذهب أصحابنا، واختار الرماني الاول. وبه قال أكثر الفقهاء، قال: لانه لا ينافي الانتقام منه. واختلفوا في (أو) في الاية هل هي على جهة التخيير أم لا؟ على قولين: أحدهما - قال ابن عباس، والشعبي، وابراهيم، والسدي وهو الظاهر في رواياتنا انه ليس على التخيير لكن على الترتيب. وانما دخلت (أو) لانه لايخرج حكمه على أحد الثلاثة، على انه إن لم يجد الجزاء فالاطعام وان لم يجد الاطعام فالصيام. وفي رواية أخرى عن ابن عباس، وعطاء والحسن وابراهيم - على خلاف عنه - واختاره الجبائي، وهو قول بعض أصحابنا انه على التخيير.
وقوله " والله عزيز ذو انتقام " معناه قادر لايغالب " ذو انتقام " معناه

(4/27)


تفسير التبيان ج4
ينتقم ممن يتعدا أمره ويرتكب نهيه. وليس في الاية دليل على العمل بالقياس، لان الرجوع إلى ذوي عدل في تقويم الجزاء مثل الرجوع إلى المقولين في قيم المتلفات، ولا تعلق لذلك بالقياس.
قوله تعالى: أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون(96)
آية بلا خلاف.
قال ابن عباس، وزيد بن ثابت، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وقتادة، والسدي، ومجاهد: الذي أحل من هذه الاية من صيد البحر الطري منه وأما العتيق فلا خلاف في كونه جلالا، واذا حل صيد البحر حل صيد الانهار، لان العرب تسمى النهر بحرا. ومنه قوله " ظهر الفساد في البر والبحر "(1) والاغلب على البحر هو الذي يكون ماؤه ملحا لكن اذا اطلق دخل فيه الانهار بلا خلاف.
وقوله " وطعامه " يعني طعام البحر وقيل في معناه قولان: أحدهما - قال أبوبكر وعمر، وابن عباس وابن عمر، وقتادة هو ما قذف به ميتا. الثاني - في رواية أخرى عن ابن عباس وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وقتادة ومجاهد وابراهيم بخلاف عنه انه المملوح، واختار الرماني الاول. وقال لانه بمنزلة ما صيد منه وما لم يصد منه فعلى هذا تصح الفائدة في الكلام والذي يقتضيه ويليق بمذهبنا القول الثاني، فيكون قوله " صيد البحر " المراد به ما أخذ طريا.
---
(1) سورة 30 الروم آية 41.

(4/28)


تفسير التبيان ج4
وقوله " وطعامه " ما كان منه مملوحا، لان ما يقذف به البحر ميتا لا يجوز عندنا أكله لغير المحرم ولا للمحرم.
وقال قوم معنى " وطعامه " ما نبت بمائة من الزرع والثمار حكاه الزجاج.
وقوله " متاعا لكم وللسيارة " نصب متاعا على المصدر لان قوله " أحل لكم " يدل على انه قد متعهم متاعا وقال ابن عباس والحسن وقتادة معناه منفعة للمقيم والمسافر.
وقوله " وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " يقتضي ظاهره تحريم الصيد في حال الاحرام وأكل ما صاده غيره، وبه قال علي (ع) وابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير، وقال عمر وعثمان والحسن، لحم الصيد لايحرم على المحرم اذا صاده غيره، ومنهم من فرق بين ما صيد وهو محرم وبين ما صيد قبل احرامه. وعندنا لا فرق بينهما والكل محرم، والصيد يعبر به عن الاصطياد فيكون مصدرا ويعبر به عن المصيد، فيكون اسما. ويجب أن تحمل الاية على تحرم الجميع.
وقوله " واتقوا الله الذي اليه تحشرون " أمر منه تعالى بان يتقي جميع معاصيه ويجتنب جميع محارمه من الصيد في الاحرام وغيره، لان اليه الرجوع في الوقت الذي لا يملك أحد فيه الضرر والنفع سواه، وهو يوم القيامة فيجازي كلا بعمله: المحسن على إحسانه والمسئ على اساء ته.
قوله تعالى: جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الارض وأن الله بكل شئ عليم(97)
آية بلا خلاف.
قرأ ابن عامر وحده " قيما للناس " بلا الف. الباقون قياما بالالف.

(4/29)


تفسير التبيان ج4
قال أبوعلي الفارسي: قوله " جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس " تقديره جعل الله حج الكعبة أونصب الكعبة قياما لمعايش الناس أو مكاسب الناس، لانه مصدر (قام) كأن المعنى قام بنصبه ذلك لهم، فاستتبت بذلك معايشهم، واستقامت أحوالهم به فالقيام كالعياذ والعيال. وعلى هذا لحقته تاء التأنيث في هذه المصادر فجاء ت (فعالة) كالزيادة والسياسة والحياكة، فكما جاء ت هذه المصادر على (فعال) أو (فعالة) كذلك حكم القيام أن يكون على (فعال).
ووجه قراء ة ابن عامر أحد أمرين: إما أن يكون جعله مصدرا كالشبع أو حذف الالف وهو يريدها كما يقصر الممدود، وهذا الوجه انما يجوز في الشعر دون الكلام. وانما أعلوا الواو فقلبوها ياء ا لاعتلال الفعل، ولم يصححوها كما صحت في الحول والعوض، ألا ترى أنهم قالوا ديمة وديم، وحيلة وحيل فأعلوها في المجموع لاعتلال آحادها، فاعلال المصدر لاعتلال الفعل أولى.
والقوام هو العماد تقول: هو قوام الامر وملاكه، وهو ما يستقيم به أمره وقلبت الواو ياء ا لانكسار ماقبلها في مصدر (فعل، يفعل) وهو قام بالامر قياما كقولك صام صياما.
فأماا صحة الواو فمن قاومه قواما مثل حاوره حوارا قال الراجز: قوام دنيا وقوام دين(1) وتقدير الاية جعل الله حج الكعبة أو نصب الكعبة قياما لمعاش الناس ومصالحهم.
وقوله " والشهر الحرام " معطوف على المفعول الاول ل (جعل) كما تقول ظننت زيدا منطلقا وعمرا أي فعل ذلك ليعلموا أن الله يعلم مصالح ما في السماوات والارض، ومايجري عليه شأنهم في معاشهم وغير ذلك مما يصلحهم
---
(1) مجاز القرآن 1 / 177.

(4/30)


تفسير التبيان ج4
" وأن الله بكل شئ عليم " بما يقيمهم، ويصلحهم عليه.
وقيل في قوله " قياما للناس " ان معناه أمنا لهم. وقيل انه مما ينبغي أن يقيموا به. والاول أقوى.
وقال قوم لماكان في المناسك زجرا عن القبيح ودعا إلى الحق كان بمنزلة الرئيس الذي يقوم به أمر أتباعه.
وقال سعيدبن جبير " قياما للناس " صلاحا لهم. وقيل: يقوم به أبدانهم.
وقيل " قياما " يقومون به في متعبداتهم قال مجاهد وعكرمة: سميت الكعبة كعبة لتربيعها.
وقال أهل اللغة وانما قيل كعبة البيت واضيف لان كعبة تربع اعلاه والكعوبة: النتوء، فقيل للتربيع كعبة لنتوء زوايا المربع. ومنه كعب ثدي الجارية اذا نتأ ومنه كعب الانسان لنتوئه. وسميت الكعبة حراما لتحريم الله إياها ان يصاد صيدها أن يخلى خلاء ها أويعضد شجرها.
وقوله " والشهر الحرام " قال الحسن: هي الاشهر الحرام الاربعة، فهذا على مخرج الواحد مذهب الجنس. وهي واحد فرد، وثلاثة سرد، فالفرد رجب، والسرد ذو القعدة وذو الحجة والمحرم.
و (القلائد) قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها - ان الرجل من العرب كان ينتهي به الحال من الضرر والجوع إلى ان يأكل العصب فيلقى الهدي مقلدا فلا يعرض له.
الثاني - أن من أراد الاحرام تقلد قلادة من شعر أو لحي الشجرة، فتمنعه من الناس حتى يأتي أهله.
الثالث - قال الحسن: القلائد ان يقلد الابل والبقر النعالا أو الخفاف، تقور تقويرا، على ذلك مضت السنة، فهذا على صلاح التعبد بها، وهذا هو المعتمد عليه عندنا.
فان قيل: مامعنى قوله " ذلك لتعلموا أن الله يعلم مافي السماوات ومافي الارض " بعد قوله " جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس " وأي تعلق لها بذلك؟ وما في ذلك مما يدل على أنه بكل شئ عليم؟ قيل عن

(4/31)


تفسير التبيان ج4
ذلك ثلاثة أجوبة: أحدها - أنه تعالى لما اخبر بما في هذه السورة من قصة موسى وعيسى وقومهما وبالتوراة والانجيل، ومافيهما من الاحكام واخبار الامم وفصله، وذلك كله مما لم يشاهده محمد صلى الله عليه وآله ولاقومه ولاأحد في عصره ولاوقفوا على شئ من ذلك، قال ذلك لتعلموا أن الله تعالى لولا أنه بكل شئ عليم لما جاز أن يخبركم عنهم، فاخباره بذلك يدل على أنه بكل شئ عليم.
وأيضا فان ماجعله الله من البلد الحرام والشهر الحرام من الايات والاعاجيب دالا على أنه تعالى لايخفى عليه شئ، لانه جعل البيت الحرام والحرم أمنا، يأمن فيه كل شئ ويسكن قلبه فالظبي يأنس بالسبع والذئب مادام في الحرم، فاذا خرج عن الحرم خاف وطلبه السبع وهرب منه الظبي حتى يرجع إلى الحرم، فاذا رجع اليه كف عنه السبع، وهذا من عظيم آيات الله وعجيب دلائله، وكذلك الطير والحمامة تأنس بالانسان، فاذا خرج من الحرم خافه ولم يدن من أحد حتى يعود إلى الحرم، والطير يستشفي بالبيت الحرام اذا مرض يسقط علم؟؟ البيت استشفاء به، فاذا زال عنه المرض لم ير على سطح البيت ولا محاذيه في الهواء إجلالا له وتعظيما، مع أمور كثيرة يطول ذكرها، فيكون مادبره الله من ذلك دالا على أنه عالم بمصالح الخلق وبكل شئ.
وأيضا فانه أخبرهم بأنه قد علم قبل أن يخلقهم ماهم صائرون اليه من القتال والغارة والسبي والسلب فجعل من سنن ابراهيم واسماعيل ان من دخل الحرم لم يقتل. وكذلك من عاذ بالبيت. وأن أشهر الحرم لا يجوز فيها قتال وأن من أهدى أو قلد أمن على نفسه، وكل ذلك يدل على أن من دبره عالم بالعواقب ولايخفى عليه شئ من الاشياء على وجه من الوجوه.
قوله تعالى: إعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم(98)
آية

(4/32)


تفسير التبيان ج4
أمر الله تعالى أن يعلم المكلف أنه شديد العقاب، فالعلم مااقتضى سكون النفس، وان شئت قلت هو اعتقاد الشئ على ماهو به مع سكون النفس إلى ما اعتقده، والاول أخص، ولايجوز أن يحد العلم بأنه المعرفة، لان المعرفة هي العلم، ولايحد الشئ بنفسه. والعلم يتناول الشئ على ماهو به وكذلك الرؤية. والفرق بينهما ان العلم يتعلق بالمعلوم على وجوه، والرؤية لاتتعلق إلا على وجه واحد. والعلم محله القلب. والرؤية ليست معنى على الحقيقة وانما تثبت للرائي بكونه رائيا صفة. ومن قال هو معنى قال محلها العين.
وفي الاية دلالة على أن المعرفة بالله وبصفاته ليست ضرورية، لانها لو كانت ضرورية لما أمرنا بها. وليس لاحد أن يقول انما أمر على جهة التذكير، والتنبيه، لان ذلك ترك للظاهر. والعقاب هوالضرر المستحق على جهة الاهانة والمقارن بالاستخفاف، ولو اقتصرت على ان تقول هوالضرر المستحق أو الضرر الذي يقارنه استخفاف واهانة لكان كافيا لان ما ليس بعقاب ليس بمستحق ولايقارنه استخفاف وإهانة وانما سمي عقابا لانه يستحق عقيب الذنب الواقع من صاحبه.
وقوله " وان الله غفور رحيم " منصوب ب (إعلموا) وتقديره واعلموا ان الله غفور رحيم، والمغفرة هي ستر الخطيئة برفع عقابها. وأصلها الستر ومنه المغفرة وضم ذكر الرحمة إلى المغفرة لبيان سبوغ نعم الله تعالى، وانه اذا أزال العقوبة بالتوبة أوجب الرحمة التي هي المغفرة. وذلك يدل على أن الغفران عند التوبة غير واجب وأنه تفضل وإلا لم يكن كذلك.
قوله تعالى: ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ماتبدون وما تكتمون(99)
آية بلاخلاف.

(4/33)


تفسير التبيان ج4
لما أنذر تعالى في الاية الاولى شدة العقاب وبشر بالعفو والغفران ذكر في هذه أنه ليس على الرسول إلا البلاغ. وأما القبول والامتثال فانه متعلق بالمكلفين المبعوث اليهم.
وأصل الرسول الاطلاق من قولهم أرسل الطير إرسالا اذا أطلقه ومنه قولهم: ترسل في القراء ة ترسلا اذا تثبت.
واسترسل الشئ اذا تسلل وانطلق.
ورسله مراسلة، وتراسلوا تراسلا.
والرسل اللبن لاسترساله من الضرع.
وفي الحديث (اعطي من رسلها) وقوله: " والمرسلات عرفا "(1) قيل: هي الخيل. وقيل هي الرياح.
والفرق بين الرسول والنبي أن النبي لايكون الا صاحب المعجز الذي ينبئ عن الله أي يخبر، والرسول اذا كان رسول الله فهو بهذه الصفة، وقد يكون الرسول رسولا لغير الله، فلايكون بهذه الصفة. والانباء عن الشئ قد يكون من غير تحميل النبأ. والارسال لايكون الا بتحميل الرسالة.
والبلاغ وصول المعنى إلى غيره، وهو هاهنا وصول الانذار إلى نفوس المكلفين.
وأصل البلاغ البلوغ تقول: بلغ يبلغ بلوغا وأبلغه ابلاغا وتبلغ تبلغا وبالغ مبالغة وبلغه تبليغا، ومنه البلاغة لانها إيصال المعنى إلى النفس في حسن صورة من اللفظ.
وتبالغ الرجل اذا تعاطى البلاغة وليس ببليغ، وفي هذا بلاغ أي كفاية لانه يبلغ مقدار الحاجة.
" والله يعلم ماتبدون وما تكتمون " معناه أنه لايخفى عليه شئ من احوالكم التي تظهرونها أو تخفونها وتكتمونها وفي ذلك غاية التهديد والزجر.
---
(1) سورة 77 المرسلات آية 1.

(4/34)


تفسير التبيان ج4
الآية: 100 - 109
قوله تعالى: قل لايستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله ياأولي الالباب لعلكم تفلحون(100)
آية معنى قوله " لايستوى " لايتساوى. والاستواء على أربعة اقسام:
استواء في المقدار. واستواء في المكان. واستواء في الذهاب. واستواء في الانفاق.
والاستواء بمعنى الاستيلاء راجع إلى الاستواء في المكان، لانه تمكن واقتدار وقوله " الخبيث والطيب " قيل في معناهما قولان: أحدهما - الحرام، والحلال في قول الحسن وأبي علي. الثاني - قال السدي الكافر، والمؤمن.
والخبيث الردي بالعاجلة ويسوى بالاجلة. ومنه خبث الحديد، وهو رديئه بعد مايخلص بالنار جيدة ففي الخبيث امتزاج جيد بردئ ولذلك قال " ولو اعجبك كثرة الخبيث " والاعجاب سرور بما يتعجب منه.
والعجب والاعجاب والتعجب من أصل واحد.
وعجب يعجب عجبا والعجب مذموم، لانه كبر يدخل النفس بحال يتعجب منها.
وعجب الذنب أصله عجوب الرمل أو آخره لانفراده عن جملته كانفراد مايتعجب منه.
ومعنى الاية أنه لايتساوى الحرام والحلال وان أعجبك يامحمد كثرة ماتراه من الحرام والمراد به أمته.
وقوله " فأتقوا الله " معناه أجتنبوا ماحرمه عليكم " يااولي الالباب " يعني يااولي العقول " لعلكم تفلحون " معناه لتفلحوا وتفوزوا بالثواب العظيم الدائم.
قوله تعالى: ياأيها الذين آمنوا لاتسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسئلوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم(101) قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين(102)
آيتان بلا خلاف.
قيل في سبب نزول هذه الاية قولان: أحدهما - قال ابن عباس وأنس وابوهريرة والحسن وقتادة وطاوس

(4/35)


تفسير التبيان ج4
والسدي: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله رجل يقال اله عبدالله وكان يطعن في نسبه فقال: يارسول الله من أبي، فقال له حذافة. فنزلت الاية.
وقال أبو هريرة ومجاهد: نزلت حين سألوا عن أمر الحج لماانزل " ولله على الناس حج البيت " فقالوا: في كل عام؟ قال: لاولو قلت نعم لوجب.
وقال قوم وقع السؤال الاول والثاني في مجلس واحد، فخاطب الله تعالى بهذه الاية المؤمنين ونهاهم عن مسألة الاشياء التي اذا أبديت وأظهرت ساء ت واحزنت من أظهرت له. يقال بدا يبدو بدوا.
وابداه إبداء اذا أظهره وبدا له في الامر بدوا وبدا وبداء اذا تغير رأيه، لانه ظهر له.
والبادية خلاف الحاضرة.
والبدو خلاف الحضر من الظهور.
وقيل في وزن (اشياء) ثلاثة أقوال: قال الكسائي: هو أفعال إلا انه لم يصرف، لانهم شبهوه بحمراء فالزمه الزجاج ألا يصرف اسماء ولاانباء.
الثاني - قال الاخفش والفراء هي (فعلاء) كقولك هين وأهوناء فالزمه المازني وقال: سله كيف يصغرها؟ فقال الاخفش (أشياء) فقال يجب ان يصغرها شيئات كما يصغر اصدقاء في المؤنث صديقات في المذكر صد يقون.
قال الزجاج إنما قيل في هين: أهوناء لان هين أصله (هيين) على وزن فعيل فجمع على أفعلاء كنصب وانصباء.
الثالث - قال الخليل وسيبويه: (افعاء) مقلوبة كما قلبوا (انيق) عن انوق، وقسمي عن قؤوس.
وقوله " تسؤكم " معناه تحزنكم.
وقوله " عفاالله عنها والله غفور رحيم " قيل فيما يعود الضمير اليه في (عنها) قولان: احدهما - قال قوم على المسألة، لان قوله " لاتسألوا " دليل عليها فيكون العفو عن مسألتهم التي سلفت منهم. الثاني - على الاشياء التي سألوا عنهامن أمور الجاهلية، وماجرى مجراها مما يسؤهم تشديد المحنة فيها.

(4/36)


تفسير التبيان ج4
وقوله " قد سألها قوم من قبلكم " قال ابن عباس: سأل قوم عيسى (ع) إنزال المائدة ثم كفروا بها.
وقال غيره: هو قوم صالح سألوا الناقة ثم عقروها وكفروا بها.
وقال السدي هذا حين سألوا أن يحول لهم الصفا ذهبا.
وقال أبوعلي: انما كانوا سألوا نبيهم عن مثل هذه الاشياء يعني من آيات ونحوها فلما أخبرهم النبي صلى الله عليه وآله قالوا: ليس الامر كذلك، فكفروابه وقال الرماني: السؤال هو طلب الشئ اما بايجاده واما باحضاره واما بالبيان عنه، والذي يجوز السؤال عنه هو مايجوز العمل عليه من أمر دين أو دنيا.
ومالايجوز العمل عليه من أمر دين أو دنيا لايجوز السؤال عنه ولايجوز أن يسأل الله تعالى شيئا إلا بشرط انتقاء وجود القبح عن الاجابة، فعلى هذا لايجوز أن يسأل الانسان: من أبي لان المصلحة اقتضت ان من ولد على فراش انسان حكم بأنه ولده. وإن لم يكن مخلوقا من مائه، فالمسألة بخلافه سفه لايجوز.
قوله تعالى: ماجعل الله من بحيرة ولاسائبة ولاوصيلة ولاحام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لايعقلون(103)
آية بلاخلاف.
هذه الاية من الادلة الواضحة على بطلان مذهب المجبرة من قولهم: من أن الله تعالى هوالخالق للكفر والمعاصي وعبادة الاصنام وغيرها من القبائح، لانه تعالى نفى أن يكون هوالذي جعل البحيرة أو السائبة أو الوصيلة أو الحام، وعندهم ان الله تعالى هوالجاعل له والخالق، تكذيبا لله تعالى وجرأة عليه.
ثم بين تعالى أن هؤلاء بهذا القول قد كفروا بالله وأفتروا عليه بأن أضافوا اليه ماليس بفعل له، وذلك واضح لاإشكال فيه.

(4/37)


تفسير التبيان ج4
ومعنى " ماجعل الله من بحيرة " أي ما حرمها على ماحرمها أهل الجاهلية، ولاأمر بها.
و (البحيرة) هي الناقة التي تشق أذنها يقال بحرت الناقة أبحرها بحرا، والناقة مبحورة، وبحيرة: اذا شققتها شقا واسعا، ومنه البحر لسعته. وكانوا في الجاهلية اذا تنجت الناقة خمسة أبطن وكان آخرها ذكرا بحروا أذنها أي شقوها، وامتنعوا من ركوبها وذبحها، ولم تطرد عن ماء، ولم تمنع من رعي. واذا لقيها لمعيي لم يركبها.
و (السائبة) المخلاة وهي المسيبة. وكانوا في الجاهلية اذا نذر إنسان نذرا لقدوم من سفر أو برء من مرض أو ما أشبه ذلك قال: ناقتي سائبة، فكانت كالبحيرة في التخلية، وكان اذا أعتق الانسان عبدا، فقال: هو سائبة لم يكن بينهما عقل، ولا ولاء، ولاميراث.
و (الوصيلة) الانثى من الغنم اذا ولدت انثى مع الذكر قالوا: أوصلت أخاها فلم يذبحوه.
وقال أهل اللغة: كانت الشاة اذا ولدت انثى فهي لهم، واذا ولدت ذكرا ذبحوه لالهتهم في زعمهم، واذا ولدت ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوه لالهتهم.
و (الحام) الفحل من الابل الذي قدحمى ظهره من أن يركب بتتابع أولاد تكون من صلبه. وكانت العرب اذاأنتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا: حمى ظهره فلا يحمل عليه شئ ولايمنع من ماء ولامرعى.
وقال محمد ابن إسحاق: البحيرة بنت السائبة و (السائبة) هي الناقة اذا تابعت بين عشر أناث ليس فيهن ذكر سيبت فلم يركبوها ولم يجزوا وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف. فما نتجت بعد ذلك من أنثى شق أذنها ثم يخلي سبيلها مع أمها فلم يركب ظهرها ولم يجز وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ضيف كما فعل بأمها.
و (الوصيلة) هي الشاة إذا أتأمت عشر أناث متتابعات في خمسة أبطن ليس فيها ذكر جعلت وصيلة، وقالوا قد وصلت وكان ما ولدت بعد ذلك للذكور دون الاناث.

(4/38)


تفسير التبيان ج4
وقوله " ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب " إخبار منه تعالى؟ هؤلاء الذين كفروا يكذبون على الله بادعائهم أن هذه الاشياء من فعل الله أو بأمره.
وقوله " واكثرهم لايعقلون " خص الاكثر بأنهم لايعقلون لانهم أتباع، فهم لايعقلون أن ذلك كذب وافتراء كما يفعله الرؤساء - في قول قتادة والشعبي - وقال ابوعلي " أكثرهم لايعقلون " ماأحل لهم وماحرم عليهم، يعني أن المعاند هو الاقل منهم.
قوله تعالى:، وإذا قيل لهم تعالوا إلى ماأنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ماوجدنا عليه آباء نا أولو كان آباؤهم لايعلمون شيئا ولايهتدون(104)
آية بلاخلاف.
أخبر الله تعالى عن الكفار الذين أخبر عنهم أنهم لايعقلون، والذين جعلوا البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، و " الذين يفترون على الله الكذب " من كفار قريش وغيرهم من العرب بأنه " اذا قيل لهم تعالوا " أي هلموا " إلى ماأنزل الله " من القرآن واتباع مافيه، والاقرار بصحته " والى الرسول " وتصديقه، والاقتداء به وبأفعاله " قالوا " في الجواب عن ذلك " حسبنا " أي كفانا " ماوجدنا عليه آباء نا " يعني مذاهب آبائنا.
ثم اخبر تعالى منكرا عليهم فقال " أولو كان آباؤهم لايعلمون شيئا ولايهتدون " أي إنهم يتبعون آباء هم في ماكانوا عليه من الشرك وعبادة الاوثان وإن كان آباؤهم لايعلمون شيئا من الدين ولايهتدون اليه.
وقيل في معنى (لايهتدون) قولان احدهما - الذم بأنهم ضلال. والثاني - أنهم لايهتدون إلى طريق العلم بمنزلة العمي عن الطريق. وفي الاية دلالة على فساد التقليد، لان الله تعالى أنكر عليهم تقليد الاباء فدل

(4/39)


تفسير التبيان ج4
ذلك على أنه لايجوز لاحد أن يعمل على شئ من أمر الدين إلا بحجة. وفيها دلالة على وجوب المعرفة وأنها ليست ضرورية، لان الله تعالى بين الحجاج عليهم في هذه الاية ليعرفوا صحة مادعا الرسول اليه، ولو كانوا يعرفون الاحق ضرورة لم يكونوا مقلدين لابائهم وكان يجب أن يكون آباؤهم أيضا عارفين ضرورة، ولو كانوا كذلك لما صح الاخبار عنهم بأنهم لايعلمون شيئا ولايهتدون. وانما نفى عنهم الاهتداء والعلم معا لان بينهما فرقا، وذلك أن الاهتداء لايكون إلا عن بيان وحجة. والعلم مطلق وقد يكون الاهتداء ضرورة.
قوله تعالى: ياأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لايضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون(105)
آية واحدة بلاخلاف.
لما بين الله تعالى حكم الكفار الذين قلدوا آباء هم واسلافهم وركنوا اليهم في أديانهم، ذكر في هذه الاية أن المكلف انما يلزمه حكم نفسه وأنه لايضره ضلال من ضل اذا كان هو مهتديا، حتى يعلم بذلك أنه لايلزمهم من ضلال آبائهم شئ من الذم والعقاب.
و " أنفسكم " نصب على الاغراء كأنه قال: احفظوا أنفسكم أن تزلوا كما زل غيركم.
والعرب تغري ب (عليك، واليك، ودونك، وعندك) فينصبون الاسماء بها، ولم يغروا ب (منك) كما أغروا ب (اليك)، لان (اليك) أحق بالتنبيه من (منك).
والاغراء تنبيه على مايجب أن يحذر، ولذلك لم يغروا ب (فيك) ونحوها من حروف الاضافة.
وحكى المغربي: أنه سمع من يغري ب (وراء ك) و (قدامك).

(4/40)


تفسير التبيان ج4
وليس في الاية مايدل على سقوط انكار المنكر. وإنما يجوز الاقتصار على الاهتداء بأتباع أمر الله في حال التقية، هذا قول ابن مسعود، على أن الانسان إنما يكون مهتديا اذا اتبع أمر الله في نفسه وفي غيره بالانكار عليه.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال (اذا رأوا الناس منكرا فلم يغيروه عمهم الله بالعقاب) وفي الاية دلالة على فساد مذهب المجبرة في تعذيب الاطفال، لانه لوكان الامر على ماقالوه لم يأمن المؤمنون أن يؤخذوا بذنوب آبائهم، وقد بين الله تعالى أن الامر بخلافه مؤكدا لما في العقل.
وقوله " إلى الله مرجعكم جميعا " معناه اليه تعالى مآلكم في الوقت الذي لايملك أحد الضرر والنفع سواء بخلاف دار الدنيا التي مكن الله تعالى الخلق من الضرر والنفع فيها.
وقوله " فينبئكم " معناه يخبركم بأعمالكم التي عملتموها في الدنيا من الطاعات والمعاصي، ويجازيكم بحسبها، وفي ذلك غاية الزجر والتهديد.
وقوله " لايضركم " يحتمل أن يكون جزما لانه جواب الامر، وحرك الراء لانها ثقيلة وأولها ساكن، فلا يستقيم إسكان آخرها، فيلتقي ساكنان.
قال الاخفش: والاجود أن يكون رفعا على الابتداء، لانه ليس بعلة لقوله " عليكم أنفسكم " وإنما أخبر أنه لايضرهم.

(4/41)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: ياأيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذواعدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الارض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلوة فيقسمان بالله إن ارتبتم لانشتري به ثمنا ولوكان ذا قربى ولانكتم شهادة الله إنا إذا لمن الاثمين(106)
آية بلاخلاف.
ذكر الواقدي وابوجعفر (ع) أن سبب نزول هذه الاية ماقال أسامة بن زيد عن أبيه قال: كان تميم الداري وأخوه عدي نصرانيين وكان متجرهما إلى مكة، فلما هاجر رسول الله (ع) إلى المدينة قدم ابن أبي مارية مولى عمروبن العاص المدينة وهو يريد الشام تاجرا فخرج هو وتميم الداري وأخوه عدي حتى اذا كانوا ببعض الطريق مرض ابن أبي مارية فكتب وصية بيده ودسها في متاعه وأوصى اليهما ودفع المال اليهما وقال أبلغنا هذا أهلي، فلما مات فتحا المتاع وأخذا ما أعجبهما مناه ثم رجعا بالمال إلى الورثة، فلما فتش القوم المال فقدوا بعض ماكان خرج به صاحبهم، ونظروا إلى الوصية فوجدوا المال فيما تاما وكلموا تميما وصاحبه، فقالا: لاعلم لنا به ومادفعه الينا أبلغناه كماهو، فرفعوا أمرهم إلى النبي صلى الله عليه وآله فنزلة هذه الاية.
قوله تعالى " ياأيها الذين آمنوا شهادة بينكم " قيل في معنى الشهادة - هاهنا - ثلاثة أقوال: أحدها - الشهادة التي تقام بها الحقوق عند الحكام.
الثاني - شهادة الحضور لوصيين.
الثالث - شهادة أيمان بالله اذا ارتاب بالوصيين من قول القائل: أشهد بالله اني لمن الصادقين.
والاول أقوى واليق بالقصة.
وفي كيفية الشهادة قيل قولان: أحدهما - أن يقول صحيحا كان أو مريضا: اذا حضرني الموت فافعلوا كذا وكذا. ذكره الزجاج. الثاني - اذا حضرت أسباب الموت من المرض.

(4/42)


تفسير التبيان ج4
وقيل في رفع " شهادة " ثلاثة أقوال: أحدها - أن يكون رفعا بالابتداء وتقديره شهادة بينكم: شهادة اثنين، ويرتفع (اثنان) بأنه خبر الابتداء ثم حذف المضاف وأقيم المضاف اليه مقامه.
قال أبوعلي الفارسي: واتسع في (بين) وأضيف اليه المصدر، وذلك يدل على قول من يقول: ان الظرف الذي يستعمل يجوز أن يستعمل إسما في غير الشعر، كما قال تعالى " لقد تقطع بينكم "(1) فيمن رفع.
وجاء في الشعر: فصادف بين عينيه الجبوبا(2)
الثاني - على تقدير مخذوف وهو عليكم شهادة بينكم أو مما فرض عليكم شهادة بينكم، ويرتفع اثنان بالمصدر ارتفاع الفاعل بفعله.
والثالث - ان يكون الخبر " اذا حضر " فعلى هذا لايجوز أن يرتفع (اثنان) بالمصدر، لانه خارج عن الصلة بكونه بعد الخبر، لكن على تقدير ليشهد اثنان، ولايجوز أن يتعلق اذا حضر بالوصية لامرين: أحدهما - ان المضاف اليه لايعمل فيما قبل المضاف، لانه لو عمل فيما قبله للزم أن يقدر وقوعه في موضعه فاذا قدر ذلك لزم تقديم المضاف عليه على المضاف، ومن ثم لم يجز (القتال زيدا) حين يأتي. والاخر ان الوصية مصدر، فلا يتعلق به مايتقدم عليه.
وقوله " اذا حضر أحدكم الموت " يعني قرب أحدكم من الموت كما قال " حتى اذا حضر أحدهم الموت قال اني تبت الان "(3) وقال " حتى اذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا "(4) وقال " حتى اذا جاء أحدكم الموت قال رب
---
(1) 6 الانعام آية 94.
(2) قائله أبوخراش الهذلي.
اللسان (بين) وصدره: فلاقته ببلقعة براح يصف عقابا.
والجبوب - بفتح الجيم - وجه الارض.
والبلقع المكان الخالي، وبراح صفة له. والشاهد ضم النون في (بين).
(3) سورة 4 النساء آية 17.
(4) سورة 6 الانعام آية 61

(4/43)


تفسير التبيان ج4
ارجعون "(3) وكل ذلك يريد به المقاربة. ولولا ذلك لما أسند اليه القول بعدالموت.
وقوله " حين الوصية " فلايجوز أن يحمل على الشهادة، لانها اذا عملت في ظرف من الزمان لم تعمل في ظرف آخر منه، ويمكن حمله على أحد ثلاثة أشياء: أحدها - أن تعلقه بالموت كان الموت في ذلك الحين بمعنى قرب منه.
الثاني - على حضر أي اذا حضر: هذا الحين.
الثالث - أن يحمله على البدل من (اذا) لان ذلك الزمان في المعنى هو ذلك الزمان، فيبدله منه، ويكون بدل الشئ من الشئ اذاكان إياه.
وقوله " اثنان ذوا عدل منكم " خبر المبتداء الذي هو (شهادة) وتقديره شهادة بينكم شهادة اثنين على مابيناه، لان الشهادة لاتكون إلا من اثنين وقوله " منكم " صفة لقوله " اثنان " كما ان (ذواعدل) صفة لهما، وفي الظرف ضمير وفي معنى (منكم) قولان: أحدهما - قال سعيد بن المسيب وعبيدة ويحيى بن يعمر ومجاهد وقتادة وابن عباس: أي من المسلمين، وهوقول أبي جعفر وابي عبدالله (ع). الثاني - قال سعيد بن المسيب وعبيدة - في رواية اخرى - وعكرمة: إنهما من حي الموصي والاول أظهر وأصح، وهواختيار الرماني، لانه لاحذف فيه.
وقوله " أو آخران من غيركم " تقديره أو شهادة آخرين من غيركم، وحذف المضاف وأقام المضاف اليه مقامه. و (من غيركم) صفة للاخرين.
وقيل في معنى " من غيركم " قولان: أحدهما قال ابن عباس وأبوموسى الاشعري وسعيد بن المسيب وسعيد ابن جبير وشريح وابراهيم وابن سيرين ومجاهد وابن زيد واختاره أبوعلي الجبائي، وهو قول أبي جعفر وابي عبدالله (ع) أنهما من غير أهل ملتكم.
---
(1) سورة 23 المؤمنون آية 100

(4/44)


تفسير التبيان ج4
الثاني - قال عكرمة وعبيدة - بخلاف عنه - وابن شهاب والحسن: يعني من غير عشيرتكم.
قال الحسن لان عشيرة الموصي أعلم بأحواله من غيرهم، وهو اختيار الزجاج.
وقال: لانه لا يجوز قبول شهادة الكفار مع كفرهم وفسقهم وكذبهم على الله.
ومعنى (أو) - هاهنا - للتفصيل لاللتخيير، لان المنى أو آخران من غيركم إن لم تجدوا منكم، وهوقول ابي عبيدة وشريح ويحيى بن يعمر وابن عباس وابراهيم وسعيد بن جبير والسدي، وهوقول أبي جعفر وابي عبدالله (ع).
وقال قوم: هو بمعنى التخيير فيمن ائتمنه الموصي من مؤمن أوكافر.
وقوله " ان أنتم ضربتم في الارض " يعني ان انتم سافرفتم كما قال " واذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة "(1).
وقوله " فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة " فيه محذوف، وتقديره وقد اسنتم الوصية اليهما فارتاب الورثة بهما تحبسونهما.
وقوله " تحبسونهما " خطاب للورثة والهاء في (به) تعود إلى القسم بالله. والصلاة المذكورة في هذه الاية قيل فيها ثلاثة أقوال: أولها - قال شريح وسعيد بن جبير وابراهيم وقتادة، وهوقول أبي جعفر (ع) أنها صلاة العصر. الثاني - قال الحسن: هي الظهر أو العصر، وكل هذا لتعظيم حرمت وقت الصلاة على غيره من الاوقات. وقيل: لكثرة اجتماع الناس كان بعد صلاة العصر.
الثالث - قال: ابن عباس صلاة اهل دينهما يعني في الذميين لانهم لايعظمون أوقات صلاتنا.
وقوله " فيقسمان بالله " الفاء دخلت لعطف جملة (ان ارتبتم) في قول الاخرين الذين ليسا من أهل ملتنا أو من غير قبيلة الميت فغلب في ظنكم
---
(1) سورة 4 النساء آية 100

(4/45)


تفسير التبيان ج4
خيانتهم، ولاخلاف أن الشاهد لايلزمه اليمين إلا أن يكونا شاهدين على وصية مستندة اليهما فيلزمهما اليمين لانهما مدعيان.
وقوله " لانشتري به ثمنا " لانشتري جواب ما يقتضيه قوله " فيقسمان " لان (أقسم) ونحوه يتلقى بما تتلقى به الايمان. ومعنى قوله " لانشتري به ثمنا " لانشتري بتحريف شهادتنا ثمنا، فحذف المضاف وذكر الشهادة، لان الشهادة قول كما قال " واذا حضر القسمة أولوا القربى.. " ثم قال " فارزقوهم منه "(1) لماكانت القسمة يرادبها المقسوم، ألاترى ان القسمة التي هي افراد الانصباء لايرزق منه. وانما يرزق من التركة، وتقديره لانشتري به ثمنا أي ذا ثمن، ألاترى أن الثمن لايشترى، وانما الذي يشترى المبيع دون ثمنه، وكذلك قوله " اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا "(2) أي ذا ثمن. والمعنى انهم آثروا الشئ القليل على الحق، فاعرضوا عنه وتركوه، ولايكون (اشتروا) في الاية بمعنى (باعوا) لان بيع الشئ اخراج وانفاذله من البائع، وليس المعنى - هاهنا - على الانفاذ وانما هوعلى التمسك به، والايثار له على الحق.
وقوله " ولوكان ذا القربى " تقديره ولوكان المشهود له ذا قربى، وخص ذو القربى لميل الناس إلى قراباتهم، ومن يناسبونه.
وقوله " ولانكتم شهادة الله إنا إذا لمن الاثمين " معناه انا ان كتمناها لمن الاثمين.
وقال (شهادة الله) فأضاف الشهادة إلى الله لامره بها وباقامتها والنهي عن كتمانها في قوله " ومن يكتمها فانه آثم قلبه "(3) وقوله " وأقيموا الشهادة لله "(4)
---
(1) سورة 4 النساء آية 7.
(2) سورة 9 التوبة آية 10.
(3) سورة 2 البقرة آية 283.
(4) سورة 65 الطلاق آية 2

(4/46)


تفسير التبيان ج4
الآية: 110 - 120
قوله تعالى: فان عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الاوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين(110)
آية بلاخلاف.
قرأ حفص والاعشى الا النفار والكسائي عن ابي بكر " استحق " بفتح التاء والحاء. الباقون - بضم التاء وكسر الحاء - والابتداء على الاول بكسر الهمزة.
وقرأ حمزة وأبوبكر إلا الاعشى - في غير رواية النفار - ويعقوب، وخلف (الاولين) بتشديد الواو، وكسر اللام وفتح النون على الجمع. والباقون بسكون الواو، وفتح اللام وكسر النون على التثنية.
وقد ذكرنا سبب نزول الاية عمن رويناه عنه فذكروا أنها نزلت في أمر رسول الله صلى الله عليه وآله ان يستحلفوهما (والله ماقبضنا له غير هذا ولاكتمناه) ثم ظهر على إناء من فضة منقوش مذهب معهما، فقالوا: هذا عن متاعه، فقالا: اشتريناه منه، فارتفعوا إلى رسول الله فنزلت قوله تعالى: " فان عثر على انهما استحقا اثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق. " فامر رسول الله رجلين من أهل البيت أن يحلفا على ماكتما وغيبا، وفحلف عبدالله ابن عمر(1) والمطلب بن أبي وداعة(2) فاستحقا. ثم ان تميما اسلم وتابع رسول الله صلى الله عليه وآله وكان يقول: صدق الله، وبلغ رسول الله، أنا أخذت الاناء.
ومعنى (عثر) ظهر على، تقول: عثرت على خيانته وأعثرت غيري على خيانته أي أطلعته. ومنه قوله " وكذلك أعثرنا عليهم "(3) أي أطلعنا عليهم وأصله الوقوع بالشئ من قولهم: عثر الرجل يعثر عثورا اذا وقع اصبعه
---
(1) وقد روي فقام عمربن العاص ورجل آخر فحلفا.
(2) في بعض النسخ (ابن ابي رفاعة) بدل (ابن ابي وداعة).
(3) سورة 18 الكهف آية 21.

(4/47)


تفسير التبيان ج4
بشئ صدمته، وعثر الفرس عثارا قال الشاعر:
بذات لوث عفرناة اذا عثرت
فالتعس أدنى لها من أن أقول لعا(1)
وأعثر الرجل يعثر عثرا اذا أطلع على أمر كان خافيا عنه، لانه وقع عليه بعد خفائه، والعثير الغبار الساطع، ولانه يقع على الوجه وغيره، والعثير الاثر الخفي، لانه يوقع عليه من خفاء.
وقوله: " على انهما " يعني على أن الوصيين المذكورين أولا في قوله " اثنان " في قول سعيد بن جبير.
وقال ابن عباس: على أن الشاهدين استحقا اثما يعني خانا وظهر وعلم منهما ذلك " فآخران يقومان مقامهما " يعني من الورثة - في قول سعيد بن جبير وغيره - و " من الذين استحق عليهم والاوليان " قيل في قوله " الاوليان " ثلاثة أقوال: أحدها - قال سعيد بن جبير وابن زيد: الاوليان بالميت.
الثاني قال ابن عباس وشريح: الاوليان بالشهادة وهي شهادة الايمان.
الثالث قال الزجاج: الاوليان أن يحلفا غيرهما وهما النصرانيان.
ويقال هوالاولى ؟؟ ثم يحذف؟؟ فيقال: هوالاولى، وهذان الاوليان كما يقال هو الاكبر بمعنى الكبير وهذان الاكبران.
وفي رفع الاوليان ثلاثة أقوال: أحدها - بانه اسم مالم يسم فاعله والمعنى استحق عليه اثم الاولين أي استحق منهم، فحذف المضاف واقيم المضاف اليه مقامه.
الثاني - بانه بدل من الضمير " في يقومان " على معنى فليقم الاوليان من الذين استحق عليه الوصية وهواختيار الزجاج.
الثالث - بدل من قوله " آخران ".
وزعم بعض الكوفيين انه لايجوز إبداله من " آخرين " لتأخر العطف في (فيقسمان)، لانه يصير بمنزلة
---
(1) قائله الاعشى ديوانه: 3. (اللوث). القوة.
و (عفرنات - بفتح العين والفاء - يصف بها النا؟ بانها شبه المجنونة في السير.
و (التعس) العثور.
و (لعا) كلمة تقال للعاثر.

(4/48)


تفسير التبيان ج4
(مررت برجل قام زيد وقعد) قال الرماني: يجوز على العطف بالفاء جملة على جملة.
وقال أبوعلي الفارسي: ويجوز أن يكون رفعا بالابتداء وقد أخر. وتقديره فالاوليان بأمر الميت آخران من أهله أو من أهل دينه يقومان مقام الخائنين اللذين عثر عليهما كقولك: تميمي أنا.
ويجوز أن يكون خبر ابتداء محذوف، وتقديره فآخران يقومان مقامهما هما الاوليان.
واختار أبو الحسن الاخفش أن يكون الاوليان صفة لقوله " فآخران " لانه لما وصف اختص. فوصف لاجل الاختصاص بما توصف به المعارف.
واما الجمع فعلى اتباع " الذين " وموضعه الجر وتقديره من الاولين الذين استحق عليهم الايصاء والاثم. وانما قيل لهم الاولين من حيث كانوا أولين في الذكر ألا ترى أنه تقدم " ياأيها الذين آمنوا شهادة بينكم " وكذلك " اثنان ذوا عدل منكم " ذكرا في اللفظ، قيل قوله " أو آخران من غيركم " وحجتهم في ذلك أن قالوا: أرأيت ان كان الاوليان صغيرين أراد انهما اذا كانا صغيرين لم يقوما مقام الكبيرين في الشهادة ولم يكونا لصغرهما اولى بالميت، وان كانا لوكانا كبيرين كانا أولى به.
وانما قال " استحقا اثما " لان آخذه انما يأخذه آثم فسمي (اثما) كما يسمى مايؤخذ منك بغير حق مظلمة.
قال سيبويه: المظلمة اسم ما أخذ منك قهرا، وكذلك سمي هذا المأخوذ باسم المصدر.
وقيل: معناه استحقا عذاب إثم وحذف المضاف واقام المضاف اليه مقامه كما قال " اني أريد أن تبوء باثمي وإثمك "(1) بعقاب اثمي وعقاب اثمك.
وقيل في معنى (عليهم) ثلاثة أقوال:
أحدها - ان تكون (على) بمعنى (من) كأنه. قال من الذين استحق منهم الاثم كما قال " اذا اكتالوا على الناس "(2) أي من الناس.
الثاني - ان يكون المعنى كما تقول: استحق على زيد مال بالشهادة أي
---
(1) سورة 5 المائدة آية 32.
(2) سورة 83 المطففين آية 2

(4/49)


تفسير التبيان ج4
لزمه ووجب عليه الخروج منه، لان الشاهدين لما عثر على خيانتهما استحق عليهما ماولياه من أمر الشهادة والقيام بها ووجب عليهما الخروج منها وترك الولاية لها فصار اخراجهما منها مستحقا عليهما كما يستحق على المحكوم عليه الخروج مما وجب عليه.
الثالث - أن يكون (على) بمنزلة (في) كأنه استحق فيهم، وقام (على) مقام (في) كماقام (في) مقام (على) في قوله " ولاصلبنكم في جذوع النخل "(1) والمعنى من الذين استحق عليهم بشهادة الاخرين اللذين هما من غيرنا.
فان قيل: هل يجوز أن يسند (استحق فيه) إلى الاوليان؟ قلنا لايجوز ذلك لان المستحق انما يكون الوصية أو شئ منها، ولا يجوز أن يستحق الاوليان وهما الاوليان بالميت، والاوليان بالميت لايجوز أن يستحقا فيسند (استحق) اليهما.
وقوله " فيقسمان بالله " أي يحلفان بالله.
وقوله " لشهادتنا أحق من شهادتهما " جواب القسم في قوله " فيقسمان بالله "
وقوله " وما اعتدينا " يعني فيما قلنا من أن شهادتنا أحق من شهادتهما " إنا اذا لمن الظالمين " تقديره إنا ان اعتدينا لمن الظالمين لنفوسنا.
قال الزجاج: هذه الاية أصعب آية في القرآن اعرابا.
فان قيل: كيف يجوز أن يقف أولياء الميت على كذب الشاهدين أو خيانتهما حتى حل لهما أن يحلفا؟ قيل: يجوز ذلك بوجوه: أحدها - أن يسمعا اقرارهما بالخيانة من حيث لايعلمان أو يشهد عندهم شهود عدول بأنهم سمعوهما يقر - ان بأنهما كذبا أو خانا؟ أو تقوم البينة عندهما على أنه أوصى بغير ذلك أوعلى أن هذين لم يحضرا الوصية أويعرفان بغير ذلك من الاسباب.
---
(1) سورة 20 طه آية 71.

(4/50)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن تردأيمان بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لايهدي القوم الفاسقين(107)
آية بلاخلاف.
قوله " ذلك أدنى " معناه ذلك الاحلاف والاقسام او ذلك الحكم أقرب إلى ان يأتوا بالشهادة على وجهها أي حقا وصدقها، لان اليمين يردع عن أمور كثيرة لايرتدع عنها مع عدم اليمين. واختلفوا في ان اليمين هل تجب على كل شاهدين أم لا؟ فقال ابن عباس: انما هي على الكافر خاصة وهوالصحيح.
وقال غيره: هي على كل شاهدين وصيين اذاارتيب بهما.
واختلفوا في نسخ حكم الايتين المتقدمتين مع هذه على قولين: فقال ابن عباس وابراهيم وأبوعلي الجبائي: هي منسوخة الحكم.
وقال الحسن وغيره: هي غير منسوخة. وهوالذي يقتضيه مذهبنا واخبارنا.
وقال البلخي: أكثرأهل العلم على أنه غير منسوخ، لانه لم ينسخ من سورة المائدة شئ، لانها آخر مانزلت.
ووجه قول من قال: هي منسوخة أن اليمين لايجب اليوم على الشاهدين بالحقوق. وانما كان قبل الامر باشهاد العدول في قوله " واشهدوا ذوي عدل منكم "(1) فنسخت هذه الاية ودلت على أن شهادة الذمي لاتقبل إلا على الذمي اذا ارتفعا إلى حكام المسلمين لان الذمي ليس بعدل ولاممن يرضى من الشهداء، وهوقول أبي علي الجبائي. ومن ذهب إلى انها منسوخة جعلها بمعنى شهادة الايمان على الوصيين فاذا ظهروا على خيانة منهما مما وجد في أيديهما صارا مدعيين وصار
---
(1) سورة 65 الطلاق آية 2.

(4/51)


تفسير التبيان ج4
الورثة في معنى المنكر فوجبت عليهما اليمين من حيث صارا مدعيين.
وقوله " أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم " يعني أهل الذمة يخافوا أن ترد أيمان على أولياء الميت فيحلفوا على خيانتهم فيفتضحوا ويغرموا وينكشف بذلك للناس بطلان شهادتهم ويسترد منهم ماأخذوه بغير حق، حينئذ يؤدوا الشهادة على وجهها ويحذروا من الكذب.
وقوله " واتقوا الله واسمعوا " يعني اجتنبوا معاصيه واحذروا ان تحلفوا ايمانا كاذبة أوتخونوا أمانة واسمعوا مواعظ الله " والله لايهدي القوم الفاسقين " يعني لايهدي الفاسقين - الذين خرجوا من طاعة الله إلى معصيته - إلى الجنة ء وقيل ان معنى " لايهدي " لايحكم للفاسقين بانهم مهتدين ولايجري عليهم مثل هذه الصفة لانها صفة مدح.
قوله تعالى: يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لاعلم لنا إنك أنت علام الغيوب(108)
آية واحدة.
في ماينتصب به قوله " يوم "؟ قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها - انه انتصب بمحذوف تقديره احذروا " يوم يجمع الله الرسل الثاني - اذكروا يوم يجمع الله.
الثالث - قال الزجاج: ينتصب بقوله " اتقوا الله ".
وقال المغربي: يتعلق بقوله " لايهدي القوم الفاسقين " إلى الجنة " يوم يجمع الله " ولا يجوز أن ينتصب على الظرف بهذا الفعل، لانهم لم يؤمروا بالتقوى في ذلك اليوم، لكن انتصب على انه مفعول به. واليوم لايتقى ولايحذر، وانما يتقى مايكون فيه من العقاب والمحاسبة والمناقشة كأنه قال اتقوا عقاب يوم، وحذف المضاف واقام المضاف اليه مقامه.

(4/52)


تفسير التبيان ج4
وقوله " ماذا أجبتم " تقرير للرسل في صورة الاستفهام على وجه التوبيخ للمنافقين عند اظهار فضيحتهم وهتك أستارهم على رؤوس الاشهاد.
وقول الرسل " لاعلم لنا " قيل فيه ثلاثة أقوال: أولها - قال الحسن والسدي ومجاهد أنهم قالوا ذلك لذهولهم من هول ذلك المقام. فان قيل كيف يجوز ذهولهم مع انهم آمنون لايخافون؟ كماقال " لايحزنهم الفزع الاكبر "(1) وقال " لاخوف عليهم ولاهم يحزنون "(2) قيل ان الفزع الاكبر دخول جهنم.
وقوله " ولاخوف عليهم " هو كقولك للمريض لاخوف عليك، ولابأس عليك، مما يدل على النجاة من تلك الحال، وخالف أبوعلي في هذا ولم يجز الاما نحكيه عنه.
الثاني - قال ابن عباس، ومجاهد - في رواية أخرى - ان معناه لاعلم لنا إلا ماعلمتنا فحذف لدلالة الكلام عليه.
الثالث - قال الحسن في رواية أخرى وابوعلي الجبائي: ان معناه لاعلم لنا بباطن ماأجاب به أممنا لن ذلك هو الذي يقع عليه الجزاء.
وقال بعضهم معناه لاعلم لنا مع علمك أي ليس عندنا شئ مما نعلمه الا وانت عالم به وبكل ماغاب وحضر بدلالة قوله " إنك أنت علام الغيوب " وقيل في معنى قوله " انك أنت علام الغيوب " انه قال علام للبالغة هاهنا لاللتكثير المعلوم.
---
(1) سورة 21 الانبياء آية 103(2) سورة 3 آل عمران آية 70

(4/53)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: إذ قال الله ياعيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتورية والانجيل وإذ تخلق من الطين كيئة الطير باذني فتنفخ فيها فتكون طيرا باذني وتبرئ الاكمه والابرص باذني وإذ تخرج الموتى باذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم وإن هذا إلا سحر مبين(113)
آية بلاخلاف.
قرأ حمزة والكسائي وخلف " ساحر " بألف هاهنا وفي أول سورة يونس، وفي هود، وفي الصف.
وأفقهم ابن عامر وعاصم في يونس. وجه اتصال هذه الاية بماقبلها أنه من صعفة يوم القيامة كما ان ما قبله من صفتها ومن خطاب الرسل بالمسألة والتذكير بالنعمة لتوبيخ من يستحق التوبيخ من اممهم وتبشير من يستحق البشارة منهم.
العامل في (إذ) يحتمل أحد أمرين: أحدهما - الابتداء عطفا على قوله " يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم " قال وذلك " اذ قال " فيكون موضعه رفعا كما يقول القائل كأنك بنا قد وردنا بلد كذا فصنعنا فيه وفعلنا اذ صاح بك صائح فاجبته وتركتني. الثاني - اذكر اذ قال الله. وقال بعضهم ان معناه ماذا أجبتم على عهد عيسى.
قال الرماني: هذا غلط، لانه من صفة (يوم القيامة) وعندي لايمتنع أن يكون المراد بذلك اخبار النبي صلى الله عليه وآله اذ قال الله لعيسى بن مريم إذكر، أي أخبر قومك ماأنعمت به عليك وعلى أمك، واشكر ذلك اذ أيدتك بروح القدس.
وروح القدس هو جبرائيل وحسن قوله " اذ قال " ولم يقل (يقول) لانه عطف على ماقبله لانه قدم ذكر الوقت. وتأييد الله هو ماقواه به وأعانه على أمور دينه، وعلى رفع ظلم اليهود والكافرين عنه.
ووزن " أيدتك " فعلتك من الايد على وزن قربتك.
وقال الزجاج: يجوز أن يكون فاعلتك من الايد.
وقرأ مجاهد: أيدتك على وزن أفعلتك من الايد.

(4/54)


تفسير التبيان ج4
وروح القدس جبرائيل قال الحسن والقدس هوالله.
وقوله " تكلم الناس في المهد " أي انك تكلم الناس في حال ماكنت صبيا في المهد - والمهد حجر أمه، في قول الحسن - وفي حال ماكنت كهلا.
قال أبوعلي فكان كلم الناس في هذين الوقتين بتبليغه إياهم ماأرسله الله به إلى عباده، ومايدعوهم اليه من طاعة الله وتصديق رسله، لانه كان بين لهم عند كلامه في المهد " اني عبدالله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة مادمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا "(1) فبين لهم في هذا وفي وقت ماصار كهلا ان الله بعثه نبيا ولم يتكلم أحد من الانبياء في المهد سواه ولم يبعث أحد عندما ولد غيره، فذكره هذه النعمة التي خصه بها ليشكره على ذلك.
ونصب قوله " كهلا " يحتمل أمرين: أحدهما - على ان يكون عطفا على موضع تكلم أي أيدتك صغيرا وكهلا. الثاني - أن يكون عطفا على موضع في المهد، أي وتكلمهم كهلا بالرسالة.
وقوله " واذ علمتك الكتاب " يعني واذكر " اذ ". وقيل في معنى (الكتاب) قولان: أحدهما - انه اراد الخط الكتابة. الثاني - الكتب فيكون على طريق الجنس ثم فصله بذكر التوراة والانجيل.
وقوله " والحكمة " يعني العلم بما في تلك الكتب.
وقوله " واذ تخلق من الطين كهيئة الطير " أي واذكر ذلك أيضا كل ذلك تذكير له بنعمه عليه والخلق هوالفعل المقدر على مقدار يعرفه الفاعل، فعلى هذا جميع أفعاله تعالى توصف بأنها مخلوقة، لانه ليس فيها شئ على وجه السهو والغفلة، ولا على سبيل المجازفة. ومعنى ذلك أنه خلق من الطين كهيئة الطير أي تصور الطين بصورة الطير الذي تريد. وسماه خلقا لانه كان يقدره.
---
(1) سورة 19 مريم آية 30 - 32.

(4/55)


تفسير التبيان ج4
وقوله " باذني " أي تفعل ذلك باذني وأمري.
وقوله " فتنفخ فيها فتكون طيرا باذني " معناه انه نفخ فيها الروح، لان الروح جسم ويجوز أن ينفخها المسيح بامر الله.
والطير يؤنث ويذكر فمن أنث أراد الجمع ومن ذكر فعلى اللفظ.
والطير واحده طائر مثل ضائن وضأن وراكب وركب.
وقد قالوا (أطيار) مثل صاحب وأصحاب وشاهد وأشهاد، ويمكن أن يكون (أطيار) جمع طير مثل ثبت واثبات وبيت وابيات.
قال أبوعلي وقد ينفخها في الجسم على ماأخبر الله به جبرائيل، وعلى ماروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه يبعث اليه ملكا عند تمام مئة وعشرين يوما فينفخ فيه الروح ويكتب أجله ورزقه وشقي هو أم سعيد، وبين بقوله " فيكون طيرا باذني " أنه اذا نفخ المسيح (ع) فيها الروح قلبها الله لحما ودما، وخلق فيها الحياة فصارت طائرا باذن الله وإرادته لابفعل المسيح (ع) فلذلك قال " فيكون طيرا باذني ".
وقوله " وتبرئ الاكمه والابرص باذني " معناه إنك تدعوني حتى أبرئ الاكمه، وهوالذي خلق أعمى.
وقال الخليل: يكون الذي عمي بعد ان كان بصيرا والاصل الاول. والابرص معروف ونسب ذلك إلى المسيح لماكان بدعائه وسؤاله.
وقوله " وإذ تخرج الموتى باذني " أي اذكر اذ تدعوني فأحيي الموتى عند دعائك وأخرجهم من القبور حتى يشادهم الناس أحياء. وانما نسبه إلى عيسى لما بينا من أنه كان بدعائه.
وقوله " واذ كففت بني اسرائيل عنك اذ جئتهم بالبينات " أي اذكر إذ كففت هؤلاء عن قتلك وإذ أيدتك حين جئتهم بالبينات مع كفرهم وعتوهم مع قولهم ان ماجئت به من الايات سحر مبين.
ويجوز أن يكون كفهم بألطافه التي لايقدر عليها غيره، ويجوز أن يكون كفهم بالمنع والقهر كما منع من أراد

(4/56)


تفسير التبيان ج4
قتل نبينا صلى الله عليه وآله وقيل لانه ألقى شبهه على غيره حتى قتلوه ونجا.
ومن قرأ (ساحر) أراد أن عيسى ساحر مبين أي ظاهر بين. والسحر هوالباطل المموه بالحق.
وقوله في أول الاية " اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك " إي اخبر بها قومك الذين كذبوا عليك ليكون حجة عليهم، لانهم ادعوا عليه أنه إله وأنه لم يكن عبدا منعما عليه، ثم عدد النعم نعمة نعمة على مابينا.
وقال الطبري: انما عدد الله تعالى هذه النعم على عيسى (ع) حين رفعه اليه فلذلك قال " إذ قال الله ".
قوله تعالى: وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون(109)
آية.
التقدير واذكر إذ أوحيت إلى الحواريين.
وفي معنى " أوحيت " قولان: أحدهما - أن معناه الهمتهم كما قال " وأوحى ربك إلى النحل "(1) أي ألهمهاه وقيل أمرتهم. الثاني - القيت اليهم بالايات التي أريتهم إياها كما قال الشاعر:
الحمدلله الذي استقلت
باذنه السماء واطمأنت
أوحى لها القرار فاستقرت(2) أي القى اليها ويروى وحى لها.
والفرق بين أوحى ووحى من وجهين: أحدهما - أن أوحى بمعنى جعلها على صفة كقولك جعلها مستقرة، ووحى جعل فيها معنى الصفة، لان أفعل أصله التعدية.
وقال قوم: هما لغتان.
وقال البلخي معنى " أوحيت إلى الحواريين " أي أوحيت اليك أن تبلغهم أو إلى رسول متقدم.
وقوله (أوحيت اليهم) يعني أوحيت إلى الرسول الذي جاء هم. وفي معنى الاية قولان:
---
(1) سورة 16 النحل آية 68.
(2) انظر 2 / 59

(4/57)


تفسير التبيان ج4
أحدهما - قال أبوعلي إذكر نعمتي عليك اذ أوحيت إلى الحواريين الذين هم أنصارك.
الثاني - اذكر نعمتي على الحواريين لما في ذلك من العلم بنعم الله خاصة وعامة.
وانما حسن الحذف في التذكير بالنعمة للشهرة وعظم المنزلة باجلال النعمة ولذلك يحسن الحذف في الافتخار كقول الاعشى:
إن محلا وان مرتحلا
وإن في السفر اذ مضوا مهلا(1)
أي لنا محلا.
و (الحواريون) قال الحسن هم أنصار عيسى.
وقيل: هم وزراؤه على أمره.
وقيل: هم خاصة الرجل وخلصائه.
ومنه قول النبي صلى الله عليه وآله للزبير أنه حواري، ومعناه خالصتي من الناس، والرفيق الحواري، لانه أخلص اليه من كل مايشوبه، وأصله الخلوص، ومنه حار يحور أي رجع إلى حال الخلوص، ثم كثر حتى قيل صار لكل راجع وقيل: انهم كانوا قصارين.
قوله تعالى: إذ قال الحواريون ياعيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين(110)
آية بلاخلاف.
قرأ الكسائي والاعشى إلا النفار " هل تستطيع " بالتاء " ربك " بنصب الباء. الباقون بالياء وضم الباء. وأدغم الكسائي اللام في التاء.
قيل في العامل في (إذ) قولان: أحدهما - أوحيت. الثاني - اذكر إذ قال الحواريون. وكلاهما يحتمل.
وقيل في معنى قوله " هل يستطيع ربك " ثلاثة أقوال:
---
(1) ديوانه القصيدة: 35 صفحة 155.

(4/58)


تفسير التبيان ج4
أحدها - هل يقدر وكان هذا في ابتداء أمرهم قبل أن تستحكم معرفتهم بالله تعالى، ومايجوز عليه ومالايجوز من الصفات، ولذلك أنكر عليهم نبيهم، فقال " اتقوا الله ان كنتم مؤمنين "، لانه لم يستكمل ايمانهم في ذلك الوقت.
الثاني - هل يفعل ذلك قاله الحسن، كما يقول القائل: هل تستطيع أن تنهض أي هل تفعل، لان المانع من جهة الحكمة أو الشهوة قد يجعل بمنزلة المنافي للاستطاعة.
الثالث - هل يستجيب لك ربك.
قال السدي هل يطيعك ربك ان سألته، فهذا على معنى استطاع وأطاع كقولهم استجاب بمعنى أجاب، وانما حكى سيبويه استطاع بمعنى أطاع على زيادة السين.
ومعنى قراء ة الكسائي " هل تستطيع " ان تستدعي اجابة ربك. وأصله هل تستدعي طاعته فيما قبله من هذا - هذا قول الزجاج وفيه وجه آخر وهو هل تقدر أن تسأل ربك.
والفرق بين الاستطاعة والقدرة أن الاستطاعة انطياع الجوارح للفعل والقدرة هي ماأوجبت كون القادر قادرا ولذلك يوصف تعالى بأنه قادر، ولايوصف بانه مستطيع.
والمائدة الخوان لانها تميد بماعليها أي تحركه.
قال أبوعبيدة: هي (مفعولة) في المعنى ولفظها (فاعلة) كقوله " عيشة راضية "(1) أي مرضية واصل المائدة الحركة من قولهم ماد يميد ميدا اذا تحرك، عن الزجاج. ومنه المائد المدار به في البحر مايميد ميدا. وماده اذا أعطاه ومنه قول رؤبة:
نهدي رؤوس المترفين الانداد
إلى أمير المؤمنين الممتاد(2)
أي المستعطي ومادهم يميدهم ميدا اذا اطعمهم على المائدة ثم كثر حتى قيل لكل مطعم.
---
(1) سورة 69 الحاقة آية 21 وسورة 101 القارعة آية 7.
(2) ديوانه: 40 ومجاز القرآن 1: 183، واللسان (ميد).

(4/59)


تفسير التبيان ج4
وقوله " قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين " معناه اتقوا معاصيه وكثرة سؤال الايات، لانكم ان كنتم مؤمنين بالله وبصحة نبوة عيسى، فقد أغناكم ما عرفتموه عن الايات واتقوا سؤال نزول المائدة، فانكم لاتعلمون مايفعل الله بكم عند هذا السؤال.
قوله تعالى: قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين(111)
آية.
قبل في معنى (الارادة) هاهنا قولان: أحدهما - ان يكون بمعنى المحبة التي هي ميل الطباع. الثاني - ان تكون الارادة التي هي من أفعال القلوب، ويكون التقدير فيه نريد بسؤالنا هذا، كأنهم قالوا: نريد السؤال من أجل هذا الذي ذكرنا، وهذه الارادة وان تقدمت المراد بأوقات لاتوصف بأنه عزم، لانها متعلقة بفعل الغير وقوله " تطمئن قلوبنا " يجوز أن يكونوا قالوه وهم مستبصرون في دينهم مؤمنون كما قال ابراهيم (ع) " أرني كيف تحيي الموتي قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي "(1) تحقيقه لنزداد طمأنانية إلى ما نحن عليه من المعرفة، وان كانت المعرفة لاتكون إلا مع الثقة التامة، فان الدلائل كلما كثرت مكنت في النفس المعرفة.
وقوله " ونعلم ان قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين " يعني الشاهدين له بتوحيده بالدليل الذي نراه في المائدة والشهادة لك بالنبوة من جهة ذلك الدليل. والصدق هو الاخبار بالشئ على ماهو به والكذب هو الاخبار بالشئ لاعلى ما هوبه.
قوله تعالى: قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لاولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين(112)
آية بلاخلاف.
أخبر الله تعالى عن عيسى (ع) أنه سأل ربه أن ينزل عليه مائدة من السماء تكون عيدا لهم لاولهم وآخرهم على مايقترحه قومه. ورفع (تكون) لانه صفة للمائدة كما قال " فهب لي من لدنك وليا يرثني "(2) في قراء ة من رفعه لانه جعله صفة. وفيه محذوف، لان تقديره عيدا لنا ولاولنا وآخرنا لتصح الفائدة في تكرير اللام في أولنا وآخرنا، وقيل في معناه قولان: أحدهما - نتخذ اليوم الذي تنزل فيه عيدا نعظمه نحن ومن يأتي بعدنا - في قول السدي وقتادة وابن جريج - وهوقول أبي علي. الثاني - يكون ذلك عائدة فضل من الله ونعمة منه تعالى.
والاول هو وجه الكلام.
وقيل: إنها نزلت يوم الاحد.
وقوله " وآية منك " فالاية هي الدلالة العظيمة الشأن في إزعاج قلوب العباد إلى الاقرار بمدلولها، والاعتراف بالحق الذي يشهد به ظاهرها، فهي دلالة على توحيدك وصحة نبوة نبيك.
وقيل في طعام المائدة ثلاثة أقوال: أولها - قال ابن عباس وأبو عبدالرحمن: هو خبز وسمك، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبدالله (ع) قال عطية كانوا يجدون في السمك طيب كل طعام.
---
(1) سورة 2 البقرة آية 260
(2) سورة 19 مريم آية 4 - 5

(4/60)


تفسير التبيان ج4
الثاني - قال عمار بن ياسر: كانا ثمرا من ثمار الجنة.
الثالث - قال زادان وابوميسرة: كان عليها من كل طعام إلا اللحم.
وقوله: " وارزقنا " قيل في معناه - قولان: أحدهما - واجعل ذلك رزقا لنا. الثاني - وارزقنا الشكر عليها - ذكرهما الجبائي - وانما يكون الشكر رزقا منه لنا لانه لطف فيه ووفق له وإعانة عليه كما يكون المال رزقا لنا اذا ملكنا إياه لا بخلقه له. وفي الاية دلالة على أن العباد يرزق بعضهم بعضا بدلالة قوله " وأنت خير الرازقين " لانه لو لم يصح ذلك لم يجز (خير الرازقين) كما أنه لما لم يجز أن يكونوا آلهة لم يصح أن يقول أنت خير الالهة، وصح " أرحم الراحمين "(1) و " أحكم الحاكمين "(2) و " أسرع الحاسبين "(3). و " أحسن الخالقين "(4).
قوله تعالى: قال الله إني منزّلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فاني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين(113)
آية بلاخلاف.
قرأ " منزلها " بالتشديد أهل المدينة وابن عامر، وعاصم. الباقون بالتخفيف.
---
(1) سورة 7 الاعراف آية 150 وسورة 21 الانبياء آية 83 وسورة 12 يوسف آية 64 و 92.
(2) سورة 11 هود آية 45 وسورة 95 التين آية 8.
(3) سورة 6 الانعام آية 62.
(4) سورة 23 المؤمنون آية 14 وسورة 37 الصافات آية 125

(4/61)


تفسير التبيان ج4
من خفف طابق بينه وبين قوله " أنزل علينا " ومن ثقل، فلان نزل وأنزل بمعنى قال تعالى " تبارك الذي نزل الفرقان "(1). وقال " الحمدلله الذي أنزل على عبده الكتاب "(2) لما سئل الله عيسى (ع) أن ينزل عليه المائدة تكون عيدا لاولهم وآخرهم، قال تعالى مجيبا له إلى ما التمسه " اني منزلها عليكم " يعني المائدة " فمن يكفر بعد منكم " يعني بعد إنزالها عليكم " فاني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين " وقيل في معناه ثلاثة أقوال: أحدها - قال قتادة: مسخوا قردة وخنازير، وهو المروي عن أبي عبدالله عليه السلام ولم يمسخ أحد خنازير سواهم.
الثاني - أنه أراد به من عالمي زمانهم.
الثالث - أنه أراد به جنسا من العذاب لايعذب به أحداغيرهم.
وانما استحقوا هذا النوع من العذاب بعد نزول المائدة(3) لانهم كفروا بعدما رؤا الاية التي هي من أزجر الايات عن الكفر لم يرها غيرهم بعد سؤالهم لها وتعلق سببهم بها فاقتضت الحكمة اختصاصهم بضرب من العذاب عظيم الموقع. كما اختصت آيتهم بضرب من الزجر في عظيم الموقع.
وقال الحسن ومجاهد: ان المائدة لم تنزل عليهم، لانهم استعفوا من نزولها لما سمعوا الوعيد المقرون بها.
وقال قوم: هذا غلط من قائله، لانه تعالى وعد بانزالها ولاخلاف لقوله وأكثر أهل العلم على أنها أنزلت: منهم ابن عمر، وعمار بن ياسر وأبو عبدالرحمن السلمي، وقتادة والسدي، وهو ظاهر القرآن. وأيضا فلايجوز أن يسأل نبي على رؤوس الملا آية لايجاب اليها، لان ذلك ينفر عنه.
---
(1) سورة 25 الفرقان آية 1.
(2) سورة 18 الكهف آية 1.
(3) يقصد بعد نزول المائدة على بنى اسرائيل (الطعام) لانزول سورة المائدة.

(4/62)


تفسير التبيان ج4
وقال الحسن: انما كان الوعد من الله بانزال المائدة بشرط أن يكون بتقديراني منزلها عليكم ان تقبلتم الوعيد فيها " فمن يكفر بعد منكم.. " الاية، وهذا الشرط الذي ذكره لادليل عليه. والمطلق لايحمل على المقيد الا بقرينة وقال قوم: انها لو نزلت فكفروا لعذبوا وأنزل ذلك في القرآن ولو لم يكفروا لكانت المائدة قائمة للمسلمين إلى يوم القيامة. وهذا ليس بصحيح لانه يجوز أن يكون عنى بالعذاب مايفعله بالاخرة.
ويجوز أن يكون عنى عذاب الدنيا ولم يذكره، لانه ليس بواجب أن يكون كل من اختصه بضرب من العذاب لابد أن يخبرنا عنه في القرآن، لانه يكون تجويز ذلك على منازل عظيمة في الجملة أهول وأملا للصدر من ذكره بالتصريح على تفصيل أمره. وأما بقاؤها إلى يوم القيامة فلا يلزم لان وجه السؤال أن يكون يوم نزولها عيدا لهم ولمن بعدهم ممن كان على شريعتهم.
قوله تعالى: وإذ قال الله ياعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك مايكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولاأعلم مافي نفسك إنك أنت علام الغيوب(116)
آية بلاخلاف
قوله " واذ كففت بني اسرائيل عنك اذ جئتهم بالبينات " أي اذكر ويحتمل ثلاثة أوجه: أولها - أن يكون معطوفا على ماقبله، كأنه قال " يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم " ثم قال: وذلك؟ يقول ياعيسى اذكر نعمتي واذ يقول له أأنت قلت للناس.

(4/63)


تفسير التبيان ج4
الثاني - قال البلخي: يمكن أن يكون لما رفع الله عيسى اليه قال له ذلك، فيكون المقال ماضيا.
والثالث - ذكره أيضا البلخي أن (إذ) استعملت بمعنى) إذا فيصح حينئذ أن يكون القول من الله يوم القيامة، ومثله " ولو ترى اذفزعوا فلا فوت "(1) كأنه قال اذ يفزعون، وقال " ولو ترى اذ الظالمون موقوفون "(2) كأنه قال اذا وقفوا لان هذا لم يقع بعد، وقال أبوالنجم:
ثم جزاه الله عنا اذ جزا
جنات عدن في العلالي العلا(3)
والمعنى اذا جرى، وقال الاسود (أعشى بني نهشل)
فالان اذ هازلتهن قائما
يقلن ألا لم يذهب المرء مذهبا(4)
وقال أوس:
الحافظ الناس في تحوط اذا
لم يرسلوا تحت مائذ ربعا
وهبت الشامل البليل واذ
بات كميع الفتاة ملتفعا(5)
يقال (اذا) و (اذ) بمعنى واحد، وقال بعض أهل اليمن:
وندمان يزيد الكأس طيبا
سقيت اذا تغورت النجوم(6)
فقال (اذا) والمعنى (اذ) لانه انما يخبر عما مضى.
وقال أبوعبيدة (اذ) صلة. والمعنى قال الله: ياعيسى.
وقد بينا فساد هذا القول فيما مضى فأما لفظ (قال) في معنى يقول فمستعمل كثيرا وان كان مجازا، قال الله تعالى
---
(1) سورة 34 سبأ آية 51.
(2) سورة 34 سبأ آية 31.
(3) اللسان (اذ)، (طها). والاضداد لابن الانباري: 102 وتفسير القرطبي 6: 375 وتفسير الطبري 11: 235.
(4) ديوان الاعشيين / 293 والاضداد لابن الانباري 101.
(5) اللسان (اذ).
(6) اللسان (ندم). قائله البرج بن مسهر اليمني.

(4/64)


تفسير التبيان ج4
" ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار "(1) والمراد ينادي. وقد استعمل المستقبل بمعنى الماضي، قال زياد الاعجم في المغيرة بن المهلب يرثيه بعد موته:
فاذا مررت بقبره فانحر به
خوص الركاب وكل طرف سابح
وانضج جوانب قبره بدمائها
فلقد يكون أخادم وذبائح(2)
فقال (يكون) ومعناه (كان) لدلالة الكلام عليه، لانه في مرثية له بعد موته.
وقوله " ياعيسى بن مريم " يحتمل عيسى أن يكون منصوبا مثل ماتقول: يازيد بن عبدالله، وهوالاكثر في كلام العرب. وانما يجوز ذلك اذا وقع الابن بين علمين، فأما اذا قلت يازيد ابن الرجل لم يجز في زيد إلا الضم. ويحتمل أن يكون عيسى في موضع الضم ويكون نداء (ابن) كأنه قال ياعيسى ياابن مريم.
وقوله " أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله " تقريع في صورة الاستفهام والمراد بذلك تقريع وتهديد من ادعى ذلك، لانه تعالى كان عالما بذلك هل أو لم يكن.
ويحتمل وجها آخر - ذكره البلخي ان الله تعالى أراد أن يعلم عيسى أن قومه اعتقدوا فيه وفي أمه أنهما إلهان كما أن الواحد منا اذا أرسل رسولا إلى قوم أن يفعلوا فعلا فأدى الرسالة وانصرف فخالفوا ذلك وعلم المرسل ولم يعلم الرسول جاز أن يقول المرسل للرسول: أأنت أمرتهم بذلك؟ وغرضه أن يعلمه أنهم خالفوه. وانما قال (إلهين) تغليبا للذكر على الانثى.
والغرض بالكلام أن النصارى يعتقدون في المسيح أنه صادق لايكذب وأنه الذي أمرهم بأن يتخذوه وأمه إلهين، فاذا كذبهم الصادق عندهم الذي ينسبون الامر به اليه كان ذلك آكد في الحجة عليهم وأبلغ في التوبيخ لهم والتوبيخ ضرب من العقوبة.
---
(1) سورة 7 الاعراف آية 43.
(2) الاغاني 15: 308 ورواية البيت الاول:
فاذا مررت بقبره فاعقربه
كوم الهجان وكل طرف سابح

(4/65)


تفسير التبيان ج4
وقيل في قوله تعالى " الهين " ثلاثة أوجه: أحدها - أنهم لما عظموهما تعظيم الالهة أطلق ذلك عليهما كماقال " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله "(1) وانما أراد تقريعهم على معصيتهم.
والثاني - انهم جعلوه إلها وجعلوا مريم والدة له ميزوها من جميع البشر تمييزا شابهت الالهية وأطلق ذلك، لانه مستخرج من قصدهم. وان لم يكن صريح ألفاظهم، على طريقة الالزام لهم.
الثالث - انهم لما سموه إلها وعظموها هي، وكانا مجتمعين سماهما إلهين على طريقة العرب كقولهم: القمران للشمس والقمر، والعمران لابي بكر وعمر قال الشاعر:
جزاني الزهدمان جزاء سوء
وكنت المرء يجزى بالكرامة(2)
يريد زهدما وقيسا ابني حزن القيسين، وهذا كثير، وذكر لي بعض النصارى الذي قرأ كتب النصارى عن جاثليق لهم لم يكن في زمانة مثله: أنه سأله عن هذا فقال: كنت شاكا في ذلك إلى أن قرأت في كتاب ذكره أن فيما مضى كان قوم يقال لهم المريمية كانوا يعتقدون في مريم أنها آلهة، فعلى هذا القول أقرب.
وورد كماقلناه افي الحكاية عن اليهود أنهم قالوا: عزير ابن الله. وقد ذكرناه في سورة التوبة.
وقوله " سبحانك مايكون لي أن أقول ماليس لي بحق " معناه أنزهك أن يكون معك الهة وأن يكون للاشياء إله غيرك، واعترف بأنه لم يكن لي أن أقول هذا القول.
وقوله " إن كنت قلته فقد علمته " أي لم أقله لاني لو كنت قلته لماخفي عليك إذ كنت علام الغيوب.
وقوله " تعلم مافي نفسي ولا أعلم مافي نفسك " أي تعلم غيبي ولاأعلم غيبك، لان مافي نفس عيسى وما
---
(1) سورة 9 التوبة آية 33.
(2) اللسان (زهدم) نسبة إلى قيس بن زهير.

(4/66)


تفسير التبيان ج4
في قلبه هو مايغيبه عن الخلق، وانما يعلمه الله، وسمي مايختص الله بعلمه بأنه في نفسه على طريق الازدواج في الكلام كما قال " ومكروا ومكر الله "(1) " والله يستهزئ بهم "(2) ويخادعون الله وهو خادعهم "(3) " وجزاء سيئة سيئة مثلها "(4) " وان عاقبتم فعاقبوا "(5) وكل ذلك وجه ازدواج الكلام، ويقوى هذا التأويل قوله " إنك أنت علام الغيوب " لانه علل أنه انما يعلم مافي نفس عيسى، لانه علام الغيوب، وعيسى ليس كذلك، فلذلك لم يعلم مايختص الله بعلمه.
والنفس في اللغة على ضروب: أحدها - نفس الانسان التي بهاحياته، يقولون خرجت نفسه أي روحه وفي نفسى أن افعل أي في روعي. وثانيها أن نفس الشئ ذات الشئ يقولون: قتل فلان نفسه أي ذاته، وعلى هذا حمل قوله " ويحذركم الله نفسه "(6) أي ذاته وقيل عذابه.
والنفس الهم بالشئ كمايحكى أن سائلا سأل الحسن فقال: ان لي نفسين احداهما تقول لي حج، والاخر تزوج، فقال الحسن: النفس واحدة وانما لك هما هم بكذا وهم بكذا والنفس الانفة كقولهم: ليس لفلان نفس أي لاأنفة له، والنفس الارادة يقولون نفس فلان في كذا أي ارادته قال الشاعر:
فنفساي نفس قالت ائت ابن بحدل
تجد فرجا من كل غمى تهابها
ونفس تقول أجهد نجاء ك ولاتكن
كخاضبة لم يغن عنها خضابها(7)
والنفس أيضا العين التي تصيب الانسان يقال أصابت فلانا نفس أي عين ومنه قوله صلى الله عليه وآله في رقيا (بسم الله أرقيك والله يشفيك من كل عاهة فيك من كل عين عاين ونفس نافس وحسد حاسد) وقال عبيدالله بن قيس الرقيات:
---
(1) سورة 3 آل عمران آية 54.
(2) سورة 2 البقرة آية 15.
(3) سورة 4 النساء آية 141.
(3) سورة 42 الشورى آية 40.
(5) سورة 16 النحل آية 126.
(6) سورة 3 آل عمران آية 28، 30.
(7) اللسان (نفس).

(4/67)


تفسير التبيان ج4
تنقي نفسها النفوس عليها
فعلى نحرها الرقى والتميم
وقال ابن الاعرابي: النفوس التي تصيب الناس بالنفس، والنفس أيضا من الدباغ مقدار الدبغة.
قوله تعالى: ماقلت لهم إلا ماأمرتنى به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا مادمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد(117)
آية بلاخلاف هذا اخبار عن عيسى (ع) أنه يقول لله تعالى لله تعالى في جواب ماقرره عليه اني لم أقل للناس الا ما أمرتني به، من الاقرار لك بالعبودية وأنك ربي وربهم وإلهي والههم، وأمرتهم بأن يعبدوك وحدك ولايشركوا معك في العبادة.
وقال: اني كنت شهيدا أي شاهدا عليهم مادمت فيهم بما شاهدته منهم وعلمته وبما بلغتهم من رسالتك التي حملتنيها وأمرتني بأدائها اليهم مادمت حيا بينهم " فلما توفيتني " أي قبضتني اليك وأمتني " كنت أنت الرقيب عليهم " والرقيب هوالذي يشاهد القوم ويرقب مايعملون ويعرف ذلك، ثم اعترف بأنه تعالى " على كل شئ شهيد " لانه عالم بجميع الاشياء لايخفى عليه خافية ولايغيب عنه شئ فهو يشهد على العباد بكل مايعملونه. وفي اخباره تعالى عن المسيح أنه نفى القول الذي أدعوه عليه تأكيد لتبكيت النصارى وتكذيب لهم وتوبيخ على ما ادعوه من ذلك عليه.
قال الجبائي وفي الاية دلالة على انه تعالى أمات عيسى (ع) وتوفاه عندما رفعه، لانه بين انه كان شهيدا عليهم. وتوفيه اياه بعدان كان بينهم انما كان عند رفعه اياه إلى السماء عندما أرادوا قتله. وعندي أن الذي ذكره لايدل على أنه أماته، لان التوفي هوالقبض اليه ولايستفاد منه الموت الابشاهد الحال. ولذلك قال تعالي " الله يتوفي الانفس حين موتها

(4/68)


تفسير التبيان ج4
والتي لم تمت في منامها "(1) فبين انه يتوفى التي لم تمت فنفس التوفي لايفيد الموت بحال.
وقوله " أن اعبدوا الله " يجوز أن تكون (أن) بمعنى (أي) مفسرة في قول سيبويه، كما قال " وانطلق الملا منهم أن أمشوا(2) أي أمشوا، لانها مفسرة لما قبلها. والمعنى ماقلت لهم إلا ماأمرتني به أن أعبدوا الله. ويجوز أن تكون (أن) في موضع خفض على البدل من الهاء وتكون (أن) موصولة ب (أعبدوا الله). ومعناه الا ماأمرتني به بأن يعبدوا الله، ويجوز أن تكون موضعها نصبا على البدل من (ما) والمعنى ماقلت لهم شيئا الا أن أعبدوا الله، أي ماذكرت لهم إلاعبادة الله.
وقوله " أن اعبدوا الله ربي وربكم " شاهد بلفظ الانجيل فانه ذكر في الفصل الرابع من انجيل لوقا، قال المسيح:، مكتوب أن اسجد لله ربك وإياه وحده فأعبد، وهذا لفظه وهو صريح التوحيد.
قوله تعالى: إن تعذبهم فانهم عبادك وإن تغفر لهم فانك أنت العزيز الحكيم(118)
آية بلاخلاف.
ظاهر هذه الاية يدل على أن عيسى لم يكن أعلمه الله أن الشرك لايغفر على كل حال، فلذلك قال " ان تعذبهم فانهم عبادك " الذين كفروا بك وجحدوا إلهيتك وكذبوا رسلك " وان تغفر لهم فانك أنت العزيز الحكيم ".
وقال البلخي: ان عيسى (ع) أخبر أنه لاعلم له بما صنعوا بعده من الكفر به حتى قيل له: ماذا أجبت؟ قال لاعلم لي، ثم قال: ان كانوا كفروا فعذبتهم فهم عبادك وان كانوا ثبتوا على ما دعوتهم اليه أو تابوا من كفرهم
---
(1) سورة 39 الزمر آية 42.
(2) سورة 38 ص آية 6.

(4/69)


تفسير التبيان ج4
فغفرت لهم فأنت العزيز الحكيم. ومن ذهب إلى أن قول الله " ياعيسى بن مريم أأنت قلت للناس " إخبار عما مضى وأن الله قال ذلك عندما رفعه اليه، قال: انما عنى عيسى ان تعذبهم بمقامهم على معصيتك فانهم عبادك وان تغفر لهم بتوبة تكون منهم، لان القوم كانوا في الدنيا لان عيسى لم يشك في الاخرة أنهم مشركون. وقد أنطقعت التوبة، وانما قال ذلك في الدنيا وجعل قول الله تعالى " هذا يوم ينفغ الصادقين صدقهم " جوابا للرسل حين سألهم ماذا أجبتم " قالوا لاعلم لنا " فصدقهم الله في ذلك.
ومثل ذلك قال عمرو ابن عبيد والجبائي والزجاج وكلهم شرط التوبة.
وهذا الذي ذكروه ترك للظاهر وزيادة شرط في ظاهرها ليس عليه دليل.
وقوله " ان الله لايغفر ان يشرك به "(1) انما هو اخبارلامة نبينا بأن لايغفر الشرك ولانعلم ان مثل ذلك أخبر به الامم الماضية فلا متعلق بذلك. ويمكن أن يكون الوجه في الاية مع تسليم ان كان عارفا بأن الله لايغفر أن يشرك به وانه أراد بذلك تفويض الامر إلى مالكه وتسليمه إلى مدبره والتبري من أن يكون له شى ء من أمر قومه، كما يقول الواحد منا اذا تبرء من تدبير أمر من الامور ويريد تفويضه إلى غيره: هذا الامر لامدخل لي فيه فان شئت أن تفعله وان شئت ان تتركه مع علمه ان أحدهما لايكون منه.
وقوله " فانك أنت العزيز الحكيم " معناه انك القادر الذي لايغالب وأنت حكيم في جميع أفعالك فيما تفعله بعبادك و وقيل معناه " انك أنت العزيز " القدير الذي لايفوتك مذنب ولايمتنع من سطوتك مجرم " الحكيم " فلا تضع العقاب والعفو الا موضعهما.
ولو قال: الغفور الرحيم كان فيه معنى الدعاء لهم والتذكير برحمته، على أن العذاب والعفو قد يكونان غير صواب ولاحكمة فالاطلاق لايدل على الحكمة والحسن. والوصف بالعزيز الحكيم يشتمل على العذاب والرحمة اذا كانا صوابين.
---
(1) سورة النساء آية 47، 151.

(4/70)


تفسير التبيان ج4
وقال الحسين بن علي المغربي رأيت على باب بمصر في موضع يقال له (بيطار بلال) معروف لوحا قديما من ساج عليه هذا العشر وفيه (فانك أنت الغفور الرحيم) وتأريخ الدار سنة سبعين من الهجرة أو نحوها ولعلها باقية إلى اليوم.
فان قيل قول عيسى ان تعذبهم فأنهم عبادك يدل على ان الله تعالى له أن يعاقب عبيده من غير جرم كان منهم لانه علل حسن ذلك بكونهم عبيدا لا بكونهم عصاة، وذلك خلاف ماتذهبون اليه؟ قلنا: لايجوز ان يريد عيسى (ع) بكلامه مايدل على أن الفعل على كونه غير جائز عليه تعالى. ولايحسن منه تعالى أيضا أن يترك انكار ذلك فلما عملنا أن الله تعالى لايجوز ان يعاقب خلقه من غير معصية سبقت منهم من حيث كانا ذلك ظلما محضا، علمنا ان عيسى أراد بقوله ذلك " ان تعذبهم فانهم عبادك " الجاحدون لك المتخذون معك إلها غيرك لان ماتقدم من الكلام دل عليه فلم يحتج ان يذكره في اللفظ فبطل ماتوهموه.
قوله تعالى: قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم(119) لله ملك السموات والارض وما فيهن وهو على كل شئ قدير(120)
آيتان بلاخلاف.
قرأ " يوم ينفع " بفتح الميم نافع. الباقون بضمها.
من رفع (يوما) جعله خبر المبتدأ الذي هو (هذا) وأضاف (يوما) إلى (ينفع).
والجملة التي هي من المبتدأ والخبر في موضع نصب بأنه مفعول القول، كما تقول: قال زيد عمر أخوك.

(4/71)


تفسير التبيان ج4
ومن نصب احتمل أمرين: أحدهما - ان يكون مفعول قال وتقديره قال الله هذا القصص، وهذا الكلام " يوم ينفع الصادقين " فيوم ظرف للقول (وهذا) اشارة إلى ماتقدم ذكره من قوله: " اذ قال الله ياعيسى بن مريم " وجاء على لفظ الماضى وان كان المراد به المستقبل، كما قال " ونادى أصحاب الجنة اصحاب النار "(1) ونحو ذلك على مابيناه. وليس ما بعد (قال) حكاية في هذا الوجه كما كان إياها في الوجه الاخر.
ويجوز ان يكون المعنى على الحكاية وتقديره قال الله تعالى " هذا يوم ينفع " أي هذا الذي أقتصصنا. به يقع أو يحدث يوم ينفع، ف " يوم " خبر المبتدأ الذي هو (هذا) الامرإشارة إلى حدث. وظروف الزمان تكون اخبارا عن الاحداث. والجملة في موضع نصب بأنها في موضع مفعول، قال الفراء: (يوم) منصوب لانه مضاف إلى الفعل وهو في موضع رفع بمنزلة (يومئذ) مبني على الفتح في كل حال، قال الشاعر:
على حين عاتبت المشيب على الصبا
فقلت ألما تصح والشيب وازع(2)
قال الزجاج هذا خطأ عند البصريين، لانهم لايجيزون هذا يوم آتيتك، يريدون هذا يوم اتيانك، لان (آتيتك) فعل مضارع فالاضافة اليه لايزيل الاعراب عن جهته، ولكنهم يجيزون (ذلك يوم يقع زيد أصدقه) لان الفعل الماضي غير مضارع للمتمكن فهي اضافة إلى غير متمكن والى غير ماضارع المتمكن ويجوز (هذا يوم) منونا (ينفع الصادقين) على إضمار هذا يوم ينفع
---
(1) سورة الاعراف آية 43.
(2) قائله النابغة. ديوانه: 38 ومعاني القرآن 1: 327، وسيبويه 1: 369 فيه الصادقين صدقهم كقوله: " وأتقوا يوما لاتجزي نفس عن نفس شيئا " والمعني لاتجزي فيه، وقال الشاعر:

(4/72)


تفسير التبيان ج4
وماالدهر الا تارتانا فمنهما
أموت وأخرى ابتغي العيش اكدح(1)
والمعنى فمنهما تارة أموت فيها.
وقوله " قال الله هذا يوم ينفع الصادقين " يعني يوم القيامة، ودل على أن قول الله للمسيح " أأنت قلت للناس اتخذوني وأمى إلهين من دون الله " يكون يوم القيامة، ثم بين ان الصادقين ينفعهم صدقهم وهو ماصدقوا فيه في دار التكليف، لان يوم القيامة لا تكليف فيه على أحد، ولايخبر أحد فيه الا بالصدق، ولاينفع الكفار صدقهم الذي يقولونه يوم القيامة اذا أقروا على أنفسهم بسوء أعمالهم، ثم بين ان " لهم جنات تجري من تحتها الانهار "، وأنهم " خالدون فيها أبدا " في نعيم مقيم لايزول، وان الله قد " رضى عنهم ورضوا " هم عن الله وبين ان ذلك " هوالفوز العظيم " وهو مايحصلون فيه من الثواب والنجاة من النار، ثم قال تعالى: " لله ملك السماوات والارض وما فيهن " يعني ان ملك السماوات والارض ومابينهما له بالقدرة على التصرف فيهما وفيما بينهما على وجه ليس لاحد منعه منه ولامعارضته فيه خاصة، ثم بين انه تعالى: " على كل شئ قدير " مما كان ويكون مما يصح ان يكون مقدورا له.
---
(1) قائله ابن مقبل. اللسان " كدح ".

(4/73)


تفسير التبيان ج4
ـ 6 سورة الانعام
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم: ان سورة الانعام مكية.
وقال يزيد بن رومان بعضها مكي وبعضها مدني.
وقال شهر بن خوشب: هي مكية إلا آيتين منها قوله تعالى: " قل تعالوا اتل عليكم ماحرم " والتي بعدها.
وروى عن ابن عباس انه قال نزلت سورة الانعام جملة بمكة معها سبعون الف ملك محدقون حولها بالتسبيح والتهليل والتحميد وهي مئة وخمس وستون آية كوفى وست في البصري وسبع في المدنيين.
وروي عن ابن عباس أيضا انه قال هي مكية غير ست آيات منها فانها مدنيات. " قل تعالوا اتل " وآيتان بعدها وقوله " وماقدروا الله حق قدره " إلى آخرها والاية التي بعدها " ومن اظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال اوحي.. " إلى آخرها.
وروي عن أنس بن مالك انه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مانزل علي سورة من القرآن جملة غير سورة الانعام وماجمعت الشياطين لسورة من القرآن جمعها لها ولقد بعث بها الي مع جبرائيل مع خمسين ملكا، أو قال خمسين الف ملك - شك الواقدي - نزل بها وتحفها حتى أقر - ها في صدري كما يقر الماء في الحوض وقد اعزني الله واياكم بهاعزا لا يذلنا بعده ابدا فيها دحض حجج المشركين ووعد من الله لايخلفه.
وروي عن كعب الاحبار انه قال: افتتحت التوراة بالحمدلله الذي خلق السماوات والارض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون. وختمت بالحمدلله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك إلى آخر الاية.

(4/74)


تفسير التبيان ج4
الآية: 1 - 19
بسم الله الرحمن الرحيم
ألحمد لله الذي خلق السموات والارض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون(1)
آية في الكوفي والبصري، وآيتان في المدنيين
قوله " والنور " آخر آية أخبر الله تعالى في هذه الاية أن المستحق للحمدمن خلق السماوات والارض وجعل الظلمات والنور أي خلقهما لما أشتملا عليه من عجائب الخلق ومتقن الصنع. ثم عجب ممن جعل له شركاء مع ماتري في السماوات والارض من الدلالة على أنه الواحد الذي لاشريك له، وقد بينافيما تقدم وجه دلالة ذلك على أنه واحد ليس باثنين.
وقوله " بربهم يعدلون " أي يجعلون له مثلا يستحق العبادة مأخوذ من قولك: لا أعدل بفلان أحدا، أي لانظير له عندي ولا أحد يستحق مايستحقه.
قال الكسائي: يقال عدلت الشئ بالشئ أعدله عدولا اذا ساويته، وعدل في الحكم يعدل عدلا.
وقال الحسن ومجاهد: معنى يعدلون يشركون. وانما ابتدأ تعالى هذه السورة بالحمد احتجاجا على مشركي العرب، وعلى من كذب بالبعث والنشور فابتدأ، فقال " الحمدلله الذي خلق السماوات والارض " فذكر أعظم الاشياء المخلوقة، لان السماء بغير عمد ترونها، والارض غير مائدة بنا. ثم ذكر الظلمات والنور، وذكر الليل والنهار، وهما مما به قوام الخلق. فأعلم الله تعالى أن هذه خلق له، وأن خالقها لاشئ مثله.
وروي عن أبي عبدالله (ع) أنه قال: ان الانعام نزلت جملة، وشيعها سبعون الف ملك حين أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله فعظموها، وبجلوها، فان اسم الله تعالى فيها في سبعين موضعا. ولو يعلم الناس مافي قراء تها من الفضل ماتركوها.

(4/75)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: هوالذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون(2)
آية بلاخلاف.
معنى قوله " هوالذي خلقكم " أي انشأكم، وأخترعكم " من طين " ومعناه خلق أباكم - الذي هو آدم وانتم من ذريته، وهو بمنزلة الاصل لنا - من طين، فلماكان أصلنا من الطين جازان يقول " خلقكم من طين ".
وقوله " ثم قضى " معناه حكم بذلك. والقضاء يكون حكما، ويكون أمرا ويكون الاتمام والاكمال.
وقوله " أجلا وأجل مسمى عنده " قيل في معنام قولان: أحدهما - قال ابوعلي: كتب للمرء أجلا في الدنيا، وحكم بأنه أجل لنا، وهو الاجل الذي يحيى فيه أهل الدنيا إلى أن يموتوا، وهو أوقات حياتهم، لان أجل الحياة، هووقت الحياة، وأجل الموت هو وقت الموت " وأجل مسمى عنده " يعني آجالكم في الاخرة، وذلك أجل دائم ممدود لا آخر له، وانما قال له " مسمى عنده "، لانه مكتوب في اللوح المحفوظ، في السماء وهو الموضع الذي لايملك فيه الحكم على الخلق سواه.
وقال الزجاج: أحد الاجلين أجل الحياة، وهوالوقت الذي تحدث فيه الحياة، ويحيون فيه " وأجل مسمى عنده " يعني أمر الساعة والبعث. وبه قال الحسن، وسعيدبن جبير، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك.
وقال بعضهم: " قضى أجلا " يعني أجل من مضى من الخلق " وأجل مسمى عنده " أجل الباقين والذي نقوله: " ان الاجل هوالوقت الذي تحدث فيه الحياة أو الموت ولايجوز ان يكون المقدر أجلا، كمالايجوز أن يكون ملكا، فان سمي - مايعلم الله تعالى أنه لولم يقتل فيه لعاش اليه - أجلا، كان ذلك مجازا، لان الحي لايعيش اليه. ولايمتنع أن يعلم الله من حال المقتول أنه لولم يقتله القاتل لعاش إلى وقت آخر.
وكذلك ماروي: أن الصدقة وصلة الرحم تزيد في الاجل، وماروي في قصة قوم يونس وأن الله صرف عنهم العذاب، وزاد

(4/76)


تفسير التبيان ج4
في آجالهم، لايمنع منه مانع، وانما منع من التسمية لماقلناه.
وقوله: " ثم أنتم تمترون " خطاب للكفار الذين يشكون في البعث والنشور. احتج الله بهذه الاية على الذين عدلوا به غيره، فأعلمهم انه خلقهم من طين، ونقلهم من حال إلى حال، وقضى عليهم الموت، فهم يشاهدون ذلك، ويقرون بأنه لامحيص منه. ثم عجبهم من امترائهم أي من شكهم في انه الواحد القهار على مايشاء، وفي أنه لم يعبث بخلقهم وابقائهم واماتتهم بعد ذلك، وأنه لابد من جزاء المسيئ والمحسن، ومثله قوله: " ياأيها الناس ان كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم "(1) ان الذي قدر على ذلك قادر على أن يبعثكم بعد أن تكونوا ترابا.
وقوله " وأجل مسمى عنده " رفع على الابتداء وتم الكلام عند قوله: " ثم قضى أجلا ".
قوله تعالى: وهو الله في السموات وفي الارض يعلم سركم وجهركم ويعلم ماتكسبون(3)
آية إجماعا.
قوله " وهوالله في السماوات وفي الارض " يحتمل معنيين: أحدهما - قال الزجاج والبلخي، وغيرهما: انه المعبود في السماوات والارض، والمتفرد بالتدبير في السماوات وفي الارض، لان حلوله فيهما أو شئ منهما لايجوز عليه. ولايجوز أن تقول هو زيد في البيت، والدار، وأنت تريد أنه يدبرهما الا ان يكون في الكلام مايدل على ان المراد به التدبير كقول القائل: فلان الخليفة في الشرق والغرب، لان المعنى في ذلك أنه المدبر فيهما.
---
(1) سورة 22 الحج آية 5.

(4/77)


تفسير التبيان ج4
ويجوز ان يكون خبرا بعد خبر، كأنه قال: انه هو الله وهو في السماوات وفي الارض. ومثل ذلك قوله " وهوالذي في السماء إله وفي الارض إله "(1) والوجه الثاني - قال أبوعلي: ان قوله " وهوالله " قدتم الكلام، وقوله " في السماوات وفي الارض " يكون متعلقا بقوله " يعلم سركم وجهركم " في السماوات وفي الارض لان الخلق إما أن يكونوا ملائكة فهم في السماء أو البشر والجن، فهم في الارض، فهو تعالى عالم بجميع ذلك لايخفى عليه خافية، ويقويه قوله " ويعلم ماتكسبون " أي يعلم جميع ماتعملون من الخير والشر فيجازيكم على حسب أعمالكم، ولايخفى عليه شئ منها، وفي ذلك غاية الزجر والتهديد.
وفي الاية دلالة على فساد قول من قال: إنه تعالى في مكان دون مكان تعالى الله عن ذلك.
قوله تعالى: وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين(4)
آية بلاخلاف.
في هذه الآية اخبار من الله تعالى أنه لايأتي هؤلاء الكفار - المذكورين في أول الاية - من آيات من ربهم، وهي المعجزات التي يظهرها على رسوله وآيات القرآن التي كان؟ لها على نبيه صلى الله عليه وآله " الا كانوا عنها معرضين " لايقبلونها، ولايستدلون بها على مادلهم الله عليه من توحيده وصدق رسوله محمد صلى الله عليه وآله.
---
(1) سورة 10 يونس آية 22.

(4/78)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: فقد كذبوا بالحق لما جاء هم فسوف يأتيهم أنباء ماكانوا به يستهزؤن(5)
آية بلاخلاف.
في هذه الاية اخبار منه تعالى أن الكفار قد كذبوا بالحق الذي أتاهم به محمد صلى الله عليه وآله لماجاء هم بالقرآن، وسائر أمورالدين، وانه سوف يأتيهم خبر العذاب الذي ينزله بهم عقوبة على كفرهم، وهذا العذاب هوالذي كانوا به يستهزؤن: بأخبار رسول الله إياهم به وبنزوله بهم. فبين أن ذلك سيحل بهم وسيقفون على صحته. ودل ذلك على أنهم كانوا يستهزؤن، وان كان لم يذكره ههنا وذكره في موضع آخر وومثل ذلك قول القائل للجاني عليه: سيعلم عملك. وانما يريد ستجازى على عملك.
وقال الزجاج: معنى " أنباء ماكانوا به يستهزؤن " أي تأويله. والمعنى سيعلمون مايؤل اليه استهزاؤهم.
قوله تعالى: ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الارض مالم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الانهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشانا من بعدهم قرنا آخرين(6)
آية بلاخلاف.
قوله " ألم يروا " خطاب للغائب وتقديره ألم ير هؤلاء الكفار: ألم يعلموا كم أهلكنا من قبلهم من قرن. ثم قال مكناهم في الارض مالم نمكن لكم " فخاطب خطاب المواجه، فكأنه اخبر النبي صلى الله عليه وآله ثم خاطبه معهم، كما قال: " حتى اذا كنتم في الفلك وجرينا بهم بربح طيبة "(1) فذكر لفظ الغائب بعد
---
(1) سورة 10 يونس آية 22

(4/79)


تفسير التبيان ج4
خطاب المواجه. ومعنى " من قرن " من أمة.
قال الحسن: القرن عشرون سنة.
وقال ابراهيم: اربعون سنة.
وقال ابوميسرة: هو عشر سنين.
وحكى الزجاج والفراء: أنه ثمانون سنة وقال قوم: هو سبعون سنة.
وقال الزجاج: عندي القرن هو أهل كل مدة كان فيها نبي أو كان فيها طبقة من أهل العلم، قلت السنون او كثرت، فيسمى ذلك قرنا، بدلالة قوله (ع): (خيركم قرني) يعني أصحابي (ثم الذين يلونهم) يعني التابعين (ثم الذين يلونهم) يعني تابعي التابعين.
قال: وجائز أن يكون القرن جملة الامة، وهؤلاء قرن فيها. واشتقاق القرن من الاقتران. وكل طبقة مقترنين في وقت قرن، والذين يأتوا بعدهم ذووا اقتران: قرن آخر.
وقوله " مكناهم في الارض " معناه جعلناهم ملوكا وأغنياء تقول مكنتك، ومكنت لك واحد.
وقوله " وأرسلنا عليهم السماء مدرارا " معناه أرسلنا عليهم مطرا كثيرا من السماء يقول القائل أصابتنا هذه السماء، ومازلنا نطأ السماء حتى أتيناكم، يعنون المطر.
وقوله " مدرارا " يعني غزيرا دائما كثيرا. وهو قول ابن عباس وأبي روق. و (مفعال) من ألفاظ المبالغة، يقال ديمة مدرارا اذاكان مطرها غزيرا حادا، كقولهم امرأة مذكار: اذاكانت كثيرة الولادة للذكور، ومئناث في الاناث.
ومفعال لايؤنث، يقال: امرأة معطار ومئناث ومذكار، بغير هاء.
بين الله تعالى أن هؤلاء الذين آتاهم الله هذه المنافع وأجرى من تحتهم الانهار، ووسع عليهم، ومكنهم في الارض، لماكفروا بنعم الله وارتكبوا معاصيه أهلكهم الله بذنوبهم، وانه انشأ قوما آخرين بعدهم.
يقال: انشأ فلان يفعل كذا أي ابتدأ فيه. وموضع (كم) نصب ب أهلكنا)، لان لفظ الاستفهام لايعمل فيه ما قبله، فلذلك لايجوز أن يكون منصوبا ب (يروا).
فان قيل: كيف قال: (أولم يروا) والقوم كانوا غير مقرين بما أخبروا

(4/80)


تفسير التبيان ج4
به من شأن الامم قبلهم؟ قيل: كان الكثير منهم مقرا بذلك فأنه دعي بهذه الاية إلى النظر والتدبر ليعرف بذلك ماعرفه غيره.
قوله تعالى: ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين(7)
آية بلاخلاف.
أخبر الله تعالى في هذه الاية أنه لو نزل على نبيه كتابا يعني صحيفة مكتوبة في قرطاس حتى يلمسوه بأيديهم ويدركوه بحواسهم، لانهم سألوا النبي صلى الله عليه وآله ان يأتيهم بكتاب يقرؤونه من الله تعالى فلان بن فلان أن آمن بمحمد، وانه لو أجابهم إلى ذلك لما آمنوا، ونسبوه إلى السحر لعظم عنادهم وقساوة قلوبهم وعزمهم على أن لايؤمنون على كل حال. وعرفه أن التماسهم هذه الايات ضرب من العنت ومتى فعلوا ذلك أصطلمهم واستأصلهم، وليس تقتضى المصلحة ذلك، لما علم في بقائهم من مصلحة للمؤمنين، وعلمه بمن يخرج من أصلابهم من المؤمنين وأن فيهم من يؤمن فيما بعد، فلايجوز أخترام من هذه صفته - عند ابي علي والبلخي.
وقوله " ان هذا الاسحر مبين " معناه ليس هذا الا سحر مبين.
واحتج ابوعلي بهذه الاية على أنه متى كان في معلوم الله تعالى انه لو آتاهم الايات التي طلبوها لامنوا عندها وجب ان يفعلها بهم، قال: ولولا ذلك كذلك لم يحتج على العباد في منعه اياهم الايات التي طلبوها أي انما منعتهم اياها لانهم كانوا لايؤمنون، ولو آتاهم إياها لكانوا يقولون انها سحر مبين. وبهذا تبين بطلان قول من قال اللطف ليس بواجب، وانه يجوز ان يمنعهم الله ما طلبوا وان كانوا يؤمنون لو آتاهم ذلك ويكفرون لو منعهم اياه.

(4/81)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو انزلنا ملكا لقضي الامر ثم لاينظرون(8) ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم مايلبسون(9)
آيتان بلاخلاف.
اخبر الله تعالى في هذه الاية عن هؤلاء الكفار أنهم قالوا (لولا) ومعناه: هلا " أنزل عليه " يعنون على محمد " ملك " يشاهدونه فيصدقه. ثم أخبر عن عظم عنادهم انه لو أنزل عليهم الملك على ما اقترحوه لما آمنوا به، واقتضت الحكمة استئصالهم وألا ينظرهم ولايمهلهم. وذلك بخلاف ماعلم الله تعالى من المصلحة على مابيناه.
ومعنى " لقضى الامر " أي أتم إهلاكهم وقضي على ضروب كلها ترجع إلى معنى تمام الشئ وانقطاعه في قول الزجاج. فمنه " قضى أجلا وأجل مسمى عنده "(1) معناه ثم ختم بذلك وأتمه، ومنه الامر كقوله " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا اياه "(2) الا أنه أمر قاطع ومنه الاعلام نحو قوله " وقضينا إلى بني اسرائيل(3) أي أعلمناهم إعلاما قاطعا. ومنه الفصل في الحكم نحو قوله " ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضى بينهم "(4) أي لفصل الحكم بينهم. ومنه قولهم قضى القاضي. ومن ذلك قضى فلان دينه، أي قطع مالغريمه عليه وأداه اليه وقطع مابينه وبينه وكلما أحكم فقد قضي، تقول قضيت هذا الثوب وهذه الدار، أي عملتها وأحكمت عملها، قال أبوذؤيب
وعليهما مسرودتان قضاهما
داود أو صنع السوابغ تبع(5)
وقال مجاهد معنى " وقالوا لولا أنزل عليه ملك " يريدون في صورته.
قال الله تعالى " ولو أنزلنا ملكا " في صورته " لقضي الامر " أي لقامت الساعة أو
---
(1) سورة 6 الانعام آية 2.
(2) سورة 17 الاسرى آية 23.
(3) سورة 17 الاسرى آية 4.
(4) سورة 42 الشورى آية 14.
(5) مرتخريجه في 1 / 429.

(4/82)


تفسير التبيان ج4
وجب استئصالهم ثم قال " ولو جعلناه ملكا لجعلناه " في صورة رجل، لان أبصار البشر لاتقدر على النظر إلى صورة ملك على هيئته للطف الملك وقلة شعاع أبصارنا وكذلك كان جبرائيل (ع) يأتي النبي صلى الله عليه وآله في صورة دحية الكلبي، وكذلك الملائكة الذين دخلوا على ابراهيم في صورة الاضياف حتى قدم اليهم عجلا جسدا، لانه لم يعلم أنهم ملائكة، وكذلك لماتسور المحراب على داود الملكان كانا في صورة رجلين يختصمان اليه.
وقال بعضهم: المعنى لو جعلنا مع النبي ملكا يشهد بتصديقه (لجعلناه رجلا) والاول أصح.
وقوله " وللبسنا عليهم مايلبسون " يقال: لبست الامر على القوم ألبسه اذا شبهته عليه، ولبست الثوب البسه، وكان رؤساء الكفار يلبسون على ضعفائهم أمر النبي (ع)، فيقولون: هو بشر مثلكم، فقال الله تعالى " ولو أنزلنا ملكا " فرأوا الملك رجلا ولم يعلمهم أنه ملك لكان يلحقهم من اللبس مايلحق ضعفائهم منهم. واللبوس مايلبس من الثياب واللباس الذي قد لبس واستعمل.
فان قيل: قوله: انه لوجعل الملك رجلا للبس عليهم يدل على أن له أن يلبس بالاضلال والتلبيس؟ قلنا: ليس ذلك في ظاهره، لانه لم يخبر أنه لبس عليهم وانما قال لوجعلته ملكا للبست ولم يجعله ملكا فاذا مالبس، كماقال تعالى " لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق مايشاء "(1) وليس يجوز عليه اتخاذ الولد ولا الاصطفاء له بحال، فسقط ماقالوه.
قوله تعالى: ولقد استهزى برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ماكانوا به يستهزؤن(10)
آية بلاخلاف.
---
(1) سورة 39 الزمر آية 4.

(4/83)


تفسير التبيان ج4
لما أخبر الله تعالى أنه لوأنزل الايات التي أقترحوها وامتنعوا عند ذلك من الاقرار بالله وتصديق نبيه اقتضت المصلحة استئصالهم كما اقتضت المصلحة استئصال من تقدم من الامم الماضية عند نزول الايات المقترحة، كما فعل بقوم صالح وغيرهم من أمم الانبياء، قال ذلك تسلية لنبيه (ع) من استمرارهم على الكفر.
ومعنى (الحيق) مايشتمل على الانسان من مكروه فعله كما قال: " ولايحيق المكر السيئ الا بأهله "(1) أي لاترجع عاقبة مكروهه الا عليهم.
والمعنى فحاق بالساخرين منهم: " ماكانوا به يستهزؤن " من وعيد أنبيائهم بعاجل العقاب في الدنيا نحومانزل بقوم عاد وثمود وغيرهم من الامم.
وقال ابوعلي: حاق وحق بمعنى واحد.
والمعنى انه لمانزل بهم العذاب حق بذلك الخبر عندهم: الخبر الذي كان أخبرهم به النبي صلى الله عليه وآله.
قوله تعالى: قل سيروا في الارض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين(11)
آية بلاخلاف.
أمر الله تعالى في هذه الاية نبيه (ع) ان يأمر هؤلاء الكفار ان يسيروا في الارض لينظروا إلى آثار تلك الامم فانها مشهورة ومتواتر خبرها معلوم مساكنها واراد بذلك زجر هؤلاء الكفار عن تكذيب محمد (ع) والتحذير لهم من ان ينزل بهم من العذاب مانزل بالمكذبين للرسل من قبلهم.
---
(1) سورة

(4/84)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: قل لمن ما في السموات والارض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيمة لاريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لايؤمنون(12) وله ماسكن في الليل والنهار وهوالسميع العليم(13)
آيتان بلاخلاف.
أمر الله تعالى نبيه (ع) ان يقول لهؤلاء الكفار مقرعا لهم وموبخا على كفرهم " لمن في السماوات والارض " ثم امره (ع) ان يقول لهم ان ذلك " لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم " واللام لام القسم وتقديره والله ليجمعنكم ولذلك نصب (لام) ليجمعنكم، لان معنى كتب اليمين.
وقال الزجاج يجوز أن يكون (ليجمعنكم) بدلا من الرحمة مفسرا لها، لانه لما قال كتب على نفسه الرحمة فسر رحمته بأنه يمهلهم إلى يوم القيامة.
وقال الفراء: يجوز أن يكون قوله " كتب على نفسه الرحمة " غاية ثم استأنف قوله " ليجمعنكم.. لاريب فيه " تمام، ومعنى " كتب على نفسه الرحمة " أي كتب على نفسه ألا يستأصلكم ولايعجل عقوبتكم بل يعذر وينذر ويجمع آخركم إلى أولكم قرنا بعد قرن إلى يوم القيامة، وهوالذي لاريب فيه.
وفي قوله " ليجمعنكم إلى يوم القيامة " احتجاج على من أنكر البعث والنشور فقال ليجمعنكم إلى اليوم الذي أنكرتموه كما تقول: جمعت هؤلاء إلى هؤلاء، أي ضممت بينهم في الجمع.
وقوله " الذين خسروا أنفسهم " قال الاخفش (الذين) بدل من الكاف والميم. والمعنى ليجمعن هؤلاء المشركين الذين خسروا أنفسهم إلى هذااليوم الذي يجحدونه ويكفرون به.
وقال الزجاج: هو في موضع رفع على الابتداء وخبره " فهم لايؤمنون " لان (ليجمعنكم) مشتمل على سائر الخلق على الذين خسروا أنفسهم وغيرهم.
وقوله " وله ماسكن في الليل والنهار " أي مااشتمل عليه الليل والنهار فجعل الليل والنهار كالمسكن لما اشتملا عليه، لانه ليس يخرج منهما شئ فجمع

(4/85)


تفسير التبيان ج4
كل الاشياء بهذا اللفظ القليل الحروف، وهذا من أفصح مايكون من الكلام.
وقال النابغة:
فانك كالليل الذي هو مدركي
وان خلت ان المنتأى عنك واسع(1)
فجعل الليل مدركا إذ كان مشتملا عليه.
وفي هذه الاية وفي التي قبلها إحتجاج على الكفار الذين عبدوا من دون الله تعالى، فقال تعالى: " قل لمن مافي السماوات والارض "؟ وكانوا لايشركون بالله في خلق السماوات والارض ومابينهما احدا وانما كانوا يشركون في العبادة، ويقولون: آلهتهم تقربهم إلى الله زلفى، لاأنها تخلق شيئا، ثم قال: " قل لله " فانهم لاينكرون ذلك، وهو كقوله " ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله "(2) فذكرهم ماهم به مقرون ليتنبهوا ويشهدوا بالحق ويتركوا ماهم عليه، ومعنى " خسروا أنفسهم " أهلكوها باستحقاق المصير إلى العذاب الاليم الدائم، الذي لاينتفعون معه بنفوسهم إذ كانوا لايؤمنون. ومن أهلك نفسه فقد خسرها.
وانما قال " وله ماسكن في الليل والنهار " لان في الحيوان مايسكن في الليل، وفيه مايسكن بالنهار وخص السكون بالذكر، لان الساكن أكثر من المتحرك، ولان الاية العجيبة في قيام الساكن بلا عمد أعظم.
قوله تعالى: قل أغير الله أتخذ ولياً فاطر السموات والارض وهو يطعم ولايطعم قل أني أمرت أن أكون أول من أسلم ولاتكونن من المشركين(14)
آية بلاخلاف.
أجمع القراء على ضم الياء وفتح العين من قوله " ولايطعم " وقرئ في الشواذ
---
(1) سمط اللالي: 570.
(2) سورة 43 الزخرف آية 87

(4/86)


تفسير التبيان ج4
بفتح الياء العين معا. فمن ضم الياء أراد أن غيره لايطعمه في مقابلة قوله: " وهو يطعم ".
ومن فتح الياء أراد أنه نفسه لايطعم.
والمعنى هو يرزق الخلق ولايرزقه أحد. والطعمة والطعم والاطعام الرزق، قال امرؤ القيس:
مطعم للصيد ليس له
غيرها كسب على كبره(1)
وقال علقمة بن عدي:
ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمة
أني توجه والمحروم محروم(2)
ألا ترى أنه وضع الحرمان في مقابلة الاطعام، كما يوضع أبدا مقابلا للرزق.
وقيل: إنه ذكر الاطعام، لان حاجة العباد اليه أشد، ولان نفيه عن الله أدل على نفي شبهه بالمخلوقين، لان الاطعام لايجوز الاعلى الاجسام. والاختيار في " فاطر " الخفض لانه من صفة (الله).
والرفع، والنصب جائزان على المدح.
فمن رفع فعلى اضمار (هو)، وتقديره: هو فاطر السماوات والارض، وهو يطعم ولايطعم.
ومن نصب فعلى معنى: اذكروا عني.
ومعنى: " فاطر السماوات والارض " خالقهما، كما قال: " ومالي لا أعبد الذي فطرني واليه ترجعون "(3) أي خلقني.
قال ابن عباس: ما كنت أدري مامعنى (فاطر) حتى اختصم الي اعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها أي ابتدأتها. وأصل الفطر الشق، ومنه قوله تعالى: " اذا السماء انفطرت "(4) أي انشقت. ومعني " فطر السماوات والارض " خلقهما خلقا قاطعا. والانفطار، والفطور تقطع وتشقق وفي الاية دلالة وحجة على الكفار، لان من خلق السماوات والارض وأنشأ مافيها، وأحكم تدبيرهما، واطعم من فيهما هوالذي ليس كمثله شئ
---
(1) ديوانه: 104، واللسان (طعم).
(2) اللسان: الالف اللينة تفسير (أنى).
(3) سورة 36 يس آية 22.
(4) سورة 82 الانفطار آية 1

(4/87)


تفسير التبيان ج4
وان الخلق فقراء اليه وهو الغني القادر القاهر، فلايجوز لمن عرف ذلك أو جعل له السبيل إلى معرفته ان يعبد غيره.
وقوله " وأمرت أن أكون أول من أسلم " معناه أن أكون اول من خضع، وآمن وعرف الحق من قومي، وأن اترك ماهم عليه من الشرك.
ومثله قوله " قل ان كان للرحمان ولد فأنا أول العابدين "(1) بأنه لم يكن للرحمان ولد، يعني من هذه الامة، لانه قد عبدالله النبيون والمؤمنون قبله، ومثله قوله " سبحانك تبت اليك وأنا أول المؤمنين "(2) ممن سألك أن تريه نفسك - بأنك لاترى.
وقول السحرة " إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا ان كنا أول المؤمنين(3) بأن هذا ليس بسحر، وأنه الحق، أي أول المؤمنين من السحرة، ومعنى الولي - هاهنا - الاله الذي أعبده ليتولاني، ويحفظني.
وقوله: " وأمرت أن أكون أول من أسلم ولاتكونن من المشركين " أي أمرت بالامرين معا: أن أكون أول من أسلم من هذه الامة، وألا أكون من المشركين. والمعنى أمرت بذلك ونهيت عن الشرك، لان الامر لا يتناول ألا يكون الشئ، لانه لايكون أمرا إلا بارادة المأمور، والارادة لاتتعلق بألا يكون الشئ. وانما المراد ماقلناه: أنه كره مني الشرك.
قوله تعالى: قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم(15)
آية بلاخلاف.
أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله بهذه الاية أن يقول لهؤلاء الكفار: إنه يخاف
---
(1) سورة 43 الزخرف آية 81.
(2) سورة 7 الاعراف آية 142.
(3) سورة 26 الشعراء آية 52.

(4/88)


تفسير التبيان ج4
- ان عصاه - عذابه وعقوبته في يوم عظيم وهو يوم القيامة.
ومعنى العظيم - هاهنا - أنه شديد على العباد، وعظيم في قلوبهم.
وفي الاية دلالة على ان من زعم أن من علم الله أنه لايعصى فلايجوز أن يتوعده بالعذاب. وعلى من زعم أنه لايجوز أن يقال فيما قد علم الله أنه لايكون أنه لوكان لوجب فيه كيت وكيت، لانه كان المعلوم لله تعالى أن النبي صلى الله عليه وآله لايعصي معصية يستحق بها العقاب يوم القيامة، ومع هذا فقد توعده به.
قوله تعالى: من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين(16)
آية بلاخلاف.
قرأ اهل الكوفة الا حفصا، ويعقوب " من يصرف " بفتح الياء وكسر الراء. الباقون بضم الياء وفتح الراء.
وفاعل (يصرف) هوالضمير العائد إلى " ربي " من قوله: " إني أخاف ان عصيت ربي ".
ويكون حذف الضمير العائد إلى العذاب، والمعنى من يصرف الله عنه، وكذلك هو في قراء ة أبي.
قال أبوعلي: وليس حذف الضمير بالسهل لانه ليس بمنزلة الضمير الذي يحذف من الصلة اذا عاد إلى الموصول، نحو " أهذا الذي بعث الله رسولا "(1) و " سلام على عباده الذين اصطفى الله "(2) أي بعثهم الله واصطفاهم، ولايعود الضمير المحذوف - هاهنا - إلى موصول ولاالى (من) التي المجزاء، وانما يرجع إلى العذاب من قوله " ان عصيت ربي عذاب يوم عظيم "، وليس هذا بمنزلة قوله " والحافظين فروجهم "(3) لان هذا فعل واحد قد تكرر وعدي الاول فيهما
---
(1) سورة 25 الفرقان آية 41.
(2) سورة 27 النسل آية 59.
(3) سورة 33 الاحزاب آية 35

(4/89)


تفسير التبيان ج4
إلى المفعول، فعلم بتقدير الاول أن الثاني بمنزلته. والذي يحسن قراء ة من قرأ " يصرف " بفتح المياء أن مابعده من قوله " فقد رحمه " فعل مسند إلى ضمير اسم الله. فقد اتفق الفعلان في الاسناد إلى هذا الضمير، فيمن قرأ " يصرف " بفتح الياء. ويقويه أيضا أن الهاء المحذوفة من (يصرفه) لماكان في حيز الجزاء، وكان ما في حيزه في أنه لايتسلط على الموصول، حسن حذف الهاء منه كما حسن حذفها من الصلة.
ومن ضم الياء فالمسند اليه الفعل المبني للمفعول ضمير العذاب المتقدم ذكره، ويقوي ذلك قوله " ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم "(1) ألا ترى أن الفعل بني للمفعول، وفيه ضمير العذاب.
وقال الزجاج: التقدير من يصرف الله عنه العذاب فيمن فتح الياء. ومن ضم الياء، فتقديره من يصرف عنه العذاب.
قوله تعالى: وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شئ قدير(17) وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير(18)
آيتان بلاخلاف.
معنى الاية الاولى أنه لايملك النفع والضرر الا الله تعالى أو من يملكه الله ذلك. فبين تعالى أنه مالك السوء من جهته " فلاكاشف له الاهو " ولا يملك كشفه سواه مما يعبده المشركون ولاأحد سوى الله، وأنه إن ناله بخير فهو على ذلك قادر.
وقوله يمسسك بضر أو بخير، معناه يمسك ضره أو خيره. فجعل المس لله على وجه المجاز، وهو في الحقيقة الخير والضر، وهو مجاز في الخير والضر أيضا، لانهما عرضان لاتصح عليهما المماسة. وأراد
---
(1) سورة 11 هود آية 8

(4/90)


تفسير التبيان ج4
تعالى بذلك الترغيب في عبادته، وحده، وترك عبادة سواه، لانه المالك للضر والنفع دون غيره، وأنه القادر عليهما. والقاهر هو القادر على أن يقهر غيره. فعلى هذا يصح وصفه فيما لم يزل بأنه قاهر.
وفي الناس من قال: لايسمى قاهرا الا بعد أن يقهر غيره، فعلى هذا لايوصف تعالى فيما لم يزل بذلك.
ومثل قوله " فوق عباده " قوله " يد الله فوق أيديهم "(1) والمراد أنه أقوى منهم، وأنه مقتدر عليهم، لان الارتفاع في المكان لايجوز عليه تعالى، لانه من صفات الاجسام. فاذا المراد بذلك أنه مستعل عليهم، مقتدر عليهم. وكل شئ قهر شيئا فهو مستعل عليه، ولما كان العباد تحت تسخيره وتذليله وأمره ونهيه، وصف بأنه فوقهم.
وقوله " وهوالحكيم الخبير " معناه أنه مع قدرته عليهم لايفعل الا ما تقتضيه الحكمة، ولايفعل مافيه مفسدة، أو وجه قبح لكونه عالما بقبح الاشياء وبأنه غني عنها.
قوله تعالى: قل أي شئ أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لانذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله الهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني برئ مما تشركون(19)
آية بلاخلاف.
اختلفوا في الهمزتين اذاكانت الاولى مفتوحة، والثانية مكسورة من كلمة واحدة نحو (أئنك) و (أاذا) و (أانا) و (أافكا) فقرأ ابن عامر وأهل الكوفة وروح بتحقيق الهمزتين حيث وقع إلا في قوله " أئنكم لتشهدون " هاهنا.
---
(1) سورة 48 الفتح آية 10.

(4/91)


تفسير التبيان ج4
وفي الاعراف " أئنكم لتأتون الرجال "(1) و " أان لنا لاجرا "(2) و (أاما) حيث وقع. و " أانك لانت يوسف "(3) و " أاذا مامت "(4) وفي العنكبوت " أانكم لتأتون الفاحشة "(5) و " أانا لمغرمون "(6) في الواقعة. والاستفهامين في الرعد. وبني اسرائيل. والمؤمن. والنحل. وسجدة لقمان. والصافات. والواقعة. والنازعات.
وسنذكر الخلاف فيها في مواضعها.
الباقون بتحقيق: الاولى وتليين الثانية. وفصل بينهما بألف أهل المدينة. الا ورشا، وابوعمرو، والحلواني عن هشام، وافقهم الداجوني عن هشام على الفصل في قوله " أإنا لتاركوا آلهتنا ". و " أاذا متنا " في (ق).
وأما قوله " أئنكم ". هاهنا فقرأه ابن عامر وأهل الكوفة الا الكسائي عن أبي بكر وروح بتحقيق الهمزتين إلا أن الحلواني عن هشام يفصل بينهما بألف الباقون بتحقيق الاولى وتليين الثانية. وفصل بينهما بألف أهل المدينة الا ورشا وأبوعمرو والكسائي عن أبي بكر.
وقد روي عن الكسائي عن أبي بكر أنه لايفصل.
أمر الله تعالى صلى الله عليه وآله أن يقول لهؤلاء الكفار " أي شئ أكبر شهادة " لانهم كانوا مقرين بأنه لاشئ أكبرشهادة من الله، واذا أقروا بأنه الله حينئذ أمره أن يقول لهم هو الشهيد بيني وبينكم على مابلغتكم ونصحتكم وقررت عندكم من أن إلهكم إله واحد، وعلى براء تي من شرككم. والوقوف على قوله " قل الله " وقف تام. وفي الاية دلالة على من قال: لايوصف تعالى بأنه شئ. لانه لوكان كماقال لما كان للاية معنى كما أنه لايجوز أن يقول القائل: أي الناس أصدق؟ فيجاب ب (جبرائيل) لمالم يكن من جملة الناس بل كان من الملائكة.
---
(1) سورة 7 الاعراف آية 80.
(2) سورة 7 الاعراف آية 112.
(3) سورة 12 يوسف آية 90.
(4) سورة 19 مريم آية 66.
(5) سورة 29 العنكبوت آية 28.
(6) سورة 56 الواقعة آية 66

(4/92)


تفسير التبيان ج4
فان قيل قوله " أي شئ أكبر شهادة " تمام، وقوله " قل الله " ابتداء، وليس بجواب، ولو كان جوابا كان ما بعده من قوله " شهيد بيني وبينكم " لاابتداء له ولامعنى له؟ ! قيل: لسنا ننكر ذلك - الا أن هذا وان كان هكذا لولا أنه متقررا عند السائل والمسؤل - ان الله شهيد - ماكان للكلام معنى، ولكان قوله: " قل أي شئ أكبر شهادة " لغوا وحشوا، وذلك منزه عن كلامه تعالى.
وقوله: " لانذركم به ومن بلغ " وقف تام. أي من بلغه القرآن الذي أنذرتكم به، فقد انذرته كما انذرتكم، وهوقول الحسن رواه عن النبي صلى الله عليه وآله: انه قال: (من بلغه أني أدعو إلى لاإله إلا الله، فقد بلغه). يعني بلغته الحجة، وقامت عليه.
وقال مجاهد: لانذركم به " يعني اهل مكة.
" ومن بلغ " من أسلم من العجم وغيرهم.
وقوله " آلهة أخرى " ولم يقل اخر، لان الالهة جمع والجمع يقع على التأنيث، كما قال: " ولله الاسماء الحسنى "(1) و " قال فمابال القرون الاولى "(2) ولم يقل الاول.
والشاهد: هوالمبين لدعوى المدعي.
قال الحسن: قال المشركون لرسول الله صلى الله عليه وآله: من يشهد لك؟ فنزلت هذه الاية.
وهي قوله: " وأوحى إلى هذا القرآن لانذركم به " أي اني أخوفكم به، لان الانذار هوالاعلام على وجه التخويف.
" ومن بلغ " يعني القرآن و (من) في موضع نصب بالانذار.
ثم قال موبخا " أئنكم لتشهدون ان مع الله آلهة اخرى " ثم قال لنبيه: قل أنت يامحمد: لاأشهد بمثل ذلك بل اشهد انه إله واحد " واني برئ مما تشركون " بعبادته مع الله واتخاذه إلها.
---
(1) سورة 7 الاعراف آية 179.
(2) سورة 20 طه آية 51

(4/93)


تفسير التبيان ج4
الآية: 20 - 39
قوله تعالى: ألذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناء هم الذين خسروا أنفسهم فهم لايؤمنون(20)
آية بلاخلاف.
" الذين آتيناهم الكتاب " رفع بالابتداء.
وقوله " يعرفونه " خبر.
وقوله " الذين خسروا أنفسهم " أيضا رفع، ويحتمل رفعه وجهين: أحدهما - ان يكون نعتا ل (الذين) الاولى - ويحتمل ان يكون رفعا على الابتداء وخبره " فهم لايؤمنون. فان حملته على النعت كان المعني به أهل الكتاب وان حملته على الابتداء يتناول جميع الكفار.
وقال بعض المفسرين: مامن كافر الاوله منزلة في الجنة وأزواج فان أسلم وسعد صار إلى منزله وأزواجه، وان كفر صار منزله وأزواجه إلى من أسلم، فذلك قوله " الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون "(1)
وقوله: " الذين خسروا أنفسهم واهليهم يوم القيامة " وهذه الاية لابد أن تكون مخصوصة بجماعة من أهل الكتاب، وهم الذين عرفوا التوراة والانجيل فعرفوا صحة نبوة محمد صلى الله عليه وآله بماكانوا عرفوه من صفاته المذكورة، ودلائله الموجودة في هذين الكتابين كما عرفوا ابناء هم في أنها صحيحة لامرية فيها ولم يرد أنهم عرفوا بنبوته اضطرارا، كما عرفوا أبناء هم ضرورة على أن احدا لايعرف أن من ولد على فراشه ابنه على الحقيقة، لانه يجوز ان يكون من غيره، وان حكم بأنه ولده لكونه مولودا على فراشه، فصار معرفتهم بالنبي صلى الله عليه وآله آكد من معرفتهم بابنائهم لهذا المعنى. ولم يكن جميع أهل الكتاب كذلك، فلذلك خصصنا الاية.
فان قيل: كيف يصح - على مذهبكم في الموافاة - ان يكونوا عارفين بالله، وبنبيه ثم يموتون على الكفر؟ ! قلنا عنه جوابان: احدهما - ان لايكونوا عارفين بذلك بل يكونوا معتقدين أعتقاد تقليد،
---
(1) سورة 23 المؤمنون آية 11.

(4/94)


تفسير التبيان ج4
ويعتقدون مع ذلك انهم عالمون به، فقال الله تعالى " يعرفونه كما يعرفون ابناء هم " في اعتقادهم، لاانهم يعرفونه على الحقيقة كما قال " ذق إنك أنت العزيز الكريم "(1) يعني عند نفسك، وقومك.
الثاني - ان يكونوا عرفوا ذلك على وجه لايستحق به الثواب، لانهم يكونون نظروا في الادلة لا لوجه وجوب ذلك عليهم، فولد ذلك المعرفة لكن لايستحق بها الثواب. وقد بينا مثل ذلك في عدة مواضع فيما مضى(2) فسقط السؤال.
وقوله " الذين خسروا أنفسهم " يعني بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وآله على وجه المعاندة " فهم لايؤمنون " وخسرانهم أنفسهم اهلاكهم لها بهذا الكفر، وتصييرهم لها إلى ان لاينتفعون بها. ومن جعل نفسه بحيث لاينتفع بها فقد خسر نفسه.
قوله تعالى: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لايفلح الظالمون(21)
آية.
أخبر الله تعالى ان من أفترى على الله الكذب فوصفه بخلاف صفاته، واخبر عنه بخلاف مااخبر به عن نفسه، وعن أفعاله أنه لاأحد أظلم لنفسه منه اذ كان بهذا الفعل قد أهلك نفسه وأوقعها في العذاب الدائم في النار. ثم أخبر أن الظالم لايفلح أي لايفور برحمة الله وثوابه ورضوانه، ولابالنجاة من النار، لان الظلم - هاهنا هو الكفر بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وذلك لايغفر بلاخلاف.
---
(1) سورة 44 الدخان آية 49.
(2) في 1 / 192 و 2 / 21 و 498

(4/95)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: ويوم نحشرهم جميعا ث م نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون(22)
آية.
قرأ يعقوب " ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول " بالياء فيهما. الباقون بالنون فيهما من قرأ بالياء رده إلى الله تعالى في قوله " على الله كذبا " وتقديره: يوم يحشرهم الله فيقول.
ومن قرأ بالنون ابتدأ، وتقدير الاية إذكر يوم نحشرهم جميعا، يعني يوم القيامة، لانهم يحشرون فيه جميعا من قبورهم إلى موضع الحساب، وأنه يقول - للذين اشركوا بالله، وعبدوا معه الها غيره - في هذا اليوم: أين الذين كنتم تزعمون أنهم شركائي؟ ! وأين شركائي في زعمكم؟ ! وإنما يقول هذا توبيخا لهم وتبكيتا على ماكانوا يدعون أنهم يعبدونه من الاصنام والاوثان، ويعتقدون أنها شركاء لله، وأنها تشفع لهم، يوم القيامة، فاذا لم يجدوا لما كانوا يدعونه صحة، ولم ينتفعوا بهذه الاوثان ولا بعبادتهم، فيعلمون أنهم كانوا كاذبين في أقوالهم.
قوله تعالى: ثم لم يكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ماكنا مشركين(23) أنظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ماكانوا يفترون(24)
آيتان بلاخلاف.
قرأ حمزة والكسائي والعليمي، ويقعوب " ثم لم يكن " بالياء. الباقون بالتاء.
وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وحفص الا ابن شاهين " فتنتهم " بالرفع. الباقون بالنصب.
وقرأ حمزة والكسائي وخلف " والله ربنا " بنصب الباء. الباقون بكسرها.
من قرأ بالتاء ورفع الفتنة أثبت علامة التأنيث. وتكون (أن) في موضع نصب. وتقديره ثم لم تكن فتنتهم الا قولهم.
وقد روى شبل عن ابن كثير " تكن " بالتاء " فتنتهم " نصبا مثل قراء ة نافع وأبي عمروعن عاصم. ووجهه

(4/96)


تفسير التبيان ج4
انه أنث " ان قالوا " لماكان الفتنة في المعنى، كما قال " فله عشر أمثالها "(1) فأنث لماكانت الامثال في المعنى الحسنات. ومثله كثير في الشعر، قال ابوعلي والاول أجود من حيث كان الكلام محمولا على اللفظ.
ويقوي قراء ة من قرأ: (فتنتهم) بالنصب أن قوله (ان قالوا) أن يكون الاسم دون الخبر أولى لان (أن) اذا وصلت لم توصف، فأشبهت بامتناع وصفها المضمر، فكما أن المضمر اذا كان مع المظهر كان (أن يكون) الا سم أحسن، كذلك اذا كانت (أن) مع اسم غيرها كانت (أن يكون) الاسم أولى.
ومن قرأ (والله ربنا) - بكسر الباء - فعلى جعل الاسم المضاف وصفا للمفرد، لان قوله (والله) جربوا ولاقسم. ولو أسقطت لقال: (الله) بالنصب ومثله قولهم: رأيت زيدا صاحبنا وبكرا جارك، ويكون قوله " ماكنا مشركين " جواب القسم.
ومن نصب الباء يحتمل أمرين: احدهما - أن ينصبه بفعل مقدر، وتقديره: اعني ربنا. والثاني - على النداء. ويكون قد فصل بالاسم المنادى بين القسم والمقسم عليه بالنداء، وذلك غير ممتنع، لان النداء كثير في الكلام. وقد حال الفصل بين الفعل ومفعوله في قوله: " انك آتيت فرعون وملاه زينة وأمولا في الاحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك "(2). والمعنى آتيتهم أموالا ليضلوا ولايؤمنوا وقد جاء الفصل بين الصلة والموصول، وهو اشدها قال الشاعر:
ذاك الذي وأبيك يعرف مالك
والحق يدفع ترهات الباطل(3)
وقال ابوعبيدة: من قرأ بالتاء المعجمة من فوقها ونصب " فتنتهم " أضمر في (يكن) إسما مؤنثا ثم يجيئ بالتاء لذلك الاسم، وانما جعله مؤنثا لتأنيث (فتنة) قال لبيد:
---
(1) سورة 6 الانعام آية 160.
(2) سورة 10 يونس آية 88.
(3) اللسان (تره).

(4/97)


تفسير التبيان ج4
فمضى وقدمها وكانت عادة
منه اذا هي عودت أقدامها(1)
فأنث الاقدام لتأنيث (عادة).
وقوله: " ثم لم تكن فتنتهم " أي لم تكن بليتهم التي ألزمتهم الحجة وزادتهم لائمة الا قولهم.
ومعنى الاية: أنه تعالى لماذكر قصص هؤلاء المشركين الذين كانوا مفتنين بشركهم، أعلم النبي صلى الله عليه وآله أن افتتانهم بشركهم، وإقامتهم عليه لم يكن الا أن تبرء وا منه، وقالوا انهم ماكانوا مشركين، كما يقول القائل اذا رأى إنسان انسانا يحب غاويا فاذا وقع في هلكة تبرأ منه فيقول له ماكانت محبتك لفلان الا أن انتفيت منه.
فان قيل: كيف قالوا وحلفوا أنهم ماكانوا مشركين - وقد كانوا مشركين - وهل هذا إلا كذب، والكذب قبيح ولايجوز من أهل الاخرة أن يفعلوا قبيحا، لانهم ملجؤن إلى ترك القبيح، لانهم او صح لم يكونوا ملجئين وكانوا مختارين، وجب أن يكونوا مزجورين عن فعل القبيح، وإلا أدى إلى اغرائهم بالقبيح وذلك لايجوز، ولو زجروا بالوعيد عن القبائح لكانوا مكلفين ولوجب أن يتناولهم الوعد والوعيد، وذلك خلاف الاجماع، وقد وصفهم الله تعالى أيضا بأنهم كذبوا على انفسهم، فلايمكن جحد أن يكونوا كاذبين، فكيف يمكن أن يرفع ذلك؟ وماالوجه فيه؟ والجواب عن ذلك من وجوه: احدها - ماقاله البلخي: إن القوم كذبوا على الحقيقة، لانهم كانوا يعتقدون أنهم على الحق، ولايرون أنهم مشركون، كالنصارى ومن أشبههم، فقالوا في الموقف ذلك.
وقيل: ان يقع بهم العذاب فيعلموا بوقوعه أنهم كانوا على باطل فيقولوا " والله ربنا ماكنا مشركين " وهم صادقون عند أنفسهم وكذبهم الله في ذلك، لان الكذب هوالاخبار بالشئ لاعلى ماهو به، علم المخبر بذلك أو لم يعلم، فلما كان قولهم " والله ربنا ماكنا مشركين " كذبا في
---
(1) اللسان (قدم) وروايته (عردت) بدل (عودت).

(4/98)


تفسير التبيان ج4
الحقيقة جاز أن يقال لهم " أنظر كيف كذبوا على أنفسهم.
قال البلخي: ويدل على ذلك قوله " وضل عنهم ماكانوا يفترون " أي ذهب عنهم وأغفلوه، لانهم لم يكونوا نظروا نظرا صحيحا ولم يجاروا في نظرهم الالف والعادة، فيعلموا في هذا الوقت أن قولهم شرك، ولو صاروا إلى العذاب لعلموا أنهم كانوا مشركين، واستغنوا بذلك، لكن هذا القول يكون عند الحشر.
وقيل: الجزاء بدلالة أول الاية.
وقال مجاهد: قوله " أنظر كيف كذبوا على أنفسهم " تكذيب من الله إياهم.
وقال الجبائي: قولهم " والله ربنا ماكنا مشركين " اخبار منهم أنهم لم يكونوا مشركين عند أنفسهم في دار الدنيا، لانهم كانوا يظنون انهم على الحق، فقال الله تعالى مكذبا لهم " أنظر " يامحمد " كيف كذبوا على أنفسهم " في دار الدنيا، لا أنهم كذبوا في الاخرة، لانهم كانوا مشركين على الحقيقة، وان اعتقدوا أنهم على الحق.
وقوله: " وضل عنهم ماكانوا يفترون " أي ضلت عنهم أوثانهم التي كانوا يعبدونها ويفترون الكذب بقولهم: إنها شفعاؤنا عند الله غدا، فذهبت عنهم في الاخرة فلم يجدوها، ولم ينتفعوا بها.
وقال قوم: انه يجوز أن يكذبوا يوم القيامة للذهول والدهش، لانهم يصيرون كالصبيان الذين لاتمييز لهم ولاتحصيل معهم - اختاره أحمد ابن علي بن الاخشاد. وأجاز النجار أن يكفروا في النار فضلا عن وقوعه قبل دخولهم فيها، وهذا بعيد. والوجهان الاولان أقرب.
وقيل فيه وجه آخر، وهو أنهم أملوا أملا فخاب أملهم ولم يقع الامر على ماأرادوا، لان من عادة الناس أنهم اذا عوقبوا بعقوبة فتكلموا واستعانوا وصاحوا فان العذاب يسهل عليهم بعض السهولة، وظنوا أن عذاب الاخرة كذلك، فقالوا: " والله ربنا ماكنا مشركين " وقالوا " ربنا ظلمنا أنفسنا "(1)
---
(1) سورة 7 الاعراف آية 22.
(2) سورة 23 المؤمنون آية 107

(4/99)


تفسير التبيان ج4
الجن والانس نجعلهما تحت أقدامنا "(1) فأملوا أن يخف عنهم العذاب بمثل هذا الكلام على عادة الدنيا، فلم يخف ولم يكن لهم فيه راحة، فقال الله " انظر كيف كذبوا على أنفسهم " أي خابوا فيما أملوا من سهولة العذاب وذلك مشهور في كلام العرب، قال الشاعر:
كذبتم وبيت الله لاتأخذونها
مراغمة مادام للسيف قائم(2)
وقال آخر:
كذبتم وبيت الله لاتنكحونها
بني شاب قرناها تصرو تحلب(3)
أي كذبكم أملكم.
وقال ابوداود الازدي:
قلت لما نصلا من فتنة
كذب العير وان كان برح(4)
والمعنى أمل أنه يتخلص بشئ فكذبه أمله، لانه ظن أنه اذا مر بارحا وهو أن يأخذ في ناحية الشمال إلى ناحية اليمين لم يتهيأ لي طعنه، فلما قلب رمحه وطعنه قال: كذب العير أي كذب أمله.
و (الفتنة) في الاية معناها المعذرة - في قول قتادة - لانها اعتذار عن الفتنة، فسميت بأسم الفتنة. وقال قوم: هي المحنة. وقال قوم: تقديره عاقبة فتنتهم.
وفتنتهم يجوز أن تكون بمعنى اغترارهم أي اغتروا بهذا الكذب وظنوا أنه سينجيهم، وكذبوا على أنفسهم لما رجعت مضرته اليهم صار عليهم وان قصدوا أن يكون نهم. وفي الاية دلالة على بطلان قول من قال المعارف ضرورية، لان الله تعالى أخبر عنهم أنهم قالوا " والله ربنا ماكنا مشركين " فلايخلو أن يكونوا صادقين أوكاذبين، فان كانوا صادقين لانهم كا نوا عارفين في دار الدنيا فقد كذبهم الله في ذلك بقوله " أنظر كيف كذبوا " وان كانوا كاذبين لانهم كانوا عارفين، فقد وقع منهم القبيح في الاخرة، وذلك لايجوز. ومعنى الاية على مابيناه
---
(1) سورة 41 حم السجدة آية 29.
(2) مجمع البيان 2: 290.
(3) قائله الاسدى. اللسان (قرن).
(4) اللسان (كذب).

(4/100)


تفسير التبيان ج4
من أنهم أخبروا أنهم لم يكونوا مشركين عند أنفسهم في دار الدنيا وان الله كذبهم وأنهم كانوا كاذبين على الحقيقة وان أعتقدوا خلافه في الدنيا. فأما معارفهم في الاخرة فضرورية عند البصريين، وعند البلخي ومن وافقه، حاصلة على وجه هم ملجؤن اليها، فعلى الوجهين معالايجوز أن يقع منهم القبيح لامحالة.
قوله تعالى: ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لايؤمنوا بها حتى إذا جاؤك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الاولين(25)
آية بلاخلاف.
قال مجاهد قوله " ومنهم من يستمع اليك " يعني قريشا.
وقال البلخي: أي من أهل الكتاب والمشركين من يجالسك ويريد الاستماع منك والاصغاء اليك " وجعلنا على قلوبهم أكنة " لانهم لايفقهوه، لالفهم الكفر وشدة عداوتهم " حتى اذا جاؤك يجادلونك " أي حتى اذا صار الامر إلى الجدال ظهروا الكذب وعاندوا، فقالوا " ان هذا الا أساطير الاولين " أي ليس هذا إلا أساطير الاولين.
وقال قوم: نزلت في النظر بن الحارث بن كلدة.
وقال الضحاك: معنى أساطير الاولين أحاديث الاولين وكل شئ في القرآن أساطير، فهو أحاديث. و (الاكنة) جمع كنان) - بكسر الكاف - وهو كالغطاء والاغطية " وفي آذانهم وقرأ " أي ثقلا، والوقر بكسر الواو الحمل، يقال وقرت الاذن لوقر قال الشاعر:
وكلام سيئ قد وقرت
أذني منه ومابي من صمم
ونخلة موقرة وموقر، ونخيل مواقير.
قال يونس سألت رؤبة، فقال

(4/101)


تفسير التبيان ج4
وقرت أدنه - بضم الواو وكسر القاف - يوقر - بفتح الياء والقاف - اذا كان فيها الوقر.
وقال أبوزيد: سمعت العرب تقول: أذن موقرة - بضم الميم وفتح القاف - ومن الحمل يقال: أوقرت الدابة فهي موقرة. ومن السمع وقرت سمعه - بتشديد القاف - فهو موقر، قال الشاعر: ولي هامة قد وقر الضرب سمعها(1) واساطير واحدها أسطورة، وإسطارة، مأخوذ من سطر الكتاب، قال الراجز:
اني وأسطار سطرن سطرا
لقائل يانصر نصرا نصرا(2)
وأسطار جمع سطر.
ومن قال في واحده: سطر، قال في الجمع أسطر، وجمع الجمع أساطير، ومعناها الترهات البسابس يعني ليس له نظام.
وقال الاخفش: أساطير جمع لاواحد له، نحو (مذاكير وأبابيل) وقال بعضهم: واحد الابابيل إبيل - بتشديد الباء وكسر الالف -.
ومعنى قوله: " وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه " قد مضى نظائره.
في قوله: " وجعلنا قلوبهم قاسية "(3) أي منعناهم الالطاف التي تبسط المؤمنين وتبعثهم على الازدياد من الطاعة، لان الله تعالى لما أزاح علتهم علله بالدعاء والبيان والانذار والترغيب والترهيب فأبوا الا كفرا وعنادا وتمردا على الله وإعراضا عنه وعما دعاهم اليه، فمنعهم الطافه عقوبة لهم حيث علم أنهم لاينتفعون بذلك ولاينتهون إلى الحق، وألفوا الكفر وأحبوه حتى صاروا كالصم عن الحق وصارت قلوبهم كأنها في أكنة فجاز أن يقال في اللغة جعل على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقرا، كما يقول القائل لغيره أفسدت سيفك اذا ترك استعماله حتى يصدي، وجعلت أظافيرك سلاحا اذا لم يقلمها.
ويقال للرجل اذا آيس من عبده أو ولده بعد الاجتهاد في تأديبه فخلاه واقصاه قد جعلته بحيث لايفلح
---
(1) تفسير الطبري 11: 306.
(2) قائله رؤبة ملحقات ديوانه 174 واللسان والصحاح (نصر).
(3) سورة 5 المائدة آية 14.

(4/102)


تفسير التبيان ج4
أبدا وتركته أعمى أصما، وجعلته ثورا وحمارا، وان كان لم يفعل به شيئا من ذلك ولم يرده بل هو مهموم به محب لخلافه، ولايجوز أن يكون المراد بذلك أنه كلفهم ما لا يطيقونه، وذلك لايليق بحكمته تعالى، ولكانوا غير ملومين في ترك الايمان حيث لم يمكنوا منه، وكانوا ممنوعين منه، وكانت الحجة لهم على الله تعالى دون أن تكون الحجة له، وذلك باطل، بل لله الحجة البالغة.
قوله " وان يروا كل آية لايؤمنون بها " أي كل علامة ومعجزة تدلهم على نبوة النبي صلى الله عليه وآله لايؤمنون بها لعنادهم.
قال الزجاج (أن يفقهوه) في موضع نصب لانه مفعول له، والمعنى جعلنا على قلوبهم أكنة لكراهة أن يفقهوه فلما حذفت اللام نصب الكراهة، ولما حذفت الكراهة أنتقل نصبها إلى (أن).
قال أبوعلي: كانوا اذا سمعوا القرآن من النبي آذوه ورجموه وشغلوه عن صلاته، فحال الله بينهم وبين استماع ذلك في تلك الحال التي كانوا عازمين فيها على ماذكرناه بأن ألقى عليهم النوم اذا قعدوا يرصدونه فكانوا ينامون فلا يسمعون قراء ته ولايفقهون أنه قرآن، ولايعرفون مكانه ليسلم النبي صلى الله عليه وآله من شرهم وأذاهم فجعل منعه إياهم عن استماع القرآن، وعن التعرف لمكان النبي صلى الله عليه وآله لئلا يرجموه ولايؤذوه " أكنة أن يفقهوه " أنه قرآن وأن محمدا هوالذي يقرأه.
وبين أن كل آية يرددها عليهم النبي صلى الله عليه وآله من قبل الله لايؤمنون بها، فلهذا منعهم الله من إستماع القرآن، لانهم لم يكونوا يسمعونه ليستدلوا به على توحيد الله وصحة نبوة محمد صلى الله عليه وآله وانما كانوا يريدون بذلك تعرف مكانه ليؤذوه ويرجموه، فلهذا منعهم الله من استماع القرآن وفهمه ولوكانوا ممن يؤمن ويقبل مايردد عليه من الايات من قبل الله ويستدلوا بها على نبوة محمد صلى الله عليه وآله ماكان الله يمنعهم من سماع ذلك وفهمه.
وقوله " حتى اذا جاؤك يجادلونك " يعني أنهم اذا دخلوا اليه بالنهار انما يجيئون مجيئ مخاصمين مجادلين رادين مكذبين، ولم يكونوا يجيئون مجيئ من يريد الرشاد والنظر في الدلالة الدالة على توحيد الله ونبوة نبيه صلى الله عليه وآله

(4/103)


تفسير التبيان ج4
وكانوا يريدون ذلك بأن يقولوا هذا أساطير الاولين، يعنون إنه من كلام الاولين وحوادثهم.
وفي معنى هذه الاية قوله تعالى في بني اسرائيل: " واذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لايؤمنون بالاخرة حجابا مستورا. وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا "(1) فمعنى الايتين واحد وسبب نزولهما واحد، وانما أنزلت هذه الايات لئلا يمتنع النبي من قراء ة القرآن خوفا من أذى الكفار فيفوت المؤمنين سماعه فيغتمون لذلك وتفوتهم مصلحته بل حثه الله على قراء ته وضمن له المنع من أذاهم.
وقوله: " وان يروا كل آية لايؤمنوا بها " كالتعليل لجعله قلوبهم في أكنة، والوقر في آذانهم، فقال: إنما فعلت هذا لعلمي بأنهم لايؤمنون وأنه ليس في سماعهم ذلك الا تطرق الاذى به عليك منهم، وقولهم " ان هذا الا أساطير الاولين ". وتحتمل الاية وجها آخر وهو: أنه يعاقب الكفار الذين لايؤمنون بعقوبات يجعلها في قلوبهم من نحو الضيق الذي ذكر أنه يخلقه فيها، ويجعل هذه العقوبات دلالة لمن شاهد قلوبهم واستماعهم من الملائكة، وشاهد منها هذه العقوبات، على أنهم لايؤمنون من غير أن يكون ذلك حائلا بينهم وبين الايمان. ثم أخبر أنها بمنزلة الاكنة على قلوبهم عن فقه القرآن وبمنزلة الوقر في الاذان على وجه التمثيل له بذلك تجوزا واستعارة.
ووجه الشبه بينهما أن من كانت في نفسه هذه العقوبات معلوم أنه لايؤمن كما أن من على قلبه أكنة لايؤمن، وكما سمي الكفر عما، سماه باسم العمى على وجه التشبيه.
ويحتمل أيضا أن يكون الكفر الذي في قلوبهم من جحد توحيد الله وجحد نبوة نبيه، سماه كنا تشبيها ومجازا، وإعراضهم عن تفهم القرآن والاصغاء اليه على وجه الاستعارة وقرأ توسعا، لان مع الكفر والاعراض لايحصل الايمان والفهم كما أن مع الكن - والوقر لايحصلان، ونسب هذا
---
(1) سورة 17 الاسراء آية 45 - 46

(4/104)


تفسير التبيان ج4
الجعل إلى نفسه، لانه الذي شبه أحدهما بالاخر وذلك سائغ في اللغة كما يقول القائل لغيره - اذا أثنى على إنسان وذكر فضائله ومناقبه - جعلته فاضلا خيرا عدلا، وان كان لم يفعل به ذلك. وبالعكس من ذلك اذا ذكر مقابحه ومخازيه وفسقه يحسن أن يقال له: جعلته فاسقا شريرا، وان لم يفعل في الحالين شيئا من ذلك وكل ذلك مجاز.
ومنه قولهم: جعل القاضى فلانا عدلا وجعله ثقة وجعله ساقطا فاسقا، كل ذلك يراد به الحكم عليه بذلك والابانة عن حاله كما قال الشاعر.
جعلتني باخلا كلاب ورب معنى
اني لاسمح كفا منك في اللزب(1)
أي سمتني باخلا.
وقوله " ومنهم من يستمع اليك.. " فكنى عنها بلفظ الواحد حملا له على اللفظ، فلما قال " وجعلنا على قلوبهم أكنة " رده إلى المعنى فعامله معاملة الجمع، لان لفظة (من) تقع على الواحد وعلى الجمع حقيقة.
قوله تعالى: وهم ينهون عنه وينؤن عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون(26)
آية بلاخلاف.
وقوله " وهم " كناية عن الكفار الذين تقدم ذكرهم عند أكثر المفسرين: الجبائي والبلخي وغيرهم.
وقال قوم: نزلت في أبي لهب، لانه كان يتبعه في المواسم فينهى الناس عن أذاه وينأى عن اتباعه. والاول أشبه بسياق الاية.
وقيل: نزلت في أبي طالب، وهذا باطل عندنا، لانه دل الدليل على إيمانه بما ثبت عنه من شعره المعروف وأقاويله المشهورة الدالة على أعترافه بالنبي صلى الله عليه وآله.
وقال مجاهد: نزلت في قريش.
---
(1) مجمع البيان 2: 286. و (كلاب) اسم قبيلة.

(4/105)


تفسير التبيان ج4
بين الله تعالى أن هؤلاء الكفار الذين ذكرهم كانوا ينهون عن اتباع القرآن، وقبوله والتصديق بنبوة نبيه، ويبعدون عنه، لان معنى (ينأون) يبعدون إلى حيث لايسمعونه خوفا من أن يسبق إلى قلوبهم الايمان به والعلم بصحته.
وقوله " وان يهلكون الا أنفسهم " معناه ليس يهلكون إلا أنفسهم " ومايشعرون " انهم مايهلكون بنهيهم عن قبوله، وبعدهم عنه " الا أنفسهم " لانهم لايعلمون اهلاكهم اياها بذلك وإهلاكهم اياهاهو مايستحقون به الصيرورة إلى العذاب الابدي في النار. وهل هناك هلاك أعظم من ذلك؟ !.
والنأي: البعد " ينأون " أي يتباعدون عنه، تقول نأيت عن الشئ أنأى نأيا، اذا بعدت عنه.
والنؤي حاجز يجعل حول البيت من الخوف لان لايدخله الماء من خارج يحفر حفرة حول البيت فيجعل ترابها على شفير الحفيرة، فيمنع التراب الماء أن يدخل من خارج، وهو مأخوذ من النأي، أي تباعد الماء عن البيت.
وفي الاية دلالة على بطلان قول من قال معرفة الله ضرورة، وأن من لايعرف الله ولا يعرف نبيه لاحجة عليه، لان الله بين أن هؤلاء الكفار قد أهلكوا أنفسهم بنهيهم عن قبول القرآن وتباعدهم عنه وانهم لايشعرون ولايعلمون باهلاكهم أنفسهم بذلك، فلو كان من لايعرف الله ولانبيه ولادينه لاحجة عليه، لكانوا هؤلاء معذورين ولم يكونوا هالكين وذلك خلاف مانطق به القرآن.
قوله تعالى: ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا ياليتنا نرد ولانكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين(27)
آية بلاخلاف.
قرأ حمزة ويعقوب وحفص " ولانكذب.. وتكون " بالنصب فيهما،

(4/106)


تفسير التبيان ج4
وافقهم ابن عامر في " ونكون " الباقون بالرفع فيهما، فمن قرأ بالرفع أحتملت قراء ته أمرين: أحدهما - ان يكون معطوفا على نرد، فيكون قوله: " نرد ولانكذب .. ونكون " داخلا في التمني ويكون قد تمني الرد وألا يكذب وأن يكون من المؤمنين، وهو اختيار البلخي والجبائي والزجاج. والثاني - أن يكون مقطوعا عن الاول، ويكون تقديره ياليتنا نرد ولانكذب كما يقول القائل: دعني ولاأعود، أي فاني ممن لايعود، فانما يسألك الترك، وقد أوجب على نفسه ألا يعود ترك أو لم يترك. ولم يقصد أن يسأل أن يجمع له الترك وأن لايعود.
وهذا الوجه الذي اختاره أبوعمرو في قراء ة جميع ذلك بالرفع، فالاول الذي هو الرد داخل في التمني ومابعده على نحو دعني، ولاأعود، فيكونون قد أخبروا على النيات أن لايكذبوا ويكونوا من المؤمنين.
واستدل أبوعمرو على خروجه من المتمني بقوله " وإنهم لكاذبون " فقال ذلك يدل على أنهم أخبروا بذلك عن أنفسهم، ولم يتمنوا، لان التمنى لايقع فيه الكذب وانما يقع في الخبر دون التمني.
ومن نصب " نكذب.. ونكون " أدخلهما في التمني، لان التمني غير موجب، فهو كالاستفهام والامر والنهي والعرض، في إنتصاب مابعد ذلك كله من الافعال اذا دخلت عليها الفاء أو الواو على تقدير ذكر المصدر من الفعل الاول، كأنه قال: ياليتنا يكون لنا رد، وانتفاء للتكذيب وكون من المؤمنين.
ومن نصب " ونكون " فحسب، ورفع " نرد ولانكذب " يحتمل أيضا وجهين: احدهما - أن يكون داخلا في التمني، فيكون في المعنى كالنصب. والثاني - انه يخبر على النيات أن لايكذب رد أولم يرد.

(4/107)


تفسير التبيان ج4
ومن نصب " ولانكذب.. ونكون " جعلهما جميعا داخلين في التمني كما أن من رفع وعطفه على التمني كان كذلك.
فان قيل: كيف يجوز أن يتمنوا الرد إلى الدنيا وقد علموا عند ذلك انهم لايردون؟ قيل عن ذلك أجوبة: احدها - قال البلخي: إنا لانعلم أن أهل الاخرة يعرفون جميع أحكام الاخرة، وانمانقول: انهم يعرفون الله بصفاته معرفة لايتخالجهم فيها الشك لما يشاهدونه من الايات والعلامات الملجئة لهم إلى المعارف.
وأما التوجع والتأوه التمني للخلاص والدعاء بالفرج يجوز أن يقع منهم وأن تدعوهم أنفسهم اليه.
وقال ابوعلي الجبائي والزجاج: يجوز أن يقع منهم التمني للرد، ولان يكونوا من المؤمنين، ولامانع منه.
وقال آخرون: التمني قد يجوز لما يعلم انه لايكون ألا ترى أن المتمني يتمنى أن لايكون فعل ماقد فعله ومضى وقته، وهذا لاحيلة فيه، فعلى هذا قوله في الاية الثانية " وانهم لكاذبون " يكون حكاية حال منهم في دار الدنيا، كماقال: " وكلبهم باسط ذراعيه "(1) وكما قال " وان ربك ليحكم بينهم يوم القيامة "(2) وانما هو حكاية للحالة الاتية.
وقوله " ولوترى إذ وقفوا على النار " أمال في الموضعين ابوعمرو وغيره وهي حسنة في أمثال ذلك، لان الراء بعده الالف مكسورة وهو حرف كأنه مكرر في اللسان فصارت الكسرة فيه كالكسرتين، فحسن لذلك الامالة.
وقوله " إذ وقفوا " يحتمل ثلاثة أو جه: احدها - أن يكون عاينوها ووردوها قبل ن يدخلوها. ويجوز أن يكونوا أقيموا عليها نفسها.
والثاني - أن يكونوا عليها وهي تحتهم.
وثالثها - أن يكون معناه دخلوها فعرفوا مقدار عذابها كما يقول القائل:
---
(1) سورة 18 الكهف آية 18.
(2) سورة 16 النحل آية 124

(4/108)


تفسير التبيان ج4
قدوقفت على ما عند فلان، أي فهمته وتبينته.
قال الكسائي: يقال: وقفت الدابة وغيرها اذا حبستها - بغير ألف وهي لغة القرآن، وهو الافصح، وكذلك وقفت الارض اذا جعلتها صدقة.
وقال ابوعمرو ماسمعت احدا من العرب يقول: أوقفت الشئ بالالف الا أني لو رأيت رجلا بمكان، فقيل له ما أوقفك هاهنا لرأيته حسنا.
وأستدل أبوعلي بهذه الاية على ان القدرة قبل الفعل خلافا للمجبرة بأن قال تمنوا الرد إلى دار الدنيا إلى مثل الحالة التي كانوا عليها، ولايجوز من عاقل أن يتمنى أن يرد إلى الدنيا ويخلق فيه القدرة الموجبة للكفر، لان ذلك لايخلصه من العذاب بل يؤديه إلى حالته التي كان عليها. وهذا ضعيف، لان لقائل أن يقول: إنهم تمنوا الرد ورفع التكذيب وحصول الايمان بأن تحصل لهم قدرة الايمان، ولاتحصل لهم قدرة التكذيب، وليس في الاية أنهم سألوا الرد إلى الحالة التي كانوا عليها، فلا متعلق في ذلك.
واستدل ايضا على أنه اذا كان المعلوم من حال الكافر أنه يؤمن وجب تبقيته بأن قال: أخبر الله أنه انما لم يردهم لانهم " لوردوا لعادوا لما نهو عنه " وظاهر ذلك يقتضى أنه لوعلم أنه لو ردهم لامنوا، لوجب أن يردهم، واذا وجب أن يردهم اذا علم أنهم يؤمنون بأن يجب تبقيتهم اذا علم أنهم يؤمنون أولى. وهذا أيضا ضعيف. لان الظاهر أفاد أنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، وليس فيه أنهم لو ردوا لامنوا أو ماحكمهم بل هو موقوف على الدلالة، لانه دليل الخطاب على أن غاية مافيه أنه يفيد أنه لوعلم من حالهم أنه متى ردهم آمنوا يردهم، فمن أين أن ذلك واجب عليه؟ ! وهل هذا الا كقوله " وماكنا معذبين حتى نبعث رسولا " في أنه لاخلاف بين أهل العدل أنه كان يجوز له أن يعذب وان لم يبعث رسولا بأن لاتقتضي المصلحة بعثته ويقتصر بهم على التكليف العقلي، فانهم متى عصوا كان له أن يعذبهم فلا شبهة في الاية.

(4/109)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: بل بدا لهم ماكانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون(28)
آية
قوله " بل بدا لهم ماكانوا يخفون من قبل " معناه من عقاب الله فعرفوه معرفة من كانوا يسترونه عنه.
وقال قوم: بدا لبعضهم من بعض ماكان علماؤهم يخفونه عن جهالهم وضعفائهم مما في كتبهم فبدا للضعفاء عنادهم.
وقيل: معناه بل بدا من أعمالهم ماكانوا يخفونه، فأظهره الله وشهدت به جوارحهم.
وقال الزجاج: ظهر للذين اتبعوا الغواة ماكان الغواة يخفونه من أمر البعث والنشور، لان المتصل بهذا قوله " وقالوا إن هي الاحياتنا الدنيا نموت ونحيا ومانحن بمبعوثين " لنجزى على المعاصى.
وقوله: " ولو ردوا لعادوا لما نهواعنه " قال بعضهم: لو ردوا ولم يعاينوا العذاب لعادوا كأنه ذهب إلى أنهم لم يشاهدوا مايضطرهم إلى الارتداع، وهذا ضعيف، لان هذا القول يكون منهم بعد أن يبعثوا ويعلموا أمر القيامة ويعاينوا النار بدلالة قوله: " ولو ترى إذ وقفوا على النار " وهذه الايات كلها في المعاندين، لانه قال في أولها " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناء هم " ثم قال بعد ذلك " وان يروا كل آية لايؤمنوا بها "
وقال ابوعلي الجبائي: الاية مخصوصة بالمنافقين وظهر لهم ماكانوا يخفونه من كفرهم الذي كانوا يضمرونه. قال والاية الاولى وان كان ظاهرها يقتضي جميع الكفار والمنافقون داخلون فيهم فيجوز أن يخبر عنهم بهذا الحكم.
قال: ويحتمل أن يكون أراد بها الكافرين الذين كان النبي يخوفهم بالعذاب على كفرهم فلم يؤمنوا بذلك لكن دخلهم الشك والخوف وأخفوه عن ضعفائهم وعوامهم، فاذا كان يوم القيامة ظهر ذلك وان أخفوه في الدنيا فيتمنون حينئذ الرد إلى حال الدنيا.
وقيل: " بل بدالهم ماكانوا يخفون من قبل " معنى " يخفون " يجدونه خافيا.
ومعنى " بل بدا " ليس تمنيهم الرجعة واظهار الانابة حقا للايمان الصحيح، بل لما شاهدوه من العذاب الاليم.

(4/110)


تفسير التبيان ج4
وقوله " ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه " معناه إنهم لو ردوا إلى حال التكليف والى مثل ماكانوا عليه في الدنيا من المهلة والتمكين من الايمان والتوبة والقدرة على ذلك، لعادوا لمثل ماكانوا عليه من الكفر الذي نهواعنه.
وقوله تعالى " وانهم لكاذبون " قدبينا ان المراد به الحكاية عن حالهم في الدنيا وأنهم كانوا فيها كاذبين في كفرهم وتكذيبهم رسول الله والقرآن.
وقال البلخي هذا الكذب وقع منهم في الحال وان لم يعلموه كذبا، لانهم أخبروا عن عزمهم أنهم لو ردوا لكانوا مؤمنين. وقد علم الله أنهم لو عادوا إلى الدنيا لعادوا إلى كفرهم، وكان إخبارهم بذلك كذبا، وان لم يعلموه كذلك، لان مخبره على خلاف ماأخبروه وهذا الذي ذكروه ضعيف، لانهم اذا أخبروا عن عزمهم على الايمان ان ردوا أو كانوا عازمين عليه لايكونون كاذبين، لان مخبر خبرهم العزم، وهوعلى ماأخبروا فكيف يكذبون فيه، والاول أقوى.
فأما الكذب مع العلم بأنه ليس كذلك، فلاخلاف بين أبي علي وأبي القاسم أنه لايجوز أن يقع منهم في الاخرة، لان أهل الاخرة ملجؤن إلى ترك القبيح، لانهم لولم يكونوا ملجئين لوجب أن يكونوا مزجورين من القبيح بالامر والنهي والثواب والعقاب، وذلك يوجب أن يكون ذاك التكليف، ولاخلاف أنه ليس هناك تكليف. وإن لم يزجروا ولم يلجؤا إلى تركه كانوا مغريين بالقبيح وذلك فاسد. فاذا لايجوز أن يقع منهم القبيح بحال.
وقال بعض المفسرين سئل النبي صلى الله عليه وآله فقيل له: مابال أهل النار عملوا في عمر قصير بعمل أهل النار فخلدوا في النار؟ وأهل الجنة عملوا في عمر قصير بعمل أهل الجنة فخلدوا في الجنة؟ ! فقال: (ان الفريقين كان كل واحدمنهما عازما على أنه لو عاش أبدا عمل بذلك).

(4/111)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا ومانحن بمبعوثين(29) ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون(30)
آيتان بلاخلاف.
اخبر الله تعالى في هذه الاية عن الكفار الذين ذكرهم في الاية الاولى، وبين أنهم قالوا لما دعاهم النبي صلى الله عليه وآله إلى الايمان والاقرار بالبعث والنشور وخوفهم من العقاب في خلافه، وحذرهم عذاب الاخرة والحشر والحساب على سبيل الانكار لقوله والتكذيب له " ماهي الا حياتنا الدنيا " وعنوا أنه لاحياة لنا في الاخرة على ماذكرت، وانما هي هذه حياتنا التي حيينا بها في الدنيا وانا لسنا بمبعوثين إلى الاخرة بعد الموت.
ثم خاطب نبيه صلى الله عليه وآله فقال " ولو ترى اذ وقفوا على ربهم " يعني على ماوعدهم ربهم من العذاب الذي يفعله بالكفار في الاخرة والثواب الذي يفعله بالمؤمنين، وعرفوا صحة ماكان اخبرهم به من الحشر والحساب. وقال لهم ربهم عند مشاهدتهم ووقوفهم عليه " أليس هذا بالحق؟ قالوابلى وربنا " مقرين بذلك مذعنين له وان كانوا قبل ذلك في الدنيا ينكرونه، قال حينئذ " فذوقوا العذاب بماكنتم تكفرون " بذلك.
ويحتمل أن يكون معنى " اذ وقفوا على ربهم " أنهم حبسوا ينتظر بهم مايأمر كقول القائل: احبسه على أمره به. وقد ظن قوم من المشبهة أن قوله " اذ وقفوا على ربهم " أنهم يشاهدونه، وهذا فاسد، لان المشاهدة لاتجوز الا على الاجسام أو على ماهو حال في الاجسام، وقد ثبت حدوث ذلك أجمع، فلايجوز أن يكون تعالى بصفة ماهو محدث. وقد بينا أن المراد بذلك: وقوفهم على عذاب ربهم وثوابه، وعلمهم بصدق ما أخبرهم به في دار الدنيا دون أن يكون المراد به رؤيته تعالى ومشاهدته، فبطل ماظنوه، وايضا فلا خلاف أن الكفار لايرون الله، والاية مختصة بالكافرين فكيف يجوز أن يكون

(4/112)


تفسير التبيان ج4
المراد بها الرؤية ! فلابد للجمع من التأويل الذي بيناه.
ويجوز ان يكون المراد بذلك اذاعرفوا ربهم، لانه سيعرفهم نفسه ضرورة في الاخرة، وتسمى المعرفة بالشئ وقوفا عليه يقول القائل: وقفت على معنى كلامك، والمعنى علمته، واذا كان الكفار لايعرفون الله في الدنيا وينكرونه، عرفهم الله نفسه ضرورة، فذلك يكون وقوفهم عليه، فاذاعرفوه قال لهم " أليس هذا بالحق " يعني ماوعدهم به، فيقولون " بلى " لانهم شاهدوا العقاب والثواب ولم يشكوا فيهما.
قوله تعالى: قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاء تهم الساعة بغتة قالوا ياحسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء مايزرون(31)
آية بلاخلاف.
اخبر الله تعالى أنه خسر هؤلاء الكفار " الذين كذبوا بلقاء الله " يعني الذين كذبوا بما وعد الله به من الثواب والعقاب وجعل لقاء هم لذلك لقاء له تعالى مجازا، كما يقول المسلمون لمن مات منهم: قد لقي الله وصار اليه. وانما يعنون: لقي ما يستحقه من الله وصار إلى الموضع الذي لايملك الامر فيه سواه، كماقال " ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون "(1) والموت لايشاهد، وانما أراد انكم كنتم تمنون الموت من قبل ان تلقوا أسبابه، فقد رأيتم أسبابه وانتم تنظرون، فجعل لقاء أسبابه لقاء ه.
وقوله " حتى اذا جاء تهم الساعة بغتة " كل شئ أتى فجأة، فقد بغت يقال: قد بغته الامر يبغته بغتا وبغتة اذا أتاه فجأة قال الشاعر:
---
(1) سورة 3 آل عمران آية 143

(4/113)


تفسير التبيان ج4
ولكنهم ماتوا ولم أخش بغتة
وافظع شئ حين يفجؤك البغت(1)
وقوله " قالوا ياحسرتنا على مافرطنا فيها " قدعلم أن الحسرة لاتدعى وانما دعاؤها تنبيه للمخاطبين. و (الحسرة) شدة الندم حتى يحسر النادم كما يحسر الذي تقوم به دابته في السفر البعيد.
قال الزجاجا: العرب اذا اجتهدت في المبالغة في الاخبار عن أمر عظيم يقع فيه جعلته نداء، فلفظه لفظ ماينبه، والمنبه به غيره، كقوله " ياحسرة على العباد "(2) وقوله " ياحسرتي على ما فرطت "(3) و " ياويلتا أألد وأنا عجوز "(4) و " ياويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا "(5)، فهذا أبلغ من ان يقول: أنا اتحسر على العباد وابلغ من ان يقول: الحسرة علينا في تفريطنا.
قال سيبويه: اذا قلت ياعجباه فكأنك قلت احضر وتعال ياعجب، فانه من أزمانك. وتأويل " ياحسرتنا " انتبهوا على أنا قد خسرنا.
وقوله " على مافرطنا فيها " يعني قدمنا العجز. وقيل معناه ماضيعنا فيها يعني في الساعة. وانما يحسروا على تفريطهم في الايمان والتأهب لكونها بالاعمال الصالحة.
وقوله " وهم يحملون أوزارهم " يعني ثقل ذنوبهم، وهذا مثل جائزان يكون جعل ماينالهم من العذاب بمنزلة أثقل مايتحمل، لان الثقل قد يستعمل في الوزن وقد يستعمل في الحال تقول في الحال: قد ثقل علي خطاب فلان، ومعناه كرهت خطابه كراهة اشتدت علي. ويحتمل أن يكون المراد بالاوزار العقوبات التي استحقوها بالذنوب والعقوبات قدتسمى اوزارا، فبين أنه لثقلها عليهم يحملونها على ظهورهم. وذلك يدل على عظمها.
و (الوزر) الثقل في اللغة اشتقاقه من الوزر، وهوالجبل الذي يعتصم به. ومنه قيل: وزير،
---
(1) قائله: يزيد بن ضبة الثقفي. اللسان (بغت) ومجاز القرآن 1: 193.
(2) سورة 36 يس آية 30.
(3) سورة 39 الزمر آية 56.
(4) سورة 11 هود آية 72.
(5) سورة 36 يس آية 52

(4/114)


تفسير التبيان ج4
كأنه يعتصم الملك به، ومنه قوله " واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي "(1) وقال " وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا "(2).
وقوله " الاساء مايزرون " يعني بئس الشئ شيئا يزرونه أي يحملونه، وقدبينا عمل (بئس، ونعم) فيما مضى. ومثله " ساء مثلا القوم "(3) ومعناه ساء مثلا مثل القوم.
وقال بعضهم: معنى " يحملون أوزارهم على ظهورهم " وصف افتضاحهم في الموقف بما يشاهدونه من حالهم وعجزهم عن عبور الصراط كما يعبره المخفون من المؤمنين.
ومعنى قوله " ألاساء " ماينالهم جزاء لذنوبهم واعمالهم الردية اذ كان ذلك عذابا ونكالا.
وقوله " يزرون " من وزر يزر وزرا اذا أثم. وقيل أيضا، وزر، فهو موزور اذا فعل به ذلك. ومنه الحديث في النساء يتبعن جنازة قتيل لهن (أرجعن موزورات غير مأجورات) والعامة تقول مازورات.
قوله تعالى: وما الحيوة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الاخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون(32)
آية بلاخلاف.
قرأ ابن عامر " ولدار الاخرة " بلام واحدة مع تخفيف الدال. وخفض (الاخرة) على الاضافة. الباقون بلامين وتشديد الدال وضم الاخرة.
وقرأ اهل المدينة وابن عامر وحفص ويعقوب " تعقلون " بالتاء هاهنا وفي (الاعراف ويوسف) وافقهم يحيى والعليمي في (يوسف).
ومن قرأ بلامين وشدد الدال جعل (الاخرة) صفة ل (وللدار)، وأجراها في الاعراب مجراها. واستدل على كونها صفة (للدار) بقوله: " وللاخرة خير لك من الاولى "(4) فاقامتها مقامها يدل على أنها هي وليس غيرها. فيجوز أن يضيف اليها، وقووا ذلك
---
(1) سورة 20 طه آية 29 - 30.
(2) سورة 25 الفرقان آية 35.
(3) سورة 7 الاعراف آية 176.
(4) سورة 93 الضحى آية 4

(4/115)


تفسير التبيان ج4
بقوله " وإن الدار الاخرة لهي الحيوان "(1) وقوله " تلك الدار الاخرة "(2) ومن قرأ بلام واحدة وخفف الدال فانه لم يجعل " الاخرة " صفة (للدار) لان الشئ لايضاف إلى نفسه لكنه جعلها صفة للساعة، وكأنه قال: ولدار الساعة الاخرة، وجاز وصف الساعة ب (الاخرة) كما وصف اليوم بالاخر في قوله: " وارجوا اليوم الاخر "(3) وحسن اضافة (الدار) إلى الاخرة ولم يقبح من حيث استقبح اقامة الصفة مقام الموصوف، لان الاخرة صارت كالابطح والابرق، ألا ترى أنه قدجاء " وللاخرة خير لك من الاولى(4) واستعملت استعمال الاسماء ولم تكن مثل الصفات التي لم تستعمل استعمال الاخرة. ومثل (الاخرة) في انها استعملت استعمال الاسماء قولهم: الدنيا، لما استعملت استعمال الاسماء حسن أن لاتلحق لام التعريف في نحو قول الشاعر: في سعي دنيا طال ماقد مدت وقال الفراء: جعلت (الدار) هاهنا اسما و (الاخرة) صفتها، وأضيفت في غير هذا الموضع. ومثله مما يضاف إلى مثله قوله: " حق اليقين "(5) والحق هو اليقين، ومثله قولهم بارحة الاولى، ويوم الخميس، فيضاف الشئ إلى نفسه اذا اختلف اللفظ، واذا اتفق لم يجز ذلك، لايقولون حق الحق ولا يقين اليقين، لانهم يتوهمون اذا اختلفا في اللفظ أنهما مختلفان في المعنى.
بين الله تعالى في هذه الاية أن مايتمتع به في الدنيا بمنزلة اللعب واللهو، اللذين لاعاقبة لهما في المنفعة ويقتضي زوالهما عن أهلها في أدنى مدة وأسرع زمان، لانه لاثبات لهما ولابقاء، فأما الاعمال الصالحات، فهي من أعمال الاخرة وليست بلهو ولالعب. وبين ان الدار الاخرة ومافيها من أنواع النعيم والجنان خير للذين يتقون معاصى الله، لانها باقية دائمة لايزول عنهم نعيمها
---
(1،3) سورة 29 العنكبوت آية 64، 36.
(2) سورة 28 القصص آية 83.
(4) سورة 93 الضحى آية 4.
(5) سورة 56 الواقعة آية 5.

(4/116)


تفسير التبيان ج4
ولايذهب عنهم سرورها.
وقوله " أفلا تعقلون " أن ذلك كما وصفت لهم فيزهدوا في شهوات الدنيا ويرغبوا في نعيم الاخرة بفعل مايؤديهم اليه من الاعمال الصالحة.
ومن قرأ (يعقلون) بالياء، فلانه قدتقدم ذكر الغيبة في قوله " للذين يتقون " والتقدير أفلا يعقل الذين يتقون ان الدار الاخرة خير لهم من هذه الدار فيعملوا بما ينالون به من النعيم الدائم. ومن قرأ بالتاء قصد خطاب جميع الخلق المواجهين به. والعقل هو الامساك عن القبيح وقصر النفس وحبسها على الحسن والحجا أيضا احتباس وتمكث، قال الشاعر: فهن يعكفن به اذا حجا(1) وانشد الاصمعي حيث يحجا مطرق بالفالق(2) حجا أقام بالمكاره، والحجا مصدر كالشبع، ومنه الحجيا اللغز للتمكث الذي يلقى عليه حتى يستخرجها.
قال ابوزيد: جمع حجى حجيات، فجاء ت الحجيا مصغرة كالثريا والجديا، والنهى يحتمل أن يكون جمعا بدلالة قوله " لاولي النهى "(3) لانه اضافه إلى الجمع.
ويجوز ان يكون مفردا في موضع الجمع، وهو في معنى ثبات، وحسن.
ومنه النهي، والنهى والتنهية للمكان الذي ينتهي اليه الماء فينتقع فيه لتسفله ويمنعه ارتفاع ماحوله من أن يسيح فيذهب على وجه الارض.
---
(1) قائله العجاج. اللسان (حجا) وعجزه (عكف النبيط يلعبون الفنزجا).
(2) قائله عمار بن أيمن الرياني. اللسان (حجا).
(3) سورة 20 طه آية 54، 128.

(4/117)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فانهم لايكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون(33)
آية بلا خلاف.
قرأ نافع والكسائي والاعشى الاالنفار " لايكذبوك " بسكون الكاف وتخفيف الدال، وهوالمروي عن علي (ع) وعن ابي عبدالله (ع). الباقون بفتح الكاف وتشديد الذال من التكذيب.
وقرأ نافع " انه ليحزنك " بضم الياء وكسر الزاي. الباقون بفتحها وضم الزاي.
قال ابوعلي الفارسى (فعل، وفعلته) جاء في حروف، والاستعمال في (حزنته) أكثر من (أحزنته) فالي كثرة الاستعمال ذهب عامة القراء.
وقال تعالى " اني ليحزنني أن تذهبوا به "(1) ويقال حزن يحزن حزنا وحزنا، قال تعالى " ولاتحزن عليهم "(2) ثم قال: " ولاخوف عليهم ولاهم يحزنون "(3) قال سيبويه: قالوا (حزن الرجل، وحزنته) قال وزعم الخليل: أنك حيث قلت (حزنته) لم ترد ان تقول جعلته حزينا كما أنك حيث قلت أدخلته اردت جعلته داخلا، ولكنك أردت ان تقول جعلت فيه حزنا كما قلت كحلته أي جعلت فيه كحلا، ودهنته جعلت فيه دهنا، ولم يرد ب (فعلته) هذا تعدية قوله حزن، ولو أردت ذلك لقلت احزنته ومثل ذلك ستر الرجل وسترت عليه، فاذا اردت تغيير ستر الرجل قلت أسترت كما تقول فزع وافزعته. وحجة نافع أنه اراد تغيير (حزن) فنقله بالهمزة.
وقال الخليل: اذا أردت تغيير (حزن) قلت (أحزنته) فدل ذلك على أن (أحزن) مستعمل وان كان (حزنته) اكثر.
وحكى أبوزيد: أحزنني الامر احزانا، وهو يحزنني، ضموا الياء.
وقال سيبويه: قال بعض العرب: افنيت الرجل وأحزنته وارجعته واعورت عينه، أي جعلته حزينا وفانيا، فغيروا ذلك كما فعلوا بالباب الاول.
---
(1) سورة 12 يوسف آية 13.
(2) سورة 15 الحجر آية 88 والنحل 16 آية 127 والنمل 27 آية 70.
(3) سورة 2 البقرة آية 38، 62، 112، 262، 274، و 5 المائدة آية 72 و 6 الانعام آية 48 و 7 الاعراف آية 34 و 10 يونس آية 62 وغيرها.

(4/118)


تفسير التبيان ج4
وقوله " قد نعلم انه " انما كسرت الهمزة، لان في خبرها لاما للتأكيد. لما علم الله تعالى أن النبي (ص) يحزنه تكذيب الكفار له وجحدهم نبوته سلاه عن ذلك بأن قال " فانهم لايكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " ومن قرأ بالتخفيف قال: معناه لا يلفونك كاذبا، كما يقولون: سألته فما ابخلته، وقاتلته فما أجبنته أي ماوجدته بخيلا ولا جبانا.
وقال أبوعبدالله (ع) معنى " لايكذبونك " لايأتون بحق يبطلون به حقك.
وقال الفراء: معنى التخفيف لايجعلونك كذابا، وانما يريدون أن ماجئت به باطل، لانهم لم يفتروا عليك كذبا، فيكذبوا لانهم لم يعرفوه (ص) وانما قالوا: ان ماجئت به باطل لانعرفه من النبوة، فأما التكذيب بأن يقال له كذبت، وقال بعض اهل اللغة: هذا المعنى لايجوز، لانه لايجوز أن يصدقوه ويكذبوا ماجاء به، وهو ان الله ارسلني اليكم وأنزل علي هذا الكتاب وهو كلام ربي.
ومن قرأ بالتشديد احتمل وجوها: احدها - انهم لايكذبونك بحجة يأتون بها أو برهان يدل على كذبك، لان النبي صلى الله عليه وآله اذا كان صادقا فمحال أن يقوم على كذبه حجة، ولم يردأنهم لايكذبونه سفها وجهلا به.
والثاني - أنه اراد فانهم لايكذبونك بل يكذبوني لانا من كذب النبي صلى الله عليه وآله فقد كذب الله، لان الله هو المصدق له كما يقول القائل لصاحبه: فلان ليس يكذبك، وانما يكذبني دونك، يريد ان تكذيبه اياك راجع إلى تكذيبي، لاني أنا المخبر لك وانت حال عني.
وثالثها - ان يكون اراد انهم لاينسبونك إلى الكذب لانك كنت معروفا عندهم بالامانة والصدق فانه صلى الله عليه وآله كان يدعى فيهم الامين قبل الوحي، وكان معروفا بينهم بذلك لكنهم لما أتيتهم بالايات جحدوها بقصدهم التكذيب بآيات الله وجحدها لا لتكذيبك، قال أبوطالب: ان ابن آمنة الامين محمدا

(4/119)


تفسير التبيان ج4
ورابعها - ان تكون الاية مخصوصة بقوم معاندين كانوا عارفين بصدقه ولكنهم يجحدونه عنادا وتمردا.
وقال الحسن: معناه " نعلم انه ليحزنك الذي يقولون " انك ساحروانك مجنون فانهم لايكذبونك، لان معرفة الله في قلوبهم بانه واحد " ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ".
وخامسها - قال الزجاج: لايكذبونك، لايقدرون أن يقولوا لك فيما انبأت به بما في كتبهم كذبت.
قال أبوعلي: يجوز ان يكون المعنى - فيمن ثقل - قلت له كذبت، مثل زنيته وفسقته اذا نسبته إلى الزنا والفسق. و (فعلت) جاء على وجوه نحو خطأته أي نسبته إلى الخطأ، وسقيته ورعيته، أي قلت له سقاك الله ورعاك، وقدجاء في هذا المعنى أفعلته، قالوا: أسقيته، أي قلت له سقاك الله، قال الشاعر:
وأسقيته حتى كاد مما أبثه
تكلمني أحجاره وملاعبه(1)
فيجوز على هذا أن يكون معنى القراء تين واحدا، وان اختلف اللفظان، كما تقول: قللت وكثرت وأقللت وأكثرت بمعنى واحد حكاه سيبويه، وقال الكميت:
فطائفة قد اكفروني بحبكم
وطائفة قالوا مسيئ ومذنب(2)
وحكى الكسائي عن العرب أكذبت الرجل اذا أخبرت انه جاء بكذب، وكذبته اذا اخبرت انه كذاب بقوله كذبته اذا اخبرت انه جاء بكذب، كقولهم: اكفرته اذا نسبوه إلى الكفر، وكذبته اخبرته أنه كذاب مثل فسقته اذا اخبرت انه فاسق.
وقوله " ولكن الظالمين " يعني هؤلاء الكفار " بآيات الله " يعني القرآن والمعجزات يجحدون ذلك بغير حجة، سفها وجهلا وعنادا.
---
(1) مقاييس اللغة 1: 172.
(2) قد مر هذا البيت في 1: 116.

(4/120)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاء ك من نبأ المرسلين(34)
آية بلا خلاف.
سلى الله تعالى بهذه الاية نبيه صلى الله عليه وآله بان اخبر ان الكفار قد كذبوا رسلا من قبلك، وصبر الرسل على تكذيبهم وعلى ما نالهم من أذاهم، وتكذيب الكفار لهم، حتى اذا جاء نصر الله اياهم على المكذبين، فمنهم من نصرهم عليهم بالحرب ومكنهم من الظفر بهم حتى قتلوهم، ومنهم من نصرهم عليهم بان أهلكهم واستأصلهم كما أهلك عادا وثمودا وقوم نوح ولوط، وغيرهم. فأمر الله نبيه صلى الله عليه وآله بالصبر على كفار قومه وأذاهم إلى ان يأتيه نصره كما صبرت الانبياء.
وقوله " لا مبدل لكلمات الله " معناه لاأحد يقدر على تكذيب خبر الله على الحقيقة، ولا على إخلاف وعده فان ما أخبر الله به ان يفعل بالكفار، فلابد من كونه لا محالة، وما وعدك به من نصره فلابد من حصوله، لانه لا يجوز الكذب في اخباره، ولا الخلف في وعده.
وقيل: معناه انه لا مبطل لحججه وبراهينه ولامفسد لادلته.
وقوله " ولقد جاء ك من نبأ المرسلين " معناه انه لا تبديل لخبر الله ولاخلف لذلك ولا تكذيب، وان ما أخبر الله به ان ينزله بالكفار فانه سيفعل بهم كما فعل بأمم من تقدم من الانبياء الذين أنزل الله عليهم العذاب واستأصلهم بتكذيبهم أنبياء هم وعرفك أخبارهم على صحتها.

(4/121)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: وإن كان كبر عليك إعراضهم فان استطعت أن تبتغي نفقا في الارض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين(35)
آية بلا خلاف
خاطب الله تعالى بهذه الاية نبيه صلى الله عليه وآله فقال له " ان كان كبر عليك " وعظم عندك " اعراضهم " أي اعراض هؤلاء الكفار عما أتيتهم به من القرآن والمعجزات وامتناعهم من اتباعك والتصديق لك وكنت حزينا لذلك " فان استطعت " وقدرت أو تهيأ لك ان تبتغي نفقا ان تتخذ في جوف الارض مسكنا وهو النفق " في الارض " اذاكان له منفذ " أو سلما في السماء " أو ان تصعد إلى السماء بسلم " فتأتيهم بآية " يعني بآية تلجئهم إلى الايمان وتجمعهم عليه وعلى ترك الكفر فافعل ذلك. وحذف فافعل لدلالة الكلام عليه، كما تقول: ان رأيت ان تقوم ومعناه فقم، وان أرادغير ذلك لم يجز ان يسكت الا بعد ان يأتي بالجواب، لانه ان اراد ان أردت ان تقوم تصب خيرا فلابد من الجواب، ولم يرد بذلك آية يؤمنون عندها مختارين، لانه تعالى فعل بهم الايات التي تزاح علتهم بها ويتمكنون معها من فعل الايمان لانه لو علم تعالى أنه اذا فعل بهم آية من الايات يؤمنون عندها مختارين وجب ان يفعلها بهم.
وبين انه فعل بهم جميع ما لا ينافي التكليف وهم لايؤمنون كما قال " ولو أننا نزلنا اليهم الملائكة "(1) الاية، وكما قال " ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما اتبعوا قبلتك "(2) وانما لم يفعل ما يلجئهم إلى الايمان، لان ذلك ينافي التكليف ويسقط استحقاق الثواب الذي هو الغرض بالتكليف، وانما أراد الله تعالى ان يبين لنبيه صلى الله عليه وآله انه لا يستطيع هذا ولا يقدر عليه، فلا ينبغي ان يلزم نفسه الغم والجزع لكفرهم واعراضهم عن الايمان والتصديق به، وجعل ذلك عزاء لنبيه صلى الله عليه وآله وتسلية له ثم اخبر انه لو شاء ان يجمعهم على الايمان على وجه الالجاء لكان على ذلك قادرا لكنه ينافي ذلك الغرض بالتكليف، وجرى ذلك مجرى قوله " ان
---
(1) سورة 6 الانعام آية 111.
(2) سورة 2 البقرة آية 145

(4/122)


تفسير التبيان ج4
نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت اعناقهم لها خاضعين "(1) فانه أراد بذلك الاخبار عن قدرته وانه لو شاء الجاء هم إلى الايمان لكان عليه قادرا.
ولايدل ذلك على أنه لم يشأ منهم الايمان على وجه الاختيار منهم أو لم يشأ ان يفعل ما يؤمنون عنده مختارين، لان الله تعالى قد شاء منهم الايمان على هذا الوجه وانما أفاد نفي المشيئة لما يلجئهم إلى الايمان، لانه متى ألجأهم اليه لم يكن ذلك ايمانا يستحق عليه الثواب، والغرض بالاية ان يبين تعالى ان الكفار لم يغلبوا الله بكفرهم ولا قهروه بخلافه وانه لو أراد أن يحول بينهم وبينه لفعل، لكنه يريد ان يكون ايمانهم على وجه يستحقون به الثواب، ولا ينافي التكليف.
وقوله " فلا تكونن من الجاهلين " انما هو نهي محض عن الجهل ولايدل ذلك على ان الجهل كان جائزا منه صلى الله عليه وآله بل يفيد كونه قادرا عليه، لانه تعالى لا يأمر ولا ينهي الا بما يقدر المكلف عليه، ومثله قوله " لئن اشركت ليحبطن عملك "(2) وان كان الشرك لا يجوز عليه لكن لما كان قادرا عليه جاز أن ينهاه عنه.
والمراد هاهنا فلا تجزع ولا تحزن لكفرهم واعراضهم عن الايمان، وانهم لم يجمعوا على التصديق بك فتكون في ذلك بمنزلة الجاهلين الذين لا يصبرن على المصائب، ويأثمون لشدة الجزع.
والنفق: الطريق النافذ في الارض والنافقاء ممدودا وجر حجر اليربوع يحفره من باطن الارض إلى جلدة الارض فاذا بلغ الجلدة أرقها فاذا رابه ريب وقع برأسه هذا المكان وخرج منه، ومنه سمي المنافق منافق لانه أبطن غير ما أظهر، والسلم مشتق من السلامة لانه يسلمك إلى مصعدك.
قوله تعالى: إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون(36)
آية بلا خلاف.
---
(1) سورة الشعراء آية 4.
(2) سورة 39 الزمر آية 65

(4/123)


تفسير التبيان ج4
الوقف عند قوله " الذين يسمعون " ومعنى الاية انما يستجيب إلى الايمان بالله وما أنزل اليك من يسمع كلامك ويصغي اليك، والى ما تقرأ عليه من القرآن وما تبين له من الحجج والايات ويفكر في ذلك لانه لا يتبين الحق من الباطل الا لمن تفكر فيه واستدل عليه بما يستمع أو يعرف من الايات والادلة على صحته، وجعل من لم يتفكر ولم ينتفع بالايات بمنزلة من لم يستمع كما قال الشاعر:
لقد اسمعت لو ناديت حيا
ولكن لا حياة لمن تنادي(1)
وكما جعله الشاعر بمنزلة الاصم في قوله: اصم عما ساء ه سميع(2) وقوله " والموتى يبعثهم الله " معناه ان الذين لا يصغون اليك من هؤلاء الكفار ولايسمعون كلامك ان كلمتهم، ولا يسمعون ما تقرأه عليهم وتبينه لهم من حجج الله وآياته، وينفرون عنه اذا كلمتهم بمنزلة الموتى، فكما ان الموتى لا يستجيبون لمن يدعوهم إلى الحق والايمان، فكذلك هؤلاء الكفار لا يستجيبون لك اذا دعوتهم إلى الايمان، فكما آيست ان يسمع الموتى كلامك إلى ان يبعثهم الله والى ان يرجعوا اليه، فكذلك فآيس من هؤلاء أن يسمعوا كلامك وأن يستجيبوا لك.
وبين أن الموتى اذا بعثهم الله بمعنى أحياهم انهم يرجعون بعد الحشر والبعث إلى الموضع الذي لا يملك الحكم فيه عليهم غير الله تعالى، ولا يملك محاسبتهم وضرهم ونفعهم غيره، فجعل رجوعهم إلى ذلك الموضع رجوعا إلى الله وذلك مستعمل في اللغة: وقال مجاهد: " انما يستجيب الذين يسمعون " يعني المؤمنين يسمعون الذكر " والموتى يبعثهم الله " يعني المشركين الصم يبعثهم الله فيحييهم من شركهم حتى يؤمنوا " ثم الينا يرجعون " يوم القيامة.
---
(1) مر هذا البيت في 1: 64 وهو مشهور.
(2) انظر 2: 80.

(4/124)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: وقالوا لولا نزّل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون(37)
قرأ ابن كثير " ينزل " بالتخفيف. الباقون بالتشديد.
ومعنى " وقالوا " اخبار عما قاله الكفار من انهم قالوا " لولا " ومعناه: هلا " أنزل عليه آية " يعني الاية التي سألوها واقترحوا أن يأتيهم بها من جنس ما شاء وا لما قالوا " فليأتنا بآية كما أرسل الاولون "(1) يعنون فلق البحر واحياء الموتى. وانما قالوا ذلك حين أيقنوا بالعجز عن معارضته فيما أتى به من القرآن، فاستراحوا إلى أن يلتمسوا مثل آيات الاولين، فقال الله تعالى " أو لم يكفهم أنا نزلنا عليك الكتاب "(2) وقال هاهنا قل يا محمد " ان الله قادر على ان ينزل آية ولكن أكثرهم لايعلمون " ما في إنزالها من وجوب الاستئصال لهم اذا لم يؤمنوا عند نزولها. ومافي الاقتصار بهم على ماأوتوا من المصلحة لهم.
وبين في آية أخرى انه لو أنزل عليهم ما أنزل لم يؤمنوا، وهو قوله " ولو أننا اليهم الملائكة " إلى قوله: " ما كانوا ليؤمنوا الا أن يشاء الله "(3) ان يكرههم. وقال " وما منعنا أن نرسل بالايات الا أن كذب بها الاولون "(4) يعني الايات التي اقترحوها انما لم نأتهم بها، لانا لو أتيناهم بها ولم يؤمنوا وجب استئصالهم، كما وجب استئصال من تقدمهم ممن كذب بآيات الله.
وقال في سورة العنكبوت " وقالوا لا أنزل عليه آية من ربه قل انما الايات عند الله وانما أنا نذير مبين أو لم يكفهم انا أنزلنا عليك الكتاب "(5) الاية.
فبين ان الايات لايقدر عليها الاالله، وقد أتاهم بمافيه
---
(1) سورة 21 الانبياء آية 5.
(2) سورة 29 العنكبوت آية 51.
(3) سورة 6 الانعام آية 111.
(4) سورة 17 الاسرى آية 59.
(5) سورة 29 العنكبوت آية 50 - 51

(4/125)


تفسير التبيان ج4
كفاية وإزاحة لعلتهم وهو القرآن، وغيره مما شاهدوه ومن المعجزات والايات، ولايلزم اظهار المعجزات بحسب اقتراح المقترحين، لانه لولزم ذلك لوجب اظهارها في كل حال ولكل مكلف وذلك فاسد.
وقد طعن قوم من الملحدين، فقالوا: لوكان محمد قد أتى بآية لما قالوا له " لولا أنزل عليه آية " ولما قال " ان الله قادر على ان ينزل آية ".
قيل: قيد بينا أنهم التمسوا آية مخصوصة وتلك لم يؤتوها وان كان الله تعالى قادرا عليها، وانمالم يؤتوها لان المصلحة منعت من انزالها، وانما اتى بالايات الاخر التي دلت على نبوته من القرآن وغيره على مااقتضته المصلحة، ولذلك قال فيما تلوناه " أو لم يكفهم أنا انزلنا عليك الكتاب " فبين ان في انزال الكتاب كفاية ودلالة على صدقه وانه لايحتاج معه إلى أمر آخر فسقط ماقالوه.
قوله تعالى: وما من دابة في الارض ولاطائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم مافرطنا في الكتاب من شئ ثم إلى ربهم يحشرون(38)
آية بلا خلاف.
الوقف عند قوله " أمم أمثالكم " وقف تام. ابتدأ الله تعالى بهذه الاية فأخبر بشأن سائر الخلق. وبازاحة علة عباده المكلفين في البيان ليعجب عباده في الاية التي بينها من الكفار وذهابهم عن الله تعالى فقال: " ومامن دابة في الارض ولاطائر يطير بجناحيه " فجمع جميع الخلق بهذين اللفظين، لان جميع الحيوان لا يخلو من أن يكون مما يطير بجناحيه أويدب " الا امم أمثالكم " أي هم اجناس واصناف كل صنف يشتمل على العدد الكثير والانواع المختلفة وان الله خالقها ورازقها، وانه يعدل عليها فيما يفعله، كما خلقكم ورزقكم وعدل عليكم، وان جميعها دالة وشاهدة على مدبرها وخالقها وانتم بعد ذلك تموتون والى ربكم تحشرون.

(4/126)


تفسير التبيان ج4
فبين بهذه العبارة أنه لاينبغي لهم ان يتعدوا في ظلم شئ منها، فان الله خالقها وهو الناهي عن ظلمها والمنتصف لها.
وفي قوله: " يطير بجناحيه " أقوال: احدها - ان قوله بجناحيه تأكيد كما يقولون: رأيت بعيني، وسمعت باذني، وربما قالوا: رأت عيني وسمعت اذني، كل ذلك تأكيد.
وقال الفراء: معنى ذلك انه اراد مايطير بجناحيه دون مايطير بغير جناحين، لانهم يقولون قدمر الفرس يطير طيرا وسارت السفينة تطير تطيرا، فلولم يقل (بجناحيه) لم يعلم انه قصد إلى جنس مايطير بجناحيه دون سائر مايطير بغير جناحين.
وقال قوم: انما قال " بجناحيه " لان السمك عند اهل الطبع طائر في الماء، ولا أجنحة لها، وانما خرج السمك عن الطائر، لانه من دواب البحر، وانما أراد مافى الارض ومافي الجو، ولاحيوان موجود غيرهما.
وقال قوم: انما قال ذلك ليدل على الفرق بين طيران الطيور بأجنحتها وبين الطيران بالاسراع تقول: طرت في جناحين، اذا أسرعت، قال الشاعر:
فلو أنها تجري على الارض أدركت
ولكنها تهفوا بتمثال طائر
وانشد سيبويه:
فطرت بمنصلي في يعملات
دوام الايد يحبطن السريحا(1)
وقال المغربي: أراد ان يفرق بين الطائر الذي هو الفائز الفالج في القسم، وقال مزاحم العقيلي:
وطير بمخراق أشم كأنه
سليل جيادلم تنله الزعانف(2)
أي فوزي واغنمي.
وقوله: " مافرطنا في الكتاب من شئ " قيل " مافرطنا " معناه ماتركنا.
وقيل: ماقصرنا.
وفي الكتاب قولان: احدهما - انه أراد الكتاب المحفوظ عنده من أجال الحيوان وأرزاقه وآثاره ليعلم ابن آدم ان عمله اولى بالاحصاء والاستقصاء، ذكره الحسن. الثاني - مافرطنا في القرآن من شئ يحتاج اليه في أمور الدين والدنيا
---
(1، 2) اللسان (طير).

(4/127)


تفسير التبيان ج4
الاوقد بيناه اما مجملا أو مفصلا، فماهو صريح يفيد لفظا، وماهو مجمل بينه على لسان نبيه وأمر باتباعه في قوله " وماآتاكم الرسول فخذوه ومانها كم عنه فانتهوا "(1) ودل بالقرآن على صدق نبوته ووجوب أتباعه، فاذا لايبقى أمر من امورالدين والدنيا الا وهو في القرآن - وهذا الوجه اختاره الجبائي - وقال البلخي: " مافرطنا في الكتاب من شئ " أي لم ندع الاحتجاج بما يوضح الحق ويدعو إلى الطاعة والمعرفة ويزجر عن الجهل والمعصية، وتصريف الامثال وذكر أحوال الملائكة وبني آدم وسائر الخلق من أصناف الحيوان. وكل جنس من الحيوان أمة، لان الامة الجماعة ويقال للصبيان: أمة وان لم يجب عليهم التكليف.
وقوله تعالى: " ثم إلى ربهم يحشرون " معناه يحشرون إلى الله بعدموتهم يوم القيامة كما يحشر العباد، فيعوض الله تعالى مايستحق العوض وينتصف لبعضها من بعض، فاذا عوضهما، قال قوم: انها تصير ترابا فحينئذ يتمنى الكافر فيقول " ياليتني كنت ترابا "(2) وقال قوم: يديم الله أعواضها ويخلقها على أحسن مايكون من الصور فيسر بها المثابون ويكون ذلك من جملة ماينعمون به، ذكره البلخي.
وقال قوم: " يحشرون " معناه يموتون ويفنون وهذا بعيد، لان الحشر في اللغة هو بعث من مكان إلى غيره، وهاهنا لامعنى للحشر الذي هو الفناء وانما معناه انهم يصيرون إلى ربهم ويبعثون اليه. واستدل قوم من التناسخية بهذه الاية على ان البهائم والطيور مكلفة، لانه قال " أمم امثالكم " وهذا باطل، لانا قد بينا من أي وجه قال: انها " أمم امثالكم " ولووجب حملها على العموم لوجب ان تكون أمثالنا في كونها ناسا وفي مثل صورنا واخلاقنا، فمتى قالوا لم يقل امثالنا في كل شئ، قلنا: وكذلك الامتحان والتكليف، على انهم مقرون بان الاطفال غير مكلفين ولاممتحنين، فما يحملون به أمتحان الصبيان بعينه نحمل بمثله امتحان البهائم، وكيف يصح
---
(1) سورة 59 الحشر آية 7.
(2) سورة 78 النبأ آية 40

(4/128)


تفسير التبيان ج4
تكليف البهائم والطيور وهي غير عاقلة.
والتكليف لايصح الا لعاقل، على ان الصبيان أعقل من البهائم ومع هذا فليسوا مكلفين، فكيف يصح تكليف البهائم؟ ! واما قوله " وان من أمة الا خلا فيها نذير "(1) فانه مخصوص بالمكلفين العقلاء من البشر والجن، والملائكة بدلالة أن الاطفال أمم وليس فيها نذيره واستدل ابوالقاسم البلخي بهذه الاية على ان العوض دائم بان قال: بين الله تعالى انه يحشر الحيوان كلها ويعوضها، فلو كان العوض منقطعا لكان اذا أماتها استحقت اعواضا أخر على الموت وذلك يتسلسل، فدل على انه دائم وهذا ليس بشئ، لانه يجوز ان يميت الله الحيوان على وجه لايدخل عليهم الالم، فلا يستحقون عوضا ثانيا، فالاولى ان يقول: ان دام دام تفضلا منه تعالى.
وقوله " ولاطائر " فانه جر، عطف على دابة وتقديره ولامن طائر، وكان يجوز ان يقرأ بالرفع حملا على المعنى، كما تقول: وماجاء ني من رجل ولاامرأة، وتقديره ماجاء ني رجل ولاامرأة ومثله قوله " ولااصغر من ذلك ولاأكبر "(2) في موضع بالنصب وفى موضع آخر بالرفع على ماقلناه.
قوله تعالى: والذين كذبوا باياتنا صم وبكم في الظلمات من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم(39)
آية بلاخلاف.
الوقف التام عند قوله " في الظلمات ".
وقوله " صم وبكم في الظلمات " يحتمل امرين: احدهما - ان يراد ان هؤلاء الكفار الذين كذبوا بآيات الله صم وبكم في الظلمات في الاخرة على الحقيقة عقوبة لهم على كفرهم، لانه ذكرهم عند ذكر الحشر.
---
(1) سورة 35 فاطر آية 24.
(2) سورة 10 يونس آية 61 وسورة 34 سبأ آية 3

(4/129)


تفسير التبيان ج4
والثاني - ان يكون عنى انهم صم وبكم في الظلمات في الدنيا، فمتى أريد الاول كان ذلك حقيقة، لانه تعالى لايمتنع ان يجعلهم صما بكما في الظلمات، ويضلهم بذلك عن الجنة وعن الصراط الذي يسلكه المؤمنون اليها ويصيرهم إلى النار.
وان أريد به الوجه الثاني، فانه يكون مجازا وتوسعا. وانما شبههم بالصم والبكم الذين في الظمات، لان المكذبين بآيات الله لايهتدون إلى شئ مما ناله المؤمنون من منافع الدين ولايصلون إلى ذلك، كما أن الصم البكم الذين في الظلمات لايهتدون إلى شئ من منافع الدنيا ولايصلون اليها، فتشبيههم من هذا الوجه بالصم البكم.
وقال البلخي " صم وبكم في الظلمات " معناه في الجهل والشرك والكفر وقوله " من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم " لايجوز ان يكون على عمومه، لانا قد علمنا ان الله تعالى لايشاء ان يضل الانبياء والمؤمنين ولايهدي الكافرين، لكن قد بين تعالى في موضع آخر من الذي يشاء ان يضله، فقال " ومايضل به الا الفاسقين "(1) وقال " ويضل الله الظالمين ويفعل الله مايشاء "(2) وقال " والذين اهتدوا زادهم هدى "(3) وقال: " يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام "(4) وقال " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا "(5).
وقوله " ومن يشأ الله يضلله " هاهنا يحتمل امرين: احدهما - " من يشأ الله يضلله " أي من يشأ يخذله بأن يمنعه ألطافه وفوائده، وذلك اذا واتر عليه الادلة وأوضح له البراهين فأعرض عنها ولم يمعن النظر فيها، فصار كالاصم الاعمى، فحينئذ يشاء أن يضله بان يخذله. والثاني - من يشأ الله اضلاله عن طريق الجنة، ونيل ثوابها يضلله على
---
(1) سورة 2 البقرة آية 26.
(2) سورة 14 ابراهيم آية 27.
(3) سورة 47 محمد آية 17.
(4) سورة 5 المائدة آية 18.
(5) سورة 29 العنكبوت آية 69.

(4/130)


تفسير التبيان ج4
وجه العقوبة " ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم " ومعناه من يشأ ان يرحمه ويهديه إلى الجنة ونيل الثواب يجعله على الصراط الذي يسلكه المؤمنون إلى الجنة، ويعدل الكافرين عنه إلى النار ولايلحق الاضلال الا الكفار والفساق المستحقين للعقاب وكذلك لايفعل الثواب والخلود في الجنة الا بالمؤمنين، لانه ثواب لايستحقه سواهم.
الآية: 40 - 59
قوله تعالى: قل أرأيتكم إن أتيكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين(40) بل إياه تدعون فيكشف ماتدعون إليه إن شاء وتنسون ماتشركون(41)
آيتان بلاخلاف
قرأ الكسائي وحده " أريتكم " وماجاء منه اذاكان استفهاما بحذف الهمزة التي بعد الراء. والباقون باثباتها، وتحفيفها الا أهل المدينة، فانهم جعلوها بين بين، فان كان غير استفهام اتفقوا على اثبات الهمزة وتخفيفها الا ما رواه ورش في تحقيقها في ستة مواضع ذكرت في باب الهمزة في القراء ات.
من حقق الهمزة، فلانه (فعلت) من الرؤية، فالهمزة عين الفعل، ومن خفف فانه جعلها بين بين، وهذا التخفيف على قياس التحقيق، ومن حذف الهمزة فعلى غير مذهب التخفيف، لان التخفيف القياس فيها أن تجعل بين بين، كما فعل نافع، وهذا حذف، كماقالوا، ويلمه، وكما أنشد احمدبن يحيى: ان لم أقاتل فالبسوني برقعا وقال ابوالاسود: يابا المغيرة رب أمر معضل وذكر أن عيسى كذلك كان يقرأها ويقوي ذلك قول الراجز:
أريت ان جاء ت به أملودا
مرجلا ويلبس البرودا
وقال الفراء: العرب لها في (أرأيت) لغتان:

(4/131)


تفسير التبيان ج4
احدهما - ان يسأل الرجل الرجل أرأيت زيدا بعينك؟ فهذه مهموزة، فاذا أوقعتها على الرجل منه قلت: أرأيتك على غير هذه الحال تريد هل رأيت نفسك على غير هذه الحال ثم يثنى ويجمع، فتقول للرجلين أرايتما كما، وللقوم أرايتموكم، وللنسوة أرأيتنكن، وللمرأة أرأيتك بخفض التاء ولايجوز إلا ذلك. والاخر - ان تقول ارأيتك. وانت تريد اخبرني، فتهزمها وتنصب التاء منها وتترك الهمز ان شئت، وهو اكثر كلام العرب، وتترك التاء مفتوحة للواحد، وللجمع مؤنثه ومذكره، تقول للمرأة: أرايتك زيدا، وللنساء أرايتكن زيدا مافعل. وانما تركت العرب التاء واحدة لانهم لم يريدوا أن يكون الفعل منها واقعا على نفسها، فاكتفوا بذكرها في الكاف ووجهوا التاء إلى المذكر والتوحيد، اذا لم يكن الفعل واقعا على نفسها.
واختلفوا في هذه الكاف، فقال الفراء: موضعها نصب وتأويلها رفع، مثل قولك: دونك زيدا، فموضع الكاف خفض، ومعناه الرفع، لان المعنى خذ زيدا.
قال الزجاج: هذا خطأ ولم يقله أحد قبله، قال: لان قولك أرايتك زيدا ما شأنه يصير أرايت قدتعدت إلى الكاف والى زيد، فنصب أرايت اسمين فيصير المعنى: أرايت نفسك زيدا ماحاله. وهذا محال.
قال والصحيح الذي عليه النحويون ان الكاف لاموضع لها والمعنى أرايت زيدا ماحاله، والكاف زيادة في بيان الخطاب، وهو المعتمد عليه في الخطاب ولذلك تكون التاء مفتوحة في خطاب المذكر والمؤنث والواحد والجمع. فنقول للرجل أرايتك زيدا ماحاله بفتح التاء والكاف وللمرأة أرايتك بفتح التاء وكسر الكاف، لانها صارت آخر مافي الكلمة، وللاثنين أرايتكما، وللجمع أرايتكم، فتوحد التاء، فكما وجب ان توحدها في التثنية والجمع، كذلك وجب ان تذكرها مع المؤنث، فان عديت الفاعل إلى المفعول في هذا الباب صارت الكاف مفعوله تقول: رأيتني عالما بفلان، فاذا سألت علي هذا الشرط قلت للرجل: أريتك عالما؟ وللاثنين أرأيتما كما

(4/132)


تفسير التبيان ج4
وللجمع أرأيتموكم، لان هذا في تأويل أرأيتم أنفسكم، وللمرأة ارأيتك، وللثنتين أرايتما كما، وللجماعة أرايتنكن، فعلى هذا قياس هذين البابين.
قال ابوعلي الفارسى: لايخلو ان يكون الكاف للخطاب مجردا، ومعنى الاسم مخلوعا منه أو يكون دالا على الاسم مع دلالته على الخطاب، والدليل على انه للخطاب مجردا من علامة الاسم أنه لوكان اسما وجب ان يكون الاسم الذي بعده في نحو قوله " أرايتك هذا الذي كرمت علي "(1) وقولهم " أريتك زيدا ماصنع هوالكاف في المعنى، ألا ترى ان (رأيت) يتعدى إلى مفعولين يكون الاول منهما هوالثاني في المعنى واذا لم يكن المفعول الذي بعده هو الكاف في المعنى، وإنما هو غيره وجب ان يدل ذلك على أنه ليس باسم، واذ لم يكن اسما كان حرفا للخطاب مجردا من معنى الاسمية، كما أن الكاف في (ذلك وهنالك) للخطاب ومثله التاء في (أنت) لانه للخطاب معرى من معنى الاسم فاذا ثبت انه للخطاب معرى من معنى الاسماء ثبت ان التاء لايجوز أن تكون بمعنى الخطاب ألا ترى أنه لاينبغي ان يلحق الكلمة علامتان للخطاب، كما لايلحقها علامتان للتأنيث، ولا علامتان للاستفهام، فلما لم يجز ذلك افردت التاء في جميع الاحوال لماكان الفعل لابد له من فاعل وجعل في جميع الاحوال على لفظ واحد، لان مايلحق الكاف من معنى الخطاب يبين الفاعلين، لتخصيص التأنيث من التذكير والتثنية من الجمع، فلو لحق علامة التأنيث والجمع التاء لاجتمع علامتان للخطاب بماكان يلحق التاء ومايلحق الكاف وذلك يؤدي إلى مالانظير له فرفض لذلك.
أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله بهذه الاية ان يقول لهؤلاء الكفار الذين يعبدون الاصنام " أرايتكم ان أتاكم عذاب الله " كمااتى الكافرين من قبلكم كعاد وثمود، وغيرهم " أواتتكم الساعة " وهي القيامة.
قال الزجاج: الساعة اسم للوقت الذي يصعق فيه العباد واسم للوقت الذي تبعث فيه، والمعنى أرأيتكم
---
(1) سورة 17 الاسرى آية 62.

(4/133)


تفسير التبيان ج4
الساعة التي وعدتم فيها بالبعث والفناء، لان قبل البعث يموت الخلق كلهم، اتدعون فيها - لكشف ذلك عنكم - هذه الاوثان التي تعلمون أنها لاتقدر أن تنفع أنفسها ولاغيرها؟ ! أو تدعون لكشف ذلك عنكم الله تعالى الذي هو خالقكم ومالككم ومن يملك ضركم ونفعكم؟ ودلهم بذلك على انه لاينبغي لهم ان يعبدوا مالايملك لهم نفعا ولايقدر أن يدفع عنهم ضرا وان يعبدوا الله وحده الذي هو خالقهم ومالكهم والقادر على نفعهم وضرهم.
وقوله " ان كنتم صادقين " يعني في ان هذه الاوثان آلهة لكم، فبين الله لهم بذلك انها ليست آلهة وانهم في هذا القول غير صادقين.
وقوله " بل اياه تدعون " معنى (بل) استدراك وايجاب بعد نفي تقول ماجاء ني زيد بل عمرو. واعلمهم الله تعالى انهم لايدعون في حال الشدائد الا إياه، لانه إذا لحقهم الشدائد والاهوال في البحار والبراري القفار، التجؤا فيه اليه وتضرعوا لديه، كما قال " وجاء هم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين "(1) وفي ذلك أعظم الحجج عليهم، لانهم عبدوا الاصنام.
وقوله " فيكشف ماتدعون اليه ان شاء " معناه يكشف الضر الذي من اجله دعوتم، وهومجاز كقوله " واسأل القرية " ومعناه واسأل اهل القرية.
وقوله " وتنسون ماتشركون " معنى تنسون يحتمل امرين: احدهما - ان يكون بمعنى ماتشركون بالله. الثاني - أنكم في ترككم دعاء هم بمنزلة من نسيهم، وهذا الذي أحتج الله به على الكفار دلالة على صحة الاحتجاج في الدين على كل من خالف الحق، لانه لوكان الاحتجاج لايجوز ولايفضي إلى الحق لما احتج به على عباده في كتابه.
وانما قال: " ان شاء " لانه ليس كلما يدعون لكشفه يكشفه عنهم بل يكشف ماشاء من ذلك مما تقتضيه المصلحة وصواب التدبر، وتوجبه الحكمة.
---
(1) سورة 10 يونس آية 22.

(4/134)


تفسير التبيان ج4
والاستثناء راجع إلى العذاب دون الساعة، لانها لاتكشف ولامحيص عنها.
قوله تعالى: ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالباساء والضراء لعلهم يتضرعون(42) فلولا إذجاء هم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ماكانوا يعملون(43)
آيتان
اعلم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله بهذه الاية انه قد ارسل الرسل قبله إلى اقوام بلغوا من القسوة إلى ان أخذوا بالشدة في أنفسهم واموالهم ليخضعوا ويذلوا لامر الله لان القلوب تخشع والنفوس تضرع عند مايكون من أمر الله البأساء والضراء.
وقال قوم: البأساء الجوع، والضراء النقص في الاموال والانفس.
والبأساء: من البأس والخوف والضراء من الضر، وقد يكون البأساء من البؤس، فأعلمه الله انه ارسل إلى أمم واخذها بالبأساء والضراء، فلم تخشع ولم تضرع.
وقال: " لعلهم يتضرعون " ومعناه لكي يتضرعوا.
وقيل: معناها الترجي للعباد، كما قال: " لعله يتذكر او يخشى "(1).
قال سيبويه: المعنى اذهبا أنتما على رجائكما، والله عالم بمايكون من وراء ذلك.
وقوله " فلولا اذ جاء هم بأسنا تضرعوا " معناه هلا اذجاء هم بأسنا تضرعوا " ولكن قست قلوبهم " أي أقاموا على كفرهم.
قال الفراء كلما رأيت في الكلام (لولا) ولم تر بعدها اسما، فهي بمعنى (هلا)، كقوله: " لو لا اخرتني إلى أجل قريب "(2) و " فلولا أن كنتم غير مدينين "(3) واذاكان بعدها اسم، فهي بمعنى (لو) التي تكون في جوابها اللام، و (لوما) فيها مافي (لولا) من الاستفهام والخبر. وقد اخبر الله في هذه الاية ان الشيطان هوالذي يزين الكفر للكافر بخلاف
---
(1) سورة 20 طه آية 44.
(2) سورة 63 المنافقون آية 10.
(3) سورة 56 الواقعة آية 86

(4/135)


تفسير التبيان ج4
مايقول المجبرة من ان الله هو المزين لهم ذلك، وفيها حجة على من قال: ان الله لم يرد من الكافر الايمان، وانه ارسل الرسل بينة عليهم، وعلى من زعم ان أخذه الكافرين بالبأساء والضراء في الدين ليس لما أراد من صلاحهم، لانه بين الله انما فعل بهم ذلك ليتضرعوا، وهذه لام الغرض، لان الشك لايجوز عليه تعالى " ويتضرعون " معناه يتذللون يقال ضرع فلان لفلان اذا بخع له وسأله أن يعطيه، وفلان ضارع أي نحيف.
قوله تعالى: فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فاذا هم مبلسون(44) فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين(45)
آيتان
قرأ ابن عامر وابوجعفر، وورش " فتحنا " وفي الاعراف " لفتحنا " وفي الانبياء " فتحت " وفى القمر " فقتحنا أبواب السماء " بالتشديد فيهن، وافقهم روح في الانبياء والقمر. والباقون بالتخفيف فيهن.
ومن ثقل أراد التكثير، ومن خفف أراد الفعل مرة واحدة. بين الله تعالى بهذه الاية ان هؤلاء الكفار لمالم ينتفعوا بالبأساء والضراء على مااقتضت مصلحتهم، ونسوها أي تركوها فصارت في حكم المنسى ابتليناهم بالتوسعة في الرزق ليرغبوا بذلك في نعيم الاخرة، وينبهوا عليه، فيطيعوا ويرجعوا عما هم عليه، فلما لم ينجع ذلك فيهم ولم يرتدعوا عن الفرح بما أوتوا، ولم ينعظوا ولم ينفعهم الزجر بالضراء والسراء، ولا الترغيب بالتوسعة والرخاء احللنا بهم العقوبة بغتة أي مفاجأة من حيث لايشعرون " فاذا هم مبلسون ".
قال لزجاج: (المبلس) الشديد الحسرة و (البائس) الحزين.
وقال البلخي: معنى مبلسون يعني: أذلة خاضعين.
وقال الجبائي: معنى (مبلسون) آيسون، وقال الفراء المبلس: المنقطع الحجة، قال رؤبة:

(4/136)


تفسير التبيان ج4
وحضرت يوم خميس الاخماس
وفى الوجوه صفرة وابلاس(1)
وقال مجاهد: الابلاس السكوت مع اكتآب.
وقوله " كل شئ " المرادبه التكثير دون العموم، وهومثل قوله " وأوتيت من كل شئ "(2) وكقول القائل: أكلنا عنده كل شئ ورأينا منه كل خير، وكمايقال هذاقول اهل العراق، واهل الحجاز، ويراد به قول اكثرهم.
وقال تعالى: " ولقد أريناه آياتنا كلها "(3) وكل ذلك يراد به الخصوص، وموضوعه التكثير، والتفخيم. واذا علمنا في الجملة بالعقل ان هذه الايات مخصوصة، فلا ينبغي ان يعتقد فيها تخصيص شئ بعينه، وليس علينا اكثر من ان نعتقد أنهم او توا خيرا كثيرا، وفتح عليهم أبواب أشياء كثيرة كانت متغلقة عليهم، وليس يلزمنا اكثر من ذلك. فان قيل الذي يسبق إلى القلوب غير ما تأولتم عليه وهو ان الله انما فتح عليهم أبواب كل شئ ليفرحوا ويمرحوا ليستحقوا العقاب.
قلنا: الظاهر وان كان كذلك انصرفنا عنه بدليل، كما انصرفنا عنه قوله: " الرحمن على العرش أستوى "(4) وعن قوله " وجاء ربك "(5) وعن قوله: " أأمنتم من في السماء "(6) فكما يجب ان نترك ظاهر هذه الايات وان كان ظاهرها التشبيه فكذلك ترك ماظاهره يوجب اضافة القبيح اليه، وينافى عدله ويعدل إلى مايليق بحكمته وعدله.
وقوله " فقطع دابر القوم الذين ظلموا " معناه أخذهم الذي يدبرهم ويدبرهم، لغتان - بضم الباء وكسرها - وهوالذي يكون في أعقابهم.
وروي عن أبي عبدالله (ع) انه قال: من الناس من لايأتي الصلاة إلا دبريا - بضم الدال - يعني في آخر الوقت، هذا قول اصحاب الحديث.
---
(1) مجمع البيان 2: 300 واللسان (بلس).
(2) سورة 27 النمل آية 23.
(3) سورة 20 طه آية 56.
(4) سورة 20 طه آية 5.
(5) سورة 89 الفجر آية 22.
(6) سورة 67 الملك آية 16، 17

(4/137)


تفسير التبيان ج4
وقال أبوزيد الادبريا بفتح الدال والباء. ثم حمد الله تعالى نفسه بأن استأصل ساقتهم وقطع دابرهم بقوله " والحمدلله رب العالمين " لانه تعالى أرسل اليهم وانظر هم بعدكفرهم وأخذهم بالبأساء والضراء، والنعمة والرخاء، فبالغ في الانذار والامهال، فهو محمود على كل حال.
قوله تعالى: قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به أنظر كيف نصرف الايات ثم هم يصدفون(46)
آية بلاخلاف.
روي عن ورش: " به انظر " بضم الهاء ء الباقون بكسرها.
قال ابوعلي: من كسر الهاء حذف الياء التي تلحق الهاء في نحو به انظر، لالتقاء الساكنين والالف من (انظر).
ومن قرأ بضم الهاء فهو على قول من قال: " فخسفنا بهو بدار هو "(1)، فحذف الواو لالتقاء الساكنين، كما حذف الياء في (بهي) لذلك، فصار " به انظر " ومما يحسن هذا الوجه ان الضمة فيه مثل الضمة في (ان أقتلوا) أو (انقص) ونحو ذلك.
وقوله: " أرايتم ان أخذ الله سمعكم وابصاركم وختم على قلوبكم " ثم قال: " يأتيكم به " قال ابوالحسن هوكناية عن السمع اوعلى ما أخذ منكم وقال الفراء: الهاء كناية عن الهدى. أمر الله تعالى نبيه (ع) ان يقول لهؤلاء الكفار " أرايتم ان اخذ الله سمعكم " أي أصمكم، " وأبصاركم " أي أعماكم، تقول العرب: أخذ الله سمع فلان وبصره، أي أصمه وأعماه " وختم على قلوبكم " بأن سلب مافيها من العقول التي بها يتهيأ لكم ان تؤمنوا بربكم وتتوبوا من ذنوبكم ووسمها
---
(1) سورة 28 القصص آية 81.

(4/138)


تفسير التبيان ج4
بسمة من يكون خاتمة امره للصير إلى عذاب النار، فلو فعل بكم، هل من اله غيره يأتيكم بهذا الذي سلبكم الله اياه؟ ! وهل يقدر على ذلك اله غير الله؟ ! فبين بهذا انه كما لايقدر على ذلك غير الله فكذلك يجب ان لايعبدوا سواه: القادر على جميع ذلك.
وقوله " انظر كيف نصرف الايات ثم هم يصدفون " تنبيه للعباد على هذه الاية وعلى أمثالها من الايات التي بين فيها انه لايستحق العبادة سواه تعالى. ثم بين انهم مع ظهور هذه الايات يصدفون أي يعرضون عن تأملها، والتفكر فيها. يقال: صدف عنه، اذا أعرض.
وفي الاية دليل على ان الله قد مكنهم من الاقبال على ماورد عليهم من البيان وانه لم يخلق فيهم الاعراض عنه ولاحملهم عليه، ولا اراده منهم ولازينه لهم، لانه لو كان فعل شيئا من ذلك لم يكن لتعجيبه من ذلك معنى.
قوله تعالى: قل أرأيتكم إن أتيكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون(47)
آية.
أمر الله تعالى نبيه (ع) ان يخاطب كفار قومه، ويقول لهم أرايتم " ان أتاكم عذاب الله بغتة او جهرة " والبغتة المفاجأة وهو ان يأتيهم العذاب، وهم غافلون غير متوقعين لذلك " اوجهرة " أي وهم شاهدون له، ومعاينون نزوله.
وقال الحسن: (البغتة) ان يأتيهم ليلاو (جهرة) نهارا.
ثم قال: " هل يهلك " بهذا العذاب " الا القوم الظالمون " الكافرون الذين يكفرون بالله ويفسدون في الارض. وهل ينجو منه الا المؤمنون العابدون لربهم. ومتى هلك فيهم اطفال او قوم مؤمنون فانما يهلكون امتحانا ويعوضهم الله على ذلك أعواضا كثيرة، يصغر ذلك في جنبها، فجعل ذلك تحذيرا من المقام على الكفر وترغيبا في الايمان والنجاة من العذاب.

(4/139)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: ومانرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلاخوف عليهم ولاهم يحزنون(48) والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون(49)
آيتان بلاخلاف.
بين الله تعالى في هاتين الايتين انه لايبعث الرسل أربابا يقدرون على كل شئ يسألون عنه من الايات او يخترعونه بل انما يرسلهم لما في ذلك من المصلحة لهم ومنبهين على ما في عقولهم من توحيد الله، وعدله وحكمته مبشرين بثواب الله لمن آمن به وعرفه، ومخوفين لمن انكره وجحده، ثم اخبر ان المرسل اليهم مختارون غير مجبرين ولامضطرين ودل على انه غير محدث لشئ من افعالهم فيهم، وان الافعال لهم، هم يكتسبونها بما خلق الله فيهم من القدرة، وانه قد هداهم، وبين لهم وبشرهم وانذرهم فمن آمن أثابه ومن عصاه عاقبه. ولو كانوا مجبورين على المعاصى مخلوقا فيهم الكفر ولم يجعل فيهم القدرة على الايمان لماكان للاية معنى.
قوله تعالى: قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا مايوحى إلي قل هل يستوي الاعمى والبصير أفلا تتفكرون(50)
آية بلاخلاف.
امر الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وآله ان يقول لعباده: " لااقول لكم عندي خزائن الله " اغنيكم منها " ولااعلم الغيب " الذي يختص بعلم الله تعالى فاعرفكم مصالح دنياكم، وانما اعلم قدر مايعلمني الله من امر البعث والجنة

(4/140)


تفسير التبيان ج4
والنار، وغير ذلك، ولا ادعي اني ملك، لاني انسان تعرفون نسبي، لااقدر على مايقدر عليه الملك، وماأتبع الامايوحي الله به إلي. وبين لهم ان الملك من عند الله، والوحي هو البيان الذي ليس بايضاح نحوالاشارة والدلالة، لان كلام الملك كان له على هذا الوجه. وانما امره بأن يقول ذلك لئلا يدعوا فيه ماأدعت النصارى في المسيح، ولئلا ينزلوه منزلة خلاف مايستحقه. ثم امره بأن يقول لهم: " هل يستوي الاعمى والبصير " أي هل يستوي العارف بالله تعالى وبدينه العالم به مع الجاهل به وبدينه، فجعل الاعمى مثلا للجاهل والبصير مثلا للعارف بالله ونبيه، هذا قول الحسن والجبائي.
وقال البلخي: معناه هل يستوي من صدق على نفسه واعترف بحاله التي هو عليها من الحاجة والعبودية لخالقه، ومن ذهب عن البيان وعمي عن الحق " افلا تتكفرون " فتنصفوا من أنفسكم وتعملوا بالواجب عليكم من الاقرار بوحدانيته تعالى ونفي الشركاء والتشبيه عنه، وهذا وان كان لفظه لفظ الاستفهام فالمراد به الاخبار أي انهما لايستويان.
وقال مجاهد: الاعمى الضال والبصير المهتدي.
ثم قال: " افلا تتفكرون " تنبيها لهم على الفكر في مايدعوهم إلى معرفته ويدلهم عليه من آياته وأمثاله التي بينها في كتابه، للفرق بين الحق والباطل، والكافر والمؤمن.
وقال الحسن: " لااقول لكم عندي خزائن الله " يعني خزائن الغيب الذي فيه العذاب لقولهم: ائتنا بعذاب الله، ولا اعلم الغيب متى يأتيكم العذاب " ولاأقول لكم اني ملك " من ملائكة الله. وانما أنا بشر تعرفون نسبي. ولكني رسول الله يوحى الي، ولاأتبع الا مايوحى الي ولا أؤدي الا مايأمرني بأدائه واستدل الجبائي والبلخي وغيرهما بهذه الاية على ان الملائكة افضل من الانبياء لانه قال " ولاأقول لكم اني ملك " فلولا ان الملائكة أفضل وأعلى منزلة ماجاز ذلك. وهذا ليس بشئ لان الفضل الذي هو كثرة الثواب لامعنى له هاهنا، وانما المراد " ولا أقول اني ملك " فاشاهد من امر الله وغيبته عن

(4/141)


تفسير التبيان ج4
العباد مايشاهده الملائكة المقربون المختصون بملكوت السماوات وان لم يكن في ذلك استحقاق ثواب زائد.
قوله تعالى: وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولاشفيع لعلهم يتقون(51)
آية بلاخلاف.
امرالله تعالى نبيه (ع) ان ينذر بهذه الايات أي يخوف بها من هو مقر بالبعث والنشور من المؤمنين، ومن يقر بذلك من الكفار ويعتقد انه لامعونة عند الشركاء يومئذ، لان الامر هناك له تعالى وحده. وقد كان خلق من مشركي العرب يعتقدون ذلك، فأمر الله ان يخص هؤلاء بالانذار، لان الحجة لهم ألزم وان كانت لازمة للجميع.
وقوله: " يخافون ان يحشروا إلى ربهم " أي يعلمون ذلك، فهم خائفون منه أي عاملون بمايؤديهم إلى السلام عنده.
وقال الفراء: يخافون الحشر إلى ربهم علما بأنه سيكون فلذلك فسره المفسرون يخافون بمعنى يعلمون.
وقال الجبائي: امر الله ان يخوف بالعقاب من هو خائف، لانه لما أعلمهم ان الله يعذبهم بكفرهم اذا حشروا، كانوا يخافون الحشر لكونهم شاكين فيما أخبرهم به النبي صلى الله عليه وآله من الحشر والعذاب. وكانوا يخافون ذلك لشكهم فيه، وان كانوا غير مؤمنين. والاول قول البلخي والزجاج.
وقوله: " ليس لهم من دونه ولي " أو من يدفع عنهم مايريد الله إنزاله بهم من عذابه، وعقوباته، ولاشفيع يشفع يدفع بشفاعته عنهم مايريد الله انزاله بهم من ذلك على ماقالت النصارى انهم ابناء الله واحباؤه.
وقوله: " لعلهم يتقون " أي لكي يتقوا معاصيه. والهاء في قوله " به " قال الزجاج: راجعة إلى القرآن.
وقال الجبائي: راجعة إلى العذاب. وقال البلخي: راجعة إلى الانذار.

(4/142)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: ولاتطرد الذين يدعون ربهم بالغدوة والعشي يريدون وجهه ماعليك من حسابهم من شئ ومامن حسابك عليهم من شئ فتطردهم فتكون من الظالمين(52)
آية بلاخلاف.
قرأ ابن عامر " بالغدوة " هنا وفى الكهف - بضم الغين واسكانا الدال واثبات واوبعدها. الباقون بفتح الغين والدال واثبات الف بعد الدال.
سبب نزول هذه الاية مارواه ابن مسعود وغيره: ان ملا من قريش - وقال الفراء: من الكفار، منهم عيينة بن حصين الغزاي - دخلوا على النبي صلى الله عليه وآله وعنده بلال وسلمان وصهيب وعمار، وغيرهم، فقال عيينة بن حصين يارسول الله ول نحيت هؤلاء عنك، لاتاك أشراف قومك، وأسلموا، وكان ذلك خديعة منهم له وكا الله تعالى عالما ببواطنهم. فأمر الله نبيه ان " لاتطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى " يعني انه نهاه عن طردهم لانهم يريدون باسلامهم ودعائهم وجه الله.
قال الضحاك: " يدعون ربهم بالغداة والعشى " يعني بذلك الصلاة المفروضة في هذين الوقتين وقال ابراهيم هم اهل الذكر.
وقال قوم: الدعاء هاهنا هو التحميد والتسبيح وقوله: " يريدون وجهه " شهادة للمعنيين بالاية بالاخلاص وانهم يريدون بعبادتهم الله خالصا.
وقال البلخي: قراء ة ابن عامر غلط، لان العرب اذا ادخلت الالف واللام قالوا: الغداة يقولون: رأيتك بالغداة، ولايقولون بالغدوة، فاذا نزعوا الالف واللام قالوا رأيتك غدوة. وانما كتبت واو في المصحف، كما كتبوا الصلاة والزكاة والحياة كذلك.

(4/143)


تفسير التبيان ج4
قال ابوعلي الفارسى: الوجه الغداة، لانها تستعمل نكرة وتتعرف باللام فأما غدوة فمعرفة أبدا، وهوعلم صيغ له.
قال سيبويه: غدوة وبكرة جعل كل واحد منهما اسما للجنس كماجعلوا أم حنين اسما لدابة معروفة، كذلك هذا ووجه قراء ة ابن عامر أن سيبويه قال زعم الخليل أنه يجوز ان تقول أتيتك اليوم غدوة وبكرة، فجعلها بمنزلة ضحوة.
وقوله " فتطردهم " نصب الدال، لانه جواب النفي في قوله: " ماعليك من حسابهم " ونصب فيكون لانه جواب لقوله: " ولاتطرد الذين.. فتكون من الظالمين.. ما عليك من حسابهم من شئ " قال قوم يعني من حساب رزقهم في الدنيا ليس رزقهم في يدك ولارزقك في أيديهم، بل الله رازق الجميع.
وقال الجبائي وهوالاظهر: ما عليك من اعمالهم، ولاعليهم من أعمالك، بل كل واحد يؤاخذ بعمله، ويجازي على فعله، لاعلى فعل غيره.
وقوله " فتطردهم فتكون من الظالمين " اخبار منه تعالى انه لو طرد كل هؤلاء تقريبا إلى الكبراء منهم كان بذلك ظالما. والنبي صلى الله عليه وآله وان لم يقدم على القبيح جاز ان ينهى عنه، لانه قادر عليه وان كان النهي والزجر يمتنع منه، كما قال تعالى " لئن اشركت ليحبطن عملك " وان كان الشرك مأمونا منه.
قوله تعالى: وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين(53)
آية بلاخلاف.
معنى الاية انه تعالى اخبر انه يمتحن(1) الفقراء بالاغنياء والاغنياء بالفقراء فيختبر صبر الفقراء على مايرون من حال الاغنياء، واعراضهم عنهم إلى طاعة الرسل ويختبر شكر الاغنياء واقرارهم لمن يسبقهم من الفقراء، والموالي والعبيد إلى الايمان بالرياسة في الدين والتقدم فيه.
---
(1) في المخطوطة " ابتلى " بدل " يمتحن ".

(4/144)


تفسير التبيان ج4
وقوله: " ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا " فليس المراد باللام لام الغوص لان الله لو قصد ذلك لكان قد قصد بمافعل ان يقولوا هذا القول فيكفروا به ويعصوا ويتعالى الله عن ذلك فكيف يقصده؟ ! وقد عابه من قولهم وهو يعاقبهم عليه وعابهم به ولكن اللام لام العاقبة.
والمعنى اني فعلت ذلك بهم ليصبروا ويشكروا، فكان عاقبة أمرهم ان قالوا " أهؤلاء من الله عليهم من بيننا " ومثله قوله: " فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا "(1) وقال الشاعر:
ام سماك فلا تجزعي
فللشكل ماتلد الوالداه(2)
والذي قال " أهولاء من الله عليهم من بيننا " هو عيينة بن حصين واصحابه وقال الزجاج: أي ليقول الكبراء " أهؤلاء من الله عليهم من بيننا " أي ليكون ذلك آية بينة انهم اتبعوا الرسول وصبروا على الشدة في حال شديدة.
وقال الجبائي: معنى قوله " فتنا بعضهم ببعض " أي شددنا التكليف على أشراف العرب وكبرائهم بأن امرناهم بالايمان برسول الله وبتقديم هؤلاء الضعفاء على نفوسهم لتقدمهم اياهم في الايمان، وكونهم افضل عند الله. وهذا أمر كان شاقاعليهم، فلذلك سماه الله فتنة.
وقوله " ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا " أي فعلنا هذا بهم ليقول بعضهم لبعض على وجه الاستفهام منه لا على وجه الانكار " أهؤلاء من الله عليهم من من بيننا " يعني بالايمان اذ رأوا النبي صلى الله عليه وآله يقدم هؤلاء عليهم ويفضلهم وليرضوا بذلك من فعل رسول الله، ولم يجعل هذه الفتنة والشدة في التكاليف ليقولوا ذلك على وجه الانكار، لان إنكارهم ذلك كفر بالله ومعصية له والله تعالى لايريد ذلك ولايرضاه، لانه لو أراد ذلك منهم، وفعلوه كانوا مطيعين
---
(1) سورة 28 القصص آية 8.
(2) مرهذا البيت في 3: 60 وسيأتي في 5: 43

(4/145)


تفسير التبيان ج4
له لاعاصين وقدثبت خلافه.
وقوله: " أليس الله بأعلم بالشاكرين " معناه ان الله تعالى أعلم بالشاكرين له ولنعمه من خلقه فيجازيهم على ذلك بما يستحقونه من الثواب والتعظيم والاجلال. والشاكرون المعنيون بالاية هم هؤلاء الضعفاء ويدخل معهم في ذلك سائر المؤمنين. فان قيل فعلى هذا الوجه الذي ذكرتموه قدوجد من الكفار القول على ما أراده فيجب ان يكونوا مطيعين.
قلنا: ليس في الاية ذلك وأنهم على أي وجه قالوه على وجه الانكار أو على وجه الاستفهام؟ وانما بين انه فعل بهم ليقولوا ذلك على وجه الاستفهام لا على وجه الانكار، فان كانوا قالوه على ماأراده الله فهم مطيعون وان قالوه منكرين فهم عصاة، فلما علمناأن الله تعالى ذمهم بهذا القول علمنا أنهم لم يقولوه على وجه المراد منهم انما قالوه على خلاف ماأريد منهم.
قوله تعالى: وإذا جاء ك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوء ا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم(54)
آية.
قرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب: " انه من عمل.. فانه غفور رحيم " بفتح الهمزة فيهما وافقهم اهل المدينة في الاولى منهما. الباقون بالكسر فيهما.
قال ابوعلي الفارسى من كسر (أنه) الاولى جعلها تفسير للرحمة كما أن قوله " لهم مغفرة واجركريم " تفسير للوعد. واماكسر (إن) في قوله " فانه غفور رحيم " فلان مابعد الفاء حكمه الابتداء، ومن ثم حمل قوله " ومن عاد

(4/146)


تفسير التبيان ج4
فينتقم الله منه "(1) على أرادة المبتدأ بعد الفاء وحذفه. ومن فتح (أن) في قوله " انه " فانه جعل (ان) الاولى بدلا من الرحمة كأنه قال كتب ربكم على نفسه الرحمة انه من عمل منكم. واما فتحها بعد الفاء فانه غفور رحيم، فعلى انه أضمر له خبرا تقديره، فله انه غفور رحيم أي فله غفرانه. أو اضمر مبتدأ تكون (أن) خبره، كأنه قال فأمره انه غفور رحيم واما قراء ة نافع: بفتح الاولى وكسر الثانية فالقول فيهما انه أبدل من الرحمة واستأنف مابعد الفاء.
قال سيبويه: بلغنا ان الاعرج قرأ " انه من عمل.. فانه غفور رحيم ".
ونظيره قول ابن مقبل:
واني اذا ملت ركابي مناخها
فاني على حظي من الامر جامح
يريد ان قوله: (واني اذا ملت ركابي) محمول على ماقبله كما ان قوله " انه من عمل " محمول على ماقبله.
وقوله: فاني على حظي مستأنف مثل قوله " فانه غفور رحيم " مستأنف به منقطع عما قبله.
قال الفراء: واختاره الزجاج ويجوز ان يحمل (فانه) على التكرار، قال: لان الكتاب يحتاج إلى (ان) مرة واحدة ولكن الخبر هو موضعها فلما دخلت في ابتداء الكلام أعيدت إلى موضعها، كما قال: " أيعدكم انكم اذا متم وكنتم ترابا وعظاما انكم مخرجون "(2) فلماكان موضع (ان) أيعدكم انكم مخرجون اذا متم دخلت في اول الكلام وآخره. ومثله " كتب عليه انه من تولاه فانه يضله "(3) ومثله " ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فان له "(4) قال ولك ان تكسر (ان) بعد الفاء في هذه الاحرف.
قال ابوعلي هذا غير صحيح، لان (من) لايخلو من ان تكون للجزاء الجازم الذي بني اللفظ عليه او تكون موصولة، ولايجوز ان يقدر التكرير مع الموصولة فلو كانت موصولة
---
(1) سورة 5 المائدة آية 98.
(2) سورة 23 المؤمنون آية 35.
(3) سورة 22 الحج آية 4.
(4) سورة 9 التوبة آية 64.

(4/147)


تفسير التبيان ج4
لبقي المبتدأ بلاخبر، ولايجوز ذلك في الجزء الجازم، لان الشرط يبقى بلا جزاء على اثبات الفاء في قوله: (فان له) ويمتنع من ان يكون بدلا لانه لايكون بين المبدل والمبدل منه الفاء العاطفة ولاالتي للجزاء، فان قيل: هي زائدة بقى الشرط بلاجزاء، فاذا بطل الامران اثبت ماقدمناه.
واما من كسرهما فعلى مذهب الحكاية كأنه لما قال " كتب ربكم على نفسه الرحمة " قال: " انه من عمل منكم سوء ا بجهالة ثم تاب من بعده واصلح فانه عفور رحيم " بالكسر، ودخلت الفاء جوابا للجزاء.
هذه الاية متصلة بالاولى: نهى الله تعالى نبيه (ع) في الاولى عن ان يطردهم. ثم امره في هذه الاية ان يقول لمن ورد عليه منهم اعني المؤمنين المصدقين بآيات الله وحججه وبراهينه عربيا كان او أعجميا ضعيفا كان أو قويا - " سلام عليكم " فيبدأهم بالتحية، ويبشرهم بالرحمة ويقوي قلوبهم ويعرفهم أن من اذنب منهم ثم تاب، فتوبته مقبولة كل ذلك خلافا على الكافرين فيما أرادوه عليه من طردهم والغلظة عليهم.
وقال محمد بن يزيد: السلام في اللغة أربعة اشياء: احدها - سلمت سلاما مصدر.
وثانيها - السلام جمع سلامة.
وثالثها - السلام من أسماء الله.
ورابعها - السلام شجر.
ومعنى السلام الذي هو مصدر سلمت دعاء للانسان ان يسلم في دينه ونفسه، ومعناه التخلص.
والسلام الذي هو اسم الله معناه ذو السلام أي الذي يملك السلام الذي هو تخليص من المكروه.
والسلام الذي هو الشحر، فهوشجر عظيم سمي بذلك لسلامته من الافات.
والسلام حجار صلبة لسلامتها من الرخاوة ويسمى الصلح: السلام والسلم والسلم، لان معناه السلامة من الشر.
والسلام دلولها مروة واحدة نحو دلو السقائين.
والسلم السبب إلى لشئ.
والسلم الذي يرتقى عليه لانه يسلمك إلى حيث تريد وقوله " من عمل منكم سوء ا بجهالة " ليس المراد أنهم يجهلون أنه سوء، لانه لوأتى

(4/148)


تفسير التبيان ج4
المسلم مايجهل أنه سوء لكان كمن لم يتعمد سوء ا.
وتحتمل الاية أمرين: احدهما - انه عمله وهوجاهل بالمكروه فيه أي لم يعرف أن فيه مكروه. والاخر - انه أقدم مع علمه ان عاقبته مكروهة فآثر العاجل، فجعل جاهلا لانه آثر القليل على الراحة الكثيرة والعاقبة الدائمة ويحتمل عندي أن يكون أراد " من عمل منكم سوء ا بجهالة " بمعنى أنه لايعرفها سوء ا، لكن لما كان له طريق إلى معرفته وجب عليه التوبة منه، فاذا تاب قبل الله توبته.
فان قيل: قوله " وأصلح " هل فعل الصلاح شرط في قبول التوبة أولا؟ فان لم يكن شرطا فلم علق الغفران بمجموعهما. قيل: لاخلاف أن التوبة متى حصلت على شرائطها التي قدمنا ذكرها في غير موضع، فانه يقبل التوبة ويسقط العقاب، وان لم يعمل بعدها عملا صالحا غير أنه اذا تاب وبقي بعد التوبة، فان لم يعمل الصالح عاد إلى الاصرار، لانه لايخلو في كل حال من واجب عليه أو ندب من تجديد معرفة الله ومعرفة نبيه، وغير ذلك من المعارف وكثير من أفعال الجوارح، فاما ان قدرنا اختراعه عقيب التوبة من غير فعل صلاح، فان الرحمة باسقاط العقاب تلحقه بلاخلاف.
قوله تعالى: وكذلك نفصل الايات ولتستبين سبيل المجرمين(55)
آية بلاخلاف.
قرأ اهل الكوفة الاحفصا و " ليستبين " بالياء. الباقون بالتاء.
وقرأ اهل المدينة " سبيل " بالنصب. الباقون بالرفع.
من قرأ بالتاء ورفع السبيل، فلان السبيل يذكر ويؤنث، فالتذكير لغة تميم، والتأنيث لغة أهل الحجاز فأنث - هاهنا - كما قال

(4/149)


تفسير التبيان ج4
" قل هذه سبيلي "(1).
ومن قرأ بالياء فانه ذكر السبيل، لانه الطريق. وهو يذكر، كما قال " وان يروا سبيل الرشد لايتخذوه سبيلا "(2).
ومن قرأ بالتاء، ونصب (السبيل) أراد أن يكون خطابا للنبي صلى الله عليه وآله كأنه قال: ولتستبين أنت يامحمد سبيل المجرمين. والنبي صلى الله عليه وآله وان كان مستبينا لطريق المجرمين عالما به فيجوز أن يكون ذلك على وجه التأكيد، ولان يستديم ذلك. ويحتمل أن يكون المراد به الامة، فكأنه قال ليزداد استبانة، ولم يحتج ان يقول: ولتستبين سبيل المؤمنين، لان سبيل المجرمين اذا بانت، فقد بان معها سبيل المؤمنين، لانها خلافها. ويجوز ان يكون المراد، ولتستبين سبيل المجرمين ولتستبين سبيل المؤمنين، وحذف أحدى الجملتين لدلالة الكلام عليه، كما قال " سرابيل تقيكم الحر "(3) ولم يقل تقيكم البرد، لان الساتر يستر من الحر والبرد، لكن جرى ذكر الحر، لانهم كانوا في مكانهم أكثر معاناة له من البرد، وكذلك سبيل المجرمين، خص بالذكر، لان الكلام في وصفهم، وترك ذكر المؤمنين لدلالة الكلام عليه.
وهذه الاية معطوفة على الايات التي احتج الله بها على مشركي العرب، وغيرهم فلذلك قال " وكذلك " أي كما قدمنا " نفصل الايات " أي نميزها ونبينها ونشرحها لتلزمهم الحجة و " لتستبين سبيل " من عاند بعد البيان أو ذهب عن فهم ذلك بالاعراض عنه لمن أراد التفهم منهم، ومن المؤمنين ليجانبوها ويسلكوا غيرها.
قوله تعالى: قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لاأتبع أهواء كم قد ضللت إذا وماأنا من المهتدين(56)
---
(1) سورة 12 يوسف آية 108.
(2) سورة 7 الاعراف آية 145.
(3) سورة 16 النحل آية 81.

(4/150)


تفسير التبيان ج4
روي عن يحيى بن وثاب أنه قرأ " ضللت " بكسر اللام. والقراء كلهم على فتحها، وهما لغتان. فمن كسر اللام فتح الضاد من " يضل ". ومن فتح اللام كسر الضاد. فقال " يضل " وقال أبوعبيدة اللغة الغالبة بالفتح.
وروى ابوالعالية أن النبي صلى الله عليه وآله قرأ هذه الاية عند الكعبة وأظهر لهم المفارقة. وهذه الاية فيها خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وأمر له بأن يقول للكافرين: ان الله قد نهاني أن اعبد هذه الاوثان التي تعبدونها من دون الله وتدعونها آلهة وأنها تقربكم إلى الله زلفى، وأن يقول لهم اني لاأتبع أهواء كم في عبادة الاوثان، واني لو فعلت ذلك لكنت قد ضللت عن الصواب، وبعدت عن الرشد ولم أكن من المهتدين إلى الخير والصلاح. ومعناه معنى الشرط وتقديره قد ضللت ان عبدتها.
وقال الزجاج: " وماانا من المهتدين " أي وماأنا من النبيين الذين سلكوا طريق الهدى.
قوله تعالى: قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ماعندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين(57)
آية بلاخلاف.
قرأ اهل الحجاز وعاصم " يقص الحق " من القصص وهوالمروي عن ابن عباس ومجاهد. الباقون - بالضاد - المعجمة من فوقها من القضاء.
وكان ابوعمرو يقوي القراء ة بالضاد بقوله " وهوخير الفاصلين ".
ويقول الفصل في القضاء لافي القصص ويقوي ذلك بقوله " والله يقضى الحق وهو يهدي السبيل ".
وحجة من قرأ بالصاد قوله: " نقص عليك أحسن القصص "(1) وقوله: " ان هذا لهو القصص "(2).
---
(1) سورة 12 يوسف آية 3.
(2) سورة 3 آل عمران آية 62

(4/151)


تفسير التبيان ج4
وأما الفصل الذي قوى به أبوعمرو قراء ته فقد جاء الفصل في القول كماجاء في الحكم والقضاء في نحو قوله " انه لقول فصل "(1) وقال: " احكمت آياته ثم " فصلت "(2) وقال " نفصل الايات "(3) وقال " لقد كان في قصصهم عبرة لاولي الالباب ماكان حديثا يفتري ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شى "(4) فذكر في القصص انه تفصيل.
والحق في قوله " يقض الحق " يحتمل امرين: احدهما - أن يكون صفة لمصدر محذوف وتقديره يقضي القضاء الحق أو يقص القصص الحق. والثاني - أن يكون مفعولا به يعجل الحق كقول الهذلي:
وعليهما مسرودتان قضاهما
داود أن صنع السوابغ تبع(5)
أي صنعهما داود.
وفي هذه الاية أمر من الله لنبيه ان يقول للكفار انه على بينة من ربه، أي على أمر بين من معرفة الله وصحة نبوته، لامتبع للهوى.
وقوله " وكذبتم به " الهاء راجعة إلى البيان، لان البينة والبيان واحد، وتقديره وكذبتم بالبيان الذي هو القرآن.
وقال قوم: بينة من ربي من نبوتي " وكذبتم به " يعني بالله. وعلى الاول يكون تقديره كذبتم بما أتيتكم، لانه هو البيان.
وقوله: " ماعندي ماتستعجلون به " (ما) بمعنى ليس. والذي استعجلوا به يحتمل امرين: احدهما - العذاب، كما قال " ويستعجلونك بالعذاب "(6). والثاني - أن يكونوا استعجلوا الايات التي أقترحوها عليه فأعلمهم الله أن ذلك عند الله وأن الحكم له تعالى " يقض الحق وهو خير الفاصلين " وكتبت
---
(1) سورة 86 الطارق آية 13.
(2) سورة 11 هود آية 1.
(3) سورة 10 يونس آية 24.
(4) سورة 12 يوسف آية 111.
(5) مر تخريجه في 1 / 429 وفي 4 / 88.
(6) سورة 22 الحج آية 47 وسورة 29 العنكبوت آية 53 - 54

(4/152)


تفسير التبيان ج4
يقضى بغير ياء، لانها اسقطت في اللفظ لالتقاء الساكنين، كما كتبوا " سندع الزبانية "(1) بغير واو.
ومن قرأ: بالصاد من القصص حمله على أن جميع ماأنبأ به وأمر به، فهو من أقاصيص الحق.
وقال الحسن: (البنية) النبوة و (كذبتم به) بالنبوة التي جاء ت من عند الله و " ما تستعجلون به " من العذاب جواب لقولهم: " أتنا بعذاب الله "(2) وفي قراء ة ابن مسعود " يقص بالحق " ولم يقرأ به احد.
وقوله " يقضى بالحق " يدل على بطلان قول من يقول: ان الظلم والجور بقضاء الله، لان ذلك كله ليس بحق.
قوله تعالى: قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الامر بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين(58)
آية
امر الله تعالى نبيه ان يقول للكفار لو كان " عندي ما تستعجلون به " من كون العذاب وأنزاله بكم برأيي وارادتي لفعلت ذلك بكم ولانزلته عليكم و " لقضي الامر بيني وبينكم " بذلك ولانفصل ولانقطع، ولكن ليس ذلك إلي وانماهو إلى الله " والله وأعلم بالظالمين " وبمن ينبغي امهاله منهم ومن يجب معالجته بالعقوبة فهو يدبر ذلك بحسب مايعلم من وجه الحكمة والصواب.
قوله تعالى: وعنده مفاتح الغيب لايعلمها إلا هو ويعلم مافي البر والبحر وماتسقط من ورقة إلا يعلمها ولاحبة في ظلمات الارض ولارطب ولايابس إلا في كتاب مبين(59)
آية بلاخلاف
وهي تمام السبع المثاني.
---
(1) سورة 96 العلق آية 18.
(2) سورة 29 العنكبوت آية 29

(4/153)


تفسير التبيان ج4
" مفاتح الغيب " معناه الامور التي بها يستدل على الغائب فتعلم حقيقته، يقال: فتحت على الرجل، أي عرفته أولا، ويستدل به على آخر، وجملة يعرف بها التفصيل. ومنه قولهم أفتح علي أي عرفني.
قال الزجاج: معناه وعنده الوصلة إلى علم الغيب وكل مالايعلم اذا استعلم.
وروي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: مفاتح الغيب خمس لايعلمها الا الله: ان الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم مافى الارحام، وماتدري نفس ماذا تكسب غدا وماتدري نفس بأي أرض تموت.
ومعنى الاية أن الله تعالى عالم بكل شئ من مبتدء ات الامور وعواقبها فهو يعجل ماتعجيله أصلح وأصوب، ويأخر ما تأخيره أصلح واصواب، وأنه الذي يفتح باب العلم لمن يريد إعلامه شيئا من ذلك من أنبيائه وعباده، لانه لايعلم الغيب سواه، فلايتهيأ لاحد ان يعلم العباد ذلك، ولاأن يفتح لهم باب العلم به الا الله، وبين أنه يعلم مافي البر والبحر من الحيوان والجماد. وبين أنه ماتسقط من ورقة من شجرة الايعلمها ولاحبة في جوف الارض وفي ظلماتها الا ويعلمها ولارطب ولايابس جميع أصناف الاجسام، لانها أجمع لاتخلو من احدى هاتين الصفتين.
وقوله: " وماتسقط من ورقة الا يعلمها " المعنى أنه يعلمها ساقطة وثابتة كما تقول: مايجيئك من أحد الا وأنا أعرفه، معناه الا وانا أعرف في حال مجيئه.
وقوله: " ولاحبة في ظلمات الارض ولارطب ولايابس " خبر على تقدير (من). ويجوز الرفع فيها على معنى ولاتسقط ورقة ولاحبة. ويجوز ان يرفعه على الابتداء ويقطعه عن الاول ويكون خبره " الا في كتاب مبين ".
وقوله: " في كتاب مبين " يحتمل أمرين: احدهما - ان يكون معناه في علم الله مبين. وثانيهما - ان يكون " في كتاب مبين " ان يكون الله تعالي أثبت ذلك في

(4/154)


تفسير التبيان ج4
كتاب قبل أن يخلقه، كما قال " ماأصاب من مصيبة في الارض، ولافي انفسكم الافي كتاب من قبل أن نبرأها "(1) ويكون الغرض بذلك اعلام الملائكة أنه علام الغيوب ليدل على أنه عالم بالاشياء قبل كونها. ويجوز ان يكون المراد بذلك أنه كتب جميع مايكون ثم امتحن الملائكة بكتبه وتعبدهم باحصائه، كما تعبد سائر خلقه بمايشاء مما فيه صلاحهم.
وقال البلخي: " في كتاب مبين " أي هو محفوظ غير منسي ولامغفول كما يقول القائل لصاحبه: ماتصنعه عندي مسطر مكتوب.
وانما يريد بذلك أنه حافظ له يريد مكافأته عليه، قال الشاعر: ان لسلمى عندنا ديوانا ويجوز أن يكون المراد بذكر الورقة والحبة والرطب والياس التوكيد في الزجر عن المعاصى والحث على البر والتخويف لخلقه بأنه اذاكانت هذه الاشياء التي لاثواب فيها ولاعقاب عليها محصاة عنده محفوظة مكتوبة، فأعمالكم التي فيها الثواب والعقاب أولى، وهو قول الحسن.
وقال مجاهد: البر القفار والبحار كل قرية فيها ماء.
وعن أبي عبدالله: الورقة السقط والحبة الولد.
وظلمات الارض الارحام والرطب مايبقى ويحيا واليابس ما تغيض.
---
(1) سورة 57 الحديد آية 22.

(4/155)


تفسير التبيان ج4
الآية: 60 - 79
قوله تعالى: وهو الذي يتوفيكم بالليل ويعلم ماجرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون(60)
آية بلاخلاف.
قوله: " وهو " كناية عن الله تعالى. و " الذي " صفة له " يتوفاكم بالليل " قيل في معناه قولان: احدهما - قال الجبائي: يقبضكم، وقال الزجاج: ينيمكم بالليل فيقبضكم
الله اليه، كما قال: " الله يتوفى الانفس حين موتها "(1).
وقال البلخي: " واختاره الحسين بن علي المغربي " يتوفاكم " بمعنى يحصيكم عند منامكم وأستقراركم، قال الشاعر:
ان بني الادرم ليسوا من أحد
ليسوا من قيس وليسوا من أسد
ولاتوفاهم قريش في العدد(2) معناه لاتحصيهم في العدد.
وقوله: " ويعلم ماجرحتم بالنهار " أي كسبتم، تقول فلان جارحة أهله أي كاسبهم، ومنه قوله: " وماعلمتم من الجوارح مكلبين "(3) أي من الكواسب التي تكسب على أهلها، وهو قول مجاهد.
وقوله: " ثم يبعثكم فيه " أي في النهار، فجعل أنتباههم من النوم بعثا " ليقضى أجل مسمى " ليستوفى الاجل المسمى للحياة إلى حين الموت.
ثم " اليه مرجعكم " يعني يوم القيامة فيحشرهم الله إلى حيث لايملك فيه الامر سواه.
" ثم ينبئكم " يعني يخبركم ويعلمكم " بما كنتم تعملون " في الدنيا فيجازيكم على أعمالكم، وفيها دلالة على خزيهم وحاجتهم، واحتجاج عليهم أنه لايستحق العبادة سواه اذهو الفاعل لجميع مايستحق به العبادة مما عدده والقادر عليه دون من يعبدونه من الاوثان والاصنام.
قوله تعالى: وهوالقاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لايفرطون(61) ثم ردوا إلى الله موليهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين(62)
آيتان
---
(1) سورة 39 الزمر آية 42.
(2) مقاييس اللغة 3: 270 واللسان (وفي) وروايته " الادرد " مع حذف البيت الثاني وجعل الثالث بعد الاول وكذلك في الطبري 11: 405.
(3) سورة 5 المائدة آية 5.

(4/156)


تفسير التبيان ج4
كلهم قرأ " توفته رسلنا " بالتاء الاحمزة فانه قرأ " توفاه ".
وحجة من قرأ بالتاء قوله " كذبت رسل من قبلك "(1) وقوله " اذجاء تهم الرسل من بين أيديهم "(2) و " جاء تهم رسلهم بالبينات(3) و " قالت رسلهم "(4) وحجة حمزة انه فعل متقدم مسند إلى مؤنث غير حقيقي. وانما التأنيث للجمع، فهومثل قوله " وقال نسوة في المدينة "(5) وماأشبه ذلك مما يأتيه تأنيث الجمع، قال وليس ذلك خلافا للمصحف، لان الالف الممالة تكتب ياء.
وقوله " وهوالقاهر " معناه والله المتقدر المستعلي على عباده الذين هو فوقهم لا على أنه في مكان مرتفع فوقهم وفوق مكانهم، لان ذلك لايجوز عليه، لانه صفة للاجسام. ومثله في اللغة أمر فلان فوق أمر فلان، يراد به أنه أعلى امرا، وانفذ قولا. ومثله قوله تعالى " يد الله فوق أيديهم "(6) والمراد أنه أقوى واقدر منهم وانه القاهر لهم.
وقوله: " ويرسل عليكم حفظة " يعني يرسل عليكم ملائكة يحفظون أعمالكم ويحصونها عليكم ويكتبونها ليعلموا بذلك أن عليهم رقيبا من عندالله ومحصيا عليهم فينزجروا من عن المعاصي. وبين ان هؤلاء الحفظة هم شهداء عليكم بهذه الاعمال يوم القيامة.
وقوله " حتى اذا جاء احدكم الموت " يعني وقت الموت " توفته رسلنا " يعني قبضت الملائكة روح المتوفى، وهم رسل الله الذين عنا هم الله بهذه الاية. وقال الحسن: " توفته رسلنا " قال هو ملك الموت وأعوانه وأنهم لايعلمون آجال العبادحتى يأتيهم علم ذلك من قبل الله بقبض أرواح العباد.
---
(1) سورة 6 الانعام آية 34.
(2) سورة 41 حم السجدة آية 14.
(3) سورة 7 الاعراف آية 100 ويونس 10 آية 13 وابراهيم 14 آية 9 الروم 30 آية 9 وسورة 35 فاطر آية 25 والمؤمن 40 آية 83.
(4) سورة 14 ابراهيم آية 10.
(5) سورة 12 يوسف آية 30.
(6) سورة 48 الفتح آية 10.

(4/157)


تفسير التبيان ج4
وقوله: " توفته رسلنا " أي تقبضه، والتوفى هوالقبض على مابيناه. ثم إن هؤلاء الرسل " لايفرطون " أي لايقصرون - في قول الزجاج - ولايغفلون، ولا يتوانون.
وقال الجبائي: لايأخذون روحه قبل أجله ويبادرون إلى ماأمروا به عن غير تقصير، ولاتفريط.
والمعنى في التوفي ان يعلم العباد أنهم يحصون اذا ماتوا فلايرون أنهم يهملون اذا ماتوا وأن احدا منهم لايثبت ذكره ليجزى بعمله. ثم بين ان هؤلاء الذين تتوفاهم رسلنا يردون بعد الوفاة إلى الله فيردهم إلى الموضع الذي لايملك الحكم عليهم فيه الا الله ولايملك نفعهم ولاضرهم سواه فجعل ردهم إلى ذلك الموضع ردا إلى الله، وبين أنه هو " مولاهم الحق " لانه خالقهم ومالكهم، والقاهر عليهم القادر على نفعهم وضرهم، ولايجوز ان يوصف بهذه الصفة سواه، فلذلك كان مولاهم الحق.
وقال البلخي: (الحق) اسم من اسماء الله وهوخفض، لانه نعت لله، ويجوز الرفع على معنى الله مولاهم الحق، ويجوز ان ينصب على معنى يعني مولاهم، والقراء ة بالخفض.
وقوله: " ألا له الحكم " معناه ألا يعلمون أو ألا يقرون ان الحكم يوم القيامة هوله وحده؟، ولا يملك الحكم في ذلك اليوم سواه، كما قد يملك الحكم في الدنيا غيره بتمليك الله اياه.
وقوله: " وهو أسرع الحاسبين " روي أنه تعالى يحاسب عباده على مقدار حلب شاة، وذلك يدل على أنه لايحتاج ان يكلفهم مشقة وآلة على مايقوله المشبهة، لانه لوكان كذلك لايحتاج ان يتطاول زمان محاسبته أو أنه يشغله محاسبته عن محاسبة غيره.
وروي عن أمير المؤمنين (ع) أنه قيل له: كيف يحاسب الله الخلق وهم لايرونه؟ قال: كما يرزقهم ولايرونه والمعنى في الاية أنه تعالى أحصى الحاسبين لما أحصى الملائكة وتوفوا من الانفس لايخفى عليه من ذلك خافية ولايحتاج في عده إلى فكر ونظر.

(4/158)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجينا من هذه لنكونن من الشاكرين(63) قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون(64)
آيتان بلاخلاف.
قرأ يعقوب " قل من ينجيكم " مخففا. الباقون بالتشديد.
وقرأ ابو بكر " وخفية " بكسر الخاء - هاهنا -، وفي الاعراف.
وقرأ اهل الكوفة الا ابن شاهي " أنجانا " على لفظ الاخبار عن الواحد الغائب، وأماله حمزة والكسائي وخلف. الباقون " أنجيتنا " على وجه الخطاب.
وقرأ اهل الكوفة الاالعبسى وهشام وأبوجعفر " قل الله ينجيكم " بالتشديد. الباقون بالتخفيف.
يقال: نجازيد ينجو، قال الشاعر: * نجاسالم والنفس منه لشدقه *(1) فاذا نقلت الفعل حسن ان تنقله بالهمزة فتقول انجيته، ويجوز أن ننقله بتضعيف العين، فتقول نجيته، ومثله فرحته وأفرحته وعرضته وأعرضته، قال الله تعالى " فأنجاه الله من النار "(2) " فأنجيناه والذين معه "(3) وقال " ونجينا الذين "(4) فلما أستوت اللغتان وجاء التنزيل بهما تساوت القراء تان.
ووجه قراء ة من قرأ " لئن أنجانا " أنه حمله على الغيبة كقوله " تدعونه ... لئن أنجانا "، وكذلك مابعده " قل الله ينجيكم " " قل هوالقادر " فهذاكله أسماء غيبة ف (أنجانا) أولى من (انجيتنا) لكونه على ماقبله، وما
---
(1) اللسان " نجا " نسبه إلى الهذلي وروايته:
نجا عامر والنفس منه بشدقه
ولم ينج الاجفن سيف ومئزرا
(2) سورة 29 العنكبوت آية 4.
(3) سورة 7 الاعراف آية 63، 71.
(4) سورة 41 حم السجدة آية 18

(4/159)


تفسير التبيان ج4
بعده من لفظ الغيبة، وموضع (يدعونه) نصب على الحال، وتقديره قل من ينجيكم داعين وقائلين " لئن انجيتنا ".
ومن قرأ من الكوفيين " لئن أنجانا " طلب المشاكلة.
ومن قرأ بالتاء واجه بالخطاب ولم يراع المشاكلة. ويقوي ذلك قوله في أخرى " لئن انجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين. قل الله ينجيكم " فجاء انجيتنا على الخطاب وبعده اسم غيبة. وأما إمالة حمزة والكسائي فحسنة، لان هذا النحو من الفعل اذا كان على أربعة أحرف أستمرت فيه الامالة، لانقلاب الالف ياء في المضارع.
ومن قرأ " خفية " بكسر الخاء، فلان أباعبيدة قال " خفية " تخفون في أنفسكم وخفي غيره خفية، وخفية لغتان، وحكي خفوة وخفوة بالواو، كما قالواحل حبوته وحبيته، ولايقرأ بذلك.
فأما قوله " تضرعا وخيفة " ففعلة من الخوف. وانقلبت الواو، للكسرة.
والمعنى أدعوا خائفين خافيين، قال الشاعر:
فلا تقعدن على زخة
وتضمر في القلب وجدا وخيفا(1)
يريد جمع خيفة.
أمر الله تعالى نبيه ان يخاطب الخلق ويقول لهم على وجه التقريع لمن يعبد الاصنام منهم - " من ينجيكم من ظلمات البر والبحر " ومعناه شدائد البر والبحر، تقول العرب لليوم الذي يلقى فيه الشدة: يوم مظلم حتى أنهم يقولون: يوم ذو كواكب أي قد اشتدت ظلمته حتى صار كالليل، قال الشاعر:
ابني أسد هل تعلمون بلاء نا
اذا كان يوم ذو كواكب أشهب
وقال آخر:
فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي
اذا كان يوم ذو كواكب أشهب(2)
فمعنا ظلمات البر والبحر شدائدهما.
وقوله: " تدعونه.. وخفية " أي مظهرين الضراعة، وهي شدة الفقر إلى الشئ والحاجة و " تدعونه..
---
(1) قائله صخر الغي. اللسان " زخخ ". الزخ والزخة " بتشديد الخاء ": الحقد والغيظ.
(2) اللسان " شهب " أنشده سيبويه.
في المطبوعة " اشنع " بدل (اشهب)

(4/160)


تفسير التبيان ج4
خفيه " أي تدعونه في أنفسكم بما تضمرون من حاجاتكم اليه كما تظهرون.
وقوله " لئن أنجيتنا من هذه " أي في شدة وقعوا فيها، يقولون " لئن أنجيتنا من هذه " لنشكرنك، فأمر الله ان يسألهم على وجه التوبيخ لهم والتقرير بأنه ينجيهم وأنه القادر على نفعهم وضرهم. ثم أعلمهم ان الله الذي أقروا بأنه ينجيهم هو ينجيهم ثم هم يشركون معه الاصنام التي قد علموا أنها من صنعهم وأنها لاتضر ولاتنفع وأنه تعالى على تعذيبهم قادر.
قوله تعالى: قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض أنظر كيف نصرف الايات لعلهم يفقهون(65)
آية بلاخلاف
هذا أمر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله أن يقول لهؤلاء الكفار: ان الله قادر على ان يبعث عليكم عذابا من فوقكم نحو الحجارة التي أمطرها على قوم لوط، والطوفان الذي غرق به قوم نوح " أو من تحت أرجلكم " نحو الخسف الذي نال قارون ومن خسف به " أو يلبسكم شيعا " معنى يلبسكم يخلط أمركم خلط اضطراب، لاخلط اتفاق يقال: لبست عليه الامر ألبسه اذا لم تبينه، وخلطت بعضه ببعض، ومنه قوله " وللبسنا عليهم مايلبسون "(1) ويقال لبست الثوب ألبسه.
ومعنى " شيعا " أي يجعلكم فرقا لا تكونون شيعة واحدة فاذا كنتم مختلفين قاتل بعضكم بعضا وهو معنى قوله " ويذيق بعضكم بأس بعض " وانما يلبسهم الله شيعا بأن يكلهم إلى أنفسهم ولايلطف لهم اللطف الذي يؤمنون عنده ويخليهم من ألطافه بذنوبهم السالفة، فيلبس عند ذلك عليهم أمرهم، فيختلفوا حتى يذوق بعضهم بأس بعض. ثم أكد الاحتجاج عليهم، فقال: " انظر كيف نصرف الايات " لتفقهوا.
---
(1) سورة 6 الانعام آية 9

(4/161)


تفسير التبيان ج4
وقال الحسن: الاية متناولة، لاهل الكتابين في التهديد بالخسف، وانزال العذاب " أو يلبسكم شيعا " يتناول أهل الصلاة.
وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (سألت ربي أن لايظهر على أمتي أهل دين غيرهم فأعطاني، وسألته ألا يهلكم جوعا فأعطاني، وسألته أن لايجمعهم على ضلالة، فأعطاني، وسألته أن لايلبسهم شيعا، فمنعني ذلك). وفي الاية دلالة على أنه تعالى أراد من الكفار الايمان، لانه قال: فعلت هذا بهم " لعلهم يفقهون " ومعناه لكي يفقهوا، لان معنى الشك لايجوز عليه تعالى. واذا ثبت أنها دخلت للغرض ثبت أنه أراد ان يؤمنوا به ويوحدوه، ويفقهوا أدلته ويعرفوها.
وروي عن ابي عبدالله (ع) أنه قال معنى " عذابا من فوقكم " السلطان الجائر " ومن تحت أرجلكم " السفلة، ومن لاخير فيه " أويلبسكم شيعا " قال: " العصبية " ويذيق بعضكم بأس بعض " قال سوء الجوار، ويكون معنى البعث على هذا الوجه التمكين ورفع الحيلولة دون أن يفعل ذلك أو يأمر به، يتعالى الله عن ذلك.
قوله تعالى: وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل(66) لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون(67)
آية في المدنيين والبصري وآيتان في الكوفي، آخر الاولى " بوكيل ".
قوله تعالى " وكذب به قومك " أي بما صرف من الايات التي ذكرها في الاية الاولى - في قول البلخي والجبائي - وقال الازهري: الهاء راجعة إلى القرآن. ثم أخبر تعالى، فقال " وهوالحق " وأمره أن يقول لقومه " لست عليكم بوكيل " أي لم أؤمر بمنعكم من التكذيب بآيات الله وان أحفظكم من ذلك وان أحول بينكم وبينه، لان الوكيل على الشئ هوالقائم بحفظه، والذي يدفع الضرر عنه.

(4/162)


تفسير التبيان ج4
وقال البلخي: هذه نزلت بمكة قبل أن يؤمر بالقتال، ثم امر فيما بعد ذلك. وأمره ان يخبرهم ان " لكل نباء " يخبرهم به " مستقر " وهو وقته الذي يعلمون فيه صحة ماوعدهم به وحقيقته، وذلك عند كون مخبره، اما في الدنيا، واما في الاخرة " وسوف تعلمون " فيه تهديد لهم بكون ماأخبرهم به من العذاب النازل بهم في الدنيا والاخرة، ووقت كون هذا العذاب هو مستقر الخبر.
وقال بعضهم: أنبأه الله بالوقت الذي يظفره فيه بهم.
وقال الزجاج يجوز أن يكون اراد وقت الاذن في محاربتهم حتى يدخلوا في الاسلام أو يقبلوا الجزية ان كانوا أهل كتاب.
وقوله: " وكذب به قومك " المراد به الخصوص، لان في قومه جماعة صدقوا به، وهوكما يقول القائل: هؤلاء عشيرتي، يشير إلى جماعة وان لم يكونوا جميع عشيرته.
قوله تعالى: وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فاعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين(68)
آية بلاخلاف
قرأ ابن عامر " وام ينسينك " بتشديد السين. الباقون بالتخفيف.
خاطب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله بهذه الاية، فقال له " اذا رأيت " هؤلاء الكفار " الذين يخوضون في آياتنا ".
قال الحسن، وسعيد بن جبير: معنى " يخوضون " يكذبون " بآياتنا " وديننا والخوض التخليط في المفاوضة على سبيل العبث واللعب، وترك التفهم واليقين.
ومثله قول القائل: تركت القوم يخوضون، أي ليسوا على سداد، فهم يذهبون ويجيئون من غير تحقيق ولا قصد للواجب - أمره حينئذ ان يعرض عنهم " حتى يخوضوا في حديث غيره " لان من حاج من هذه حاله وأراد التبيين له فقدوضع الشئ في غير موضعه وحط من قدر الدعاء، والبيان والحجاج.

(4/163)


تفسير التبيان ج4
ثم قال له صلى الله عليه وآله ان انساك الشيطان ذلك " فلا تقعد بعد الذكرى " - والذكرى والذكر واحد - " مع القوم الظالمين " يعني هؤلاء الذين يخوضون في ذكر الله وآياته.
ثم رخص للمؤمنين بقوله: " وما على الذين يتقون من حسابهم "(1) بأن يجالسوهم اذاكانوا مظهرين للتكبر عليهم غير خائفين منهم، ولكن ذكرى يذكرونهم أي ينبهونهم ان ذلك يسوء هم " لعلهم يتقون " ثم نسخ ذلك بقوله " وقد نزل عليكم في الكتاب ان اذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها " إلى قوله: " انكم اذا مثلهم "(2) وبهذا قال سعيد بن جبير والسدي وجعفر بن مبشر، واختاره البلخي وقال: في أول الاسلام كان ذلك يخص النبي صلى الله عليه وآله ورخص المؤمنين فيه، ثم لما عز - الاسلام، وكثر المؤمنون نهوا عن مجالستهم ونسخت الاية.
واستدل الجبائي بهذه الاية على انه لايجوز على الائمة المعصومين على مذهبنا التقية. (وقال: لانهم اذاكانوا الحجة كانوا مثل النبي، وكما لايجوز عليه التقية فكذا الامام - على مذهبكم -) ! وهذا ليس بصحيح، لانا لانجوز على الامام التقية فيما لايعرف الا من جهته، كالنبي وانما يجوز التقية عليه فيما يكون عليه دلالة قاطعة موصلة إلى العلم، لان المكلف علته مزاحة في تكليفه، وكذلك يجوز في النبي صلى الله عليه وآله أن لايبين في الحال، لامته مايقوم منه بيان منه أومن الله أو عليه دلالة عقلية، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله لعمرحين سأله عن الكلالة فقال (يكفيك آية الصيف) وأحال آخر في تعرف الوضوء على الاية، فأما مالايعرف الا من جهته، فهو والامام فيه سواء لايجوز فيهما التقية في شئ من الاحكام.
واستدل الجبائي أيضا بالاية على ان الانبياء يجوز عليهم السهو والنسيان قال بخلاف مايقوله الرافضة بزعمهم من أنه لايجوز عليهم شئ من ذلك. وهذا ليس بصحيح أيضا لانا نقول انما لا يجوز عليهم السهو والنسيان فيما يؤدونه عن الله، فأما غير ذلك فانه يجوز أن ينسوه أو يسهو عنه مما لم يؤد ذلك إلى
---
(1) سورة 6 الانعام آية 69.
(2) سورة 4 النساء آية 139

(4/164)


تفسير التبيان ج4
الاخلال بكمال العقل، وكيف لايجوز عليهم ذلك وهم ينامون ويمرضون ويغشى عليهم، والنوم سهو وينسون كثيرا من متصرفاتهم أيضا وماجرى لهم فيما مضى من الزمان ا، والذي ظنه فاسد.
وقال أيضا في الاية دلالة على وجوب انكار المنكر لانه تعالى أمره بالاعراض عنهم على وجه الانكار والازدراء لفعلهم وكل أحد يجب عليه ذلك اقتداء بالنبي.
قوله تعالى: وماعلى الذين يتقون من حسابهم من شئ ولكن ذكرى لعلهم يتقون(69)
آية بلاخلاف.
لهذه الاية تأويلان: أحدهما - قال الجبائي والزجاج واكثر المفسرين ان المراد ليس على المتقين من حساب الكافرين ومايخوض فيه المشركون، ولامن مكروه عاقبته شئ " ولكن ذكرى " أي نهوا عن مجالستهم ليزدادوا تقى وأمروا ان يذكروهم وينبهوهم على خطأهم لكي يتقي المشركون اذا رأوا أعراض هؤلاء المؤمنين عنهم، وتركهم مجالستهم فلا يعودون لذلك.
والثاني - قال البلخي: ليس على المتقين من الحساب يوم القيامة مكروه ولاتبعة ولكنه أعلمهم بأنهم محاسبون وحكم بذلك عليهم لكي يعلموا أن الله يحاسبهم، فيتقوا فعلى الاول الهاء والميم كناية عن الكفار وعلى الثاني عن المؤمنين.
و (ذكرى) يحتمل ان يكون في موضع رفع ونصب، فالنصب على تقدير ذكرهم ذكرى والرفع على وجهين: احدهما - ولكن عليكم ان تذكروهم، كما قال: " ان عليك الا البلاغ "(1) والثاني - على تقدير ولكن الذي يأمرونهم به ذكرى ليتقوا عذاب الله.
---
(1) سورة 42 الشورى آية 48

(4/165)


تفسير التبيان ج4
وقال أبوجعفر (ع): لمانزلت " فلاتقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين " قال المسلمون كيف نصنع ان كان كلما استهزء المشركون بالقرآن قمنا وتركناهم فلاندخل اذا المسجد الحرام ولانطوف بالبيت الحرام، فأنزل الله تعالى " وما على الذين يتقون من حسابهم من شئ " وامرهم بتذكيرهم وتبصيرهم ما أستطاعوا.
قوله تعالى: وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحيوة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لايؤخذ منها اولئك الذين أبسلوا بماكسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بماكانوا يكفرون(70)
آية عند الجميع.
معنى قوله " ذر " دع يقال: وذر يذر مثل ودع يدع، فاذا أمرت منه قلت: ذركما قال " ذرهم يأكلوا ".
وقوله " الذين أتخذوا دينهم لعبا ولهوا " يعني هؤلاء الكفار الذين وصفهم انهم أتخذوادين الله لعبا ولهوا، لانه لامعنى لمحاجة من كانت هذه سبيله، لانه لاعب عابث، لايصغي لما يقال له، فالمكلم له والمحتج عليه غير منتفع ولانافع. وقد قطع الله عذر هؤلاء الذين يذهبون مذهب اللعب بما أدركوه بعقولهم، وماشاهدوه من آياته " وغرتهم الحياة الدنيا ". ثم امر نبيه صلى الله عليه وآله ان يذكر به، يعني القرآن. وقيل الحساب، لكي لاتبسل نفس بماكسبت أي تدفع إلى الهلكة على وجه الغفلة وتسلم لعملها غير قادرة على

(4/166)


تفسير التبيان ج4
التخلص، قال الشاعر في الغريب المضيف:
وابسالي بني بغير جرم
بعوناه ولابدم مراق(1)
أي اسلامي اياهم.
بعوناه اجترمناه، والبعو الجناية.
وقيل: معنى تبسل ترهن ويسلم لعمله.
قال الاخفش: معنى " تبسل " تجازى من ابسل ابسالا، ومنه قوله " اولئك الذين أبسلوا "(2) قال الكسائي: " تبسل تجزى يعني في الكلام.
وقال الفراء: معناه يسلم ويقال اعط الراقي بسلته أي أجرته على رقيته.
ويقال أسد باسل، معناه ان معه من الاقدام مايستبسل له قرنه، ويقال هذا بسل أي حرام، وهو بسل أي حلال. وهذا من الاضداد. " شراب من حميم " قال الضحاك الحميم هوالماء الذي احمي حتى انتهى غليانه.
وقوله: " وان تعدل كل عدل " قال بعضهم ان يفد كل فدية يريد ان يجعلها عدلا لها من قوله " لايقبل منها عدل "(3) وقال غيره معناه وان تقسط كل قسط لايقبل منها في ذلك اليوم لان التوبة انماهي في الحياة الدنيا. ثم أخبر تعالى انه ليس لهؤلاء الكفار " ولي ولاشفيع " أي لاناصرلهم، ولامن يسأل فيهم واخبر أيضا أن هؤلاء في قوله " اولئك الذين أبسلوا " هم الذين يجازون بماكسبوا وان لهم شرابا من حميم وعقابا أليما بما كانوا يكفرون، نعوذ بالله منها. وقيل: مامن أمة الا ولهم عيد يلعبون فيه ويلهون، الاأمة محمدفان أعيادهم صلاة وتكبير ودعاء وعبادة.
---
(1) تفسير الطبري 11 / 445 ومجاز القرآن 1 / 149 واللسان " بعمل ".
(2) سورة 6 الانعام آية 70.
(3) سورة 2 البقرة آية 123

(4/167)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: قل أندعوا من دون الله مالا ينفعنا ولايضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الارض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين(71)
آية بلاخلاف.
قرأ حمزة " استهواه الشياطين " بألف ممالة، الباقون بالتاء المعجمة من فوق قال ابوعبيدة " كالذي استهوته الشياطين " أي استمالت به، ذهبت به، ومنه " فأزلهما الشيطان عنها "(1) وكذلك هوى وأهوى غيره، قال تعالى: " والمؤتفكة أهوى "(2) يقال أهويته واستهويته، كماقال " فأزلهما الشيطان " و " انما استزلهما الشيطان "(3)، فكما أن ازله بمعنى استزله كذلك استهواه بمنزلة أهواه، وكما أن معنى استجابه أجابه في قول الشاعر: فلم يستجبه عند ذاك مجيب(4) وقرأ حمزة هاهنا مثل قراء ته " توفاه " وكلا المذهبين حسن.
وقوله: " استهواه " انما هو من قولهم: هوى من حالق اذا تردى منه. ويشبه به الذي زل عن الطريق المستقيم، كما أن زل انما هو من العباد، والمكان أمر الله نبيه صلى الله عليه وآله والمؤمنين أن يقولوا لهؤلاء الذين يدعونهم إلى عبادة الاوثان والاصنام " أندعوا من دون الله مالا ينفعنا " ان عبدناه، ولايضرنا ان تركنا عبادته " ونرد على أعقابنا " بعد الهدى والرشاد وبعد معرفتنا بالله وتصديق رسله إلى الضلال، وذلك مثل يقال فيمن رجع عن خير إلى شر: رجع على عقبيه، وكذلك اذا خاب من مطلبه، يقال رد على عقبيه، ويصير في الحيرة " كالذي استهوته الشياطين في الارض حيران " لايهتدي إلى طريق، ولامعرفة " له أصحاب يدعونه " إلى الطريق الواضح وهوالهدى ويقولون له " ائتنا " ولايقبل منهم، ولايصير اليهم غير انه لذهاب عقله من فعل الله، فيستولي الشيطان حينئذ عليه، ولايقبل من أحد لحيرته.
---
(1) سورة 2 البقرة آية 36.
(2) سورة 53 النجم آية 53.
(3) سورة 3 آل عمران آية 155.
(4) انظر / 131.

(4/168)


تفسير التبيان ج4
شبه الله به الكافر الذي يرجع عن ايمانه وهداه إلى الضلال. قال ولايقدر أحد من الشياطين على اذهاب عقل أحد، لانهم لو قدروا على ذلك لسلبوا عقول العلماء من حيث انهم أعداؤهم، فلما لم يقدروا على ذلك دل على أنه لايقدر على ذلك الا الله.
ثم أمره الله أن يقول لهؤلاء الكفار " ان هدى الله هوالهدى " أي دلالة الله لنا على توحيده وأمر دينه هو الهدى الذي يؤدي المستدل به إلى الفلاح والرشاد في دينه وهوالذي يجب أن يعمل عليه ويستدل به دون مايدل عليه غيره من سوى أمور الدين.
وقوله " وأمرنا لنسلم لرب العالمين " معناه أمرنا أن نسلم امورنا لله رب العالمين وان نفوضها اليه ونتوكل عليه لاعلى غيره مما يعبده المشركون. و " حيران " نصب الحال، وتقديره كالذي استهونه الشياطين في حال حيرته.
وقوله " له أصحاب يدعونه إلى الهدى " قيل: نزلت في عبدالرحمن ابن أبي بكر، كان أبواه يدعوانه إلى الايمان ويقولان له " ائتنا "، أي تابعنا في ايماننا " وأمرنا لنسلم لرب العالمين " تقول العرب: أمرتك ان تفعل وأمرتك لتفعل وأمرتك بأن تفعل، فمن قال: أمرتك بأن تفعل، فالباء للالصاق. والمعنى وقع الامر بهذا الفعل.
ومن قال أمرتك أن تفعل حذف الباء، ومن قال أمرتك لتفعل المعنى أمرنا للاسلام.
قال الزجاج: يكون اللام لام التعليل والتقدير أمرنا كي نسلم قال الشاعر:
أريد لانسى ذكرها فكأنما
تمثل لي ليلى بكل سبيل(1)
أي كي أنسى.
وقال الطبري: معناه وأمرنا لنخضع له بالذلة والطاعة ونخلص ذلك له دون ماسواه من الانداد والالهة.
قوله تعالى: وأن أقيموا الصلوة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون(72)
آية بلاخلاف.
---
(1) مر هذا البيت في 3 / 174 وهو في مجمع البيان 2 / 319

(4/169)


تفسير التبيان ج4
تحتمل هذه الاية وجهين: احدهما - أن يكون التقدير أمرنا لان نسلم، ولان نقيم الصلاة. والثاني - ان يكون محمولا على المعنى، لان معناه أمرنا بالاسلام، واقامة الصلاة، وموضع (أن) نصب، لان الباء لما أسقطت أفضى الفعل، فنصب. ويحتمل أن يكون محمولا على قوله " يدعونه إلى الهدى ائتنا " وان " أقيموا الصلاة " أي ويدعونه أن أقيموا الصلاة. وهذه الاية موصولة بالتي قبلها أي " أمرنا لنسلم لرب العالمين " وقيل لنا " أقيموا الصلاة واتقوه " اي اتقوا رب العالمين بأن تجتنبوا معاصيه وتتقوا عقابه. ثم بين أنه " هوالذي اليه تحشرون " أن تجمعون اليه يوم القيامة فيجازي كل عامل منكم بعمله، وتوفى كل نفس بماكسبت.
قوله تعالى: وهو الذي خلق السموات والارض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة وهوالحكيم الخبير(73)
آيتان في البصري والمدنيين وآية في الكوفي.
أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يقول لهؤلاء الكفار الذين يعبدون الاصنام، ويدعون المؤمنين إلى عبادتها " وامرنا لنسلم لرب العالمين " الذي خلق السماوات والارض بالحق، وفي معنى بالحق قولان: احدهما - قال الحسن والبلخي والجبائي والزجاج والطبري: ان معناه خلقهما للحق لا للباطل. ومعناه خلقهما حقا وصوابا لاباطلا وخطأ، كما قال تعالى: " وماخلقنا السماء والارض ومابينهما باطلا "(1) وادخلت الباء
---
(1) سورة 38 ص آية 27

(4/170)


تفسير التبيان ج4
والالف واللام كماأدخلت في نظائرها يقولون: فلان يقول بالحق، بمعنى أنه يقول الحق، لا أن الحق معنى غير القول بل التقدير ان خلق الله السماوات والارض حكمة وصواب من حكم الله، وهو موصوف بالحكمة في خلقهما وخلق ماسواهما من جميع خلقه لاأن هناك حقا سوى خلقهما خلقهمابه، وذلك يدل على بطلان ما يقوله المجبرة: ان هذا كله باطل وسفه، ومايخالف الحكمة هومن فعل الله، تعالى الله عن ذلك.
والثاني - قال قوم: معنى ذلك أنه خلق السماوات والارض بكلامه، وهوقوله " ائتيا طوعا أو كرها "(1) قالوا: فالحق هوكلامه واستشهدوا على ذلك بقوله " ويوم يقول كن فيكون قوله الحق "(2) أن الحق هوقوله وكلامه. قالوا والله خالق الاشياء بكلامه، وذلك يوجب أن يكون كلامه قديما غير مخلوق، وقدبينا فساد هذا الوجه فيما تقدم، والمعتمد الاول.
وقوله " ويوم يقول كن فيكون " نصب (يوم) على وجوه: احدها - على معنى واتقوا " يوم يقول كن فيكون " نسقا على الهاء كماقال: " واتقوا يوما لاتجزي نفس عن نفس شيئا "(3).
والثاني - أن يكون على معنى واذكر يوم يقول كن فيكون لان بعده " واذ قال ابراهيم " والمعنى واذكر " يوم يقول كن فيكون " واذكر " اذقال ابراهيم " وهوالذي اختاره الزجاج.
والثالث - أن يكون معطوفا على " السماوات والارض بالحق " وخلق " يوم يقول كن فيكون ".
فان قيل: ان يوم القيامة لم يخلق بعد؟ قيل: ما أخبر الله بكونه فحقيقة واقع له محالة وقال قول: التمام عند قوله " كن " وقوله " فيكون قوله الحق " ابتداء أي ماوعدوا به من الثواب وحذروا به من العقاب كائن حق قوله بذلك.
---
(1) سورة 41 حم السجدة آية 11.
(2) سورة 6 الانعام آية 73.
(3) سورة 2 البقرة آية 48

(4/171)


تفسير التبيان ج4
وقوله " كن فيكون " قال قوم هو خطاب للصور. والمعنى ويوم يقول للصور كن فيكون. وقد بينا فيما مضى أن ذلك عبارة عن سرعة الفعل وتيسيره وانه لايتعذر عليه شئ بمنزلة أن يقول كن فيكون، لاأن هناك أمر على الحقيقة وكيف يكون هناك أمر والامر لايتوجه الاالى الحي القادر؟ ! والمعدومات والجمادات لايحسن أمرها ولاخطابها.
والغرض بالاية الدلالة على سرعة أمر البعث والساعة، كأنه قال ويوم يقول للخلق: موتوا فيموتون وانتشروا فينتشرون اي لايتعذور عليه ولايتأخر عن وقت ارادته. وقيل " يوم يقول كن فيكون قوله الحق " أي يأمر فيقع امره. والحق من صفة قوله. كمايقول القائل قد قلت، فكان قولك.
والمعنى ليس انك قلت فكان الكلام. وانما المعنى انه كان مادل عليه القول. وعلى القول الاول يرفع (قوله) بالابتداء و (الحق) خبر الابتداء. وحكي عن قوم من السلف " فيكون " بالنصب باضمار (ان). وتقديره كن فأن يكون، وهذا ضعيف.
وقوله " وله الملك يوم ينفخ في الصور " يحتمل نصب " يوم ينفخ " ثلاثة أوجه: احدها - ان يكون متعلقا ب (له الملك) والتقدير له الملك يوم ينفخ في الصور وانما خص ذلك اليوم بأن الملك له كما خصه في قوله " لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ". وقرأ بعضهم " ينفخ " بفتح الياء. و " عالم الغيب والشهادة " فاعل (ينفخ) وهوشاذ، روي عن ابن عباس ذلك، والوجه أنه لايبقى ملك من ملكه الله في الدنيا او يغلب عليه بل ينفرد هوتعالى بالملك.
والثاني - ان يكون يوم ينفخ بيانا على قوله " يوم يقول كن فيكون " الثالث - ان يكون منصوبا ب (قوله الحق). والمعنى وقوله الحق يوم ينفخ، الصور. والوجه في اختصاص ذلك اليوم بالذكر مابيناه في الوجه الاول، لان قوله حق في جميع الاوقات.
وفي معنى الصور قولان: احدهما - ماعليه اكثر المفسرين من انه اسم لقرن ينفخ فيه الملك

(4/172)


تفسير التبيان ج4
فيكون منه الصوت الذي يصعق له اهل السماوات واهل الارض، ثم ينفخ فيه نفخة أخرى للنشور، وهوالذي اختاره البلخي والجبائي والزجاج والطبري واكثر المفسرين. والثاني - أنه جمع صورة مثل قولهم سورة وسور اختاره ابوعبيدة. وقرأ بعضهم في الشواذ في الصور بفتح الواو وذلك يقوى ماقاله ابو عبيدة، ويكون تقديره يوم ينفخ في الاموات. ويقوي الاول قوله تعالى " ونفخ في الصور فصعق من في السماوات " ثم قال " ثم نفخ فيه اخرى "(1) ولم يقل فيها أخرى او فيهن وذلك يدل على انه واحد.
وروى ابوسعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كيف انعم وقد التقم صاحب القرن وحنا جنبيه وأصغا سمعه ينتظر ان يؤمر، فينفخ؟ ! قالوا: فكيف نقول يارسول الله؟ قال قالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. والعرب تقول نفخ الصور ونفخ في الصور، قال الشاعر:
لولا ابن جعدة لم يفتح فهندركم
ولاخراسان حتى ينفخ الصور(1)
وروي عن ابن عباس ان الصور يعني به النفخة الاولى. ثم بين انه عالم الغيب والشهادة اي مايشاهده الخلق وما لا يشاهدونه وما يعلمونه ومالا يعلمونه، ولايخفى عليه شئ من ذلك. وبين انه الحكيم في أفعاله الخبير العالم بعباده وبأفعالهم، ورفع عالم الغيب لانه نعت للذي في قوله " وهو الذي خلق السماوات والارض بالحق عالم الغيب والشهادة " ويحتمل ان يكون اسم مالم يسم فاعله كمايقولون اكل طعامك عبدالله، فيظهر اسم فاعل الاكل بعدان قد جرى الخبر بمالم يسم فاعله، والاول أجود، فأما من فتح الياء في ينفخ فانه جعل عالم الغيب فاعله مرتفعا به.
---
(1) سورة 39 الزمر آية 68.

(4/173)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: وإذ قال إبرهيم لابيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أريك وقومك في ضلال مبين(74)
آية بلاخلاف.
قرأ اكثر القراء (آزر) بنصب الراء.
وقرأ ابوبريد المدني والحسن البصري ويعقوب بالضم.
فمن قرأ بالنصب جعل (آزر) في موضع خفض بدلا من أبيه.
ومن قرأ بالضم جعله منادى مفردا وتقديره ياآزر.
وقال الزجاج: لاخلاف بين اهل النسب ان اسم ابي ابراهيم تارخ والذي في القرآن يدل على ان اسمه (آزر) وقيل (آزر) ذم في لغتهم كأنه قال: واذ قال ابراهيم لابيه يامخطئ اتتخذ أصناما فعلى هذا قال الزجاج الاختيار الرفع. قال: ويجوز أن يكون وصفا له كأنه قال واذقال ابراهيم لابيه المخطئ.
قال الزجاج: وقيل (آزر) اسم صنم، فموضعه نصب على اضمار الفعل، كأنه قال: واذ قال ابراهيم لابيه أتتخذ آزر، وجعل (أصناما) بدلا من آزر واشباهه. فقال بعد أن قال اتتخذ آزر الها اتتخذ اصناما آلهة. والذي قاله الزجاج يقوي ماقاله أصحابنا، ان آزر كان جده لامه أو كان عمه، لان أباه كان مؤمنا من حيث ثبت عندهم أن آباء النبي صلى الله عليه وآله إلى آدم كلهم كانوا موحدين لم يكن فيهم كافر، وحجتهم في ذلك اجماع الفرقة المحقة، وقدثبت أن اجماعها حجة لدخول المعصوم فيها، ولاخلاف بينهم في هذه المسألة.
وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: نقلني الله من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات لم يدنسني بدنس الجاهلية، وهذا خبر لاخلاف في صحته، فبين النبي صلى الله عليه وآله أن الله نقله من أصلاب الطاهرين فلو كان فيهم كافر لماجاز وصفهم بأنهم طاهرون، لان الله وصف المشركين بأنهم أنجاس، فقال " انما المشركون نجس "(1) ولهم في ذلك أدلة لانطول بذكرها الكتاب لئلا يخرج عن الغرض.
واختلفوا في معنى (آزر) هل هو اسم أو صفة، فقال السدي ومحمد
---
(1) سورة 9 التوبة آية 29.

(4/174)


تفسير التبيان ج4
ابن اسحاق وسعيدبن عبدالعزيز والجبائي والبلخي: انه اسم أبي ابراهيم، وهوتارخ كما قيل ليعقوب: اسرائيل، قالوا: ويجوز ان يكون لقبا غلب عليه.
وقال مجاهد: ليس آزر أبا ابراهيم وانما هو اسم صنم.
وقال قوم هو سب وعبث بكلامهم، ومعناه معوج. و (اذ) في الاية متعلقة بقوله واذكر " اذقال ابراهيم لابيه آزر اتتخذ أصناما آلهة " والالف الف انكار لااستفهام وان كان قد خرج مخرج الاستفهام.
وقوله " اني أراك في ضلال مبين " يعني في ضلال عن الصواب وقوله " مبين " يدل على انه قال ذلك منكرا، والمبين هوالبين الظاهر، والغرض بالاية حث النبي صلى الله عليه وآله على محاجة قومه الذين يدعونه إلى عبادة الاصنام والازدراء على فعلهم والاقتداء في ذلك بأبيه ابراهيم صلى الله عليه وآله وصبره على محاجة قومه العابدين للاصنام ليتسلى بذلك ويقوي دواعيه إلى ذلك. والاصنام جمع صنم وهو مثال من حجر او خشب اومن غير ذلك في صورة انسان وهو الوثن. وقد يقال للصورة المصورة على صورة الانسان في الحائط وغيره صنم ووثن.
قوله تعالى: وكذلك نري إبرهيم ملكوت السموات والارض وليكون من الموقنين(75)
آية بلاخلاف.
معنى قوله " وكذلك نري ابراهيم ملكوت " أي مثل ماوصفنا من قصة ابراهيم من قوله لابيه ماقال نريه " ملكوت السماوات " أي اناكما أريناه أن قومه في عبادة الاصنام ضالون كذلك نريه ملكوت السماوات والارض وقيل في معنى الملكوت أقوال: قال الزجاج، والفراء والبلخي والجبائي والطبري وهوقول عكرمة: ان الملكوت بمنزلة الملك غير أن هذه اللفظة ابلغ من الملك، لان الواو والتاء يزادان للمبالغة. ومثل الملكوت الرغبوت

(4/175)


تفسير التبيان ج4
والرهبوت ووزنه (فعلوت) وفى المثل (رهبوت خير من رغبوت) * ومن روى (رهبوتي خير من رحموتي) معناه أن يكون له هيبة يرهب بها خيرمن أن يرحم.
وقال مجاهد (ملكوت السماوات والارض) ملكهما بالنبطية.
وقال الضحاك: يعني خلقهما، وبه قال ابن عباس، وقتادة.
وروي عن مجاهد أيضا أن معناه آيات السماوات والارض.
وروي عن مجاهد وابن عباس أيضا أنه أراد بذلك ماأخبر الله عنه أنه أراه من النجوم والشمس والقمر، حين خرج من المغارة، وبه قال القتادة.
وقال الجبائي: المعنى اناكنا نري ابراهيم ملكوت السماوات والارض والحوادث الدالة على أن الله مالك لها، ولكل شئ بنفسه، لايملكه سواه، فأجرى الملكوت على المملوك الذي هو في السماوات والارض مجازا.
وقوله " وليكون من الموقنين " أي اريناه ملكوت السماوات ليستدل به على الله وليكون من الموقنين أن الله هوخالق ذلك والمالك له.
والموقن هوالعالم الذي يتيقن الشئ بعدأن لم يكن مثبتا، ولهذا لايوصف تعالى بأنه متيقن كمايوصف بأنه عالم، لانه تعالى عالم بها فيمالم يزل،.
وقال أبو جعفر (ع): كشط الله له السموات والارض حتى رآهن وماعليهن من الملائكة وحملة العرش، وذلك قوله: " وكذلك نري ابراهيم ملكوت السماوات والارض ".
فان قيل كيف يجوز أن يرى ماتحت الارضين والارض حجاب لماتحتها وكذلك السماء فوقها؟ قلنا: لايمتنع أن يجعل الله تعالى منها خروقا ومنافذ ويقوي شعاعه حتى ينفذ فيهافيرى مافوقها وماتحتها ولايمنع من ذلك مانع، ومثل هذا روي عن مجاهد والسدي وسعيدبن جبير وسلمان.

(4/176)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لاأحب الافلين(76) فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لاكونن من القوم الضالين(77) فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال ياقوم إني برئ مما تشركون(78) إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض حنيفا وما أنا من المشركين(79)
أربع آيات بلاخلاف.
قرأ ابن ذكوان، وحمزة والكسائي وخلف، ويحيى والكسائي عن أبي بكر (رأى) بكسر الراء وامالة والهمزة منه ومن قوله " رأى أيديهم "(1) في هود، و " رآى قمصه " و " رأى برهان ربه " في يوسف(2) و " رأى نارا " في طه(3) و " لقد رأى " في النجم(4) سبعة مواضع. وهومالم يقله ساكن ولم يتصل بمكنى، وافقهم العليمي في " رأى كوكبا " حسب.
وقرأ ابوعمرو - بفتح الراء - وإمالة الهمزة فيهن. الباقون بفتح الراء والهمزة.
فأن لقي (رأى) ساكنا، وهوستة مواضع هاهنا: " رأى القمر " و " رأى الشمس " وفي النحل " واذا رأى الذين اشركوا "(5) وفي الكهف " ورأى المجرمون "(6) وفى الاحزاب " ولمارأى المؤمنون "(7) بكسر الراء وكسر الهمزة فيهن حمزة وخلف وبصير وابوبكر الا الاعشى. البرجمي. الباقون بفتح الراء والهمزة فان اتصل رأى بمكنى نحو (رآه ورآك ورآها) فكسر
---
(1) سورة 11 هود آية 70.
(2) آية 24 وآية 28.
(3) آية 10.
(4) آية 18.
(5) آية 85، 86.
(6) آية 54.
(7) آية 22.

(4/177)


تفسير التبيان ج4
الراء وامال الهمزة حيث وقع حمزة والكسائى وخلف ويحيى والكسائي عن أبي بكر.
وقرأ ابوعمرو والداحوني عن ابن ذكوان - بفتح الراء وامالة الهمزة - الباقون بفتحهما.
قال ابوعلي الفارسي: وجه قراء ة من لم يملها انه ترك الامالة كما تركوا الامالة في قولهم: دعا، ورمى. فلما لم يمل الالف لم يمل الالف التي قبلها، كماأمالها من يرى الامالة ليميل الالف نحو الياء. ومن قرأ بين الفتح والكسر كما قرأ نافع، فلا يخلو أن يريد الفتحتين اللتين على الراء والهمزة، او الفتحة التي على الهمزة وحدها، فان كان يريد فتحة الهمزة فانما أمالها نحو الكسرة ليميل الالف التي في " رأى " نحو الياء كما أمال الفتة التي عدل الدال من (هدى) والميم من (رمى).
وان كان يريد أنه أمال الفتحتين جميعا التي على الراء والتي على الهمزة، فإمالة فتحة الهمزة على ماتقدم ذكره، واما امالة الفتحة التي على الراء فانما أمالها لاتباعه اياها امالة فتحة الهمزة، كأنه امال الفتحة كما أمال الالف في قولك: رأيت عمادا، اذ الفتحة الممالة بمنزلة الكسرة فكما أميلت الفتحة في قولك: من عامر، لكسرة الراء كذلك أميلت فتحة الراء من (رأى) لامالة الفتحة التي على الهمزة. والتقديم والتأخير في ذلك سواء.
ومن كسر الراء والهمزة فالوجه فيه أنه كسر الراء من (رأى) لان المضارع منه على (يفعل) واذا كان المضارع منه على (يفعل) كان الماضى على (فعل) ألا ترى ان المضارع في الامر العام اذا كان على (يفعل) كان الماضى على فعل. وعلى هذا قالوا: إيت بيتنا، فكسروا حرف المضارعة. كما كسروا في نحو يحيى، ويعلم، ويفهم. وكسروا الياء أيضا في هذه الحروف، فقالوا: إيتنا، ولم يكسروها في (يعلم ويفهم) اذا كان الماضى على فعل فيما يترك كسر الراء التي هي فاء، لان العين همزة.
وحروف الحلق اذا جاء ت في كلمة على زنة (فعل) كسرت فيها الفاء لكسر العين في الاسم والفعل، نحو قولهم: غير قعر،

(4/178)


تفسير التبيان ج4
ورجل حبر، وفحل، وفي الفعل نحو (شهد ولعب ونعم) فكسرة الياء على هذا كسرة مخلصة محضة، وليست بفتحة ممالة، واما كسرة الهمزة فأنه يراد به امالة فتحتها إلى الكسرة، لتميل الالف نحو الياء. ومن ترك الامالة اذا لقيها ساكن، فانهم كانوا يميلون الفتحة لميل الالف نحو الياء، فلما سقطت الالف بطلت امالتها بسقوطها، وبطلت بذلك امالة الفتحة نحو الكسرة لسقوط الالف التي كانت الفتحة الممالة لميلها نحو الياء في مثل (رأى الشمس) و (رأى القمر) ونحوهما في جميع القرآن. ومن وافق في بعض ذلك دون بعض أحب الاخذ باللبس.
ووجه قراء ة أبي بكر وحمزة في (رأى الشمس) ورأى القمر) بكسر الراء وفتح الهمزة في جميع القرآن، أن كسر الراء انما هو للتنزيل الذي ذكرناه، وهومعنى منفصل من إمالة فتحة الهمزة، ألا ترى انه يجوز ان يعمل هذا المعنى من لايرى الامالة كما يجوز ان يعمله من يراها. واذا كان كذلك كان انفصال أحدهما من الاخر سائغا غير ممتنع.
فأما رواية يحيى عن أبي بكر - بكسر الراء والهمزة معا - فانما يريد بكسرة الهمزة إمالة فتحتها، فوجه كسر الراء قد ذكروا امالة فتحها مع زوال ماكان يوجب امالتها من حذف الالف، فلان الالف محذوفة لالتقاء الساكنين. وما يحذف لالتقاء الساكنين ينزل تنزيل المثبت.
ألا ترى انهم أنشدوا: ولاذاكر الله الاقليلا(1) فنصب الاسم بعد (ذاكر) وان كانت النون محذوفة لما كان الخذف لالتقاء الساكنين. والحذف لذلك في تقدير الاثبات، من حيث كان التقاؤهما غير لازم ولذلك لم تزد الالف في نحو (رمت المرأة) ويشهد لذلك أنهم قالوا: شهد، فكسروا الفاء لكسر العين، ثم أسكنوا فقالوا - شهد، فأبقوا الكسرة في الفاء مع زوال ماكان أصلها وانشد قول الاخطل:
---
(1) مرتخريجه في 2 / 72

(4/179)


تفسير التبيان ج4
اذا غاب عنا غاب عنا فرأتنا
وان شهد أجدى فضله وجداوله(1)
وقالوا: صعق، ثم نسبوا اليه فقالوا: صعقي، فأقروا كسرة الفاء مع زوال كسرة العين التي لها كسرت الفاء. وزعم ابوالحسن ان ذلك لغة مع مافيه من وجوه التلبيس وأنها قراء ة.
يقال: جن عليه الليل، وجنه الليل، وأجنه، وأجن عليه، ومع حذف " على " فأجنه بالالف أفصح من جنه الليل. وكل ذلك مسموع، فلغة أسد جنه الليل، ولغة تميم أجنه، والمصدر من جن عليه جنا وجنونا وجنانا وأجن إجنانا.
ويقال: أتانا فلان في جن الليل. والجن مشتق من ذلك، لانهم استجنوا عن أعين الناس، فلا يرون، وكلما توارى عن أبصار الناس، فان العرب تقول: قد جن.
ومنه قول الهذلي:
وماء وردت قبيل الكرى
وقدجنه السدف الادهم(2)
وقال عبيد:
وخرق تصيح الهام فيه مع الصدى
مخوف اذا ماجنه الليل مرهوب(3)
وتقول: اجننت الميت اذا واريته في اللحد وجننته وهو مثل جنون الليل في معنى غطيته وسمي الترس مجنا لانه يجن اي يغطي، وقال الشاعر:
فلما أجن الليل بتنا كأننا
على كثرة الاعداء محترسان
قوله " فلما جن عليه الليل " أي أظلم.
وقوله " فلما أفل " معناه غاب يقال: أفل يأفل أفولا، وتقول اين أفلت عنا، واين غبت عنا، قال ذو الرمة:
مصابيح ليست باللواتي تقودها
نجوم ولا بالافات الد والك (4)
---
(1) ديوانه 64.
(2) هكذا في المطبوعة والمخطوطتين وتفسير الطبري 11 / 479 وروي " وماء وردت على خيفة " و " على جفنه " و " قبل الصباح ".
ديوان الهذليين 3: 56 واللسان " سدف " " جنن ".
(3) ديوانه 38 والطبري 11 / 479.
(4) ديوانه: 245 ومجاز القرآن 1 / 199 واللسان والتاج " دلك "
والطبري 11: 485 والازمنة 49 وكتاب القرطين 1: 26. ويصف الابل بأنها مصابيح اي تصبح في مبركها فلا تقف في الطريق.

(4/180)


تفسير التبيان ج4
وقوله " رأى القمر بازغا " أي طالعا، يقال: بزغت الشمس بزوغا اذا طلعت، وكذلك القمر، وقوله للشمس " هذا ربي " وهي مؤنثة معناه هذا الشئ الطالع ربي او على أنه حين ظهرت الشمس وقد كانوا يذكرون الرب في كلامهم، فقال لهم هذا ربي؟ ! وقيل في معنى هذه الاية وجوه أربعة:
الوجه الاول - ماقاله الجبائي: ان ماحكى الله عن ابراهيم في هذه الاية كان قبل بلوغه، وقبل كمال عقله ولزوم التكليف له، غير انه لمقاربته كمال العقل خطرت له الخواطر وحركته الشبهات والدواعي على الفكر فيما يشاهده من هذه الحوادث، فلما رأى الكوكب - وقيل: انه الزهرة - وبان نوره مع تنبيهه بالخواطر على الفكر فيه وفي غيره ظن انه ربه، وأنه هو المحدث لما شاهده من الاجسام وغيرها " فلما أقل قال لا أحب الافلين " لانه صار منتقلا من حال إلى حال وذلك مناف لصفات القديم " فلما رأى القمر بازغا " عند طلوعه رأى كبره واشراق ما انبسط من نوره في الدنيا " قال هذا ربي " فلما راعاه وجده يزول ويأفل، فصار عنده بحكم الكوكب الذي لايجوز ان يكون بصفة الاله، لتغيره وانتقاله من حال إلى حال، " فلما رأى الشمس بازغة " أي طالعة قد ملات الدنيا نورا ورأى عظمها وكبرها " قال هذا ربي هذا أكبرفلما أفلت " وزالت وغابت، فكانت شبيهة بالكوكب والقمر قال حينئذ لقومه " اني برئ مما تشركون " فلما أكمل الله عقله ضبط بفكره النظر في حدوث الاجسام بأن وجودها غير منفكة من المعاني المحدثة، وأنه لابدلها من محدث، قال حينئذ لقومه " اني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والارض.. " إلى آخرها.
والوجه الثاني - ماقاله البلخي وغيره: من أن هذا القول كان من ابراهيم في زمان مهلة النظر، لان مهلة النظر مدة، الله العالم بمقدارها، وهي اكثر من ساعة.

(4/181)


تفسير التبيان ج4
وقال البلخي: وأقل من شهر، ولايدري مابينهما الا الله، فلما أكمل الله عقله وخطر بباله مايوجب عليه النظر وحركته الدواعي على الفكر والتأمل له. قال ماحكاه الله، لان ابراهيم (ع) لم يخلق عارفا بالله، وانما اكتسب المعرفة لما أكمل الله عقله، وخوفه من ترك النظر بالخواطر، فلما رأى الكوكب - وقيل هو الزهرة - رأى عظمها واشراقها وماهي عليه من عجيب الخلق، وكان قومه يعبدون الكواكب، ويزعمون أنها آلهة - قال هذا ربي؟ ! على سبيل الفكر والتأمل لذلك، فلما غابت وأفلت، وعلم ان الافول لا يجوز على الله علم انها محدثة متغيرة لتنقلها، وكذلك كانت حاله في رؤية القمر والشمس، وأنه لما رأى افولهما قطع على حدوثهما واستحالة إلهيتهما، وقال في آخر كلامه " اني برئ مما تشركون اني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والارض حنيفا وماأنا من المشركين " وكان هذا القول منه عقيب معرفته بالله وعلمه بأن صفات المحدثين لاتجوز عليه.
فان قيل: كيف يجوز ان يقول: هذا ربي مخبرا، وهويجوز أن يكون مخبره لاعلى مااخبر، لانه غير عالم بذلك، وذلك قبيح في العقول، ومع كمال عقله لابد أن يلزمه التحرز من الكذب؟ ! قلنا عن ذلك جوابان: احدهما - انه قال ذلك فارضا مقدرا، لامخبرا بل على سبيل الفكر والتأمل، كما يقول الواحد منا لغيره اذاكان ناظرا في شئ ومحتملا بين كونه على إحدى صفتين: انا نفرضه على احداهما لننظر فيما يؤدي ذلك الفرض اليه من صحة او فساد، ولايكون بذلك مخبرا، ولهذا يصح من احدنا اذا نظر في حدوث الاجسام وقدمها ان يفرض كونها قديمة ليتبين مايؤدي اليه ذلك الفرض من الفساد. والثاني - انه اخبر عن ظنه وقد يجوز ان يكون المفكر المتأمل ظانا في حال نظره وفكره مالا اصل له ثم يرجع عنه بالادلة والعلم ولايكون ذلك منه قبيحا.

(4/182)


تفسير التبيان ج4
فان قيل: ظاهر الايات يدل على ان ابراهيم ماكان رأى هذه الكواكب قبل ذلك، لان تعجبه منها تعجب من لم يكن رآها، فكيف يجوز ان يكون إلى مدة كمال عقله لم يشاهد السماء ومافيها من النجوم؟ ! قلنا: لايمتنع ان يكون مارأى السماء الا في ذلك الوقت، لانه روي أن أمه ولدته في مغارة لايرى السماء، فلماقارب البلوغ وبلغ حد التكليف خرج من المغارة ورأى السماء وفكر فيها. وقد يجوز أيضا ان يكون رآها غير انه لم يفكر فيها ولانظر في دلائلها، لان الفكر لم يكن واجبا عليه، فلماكمل عقله وحركته الخواطر فكر في الشئ الذي كان يراه قبل ذلك ولم يكن مفكرا فيه.
والوجه الثالث - ان ابراهيم لم يقل ماتضمنته الايات على وجه الشك ولافي زمان مهلة النظر بل كان في تلك الحال عالما بالله وبما يجوز عليه، فانه لايجوز ان يكون بصفة الكوكب، وانما قال ذلك على سبيل الانكار على قومه والتنبيه لهم على ان مايغيب وينتقل من حال إلى حال لايجوز ان يكون إلها معبودا، لثبوت دلالة الحدث فيه. ويكون قوله " هذاربي " محمولا على أحد وجهين. احدهما - أي هو كذلك عندكم وعلى مذهبكم كما يقول احدنا للمشبه على وجه الانكار عليه: هذا ربي جسم يتحرك ويسكن وان كان عالما بفساد ذلك. والثاني - أن يكون قال ذلك مستفهما وأسقط حرف الاستفهام للاستغناء عنه، كما قال الاخطل:
كذبتك عينك أم رايت بواسط
غلس الظلام من الرباب خيالا(1)
وقال آخر:
---
(1) ديوانه 41، وقد مر في 1: 403، 475

(4/183)


تفسير التبيان ج4
لعمرك ماأدري وان كنت داريا
بسبع رمين الجمر ام بثمانيا(1)
وقال ابن أبي ربيعة:
ثم قالوا تحبها قلت بهرا
عدد النجم والحصى والتراب(2)
وقال أوس بن حجر:
لعمرك ماأدري وان كنت داريا
شعيب بن سهم أم شعيب بن منقر(3)
وانما أراد أشعيب بن سهم أم شعيب بن منقر.
فان قيل: حذف حرف الاستفهام انما يجوز اذا كان في الكلام عوضا منه نحو (أم) للدلالة عليه، ولايستعمل مع فقد العوض، وفى الابيات عوض عن حرف الاستفهام، وليس ذلك في الاية.
قلنا: قد يحذف حرف الاستفهام مع ثبوت العوض تارة وأخرى مع فقده اذا زال اللبس، وبيت ابن أبي ربيعة ليس فيه عوض ولافيه حرف الاستفهام، وانشد الطبري:
رفوني وقالوا ياخويلد لاترع
فقلت وانكرت الوجوه هم هم(4)
أي أهم هم؟، وروي عن ابن عباس في قوله " فلا اقتحم العقبة " أنه قال معناه أفلا اقتحم العقبة، وحذف حرف الاستفهام. واذا جاز ان يحذفوا حرف الاستفهام لدلالة الخطاب جاز أن يحذفوه لدلالة العقل، لان دلالة العقل أقوى من غيرها.
والوجه الرابع - أن ابراهيم قال ذلك على وجه المحاجة لقومه بالنظر كما يقول القائل: اذا قلنا: ان لله ولدا لزمنا أن نقول له زوجة، وان يطأالنساء
---
(1) تفسير القرطبي 7 / 27.
(2) ديوانه: 117 " طبعة بيروت سنة 1311 ه ".
(3) شواهد المغني: 15 والكامل للمبرد 1 / 384، 2 / 115 والبيان والتبيين 4 / 40 وسيبويه 1 / 845 وتفسير الطبري 11 / 484 وغيرها.
(4) قائله ابوخراش الهذلي، ديوان الهذليين 2: 144 واللسان (رفأ) (رفو) والقرطبي 7 / 26 و (رفوني) اي اسكنوني من الرعب.

(4/184)


تفسير التبيان ج4
وأشباه ذلك، وليس هذا على * وجه الاقرار والاخبار والاعتقاد بذلك، بل على وجه المحاجة فيجعلها مذهبا ليرى خصمه المعتقد لها فسادها.
وكل هذه الايات فيها تنبيه لمشركي العرب وزجر لهم عن عبادة الاصنام وحث على الاخذ بدين ابراهيم ابيهم وسلوك سبيله في النظر والفكر والتدين، لانهم كانوا قوما يعظمون أسلافهم وآباء هم فأعلمهم الله تعالى ان اتباع الحق من دين ابيهم الذي يقرون بفضله اوجب عليهم ان كان بهم تعظيم الاباء والكراهة لمخالفتهم.
وفي الاية دلالة على ان معرفة الله ليست ضرورية، لانها لوكانت ضرورية لما احتاج ابراهيم إلى الاستدلال على ذلك، ولكان يقول لقومه: كيف تعبدون الكواكب وانتم تعلمون حدوثها وحدوث الاجسام ضرورة، وتعلمون ان لها محدثا على صفات مخصوصة ضرورة، وماكان يحتاج إلى تكلف الاستدلال والتنبيه على هذا.
وقوله " لئن لم يهدني ربي " معناه لئن لم يلطف بي ويسددني ويوفقني لاصابة الحق في توحيده " لاكونن من القوم الضالين " الذين ضلوا عن الحق وأخطأ وا طريقه، فلم يصيبوا الهدى. وليس الهداية - ههنا - الادلة، لان الادلة كانت سبقت حال زمان النظر، فان التكليف لايحسن من دونها ولايصح مع فقدها.
وقوله في الشمس " هذا أكبر " يعني من الكواكب وحذف لدلالة الكلام عليه.
وقوله " اني وجهت وجهي " معناه أخلصت عبادتي وقصدت بها إلى الله الذي خلق السماوات والارض. وفيه اخبار عن ابراهيم واقرار منه واعتراف بأنه (ع) خالف قومه أهل الشرك، ولم يأخذه في الله لومة لائم، ولم يستوحش من قول الحق لقلة تابعيه.
وقال لهم " اني برئ مما تشركون " مع الله - الذي خلقني وخلقكم - في عبادته من آلهتكم بل " وجهت وجهي " في عبادتي الي الذي خلق السماوات ولارض الذي يبقى ولايفني، الحي الذي لايموت.

(4/185)


تفسير التبيان ج4
واخبر انه يوجه عبادته ويخلصها له تعالى. والاستقامة في ذلك لربه على مايجب من التوحيد لاعلى الوجه الذي توجه له من حيث ليس بحنيف. ومعنى الحنيف هو المائل إلى الاستقامة على وجه الرجوع فيه.
وقوله " وما أنا من المشركين " اني لست منكم، ولاممن يدين بدينكم، ويتبع ملتكم أيها المشركون.
الآية: 80 - 99
قوله تعالى: وحاجه قومه قال أتحاجّونّي في الله وقد هدان ولا أخاف ماتشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيءٍ علما أفلا تتذكرون(80)
آية عند الجيع
قرأ اهل المدينة وابن ذكوان " أتحاجوني " بتخفيف النون. الباقون بتشديدها.
وقرأ الكسائي والعبسي " وقد هداني " بالامالة. الباقون بالتفخيم.
قال ابوعلي: من شدد فلا نظر في قوله.
ومن خفف فانه حذف النون الثانية لالتقاء الساكنين.
والتضعيف يكره، فيتوصل إلى ازالته تارة بالحذف نحو علم أني فلان، وتارة بالابدال نحو لا املاه عني تفارقا، ونحو ديوان وقيراط، فحذفوا الثانية منهما كراهية التضعيف.
ولايجوز ان يكون المحذوفة الاولى، لان الاستثقال يقع بالتكرير في الامر الاعم وفي الاولى أيضا أنها دلالة الاعراب ولذا حذفت الثانية كما حذف الشاعر في قوله: ليتي أصادفه وافقد بعض مالي(1).
وقال بعضهم حذف هذه النون لغة غطفان. وحكى سيبويه هذه القراء ة مستشهدا بها في حذف النونات كراهية التضعيف. اما إمالة (هداني) فحسنة،
---
(1) قائله زيد الخيل، اللسان (ليت) وروايته.
كمنية جابر اذقال ليتي
أصادفه وأتلف جل مالي

(4/186)


تفسير التبيان ج4
لانه من هدى يهدي، فهو من الياء. واذا كانوا أمالوا (غزا، ودعا)، لانه قد يصير إلى الياء في غزي ودعي. فهذا لااشكال في حسنه.
قوله " وحاجة قومه " يعني في وجوب عبادة الله وترك عبادة آلهتهم وخوفوه من تركها وان لايأمن ان تخبله آلهتهم من الاصنام وغيرها، فقال لهم ابراهيم (ع) " أتحاجوني في الله وقد هداني " بأن وفقني لمعرفته ولطف بي في العلم بتوحيده وترك الشرك واخلاص العبادة له " ولااخاف ماتشركون به " أي لااخاف منه ضررا ان كفرت به ولا أرجو نفعا إن عبدته، لانه بين صنم قد كسر، فلم يدفع عن نفسه أو نجم دل أفوله على حدوثه، فكيف تحاجوني وتدعونني إلى عبادة من لايخاف ضرره ولايرجا نفعه " الا أن يشاء ربي شيئا " فيه قولان: احدهما - الا أن يقلبها الله، فيحييها ويقدرها فتضر وتنفع، فيكون ضررها ونفعها اذ ذاك دليلا على حدوثها أيضا، وعلى توحيد الله وأنه المستحق للعبادة دون غيره وانه لاشريك له في ملكه، ثم أثنى عليه تعالى فأخبر بأنه عالم بكل شئ، وامرهم بالتذكر والتدبر لما أورده عليهم مما لايدفعونه ولايقدرون على انكاره ان انصفوا.
الثاني - قال الحسن: قوله: " ولاأخاف ماتشركون به " أي لااخاف الاوثان " الا أن يشاء ربي شيئا " استوجبه على الله تعالى، او يشاء الله ان يدخلني في ملتكم بالكفر.
والاول هو الاجود.
(أتحاجوني) أصله (أتحاجونني) بنونين احداهما للجمع والاخرى لاسمه، فأدغمت احداهما في الاخرى، فشددت ومثله (تأمر ونني) وقد يخفف مثل هذا في بعض المواضع، قال الشاعر:
أبا لموت الذي لابد أني
ملاق لاأباك تخوفيني
فجاء بنون واحدة وخففها، والاول أجود واكثر في العربية.

(4/187)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: وكيف أخاف ماأشركتم ولاتخافون أنكم أشركتم بالله مالم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالامن إن كنتم تعلمون(81)
آية بلاخلاف.
في هذه الاية احتجاج من ابراهيم (ع) على قومه وتأكيد لماقدم من الحجاج لانه قال لهم: وكيف تلزمونني ان اخاف ماأشركتم به من الاوثان المخلوقة وقد تبين حالهم، وانهم لايضرون ولاينفعون، وانتم لاتخافون من هو القادر على الضر والنفع بل تتجرؤن عليه وتتقدمون بين يديه بأن تجعلوا له شركاء في ملكه وتعبدونهم من دونه، فأي الفريقين احق بالامن: نحن المؤمنون الذين عرفنا الله بأدلته ووجهنا العبادة نحوه؟ ام أنتم المشركون بعبادته غيره من الاصنام والاوثان؟ ولو أطرحتم الميل والحمية والعصبية لما وجدتم لهذا الحجاج مدفعا.
وقوله " مالم ينزل به سلطانا " أي حجة لان السلطان هو الحجة في اكثر القرآن، وذلك يدل على ان كل من قال قولا واعتقد مذهبا بغير حجة مبطل.
وقوله " ان كنتم تعلمون " معناه ان كنتم تستعملون عقولكم وعلومكم وتحكمونها على ماتهوونه وتميل اليه أنفسكم. وفي الاية دلالة على فساد قول من يقول بالتقليد وتحريم النظر والحجاج، لان الله تعالى مدح ابراهيم لمحاجته لقومه وامر نبيه بالاقتداء به في ذلك فقال " وتلك حجتنا آتيناها ابراهيم على قومه "(1).
ثم قال بعد ذلك: " اولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده " اي بأدلتهم اقتده.
---
(1) آية 83 من هذه السورة.

(4/188)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: ألذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الامن وهم مهتدون(82)
آية عند الجميع.
تحتمل هذه الاية ان تكون اخبارا عن الله تعالى دون الحكاية عن ابراهيم بأنه قال تعالى: ان من عرف الله تعالى وصدق به وبما أوجب عليه ولم يخلط ذلك بظلم، فان له الامن من الله بحصول الثواب والامان من العقاب وهو المحكوم له بالاهتداء - وهو قول ابن اسحاق وابن زيد والطبري والجبائي وابن جريج - وقال البلخي: ان ذلك من قول ابراهيم، لانه لما قطع خصمه والزمه الحجة أخبر ان الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم فانهم الامنون المهتدون. قال: وكذلك يفعل من وضحت حجته وانقطع بعد البيان خصمه.
والظلم المذكور في الاية هو الشرك عند أكثر المفسرين: ابن عباس وسعيد ابن المسيب وقتادة ومجاهد وحمادبن زيد وأبي بن كعب وسلمان (رحمة الله عليه) قال أبي ألم تسمع قوله " ان الشرك لظلم عظيم "(1) وهوقول حذيفة.
وروي عن عبدالله بن مسعود انه قال لما نزلت هذه الاية شق على الناس، وقالوا يارسول الله وأينا لايظلم نفسه، فقال: انه ليس الذي تعنون ألم تسمعوا إلى ماقال العبد الصالح " يابني لاتشرك بالله ان الشرك لظلم عظيم "(2).
وقال الجبائي والبلخي واكثر المعتزلة: انه يدخل فيه كل كبيرة تحبط ثواب الطاعة، قال فان من هذه صورته لايكون آمنا ولامهتديا.
قال البلخي: ولوكان الامر على ماقالوه انه يختص بالشرك لوجب ان يكون مرتكب الكبيرة اذاكان مؤمنا يكون آمنا وذلك خلاف القول بالارجاء. وهذا الذي ذكروه خلاف أقاويل المفسرين من الصحابة والتابعين. وما
---
(1، 2) سورة 31 لقمان آية 13.

(4/189)


تفسير التبيان ج4
قاله البلخي لايلزم لانه قول بدليل الخطاب لان المشرك غير آمن بل هو مقطوع على عقابه بظاهر الاية، ومرتكب الكبيرة غير آمن لانه يجوز العفو، ويجوز المؤاخذة وان كان ذلك معلوما بدليل، وظاهر قوله " ولم يلبسوا ايمانهم بظلم " وان كان عاما في كل ظلم، فلنا ان نخصه بدليل أقوال المفسرين وغير ذلك من الادلة الدالة على أنه يجوز العفو من غير توبة.
وروي عن علي (ع): أن الاية مخصوصة بابراهيم.
وقال عكرمة مختصة بالمهاجرين.
واما الظلم في أصل اللغة فقد قال الاصمعي هووضع الشئ في غير موضعه، قال الشاعر يمدح قوما: هرت الشقاشق ظلامون للجزر(1) فوصفهم انهم ظلامون للجزر، لانهم عرقبوها فوضعوا النحر في غير موضعه، وكذلك الارض المظلومة سميت بذلك لانه صرف عنها المطر، ومنه قول الشاعر: والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد(2) سماها مظلومة لانهم كانوا في سفر فتحوضوا حوضا لم يحكموا صنعته ولم يضعوه في موضعه.
قوله تعالى: وتلك حجتنا آتيناها إبرهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم(83)
آية بلاخلاف.
قرأ اهل الكوفة ويعقوب " درجات من نشاء " الباقون بالاضافة، من اضاف ذهب إلى ان المرفوعة هي الدرجات لمن نشاء ومن نون اراد ان المرفوع صاحب الدرجات، وتقديره نرفع من نشاء درجات، والدرجات معناها المراتب.
---
(1) مقاييس اللغة 3: 469 وصدره: (عاد الاذلة في دار وكان بها).
(2) اللسان " بين "، " ظلم ".

(4/190)


تفسير التبيان ج4
وفي أصل اللغة هي المراقي فشبه علو المنازل بها. أخبر الله تعالى ان الحجج التي ذكرها ابراهيم لقومه آتاه الله اياها واعطاها اياه، بمعنى انه هداه لها فانه احتج بها بأمر الله ورضيها منه وصوبه فيها، ولهذا جعلها حجة على الكفار.
وقوله " نرفع درجات من نشاء " من المؤمنين الذين يؤمنون بالله ويطيعونه ويبلغون من الايمان والدعاء إلى الله منزلة عظيمة وأعلا درجة ممن لم يبلغ من الايمان مثل منزلتهم، وبين انه حكيم فيما يدبره من أمور عباده عليم بهم وبأعمالهم، وفي ذلك دلالة على صحة المحاجة والمناظرة في الدين والدعاء إلى توحيد الله والاحتجاج على الكافرين، لانه تعالى مدح ذلك واستصوبه. ومن حرم الحجاج فقد رد - صريح القرآن.

(4/191)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: ووهبنا له إسحق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داوُد وسليمن وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزي المحسنين(84) وزكريا ويحيى وعيسى والياس كل من الصالحين(85) وإسمعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين(86) ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم(87) ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ماكانوا يعملون(88) أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فان يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين(89) أولئك الذين هدى الله فبهديهم اقتده قل لاأسئلكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين(90)
سبع آيات
قرأ حمزة والكسائي وخلف (اليسع) بتشديد اللام، وفتحها وسكون الياء هاهنا، وفي (ص).
الباقون بسكون اللام وفتح الياء.
قال الزجاج التشديد والتخفيف لغتان.
وقال ابوعلي الالف واللام ليستا للتعريف بل هما زائدتان وكان الكسائي يستصوب القراء ة بلامين ويخطئ من قرأ بغيرهما كأن الاسم عنده (ليسع) ثم يدخل الالف واللام.
قال ولو كانت (يسع) لم يجز أن يدخل الالف واللام، كمالايدخل في (يزيد) و (يحيى).
قال الاصمعي فقلت له، ف (اليرصع) من الحجارة و (اليعمل) من الابل و (اليحمد) حي من اليمن، فكأنما ألقمته حجرا، وبعدها فانا قد سمعناهم يسمعون ب (يسع) ولم نرهم يسمعون ب (ليسع).
وقال الفراء: القراء ة بالتشديد اشبه بالاسماء العجمية التخفيف.
قال لانهم لايكادون يدخلون الالف واللام في مالايجر مثل (يزيد، ويعمر) الافي الشعر أنشدني بعضهم:
وجدنا الوليد بن اليزيد مباركا
شديدا بأعباء الخلافة كاهله(1)
قال وانما أدخلوا الالف واللام في يزيد لدخولهما في الوليد، فاذا فعلوا ذلك فقد أمسوا الحرف مدحا.
قوله (ووهبنا له اسحاق ويعقوب) الهاء في (له) كناية عن ابراهيم (ع) " كلا هدينا " نصب كلا ب (هدينا) و (نوحا هدينا من قبل) معناه هديناه قبل ابراهيم.
وقوله (ومن ذريته داود وسليمان) تقديره وهدينا داود وسليمان نسقا على نوح.
---
(1) معاني القرآن 1 / 342 وشواهد المغني 60 وخزانة الادب 1 / 327 وتفسير الطبري 11 / 511، وامالي ابن الشجري 1 / 154 و 2 / 252، 342. من شعر يمدح به الوليد بن يزيد بن عبدالملك بن مروان.

(4/192)


تفسير التبيان ج4
ويحتمل أن يكون قوله " ومن ذريته " الهاء راجعة إلى نوح لان الانبياء المذكورين كلهم من ذريته.
قال الزجاج ويجوز أن يكون من ذريته ابراهيم لان ذكرهما جميعا قدجرى، وأسماء الانبياء التي جاء ت بعد قوله " ونوحا هدينا من قبل " نسق على (نوح) نصب كلها، ولو رفعت على الابتداء كان صوابا.
قال أبوعلي الجبائي: الهاء لايجوز أن تكون كناية عن ابراهيم، لان فيمن عدد من الانبياء لوطا وهوكان ابن اخته، وقيل ابن اخيه، ولم يكن من ذريته. وهذا الذي قاله ليس بشئ، لانه لايمنع أن يكون غلب الاكثر. وجميع من ذكر من نسل ابراهيم، على أنه قال فيما روى عنه ابن مسعود أن الياس: إدريس، وهو جد نوح، ولم يكن من ذريته، ومع هذا لم يطعن على قول من قال: إنها كناية عن نوح.
وقال ابن اسحاق: الياس هو ابن اخي موسى ويجوز أن تكون الهاء كناية عن ابراهيم ويكون من سماهم إلى قوله " وكل من الصالحين " من ذريته، ثم قال " واسماعيل واليسع ويونس ولوطا " فعطفهم على قوله " ونوحا هدينا ".
وفي الاية دلالة على أن الحسن والحسين من ولد رسول الله صلى الله عليه وآله، لان عيسى جعله الله من ذرية ابراهيم أو نوح، وإنما كانت أمه من ذريتهما، والوجه في الايات أن الله تعالى أخبر أنه رفع درجة ابراهيم بما جعل في ذريته من الانبياء وجزاه بماوصل اليه من السرور والابتهاج عندما أعلمه عن ذلك وبما أبقى له من الذكر الرفيع في الاعقاب، والجزاء على الاحسان لذة وسرور من أعظم السرور واكثر اللذات إذا علم الانسان بأنه يكون من عقبة وولده المنسوبين اليه أنبياء يدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله ويكونون ملوكا وخلفاء يطيعون الله ويحكمون بالحق في عباد الله. ثم اخبر انه جزى نوحا بمثل ذلك على قيامه في الدعاء اليه والجهاد في سبيله. والهداية في الايات كلها هو الارشاد إلى الثواب دون الهداية التي هي

(4/193)


تفسير التبيان ج4
نصب الادلة، لانه تعالى قال في آخر الايات: " وكذلك نجزي المحسنين " فبين أن ذلك جزاء ولايليق إلا بالثواب الذي يختص به المحسنون دون الهداية التي هي الدلالة ويشترك فيها المؤمن والكافر، وهوقول أبي علي الجبائي والبلخي.
وقوله: " أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة " إشارة إلى من تقدم ذكره من الانبياء.
وقوله " فان يكفر بها هؤلاء " يعني الكفار الذين جحدوا نبوة النبي صلى الله عليه وآله في ذلك الوقت، " فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين " معنى (وكلنا بها) اي وكلنا بمراعاة أو النبوة وتعظيمها والاخذ بهدي الانبياء قوما ليسوا بها بكافرين. وإنما اضاف ذلك إلى المؤمنين وان كان قد فعل بالكافرين أيضا ازاحة العلة في التكليف من حيث أن المؤمنين هم الذين قاموا بذلك وعملوا به فأضافه اليهم، كما أضاف قوله " هدى للمتقين " وان كان هداية لغيرهم. وقيل في المعنيين بقوله " ليسوا بها بكافرين " ثلاثة اقوال: احدها - انه عنى بذلك الانبياء الذين جرى ذكرهم آمنوا بماأتى به النبي صلى الله عليه وآله في وقت مبعثهم وهو قول الحسن والزجاج والطبري والجبائي.
قال الزجاج لقوله تعالى " اولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده " وذلك اشارة إلى الانبياء الذين ذكرهم ووصفهم وامر النبي صلى الله عليه وآله بالاقتداء بهداهم.
والثاني - انه عنى به الملائكة، ذهب اليه أبورجاء العطاردي.
وقال قوم عنى به من آمن من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله في وقت مبعثه.
وقال الفراء والضحاك: قوله " فان يكفر بهاهؤلاء " يعني أهل مكة " فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين " يعني أهل المدينة، والاول أقوى.
وفى الاية دلالة على ان الله تعالى يتوعد من يعلم انه لايشرك ولايفسق وان الوعد والوعيد قديكونان بشرط.

(4/194)


تفسير التبيان ج4
وقوله: " اولئك الذين هدى الله " معناه اولئك الذين حكم الله لهم بالهدى والرشاد، وزادهم هدى حين اهتدوا. والمراد به الانبياء الذين تقدم ذكرهم ألثمانية عشر. وأمر النبي صلى الله عليه وآله بأن يسلك سبيلهم ويأخذ بهداهم في تبليغ الرسالة والصبر على المحن وان يقول لقومه " لاأسألكم عليه اجرا " يعني على الاداء والابلاغ، ولكنه يذكر به العالمين وينبههم على مايلزمهم من عبادة الله والقيام بشكره.
وقوله (فبهداهم اقتده) قرأ حمزة والكسائي وخلف ويعقوب والكسائي عن ابي بكر بحذف الهاء في الوصل واثباتها في الوقف. الباقون باثباتها في الوصل والوقف وسكونها، إلا ابن ذكوان فانه كسرها، ووصلها بياء في اللفظ وإلا هشاما فانه كسرها من غير صلة بتاء، ولاخلاف في الوقف انها بالهاء ساكنة.
قال ابوعلي الفارسي الوجه الوقف بالهاء لاجتماع الكثرة، والجمهور على إثباته، ولاينبغي أن يوصل والهاء ثابتة، لانه هذه الهاء في السكت بمنزلة همزة الوصل في الابتداء في أن الهاء للوقف كما أن همزة الوصل للابتداء بالساكن، فكما لاتثبت الهمزة في الوصل كذلك ينبغي أن لا تثبت الهاء.
قال ابوعلي وقراء ة ابن عامر بكسر الهاء وإشمام الهاء الكسرة من غير بلوغ ياء ليس بغلط، ووجهها أن يجعل الهاء كناية عن المصدر لاالتي تلحق للوقف. وحسن اضماره لذكر الفعل الدال عليه، ومثل ذلك قول الشاعر:
فجال على وحشية وتخاله
على ظهره سبأ حديدا يمانيا
كأنه قال تخال خيلا على ظهره سبأ حديدا، ومثل ذلك قول الشاعر:
هذا سراقة للقرآن يدرسه
والمرؤ عند الرشا أن يلقها ذئب(1)
فالهاء كناية عن المصدر، ويدل يدرسه على الدروس، ولايجوز أن يكون ضمير القرآن، لان الفعل قد تعدى اليه باللام، فلايجوز أن يتعدى اليه والى ضميره كما أنك إذا قلت أزيدا ضربته لم ينصب زيدا بضربت لتعديه
---
(1) اللسان " سرق "

(4/195)


تفسير التبيان ج4
إلى الضمير، وقياسه إذا وقف عليه أن يقول اقتده فيكسر (هاء) الضمير، كماتقول اشتره في الوقف. وفي الوصل اشتريه لنا يا هذا. واستدل قوم بقوله (فبهداهم اقتده) على ان النبي صلى الله عليه وآله كان متعبدا بشريعة من قبله من الانبياء وهذا لادلالة فيه، لان قوله (فبهداهم اقتده) معناه فبأدلتهم اقتده.
والدلالة مااوجبت العلم ويجب الاقتاء بها، لكونها موجبة للعلم لاغير ولذلك قال تعالى (ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده) فنسب الهدى إلى نفسه، فعلم بذلك أنه أراد ماقلناه.
وقوله (ولو اشركوا لحبط عنهم ماكانوا يعملون) يدل على أن الهدى في قوله (واجتبيناهم وهديناهم) هداية الثواب على الاعمال الصالحة، لان الثواب على الاعمال هوالذي ينحبط تارة ويثبت اخرى دون الهداية التي هي الادلة الحاصلة للمؤمن والكافر.
وقوله (وكلا فضلنا على العالمين) يعني على عالمي زمانهم الذين ليسوا أنبياء وإنما دخلت (من) في قوله " من آبائهم وذرياتهم " للتبعيض كأنه قال: وبعض آبائهم وبعض ذرياتهم وبعض اخوانهم هديناهم ولولم تدخل (من) لاقتضى انه هدى جميعهم الهداية التي هي الثواب، والامر بخلافه.
وقوله " اجتبيناهم " معناه اخترناهم.
وقوله (ولو اشركوا لحبط عنهم ماكانوا يعملون) لايدل على صحة ثواب طاعاتهم التي اشركوا في توجيهها إلى غير الله لانهم اوقعوها على خلاف الوجه الذي يستحق به الثواب، فأما ماتقدم فليس في الاية مايقتضي بطلانه غير أنا قد عملنا أنه إذا أشرك لاثواب معه أصلا، لاجماع الامة على أن المشرك لايستحق الثواب، فلو كان معه ثواب وقد ثبت أن الاحباط باطل، لكان يؤدي إلى أن معه ثوابا وعقابا، لانا قد بينا بطلان القول بالتحابط في غير موضع وذلك خلاف الاجماع.

(4/196)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: وماقدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شئ قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولاآباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون(91)
آية بلاخلاف.
قرأ ابن كثير وأبوعمرو " تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا " بالتاء فيهن. الباقون بالياء فيهن.
ومن قرأ بالياء حمله على أنه للغيبة بدلالة قوله: " وماقدروا الله حق قدره إذقالوا ماانزل الله على بشر من شئ قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى يجعلونه " فيحمله على الغيبة لان ماقبله غيبة.
ومن قرأ بالتاء حمله على الخطاب يعني قل لهم: " تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا " ويقوي القراء ة بالتاء، قوله " وعلمتم مالم تعلموا فجاء على الخطاب، وكذلك ماقبله.
ومعنى " تجعلونه قراطيس " تجعلونه ذوي قراطيس اي تودعونه إياها " وتخفون " أي تكتمونه، وموضع قوله " تبدونها وتخفون كثيرا " يحتمل أمرين: احدهما - ان يكون صفة القراطيس، لان النكرة توصف بالجمل. والاخر - أن نجعله حالا من ضمير الكتاب من قوله " تجعلونه قراطيس " على أن تجعل القراطيس الكتاب في المعنى، لانه مكتوب فيها.
روي أن سبب نزول هذه الاية أن النبي صلى الله عليه وآله رأى حبرا من أحبار اليهود سمينا يقال له: مالك بن الضيف، وقيل: فنحاص، فقال له النبي صلى الله عليه وآله

(4/197)


تفسير التبيان ج4
أليس في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين؟ فغضب، وقال: ماأنزل الله على بشر من شئ، فلعنته اليهود وتبرأت منه، فنزلت هذه الاية، ذكر ذلك عكرمة وقتادة، وقال محمد بن كعب القرطي: نزلت في جماعة من اليهود. وروي مثل ذلك عن ابن عباس.
وقال مجاهد نزلت في مشركي قريش، وروي ذلك عن ابن عباس أيضا، وهو أشبه بسياق الاية، لانهم الذين أنكروا أن يكون الله أنزل كتابا على بشر، دون اليهود والنصارى.
ومعنى قوله " وماقدروا الله حق قدره " أي ماعرفوه حق معرفته وما وصفوه بماهو أهل أن يوصف به " إذ قالوا ماأنزل الله على بشر من شئ " أي ماأرسل الله رسولا، ولم ينزل على بشر من شئ، مع أن المصلحة والحكمة يقتضيان ذلك، ودلت المعجزات الباهرة على بعثة كثير منهم. ثم أمر الله نبيه أن يقول لهم " من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس " فانهم يقرون بذلك، وان الله أنزله وبعث موسى (ع) نبيا وإن لم يقروا بذلك فقد خرجوا من اليهودية إلى قول من ينكر النبوات. والكلام على من انكر ذلك أصلا مذكور في النبوات مستوفى لانطول بذكره هاهنا.
وعلى ماقلناه: من أن الاية متوجهة إلى مشركي قريش من حيث أن الله تعالى من أول السورة إلى هاهنا في الاخبار عن أوصاف المشركين وعن أحوالهم وكذلك أول الاية في قوله " وماقدروا الله حق قدره " لانهم كانوا لايعتقدون التوحيد ويعبدون مع الله الاصنام، وأهل الكتاب كانوا بخلاف ذلك، لانهم كانوا يعتقدون التوحيد فلا يليق بهم ذلك، وإن كان اليهود عندنا أيضا غير عارفين بالله على وجه يستحقون به الثواب. والقول الاخر أيضا محتمل.
فعلى مااخترنا يكون قوله " قل من انزل الكتاب " متوجهاالى اليهود والنصارى، لانهم المقرون بذلك دون قريش ومشركى العرب، ويجوز أن يكون متناولا للمشركين أيضا، ويكون على وجه الاحتجاج عليهم، والتنبيه لهم على ماظهر من معجزات موسى وظهور نبوته، وهذا الذي اخترناه قول مجاهد واختاره الطبري والجبائي.

(4/198)


تفسير التبيان ج4
وقوله " تجعلونه قراطيس " أي تقطعونه فتجعلونه كتبا متفرقة وصحفا تبدون بعضها وتخفون بعضها، يعني مافي الكتب من صفات النبي صلى الله عليه وآله والبشارة به. ثم عطف على ما ابتدأ به من وصف الكتاب الذي جاء به موسى وانه نور وهدى، فقال " وعلمتم مالم تعلموا أنتم ولاآباؤكم " على لسان النبي صلى الله عليه وآله، ثم أجاب عن الكلام الاول، فقال " قل الله " وهذا معروف في كلام العرب، لان الانسان اذا أراد البيان والاحتجاج بمايعلم أن الخصم مقربه ولايستطيع دفعه ذكر ذلك. ثم تولى الجواب عنه بما قدعلم أن لاجواب له غيره.
وقوله " ثم ذرهم في خوضهم يلعبون " يقال مثل هذا لمن قامت عليه الحجة الواضحة التي لايمكنه دفعها، وليس على إباحة ترك الدعاء والانذار بل على ضرب من الوعيد والتهديد، كأنه قال دعهم فسيعلمون عاقبة أمرهم.
ويجوز أن يكون أراد: دعهم فلاتقاتلهم، ولاتعمل على قهرهم على قبول قولك إلى أن يؤذن لك في ذلك، فيكون إنما أباح ترك قتالهم لاترك الدعاء والتحذير وترك البيان والاحتجاج " ويلعبون " رفعه لانه لم يجعله جوابا لقوله " ذرهم " ولوجعله جوابا لجزمه، كما قال " ذرهم يأكلوا ويتمتعوا "(1) وكان ذلك جوابا وموضع " يلعبون " نصب على الحال، وتقديره ذرهم لاعبين في خوضهم.
وقال قوم: إن هذه الاية مدنية مع الايتين اللتين ذكرناهما في أول السورة، ويجوز أن يكون ذلك بمكة أيضا.
قوله تعالى: وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالاخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون(92)
آية بلاخلاف.
---
(1) سورة 15 الحجر آية 3

(4/199)


تفسير التبيان ج4
قرأ أبوبكر وحده " ولينذر " بالياء. الباقون بالتاء.
من قرأ بالتاء، فلقوله " إنما أنت منذر من يخشاها "(1) وقوله " وانذر به الذين يخافون "(2) ومن قرأ بالياء جعل الكتاب هوالمنذر، لان فيه إنذارا لانه قد خوف به في قوله " هذا بلاغ للناس ولينذروابه "(3) وقوله " إنما انذركم بالوحي "(4) فلايمتنع أسناد الانذار اليه على وجه التوسع.
وقوله " وهذا كتاب " إشارة إلى القرآن الذي أنزله الله على نبيه محمد صلى الله عليه وآله فعطف هذه الاية على ذكره الكتاب الذي جاء به موسى (ع) فلما وصفه قال تعالى " وهذا كتاب أنزلناه مبارك ". وانه مصدق لما بين يديه يعني مامضى من كتب الانبياء كالتوراة والانجيل وغيرهما، وبين انه انما انزله لتنذر به اهل مكة وهي ام القرى، ومن حولها.
قال ابن عباس وقتادة وغيرهما: ام القرى مكة، ومن حولها اهل الارض كلهم وانما خص اهل مكة بذلك لانها اعظم قدرا لان فيها الكعبة ولان الناس يقصدونها بالحج والعمرة من جميع الافاق. وإنذاره بالقرآن هو تخويفه إياهم بألوان عذاب الله وعقابه ان اقاموا على كفرهم بالله ولم يؤمنوا به وبرسوله.
وقوله: " والذين يؤمنون بالاخرة يؤمنون به " يعني بالقرآن. ويحتمل ان يكون كناية عن محمد صلى الله عليه وآله لدلالة الكلام عليه، وهذا يقوي مذهبنا في انه لايجوز ان يكون مؤمنا ببعض ماأوجب الله عليه دون بعض. وبين انهم " على صلاتهم " يعني على أوقات صلاتهم " يحافظون " بمعنى يراعون أوقاتها ليؤدوها في الاوقات ويقوموا باتمام ركوعها وسجودها وجميع فرائضها. وقيل سميت مكة ام القرى لانها اول موضع سكن في الارض، وقيل ان الارض كلها دحيت من تحتها فكانت اما لها.
وقال الزجاج سميت بذلك لانها أعظم القرى شأنا.
---
(1) سورة النازعات آية 45.
(2) سورة 6 الانعام آية 51.
(3) سورة 14 ابراهيم آية 52.
(4) سورة 21 الانبياء آية 45

(4/200)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شئ ومن قال سانزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملئكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون(93)
آية بلاخلاف.
اختلفوا فيمن نزلت فيه هذه الاية فقال اكثر المفسرين ان قوله " ومن اظلم ممن افترى على الله كذبا " نزلت في مسيلمة الكذاب حيث ادعى النبوة.
وقال انه يوحى اليه، وان قوله " من قال سأنزل مثل ماأنزل الله " نزلت في عبدالله بن سعد ابن ابي سرح، فانه كان يكتب الوحي للنبي صلى الله عليه وآله وكان إذا قال له: اكتب عليما حكيما، كتب غفورا رحيما.
وإذا قال: اكتب غفورا رحيما، كتب حكيما، وارتد ولحق بمكة.
وقال إني انزل مثل ماأنزل الله، ذهب اليه عكرمة وابن عباس ومجاهد والسدي والجبائي والفراء والزجاج وغيرهم.
وقال قوم: نزلت في مسيلمة خاصة.
وقال آخرون: نزلت في ابن ابي سرح خاصة والاول هو المروى عن أبي جعفر (ع).
وقال البلخي: قوله " ومن اظلم ممن افترى على الله كذبا وقال اوحي الي " هم الذين ادعوا النبوة بغير برهان وكذبوا على الله " ومن قال سأنزل مثل ماانزل الله " هم الذين قالوا " لونشاء لقلنا مثل هذا ان هذا الا أساطير الاولين "(1) فادعوا بمالم يفعلوا واعرضوا وبذلوا الانفس والاموال واستعملوا في اطفاء نور من جاء بالكتاب سائرالحيل.
---
(1) سورة 8 الانفال آية 31

(4/201)


تفسير التبيان ج4
ثم اخبر تعالى عن حال من فعل ذلك، فقال: " ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت " وحذف جواب (لو) وتقديره: ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت لرأيت عذابا عظيما وكل من كان في شئ كثير يقال له: غمر فلانا ذلك. ويقال قد غمر فلانا الدين معناه كثر، فصار فيما يعلم بمنزلة مايبصر قدغمر وغطى من كثرته وقوله " والملائكة باسطوا أيديهم " معناه باسطوا ايديهم بالعذاب وقيل بقبض ارواح الكفار.
وقوله: " اخرجوا انفسكم اليوم " يحتمل امرين: احدهما - ان يكون تقديره يقولون: اخرجوا انفسكم، كما تقول للذي تعذبه لازهقن نفسك ولاخرجن نفسك، فهم يقولون لهم اخرجوا انفسكم على معنى الوعيد والتهديد، كما يدفع الرجل في ظهر صاحبه ويكرهه على المضي بأن يجره او بغير ذلك، وهو في ذلك يقول امض الان لترى مايحل بك. والغمرات جمع غمرة، وغمرة كل شئ كثرته ومعظمه، وأصله الشئ الذي يغمر الاشياء فيغطيها.
وقال ابن عباس غمرات الموت سكراته، وبسط الملائكة ايديها فهومدها، وقال ابن عباس ايضا: البسط الضرب، يضربون وجوههم وأدبارهم وملك الموت يتوفاهم، وقال الضحاك: بسطها ايديها بالعذاب.
والثاني - ان يكون معناه خلصوا انفسكم اي لستم تقدرون على الخلاص " اليوم تجزون عذاب الهون " اي العذاب الذي يقع به الهوان الشديد، والهون - بفتح الهاء وسكون الواو - من الرفق والدعة، كقوله " وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هونا "(1) وقال الشاعر:
هونا كمالايرد الدهر مافاتا لاتهلكن أسفا في أثر من ماتا(2)
---
(1) سورة 25 الفرقان آية 63.
(2) قائله ذوجدن الحميري. معجم البلدان (بينون) واللسان (هون) والاغاني 16 / 70 وسيرة ابن هشام 1 / 39 وتاريخ الطبري 2 / 180 وتفسير الطبري 11 / 541 وغيرها.

(4/202)


تفسير التبيان ج4
وقدروي فتح الهاء في معنى الهوان، قال عامر بن جوين:
يهين النفوس وهون النفو
س عند الكريهة اغلى لها(1)
والمعروف ضم الهاء اذا كان بمعنى الهوان.
قال ذو الاصبع العدواني: اذهب اليك فما امي براعية ترعى المخاض ولا اغضي على الهون(2) يعني على الهوان، وعن ابي جعفر (ع) عذاب الهون يعني العطش.
وقوله: " ومن قال سانزل مثل ماأنزل الله " في موضع جر كأنه قال: ومن اظلم ممن قال ذلك.
قوله تعالى: ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ماخولناكم وراء ظهوركم ومانرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ماكنتم تزعمون(94)
آية بلاخلاف.
قرأ أهل المدينة والكسائي وحفص " بينكم " بنصب النون. الباقون برفعها.
والبين مصدر بان يبين إذا فارق قال الشاعر:
بان الخليط برامتين فودعوا
اوكلما ظعنوا لبين تجرع(3)
وقال ابوزيد: بان الحي بينونة وبينا إذا ضعنوا، وتباينوا تباينا اذاكانوا جميعا فتفرقوا، قال والبين ماينتهي اليه بصرك من حائط او غيره واستعمل هذا ا
---
(1) وقيل أنه للخنساء. ديوان الخنساء: 215 والاغاني 13 / 136 واللسان " هون " وروايتهم " يوم الكريهة ابقى لها " والطبري 11 / 542.
(2) أمالي القالي 1 / 366 واللسان " هون " وشرح المفضليات: 323 وتفسير الطبري 11 / 542.
(3) لم أجده بهذه الرواية وفي اللسان (خلط) أبيات كثيرة تشبهه.

(4/203)


تفسير التبيان ج4
الاسم على ضربين: احدهما - ان يكون اسما منصرفا كالافتراق. والاخر - ان يكون ظرفا فمن رفعه رفع ماكان ظرفا استعمله اسما ويدل على جواز كونه اسما قوله: " هذا فراق بيني وبينك "(1) وقوله " من بيننا وبينك حجاب "(2) فلما استعمل اسما في هذه المواضع جاز ان يسند اليه الفعل الذي هو تقطع في قراء ة من رفع.
ويدل على ان هذا المرفوع هو الذي استعمل ظرفا انه لايخلو من ان يكون الذي هو ظرف اتسع فيه او يكون الذي هو مصدر ولايجوز ان يكون الذي هو مصدر، لان التقدير يصير لقد تقطع افتراقكم، وهذا خلاف المعنى المراد، لان المراد لقد تقطع وصلكم، وماكنتم تتألفون عليه.
فان قيل كيف جاز ان يكون بمعنى الوصل واصله الافتراق والتباين وعلى هذا قالوا: بان الخليط اذا فارق، وفي الحديث مابان من الحي فهو ميتة؟ !.
قيل: انه لما استعمل مع الشيئين المتلابسين نحو بيني وبينك شركة، وبيني وبينه صداقة ورحم صار لذلك بمنزلة الوصلة وعلى خلاف الفرقة فلذلك صار " لقد تقطع بينكم " بمعنى لقد تقطع وصلكم ومثل بين في انه يجري في الكلام ظرفا اثم يستعمل إسما بمعنى (وسط) ساكن العين ألا ترى أنهم يقولون: جلست وسط القوم، فيجعلونه ظرفا لايكون الاكذلك، وقد استعملوه إسما كماقال الشاعر:
من وسط جمع بني قريظة بعدما
هتفت ربيعة يابني خوات
وحكى سيبويه: هو احمربين العينين.
واما من نصب بينكم ففيه وجهان: احدهما - انه اضمر الفاعل في الفعل ودل عليه ماتقدم من قوله: وما نرى معكم شفعاء كم الذين زعمتم انهم فيكم شركاء " لان هذا الكلام فيه دلالة على التقاطع والتهاجر وذلك المضمر هو الاصل، كأنه قال لقد تقطع وصلكم بينكم والثاني - ان يكون على مذهب ابي الحسن ان يكون لفظه منصوبا ومعناه مرفوعا، فلما جرى في كلامهم منصوبا ظرفا تركوه على مايكون عليه
---
(1) سورة 18 الكهف آية 79.
(2) سورة 41 حم السجدة آية 5

(4/204)


تفسير التبيان ج4
في اكثر الكلام وكذلك تقول في قوله " يوم القيامة يفصل بينكم "(1) وكذلك قوله: " وإنا منا الصالحون ومنا دون ذلك "(2) فدون في موضع رفع عنده وان كان منصوب اللفظ، كماتقول منا الصالح ومنا الطالح فترفع.
وقال الزجاج: الرفع أجود وتقديره لقد تقطع وصلكم. والنصب جائز على تقدير لقد تقطع ماكنتم فيه من الشركة بينكم.
وقال الفراء في قراء ة عبدالله " لقد تقطع مابينكم ": وهو وجه الكلام اذا جعل الفعل ل (بين) ترك نصبا في موضع رفع، لانه صفة، فاذا قالوا هذا دون من الرجال، فلم يضيفوه رفعوه في موضع الرفع. وكذلك تقول بين الرجلين بين بعيد وبون بعيد اذا افردته اجريته في العربية وأعطيته الاعراب.
قال مهلهل:
كأن رماحهم اشطانا بئر
بعيد بين جاليها جرور(3)
فرفع بين حيث كانت اسما.
وقال مجاهد: معنى تقطع بينكم اي تواصلكم، وبه قال قتادة وابن عباس، فمعنى الاية الحكاية عن خطاب الله تعالى يوم القيامة لهؤلاء الكفار الذين اتخذوا مع الله اندادا وشركاء، وانه يقول لهم عند ورودهم: " لقد جئتمونا فرادى " وهوجمع فرد، وفريد، وفرد، وفردان قال الازهري لايجوز فرد على هذا المعنى.
والعرب تقول: فرادى وفراد فلا يصرفونها يشبهونها بثلاث ورباع قال الشاعر:
ترى النعرات الزرق تحت لبانه
فرادى ومثنى أضعفتها صواهله(4)
وقال نابغة بني ذبيان:
---
(1) سورة 60 الممتحنة آية 3.
(2) سورة 72 الجن آية 11.
(3) اللسان " بين " وأمالي القالي 2 / 132 وتفسير الطبري 11 / 549.
" الاشطان " الحبال المحكمة الفتل وجالي البئر جوانبها.
و " جرور " صفة للبئر البعيد القعر.
(4) مرتخريجه في 3 / 106 تعليقة 2.

(4/205)


تفسير التبيان ج4
من وحش وجرة موشي أكارعه
طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد(1)
وكان يونس يقول: فرادى جمع فرد كما قيل: توآم وتوء م. ومثل الفرادى الردافى والعرابى، ورجل افرد وامرأة فرداء: إذا لم يكن لها اخ. وقد فرد الرجل فهو يفرد فرودا يراد به تفرد فهو فارد.
فمعنى قوله " جئتمونا فرادى " اي وحدانا لامال لكم ولاأثاث ولا رقيق ولاشئ مما كان الله خولكم في الدنيا " كما خلقناكم اول مرة ".
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: (يحشرون حفاة عراة عزلا) والعزل هم الغلف.
وروي ان عايشة قالت لرسول الله حين سمعت ذلك واسوأتاه ينظر بعضهم إلى سوء ة بعض من الرجال والنساء، فقال رسول الله: " لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه "(2) فيشغل بعضهم عن بعض.
قال الزجاج: يحتمل ان يكون المعنى كما بدأكم اول مرة، اي كان بعثكم كخلقكم من غير كلفة ولامشقة.
وقال الجبائي: معناه جئتم فرادى واحدا واحدا " كما خلقناكم اول مرة " اي بلاناصر ولامعين كما خلقكم في بطون امهاتكم، ولااحد معكم.
وقوله: " وتركتم ماخولناكم وراء ظهوركم " يعني ماملكناكم في الدنيا مما كنتم تتباهون به في الدنيا وهذا تعيير من الله لهم لمباهاتهم التي كانوا يتباهون في الدنيا باموالهم، يقال: خولته اي اعطيته.
ويقال خال الرجل يخال أشد الخيال بكسر الخاء وهو خائل ومنه قول ابي النجم:
اعطى فلم يبخل ولم يبخل
كوم الذرى من خول المخول(3)
" وما نرى معكم شفعاء كم الذين زعمتم انهم فيكم شركاء " يقول تعالى
---
(1) ديوانه: 26 واللسان " فرد ". و (وجرة) اسم مكان بين مكة والبصرة قال الاصمعي: هي أربعون ميلا ليس فيها منزل فهي مرتع للوحوش وقد أكثر الشعراء ذكرها. و (موشى اكارعه) فيها سواد و (طاوي المصير) ضامر البطن. و (المصير) جمع مصران.
(2) سورة 80 عبس آية 37.
(3) تفسير الطبري 11 / 545

(4/206)


تفسير التبيان ج4
لهؤلاء الكفار: مانرى معكم شفعاء كم الذين زعمتم انهم فيكم شركاء الذين كنتم تزعمون في الدنيا انهم يشفعون لكم عند ربكم يوم القيامة.
وقال عكرمة: ان الاية نزلت في النظر بن الحارث بن كلدة حيث قال سوف يشفع في اللات والعزى، فنزلت الاية.
وقوله " لقد تقطع بينكم " اي وصلكم " وضل عنكم ماكنتم تزعمون " اي جار عن طريقكم ماكنتم تزعمون من آلهتكم انه شريك لله تعالى وانه يشفع لكم عند ربكم فلا شفيع لكم اليوم.
قوله تعالى: إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فانى تؤفكون(95)
آية بلاخلاف.
في هذه الاية تنبيه لهؤلاء الكفار الذين اتخذوا مع الله آلهة عبدوها، وحجة عليهم، وتعريف منه لهم خطأ ماهم عليه من عبادة الاصنام، بأن قال: إن الذي له العبادة ومستحقها هو الله الذي فلق الحب، يعني شقه من كل ما ينبت عن النبات، فأخرج منه الزروع على اختلافها، " والنوى " من كل ما يغرس مما له نواة فأخرج منه الشجر، والحب هو جمع حبة، والنوى جمع نواة وذلك لايقدر عليه إلا الله تعالى القادر بنفسه، لان القادر بقدرة لايقدر على شق ذلك الا بآلة، ولايقدر على انبات شئ واخراج شئ منهما، فعلم انه من فعل ذلك هو الله الذي لايشبه شيئا من الاجسام، ولايشبهه شئ، القادر على اختراع الاعيان بلا معاناة ولامزاولة.
ثم أخبر أنه " يخرج الحي من الميت " لان الله تعالى يخلق الحي من النطفة، وهي موات، ويخلق النطفة، وهي موات من الحي، وهو قول الحسن وقتادة وابن زيد وغيرهم.

(4/207)


تفسير التبيان ج4
وقال الضحاك وابن عباس: معنى " فالق الحب والنوى " خالقهما.
وقال مجاهد وابومالك: هو الشق الذي في الحبة والنوى.
والاول أقوى الاقوال.
وقال قوم: أراد باخراج الحي من الميت إخراج السنبل وهي حي من الحب وهو ميت، ومخرج الحب الميت من السنبل الحي، والشجر الحي من النوى الميت، والنوى الميت من الشجر الحي. والعرب تسمي الشجر مادام غضاقائما بانه حي، فاذا يبس أو قطع من أصله او قلع سموه ميتا، ذهب اليه السدي والطبري والجبائي. وماذكرناه أولا قول ابن عباس، وهو الاقوى، لانه الحقيقة. وماذكروه مجاز، وان كان جائزا محتملا.
وقوله " ذلكم الله فأنى تؤفكون " معناه أن فاعل ذلك كله الله تعالى فأنى وجوه الصد عن الحق أيها الجاهلون تصدون، وعن العذاب تصدفون، أفلا تتدبرون، فتعلمون أنه لاينبغي أن يجعل لمن أنعم عليكم - فخلق الحب والنوى واخرج من الحي الميت، ومن الميت الحي، ومن الحب الزرع ومن النوى الشجر - شريك في عبادته مالا يضر ولاينفع ولايسمع ولايبصر وفي الاية دلالة على بطلان قول من قال: إن الله تعالى يحول بين العبد وبين مادعاه اليه إذ يخلق فيه مانهاه عنه، لانه قال: فانى تؤفكون، ولو كان شيئا من ذلك لكان هو المؤفك لهم والصارف. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
ومعنى قوله " فاني تؤفكون " اي تصرفون عقولكم، وهوقول الحسن وغيره والافك هو الكذب.
قوله تعالى: فالق الاصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم(96)
آية بلاخلاف.
قرأ أهل الكوفة " جعل الليل " على الفعل. الباقون " جاعل " على الفاعل.
من قرأ " جاعل " على وزن فاعل فلان قبله اسم فاعل، وهو قوله:

(4/208)


تفسير التبيان ج4
" فالق الحب والنوى.. " و " فالق الاصباح " فقرأ " وجاعل الليل " ليكون (فاعل) المعطوف على (فاعل) المعطوف عليه، فيكون متشاكلا، لان من حكم الاسم ان يعطف على اسم مثله، لانه به أشبه من الفعل بالاسم، وهذه المشاكلة مراعاة في كلام العرب، ومثله " فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة "(1) وقوله " يدخل من يشاء في رحمته والظالمين "(2) وقوله " وكلا ضربنا له الامثال وكلا تبرنا تتبيرا "(3) نصبواهذا كاله ليكون القارئ بنصبها كالعاطف جملة من فعل وفاعل على جملة من فعل وفاعل، فكما أن الفعل أشبه من المبتدأ بالفعل، كذلك الاسم بالاسم أشبه من الفعل بالاسم، ويقوي ذلك قول الشاعر:
للبس عباء ة وتقر عيني
أحب الي من لبس الشفوف(4)
ومن قرأ " وجعل " فلان اسم الفاعل الذي قبله بمعنى الماضي، فلما كان (فاعل) بمعنى (فعل) في المعنى عطف عليه بالفعل لموافقته له في المعنى ويدلك على أنه بمنزلة (فعل) أنه نزل منزلته فيما عطف عليه، وهو قوله " والشمس والقمر حسبانا " ألا ترى أنه لماكان المعنى (فعل) حمل المعطوف على ذلك فنصب الشمس والقمر على (فعل) لماكان فاعل كفعل.
ويقوي ذلك قولهم: هذا معطي زيد درهما أمس، فالدرهم محمولا على (اعطى)، لان اسم الفاعل اذا كان لما مضى لم يعمل عمل الفعل، فاذا جعل (معطي) بمنزلة (أعطى) كذلك جعل (فالق) بمنزلة (فلق) لان اسم الفاعل لما مضى، فعطف على (فعل) لماكان بمنزلته، ولايجوز حمل (جاعل) على الليل، لان اسم الفاعل اذا كان لما مضى لايعمل عمل الفعل، وقد أجازه بعض الكوفيين.
---
(1) سورة 7 الاعراف آية 29.
(2) سورة 76 الدهر آية 31.
(3) سورة الفرقان آية 39.
(4) حاشية الصبان على الاشموني 3 / 313 الشاهد 827 ويروى " ولبس " بدل " للبس ".

(4/209)


تفسير التبيان ج4
معنى قوله " فالق الاصباح " أي شاق عمود الصبح عن ظلمة الليل، وذلك دال على القدرة العجيبة التي لايقدر عليها غير الله، ويحتمل أن يكون معناه خالقه على ماحكيناه عن الضحاك وذكره الزجاج، ورفع " فالق " لانه خبر عن الله تعالى بعد خبر كأنه قال " ان الله فالق الحب والنوى " فالق الاصباح. ويحتمل أن يكون خبر أبتداء محذوف، فكأنه قال: هو فالق الاصباح.
والاصباح مصدر أصبحنا إصباحا، والمراد أصبح كل يوم، فهو في معنى الاصباح.
وروي عن الحسن أنه قرأ " فالق الاصباح " بفتح الالف وماقرأ به غيره.
ومعنى " وجاعل الليل سكنا " أي تسكنون فيه وتتودعون فيه، وهو قول مجاهد والضحاك وقتادة وابن عباس وأكثر المفسرين.
وروي عن ابن عباس أن معناه، خالق الليل والنهار.
وقوله " والشمس والقمر حسبانا " نصبهما عطفا على موضع الليل، لان موضعه النصب بأنه مفعول جاعل. واختلفوا في معناه، فقال ابن عباس والسدي والربيع وقتادة، ومجاهد والجبائي: إنهما يجريان في أفلاكهما بحساب، تقطع الشمس الفلك في سنة ويقطعه القمر في شهر قدره الله تعالى به، فهو قوله " والشمس والقمر بحسبان "(1) وقوله: " وكل في فلك يسبحون "(2) وقال قتادة معناه انه جعل الشمس والقمر ضياء.
والاول أجود لان الله تعالى ذكر بمثل هذا من اياديه عند خلقه وعظيم سلطانه بفلقه الاصباح لهم واخراج النبات والغراس من الحب والنوى، وعقب ذلك بذكر خلق النجوم للاهتداء بها في البر والبحر، وكان وصفه اجراء الشمس والقمر بمنافعهم أشبه، وأنها تجري بحسبان مايحتاج الخلق اليه في معائشهم ومعاملاتهم: أما الشمس فللزرع والحرث، واما القمر فللموا عيد وآجال الديون في المعاملات، وفيها منافع لايعرف تفصيلها الا الله تعالى، لانه قال " فالق الاصباح " ذكر
---
(1) سورة 55 الرحمان آية 5.
(2) سورة 36 يس آية 40 وسورة 21 الانبياء آية 33

(4/210)


تفسير التبيان ج4
الضياء ولامعنى لتكريره دفعة ثانية. والحسبان جمع حساب على وزن شهبان وشهاب. وقيل في هذا الموضع انه مصدر حسبت الحساب أحسبه حسابا. وحكي عن بعض العرب على ذلك حسبان فلان وحسبته أي حسابه.
والحسبان - بكسر الحاء - جمع حسبانة، وهي وسادة صغيرة.
ونصب حسبانا على تقدير بحسبان، فلما حذف الباء نصبه.
وقال قوم: هو نصب لقوله " وجعل ".
وقوله: " ذلك تقدير العزيز العليم " أي هذا الذي وصفه بأنه فعله من فلقه الاصباح، وجعل الليل سكنا، والشمس والقمر حسبانا، تقدير الذي عز سلطانه فلا يقدر أحد أراده بسوء او عقاب او انتقام على الامتناع منه العليم بمصالح خلقه وتدبيرهم، لاتقدير الاصنام والاوثاق التي لاتسمع ولاتبصر ولاتفقه شيئا ولاتعقل.
قوله تعالى: وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الايات لقوم يعلمون(97)
آية
هذه الاية موصولة بالتي قبلها، ومعناهما متقارب، وهو أن الله تعالى عددنعمه على خلقه وأن من جملتها أنه جعل لهم النجوم بمعنى خلقها ليهتدوا بها في اسفارهم في ظلمات البر والبحر، وأنه قد فصل آياته لقوم يعلمون. وانما أضاف الايات إلى الذين يعلمون وان كانت آيات لغيرهم، لانهم المنتفعون بها، كما قال " هدى للمتقين " وليس في قوله انه خلقها ليهتدوا بها في ظلمات البر والبحر مايدل على أنه لم يخلقها لغير ذلك.
قال البلخي: بل يشهد أنه خلقها لامور جليلة عظيمة. ومن فكر في صغر الصغير منها وكبر الكبير، واختلاف مواقعها ومجاريها وسيرها، وظهور منافع الشمس والقمر في نشؤ الحيوان والنبات علم أن الامر كذلك. ولولم يخلقها إلا للاهتداء لماكان لخلقها صغارا وكبارا، ولاختلاف سيرها معنى.

(4/211)


تفسير التبيان ج4
قال الحسين بن علي المغربي: هذا من البلخي اشارة منه إلى دلالتها على الاحكام.
قوله تعالى: وهو الذي أنشاكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الايات لقوم يفقهون(98)
آية بلاخلاف قرأ ابن كثير وأبوعمرو، وروح " فمستقر " بكسر القاف. الباقون بفتحها.
قال ابوعلي النحوي: قال سيبويه: قالوا: قر في مكانه واستقر، كما قالوا: جلب وأجلب، يراد بهما شئ واحد، فكما بني هذا على (أفعلت) بني هذا على (استفعلت) فمن كسر القاف كان المستقر بمعنى القار، والخبر مضمر، وتقديره منكم مستقر كقولك: بعضكم مسقر أي مستقر في الارحام.
وقال " يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق "(1) كما قال " وقد خلقكم أطوارا " ا(2) ومن فتح فليس على أنه مفعول، لان استقر لايتعدى، واذالم يتعد لم يبن منه اسم مفعول، فاذا له يكن مفعولا كان اسم الفاعل مكانه، فالمستقر بمنزلة المقر كما أن المستقر بمعنى القار، وعلى هذا، لايجوز أن يكون خبره المضمر (منكم) كماجاز في قول من كسر القاف، واذا لم يجز ذلك جعلت الخبر المضمر (لكم) وتقديره: لكم مقر، ومستودع، فان استودع فعل يتعدى إلى مفعولين تقول: استودعت زيدا ألفا وأودعت زيدا الفا، فاستودع مثل أودع، ومثل استجاب واجاب، فالمستودع يجوز ان يكون الانسان الذي استودع ذلك المكان، ويجوز أن يكون المكان نفسه.
فمن فتح القاف في (مستقر) جعل المستودع مكانا ليكون مثل المعطوف عليه أي فلكم مكان استقرار ومكان استيداع. ومن كسر القاف، فالمعنى منكم
---
(1) سورة 39 الزمر آية 6.
(2) سورة 71 نوح آية 14

(4/212)


تفسير التبيان ج4
مستقر في الارحام ومنكم مستقر في الاصلاب، فالمستودع اسم المفعول به ليكون مثل المستقر في أنه اسم لغير المكان.
قال الزجاج: ويحتمل ان يكون مستقرا في الدنيا موجودا ومستودعا في الاصلاب لم يخلق بعد.
ويحتمل مستقر - بكسر القاف - في الاحياء، ومنكم مستودع في الثرى.
ورفع (مستقر ومستودع) على معنى فلكم مستقر ومستودع.
ومن كسر فمعناه فمنكم مستقر ومنكم مستودع.
وقال الفراء: تقديره ثم مستقر ومستودع.
واختلف المفسرون في قوله " فمستقر ومستودع " فقال عبدالله بن مسعود: المستقر مافي الرحم، والمستودع حيث يموت، وبه قال ابراهيم ومجاهد.
وقال سعيد ابن جبير: مستودع ماكان في أصلاب الرجال، فاذا قروا في أرحام النساء وعلى ظهر الارض وفى بطونها، فقد استقروا به.
وقال ابن عباس، وروي عن مجاهد - في رواية أخرى - المستقر الارض، والمستودع عندربك.
وروي عن ابن مسعود - في رواية - ان مستقرها في الاخرة ومستودعها في الصلب.
وقال عكرمة: مستقر في الاخرة ومستودع في صلب لم يخلق سيخلق. وبه قال قتادة والضحاك والسدي وابن زيد.
وقال الحسن: المستقر في القبر والمستودع في الدنيا.
ومعنى الاية أن الله تعالى هوالذي أنشأ الخلق ابتداء من نفس واحدة يعني آدم، منهم مستقر ومستودع، واذا حمل على العموم، فانه يتناول كل أحد على تأويل من قال المستقر في القبر والمستودع في الحشر، وعلى تأويل من قال المستودع من كان في الاصلاب والمستقر من كان في الارحام، لان كل الخلائق داخلون فيه، فالاولى حمل الاية على عمومها وهواختيار الطبري.
وقوله " قد فصلنا الايات لقوم يفقهون " معناه قد بينا الحجج وميزنا الايات والادلة والاعلام، واحكمناها لقوم يفقهون مواقع الحجج ومواضع العبر، ويعرفون الايات والذكر، وهو قول قتادة والمفسرين.

(4/213)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: وهوالذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شئ فاخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه أنظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لايات لقوم يؤمنون(99)
آية.
روى الاعشى والبرجمي " وجنات " بالرفع. الباقون " جنات " على النصب.
وقرأ حمزة والكسائي وخلف " ثمره " و " كلوا من ثمره " وفي (يس) " لتأكلوا من ثمره " بضم الثاء والميم فيهن. الباقون بفتحها.
من كسر التاء فلانها تاء جمع المؤنث في موضع النصب عطفا على قوله " فأخرجنا به نبات كل شئ " فأخرجنابه " جنات " ومن رفع عطفها على القنوان في الاعراب وإن لم يكن من جنسها، كما قال الشاعر:
ورأيت زوجك في الوغى
متقلدا سيفا ورمحا(1)
أي وحاملا رمحا.
ومن قرأ " ثمره " بالفتح فيهما فوجهه ان سيبويه يرى ان الثمر جمع ثمرة مثل بقرة وبقر وشجر وشجر وخرزة وخرز: ويقويه قوله ايضا " ومن ثمرات النخيل والاعناب "(2) وقد كسر على (فعال) فقالوا: ثما ركما قالوا أكمة واكام، وجذبة وجذاب ورقبة ورقاب.
ومن جمعها احتمل امرين: أحدهما - أن يكون جمع ثمرة على ثمر، مثل خشبة وخشب في قوله " كأنهم خشب مسندة "(3) واكمة واكم في قول الشاعر: ترى الاكم منه سجدا للحوافر(4)
---
(1) مر هذا البيت في 1: 6، 242، 3: 465.
(2) سورة 16 النحل آية 67.
(3) سورة 63 المنافقون آية 4.
(4) انظر 1 / 11 تعليقة 5

(4/214)


تفسير التبيان ج4
ومن المعتل ساحة وسوح، وقارة وقور، ولابة ولوب وناقة ونوق.
والثاني - أن يكون جمع ثمار على ثمر، فيكون ثمر جمع الجمع، وجمعوه على (فعل) كما جمعوه على (فعايل) في قولهم جمال وجمايل.
ومعنى الاية أن الذي يستحق العبادة خالصة لاشريك له فيها سواه هو الذي أنزل من السماء ماء. وأصل الماء ماه إلا أن الهمزة ابدلت من الهاء بدلالة قولهم أمواه في الجمع ومويه في التصغير.
وقوله " فاخرجنا به نبات كل شئ " معناه أخرج بالماء الذي أنزله من السماء من غذاء الانعام والبهائم والطير والوحش وارزاق بني آدم واقواتهم مايتغذون به ويأكلونه فينبتون عليه وينمون، ويكون معنى قوله " فأخرجنابه نبات كل شئ " أخرجنا به ماينبت كل شئ وينمو عليه ويصلح. ويحتمل أن يكون المراد أخرجنا به جميع أنواع النبات فيكون كل شئ هو اصناف النبات. والاول أحسن.
وقوله " فأخرجنابه " يعني من الماء " خضرا " يعني أخضر رطبا من الزرع. والخضر والاخضر واحد يقال: خضرت الارض خضرا وخضارة. والخضرة رطب البقول يقال: نخلة خضرة اذا كانت ترمي ببسرها أخضرا قبل ان ينضج، وقد اختضر الرجل واغتضر اذامات شابا مصححا، ويقال: هو لك خضرا مضرا أي هنيئا مريئا.
وقوله " يخرج منه حبا متراكبا " يعني يخرج من الخضر حبا يعنى مافي السنبل من الحنطة والشعير والارز وغيرها من السنابل، لان حبها يركب بعضه بعضا.
وقوله " ومن النخل من طلعها " إنما خص الطلع بالذكر لما فيه من المنافع العجيبة والاغذية الشريفة التي ليست في شئ من كمام الثمار.
قوله " قنوان دانية " تقدبره ومن النخل من طلعها ماقنوانه دانية، ولذلك رفع القنوان. والقنوان جمع قنو، كصنوان وصنو، وهوالعذب، يقال لواحده قنو وقنو، وقني ويثنى قنوان على لفظ الجمع وقنيان وانما يميز بينهما

(4/215)


تفسير التبيان ج4
بأعراب النون، ويجمع قنوان وقنوان وفي الجمع القليل ثلاثة أقناء، فالقنوان لغة أهل الحجاز، والقنوان لغة قيس قال امرؤ القيس:
فأتت اعياله وآدت اصوله
ومال بقنوان من البسر أحمر(1)
وقنيان وقنوان لغة تميم
وقوله " دانية " معناه قريبة متهدلة، وهوقول ابن عباس وقتادة والسدي والضحاك.
وقال الجبائي دانية أي متدانية في حلوق النخل متكوربها.
وقوله " وجنات " يعني وأخرجنا به أيضا جنات من أعناب يعني بساتين من اعناب.
وقوله " والزيتون والرمان " عطف الزيتون على الجنات على تقدير وأخرجنا الزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه، قال قتادة متشابه ورقه مختلف ثمره. ويحتمل أن يكون المراد مشتبها في الخلق مختلفا في الطعم.
وقال الجبائي مشتبها ماكان من جنس واحد، وغير متشابه اذا اختلف جنسه. والمعنى وشجر الرمان والزيتون، فاكتفى بذكر ثمره عن ذكر شجره، كما قال " واسأل القرية " فاكتفى بذكر القرية عن ذكر أهلها لدلالة الحال عليه.
وقوله " انظروا إلى ثمره اذا أثمر وينعه " الثمر جمع ثمرة، وهو ما انعقد على الشجر يقال: ثمر الثمر اذا نضج والمراد اذا أطلع ثمره.
وقوله " وينعه " قال بعضهم: اذا فتحت ياؤه فهو جمع يانع مثل صاحب وصحب وتاجر وتجر.
وقال آخرون: هو مصدر قولهم ينع الثمر فهو ينع ينعا. ويحكى في مصدره ثلاث لغات ينع وينع وينع، وكذلك نضج ونضج ونضج قال الشاعر:
في قباب حول دسكرة
حولها الزيتون قد ينعا(2)
---
(1) ديوانه 84 واللسان (قنا) والطبري 11 / 575 ورواية الديوان:
سواحق جبار أثيث فروعه
وعالين قنوانا من البسر أحمرا
(2) الحيوان للجاحظ 4 / 6 (طبع بيروت) والكامل للمبرد 1 / 226 ومجاز القرآن 1 / 202 واللسان والتاج (ينع)، (دسكر) وتفسير القرطبي 7 / 67 وقد روى (قدوقعا) بدل (قدينعا).

(4/216)


تفسير التبيان ج4
وسمع أيضا أينعت الثمرة تونع إيناعا فمعنى " وينعه " نضجه وبلوغه حين يبلغ وفي ينعه لغتان: فتح الياء وضمها، فالفتح لغة اهل الحجاز والضم لغة نجد.
وقال ابن عباس وقتادة والسدي والضحاك والطبري والزجاج وغيرهم: معنى وينعه ونضجه.
وقوله " إن في ذلكم لايات لقوم يؤمنون " يعني في انزال الله الماء من السماء الذي أخرج به نبات كل شئ، والخضر الذي أخرج منه الحب المتراكب وسائر ماعدد في الاية " لايات " أي دلالات أيها الناس اذا نظرتم فيها أداكم إلى التصديق بتوحيده وخلع الانداد دونه، وأنه لايستحق العبادة سواه، لان في ذلك بيانا وحججا وبرهانا لقوم يؤمنون، فتصدقون بوحدانية الله وقدرته على مايشاء. وانما خص المؤمنين بالذكر، لانهم المنتفعون بذلك والمعتبرون به، كما قال " هدى للمتقين " وفي الاية دلالة على بطلان قول من يقول بالطبع، لان من الماء الواحد والتربة الواحدة يخرج الله ثمارا مختلفة وأشجارا متباينة ولا يقدر على ذلك غير الله تعالى.
الآية: 100 - 119
قوله تعالى: وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون(100)
آية بلاخلاف قرأ أهل المدينة " خرقوا " بتشديد الراء. الباقون بتخفيفها.
قال أبو عبيدة " وخرقوا له بنين وبنات " أي جعلوا له وأشركوه.
يقال: خرق واخترق واختلق بمعنى، اذا افتعل وافترا وكذب، قال أحمدبن يحيى: خرق واخترق، وقال ابوالحسن الخفيفة أحب الي، لانها أكثر.

(4/217)


تفسير التبيان ج4
وقيل ان المعنى المشركين ادعوا أن الملائكة بنات الله، والنصارى المسيح ابن الله واليهود عزير ابن الله ومن شدد كأنه ذهب إلى التكثير.
أخبر الله تعالى أن هؤلاء الكفار العادلين عن الحق المتخذين معه آلهة جعلوا له أندادا وشركاء الجن، كما قال " وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا "(1) وقال " وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن أناثا "(2) وقال " ويجعلون لله البنات "(3) ووصفهم بالجن لخفائهم عن الابصار وقوله " وجعلوا لله شركاء الجن " أراد به الكفار الذين جعلوا الملائكة بنات الله والنصارى الذين جعلوا المسيح ابن الله، واليهود الذين جعلوا عزيرا ابن الله، ولذلك قال " وخرقوا له بنين وبنات " ففصل أقوالهم.
وقيل ان معنى " شركاء الجن " في استعاذتهم بهم.
وقيل ان المعنى ان المجوس تنسب الشر إلى إبليس وتجعله بذلك شريكا.
والهاء والميم في قوله " وخلقهم " يحتمل أن تكون عائدة إلى الكفار الذين جعلوا لله الجن شركاء. ويحتمل أن تكون عائدة على الجن، ويكون المعنى " وجعلوا لله شركاء الجن " والله خلق الجن فكيف يكونون شركاء له. وفي نصب الجن وجهان أحدهما - ان يكون تفسيرا للشركاء وبدلا منه. والاخر - ان يكون مفعولا به ومعناه وجعلوا لله الجن شركاء وهو خالقهم.
وروي عن يحيى بن يعمر انه قرأ " وخلقهم " بسكون اللام بمعنى أن الجن شركاء لله في خلقه إيانا، وهذه القراء ة ضعيفة. والقراء ة المعروفة أجود، لان المعنى وخلقهم بمعنى أن الله خلقهم متفردا بخلقه اياهم.
وقوله " وخرقوا له بنين وبنات " معناه تخرصوا، وهوقول ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد وغيرهم، فيتلخص الكلام أن هؤلاء الكفار جعلوا لله الجن شركاء في عبادتهم اياه مع انه المتفرد بخلقهم بغير شريك ولامعين
---
(1) سورة 37 الصافات آية 158.
(2) سورة 43 الزخرف آية 17.
(3) سورة 16 النحل آية 57.

(4/218)


تفسير التبيان ج4
ولاظهير " وخرقوا له بنين وبنات " معناه تخرصوا له كذبا بنين وبنات " بغير علم " أي بغير حجة. ويحتمل أن يكون معناه بغير علم منهم بما عليهم عاجلا وآجلا ويحتمل ان يكون معناه بغير علم منهم بماقالوه على حقيقة ما يقولون، لكن جهلا منهم بالله وبعظمته، لانه لاينبغي لمن كان الها أن يكون له بنون وبنات ولاصاحبة ولاأن يشركه في خلقه شريك، ثم نزه نفسه تعالى وأمرنا بتنزيهه عما أضافوه اليه، وأنه يجل عن ذلك ويتعالى عنه، فقال " سبحانه وتعالى عما يصفون " من ادعائهم له شركاء واختراقهم له بنين وبنات لان ذلك لا يليق بصفته ولا بواحدانيته.
قوله تعالى: بديع السموات والارض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبه وخلق كل شئ وهو بكل شئ عليم(101)
آية بلاخلاف.
البديع هوالمبدع وهي صفة معدولة عن (مفعل) إلى (فعيل) ولذلك تعدى (فعيل) لانه يعمل عمل ماعدل عنه، فاذالم يكن معدولا للمبالغة لم يتعد نحوطويل وقصير، وارتفع بديع، لانه خبر ابتداء محذوف، وتقديره هو بديع السموات والارض. ويجوز أن يكون رفعا بالابتداء وخبره (انى) يكون له ولد).
والفرق بين الابتداع والاختراع فعل مالم يسبق إلى مثله، والاختراع فعل مالم يوجد سبب له، ولذلك يقال: البدعة والسنة، فالبدعة احداث مالم يسبق اليه مما خالف السنة، ولايوصف بالاختراع غير الله، لان حد ما ابتدئ في غير محل القدرة عليه، ولايقدر على ذلك الا القادر للنفس، لان القادر بقدرة اما ان يفعل مباشرا وحده ماابتدئ في محل القدرة عليه او متولد وحده ماوقع بحسب غيره، وهو على ضربين: احدهما تولده في محل القدرة عليه. والاخر انه يتعداه بسبب هو الاعتماد لاغير، ولايقدر غير الله على الاختراع أصلا.

(4/219)


تفسير التبيان ج4
فاما الابتداع فقد يقع منه، لانه قد يفعل فعلا لم يسبق اليه.
واما " بديع السماوات والارض " فلا يوصف به غير الله لانه خالقهما على غير مثال سبق.
وقوله " اني يكون له ولد " معناه وكيف يكون له ولد.
وقيل: معناه من اين يكون له ولد؟ ولم تكن له صاحبة، فالولد هو الحيوان المتكون من حيوان، فعلى هذا آدم ليس بولد، لانه لم يتكون عن والد، والمسيح (ع) ولد، لان مريم ولدته فهو متكون عنها، وان لم يكن عن ذكر، والصاحب هوالقرين اللازم، ولذلك يقال: اصحاب الصحراء وفي القرآن اصحاب النار وأصحاب الجنة. ومعناه المقارنون لها. وقد يكون المقارن لماهو من جنسه وماليس من جنسه، فيوصف بانه صاحب الا انه لابد من مشاكلته ويقال: صاحب القرآن أي حافظه، وصاحب الدار مالكها.
وقوله: " وخلق كل شئ " يحتمل امرين: احدهما - ان يكون اراد ب (خلق) قد ر، فعلى هذاتكون الاية عامة، لانه تعالى مقدر كل شئ. ويحتمل ان يكون احدث كل شئ، فعلى هذا يكون مخصوصا، لانه لم يحدث اشياء كثيرة من مقدورات غيره، ما هو معدوم لم يوجد على مذهب من يسميها أشياء. وكقديم آخر، لانه يستحيل.
وقوله: " وهو بكل شئ عليم " عام، لان الله تعالى يعلم الاشياء كلها قديمها ومحدثها، موجودها ومعدومها، لاتخفى عليه خافية.
قوله تعالى: ذلكم الله ربكم لاإله إلا هو خالق كل شئ فاعبدوه وهو على كل شئ وكيل(102)
آية بلاخلاف.

(4/220)


تفسير التبيان ج4
" ذلك " اشارة إلى ماتقدم ذكره من وصف الله بانه " بديع السماوات والارض " وغير ذلك من صفاته تعالى. وانما ادخل فيه الميم، لانه خطاب لجميع الخلق. " الله ربكم " صفة بعد صفة.
وقوله: " لاإله إلا هو " اخبار بانه لامعبود سواه تحق له العبادة. وبين انه " خالق كل شئ " من اصناف الخلق. وحذف اختصارا - في المبالغة - لقيام الدلالة على انه لايدخل فيه مالم يخلقه من اصناف الاشياء من المعدوم، وافعال العباد والقبائح، ومثله في المبالغة قوله: " تدمر كل شئ بأمر ربها "(1). وقوله: " واوتيت من كل شئ "(2). ثم امر الخلق بعبادة من كان خالق الاشياء كلها، والمنعم على خلقه بما يستحق به العبادة: من خلق الحياة والقدرة والشهوة والبقاء، وغير ذلك. واخبر انه تعالى " على كل شئ وكيل " أي حافظ.
والوكيل على الشئ هوالحافظ الذي يحوطه ويدفع الضرر عنه. وانما وصف بانه وكيل مع انه مالك الاشياء، لانه لما كانت منافعه لغيره لاستحالة المنافع عليه والمضار، صحة الصفة له من هذه الجهة بانه وكيل، وكان فيها تذكير بالنعمة مع كونه مالكا من جهة انه قادر عليه له ان يصرف اتم التصريف مما يريده بمنزلة مايريده الوكيل في ان منافعه تعود على غيره، ولايلزم على هذا ان يقال: هو وكيل على القبائح والفواحش، لانه يوهم انها عرض وانما تدخل في الجملة على طريق التبع، لانه يجازي عليها بالعذاب المستحق بها.
ورفع " خالق كل شئ " بانه خبر ابتداء محذوف كأنه قيل هو خالق كل شئ، لانه تقدم ذكره فاستغني عن ذكره. ولايجوز رفعه على ان خبره " فاعبدوه " لدخول الفاء. وكان يجوز نصبه على الحال لانه نكرة اتصل بمعرفة بعد التمام.
---
(1) سورة 46 الاحقاف آية 25.
(2) سورة 27 النمل آية 23

(4/221)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: لاتدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير(103)
آية بلاخلاف.
في هذه الاية دلالة واضحة على انه تعالى لايرى بالابصار، لانه تمدح بنفي الادراك عن نفسه. وكلما كان نفيه مدحا غير متفضل به فاثباته لايكون الانقصا، والنقص لايليق به تعالى. فاذا ثبت انه لايجوز ادراكه، ولا رؤيته، وهذه الجملة تحتاج إلى بيان اشياء: احدها - انه تعالى تمدح بالاية.
والثاني - ان الادراك هو الرؤية.
والثالث - ان كلما كان نفيه مدحا لايكون اثباته الانقصا.
والذي يدل على تمدحه شيآن: احدهما - اجماع الامة، فانه لاخلاف بينهم في انه تعالى تمدح بهذه الاية، فقولنا: تمدح بنفي الادراك عن نفسه لاستحالته عليه.
وقال المخالف: تمدح لانه قادر على منع الابصار من رؤيته، فالاجماع حاصل على ان فيها مدحة.
والثاني - ان جميع الاوصاف التي وصف بها نفسه قبل هذه الاية وبعدها مدحة، فلايجوز ان يتخلل ذلك ماليس بمدحة.
والذي يدل على ان الادراك يفيد الرؤية ان اهل اللغة لايفرقون بين قولهم: ادركت ببصري شخصا، وآنست، واحسست ببصري. وانه يراد بذلك اجمع الرؤية. فلو جاز الخلاف في الادراك، لجاز الخلاف فيما عداها من الاقسام.
فاما الادراك في اللغة، فقد يكون بمعنى اللحوق، كقولهم: ادراك قتادة الحسن. ويكون بمعنى النضج، كقولهم ادركت الثمرة، وادركت القدر، وادرك الغلام اذا بلغ حال الرجال. وأيضا فان الادراك اذا اضيف إلى واحد من الحواس أفاد ماتلك الحاسة آلة.

(4/222)


تفسير التبيان ج4
فيه ألا ترى انهم يقولون: ادركته بأذني يريدون سمعته، وادركته بانفي يريدون شممته وادركته بفمي يريدون ذقته. وكذلك اذا قالوا: ادركته ببصري يريدون رأيته. واما قولهم ادركت حرارة الميل ببصري فغير معروف ولامسموع، ومع هذا ليس بمطلق بل هو مقيد، لان قولهم حرارة الميل تقييد لان الحرارة تدرك بكل محل فيه حياة، ولو قال ادركت الميل ببصري لما استفيد به الا الرؤية.
وقولهم ان الادراك هو الاحاطة باطل، لانه لوكان كذلك لقالوا: أدرك الجراب بالدقيق وأدرك الحب بالماء وأدرك السور بالمدينة لاحاطة جميع ذلك بما فيه، والامر بخلاف ذلك.
وقوله " حتى اذا أدركه الغرق "(1) فليس المراد به الاحاطة بل المعنى حتى اذا لحقه الغرق، كما يقولون أدركت فلانا اذا لحقته، ومثله " فلما تراء الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون "(2) أي لملحقون، والذي يدل على أن المدح اذاكان متعلقا بنفي فاثباته لايكون الا نقصا، قوله " لاتأخذه سنة ولانوم(3) وقوله " ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله "(4) لماكان مدحا متعلقا بنفي فلو ثبت في حال لكان نقصا.
فان قيل كيف يتمدح بنفي الرؤية ومع هذا يشاركه فيها ماليس بممدوح من المعدومات والضمائر.؟ قلنا: انما كان ذلك مدحا بشرط كونه مدركا للابصار وبذلك يميز من جميع الموجودات لانه ليس في الموجودات مايدرك ولايدرك.
فان قيل: ولم اذا كان يدرك ولايدرك يجب ان يكون ممدوحا؟ قلنا: قد ثبت ان الاية مدحة بمادللنا عليه، ولابد فيها من وجه مدحة فلايخلو من أحد وجهين: اما أن يكون وجه المدحة أنه يستحيل رؤيته مع كونه رائيا أو ما قالوه من أنه يقدر على منع الابصار من رؤيته بأن لايفعل
---
(1) سورة 10 يونس آية 90.
(2) سورة 26 الشعراء آية 62.
(3) سورة 2 البقرة آية 256.
(4) سورة 23 المؤمنون آية 92

(4/223)


تفسير التبيان ج4
فيها الادراك، وماقالوه باطل لقيام الدلالة على أن الادراك ليس بمعنى الاحاطة، فاذا بطل ذلك لم يبق الاماقلناه، والاخرجت الاية من كونهامدحة.
وقد قيل: ان وجه المدحة في ذلك أن من حق المرئي أن يكون مقابلا أو في حكم المقابل وذلك يدل على مدحته، وهذا دليل من أصل المسألة لايمكن ان يكون جوابا في الاية.
فان قيل: انه تعالى نفى أن تكون الابصار تدركه فمن أين ان المبصرين لا يدركونه؟ قلنا: الابصار لاتدرك شيئا البتة فلااختصاص لها به دون غيره، وأيضا فان العادة ان يضاف الادراك إلى الابصار ويراد به ذووا الابصار، كما يقولون: بطشت يدي وسمعت أذني وتكلم لساني ويراد به أجمع ذووا الجارحة فان قيل: انه تعالى نفى أن جميع المبصرين لايدركونه، فمن أين أن البعض لايدركونه وهم المؤمنون؟ قلنا: اذاكان تمدحه في استحالة الرؤية عليه لماقدمناه فلا اختصاص لذلك براء دون رائي، ولك ان تستدل بأن تقول: هو تعالى نفى الادراك عن نفسه نفيا عاما كما أنه أثبت لنفسه ذلك عاما فلو جاز ان يخص ذلك بوقت دون وقت لجاز مثله في كونه مدركا. واذا ثبت نفي ادراكه على كل حال فكل من قال بذلك قال الرؤية مستحيلة عليه. ومن أجاز الرؤية لم ينفها نفيا عاما فالقول بنفيها عموما مع جواز الروية عليه قول خارج عن الاجماع. فان عورضت هذه الاية بقوله " وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة "(1) فانا نبين انه لاتعارض بينهما وانه ليس في هذه الاية مايدل على جواز الرؤية اذا انتهينا اليها ان شاء الله.
وقوله " وهو اللطيف الخبير " قيل في معنى " اللطيف " قولان: أحدهما - أنه اللاطف لعباده بسبوغ الانعام، غير انه عدل من وزن (فاعل) إلى (فعيل) للمبالغة. الثاني - أنه لطيف التدبير، وحذف لدلالة الكلام عليه.
---
(1) سورة 75 القيامة آية 23

(4/224)


تفسير التبيان ج4
والخبير هو العالم بالاشياء المتبين لها، وماذكرناه من أن معنى الاية نفي الرؤية عن نفسه على كل حال قول جماعة منهم عائشة، روى مسروق عن عائشة انها قالت: من حدثك أن رسول الله رأى ربه فقد كذب " لاتدركه الابصار وهويدرك الابصار " و " ماكان لبشر أن يكلمه الله الا وحيا أو من وراء حجاب(1) ولكن رأى جبرائيل في صورته مرتين.
وفي رواية أخرى أن مسروقا لما قال لها: هل رأى محمد ربه؟ قالت: سبحان الله، لقد وقف شعري مما قلت، ثم قرأت الاية.
وقال الشعبي قالت عائشة من قال: ان أحدا رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله، وقرأت الاية، وهوقول السدي وجماعة أهل العدل من المفسرين كالحسن والبلخي والجبائي والرماني وغيرهم.
وقال أهل الحشو والمجبرة بجواز الرؤية على الله تعالي في الاخرة وتأولوا الاية على الاحاطة وقد بينا فساد ذلك.
قوله تعالى: قد جاء كم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ(104)
آية بلاخلاف.
البصائر جمع بصيرة وهي الدلالة التي توجب العلم الذي يبصر به نفس الشئ على ماهوبه والمراد ههنا قد جاء كم القرآن الذي فيه الحجج والبراهين، قال الشاعر:
جاؤا بصائرهم على أكتافهم
وبصيرتي يعدو بها عتد وأي(2)
---
(1) سورة 42 الشورى آية 51.
(2) اللسان (بصر)، (عتد)، (وأي) وتفسير الطبري 12 / 24 والبصيرة الدم، والشاعر يعير أخوته لابيه لعدم أخذهم بثأر أبيهم وقد أخذ هو بدم ابيه ويروى (حملوا بصائرهم) و (راحوا بصائرهم). والعتد الحاضر المعد للكروب

(4/225)


تفسير التبيان ج4
ونعني بالبصيرة الحجة البينة الظاهرة.
وأما الابصار فهو الادراك ولذلك يوصف تعالى بأنه مبصر كما يوصف بأنه مدرك ويسمى بأنه بصير، لانه يجب أن يدرك المبصرات اذا وجدت وانما وصفت الدلالة بأنها جائية وان كان لايجوز أن يقال جاء ت الحركة، ولاجاء السكون ولاالاعتماد، وغير ذلك من الاعراض لتفخيم شأن الدلالة حيث كانت بمنزلة الغائب المتوقع حضوره للنفس كما يقال جاء ت العافية وانصرف المرض وأقبل السعد وأدبر النحس.
وقوله " فمن أبصر فلنفسه " يعني من تبين بهذه الحجج بأن نظر فيها حتى اوجبت له " العلم وتبين بها، فمنفعة ذلك تعود عليه ولنفسه بمانظر. ومن عمي فلم ينظر فيها وصدف عنها حتى جهل فعلى نفسه لان عقاب تفريطه لازم له وحال به، فسمي العلم والتبيين إبصارا مجازا، وسمي الجهل عمى توسعا. وفي ذلك دلالة على ان الخلق غير مجبرين بل هم مخيرون في أفعالهم. ثم خاطب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وأمره بأن يقول لهم " وماأنا عليكم بحفيظ " يعني برقيب على أعمال العباد حتى يجازيهم بها، - في قول الحسن - بل هوشهيد عليهم، لانه يرجع إلى الحال الظاهرة التي تقع عليها المشاهدة.
قال الزجاج: هذا قبل أن يؤمر بالقتال. ثم أمر أن يمنعهم بالسيف عن عبادة الاوثان.
وهذه الاية فيها أمر من الله لنبيه أن يقول لهؤلاء الكفار: قد جاء كم حجج من الله وهوماذكره في قوله " فالق الحب والنوى "(1) إلى هاهنا. وما يبصرون به الهدى من الضلال، فمن نظر وعلم فلنفسه نفع، ومن جهل وعمي فلنفسه ضر. ولست أمنعكم منه ولا أحول بينكم وما تحتاجون، وهو قول قتادة وابن زيد.
قوله تعالى: وكذلك نصرف الايات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون(105)
آية بلاخلاف.
---
(1) آية 95 من هذه السورة.

(4/226)


تفسير التبيان ج4
قرأابن كثير وابوعمرو (دارست) بألف وفتح التاء. الباقون بلا الف " درست " بفتح التاء، الا ابن عامر فانه قرأ " درست " بسكون " التاء وفتح السين بمعنى (انمحت) وذكر الاخفش (درست) وهوأشد مبالغة في الامحاء وقيل (درست) على مالم يسم فاعله. والمعاني متقاربة غير ان هذين لم يقرأ بهما أحد من المعروفين.
وفي قراء ة عبدالله (درس) أي ليقولوا درس محمد.
قال أبوزيد: درست أدرس دراسة وهي القراء ة. وانما يقال ذلك اذا قرأت على غيرك.
قال الاصمعي أنشدني ابن ميادة:
يكفيك من بعض إزديار الافاق
سمراء ممادرس ابن مخراق(1)
يقال درس يدرس مثل داس يدوس.
قال: وقال بعضهم: سمراء ناقته، ودرسها رياضها قال ودرس السورة من هذا أي يدرسها لتخف على لسانه، والدريس الثوب الخلق، وأصل الدرس استمرار التلاوة.
وقال ابوعلي النحوي: من قرأ " دارست " معناه أهل الكتاب وذاكرتهم، قال وقد يحذف الالف في مثل هذا في المصحف.
قال ويقوي ذلك قوله " وقالوا اساطير الاولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا "(2) وقالوا " ان هذا الا افك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون(3) ومن قرأ (درست) قال لان أبيا وابن مسعود قرء ا به فاسندا الفعل فيه إلى الغيبة كما اسند إلى الخطاب ومعناه درست فتعلمت من أهل الكتاب.
وقال المغربي: درست معناه علمت كما قال " ودرسوا ما فيه "(4) أي علموه فعلى هذا يكون اللام لام الغرض، كأنه قال فعلنا ذلك ليقولوا علمت. ووجه قراء ة ابن عامر انه ذهب إلى الدرس الذي هو تعفية الاثر وإمحاء الرسم.
واللام من قوله " وليقولوا درست " على ضربين: من قال (درست) بلاالف، فالمعنى لكراهة أن يقولوا أو لئلا يقولوا: درست، كما قال " يبين الله لكم أن تضلوا "(5) ومعناه لئلا تضلوا وكراهة
---
(1) اللسان " سمر ".
(2) سورة 25 الفرقان آية 5.
(3) سورة 25 الفرقان آية 4.
(4) سورة 7 الاعراف آية 168.
(5) سورة 4 النساء آية 175

(4/227)


تفسير التبيان ج4
ان تضلوا، والمعنى اني فصلت الايات وأحكمتها لئلا يقولوا: انها أخبار قد تقدمت وطال العهد بها وباد من كان يعرفها، كما قالوا " أساطير الاولين "(1) لان تلك الاخبار لاتخلو من خلل فاذا سلم الكتاب منه لم يكن لطاعن موضع طعن.
والثاني - ليقولوا (درست) ذلك بحضرتنا أي ليقروا بورود الاية عليهم فتقوم الحجة عليهم.
وقال الزجاج: اللام لام العاقبة ومن قرأ (دارست) فاللام على قوله كالتي في قوله " ليكون " لهم عدوا وحزنا "(2) ولم يلتقطوه لذلك لكن كان عاقبته كذلك كما أنه تعالى لم يفصل الايات ليقولوا دارست ودرست. لكن لما قالوا ذلك أطلق ذلك عليه اتساعا. وموضع الكاف في وكذلك نصب، لان المعنى نصرف الايات في غير هذه السورة مثل التصريف في هذه السورة، فهو في موضع صفة المصدر كأنه قال تصريفا مثل هذا التصريف.
قال الرماني: التصريف اجراء المعنى الدائر في المعاني المتعاقبة ليجتمع فيه وجوه الفائدة.
وقال الحسن ومجاهد والسدي وابن عباس وسعيدبن جبير (دارست) أي ذاكرت أهل الكتابين وقارأتهم، وقوله " ولنبينه لقوم يعلمون " معناه لنبين الذي هذه الايات دالة عليه لقوم يعلمون مانورده عليهم من هذه الايات، ويعقلون ذلك وهم الذين يلزمهم الاستدلال بذلك على الله وعلى صحة دينه.
وقال قوم " ليقولوا درست " معناه التهديد كما يقول القائل: قل لفلان: يوفينا حقنا وليصنع ماشاء، وقل للناس الحق وليقولوا ماشاؤا أي ذلك لايضرك، ولان ضرره يعود عليهم من العقاب والذم.
---
(1) سورة 16 النحل آية 24.
(2) سورة 28 القصص آية 8.

(4/228)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: إتبع ما أوحي إليك من ربك لاإله إلا هو وأعرض عن المشركين(106)
آية بلاخلاف.
أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يتبع ماأوحي اليه من ربه، والاتباع هو أن يتصرف الثاني بتصريف الاول، والنبي صلى الله عليه وآله كان يتصرف في الدين بتصريف الوحي فلذلك كان متبعا، وكذلك كل متدبر بتدبير غيره فهو متبع له والايحاء هوالقاء المعنى إلى النفس من جهة يخفى، وانما أعاد قول " لاإله إلا هو " لان المعنى ادعهم إلى انه لاإله إلا هو، فعلى هذا ليس بتكرار، هذا قول الحسن.
وقال الجبائي: لانه بمعنى الزمه وحده.
وقال غيره: لان معناه اتبع ماأوحي اليك من أنه لااله الا هو.
وقوله " واعرض عن المشركين " أمر للنبي صلى الله عليه وآله بالاعراض عن المشركين، ولا ينافي ذلك أمره اياه بدعائهم إلى الحق وقتالهم على مخالفتهم لامرين: أحدهما - أنه أمره بالاعراض عنهم على وجه الاستجهال لهم فيما اعتقدوه من الاشراك بربهم. الثاني - قال ابن عباس: نسخ ذلك بقوله " اقتلوا المشركين "(1) وأصل الاعراض هو الانصراف بالوجه إلى جهة العرض.
والعرض خلاف الطول، ومنه (واعرضت اليمامة). أي ظهرت كالظهور بالعرض ومنه العارضة لظهور المساواة بها كالظهور بالعرض، والاعتراض المنع من الشئ بحاجز عنه عرضا ومنه العرض الذي يظهر كالظهور بالعرض ثم لايلبث. وحد أيضا بانه ما يظهر في الوجود ولايكون له لبث كلبث الجواهر.
---
(1) سورة 9 التوبة آية 6

(4/229)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: ولو شاء الله ماأشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل(107)
آية.
ان قيل: كيف قال تعالى " ولوشاء الله ماأشركوا " والمشيئة لاتتعلق الا بفعل يصح حدوثه، ولاتتعلق بأن لايكون الشئ؟ ! قلنا: التقدير لوشاء الله ان يكونوا على غير الشرك قسرا ماأشركوا فمتعلق المشيئة محذوف، فمراد هذه المشيئة حالهم التي تنافى الشرك قسرا بالاقتطاع عن الشرك عجزا اومنعا أو الجاء. وانما لايشاء الله هذه الحال لانها تنافي التكليف. وانما لم يمنع العاصي من المعصية لانه انما اتى بها من قبل نفسه، والله تعالى فعل به جميع مافعل بالمطيع من ازاحة العلة، فاذا لم يطع وعصى كانت الحجة عليه.
وربما كان في بقائه لطف للمؤمن فيجب تبقيته وليس لاحد ان يقول الاية دالة على انه تعالى لم يرد هدايتهم لانه لو أراد ذلك لاهتدوا، وذلك أنه لولم يرد أن يهتدوا لم يكونوا عصاة بمخالفة الاهتداء، لان المعاصي هوالذي خالف ماأريد منه ولما صح أمرهم أيضا بالاهتداء.
والفرق بين الحفيظ والوكيل هو أن الحفيظ يحفظهم من أن يزلوا بمنعه لهم، والوكيل القيم بأمورهم في مصالحهم لدينهم أو دنياهم حتى يلطف لهم في تناول مايجب عليهم، فليس بحفيظ في ذاك ولاوكيل في هذا، فذلك قال تعالى: انه لم يجعل نبيه حفيظا ولاجعله وكيلا عليهم، بل الله تعالى هو الرقيب الحافظ عليهم والمتكفل بأرزاقهم. وانما النبي صلى الله عليه وآله مبلغ منذر ومخوف.
وقيل: ان ذلك كان بمكة قبل أن يؤمر بالقتال.

(4/230)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: ولاتسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون(108)
آية بلاخلاف.
قرأ الحسن ويعقوب " عدوا " بضم العين والدال وتشديد الواو. والباقون بفتح العين وبسكون الدال.
وأصل ذلك من العدوان.
و " عدوا " مخففا و " عدوا " لغتان، يقال عدا علي عدوا وعدوانا وعداء ا اذا ظلم مثل ضرب ضربا.
وعدا فلان على فلان أي ظلمه. والاعتداء افتعال من عدا.
فهى الله تعالى المؤمنين أن يسبوا الذين يدعون من دون الله.
والسب الذكر بالقبيح ومثله الشتم والذم وهوالطعن فيه بمعنى قبيح، كما يطعن فيه بالسنان، وأصله السبب، فهو تسبب إلى ذكره بالعيب.
والمعنى في الاية لاتخرجوا في مجادلتهم ودعائهم إلى الايمان ومحاجتهم إلى ان تسبوا مايعبدونه من دون الله، فان ذلك ليس من الحجاج في شئ، وهو أيضا يدعوهم إلى أن يعارضوكم ويسبوا الله بجهلهم وحميتهم، فأنتم اليوم غير قادرين على معاقبتهم بما يستحقون، وهم أيضا لايتقونكم، لان الدار دارهم ولم يؤذن لكم في القتال.
وكان سبب نزول الاية - في قول الحسن - أن المسلمين كانوا يسبون آلهة المشركين من الاوثان، فاذا سبوها يسب المشركون الله تعالى، فأنزل الله تعالى الاية.
وقال أبوجهل: والله يامحمد لتتركوا سب آلهتنا أو لنسبن الهك الذي بعثك، فنزلت الاية.
وفي ذلك دلالة على ان المحق يلزمه الكف عن سب السفهاء الذين يسرعون إلى سبه مقابلة له، لانه بمنزلة البعث على المعصية والمفسدة فيها.

(4/231)


تفسير التبيان ج4
وانما قال " يدعون من دون الله " بمعنى يعبدون، لان معناه يدعونه إلها فلما قال " من دون الله " وهو من صفة الكفار دل على هذا المعنى فحذف اختصارا.
وانما قال " من دون الله " مع انهم كانوا يشركون في العبادة بين الله وبين الاصنام لامرين: أحدهما - ان ما وجهوه من العبادة إلى الاوثان انما هو عبادة لها لا لله، وليس كالتوجه إلى القبلة عبادة لله. والثاني - أن ذلك غير معتد به، لانهم أوقعوا العبادة على خلاف الوجه المأمور به فما أطاعوا الله بحال.
وقوله " كذلك زينا لكل أمة عملهم " قيل في معناه أربعة أقوال: أحدها - قال الحسن والجبائي والطبري والرماني: انا كما أمرناكم بحسن الدعاء إلى الله تعالى وتزيين الحق في قلوب المدعوين كذلك زينا للامم المتقدمين أعمالهم التي أمرناهم بها ودعوناهم اليها بأن رغبناهم في الثواب، وحذرناهم من العقاب ويسمى مايجب على الانسان أن يعمله بأنه عمله كما يقول القائل لولده أو غلامه: اعمل عملك يريد به ماينبغي له أن يفعله، لان ماوجد وتقضى لايصح الامر بأن يفعله.
الثاني - زينا الحجة الداعية اليها والشبهة التي من كمال العقل ان يكون المكلف عليها، لانه متى لم يفعل منى الشبهة لم يكن عاقلا.
الثالث - التزيين المراد به ميل الطبع إلى الشئ فهو إلى الحسن ليفعل والى القبيح ليجتنب.
والرابع - ذكره البلخي أيضا، وهوأن المعنى ان الله زين لكل امة عملهم من تعظيم من خلقهم ورزقهم وانعم عليهم، والمحامات عنه وعداوة من عاداه طاعة له، فلما كان المشركون يظنون شركاء هم هم الذين يفعلون ذلك أو أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، حاموا عنهم وتعصبوا لهم وعارضوا من شتمهم بشتم من يعز عليهم، فهم لم يعدوا فيما صنعوا مازينه الله لهم في الحملة، لكن غلطوا فقصدوا بذلك من لم يجب ان يقصدوه فكفروا وضلوا.

(4/232)


تفسير التبيان ج4
وقوله " عدوا " نصب على المصدر، وقرئ " عدوا " والمعنى جماعة يعني أعداء وعلى هذا يكون نصبا على الحال.
قوله تعالى: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاء تهم آية ليومننّ بها قل إنما الآيات عند الله ومايشعركم أنها إذا جاء ت لايؤمنون(109)
آية.
قرأ ابن كثير وأبوعمرو ويعقوب وأبوبكر الايحيى ونصير وخلف " وما يشعركم انها " بكسر الهمزة. الباقون بفتحها.
وقرأ ابن عامر وحمزة " لاتؤمنون " بالتاء. الباقون بالياء.
و (ما) في قوله " ومايشعركم " استفهام وفاعل (يشعركم) ضمير (ما) ولا يجوز ان يكون نفيا، لان الفعل فيه يبقى بلافاعل، ولايجوز ان يكون نصبا ويكون الفاعل ضمير اسم الله، لان التقدير يصير، ومايشعركم الله انتفاء ايمانهم، وهذا ليس بصحيح، لان الله قد أعلمنا أنهم لايؤمنون بقوله " ولواننا نزلنا اليهم الملائكة. " آية(111) فالمعنى ومايدريكم ايمانهم اذاجاء ت الايات، فحذف المفعول، وتقديره ومايدريكم ايمانهم اذاجاء ت أي هم لا يؤمنون مع مجئ الاية.
ومن كسر الالف فلانه استئناف على القطع بأنهم لا يؤمنون، ولو فتحت ب " يشعركم " كان عدوا لهم، ويجوز فتحها على وجهين: الاول قال الخليل: بمعنى لعلها اذا جاء ت لايؤمنون، كما يقول القائل: ائت السوق انك تشتري لنا شيئا معناه لعلك، قال عدي بن زيد:

(4/233)


تفسير التبيان ج4
أعاذل مايدريك ان منيتي
إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد(1)
وقال درى بن الصمة:
ذريتي أطوف في البلاد لانني
أرى ماترين أوبخيلا مخلد(2)
وقال آخر:
هل أنتم عائجون بنالانا
نرى العرصات أو أثر الخيام(3)
وقال الفراء: انهم يقولون: لعلك، ولعنك، ورعنك، وعلك، ورأنك، ولانك بمعنى واحد.
وقال ابوالنجم:
قلت لشيبان ادن من لقائه
انا نغدى اليوم من شوائه(4)
الثاني - قال الفراء (لا) - ههنا - صلة كقوله " مامنعك أن لاتسجداذ أمرتك "(5) والتقدير ومايشعركم انها اذا جاء ت يؤمنون، والمعنى على هذا لو جاء ت لم يؤمنوا ومثل زيادة (لا) قول الشاعر:
أباجوده لاالنجل واستعجلت به
نعم من فتى لايمنع الجود فاعله
بنصب النجل وجره، فمن نصب جعلها زيادة، وتقديره أبا جوده النجل ومن جره أضاف (لا) إلى (النجل) ومثله قوله تعالى " وحرام على قرية أهلكناها أنهم لايرجعون "(6) وهويحتمل أمرين: احدهما - ان تكون (لا) زائدة و (ان) في موضع رفع بأنه خبر المبتداء الذي هو (حرام) وتقديره وحرام على قرية مهلكة رجوعهم، كماقال " فلا يستطيعون توصية ولاالى أهلهم يرجعون "(7).
والثاني - أن تكون (لا) غير زائدة بل تكون متصلة بأهلكنا، والتقدير بأنهم لايرجعون أي أهلكناهم بالاستئصال، لانهم لايرجعون إلى أهليهم للاستئصال الواقع بهم.
---
(1) جمهرة اشعار العرب 103 واللسان (أنن) وتفسير الطبري 12 / 41
(2) تفسير الطبري 3 / 78 و 12 / 42 والشعر والشعراء 210، 211 ومجاز القرآن 6 / 55 واللسان (أنن).
(3) قائلة جرير، ومجمع البيان (صيدا) 2: 348 واللسان (أنن).
(4) المعاني الكبير لابن قتيبة 393 وخزانة الاداب 3 / 951 والطبري 12 / 43.
(5) سورة 7 الاعراف آية 11.
(6) سورة 21 الانبياء آية 95.
(7) سورة 36 يس آية 50

(4/234)


تفسير التبيان ج4
وخبر الابتداء محذوف وتقديره حرام على قرية أهلكناها بالاستئصال بقاؤهم أو حياتهم ونحو ذلك.
من قرأ (يؤمنون) بالياء فلان قوله " وأقسموا " انمايراد به قوم مخصوصون بدلالة " ولو أننا انزلنا اليهم الملائكة. " الاية(111)، وليس كل الناس بهذا الوصف، فالمعنى ومايشعركم ايها المؤمنون لعلهم اذاجات الايات التي اقترحوها لم يؤمنوا.
ومن قرأ بالتاء فانه انصرف من الغيبة إلى الخطاب، ويكون المراد بالمخاطبين في " يؤمنون " هم القوم المقسمون الذين أخبر الله عنهم أنهم لايؤمنون، ومثله قوله " الحمدلله " ثم قال " اياك نعبد " ونحو ذلك مما ينصرف فيه إلى خطاب بعد الغيبة.
وقوله " جهد أيمانهم " أي اجتهدوا في اليمين وبالغوا فيه. والاية التي سألوا النبي صلى الله عليه وآله اظهارها قيل فيها قولان: أحدهما - انهم سألوا تحول الصفا ذهبا. الثاني - ماذكره في موضع آخر من قوله " لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا " إلى قوله " كتابا نقرؤه "(1) والمعنى ان هؤلاء الكفار أقسموا متحكمين على النبي صلى الله عليه وآله وبالغوا في أيمانهم أنهم اذا جاء تهم الاية التي اقترحوها ليؤمنن بها أي عندها، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وآله ان يقول لهم: إنما الايات عند الله.
فان قيل: كيف قال " الايات عند الله " وذلك معلوم؟ ! قيل: معناه من أجل أن الايات عند الله، ليس لكم أن تتحكموا في طلبها، لانه لايجوز أن يتخلف عنكم ولاعن غيركم مافيه المصلحة في الدين لانه تعالى لايخل بذلك.
---
(1) سورة 17 الاسرى آية 90 - 94.

(4/235)


تفسير التبيان ج4
قوله " ومايشعركم " فيه تنبيه على موضع الحجة عليهم من أنه ليس لهم ان يدعوا مالا سبيل لهم إلى علمه.
وقال مجاهد وابن زيد: الخطاب متوجه إلى المشركين وقال الفراء وغيره: هومتوجه إلى المؤمنين، لانهم قالوا ظنا منهم أنهم لو اجيبوا إلى الايات لامنوا.
قوله تعالى: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعملون(110)
آية بلاخلاف.
أخبر الله تعالى أنه يقلب الله أفئدة هؤلاء الكفار، وأبصارهم عقوبة لهم وفي كيفية تقليبها قيل قولان: قال ابوعلي الجبائي: انه يقلبها في جهنم على لهب النار وحر الجمر، وجمع بين صفتهم في الدنيا وصفتهم في الاخرة، كما قال " هل أتاك حديث الغاشية وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية "(1) لان قوله " وجوه يومئذ خاشعة " يعني في الاخرة، و " عاملة ناصبة " في الدنيا.
الثاني - انه يقلبها بالحسرة التي تغم وتزعج النفس.
وقوله " كمالم يؤمنوا به أول مرة " قيل فيه قولان: أحدهما - أول مرة أنزلت الايات، فهم لايؤمنون ثاني مرة بما طلبوا من الايات كما لم يؤمنوا أول مرة بما أنزل من الايات، وهو قول ابن عباس وابن زيد ومجاهد. الثاني - روي أيضا عن ابن عباس يعني أول مرة في الدنيا وكذلك لو اعيدوا ثانية، كما قال تعالى " ولو ردوا لعادوا لما نهوعنه "(2) والكاف في قوله " كمالم يؤمنوا به أول مرة " قيل فيه قولان: أحدهما - انها دخلت على محذوف كأنه قيل: فلا يؤمنون به ثاني مرة كمالو يؤمنوابه أول مرة.
والثاني - انها دخلت على معنى الجزاء كما قال " وجزاء سيئة سيئة مثلها "(3).
---
(1) سورة 88 الغاشية آية 1 - 4.
(2) سورة 6 الانعام آية 28
(3) سورة 42 الشورى آية 40

(4/236)


تفسير التبيان ج4
والهاء في قوله " به " يحتمل ان تكون عائدة على القرآن وماأنزل من الايات. ويحتمل أن تكون عائدة على النبي صلى الله عليه وآله.
وقال بعضهم: انها عائدة على التقليب، لانه الحائل بينهم وبين الايمان. وهذا خطأ لانه لو حيل بينهم وبين الايمان لما كانوا مأمورين به، ولان تقليب الابصار لايمنع من الايمان كما لايمنع الاعمى عماه من الايمان.
وقوله " ونذرهم في طغيانهم يعمهون " لايدل على أنه تركهم فيه ليطغوا لانه انما أراد انه خلى بينهم وبين اختيارهم وان لم يرد منهم الطغيان، كما ان الائمة والصالحين اذا خلوا بين اليهود والنصارى في دخولهم كنائسهم لا يدل على انهم خلوهم ليكفروا.
وقال الحسين بن علي المغربي قوله " ونقلب أفئدتهم وابصارهم " معناه إنا نحيط علما بذات الصدور، وخائنة الاعين - وهو حشو بين الجملتين - وهو ان يختبر قلوبهم فيجد باطنها بخلاف الظاهر.
قوله تعالى: ولو أننا نزلنا إليهم الملئكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شئ قبلا ماكانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون(111)
آية بلاخلاف.
قرأ ابن عامر ونافع وابوجعفر " قبلا " بكسر القاف وفتح الباء. الباقون بضمها، قال أبوزيد: يقال لقيت فلا ناقبلا وقبلا وقبلا وقبيلا ومقابلة كله بمعنى المواجهة فعلى هذا المعنى واحد في اختلاف القراء ات.

(4/237)


تفسير التبيان ج4
وقال أبوعبيدة " قبلا " أي معاينة، فعلى هذا من كسر القاف وفتح الباء أراد معناه عيانا، ومن قرأ بالضم فيهما قيل في معناه ثلاثة أقوال: احدها - قال ابن عباس وقتادة وابن زيد: معناه مقابلة.
الثاني - قال مجاهد وعبدالله بن زيد: معناه قبيلا قبيلا أي جماعة جماعة فيكون جمع قبيل، وقبيل جمع قبيلة نحو سفين وسفينة ويجمع أيضا سفنا.
الثالث - قال الفراء انه جمع قبيل بمعنى كفيل نحو رغيف ورغف لقوله " أوتأتي بالله والملائكة قبيلا(1) " أي يضمنون ذلك.
قال أبوعلى الفارسي: وهذا الوجه ضعيف لانهم اذالم يؤمنوا مع انزال الملائكة عليهم وكلام الموتي لهم مع ظهوره وبهوره ومشاهدته والضرورة اليه، فألا يؤمنوا بالمقالة التي هي قول لايبهر ولايضطر أجدر، اللهم الا ان يقال موضع الاية الباهرة انه جمع القبيل الذى هو الكفيل هوحشر كل شئ، وفي الاشياء المحشورة ماينطق ومالاينطق، فاذا نطق بالكفالة من لاينطق كان ذلك موضع بهر الاية وكان ذلك قويا.
فاما اذا حملت قوله " قبلا " على جمع القبيل الذي هو الصنف، فان موضع الايات هوحشر جميع الاشياء جنسا جنسا، وليس في العادة ان يحشر جميع الاشياء إلى موضع واحد، فاذا اجتمعت كذلك كان ذلك باهرا واذا حملت " قبلا " بمعنى مواجهة فانه يكون حالا من المفعول به، والمعنى حشرناه معاينة ومواجهة، فيكون في معنى قراء ة نافع " قبلا " أي معاينة.
فأما قوله " العذاب قبلا " فمعناه مواجهة أو جمع قبيل. والمعنى يأتيهم العذاب صنفا صنفا.
وقيل فيمن نزلت هذه الاية قولان: احدهما - قال ابن عباس: نزلت في الكفار أهل الشقاء الذين علم الله انهم لايؤمنون على حال. الثاني - قال ابن جريج: نزلت في المستهزئين الذين سألوا الايات.
---
(1) سورة 17 الاسرى 92

(4/238)


تفسير التبيان ج4
أخبر الله تعالى بهذه الاية عن هؤلاء الكفار الذين سألوا الايات وعلم من حالهم أنهم لايؤمنون ولو فعل بهم مافعل حتى لو أنزل عليهم الملائكة وكلمهم الموتى بأن يحييهم الله حتى يكلموهم، وحشر عليهم كل شئ قبلا، على المعنى الذي فسرناه من ظهور خرق العادة فيه والمعجزة الباهرة فيه لم يؤمنوا لشدة عنادهم وعتوهم في كفرهم.
ثم قال " الاان يشاء الله " ومعناه احد أمرين: أحدهما - قال الحسن: إلاأن يشاء الله أن يجبرهم على الايمان بأن يمنعهم من اضداد الايمان كلها منهم الايمان. الثاني - قال أبوعلي الجبائي: الا ان يشاء الله ان يلجئهم بأن يخلق فيهم العلم الضروري بانهم ان راموا خلافه منعوا منه كما ان الانسان ملجأالى ترك قتل بعض الملوك بمثل هذاالعلم.
وانما قلنا: ذلك، لان الله تعالى قد شاء منهم الايمان على وجه الاختيار، لانه أمرهم به وكلفهم اياه، وذلك لا يتم إلا بأن يشاء منهم الايمان، ولو أراد الله من الكفار الكفر للزم أن يكونوا مطيعين اذا كفروا، لان الطاعة هي فعل ماأريد من المكلف. وللزم أيضا أن يصح أن يأمرهم. ولجاز ان يأمرنا بأن نريد منهم الكفر كما أراد هو تعالى وفي الاية دلالة على ان ارادة الله محدثة، لان الاستثناء يدل على ذلك لانها لوكانت قديمة لم يجز هذا الاستثناء، كمالايجوز ان يقول القائل: لايدخل زيد الدار الا أن يقدر الله أو الا ان يعلم الله لحصول هذه الصفات فيمالم يزل.
وقوله " ولكن اكثرهم يجهلون " انما وصف أكثرهم بالجهل مع أن الجهل يعمهم لان المعنى يجهلون انه لو أوتوا بكل آية ماآمنوا طوعا. وفي الاية دلالة على انه لو علم الله انه لو فعل بهم من الايات ما اقترحوها لامنوا أنه كان يفعل ذلك بهم وأنه يجب في حكمته ذلك، لانه لو لم يجب ذلك لما كان لهذا الاحتجاج معنى. وتعليله بأنه انما لم يظهر هذه الايات لعلمه بأنه لو

(4/239)


تفسير التبيان ج4
فعلها لم يؤمنوا، وذلك يبين ايضا فساد قول من يقول: يجوز ان يكون في معلوم الله مااذا فعله بالكافر آمن، لانه لوكان ذلك معلوما لفعله ولامنوا والامر بخلافه.
قوله تعالى: وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الانس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك مافعلوه فذرهم ومايفترون(112)
آية.
التشبيه في قوله " وكذلك " يحتمل أن يرجع إلى أحد أمرين: أحدهما - أن يكون تقديره جعلنا لك عدوا كما جعلنا لمن قبلك من الانبياء. الثاني - جعلنا تمكين من يعادي الانبياء وتخليتنا بينهم وبين اختيارهم كتمكين غيرهم من السفهاء. وانما جعلهم اعداء على أحد معنيين: أحدهما - بأن حكم بأنهم أعداء، وهو قول ابي علي. الثاني - بأن خلى بينهم وبين اختيارهم ولم يمنعهم من العداوة.
ويجوز ان يكون المراد بذلك أن الله تعالى لما أنعم على انبيائه بضروب النعم وبعثهم إلى خلقه وشرفهم بذلك، حسدهم على ذلك خلق، وعادوهم عليه، فجاز أن يقال على مجاز القول بأن الله جعل لهم اعداء كما يقول القائل اذا أنعم على غيره بنعم جزيلة فحسده عليها قوم وعادوه لاجلها: جعلت لك أعداء. وقيل المعنى أمرنا الانبياء بمعاداتهم فكأنما جعلناهم أعداء الانبياء. وهذا القول من الله تعالى تسلية للنبي صلى الله عليه وآله في أنه أجراه مجرى غيره من الانبياء، ولايجوز على قياس ذلك أن يقول: جعلنا للكافر كفرا، لان فيه ايهاما.
وقوله " شياطين الانس والجن " قيل في معناه قولان:

(4/240)


تفسير التبيان ج4
أحدهما - انه أراد مردة الكفار من الفريقين الانس والجن، وهو قول الحسن وقتادة ومجاهد.
الثاني - قال السدي وعكرمة: شياطين الانس الذين يغوونهم، وشياطين الجن الذين هم من ولد ابليس.
ويحتمل نصب (عدوا) وجهين: أحدهما - على انه مفعول (جعلنا) وشياطين الانس بدل منه. الثاني - على أنه خبر (جعلنا) في الاصل ويكون هنا مفعول (جعلنا) كأنه قال جعلنا شياطين الانس والجن عدوا.
وقوله " يوحي بعضهم إلى بعض " معناه يلقي اليه بكلام خفي، وهو الدعاء والوسوسة.
وقوله " زخرف القول " معناه هو المزين يقال زخرفه زخرفة اذا زينه و " غرورا " نصب على المصدر. ثم أخبر الله تعالى أنه لو شاء ربك أن يمنعهم من ذلك ويحول بينهم وبينه لقدر على ذلك، لكن ذلك ينافي التكليف، ولوحال بينهم وبين لما فعلوه. ثم أمر نبيه صلى الله عليه وآله أن يتركهم ومايفترون أي ومايكذبون بأن يخلي بينهم وبين ما يختارونه ولايمنعهم منه بالقهر، فان الله تعالى سيجازيهم على ذلك. وهوتهديد لهم كقوله " اعملوا ماشئتم "(1) " دون أن يكون ذلك أمرا واجبا أوندبا أو اباحة كما يقول القائل لصاحبه: دعني واياه، ويريد بذلك التهديد لاغير.
وروي عن أبي جعفر عليه السلام في معنى قوله " يوحي بعضهم إلى بعض " ان الشياطين يلقى بعضهم بعضا فيلقي اليه مايغوي به الخلق، حتى يتعلم بعضهم من بعض.
قوله تعالى: ولتصغى إليه أفئدة الذين لايؤمنون بالاخرة وليرضوه وليقترفوا ماهم مقترفون(113)
آية بلاخلاف.
---
(1) سورة 41 حم السجد (فصلت) آية 40

(4/241)


تفسير التبيان ج4
العامل في قوله " ولتصغى " قوله " يوحي " وهي لام الغرض وتقديره يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ليغرونهم ولتصغى اليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالاخرة، وتكون الهاء في قوله " اليه " عائدة إلى القول المزخرف، ولايجوز أن يكون العامل فيها جعلنا، لان الله تعالى لايجوز أن يريد منهم أن تصغى قلوبهم إلى الكفر ووحي الشياطين، اللهم الا ان يجعلها لام العاقبة كما قال " فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا "(1) غير ان هذا غير معلوم أن كل من أرادوا منه الصغو صغى، ولم يصح ذلك أيضا في قوله " وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون " لانه غير معلوم حصول جميع ذلك. وعلى ماقلناه يكون جميع ذلك معطوفا بعضه على بعض ويكون مرادا كله للشياطين.
وقال الجبائي: ان هذه لام الامر، والمراد بها التهديد، كما قال " واستفزز "(2) وقال " اعملوا ماشئتم "(3) قال لان علامة النصب والجزم تتفق في سقوط النون في قوله " وليرضوه وليقترفوا " وهذا غير صحيح، لانها لو كانت لام الامر لقال " ولتصغ بحذف الالف وماقاله انما يمكن ان يقال في قوله " وليرضوه وليقترفوا " فأما في قوله " ولتصغى " فلا يمكن، فبان بذلك أنها لام كي.
وقال الزجاج والبلخي: اللام في " ولتصغى " لام العاقبة ومابعده لام الامر الذي يراد به التهديد، وهذا جائز غير أن فيه تعسفا. ومعنى (صغا) مال و " لتصغى " أي لتميل، وهو قول ابن عباس وابن زيد، تقول: صغوت اليه أصغى صغوا وصغوا وصغيت أصغي بالياء أيضا وأصغيت اليه اصغاء بمعنى قول الشاعر:
ترى السفيه به عن كل محكمة
زيغ وفيه إلى التشبيه اصغاء(4)
ويقال أصغيت الاناء اذا أملته لتجمع مافيه فاصله الميل لغرض من الاغراض.
---
(1) سورة 28 القصص آية 8.
(2) سورة 17 الاسرى آية 64.
(3) سورة 41 حم السجدة (فصلت) آية 40.
(4) اللسان (صغا) وتفسير القرطبي 7 / 69 وتفسير الطبري 12 / 58

(4/242)


تفسير التبيان ج4
وقوله " وليقترفوا " عطف على " ولتصغى " والاقتراف اكتساب الاثم، ومعناه وليكتسبوا الاثم - في قول ابن عباس وابن زيد والسدي - ويقال: خرج يقترف لاهله أي يكتسب لهم. وقارف فلان هذا الامر اذا واقعه وعمله وقرفتني بماادعيت علي أي رميتني بالريبة، وقرف القرحة أي أقشر منها، واقترف كذبا قال رؤبة:
أعيا أقتراف الكذب المقروف
يقوي البغي وعفة العفيف(1)
وأصله اقتطاع قطعة من الشئ ولام كي تنصب باضمار (أن) مثل (حتى) غير أنها قد تظهر مع اللام، ولاتظهر مع (حتى) لان (حتى) محمولة على التأويل، ومعناها (إلى أن لمافى (حتى) من الاشتراك. وليس في اللام حمل على تأويل حرف آخر.
وقال البلخي: الاقتراف الادعاء والتهمة، يقول الرجل لغيره: أنت قرفتني أي نسبتني إلى التهم.
قوله تعالى: أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلاتكونن من الممترين(114)
آية بلاخلاف.
قرأ ابن عامر وحفص " منزل " بتشديد الزاي. الباقون بالتخفيف من شدد حمله على التكرير بدلالة قوله " تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم "(2). ومن خفف فلقوله " انا انزلناه في ليلة مباركة "(3) وماأشبهها.
امر الله تعالى نبيه أن يقول لهؤلاء الكفار الذين مضى ذكرهم " أفغير
---
(1) مجاز القرآن 1 / 205 وتفسير الطبري 12 / 59.
(2) سورة 39 الزمر آية 1، وسورة 45 الجاثية آية 1 وسورة 46 الاحقاف آية 2.
(3) سورة 44 الدخان آية 3

(4/243)


تفسير التبيان ج4
الله ابتغي حكما " أي أطلب سوى الله حاكما، ونصب أفغير الله بفعل مقدر يفسره (أبتغي) تقديره أأبتغي غير الله أبتغي حكما، والحكم والحاكم بمعنى واحد، الا ان الحكم هو من كان أهلا أن يتحاكم اليه فهو أمدح من الحاكم، والحاكم جار على الفعل، وقد يحكم الحاكم بغير الحق، والحكم لايقضي الا بالحق لانها صفة مدح وتعظيم.
والمعنى هل يجوز لاحد ان يعدل عن حكم الله رغبة عنه، لانه لايرضى به؟ ! أو هل يجوز مع حكم الله حكم يساويه في حكمه؟ ! وقوله " وهوالذي " يعني الله الذي " أنزل اليكم الكتاب مفصلا " وانما مدح الكتاب بأنه مفصل، لان التفصيل تبيين المعاني بما ينفي التخليط المعمي للمعنى، وينفى ايضا التداخل الذي يوجب نقصان البيان عن المراد. وانما فصل القرآن بالايات التي تفصل المعاني بعضها من بعض وتخليص الدلائل في كل فن.
وقيل: معنى (مفصلا) أي بما يفصل بين الصادق والكاذب من أمور الدين.
وقيل: فصل فيه الحرام من الحلال، والكفر من الايمان، والهدى من الضلال - في قول الحسن -.
وقوله " والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق " لا يجوز ان يكون على عمومه، لان كثيرا من أهل الكتاب، بل أكثرهم جهال لايعرفون.
وقوله: أهل الكتاب، قد يستعمل تارة بمعنى العلم، وبمعنى الاقرار أخرى، كما يقال للعلماء بالقرآن: أهل القرآن. ويقال لجميع المسلمين أهل القرآن بمعنى أنهم مقرون به.
وقوله " يعلمون أنه منزل من ربك بالحق " قيل في معناه قولان: احدهما - يعلمون ان كل مافيه بيان عن الشئ على ماهو به، فترغيبه، وترهيبه، ووعده، ووعيده، وقصصه، وأمثاله، وغير ذلك مما فيه كله بهذه الصفة والثاني - أن معنى " بالحق " البرهان الذي تقدم لهم حتى علموه به.

(4/244)


تفسير التبيان ج4
فان قيل كيف يصح على أصلكم في الموافاة ونفي الاحباط وصف الكفار بأنهم يعلمون الحق وذلك مما يستحق به الثواب ولاخلاف أن الكافر لا ثواب معه؟ !.
قلنا عنه جوابان: أحدهما - أن تكون الاية مخصوصة بمن آمن منهم في المستقبل، فانا نجوز أن يكونوا في الحال عالمين بالله وبأن القرآن حق ثم يظهرون الاسلام فيما بعد فيتكامل الايمان، لان الايمان لايحصل دفعة واحدة بل يحصل جزء ا فجزء ا، لان أوله العلم بحدوث الاجسام، ثم ان لها محدثا، ثم العلم بصفاته، ومايجوز عليه ومالايجوز، ثم العلم بالثواب والعقاب وما يتبعهما، وذلك يحصل في أوقات كثيرة.
والثاني - أن يكونوا علموه على وجه لايستحقون به الثواب لانهم يكونون نظروافي الادلة لا لوجه وجوب ذلك عليهم، بل لغير ذلك فحصل لهم العلم وان لم يستحقوا به ثوابا.
ويحتمل أن يكون المراد بذلك أنهم يعلمون عند أنفسهم، لانهم اذاكانوا معتقدين بصحة التوراة وأنها من عندالله، وفيها دلالة على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وآله وهم يدعون أن اعتقادهم علم، فهم اذا على قولهم عالمون بأن القرآن منزل من ربك بالحق. ويحتمل أن يكون المراد بقوله " الذين آتيناهم الكتاب " المؤمنين المسلمين دون أهل الكتاب، ويكون المراد بالكتاب القرآن لانا قد بينا أن الله سماه كتابا بقوله " الركتاب احكمت "(1) وبقوله " هوالذي انزل عليك الكتاب "(2) فعلى هذا سقط السؤال، لان هذه صفة المؤمنين المستحقين للثواب.
وقوله " فلاتكونن من الممترين " معناه لاتكونن من الشاكين. والامتراء الشك وكذلك المرية ويكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله والمرادبه الامة. وقيل المراد بذلك " فلاتكونن من الممترين " يامحمد في أنهم يعلمون أن ذلك من ربك بالحق.
---
(1) سورة 11 هود آية 1.
(2) سورة 3 آل عمران آية 7

(4/245)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لامبدل لكلماته وهو السميع العليم(115)
آية بلاخلاف.
قرأ أهل الكوفة ويعقوب " كلمة " على التوحيد. الباقون " كلمات " جمع كلمة، والكلمة والكلمات ماذكره الله من وعده ووعيده وثوابه وعقابه، فلا تبديل فيه، ولاتغيير له كما قال " مايبدل القول لدي "(1)، وقال " لاتبديل لكلمات الله "(2) وكان التقدير، وتمت ذوات الكلمات، ولايجوز أن يعني بالكلمات الشرائع ههنا كما عنى بقوله " واذا ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فأتمهن "(3) وقوله " وصدقت بكلمات ربها "(4) لانه قال لامبدل لكلماته. والشرائع يدخلها النسخ.
وقوله " صدقا وعدلا " مصدران ينتصبان في موضع الحال من الكلمة وتقديره صادقة عادلة، وقال قوم: هما نصبا على التمييز. فمن قرأ (كلمات) فلانه لماكان جمعا في المعنى جمعه. ومن أفرد فلان الكلمة قد يعنى بها الكثرة، كما قالوا: قال زهير في كلمته، يعني في قصيدته وقال قس في كلمته، يعني خطبته، فالمفرد يفع على الكثرة فاغنى عن الجمع ومثله " وتمت كلمة ربك الحسنى على بني اسرائيل "(5).
وقيل انه أراد به بقوله " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا "(6) إلى آخر الاية فسمى هذا القصص كلمة.
وقال مجاهد في قوله " كلمة التقوى "(7) قول لاإله إلا الله. ومعنى
---
(1) سورة 50 ق آية 29.
(2) سورة 10 يونس آية 64.
(3) سورة 2 البقرة آية 124.
(4) سورة 66 التحريم آية 12.
(5) سورة 7 الاعراف آية 136.
(6) سورة 28 القصص آية 5.
(7) سورة 48 الفتح آية 26

(4/246)


تفسير التبيان ج4
" وتمت كلمات ربك " انها بتمامها موافقة لماتوجبه المصلحة من غير زيادة ولا نقصان. والتمام والكمال والاستيفاء نظائر. وان جميعه صدق ولاكذب فيه كما يقال: كمل فلان اذاتمت محاسنه.
وفي الاية دلالة على ان كلام الله محدث، لانه وصفه بالتمام والعدل وذلك لايكون الاحادثا. والتبديل وضع شئ مكان شئ، فلاأحد يقدر ان يضع مكان كلمة الله يناقضها به.
وقال قتادة: لامبدل لها فيما حكم به لانه وان أمكن التغيير والتبديل في اللفظ كما بدل أهل الكتاب التوراة والانجيل، فانه لايعتد بذلك، لانه لايقلبه بحق ينقضه. ويجوز أن يكون المراد بقوله " وتمت كلمات ربك " أنها أتتك شيئا بعد شئ حتى كملت.
وقوله " وهوالسميع العليم " معناه أنه على صفة يجب ان يسمع المسموعات اذا وجدت عالم بمايكون ظاهرا وباطنا، فلايظن ظان أن شيئا من ذلك يخفي عليه تعالى.
قوله تعالى: وإن تطع أكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون(116)
آية بلاخلاف.
هذا خطاب من الله لنبيه ولجميع المؤمنين انه من يطع أكثر من في الارض من الكفار ويتبع مايريدونه يضلوه عن سبيل الله، لانه كان في ذلك الوقت أكثر أهل الارض كفارا. والطاعة هي امتثال الامر واجابة ماأريد منه اذا كان المريد فوقه، والفرق بينه وبين الاجابة أن الاجابة عامة في موافقة الارادة الواقعة موقع المسألة، ولاتكون اجابة الا بأن يفعل لموافقة الدعاء بالامر، ومن أجله لايراعي فيها الرتبة.

(4/247)


تفسير التبيان ج4
والفرق بين الاكثر والاعظم أن الاعظم قد يوصف به واحد، ولايوصف بالاكثر واحد بحال، ولهذا يقال في الله تعالى انه عظيم وأعظم من كل شئ، ولايقال أكثر وانما يقال أكبر بمعنى أعظم.
وانما قال: ان تطعهم يضلوك، وان كانت البدأة بالاغواء منهم لامرين: احدهما - ان المطيع يبتدأ باستشعار الطاعة، فاذا كان من الداعي أمر بشئ من الاشياء كان اطاعة وصدق بأنه مطيع. والثاني - ان دعاء هم لايوصف بأنه اضلال لمن دعوه الا بعد الاجابة فكأنه قال: ن تجبهم تستحق الصفة بأنهم قد أضلوك، ثم أخبر تعالى عن هؤلاء الكفار انهم لايتبعون الا الظن الذي يخطئ ويصيب " وان هم الا يخرصون " ومعناه وماهم الاكاذبين.
والخرص الكذب يقال ا: خرص يخرص خرصا وخروصا وتخرص تخرصا واخترص اختراصا وأصله القطع قال الشاعر: ترى قصد المران تلقى كأنها تذرع خرصان بأيدي الشواطب(1) يعني جريدا يقطع طويلا ويتخذ منه الحصر، وهو جمع الخرص. ومنه خرص النخل يخرصه خرصا اذا جزره، والخريص الخليج ينقطع اليه الماء، والخريص حبة القرط اذا كانت منفردة، والخرص العود، لانقطاعه عن نظائره بطيب ريحه.
وقيل معنى " وان تطع أكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله " يعني في أكل الميتة، لانهم قالوا للمسلمين: أتاكلون ماقتلتم ولاتأكلون ماقتل ربكم؟ ! فهذا إضلالهم.
وقال بعضهم قوله " ان يتبعون الا الظن وان هم الا يخرصون " مثل قوله " يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا "(2) يعني المتعمدين المتردين. وفى الاية دلالة على بطلان قول أصحاب المعارف، وبطلان قولهم ان الله تعالى لايتوعد من لايعلم الحق، لان الله بين في هذه الاية أنهم يتبعون الظن ولايعرفونه، وتوعدهم على ذلك. وذلك بخلاف مذهبهم.
---
(1) قائلة قيس بن الخطيم اللسان (شطب).
(2) سورة 6 الانعام آية 112

(4/248)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين(117)
آية بلاخلاف.
خاطب الله تعالى بهذه الاية نبيه صلى الله عليه وآله وان عنى به جميع الامة انه تعالى " أعلم من يضل عن سبيله " بمعنى أعرف، والمعنى انه أعلم به ممن يعلمه، لانه يعلمه من وجوه تخفى على غيره، لانه تعالى يعلم ما كان ومايكون، وما هو كائن إلى يوم القيامة، وعلى جميع الوجوه التي يصح ان تعلم الاشياء عليها وليس كذلك غيره، لان غيره لايعلم جميع الاشياء، ومايعلمه لايعلمه من جميع وجوهه.
وأما من هو غير عالم أصلا، فلا يقال الله أعلم منه، لان لفظة أعلم تقتضي الاشتراك في العلم وزيادة لمن وصف بأنه أعلم، وهذا لا يصلح في من ليس بعالم أصلا الا مجازا، ولايصح أن يقال: هو تعالى أعلم بأن الجسم حادث من كل من يعلم كونه حادثا، لان هذا قد ذكر الوجه الذي يعلم منه وهو انه حادث، فان أريد بذلك المبالغة في الصفة، وأن هذه الصفة فيه أثبت من غيره فجاز أن يقال ذلك.
وذكروا في موضع (من) وجهين من الاعراب: قال بعضهم: موضعه نصب على حذف الباء وتقديره أعلم بمن يضل ليكون مقابلا لقوله " وهو أعلم بالمهتدين " وقال الفراء والزجاج: موضعها الرفع لانها بمعنى (أي) كقوله " لنعلم أي الحزبين "(1) وصفة (أفعل) من كذا لاتتعدى لانها غير جارية على الفعل، ولا معدولة عن الجارية كعدل ضروب عن ضارب ومنحار عن ناحر.
وقال قوم: ان (اعلم) ههنا بمعنى يعلم كما قال حاتم الطائي:
---
(1) سورة 18 الكهف آية 12

(4/249)


تفسير التبيان ج4
فخالفت طي من دوننا خلفا
والله أعلم ماكنا لهم خولا(1)
وقالت الخنساء:
القوم أعلم ان جفنته
تغدو غداة الريح أو تسري(2)
قال الرماني: هذا لايجوز لانه لا يطابق قوله " وهو أعلم بالمهتدين " فمعنى الاية ان الله تعالى أعلم بمن يملك سبيل الضلال المؤدي إلى الهلاك بالعقاب، ومن سلك سبيل الهدى المفضي به إلى النجاة والثواب.
قوله تعالى: فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين(118)
آية بلا خلاف.
قيل في دخول الفاء في قوله " فكلوا " قولان: أحدهما - انه جواب لقول المشركين لماقالوا للمسلمين: أتأكلون ماقتلتم ولاتأكلون ماقتل ربكم؟ فكأنه قيل: اعرضواعن جهلكم فكلوا. والثاني - ان يكون عطفا على مادل عليه أول الكلام، كأنه قال: كونوا على الهدى فكلوا مماذكر اسم الله عليه.
وقوله " فكلوا "، وان كان لفظه لفظ الامر، فالمراد به الاباحة، لان الاكل ليس بواجب ولامندوب، اللهم الا ان يكون في الاكل استعانة على طاعة الله، فانه يكون الاكل مرغبا فيه، وربماكان واجبا، فأما مايمسك الرمق فخارج عن ذلك، لانه عند ذلك يكون الانسان ملجأ إلى تناوله. ومثل هذه الاية في لفظ الامر والمراد به الاباحة قوله " واذا حللتم فاصطادوا "(3) وقوله " فاذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض "(4) والاصطياد والانتشار مباحان بلاخلاف.
---
(1) تفسير القرطبي 7 / 72 وتفسير الطبري 12 / 66.
(2) ديوانها: 104 وتفسير الطبري 2 / 66.
(3) سورة 5 المائدة آية 3.
(4) سورة 63 الجمعة آية 10

(4/250)


تفسير التبيان ج4
وقوله " ماذكر اسم الله عليه " فالذكر المسنون هو قول بسم الله. وقيل كل اسم يختص الله تعالى به أو صفة مختصة كقوله بسم الله الرحمن الرحيم أو بسم القدير أو بسم القادر لنفسه أو العالم لنفسه، ومايجري مجرى ذلك. والاول مجمع على جوازه والظاهر يقتضي جوازه غيره، ولقوله " قل ادعو لله أو ادعو الرحمن أياما تدعوا فله الاسماء الحسنى ".(1)
وقوله " فكلوا مماذكراسم الله عليه " خطاب للمؤمنين وفيه دلالة على وجوب التسمية على الذبيحة، لان الظاهر يقتضي أن مالايسمى عليه لايجوز أكله بدلالة قوله " ان كنتم بآياته مؤمنين " لان هذا يقتضي مخالفة المشركين في أكلهم مالم يذكر اسم الله عليه، فأما مالم يذكر اسم الله عليه سهوا أونسيانا فانه يجوز أكله على كل حال.
والاية تدل على أن ذبائح الكفار لايجوز أكلها، لانهم لايسمون الله عليها. ومن سمى منهم لانه لايعتقد وجوب ذلك بل يعتقد ان الذي يسميه هو الذي أبدى شرع موسى أو عيسى وكذب محمد بن عبدالله، وذلك لايكون الله، فاذا هم ذاكرون اسم شيطان والاسم انما يكون المسمى مخصوص بالقصد. وذلك مفتقر إلى معرفته واعتقاده، والكفار على مذهبنا لايعرفون الله تعالى، فكيف يصح منهم تسميته تعالى؟ ! وفي ذلك دلالة واضحة على ماقلناه.
ومعنى قوله " ان كنتم بآياته مؤمنين " ان كنتم عرفتم الله وعرفتم رسوله وصحة ماأتاكم به من عندالله، وهذا التحليل عام لجميع الخلق وان خص به المؤمنين بقوله " ان كنتم بآياته مؤمنين " لان ماحلل الله للمؤمنين، فهوحلال لجميع المكلفين وماحرم عليهم حرام على الجميع.
---
(1) سورة 17 الاسرى آية 110

(4/251)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: ومالكم ألاّ تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ماحرم عليكم إلا مااضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين(119)
آية بلا بلا خلاف.
قرأ نافع وحفص عن عاصم " وقد فصل لكم ماحرم " بفتح الفاء والصاد والحاء والراء.
وقرأ ابن كثير، وابوعمرو، وابن عامر (فصل) و (حرم) بضم الفاء والحاء.
وقرأ حمزة والكسائي وابوبكر (فصل) بفتح الفاء و (حرم) بضم الحاء.
وقرأ أهل الكوفة (ليضلون) بضم الياء وكسر الضاد.
الباقون بفتح الياء.
من ضم الفاء والحاء، فلقوله " حرمت عليكم الميتة والدم. " الاية(1) فهنا تفصيل هذا العام بقوله (حرم) وكذلك (فصل) لان هذا المفصل هو ذلك المحرم الذي حل في هذه الاية.
ومن فتحهما فلقوله " اتل ماحرم ربكم "(2) وقوله " فصلنا الايات "(3) وكذلك قوله " الذين يشهدون أن الله حرم هذا "(4) ولانه قال " ومالكم أن لاتأكلوا مماذكر أسم الله عليه وقد فصل " فينبغي أن يكون الفعل مبنيا للفاعل لتقدم ذكر اسم الله.
ومن فتح الفاء وضم الحاء، فلقوله " فصلنا الايات " وقوله " حرمت عليكم الميتة والدم " وقوله " ومالكم " خطاب للمؤمنين الذين ذكرهم في الاية الاولى ومعناه لم لاتأكلوا، وقيل بينهما فرق، لان (لم لاتفعل) أعم من حيث انه قديكون لحال يرجع، اليه وقد يكون لحال يرجع إلى غيره، فأما (مالك أن لاتفعل) فلحال يرجع اليه.
---
(1) سورة 5 المائدة آية 4.
(2) سورة 6 الانعام آية 153.
(3) سورة 6 الانعام آية 97، 98، 126.
(4) سورة 6 الانعام آية 150

(4/252)


تفسير التبيان ج4
وقيل في معنى (لا) في قوله (أن لاتأكلوا) قولان: احدهما - انها للجحد، وتقديره أي شئ لكم في أن لاتأكلوا، اختاره الزجاج وغيره من البصريين. والثاني - أن يكون صلة، والمعنى مامنعكم ان تأكلوا، لان (مالك ان لاتفعل) (ومالك لاتفعل) بمعنى واحد.
وقال قوم: معناه ليس لكم ان لا تأكلوا مما أمرناكم بأكله على الوصف الذي امرناكم بفعله، ويجوز حذف (في) من " مالكم الاتأكلوا " ولايجوز حذفها من مالكم في ترك الاكل لان (ان) تلزمها الصلة فهي أحق بالاستحقاق من المصدر، لان المصد - رلا تلزمه الصلد، كما حسن حذف الهاء من صلد (الذي) ولم يحسن من الصفة.
وقوله " وقد فصل لكم ماحرم عليكم " يعني ماذكره في مواضع من قوله " حرمت عليكم الميتة "(1) الاية وغيرها.
وقوله " الا ما اضطررتم اليه " معناه الا اذا خفتم على أنفسكم الهلاك من الجوع وترك التناول، فحينئذ يجوز لكم تناول ماحرمه الله في قوله " حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير "(2) وماحرمه في هذه الاية. واختلفوا في مقدار ما يسوغ له حينئذ تناوله، فعندنا لايجوز له ان يتناول الامايمسك الرمق. وفي الناس من قال: يجوز له أن يشبع منه اذا اضطر اليه وان يحمل منها معه حتى يجد مايأكله.
وقال الجبائي: في الاية دلالة على أن مايكره عليه من أكل هذه الاجناس أنه يجوز له أكله، لان المكره يخاف على نفسه مثل المضطر.
ومن قرأ " ليضلون " بفتح الياء ذهب إلى ان المعنى ليضلون بأهوائهم أي يضلون باتباع أهوائهم، كماقال " واتبع هواه "(3) أي يضلون في انفسهم من غير أن يضلوا غيرهم من أتباعهم بامتناعهم من أكل ماذكر اسم الله عليه وغيرذلك.
---
(1، 2) سورة 5 المائدة آية 4.
(3) سورة 7 الاعراف آية 175، وسورة 18 الكهف آية 28 وسورة 20 طه آية 16 وسورة 28 القصص آية 50

(4/253)


???? ??????4
????? ??????? ???? ???????????? ???? ????? ?? ??? ????? ???? ??? ?? ???" ?????? ?? ??????"(1) ???" ??? ??? ???? "(2).
???" ?????? " ??? (?? ?? ?????? ????????? ??????? ???????? ???.
---
(1) ??? 26 ?????? ?? 99.
(2) ??? ?????? ?? 37
... ????? ????? ???? ????? ????????

(4/254)


تفسير التبيان ج4
الآية: 120 - 139
قوله تعالى: وذروا ظاهر الاثم وباطنه إن الذين يكسبون الاثم سيجزون بما كانوا يقترفون(120)
آية بلاخلاف.
الواو في قوله " وذروا "، واو العطف ولايستعمل " وذر " لمامضى ولا " واذر " لاسم الفاعل واستغني عنه ب (ترك) وانما يستعمل منه يذر و (ذر) وامثاله ومثله (يدع) لم يستعمل منه (فعل) ولا (فاعل) استغنوا أيضا ب (ترك) و (تارك) وأشعروا بذلك كراهية الواو في الابتداء حتى لم يزيدوها هناك أصلا مع زيادتهم أخواتها.
والظاهر هو الكائن على وجه يمكن ادراكه.
الباطن هو الكائن على وجه يتعذر ادراكه.
أمر الله تعالى في هذه الاية بترك الاثم مع قيام الدلالة على كونه اثما، ونهى عن ارتكابه سرا وعلانية، وهو قول قتادة والربيع بن أنس ومجاهد، لان الجاهلية كانت ترى ان الزنا اذا أظهر واعلن كان فيه اثم، فاذا استسر به صاحبه لم يكن اثما - ذكره الضحاك - وقال الجبائي الظاهر أفعال الجوارح، والباطن أفعال القلوب.
وقال غيره: الظاهر الطواف بالبيت عريانا والباطن الزنا.
والاول أعم على ماقلناه - ذكره ابن زيد - وقال قوم: ظاهر الاثم الزنا، وباطنه اتخاذ الاخدان - ذكره السدي والضحاك - وقال سعيد بن جبير ظاهر الاثم امرأة الاب وباطنه الزنا.

(4/255)


تفسير التبيان ج4
أمر الله تعالى باجتناب الاثم على كل حال، ثم أخبر أن الذين يكسبون الاثم يعني المعاصي والقبائح وسيجازيهم الله يوم القيامة بماكانوا يرتكبونه. وقد بينا أن معنى الاقتراف هو معنى الاكتساب. والكسب هو فعل مايجتلب به نفع إلى نفسه أو يدفع به ضرر، ولذلك يوصف الواحد منا بأنه مكتسب ولايوصف الله تعالى به، والكواسب الجوارح من الطير، لانها تكسب ما ينتفع به.
قوله تعالى: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم، وإن أطعتموهم إنكم لمشركون(121)
آية بلاخلاف.
نهى الله تعالى في هذه الاية عن أكل مالم يذكر اسم الله عليه، وذلك صريح في وجوب التسمية على الذبيحة، لانها لولم تكن واجبة، لكان ترك التسمية غير محرم لها. فأما من ترك التسمية ناسيا، فمذهبنا أنه يجوز أن تؤكل ذبيحته بعد أن يكون معتقدا لوجوبها.
وكان الحسن يقول: يجوز أن أن يأكل منها.
وقال ابن سيرين: لا يجوز أن يأكل منها. وبه قال الجبائي.
فأما اذا تركها متعمدا فعندنا لايجوز اكله بحال. وفيه خلاف بين الفقهاء فقال قوم: اذا كان تارك التسمية متعمدا من المسلمين جاز أكل ذبيحته. وقال آخرون لايجوز أكلها كما قلنا. وذلك يدل على ان مايذبحه؟؟ الكتاب لايجوز أكله، لانهم لا يعتقدون وجوب التسمية ولا يذكرونها، ومن ذكر اسم الله منهم فانما يقصد

(4/256)


تفسير التبيان ج4
به اسم من أبدى شرعهم، ولم يبعث محمدا صلى الله عليه وآله، بل كذبه، وذلك ليس هوالله، فلايجوز اكل ذبيحتهم. ولانهم لايعرفون الله، فلا يصح منهم القصد إلى ذكر اسمه. فأما من عدا أهل الكتابين فلا خلاف في تحريم ما يذبحونه. وليست الاية منسوخة ولاشئ منها، ومن ادعى نسخ شئ منها فعليه الدلالة.
وقال الحسن وعكرمة: نسخ منها ذبائح الذين أوتوا الكتاب بقوله " وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم "(1) وعندنا ان ذلك مخصوص بالحبوب دون الذبائح.
وقال قوم: ليس أهل الكتاب داخلين في جملة من يذكر اسم الله على ذبيحته، وليس واحد من هؤلاء معنيا بالاية، فلا يحتاج إلى النسخ.
وقوله " وانه لفسق " يعني مالم يذكر اسم الله عليه أي أكله فسق. وحذف لدلالة الكلام عليه.
وقوله " وان الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم " يعني بالشياطين علماء هم ورؤساء هم المتمردين في كفرهم يوحون ويشيرون إلى أوليائهم الذين اتبعوهم من الكفار بأن يجادلوا المسلمين في استحلال الميتة.
وقال الحسن يجادلونهم بقولهم: ان ماقتل الله أولى بأن يؤكل مما قتله الناس وقال عكرمة: المراد بالشياطين مردة الكفار من مجوس فارس " إلى أوليائهم " من مشركي قريش.
وقال ابن عباس: المراد بالشياطين ههنا ابليس وجنوده بأن يوسوسوا اليهم ويوحون إلى أهل الشرك بذلك، وبه قال قتادة.
وقال قوم: الذين جادلوا بذلك كانوا قوما من اليهود جادلوا رسول الله صلى الله عليه وآله بأن ما قتله الله أولى بالاكل مما قتله الناس.
ثم قال تعالى " وان أطعتموهم " ايها المؤمنون فيما يقولونه من استحلال أكل الميتة وغيره " انكم لمشركون " لان من استحل الميتة كافر بالاجماع. ومن اكلها محرما لها مختارا، فهو فاسق
---
(1) سورة 5 المائدة آية 6

(4/257)


تفسير التبيان ج4
وهوقو الحسن وجماعة من المفسرين. والتقدير في قوله " انكم " فانكم، لان جواب الشرط لايكون ب (أن بلافاء. وانما يكون ذلك جواب القسم. واختلفوا في ماعناه الله تعالى بقوله " ولاتأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه " فقال عطاء: ذلك يختص بذبائح كانت في الجاهلية على الا وثان كانت العرب تذبحها وقريش.
وقال ابن عباس ذلك الميتة.
وقال قوم: عنى بذلك كل ذبيحة لم يذكر اسم الله عليها. وهذا الوجه أقوى على مابيناه.
ومن حمل الاية على الميتة فقد أبعد، لان احدا من العرب ماكان يستحل الميتة. وانما ذلك مذهب قوم من المجوس، فالاية اما أن تكون مختصة بماكانت تذبح للاصنام على ما قاله عطاء، أو عامة في كل ما لم يذكر اسم الله عليه الا ماأخرجه الدليل. وقد بينا ان ذلك أعم وأولى بحمل الاية عليه.
قوله تعالى: أو من كان ميتا فاحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ماكانوا يعملون(122)
آية بلاخلاف.
قرأ أهل المدينة ويعقوب (ميتا) بالتشديد. الباقون بالتخفيف.
قال أبو عبيدة الميتة مخففة ومثقلة معناهما واحد، وانما خفف إستثقالا، قال ابن الرعلاء الغساني:
ليس من مات فاستراح بميت
انما الميت ميت الاحياء
انما الميت من يعيش كئيبا
كاسفا باله قليل الرجاء(1)
وقد وصف الله الكفار بأنهم أموات بقوله " أموات غير أحياء ومايشعرون أيان يبعثون "(2) وكذلك " أومن كان ميتا فاحييناه " والمعنى من كان ميتا
---
(1) مرتخريجه في 2 / 432، 84 و 3 / 428.
(2) سورة 16 النحل آية 21

(4/258)


تفسير التبيان ج4
بالكفر فصارحيا بالاسلام بعد الكفر، كالمصر على كفره؟ ! وقوله " وجعلنا له نورا يمشي به في الناس " يحتمل امرين: أحدهما - أن يراد به النور المذكور في قوله يسعى " نورهم بين أيديهم "(1) وقوله " يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم "(2) الثاني - أن يراد بالنور الاحكام التي يؤتاها المسلم باسلامه، لانه اذا جعل الكافر بكفره في الظلمات فالمؤمن بخلافه. ومن خفف حذف الياء الثانية المنقلبة عن الواو، أعلت بالحذف كما أعلت بالقلب اختلفوا في من نزلت هذه الاية، فقال ابن عباس والحسن وغيرهما من المفسرين: نزلت في كل مؤمن وكافر.
وقال عكرمة: نزلت في عماربن ياسر وابي جهل، وهو قوله ابي جعفر (ع).
وقال الضحاك: نزلت في عمربن الخطاب وقال الزجاج: نزلت في النبي صلى الله عليه وآله وأبي جهل.
والاول أعم فائدة، لانه يدخل فيه جميع ماقالوه.
بين الله تعالى أن " من كان ميتا " يعني كافرا " فأحييناه " يعني وفقناه للايمان، فآمن أو صادفناه مؤمنا بأن آمن، لان الاحياء بعد الاماتة - ههنا - هو الاخراج من الكفر إلى الايمان عند جميع أهل العلم: كابن عباس والحسن ومجاهد والبلخي والجبائي وغيرهم.
وقوله " وجعلنا له نورا يمشي به في الناس " يعني جعلنا له علماء، فسمى العلم نورا وحياة، والجهل ظلمة وموتا، لان العلم يهتدى به إلى الرشاد، كما يهتدى بالنور في الظلمات، وتدرك به الامور كما تدرك بالحياة. والظلمة كالجهل لانه يؤدي إلى الحيرة والهلكة، والموت كالجهل في أنه لاتدرك به حقيقة. وانما قال " كمن مثله في الظلمات " ولم يقل كمن هو في الظلمات، لان التقدير كمن مثله مثل من في الظلمات ويجوز أن يدل بأن مثله في الظلمات على أنه في الظلمات الا انه يزيد فائدة أنه ممن يضرب به المثل في ذلك.
---
(1،2) سورة 57 الحديد آية 12 - 13

(4/259)


تفسير التبيان ج4
وقيل في المراد بالنور الذي يمشي به في الناس قولان: أحدهما - قال الحسن: وهو القرآنا.
وقال غيره: هوالايمان الذي لطف له به.
ووجه التشبيه في قوله " كذلك زين للكافرين " أي زين لهؤلاء الكفر، فعملوه كما زين لاولئك الايمان فعملوه، فشبهت حال هؤلاء في التزيين بحال أولئك فيه، كما قال " كل حزب بمالديهم فرحون "(1) وانما زين الله تعالى الايمان عند المؤمنين، وزين الغواة من الشياطين وغيرهم الكفر عند الكافرين وهو قول الحسن وأبي علي والرماني والبلخي وغيرهم.
وفي الاية دلالة على وجوب طلب العلم، لانه تعالى رغب فيه بأن جعله كالحياة في الادراك بها والنور في الاهتداء به.
قوله تعالى: وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها ومايمكرون إلا بأنفسهم ومايشعرن(123)
آية بلاخلاف
معنى قوله " كذلك جعلنا " أي جعلنا ذا المكرمن المجرمين، كما جعلنا ذا النور من المؤمنين، فكلما فعلنا بهؤلاء فعلنا بأولئك الا أن أولئك اهتدوا بحسن اختيارهم وهؤلاء ضلوا بسوء اختيارهم، لان كل واحدمنهما جعل بمعنى صار به كذا الا أن الاول باللطف، والثاني بالتمكين من المكر، فصار كأنه جعل كذا.
وموضع الكاف في " وكذلك " نصب بالعطف على قوله " كذلك زين للكافرين ماكانوا يعملون " والمعنى مثل ذلك الذي قصصنا عليك زين للكافرين عملهم. ومثل ذلك " جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها " وانما خص أكابر المجرمين بهذا المعنى دون الاصاغر، لانه أحسن في الاقتدار على الجميع، لان الاكابر اذا كانوا في قبضة القادر فالاصاغر بذلك أجدر.
---
(1) سورة 23 المؤمنون آية 54 وسورة 30 الروم آية 32

(4/260)


تفسير التبيان ج4
والاكابر جمع الاسماء، والكبر جمع الصفات تقول: كبير وأكابر ويجوز أن يكون جمع أكبر على أكابر.
وقد قالوا: الاكابرة والاصاغرة، كما قالوا: الاساورة والاحامرة قال الشاعر:
ان الاحامرة الثلاثة أهلكت
مالي وكنت بهن قدما مولعا
الخمر واللحم السمين أحبه
والزعفران فقد أبيت مودعا(1)
وقوله " ليمكروا فيها " اللام لام العاقبة ويسمى لام الصيرورة، كما قال " فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وجزنا "(2) وقال الشاعر:
فاقسم لو قتلوا مالكا
لكنت لهم حية راصدة
وام سماك فلاتجزعي
فللموت ماتلد الوالدة(3)
وليس المراد بها لام الغرض، لانه تعالى لايريد أن يمكروا، وقد قال وماخلقت الجن والانس الا ليعبدون "(4) وإرادة القبيح قبيحة. والتقدير وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليطيعوني ويمتثلوا أمري، وكان عاقبتهم أن مكروا بالمؤمنين وخدعوهم، فقال الله تعالى " ومايمكرون الا بأنفسهم " لان عقاب ذلك يحل بهم.
والمكر هو فتل الشئ إلى خلاف الرشد على وجه الحيلة في الامر.
والمكر والختل والغدر نظائر. وأصل المكر القتل.
ومنه جارية ممكورة أي مفتولة البدن.
ووجه مكر الانسان بنفسه أن وبال مكره يعود عليه، كأنه قال ومايضرون بذلك المكر الا أنفسهم، ومايشعرون انهم يمكرون بها، ولايصح أن يمكر الانسان بنفسه على الحقيقة، لانه لايصح أن يخفي عن نفسه معنى مايحتال به عليها ويصح أن يخفي ذلك عن غيره.
وفائدة الاية ان أكابر المجرمين لم يمكروا بالمؤمنين على وجه المغالبة لله، اذكأنه جعلهم ليمكروا مبالغة في انتفاء صفة المغالبة.
---
(1) قائلة الاعشى. ديوان الاعشيين: 247 واللسان " حمر " وتفسير الطبري 12 / 94 وفيه اختلاف كثير في الرواية، وقد اثبتنا مافي مخطوطة التبيان.
(2) سورة 28 القصص آية 8.
(3) مرتخريجه في 3 / 60 وسيأتي في 5 / 43.
(4) سورة 51 الذاريات آية 56.

(4/261)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: وإذا جاء تهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ماأوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عندالله وعذاب شديد بماكانوا يمكرون(124)
قرأ ابن كثير وحفص رسالته على التوحيد ونصب التاء. الباقون على الجمع.
ومن وحد، فلان الرسالة تدل على القلة والكثرة لكونها مصدرا.
ومن جمع، فلما تكرر من رسل الله وتحميله اياهم رسالة بعد أخرى فاتى بلفظ الجمع.
أخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار أنه اذا جاء تهم آية ودلالة من عندالله تدل على توحيد الله وصدق انبيائه ورسله " قالوا لن نؤمن " اي لانصدق بها " حتى نؤتي " أي نعطى آية مثل ماأعطي رسل الله حسدا منهم للانبياء (عليهم السلام).
ثم أخبر تعالى على وجه الانكار عليهم بأنه تعالى أعلم منهم ومن جميع الخلق حيث يجعل رسالاته، لان الرسالة تابعة للمصلحة، ولايبعث الله تعالى الا من يعلم ان مصلحة الخلق تتعلق ببعثه دون من لايتعلق ذلك به. ومن يعلم انه يقوم بأعباء الرسالة دون من لايقوم بها. وتوعدهم فقال: " سيصيب الذين أجرموا " أي سينال الذين انقطعوا إلى القبيح وأقدموا عليه " صغار عندالله " والصغار الذل الذي يصغر إلى الانسان نفسه يقال: صغر يصغر صغارا وصغرا، وقيل في معنى الصغار عند الله ثلاثة اقوال: اولها - صغار أي ذلة من عندالله، ولايجوز على هذا أن يقال: زيد عند عمر بمعنى من عنده، لان حذف (من) تلبيس - ههنا -.
الثاني - قال الفراء اكتسب من ترك اتباع الحق صغارا عندالله.
الثالث - قال الزجاج يعني صغار في الاخرة، وهو أقواها، لقوله " وعذاب شديد بماكانوا يمكرون " في دار الدنيا، و " عندالله " يتعلق بقوله

(4/262)


تفسير التبيان ج4
" سيصيب الذين أجرموا صغار " ويجوز أن يكون متعلقا ب " صغار "، وتقديره سيصيب الذين أجرموا صغار ثابت لهم عندالله.
ومعنى الاية الانكار لما طلبوا الاحتجاج عليهم فيما جهلوا، والوعيد على مافعلوا.
وقوله " رسل الله " اللام مفخمة في (الله) ولاتفخم من قوله " الله أعلم " لان ماوقع بعد فتح وضم صح تفخيمه، كقولك من الله، لانه بمنزلة تفخيم الالف مع هاتين الحركتين في نحوكامل وعالم وترك التفخيم في الثاني كماترك في الالف مع الكسرة في نحو عائد، وانما فخمت اللام في تلك المواضع تعظيم الاسم من غير اخلال بالخروج عن نظيره.
قوله تعالى: فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لايؤمنون(125)
آية بلاخلاف.
قرأ ابن كثير " ضيقا " بتخفيف الياء وسكونها - ههنا - وفي الفرقان. الباقون بتشديدها وكسرها.
وقرأ أهل المدينة وأبوبكر " حرجا " بكسر الراء. الباقون بفتحها.
وقرأ ابن كثير " يصعد " بتخفيف الصاد والعين وسكون الصاد من غير الف، ورواه أبوبكر بتشديد الصاد وألف بعدها وتخفيف العين. الباقون بتشديد الصاد والعين وفتح الصاد من غير الف.
قال ابوعلي النحوي: الضيق والضيق مثل الميت والميت في أن معناهما واحد. والياء والواو يشتركان في الحذف، وان لم تعل الياء بالقلب كما أعلت الواو به فاتبعت الياء الواو في هذا، كما اتبعتها في قولهم أيسر، قالوا في أيسار الجزور اتسر، فجعلت بمنزلة اتعد.

(4/263)


تفسير التبيان ج4
وقال غيره: يجوز أن يكون من ضاق الامر يضيق ضيقا.
وقد قرأه من قرأ " ولاتك في ضيق ".
ومن فتح الراء من (حرج) جعلها وصفا للمصدر، لان المصادر قدتوصف بمثل ذلك، كقولهم رجل دنف أي ذو دنف ولايكون كبطل لان اسم الفاعل في الاكثر من (فعل) انما يجئ على (فعل).
ومن كسر الراء فهو مثل دنف، وفرق.
قال ابو زيد وحرج عليه السحور والسحر: اذا أصبح قبل أن يتسحر وحرج عليه حرجا وهماواحد، وحرجت على المرأة الصلاة تحرج حرجا، وحرمت عليها الصلاة تحرم حرما بمعنى واحد، ويقال حرج فلان يحرج اذا هاب ان يتقدم على الامر أو قاتل فصبر وهوكاره.
وقال غيره: هما بمعنى واحد كالدنف والدنف، والوحد والوحد، والفرد والفرد وقيل: الحرج الاثم والحرج الضيق الشديد.
ومن قرأ " يصعد " من الصعود، فالمعنى أنه في نفوره عن الاسلام، وثقله عليه بمنزلة من تكلف مالا يطيقه، كما أن صعود السماء لايستطاع.
ومن قرأ " يصعد " بتشديد الصاد والعين بلا الف أراد يتصعد فادغم.
والمعنى كأنه يتكلف مايثقل عليه. وكأنه تكلف شيئا بعد شئ كقولك يتصرف ويتحرج وغير ذلك مما يتعاطى فيه الفعل شيئا بعد شئ ويصاعد مثل يصعد ومثل ضاعف وضعف وناعم ونعم.
والضمير في قوله " يشرح صدره للاسلام " يحتمل ان يكون راجعا إلى (من) وتقديره ان المهدي يشرح صدر نفسه، وهو جيد ويكون تقديره: من أراد الله أن يثيبه ويهديه إلى طريق الجنة فليطعه.

(4/264)


تفسير التبيان ج4
ومن أراد ان يعاقبه فليعصه فالارادة واقعة على فعل العبد بقلبه بالاحراج والضيق. ويقوي ذلك قوله " من كفر بالله من بعد ايمانه الامن اكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله "(1) فان الطمأنينة إلى الايمان فعلهم لامحالة، لانه ايمان. ثم نسب تعالى شرح صدورهم بالكفر اليهم.
والثاني - أن يكون الضمير فيه عائدا أبدا إلى اسم الله تعالى وهو الاقوى لقوله " أفمن شرح الله صدره للاسلام " وقوله " ألم نشرح لك صدرك "(2) وكذلك يكون الضمير في قوله " يشرح صدره للاسلام " عائدا لاسم الله تعالى.
والمعنى ان الفعل مستند إلى اسم الله في اللفظ وفي المعنى للمشروح صدره، وانما نسبه إلى ضمير اسم الله لانه بقدرته كان وتوفيقه، كما قال " ومارميت اذ رميت ولكن الله رمى "(3) ويدل على ان المعنى لفاعل الايمان اسناد هذا الفعل إلى الكافر في قوله " ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله " فكما اسند الفعل إلى فاعل الكفر كذلك يكون اسناده في المعنى إلى فاعل الايمان، ومعنى شرح الصدر اتساعه للايمان أو الكفر وأنقياده له وسهولته عليه، بدلالة وصف خلاف المؤمن بخلاف الشرح الذي هواتساع.
وقوله " ومن يرد أن يصله " يعني يعاقبه أو يعدل به عن طريق الجنة يجعل صدره ضيقا حرجا كانما يفعل ما يعجز عنه ولايستطيعه لثقله عليه وتكاؤده عليه.
وقوله " يصعد " ويصاعد من المشقة وصعوبة الشئ. ومن ذلك قوله " يسلكه " عذابا صعدا "(4) وقوله " سأرهقه صعودا "(5) اي سأغشيه عذابا صعودا أي شاقا.
ومن ذلك قول عمر: مايصعدني شئ كما يصعدني خطبة النكاح أي مايشق علي مشقتها، فكان معنى يصعد يتكلف مشقة في ارتقاء صعودا.
وعلى هذا قالوا: عقبة عنوت وعنتوت، وعقبة كؤد، ولايكون السماء في هذا الموضع - على هذا القول - هي المظلة للارض لكن كما قال سيبويه: القيدود الطويل في غير سمائه يريد في غير ارتفاع صعدا، ومثله " قد نرى تقلب وجهك في السماء "(6) واما قوله " يجعل صدره ضيقا " حرجا "
---
(1) سورة 16 النحل آية 106
(2) سورة 94 الانشراح آية 1.
(3) سورة 8 الانفال آية 17.
(4) سورة 72 الجن آية 17.
(5) سورة 74 المدثر آية 17.
(6) سورة 2 البقرة آية 144

(4/265)


تفسير التبيان ج4
فانه يحتمل امرين: احدهما - التسمية كقوله " وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن اناثا "(1) اي سموهم بذلك فلذلك يسمى القلب ضيقا لمحاولته الايمان وحرجا عنه والاخر - الحكم كقولهم اجعل البصرة بغداد، وجعلت حسني قبيحا أي حكمت بذلك ولايكون هذا من الجعل الذي يراد به الخلق ولاالذي يراد به الالقاء كقولك جعلت متاعك بعضه على بعض.
وقوله " ويجعل الخبيث بعضه على بعض "(2) وقيل في معنى الهداية والاضلال في الاية قولان: احدهما أنه يريد بالهدى تسهيل السبيل إلى الاسلام بالدلائل التي يشرح بها الصدر، والاضلال تصعيب السبيل اليه بالدلائل التي يضيق بها الصدر، لان حاله أوجبت تغليظ المحنة عليه من غير أن يكون هناك مانع له ولاتدبير غيره أولى منه، وانما هو حض على الاجتهاد في طلب الحق حتى ينشرح بالدلائل الصدر، ولايضيق بدعائها إلى خلاف ماسبق من العقد، والهدى إلى ماطلبه طالب الحق، والاضلال عما طلبه طالب تاكيد الكفر.
والثاني - ان يراد بالهداية الهداية إلى الثواب وبالاضلال الاضلال عن الثواب والسلوك به إلى العقاب، ويكون التقدير من يرد الله أن يهديه للثواب في الاخرة فيشرح صدره للاسلام في الدنيا بأن يفعل له اللطف الذي يختار عنده الاسلام، ومن يرد أن يعاقبه ويعدل به عن الثواب إلى النار يجعل صدره ضيقا حرجا بما سبق من سوء اختياره الكفر جزاء على فعله ويخذله ويخلي بينه وبين مايريده من الكفر أو يحكم على قلبه بالضيق والحرج، أو يسميه بذلك على مافسرناه.
---
(1) سورة 43 الزخرف آية 19
(2) سورة 8 الانفال آية 38

(4/266)


تفسير التبيان ج4
وهذا الاضلال لايكون الامستحقا كما أن تلك الهداية لاتكون الا مستحقة، وقد سمى الله تعالى الثواب هداية في قوله " الحمدلله الذي هدانا لهذا وماكنا لنهتدي لول أن هدانا الله "(1) وقال " والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم، سيهديهم ويصلح بالهم "(2) والهداية بعد القتل انما هي الثواب في الجنة، وقال تعالى " والذين اهتدوا زادهم هدى "(3) وقال " ومن يؤمن بالله يهدقلبه "(4) وقال يهدي به الله من اتبع رضوانه "(5) وقال " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا "(6) وكل ذلك يراد به الثواب وقد سمى العقاب ضلال في قوله " ويضل الله الظالمين "(7) وقوله " ومايضل به الا الفاسقين "(8) وهذه الجملة معنى قول أبي علي الجبائي والبلخي، والاول قول الرماني وقيل أيضا: انمايشرح قلب المؤمن بالايات والدلائل لكونه طالب للحق، ولم يفعل ذلك بالكافر لكونه طالبا لتأكيد الكفر وفي هذا الوجه حض على طلب الحق.
والحرج الضيق الشديد، وقال ابن عباس: أصله الحرجة، وهي الشجرة الملتفة بالشجر حولها، فلايصل اليها الراعي، فكذلك قلب هذا لايصل اليه خير - في قول عمر - وقال ابن عباس لايصل اليه حكمة.
وقوله " كأنما يصعد في السماء " قيل في معناه قولان: أحدهما - كأنما كلف الصعود إلى السماء بالدليل الذي يدعوه إلى خلاف مذهبه. وقال سعيدبن جبير: كأنه لايجد مسلكا الاصعدا.
والثاني - كأنما ينزع قلبه إلى السماء نبوا عن الحق بأن يتباعد في الهرب.
وفى معنى الرجس قولان: احدهما - قال مجاهد: كلما لاخير فيه.
وقال ابن زيد وغيره من أهل اللغة: هوالعذاب.
ويقال الرجس والنجس لماكان رجسا، ولقد رجس رجاسة ونجس نجاسة.
ووجه التشبيه في قوله " كذلك يجعل الله الرجس على
---
(1) سورة 7 الاعراف آية 42.
(2) سورة 47 محمد آية 4 - 5.
(3) سورة 47 محمد آية 17.
(4) سورة 64 التغاين آية 11.
(5) سورة 5 المائدة آية 18.
(6) سورة 29 العنكبوت آية 69.
(7) سورة 14 ابراهيم آية 27.
(8) سورة 2 البقرة آية 26

(4/267)


تفسير التبيان ج4
الذين لايؤمنون " أنه يجعل الرجس على هؤلاء كما يجعل ضيق الصدر في قلوب أولئك وان كل ذلك على وجه الاستحقاق.
ولايجوز أن يكون المراد بالاية ان الله تعالى يجعل سبب الايمان الذي يكون به الايمان، وسبب الكفر الذي يكون به الكفر، وانهما جميعا من فعل الله على مايقوله المجبرة، وذلك أن الله تعالى أنزل القرآن حجة له على عباده، لا حجة للعباد عليه، فلوكان كما قالوه لكانت الحجة عليه لاله على انه لايجوز أن يكون في كلام الله تعالى مناقضة، وقد ذكره الله تعالى في مواضع أنه هدى للكفار نحوقوله " وأما ثمود فهديناهم فاستحقوا العمى على الهدى "(1) وقال " وهديناه النجدين فلا اقتحم العقبة "(2) وقال " ومامنع الناس أن يؤمنوا اذ جاء هم الهدى "(3) وقال " قدجاء كم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها "(4) فبين بجميع ذلك انه تعالى هدى الكفار كماهدى المؤمنين، فكيف ينفي ذلك في موضع آخر، وهل ذلك الا مناقضة وكلام الله منزه عنها؟ ! ومتى حملنا الايات على ماقلناه ووفقنا بينها لم يؤد إلى المناقضة ولاالتضاد، ويقوي ذلك ان الله اخبر انه يجعل قلب الكافر ضيقا حرجا ونحن نجد كثيرا من الكفار غير ضيقي الصدر بماهم فيه من الكفر بل هم في غاية السرور والفرح بذلك، فكيف يقال ان الله تعالى ضيق صدورهم بالكفر؟ !
ولايلزمنا ذلك اذا قلنا ان الله يفعل ذلك بهم على وجه العقوبة لانه تعالى اذاكان يفعل بهم ذلك عقوبة يجوز أن يفعل بهم ذلك اذا أراد عقابهم لافي جميع الاحوال، ولايلزم ان يجدوا نفوسهم على ذلك في كل وقت. وأيضا فان سبب القبيح لايكون الا قبيحا فعلى هذا سبب الكفر يجب ان يكون قبيحا، لانه موجب له لايصلح لضده من الايمان، لانه لوصلح لذلك لم يكن سببا، والله تعالى لايفعل القبيح.
---
(1) سورة 41 حم السجدة آية 17.
(2) سورة 90 البلد آية 10 - 11.
(3) سورة 17 الاسرى آية 94 وسورة 18 الكهف آية 56.
(4) سورة 6 الانعام آية 104

(4/268)


تفسير التبيان ج4
وانما ذكر الله ضيق صدر الكافر، وهومما يصح ان يدعا به إلى الايمان في بعض الاحوال، كمايصح ان يدعا بانشراحه في غير تلك الحال.
ويقوي ماقلناه قوله " كذلك يجعل الله الرجس على الذين لايؤمنون " وانما أريد بذلك مايفعله بهم من العقاب والبراء ة واللعنة والشتم والاسماء القبيحة مع ما أعد لهم من العقاب.
وقال الحسن: معناه انه يكون مقبول الايمان منشرح الصدر، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا، ومعناه انه يثقل عليه مايدعا اليه من الايمان كانما يصعد إلى السماء، فبذلك صار ضيق الصدر عن الايمان.
" ويجعل الله الرجس " يعني رجاسة الكفر على الذين لايؤمنون.
ووجه آخر في الاية، وهو أن نحملها على التقديم والتأخير كأنه قال: من يشرح الله صدره للاسلام يرد الله أن يهديه، ومن يجعل صدره ضيقا حرجا يرد الله أن يضله.
ووجه آخروهو أن يكون الله تعالى لمادعاهم إلى الايمان وأمرهم ففعلوه انشرحت صدورهم، فنسب شرح ذلك إلى الله تعالى، ولماضاقت صدور الكفار عنددعاء الله واقامة الحجج عليهم وامره اياهم بذلك فضلوا عند ذلك، صح ان ينسب اضلالهم اليه، كما يقولون: أضل فلان بعيره اذا ضل عنه، وهو لم يرد ذلك.
واللام في قوله " للاسلام " يحتمل أمرين: احدهما - أن يكون الله تعالى هداه بالالطاف التي ينشرح بها صدره للتمسك بالاسلام والاستبصار فيه، ولايكون فعل ذلك بالكفار وان لم يخل بينهم وبين الايمان ولا منعهم منه، لانه تعالى قداعطى الكافر الصحة والسلامة والقوة، وجميع مايتمكن به من فعل ماأمره به، وانما لم يفعل بهم اللطف الذي يؤمنون عنده، لانهم لماعدلوا عن النظر في آيات الله وحججه خرجوا من أن يكون لهم لطف يختارون عنده الايمان وصاروا مخذولين، فخلى الله تعالى بينهم وبين اختيارهم، فعبر عن ذلك بأنه جعل صدر الكافر ضيقا حرجا.

(4/269)


تفسير التبيان ج4
والثاني - ان يكون اللام بمعنى لاجل الشئ وبسببه كما يقول القائل: انما قلت هذا الكلام لزيد ولمراعات عمرو، المعنى من أجله وبسببه، فيكون المعنى انه شرح صدره من أجل الاسلام، لانه فعل اسلاما استحق به شرح الصدر.
قوله تعالى: وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الايات لقوم يذكرون(126) لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بماكانوا يعملون(127)
آيتان بلا خلاف.
الاشارة بقوله " وهذا صراط ربك مستقيما " يمكن ان تكون إلى أحد شيئين: احدهما - ماقال ابن عباس: انه راجع إلى الاسلام. والثاني - أن تكون اشارة إلى البيان الذي في القرآن، وأضيف الصراط إلى الله في قوله " صرط ربك مستقيما " لانه لماكانت الاضافة فيه انماهي على أنه الذي نصبه ودل به، وغلب عليه الاستعمال.
ولم يجز قياسا على ذلك ان يقال: هذا طريق ربك، لانه لم تجر العادة باستعماله كما انهم استعملوا قولهم: هذا في سبيل الله، ولم يقولوا في طريق الله، لماقلناه.
وقوله " مستقيما " نصب على الحال ومعناه الذي لااعوجاج فيه.
فان قيل كيف يقال: انه مستقيم مع اختلاف وجوه الادلة؟ ! قلنا: لانها مع اختلافها يؤدي كل واحد منها إلى الحق، وكأنها طريق واحد لسلامة جميعهامن التناقض والفساد، وكلها تؤدي من تمسك بها إلى الثواب وقوله " قد فصلنا الايات " أي بيناها " لقوم يذكرون " وانما أعيد ذكر تفصيل الايات للاشعار بأن هذا الذي تقدم من الايات التي فصلها الله عز وجل للعباد.

(4/270)


تفسير التبيان ج4
وقوله " يذكرون " أصله يتذكرون فقلبت التاء ذالا وأدغمت الاولى في الثانية، ولم يجز قلب الذال إلى الدال كما جازفي " فهل من مدكر "(1) لانهم لما لم يجيزوا ادغام التاء في الدال، لانها أفضل منها بالجهر، قلبت إلى الدال لتعديل الحروف وليس كذلك ادغام التاء في الذال. وانماخص الايات بقوم يتذكرون لانهم المنتفعون بها وان كانت آيات لغيرهم، كما قال " هدى للمتقين " وفي الاية دلالة على بطلان قول من قال: المعارف ضرورية لانها لو كانت ضرورية لم يكن لتفصيل الايات ليتذكر بها فائدة.
وقوله " لهم دار السلام " هذه لام الاضافة وانما فتحت مع المضمر وكسرت مع الظاهر لامرين: احدهما - طلبا للتخفيف، لان الاضمار موضع تخفيف، وفتحت في الاستغاثة في (يالبكر) تشبيها بالكناية، ولانه موضع تخفيف بالترخيم وحذف التنوين. والثاني - أن اصلها الفتح، وانما كسرت مع الظاهر للفرق بينها وبين لام الابتداء.
وقيل في معنا " السلام " ههنا قولان: احدهما - قال الحسن والسدي: انه الله وداره الجنة. والثاني - قال الزجاج والجبائي: انها دار السلامة الدائمة من كل آفة وبلية.
وقوله " عند ربهم " قيل في معناه قولان: أحدهما - مضمون عند ربهم حتى يوصله اليهم. الثاني - في الاخرة يعطيهم اياه.
وقوله " وهووليهم " يعني الله. وفي معنى (الولي) قولان: احدهما - انه يتولى ايصال المنافع اليهم ودفع المضار عنهم. الثاني - ناصرهم على اعدائهم.
---
(1) سورة 54 القمر آية 15، 17، 22، 32، 40، 51

(4/271)


تفسير التبيان ج4
وقوله " بماكانوا يعملون " يعني جزاء باعمالهم، وهو وان كان مطلقا فالمراد بماكانوا يعملونه من الطاعات، لان من المعلوم ان مالم يكن طاعة فلا ثواب عليه. ويجوز ايضا ان يكون مقيدا لدلالة قوله " يذكرون " عليه. والموعود بهذا الوعد المتذكر لايات الله بحقها، وهو العامل بها.
قوله تعالى: ويوم يحشرهم جميعا يامعشر الجن قد استكثرتم من الانس وقال أولياؤهم من الانس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثويكم خالدين فيها إلا ماشاء الله إن ربك حكيم عليم(128)
آية بلاخلاف.
قرأ حفص وروح " ويوم يحشرهم " بالياء. الباقون بالنون.
من قرأ بالياء فلقوله " لهم دار السلام عند ربهم. ويوم يشحرهم " والنون كالياء في المعنى، ويقوي النون قوله " وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا "(1) وقوله " ونحشره يوم القيامة أعمى "(2) والذي يتعلق به (اليوم) هذا القول المضمر. والمعنى ويوم نحشرهم جميعا نقول " يامعشر الجن قد أستكثرتم من الانس " أي قد استكثرتم ممن أضللتموه من الانس بالاغواء والاضلال.
قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: معناه استكثرتم من اغوائهم واضلالهم " وقال أولياؤهم من الانس ربنا استمتع بعضنا ببعض ". وقيل في وجه الاستمتاع من بعضهم؟؟ قولان:
---
(1) سورة 18 الكهف آية 48.
(2) سورة 20 طه آية 124

(4/272)


تفسير التبيان ج4
احدهما - بتزيين الامورالتي يهوونها حتى يسهل عليهم فعلها. والثاني - قال الحسن وابن جريج والزجاج والفراء وغيرهم: انه اذا كان الرجل أراد ان يسافر فيخاف سلوك طريق من الجن فيقول: اعوذ بسيد هذا الوادي، ثم يسلك فلا يخاف، كما قال تعالى " وانه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا "(1) ووجه استمتاع الجن بالانس أنهم اذا اعتقدوا ان الانس يتعوذون بهم، ويعتقدون انهم ينفعونهم ويضرونهم أو أنهم يقبلون منهم إذا أغووهم كان في ذلك تعظيم لهم وسرور ونفع، ذكر ذلك الزجاج والبلخي والرماني.
وقال البلخي: ويحتمل ان يكون قوله " استمتع بعضنا ببعض " مقصورا على الانس، فكأن الانس استمتع بعضهم ببعض دون الجن.
وقوله " بلغنا أجلنا الذي أجلت لنا " قيل في معناه قولان: احدهما - قال الحسن والسدي: انه الموت. الثاني - الحشر، لان كل واحد منهما اجل في الحكم، فالموت اجل استدراك مامضى، والحشر أجل الجزاء.
وقال ابوعلي: في الاية دلالة على انه لااجل الا واحد، قال لانه لوكان له اجلان فكان اذا اقتطع دونه بأنه قتل ظلما لم يكن بلغ اجله، والاية تتضمن انهم اجمع يقولون: بلغنا اجلنا الذي اجلت لنا.
وقال الرماني وغيره من البغداديين: لاتدل على ذلك، بل لايمتنع ان يكون له أجلان: احدهما مايقع فيه الموت، والاخر ما يقع فيه الحشر، وماكان يجوز أن يعيش اليه.
وقوله " قال النار مثواكم " جواب من الله تعالى لهم بأن النار مثواهم، وهو المقام، يقال: ثوى يثوي ثواء، قال الشاعر:
لقد كان في حول ثواء ثويته
تقضي ليانات ويسأم سائم(2)
ومعنى الاية التقريع للغواة من الجن والانس مع إعترافهم بالخطيئة في
---
(1) سورة 72 الجن آية 6.
(2) قائله الاعشى ديوانه: 56 وسيبويه 1 / 123، وتأويل مشكل القرآن: 59.

(4/273)


تفسير التبيان ج4
وقت لاينفعهم الندم على ماسلف، وخاصة اذا كان الجواب لهم بأن مثواهم النار " خالدين فيها " أي مؤبدين فيها، وهونصب على الحال.
وقوله " الاماشاء الله " قيل في معنى هذا الاستثناء ثلاثة اقوال: احدها - " الاماشاء الله " من الفائت قبل ذلك من الاستحقاق من وقت الحشر إلى زمان المعاقبة، وتقديره: خالدين فيها على مقادير الاستحقاق الا ماشاء الله من الفائت قبل ذلك، لان مافات يجوز اسقاطه بالعفو عنه. والفائت من الثواب لايجوز تركه، لانه بخس لحقه، ذكره الرماني والبلخي والطبري والزجاج والجبائي.
الثاني - " الاماشاء الله " من تجديد الخلود بعد احتراقهم وتصريفهم في انواع العذاب فيها، والتقدير خالدين فيها على صفة واحدة الاماشاء الله من هذه الامور.
الثالث - ماحكي عن ابن عباس، حكاه الرماني والطبري عنه أنه قال: هذه الاية توجب الوقف في جميع الكفار، فانه ذهب إلى ان وعيدهم بالقطع يدل عليه فيما بعد، وهوقوله " ان الله لايغفر ان يشرك به "(1) وقال قوم: معنى (ما) (من) وتقديره الامن شاء الله اخراجه من النار من المؤمنين الذين لهم ثواب بعد استيفاء عقابهم.
وقوله " ان ربك حكيم عليم " أي هو حكيم فيما يفعله من جزائهم. وعالم بذلك وبغيره من المعلومات لايخفى عليه شئ منها.
قوله تعالى: وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بماكانوا يكسبون(129)
آية بلاخلاف.
---
(1) سورة 4 النساء آية 47، 115.

(4/274)


تفسير التبيان ج4
قيل في معنى قوله " نولي بعض الظالمين بعضا " قولان: احدهما - انا نكل بعضهم إلى بعض في النصرة والمعونة في الحاجة، ولا نحول بينهم. الثاني - نجعل بعضهم يتولى القيام بأمر بعض.
وقيل في كيفية تولية الله الظالمين بعضهم بعضا أقوال:
أحدها - بأن حكم ان بعضهم يتولى بعضا فيما يعود عليه بالوبال من الاعمال التي يتفقون عليها.
الثاني - بأن يخلي بينهم وبين ما يختارونه من غير نصرة لهم.
وثالثها - ماقال قتادة: انه من الموالات والتتابع في النار، أي يدخل بعضهم عقيب بعض.
ووجه التشبيه في قوله " وكذلك " قال الرماني: اي كذلك المهل بتخلية بعضهم مع بعض للامتحان الذي معه يصح الجزاء على الاعمال، بجعل بعضهم يتولى أمر بعض للعقاب الذي يجري على الاستحقاق.
وقال الجبائي: المعنى إنا كما وكلنا هؤلاء الظالمين من الجن والانس بعضهم إلى بعض يوم القيامة وتبرأنا منهم كذلك نكل الظالمين بعضهم إلى بعض يوم القيامة ونكل الاتباع إلى المتبوعين، ونقول للاتباع قولوا للمتبوعين حتى يخلصوكم من العذاب. والغرض بذلك اعلامهم انه ليس لهم يوم القيامة ولي يدفع عنهم شيئا من العذاب.
وقال غيره: لما حكى الله تعالى مايجري بين الجن والانس من الخصام والجدال في الاخرة، قال الله لهم: النار مثواكم. ثم قال " وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا " أي كما فعلنا بهؤلاء من الجمع بينهم في النار وتولية بعضهم بعضا وجعل بعضهم أولى ببعض، نفعل مثله بالظالمين جزاء على أعمالهم.
والفرق بين (ذلك) و (ذاك) أن زيادة اللام في (ذلك) قامت مقام هاء التنبيه التي تدخل في ذاك فتقول هذاك ولاتقول هذلك. ولايجوز إمالة (ذلك) لان (ذا) بمنزلة الحرف، والاصل في الحروف ألا تمال، لان التصريف انما هو للافعال والاسماء.

(4/275)


تفسير التبيان ج4
وقوله " بماكانوا يكسبون " معناه بماكانوا يكسبونه من المعاصي وان مايفعله بهم من العقاب جزاء على أعمالهم القبيحة.
قوله تعالى: يامعشر الجن والانس ألم ياتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحيوة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين(130)
آية بلاخلاف.
أخبر الله تعالى انه يخاطب الجن والانس يوم القيامة بأن يقول " يامعشر الجن والانس " والمعشر الجماعة.
والفرق بينه وبين المجمع: أن المعشر يقع عليهم هذا الاسم مجتمعين كانوا او مفترقين كالعشيرة، وليس كذلك المجمع، لانه مأخوذ من الجمع. والجن مشتق الاجتنان عن العيون وهواسم علم لجنس مما يعقل متميز عن جنس الانسان والملك. والانس هم البشر.
وقوله " الم يأتكم رسل منكم " احتجاج عليهم بأن الله بعث اليهم الرسل إعذارا وانذارا وتأكيدا للحجة عليهم، ولابد أن يكون خطابا لمن بعث الله اليهم الرسل، فأما اول الرسل فلا يمكن ان يكونوا داخلين فيه، لانه كان يؤدي إلى مالا نهاية لهم من الرسل وذلك محال.
وقوله " منكم " وان كان خطابا لجميعهم، الرسل من الانس خاصة، فانه يحتمل ان يكون لتغليب احدهما على الاخر، كما يغلب المذكر على المؤنث، وكما قال " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان " بعد قوله " مرج البحرين يلتقيان "(1) وانما يخرج اللؤلؤ من الملح دون العذب. وكقولهم أكلت خبزا ولبنا وانما شرب اللبن.
وكما يقولون: في هذه الدار سرو، وانما هو في بعضها. وهذا
---
(1) سورة 55 الرحمن آية 19

(4/276)


تفسير التبيان ج4
قول أكثر المفسرين: منهم ابن جريج والفراء والزجاج والرماني والبلخي والطبري.
وروي عن ابن عباس انه قال: هم رسل الانس إلى غيرهم من الجن كما قال تعالى " ولوا إلى قومهم منذرين "(1).
وقال الضحاك: ذلك يدل على انه تعالى ارسل سلا من الجن. وبه قال الطبري واختاره البلخي أيضا، وهو الاقوى.
وقال الجبائي والحسين بن علي المغربي: المعنى " ألم يأتكم " يعني معشر المكلفين والمخلوقين " رسل منكم " يعني من المكلفين. وهذا اخبار وحكاية عما يقال لهم في وقت حضورهم في الاخرة، وليس بخطاب لهم في دار الدنيا، وهم غير حضور، فيكون قبيحا، بل هو حكاية على ماقلناه.
وقوله " يقصون عليكم آياتي " مثل يتلون عليكم دلائلي وبيناتي " وينذرونكم " يعني يخوفونكم " لقاء يومكم هذا " يعني لقاء ما تستحقونه من العقاب في هذا اليوم وحصولكم فيه. ثم أخبر تعالى عنهم انهم يشهدون على أنفسهم بالاعتراف بذلك والاقرار بأن الحياة الدنيا غرتهم، ويشهدون أيضا بانهم كانوا كافرين في دارالدنيا، فلذلك كرر الشهادة. ومعنى غرتهم الحياة الدنياأي غرتهم زينة الدنيا ولذتها ومايرون من زخرفها وبهجتها.
واستدل بهذه الاية قوم على ان الله لايجوز ان يعاقب الا بعد ان يرسل الرسل، وان التكليف لايصح من دون ذلك، وهذا ينتقض بما قلناه من اول الرسل، وانه صح تكليفهم وان لم يكن لهم رسل، فالظاهر مخصوص بمن علم الله ان الشرع مصلحة له، فان الله لايعاقبهم الابعد ان يرسل اليهم الرسل ويقيم عليهم الحجة بتعريفهم مصالحهم، فاذا خالفوا بعد ذلك استحقوا العقاب.
---
(1) سورة 46 الاحقاف آية 29

(4/277)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون(131)
آية بلاخلاف.
موضع (ذلك) من الاعراب يحتمل أمرين: احدهما - أن يكون رفعا كأنه قال: الامر ذلك، لانه لم يكن (ذلك) إشارة إلى ماتقدم ذكره من العقاب والجواب بأن مثواهم النار. والثاني - ان يكون نصبا، وتقديره فعلناه ذلك لهذا. وانما جازت الاشارة بذلك إلى غير حاضر لان مامضى صفة حاضرة للنفس فقام مقام حضوره، ويجوز الاشارة إلى هذا الذي تقدم ذكره.
وقوله " ان لم يكن " ف (ان) هي المخففة من الثقيلة. والمعنى لانه لم يكن ومثلها التي في قول الشاعر:
في فتية كسيوف الهند قد علموا
أن هالك كل من يحفي وينتعل(1)
ف (أن) المفتوحة لابد فيها من إضمار الهاء، لانه لامعنى لها في الابتداء وانما هي بمعنى المصدر المبني على غيره. والمكسورة لاتحتاج إلى ذلك، لانها يصح ان تكون حرفا من حروف الابتداء فلا تحتاج إلى اضما ر.
وقوله " بظلم " قيل في معناه قولان: احدهما ماذكره الفراء والجبائي: انه بظلم منه على غفلة من غير تنبيه وتذكير ومثله قوله " وماكان ربك ليهلك القرى بظلم واهلها مصلحون "(2). الثاني - بظلم منهم حتى يبعث اليهم رسلا يزجرونهم ويذكرونهم على وجه الاستظهار في الحجة دون ان يكون ذلك واجبا، لانهم بمافعلوه من الظلم
---
(1) قائله الاعشى ديوانه: 45 القصيدة 6 وروايته: في فتية كسيوف الهند قد علموا أن ليس يدفع عن ذوي الحيلة الحيل.
(2) سورة 11 هود آية 118.

(4/278)


تفسير التبيان ج4
قد اسحقوا العقاب. ومن استدل بذلك على انه لايحسن العقاب الابعد انفاذ الرسل، فقد أجبنا عن قوله في الاية الاولى.
قوله تعالى: ولكل درجات مما عملوا وماربك بغافل عما يعملون(132)
آية بلاخلاف.
قرأ ابن عامر " عما تعملون " بالتاء. الباقون بالياء.
ومن قرأ بالياء حمله على الغيبة.
ومن قرأ بالتاء حمله على الخطاب للمواجهة.
وفي الاية حذف وتقديرها، ولكل عامل بطاعة الله او معصيته منازل من عمله حتى يجازيه ان خيرا فخيرا، وان شرا فشرا. وماتقدم من ذكر الغافلين يدل على هذا الحذف. و (قبل وبعد) بنيتاعند حذف المضاف في مثل قوله " لله الامر من قبل ومن بعد "(1) لانهما في حال الاعراب لم يكونا على التمكن التام، لانه لايدخلهما الرفع في تلك الحال، فلما انضاف إلى هذا النقصان من التمكن بحذف المضاف اليه أخرجا إلى البنأ، وليس كذلك (كل) فاته متمكن على كل حال ولذلك لم يبن.
و (الدرجات) يحتمل أمرين: احدهما - الجزاء. والثاني - الاعمال فاذا وجهت إلى الجزاء كان تقديره: ولكل درجات جزاء من اجل ماعملوا، واذا حمل على الاعمال كان تقديره: ولكل درجات أعمال من اعمالهم. وانما مثل الاعمال بالدرجات ليبين انه وان عم احد قسميها صفة الحسن، وعم الاخر صفة القبيح، فليست في المراتب سواء، وانه بحسب ذلك يقع الجزاء، فالاعظم من العقاب للاعظم من المعاصي، والاعظم من الثواب للاعظم من الطاعات.
---
(1) سورة 30 الروم آية 4

(4/279)


تفسير التبيان ج4
وقوله " وماربك بغافل عما يعملون " انما ذكره ليعلموا انه لايفوته شئ منهما ولامن مراتبهما حتى يجازي عليه بما يستحق من الجزاء، وفيه تنبيه وتذكير للخلق في كل امورهم. والغفلة ذهاب المعنى عمن يصح ان يدركه. والغفلة عن المعنى والسهو عنه والغروب عنه نظائر، وضد الغفلة اليقظة، وضد السهو الذكر، وضد الغروب الحضور.
قوله تعالى: وربك الغني ذو الرحمة إن يشا يذهبكم ويستخلف من بعدكم مايشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين(133)
آية بلاخلاف.
اخبر الله تعالى في هذه الاية بأنه الغني. والغني هوالحي الذي ليس بمحتاج.
والغني عن الشئ هوالذي يكون وجود الشئ وعدمه وصحته وفساده عنده بمنزلة واحدة، في انه ولايلحقه صفة نقص.
و " ذو الرحمة " يعني صاحب الرحمة، وهوتعالى بهذه الصفة لرحمته بعباده.
ثم اخبره عن قدرته وانه لوشاء ان يذهب الخلق بأن يميتهم ويهلكهم ويستخلف من بعدهم مايشاء بان ينشئ بعد هلاكهم كما أنشأهم في الاول من ذرية من تقدمهم. وكذلك ينشئ قوما آخرين من نسلهم وذريتهم، والجواب محذوف والكاف في (كما) في موضع نصب وتقديره ويستخلف من بعدكم مايشاء مثل ما استخلفكم.
وفي ذلك دلالة على انه يصح القدرة على ماعلم انه لايكون لانه بين انه لوشاء لذهب بهم وأتى بقوم آخرين ولم يفعل ذلك، فدل ذلك على انه يقدر على مايعلم انه لايفعله.

(4/280)


تفسير التبيان ج4
و (من) في قوله " ويستخلف من بعدكم " للبدل كقولك: اعطيتك من دينارك ثوبا اي مكان دينارك وبدله، ومعنى (من) في قوله " كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين " ابتداء الغاية لان التقدير، ان ابتداء غايتكم من قوم آخرين وقيل في وزن " ذرية " ثلاثة أقوال: اولها - فعلية من الذر.
الثاني - فعيلة على وزن خليفة من ذرأ الخلق يذرأهم.
الثالث - فعولة من (ذروة) الا أن الهمزة ابدلت واوا، ثم قلبت ياء، فيكون بمنزلة علية من علوة.
وقرئ في الشواذ (ذرية) بكسر الذال وهما لغتان. وانشأ الله الخلق اذا خلقه وابتدأه وكل من ابتدأ شيئا فقد انشأه.
ومنه قولهم: انشأ فلان قصيدة، والنشأة الاحداث من الاولاد، واحدها ناشئ مثل خادم وخدم، ويقال للجواري أنشاء، وللذكور نشاء، قال نصيب:
ولولا أن يقال صبا نصيب
لقلت بنفسي النشأ الصغار(1)
ويقال لهذا السحاب نشؤ حسن، وهو اول ظهوره في السماء.
قوله تعالى: إن ماتوعدون لآت وما أنتم بمعجزين(134)
آية بلاخلاف.
اخبر الله تعالى في هذه الاية ان الذي أوعد الخلق به من عقابه على معاصيه والكفر به واقع بهم لان (ما) في قوله " انما " بمعني الذي، وليست كافة مثل قولك: انما قام زيد، لان خبرها جاء بعدها، وهوقوله " لات وهي في موضع نصب، والجنس في موضع رفع، والكافة لاخبر لها، واللام في قوله (للات) لام الابتداء ولايجوز ان تكون لام القسم، لان لام القسم لاتدخل على الاسماء ولاالافعال المضارعة الاأن تكون معها النون الثقيلة، ولاتعلق الفعل في (علمت ان زيدا ليقومن).
---
(1) اللسان (نشأ) النشأ: الشباب او الشابات.

(4/281)


تفسير التبيان ج4
ومعنى " توعدون " من الايعاد بالعقاب يقال: اوعدته اوعده إيعادا، وقال الحسن: انما توعدون من مجئ الساعة، لانهم كانوا يكذبون بالبعث، فعلى هذا يجوز ان يكون المصدر الوعد لاختلاط الخير والشر، فيكون على التغليب إذ مجئ الساعة خير للمؤمنين وشر على الكافرين.
وقال الجبائي: ان معناه " ان ماتوعدون " من الثواب والعقاب، فان الله يأتي به.
وقوله " وماانتم بمعجزين " أي لستم معجزين الله عن الاتيان بالبعث والعقاب، وانماقيل ذلك لان من يعبد الوثن يتوهم انه ينفعه في صرف المكروه عنه جهلا منه ووضعا للامر في غير موضعه. وايضا فانهم يعملون عمل من كان يفوته العقاب لتأخره عنه وطول السلامة بالامهال فيه.
قوله تعالى: قل ياقوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لايفلح الظالمون(135)
آية بلاخلاف.
قرأ ابوبكر " مكاناتكم " على الجمع. الباقون على التوحيد، وقرأ حمزة والكسائي يكون بالياء. الباقون بالتاء المعجمة من فوق.
ومن قرأ بالياء فلان المصدر المؤنث يجوز تأنيثه على اللفظ وتذكيره على المعنى.
ومن قرأ بالتاء فعلى اللفظ، فمما جاء منها على اللفظ قوله " فأخذتهم الصيحة "(1) وقوله " قدجاء تكم موعظة من ربكم "(2) وعلى المعنى قوله " واخذ الذين ظلموا الصيحة "(3) وقوله " فمن جاء ه موعظة "(4).
---
(1) سورة 15 الحجر آية 73، 83 وسورة 23 المؤمنون آية 41.
(2) سورة 10 يونس آية 57
(3) سورة 11 هود آية 67.
(4) سورة 2 البقرة آية 275.

(4/282)


تفسير التبيان ج4
ومن وحد " مكانتكم " فلانه مصدر، والمصادر في الاكثر لاتجمع.
ومن جمع فلانها قد تجمع كقولهم: الحلوم والاحلام.
قال ابوعبيدة " مكانتكم " أي على حيالكم.
وقال ابوزيد: رجل مكين عند السلطان من قوم مكناء، وقد مكن مكانة، كأنه قال: اعملوا على قدر منزلتكم وتمكنكم من الدنيا، فانكم لن تضرونا بذلك شيئا. أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله ان يخاطب المكلفين من قومه ويأمرهم بأن يعملوا على مكانتهم، والمكانة الطريقة يقال: هو يعمل على مكانته ومكينته أي طريقته وجهته.
وقال ابن عباس والحسن: على ناحيتكم.
وقال الجبائي: على حالتكم.
وقال الزجاج: يجوز ان يكون المراد على تمكنكم، وهذا وان كان صيغته صيغة الامر فالمراد به التهديد كما قال " اعملوا ماشئتم "(1) وانما جاء التهديد بصيغة الامر لشدة التحذير، أي لو امربهذا لكان يجوز قبول أمره.
ووجه آخر - هو ان التقدير " اعملوا على مكانتكم " ان رضيتم بالعقاب أي انكم في منزلة من يؤمر به ان رضيتم بالعقاب، فهذا على التبعيد أن يقيموا عليه، كالتبعيد أن يرضوا.
ووجه ثالث هو ان الضرر يخص المقيم على المنكر، لان غيره بمنزلة الامن في انه لا يأمره بما يضره.
وقوله " اني عامل " إخبار من الرسول انه عامل بما امر الله تعالى به.
وقوله " فسوف تعلمون " فيه تهديد، ومعناه فسوف تعلمون جزاء اعمالكم.
وقوله " من تكون " يحتمل موضع (من) أمرين من الاعراب: احدهما - الرفع وتقديره أينا يكون له عاقبة الدار. والثاني - النصب بقوله " يعلمون " ويكون بمعنى الذي.
---
(1) سورة 41 حم السجدة آية 40

(4/283)


تفسير التبيان ج4
وانما قال: ان عاقبة الدار للمؤمنين دون الكافرين وان كان الكفار أيضا لهم عاقبة من حيث يصيرون إلى العقاب المؤبد وهي للمؤمنين من حيث يصيرون إلى النعيم الدائم، كما يقول العرب: لهم الكرة، ولهم الحملة، لانه اذافصل قيل: لهم وعلى اعدائهم.
وقوله " انه لايفلح الظالمون " أي لايفوز الظالمون بشئ من الثواب والمنافع، وانما لم يقل (الكافرون) وان كان الكلام في ذكرهم لانه أعم واكثر فائدة، ولانه اذا لم يفلح الظالم، فالكافر بذلك اولى، على ان الكافر يسمى ظالما فيجوز ان يكون عنى به انه لايفلح الظالمون الذين هم الكافرون، كما قال " والكافرون هم الظالمون "(1) وقال (ان الشرك لظلم عظيم "(2).
قوله تعالى: وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والانعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فماكان لشركائهم فلا يصل إلى الله وماكان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء مايحكمون(136)
آية بلاخلاف.
قرأ الكسائي " بزعمهم " بضم الزاي في الموضعين. الباقون بفتحها.
وفي الزعم ثلاث لغات: الفتح والضم، والكسر مثل فتك وفتك وفتك. وقبل وقبل وقبل. وود وود وود. ولم يقرأ بالكسر احد.
فالفتح لغة اهل الحجاز، والضم لغة تميم، والكسر لغة بعض بني قيس.
اخبر الله تعالى عن الكفار الذين تقدم وصفهم أنهم يجعلون شيئا من أموالهم لله وشيئا لشركائهم تقربا اليهما، من جملة ما خلقه الله واخترعه، لان الذرأ هوالخلق على وجه الاختراع، واصله الظهور، ومنه ملح ذرآني
---
(1) سورة 2 البقرة آية 254.
(2) سورة 31 لقمان آية 13

(4/284)


تفسير التبيان ج4
وذرآني، لظهور بياضة. والذرأة ظهور الشيب.
قال الراجز:
وقد علتني ذرأة بادي بدي
وريثة تنهض في تشددي(1)
يقال: ذرأ الله الخلق يذرأهم ذرء ا وذروا.
ويقال: ذرئت لحيته ذرء ا اذا.
ومنه طعنه فأذراه - غير مهموز - اذا ألقاه، وذرت الريح التراب تذروه ذروا اذا أبادته، وذروة كل شئ أعلاه.
و (الحرث) الزرع و (الحرث) الارض التي تثار للزرع، ومنه حرثها يحرثها حرثا، ومنه قوله " نساؤكم حرث لكم "(2) لان المرأة للولد كالارض للزرع و (الانعام) المواشي من الابل والبقر والغنم، مأخوذ من نعمة الوطئ، ولايقال لذوات الحافر: أنعام. وانما جعلوا الاوثان شركاء هم، لانهم جعلوا لها نصيبا من أموالهم ينفقونه عليها فشاركوها في نعمهم.
وقوله " فماكان لشركائهم فلا يصل إلى الله، وماكان لله فهو يصل إلى شركائهم " قيل في معناه ثلاثة اقوال: احدها - قال ابن عباس وقتادة: انه اذا اختلط شئ مما جعلوه لاوثانهم بشئ مماجعلوه لله ردوه إلى مالاوثانهم، واذا اختلط بشئ مما جعلوه لله لم يردوه إلى مالله.
الثاني - قال الحسن والسدي: كان اذا هلك الذي لاوثانهم أخذوا بدله ممالله، ولايفعلون مثل ذلك في مالله (عزوجل).
الثالث - قال ابوعلي: انهم كانوا يصرفون بعض ماجعلوه لله في النفقة على اوثانهم، ولايفعلون مثل ذلك فيما جعلوه للاوثان.
وقوله " ساء مايحكمون " فيه قولان: احدهما - قال الزجاج: تقديره ساء الحكم حكمهم، فيكون على هذا موضع (ما) رفعا.
---
(1) (تفسير الطبري 12 / 17 واللسان والتاج (ذرأ) (بدا).
(2) سورة 2 البقرة آية 223

(4/285)


تفسير التبيان ج4
وقال الرماني: يجوز ان يكون موضع (ما) نصبا وتقديره ساء حكما حكمهم.
قوله تعالى: وكذلك زين الكثير من المشركين قتل أولادهم شكركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولوشاء الله ما فعلوه فذرهم ومايفترون(137)
آية بلاخلاف.
قرأ ابن عامر وحده " زين لكثير من المشركين قتل اولادهم شركائهم " بضم الزاي، ونصب (الاولاد) وخفض " شركائهم ". الباقون بفتح الزاي، " قتل " مفتوح اللام " أولادهم بجر الدال " شركاؤهم " بالرفع بالتزيين.
فوجه قراء ة ابن عامر انه فرق بين المضاف والمضاف اليه بالمفعول. والتقدير: قتل شركائهم اولادهم، وشركاؤهم فاعل القتل، وانما جربالاضافة ومن اضاف القتل إلى الاولاد في القراء ة الاخرى يكون الاولاد في موضع النصب، وهو مفعول به بالقتل وانشدوا فيه بيتا على الشذوذ أنشده بعض الحجازيين ذكره ابوالحسن:
فزججتها بمزجة
زج القلوص أبي مزاده(1)
وذلك لايجوز عند اكثر النحويين لان القراء ة لايجوز حملها على الشاذ القبيح، ولانه اذا ضعف الفصل بالظرف حتى لم يجز الا في ضرورة الشعر كقول الشاعر: كما خط الكتاب بكف يوما يهودي(2) فان لايجوز في المفعول به أجدر، ولم يكن بعد الضعف الا الامتناع.
---
(1) معاني القرآن 1 / 358 وتفسير الطبري 12 / 138 وخزانة الادب 2 / 251.
(2) قائله ابوحية النمري ألفية ابن عقيل 2 / 68 والقرطبي 7 / 111 وتمامه:
كما خط الكتاب بكف يوما
يهودي يقارب او يزل

(4/286)


تفسير التبيان ج4
وقيل انما حمل ابن عامر على هذه القراء ة انه وجد (شركائهم) في مصاحف اهل الشام بالياء لا بالواو، وهذا يجوز فيه قتل اولادهم شركائهم على ايقاع الشرك للاولاد يعني شركائهم في النعم وفي النسب وفي الاولاد، ولو قيل أيضا زين لكثير من المشركين قتل اولادهم شركاؤهم على ذكر الفاعل بعد ماذكر الفعل على طريقة مالم يسم فاعله جاز كما قال الشاعر:
ليبك يزيد ضارع لخصومة
ومختبط مما تطيح الطوائح(1)
أي ليبكه ضارع.
ومثله " يسبح له فيها بالغدو والاصال رجال "(2) وتقديره كأنه لما قال " زين لكثير من المشركين قتل اولادهم " قال قائل من زينه؟ قيل زينه شركاؤهم.
وقال الفراء تكون " شركائهم " على لغة من قال في عشاء عشاي كما قال الشاعر:
اذا الثريا طلعت عشايا
فبع لراعي غنم كسايا
وابوالعباس يأبى هذا البيت، ويقول الرواية الصحيحة بالهمزة. ووجه التشبيه في قوله " وكذلك زين " أنه كما جعل اولئك في الاية الاولى ماليس لهم كذلك زين هؤلاء ماليس لهم ان يزينوه.
والشركاء الذين زينوا قتل الاولاد قيل فيهم خمسة اقوال:
احدها - قال الحسن ومجاهد والسدي: هم الشياطين زينوا لهم وأد البنات أحياء خوف الفقر والعار.
والثاني - قال الفراء والزجاج: هم قوم كانوا يخدمون الاوثان.
والثالث - انهم الغواة من الناس.
والرابع - قيل: شركاؤهم في نعمهم.
والخامس - شركاؤهم في الاشراك.
---
(1) قائله نهشل بن حرى النهشلي، وقيل الحارث بن نهيك النهشلي.
وقيل ضرار النهشلي، وقيل مرزرد. وقيل المهلهل. وقيل غير ذلك.
شواهد العيني على الاشموني في حاشية الصبان 2 / 49 الشاهد 75 وغيره..
(2) سورة 24 النور آية 36

(4/287)


تفسير التبيان ج4
وقوله " ليردوهم " فالارداء الاهلاك، تقول: أراده يرديه إرداء وردي يردي ردى اذا هلك، وتردي ترديا، ومنه قوله " ومايغني عنه ماله اذا تردى "(1) والمراد به الحجر يتردى من رأس جبل.
واللام في قوله " ليردوهم " قال قوم هي لام العاقبة، كما قال " فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا "(2) لانهم لم يكونوا معاندين فيقصدوا أن يردوهم ويلبسوا عليهم دينهم، هذا قول أبي علي.
وقال غيره: يجوز ان يكون فيهم المعاند، ويكون ذلك على التغليب.
وقوله " ولو شاء الله ما فعلوه " معناه لو شاء ان يضطرهم إلى تركه، او لو شاء ان يمنعهم منه لفعل، ولو فعل المنع والحيلولة لما فعلوه، لكن ذلك ينافي التكليف. ثم أمر نبيه صلى الله عليه وآله ان يذرهم اي يتركهم ولايمنعهم ويخلي بينهم وبين مايكذبون وذلك غاية التهديد كما يقول القائل: دعني وإياه.
قوله تعالى: وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لايطعمها إلاّ من نشاء بزعمهم وأنعام حرّمت ظهورها وأنعام لايذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بماكانوا يفترون(138)
آية بلاخلاف.
اخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار انهم " قالوا هذه انعام وحرث " يعني الانعام والزرع الذي جعلوهما لالهتهم وأوثانهم.
وقوله " بزعمهم " يدل على أنهم فعلوا ذلك بغير حجة بل بقولهم العاري عن برهان.
---
(1) سورة 92 الليل آية 11.
(2) سورة 28 القصص آية 8

(4/288)


تفسير التبيان ج4
وقيل في الانعام الاولى قولان احدهما - قال الجبائي: التي ذكرها أولا فهو ماجعلوه لاوثانهم كما جعلوا الحرث للنفقة عليها في خدامها وماينوب من أمرها. وقيل:؟؟ للاوثان.
وأما الانعام التي ذكرت ثانيا، فهي السائبة والبحيرة والحام، وهو الفحل الذي يخلونه ويقولون: حمى ظهره، وهو قول الحسن ومجاهد.
وأما التي ذكرت ثالثا - قيل فيه قولان: أحدهما التي إذا ولدوها أو ذبحوها أو ركبوها لم يذكروا اسم الله عليها، وهو قول السدي وغيره.
والثاني قال ابووائل * هي التي لايحجون عليها.
وقوله " حجر " معناه حرام تقول: حجرت على فلان كذا أي منعته منه بالتحريم، ومنه قوله " حجرا محجورا "(1) والحجر لامتناعه بالصلابة، والحجر العقل للامتناع به من القبيح، قال المتلمس:
حنت إلى النخلة القصوى فقلت لها
حجر حرام ألا تلك الدهاريس(2)
وقال رؤبة: وجارة البيت لها حجري(3) وقال الاخر:
فبت مرتفقا والعين ساهرة
كأن نومي علي الليل محجور(4)
وقيل: حجر وحرج مثل جذب وجبذ، وبه قرأابن عباس. وبضم الحاء قراء ة الحسن وقتادة.
ويقال: حجر وحجر وحجر بمعنى المنع بالتحريم، وحجر الانسان، وحجره بالكسر والفتح. وانما أعيبوا بتحريم ظهور الانعام،
---
(1) سورة 25 الفرقان آية 22، 53.
(2) قائله جرير بن عبد المسيح، وهو الملتمس. ديوانه القصيدة 4 ومجاز القرآن 1 / 207 واللسان .
(دهرس) ومعجم البلدان .
(نخلة القصوى) وتفسير الطبري 12 / 140 و " الدهاريس " الدواهي.
(3) وقيل انه للعجاج. ديوان العجاج: 68 واللسان " حجر ".
(4) نبسه ابن منظور في اللسان . (رفق) إلى . (أعشى بأهله). وهو في الطبري 12 / 141 غير منسوب. ومعنى . (مرتفقا) أي متكئا على يده.

(4/289)


تفسير التبيان ج4
والواجب تحريمها عقلا حتى يرد سمع باباحته، لانهم حرموا ذلك على وجه الكذب على الله، وانه اوجب ذلك اذا كانت على صفة مخصوصة. وانما أعيبوا بأكلها بعد ذبحها، وهي حينئذ تجري مجرى الميتة، وذلك لايعلم تحريمه عقلا، لانهم ادعوا انه على وجه التذكية إفتراء على الله، فقصدوا به هذا القصد، ولذلك أعيبوا بتملكها وان كانوا سبقوا اليها، وانما وجب تحريم الانتفاع باستهلال الانعام، لان الايلام لايحسن الا مع تضمن العوض الموافي عليه، وذلك مفتقر إلى السمع.
وقوله " افتراء " يعني كذبا، وفي نصبه قولان: أحدهما - قالوا: إفتراء على الله، الثاني - لايذكرون اسم الله افتراء على الله، كأنه قيل: افتروا بتركهم التسمية الذي أضافوه إلى الله إفتراء عليه.
قوله تعالى: وقالوا مافي بطون هذه الانعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم(139)
آية بلاخلاف.
قرأ ابن كثير " وان يكن " بالياء " ميتة " رفع.
وقرأ ابن عامر الا الداحوني عن هشام، وابوجعفر " تكن " بالتاء " ميتة " رفع.
وقرأ ابو بكر عن عاصم الا الكسائي " يكن " باليا " ميتة " نصب. الباقون بالتاء " ميتة " نصب.
وجه قراء ة الاكثر ان يحمل على (ما) وتقديره وان يكن مافي بطون الانعام ميتة.
ووجه قراء ة ابن عامر ان يضيف الفعل إلى الميتة فيرتفع الميتة به، فلذلك انث الفعل.
ووجه قراء ة ابي بكر ان مافي بطون الانعام مؤنث، لانها من الانعام.
ويجوز ان يكون اراد ان تكون الاجنة ميتة.
ووجه قراء ة ابن كثير ان يضيف الفعل إلى الميتة، لكن لمالم يكن تأنيث الميتة

(4/290)


تفسير التبيان ج4
تأنيث ذوات الفروج، وتقدم الفعل جاز ان يذكر، كما قال " فمن جاء ه موعظة "(1) و " أخذ الذين ظلموا الصيحة "(2) وتكون (كان) تامة، ومعناه وان وقع ميتة.
اخبر الله تعالى في هذه الاية عن هؤلاء الكفار الذين ذكرهم أنهم " قالوا مافي بطون هذه الانعام " التي تقدم ذكرها أحياء، فهو خالص لذكروهم، ومحرم على ازواجهم الاناث وبناتهم.
وقال بعضهم انه يختص بالزوجات، والاولى عموم النساء تفضيلا للذكور على الاناث. وقيل ان الذكور كانوا القوام بخدمة الاوثان.
والمراد بمافي بطون الانعام قيل فيه ثلاثة أقوال: احدها - قال قتادة المراد به الالبان.
والثاني - قال مجاهد والسدي: انه الاجنة.
الثالث - ان المراد به الجميع، وهو أعم.
وقوله " خالصة لذكورنا " معناه لا يشركهم فيها أحد من الاناث وليس المراد به تسوية تصفية شئ عن شئ كالذهب الخالص والفضة الخالصة، ومن ذلك إخلاص التوحيد واخلاص العمل لله.
والهاء في قوله " خالصة " قيل فيها ثلاثة أقوال: احدها - أنها للمبالغة في الصفة كالعلامة ولراوية الثاني - على تأنيث المصدر كالعاقبة والعافية، ومنه قوله " بخالصة ذكرى الدار "(3). الثالث - لتأنيث مافي بطونها من الانعام. ويقال فلان خالصة فلان ومن خلصائه.
وحكى الزجاج والفراء: انه قرئ خالصة لذكورنا، والمعنى ماخلص منها. وقيل أصل (الذكور) من الذكر سمي الذكر بذلك، لانه أنبه واذكر من الانثى.
---
(1) سورة 2 البقرة آية 275.
(2) سورة 11 هود آية 67.
(3) سورة 38 ص آية 46

(4/291)


تفسير التبيان ج4
وقوله " وان يكن ميتة " معناه ان كان جنين الانعام ميتة فالذكور والاناث فيه سواء، فقال الله تعالى " سيجزيهم وصفهم " يعني سيجزيهم جزاء وصفهم، وحذف المضاف واقام المضاف اليه مقامه.
وقوله " انه حكيم عليم " معناه انه تعالى حكيم فيما يفعل بهم من العقاب آجلا، وفي امهالهم عاجلا " عليم " بما يفعلون لايخفى عليه شئ منها.
وقوله " خالصة " رفع بانه خبر الابتداء والمبتدأ قوله " مافي بطون " ولايجوز عند البصريين النصب، لان العامل فيه لايتصرف، فلا يتقدم عليه، وأجازه الفراء مع قوله انهم لايكادون يتكلمون به، لايقولون زيد قائما فيها، ولكنه قياس. وقد عاب الله على الكفار في هذه الاية من أربعة اوجه: أولها - ذبحهم الانعام بغير إذن الله.
وثانيها - أكلهم على ادعاء التذكية افتراء على الله.
وثالثها - تحليلهم للذكور وتحريمهم على الاناث تفرقة بين ما لايفترق الا بحكم من الله.
ورابعها - تسويتهم بينهم في الميتة من غير رجوع إلى سمع موثوق.
الآية: 140 - 159
قوله تعالى: قد خسرالذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا مارزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وماكانوا مهتدين(140)
آية بلاخلاف.
قرأ ابن كثير وابن عامر " قتلوا " بتشديد التاء. الباقون بالتخفيف.
من شدد حمله على التكرار، كقوله " جنات عدن مفتحة "(1). ومن خفف فلانه يدل على الكثرة.
---
(1) سورة 38 ص آية 50.

(4/292)


تفسير التبيان ج4
اخبر الله تعالى ان هؤلاء الكفار الذين قتلوا أولادهم الاناث خوفامن الفقر وهربا من العار قد خسروا، ومعناه هلكت نفوسهم باستحقاقهم على ذلك عذاب الابد. والخسران هلاك رأس المال.
وقوله " سفها بغير علم " نصب على انه مفعول له ويجوز ان يكون نصبا على المصدر، وتقديره سفهوا بمافعلوه سفها خوفا من الفقر وهربا من العار. والسفه خفة الحلم بالعجلة إلى مالاينبغي ان يعجل اليه. واصله الخفة. وضد السفيه الحليم.
والفرق بين السفه والنزق ان السفه عجلة يدعو اليها الهوى، والنزق عجلة من جهة حدة الطبع والغيظ.
وقوله " وحرموا مارزقهم الله " يعني ماحرموه على نفوسهم من الحرث بزعمهم انه حجر.
وقال الحسن: انه راجع إلى الانعام.
وقال الرماني: لايجوز ذلك لانها محرمة عليهم بحجة العقل حتى يأتي بسمع. والقتل نقض البنية التي تحتاج الحياة اليها والموت - عند من أثبته معنى ضد الحياة.
وقوله " افتراء على الله " يعني كذبا. ونصبه على المصدر والعامل فيه قوله " وحرموا " لان ذلك قول منهم أضافوه إلى الله. ثم اخبر تعالى انهم قد ضلوا بمافعلوه وجازوا عن طريق الحق وأنهم لم يكونوا مهتدين إلى طريق الرشاد والحق.
قوله تعالى: وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولاتسرفوا إنه لايحب المسرفين(141)
آية بلاخلاف.

(4/293)


تفسير التبيان ج4
قرأ اهل البصرة وابن عامر وعاصم (حصاده) - بفتح الحاء - الباقون بكسرها. وهم لغتان.
وقال سيبويه: جاء وا بالمصادر حين أرادوا أنتهاء الزمان على مثال (فعال) نحو الضرام الجزاز، والجداد والقطاف والحصاد. وربما دخلت اللغتان في بعض هذا، وكان فيه (فعال وفعال).
لما اخبر الله عن هؤلاء الكفار وعن عظيم ماابتدعوه وافتروا به على الله وشرعوا من الدين مالم يأذن الله فيه، عقب ذلك البيان بأنه الخالق لجميع الاشياء فلايجوز اضافة شئ منها إلى الاوثان، ولاتحليله، ولاتحريمه الا بأذنه، فقال " وهوالذي أنشأ جنات معروشات " والانشاء هواحداث الافعال ابتداء لاعلى مثال سبق، وهو كالابتداع.
والاختراع هو أحداث الافعال في الغير من غير سبب، والخلق هو التقدير والترتيب.
والجنات جمع جنة، وهي البساتين التي يجنها الشجر من النخل وغيره.
والروضة هي الخضرة بالنبات والزهور المشرقة باختلاف الالوان الحسنة.
وقوله " معروشات وغير معروشات " قيل في معناه قولان: احدهما - ما قال ابن عباس والسدي: المعروشات هوماعرش الناس من الكروم ونحوها، وهو رفع بعض اغصانها على بعض " وغير معروشات " مايكون من قبل نفسه في البراري والجبال. والثاني - قال ابوعلي يعرشه أي يرفع له حظائر كالحائط.
واصله الرفع ومنه قوله تعالى " خاوية على عروشها "(1) يعني على اعاليها، وما ارتفع منها لم يندك فيستوي " بالارض، ومنه العرش للسرير لارتفاعه.
(ومعرشات) في موضع النصب، لانها صفة ل (جنات) والنخل والزرع معناه وأنشأ النخل والزرع " مختلفا أكله " يعني طعمه، ونصب مختلفا على الحال، وانما نصبه على الحال، وهو يؤكل بعد ذلك بزمان، لامرين: احدهما - ان معناه مقدرا اختلاف أكله كقولهم: مررت برجل معه صقر صايدا به غدا أي مقدرا الصيد به غدا.
---
(1) سورة 2 البقرة آية 259 وسورة 18 الكهف آية 43 وسورة 22 الحج آية 45

(4/294)


تفسير التبيان ج4
الثاني - ان يكون معنى (أكله) ثمره الذي يصلح ان يؤكل منه.
" والزيتون والرمان " أي وانشأ الزيتون والرمان. وانما قرن الزيتون إلى الرمان، لانه لماذكر الكرم والنخل والزرع اقتضى ذكرماخرج عن ذلك، فقرنا لفضلهما بعدما ذكره.
وقيل: لانهما يشتبهان باكتناف الاوراق في اغصانها " متشابها وغير متشابه " معناه متماثلا وغير متماثل.
وقيل " متشابها " في النظر " وغير متشابه " في الطعم بل الطعم مختلف.
وقوله " كلوا من ثمره اذا أثمر " المراد به الاباحة لا الامر.
وقال الجبائي وجماعة: ان ذلك يدل على جواز الاكل من ثمره، وان كان فيه حق للفقراء.
وقوله " وآتوا حقه يوم حصاده " أمر ايجاب بايتاء الحق يوم الحصاد على طريق الجملة، والحق الذي يجب اخراجه يوم الحصاد فيه قولان: احدهما - قال ابن عباس ومحمدبن الحنفية وزيد بن أسلم والحسن وسعيد بن المسيب وطاووس وجابر بن عبدالله وبريد وقتادة والضحاك: انه الزكاة العشر، اونصف العشر. الثاني - روي عن جعفر (ع) عن أبيه (ع) وعطاء ومجاهد وابن عامر وسعيدبن جبير والربيع بن أنس: انه ماينثر مما يعطي المساكين.
وروي أصحابنا أنه الضغث بعد الضغث والحفنة بعد الحفنة.
وقال ابراهيم والسدي: الاية منسوخة بفرض العشر ونصف العشر، قالوا: لان الزكاة لاتخرج يوم الحصاد، وقالوا لان هذه الاية مكية وفرض الزكاة نزل بالمدينة. ولماروي بأن فرض الزكاة نسخ كل صدقة.
قال الرماني: وهذا غلط، لان يوم حصاده ظرف لحقه، وليس بظرف الايتاء المأمور به.
وقوله " ولاتسرفوا " قيل في المخاطبين به ثلاثة أقوال: احدها - قال ابوالعالية وابن جريح انه يتوجه إلى ارباب الاموال،

(4/295)


تفسير التبيان ج4
لانهم كانوا يعطون شيئا سوى الزكاة يسرفون فيه، فروي عن ثابت بن شماس انه كان له خمس مئة رأس نخلا فصرمها وتصديق بها، ولم يترك لاهله منها شيئا فنهى الله عن ذلك، وبين أنه مسرف، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله ابدأ بمن تعول.
الثاني - قال ابن زيد انه خطاب للسلطان.
الثالث - انه خطاب للجميع وهو أعم فائدة.
وقيل: ان السرف يكون في التقصير، كمايكون في الزيادة قال الشاعر:
اعطوا هنيدة يحدوها ثمانية
مافي عطائهم من ولاسرف(1)
معناه ولاتقصير.
وقيل ولاإفراط، لانه لايستكثر كثيرهم.
والاسراف هو مجاوزة حد الحق وهو افراط وغلو. وضده تقصير واقتار.
ومسرف صفة ذم في العادة. وينبغي ان يؤدي الحق الذي في الغلات إلى امام المسلمين ليصرفه إلى اهل الصدقات ولهم ان يخرجوه إلى المساكين اذا لم يأخذهم الامام بذلك فأما مقدار مايجب من الزكاة، والنصاب الذي يتعلق به وصفه الارض الزكوية فقد بيناه في كتب الفقه مستوفى لانطول بذكره الكتاب.
قوله تعالى: ومن الانعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولاتتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين(142)
آية بلاخلاف.
العامل في قوله " حمولة وفرشا " قوله " انشأ " المتقدم، كأنه قال وانشأ لكم من الانعام " حمولة وفرشا ".
وقيل في معنى: " حمولة وفرشا "
---
(1) قائله جرير ديوانه 389 وطبقات فحول الشعراء: 359 واللسان . (هند)، " سرف " وتفسير الطبري 7 / 579 و 12 / 177 وتفسير القرطبي 7 / 111، وهنيدة: اسم لكل مئة من الابل، وهو ممنوع من الصرف.

(4/296)


تفسير التبيان ج4
ثلاثة أقوال: أحدها - ماروي عن ابن مسعود، وابن عباس في احدى والروايتين، والحسن في رواية - ومجاهد: ان الحمولة كبارا الابل، والفرش الصغار.
الثاني - ماروي عن الحسن - في رواية - وقتادة والربيع والسدي والضحاك وابن زيد: ان الحمولة ماحمل من الابل والبقر، والفرش الغنم.
الثالث - ماروي عن ابن عباس - في رواية - ان الحمولة كل ماحمل من الابل والبقر والخيل والبغال والحمير، والفرش الغنم، كأنه ذهب إلى أنه يدخل في الانعام ذو الحافر على الاتباع.
و (الحمولة) لاواحدلها من لفظها كالركوبة والجزورة.
و (الحمولة) بضم الحاء هي الاحمال، وهي الحمول.
وانما قيل للصغار: فرش، لامرين: احدهما - لاستواء اسنانها في الصغر والانحطاط، كاستواء مايفترش. الثاني - من الفرش وهي الارض المستوية التي يتوطأها الناس.
وقال الجبائي: في التفسير، وابوبكر الرازي في احكام القرآن: ان الفرش مايفترش من البسط، والزرابي. وهذا غلط قبيح جدا في اللغة.
وقوله " خطوات " يجوز فيه ثلاثة أوجه - بضم الخاء والطاء، وضم الخاء وسكون الطاء، وضم الخاء وفتح الطاء - وفي معناه قولان: احدهما - مايتخطى بكم الشيطان اليه من تحليل إلى تحريم، ومن تحريم إلى تحليل. الثاني - طرق الشيطان، فانه لايسعى الا في عصيان.
وقوله " انه " الهاء كناية عن الشيطان " لكم عدو مبين " فيه اخبار من الله ان الشيطان عدو للبشر " مبين " أي ظاهر. وقيل في معنى " مبين " قولان: أحدهما - أنه أبان عداوته لكم بما كان منه إلى أبيكم آدم حين اخرجه من الجنة الثاني - بين العداوة أي لاظهاره ذلك في حزبه، وأوليائه من الشياطين هذا قول الحسسن.

(4/297)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الانثيين أما اشتملت عليه أرحام الانثيين نبّؤني بعلم إن كنتم صادقين(143)
آية بلاخلاف
قرأ ابن كثير الا ابن فليح وابن عامر الا الداحوني عن هشام واهل البصرة (المعز) بفتح العين. الباقون سكونها.
قال أبوعلي من قرأ بالفتح اراد الجمع بدلالة قوله " من الضأن اثنين " ولوكان واحدا لم يسغ فيه هذا، ونصب اثنين على تقدير: وانشأ ثمانية ازواج: انشأ من الضأن اثنين ومن المعز اثنين، ونظير معز جمع ماعزخادم وخدم وطالب وطلب، وحارس وحرس، وقال ابوالحسن: هو جمع على غير واحد، وكذلك المعزى، وحكى ابوزيد إمعوز وانشد: * كالتيس في إمعوزه المربل *
وقالوا: المعيز كالكليب، ومن سكن العين، فهو أيضا جمع ماعز كصاحب وصحب وتاجر وتجر وراكب وركب.
وابوالحسن: يرى هذا الجمع مستمرا، ومن يرده في التصغير إلى الواحد، فيقول في تحقير ركب رويكبون، وفي تجر: تويجرون، وسيبويه يراه اسما من أسماء الجمع، وانشد ابوعثمان حجة لقول سيبويه:
بنيته بعصبة من ماليا
أخشى ركيبا او رجيلا عاديا(1)
- بالعين والغين - عن غير ابي علي فتحقيره له على لفظه من غير ان يرده
---
(1) البيت ل . (أحيحة بن الجلاح) وقدانشده ابوعثمان شاهدا على البيت الذي يأتى بعده من أنه يقال في تصغير . (ركب) ركيب - بضم الراء وفتح الكاف وتسكين الياء.

(4/298)


تفسير التبيان ج4
إلى الواحد الذي هو فاعل - والحاق الواو والنون أو الياء والنون، يدل على إنه اسم للجمع وأنشد ابوزيد:
واين ركيب واضعون رحالهم
إلى أهل نار من أناس بأسود(1)
وقال ابوعثمان البقرة عندالعرب نعجة، والظبية عندهم ماعزة، الدليل على ذلك قول ذي الرمة:
اذا مارآها راكب الضيف لم يزل
يرى نعجة في مرتع فيثيرها
مولعة خنساء ليست بنعجة
يدمن اجواف المياه وقيرها(2)
قوله لم يزل يرى نعجة يريد بقرة، ألا ترى انه قال مولعة خنساء، والخنس والتوليع إنما يكونان في البقر دون الظباء.
وقوله ليست بنعجة معناه انها ليست بنعجة أهلية، لانه لايخلو من ان يريد أنها ليست بنعجة أهليه، أو ليست بنعجة، ولايجوز ان يريد انها ليست بنعجة، لانك ان حملته على هذا فقد نفيت ماأوجبه من قوله: لم يزل يرى نعجة، واذالم يجز ذلك علمت انه اراد ليست بنعجة أهلية، والدليل على ان الظبية ماعزة قول أبي ذؤيب.
وعادية تلقى الثياب كأنها
تيوس ظباء محصها وانبتارها(3)
فقوله تيوس ظباء كقوله: تيوس معز، ولوكانت عندهم ضائنية لقال كأنها كباش ظباء، والوقير الشاة يكون فيها كلب وحمار في قوله الاصمعي.
قوله " ثمانية ازواج " منصوب، لانه بدل من " حمولة وفرشا " لدخوله في الانشاء، وتقديره وأنشأ حمولة وفرشا ثمانية أزواج " من الضأن اثنين " نصب (اثنين) بتقدير انشأ من الضأن اثنين، ولورفع على تقدير منها ماعز إثنان كما تقول رأيت القوم منهم قائم وقاعد كان جائزا، وانما أجمل مافصله في الاثنين للتقدير علي شئ منه، لانه اشد في التوبيخ من ان يكون دفعة واحدة.
---
(1) انشده شاهدا على ماتقدم على انه يقال في تصغير (راكب) ركيب، وذلك يدل على ان ركبا مفرد، وليس جمعا لراكب.
(2) اللسان (نعج).
(3) اللسان " تيس "

(4/299)


تفسير التبيان ج4
وقوله " ثمانية ازواج " يريد ثمانية افراد، لان كل واحد من ذلك يسمى زوجا، والانثى زوج، وانما سمي بذلك، لانه لايكون زوج الاومعه آخر له مثل اسمه، فلمادل على الاثنين من اقرب الوجوه، وقع على طريقه، ومنه قول لبيد.
من كل محفوف يظل عصيه
زوج عليه كلة وقرامها(1)
ومثل ذلك قولهم: خصم للواحد والاثنين، وقوله " من الضأن اثنين " يعني ذكر وأنثى، فالضأن الغنم ذوات الاصواف والاوبار، والمعز الغنم ذوات الاشعار والاذناب القصار، وواحد الضأن ضائن، كقولهم تاجر وتجر في قول الزجاج. والانثى ضائنة. وقال غيره: هو جمع لاواحدله، ويجمع ضئين كقولهم: عبد وعبيد، ويقال فيه (ضئين) كما يقولون في شعر شعير، وكذلك ماعز ومعز، الا أنه يجوز فتحه لدخول حرف الحلق فيه ويجمع مواعز.
وروي عن أبي عبدالله (ع) ان المراد بقوله " من الضأن اثنين " أهلي ووحشي وكذلك المعز والبقر " ومن الابل اثنين " العرابي والبخاتي. وانما خص هذه الثمانية أزواج، لانها جميع الانعام التي كانوا يحرمون منها مايحرمونه مماتقدم ذكره.
فان قيل: اذاكان ماحرموه معلوما فلم عدل بهم في السؤل إلى غيره؟ قيل على وجه المعارضة لهم على طريقة الحجاج أي انكم بمنزلة من قال هذا، ولذلك وقع السؤال أعلى كذا أم كذا؟ وان لم يتقدم دعوى أن أحدهما كذا، لانهم في حكم هذا المدعى.
وقوله " آلذكرين حرم أم " منصوب ب (حرم)، والمعنى في قوله " آلذكرين حرم أم الانثيين " اجاء كم التحريم فيما حرمتم من السائبة والبحيرة والوصيلة والحام من الذكرين أم من الانثيين، فالالف ألف استفهام والمراد به التوبيخ، فلو قالوا من قبل الذكر حرم عليهم كل ذكر، ولو قالوا من قبل
---
(1) تفسير الطبري 11 / 143

(4/300)


تفسير التبيان ج4
الانثى حرمت عليهم كل أنثى.
ثم قال " اما اشتملت عليه أرحام الانثيين " فلو قالوا ذلك حرم عليهم الذكر والانثى، لان الرحم يشتمل عليهما، قال الحسن معناه ماحملت الرحم.
وقوله " نبئوني " بعلم ان كنتم صادقين " في ذلك.
وقوله " آلذكرين " دخلت الف الاستفهام على الف الوصل لئلا يلتبس بالخبر، ولو اسقطت جاز، لان (أم) تدخل على الاستفهام، وعلى هذا أجاز سيبويه قول الشاعر ان يكون استفهاما: فو الله ماادري وان كنت داريا شعيب بن سهم أم شعيب بن منقر(1) اجاز تقديره أشعيب. و (ما) في قوله " أما اشتملت " في موضع نصب عطفا على الانثيين، وانما قال: الانثيين مثنى، لانه اراد من الضأن والمعز.
قوله تعالى: ومن الابل اثنين ومن البقر اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الانثيين أما اشتملت عليه أرحام الانثيين أم كنتم شهداء إذ وصيكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لايهدي القوم الظالمين(144)
آية بلاخلاف.
قوله " ومن الابل اثنين ومن البقر اثنين " تفصيل لتمام الثمانية أزواج التي أجملها في الاية الاولى.
وقد بينا معنى قوله " آلذكرين حرم ام الانثيين اما اشتملت عليه أرحام الانثيين " واصل الاشتمال الشمول تقول: شملهم الامر يشملهم شمولا فهو شامل، ومنه الشمال لشمولها على ظاهر الشئ
---
(1) مر تخريجه في 4 / 199

(4/301)


تفسير التبيان ج4
وباطنه بقوتها ولطفها والشمول الخمر لاشتمالها على العقل.
وقيل: لان لها عصفة كعصفة الشمال.
وقوله " ام كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا " ف (أم) معادلة لقوله " آلذكرين " وانما قال " أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا " لان طرق العلم اماالدليل الذي يشترك العقل في ادراك الحق بها أو المشاهدة التي يختص بها بعضهم دون بعض، فاذا لم يكن واحد من الامرين سقط المذهب. والمعنى أعلمتم ذلك بالسمع والكتب المنزلة فأنتم لاتقرون بذلك أم شافهكم الله به فعلتموه؟ ! فاذا لم يكن واحدمنهما علم بطلان ماتذهبون اليه. والوصية مقدمة مؤكدة فيما يفعل او يترك، يقال: وصاه يوصيه توصية وأوصاه يوصيه إيصاء، والوصي الموصى اليه.
وقوله " فمن أظلم ممن افترى على الله " يعني من أظلم لنفسه ممن يكذب عليه فيضيف اليه تحريم مالم يحرمه وتحليل مالم يحلله " ليضل الناس بغير علم " أي عمل القاصد إلى إضلالهم من اجل دعائه إلى مايشك بصحته مما لايؤمن ان يكون فيه هلاكهم وان لم يقصد إضلالهم، فلذلك قال " ليضل الناس بغير علم ".
ثم أخبر " ان الله لايهدي " إلى الثواب " القوم الظالمين " لانهم مستحقون للعقاب الدائم بكفرهم وضلالهم.
قوله تعالى: قل لا أجد في ما أوحي إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فانه رجس أو فسقا اهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولاعاد فان ربك غفور رحيم(145)
آية بلاخلاف.

(4/302)


تفسير التبيان ج4
قرأ ابن كثير وحمزة " تكون " بالتاء " ميتة " بالنصب.
وقرأ ابن عامر بالتاء والرفع. الباقون بالياء والنصب.
من قرأ بالياء ونصب الميتة جعل في " تكون " ضمير او نصب الميتة بأنه خبركان وتقديره: الاان يكون ذلك او الموجود ميتة.
ومن قرأ بالتاء ورفع الميتة رفعها ب (يكون) ويكون من كان التامة دون الناقصة التي تدخل على المبتدأ والخبر، وهذه القراء ة ضعيفة، لان مابعده " اودما مسفوحا او لحم خنزير " بالعطف عليه، فلوكان مرفوعا لضعف ذلك.
ومن قرأ بالتاء ونصب الميتة جعل في (يكون) ضمير العين او النفس، وتقديره الا أن تكون النفس ميتة، ونصب الميتة بأنه خبر كان. أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله ان يقول لهؤلاء الكفار انه لايجد في ماأوحي اليه شيئا محرما الانحو ماذكره في المائدة(1) كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، لان جميع ذلك يقع عليه السم الميتة، وفي حكمها، فبين هناك على التفصيل، وههنا على الجملة وأجود من ذلك ان يقال: ان الله تعالى خص هذه الثلاثة أشياء تعظيما لتحريمها وبين ماعداها في موضع آخر.
وقيل: انه خص هذه الاشياء بنص القرآن وماعداه بوحي غير القرآن.
وقيل: ان ماعداه حرم فيما بعد بالمدينة والسورة مكية. والميتة عبارة عماكان فيه حياة فقدت من غير تذكية شرعية. والدم المسفوح هو المصبوب، يقال: سفحت الدمع وغيره أسفحه سفحا اذا صببته، ومنه السفاح الزنا، لصب الماء صب مايسفح والسفح والصب والاراقة بمعنى وانما خص المسفوح بالذكر، لان مايختلط بالدم منه ممالايمكن تخليصه منه معفو مباح، وهوقول ابي محلز، وعكرمة وقتادة.
---
(1) آية 3 من سورة 5 المائدة 3 / 428

(4/303)


تفسير التبيان ج4
وقوله " أو لحم خنزير " فانه وان خص لحم الخنزير بالذكر، فان جميع مايكون منه من الجلد والشعر والشحم وغير ذلك محرم.
وقوله " فانه رجس " يعني ماتقدم ذكره، فلذلك كناعنه بكناية المذكر، والرجس العذاب أيضا.
وقوله " أوفسقا " عطف على قوله " اولحم خنزير " فلذلك نصبه، والمراد بالفسق " ماأهل لغير الله به " يعني " مالم يذكر أسم الله عليه " او تذكر الاصنام والاوثان، وسمي ماذكر عليه أسم الوثن: فسقا لخروجه عن أمر الله. وأصل الاهلال رفع الصوت بالشئ، ومنه اهل الصبي اذا صاح عندولادته.
وقوله " فمن اضطر غير باغ ولاعاد " قيل فيه قولان: أحدهما - غير طالب بأكله التلذذ. والثاني - غير قاصد لتحليل ماحرم الله.
وروى أصحابنا في قوله " غير باغ " ان معناه ان لايكون خارجا على إمام عادل أي لايعتدى بتجاوز ذلك إلى ماحرمه الله.
وروى أصحابنا ان المراد به قطاع الطريق، فانهم غير مرخصين بذلك على حال.
والضرورة التي تبيح أكل الميتة هي خوف التلف على النفس من الجوع. وانما قال عند التحليل للمضطر " ان ربك غفور رحيم " لان هذه الرخصة لانه " غفور رحيم " أي حكم بالرخصة كما حكم بالمغفرة. وفي ذلك بيان عن عظم موقع النعمة.
وقد استدل قوم بهذه الاية على إباحة ماعدا هذه الاشياء المذكورة. وهذا ليس بصحيح، لان ههنا محرمات كثيرة غيرها كالسباع، وكل ذي ناب وكل ذي مخلب، وغير ذلك. وكذلك أشياء كثيرة اختص اصحابنا بتحريمها، كالجرى والمار ماهي، وغير ذلك، فلايمكن التعلق بذلك. ويمكن ان يستدل بهذه الاية؟؟ تحريم الانتفاع بجلد الميتة فانه داخل تحت قوله " ان يكون ميتة " ويقويه قوله (عليه السلام) لاينتفع من الميتة بأهاب ولاعصب.

(4/304)


تفسير التبيان ج4
فأما دلالته على ان الشعر والصوف والريش منها والناب والعظم محرم، فلايدل عليه، لان مالم تحله الحياة لايسمى ميتة على مامضى القول فيه.
قوله تعالى: وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليه شحومهما إلا ماحملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون(146)
آية بلاخلاف.
أخبر الله تعالى انه حرم على اليهود في أيام موسى كل ذي ظفر.
واختلفوا في معنى " كل ذي ظفر " فقال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والسدي: انه كل ماليس بمنفرج الاصابع، كالابل، والنعام، والاوز، والبط.
وقال أبوعلي الجبائي: يدخل في ذلك جميع انواع السباع والكلاب والسنانير وسائر مايصطاد بظفره من الطير.
وقال البلخي: هوكل ذي مخلب من الطائر، وكل ذي حافر من الدواب. ويسمى الحافر ظفرا مجازا، كما قال الشاعر:
فمارقد الولدان حتى رأيته
على البكر يمريه بساق وحافر(1)
فجعل الحافر موضع القدم.
واخبر تعالى انه كان حرم عليهم شحوم البقر والغنم من الثرب، وشحم الكلى، وغيرذلك مما في أجوافها، واستثنى من ذلك بقوله " الاماحملت ظهورها " ماحملته ظهورها فانه لم يحرمه، واستثنى أيضا ماعلى الحوايا من الشحم، فانه لم يحرمه.
---
(1) قائله جبيها الاسدي. اللسان . (حفر)

(4/305)


تفسير التبيان ج4
واختلفوا في معنى الحوايا، فقال ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وقتادة ومجاهد والسدي: هي المباعر.
وقال ابن زيد: هن بنات اللبن.
وقال الجبائي: الحوايا الامعاء التي عليها الشحم من داخلها.
وحواياجمع حوية وحاوية.
وقيل في واحده حاوياء - في قول الزجاج - على وزن راضعات ورواضع، وضاربة وضوارب، ومن قال: حوية قال وزنه فعائل مثل سفينة وسفائن في الصحيح، وهي مايجري في البطن فاجتمع واستدار، ويسمى بنات اللبن والمباعر والمرابض ومافيها الامعاء بذلك. واستثنى أيضا من جملة ماحرم " مااختلط بعظم " وهو شحم الجنب والالية، لانه على العصص - في قول ابن جريج والسدي - وقال الجبائي: الالية تدخل في ذلك، لانها لم تستثن ومااعتد بعظم العصص.
وموضع (الحوايا) من الاعرا يحتمل أمرين: احدهما - قول اكثر اهل العلم: انه رفع عطفا على الظهور على تقدير: وماحملت الحوايا. الثاني - نصب عطفا على مافي قوله " الاماحملت " فأماقوله " أو مااختلط بعظم " فيكون نسقا على ماحرم لاعلى الاستثناء. والتقدير - على هذا القول - حرمنا عليهم شحومهما أو الحوايا اومااختلط بعظم الاماحملت الظهور، فانه غير محرم. و (أو) دخلت على طريق الاباحة كقوله " ولاتطع منهم آثما او كفورا "(1) والمعنى إعص هذا وأعص هذا، فان جميعهم اهل ان يعصى، ومثله جالس الحسن أو ابن سيرين اي جالس أيهما شئت. وهذه الاشياء وإن كان الله تعالى حرمها على اليهود في شرع موسى، فقد نسخ تحريمها على لسان محمد (صلى الله عليه وآله) وأباحها، وتدعي النصارى ان ذلك نسخ في شرع عيسى (ع) ولسنا نعلم صحة مايقولونه.
---
(1) سورة 76 الدهر آية 24

(4/306)


تفسير التبيان ج4
وقوله " ذلك جزيناهم ببغيهم " معناه اناحرمنا ذلك عليهم عقوبة لهم على بغيهم.
فان قيل: كيف يكون التكليف عقابا، وهو تابع للمصلحة، ومع ذلك فهو تعريض للثواب؟ قلنا: إنما سماه عقوبة، لان عظيم ماأتوه من الاجرام والمعاصي اقتضى تحريم ذلك وتغير المصلحة، وحصول اللطف فيه، فلذلك سماه عقوبة، ولولا عظم جرمهم لما اقتضت المصلحة ذلك.
وقوله " وإنا لصادقون " يعني فيما أخبرنابه من تحريم ذلك على اليهود فيما مضى. وان ذلك عقوبة لاوائلهم ومصلحة لمن بعدهم إلى وقت النسخ. وحكي عن ابن علية أنه كان يقول: ان مايذبحه اليهود لايجوز أكل شحمه وان جاز أكل لحمه، لان الشحوم كانت حراما عليهم. وعندنا ان مايذبحه اليهود لايجوز استباحة شئ منه، وهم بمنزلة الميتة غير ان الذي ذكره غير صحيح، لانه يلزم عليه انه لو نحر اليهود جملا ان لايجوز اكله، لانه كان حراما عليهم، وذلك باطل عنده.
قوله تعالى: فان كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين(147)
آيه بلاخلاف.
المعنى بقوله " فان كذبوك " قيل فيه قولان: احدهما - قال مجاهد والسدي: انهم اليهود، لانهم زعموا أنهم حرموا الثروب، لان اسرائيل حرمها على نفسه، فحرموها هم اتباعا له دون ان يكون الله حرم ذلك على لسان موسى. الثاني - انه يرجع إلى جميع المشركين في قول الجبائي وغيره على ظاهر الاية، فقال الله لنبيه " فان كذبوك " يامحمد في اني حرمت ذلك على اليهود على لسان موسى " فقل " لهم " ربكم ذورحمة واسعة " واقتضى ذكر الرحمة

(4/307)


تفسير التبيان ج4
أحد امرين: الاول - انه برحمته أمهلهم مع تكذيبهم، بالمؤاخذة عاجلا - في قول أبي علي الجبائي -.
الثاني - انه ذكر ذلك ترغيبا لهم في ترك التكذيب وتزهيدا في فعله وانما قابل بين لفظ الماضى في قوله " كذبوك " بالمستقبل في قوله " فقل " لتأكيد وقوع القول بعد التكذيب اذ كونه جوابا يدل على ذلك.
و (ذو) بمعنى صاحب. والفرق بينهما ان احدهما يصح ان يضاف إلى المضمر، ولايصح في الاخر، لان (ذو) وصلة إلى الصفة بالجنس، ولذلك جعل ناقصا لايقوم بنفسه دون المضاف اليه، والمضمر ليس بجنس ولايصح ان يوصف به.
وقوله " لايرد بأسه " معناه لايمكن احدا أن يرده عنهم، وهو أبلغ من قوله بأسه نازل بالمجرمين، لانه دل على هذا المعنى وعلى ان أحدا لايمكنه رده.
وقوله " عن القوم المجرمين " معناه ان أحدا لايتمكن من رد عقاب الله عن العصاة المستحقين للعقاب مع انه تعالى ذو رحمة واسعة.
قوله تعالى: سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شئ كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون(148)
آية بلاخلاف.
اخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله بأن هؤلاء المشركين سيحتجون في إقامتهم على شركهم، وعلى تحريمهم ماأحله الله من الانعام التي تقدم وصفها بأن يقولوا: لوشاء الله ان لانفعل نحن ذلك ولانعتقده ولاآباؤنا، او أراد منا خلاف ذلك " ماأشركنا نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا " شيئا من ذلك. فكذبهم

(4/308)


تفسير التبيان ج4
الله تعالى بذلك في قوله " كذلك كذب الذين من قبلهم " ومعناه مثل هذا التكذيب الذي كان من هؤلاء - في انه منكر - " كذب الذين من قبلهم " وانما قال كذلك لتقضي الخبر، ولوقال (كذا) لجاز، لانه قريب بعدالاول، و (كذلك) أحسن، لان مافيه من تأكيد الاشارة تغني عن الصفة.
وحكي انه قرئ " كذب الذين " بالتخفيف، فمن خفف اراد ان هؤلاء كاذبون كما كذب الذين من قبلهم على الله بمثله. ومن قرأ بالتشديد، فلانهم بهذا القول كذبوا رسول الله لانهم قالواله: ان الله أراد منا ذلك وشاء ه، ولوأراد غيره لما فعلناه، مكذبين للرسول (ص) كماكذب من تقدم انبياء هم فيما أتوا به من قبل الله. ثم بين بقوله " قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا " أن ماقالوه باطل وكذب على الله لانه لو كان صحيحا لمارده عليهم. ثم أكد تكذيبهم بقوله " ان تتبعون الاالظن " أي ليس يتبعون إلا ظنا من غير علم " وان انتم الاتخرصون " يعني تكذبون، والخرص الكذب كقوله " قتل الخراصون "(1) وفى هذه الاية أدل دلالة على ان الله تعالى لايشاء المعاصي والكفر، وتكذيب ظاهر لمن أضاف ذلك إلى الله مع قيام ادلة العقل على انه تعالى لايريد القبيح، لان إرادة القبيح قبيحة، وهو لايفعل القبيح، ولان هذه صفة نقص، فتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
وقوله " حتى ذاقوا بأسنا " معناه حتى ذاقوا عذابنا، واراد به حلول العذاب بهم فجعل وجدانهم لذلك ذوقا مجازا.
وجاز قوله " ماأشركنا ولا آباؤنا " ولم يجز ان يقال: قمنا وزيد، لان العطف على المضمر المتصل لايحسن الابفصل، فلما فصلت (لا) حسن، كما حسن: ما قد قمنا ولا زيد كان كذلك، لان الضمير المتصل يغير له الفعل في (فعلت) فيصير كجزء منه.
---
(1) سورة 51 الذاريات آية 10

(4/309)


تفسير التبيان ج4
فان قيل: انما أنكر الله تعالى عليهم هذا القول، لانهم جعلوا هذا القول حجة في إقامتهم على شركهم، فأعلم الله عزوجل ان " كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا " ولم ينكر عليهم انهم قالوا الشرك بمشيئة الله، ولو كان منكرا لذلك، لقال: كذلك كذب الذين - يتخفيف الذال -.
قلنا: لايجوز ذلك، لانه تعالى بين انهم كذبوا في هذا القول بقوله " وان أنتم الاتخرصون " أي تكذبون، فاما كذبوا فقد حكيناأنه قرئ - بالتخفيف - ومن شدد الذال، فلان تكذيب الصادق كذب، وهو يدل على الامرين، فان قالوا: انما عابهم، لانهم كانوا متهزئين بهذا القول لامعتقدين ولامتدينين.
قلنا: المعروف من مذهبهم خلافه، لانهم كانوا يعتقدون ان جميع مايفعلونه قربة إلى الله، وان الله تعالى ارادة واخبر عنه، فكيف يكونون متهزئين، على ان الهازئ بالشئ لايسمى كاذبا، فكيف سماهم الله كاذبين؟ على انه اذاكان كل مايجري بمشيئته فلايجب ان ينكر على احد مايعتقده، لانه اعتقد ماشاء الله. ومن فعل ماشاء كان مطيعا له، لان الطاعة هي امتثال الامر والمراد منه. وهذا باطل بالاجماع.
فان قيل: انماعاب الله المشركين بهذه الاية، لانهم قالوا ذلك حدسا وظنا لاعن علم، وذلك لايدل على انهم غير صادقين، وقديجوز ان يكون الانسان صادقا فيما يخبر به ويكون قوله صادرا عن حدس وعن ظن.
قلنا: لوكان الامر على ماقلتم لماكانوا كاذبين اذاكان مخبر ماأخبروا به على ماأخبروا، وقد كذبهم الله في اخبارهم بقوله " كذلك كذب الذين من قبلهم " وبقوله " ان انتم الاتخرصون " على ان من ظن شيئافاخبر عنه لايوصف بأنه كاذب وان كان على خلاف ماظنه فكيف اذاكان على ماظنه.
قوله تعالى: قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهديكم أجمعين(149)
آية بلاخلاف.

(4/310)


تفسير التبيان ج4
امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله ان يقول لهؤلاء الكفار الذين احتجوا بما قالوه ان الله لو شاء منهم ذلك لماكان لله الحجة البالغة يعني الحجة التي احتج بهاعلى الكافرين في الاية الاولى، وجميع مااحتج به على عباده في صحة دينه الذي كلفهم اياه.
ومعنى (البالغة) التي تبلغ قطع عذر المحجوج وتزيل كل لبس وشبهة عمن نظر فيها واستدل أيضا بها. وانما كانت حجة الله صحيحة بالغة، لانه لايحتج الابالحق ومايؤدي إلى العلم.
وقوله " ولوشاء لهداكم اجمعين " يحتمل امرين: احدهما - لوشاء لالجأ الجميع إلى الايمان غير ان ذلك ينافي التكليف. الثاني - انه لوشاء لهداهم إلى نيل الثواب ودخول الجنة، وبين بذلك قدرته على منافعهم ومضارهم. وبين انه لم يفعل ذلك، لانه يوجب زوال التكليف عنهم والله تعالى اراد بالتكليف تعريضهم للثواب الذي لا يحسن الابتداء به، ولوكان الامر على ماقالته المجبرة من ان الله تعالى شاء منهم الكفر لكانت الحجة للكفار على الله من حيث فعلوا ماشاء الله، وكان يجب ان يكونوا بذلك مطيعين له ولاتكون الحجة عليهم من حيث انه خلق فيهم الكفر وأراد منهم الكفر، فأي حجة مع ذلك.
قوله تعالى: قل هلم شهداء كم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فان شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لايؤمنون بالاخرة وهم بربهم يعدلون(150)
آية بلاخلاف.
معنى هذه الاية ان الحجاج بأن الطريق الموصل إلى صحة مذهبهم غير منسداذ لم يثبت من جهة حجة عقل ولاسمع. ومالم يصح ان يثبت من أحد هذين الوجهين باطل لامحالة، لان مالايصح ان يعلم فاسد لامحالة.

(4/311)


تفسير التبيان ج4
امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله ان يقول لهؤلاء الكفار الذين تقدم وصفهم " هلموا ومعناه هاتوا.
وهلم كلمة موضوعة للجماعة بني مع (ها) فصار بمنزلة الصوت نحو (صه) قال الاعشى:
وكان دعاقومه دعوة
هلم إلى أمركم قد صرم(1)
ومن قال: هلموا، فانه لم يبنه مع (ها) بل قدره على الانفصال.
والاول أفصح، لانها لغة القرآن، وهي لغة اهل الحجاز.
واهل نجد يقولون: هلم وهلما وهلموا وهلمي وهلميا وهلمن، قال سيبويه أصله (ها) ضم اليه (لم) فبني فقيل: هلم، وهات فصل ولم يتصل بمايبنى معه، فلذلك لابد ان يقال للجماعة: هاتوا.
و (هلم) لفظ يتعدى تارة، واخرى لايتعدى، فاذاكانت بمعنى (هاتوا) فانها تتعدى مثل قوله " هلم شهداء كم " واذا كانت بمعنى (تعالوا) نحو " هلم الينا "(2) فانها لاتتعدى ونظيره: عليك زيدا يتعد إلى واحد، وعلي زيدا يتعدى إلى اثنين بمعنى أولني زيدا، ومثله من الفعل: رجع ورجعته، ولايجوز في (هلم) الضم والكسر، كما يجوز في ورد: ورد.
قال الزجاج: لانها لاتتصرف على طريقة: فعل يفعل، مع مااتصلت بهامن هاء. ومعنى الاية هاتوا شهداء كم الذين يشهدون بصحة ماتدعون من ان الله حرم هذاالذي ذكرتموه.
وقوله " فان شهدوا فلاتشهد معهم " فان قيل كيف دعاهم إلى الشهادة مع أنهم اذا شهدوا لم تقبل شهادتهم؟ ! قلنا عنه جوابان أحدهما - قال أبوعلي: لانهم لم يشهدوا على الوجه دعوا ان يشهدوا بينة عادلة تقوم بهاالحجة. الثاني - شهداء من غيرهم، ولن يجدوا ذلك، ولو وجدوه ماوجب
---
(1) ديوانه 34، ومجاز القرآن 1 / 208 وتفسير الطبري 12 / 150، واللسان والتاج . (ربع).
(2) سورة 33 الاحزاب آية 18

(4/312)


تفسير التبيان ج4
قبول شهاداتهم، لانها لاترجع الا إلى دعوى مجردة. ولكن المذهب مع هذه الحال أبعد عن الصواب، لانهم لايجدون من يشهدلهم. وهوقول الحسن.
وقوله " ولاتتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا " نهى من الله لنبيه والمراد به أمته ان يعتقدوا مذهب من اعتقد مذهبه هوى، ويمكن اتخاذ المذهب هوى من وجوه. احدها - هوى من سبق اليه فقلده فيه. والثاني - ان يدخل عليه شبهة فيتخيله بصورة الصحيح مع ان في عقله مايمنع منه. ومنها - ان يقطع النظر دون غايته، للمشقة التي تلحقه فيعتقد المذهب الفاسد. ومنها - ان يكون نشأ على شئ وألفه واعتاده فيصعب عليه مفارقته. وكل ذلك متميز مما استحسنه بعقله. وانما قال " الذين كذبوا بآياتنا والذين لايؤمنون بالاخرة " وكلهم كفار ليفصل وجوه كفرهم، لان منه مايكون مع الاقرار بالاخرة كحال اهل الكتاب، ومنه مايكون مع الانكار كحال عبدة الاوثان.
وقوله " وهم بربهم يعدلون " معناه يعدلون به عن الحق لاتخاذهم مع الله شركاء واضافتهم اليه مالم يقله وافترائهم عليه. وفي الاية دلالة على فساد التقليد لانه لو كان التقليد جائزا لما طالب الله الكفار بالحجة على صحة مذهبهم، ولماكان عجزهم عن الايتان بهادلالة على بطلان ما ذهبوا اليه.

(4/313)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: قل تعالوا أتل ماحرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولاتقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولاتقربوا الفواحش ماظهر منها ومابطن ولاتقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصيكم به لعلكم تعقلون(151)
آية بلاخلاف.
لماحكى الله تعالى عن هؤلاء القوم انهم حرموامالم يحرمه الله وأحلوا ماحرمه، قال لنبيه " قل " لهم " تعالوا " حتى أبين لكم ماحرمه الله. و (تعالوا) معناه أدنوا، وهو مشتق من العلو، وتقديره كأن الداعي في المكان العالي، وان كانا في مستوى من الارض كما يقال للانسان: ارتفع إلى صدر المجلس.
وقوله " اتل " مشتق من التلاوة مثل القراء ة. والمتلو مثل المقروء، فالمتلوا هو المقروء الاول، والتلاوة هي الثاني منه على طريق الاعادة، وهو مثل الحكاية والمحكي.
وقوله " اتل " مجزوم بأنه جواب الامر، وعلامة الجزم فيه حذف الواو، ومن شأن الجازم أن يأخذ الحركة اذاكانت على الحرف، فان لم يكن هناك حركة أخذ نفس الحرف.
وقوله " ماحرم ربكم " (ما) في موضع نصب ب (أتل) وهي بمعنى الذي، وتقديره أتل الذي حرم ربكم عليكم: ان لاتشركوا به شيئا، ويجوز ان يكون نصبا ب (حرم) وتقديره أي شئ حرم ربكم، لان (أتلو) بمنزلة أقول.
وقوله " ان لاتشركوا به شيئا " يحتمل موضع (ان) ثلاثة اوجه من الاعراب: احدها - الرفع على تقدير ذلك ان لاتشركوا به شيئا. والثاني - النصب على تقدير أوصى ان لاتشركوابه شيئا. وقيل فيه وجه رابع - ان يكون نصبا ب (حرم) وتكون (لا) زائدة، وتقديره حرم ربكم ان تشركوا به شيئا، كماقال " مامنعك ان لاتسجد "(1) ونظائر ذلك قد قدمنا طرفامنها. وموضع تشركوا يحتمل امرين، احدهما - النصب ب (ان).
---
(1) سورة 7 الاعراف آية 11

(4/314)


تفسير التبيان ج4
الثاني - الجزم ب (لا) على النهي.
وقال ابوجعفر عليه السلام: ادنى الشرك الرياء.
وقوله " وبالوالدين احسانا " العامل فيه (أمر) أي امر بالوالدين إحسانا، واوصى بالوالدين احسانا. ودليله من وجهين: احدهما - ان في (حرم كذا) معنى اوصى بتحريمه، وامر بتجنبه. الثاني " ذلكم وصاكم به "
وقوله " ولاتقتلوا اولادكم من املاق " عطف بالنهي على الخبر، لان قوله " ولاتقتلوا " نهي، وقوله اوصى ألا تشركوابه شيئا، وأوصى بالوالدين احسانا خبر، وجاز ذلك كماجاز في قوله " قل اني امرت ان اكون اول من أسلم ولاتكونن من المشركين(1) وقال الشاعر:
حج وأوصى بسليمى الاعبد
ان لاقرى ولا تكلم أحدا
ولاتمش بفضاء بعدا
ولايزل شرابها مبردا(2)
والاملاق: الافلاس من المال والزاد يقال: املق إملاقا ومنه الملق لانه اجتهاد في تقرب المفلس للطمع في العطية.
وقال ابن عباس وقتادة والسدي وابن جريج والضحاك: الاملاق الفقر، نهاهم الله ان يقتلوا أولادهم خوفا من الفقر.
وقال " نحن نرزقكم واياهم " وقوله " ولاتقربوا الفواحش " نهي عن الفواحش وهي القبائح.
وقيل: الفاحش العظيم القبح، والقبيح يقع على الصغير والكبير، لانه يقال القرد قبيح الصورة ولايقال فاحش الصورة. وضد القبيح الحسن وليس كذلك الفاحش.
قال الرماني ويدخل في الاية النهي عن الصغير، لان قرب الفاحش عمل الصغير من القبيح.
وقوله " ماظهر منها ومابطن " قيل في معناه قولان: أحدهما - قال ابن عباس والضحاك والسدي: كانوا لايرون بالزنا بأساسرا، ويمنعون منه علانية، فنهى الله عنه في الحالتين. الثاني - لئلا يظن ويتوهم ان الاستبطان جائز.
---
(1) سورة 6 الانعام آية 14.
(2) مجاز القرآن 1 / 364 وتفسير الطبري 12 / 216

(4/315)


تفسير التبيان ج4
وقال ابوجعفر (عليه السلام) ماظهر هو الزنا، ومابطن المخالة. وقيل معناه ماعلن وماخفي يعني من جميع أنواع الفواحش وهواعم فائدة.
وقوله " ولاتقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق " فالنفس المحرم قتلها هي نفس المسلم والمعاهد دون الكافر الحربي، والحق الذي يستباح به قتل النفس المحرمة ثلاثة اشياء: قود بالنفس الحرام، والزنا بعد احصان، والكفر بعد الايمان.
وقوله " ذلكم وصاكم به " خطاب لجميع الخلق " لعلكم تعقلون " معناه لكي تعقلوا عنه ماوصاكم به فتعملوا به.
قوله تعالى: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لانكلف نسفا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصيكم به لعلكم تذكرون(152)
آية بلاخلاف.
قرأ اهل الكوفة الاأبابكر " تذكرون " بتخفيف الذال حيث وقع. الباقون بالتشديد.
قال سيبويه: ذكرته ذكرا مثل شربا، قال ابوعلي: (ذكر) فعل يتعدى إلى مفعول واحد، كقوله " فاذكروني اذكركم "(1) فاذا ضاعفت العين تعدى إلى مفعولين كقولك ذكرته اباه قال الشاعر:
يذكر نيك حنين العجول
ونوح الحمامة تدعو هديلا
فان نقله بالهمزة كان كنقله بالتشديد، وتقول: ذكرته فتذكر، لان تذكر مطاوع (فعل) كماتفاعل مطاوع فاعل، قال تعالى " اذا مسهم طائف
---
(1) سورة 2 البقرة آية 152

(4/316)


تفسير التبيان ج4
من الشيطان تذكروا "(1) وقدتعدى تفعلت قال الشاعر:
تذكرت أرضا بها أهلها
أخوالها فيها وأعمامها
وأنشد ابوزيد:
تذكرت ليلى لات حين أذكارها
وقدحني الاضلال ضلا بتضلال
فقال اذكارها، كماقال " وتبتل اليه تبتيلا "(2) ونحو ذلك مما لايحصى ممالايجئ المصدر على (فعلة)، وجاء المصدر على (فعلى) بالف التأنيث، فقالوا ذكرى وقالوافي الجمع الذكر، فجعلوه بمنزلة (سدرة، وسدر) وقالوا: الذكر بالدال غير المعجمة حكاه سيبويه، والمشهور بالذال.
فمن قرأ بتشديد الذال اراد يتذكرون ويأخذون به، ولا يطرحونه وادغم التاء في الذال، والمعنى يتذكرون، كما قال " والنهار خلفة لمن اراد ان يذكر "(3) أي يتفكر وقال " اولا يذكر الانسان "(4) معناه اولا يتفكر، وقال " ولقد صرفناه بينهم ليذكروا "(5) أي ليتفكروا فيه.
ومن قرأ - بتخفيف الذال - أراد لكي يذكروه ولا ينسوه فيعملوابه. والقراء تان متقاربتان غير ان هذا حذف التاء الاولى، والاولون أدغموا التاء في الذال. والمعنى فيها لعلكم تتذكرون. هذه الاية عطف على ماحرم الله في الاية الاولى واوصى به، فنهى في هذه الاية ان تقربوا مال اليتيم الابالتي هي احسسن، والمراد بالقرب التصرف فيه، وانما خص اليتيم بذلك وان كان واجبا في كل احد، لان اليتيم لماكان لايدفع عن نفسه ولاله والد يدفع عنه، فكان الطمع في ماله أقوى تأكد النهي في التصرف في ماله.
---
(1) سورة 7 الاعراف آية 200.
(2) سورة 73 المزمل آية 8.
(3) سورة 25 الفرقان آية 62.
(4) سورة 19 مريم آية 67.
(5) سورة 25 الفرقان آية 50

(4/317)


تفسير التبيان ج4
وقوله " الابالتي هي أحسن " قيل في معناه ثلاثة أقوال: احدها - حفظه عليه إلى ان يكبر فيسلم اليه. وقيل معناه تثميره بالتجارة في قول مجاهد والضحاك والسدي. والثالث - ماقاله ابن زيد: ان يأخذ القيم عليه بالمعروف دون الكسوة.
وقوله " حتى يبلغ أشده " اختلفوا في حد الاشد، فقال ربيعة وزيدبن أسلم ومالك وعامر الشعبي: هوالحلم.
وقال السدي: ثلاثون سنة.
وقال قوم: ثماني عشرة سنة. لانه اكثر مايقع عندهم البلوغ واستكمال العقل.
وقال قوم قوم: انه لاحد له وانما المراد به حتى يكمل عقله ولايكون سفيها يحجر عليه. والمعنى حتى يبلغ اشده فيسلم اليه ماله او يأذن في التصرف في ماله، وحذف لدلالة الكلام عليه. هذا أقوى الوجوه.
وواحد الاشد قيل فيه قولان: احدهما - شد مثل اضر جمع ضر، واشد جمع شد. والشد القوة، وهو استحكام قوة شبابه وسنه، كماشد النهار ارتفاعه. وحكى الحسين بن على المغربي عن أبي اسامة أن واحدة شدة. مثل نعمة وانعم.
وقال بعض البصريين: الاشد واحد مثل الافك.
ومن قال ان واحده شد استدل بقول عنترة:
عهدي به شد النهار كأنما
خضب البنان ورأسه بالعظلم(1)
هكذا رواه المفضل الضبي.
وقال الاخر:
يطيف به شد النهار ظعينه
طويلة انقاء اليدين سحوق(2)
وقوله " واوفوا الكيل والميزان بالقسط " أمر من الله بتوفية كيل مايكال وتوفية وزن مايوزن بالقسط يعني بالعدل * وفاء من غير بخس.
وقوله " لانكلف نفسا الا وسعها " معناه هنا انه لما كانا لتعويل في الوزن والكيل على التحديد من اقل القليل يتعذر، بين انه لايلزم في ذلك الاجتهادفي التحرز.
---
(1) ديوانه 27 وتفسير الطبري 12: 222.
(2) تفسير الطبري 12: 222

(4/318)


تفسير التبيان ج4
وقوله " واذا قلتم فأعدلوا " يعني قولوا الحق. ولو كان على ذي قرابة لكم. وانما خص القول بالعدل دون الفعل، لان من جعل عادته العدل في القول دعاه ذلك إلى العدل في الفعل، لان ذلك من آكد الدواعي اليه والبواعث عليه.
وقوله " وبعهد الله اوفوا " قيل في معنى العهد هاهنا قولان: احدهما - كل ماأوجبه على العبد فقد عهد اليه بايجابه عليه وتقديم القول فيه والدلالة عليه. الثاني - قال ابوعلي عهد الله الحلف بالله، فاذا حلف في غير معصية الله وجب عليه الوفاء.
وقوله " ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون " قيل في معناه قولان: احدهما - لئلا تغفلوا عنه فتتركوا العمل به والقيام بمايلزم منه. الثاني - لتتذكروا كل مايلزمكم بتذكر هذا فتعملوا به.
قوله تعالى: وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولاتتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصيكم به لعلكم تتقون(153)
آية بلاخلاف.
قرأ الكسائي وحمزة " وان هذا " بكسر الهمزة. الباقون بفتحها.
وكلهم شدد النون الاابن عامر فأنه خففها.
وكلهم سكن الياء من (صراطي) الاابن عامرفانه فتحها. وبه قرأيعقوب.
وقرأ ابن كثير وابن عامر " سراطي " بالسين.
الباقون بالصاد الا حمزة، فانه قرأ بين الصاد والزاي.
وروى ابن فليح والبزي الا القواس " فتفرق " بتشديد التاء.
ووجهه ان أصله (فتتفرق) فأدغم احدهما في الاخرى.

(4/319)


تفسير التبيان ج4
ومن فتح (أن) احتمل ذلك وجهين: احدهما - ان يكون عطفا على " ان لاتشركوا ". والثاني - ولان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه.
ومن كسر (ان) احتمل ايضا وجهين: احدهما - عطفه على " اتل ماحرم ربكم " واتل " ان هذا " بمعنى اقول. والثاني - استأنف الكلام.
ومن خفف (ان) فأن المخففة في قوله تتعلق بما تتعلق به المشددة.
وموضع (هذا) رفع بالابتداء وخبره (صراطي) وفي (ان) ضمير القصة والشأن.
وعلى هذه الشريطة تخفف، وليست المفتوحة كالمكسورة اذا خففت.
والفاء في قوله " فاتبعوه " على قول من كسر (ان) عاطفة جملة على جملة.
وعلى قول من فتح زائدة ونصب " مستقيما " على الحال.
" والفائدة ان هذا صراطي وهو مستقيم، فاجتمع له الامران، ولو رفع مستقيم، لماأفاد ذك.
وانما سمى الله تعالى ان مابينه وذكره من الواجب والمحرم صراط وطريق لان امتثال ذلك على ماأمر به يؤدي إلى الثواب في الجنة، فهوطريق اليها، والى النعيم فيها قوله " فاتبعوه " أمر من الله تعالى باتباع صراطه وماشرعه للحق. وطريق اتباع الشرع - وفيه الحرام والحلال والمباح - هو اعتقاد ذلك فيه، والعمل على ما ورد الشرع به فيفعل الواجب والندب، ويجتنب القبيح، ويكون مخيرا في المباح. ولايجب فعل جميعه، لان ذلك خلاف الاتباع. وانما قيل لاعتقاد صحة الشرع اتباع له، لانه تعالى اذا حظر شيئا أو حظر تركه كان حكمه، ووجب اتباعه في انه محرم وواجب، وكذلك الندب والمباح.
وقوله " ولاتتبعوا السبل " يعني سبل الشيطان واتباع اهل البدع من اليهود والنصارى وغيرهم، فنهى تعالى عن اتباع ذلك فان اتباع غير سبيله تصرف عن اتباع سبيله، ولا يمكن ان يجتمعا " ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون " معناه امركم به وأوصاكم بأمتثاله لكي تتقوا عقابه بأجتناب معاصيه. وانما اتى بلفظة (لعل) لان المعنى انكم تعاملون في التكليف والجزاء معاملة الشك للمظافرة في العدل.

(4/320)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شئ وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون(154)
آية بلاخلاف قيل في معنى قوله " ثم آتينا موسى الكتاب " مع ان كتاب موسى قبل القرآن و (ثم) تقتضي التراخي قولان: احدهما - ان فيه خذفا، وتقديره: ثم اتل " آتيناموسى الكتاب " وقال ابومسلم عطفه على المنن التي امتن بهاعلى ابراهيم من قوله " ووهبنا له اسحاق " إلى قوله " إلى صراط مستقيم " واستحسنه المغربي.
وقوله " تماما على الذي أحسن " قيل فيه خمسة أقوال: احدها - قال الربيع والفراء: تماما على احسانه اي احسان موسى كأنه قال ليكمل احسانه الذي يستحق به كمال ثوابه في الاخرة. الثاني - قال مجاهد: تماماعلى المحسنين. وقيل في قراء ة عبدالله " تماما " على الذين احسنوا " كأنه قيل اتماما للعنة على المحسنين الذين هو أحدهم.
الثالث - قال ابن زيد: تماما على احسان الله إلى انبيائه.
الرابع - قال الحسن وقتادة: لتمام كرامته في الجنة على احسانه في الدنيا.
الخامس - قال ابوعلي: تماما على احسان الله إلى موسى بالنبوة، وغيرها من الكرامة.
وقال أبومسلم تماماعلى الذي احسن ابراهيم، فجعل مااعطى موسى منة على ابراهيم واجابة لدعوته بماتقدم من احسانه وطاعته، وذلك اذ يقول ابراهيم " واجعل لي لسان صدق في الاخرين "(1).
وقوله " تماماعلى الذي " يقتضي مضاعفة (عليه). ولو قال: تماما، لدل على نقصانه قبل تكميله.
---
(1) سورة 26 الشعراء آية 84

(4/321)


تفسير التبيان ج4
وقوله " أحسن " في موضع خفض عند الفراء، زعم ان العرب تقول مررت بالذي خير منك، وبالذي أخيك.
ولايقولون: بالذي قائم، لانه نكرة وأنشد عن الكسائي:
ان الزبيري الذي مثل الحكم
مشى بأسلابك في اهل العلم(1)
قال الزجاج: أجمع البصريون على انه لايجوز ذلك، لان (الذي) يقتضي صلة، ولايصح ان يوصف الابعد تمام وصلته.
وقوله " وهدى ورحمة " صفتان للكتاب الذي أنزله على موسى، ومعناه حجة ورحمة " وتفصيلا لكل شئ " مثل ذلك.
وقوله " لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون " معناه لكي يؤمنوا بجزاء ربهم، فسمى الجزاء لقاء الله تفخيما لشأنه وتعظيماله مع الاختصار والايجاز. و (تماما) و (تفصيلا) نصب على انه مفعول له، وتقديره إنا فعلنا للتمام والتفصيل لكل ماشرعناله.
وروي في الشواذ (أحسن) رفعا وتقديره على الذي هو أحسن.
قوله تعالى: وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون(155)
آية بلاخلاف.
قوله " وهذا " اشارة إلى القرآن، وصفه بأنه كتاب انزله الله وانما وصفه بأنه كتاب وان لم يكن قرآنامن اجل انه يكتب، لانه لماكان التقييد بالكتاب من اكثر مايحتاج اليه في الدلائل والحكم، وصف بهذا الوصف. لبيان انه مماينبغي ان يكتب، لانه اجل الحكم، وذكر في هذا الموضع بهذا الذكر ليقابل ماتقدم من ذكر كتاب موسى (ع).
وقوله " مبارك " فالبركة ثبوت الخير بزيادته ونموه، واصله الثبوت، ومنه (تبارك) أي تعالى بصفة اثبات لااول له ولاآخر، وهذا تعظيم.
---
(1) معاني القرآن 1 / 365 وتفسير الطبري 12 / 234.

(4/322)


تفسير التبيان ج4
لايستحقه غيرالله تعالى. ورفعه بأنه صفة للكتاب، ولو نصب على الحال كان جائزا غير ان الرفع يدل على لزوم الصفة للكتاب، والنصب يجوز ان يكون الحالة عارضة في وقت الفعل.
وقوله " فاتبعوه " امر من الله باتباعه وتدبر ومافيه وامتثاله.
وقوله " واتقوا " أمر منه تعالى باتقاء معاصيه، وتجنب مخالفة كتابه.
وقوله " لعلكم ترحمون " أي لكي ترحموا، وانما قال " اتقوا لعلكم ترحمون " مع انهم اذا أتقوا رحموا لامحالة لامرين: احدهما - اتقوا على رجاء الرحمة، لانكم لاتدرون بماتوافون في الاخرة. الثاني - أتقوا لترحموا، ومعناه ليكن الغرض بالتقوى منكم طلب ماعندالله من الرحمة والثواب.
قوله تعالى: أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين(156)
آية بلاخلاف.
العامل في (أن) قوله " أنزلناه " وتقديره لان لاتقولوا، فحذف (لا) لظهور المعنى في انه أنزله لئلا يكون لهم حجة بهذا، وحذف (لا) في قول الفراء، وقال الزجاج: تقديره كراهة ان تقولوا، ولم يجز حذف (لا) ههنا، واذا كان يجوز حذف المضاف في غير (ان) فهو مع (أن) اجدر، لطولها بالصلة، و (ان) اذاكانت بمعنى المصادر تعمل، ولاتعمل اذاكانت بمعنى (أي) لان هذه تختص بالفعل، والاخرى تدخل للتفسير، فتارة تفسير جملة من ابتداء وخبر، وتارة جملة من فعل وفاعل.
وقوله " انما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا " معنى (انما) الاختصاص، وانما كان كذلك، لان (أن) كانت تحقيقا بتخصيص المعنى مما خالفه، فلما صحبتها (ما) ممكنة لها ظهر هذا المعنى فيها.

(4/323)


تفسير التبيان ج4
والمعني " بالطائفتين من قبلنا " اليهود والنصارى - في قول ابن عباس والحسن ومجاهد وابن جريج وقتادة والسدي - وانما خصا بالذكر لشهرتهما ولظهور أمرهما.
وقوله " وان كناعن دراستهم لغافلين " اللام في قوله " لغافلين " لام الابتداء، ولايجوز ان يعمل ماقبلها فيما بعدها الا في باب (إن) خاصة لانها زحلقت معها عن الاسم إلى الخبر للفصل بين حرفين بمعنى واحد، وتقدير الاية: انا أنزلنا الكتاب الذي هو القرآن لئلا يقولوا: انما أنزل الكتاب على اليهود والنصارى، ولم ينزل علينا، ولوأريد مناما أريد ممن قبلنا لانزل الينا كتاب كما أنزل على من قبلنا " وان كنا عن دراستهم لغافلين " وتقديره وان كنا غافلين عن تلاوة كتبهم يعني الطائفتين اللتين أنزل عليهم الكتاب، لانهم كانوا أهله دوننا.
قوله تعالى: أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاء كم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنا سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون(157)
آية بلاخلاف.
هذه الاية عطف على ماقبلها والتقدير: انا أنزلنا القرآن المبارك لئلا يقولوا: انه ماانزل علينا الكتاب، كما أنزل على من قبلنا، اويقولوا: لو أنزل علينا الكتاب لكناأهدى منهم في المبادرة إلى قبوله والتمسك به، كما يقول القائل: لو أتيت بدليل لقبلته منك. ومثل هذا يستبق إلى النفس.
وقوله " أهدى منهم " فلا دلالهم بالاذهان والافهام. وقد يكون العارف بالشئ أهدى اليه من عارف آخر، بأن يعرفه من وجوه لايعرفها الاخر، وبأن يكون مايعرفه به أثبت ممايعرفه به الاخر.

(4/324)


تفسير التبيان ج4
قال الرماني: والفرق بين الهداية والدلالة ان الهداية مضمنة بأنها نصبت ليهتدي بهاصاحبها، وليس كذلك الدلالة، قال: ولذلك كثر تصرفها في القرآن، كما كثر تصرف الرحمة، لانها على المحتاج. وهذا فرق غير صحيح لان الدلالة أيضا لاتسمى دلالة الا اذا نصبت ليستدل بها، ولذلك لايقال: اللص دل على نفسه اذا فعل آثار امكن ان يستدل بهاعلى مكانه، ولم يقصد ذلك.
وقوله " لوأنا " فتحت (ان) بعد (لو) مع انه لايقع فيه المصدر، لان الفعل مقدر بعد (لو) كأنه قيل: لو وقع الينا أناأنزل هذا الكتاب علينا، الاأن هذا الفعل لايظهر من اجل طول (ان) بالصلة، ولايحذف مع المصدر الافي الشعر قال الشاعر:
لوغيركم علق الزبير بحبله
أدى الجوار إلى بني العوام
فقال الله لهم " فقد جاء كم بينة من ربكم " يعني حجة واضحة " وهدى ورحمة " وادلة مؤدية إلى الحق، ورحمة منه تعالى وانعام " فمن أظلم ممن كذب بآيات الله " يعني فمن أظلم لنفسه ممن كذب بآيات الله " وصدف عنها " أي اعرض عنها غير مستدل بها ولامفكر فيها. وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي.
فان قيل كيف قال " فمن أظلم ممن كذب بآيات الله " بأن يجحدها، ولوفرضنا انه ضم إلى ذلك قتل النفوس وانتهاك المحارم كان اظلم؟.
قلنا عنه جوابان: احدهما - للمبالغة لخروجه إلى المنزلة الداعية إلى كل ضرب من الفاحشة. والاخر - انه لاخصلة ممن ظلم النفس اعظم من هذه الخصلة.
ثم قال تعالى " سنجزي الذين يصدفون " أي يعرضون " عن آياتنا سوء العذاب " أي شديده " بماكانوا يصدفون " أي جزاء بما كانوا يعرضون وهو ماأعد الله للكفار نعوذبالله.

(4/325)


تفسير التبيان ج4
فان قيل: فهل للذين ماتوا قبل من خوطب بهذه الاية ان يقولواهذا القول؟ قيل: لا، ليس له ذلك، لان عذره كان مقطوعا بعقله، وبماتقدم من الاخبار والكتب وهؤلاء أيضا لولم يأتهم الكتاب والرسول لم يكن لهم حجة، لكن فعل الله تعالى ماعلم ان المصلحة تعلقت به لهؤلاء، ولوعلم ذلك فيمن تقدم، لانزل عليهم مثل ذلك، لكن لما لم ينزل عليهم علمناان ذلك لم يكن من مصلحتهم.
قوله تعالى: هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملئكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لاينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون(158)
آية.
قرأ حمزة والكسائي " يأتيهم الملائكة " بالياء. الباقون بالتاء.
وقدمضى الكلام في أمثال ذلك فيما مضى، فلاوجه للتطويل باعادته.
قوله " هل ينظرون " ماينتظرون، يعني هؤلاء الكفار الذين تقدم ذكرهم.
وقال ابوعلي: معناه هل تنتظر انت يامحمد واصحابك الاهذا؟ وهم وان انتظروا غيره فذلك لايعتد به في جنب ما تنتظرونه من الاشياء المذكورة لعظم شأنها، وهو مثل قوله " ومارميت اذ رميت ولكن الله رمى "(1)، وتكلمت ولم تتكلم بمالايعتد به.
وقوله " الاأن يأتيهم الملائكة " يعني لقبض ارواحهم.
وقال مجاهد وقتادة والسدي: تأتيهم الملائكة، لقبض ارواحهم " او يأتي ربك " أي يوم
---
(1) سورة 8 الانفال آية 17.

(4/326)


تفسير التبيان ج4
القيامة " او يأتي بعض آيات ربك "، كطلوع الشمس من مغربها.
وقوله " اويأتي ربك " قيل في معناه قولان: احدهما - او يأتي امر ربك بالعذاب. وحذف المضاف واقام المضاف اليه مقامه، ومثله " وجاء ربك "(1) وقوله " ان الذين يؤذون الله ورسوله "(2) يعني يؤذون اولياء الله. الثاني - او يأتي ربك بعظم آياته فيكون (يأتي) به على معنى الفعل المعتدي، ومثل ذلك قول الناس: اتانا الروم يريدون أتانا حكم الروم وسيرتهم.
وقوله " يوم يأتي بعض آيات ربك لاينفع نفسا ايمانها لم تكن آمنت من قبل ". قيل في الايات التي تحجب من قبول التوبة ثلاثة أقوال: احدها - قال الحسن، وروي عن النبي (ص) انه قال (بادروا بالاعمال قبل ستة: طلوع الشمس من مغربها، والدابة، والدجال، والدخان، وخويصة احدكم - اي موته - وامر القيامة) يعني القيامة.
الثاني - قال ابن معسود: طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الارض، وهو قول ابي هريرة.
الثالث - طلوع الشمس من مغاربها رواها جماعة عن النبي (ص).
وقوله " او كسبت في ايمانها خيرا " قيل في معناه ثلاثة أقوال: احدها - الابهام في احد الامرين: الثاني - التغليب، لان الاكثر ممن ينتفع بايمانه حينئذ من كان كسب في ايمانه خيرا قبل. الثالث - انه لاينفعه ايمانه حينئذوان اكتسب فيه خيرا الا أن يكون ممن آمن قبل - في قول السدي - ومعنى كسب الخير في الايمان عمل النوافل والاستكثار من عمل البر بعد اداء الفرائض. والاول عندي أقواها،
---
(1) سورة 89 الفجر آية 22.
(2) سورة 33 الاحزاب آية 57

(4/327)


تفسير التبيان ج4
لان المعنى انه لاينفع نفسا ايمانها الا اذا كانت آمنت قبل، فانها اذا آمنت قبل نفعها ايمانها بانفراده او اذا ضمت إلى ايمانها افعال الخير، فان ذلك ينفعها أيضا، فانه ازداد خيرا.
وقوله " قل انتظروا " خطاب للنبي صلى الله عليه وآله ان يقول لهؤلاء الكفار: انتظروا اتيان الملائكة وهذه الايات، فانا منتظرون حصولها. ومعنى الاية الحث على المبادرة إلى الايمان قبل الحال التي لاتقبل فيها التوبة، وهي ظهور الايات التي تقدم ذكرها، وفي ذلك غاية التهديد.
قوله تعالى: إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بماكانوا يفعلون(159)
آية.
قرأ حمزة والكسائي " فارقوا " بألف، وهوالمروي عن علي (ع) الباقون " فرقوا " بلاالف مع تشديد الراء. والمعنيان متقاربان، لان القراء تين يؤلان إلى شئ واحد، لان جميع ذلك مخالف لمايوجبه دينهم، فهم بتفريقه من جهة اكفار بعضهم بعضا على جهالة فيه مخالفون له، وهم بخروجهم عنه إلى غيره مفارقون له مخالفون. وقيل في المعنيين بهذه الاية اربعة أقوال:
احدها - قال مجاهد: هم اليهود، لانهم كانوا يمالؤن عبدة الاوثان على المسلمين.
الثاني - قال قتادة: هم اليهود والنصارى، لان بعض النصارى يكفر بعضا وكذلك اليهود.
الثالث - قال الحسن هم جميع المشركين، لانهم جميعا بهذه الصفة.
الرابع - قال ابوجعفر (ع): هم اهل الضلالة والبدع من هذه الامة.
وهوقول ابي هريرة والمروي عن عائشة.

(4/328)


تفسير التبيان ج4
حذرهم الله تعالى من تفرق الكلمة ودعاهم إلى الاجتماع على ماتقوم عليه الحجة. والدين الذي فارقوه: قيل فيه قولان: الحجة. والدين الذي فارقوه.
وقيل فيه قولان: قال ابوعلي وغيره: هوالدين الذي امر الله باتباعه وجعله دينالهم. الثاني - الدين الذي هم عليه، لانكار بعضهم بعضا بجهالة فيه.
ومعنى الشيع الفرق التي يمالئ بعضهم بعضا على امرواحد مع اختلافهم في غيره، وقيل اصله الظهور من قولهم: شاع الخبر يشيع اذا ظهر.
وقال الزجاج: اصله الاتباع من قولك: شايعه على الامر اذا اتبعه.
وقوله " لست منهم في شئ " خطاب للنبي صلى الله عليه وآله واعلام له انه ليس منهم في شئ، وانه على المباعدة التامة من ان يجتمع معهم في معنى من مذاهبهم الفاسدة، وليس كذلك بعضهم مع بعض، لانهم يجتمعون في معنى من الباطل وان افترقوافي غيره، فليس منهم في شئ، لانه برئ من جميعه وقال الفراء: معناه النهي عن قتالهم، ثم نسخ بقوله " فاقتلوا الشركين "(1) وهوقول السدي.
اخبر الله تعالى ان الذين فرقوا دينهم - وخالفوه وباينوه وصاروا فرقا يمالئ بعضهم بعضا على أمر واحدمع أختلافهم في غيره - ليس النبي صلى الله عليه وآله منهم في شئ وانه مباين لهم لفساد ماهم عليه. ثم قال " انما امرهم الله. ثم ينبئهم بما كانوا يعملون " يعني ان الله تعالى هوالذي يخبرهم بأفعالهم ويجازيهم عليها دون غيره يعني يوم القيامة.
---
(1) سورة 9 التوبة آية 6.

(4/329)


تفسير التبيان ج4
الآية: 160 - 165
قوله تعالى: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لايظلمون(160)
آية بلاخلاف.
يجوز في قوله " فله عشر أمثالها " ثلاثة أوجه: الجربا لاضافة، وعليه جميع القراء الا يعقوب. ورفع (أمثالها) مع التنوين على الصفة، وبه قرأ الحسن ويعقوب. ونصبه على التمييز، كماتقول عندي خمسة أترابا ذكر ذلك الزجاج، والفراء.
ومعنى القراء ة الاولى، فله عشر حسنات أمثالها، ويجوز في العربية فله عشر مثلها، فيكون المثل في لفظ الواحد وفى معنى الجمع، كما قال " انكم اذا مثلهم "(1).
ومن قال: أمثالها فهو كقوله " لايكونوا امالكم "(2) وانما جاز في (مثل) التوحيد في معنى الجمع، لانه على قدر مايشبه به، تقول: مررت بقوم مثلكم وبقوم أمثالكم.
وقال الرماني: كلمالم يتميز بالصورة فان جمعه يدل على الاختلاف، كقولك: رمال ومياه، فأما (رجال) فلايدل على الاختلاف، لانه يتميز بالصورة، ويجوز ان يكون (المثل) في موضع الجمع ولايجوز مثل ذلك في (العدل) لان (المثل) لايضاف إلى الجماعة الاعلى معنى انه مثل لكل واحدمنهم. وليس كذلك (العدل) لانه يكون لجماعتهم دون كل واحدمنهم.
وقال اكثر اهل العدل ان الواحد من العشرة مستحق وتسعة تفضل.
وقال بعضهم: المعنى فله من الثواب ثواب عشر حسنات أمثالها، وهذا لايجوز، لانه يقبح ان يعطي غيرالعامل مثل ثواب العامل كما يقبح ان يعطي الاطفال مثل ثواب الانبياء ومثل اجلالهم واكرامهم وان يرفع منزلتهم عليهم. وانما لم يتوعد على السيئة الابمثلها، لان الزائد على ذلك ظلم. والله يتعالى عن ذلك، وزيادة الثواب على الجزاء تفضل واحسان فجاز ان يزيد عليه.
قال الرماني: ولايجوز على قياس عشرة أمثالها عشر صالحات بالاضافة لان المعنى ظاهر في ان المراد عشر حسنات امثالها، وقال غيره لان الصالحات لاتعد، لانها اسماء مشتقة. وانما تعد الاسماء. و (المثل) اسم فلذلك جاز العدد به، وقال الرماني: دخول الهاء في قوله (الحسنة) يدل على ان تلك الحسنة ماهو مباح لايستحق عليه المدح والثواب. ولو قيل: دخول الالف
---
(1) سورة 4 النساء آية 139.
(2) سورة 47 محمد آية 38

(4/330)


تفسير التبيان ج4
واللام فيهايدل على ان الحسنة هي المأمور بها، ودخلا للعهد، والله لايأمر بالمباح، لكان اقوى مماقاله، ويجوز أن يكون التفضل مثل الثواب في العدد والكثرة، ويتميز منه الثواب بمقارنة التعظيم والتبجيل اللذين لولاهما لماحسن التكليف.
وانما قلنا: يجوز ذلك لان وجه حسن ذلك: الاحسان والتفضل، وذلك حاصل في كل قدر زائد. وفي الناس من منع من ان يساوي التفضل الثواب في باب الكثرة. والصحيح ماقلناه اولا.
فان قيل: كيف تجمعون بين قوله " فله عشر أمثالها " وبين قوله " مثل الذين ينفقون اموالهم في سبيل الله كمثل حبة انبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة "(1) وقوله " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضا عفه له أضعافا كثيرة "(2) ولان المجازاة بدخول الجنة مثابا فيها على وجه التأبيد، لانهاية له، فكيف يكون ذلك عشر أمثالها، وهل هذا الا ظاهر التناقض؟ ! قلنا: الجواب عن ذلك ماذكره الزجاج وغيره: ان المعنى في ذلك ان جزاء الله على الحسنات على التضعيف للمثل الواحد الذي هو النهاية في التقيد في النفوس، ويضاعف الله عن ذلك بمابين عشرة اضعاف إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ففائدة ذلك انه لاينقص من الحسنة عن عشر أمثالها، وفيما زاد على ذلك يزيد من يشاء من فضله واحسانه.
وقال قوم: المعنى من جاء بالحسنة فله عشر أمثال المستحق عليها، والمستحق مقداره لايعلمه الا الله وليس يريد بذلك عشر أمثالهافي العدد، كما يقول القائل للعامل الذي يعمل معه: لك من الاجر مثل ماعملت اي مثل ماتستحقه بعملك.
وقال آخرون: المعنى في ذلك ان الحسنة لها مقدارمن الثواب معلوم لله تعالى فأخبر الله تعالى انه لايقتصر بعباده على ذلك بل يضاعف لهم الثواب حتى تبلغ ذلك ماأراد وعلم أنه أصلح لهم، ولم يرد العشرة بعينها لكن اراد الاضعاف
---
(1) سورة 2 البقرة آية 261.
(2) سورة 2 البقرة آية 245

(4/331)


تفسير التبيان ج4
كمايقول القائل: لئن اسديت الي معروفا لاكافينك بعشرة أمثاله، وعشرة اضعافه. وفي الوعيد لئن كلمتني واحدة لاكلمنك عشرة، وليس يريدون بذلك العدد المعين لا اكثر منها، وانما يريدون ماذكرناه.
وقال قوم: عني بهذه الاية الاعراب، واما المهاجرون فحسناتهم سمع مئة، ذهب اليه ابوسعيد الخدري، وعبدالله بن عمر.
وقال قوم: معنى " عشر أمثالها " لانه كان يؤخذ منهم العشر في الزكاة، وكانوا يصومون في كل شهر ثلاثة ايام والباقي لهم.
وقال قوم " من جاء بالحسنة " يعني الايمان، فله يعني للايمان عشر أمثالها، وهو ماذكره في قوله " ان المسلمين والمسلمات.. "(1) إلى آخر الاية. وهذان الوجهان قريبان، والمعتمد ما قدمناه من الوجوه.
وقال اكثر المفسرين: ان السيئة المذكورة في الاية هي الشرك، والحسنة المذكورة فيها هي التوحيد واظهار الشهادتين. فان قيل كيف يجوز الزيادة في نعم المثابين مع ان الثواب قد استغرق جميع مناهم وما يحتملونه؟ قلنا عنه جوابان: احدهما - انه ليس للمنية نهاية مما يحتمله من اللذات. والثاني - ان يزاد في البنية والقوة مثل أن يزاد في قوة البصر حتى يرى الجزء الذي لايتجزء وان لم يزد في اخفاء الانسان.
قوله تعالى: قل إنني هديني ربي إلى صراط مستقيم(161) دينا قيما ملة إبرهيم حنيفا وما كان من المشركين(162)
آيتان.
قرأ ابن عامر واهل الكوفة " قيما " بكسر القاف وتخفيف الياء وفتحها. الباقون بفتح القاف مع تشديد الياء.
---
(1) سورة 33 الاحزاب آية 35

(4/332)


تفسير التبيان ج4
من قرأ بتشديد الياء فحجته قوله " وذلك دين القيمة "(1) كأنه قال دين الملة القيمة، ويكون وصفا للدين اذاكان نكرة، كما كان وصفا للملة، لان الملة هي الدين.
قال ابوالحسن: قال اهل المدينة " دينا قيما " وهي حسنة، ولم اسمعها من العرب.
قال ابوالحسن: وهو في معنى المستقيم.
فأما من قرأ بالتخفيف، فانه اراد المصدر، مثل الشبع، ولم يصحح (عوض وحول).
قال الزجاج: لانه جاء على (فعل) معتل، وهو (قام) والاصل (قوم، اقوم قوما) قال ابوعلي: وكان القياس يقتضى ان يصحح، لكنه شذ عن القياس، كماشذ (اشياء) ونحوه عن القياس نحو (ثيرة) في جمع (ثور) ونحو (جياد) في جمع (جواد) وكان القياس الواو، كماقالوا: طويل وطوال قال الاعشى:
جيادك في الصيف في نعمة تصا
ن الجلال وتعطى الشعيرا(2)
وقوله " دينا قيما " يحتمل نصبه ثلاثة اوجه: احدها - انه قال " انني هداني ربي إلى صراط مستقيم " واستغنى بجري ذكر الفعل عن ذكره، فقال " دينا قيما " كما قال " اهدنا الصراط المستقيم ". والثاني - نصبه على تقدير عرفني، لان هدايتهم اليه تعريف لهم فحمله على عرفني دينا قيما.
وقال الزجاج: معناه عرفني دينا قيما. ان شئت حملته على الاتباع كما قال " اتبعوا ماأنزل "(3) وقال الفراء: هونصب على المصدر، كأنه قال هداني اهتداء، ووضع (دينا) موضعه. أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله ان يقول للخلق وخاصة لهؤلاء الكفار " انني هداني ربي " وقيل في معنى الهداية قولان:
---
(1) سورة 98 البينة آية 5.
(2) ديوانه: 17.
(3) سورة 2 البقرة آية 170

(4/333)


تفسير التبيان ج4
احدهما - قال ابوعلي: اراد بالهداية الدلالة وأضافه إلى نفسه دونهم، وان كان قد هداهم أيضا، لانه اهتدى دونهم. وقال غيره: اراد به لطف لي ربي في الاهتداء.
و " إلى صراط مستقيم " قد فسرناه في غير موضع. وانه الطريق الموصل إلى ثواب الله من غير اعوجاج، وانما قال " إلى صراط مستقيم " - ههنا - وقال في موضع آخر " ويهديك صراطا مستقيما "(1)، لانه اذا ضمن معنى النهاية دخلت (إلى) واذالم تضمن لم تدخل (إلى) وصار بمعنى عرفني.
والاول بمنزلة ارشدني، وانما كرر (مستقيم، وقيم) للمبالغة، كأنه قال: هو مستقيم على نهاية الاستقامة.
وقوله " ملة ابراهيم فالملة الشريعة وهي مأخوذة من الاملاء " كأنه مايأتي به السمع ويورده الرسول من الشرائع المتجددة فيمله على امته ليكتب او يحفظ. فأما التوحيد والعدل فواجبان بالعقل، ولايكون فيهما اختلاف. والشرائع تختلف، ولهذا يجوز ان يقال ديني دين الملائكة. ولايقال ملتي ملة الملائكة. والملة دين، وليس كل دين ملة. وانما وصف دين النبي صلى الله عليه وآله بأنه ملة ابراهيم ترغيبا فيه للعرب لجلالة ابراهيم في نفوسهم وغيرهم من أهل الاديان.
وقوله " حنيفا " معناه مخلصا لعبادة الله في قول الحسن. واصله الميل من قولهم: رجل احنف اذاكان مائل القدم باقبال كل واحدة منهما على الاخرى من خلقة لامن عارض.
وقال الزجاج: الحنيف هوالمائل إلى الاسلام ميلا لازما لارجوع معه.
وقال ابوعلي: اصله الاستقامة. وانماجاء (أحنف) على التفاؤل " وماكان من المشركين " يعني ابراهيم (ع) و " حنيفا " نصب على الحال من (ابراهيم) و " ملة أبيكم " نصب على المصدر - في قول الفراء - وقال الزجاج: هو بدل من قوله " دينا قيما ".
---
(1) سورة 48 الفتح آية 20

(4/334)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين(163)
آية.
أسكن الياء من " محياي " أهل المدينة.
قال ابوعلي الفارسي: اسكان الياء من (محياي) شاذ خارج عن القياس والاستعمال، فشذوذه عن القياس ان فيه التقاء الساكنين، ولايلتقيان على هذا الحد، وشذوذه عن الاستعمال انك لاتجده في نظم ولانثر الاشاذا. ووجهه ماحكى بعض البغداديين انه سمع او حكي له: التقت حلقتا البطان باسكان الالف مع سكون لام المعرفة، وحكى غيره: له ثلثا المال وليس هذا مثل قوله " حتى اذا أداركوا فيها(1) لان هذا في المنفصل مثل دأبه في المتصل. ومثل ماأجاز يونس من قوله: اضربان زيدا، وسيبويه ينكر هذا من قول يونس.
قال الرماني: ولووصله على نية الوقف جاز.
امره ان يقول لهؤلاء الكفار " ان صلاتي ونسكي " وقد فسرنا معنى الصلاة فيما مضى.
وقيل في معنى و " نسكي " ثلاثة أقوال: احدها - قال سعيدبن جبير ومجاهد وقتادة والسدي والضحاك: ذبيحتي في الحج والعمرة.
وقال الحسن (نسكي) ديني.
وقال الزجاج والجبائي " نسكي " عبادتي.
قال الزجاج: والاغلب عليه امر الذبح الذي يتقرب به إلى الله.
ويقولون: فلان ناسك بمعنى عابد. وانما ضم الصلاة إلى اصل الواجبات من التوحيد والعدل لان فيها التعظيم لله عند التكبير، وفيها تلاوة القرآن التي تدعو إلى كل بر، وقرر فيها الركوع والسجود وهما خضوع لله. وفيها التسبيح وهو تنزيه لله.
---
(1) سورة 7 الاعراف آية 37.

(4/335)


تفسير التبيان ج4
وقوله " ومحياي ومماتي " يقولون حيي يحيا حياة ومحيا، ومات يموت موتا ومماتا. وانما جعل للفعل الواحد مصادر في الثلاثي لقوته، ولانه الاكثر الاغلب. وانما جمع بين صلاته وحياته، واحدهما من فعله، والاخر من فعل الله، لانهما جميعا بتدبير الله تعالى وان كان احدهما من حيث ايجاده واعدامه لمافيه من الصلاح. ووجه ضم الموت إلى اصل الواجب الرغبة إلى من يقدر على كشفه إلى الحياة في النعيم الدائم بطاعته في اداء الواجبات.
وقوله " لاشريك له " فالشركة هي تلك؟؟، فلماكان عبدة الاوثان جعلوا العبادة على هذه الصفة كانوا مشركين في عبادة الله، فأمر الله ان ينفي عنه هذا الشرك ويقول " لاشريك له ". والمعنى لايستحق العبادة سواه. ثم امره بأن يقول اني أمرت بذلك يعني بنفي الاشراك مع الله وتوجيه العبادة اليه تعالى وحده " وانااول المسلمين " قال الحسن: معناه اول المسلمين من هذه الامة.
وبه قال قتادة وبين ذلك لوجوب اتباعه صلى الله عليه وآله ولبيان فضل الاسلام اذاكان اول مسارع اليه نبينا صلى الله عليه وآله ومعنى الاية وجوب نفي الشرك عن الله ووجوب اعتقاد بطلانه واخلاص العبادة اليه تعالى.
قوله تعالى: قل أغير الله أبغي ربّا وهو رب كل شئ ولاتكسب كل نفس إلا عليها ولاتزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون(164)
آية
امر الله تعالى نبيه ان يخاطب هؤلاء الكفار، ويفون على وجه الانكار لفعلهم " أغير الله أبغي " أي أتخذ " ربا " معبودا؟ ! فالكلام خرج مخرج الاستفهام، والمراد به الانكار، لانه؟؟ لصاحبه الابماهو قبيح، لان تقديره ايجوز أن اطلب الضر والنفع بعبادتي ممن هو مربوب مثلي؟ !

(4/336)


تفسير التبيان ج4
عادلا بذلك عن رب كل شئ وليس بمربوب؟ ! أم هذا قبيح في العقول؟ وهو لازم لكم على عبادة الاوثان.
والرب اذا أطلق افاد المالك لتصريف الشئ بأتم التصريف واذا أضيف فقيل رب الدار، ورب الضيعة، فمعناه المالك لتصريفه بأتم تصريف العباد واصله التربية وهي تنشئة الشئ حالا بعد حال حتى يصير إلى الكمال. ثم صرف إلى معنى الملك لهذه الاحوال من الشئ وماجرى مجراها.
والفرق بين الرب والسيد، أن السيد هو المالك لتدبير السواد الاعظم، والرب المالك لتدبير الشئ حتى يصير إلى الكمال مع اجرائه على تلك الحال.
وقوله " ولاتكسب كل نفس الاعليها " معناه لايكون جزاء عمل كل نفس الا عليها. ووجه اتصاله بماقبله أنه لاينفعني في ابتغاء رب غيره ماأنتم عليه من ذلك، لانه ليس بعذر لي في اكتساب غيري له، لانه " لاتزر وازرة وزر أخرى " وقيل: ان الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه وآله اتبعنا، وعلينا وزرك ان كان خطأ، فأنزل الله الاية. وفيها دلالة على فساد قول المجبرة من وجهين: احدهما - ان قوله " ولاتزر وازرة وزر أخرى " يدل على انه لايعذب الطفل بكفر أبيه. والثاني - أنه لايعذب احدا بغير ذنب كان منه، لانهما سواء في أن كل منهما مستحق.
وتقول: وزر يزر وزرا، ووزر، يوزر، فهو موزور، وكله بمعنى الاثم. والوزر الملجأ.
ومنه قوله " كلا لا وزر "(1) فحال الموزور كحال الملتجئ من غير ملجأ.
ومنه الوزير لان الملك يلتجئ اليه في الامور.
وقيل: أصله الثقل، ومنه قوله " ووضعناعنك وزرك "(2) وكلاهما محتمل " ثم إلى ربكم مرجعكم " يعني مالككم ومصيركم إلى الله في يوم لايملك فيه الامر غيره تعالى.
وقوله " فينبئكم بماكنتم فيه تختلفون " معناه انه يخبركم بالحق فيما اختلفتم فيه من الباطل، فيظهر المحسن من المسئ بما يزول معه الشك، والارتياب
---
(1) سورة 75 القيامة آية 11.
(2) سورة 94 الانشراح آية 2

(4/337)


تفسير التبيان ج4
ويقع معه الندامة في وقت قدفات فيه استدراك الخطيئة، فمعنى الاية الحجة على ان كل شئ سوى الله فالله ربه من كل وجه يصح منه الربوبية، وفيها دلالة على فساد قول المجبرة: ان الله يعذب على غير ذنب.
قوله تعالى: وهو الذي جعلكم خلائف الارض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ماآتيكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم(165)
آية.
اخبر الله تعالى انه الذي جعل الخلق خلائف الارض، ومعناه ان كل اهل عصر يخلفون اهل العصر الذي قبله كلمامضى واحدخلفه آخر على انتظام واتساق وذلك يدل على مدبر أجراه على هذه الصفة قال الشماخ:
تصيبهم وتخطيني المنايا
وأخلف في ربوع عن ربوع(1)
وواحد الخلائف خليفة، مثل صحيفة وصحائف، وسفينة وسفائن، ووصيفة ووصائف، هذا قول الحسن والسدي.
وقال قوم: معناه انه جعلهم خلفاء الجان قبل آدم.
وقال آخرون معناه والمراد به امة نبينا صلى الله عليه وآله لان الله جعلهم خلفاء سائر الامم.
وقوله " ورفع بعضكم فوق بعض درجات " وجه الحكمة في ذلك مع انه يخلقهم كذلك ابتداء من غير استحقاق بعمل يوجب التفاضل بينهم مافيه من الالطاف الداعية إلى الواجبات والصارفة عن القبائح، لان من كان غنيا في ماله شريفا في نسبه قويا في جسمه ربما دعاه ذلك إلى طاعة من يملكها رغبة فيها. والحال في أضدادها ربما كان دعته إلى طاعته رهبة منها ومن أمثالها ورجاء أن ينقل عنها إلى حال جليلة يغتبط عليها وقال السدي: رفع بعضهم فوق
---
(1) ديوانه 58 واللسان . (ربع) وتفسير الطبري 12 / 288.

(4/338)


تفسير التبيان ج4
بعض في الرزق وقوة الاجسام وحسن الصورة، وشرف الانسان. وغير ذلك بحسب ماعلم من مصالحهم.
وقوله " درجات " يحتمل نصبه ثلاثة أشياء: احدها - ان يقع موقع المصدر كأنه قال رفعة فوق رفعة.
الثاني - إلى درجات، فحذفت (إلى) كما في قولهم: دخلت البيت، وتقديره دخلت إلى البيت.
الثالث - أن يكون مفعولا من قولك: ارتفع درجة ورفعته درجة مثل اكتسى ثوبا وكسوته ثوبا.
وقوله " ليبلوكم فيما آتاكم " معناه فعل بكم ذلك ليجزيكم فيما أعطاكم. والقديم تعالى لايبتلي خلقه ليعلم مالم يكن عالمابه، لانه تعالى عالم بالاشياء قبل كونها. وانما قال ذلك، لانه يعامل معاملة الذي يبلو، مظاهرة في العدل. وانتفاء من الظلم.
وقوله " ان ربك سريع العقاب " انما وصف نفسه بأنه سريع العقاب مع وصفه تعالى بالامهال ومع ان عقابه في الاخرة من حيث كان كل آت قريبا، فهواذا سريع، كما قال " وماأمر الساعة الا كلمح البصر اوهو أقرب "(1) وقديكون سريع العقاب بمن استحقه في دار الدنيا، فيكون تحذير الواقع في الخطيئة على هذه الجهة. وقيل معناه انه قادر على تعجيل العقاب، فاحذروا معاجلته. وانما قابل بين العقاب والغفران ولم يقابل بالثواب، لان ذلك ادعى إلى الاقلاع عمايوجب العقاب، لانه لو ذكر الثواب لجاز ان يتوهم انه لمن لم يكن فيه عصيان.
---
(1) سورة 16 النحل آية 77.

(4/339)


تفسير التبيان ج4
7 - سورة الاعراف
قال قتادة سورة الاعراف مكية.
وقال قوم: هي مكية إلا قوله " واسألهم عن القرية "(1) إلى آخر السورة.
وقال قوم هي محكمة كلها.
وقال آخرون حرفان منها منسوخان أحدهما قوله " خذ العفو ") يريد من أموالهم وذلك قبل الزكاة.
والاخر قوله " واعرض عن الجاهلين "(3) نسخ بآية السيف(4).
وقال قوم ليس واحد منهما منسوخابل لكل منهما موضع والسيف له موضع.
وهو الاقوى، لان النسخ يحتاج إلى دليل.
---
(1) آية 162.
(2، 3) آية 198.
(4) يريد الاية 6 من سورة التوبة.

(4/340)


تفسير التبيان ج4
الآية: 1 - 19
بسم الله الرحمن الرحيم
المص(1) كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين(2)
آيتان في الكوفي وآية فيماعداه.
قد بينافي أول سورة البقرة اختلاف المفسرين في أوائل السور بالحروف المقطعة، وقلنا: ان الاقوى من ذلك قول من قال: انها أسماء للسور، وهو قول الحسن والبلخي والجبائي، واكثر المحصلين.
وروي عن ابن عباس أنه قال: هي اختصار من كلام لايفهمه الاالنبي صلى الله عليه وآله قال الشاعر:

(4/341)


تفسير التبيان ج4
فادوهم أن الجمواألا تا
قالوا جميعاكلهم ألافا(1)
يريد ألا تركبون قالوا فاركبوا.
وبني قوله " المص " على السكون في الوصل مع ان قبله ساكنا، لان حروف الهجاء توصل على نية الوقف، لانه يجزي على تفصيل الحروف، للفرق بينها وبين ماوصل للمعاني، وكأن مجموع الحروف يدل على معنى واحد، ومتى سميت رجلا ب (المص)، وجبت الحكاية.
فان سميته ب (صاد) أو (قاف) لم يجب ذلك، لان صاد، وقاف، لهما نظير في الاسماء المفردة، مثل، باب، وناب، ونار. وليس كذلك (المص) لانه بمنزلة الجملة، وليس له نظير في المفرد.
وانما عد الكوفيون " المص " آية، ولم يعدوا صلى الله عليه وآله لان " المص " بمنزلة الجملة مع ان آخره على ثلاثة أحرف بمنزلة المردف، فلمااجتمع هذان السببان، وكل واحد منهما يقتضي عده عدوه. ولم يعدوا (المر) لان آخره لايشبه المردف. ولم يعدوا صلى الله عليه وآله لانه بمنزلة اسم مفرد، وكذلك (ق) و (ن).
وانما سميت السورة بالحروف المعجمة، ولم تسم بالاسماء المنقولة لتضمنها معاني أخرى مضافة إلى التسمية، وهو أنها فاتحة لما هومنها، وأنها فاصلة بينها وبين ماقبلها، ولانه يأتي من التأليف بعدهاماهو معجز مع انه تأليف كتأليفها، فهذه المعاني من أسرارها.
وقيل في موضع (المص) من الاعراب قولان: اولهما - انه رفع بالابتداء وخبره كتاب، او ان يكون على هذه (المص) في قول الفراء. الثاني - لاموضع له، لانه في موضع جملة على قول ابن عباس، كأنه قال: أنا الله أعلم وافصل - اختاره الزجاج.
وقوله " كتاب انزل اليك " قيل في العامل في قوله " كتاب " ثلاثة أقوال: أحدها - هذا كتاب، فحذف لانها حال اشارة وتنبيه. الثاني - " المص كتاب " على أنه اسم للسورة وكتاب خبره.
---
(1) مرفي 1 / 470 وهو في تفسير القرطبي 1 / 135.

(4/342)


تفسير التبيان ج4
وقال الفراء: رفعه بحروف الهجاء، لانها قبله، كأنك قلت الالف واللام والميم والصاد، من الحروف المقطعة كتاب أنزل اليك مجموعا، فنابت (المص) عن جميع حروف المعجم، كما تقول: أ، ب، ت، ث ثمانية وعشرون حرفا. وكذلك تقول قرأت الحمد، فصار اسما لفاتحة الكتاب.
وقوله " فلايكن في صدرك حرج " يحتمل دخول الفاء وجهين: احدهما - أن يكون عطفا وتقديره اذا كان أنزل اليك لتنذر به، فلا يكن في صدرك حرج منه، فيكون محمولا على معنى اذا. والثاني - ان النهي وان كان متناولا للحرج، فالمعني به المخاطب، نهي عن التعرض للحرج، وجاز ذلك لظهور المعنى ان الحرج لاينهى، وكان مخرج له برده إلى نهي المخاطب ابلغ، لمافيه من أن الحرج لوكان مما ينهي له لنهيناه عنك، فأنته انت عنه بترك التعرض له.
وقيل في معنى الحرج في الاية ثلاثة أقوال: قال الحسن: معناه الضيق أي لايضيق صدرك لتشعب الفكر بك خوفا ألا تقوم، بحقه، وانما أنزل اليك لتنذربه.
الثاني - قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: ان معناه الشك ههنا والمعنى لاتشك فيما يلزمك له فانما أنزل اليك لتنذر به.
الثالث - قال الفراء: لايضيق صدرك بأن يكذبوك، كما قال - عز وجل - " فلعلك باخع نفسك على آثارهم ان لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ".
وقوله " لتنذر به " يعني لتخوف بالقرآن.
وقال الفراء والزجاج واكثر أهل العلم: هو على التقديم والتأخير، وتقديره أنزل اليك لتنذر به وذكرى للمؤمنين، والذكرى مصد رذكر يذكر تذكيرا، فالذكرى اسم للتذكير وفيه مبالغة، ومثله الرجعى، وقيل في موضعه ثلاثة أقوال: أولها - النصب على أنزل، للانذار وذكرى، كما تقول جئتك للاحسان وشوقا اليك.

(4/343)


تفسير التبيان ج4
الثاني - الرفع بتقدير وهو ذكرى.
الثالث - قال الزجاج: يجوز فيه الجر، لان المعنى، لان تنذر وذكرى.
قال الرماني: هذا ضعيف، لانه لايجوز ان يحمل الجر على التأويل، كما لايجوز مررت به وزيد.
قوله تعالى: إتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولاتتبعوا من دونه أولياء قليلا ماتذكرون(3)
آية قرأ حمزة، والكسائي وحفص " تذكرون " بتخفيف الذال بتاء واحدة. الباقون بالتشديد الاابن عامر، فانه قرأ يتذكرون بياء وتاء، قال الزجاج: التخفيف على حذف التاء الثانية كراهة اجتماع ثلاثة أحرف متقاربة، كما قالوا استطاع يستطيع، فحذفوا أحدى الثلاثة المتقاربة دون الاول، لان الاول بمعنى الاستقبال، لايجوز حذفها، والثانية يدل عليها تشديد العين.
ومن قرأ بتشديد الذال، فأصله تتذكرون فأدغم التاء في الذال لقرب مخرجهما، لان التاء مهموسة والذال مجهورة. والمجهورة أزيد صوتا وأقوى من المهموس فحسن ادغام الانقص في الازيد. ولايسوغ ادغام الازيد في الانقص، ألا ترى ان الصاد وأختيها لم يدغمن في مقاربهن لما فيهن من زيادة الصفير.
وقراء ة ابن عامر بالياء والتاء: انه مخاطبة للنبي صلى الله عليه وآله أي قليلا ما يتذكرون هؤلاء الذين ذكروا بهذا الخطاب.
قوله " اتبعوا " خطاب من الله للمكلفين وأمر منه بأن يتبعوا ما أنزل عليهم من القرآن. ويحتمل ان يكون المراد قل لهم يامحمد: اتبعوا ماأنزل اليكم، لانه قال قبل ذلك " لتنذر به " وكان الخطاب متوجها اليه. والاتباع تصرف الثاني بتصريف الاول وتدبيره، فالاول امام والثاني مؤتم.

(4/344)


تفسير التبيان ج4
والفرق بين الاتباع والاتباع ان احدهما يتعدى إلى مفعول، والثاني يتعدى إلى مفعولين، تقول: اتبعت زيدا وأتبعت زيدا عمرا. ووجوب الاتباع فيما أنزل الله يدخل فيه الواجب والندب والمباح، لانه يجب ان يعتقد في كل جنس ماأمر الله به، كما يجب ان يعتقد في الحرام وجوب اجتنابه.
وقوله " ولا تتبعوا من دونه أولياء " نهي من الله ان يتبعوامن دون الله ويتخذوا أولياء. وأولياء جمع ولي وهوضد العدو، وهو يفيد الاولى ويفيد الناصر وغير ذلك مما بيناه فيما مضى(1).
وقوله " قليلا ماتذكرون " معناه الاستبطاء في التذكر، وخرج مخرج الخبر وفيه معنى الامر، ومعناه تذكروا كثيرا مما يلزمكم من أمر دينكم، وما أوجبه الله عليكم. واخبر انهم قليلا مايتذكرون و (ما) زائدة، وتذكر معناه أخذ في التذكر شيئا بعد شئ مثل تفقه وتعلم، ويقال: تقيس اذا انتمى إلى قيس، ولم يكن منهم، لانه يدخل نفسه فيهم شيئا بعد شئ.
قوله تعالى: وكم من قرية أهلكناها فجاء ها بأسنا بياتا أو هم قائلون(4)
آية بلاخلاف.
(كم) لفظة موضوعة للتكثير و (رب) للتقليل. وانما كان كذلك، لان (رب) حرف، و (كم) اسم. والتقليل ضرب من النفي و (كم) تدخل في الخبر بمعنى التكثير. فأما في الاستفهام، فلا، لان الاستفهام موكول إلى بيان المجيب والخبر إلى بيان المخبر، وانما دخلها التكثير، لان استبهام العدد ان يظهر او يضبط انما يكون لكثرته في غالب الامر، ف (كم) مبهمة قال الفرزدق:
---
(1) سورة البقرة آية 257 في 2 / 313 - 314 وفي سورة المائدة آية 58، في 3 / 549 وغيرهما كثير.

(4/345)


تفسير التبيان ج4
كم عمة لك ياجرير وخالة
فدعاء قد حلبت علي عشاري(1)
فدل ب (كم) على كثرة العمات، وموضع (كم) في الاية رفع بالابتداء وخبرها (أهلكناها) ولو جعلت في موضع نصب جاز، كقوله " اناكل شئ خلقناه بقدر "(2)، والاول أجود.
اخبرالله تعالى - على وجه الترهيب للكفار والايعاد لهم - أنه اهلك كثيرا من القرى، يعني أهلها بما ارتكبوه من معاصيه، والكفر به، وانه أنزل عليهم بأسه، يعني عذابه " بيانا " يعني في الليل " أوهم قائلون " يعني في وقت القيلولة، وهو نصف النهار. وأصله الراحة، فمعنى أقلته البيع أرحته منه باعفائي اياه من عقده، وقلت اذا استرحت إلى النوم، في وسط النهار: القائلة.
والاخذ بالشدة في وقت الراحة أعظم في العقوبة فلذلك خص الوقتين بالذكر.
وقيل في دخول الفاء في قوله " فجاء ها بأسنا بياتا " ثلاثة أقوال: أحدها - أهلكناها في حكمنا " فجاء ها بأسنا " وقدقيل: هو مثل زرني واكرمني فان نفس الاكرام هي الزيارة، قال الرماني: وليس هذا مثل ذلك، لان هذا انما جاز لانه قصد الزيارة. ثم الاكرام بها.
والثاني - قال قوم " أهلكناها فجاء ها بأسنا " أي فكان صفة اهلاكنا أن جاء هم بأسنا.
والثالث - أهلكناها فصح انه جاء ها بأسنا.
وقال الفراء الفاء بمعنى الواو، وقال الرماني: هذا لايجوز، لانه نقل للحرف عن معناه بغير دليل.
وقال بعضهم: ان المعنى أهلكناها بخذلاننا لها عن الطاعة فجاء ها بأسنا عقوبة على المعصية، وهذا لايجوز لانه ليس من صفة الحكيم ان يمنع من طاعته حتى تقع المعصية، ثم يعاقب عليها.
---
(1) ديوانه 451 وتفسير الطبري 12 / 300 وسيبويه 1 / 253، 293.
(2) سورة 54 القمر آية 49.

(4/346)


تفسير التبيان ج4
وقوله " أوهم قائلون " قال الفراء: واو الحال مقدرة فيه، وتقديره أو " وهم قائلون " وانما حذفت استخفافا.
وقال الزجاج وجميع البصريين لايحتاج إلى ذلك، لانه يستغني برجوع الذكر عن الواو، كما يقال: جاء ني زيد راجلا او هو فارس، او جاء ني زيد هو فارس لم يحتج إلى واو، لان الذكر قد عاد على الاول.
فمعنى الاية ان الله اهلك اهل قريات كثيرة بتمردهم في المعاصي، وحذر من ان يعمل مثل عملهم فينزل بالعامل مثل مانزل بهم.
قوله تعالى: فما كان دعويهم إذ جاء هم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين(5)
آية بلاخلاف.
اخبرالله تعالى انه لم يكن دعاء هؤلاء الذين أهلكهم عقوبة على معاصيهم وكفرهم في الوقت الذي جاء هم بأس الله، وهو شدة عذابه، ومنه البؤس شدة الكفر. والبئس الشجاع لشدة بأسه، وبئس من شدة الفساد الذي يوجب الذم.
" الا أن قالوا انا كنا ظالمين " يعني اعترافهم بذلك على نفوسهم واقرارهم به، وكان هذا القول منهم عند معاينة البأس واليقين بأنه نازل بهم، ويجوز ان يكون قالوه حين لابسهم طرف منه، لم يهلكوا منه، و (دعواهم) خبركان واسمها " ان قالوا " وهو بمعنى قولهم " وهما معرفتان يجوز ان يجعل كل واحدمنهما اسما والاخر خبرا، كما قال " ماكان حجتهم الا ان قالوا "(1) بالرفع، والنصب، وانما قدالخبر على الاسم، لان الثاني وقع موقع الايجاب، والاول موقع النفي، والنفي احق بالخبر.
والدعوى، والدعاء واحد. وفرق قوم بينهما بأن في الدعوى اشتراكا
---
(1) سورة 45 الجاثية آية 24

(4/347)


تفسير التبيان ج4
بين الدعاء والادعاء المال وغيره، واصله الطلب قال الشاعر: ولت ودعواها كثير صخبه(1) أي دعاؤها، ويجوز ان يقال: اللهم اشركنا في دعوى المسلمين يريد دعاء المسلمين حكاه سيبويه، قال الشاعر:
وان مذلت رجلي دعوتك اشتفي
بدعواك من مذل بها فيهون(2)
معنى مذلت اي خدرت.
قوله تعالى: فلنسئلنّ الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين(6) فلنقصنّ عليهم بعلم وما كنا غائبين(7)
آيتان بلاخلاف.
الفاء في قوله " فلنسئلن الذين " عطف جملة على جملة، وقد يكون لهذا، وقديكون لعطف مفرد على مفرد، وقد يكون للجواب. وانما دخلت الفاء وهي موجبة للتعقيب مع تراخي مابين الاول والثاني، وذلك يليق ب (ثم) لتقريب مابينهما، كما قال " اقتربت الساعة "(3) وقال " وماأمر الساعة الاكلمح البصر او هو أقرب "(4) وقال " اولم ير الانسان اناخلقناه من نطفة فاذا هو خصيم "(5) وبينهما بعد.
والنون في قوله " فلنسألن " نون التأكيد يتلقى بها القسم، وانما بني
---
(1) اللسان . (دعا)، وروايته " قالت " بدل .
(ولت) وفى رواية أخرى . (ولت ودعواها شديد صخبه).
(2) ديوانه 2 / 245 واللسان .
(مذل) وتفسير الطبري 12 / 304 ونهاية الارب 2 / 125.
وكانوا يدعون ان الانسان اذا خدرت رجله ودعا باسم من يحب زال الخدر.
(3) سورة 54 القمر آية 1.
(4) سورة 16 النحل آية 77.
(5) سورة 36 يس آية 77.

(4/348)


تفسير التبيان ج4
المضارع مع نون التأكيد، لانه انما دخلت عليه طلبا للتصديق، كما ان الامر طلب للفعل فأدخلت عليه نون التأكيد وتثبت مع الفعل، لان هذه الزيادة التي لاتكون للاسم باعدته كماباعدت الالف واللام مالاينصرف من الفعل، فانصرف.
أقسم الله تعالى في هذه الاية انه يسأل المكلفين الذين ارسل اليهم رسله واقسم أيضا انه ليسأل الصادقين المرسلين الذين بعثهم، فيسأل هؤلاء عن الابلاغ ويسأل اولئك عن الامتثال، وهو تعالى وان كان عالما بماكان منهم، فانما أخرجه مخرج التهديد والزجر ليتأهب العباد ويحسنوا الاستعداد لذلك السؤال. وحقيقة السؤال طلب الجواب بأداته في الكلام، وحقيقة الاستخبار طلب الخبر بأداته في الكلام.
وقوله " فلنقصن عليهم بعلم " قسم آخر، واخبار منه تعالى انه يقص عليهم بما عملوه فانه علم جميع ذلك. وانماذكره بنون الجمع لاحد أمرين: احدها - ان هذا على كلام العظماء من الملوك لان أفعالهم تضاف إلى أوليائهم. والثاني - ان الملائكة تقص عليهم بأمر الله.
وقال ابن عباس نقص عليه بمانجده في كتاب عمله.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: (ان الله يسأل كل احد بكلامه له ليس بينه وبينه ترجمان) والقص مايتلو بعضه بعضا. ومنه المقص، لان قطعه يتلو بعضه بعضا، ومنه القصة من الشعر، والقصة من الكتاب، ومنه القصاص لانه يتلو الجناية في الاستحقاق، ومنه المقاصة في الحق، لانه يسقط ماله قصاصا بماعليه. وانما دخلت نون التأكيد مع لام القسم في المضارع دون الماضي، لانها تؤذن بطلب الفعل الذي تدخل فيه نحو (لاكرمن زيدا) فان فيه طلب الاكرام بأداته، فالتصديق بالقسم، ولهذا ألزمت النون في طلب الفعل من جهتين، وفتحت هذه النون ماقبلها في جمع المتكلم، ولم تفتحه في

(4/349)


تفسير التبيان ج4
الغائب، لان الضمة يجب ان تبقى لتدل على الواو المحذوفة في (ليقصن) بالياء وليس كذلك المتكلم، لانه لا واوفيه.
ومعنى قوله " بعلم " قيل فيه وجهان: احدهما بأنا عالمون، والاخر بمعلوم، كماقال " ولايحيطون بشئ من علمه "(1) أي من معلومه، ووجه المسألة له والقصص عليهم أنه سؤال توبيخ وتقريع للضالين، وسؤال تذكير وتنبيه للمؤمنين، فبمقدار مايغتم أولئك يسر هؤلاء. ثم يسأل الرسل لان من الامم من يجحد، فيقول ماجاء نا من بشير ولانذير، ومنهم من يقول: والله ربنا ماكنا مشركين.
فان قيل كيف يجمع بين قوله " ولايسأل عن ذنوبهم المجرمون "(2) وقوله " فلنسألن الذين ارسل اليهم "؟ قلنافيه قولان: احدهما - انه نفى ان يسألهم سؤال استرشاد واستعلام وانما يسألهم سؤال توبيخ وتبكيت. الثاني - تنقطع المسألة عند حصولهم في العقوبة، كماقال " فيومئذ لايسأل عن ذنبه انس ولاجان "(3) وقال في موضع آخر " وقفوهم انهم مسئولون "(4) والوجه ماقلناه انه يسألهم سؤال توبيخ قبل دخولهم في النار فاذا دخلوها انقطع سؤالهم.
والسؤال في اللغة على اربعة اقسام: احدها - سؤال استرشاد واستعلام، كقولك؟ اين زيد؟، ومن عندك؟ وهذا لايجوز عليه تعالى. والثاني - سؤال توبيخ وتقريع، وهو خبر في المعنى، كقولك ألم احسن اليك فكفرت نعمتني؟ ألم اعطيك فجحدك عطيتي؟ !. ومنه قوله تعالى " ألم اعهد اليكم "(5) وقوله " ألم يأتكم رسل "(6) وقوله " ألم تكن آياتي تتلى عليكم "(7) وقال الشاعر:
ألستم خير من ركب المطايا
واندى العالمين بطون راح(8)
ولوكان سائلا لماكان مادحا، وقال العجاج: * اطربا وانت قنسري *(9)
---
(1) سورة 2 البقرة آية 256.
(2) سورة 28 القصص آية 78.
(3) سورة 55 الرحمن آية 9.
(4) سورة 37 الصفافات آية 24.
(5) سورة 36 يس آية 60.
(6) سورة الانعام آية 130 وسورة 39 الزمر آية 71
(7) سورة 23 المؤمنون آية 106.
(8) قائله حسان وقد مر في 1 / 61، 132، 400 و 2 / 327 وسيأتي في 5 / 319.
(9) اللسان . (قنسر)..

(4/350)


تفسير التبيان ج4
معنى قنسري كبير السن، وهذا توبيخ لنفسه أي كيف اطرب مع الكبر والشيب.
الثالث - سؤال التحضيض وفيه معنى (ألا) كقولك: هلا تقوم، وألا تضرب زيدا أي قم واضرب زيدا.
والرابع - سؤال تقرير بالعجز والجهل، كقولك للرجل: هل تعلم الغيب؟ وهل تعرف مايكون غدا؟ وهل تقدر ان تمشي على الماء؟ وكماقال الشاعر: * وهل يصلح العطار ماأفسد الدهر *
المعنى وليس يصلح العطار ماأفسد الدهر، فاذا ثبت ذلك فقوله " فيومئذ لايسأل عن ذنبه انس ولاجان "(1) وقوله " ولايسأل عن ذنوبهم المجرمون "(2) المراد به لايسألون سؤال استعلام واستخبار ليعلم ذلك من قولهم، لانه تعالى عالم بأعمالهم قبل خلقهم.
واما قوله " فنسألن الذي ارسل اليهم ولنسألن المرسلين " وقوله " فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون "(3) فهو مسألة توبيخ وتقريع، كقوله " ألم أعهد اليكم "(4). وسؤاله للمرسلين ليس بتوبيخ ولاتقريع لكنه توبيخ للكفار وتقريع لهم أيضا. واما قوله " فلا انساب بينهم يؤمئذ ولا يتسائلون "(5) فمعناه سؤال
---
(1) سورة 55 الرحمن آية 39.
(2) سورة 28 القصص آية 78.
(3) سورة 15 الحجر آية 92.
(4) سورة 36 يس آية 60.
(5) سورة 23 المؤمنون آية 102.

(4/351)


تفسير التبيان ج4
تعاطي واستخبار عن الحال التي جهلها بعضهم لتشاغلهم عن ذلك، كما قال " لكل امرئ منهم يومنذ شأن يغنيه "(1) وقوله " واقبل بعضهم على بعض يتسألون "(2) فهوسؤال توبيخ وتقريع وتلاوم، كماقال " واقبل بعضهم على بعض يتلاومون "(3) وكقوله " انحن صددناكم عن الهدى بعداذ جاء كم "(4) وقوله " ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفافي النار "(5) وهذاكثير في القرآن، وليس في شئ من ذلك تضاد بين المسألتين، ولاتنافي بين الخبرين بل اثبات لسؤال عن شئ آخر ومثله قول الشاعر:
فأصبحت والليل لي ملبس
واصبحت الارض بحراطما
فقوله: واصبحت والليل لي ملبس لم يرد به الصبح، لانه لو أراد لما نفاه ب (والليل لي ملبس) وانما أراد اصبحت بمعنى اشعلت المصباح وهو السراج أي اسرجت في ظلمة الليل، فلم يكن خبراه متضادين.
وقوله " وماكنا غائبين " فالغائب البعيد عن حضرة الشئ، ومعناه في الاية انه لايخفى عليه شئ وذلك يدل على انه ليس بجسم، لانه لوكان جسما على العرش على مايذهب اليه المجسمة لكان غائبا عما في الارضين السفلى، لان من كان دون هذا بكثير فهو غائب عنا.
قوله تعالى: والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فاولئك هم المفلحون(8) ومن خفت موازينه فاولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون(9)
آيتان
---
(1) سورة 80 عبس آية 37.
(2) سورة 37 الصافات آية 27، 50 وسورة 52 الطور آية 25.
(3) سورة 68 القلم آية 30.
(4) سورة 34 سبأ آية 32.
(5) سورة 38 ص آية 61

(4/352)


تفسير التبيان ج4
ارتفع قوله " والوزن " بالابتداء، وخبره (الحق)، وهو الوجه المختار.
وقال الفراء: يجوز ان يكون خبره (يومئذ) وينصب (الحق) على المصدر. وتقديره والوزن يومئذ - يعني في يوم القيامة - حقا، فينصب الحق وان كان فيه الالف واللام، كما قال " فالحق والحق أقول "(1) والوزن في اللغة هو مقابلة أحد الشيئين بالاخر حتى يظهر مقداره، وقداستعمل في غير ذلك تشبيهابه، منها وزن الشعر بالعروض، ومنها قولهم: فلان يزن كلامه وزنا قال الاخطل:
واذا وضعت أباك في ميزانهم
رجحواوشال أبوك في الميزان
وقيل في معنى الوزن في الاية أربعة أقوال: قال الحسن: موازين الاخرة لها كفتان فالحسنات والسيئات توضعان فيهما وتوزنان. ثم اختلفوا، فقال بعضهم: انما توضع صحائف الاعمال فتوزن، وهو قول عبدالله بن عمر.
وقال ابوعلي: انما تتفضل كفة الحسنات من كفة السيئات بعلامة يراها الناس يومئذ، وذهب عبيد بن عمير إلى انه يوزن الانسان فيؤتى بالرجل العظيم الجثة، فلايزن جناح بعوضة.
وقال مجاهد: الوزن عبارة عن العدل في الاخرة وانه لاظلم فيها على أحد، وهو قول البلخي وهو أحسن الوجوه، وبعده قول الجبائي. ووجه حسن ذلك - وان كان الله تعالى عالما بمقادير المستحقات - مافيه من المصلحة في دار التكليف وحصول الترهيب به والتخويف.
وقوله " يومئذ " يجوز في (يومئذ) الاعراب والبناء، لان اضافته إلى مبني اضافة غير محضة تقربه من الاسماء المركبة، واضافته إلى الجملة تقربه من الاضافة الحقيقة. ونون يومئذ لانه قد قطع عن الاضافة اذ شأن التنوين ان يعاقبها، وقد قطع (اذ) في هذا الموضع عنها. و (الحق) وضع الشئ موضعه على وجه تقتضيه الحكمة. وقد
---
(1) سورة 38 ص آية 84.

(4/353)


تفسير التبيان ج4
استعمل مصدرا على هذا المعنى وصفة، كماجرى ذلك في العدل، قال الله تعالى " ذلك بأن الله هوالحق "(1) فجرى على طريق الوصف.
وقوله " فمن ثقلت موازينه " فالثقل عبارة عن الاعتماد اللازم سفلا ونقيضه الخفة، وهي اعتماد لازم علوا، ومثلت الاعمال بهما لماذكر من المقارنة. والمعنى ان من كانت طاعاته أكثر، فهو من الفائزين بثواب الله. ومن قلت طاعاته " فأولئك الذين خسروا أنفسهم " بأن استحقوا عذاب الابد جزاء على ماكانوا يظلمون أنفسهم بجحود آياتنا وجحتنا.
وقوله " موازينه " فالموازين جمع ميزان، وأصله من الواو، وقلبت ياء لسكونها وانكسار ماقبلها. ولم يقلب في (خوان) لتحركها وأنها لم تجر على فعل لها. والخسران ذهاب رأس المال، ومن اعظم رأس المال النفس، فاذا أهلك نفسه بسوء عمله، فقد خسر نفسه. وظلمهم بآيات الله مثل كفرهم بها وجحدهم اياها.
قوله تعالى: ولقد مكّنّاكم في الارض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون(10)
آية بلاخلاف.
روى خارجة عن نافع همز (معايش) وروي ذلك عن الاعمش، وعبدالرحمن الاعرج. الباقون غير مهموز.
وعند جميع النحويين أن (معايش) لايهمز، ومتى همز كان لحنا، لان الياء فيها اصلية، لانه من عاش يعيش، ولم يعرض فيها علة كماعرض في (اوائل) وهي في مدينة) زائدة علة لاتدخلها الحركة كمالاتدخل الالف، ومثله (مسألة، ومسائل، ومنارة ومنائر، ومقام ومقاوم) قال الشاعر:
واني لقوام مقاوم لم يكن
جرير ولامولى جرير يقومها
---
(1) سورة 22 الحج آية 6، 62 وسورة 31 لقمان آية 30.

(4/354)


تفسير التبيان ج4
ووزنه (مفعلة) مثل مسورة ومساور، ومن همزها اعتقدها (فعلية) على وزن (صحيفة) فجمعهاعلى (فعائل) مثل (صحائف) وذلك غلط، لان الياء أصلها لقولهم عاش يعيش عيشا ومعيشة.
قال ابوعلي من همز (مدائن) لم يجعله (مفعلة) ولكنه (فعيلة) بدلالة قولهم: مدني، ولايجوز ان يكون (مفعلة) من دان يدين، ومن أخذه من ذلك قال في الجمع مداين، بتصحيح الياء.
واعتل (معيشة) لانه على وزن (يعيش) وزيادتها تختص بالاسم دون الفعل، فلم يحتج إلى الفصل بين الاسم والفعل، كما احتيج اليه فيما كان زيادته مشتركة، نحو الهمزة في (أجاد) و (هو أجودمنك)، وموافقة الاسم لبناء الفعل توجب في الاسم الاعتلال، ألا ترى انهم أعلوا (بابا) و (دارا) لماكانا على وزن الفعل.
وصححوا نحو (حول) و (غيبة) و (لومة) لمالم تكن على مثال الفعل، ف (معيشة) موافقة للفعل في البناء، مثل (يعيش) في الزنة، وتكسيرها يزيل مشابهتها في البناء، فقد علمت بذلك زوال المعنى الموجب للاعلال في الواحد وفى الجمع، فلزم التصحيح في التكسير لزوال المشابهة في اللفظ، لان التكسير معنى لايكون في الفعل، وانما يختص الاسم به، فاذا زالت مشابهة الفعل وجب تصحيحه.
ومن همز (مصايب) فانه غلط، كما غلط من همز (معايش) ومثله جاء في جمع (مسيل) أمسلة، جاء ذلك في الشعر لبني هذيل، فتوهموه (فعيلة) وانماهو (مفعلة) وحكى يعقوب: مسيل وميسل، فالميم على هذا فاء ومسيل (فعيل)، وعلى الاول (مفعل) من سال.
قال الزجاج: من همز (مصايب) جعل الهمزة بدلا من الواو، كما قالوا: أقب في (وقب) وهذا ان وقع في أول الكلام. وقد قالوا في (أدور) أدأر، فهمزوه، فجاز على هذا ان يكونوا حملوا المكسورة على المضمومة. ويقال: عاش فلان بمعنى حيي، وطيب العيش طيب الحياة، فلهذا كانت المعيشة مضمنة بالحياة.

(4/355)


تفسير التبيان ج4
وحد المعيشة الرماني: بأنها وصلة من جهة مكسب المطعم والمشرب والملبس إلى مافيه الحياة.
اخبر الله تعالى على وجه الامتنان على خلقه بأصناف نعمه انه مكن عباده في الارض بمعنى مكنهم من التصرف فيها، والتمكين اعطاء مايصح معه الفعل مع ارتفاع المنع، لان الفعل كما يحتاج إلى القدرة فقديحتاج إلى آلة والى سبب، كما يحتاج إلى رفع المنع، فالتمكين عبارة عن حصول جميع ذلك. والارض هذه الارض المعروفة، وفى الاصل عبارة عن قراريمكن أن يتصرف عليه الحيوان، فعلى هذا لو خلق مثلها، لكانت أرضا حقيقة.
وقوله " وجعلنالكم فيها معايش " فالجعل وجود مابه يكون الشئ على خلاف ماكان، مثل ان تقول جعلت الساكن متحركا، لانك فعلت فيه الحركة، ونظيره التصيير والعمل،. وجعل الشئ أعم من حدوثه، لانه قد يكون بحدوث غيره فيه ممايتغير به.
وقوله " قليلا ماتشكرون " نصب قليلا ب (تشكرون)، وتقديره تشكرون قليلا. و (ما) زائدة. ويحتمل ان تكون مع مابعدها بمنزلة المصدر، وتقديره قليلا شكركم. والشكر هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم، والحمد مثله.
وقيل: الفرق بينهما ان كل شكر حمد، وليس كل حمد شكرا، لان الانسان يحمد على احسانه إلى نفسه، ولايشكر عليه، كما انه يذم على اساء ته إلى نفسه، ولايجوز ان يكفر من اجل اساء ته إلى نفسه.
قوله تعالى: ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين(11)
آية بلاخلاف.
هذا خطاب من الله تعالى لخلقه بأنه خلقهم. والخلق هواحداث الشئ على تقدير تقتضيه الحكمة، لازيادة على ماتقتضيه، فيخرج إلى الاسراف،

(4/356)


تفسير التبيان ج4
ولاناقص عنه فيخرج إلى الاقتار. وقد استوفينا اختلاف الصور، والصورة بنية مقومة على هيئة ظاهرة.
وقوله " ثم قلنا للملائكة اسجدوا لادم " فالسجود هو وضع الجبهة على الارض واصله الانخفاض من قول الشاعر: ترى الاكم فيها سجدا للحوافر(1) وقيل في معنى السجود لادم قولان: احدهما - انه كان تكرمة لادم وعبادة لله، لان عبادة غير الله قبيحة لايامر الله بها. وعند اصحابنا كان ذلك دلالة على تفصيل آدم على الملائكة على مابينا في سورة البقرة.(2)
وقال أبوعلي الجبائي: امروا ان يجعلوه قبلة، وأنكر ذلك أبوبكر بن أحمدبن علي الاخشاد بأن قال: هو تكرمة. لان الله تعالى امتن به على عباده، وذكرهم بالنعمة فيه. فان قيل كيف قال " ثم قلنا للملائكة " مع أن القول للملائكة كان قبل خلقنا وتصويرنا؟
قلنا عن ذلك ثلاثة أجوبة: احدها - قال الحسن وابوعلي الجبائي: المراد به خلقنا اياكم ثم صورنا اياكم. ثم قلنا للملائكة، وهذا كما يذكر المخاطب ويراد به أسلافه، وذكرنا لذلك نظائر فيما مضى، منها قوله " واذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور "(3) أي ميثاق اسلافكم. قال الزجاج المعنى ابتدأنا خلقكم بأن خلقنا آدم، ثم صورناه، ثم قلنا.
الثاني - قال ابن عباس ومجاهد والربيع وقتادة والضحاك والسدي: ان المعنى خلقناآدم ثم صورناكم في ظهره. ثم قلنا للملائكة.
الثالث - خلقناكم ثم صورناكم ثم إنا نخبركم أنا قلنا للملائكة، كما تقول: اني راحل ثم اني معجل. وقال الاخفش (ثم) ههنابمعنى الواو، كما
---
(1) مرفي 1 / 263.
(2) المجلد الاول صفحة 139.
(3) سورة 2 البقرة آية 63، 93

(4/357)


تفسير التبيان ج4
قال " ثم الله شهيد على ماتعملون " ومثله قوله " ثم كان من الذين آمنوا "(1) على قول بعض المتأخرين معناه وكان من الذين آمنوا، ومثله " استغفروا ربكم ثم توبوا اليه "(2) على بعض الاقوال معناه وتوبوا اليه، قال الزجاج هذا خطأ عند جميع النحويين.
وقال الشاعر:
سألت ربيعة من خيرها
اباثم اما فقالوا له(3)
معناه سألت اولا عن الاب ثم الام.
وقال بعضهم: معناه خلقناكم في ظهور آبائكم ثم صورناكم في بطون امهاتكم.
وقال قوم: في الاية تقديم وتأخير، وتقديره خلقناكم بمعنى خلقنا أباكم أي قدرناكم. ثم قلنا للملائكة اسجدوا. ثم صورناكم.
قوله تعالى: قال مامنعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين(12)
آية بلاخلاف.
هذا حكاية لماكان من خطاب الله لابليس حين امتنع من السجود لادم، انه قال له " مامنعك " بمعنى اي شئ منعك " ان لاتسجد " وفيه ثلاثة أقوال: احدها - ان تكون (لا) صلة مؤكدة، كماقال " لئلا يعلم اهل الكتاب "(4) ومعناه ليعلم، كقوله " لا أقسم بيوم القيامة " وكقوله " فلا أقسم بمواقع النجوم " وكماقال الشاعر:
أبى جوده لاالبخل واستعجلت به
نعم من فتى لايمنع الجود قاتله(5)
معناه أبى جوده البخل، وروى أبوعمروبن العلا: أبى جوده لا البخل
---
(1) سورة 90 البلد آية 17.
(2) سورة 11 هود آية 3، 52، 90.
(3) تفسير الطبري 12: 322.
(4) سورة 57 الحديد آية 29.
(5) اللسان . (نعم) وتفسير الطبري 21 / 224 وأمالي ابن الشجرى 2 / 228، 221 وشرح شواهد المغني 217. وقد روي . (فاعله) بدل . (قاتله) وروي أيضا " قائله ".

(4/358)


تفسير التبيان ج4
بالجر، كأنه قال ابى جوده كلمة البخل، ورواه كذا عن العرب.
وقال الزجاج: فيه وجه ثالث لاالبخل على النصب بدلا من (لا) كأنه قال ابى جوده ان يقول (لا) فقال نعم. وهي حكاية في كل هذا.
الثاني - انه دخله معنى مادعاك ان لاتسجد.
الثالث - معنى " ألاتسجد " ماالحال ان لاتسجد أو ماأحوجك.
وقال الفراء لماتقدم الجحد في اول الكلام أكدبهذا، كماقال الشاعر:
ماان رأينا مثلهن لمعشر
سود الرؤوس فوالج وفيول(1)
ف (ما) للنفي وان) للنفي فجمع بينهما تأكيدا.
فان قيل كيف قال " مامنعك " ولم يكن ممنوعا؟ ! قلنا: لان الصارف عن الشئ بمنزلة المانع منه، كما ان الداعي اليه بمنزلة الحامل عليه.
وقوله " أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين " حكاية لجواب ابليس حين ذمه تعالى على الامتناع من السجود، فأجاب بماقال، وهذا الجواب غير مطابق لانه كان يجب أن يقول معنى كذا، لان قوله " أناخير منه " جواب لمن يقول أيكما خير، ولكن فيه معنى الجواب، ويجري ذلك مجرى أن يقول القائل لغيره: كيف كنت، فيقول أناصالح، وكان يجب أن يقول كنت صالحا لكنه جاز ذلك، لانه أفاد انه صالح في الحال مع ماكان صالحا فيما مضى. ووجه دخول الشبهة عليه في أنه خلقه من نار وخلق آدم من طين أنه ظن أن النار اذاكانت أشرف لم يجز أن يسجد الاشرف للادون، وهذا خطأ، لان ذلك تابع لما يعلم الله من مصالح العباد، ومايتعلق به من اللطف لهم، ولم يكن ذلك استخفافا بهم بالاعمال.
---
(1) معاني القرآن 1 / 176، 374 وتفسير الطبري 12 / 325.
(الفوالج) جمع . (فالج) وهو الجمل ذو سنامين. و . (الفيول) جمع . (فيل).
وكانت هذه الجمال تجلب من السند، وهي البلاد التي فيها الفيلة.

(4/359)


تفسير التبيان ج4
وقد قال الجبائي: إن الطين خير من النار، لانها أكثر منفعة للخلق من حيث أن الارض مستقر الخلق وفيها معايشهم، ومنها تخرج أنواع أرزاقهم لان الخيرية في الارض أو النار، إنما يراد بهما كثرة المنافع، دون كثرة الثواب، لان الثواب لايكون إلا للمكلف المأمور، وهذان جمادان. وعلى مايذهب اليه أصحابناأن ذلك يدل على تفضيل آدم على الملائكة وكان ذلك مستحقا، فلذلك أسجدالله الملائكة له.
فإن قيل: لم اعترض إبليس على الله مع علمه أنه لايفعل إلا الحكمة؟ قلنا عنه جوابان: أحدهما - أنه اعترض كمايعترض السفيه على الحكيم الحليم في تدبيره من غير فكر في العاقبة. والثاني - أن يكون جهل هذا بشبهة دخلت عليه. وعلى مانذهب اليه من أنه لم يكن عرف الله قط سقطت الشبهة.
واستدل أيضا بهذه الاية على أن الجواهر متماثلة بأن قيل: لاشئ أبعد إلى الحيوان من الجماد، فاذاجاز أن ينقلب الطين حيوانا وإنسانا جاز أن ينقلب إلى كل حال من أحوال الجواهر، لانه لافرق بينهما في العقل.
واستدل أيضا بهذه الاية على أن الامر من الله يقتضي الايجاب بأن الله تعالى ذم إبليس على امتناعه من السجود حين أمره، فلوكان الامر يقتضي الندب لما استحق العيب بالمخالفة وترك الامتثال، والامر بخلاف ذلك في الاية.
قوله تعالى: قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين(13)
آية
قوله " قال فاهبط منها " حكاية لقول الله تعالى لابليس وأمره إياه أن

(4/360)


تفسير التبيان ج4
يهبط منها، ومابعد القول وإن كان استئنافا والفاء لايستأنف بها وانمايكون كذلك، لان ماقيل له بعدجوابه الذي أجاب به، فهو حكاية ماكان من الكلام له الثاني بعد الاول. والهبوط والنزول واحد. وفرق بينهما بأن النزول يقتضي تنزله إلى جهة السفل بمنزلة بعد منزلة، وليس كذلك الهبوط، لانه كالانحدار في المرور إلى جهة السفل، وكأن الانحدار دفعة واحدة، كما قال الشاعر:
كل بني حرة مصيرهم
قل وإن أكثروا من العدد
إن يغبطوا يهبطواوإن
أمروا يوما فهم للفناء والفند(1)
وقيل في الضمير الذي في قوله " منها " قولان: احدهما - قال الحسن: إنه كناية عن السماء، لانه كان في السماء فاهبط منها. الثاني - قال أبوعلي: كناية عن الجنة.
فان قيل من أين علم ابليس أن الله تعالى قال له هذا القول؟ قلنا عنه جوابان: أحدهما - قال أبوعلي: إنه قال له على لسان بعض الملائكة. الثاني - أنه رأى معجزة تدله على ذلك.
وقوله " فمايكون لك أن تتكبر فيها " معناه ليس لك أن تتكبر فيها، والتكبر إظهاركبر النفس على جميع الاشياء، فهو في صفة العبادذم، وفي صفة الله مدح، كماقال تعالى " الجبار المتكبر "(2) فالجبار القاهر لجميع الاشياء. والمتكبر الدال بذاته على أنه أكبر من جميع الاشياء.
وقوله " فاخرج إنك من الصاغرين " أمر من الله لابليس بالخروج، لانه من الصاغرين. والصاغر هو الذليل بصغر القدر، صغر يصغر صغرا وصغارا، وتصاغرت اليه نفسه ذلا ومهانة، والاصل الصغر.
---
(1) قائلة لبيد وقد مر في 1 / 73.
(2) سورة 59 الحشر آية 23.

(4/361)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: قال أنظرني إلى يوم يبعثون(14) قال إنك من المنظرين(15)
آيتان.
في الاية الاولى حكاية عن إبليس أنه سأل الله تعالى أن ينظره.
والانظار الامهال إلى مدة فيها النظر في الامر طال أمر قصر.
والانظار والامهال والتأخير والتأجيل نظائر في اللغة، وبينها فرق.
وضد الامهال الاعجال.
وأصل الانظار المقابلة، وهي المناظرة.
و (الجبلان يتناظران) أي يتقابلان، ونظر اليه بعينه أى قابله لينظر له ونظر اليه بيده، ليظهر له حال في اللين والخشونة أو الحرارة والبرودة.
وقوله " إلى يوم يبعثون " مدة للانظار الذي طلبه.
والبعث الاطلاق في الامر، والانبعاث الانطلاق.
والبعث والحشر والنشر والجمع نظائر.
ويجوز في " يوم يبعثون " ثلاثة أوجه من العربية: بالجر وترك التنوين على الاضافة، والجر مع التنوين على الصفة. والفتح وترك التنوين على البناء. وليس بالوجه، لان الفعل معرب.
والوجه في مسألة إبليس الانظار - مع علمه أنه مطرود ملعون مسخوط عليه - علمه بأن الله يظاهر إلى عباده بالاحسان، ويعمهم بفضله وإنعامه، فلم يصرف ارتكابه المعصية وإصراره على الخطيئة عن المسألة طامعا في الاجابة، وعن انس من بلوغ المحبة.
وقيل في قوله " قال إنك من المنظرين " هل فيه إجابة إلى ماالتمسه أم لا؟ فقال السدي وغيره: إنه لم يجبه " إلى يوم يبعثون " لانه يوم القيامة، وهو يوم بعث لايوم موت، ولكن انظر إلى يوم الوقت المعلوم، كما ذكره في سورة اخرى(1). ويقوي ذلك قوله " إنك من المنظرين " وليس لاحد أن ينظر أحدا إلى يوم القيامة على هذا المعنى.
---
(1) سورة 38 ص آية 79 - 81.

(4/362)


تفسير التبيان ج4
الثاني - أنه سأل تأخير الجزاء بالعقوبة إلى يوم يبعثون. لما خاف من تعجيل العقوبة، فأنظر على هذا.
وقال قوم: انظر إلى يوم القيامة، والاقوى الوجه الثاني، لانه لايجوز أن يعلم الله أحدا من المكلفين الذين ليسوا بمعصومين أنه يبقيهم إلى وقت معين، لانه في ذلك إغراء له بالقبح من حيث أنه يعلم انه باق إلى ذلك الوقت فيرتكب القبيح، فاذا قارب الوقت جدد التوبة فيسقط عنه العقاب. وهل يجوز اجابة دعاء الكافر أم لا؟ فيه خلاف: فذهب أبوعلي إلى أنه لايجوز، لمافي ذلك في التعظيم والتبجيل لمجاب الدعوة في مجرى العادة، ألا ترى أنه اذا قيل: فلان مجاب الدعوة دل ذلك على أنه صالح المؤمنين. وأجاز ذلك أبوبكر بن الاخشاد على وجه الاستصلاح. وكان يقول: بتفصيل ذلك بحسب الوجه الذي يقع عليه.
وكسرت " إن " لانها حكاية بعدالقول، وهي تكسر في هذا الموضع، وفي الابتداء بها، واذا كان في خبرها لام التأكيد. وانما عملت (إن) لشبهها بالفعل الماضي من حيث كانت على ثلاثة أحرف مفتوحة الاخر، فهي بمنزلة (كان) إلا أنه خولف بعملها لانها حرف.
قوله تعالى: قال فبما أغويتني لاقعدنّ لهم صراطك المستقيم(16) ثم لآتينّهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولاتجد أكثرهم شاكرين(17)
آيتان بلاخلاف.
قوله " قال فبما " حكاية عن قول إبليس، لمالعنه الله، وطرده وحكى سؤاله الانظار، واجابة الله تعالى إلى شئ منه، قال حينئذ " فبما أغويتني " أي فبالذي أغويتني.

(4/363)


تفسير التبيان ج4
وقيل في معنى هذه الباء ثلاثة أقوال: احدهما - اني مع اغوائك إياي كما تقول بقيامك تناول هذا أي مع قيامك.
الثاني - معناه اللام، والتقدير فلاغوائك إياي.
الثالث - أنها بمعنى القسم كقولك بالله لافعلن.
وقيل في معنى اغويتني ثلاثة أقوال: أحدها - قال أبوعلي والبلخي: معناه بما خيبتني من جنتك، كما قال الشاعر:
فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره
ومن يعولا يعدم على الغي لائما(1)
أي من يخب، وقال قوم: يجوز أن يكون أراد إنك امتحنتني بالسجود، لادم فغويت عنده، فقال (أغويتني) كماقال " فزادتهم رجسا إلى رجسهم "(2).
الثاني - قال ابن عباس وابن زيد: معناه حكمت بغوايتي كقولك: أضللتني أي حكمت بضلالتي.
الثالث - أغويتني بمعنى أهلكتني بلعنك إياي، كماقال الشاعر:
معطفة الاثناء ليس فصيلها
برازئها درا ولاميت غوى(3)
أي ولاميت هلاكا بالقعود عن شرب اللبن.
ومنه قوله " فسوف يلقون غيا "(4) أي هلاكا.
ويقولون: غوى الفصيل اذا أنفذ اللبن فمات. والمصدر غوى مقصورا وقوله " لاقعدن لهم " جواب القسم. والقسم محذوف، لان غرضه بالكلام التأكيد، وهوضد قوله " ص والقرآن ذي الذكر "(5)
---
(1) مرهذا البيت في 2 / 312 وسيأتي في 5 / 548.
(2) سورة 9 التوبة آية 126.
(3) قائله . (مدرج الريح الجرمي) وأسمه . (عامر بن المجنون)، الشعر والشعراء: 713، والمعاني الكبير: 1047 والمخصص 7 / 41، 180 وتهذيب اصلاح المنطق 2 / 54 واللسان .
(غوى) وتفسير الطبري 12 / 333.
(4) سورة 19 مريم آية 59.
(5) سورة 38 ص آية 2.

(4/364)


تفسير التبيان ج4
فانه حذف الجواب، وهي القسم، لان الغرض تعظيم المقسم به. وقعوده على الصراط معناه أنه يقعد على طريق الحق ليصدعنه بالاغواء حتى يصرفه إلى طريق الباطل عداوة له وكيدا.
وقوله " صراطك " المستقيم " قيل في نصب (صراطك) أنه نصب على الحذف دون الظرف، وتقديره على صراطك، كما قيل ضرب زيد الظهر والبطن أي على الظهر والبطن قال الشاعر:
لدن بهز الكف يعسل متنه
فيه كما عسل الطريق الثعلب(1)
وقال آخر:
كأني اذا أسعى لاظفر طائرا
مع النجم في جو السماء يصوب(2)
أي لاظفرعلى طائر، وإغواء الله تعالى لابليس لم يكن سببا لضلاله، لانه تعالى علم أنه لولم يغوه لوقع منه مثل الضلال الذي وقع أبوأعظم، فأما قول من قال: إنه لوكان مايفعل به الايمان هو مايفعل به الكفر، لكان قوله " بما أغويتني " وبما أصلحتني بمعنى واحد، فكلام غير صحيح، لان صفة الالة التي يقع بها الايمان خلاف صفتها اذا وقع بها الكفر. وإن كانت واحدة كالسيف. ولا يجب من ذلك أن تكون صفتها واحدة من أجل أنها واحدة بل لايمتنع أنه متى استعمل آلة الايمان في الضلال سمي إغواء، وإن استعمل في الايمان سمي هداية، وإن كان مايصح به الايمان والكفر والضلال واحدا.
وقوله " ثم لاتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم " قيل في معناه ثلاثة أقوال: أحدها - قال ابن عباس وقتادة وابراهيم بن الحكم والسدي وابن
---
(1) قائله ساعدة بن جؤية الهذلي ديوانه 1 / 190 وسيبويه 1 / 16، 190 وخزانة الادب 1 / 474 وتفسير الطبري 12 / 337 وغيرها.
(2) تفسير الطبري 12 / 337.

(4/365)


تفسير التبيان ج4
جريج: من قبل دنياهم وآخرتهم. ومن جهة حسناتهم وسيئاتهم.
الثاني - قال مجاهد: من حيث يبصرون ومن حيث لايبصرون.
الثالث - قال البلخي وأبوعلي: من كل جهة يمكن الاحتيال عليهم بها.
وقال ابن عباس: ولم يقل من فوقهم، لان رحمة الله تنزل عليهم من فوقهم، ولم يقل من تحت أرجلهم، لان الاتيان منه موحش.
وقال أبوجعفر (ع) " ثم لاتينهم من بين أيديهم " معناه أهون عليهم أمر الاخرة، ومن خلفهم آمرهم بجمع الاموال والبخل بها عن الحقوق لتبقى لورثتهم " وعن أيمانهم " وأفسد عليهم أمر دينهم بتزيين الضلالة وتحسين الشبهة " وعن شمائلهم " بتجيب اللذات اليهم وتغليب الشهوات على قلوبهم.
وقال الزجاج: " من بين أيديهم " معناه أغوينهم حتى يكذبوا بالبعث والنشور، " ومن خلفهم " حتى يجحدوا ماكان من أخبار الامم الماضية والانبياء السالفة. وإنما دخلت (من) في الخلف والقدام، و (عن) في اليمين والشمال، لان في القدام والخلف معنى طلب النهاية، وفي اليمين والشمال الانحراف عن الجهة. ودخول (ثم) في الكلام: بيان أن هذا المعنى يكون بعد القعود في طريقهم.
وقوله " ولا تجد أكثرهم شاكرين " إخبار من إبليس أن الله لايجد أكثر خلقه شاكرين.
وقيل: يمكن أن يكون علم ذلك من أحد وجهين: أحدهما - قال أبوعلي: ذلك علمه من جهة الملائكة باخبار الله تعالى إياهم. الثاني - قال الحسن: يجوز أن يكون أخبر عن ظنه ذلك، كما قال تعالى " ولقد صدق عليهم أبليس ظنه " لانه لما أغوى آدم فاستزله، قال ذرية هذا أضعف منه، وظن أنهم سيجيبونه ويتابعونه.
قوله تعالى: قال اخرج منها مذءوما مدحورا لَمن تبعك منهم لأملانّ جهنم منكم أجمعين(18)
آية بلا خلاف.

(4/366)


تفسير التبيان ج4
حكي عن عاصم في الشواذ " لمن تبعك " بكسر اللام، ويكون خبره محذوفا وتقديره لمن تبعك النار، وليس بمعروف. هذا خبر من الله تعالى أنه " قال أخرج منها " يعني من الجنة " مذؤما " قال ابن عباس: معناه معيبا.
وقال ابن زيد: مذموما، يقال: ذأمه يذأمه ذأما وذامه يذيمه ذيما وذاما.
وقيل الذأم والذيم أشد العيب. ومثله اللوم قال الشاعر:
صحبتك إذ عيني عليها غشاوة
فلما انجلت قطعت نفسي أذيمها(1)
وأكثر الرواية ألومها.
وقوله " مدحورا " فالدحر الدفع على وجه الهوان والاذلال يقال: دحره يدحره دحرا ودحورا. وقيل الدحر الطرد - في قول مجاهد والسدي -.
وقوله " لمن تبعك منهم " جواب القسم، وحذف جواب الجزاء في " لمن تبعك " لان جواب القسم أولى بالذكر من حيث أنه في صدر الكلام، ولو كان في حشو الكلام، لكان الجزاء أحق منه، كقولك: إن تأتني والله أكرمك، ولايجوز أن تكون (من) ههنا بمعنى الذي، لانها لاتقلب الماضي إلى الاستقبال، ويجوز أن تقول: والله لمن جاء ك أضربه بمعنى لاضربه، ولم يجز بمعنى لاضربنه، كما يجوز والله أضرب زيدا بمعنى لاضرب ولايجوز بمعنى لاضربن، لان الايجاب لابد فيه من نون التأكيد مع اللام على قول الزجاج. وإنما قال " لاملان جهنم منكم " بلفظ الجمع وإن كان المخاطب واحدا على التغليب للخطاب على الغيبة، كما يغلب المذكر على المؤنث، وكما يغلب الاخف على الاثقل في قولهم: سنة العمرين، لان المفرد أخف من المضاف، لان المعنى لاملان جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين، كماذكره في موضع آخر.
وقوله " أجمعين " تأكيد لقوله " منكم " وهو وإن كان بلفظ الغائب أكد به المخاطب، لانه تابع للاول، فإن كان غائبا فهو غائب وإن كان مخاطبا،
---
(1) قائله . (الحارث بن خالد المخزومي) الاغاني .
(دار الثقافة) 3 / 313 وتفسير الطبري 1 / 265 و 12 / 343.

(4/367)


تفسير التبيان ج4
فهو مخاطب وإن كان متكلما، فهو متكلم كقولك: نحن منطلق أجمعون عامدون، لان الاتباع قد دل على ذلك.
قوله تعالى: وياآدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولاتقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين(19)
اية بلاخلاف.
في هذه الاية حكاية خطاب الله تعالى لادم وأمره إياه أن يسكن هو وزوجه حواء الجنة. واختلفوا في الجنة التي أسكن الله آدم فيها. فقال قوم: إنها جنة الخلد، لان الجنة اذا أطلقت معرفة بالالف واللام لايعقل منها في العرف إلا جنة الخلد، كما أن السموات والارض إذا أطلق لم يعقل منه إلا السموات المخصوصة دون سقف البيت.
وقوله " وزوجك " إنماجاء به على لفظ التذكير، لان الاضافة أغنت عن ذلك وأبانت عن المعنى، فكان الحذف أحسن، لانه أو جز يقال: لصاحب المنزل ساكن فيه، وإن كان يتحرك فيه أحيانا للتغليب، لان سكونه فيه أكثر، بجلوسه ونومه في ليله. وغير ذلك من أوقاته، وأباح الله تعالى لهما أن يأكلا من حيث شاء ا، وأين شاء ا ماشاء ا، ونهاهما على وجه الندب ألا تقربا هذه الشجرة. وعندنا إن ذلك لم يكن محرما عليهما بل نهاهما نهي تنزيه دون حظر وبالمخالفة فاتهما ثواب كثير، وإن لم يفعلا بذلك قبيحا، ولا أخلا بواجب. ومن خالفنا قال أخطأ في ذلك على خلاف بينهم بأن ذلك صغيرة أو كبيرة. ومن قال كانت صغيرة، منهم من قال: وقع ذلك منه سهوا ونسيانا. ومنهم من قال: وقع ذلك تأويلا من حيث نهي عن جنس الشجر، فحمله على شجرة بعينها، فأخطأ في التأويل.
وقد بينا فساد ذلك فيما مضى(1).
---
(1) في المجلد الاول ص 160 - 164.

(4/368)


تفسير التبيان ج4
وقوله " فتكونا من الظالمين " يحتمل أن يكون نصباعلى جواب النهي. والثاني - أن يكون جزما عطفا على النهي، فكأنه قال لا تقربا هذه الشجرة، ولاتكونا من الظالمين. ومعنى " الظالمين " على مذهبنا المرادبه الباخسين نفوسهم ثوابا كثيرا، والمفوتين نعيما عظيما. ومن قال: إنهما ارتكبا قبيحاقال: ظلما أنفسهما بارتكاب القبيح. وعلى مذهب من يقول بأن ذلك كانت صغيرة وقعت مكفرة لابد أن يحمل الظلم ههنا على نقصان الثواب الذي انحبط بمقارنة الصغيرة له، فأبو علي: ذهب إلى أن ذلك وقع منه نسيانا.
وقال البلخي وقع منه تأويلا، لانه نهي عن جنس الشجرة فتأوله على شجرة بعينها، وهذا خطأ، لان مايقطع سهواأو نسيانا لايحسن المؤاخدة به. وأما الخطأ في التأويل فقد زاد من قال ذلك قبيحاآخر. أحدهما ارتكاب المنهي. والثاني الخطأ في التأويل به.
الآية: 20 - 39
قوله تعالى: فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ماووري عنهما من سوآتهما وقال مانهيكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين(20)
آية بلاخلاف.
قرأ يحيى بن كثير ويعلى بن حكيم " إلا أن تكونا ملكين " بكسر اللام من قوله " هل أدلك على شجرة الخلد وملك لايبلى " الباقون بفتح اللام. أخبر الله تعالى أنه لما نهى آدم وزوجته عن أكل الشجرة وسوس لهما الشيطان. والوسوسة الدعاء إلى أمر بضرب خفي كالهمهمة والخشخشة.
قال رؤبة مراجعة:
وسوس يدعو مخلصا رب الفلق
سرا وقد أون تأوين العقق(1)
---
(1) ديوانه: 108 واللسان . (؟؟) وهومن ارجوزة يصف بها صائدا مختفيا يرتقب حمر الوحش.

(4/369)


تفسير التبيان ج4
وقال الاعشى:
تسمع للحلى وسواسا إذا انصرفت
كما استعان بريح عشرق زجل(1)
وقوله " ليبدي لهما " فالابداء الاظهار، وهوجعل الشئ على صفة مايصح أن يدرك، وضده الاخفاء وكل شئ أزيل عن الساتر فقد أبدي.
وقوله " ماووري " فالمواراة جعل الشئ وراء مايستره. ومثله المساترة، وضده المكاشفة، ولم يهمز، لان الثانية مدة، ولولا ذلك لوجب الهمز. وقيل للفرج سوأة، لانه يسوء صاحبه إظهاره، وكلما قبح إظهاره سوأة، والسوء من هذا المعنى. واذا بالغوا قالوا: السوأة السوآء، ولم يقصد آدم وحواء (عليهما السلام) بالتناول من الشجرة القبول من إبليس والطاعة له بل إنما قصدا عند دعائه شهوة نفوسهما، ولو قصدا القبول منه لكان ذلك قبيحالا محالة. وقال الحسن لو قصدا ذلك لكانا كافرين.
وفرق بين وسوس اليه ووسوس له مثل قولك ألقى اليه المعنى، ووسوس له معناه أوهمه النصيحة له. فان قيل كيف وصل إبليس إلى آدم وحواء حتى وسوس لهما؟ وهو خارج الجنة، وهما في الجنة، وهما في السماء وهو في الارض؟ قلنا: فيه أقوال.
أحدهما - قال الحسن: كان يوسوس من الارض إلى السماء وإلى الجنة فوصلت وسوسته بالقوة التي خلقها الله له.
الثاني - قال أبوعلي إنهما كانا يخرجان من السماء فبلغهما وهما هناك.
الثالث - قال أبوبكر بن الاخشيد إنه خاطبهما من باب الجنة وهما فيها.
وقوله " مانهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين " فيه قولان: أحدهما - أن فيه حذفا وتقديره إلا أن تكونا ملكين ولستما ملكين. ومعناه لئلا تكونا ملكين.
---
(1) ديوانه: 42 القصيدة 6.

(4/370)


تفسير التبيان ج4
الثاني - الاكراهة أن تكونا ملكين.
فإن قيل كيف يموه عليهما أن الاكل من الشجرة يوجب الانقلاب من صورة البشرية إلى صورة الملائكة أو يوجب الخلود في الجنة؟ ! قلنا: عن ذلك جوابان: احدهما - أنه أوهم أن ذلك في حكم الله في كل من أكل من تلك الشجرة. الثاني - أنه أراد إلا أن تكونا بمنزلة الملائكة في علو المنزلة.
واستدل جماعة من المعتزلة بهذه الاية على أن الملائكة أفضل من البشر، والانبياء منهم. وهذا ليس بشئ، لانه لم يجر ههنا ذكر لكثرة الثواب وأن الملائكة أكثر ثوابا من البشر بل كان قصد إبليس أن يقول لادم مانهاك الله عن أكل الشجرة إلا أن تكونا ملكين، فإن كنتما ملكين فقدنهاكما، وحيث لستما من الملائكة فما نهاكما الله عن أكلها، وتلخيص الكلام أن المنهي من أكل الشجرة هم الملائكة فقط، ومن ليس منهم فليس بمنهي، ولاتعلق لذلك بكثرة الثواب ولابقلته وعلى قول من كسر اللام لام متعلق في الاية ولاشبهة. والشجرة التي نهي عنهاآدم، قال قوم هي الكرمة، وقال آخرون هي السنبلة. وقيل فيه أقوال غيرهما ذكرناها في سورة البقرة(1).
قوله تعالى: وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين(21)
آية بلاخلاف.
المقاسمة لاتكون إلا بين اثنين، والقسم كان من ابليس لادم، لان آدم مقسم له. وانما قال وقاسمهما كما يقال: عاقبت اللص طارقت النبل وناولت الرحل وعافاه الله، وكذلك قاسمته، لان في جميع ذلك معنى المقابلة، كأنه قابله في المنازعة باليمين والمعاقبة مقابلة بالجزاء وكذلك المعافاة، وقال الهذلي:
وقاسمها بالله جهدا لانتم
ألذ من السلوى اذا ما نشورها(2)
---
(1) في تفسير آية 35 المجلد 1 / 158، 162.
(2) ديوان الهذليين 1 / 158 وتفسير الطبري 12 / 350

(4/371)


تفسير التبيان ج4
أي حالفها، وفي موضع آخر " قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه واهله "(1) أي تحالفوا - وسئل الحسن فقيل له: أليس الله خلق آدم ليكون خليفة في الارض قال: بلى، وقال وكان لابد له من ان يهبط الارض، قال: لا والله، ولكن لو هبط مطيعا لله كان خيرا له من ان يهبط عاصيا، ولم يعاتبه الله على الهبوط، وانما عاتبه على مخالفة الامر.
وأصل القسم القسمة، قال أعشى بني ثعلبة:
رضيعي لبان ثدي أم تقاسما
باسحم داج عوض لانتفرق(2)
والقسم تأكيد الخبر بطريقة والله، وبالله، وتالله. اخبر الله تعالى في هذه الاية ان ابليس حلف، لادم وحواء انه لهما ناصح في دعائهما إلى التناول من الشجرة ولذلك تأكدت الشبهة عندهما، وظنا ان أحدا لايقدم على اليمين بالله إلا صادقا، فكان ذلك داعيا لهما إلى تناول الشجرة.
ويجوز ان تقول: اني لك لناصح، ولايجوز ان تقول: أنا لك لناصح، لان لام الابتداء موضعها صدر الكلام لاتؤخر عنه الا في باب (ان) خاصة لئلا يجتمع حرفا تأكيد في موضع واحد، فيوهم اختلاف المعنى، لان الاصل في اجتماع الحرفين في موضع انه لاينوب احدهما عن الاخر، وتقدير الكلام، وقاسهما اني لكما ناصح، ثم فسر ذلك بقوله من الناصحين ليكون متعلقا بقوله لمن الناصحين فقدم الصلة على الموصول، ومثله قوله " واناعلى ذلكم من الشاهدين "(3) وتقديره وأنا على ذلكم شاهد، وبينه بقوله من الشاهدين.
---
(1) سورة النمل آية 49.
(2) ديوان: 150 واللسان . (عوض)، .
(سحم) وتفسير الطبري 12 / 350.
(3) سورة 21 الانبياء آية 56.

(4/372)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: فدليهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناديهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين(22)
اية بلاخلاف.
معنى قوله " فدلاهما " حطهما إلى الخطيئة بغرور، ومنه قولهم: فلان يتدلى إلى الشر، لان الشر سافل والخير عال.
وقيل: دلاهما من الجنة إلى الارض بغرور. الغرور إظهار النصح مع ابطان الغش، وأصله الغر: طي الثوب يقال: اطوه على غره أي على كسر طيه، وقال الشاعر:
كأن غر متنه اذ نجنبه
سير صناع في خريز تكلبه(1)
فالغرور بمنزلة الغر لما فيه من اظهار حال واخفاء حال، ومنه الغرر لخفاء مالا يؤمن فيه. والغر الذي لم يجرب الامور، لانها تخفى عليه. والغرة الاخذ على غفلة.
والغرارة الوعاء، لانها تخفي مافيها.
والاغر الابيض لظهور الثوب في غره، ومنه الغرة في الجبهة.
وقوله " فلماذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما " أي ظهرت عورتاهما، ولم يكن ذلك على وجه العقوبة، لان الانبياء لايستحقون العقوبة، وانما كان ذلك لتغير المصلحة، لانهما لماتناولا من الشجرة اقتضت المصلحة اخراجهما من الجنة ونزعهما لباسهما الذي كان عليهما، واهباطهما إلى الارض، تكليفهما فيها.
وقوله " وطفقا " قال ابن عباس: معنى طفق جعل يفعل، ومثله قولهم: ظل يفعل واخذ يفعل وابتدأ يفعل، فقديكون ذلك بأول الفعل قد يكون بالقصد إلى الفعل، ويقال: طفق يطفق وطفق يطفق طفقا.
وقوله " يخصفان عليهما من ورق الجنة " معناه يقطفان من ورق الجنة ليستترا به، ويحوزان بعضه إلى بعض، ومنه المخصف: المثقب الذي يخصف به النعل، والخصاف الذي يرفع النعل قال الشاعر:
---
(1) قائله . (دكين بن رجاء الفقيمي) اللسان .
(كلب) و " غرمتنه " ماتثنى من جلده و .
(سير صناع) أي سير متصنع به من كثر الخرز فيه.

(4/373)


تفسير التبيان ج4
واسعى للندى والثوب جرد
محاسرة وفى نعلي خصاف
يعني ترقيع، وقال الاعشى:
قالت أرى رجلا في كفه كتف
او يخصف النعل لهفي آية صنعا(1)
ومنه قول النبي صلى الله عليه وآله (خاصف النعل في الحجرة) يعني عليا (ع).
والاخصاف سرعة العدو، لانه يقطعه بسرعة.
والخصف ثياب غلاظ جدا، لانه يعسر قطعها لغلظها.
وكان الحسن يقرأ " يخصفان " بمعنى يختصفان.
وقوله " من ورق الجنة " قيل: انه من ورق التين. واصل الورق ورق الشجرة، ومنه الورق اسم الدراهم. والورقة سواد في غبرة كأنه كلون الورق الذي بهذه الصفة، وحمامة ورقاء. وفي ذلك دلالة على ان ستر العورة كان واجبا في ذلك الوقت.
وقوله " " وناداهما ربهما ألم انهكما عن تلكما الشجرة " حكاية عما قال الله تعالى لادم وحواء - بعد ان بدت سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الشجر - أليس كنت نهيتكما عن تلكما الشجرة، وانما قال " تلكما " لانه خاطب اثنين واشار إلى الشجرة، فلذلك قال (تلكما) و " أقل لكما " عطف على " أنهكما " فلذلك جزمه " ان الشيطان لكما عدو مبين " يعني ظاهر العداوة. وقد بينا ان آدم لم يرتكب قبيحا وان ماتوجه اليه بصورة النهي كان المراد به ضربا من الكراهة دون الحظر، وانما قلنا ذلك لقيام الدلالة على عصمتهما من سائر القبائح صغائرها وكبائرها، فعلى هذا لايحتاج ان نقول: انهما تأولا فأخطئا، على ماقال البلخي والرماني، أو وقع منهما سهواعلى ماقاله الجبائي.
قوله تعالى: قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين(23)
آية بلاخلاف.
---
(1) ديوانه: 83 القصيدة 13.

(4/374)


تفسير التبيان ج4
في هذه الاية حكاية عما قال آدم وحواء (ع) لما عاتبهما الله ووبخهما على ارتكابهما مانها هما عنه، واخبار عن اعترافهما على أنفسهما بأن قالا " ربنا ظلمنا أنفسنا " ومعناه بخسناها الثواب بترك المندوب اليه. والظلم هو النقص. وعلى مذهب من يقول انهما فعلا صغيرة لابد ان يحمل قوله " ظلمنا انفسنا " على تنقيص الثواب، لان عندهم ان الصغيرة انقصت ثواب طاعاتهم، فكان ذلك ظلما للنفس، فأما من يقول: ان الصغيرة تقع مكفرة من غير ان تنقص من ثواب فاعلها شئ، فلايتصور معنى لقوله " ظلمنا أنفسنا " ولا يثبت فيهما فائدة، لانهما لم يستحقا عقابا بلاخلاف.
وصفة ظالم مفارقة لقولنا: ظلمنا، لان الظالم اسم ذم في اكثر التعارف، وظلم قد يستعمل في غير المستحق للعقاب والذم، كما ان اسم (مؤمن) اسم مدح لمستحق الثواب، وآمن يؤمن بخلاف ذلك عند القائلين بالوعيد.
وقوله " وان لم تغفر لنا " معناه ان لم تستر علينا، لان الغفر هو الستر على مابيناه فيما مضى، وعلى مذهب من يقول: ان معصيتهم كانت صغيرة وقعت مكفرة لا معنى لقوله " وان لم تغفر لنا "، لان الغفران كائن لامحالة، ولايحسن المؤاخذة به.
وقوله " لنكونن من الخاسرين " المعنى ان لم تتفضل علينا بنعمك التي تتم بهاما فوتناه نفوسنا من الثواب بضروب تفضلك لنكونن من جملة من خسر، ولم يربح. والانسان يصح ان يظلم نفسه بأن يدخل عليها ضررا غير مستحق، ولايدفع عنها ضررا أعظم، ولايجتلب منفعة توفي عليه. ولايصح ان يكون معاقبا لنفسه، ويجوز ان يأمر الله تعالى المكلف ان يضر بنفسه، ولايحسن ان يأمره ان يعاقب نفسه، لان امر الحكيم يدل على الترغيب في الشئ، ولايجوز أن يرغبه في عقابه، كما لايجوز ان يرغبه في ذمه ولعنه.

(4/375)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الارض مستقر ومتاع إلى حين(24)
آية بلاخلاف.
اختلفوا في المعنى بهذه الاية، فقال السدي وأبوعلي الجبائي وأبوبكر ابن الاخشيد: ان المراد بالخطاب آدم وحواء وابليس، جمع بينهم في الذكر، وان كان الخطاب لهم وقع في أوقات متفرقة، لان ابليس امر بالهبوط حين أمتنع من السجود، وآدم وحواء حين أكلا من الشجرة، وانتزع لباسهما.
وقال أبوصالح: الخطاب متوجه إلى آدم وحواء والحية.
وقال الحسن - قولا بعيدا من الصواب - وهو ان المراد به آدم وحواء والوسوسة، وهذا قول منعزب عنه، لان الوسوسة لا تخاطب. والهبوط هو النزول بسرعة، والبعض هو أحد قسمي العدة، وأحد قسمي العشرة بعضها، واحد قسمي الاثنين بعضهما ولابعض للواحد، لانه لاينقسم.
وقوله " بعضكم لبعض " أضاف (البعض) إلى جملة هو منها، ولايجوز ان يضاف (غير) إلى جملة هو منها، لان اضافة (غير) إلى الجملة والتفصيل لصحة ان يكون لكل واحد غير، وليس كذلك بعض، لانه لايصح ان يكون لكل واحد بعض فأضافته إلى الجملة فقط. والعدو ضد الولي، ومن صفة العدو انه مراصد بالمكاره. ومن صفة الولي انه مراصد بالمحاب.
وقال الرماني: العدو هو النائي بنصرته في وقت الحاجة إلى معونته، والولي هو الداني بنصرته في وقت الحاجة إلى معونته.
وقوله " ولكم في الارض مستقر " فالمستقر قيل في معناه قولان: أحدهما - قال ابوالعالية: هو موضع استقرار. الثاني - انه الاستقرار بعينه، لان المصدر يجي ء على وزن المفعول نحو

(4/376)


تفسير التبيان ج4
و " ندخلكم مدخلا كريما "(1) أي ادخالا كريما قال الشاعر:
أقاتل حتى لاأرى لي مقاتلا
وانجو اذا غم الجبان من الكرب(2)
وقوله " ومتاع إلى حين " فالمتاع الانتفاع بمافيه عاجل استلذاذ، لان المناظر الحسنة يستمتع بها لما فيها من عاجل اللذة. والحين الوقت، قصيرا كان او طويلا، الا انه قد استعمل على طول الوقت - ههنا - وليس بأصل فيه كقول القائل: مالقيته منذحين قال الشاعر:
ومامزاحك بعد الحلم والدين
وقد علاك مشيب حين لاحين(3)
أي وقت لاوقت، وقال البلخي " إلى حين " معناه إلى القيامة.
قوله تعالى: قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون(25)
آية بلاخلاف.
قرأ ابن ذكوان وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب " تخرجون " بفتح التاء وضم الراء. الباقون بضم التاء وفتح الراء. من قرأ بضم التاء، فلقوله " انكم مخرجون "(4) وقوله " كذلك نخرج الموتى "(5).
ومن فتح التاء، فلاجماع الكل في قوله " ثم اذا دعاكم دعوة من الارض اذا انتم تخرجون "(6) بفتح التاء ولقوله " إلى ربهم ينسلون "(7) فأسند الفعل اليهم، ولانه اشبه
---
(1) سورة 4 النساء آية 30.
(2) قائله كعب بن مالك. اللسان . (قتل).
(3) قائله جرير. ديوانه: 586 وسيبويه 1 / 358 ومجاز القرآن 1 / 212 وتفسير الطبري 12 / 359.
ورواية الديوان وسيبويه . (مابال جهلك بعد الحلم والدين).
(4) سورة 23 المؤمنون آية 35.
(5) سورة 7 الاعراف آية 56.
(6) سورة 30 الروم آية 25.
(7) سورة 36 يس آية 51.

(4/377)


تفسير التبيان ج4
بماقبله من قوله " فيها تحيون وفيها تموتون "(1) وكما قال " كما بدأكم تعودون "(2) اضاف الفعل اليهم.
وفي الاية اخبار من الله تعالى وحكاية عما قاله لادم انكم تحيون في هذه الارض التي تهبطون اليها، وفيها تموتون، ومنها تخرجون، للبعث يوم القيامة.
قال الجبائي في الاية دلالة على ان الله (عزوجل) يخرج العباد يوم القيامة من هذه الارض التي حيوا فيها بعد موتهم، وانه يفنيها بعد ان يخرج العباد منها في يوم الحشر، واذا أراد افناء ها زجرهم عنها زجرة فيصيرون إلى ارض اخرى وهذا معنى قوله " فانما هي زجرة واحدة فاذا هم بالساهرة "(3).
قوله تعالى: يابني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون(26)
آية بلاخلاف.
قرأ أهل المدينة، وابن عامر والكسائي " ولباس التقوى " بالنصب. الباقون بالرفع، ومن نصب حمله على (انزل) من قوله " قد أنزلنا عليكم لباسا، ولباس التقو " وانزلنا ههنا مثل قوله " وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد "(4) ومثل قوله " وأنزل لكم من الانعام ثمانية أزواج "(5) أي خلق.
وانما قال " أنزلنا عليكم لباسا " لاحد أمرين.
أحدهما - لانه ينبت بالمطر الذي ينزل من السماء، في قول الحسن والجبائي.
الثاني - لان البركات تنسب إلى أنها تأتي من السماء كقوله " وأنزلنا
---
(1) سورة 7 الاعراف آية 24.
(2) سورة 7 الاعراف آية 29.
(3) سورة 79 النازعات آية 14.
(4) سورة 57 الحديد آية 25.
(5) سورة 39 الزمر آية 6.

(4/378)


تفسير التبيان ج4
الحديد فيه بأس شديد "(1) وقوله " ذلك " على هذا مبتدأ وخبره (خير)، ومن رفع قطع اللباس من الاول واستأنف، فجعله مبتدأ وجعل قوله " ذلك " صفة له أوبدلا أو عطف بيان.
ومن قال " ذلك " لغو فقد أخطأ، لانه يجوز أن يكون على أحد ماقلناه، و (خير) خبر ل (لباس) وتقديره لباس التقوى خير لكم إذا أخذتم به وأقرب لكم إلى الله مما خلق لكم من اللباس والرياش الذي يتجمل به، وأضيف اللباس إلى التقوى كما أضيف في قوله " فأذاقها الله لباس الجوع والخوف "(2) إلى (الجوع).
وهذه الاية خطاب من الله تعالى لاهل كل زمان من المكلفين على ما يصح ويجوز من وصول ذلك اليهم، كما يوصي الانسان لولده وولد ولده - وان نزلوا - بتقوى الله وايثار طاعته، ويجوز خطاب المعدوم بمعنى أن يراد بالخطاب اذاكان المعلوم أنه سيوجد وتتكامل فيه شروط التكليف، ولا يجوز أن يراد من لايوجد لان ذلك عبث لافائدة فيه. واللباس كلما يصلح للبس من ثوب أو غيره من نحو الدرع، ومايغشى به البيت من نطع او كسوة.
واصله المصدر تقول: لبسه يلبسه لبسا ولباسا، ولبسا - بكسر اللام - قال الشاعر:
فلما كشفن اللبس عنه مسحنه
بأطراف طفل زان غيلا موشما(3)
الغيل الساعد، ووصفها بلطف الكف.
(والريش): مافيه الجمال، ومنه ريش الطائر، وقيل اصله المصدر من راشه يريشه، وقد تريش فلان أي صار له مايعيش به، قال الشاعر أنشده سيبويه:
وريشي منكم وهو اي معكم
وإن كنت زيارتكم لماما(4)
---
(1) وسورة 57 الحديد آية 25.
(2) سورة 16 النحل آية 112.
(3) قائله " حميد بن ثور الهلالي " ديوانه 14 ومعاني القرآن 1 / 375 وتفسير الطبري 12 / 364 واللسان . (لبس). (طفل).
(4) كتاب سيبويه 2 / 45 نسبه إلى الراعي.

(4/379)


تفسير التبيان ج4
وقال سعيد الجهني الرياش المعاش.
وقال الزجاج: الريش اللباس يقولون: اعطيت الرجل فريشته أي كسوته، وجمعه رياش.
قال مجاهد: وإنما ذكر اللباس - ههنا - لان المشركين كانوا يتعرون في الطواف حتى تبدو سوآتهم باغواء الشياطين، كما أغوي أبويهم قبل هذا الاغواء.
وقوله " يواري سوآتكم " معناه يستر مايسوء كم إنكشافه من الجسد، لان السوء ة مايسوء انكشافه من الجسد، والعورة ترجع إلى النقيصة في الجسد قال الشاعر:
خرقوا جيب فتاتهم
لم يبالوا سوء ة الرجله(1)
ولباس التقوى فيه خمسة أقوال: احدها - قال ابن عباس: هو العمل الصالح.
الثاني - قال قتادة والسدي وابن جريج هوالايمان.
الثالث - قال الحسن: هوالحياء الذي يكسبكم التقوى.
الرابع - قال الجبائي: هوالذي يقتصر عليه من أراد التواضع والنسك في العبادة من لبس الصوف والخشن من الثياب.
الخامس - قال الرماني: هوالعمل الذي يقي العقاب، وفيه الجمال مثل جمال الناس من الثياب.
وقال الحسين بن علي المغربي " لباس التقوى " يعني الذي كان عليكمافي الجنة خيرلكم بدلالة قوله " ذلك " وهي للبعيد.
وقوله " ذلك من آيات الله " معناه إن الذي فعلناه بكم من حجج الله التي دلتكم على توحيده من الله " لعلهم يذكرون " معناه لكي يتفكروا فيها ويؤمنوا بالله وبرسوله.
---
(1) اللسان . (رجل) والكامل للمبرد 1 / 165 وتفسير الطبري 12 / 361 وشرح الحماسة 1 / 117.

(4/380)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: يابني آدم لا يفتنّنّكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يريكم هو وقبيلة من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لايؤمنون(27)
آية بلاخلاف.
هذا خطاب من الله لاولاد آدم العقلاء منهم المكلفين، فنهاهم أن يفتنوا بفتنة الشيطان. والفتنة هي الاختبار والابتلاء وافتتان الشيطان يكون بالدعاء إلى المعاصي من الجهة التي تميل اليها النفوس وماتشبهيه. وانما جاز ان ينهي الانسان بصيغة النهي للشيطان، لانه أبلغ في التحذير من حيث يقتضي أنه يطلبنا بالمكروه، ويقصدنا بالعداوة، فالنهي له يدخل فيه النهي لنا عن ترك التحذير منه وقوله " كمااخرج أبويكم من الجنة " يعني أغوى أبويكم آدم وحواء حتى خرجا من الجنة، فنسب الاخراج اليه لماكان باغوائه، وجرى ذلك مجرى ذم الله تعالى فرعون بأنه يذبح أبناء هم وإنما أمر بذلك، وتحقيق الذم فيها راجع إلى فعل القتل المذموم، ولكنه يذكر بهذه الصفة لبيان منزلة فعله في عظم الفاحشة.
وقوله " ينزع عنهما لباسهما " في موضع الحال من الشيطان، وتقديره نازعا عنهما لباسهما لكي تبدو سوء اتهما فيرياها، والنزع قلع الشئ من موضعه الذي هو ملابس له ويقال: نزع من الامر ينزع نزوعا تشبيها بهذا، ونازعه اذا حاول كل واحد منهما أن يزيل صاحبه عما هو عليه، وغرض الشيطان في ان يريا سوآتهما هو ان يغمهما ذلك ويسوء هما ان تبدو لغيرهما، كما بدالهما، لان ذلك صفة كل من له مروء ة. واللباس الذي ينزع عنهما قيل فيه ثلاثة

(4/381)


تفسير التبيان ج4
أقوال: احدها - قال ابن عباس - قال ابن عباس: كان لباسهما الظفر.
وقال وهب بن منية كان لباسهما نورا.
وقال قوم هي ثياب من ثياب الجنة.
وقوله " إنه " يعني الشيطان " يراكم هو وقبيله من حيث لاترونهم " وانما كانوا يرونا ولانراهم لان أبصارهم احدمن ابصارنا، وأكثر ضوء ا من أبصارنا، فابصارنا قليلة الشعاع، ومع ذلك أجسامهم شفافة وأجسامنا كثيفة، فصح أن يرونا ولايصح منا أن نراهم، ولو تكثفوا لصح منا أيضا أن نراهم.
وقال أبوعلي: في الاية دلالة على بطلان قول من يقول: إنه يرى الجن من حيث أن الله عمم أن لانراهم، قال: وإنما يجوز أن يروا في زمن الانبياء بأن يكثف الله أجسامهم.
وقال أبوالهذيل وأبوبكربن الاخشيد: يجوز أن يمكنهم الله أن يتكثفوا فيراهم حينئذ من يختص بخدمتهم. وقبيل الشيطان، قال الحسن وابن زيد: هو نسله، وبه قال أبوعلي، واستدل على ذلك بقوله " أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو "(1).
وقوله " إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لايؤمنون " معناه إنا حكمنا بذلك لانهم يتناصرون على الباطل، ومثله قوله " وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا "(2) أي حكموا بذلك حكما باطلا. و (حيث) في موضع خفض بحرف (من) غير أنها بنيت على الضم، وأصلها ان تكون مرفوعة لانها ليست لمكان بعينه، وان مابعدها صلة لها ليست بمضافة اليه. ومنهم من يقول (من حيث) خرجت - بالفتح - لالتقاء الساكنين. ومنهم من يقول (حوث) ولايقرأ بهما.
---
(1) سورة 18 الكهف آية 51.
(2) سورة 43 الزخرف آية 19.

(4/382)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباء نا والله أمرنا بها قل إن الله لايأمر بالفحشاء أتقولون على الله مالا تعلمون(28)
آية بلاخلاف.
الكناية في قوله " فعلوا فاحشة " كناية عن المشركين، الذين كانوا يبدون سوآتهم في طوافهم: النساء والرجال الحمس خاصة، وله خبر طويل - في قول ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والشعبي والسدي، وقالت العامريد:
اليوم يبدو بعضه او كله
ومابدا منه فلا أحله(1)
قال الفراء: كانوا يعملون ستا من سور مقطعة يشدون على حقوهم فسمي حوقا، وإن عمل من صوف سمي رهطا.
وقال الحسن وأبوعلي: هي كناية عن عبدة الاوثان وفواحشهم الشرك بالله والكفر بنعمه.
والفاحشة ماعظم قبحه في قول الزجاج، يقال فحش يفحش فحشا، ولا يقال في الصغيرة - عند من قال بها - فاحشة، وإن قيل فيها: إنها قبيحة، كما لايقال في القوم فاحش، وإن قيل: قبيح. أخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار أنهم " إذا فعلوا فاحشة " وارتكبوا قبيحا اعتذروا لنفوسهم بأن قالوا: وجدنا آباء نا يفعلونها.
قال الحسن: وإنما دعاهم إلى هذا القول، لان أهل الجاهلية كانوا أهل اجبار، وقالوا: لوكره الله مانحن عليه من هذا الدين لنقلنا عنه، فهوقوله " والله أمرنا بها " وقال غيره: إنهم توهموا أن آباء هم لم يفعلوا ذلك إلا وهومن قبل الله. وإنما قال آباؤهم بسببه فحينئذ رد الله عليهم قولهم بأن قال " إن الله لايأمر بالفحشاء " ثم قالى على وجه الانكار " أتقولون على الله مالا تعلمون "؟ !
---
(1) تفسير الطبري: 12 / 377، 389، 390، 391، 393 ومعاني القرآن للفراء 1 / 377.

(4/383)


تفسير التبيان ج4
لانهم ان قالوا لا، نقضوا مذهبهم، وإن قالوا: نعم، افتضحوا في قولهم وقال الزجاج: معنى " أتقولون على الله " أتكذبون عليه؟ ! وفي الاية حجة على أصحاب المعارف، وأهل التقليد، لانه ذم الفريقين، ولوكان الامر على ما يقولون لما توجه عليهما الذم !.
فإن قيل: إنما أنكر الله قولهم: إن الله أمرنا بها، ولايدفع ذلك أن يكون مريدا لها، لان الامر منفصل من الارادة. قلنا: الامر لايكون أمرا إلا بارادة المأمور به، فما أراده فقد رغب فيه ودعا اليه فاشتركا في المعنى.
قوله تعالى: قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون(29) فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون(30)
آيتان، تمام الاولى في الكوفي
" تعودون " وفي البصري تمام الاولى " مخلصين له الدين " وتمام الاخرى عند الجميع " مهتدون ". لما أخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار أنهم قالوا: إن الله أمرنا بمانفعله ونعتقده من الفواحش، ورد عليهم بقوله " إن الله لايأمر بالفحشاء " أمر نبيه صلى الله عليه وآله أن يقول " ان الله يأمر بالقسط " وهو العدل - في قول مجاهد والسدي وأكثر المفسرين - وأصله العدول، فاذاكان إلى جهة الحق، فهو عدل. ومنه قوله " إن الله يحب المقسطين "(1).
---
(1) سورة 5 المائدة آية 45 وسورة 49 الحجرات آية 9 وسورة 60 الممتحنة آية 8.

(4/384)


تفسير التبيان ج4
وإذا كان إلى جهة الباطل، فهوجور، ومنه قوله " وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا "(1). وأمرهم أن يقيموا وجوههم عندكل مسجد وقيل فيه وجوه: أحدها - قال مجاهد والسدي وابن زيد: معناه توجهوا إلى قبلة كل مسجد في الصلاة على استقامة. الثاني - قال الربيع: توجهوا بالاخلاص لله، لا للوثن ولاغيره.
وقال الفراء: معناه اذا دخل عليك وقت الصلاة في مسجد فصل فيه، ولاتقل آتى مسجد قومي، وهو اختيار المغربي: وقوله " وادعوه مخلصين له الدين " أمرهم بالدعاء والتضرع اليه تعالى على وجه الاخلاص. وأصل الاخلاص إخراج كل شائب من الخبث، ومنه إخلاص الدين لله (عزوجل) وهو توجيه العبادة اليه خالصا دون غيره.
وقوله " كما بدأكم تعودون " قيل في معناه قولان: أحدهما - قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد وابن زيد: كما خلقكم أولا تعودون بعد الفتاء، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال (يحشرون عراة حفاة عزلا، كما بدأنا أول خلق نعيده. وعدا علينا انا كنا فاعلين).
الثاني - قال ابن عباس وجابر في رواية أنهم يبعثون على ماماتوا عليه: المؤمن على إيمانه والكافر على كفره.
وإنما ذكر هذا القول، لاحد أمرين: أحدهما - قال الزجاج: على وجه الحجاج عليهم، لانهم كانوا لايقرون بالبعث. الثاني - على وجه الامر بالاقرار به، كأنه قيل وأقروا أنه كما بدأكم تعودون. والبدأ فعل الشئ أول مرة، والعود فعله ثاني مرة. قديكون فعل أول خصلة منه بدأ، كبدء الصلاة، وبدء القراء ة، بدأهم وأبداهم لغتان.
وقوله " فريقا هدى " فالفريق جماعة انفصلت من جماعة، وذكر (فريق) ههنا أحسن من ذكر (نفر وقوم أو نحوه) لمافيه من الاشعار بالمباينة ونصب " فريقا هدى ".
---
(1) سورة 72 الجن آية 15.

(4/385)


تفسير التبيان ج4
وقوله " وفريقا حق عليهم الضلالة " لتقابل فريقا هدى بعطف فعل على فعل، وتقديره وفريقا أضل إلا انه فسره مابعده نظير قوله " يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما "(1).
وقال الفراء: نصب فريقا على الحال، والعامل فيه (تعودون) فريقا، والثاني عطف عليه، ولو رفع على تقدير أحدهما كذا، والاخر كذا، كان جائزا كماقال " قدكان لكم آية في فئتين التقتا: فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة "(2) والهدي والاضلال في الاية يحتمل أربعة أوجه: أحدها - أنه حكم بأن هؤلاء مهتدون مدحا لهم، وحكم بأن اولئك ضالون ذمالهم.
الثاني - الدلالة التي انشرح بها صدور هؤلاء للاهتداء، وضاقت بها صدور أولئك لشدة محبتهم لماهم عليه من مذهبهم.
الثالث - هدى بأن لطف لهؤلاء بما اهتدوا عنده، وصار كالسبب لضلال أولئك بتخيرهم لينتقلوا عن فاسد مذهبهم.
الرابع - أنه هدى هؤلاء إلى طريق الثواب.
وأولئك لعمى والاضلال عنه بالعقاب في النار.
وقوله " انهم اتخذوا الشياطين اولياء من دون الله " اخبار منه تعالى انه فعل بهم مافعل من الضلال، لانهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله، والاتخاذ الافتعال من الاخذ بمعنى اعداد الشئ لامر من الامور، فلما أعدوا الشياطين لنصرتهم، كانوا قد اتخذوهم أولياء باعدادهم.
وقوله " ويحسبون انهم مهتدون " يعني هؤلاء الكفار يظنون أنهم مهتدون. والحسبان والظن واحد، وهو ماقوي عندالظان كون المظنون على ماظنه مع تجويزه أن يكون على غيره، فبالقوة يتميز من اعتقاد التقليد والتخمين، وبالتجويز يتميز من العلم، لان مع العلم القطع.
---
(1) سورة 76 الدهر آية 31.
(2) سورة 3 آل عمران آية 13.

(4/386)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لايحب المسرفين(31)
آية بلاخلاف.
أمر الله تعالى في هذه الاية أولاد آدم الذكور منهم، - لان (بني) جمع ابن، وإنما نصب لانه نداء مضاف، والابن هو الولد الذكر، والبنت الولد الانثى - أمرهم الله بأن يأخذوا، ومعناه أن يتناولوا زينتهم. والزينة هي اللبسة الحسنة، ويسمى مايتزين به زينة، كالثياب الجميلة والحلية. ونحو ذلك.
وقوله " عند كل مسجد " روي عن أبي جعفر (ع) أنه قال في الجمعات والاعياد.
وقال ابن عباس وعطاء وابراهيم والحسن وقتادة وسعيد ابن جبير: كانوا يطوفون بالبيت عراة فنهاهم الله عن ذلك.
وقال مجاهد: ماوارى العورة، ولوعباء ة.
وقال الزجاج: هو أمر بالاستتار في الصلاة، قال أبوعلي: ولهذا صار التزين للاعياد، والجمع سنة. وقيل في وجه شبهتهم في تعريهم في الطواف وإبداء السوأة وجهان: أحدهما - أن الثياب قد دنستها المعاصي فيجردوا منها. الثاني - تفألوا بالتعري من الذنوب.
وقوله " وكلوا واشربوا " صورته صورة الامر، ومعناه إباحة الاكل والشرب.
وقوله " ولاتسرفوا " نهي لم عن الاسراف، وهو الخروج عن حد الاستواء في زيادة المقدار.
وقيل: المراد الخروج عن الحلال إلى الحرام، وقيل: الخروج مما ينفع إلى مايضر، وقيل: الزيادة على الشبع فالاسراف والاقتار مذمومان.
وقوله " إنه لايحب المسرفين " معناه يبغض المسرفين، لانه ذم لهم، ولو كان بمعنى لايحبهم ولايبغضهم لم يكن ذما لهم ولامحا، وقال أبوعلي: من لايحبه الله فهو يبغضه ويعاديه.

(4/387)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحيوة الدنيا خالصة يوم القيمة كذلك نفصل الايات لقوم يعلمون(32)
آية بلاخلاف.
قرأ نافع وحده " خالصة يوم القيامة " بالرفع. الباقون بالنصب.
من رفعه جعله خبر المبتدأ الذي هو (هي) ويكون " للذين آمنوا " تبيينا للخلوص، ولاشئ فيه على هذا.
ومن قال هذا حلوحامض أمكن أن يكون " للذين آمنوا " خبراو (خالصة) خبرا آخر.
ومن نصب (خالصة) كان حالا مما في قوله " للذين آمنوا " ألا ترى أن فيه ذكرا يعود إلى المبتدأ الذي هو (هي) فخالصة حال عن ذلك الذكر، والعامل في الحال مافي اللام من معنى الفعل، و " هي " متعلقة بمحذوف يعود اليه الذكر الذي كأن يكون في المحذوف، ولوذكر ولم يحذف، وليس متعلقا بالخلوص، كما تعلق به في قول من رفع. وتقديره هوللذين آمنوا في الحياة الدنيا لهم خالصة، ذكره الفراء.
وحجة من رفع أن المعنى هي خالصة للذين آمنوا يوم القيامة، وإن شركهم فيها غيرهم من الكافرين في الدنيا.
ومن نصب فالمعنى عنده هي ثابتة للذين آمنوا في حال خلوصها يوم القيمة لهم وانتصابه على الحال أشبه بقوله " إن المتقين في جنات وعيون آخذين "(1) ونحو ذلك مما انتصب الامر فيه على الابتداء وخبره، وما يجري مجراه إذا كان فيه معنى (فعل).
---
(1) سورة 51 الذاريات آية 15.

(4/388)


تفسير التبيان ج4
لما أباح الله تعالى وحث على تناول الزينة في كل مسجد وندب اليه وأباح الاكل والشرب، ونهى عن الاسراف، وهناك قوم يحرمون كثيرا من الاشياء من هذا الجنس، قال الله تعالى منكرا ذلك " من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ".
وقيل في معنى الطيبات قولان: أحدهما - المستلذ من الرزق. الثاني - الحلال من الرزق، والاول أشبه بخلوصه يوم القيامة.
وإنما ذكر الطيبات من جملة ذلك - في قول ابن زيد والسدي - لانهم كانوا يحرمون البحائر والسوائب، وظاهر الاية يدل على أنه لايجوز لاحد تجنب الزينة والملاذ الطيبة على وجه التحريم، وأما من اجتنبها على ان غيرها أفضل منها فلا مانع منه.
ثم أخبر تعالى فقال (هي) يعني الطيبات " للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة " وقيل في معنى " خالصة يوم القيمة " قولان: أحدهما - قال ابن عباس والحسن والضحاك وابن جريج، وابن زيد: هي خالصة للمؤمنين دون أعدائهم من المشركين.
وقال أبوعلي: هي خالصة لهم من شائب مضرة تلحقهم.
وقال أبوعلي الفارسي: لايخلو قوله " في الحياة الدنيا " من أن يتعلق ب (حرم) أو ب (زينة) أو ب (أخرج) أو ب " الطيبات " أو ب " الرزق " من قوله " من الرزق " أو بقوله " آمنوا " ولايجوز أن يتعلق ب (حرم) فيكون التقدير قل من حرم في الحياة الدنيا، ويكون المعنى قل من حرم في وقت الحياة الدنيا، ولايجوز أن يتعلق ب (زينة) لانه مصدر أوجار مجراه، ولما وصفها لم يجز أن يتعلق بها شئ بعد الوصف كما لايتعلق به العطف عليه، ويجوز أن يتعلق ب (أخرج) لعباده في الحياة الدنيا.
فإن قيل: كيف يتعلق ب (أخرج) وفيه فصل بين الصلة والموصول بقوله " قل هي للذين آمنوا " وهو كلام مستأنف ليس في الصلة؟ قيل لايمنع الفصل به، لانه مما يسدد القصة، وقد قال " والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة "(1) فقوله " وترهقهم ذلة "
---
(1) سورة 10 يونس آية 27.

(4/389)


تفسير التبيان ج4
معطوف على كسبوا، فكذلك قوله " قل هي للذين آمنوا ". ويجوز أن يتعلق ب (الرزق) أيضا إن كان موصولا. ويجوز أن يتعلق ب (آمنوا) الذي هو صلة (الذين) أي آمنوا في الحياة الدنيا، وكل ماذكرناه من هذه الاشياء يجوز أن يتعلق به هذا الظرف.
وقوله " كذلك نفصل الايات " أي كما نميز لكم الايات وندلكم بها على منافعكم وصلاح دينكم، كذلك نفصل الايات لكل عاقل يعلم معناها ودلالتها.
قوله تعالى: قل إنما حرم ربي الفواحش ماظهر منها ومابطن والاثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله مالم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله مالا تعلمون(33)
آية بلاخلاف.
لما أنكر تعالى على من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، وذكر أنه أباح ذلك للمؤمنين في دار الدنيا بين عقيب ذلك ماحرمه عليهم، فقال " قل " يامحمد " إنما حرم ربي الفواحش " ومعناه لم يحرم ربي إلا الفواحش، لانا قد بيناأن (إنما) تدل على تحقيق ماذكر، ونفي مالم يذكر. والتحريم هو المنع من الفعل باقامة الدليل على وجوب تجنبه، وضده التحليل، وهو الاطلاق في الفعل بالبيان عن جواز تناوله.
وأصل التحريم المنع من قولهم: حرم فلان الرزق، فهو محروم حرمانا، وحرم الرجل اذا لج في الشئ بالامتناع منه، وحرمه تحريما، وأحرم بالحج إحراما وتحرم بطعامه تحرما، واستحرمت الشاة اذا طلبت الفحل، لانها تتبعه كماتتبع الحرمة البعل، والحرم مكة وماحولها مماهو معروف، وأشهر الحرم ذو القعدة وذو

(4/390)


تفسير التبيان ج4
الحجة والمحرم ورجب، والمحرم القرابة التي لايحل تزوجها، وحريم الدار ماكان من حقوقها، والمحرم السوط الذي لايلين لانه حرام أن يضرب به حتى يلين. والفواحش جمع فاحشة، وهي أقبح القبائح. وهي الكبائر.
وقوله " ماظهر منها وبطن " يعني ماعلن وماخفي. وقد قدمنا اختلاف المفسرين في ذلك، وانما ذكر مع الفواحش هذه القبائح، وهي داخلة فيهالاحد أمرين: أحدهما - للبيان عن التفصيل، كأنه قيل الفواحش التي منها الاثم، ومنها البغي، ومنها الاشراك بالله. والثاني - ان الفواحش - هاهنا - الزنا وهوالذي بطن، والتعري في الطواف، وهوالذي ظهر - في قول مجاهد - وقال قوم: الاثم هو الخمر، وماظهر الزنا، ومابطن هونكاح امرأة الاب، والاثم يعم جميع المعاصى، وأنشد ابن الانباري في أن الاثم هو الخمر:
شربت الاثم حتى ضل عقلي
كذاك الاثم يصنع بالعقول(1)
وقال الفراء: الاثم مادون الحد، والبغي هو الاستطاعة على الناس، وحده طلب الترأس بالقهر من غير حق. وأصل البغي الطلب، تقول: هذه بغيتي أي طلبتي، وأبتغي كذا ابتغاء. وماتبغي؟ أي ماتطلب، وينبغي كذا أي هو الاولى أن يطلب.
وقوله " مالم ينزل به سلطانا " السلطان الحجة - في قول الحسن وغيره - ومثله البرهان والبيان والفرقان، وحدودها تختلف، فالبيان إظهار المعنى للنفس كاظهار نقيضه، والبرهان إظهار صحة المعنى وفساد نقيضه، والفرقان إظهار تميز المعنى مما التبس به. والسلطان إظهار مايتسلط به على نقيض المعنى بالابطال.
---
(1) اللسان . (أثم).

(4/391)


تفسير التبيان ج4
و " أن تقولوا على الله مالاتعلمون " أي وحرم عليكم ذلك، وذلك يدل على بطلان التقليد، لان المقلد لا يعلم صحة ماقلد فيه.
قوله تعالى: ولكل أمة أجل فاذا جاء أجلهم لايستأخرون ساعة ولا يستقدمون(34)
آية بلاخلاف.
قيل الفرق بين أن تقول: ولكل أمة أجل، وبين ولكل أحد أجل من وجهين: أحدهما - أن ذكر الامة يقتضي تقارب أعمار أهل العصر. والثاني - أنه يقتضي إهلاكهم في الدنيا بعد إقامة الحجة عليهم باتيان الرسل. والامة الجماعة التي يعمها معنى. وأصله أمه يؤمه إذا قصده، فالامة الجماعة التي على مقصد واحد. والاجل الوقت المضروب لانقضاء المهل، لان بين العقد الاول الذي يضرب لنفس الاجل، وبين الوقت الاخر مهلا، مثل أجل الدين، وأجل الوعد، وأجل العمر.
وقال أبوعلي الجبائي: في الاية دلالة على أن الاجل واحد، لانه لايجوز أن يكون الظالم بقتل الانسان قد اقتطعه عن أجله.
وقال أبوبكر ابن الاخشيد: ليس الامر على ذلك لانها قد دلت أنه غير هذا على الاجلين.
وقوله " فاذا جاء أجلهم لايستأخرون ساعة ولا يستقدمون " معنى لايستأخرون، لايتأخرون، وإنما قيل لا يستأخرون من أجل أنهم لايطلبون التأخر، فهو أبلغ في المعنى من لايتأخرون، لان الاستئخار طلب التأخر وقوله " ولا يستقدمون " معناه لايتقدمون، والمعنى اذا قرب أجلهم لايطلبون التقدم ولا التأخر، لان بعد حضور الاجل ونزول الاملاك يستحيل منهم طلب ذلك، كمايقال جاء الشتاء وجاء الصيف إذا قارب وقته لانه متوقع كتوقعه.

(4/392)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: يابني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلاخوف عليهم ولاهم يحزنون(35)
آية بلاخلاف.
هذاخطاب من الله تعالى لجميع بني آدم المكلفين منهم أنه يبعث إليهم رسلا منهم يقصون عليهم آيات الله وحججه وبراهينه، وهو ماأنزله عليهم من كتبه ونصب لهم من أدلته.
وقوله " إما " أصله (إن) حرف الشرط دخلت عليه (ما) ولدخولها دخلت النون الثقيلة في (يأتينكم) ولو قال: إن يأتينكم، لم يجز، وإنما كان كذلك، لان (ما) جعلته في حكم غير الواجب، لانه ينزل منزلة ماهو غير كائن حتى احتيج معه إلى القسم مع خفاء أمره من جهة المستقبل، ولم يجز دخول النون على الواجب في مثل هو، هون، لان هذه النون تؤذن بأن مادخلت عليه قد احتاج إلى التأكيد لخفاء أمره من جهة المستقبل. وانه غير واجب لخفاء أمره من هاتين الجهتين، لاجله احتاج إلى نون التأكيد.
وإنما قال " رسل منكم " بلفظ الجمع، وإنما أتى هؤلاء رسول منهم لانه على تقدير يأتين لكل أمة، فصار كأنه خطاب لجميع المكلفين.
وجواب (إن) يحتمل أن يكون أحد أمرين: أحدهما - أن يكون قوله " فمن اتقى " منكم " وأصلح " لان التفصيل يقتضي منكم. الثاني - أن يكون محذوفا يدل الكلام عليه كأنه قال فأطيعوهم.
وقوله " يقصون " فالقصص وصل الحديث بالحديث في وصل الحديث الممتنع بحديث مثله.

(4/393)


تفسير التبيان ج4
وقوله " فمن اتقى وأصلح " معناه فمن اتقى منكم وأصلح " فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون " وظاهر الاية يدل على أن من اتقى معاصي الله واجتنبها، وأصلح بأن فعل الصالحات، لاخوف عليهم في الاخرة - وهوقول الجبائي - وقال أبوبكر بن الاخشيد: لايدل على ذلك، لان الله تعالى قال في وصفه يوم القيامة " يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وماهم بسكارى "(1) وإنماهو كقول الطبيب للمريض لابأس علكى، ولاخوف عليك، ومعناه أن أمره يؤل إلى السلامة والعافية.
والاول أقوى، لانه الظاهر غير أن ذلك يكون لمن اتقى جميع معاصي الله، فأما من جمع بين الطاعات والمعاصي فان خوفه من عقاب الله على معاصيه لابد منه، لانا لانقطع على أن الله تعالى يغفر له لامحالة، ولانقول بالاحباط فنقول ثواب إيمانه أحبط عقاب معاصيه، فاذا اجتمعا فلابد من أن يخاف من وصول العقاب اليه.
ومن قال لفظة " اتقى " لا تطلق إلا للمؤمن من أهل الثواب، لانها صفة مدح، فلابد من أن يكون مشروطا بالخلوص مما يحبطه، فماذكروه أولا صحيح نحن نعتبره، لان المتقي لايكون إلا مؤمنا مستحقا للثواب، غير أنه ليس من شرطه ألا يكون معه شئ من العقاب، بل عندنا يجتمعان، فلا يستمر ماقالوه.
قوله تعالى: والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون(36)
آية
أخبر الله تعالى أن الذين كذبوا بحججه وبراهينه -، ولم يصدقوه، واستكبروا عنها - انهم أصحاب النار الملازمون لهاعلى وجه الخلود والتأبيد. والتكذيب هو تنزيل الخبر على أنه كذب. والتصديق تنزيل الخبر على
---
(1) سورة 22 الحج آية 2.

(4/394)


تفسير التبيان ج4
انه صدق، فالتكذيب بآيات الله كفر، والتكذيب بالطاغوت إيمان، فذلك توعد على التكذيب بآيات الله بعقاب الابد. والاستكبار طلب الترفع بالباطل، ولفظة " مستكبر " صفة ذم في جميع الخلق، والخلود هو لزوم الشئ على ماهو فيه. ومعنى " أخلد إلى الارض "(1) لزوم الركون اليها. والصاحب والقرين متقاربان غير أن القرين فيه معنى النظير، وليس ذلك في الصاحب فلذلك قيل: أصحاب رسول الله، ولم يقل قرناؤه.
ولفظة (الذين) مبنية على هذه الصيغة في جميع الاحوال: الرفع، والنصب، والجر، وإنما تثبت مع بعدها بالجمع عن الحرف، لان العلة التي لها هي التي موجودة فيه، وهي نقصانه عن سائر الاسماء حتى تأتي صلته فتتمه، وليس هذا كالشبيه العارض الذي يزول على وجه.
فأما من قال: الذون والذين فانه اعتد بتبعيد الجمع، فجعله على طريقة المعرف، ولان هذه الطريقة لمالم تكن اعرابا تاما لم يمنعوه لماوقع بعده من شبه الحرف بالجمع.
قوله تعالى: فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا جاء تهم رسلنا يتوفّونهم قالوا أين ماكنتم تدعون من دون الله قالوا ضلّوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين(37)
آية بلاخلاف
قوله " فمن أظلم " صورته صورة الاستفهام، والمراد به الاخبار عن عظم جرم من يفتري على الله كذبا أو يكذب بآيات الله، لا أنه أحد أظلم لنفسه منه. وانما أوردهذا الخبر بلفظ الاستفهام، لانه ابلغ برد المخاطب
---
(1) سورة 7 الاعراف آية 175.

(4/395)


تفسير التبيان ج4
إلى نفسه في جوابه مع تحريك النفس له بطريق السؤال. وقد بينا فيما مضى من الكتاب حقيقة الظلم، وأن أجود ماحدبه أن قيل: هوالضرر المحض الذي لانفع فيه يوفى عليه، ولا دفع ضرر أعظم من دفعه، لاعاجلا ولا آجلا، ولايكون مستحقا ولاواقعا على وجه المدافعة.
وقد حد الرماني الظلم بأنه الضرر القبيح من جهة بخس الحق به، وهذا ينتقض بالالم الذي يدفع به ألم مثله، لما قلناه.
وقوله " أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب " فالنيل هووصول النفع إلى العبد إذا أطلق، فان قيد وقع على الضرر، لان أصله الوصول إلى الشئ من نلت النخلة أنالها نيلا، قال امرؤ القيس:
سماحة ذا وبر ذا ووفاء ذا
ونائل ذا اذا صحا واذا سكر(1)
والبخل منع النائل لمشقة الاعطاء.
وقيل في معنى " ينالهم نصيبهم من الكتاب " أقوال: أحدها - قال الزجاج والفراء: هو ماذكره الله تعالى من أنواع العذاب للكفار مثل قوله " فانذرتكم نارا تلظى لايصلاها إلا الاشقى الذي كذب وتولى "(2) وقوله " يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد ايمانكم "(3) وغير ذلك مماكتب الله في اللوح المحفوظ.
الثاني - قال الربيع وابن زيد: من الرزق والعمر، والعمل: من الخير والشر في الدنيا.
الثالث - قال مجاهد: جميع ماكتب لهم وعليهم، وهو قول عطية.
وقال بعضهم معناه ينالهم نصيبهم من خير أو شر في الدنيا، لانه قال " حتى إذا جاء تهم رسلنا يتوفونهم " وهي الانتهاء. والاجوبة الاولى أقوى
---
(1) ديوانه: 86. من قصيدة يمدح بها سعدبن الصباب ويهجو هانئ بن مسعود.
(2) سورة 92 الليل آية 14 - 16.
(3) سورة 3 آل عمران آية 106.

(4/396)


تفسير التبيان ج4
لان الاظهار فيما يقتضيه عظم الظلم في الفحش الوعيد والعذاب الابدي.
وقال سيبويه والزجاج: لاتجوز إمالة (حتى) لانها حرف لايتصرف، والامالة ضرب من التصريف، وكذلك (إما، وايا، والا، ولا). و (أينما) كتبت بالياء مع امتناع إمالتها تشبيها ب (حبلى) من جهة أن الالف رابعة، ولم يجز مثل ذلك في (إلا) لان (إلا) تشبه إلى. ولا في (اما) التي للتخيير، لانها بمنزلة (إن ما) التي للجزاء..
وقوله " حتى إذا جاء تهم رسلنا يتوفونهم " يعني الملائكة التي تنزل عليهم لقبض أرواحهم.
وقيل في معنى الوفاة - ههنا - قولان: احدها - الحشر إلى النار يوم القيامة بعدالحشر الثاني، وفات الموت الذي يوبخهم عنده الملائكة - في قول أبي علي - والوجه في مسألة الملك لمن يتوفاه: التبكيت لمن لم يقم حجته، والبشارة لمن قام بحجته. وفي الاخبار عن ذلك مصلحة السامع اذاتصور الحال فيه.
وقوله " قالوا أينما كنتم تدعون من دون الله " حكاية سؤال الملائكة لهم وتوبيخهم أن الذين كانوا يدعونهم من دون الله من الاوثان والاصنام لم ينفعوهم في هذه الحال، بل ضروهم.
وقوله " قالوا ضلوا عنا " حكاية عن جواب الكفار للملائكة أنهم يقولون: ضل من كنا ندعوه من دون الله عنا " وشهدوا على أنفسهم " يعني الكفار أقروا على أنفسهم " أنهم كانوا كافرين " جاحدين بالله، وكافرين لنعمه بعبادتهم الانداد من دون الله.

(4/397)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والانس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا ادّاركوا فيها جميعا قالت أخريهم لاوليهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لاتعلمون(38)
آية واحدة بلاخلاف.
هذا حكاية عن قول الله تعالى للكفار يوم القيامة وأمره لهم بالدخول في جملة الامم الذين تبعوا من قبلهم من جملة الجن والانس وهم في النار. ويجوز أن يكون ذلك إخبارا عن جعله إياهم في جملة اولئك في النار، من غير أن يكون هناك قول، كما قال " كونوا قردة خاسئين "(1) والمراد أنه جعلهم كذلك.
ومعنى الخلو انتفاء الشئ عن مكانه فكل ماانتفى من مكانه، فقد خلا منه، وكذلك (خلت) بمعنى مضت، لانها إذا مضت بالهلاك، فقد خلا مكانها منها.
والجن جنس من الحيوان مستترون عن أعين البشر لرقتهم، يغلب عليهم التمرد في أفعالهم، لان الملك أيضا مستتر لكن غلب عليه أفعال الخير. وعند قوم: أنهم أجمع رسل الله.
والانس جنس من الحيوان يتميز بالصورة الانسانية.
وقوله " كلما دخلت أمة لعنت أختها " يعني في دينها لافي نسبها، فأما قوله " والى مدين أخاهم شعبيا "(2) يعني أنه منهم في النسب.
وقوله " حتى اذا اداركوا فيها جميعا " فوزن اداركوا (تفاعلوا) فأدغمت التاء في الدال واجتلبت ألف الوصل ليمكن النطق بالساكن الذي بعده، ومعناه تلاحقوا.
وقوله " قالت أخراهم لاولاهم " يعني الفرقة المتأخرة التابعة تقول للامة المتقدمة المتبوعة، وتشير اليها " هؤلاء أضلونا " عن طريق الحق وأغوونا
---
(1) سورة 2 البقرة آية 65 وسورة 7 الاعراف آية 165.
(2) سورة 7 الاعراف آية 84 وسورة هود آية 83 وسورة 29 العنكبوت آية 36.

(4/398)


تفسير التبيان ج4
" فآتهم عذابا ضعفا من النار " دعاء منهم عليهم أن يجعل عذابهم ضعفا، فقال الله تعالى " لكل ضعف ولكن لا تعلمون " والضعف المثل الزائد على مثله، فاذا قال القائل: اضعف هذا الدرهم معناه أجعل معه درهما آخر، لادينارا، وكذلك اضعف الاثنين أي اجعلهما أربعة. وحكي أن المضعف في كلام العرب ماكان ضعفين، والمضاعف ماكان أكثر من ذلك.
وروي عن عبدالله بن مسعود أن الضعف أفاعي وحيات. واستعمل الضعف بمعنى المثل، ومنه قوله " يضاعف لها العذاب ضعفين(1) يعني مثلين.
وقرأ أبوبكر عن عاصم " ولكن لا يعلمون " بالياء. الباقون بالتاء.
ومن قرأ بالتاء، فتقديره لاتعلمون أيها المخاطبون مالكل فريق منهم.
ومن قرأبالياء تقديره لكن لا يعلم كل فريق ماعلى الاخر من العقاب.
قوله تعالى: وقالت أوليهم لاخريهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون(39)
آية بلاخلاف.
هذا حكاية عن جواب قول الامة الاولى المتبوعة للاخرى التابعة حين سمعت دعاء ها عليهم بأن يؤتيهم ضعفا من العذاب " فماكان لكم علينا من فضل " وقيل في معناه قولان: أحدهما - ماكان لكم علينامن فضل في ترك الضلال، وهو قول أبي مخلد والسدي. وقال الجبائي: لمساواتكم لنافي الكفر.
الثاني - من فضل في التأويل فتطالبونا بتضييع حقه.
ولفظة (أفعل) على ثلاثة أوجه: أحدها - مافيه معنى يزيد كذا على كذا، فهذا لايجوز فيه التأنيث والتذكير والتثنية والجمع مضافا كان أو على طريقة (أفعل من كذا) كقولك
---
(1) سورة 33 الاحزاب آية 30.

(4/399)


تفسير التبيان ج4
أفضل من زيد وأفضل القوم لتضمنه معنى الفعل، والمصدر كقولك أفضل القوم بمعنى يزيد فضله على فضلهم.
الثاني - مالم يقصد فيه معنى يزيد كذا على كذا، فهذا يجوز فيه كل ذلك كقولك: الاكبر والكبرى والاكابر.
الثالث - (أفعل) من الالوان والعيوب الظاهرة للحاسة، فهذا يجئ على (أفعل، وفعلاء) وجمعه (فعل) نحو أحمر، وحمراء وحمر. وأعرج وعرجاء وعرج.
وأما (أفعل) إذا كان اسم جنس، فانه يثنى ويجمع ولا يؤنث، وكذلك اذاكان علما نحو أفكل وأفاكل وأحمد وأحامد.
فاما ابطح وأباطح وأجزع واجازع، فأجري هذا المجرى، لانه استعمل على طريقة إسم الجنس وأصله الوصف، ولايجوز في (أفعل) الفعول إلا بالتعريف لايذان معنى (أفعل) معنى أفعل من كذا، قال سيبويه: لايجوز نسوة صغر ولاكبر حتى تعرفه فتقول: النسوة الصغر والكبر.
الآية: 40 - 59
قوله تعالى: إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لاتفتّح لهم أبواب السماء ولايدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سمّ الخِياط وكذلك نجزي المجرمين(40)
آية بلاخلاف.
قرأ حمزة والكسائي وخلف " لايفتح " بالياء والتخفيف، وقرأ أبو عمرو بالتاء والتخفيف. الباقون بالتاء، والتشديد. من شدد ذهب إلى التكثير. والمعنى أنهم ليسوا كحال المؤمن في التفتيح مرة بعد أخرى.
ومن قرأ بالتاء، فلان الابواب جماعة فأنث تأنيث الجماعة.
ومن قرأ بالياء، فلان التأنيث غير حقيقي، وذهب إلى معنى الجمع.

(4/400)


تفسير التبيان ج4
أخبر الله تعالى في هذه الاية " إن الذين كذبوا " بآيات الله وجحدوها، واستكبروا عنها بمعنى طلبوا التكبر والترفع عن الانقياد لها " لاتفتح لهم أبواب السماء " هوانا لهم واستخفافا، بهم فان فتحت فتحت عليهم بالعذاب.
وقال ابن عباس والسدي: لانها تفتح لروح المؤمن، ولاتفتح لروح الكافر، وفي رواية أخرى عن ابن عباس، ومجاهد، وابراهيم: لا تفتح لدعائهم، ولاأعمالهم.
وقال أبوجعفر (ع) أما المؤمنون فترفع أعمالهم وأرواحهم إلى السماء، فتفتح لهم أبوابها. وأما الكافر، فيصعد بعمله وروحه حتى اذا بلغ السماء نادى مناد: اهبطوا بعمله إلى سجين، وهوواد بحضر موت يقال له: برهوت.
وقال الحسن لاتفتح لدعائهم.
وقال ابن جريج: لاتفتح لارواحهم ولاأعمالهم.
وقال أبوعلي: لاتفتح لهم أبواب السماء لدخول الجنة، لان الجنة في السماء.
ثم قال " ولايدخلون الجنة " يعني هؤلاء المكذبين بآيات الله والمستكبرين عنها سواء كانوا معاندين في ذلك أو غير عالمين بذلك. وإنما تساويا في ذلك، لان من ليس بعالم قد ازيحت علته باقامة الحجة، ونصب الادلة على تصديق آيات الله، وترك الاستكبار عنها.
وقوله " حتى يلج الجمل في سم الخياط " إنما علق الجائز، وهو دخولهم الجنة بمحال، وهودخول الجمل في سم الخياط، لانه لايكون، كما قال الشاعر:
إذ شاب الغراب أتيت أهلي
وصار القار كاللبن الحليب(1)
والاخر أنه مضمر بما لايمكن من قلب الدليل، والجمل هوالبعير - ههنا - في قول عبدالله والحسن ومجاهد والسدي وعكرمة وأكثر المفسرين.
والسم الثقب. ومنه فيل: السم القاتل لاه ينفذ بلطفه في مسام البدن حتى
---
(1) تفسير الخازن 2 / 87.

(4/401)


تفسير التبيان ج4
يصل إلى القلب فتنتقض بنيته، وكل ثقب في البدن لطيف فهو سم وسم بضم السين وفتحها وجمعه سموم، وقال الفرزدق:
فنفست عن سميه حتى ينفسا
وقلت له لاتخش شيئا ورائيا(1)
يعني بسميه ثقبي أنفه، ويجمع السم القاتل سماما.
والخياط والمخيط الابرة.
وقيل خياط ومخيط، كماقيل لحاف وملحف، وقناع ومقنع، وإزار ومئزر، وقرام ومقرم - ذكره الفراء -.
قوله تعالى: لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين(41)
آية بلاخلاف.
أخبرالله تعالى أن لهؤلاء الكفار الذين كذبوا بآيات الله واستكبروا عنها لهم من جهنم مهاد، و (جهنم) في موضع جر ب (من) لكن فتح لانه لاينصرف لاجتماع التأنيث والتعريف فيه، واشتقاقه من الجهومة، وهي الغلظ، رجل جهم الوجه غليظه، فسميت بهذا لغلظ أمرها في العذاب، نعوذ بالله منها.
والمهاد الوطأ الذي يفترش. ومنه مهد الصبي، ومهدت له لامر اذا وطأته له، وإنما قيل: مهاد من جهنم أي موضع المهاد، كما قال تعالى " فبشرهم بعذاب اليم "(2) وقال الحسن مهاد " فراش من نار، و " غواش " ظلل منها.
وقوله " ومن فوقهم غواش " فالغواش لباس مجلل، ومنه غاشية السرج، وفلان يغشى فلانا أي يأتيه ويلابسه. ومنه غشي المرض، والغشاوة التي تكون على الولد.
وقال محمدبن كعب: الغواشي هي اللحف، وهي أزر الليل محشوة كانت أو غير محشوة، ذكره الازهري، وروى الطبري مثله.
---
(1) تفسير الخازن 2 / 87.
(2) سورة 3 آل عمران آية 21 وسورة 9 التوبة آية 35 وسورة 84 الانشقاق آية 24.

(4/402)


تفسير التبيان ج4
وقيل في دخول التنوين على (غواش) مع أنه على (فواعل) وهو لاينصرف قولان: أحدهما - قال سيبويه: إن التنوين عوض من الياء المحذوفة وليس بتنوين الصرف. الثاني - أنه تنوين الصرف عند حذف الياء لالتقاء الساكنين في التقدير.
وقوله " وكذلك نجزي الظالمين " أي مثل مانجزي هؤلاء المكذبين بآيات الله المستكبرين عنها نجزي كل ظالم وكل كافر. والوصف ب (ظالم) يقتضي لحوق الذم به في العرف.
قوله تعالى: والذين آمنوا وعملوا الصالحات لانكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون(42)
آية.
لماأخبر الله تعالى بصفة المكذبين المستكبرين عن آياته، وماأعدلهم من أنواع العذاب والخلود في النيران، أخبر بعده بما أعده للمؤمنين، العاملين بالاعمال الصالحات، فقال " والذين آمنوا " يعني الذين صدقوا بآيات الله واعترفوا بها، ولم يستكبروا عنها. ثم أضافوا إلى ذلك الاعمال الصالحات. وهو ماأوجبه الله عليهم أو ندبهم اليه.
وقوله " لانكلف نفسا إلا وسعها " فالتكليف من الله هو إرادة مافيه المشقة، وقال قوم: هو اعلام وجوب مافيه المشقة اوندبه. والارادة شرط.
وقال قوم: التكليف هو تحميل مايشق في الامر والنهي، ومنه الكلفة، وهي المشقة.
وتكلف القول أي تحمل مافيه المشقة حتى أتى على ما ينافره العقل.
أخبر الله تعالى أنه لايلزم نفسا إلا قدر طاقتها ومادونها، لان الوسع دون الطاقة.
وفي ذلك دلالة على بطلان قول المجبرة: من أن الله تعالى كلف العبد مالاقدرة له عليه ولايطيقه.

(4/403)


تفسير التبيان ج4
وموضع " لايكلف نفسا إلا وسعها " قيل فيه قولان: أحدهما - ان يكون رفعا بأنه الخبر على حذف العائد، كأنه قيل: منهم، ولا من غيرهم، وحذف لانه معلوم.
والاخر - ألا يكون له موضع من الاعراب، لانه اعتراض، والخبر الجملة في (أولئك) لان قوله " والذين آمنوا " مبتدأ، وقوله " أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون " خبر بأن هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات ملازمون الجنة مخلدون لنعمتها.
قوله تعالى: ونزعنا مافي صدورهم من غل تجري من تحتهم الانهار وقالوا الحمد لله الذي هدينا لهذا وماكنا لنهتدي لولا أن هدينا الله لقد جاء ت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون(43)
اية بلاخلاف.
نزع الغل في الجنة تصفية الطباع، وإسقاط الوساوس، وإعطاء كل نفس مناها، ولايتمنى أحد مالغيره. قرأ ابن عامر " ماكنا لنهتدي " بلاواو، وكذلك هي في مصاحف أهل الشام. الباقون باثباتها. وجه الاستغناء عن الواو أن الجملة متصلة بماقبلها فأغنى التباسها بها عن حرف العطف.
ومثله " سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم " فاستغنى عن حرف العطف بالالتباس من احدى الجملتين بالاخرى. ومن أثبت الواو فلعطفه جملة على جملة. في هذه الاية إخبار عما يفعله بالمؤمنين في الجنة بعد أن يخلدهم فيها، بأن ينزع مافي صدورهم من غل، فالنزع رفع الشئ عن مكانه المتمكن فيه،

(4/404)


تفسير التبيان ج4
إما بتحويله، وإما باعدامه. ومعنى نزع الغل - ههنا - إبطاله.
وقيل في ماينزع الغل من قلوبهم قولان: أحدهما - قال أبوعلي: بلطف الله لهم في التوبة حتى تذهب صفة العداوة. الثاني - بخلوص المودة حتى يصير منافيا لغل الطباع.
والثاني أقوى، لان قوله " تجري من تحتهم الانهار " حال لنزع الغل، وكأنه قال: ونزعنا مافي صدورهم من غل في حال تجري من تحتهم الانهار وعلى الاولى يكون " تجري من تحتهم الانهار " مستأنفا.
والغل: الحقد الذي ينقل بلطفه إلى صميم القلب، ومنه الغلول، وهو الوصول بالحيلة إلى دقيق الخيانة، ومنه الغل الذي يجمع اليدين والعنق بانغلاله فيها.
والصدر: مايصدر من جهته التدبير والرأي، ومنه قيل للرئيس: صدر، وقيل صدر المجلس.
وقوله " تجري من تحتهم الانهار " فالجريان انحدار المائع، فالماء يجري، والدم يجري، وكذلك كل مايصح أن يجري، فهومائع، وجرى الفرس في عدوه مشبه بجري الماء في لينه وسرعته.
وقوله " تجري من تحتهم الانهار " فالنهر المجرى الواسع من مجاري الماء، ومنه النهار لاتساع ضيائه، وانهار الدم لاتساع مخرجه.
وقوله " وقالوا الحمدلله الذى هدانا لهذا وماكنا لنتهدي لولا أن هدانا الله " إخبار عن قول أهل الجنة واعترافهم بالشكر لله تعالى الذي عرضهم له بتكليفه إياهم مايستحقون به الثواب.
وقيل: معنى " هدانا لهذا " يعني لنزع الغل من صدورنا.
وقيل: هدنا لثبات الايمان في قلوبنا.
وقيل: هدنا لجواز الصراط.
وقوله " لقد جاء ت رسل ربنا بالحق " إقرار من أهل الجنة واعتراف بأن ماجاء ت به الرسل اليهم من جهة الله أنه حق لا شبهة فيه، ولامرية في صحته.

(4/405)


تفسير التبيان ج4
وقوله " ونودوا ان تلكم الجنة أورثتموها بماكنتم تعملون " فالنداء الدعاء بطريقة يافلان كأنه قيل لهم: أيها المؤمنون " أن تلكم الجنة أورثتموها بماكنتم تعملون " جزاء لكم على ذلك، على وجه التهنئة لهم بها. و (أن) مخففة من الثقيلة و (الهاء) مضمرة، والتقدير ونودوا بأنه تلكم الجنة.
وقال الزجاج " أن تلكم " تفسير للنداء، والمعنى قيل لكم: تلكم الجنة.
وإنما قال " تلكم " لانهم وعدوا بها في الدنيا، وكأنه قيل لهم هذه تلكم التي وعدتم بها.
ويجوز أن يكونوا عاينوها، فقيل لهم - قبل أن يدخلوها - إشارة اليها " تلكم الجنة ".
ومن أدغم، فلان الثاء والتاء مهموستان متقاربتان فاستحسن الادغام.
ومن ترك الادغام في " أورثتموها " وهو ابن كثير، ونافع وعاصم وابن عامر - فلتباين المخرجين، وأن الحرفين في حكم الانفصال، وإن كانا في كلمة واحدة، كمالم يدغموا " ولوشاء الله مااقتتلوا "(1) وإن كانا مثلين لايلزمان لان تاء (افتعل) قد يقع بعدها غير التاء، فكذلك أورث، قد يقع بعدها غير التاء، فلايجب الادغام.
واستدل الجبائي بذلك على ان الثواب يستحق بأعمال الطاعات، ولايستحق من جهة الاصلح، لان الله تعالى بين انهم اورثوها جزاء بما عملوه من طاعته (عزوجل).
---
(1) سورة 2 البقرة آية 253

(4/406)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذّن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين(44)
آية
قرأ حمزة، والكسائي وابن كثير في رواية شبل (ان) مشددة النون. الباقون خفيفة.
وكذلك ابن كثير في رواية قنبل بتخفيف النو؟ سكونها ورفع (لعنة). الباقون بتشديد النون ونصب (لعنة).
وقر أ الكسائي وحده " قالوا نعم " بكسر العين.
وفي الشعراء " قال نعم " وفي الصافات " قل نعم " بفتح النون.
قال ابوالحسن الاخفش: نعم ونعم لغتان، فالكسر لغة كنانة وهذيل، والفتح لغة باقي العرب، وفي القراء ة الفتح.
وقال سيبويه (نعم) عدة وتصديق فاذا استفهمت اجبت ب (نعم).
ولم يحك سيبويه الكسر، ومعنى قوله: عدة وتصديق انه يستعمل عدة ويستعمل تصديقا، ولايريد أن العدة تجتمع مع التصديق ألا ترى انه اذا قال قائل: اتعطيني، فقال: نعم، كان عدة، ولاتصديق في ذلك، واذا قال: قد كان كذا وكذا، فقلت نعم، فقد صدقته، ولاعدة في هذا.
وقوله " فأذن مؤذن " بمنزلة اعلم معلم، قال سيبويه: أذن اعلام بصوت، فالتي تقع بعد العلم. و (أن) إنما هي الشددة او المخفضة عنها والتقدير اعلم معلم ان لعنة الله.
ومن خفف (ان) كان على اضمار القصة والحديث، فتقديره انه لعنة الله، ومثل ذلك قوله " وآخر دعواهم ان الحمد لله رب العالمين "(1) والتقدير (انه) ولاتخفف (ان) الا مع اضمار الحديث فالقصة ترادمعها.
ومن ثقل نصب ب (ان) مابعدها، كما ينصب بالمشددة المكسورة.
والمكسورة اذا خففت لايكون مابعدها على اضمار القصة والحديث، كما تكون المفتوحة كذلك.
والفرق بينهما ان المفتوحة موصولة، والموصولة تقتضي صلتها، فصارت لاقتضائها الصلة اشد اتصالا بمابعدها من المكسورة، فقدر بعدها الضمير الذي هو من جملة صلتها، وليست المكسورة كذلك، لان (ان) المفتوحة
---
(1) سورة 10 يونس آية 10

(4/407)


تفسير التبيان ج4
بمعنى المصدر، فلا بدلها من اسم وخبر، لانها تلتغي بأن يكون دخولها كخروجها، وليس كذلك (ان)، ومن المفتوحة قول الاعشى:
في فتية كسيوف الهند قد علموا
ان هالك كل من يخفى وينتعل(1)
وأما قراء تهم في النور " ان غضب الله "(2) فان(1) في موضع رفع بأنه خبر المبتدأ، واما قراء ة نافع " ان غضب الله " فحسن، وهو بمنزلة قوله و " آخر دعواهم ان الحمدلله "(3) وليس لاحد ان يقول: هذا لايستحسن لان المخففة من الشديدة لايقع بعدها الفعل حتى يقع عوض من حذف (ان) ومن أنها تولى مايليها من الفعل، يدل على ذلك " علم أن سيكون منكم "(4) وقوله " لئلا يعلم اهل الكتاب ان لايقدرون على شئ "(5) وذلك انهم استجازوا ذلك وان لم يدخل معه شئ من هذه الحروف، لانه دعاء، وليس شئ من هذه الحروف يحتمل الدخول معه، ونظير هذا في انه لماكان دعاء لم يلزمه العوض قوله " نودي ان بورك من في النار ومن حولها "(6) فولي قوله " بورك " (ان) وان لم يدخل معها عوض، كما لم يدخل في قراء ة نافع " ان غضب الله عليها "(7) والدعاء قد استجيز معه مالم يستجز مع غيره ألا ترى انهم قالوا: (اما ان جزاك الله خيرامن) حمله سيبويه على اضمار القصة في (ان) المكسورة ولم يضمر القصة مع المكسورة الافى هذا الموضع.
وقوله " ونادى اصحاب الجنة اصحاب النار " معناه وقال اصحاب الجنة ياأصحاب النار بعد دخول هؤلاء الجنة ودخول هؤلاء النار. والصاحب هوالمقارن للشئ على نية طول المدة، والصحبة والمقارنة نظائر، الا ان في الصحبة الارادة. ومنه قيل اصحاب الصحراء.
---
(1) ديوانه: 45 وتفسير الطبري 12 / 444 وغيرهما وسيأتي في 5 / 396.
(2) سورة 24 النور آية 9.
(3) سورة 10 يونس آية 10.
(4) سورة 73 المزمل آية 20.
(5) سورة 57 الحديد آية 29.
(6) سورة 27 النمل آية 8.
(7) سورة 24 النور آية 9

(4/408)


تفسير التبيان ج4
وقوله " ان قد وجدنا ماوعدنا ربنا حقا " معناه وجدنا ماوعدنا الله على لسان رسله من الثواب على الايمان وعمل الطاعات " فهل وجدتم ماوعدكم ربكم " على السنتهم " حقا " جزاء على الكفر من العقاب وعلى معاصيه من أليم العذاب، فأجابهم اهل النار: بأن " قالوا نعم " والغرض بهذا النداء تبكيت الكفار وتوبيخهم، وان الله تعالى صدق فيما وعد به على لسان نبيه ليحزن الكفار بذلك ويتحسروا عليه.
والوجدان على ضربين: احدهما بمعنى العلم فهو يتعدى إلى مفعولين. والاخر بمعنى الاحساس يتعدى إلى واحد. وانما كان كذلك، لان الذي بمعنى العلم يتعلق بمعنى الجملة، والذي يتعلق بالاحساس يتعلق بمعنى المفرد من حيث ان الاحساس لايتعلق بالشئ الامن وجه واحد. وجواب الايجاب يكون (نعم) وجواب النفي (بلى)، لان (نعم) تحقق معنى الخبر المذكورة في الاستفهام و (بلى) تحققه باسقاط حرف النفي.
وقوله " فأذن مؤذن بينهم " معناه نادى مناد نداء أسمع الفريقين " أن لعنة الله على الظالمين " ولعنة الله غضبه وسخطه وعقوبته على من كفر به فيسر بذلك اهل الجنة ويغتم اهل النار.
وقال الاخفش والزجاج: يجوز ان تكون (ان) بمعنى اي " قدوجدنا " ولايجب ان تكون (أن) بمعنى أي (قد وجدنا). ونادوهم مشرفين عليهم من السماء في الجنة، لان الجنة في السماء، والنار في الارض.
وقوله " وجدنا ماوعدنا ربنا حقا " إنما أضافوا الوعد بالجنة إلى نفوسهم، لان الكفار ماوعدهم الله بالجنة والثواب إلا بشرط أن يؤمنوا، فلما لم يؤمنوا فكأنهم لم يوعدوا، وكذلك قوله " ماوعدربكم " يعنون من العقاب لان المؤمنين لماكانوا مطيعين مستحقين للثواب فكأنهم لم يوعدوا بالعقاب، وانما خص الكفار.

(4/409)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: ألذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالاخرة كافرون(45)
آية بلاخلاف.
" الذين " في موضع جر، لانه صفة للظالمين، والتقدير ألا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا، وذلك يبين ان المراد بالظالمين الكفار، لان ماذكرهم به من اوصاف الكفار. والصدهو العدول عن الشئ عن قلى، والصد والاعراض بمعنى واحد، إلا ان الصد يجوز ان يتعدى تقول: صده عن الحق يصده صدا، وصد هو عنه أيضا، والاعراض لايتعدى.
وقوله " عن سبيل الله " يعني الحق الذي دعا الله اليه ونصب عليه الادلة وبعث به رسله.
وقيل: هو دين الله.
وقيل: الطريق الذي دل الله على انه يؤدي إلى الجنة والمعنى متقارب.
وقوله " يبغونها عوجا " معنى يبغونها يطلبون لها العوج بالشبه التي يلبسون بها ويوهمون انها تقدح فيها، وانها معوجة عن الحق بتناقضها.
و (العوج) بالكسر يكون في الطريق وفي الدين، وبالفتح يكون في الخلقة كقولك: في ساقه عوج بفتح العين، قال الشاعر:
قفا نسأل منازل آل ليلى
على عوج اليها وانثناء(1)
بكسر العين، ويحتمل نصب عوجا أمرين: احدهما - ان يكون مفعولا به كقولك ببغون لهاالعوج. الثاني - ان يكون نصبا على المصدر، وكأنه قال: يطلبونها هذا الضرب من الطلب، كماتقول: رجع القهقرى أي هذا الضرب من الرجوع اي طلب الاعوجاج.
---
(1) اللسان . (عوج) وتفسير الطبري 12 / 448

(4/410)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلاّ بسيميهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون(46)
آية بلاخلاف
قوله " وبينهما " يعني بين أصحاب الجنة واصحاب النار " حجاب " والحجاب هو الحاجز المانع من الادراك، ومنه قيل للضرير: محجوب، وحاجب الامير، وحاجب العين. وحجبه عنه أي منعه من الوصول اليه.
وقوله " وعلى الاعراف رجال " فالاعراف المكان المرتفع أخذ من عرف الفرس ومنه عرف الديك، وكل مرتفع من الارض يسمى عرفا، لانه بظهوره أعرف مما انخفض، قال الشماخ:
وظلت بأعراف تغالي كأنها
رماح نحاها وجهة الرمح راكز(1)
وقال آخر:
كل كناز لحمه نياف
كالعلم الموفى على الاعراف(2)
يعني بنشوز من الارض، وقيل: هو سور بين الجنة والنار، كماقال تعالى " فضرب بينهم بسورله باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب "(3) وهوقول مجاهد والسدي. واختلفوا في الذين هم على الاعراف على أربعة اقوال:
---
(1) ديوانه: 53 ومجاز القرآن 1 / 215، وروايتهما .
(وظلت تغالي باليفاع كأنها) وفي الطبري 12 / 449 مثل هنا تماما.
(2) مجاز القرآن 1 / 215 واللسان .
(نوف) والطبري 12 / 450.
(الكنار) المجتمع . (والنياف) الطويل. و . (العلم) الجبل.
(3) سورة 57 الحديد آية 13

(4/411)


تفسير التبيان ج4
احدها - أنهم فضلاء المؤمنين - في قول الحسن ومجاهد - قال ابو علي الجبائي هم الشهداء، وهم عدول الاخرة، وقال ابوجعفر (ع) هم الائمة، ومنهم النبي صلى الله عليه وآله.
وقال ابوعبدالله (ع) الاعراف كثبان بين الجنة والنار، فيوقف عليها كل نبي وكل خليفة نبي مع المذنبين من اهل زمانه، كما يوقف قائد الجيش مع الضعفاء من جنده، وقد سبق المحسنون إلى الجنة، فيقول ذلك الخليفة للمذنبين الواقفين معه انظروا إلى اخوانكم المحسنين، قدسبقوا إلى الجنة فيسلم المذنبون عليهم. وذلك قوله " ونادوا أصحاب الجنة ان سلام عليكم ".
ثم اخبر تعالى " انهم لم يدخلوها وهم يطمعون " يعني هؤلاء المذنبين لم يدخلوا الجنة، وهم يظمعون ان يدخلهم الله اياها بشفاعة النبي ولامام، وينظر هؤلاء المذنبون إلى اهل النار، فيقولون " ربما لاتجعلنا فتنة للقوم الظالمين ". ثم ينادي اصحاب الاعراف، وهم الانبياء والخلفاء اهل النار مقرعين لهم " ماأغنى عنكم جمعكم... أهؤلاء الذين اقسمتم " يعني هؤلاء المستضعفين الذين كنتم تحتقرونهم وتستطيلون بدنياكم عليهم. ثم يقولون لهؤلاء المستضعفين عن أمر الله لهم بذلك " ادخلوا الجنة لاخوف عليكم ولاأنتم تحزنون "(1).
ويؤكد ذلك مارواه عمربن شيبة وغيره: ان عليا (ع) قسيم الجنة والنار، فروى بن شيبة بأسناده عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: (ياعلي كأني بك يوم القيامة وبيدك عصامن عوسج تسوق قوما إلى الجنة وآخرين إلى النار).
الثاني - قال ابومجلز: هم ملائكة يرون في صورة الرجال.
الثالث - قال حذيفة:، هم قوم تبطئ بهم صغائرهم إلى آخر الناس.
الرابع - قال الفراء والزجاج وغيرهما: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فأدخلهم الله تعالى الجنة متفضلا عليهم.
---
(1) سورة الاعراف آية 47 - 48

(4/412)


تفسير التبيان ج4
وطعن الرماني والجبائي على هذا الوجه بأن قالا: الاجماع منعقد على انه لايدخل الجنة من المكلفين الا المطيع الله. وهذا الذي ذكروه ليس بصحيح، لان هذا الاجماع دعوى ليس على صحته دليل، بل من قال ماحكيناه لايسلم ذلك، واكثر المرجئة أيضا لايسلمون ذلك.
وقوله " يعرفون كلا بسيماهم " يعني هؤلاء الرجال الذين هم على الاعراف يعرفون جميع الخلق بسيماهم اهل الجنة بسيما المطيعين واهل النا ر بسيما العصاة. والسيماء العلامة، وهي في اهل النار سواد الوجوه ورزقة العيون، وفي اهل الجنة بياض الوجوه وحسن العيون - في قول الحسن وغيره - وقيل في وزن سيما قولان: احدهما - انه (فعلى) من سام ابله يسومها اذا أرسلها في المرعى، وهي السائمة. الثاني - ان وزنه وزن (فعلى)، وهو من وسمت، فقلبت الواوالى موضع العين، كما قالوا له جاه في الناس أي وجه، وقالوا: اضمحل وامضحل وارض خامة أي وخيمة، وفيها ثلاث لغات القصر والمد.
وسيماء، قال الشاعر:
غلام رماه الله بالحسن يافعا
له سيماء لاتشق على البصر(1)
على زنة (كبرياء).
وقوله " ونادوا اصحاب الجنة " يعني هؤلاء الذين على الاعراف ينادون ياأصحاب الجنة " سلام عليكم، لم يدخلوها وهم يطمعون " قيل في الطامعين قولان: احدهما - قال ابن عباس وابن مسعود والحسن وقتادة انهم اصحاب الاعراف.
وقال أبومجلز: هم اهل الجنة الذين مادخلوها بعد. والطمع -
---
(1) قائله سدير بن عنقاء الفزاري. الاغاني 17 / 117، والكامل 1 / 14 ومعجم الشعراء: 159، 323 وامالي القالي 1 / 237 والحماسة 4 / 68.

(4/413)


تفسير التبيان ج4
ههنا - هو يقين بلاشك، لانهم عالمون بذلك ضرورة. وهو مثل قول ابراهيم " والذي اطمع ان يغفرلي خطيئتي يوم الدين(1) ولم يكن ابراهيم (ع) شاكا في ذلك بل كان عالما قاطعا، وانماحسن ذلك لعظم شأن المتوقع في جلالة النعمة به، وهو قول الحسن وابي علي الجبائي واكثر المفسرين.
قوله تعالى: وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لاتجعلنا مع القوم الظالمين(47)
آية بلاخلاف.
هذا اخبار من الله تعالى عن أحوال هؤلاء الذين على الاعراف انه اذا صرف ابصارهم. والصرف هوالعدول بالشئ من جهة إلى جهة. والتلقاء جهة اللقاء، وهي جهة المقابلة، ولذلك كان ظرفا من ظروف المكان تقول: هو تلقاك، كقولك هو حذاك.
والابصار جمع بصر، وهوالحاسة التي يدرك بها المبصر وقد يستعمل بمعنى المصدر، فيقال له: بصر بالاشياء أي علم بها، وهو بصير بالامور اي عالم.
" واصحاب النار " هم اهل النار وانما يفيد " اصحاب " انهم ملازمون لها.
والاصل يقتضي المناسبة فيهم لسبب لازم، كالنسيب، كما يقال اهل البلد.
وحد الرماني (النار) بأن يقال: جسم لطيف فيه الحرارة والضياء، وزيد فيه ومن شأنه الاحراق.
وقوله " قالوا ربنا لاتجعلنا مع القوم الظالمين " أي لاتجمعنا واياهم في النار وانما حسنت المسألة مع علمهم الضروري بأن الله لايفعل بهم ذلك، لمالهم في ذلك من السرور بموقف الخاضع لله في دعائه الشاكر بخضوعه لربه، وكما يجوز ان يريدوا من الله النعيم كذلك يجوز ان يسألوا السلامة من العذاب مع العلم بهما.
ونظير ذلك قوله تعالى " يوم لايخزي الله النبي والذين آمنوا معه
---
(1) سورة 26 الشعراء آية 82

(4/414)


تفسير التبيان ج4
نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون: ربنا اتمم لنا نورنا واغفرلنا(1) وان كان النبي ومن معه من المؤمنين يعلمون ذلك.
قوله تعالى: ونادى أصحاب الاعراف رجالا يعرفونهم بسيميهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وماكنتم وتستكبرون(48)
آية بلاخلاف.
قوله " ونادى اصحاب الاعراف " معناه سينادي، وانما جاز ان يذكر الماضي بمعنى المستقبل، لامرين: احدهما - لتحقيق المعنى كأنه قدكان. والثاني - على وجه الحكاية والحذف. التقدير اذاكان يوم القيامة " نادى أصحاب الاعراف ". ونادى معناه دعا، غير ان في (نادى) معنى امتداد الصوت ورفعه، لانه مشتق من النداء يقال: صوت نداء أي يمتد وينصرف خلاف الواقف، وليس كذلك (دعا) لانه قد يكون بعلامة كالاشارة من غير صوت ولا كلام، ولكن اشارة تنبئ عن معنى يقال.
في هذه الاية اخبار وحكاية من الله تعالى ان اصحاب الاعراف ينادون قوما يعرفونهم من الكفار بسيماهم من سواد الوجوه وزرقة العين وضروب من تشويه الخلق يبينون به من اهل الجنة وغيرهم " ماأغنى عنكم جمعكم " معناه مانفعكم ذلك.
وقيل في معنى (الجمع) قولان: احدهما - جماعتكم التي استندتم اليها. الثاني - جمعكم الاموال والعددفي الدنيا.
قوله " وماكنتم تستكبرون " معناه ولانفعكم تكبركم وتجبركم في دار الدنيا عن الانقياد لانبياء الله واتباع امره.
---
(1) سورة 66 التحريم 8.

(4/415)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: أهؤلاء الذين أقسمتم لاينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولاأنتم تحزنون(49)
آية بلاخلاف.
قيل في القائل لهذا القول الذي هو " أهؤلاء الذين أقسمتم " قولان: احدهما - قال الحسن وابومجلز والجبائي واكثر المفسرين: انهم اصحاب الاعراف يقولون للكفار مشيرين إلى اهل الجنة " أهؤلاء الذين اقسمتم لاينالهم الله برحمة " وهذايدل على ان الواقفين على الاعراف هم ذووا المنازل الرفيعة والمراتب السنية. الثاني - انه من قول الله تعالى في اصحاب الاعراف.
وقوله " أهؤلاء " مبتدأ وخبره " الذين اقسمتم " ولايجوز ان يكون (الذين) صفة لهؤلاء من وجهين: احدهما - ان المبهم لايوصف الا بالجنس. والاخر - انه يبقى المبتدأ بلاخبر. ويجوز نصب (هؤلاء) بالفعل في " أهؤلاء الذين " اقسمتم " ولايجوز مع " الذين اقسمتم " لان مابعد الموصول لا يعمل فيما قبله، لانه من تمام الاسم. والاقسام تأكيد الخبر تقول: والله وتالله، للقطع عليه او ليدخل في قسم مايقطع به العمل عليه.
وقوله " لاينالهم الله برحمة " فالنيل هو لحوق البر. واصله اللحوق، تقول: نلت الحائط اناله نيلا اذا لحقته.
وقوله " ادخلوا الجنة " أمر بدخول الجنة للمؤمنين.
وقوله " لاخوف عليكم " فالخوف هو توقع المكروه، وضده الامن وهو الثقة بانتفاء المكروه و " لاانتم تحزنون " معناه ادخلوا الجنة، لاخائفين ولا محزونين، وفائدة الاية تقريع الزارئين على ضعفاء المؤمنين حتى حلفوا أنهم لاخير لهم عندالله، فقيل لهم " ادخلوا الجنة " على اكمل سرور وأتم كرامة.

(4/416)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين(50)
آية بلا خلاف.
في هذه الاية حكاية ان اصحاب النار يوم القيامة ينادون اصحاب الجنة واصحاب النار هو المخلدون في عذابها، لا جميع من فيها، لان فيها الزبانية الموكلون بعذاب اهلها. وانما توعد الله بالعقاب بالنار دون اختراع لالام او غيره من الاسباب، لانه أهول في النفس واعظم في الزجر، لما يتصور من الحال فيه، وما تقدم من ادراك البصر له، وانهم يسألونهم ان يفيضوا عليهم شيئا من الماء. والافاضة اجراء المائع من عل، ومنه قولهم: افاضوا في الحديث أي اخذوه بينهم من أوله لانه بمنزلة اعلاه. وافاضوا من عرفات إلى مزدلفة معناه صاروا اليها.
قال الرماني: حد الماء جسم سيال يروي العطشان من غير غذاء الحيوان، وهو جوهر عظيم الرطوبة يزيد على جميع المائعات في كثرة المنفعة.
وقوله " او مما رزقكم الله " قال ابن زيد والسدي: طلبوا مع الماء شيئا من الطعام.
وقال ابوعلي: طلبوا شيئا من نعيم الجنة، فأجابهم اهل الجنة بتحريم المنع، لا تحريم العبادة، فقالوا: " ان الله حرمها على الكافرين " وانما جاز ان يطلبوا شيئا من نعيم الجنة مع اليأس منه، لانهم لايخلون من الكلام به او السكوت عنه، وكلاهما لا فرج لهم فيه. وانما لم يدرك اهل الجنة - مع خيريتهم - رقة على اهل النار، لان من الخيرية القسوة على اعداء الله واعدائهم، وذلك من تهذيب طباعهم كما يبغض المسئ ويحب المحسن، وذلك دلالة على ان الله تعالى بنى هذه الجملة بنية لاتستغني عن الغذاء، لان اهل النار مع ما هم عليه من العذاب يطلبون الطعام والشراب.

(4/417)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحيوة الدنيا فاليوم ننسيهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون(51)
آية بلاخلاف.
يحتمل قوله " الذين اتخذوا دينهم " أن يكون في موضع جر بأن يكون صفة للكافرين، ويكون ذلك من قول أهل الجنة، وتقديره " إن الله حرمهما على الكافرين الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا ". ويحتمل أن يكون رفعا بالابتداء ويكون إخبارا من الله تعالى على وجه الذم لهم.
و (اتخذوا) وزنه وزن (افتعلوا) والاتخاذ الافتعال، وهو أخذ الشئ باعداد الامر من الامور، فهؤلاء أعدوا الدين للهو واللعب. ومعنى الدين - ههنا - ماأمرهم الله تعالى به ورغبهم فيه مما يستحق به الجزاء.
واصل الدين الجزاء، ومنه قوله " ملك يوم الدين " واللهو طلب صرف الهم بما لايحسن أن يطلب به، فهؤلاء طلبوا صرف الهم بالتهزئ بالدين وعيب المؤمنين، واللعب طلب المدح بما لايحسن ان يطلب به مثل حال الصبي في اللعب واشتقاقه من اللعاب وهو المرور على غير استواء.
وأصل اللهو الانصراف عن الشئ ومنه قوله (إذا استأثر الله بشئ لاه عنه) أي انصرف عنه.
وقوله " وغرتهم الحياة الدنيا " فمعنى الغرور تزيين الباطل للوقوع فيه، غره يغره غرورا. وإنما اغتروا هم بالدنيافي الحقيقة فصارت وكأنها غرتهم. والدنياهي النشأة الاولى. والاخرة النشأة الاخرى، وسميت الدنيا دنيا لدنوها من الحال، وهماكرتان، فالكرة الاولى الدنيا، والكرة الثانية هي الاخرة.
وقوله " فاليوم ننساهم " قيل في معناه قولان: أحدهما - نتركهم من رحمتنا بأن نجعلهم في النار - في قول ابن عباس

(4/418)


تفسير التبيان ج4
والحسن ومجاهد والسدي - فسمى الجزاء على تركهم طاعة الله نسيانا، كما قال " وجزاء سيئة سيئة مثلها "(1) والجزاء ليس سيئة.
الثاني - أنه يعاملهم معاملة المنسيين في النار، لانه لايجاب لهم دعوة ولايرحم لهم عبرة - في قول الجبائي - " كما نسوالقاء يومهم " معناه كما تركوا الاستعداد للقاء يومهم، هذا على القول الاول.
وعلى الثاني - كما نسوا في أنهم لم يعملوا به مثل الناسين لذلك لانجيب لهم دعوة، لانهم نسوا.
وقوله " وما كانوا بآياتنا يجحدون " فالجحد إنكار معنى الخبر. واما إنكار المنكر، فبكل مايصرف عن فعله إلى تركه. و (ما) في الموضعين مع مابعدها بمنزلة المصدر، والتقدير كنسيانهم لقاء يومهم هذا، وكونهم جاحدين لاياتنا.
قوله تعالى: ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون(52)
آية بلاخلاف.
هذا إخبار من الله تعالى أنه أتى هؤلاء الكفار بكتاب، المجئ نقل الشئ إلى حضرة المذكور، جئته بكذا ضد ذهبت به عنه، لان ذلك نقل اليه، وهذا نقل عنه. والكتاب المراد به القرآن.
وأهل الكتاب صحيفة فيهاكتابة، والكتابة حروف مسطورة تدل بتأليفها على معان مفهومة.
وقوله " فصلناه " معناه ميزنا معانيه على وجه يزول معه اللبس، والتفصيل والتبيين والتقسيم نظائر.
وقوله " على علم " معناه فصلناه، ونحن عالمون به، لانه لماكانت صفة (عالم) مأخوذة من العلم جاز أن يذكر ليدل به على العالم، كما أن الوجودفي صفة الموجود كذلك.
---
(1) سورة 42 الشورى آية 40.

(4/419)


تفسير التبيان ج4
وقوله " هدى ورحمة لقوم يؤمنون " إنما جعل القرآن نعمة على المؤمن دون غيره مع أنه نعمة على جميع المكلفين من حيث أنهم عرضوا به للهداية، غير أن المؤمن لمااهتدى به كانت النعمة بذلك عليه أعظم فأضيف اليه، وغير المؤمن لم يتعرض للهداية فلم يهتد، فالمؤمنون على صفة زائدة.
وقوله " هدى ورحمة " يحتمل ثلاثة أوجه من الاعراب: النصب من وجهين: الحال، والمفعول له، وبه القراء ة. والرفع على الاستئناف، والجر على البدل. وإنما لم يوصف القرآن بأنه هدى للكفار لئلا يتوهم أنهم اهتدوا به وإن كان هداية لهم بمعنى أنه دلالة لهم وحجة.
قوله تعالى: هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاء ت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ماكانوا يفترون(53)
آية بلاخلاف.
قوله " هل ينظرون " معناه هل ينتظرون. لان النظر قد يكون بمعنى الانتظار، قال أبوعلي: معناه هل ينتظر بهم أو هل ينتظر المؤمنون بهم إلا ذلك. وإنما أضافة اليهم مجازا، لانهم كانوا جاحدين لذلك غير متوقعين، وإنما كان ينتظر بهم المؤمنون، لايمانهم بذلك واعترافهم به.
والانتظار هو الاقبال على مايأتي بالتوقع له.
وأصله الاقبال على الشئ بوجه من الوجوه.
وإنما قيل لهم: ينتظرون وإن كانوا جاحدين، لانهم في منزلة المنتظر أي كأنهم ينتظرون ذلك، لانه يأتيهم لا محالة إتيان المنتظر. والتأويل معناه مايؤل اليه حال الشئ تقول: أوله تأويلا، وتأوله تأولا، وآل اليه أمره يؤل أولا، وقيل " تأويله " عاقبته من الجزاء به - في

(4/420)


تفسير التبيان ج4
قول الحسن وقتادة ومجاهد - وقال أبوعلي " تأويله " ماوعدوا به من البعث والنشور والحساب والعقاب.
وقوله " يقول الذين نسوه من قبل " قيل في معناه قولان: أحدهما - قال مجاهد: أعرضوا عنه فصار كالمنسي. الثاني - قال الزجاج: يقول الذين تركوا العمل به.
وقوله " قد جاء ت رسل ربنا بالحق " إخبار عن اعتراف الكفار الذين أعرضواعن حجج الله وبيناته والاقرار بتوحيده ونبوة أنبيائه، وإقرار منهم بأن ماجاء ت به الرسل كان حقا. والحق ماشهد بصحته العقل، وضده الباطل، وهو مايشهد بفساده العقل.
وقوله " فهل لنا من شفعاء فيشفعوا " والشفيع هو السائل لصاحبه اسقاط العقاب عن المشفع فيه، والعفو عن خطيئته فيتمنون ذلك مع يأسهم منه - في قول أبي علي - وقوله " فيشفعوا لنا " في موضع نصب، لانه جواب التمني بالفاء " أو نرد " عطف بالرفع على تأويل هل يشفع لناشافع " أو نرد " ولونصب " أو نرد " كان جائزا. ومعناه فيشفعوا لنا إلا أن نرد، وماقرئ به.
وقوله " فنعمل غير الذي كنا نعمل " إخبار من الكفار وتمنيهم أن يردوا إلى الدنيا حتى يعملوا غير ماعملوه من الكفر والضلال. فأخبر الله تعالى عند ذلك، فقال " قد خسروا أنفسهم " أي أهلكوها بالكفر والمعاصي " وضل عنهم ماكانوا يفترون ". وفى الاية دلالة على فساد مذهب المجبرة من وجهين: أحدهما - أنهم كانوا قادرين على الايمان في الدنيا فلذلك طلبوا تلك الحال، ولو لم يكونوا قادرين لماطلبوا الرد إلى الدنيا والى مثل حالهم الاولى. والاخر - بطلان مذهب المجبرة في تكليف أهل الاخرة، قال أبوعلى: وهو مذهب الحسين النجار وهو خلاف القرآن والاجماع، ولو كانوا مكلفين لما طلبوا الرجوع إلى الدنيا ليؤمنوا بل كانوا يؤمنون في الحال.

(4/421)


تفسير التبيان ج4
ومعنى " خسروا أنفسهم " أي منعوا من الانتفاع بها، ومن منع الانتفاع بنفسه فقد خسرها " وضل عنهم ماكانوا يفترون " معناه ضل عنهم ماكانوا يدعون أنهم شركاء لله وآلهة معه، وهذا كان افتراؤهم على الله.
قوله تعالى: إن ربكم الله الذي خلق السموات والارض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والامر تبارك الله رب العالمين(54)
آية بلاخلاف.
قرأ اهل الكوفة الا حفصا ويعقوب " يغشي الليل " بالتشديد، وكذلك في الرعد.
وقرأ ابن عامر " والشمس والقمر والنجوم مسخرات " بالرفع فيهن.
الباقون بالنصب.
هذا خطاب من الله تعالى لجميع الخلق وإعلام لهم بأن ربهم الذي أحدثهم وأنشأهم هو الله تعالى " الذي خلق " بمعنى اخترع " السماوات والارض " فابتدعهما وأوجدهما لامن شئ، ولا على مثال " في ستة أيام " وقيل: إن هذه الستة أيام هي الاحد والاثنين والثلاثاء والاربعاء والخميس والجمعة. فاجتمع له الخلق في يوم الجمعة، فلذلك سميت: جمعة - في قول مجاهد - و (السماوات) إنما جمعت بالواو، لانه رد إلى أصله، لان أصله سماوة، وليس مثل ذلك (قراء ة) لان أصلها الهمزة، ولذلك قيل في الجمع قراء ات.
والوجه في خلقه إياهما " في ستة أيام " مع أنه قادر على إنشائهما دفعة واحدة قيل فيه وجوه: أحدها - أن تدبير الحوادث على إنشاء شئ بعد شئ على ترتيب،

(4/422)


تفسير التبيان ج4
أدل على كون فاعله عالما قديرا يصرفه على اختياره ويجريه على مشيئته.
وقال أبوعلي: ذلك لاعتبار الملائكة بخلق شئ بعد شئ.
وقال الرماني: يجوز أن يكون الاعتبار بتصور الحال في الاخبار، ومعناه إذا أخبر الله تعالى بأنه " خلق السماوات والارض في ستة أيام " كان فيه لطف للمكلفين، وكان ذلك وجه حسنه.
وقوله " ثم استوى على العرش " قيل في معناه قولان: أحدهما - أنه استولى كما قال البغيث:
ثم استوى بشر على العراق
من غير سيف ودم مهراق(1)
يريد بشر بن مروان.
الثاني - قال الحسن: استوى أمره.
وقيل في معنى " ثم استوى " ثلاثة أقوال: أحدها - قال أبوعلي: ثم رفع العرش بأن استولى عليه ليرفع.
الثاني - ثم بين أنه مستوي على العرش.
الثالث - ثم صح الوصف بأنه مستوي على العرش، لانه لم يكن عرشا قبل وجوده.
وقوله " يغشى الليل النهار " معناه يجلل الليل النهار أي يدخل عليه.
وقال الازهري: أقبل عليه.
والاغشاء هو إلباس الشئ مارق بما يجلله، ومنه غاشية السرج، والغشاوة التي تخرج على الولد، وغشي على الرجل اذا غشيه ما يزيل عقله من عارض علة. ومن شدد العين، فلانه يدل على الكثرة.
وغشى فعل يتعدى إلى مفعول واحد، كقوله " وتغشى وجوههم النار "(2) فاذا نقلته بالهمزة أو التضعيف تعدى إلى مفعولين، وقد ورد القرآن بهما قال الله تعالى " فأغشيناهم فهم
---
(1) مرهذا البيت في 1 / 125 و 2 / 396، وسيأتي في 5 / 386.
(2) سورة 14 ابراهيم آية 50.

(4/423)


تفسير التبيان ج4
لايبصرون "(1) فالمفعول الثاني محذوف، وتقديره فأغشيناهم العمى، وفقد الرؤية. وبالتضعيف نحو قوله " فغشاها ماغشى "(2) (ما) في موضع نصب بأنه مفعول ثان.
ومن خفف، فلانه يحتمل القليل. والكثير، والليل هو الذي يلبس النهار في هذا الموضع، لانه منقول من غشي الليل النهار.
وقوله " يطلبه حثيثا " معناه أنه يستمر على منهاج واحد وطريقة واحدة من غير فتور يوجب الاضطراب، كما يكون في السوق الحثيث.
وقيل: إن معنى الحثيث السريع بالسوق.
وقوله " والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره " عطف على " خلق السماوات " كأنه قال وخلق " الشمس والقمر والنجوم مسخرات " وهي نصب على الحال، ومن رفع استأنف وأخبر عنها بأنها مسخرة.
وقوله " ألا له الخلق والامر " إنما فصل الخلق من الامر، لان فائدتهما مختلفة " لان له الخلق " يفيد أن له الاختراع، " وله الامر " معناه له أن يأمر فيه بماأحب فأفاد الثاني مالم يفده الاول. فمن استدل بذلك على أن كلام الله قديم، فقد تجاهل لمابينا، ولو كان معناهما واحدا لجاز أيضا مع اختلاف اللفظين، كما قالوا: كذب ومين وأشباهه.
وقوله " تبارك الله رب العالمين " معناه تبارك تعالى بالوحدانية فيما لم يزل ولايزال وأصله الثبات من قول الشاعر:
ولاينجي من الغمرات إلا
براكاء القتال أو الفرار(3)
فهو بمعنى تعالى بدوام الثبات. ويحتمل تعالى بالبركة في ذكر اسمه. وقيل في معنى (العرش) قولان:
---
(1) سورة 36 يس آية 9.
(2) سورة 53 النجم آية 54.
(3) قائله بشر بن ابي خازم. اللسان .
(برك). البراكاء: الثبات في الحرب والمقاتلة بجد.

(4/424)


تفسير التبيان ج4
أحدهما - أنه سرير تعبدالله تعالى الملائكة بحمله.
وقيل: المراد به الملك.
قوله تعالى: أدعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لايحب المعتدين(55)
آية قرأ أبوبكر " خفية " بكسر الخاء - ههنا - وفي الانعام. الباقون بضمهما، وهما لغتان.
أمر الله تعالى عباده المكلفين أن يدعوه والدعاء، طلب الفعل بطريقة (اللهم افعل) وقد يجئ بطريقة غفر الله له، فهذه صيغة الخبر، والاول صيغة الامر غير أنه إنما يسمى أمرا اذا كان المقول له دون القائل، وإن كان فوقه سمي دعاء وطلبا.
وأماقول القائل: يالله يارحمن يارحيم ياغفور ياقدير ياسميع وماأشبه ذلك من اسماء الله، فانما هو على جهة النداء ومعناه التعظيم.
وقوله " تضرعا " فالتضرع التذلل، وهو اظهار الذل الذي في النفس، ومثله الخشع ومنه الطلب لامر من الامور. وأصل التضرع الميل في الجهات ذلا من قولهم: ضرع الرجل يضرع ضرعا إذا مال بأصبعه يمينا وشمالا، ذلا وخوفا. ومنه ضرع.
ومنه ضرع الشاة، لان اللبن يميل.
ومنه المضارعة للمشابهة لانها تميل إلى شبهه بمعنى المقاربة، والضريع نبت لايسمن ولايغني من جوع، لانه يميل مع كل داء.
وقوله " وخفية " فالخفية خلاف العلانية.
قال ابن عباس: الخفية هي السر، وبه قال الحسن.
وقال أبوعلي: إنما ذاك لئلا يشوب الدعاء معنى الرياء، وحد الاخفاء خلاف حد الاظهار، والاظهار اخراج الشئ إلى حيث يقع عليه الادراك. والاخفاء إغماضه بحيث لايقع عليه الادراك.
وقوله " إنه لايحب المعتدين " فالمحبة من الله تعالى للعبد إرادة الثواب، ولذلك يحب المؤمن ولايحب الكافر، ويحب الصلاح ولايحب الفساد.

(4/425)


تفسير التبيان ج4
والاعتداء تجاوز حد الحق أي لا تتجاوز واحد الحق في الدعاء فتطلبوا منازل الانبياء ومالايجوز أن يعمل في الدنيا - في قول أبي مجلز - وقال ابن جريج يكره الصياح في الدعاء و " تضرعا وخفية " مصدر ان في موضع الحال، وتقديره ادعوا الله متضرعين في حال السر والعلانية.
والخفية والاخفاء، والخيفة والخوف والرهبة نظائر.
والهمزة في الاخفاء منقلبة عن الياء بدلالة الخفية والاخفاء، ضد الاعلان.
ويقال أحفيت الشئ اذا أظهرته قال الشاعر: يحفى التراب بأظلاف ثمانية(1)
قوله تعالى: ولاتفسدوا في الارض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين(56)
آية بلاخلاف.
نهى الله تعالى في هذه الاية عن الفساد في الارض وهو الاضرار بما تمنع الحكمة منه يقال: أفسد الحر التفاحة اذا أخرجها إلى حال الضرر بالتغيير. والاصلاح النفع بما تدعو اليه الحكمة ولذلك لم تكن الالام في النار إصلاحا لاهلها، لانه لانفع لهم فيها.
وقال الحسن: إفساد الارض بالقتل للمؤمنين والاعتداء عليهم.
وقيل: إفساد الارض العمل فيها بمعاصي الله، وإصلاحها العمل فيها بطاعة الله.
وقوله " وادعوه خوفا وطمعا " أمر من الله تعالى لهم أن يدعوه خوفا وطمعا، وهما منصوبان على المصدر، وهما في موضع الحال. وتقديره ادعوا ربكم خائفين من عقابه طامعين في ثوابه.
والخوف هوالانزعاج بمالايؤمن، والامن سكون النفس إلى انتفاء المضار، والخوف يكون بالعصيان. والايمن بالايمان. والطمع توقع المحبوب، ونقيضه اليأس وهو القطع بانتفاء المحبوب.
---
(1) مر في 2 / 71 كاملا.

(4/426)


تفسير التبيان ج4
وقوله " إن رحمة الله قريب من المحسنين " إخبار منه تعالى أن رحمته قريبة واصلة إلى المحسن.
والاحسان هو النفع الذي يستحق به الحمد.
والاساء ة هي الضرر الذي يستحق به الذم.
وقيل: المراد بالمحسنين من تكون أفعاله كلها حسنة وهذا لايقتضيه الظاهر، بل الذي يفيده أن رحمة الله قريب إلى من فعل الاحسان، وليس فيها أنها لاتصل إلى من جمع بين الحسن والقبيح بل ذلك موقوف على الدليل.
وقال الفراء: إنما لم يؤنث قوله " قريب " وهو وصف ل (رحمة) لانه ذهب مذهب المكان، ومايكون كذلك لايثنى ولايجمع ولايؤنث.
ولو ذهب به مذهب النسب أنث وثني وجمع قال عروة بن حزام:
عشية لاعفراء منك قريبة
فتدنوا ولاعفراء منك بعيد(1)
وقال الزجاج هذا غلط بل كل ما قرب من مكان أونسب فهو جائز عليه التأنيث والتذكير. وجعله الاخفش من باب الصيحة والصياح، لان الرحمة والاحسان والانعام من الله واحد.
وقال بعضهم المراد بالرحمة هاهنا المطر فلذلك ذكر.
---
(1) ديوانه: 48، ومعاني القرآن للفراء 1 / 381 وتفسير الطبري 12 / 488 والبكري في شرح الامالي 401 وتفسيرأبي حيان 4 / 313 وقد روي:
عشية لاعفراء منك بعيدة
فتسلو ولاعفراء منك قريب

(4/427)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: وهو الذي يرسل الرياح بُشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلّت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فانزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون(57)
آية بلاخلاف.
قرأ ابن كثير وحمزة والكسائى وخلف " الريح " على التوحيد، ههنا وفي النمل، والثانى من الروم وفي فاطر وقرأ عاصم " بشرا " بالباء وضمها وسكون الشين.
وقرأه نافع بالنون وضمها وضم الشين وهم أهل الحجاز والبصرة، وكذلك الخلاف في الفرقان، والنمل.
قال أبوعلي (الريح) إسم على وزن (فعل)، والعين منه واوفا نقلبت ياء في الواحد للكسرة وصحت في الجمع القليل، لانه لاشئ يوجب الاعلال ألا ترى أن الفتحة لاتوجب اعلال هذه الواو في مثل يوم وقول وعون قال ذو الرمة:
اذا هبت الارواح من نحو جانب
به آل مي هاج شوقي هبوبها(1)
وليس ذلك كعيد وأعياد، لان هذا بدل لازم وليس البدل في الريح كذلك.
فاما في الجمع الكثير فرياح انقلبت الواو بالكسرة التي قبلها كما انقلبت في نحو ديمة وديم، وحيلة وحيل، وفي رياح أجدر، لوقوع الالف بعدها، والالف تشبه الياء، والياء إذا تأخرت عن الواو وجب فيها الاعلال فكذلك الالف لشبهها بها، والريح على لفظ الواحد، ويجوز ان يراد بها الكثرة، لقولهم: كثير الدرهم والدينار، وقوله " إن الانسان لفي خسر " ثم قال " إلا الذين آمنوا "(2) فكذلك من قرأ " الريح بشرا " فأفرد، ووصفه بالجمع، فانه حملها على المعنى.
وقد أجاز أبوالحسن ذلك وقال الشاعر: فيها اثنتان وأربعون حلوبة سودا(3)
---
(1) تفسير ابن حيان 4: 316.
(2) سورة 103 العصر آية 2 - 3.
(3) قائله عنترة وتمام البيت:
فيها اثنتان وأربعون حلوبة
سودا كخافية الغراب الاسحم

(4/428)


تفسير التبيان ج4
ومن نصب جاء قوله على المعنى، لان المفرد يراد به الجمع، وهذا وجه قراء ة ابن كثير لانه أفرد (الريح) ووصفه بالجمع، فلايكون (الريح) على هذا اسم جنس وقول من جمع الريح اذا وصفها بالجمع أحسن إذ الحمل على المعنى أقل من الحمل على اللفظ، ويؤكد ذلك قوله " الرياح مبشرات "(1) فلما وصفت بالجمع جمع الموصوف أيضا.
فأما ماجاء في الحديث من أن النبي صلى الله عليه وآله كان يقول اذا هبت ريح: (اللهم اجعلها رياحا ولاتجعلها ريحا) فلان عامة ماجاء بلفظ الرياح السقيا والرحمة، كقوله " وأرسلنا الرياح لواقح "(2) وقوله " ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات "(3) وقوله " الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء "(4).
وماجاء بخلاف ذلك جاء على الافراد كقوله " وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم "(5) وقوله " وأما عاد فاهلكوا بريح صرصر "(6) وقوله " بل هو ما استعجلتم به ريح فيهاعذاب اليم "(7).
قال أبوعبيدة " نشرا " أي متفرقة من كل جانب، وقال أبوزيد: انشر الله الموتى إنشارا اذا بعثها وأنشر الله الريح مثل أحياها، فنشرت الجنوب وأحييت، والدليل على ذلك قول المراد الفقسي:
---
(1) سورة 30 الروم آية 46.
(2) سورة 15 الحجر آية 22.
(3) سورة 30 الروم آية 46.
(4) سورة 30 الروم آية 48.
(5) سورة 51 الذاريات آية 41.
(6) سورة 69 الحاقة آية 6.
(7) سورة 46 الاحقاف آية 24.

(4/429)


تفسير التبيان ج4
وهبت له ريح الجنوب واحييت
له ريدة يحيي المياه نسيمها(1)
والريدة والريدانة الريح، قال الشاعر:
إني لارجو أن تموت الريح
فأقعد اليوم واستريح(2)
ومن قرأ " نشرا " بضم النون والشين يحتمل ضربين: جمع ريح، ريح نشور وريح ناشر، ويكون على معنى النسب فاذا جعله جمع نشور احتمل أمرين: أحدهما - أن يكون النشور بمعنى المنشر كما أن الركوب بمنزلة المركوب كان المعنى ريح أو رياح منشرة، ويجوز أن يكون نشرا جمع نشور يريد به الفاعل مثل طهور ونحوه من الصفات. ويحتمل أن يكون نشر جمع ناشر كشاهد وشهد ونازل ونزل وقايل وقيل، قال الاعشى: إنا لامثالكم ياقومنا قيل(3) وقول ابن عامر (بشرا) يحتمل الوجهين: أن يكون جمع فعول وفاعل فخفف العين، كما خفف في كتب ورسل، ويكون جمع فاعل كبارك وبرك وغايظ وغيظ.
ومن فتح النون وسكون الشين فانه يحتمل ضربين: أحدهما - أن يكون المصدر حالا من الريح فذا جعلته حالا منها احتمل أمرين أحدهما - أن يكون النشر الذي هو خلاف الطبي، كأنها كانت بانقطاعها كالمطوية، ويجوز على تأويل أبي عبيدة أن تكون متفرقة في وجوهها. والاخر - أن يكون النشر الذي هو الحياة من قوله:
حتى يقول الناس مما رأوا
ياعجبا للميت الناشر(4)
فاذا حملته على ذلك - وهو الوجه - كان المصدر يرادبه الفاعل، كماتقول أتافا ركضا أي راكضا، ويجوز أن يكون المصدر يراد به المفعول كأنه يرسل الرياح انشارا أي محياة فحذف الزوائد من المصدر، كما يقال عمرك الله.
---
(1) اللسان . (ريد) وتفسير ابي حيان 4 / 316، ورواية اللسان . (الممات) بدل . (المياه).
(2) اللسان . (نشر) وتفسير أبي حيان 4 / 316.
(3) ديوانه: 47 قصيدة 6 وروايته . (قتل) بدل .
(قيل) وصدره: * كلا زعمتم بأنا لانقاتلكم *
(4) تفسير أبي حيان 4 / 316 واللسان . (نشر).

(4/430)


تفسير التبيان ج4
وكما يقال: فان يهلك فذلك كان قدري أي تقديري.
والضرب الاخر - أن يكون " نشرا " على هذه القراء ة ينصب انتصاب المصادرمن باب " صنع الله "(1) لانه إذا قال يرسل الرياح دل هذا الكلام على تنشير الريح نشرا.
وقراء ة عاصم " بشرا " بالباء فهو جمع بشير وبشر من قوله " يرسل الرياح مبشرات "(2) أي تبشر بالمطر والرحمة وجمع بشير) على (بشر) ككتاب وكتب.
لما أخبر الله تعالى في الاية الاولى أنه الذي خلق السماوات والارض وخلق الشمس والقمر والنجوم مسخرات، وأنه الذي يجلل الليل النهار، عطف على ذلك بأن قال " وهوالذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته " تعدادا لنعمه على خلقه.
والارسال هو الاطلاق بتحميل معنى، كما تقول: أرسلت فلانا أي حملته رسالة، فلما أطلق الله الرياح كان ذلك بمنزلة المطوي في الامتناع من الادراك ثم صارت تدرك في الافاق، كانت كنشر الثوب بعد طيه في الادراك قال امرؤ القيس:
كان المدام وصوب الغمام
وريح الخزامي ونشر القطر(3)
وقال الفراء: النشر من الرياح: الطيبة اللينة التي تنشئ السحاب، والسحاب الغيم الجاري في السماء مشتقا من الاسحاب، يقال: سحبه سحبا وأسحب إسحابا وتسحب تسحبا.
وقوله " بين يدي رحمته " معناه قدام رحمته، كمايقدم الشئ بين يدي
---
(1) سورة 27 النمل آية 88.
(2) سورة 30 الروم آية 46.
(3) ديوانه: 79 واللسان . (نشر) وتفسير الطبري 12 / 490 يصف صاحبته بأن ريح فمها ذا نكهة طيبة عند قيامها من النوم. والقطر: عود طيب الرائحة.

(4/431)


تفسير التبيان ج4
الانسان، كما قال " لما خلقت بيدي "(1) أي توليت خلقه، كما يقول الانسان: عملت بيدي، والرحمة يراد بها - ههنا - الغيث.
وقوله " حتى إذا أقلت سحابا ثقالا " فلاقلال حمل الشئ بأسره حتى يقل في طاقة الحامل له بقوة جسمه، يقال: استقل بحمله استقلالا. وأقله إقلالا، والثقال جمع ثقيل والثقيل مافيه الاعتماد الكثير سفلا.
وقال قوم: هو ماتجمع أجزاؤه كالذهب والحجر، وقد يكون بكثرة ماحمل كالسحاب الذي يثقل بالماء.
وقوله " سقناه لبلد ميت " أي إلى بلد، فالسوق حث الشئ في السير حتى يقع الاسراع فيه، ساقه يسوقه سوقا، واستاقه استياقا، وساوقه مساوقة، وتساوقوا تساوقا، وتسوق تسوقا، وانساق انسياقا، وسوقه تسويقا. (والبلد الميت) هوالذي اندرست مشاربه وتعفت مزارعه.
وقوله " فأنزلنابه الماء " الهاء في (به) راجعة إلى البلد. ويحتمل أن تكون راجعة إلى السحاب.
وقوله " فأخرجنا به من الثواب " فالهاء في (به) يحتمل أن تكون راجعة إلى البلد، ويكون التقدير أخرجنا بهذاالبلد. ويحتمل أن تكون راجعة إلى الماء، فكأنه قال فأخرجنا بهذا الماء من كل الثمرات. ويحتمل أن تكون (من) للتبعيض. ويحتمل أن تكون لتبيين الجنس.
وقوله " كذلك نخرج الموتى " معناه كما أخرجنا الثمرات. كذلك نخرج الموتى بعد موتها بأن نحييها " لعلكم تذكرون " معناه لكي تتذكروا، وتتفكروا وتعتبروا بأن من قدر على انشاء الاشجار والثمار في البلد الذي لاماء فيه ولازرع، فانه يقدر على أن يحيي الاموات بأن يعيدهاالى ماكانت عليه بأن يخلق فيها الحياة والقدرة.
واستدل البلخي بهذه الاية على أن كثيرا من الاشياء تكون بالطبع.
---
(1) سورة 38 ص آية 75.

(4/432)


تفسير التبيان ج4
قال: لان الله تعالى بين انه يخرج الثمرات بالماء الذي ينزله من السماء، قال: ولاينبغي أن ينكر ذلك وإنما ينكر قول من يقول بقدم الطبائع أو قول من يقول: إن الجمادات تفعل.
فأما من قال: إن الله تعالى يفعل هذه الاشياء غير أنه يفعلها تارة مخترعة بلا وسائط وتارة بوسائط، فلا كراهة في ذلك كماتقول في السبب والمسبب، وهذا الذي ذكره ليس بصحيح، لانه إن اشار بالطبع إلى رطوبات مخصوصة ويبوسات مخصوصة، فلاخلاف في ذلك غير أن هذه الاشياء لا تتولد عنها ذوات أخر، بل مايحصل عندها الله تعالى يفعلها مبتدأ، وليس كذلك السبب والمسبب، لان السبب الذي يفعل الفعل بهاوهو الاعتماد والمجاوزة يوجب التأليف، وما عدا ذلك فليس فيه شئ تولد أصلا، وإن أراد بالطبع غير هذا المعقول فليس في الاية دلالة على صحته بحال.
قوله تعالى: والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لايخرج إلا نكدا كذلك نصرّف الايات لقوم يشكرون(58)
آية بلاخلاف.
قرأ أبوجعفر " نكدا " بفتح الكاف. الباقون بكسرها، والوجه في ذلك أنهما لغتان. وحكى الزجاج (نكدا) بضم النون وسكون الكاف. ولايقرأبه.
وقال الفراء: يقتضي القياس أيضا (نكدا) بضم الكاف، وفتح النون، غير أني لم أسمعه مثل دنف ودنف وحذر وحذر، ويقظ ويقظ ويقظ، بالفتح والضم والكسر.
قوله " والبلد الطيب " فالبلد هو الارض التي تجمع الخلق الكثير، وتنفصل بمالهم فيها من العمل، واا.
والبلدة خلاف الفلاة، والصحراء، وأما البادية فكالبلد للاعراب ونحوهم من الاكراد والاتراك.

(4/433)


تفسير التبيان ج4
والطيب مافيه أسباب التلذذ، وضده الخبيث، وهومافيه أسباب النكرة.
وقال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والسدي: هذا مثل، ضربه الله للمؤمنين فشبه المؤمن - ومايفعله من الطاعات والافعال، والانتفاع بماأمره الله ونهاه عنه - بالارض العذبة التربة التي تخرج الثمرة الطيبة بماينزله الله عليها من الماء العذب، والكافر - ومايفعله من الكفر والمعاصي - بالارض السبخة الملحة التي لاينتفع بنزول المطر عليها، فينزع عنها البركة.
وقوله " يخرج نباته باذن ربه " فالاخراج نقل الشئ من محيط به إلى غيره، فهذا النبات كأنه كان في باطن الارض فخرج منه، (والاذن) هو الاطلاق في الفعل برفع المنعة فيه، فكذلك منزلة هذا البلد، كأنه قد أطلق في اخراج النبت الكريم. ووجه ضرب المثل بالارض الطيبة والارض الخبيثة مع أنهما من فعل الله وكلاهما حكمة وصواب، والطاعات والمعاصي أحدهما بأمر الله والاخر بخلاف أمره، هو أن الله تعالى لما جعل المنفعة بأحدهما والمضرة بالاخر مثل بذلك الانتفاع بالعمل الصالح والاستضرار بالمعاصي والقبائح.
وقوله " والذي خبث لايخرج إلا نكدا " فالنكد العسر بشدته الممتنع من إعطاء الخير على وجه البخل تقول: نكد ينكد نكدا، فهو نكد ونكد. وقد نكد إذا سئل فبخل، ونكد ينكد نكدا، قال الشاعر:
لاتنجز الوعد إن وعدت وإن
أعطيت أعطيت تافها نكدا(1)
وقال الاخر:
واعط ما أعطيته طيبا
لاخير في المنكود والناكد(2)
وقال السدي: النكد القليل الذي لاينتفع به.
وقوله " كذلك نصرف الايات لقوم يشكرون " فالتصريف توجيه الشئ في جهتين فصاعدا، فلما
---
(1) مجاز القرآن 1 / 217 واللسان . (تفه) وتفسير الطبري 12 / 495.
(2) اللسان . (نكد) وتفسير الطبري 12 / 495.

(4/434)


تفسير التبيان ج4
كان معنى الاية يوجه في الدلالات المختلفة كانت الاية متصرفة، فالنشأة الثانية مصرفة بأنها كاحياء الارض بالماء للبنات، وبأنها كالخارج من الارض في الاختلاف، فمنه طيب، ومنه خبيث، وبأنها في حال المؤمن المؤمن والكافر، كحال الارض في الطيب والخبث.
والمعنى أنه تعالى يبين لهم آية بعد آية، وحجة بعد أخرى، ويضرب مثلا بعد مثل " لقوم يشكرون " الله على إنعامه عليهم هدايته إياهم لما فيه نجاتهم وتبصيرهم سبيل أهل الضلال وأمره إياهم تجنب ذلك والعدول عنه.
قوله تعالى: لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال ياقوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم(59)
آية واحدة بلاخلاف.
قرأ أبوجعفر والكسائي " من إله غيره " - بخفض الراء وكسر الهاء ووصلها - بناء في اللفظ حيث وقع. الباقون بضم الراء وضم الهاء وإشباعها بالواو، قال الكسائي تقديره مالكم غيره من إله. في قراء ة نافع.
قال أبوعلي الفارسي: من جر جعل (غير) صفة ل (إله) على اللفظ وجعل (لكم) مستقرا أوغير مستقر، وأضمر الخبر، والخبر مالكم في الوجود أو في العالم ونحو ذلك لابد من هذا الاضمار إذا لم يجعل (لكم) مستقرا، لان الصفة.
والموصوف لايستقل بهما الكلام.
ومن رفع حجته قوله " ومامن إله إلا الله "(1) فكما أن قوله " إلا الله " بدل من قوله " من إله " كذلك قوله " غيره " يكون بدلا من قوله " من إله " و (غير) يكون بمنزلة الاسم الذي بعد (إلا)، وهذا الذي ذكرناه أولى
---
(1) سورة 3 آل عمران آية 62.

(4/435)


تفسير التبيان ج4
أن يحمل عليه من أن يجعل (غير) صفة ل (إله) على الموضع. فان قلت ماينكر أن يكون " إلا الله " صفة ل (إله)؟ قيل: إن (الا) بكونها استثناء أعرف وأكثر من كونها صفة.
وإنما جعلت صفة على التشبيه بغير، فاذا كان الاستثناء أولى حملنا " هل من خالق غير الله "(1) على الاستثناء من النفي في المعنى، لان قوله " هل من خالق غير الله " بمنزلة مامن خالق غير الله، ولابد من اضمار الخبر، كأنه قال: مامن خالق للعالم غير الله، ويؤكد ذلك قوله " لا إله الا الله "(2) فهذا استثناء من منفي مثل لا أجد في الدار إلا زيدا.
فأما حمزة والكسائي فانهما جعلا (غير) صفة لخالق وأضمرا الخبر، كما تقدم. والباقون جعلوه استثناء بدلا من النفي، وهو أولى لماتقدم من الاستشهاد عليه من قوله " ومامن إله إلا الله "(3). أخبر الله تعالى وأقسم على خبره - لان اللام في قوله " لقد " لام القسم - بأنه أرسل نوحا (ع) إلى قومه وإرساله اياه هو تكليفه القيام بالرسالة وهي منزلة جليلة شريفة يستحق بهاالرسول بتقلبه إياها والقيام باعبائها أن يعظم أعلى تعظيم البشر، وأخبر أن نوحا قال لقومه " ياقوم اعبدوا الله " والعبادة هي الخضوع بالقلب في أعلى مراتب الخضوع يعظم به من له أعظم النعم، فلذلك لايستحق العبادة غير الله، وأخبر أنه أمرهم بأن تكون عبادتهم لله وحده، لانه لاإله لهم غيره، ولامعبود لهم سواه.
وقال لهم " إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم " يريد به يوم القيامة، والعذاب هو الالم الجاري على استمرار، وقديكون غير عقاب، إلا أن المراد به - ههنا - العقاب. والعقاب الامل على ماكان من المعاصي. ولم يجعل خوفه عليهم على وجه الشك، بل أخبرهم أن هذا العذاب سيحل بهم إن لم يقبلوا
---
(1) سورد 35 فاطر آية 3.
(2) سورة 37 الصفات آية 35. وسورة 47 محمد آية 19.
(3) سورة 3 آل عمران آية 62.

(4/436)


تفسير التبيان ج4
ماأتاهم به، لان الخوف قد يكون مع اليقين كما يكون مع الشك ألا ترى أن الانسان يخاف من الموت، ولايشك في كونه.
الآية: 60 - 79
قوله تعالى: قال الملأ من قومه إنا لنريك في ضلال مبين(60)
آية بلاخلاف.
(قال) أصله (قول) فانقلبت الواو الفا لحركتها وانفتاح ماقبلها.
أخبر الله تعالى عن الملا من قوم نوح. وقيل في معنى الملا قولان: أحدهما - أنهم الجماعة من الرجال سموا بذلك لانهم يملؤن المحافل. والثاني - أنهم الاشراف، وقيل: الرؤساء، لانهم يملؤن الصدر بعظم شأنهم، ومنه قوله صلى الله عليه وآله أولئك الملا من قريش.
والقوم يقال لمن يقوم بالامر، ولانسوة فيهم - على قول الفراء - وهو مأخوذ من القيام. وإنما سموا بالمصدر، كماقال بعض العرب اذا أكلت طعاما أحببت نوما وابغضت قوما أي قياما.
وقوله " إنا لنراك " قيل في معناه ثلاثة أقوال: أحدها - انه من رؤية القلب الذي هوالعلم.
الثاني - من رؤية العين، كأنهم قالوا نراك بأبصارنا على هذه الحال.
الثالث - أنه من الرأي الذي هو غالب الظن وكأنه قال: إنالنظنك.
وقوله " في ضلال مبين " أرادوا بالضلال ههنا العدول عن الصواب إلى الخطأ فيما زعموا مخالفتهم إياه فيما دعاهم اليه من اخلاص العبادة لله تعالى. و " مبين " أي بين ظاهر.
قوله تعالى: قال ياقوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين(61)
آية بلاخلاف.

(4/437)


تفسير التبيان ج4
في هذه الاية إخبار عما أجابهم به نوح (ع) وقال لهم " ليس بي ضلالة " أي ليس بي عدول عن الحق، ويقال،: به ضلالة لان فيه معنى عرض به كما يقال به جنة، ولايجوز أن يقال: به معرفة، لانها ليست مما تعرض بصاحبها، ولكن يصح أن يقال: به جوع، وبه عطش، لانه عارض به.
قوله " ياقوم " أصله ياقومي، فحذفت ياء الاضافة لقوة الندآء على التغيير، حتى يحذف للترخيم، فلماجاز أن يحذف في غيره للاجتزاء بالكسرة منها، لزم أن يحذف فيه لاجتماع السببين فيه.
وقوله " ولكني رسول من رب العالمين " معنى (لكن) والاستدراك الخفيفة يستدرك بها معنى المفرد. والمشددة يستدرك بها معنى الجملة، فلذلك صارت من أخوات (إن).
" ولكني " أصله (ولكنني) وحذفت النون لاجتماع النونات، ويجوز الاتمام، لانه الاصل، وكذلك (اني، وكأني) فأما (ليتني) فلايجوز فيه الا اثبات النون، لانه لم يعرض فيه علة الحذف. واما (لعلي) فيجوز فيه الوجهان، لان اللام قريبة من النون.
ومعنى (من) - ههنا - لابتداء الغاية، ومعناه أن الله تعالى هو الذي ابتدأني بالرسالة، وكل مبتدئ بفعل فذلك الفعل منه. وأصل (من) موضع ابتداء الغاية كقولك: خرجت من بغداد إلى الكوفة أي ابتداء خروجي من بغداد.
قوله تعالى: أبلّغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله مالا تعلمون(62)
آية بلاخلاف.
قرأ أبوعمرو وحده " أبلغكم " مخففة اللام. الباقون بتشديدها.
و (بلغ) فعل يتعدى إلى مفعول واحد تقول: بلغني خبركم، وبلغت أرضكم، فاذا نقلته تعدى إلى مفعولين. والنقل يكون تارة بالهمزة وأخرى

(4/438)


تفسير التبيان ج4
بتضعيف العين، وقد ورد بهما التنزيل، قال الله تعالى " فان تولوا فقد أبلغتكم "(1) فنقل بالهمزة، وقال " ياأيها الرسول بلغ "(2) فنقل بتضعيف العين، فعلى هذين الوجهين اختلفوا في القراء ة.
وفي الاية حكاية عن قول نوح (ع) لقومه أنه قال لهم بعد ماأنكر عليهم أنه ليس به ضلالة، وانه رسول من عندالله، وأنه بلغهم ماحمله الله من رسالات ربه. والابلاغ إيصال مافيه بيان وافهام، ومنه البلاغة، وهي إيصال المعنى إلى النفس بأحسن صورة من اللفظ. والبليغ الذي ينشئ البلاغة، لا الذي يأتي بها على وجه الحكاية.
والفرق بين الابلاغ والاداء أن الاداء لما يسمع، وحسن الاداء للقراء ة.
والرسالات جمع رسالة، وهي جملة من البيان يحملها القائم بها ليؤديها إلى غيره.
وانما جمع - ههنا - (رسالات) وفي موضع آخر " رسالة "(3) على التوحيد، لانه يشعر تارة بالجملة وتارة بالتفصيل، فلما دعاالى عبادة الله وطاعته واجتناب محارمه والعمل بشريعته، كان هذا تفصيل رسالات الله تعالى.
ورسالات الله حكم: من ترغيب، وتحذير، ووعد، ووعيد، ومواعظ، ومزاجر، وحجج، وبراهين وأحكام يعمل بها، وحدود ينتهى اليها.
وقوله " وانصح لكم " فالنصيحة اخلاص النية من شائب الفساد في المعاملة. و (النصح) خلاف الغش في العمل، ولايكون الغش إلا بسوء النية.
وقوله " وأعلم من الله مالا تعلمون " فيه حث لهم على طلب العلم من جهته، وتحذير من مخالفته، لما يعلم من العاقبة، فكأنه قال: أنا أعلم بحلول العقاب بمخالفتكم وترك القبول مني " مالاتعلمون " أنتم، ويجوز أن يريد " وأعلم من " توحيد الله وصفاته وحكمته " ما لا تعلمونه ". وفي ذلك بطلان مذهب القائلين بأن معرفة الله ضرورة - وأن من لم يعرفه ضرورة فليس
---
(1) سورة 11 هود آية 57.
(2) سورة 5 المائدة آية 70.
(3) سورة 7 الاعراف آية 78.

(4/439)


تفسير التبيان ج4
بمكلف - لان نوحا (ع) بين أنه خاف عليهم مع أنه يعلم مالا يعلمونه.
قوله تعالى: أوَعجبتم أن جاء كم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون(63)
آية.
في هذه الاية تقريع من نوح (ع) لقومه على صورة الاستفهام بأنهم عجبوا أن جاء هم ذكر من ربهم. وإنما دخل الاستفهام معنى التقريع، لان المجيب لايأتي الا بما يسوء من القبيح، فهو إنكار وتقريع، وقد يدخل معنى التمني، لانه بمنزلته في انه طلب، لان يكون أمر، وإنما فتحت الواو في قوله " أوعجبتم " لانها واو العطف دخل عليها ألف الاستفهام، فالكلام مستأنف من وجه، متصل من وجه، كما أن المبتدأ في خبر الاول بهذه الصفة. والتعجب تغير النفس بماخفي سببه، وخرج عن العادة مثله، لانه لامثل له في العادة.
والذكر حضور المعنى للنفس، والذكر على وجهين: ذكر البيان وذكر البرهان، فذكر البيان احضار المعنى للنفس، وذكر البرهان الشهادة بالمعنى في النفس، وكلا الوجهين يحتمل في الاية.
وقوله " على رجل منكم " فالرجل هو إنسان خارج عن حد الصبي من الذكران، وكل رجل انسان، وليس كل انسان رجلا، لان المرأة انسان.
وقيل في دخول (على) في قوله " على رجل منكم " قولان: أحدهما - أنه بمعنى مع رجل منكم، قال الفراء: كماتقول: جاء ني الخير على وجهك ومع وجهك. الثاني - لان فيه معنى منزل " على رجل منكم ".
وقوله " لينذركم " فالانذار هوالاعلام بموضع المخافة، والتحذرير هوالزجر عن موضع المخافة.
وقوله " ولتتقوا ولعلكم ترحمون " معناه إن الله تعالى أرسل هذا الرسول مع هذا الذكر، وأراد انذاركم، وغرضه أن تتقوا معاصيه لكي يرحمكم ويدخلكم الجنة ونعيم الابد.

(4/440)


تفسير التبيان ج4
وفي ذلك دلالة على بطلان مذهب المجبرة: أن الله تعالى لم يرد منهم أن يتقوا ولاأن يؤمنوا.
قوله تعالى: فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين(64)
آية بلاخلاف.
هذا اخبار من الله تعالى عن قوم نوح أنه لم ينفع فيهم ذلك التخويف ولاالوعظ والزجر، وأنهم كذبوه يعني نوحا. ومعناه أنهم نسبوا خبره إلى الكذب، لان التكذيب نسبة الخبر إلى الكذب، والتصديق نسبة الخبر إلى الصدق، وهذا مما يختلف فيه معنى (فعل، وفعل).
وقوله " فأنجيناه " إخبار من الله تعالى انه أنجا نوحا، والانجاء هو التخليص من الهلكة، والاهلاك الايقاع فيها وهي المضرة الفادحة.
" ومن معه " يعني وأنجا من معه من المؤمنين به " في الفلك " وهي السفن ويقع على الواحد والجمع بلفظ واحد، وأصله الدور مشتق من قولهم: فلك ثدي الجارية، إذا استدار، ومنه الفلكة والفلك من هذا، لانه يدور على الماء كيف أداره صاحبه.
وقوله " وأغرقنا الذين كذبوا " والاغراق هوالغوص المتلف في الماء، وأصله الغوص في الشئ، فمنه اغرق في النزع، ولاتغرق في هذا الامر.
وقوله " إنهم كانوا قوما عمين " فيه بيان أنه إنما أغرقهم وأهلكهم، لانهم كانوا عمين. والعمى الضلال عن طريق الهدى، فهم كالعمي في أنهم لا يبصرون طريق الرشد، فهم عمي عن الحق.

(4/441)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: وإلى عاد أخاهم هودا قال ياقوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره أفلا تتقون(65)
آية بلاخلاف.
انتصب قوله " أخاهم هودا " بقوله " أرسلنا " في أول الكلام وإن تطاول مابينهما، لان تفصيل القصص يقتضي ذلك، والتقدير وأرسلنا " إلى عاد أخاهم هودا " ويجوز في مثله الرفع وتقديره، والى عاد أخوهم هود مرسل.
و (الاخ) أحد الولدين لواحد. وإنما قال لهود (ع) أنه أخوهم، لانه كان من قبيلهم، وجاز ذلك على غير الاخوة في الدين، لانه احتج عليهم أن يكون رجلا منهم، لانهم عنه أفهم واليه أسكن. وصرف (هود) لخفته، كما صرفت جمل لخفتها، وهو أحق بالصرف، لانه أكثر في الاستعمال.
في هذه الاية إخبار من الله تعالى انه أرسل إلى قوم عاد هودا، وأنه قال لهم " ياقوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره " وقد فسرنا معنى ذلك أجمع وبينا أيضا حقيقة العبادة، وأنه لا يستحقها غير الله، لانها على أصول النعم، والشكر قد يستحقه غير الله، لانه يستحق بالنعمة وان قلت، وكذلك الطاعة قد تجب لغير الله، فعلى هذا تكون عبادة اثنين شركا، ولايكون طاعة اثنين شركا، كماأن الشكر على النعمة لاثنين لايكون كذلك اذا لم يكن واقعا على وجه العبادة.
وقوله " أفلا تتقون " معناه، فهلا تتقون، وهو بصورة الاستفهام والمراد به حضهم على تقوى الله واتقاء معاصيه.

(4/442)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: قال الملا الذين كفروا من قومه إنا لنريك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين(66)
آية بلاخلاف.
في هذه الاية إخبار عما قالت الجماعة الكافرة من قوم هود له " انا لنراك في سفاهة " والسفاهة خفة الحلم، كما قال الشاعر: مبذرا وعاتب سيعى...(1) أي سفيه، وثوب سفيه اذاكان خفيفا (وقال) المؤرج: السفاهة الجنون بلغة حمير، وقوله " في سفاهة " معناه منغمس في السفاهة، فالسفاهة بمعنى أنت سفيه، أقيم المصدر مقام اسم الفاعل، ولايجوز قياسا على ذلك أن يقال في إرادة بمعنى مريد، وكسرت (إن) لانها وقعت بعد القول حكاية، والحكاية تقتضي استئناف المحكي و (إن) اذا شددت عملت، ولاتعمل اذا خففت، لانها مشددة تشبه (كان) فلما خففت قل الشبه الا ان يحمل على كان محذوفة، وليس قوة حملها عليها تامة كقوة حملها محذوفة، وحذفت الهمزة في مضارع رأيت دون ماضيه، لاجتماع ثلاثة أشياء: الزيادة في أوله، وكثرة الاستعمال لها، ولان فيما بقي دليل عليها، ولم يلزم في نأيت تنأى مثل ذلك.
وقوله " وإنا لنضنك " ولم يقولوا نعلمك لامرين: احدهما - قال الحسن: لان تكذيبهم كان على الظن دون اليقين.
وقال الرماني: معناه انك تجري مجرى من أخبر عن غائب لايعلم ممن هو منهم.
الثاني - انهم أرادوا بالظن العلم كما قال الشاعر:
فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج
سراتهم في الفارسي المشدد(2)
معناه أيقنوا.
وفائدة الاية أن أمة هود جرت على طريقة أمة نوح في الكفر بنبيها كأنهم قد تواصوا بالتكذيب بالحق ومعاندة أهله والرد لما أوتوا به
---
(1) هكذا في الاصل والكلامات غير منقطة، فلم اعرف له وجها.
(2) مر هذا البيت في 1 / 205 و 2 / 296.

(4/443)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: قال ياقوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين(67)
آية بلاخلاف.
هذه الاية فيها إخبار عما قال هود (ع) لقومه مجيبا لهم حين قالوا له: " إنا لنراك في سفاهة " وأنه قال " ليس بي سفاهة " وموضع (قوم) نصب، لانه نداء مضاف فلو وصفته لماجاز في صفته الا النصب، وانما حذفت بالاضافة، لان النداء أحق بالحذف الذي يكون في غيره لقوة اليقين فيه.
وقوله " ولكني رسول من رب العالمين " استدراك ب (لكن) لان فيه معنى مادعاني إلى امركم السفه، ولكن دعاني اليه أني رسول من رب العالمين. وقد بيناأن (من) ههنا بمعنى ابتداء الغاية، والتقدى المبتدئ بالرسالة رب العالمين والمنتهى اليه الرسالة لامته، لانه ارسل اليهم.
قوله تعالى: أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين(68)
آية قدبينا معنى الابلاغ، وهو احضار الشئ غيره على وجه الانتهاء، ومنه قوله " ثم ابلغه مأمنه "(1) وقد يكون احضارا لنفس البيان للافهام والابلاغ أشد اقتضاء للمنتهى اليه من الايصال، لانه يقتضي بلوغ فهمه وعقله كالبلاغه التي تصل إلى سويداء قلبه. ولايجوز بدل " رسالات ربي " نبوات ربي، لان النبوة تكليف القيام بالرسالة، فانما يبلغ الرسالة ولايبلغ التكليف.
وقوله " وأنا لكم ناصح أمين " معناه اني ناصح لكم فيما أدعوكم اليه من طاعة الله واخلاص عبادته.
وقيل: ان معناه اني كنت فيكم أمينا قبل النبوة
---
(1) سورة التوبة آية 7

(4/444)


تفسير التبيان ج4
والنصح إخلاص المعاملة من شائب الفساد في النية. والامين المأمون من أن يكون منه تغيير له أو تبديل. وفى الاية دلالة على أنه يجوز للانسان أن يزكي نفسه عند الحاجة اليه.
قوله تعالى: أوَ عجبتم أن جاء كم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون(69)
آية
قد بينا معنى قوله " أو عجبتم أن جاء كم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم " فلا معنى لاعادته. وانما أنكر العجب مع أنه خفي بسببه، وخرج عن العادة لظهور الدلائل فيه وقيام البراهين عليه من الارسال اليهم من تنبيههم على مااغفلوه وتعريفهم ماجهلوه. والفرق بين العجب والعجب، أن العجب - بضم العين - عقد النفس على فضيلة لاينبغي ان يعجب منها السبب لها، وليس كذلك العجب - بفتح العين والجيم - لانه قد يكون حسنا.
وقد قيل في المثل (لاخير فيمن لايتعجب من العجب وأرذل منه المتعجب من غير عجب).
وقوله " فاذكروا اذ جعلكم خلفاء فخلفاء جمع خليفة، وهوالكائن بدل غيره ليقوم بالامر مقامه في تدبيره. وخلفاء جمعه على التذكير مثل ظريف وظرفاء، ولو جمعه على اللفظ لقال: خلائف نحو كريمة وكرائم، وورد ذلك في القرآن، قال الله تعالى " هوالذي جعلكم خلائف "(1).
وقوله " من بعد قوم نوح " امتنان عليهم بمامكنهم في الارض وجعلهم بدل قوم نوح حين أهلكهم الله.
وقوله " وزادكم في الخلق بسطة " قرئ
---
(1) سورة 35 فاطر آية 39

(4/445)


تفسير التبيان ج4
بالسين والصاد وقيل في معناه قولان: احدهما - قال ابن زيد: زادهم قوة.
وقال غيره: أراد به المرة من بسط اليدين اذا فتحت على أبعد أقطارها.
وقال الزجاج والرماني: كان أقصرهم طوله سبعين ذراعا وأطولهم مئة ذراع.
وقال قوم: كان أقصرهم اثني عشر ذرا عا.
وقال ابوجعفر (ع): كانوا كأنهم النخل الطوال، وكان الرجل منهم ينحت الجبل بيده فيهدم منه قطعة.
وقوله " فاذكروا الاء الله " قال الحسن وغيره: الالاء النعم في واحدها لغات: (ألا) مثل (معا) و (الا) مثل " قفا " و " الي " مثل " حسي " و " إلى " مثل " دمى " قال الشاعر:
أبيض لايرهب الهزال ولا
يقطع رحما ولايخون إلا(1)
إلا وألا رويا جميعا.
وقوله " لعلكم تفلحون " معناه اذكروا نعم الله واشكروه عليها لكي تفوزوا بثواب الجنة والنعيم الدائم الابدي.
قوله تعالى: قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين(70)
آية بلاخلاف.
قيل في الفرق بين " قالوا " وتكلموا، أن القول مضمن بالحكاية من حيث هو على صفة القول، وليس كذلك من حيث هو على صفة الكلام. وفى الاية حكاية ماقال قوم هود، وهم قبيلة عاد لهود (ع) " أجئتنا " ومعناه أتيتنا " لنعبدالله وحده " وتريد منا أن نوجه عبادتنا إلى الله وحده. والمجئ والاتيان والاقبال واحد، وقال قوم المجئ إتيان من أي جهة كان، والاتيان إقبال من قبل الوجه.
وقوله " ونذر " ومعناه ونترك، ولم تستعمل فيه (وذرنا) استغناء بتركنا، ولايلزم أن يستغنى بنترك عن نذر، لان نذر خفيفة، لان الواو حذفت منه.
---
(1) قائله الاعشى ديوانه: 157 ولسان العرب . (الا)

(4/446)


تفسير التبيان ج4
" ماكان يعبد آباؤنا " تمام الحكاية عن الكفار أنهم قالوا: كيف نترك ماكان يعبد آباؤنا؟ ! وأنهم قالوا " فأتنا بما تعدنا " من العذاب " ان كنت صادقا " " من " جملة " الصادقين " وانما لم يجب اتباع الاباء، وان كانوا عقلاء ووجب اتباع العقلاء، لانه انما يجب اتباع العقلاء فيما علموه بعقولهم ضرورة، فأما ماطريقه الدليل فانه يجوز أن يغلطوا فيه فلا يجوز حينئذ اتباعهم وان كانوا أباء ا.
قوله تعالى: قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلوننى في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم مانزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين(71)
آية بلاخلاف.
في هذه الاية حكاية عما قال هود لقومه جوابا عما قالوه في الاية الاولى: أنه " قد وقع عليكم رجس وغضب " فالوقوع والسقوط والنزول نظائر. والوقوع وجودالشئ نازلا بالحدوث، فقد يكون بحدوثه، وقد يكون بحدوث غيره، كوقوع الحائط ونحوه. والرجس العذاب.
وقيل: الرجس والرجز واحد فقلبت الزاي سينا، كما قلبت السين تاء في قول الشاعر:
ألا لحى الله بني السعلات
عمرو بن يربوع لئام النات
ليسوا باعفاف ولاأكيات(1) يريد الناس، وبريد أكياس.
وقال رؤبة:
كم قد رأينا من عديد ميزي
حتى أقمنا كيده بالرجز(2)
حكى ذلك عن أبي عمروبن العلا.
وقال ابن عباس: الرجس السخط،
---
(1) تفسير الطبري 12: 522، ونوادر أبي زيد: 104، 147.
(2) ديوانه: 64 وتفسير الطبري 12: 522.

(4/447)


تفسير التبيان ج4
والغضب معنى يدعو إلى الانتقام دعاء الانتقاص الطباع لشدة الانكار، ونقيضه الرضا، وهو معنى يدعو إلى الانعام دعاء ميل الطباع. ومثل الغضب السخط، هذا قول الرماني.
وقال غيره: الغضب هو ارادة العقاب بمستحقيه، ومثله السخط.
والرضا هو الارادة إلا أنها لاتوصف بذلك إلا اذا وقع مرادها ولم يتعقبها كراهة، ولهذا جاز إطلاق ذلك على الله، ولو كان الامر على ما قاله الرماني لماجاز أن يقال: إن الله غضب على الكفار، ولاأنه سخط عليهم.
وقوله " أتجاد لونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ماأنزل الله بها من سلطان " يعني ماأنزل الله بها من برهان، ولا نصب عليها حجة. والمعنى أتنا زعونني في أسماء سميتموها يعني تسميتهم مايعبدون من دون الله آلهة، ماأنزل الله عليكم بذلك حجة بما عبدتم، فالبينة عليكم بما ادعيتم وسميتم، وليس علي ان آتيكم بالبينة على ماتعبدون من دون الله بل ذلك عليكم، وعلي أن آتيكم بسلطان مبين أن الله تعالى هو المعبود وحده دون من سواه وأني رسوله.
وقوله " فانتظروا اني معكم من المنتظرين " قال الحسن: معناه انتظروا عذاب الله فانه نازل بكم، فاني معكم من المنتظرين لنزوله بكم، وهو قول الجبائي وغيره من المفسرين.
قوله تعالى: فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وماكانوا مؤمنين(72)
آية بلاخلاف.
في هذه الاية إخبار من الله تعالى أنه أنجى هودا والذين آمنوا معه برحمة منه، والانجاء التخليص من الهلاك، وأصله من النجوة وهي الارتفاع من الارض والنجاء السرعة في السير، لانه ارتفاع فيه بالاسراع وإنماجاز أن يقول: برحمة منا مع أن النجاة هي الرحمة، لانه عقد معنى النجاة بالرحمة، فصار كأنه يعمل بالقدرة.

(4/448)


تفسير التبيان ج4
وقوله " وقطعنا " فالقطع هوافراد الشئ عن غيره مماكان على تقدير الاتصال به، فلما أفردوا بالهلاك عما كان على تقدير التبع لهم من نسلهم وآثارهم من بعدهم كان قد قطع دابرهم.
وقال الحسن: معناه قطعنا أصل الذين كذبوا بديننا وماكانوا مؤمنين.
وقال ابن زيد: قطعنا دابرهم معناه: استأصلناهم عن آخرهم. والدابر الكائن خلف الشئ. ونقيضه القابل، ويكون القابل الاخذ للشئ من قبل وجهه.
وقوله " وماكانوا مؤمنين " انما أخبر بذلك عن حالهم مع أنه معلوم منهم ذلك لبيان أن هذه الصفة لاتجوز أن تلحق المكذب بآيات الله الجاحد لها وإن في نفيها عن المكلف ذما له.
قوله تعالى: وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولاتمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم(73)
آية بلاخلاف.
هذه الاية عطف على ماتقدم، والتقدير وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا. وثمود اسم قبيلة، وقد جاء مصروفا وغير مصروف، فمن صرفه، فعلى أنه اسم لحي مذكر، ومن ترك صرفه، فعلى أنه اسم القبيلة، كماقال تعالى " ألا إن ثمود كفروا ربهم الا بعدا لثمود "(1) صرف الاول ولم يصرف الثاني. واختير ترك الصرف في موضع الجر، لانه أخف.
---
(1) سورة 11 هود آية 68.

(4/449)


تفسير التبيان ج4
ويجوز في قوله " مالكم من إله غيره " ثلاثة أوجه من العربية: الجر على اللفظ، والرفع على الموضع، وقد قرئ بهما، وقد بيناه فيما مضى، والنصب على الاستثناء والحال، ولم يقرأ به.
ويجوز عند الفراء الفتح على البناء، لانه أجاز ماجاء ني غيرك، ومنع منه الزجاج.
وقال: إنما يجوز ذلك اذا أضيف إلى غير متمكن إضافة غير حقيقية، كماقال الشاعر:
لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت
حمامة في غصون ذات أو قال(1)
وقوله " أن اعبدوا الله مالكم من إله غيره " قد بيناه فيما مضى.
وقوله " قد جاء تكم بينة من ربكم " فالبينة العلامة التي تفصل الحق من الباطل من جهة شهادتها به. والبيان هو إظهار المعنى للنفس الذي يفصله من غيره حتى يدركه على مايقويه كما يظهر نقيضه، فهذا فرق بين البينة والبيان.
وقوله " هذه ناقة الله لكم آية " فالناقة الانثى من الجمال والاصل فيها التوطئة والتذليل من قولهم بعير منوق أي موطأ مذلل، وتنوق في العمل أي جوده كالموطأ المذلل. والناق الحز بين ألية الابهام وطرفها، لانه وطأبه لقبض الكف وبسطها. وانما قال " ناقة الله " لانه لم يكن لها مالك سواه تعالى.
ونصب " آية " على الحال.
والاية هي البينة العجيبة بظهور الشهادة ولطف المنزلة.
والاية والعبرة والدلالة والعلامة نظائر.
والاية التي كانت في الناقة خروجها من صخرة ملساء تمخضت بها كما تتمخض المرأة ثم انفلقت عنها على الصفة التي طلبوها، وكان لها شرب يوم تشرب فيه ماء الوادي كله وتسقيهم اللبن بدله، ولهم شرب يوم يخصهم لاتقرب فيه ماء هم، في قول أبي الطفيل، والسدي وابن اسحاق.
وقوله " فذروها " أي اتركوها " تأكل في أرض الله ولاتمسوها بسوء " يعني بعقر أو نحر " فيأخذكم عذاب أليم " أي ينالكم عذاب مؤلم.
---
(1) اللسان . (وقل) وأو قال: جمع وقل، وهو ثمار شجر المقل.

(4/450)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الارض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولاتعثوا في الارض مفسدين(74)
آية بلاخلاف.
في هذه الاية حكاية لقول صالح (ع) لقومه بعد أن أمرهم بعبادة الله وحده لاشريك له، ونهيه إياهم أن يمسوا الناقة بسوء، وحذرهم من المخالفة التي يستحق بها العذاب المؤلم فقال - عاطفا على ذلك - و " اذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعدعاد " أي تفكروا فيما أنعم الله عليكم حيث جعلكم بدل قوم عاد بعد أن أهلكهم وأورثكم ديارهم " وبوأكم في الارض " أي مكنكم من منازل تأوون اليها، يقال بوأته منزلا اذا مكنته منه ليأوى اليه. وأصله من الرجوع من قوله " فباء وا بغضب على غضب "(1) وقوله " وباء وا بغضب من الله "(2) أي رجعوا، قال الشاعر:
وبوأت في صميم معشرها
فتم في قومها مبوأها(3)
أي انزلت ومكنت من الكرم في صميم النسب.
وقوله " تتخذون من سهولها " فالسهل ماليس فيه مشقة على النفس من عمل أو أرض، يقال: السهل والجبل، وأرض سهلة.
وقوله " قصورا " جمع قصر، وهو الدار الكبيرة بسور تكون به مقصورة. وأصله القصر الذي هو الجعل على منزلة دون منزلة، فمنه القصير، لانه قصر به على مقدار دون ماهو أطول منه، والقصر الغاية، يقال: قصره الموت لانه قصر عليه، واقصر عن الامر أي كف عنه. والقصر العشي، ومنه القصار لانه يقصر
---
(1) سورة 2 البقرة آية 90.
(2) سورة 2 البقرة آية 61 وسورة 3 آل عمران آية 112.
(3) اللسان . (بوأ).

(4/451)


تفسير التبيان ج4
الثوب على النقاء دون ماهو عليه. والقصرة أصل العنق.
وقوله " وتنحتون الجبال بيوتا " فالجبل جسم عظيم بعيد الاقطار عال في السماء، ويقال: جبل الانسان على كذا أي طبع عليه، لانه يثبت عليه لصوق الجبل، والمعنى انهم كانوا ينحتون في الجبال سقوفا كالابنية، فلا ينهدم، ولايخرب، " فاذكروا آلاء الله " معناه تفكروا في نعمه المختلفة كيف مكنكم من الانتفاع بالسهل والجبل " ولاتعثوا في الارض مفسدين " معناه لاتضطربوا في الارض مفسدين يقال: عاث يعيث عيثا، وعثى يعثي بمعنى واحد. ومفسدين نصب على الحال.
ومعنى الاية التذكير بنعم الله من التمكين في الارض والتسخير حتى تبوأوا القصور وشيدوا المنازل والدور مع طول الامال وتبليغ الاجال.
قوله تعالى: قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون(75)
آية بلاخلاف.
قرأ ابن عامر " وقال الملا " بزيادة واو، وكذلك في مصاحف أهل الشام الباقون بلاواو.
في هذه الاية حكاية عما قال الملا من قوم صالح، وهم جماعة من أشراف قومه ورؤساء أمته " الذين استكبروا " أي طلبوا الكبرفوق القدر، لان الاستكبار هو طلب الكبر فوق القدر، حتى يؤدي صاحبه إلى إنكار مادعي اليه من الحق، أنفة من اتباع الداعي إلى الحق " للذين استضعفوا " فالاستضعاف طلب الضعف بالاحوال التي تقعد صاحبها عماكان يمكن غيره من القيام بالامر، والاصل في باب (استفعل) الطلب منه.

(4/452)


تفسير التبيان ج4
وقوله " لمن آمن منهم " موضعه من الاعراب نصب على البدل من اللام الاولى وهو بدل البعض من الكل إلا أنه أعيد فيه حرف الجر، كقولك مررت بأخوتك بعضهم. وانما فعل ذلك لئلا يظن انهم كانوا مستضعفين غير مؤمنين، لانه قد يكون المستضعف مستضعفا في دينه، فلايكون مؤمنا. فأزال هذه الشبهة.
وقوله " أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه " حقيقة ويقينا ام لا تعلمون ذلك؟ وغرضهم بذلك الاستبعاد، لان يكون صالح نبيا مرسلا من قبل الله.
وقوله " إنا بماارسل به مؤمنون " جواب من هؤلاء المستضعفين لهم انهم مؤمنون بالذي أرسل به صالح مصدقون. وقد بينا أن حد العلم هو مااقتضى سكون النفس.
وحد الرماني - ههنا - العلم بأنه اعتقاد للشئ على ماهو به عن ثقة من جهة ضرورة أو حجة، قال: والعالم هو المبين للشئ بعلم أو ذات تنبئ عن العلم.
قوله تعالى: قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون(76)
آية
هذه الاية عماقال المستكبرون للذين آمنوا منهم حين سمعوا منهم الايمان به والاعتراف بنبوته والتصديق لقوله " انا بالذي آمنتم به " يعني صدقتم به " كافرون " أي جاحدون.
والقول هو الكلام، ومنه المقول، وهو اللسان، لان صاحبه يقول به.
وتقول بمعنى كذب وقال الكذب.
والمقيال المخبر إلى نفسه بالقول امرا من خير أو شر.
والقيل ملك دون الملك الاعظم بلغة حمير، وجمعه أقيال، لانه يقول عنه كالوزير.
قوله تعالى: فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين(77)
آية بلاخلاف.

(4/453)


تفسير التبيان ج4
في هذه الاية إخبار من الله تعالى عما فعل المستكبرون من قوم صالح وأنهم عقروا الناقة التي هي آية الله في الارض، والعقر الجرح الذي يأتي على أصل النفس، وهو من عقر الحوض وهو أصله، قال الشاعر: بازاء الحوض أو عقره(1) ومنه العقار، لانه اعتقار أصل ماله، لان ثبوته كثبوت الاصل. ومنه العاقر، لانها قد حدث ماعقر الحال التي يجئ منها الولد فأبطل الاصل، والمعاقرة على الشراب منه، لانه كالاصل في الثبوت على تلك الحال.
وقوله " وعتوا عن أمرربهم " أي تجاوزوا الحد في الفساد.
وقيل: العتو الغلو في الباطل - في قول مجاهد - ومنه جبار عات، والعاتي في الكبر ومنه " وقد بلغت من الكبر عتيا "(2) أي بلغت حال العاتي كبرا، والعتو عن الامر هو المخالفة إلا أن في العتو مخالفة على وجه التهاون به والاستكبار عن قبوله.
وقوله " ياصالح ائتنا " إن وصلته همزته، وان ابتدأته لم تهمز بل تقول: (إيتنا) وانما كان كذلك، لان أصله (إئتنا) بهمزتين، فكره ذلك فقلبوا الثانية ياء على ماقبلها، فاذا وصل سقطت ألف الوصل وظهرت همزة الاصل.
وقوله " بماتعدنا " فالوعد الخبر بخير أو شر بقرينة في الشر.
وقوله " إئتنا بما تعدنا " أي من الشر، لانا قد علمنا ماتوعدتنا عليه فأت الان بالعذاب الذي خوفتنا منه، ومتى تجرد عن قرينة، فهو بالخير أحق للفصل بين الوعد والوعيد.
---
(1) اللسان .
(عقر) وتمامه:
فرماها في فرائصها
بأزاء الحوض أو عقره
.
(2) سورة 19 مريم آية 7.

(4/454)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: فأخذتهم الرّجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين(78) فتولى عنهم وقال ياقوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبّون الناصحين(79)
آيتان بلاخلاف.
أخبر الله تعالى في هذه الاية بما حل بثمود من العذاب، فقال " فأخذتهم الرجفة " وهي حركة القرار المزعجة لشدة الزعزعة تقول: رجف بهم السقف رجوفا اذا اضطرب من فوقهم، وقال المجاهد والسدي: الرجفة الصيحة.
وقال آخرون: هي زلزلة أهلكوا بها، قال الاخطل:
اما تريني حناني الشيب من كبر
كالنشر أرجف والانسان مهدود(1)
وقوله " فأصبحوا في دارهم جاثمين " إنما قال دراهم على التوحيد لامرين: أحدهما - إن المعنى في بلدهم، وهو واحد. والاخر - أن معناه في دورهم، وإنما وحد كما توحد أسماء الاجناس كقوله " إن الانسان لفي خسر "(2) والاخذ نقل الشئ عن حاله إلى جهة الناقل له، وضده الترك كأخذ الدينار وترك الدرهم.
ومعنى " جاثمين " باركين على ركبهم موتى، جثم يجثم جثوما اذا برك على ركبتيه.
وقيل: صاروا رمادا كالرماد الجاثم، لان الصاعقة أحرقتم، وقال جرير:
عرفت المنتأى وعرفت منها
مطايا القدر كالجدء الجثوم(2)
وقوله " فتولى عنهم " يعني أن صالحا تولى عن قومه، والتولي الذهاب عن الشئ وهو الاعراض عنه، وانما تولى، لانه أقبل عليهم بالدعاء إلى توحيد الله وطاعته، فلما خالفوا ونزل بهم العذاب تولى عنهم لليأس منهم وتولاه بمعنى أولاه نصرته ومعونته، ومنه قولهم (تولاك الله بحفظه) وقوله
---
(1) ديوانه: 146 وتفسير الطبري 12 / 544.
(2) سورة 103 العصر آية 2.
(3) ديوانه: 507 ومجاز القرآن 1 / 218 وتفسير الطبري 12 / 546.

(4/455)


تفسير التبيان ج4
" ومن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا "(1) فهو مثل قوله " إن تنصروا الله ينصركم "(2) أي إن تنصروا دين الله، وتولى عنه بمعنى أعرض عنه.
وقوله " وقال ياقوم لقد أبلغتكم رسالة بي " انما جاز أن يناديهم مع كونهم جاثمين موتى لما في تذكر ماأصارهم إلى تلك الحال العظيمة التي صاروا بها نكالا لكل من اعتبر بها وفكرفيها من الحكمة والموعظة الحسنة.
وقوله " ونصحت لكم " يقال: نصحته ونصحت له مثل شكرته وشكرت له، ومعناه وكنت نصحت لكم " ولكن لاتحبون الناصحين " فمحبة الشئ إرادة الحال الجليلة له عندالمريد، فمن أحب الناصح قبل منه، لنهيه لهم عن ركوب أهوائهم واتباع شهواتهم، وقدروي أنه لم يعذب أمة نبي قط ونبيها فيها، فلذلك خرج، فأما اذا أهلك المؤمنون فيما بينهم، فان الله سيعوضهم على مايصيبهم من الالام والغموم.
---
(1) سورة 5 المائدة آية 59.
(2) سورة 47 محمد آية 7.

(4/456)


تفسير التبيان ج4
الآية: 80 - 99
قوله تعالى: ولوطا إذ قال لقومه أتاتون الفاحشة ماسبقكم بها من أحد من العالمين(80)
آية.
العامل في قوله " ولوطا " يحتمل أن يكون أحد أمرين: أحدهما - أن يكون عطفا على مامضى، فيكون تقديره وأرسلنا لوطا. والثاني - أن يكون على تقدير واذكر لوطا إذ قال لقومه - في قول الاخفش - ولايجوز في قصة عادوثمود إلا (وأرسلنا)، لان فيهاذكر إلى.
و (لوط) مصروف لخفته، لانه على ثلاث أحرف ساكن الاوسط، ولا ينصرف يعقوب، لانه أعجمي معرفة. واختلفوا في اشتقاق (لوط) فقال بعض أهل اللغة: إنه مشتق من لطت الحوض اذا الزقت عليه الطين وملسته به، ويقال: هذا (ألوط) بقلبي

(4/457)


تفسير التبيان ج4
أي ألصق، والليطة القشر للصوقه بما اتصل به، وقال الزجاج: هو اسم غير مشتق، لان العجمي لايشتق من العربي، وانماقال ذلك لانه لم يوجد علما إلا في أسماء الانبياء.
وقوله " أتأتون الفاحشة "؟ ! فالفاحشة هي السيئة العظيمة القبح.
وقوله " ماسبقكم بها من أحد " فالسبق وجود الشئ قبل غيه.
وقيل: ماذكر على ذكر قبل قوم لوط، ذكره عمرو بن دينار، فلذلك قال " ماسبقكم بها من أحد من العالمين " وبه قال أكثر المفسرين، قال البلخي: يحتمل أن يكون أراد " ماسبقكم بها من أحد العالمين " يريد عالمي زمانهم، كما قال " واني فضلتكم على العالمين "(1) قال: ويحتمل أن يكون ماسبقكم إلى ذلك أحد على وجه القهر والمجاهرة به على ماكانوا يفعلونه.
وقال بعضهم: العقل كان يبيح ذلك وانما منع منه السمع.
قال البلخي: هذا خطأ، لانه يؤدي إلى انقطاع النسل، ولان الطباع مبنية على الاستنكاف من ذلك وان يكون الانسان مفعولا به، ولوكان الفاعل لذلك غير مقبح لمالحق المفعول به من ذلك وصمة، كما أن المرأة المنكوحة بالعقد الصحيح لا يلحقها بذلك وصمة ولاعيب بلاخلاف.
قال: ومن حمل نفسه على استحسان ذلك وانه يجوز أن يكون مفعولا به كان ماجنا ملوما عند جميع العقلاء.
قوله تعالى: إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون(81)
آية.
قرأ أهل المدينة وحفص ههنا " إنكم " على الخبر، وكذلك مذهبه في قراء ته ان يكتفي بالاستفهام الاول من الثاني في كل القرآن، وهو مذهب الكسائي إلا في قصة لوط. الباقون بهمزتين الثانية مكسورة، وخففها ابن
---
(1) سورة 2 البقرة آية 47، 122.

(4/458)


تفسير التبيان ج4
عامر وأهل الكوفة إلا حفصا، والحلواني عن هشام يفصل بينهما بالالف، وابن كثير وأبوعمرو وورش تحقق الاولى وتلين الثانية، وفصل بينهما بألف أبوعمرو. . وقال أبوعلي: قوله " أتأتون الفاحشة... إنكم لتأتون الرجال " كل واحد من الاستفهامين كلام مستقل بنفسه لاحاجة لو احد منهما إلى الاخر، فاذاكان كذلك، فمن قرأ (أإنكم) على الاستفهام جعل ذلك تفسيرا للفاحشة، كما أن قوله " للذكر مثل حظ الانثيين "(1) تفسير للوصية.
ومن قرأ على الخبر استأنف، ومن أراد أن يلين همزة (إنكم) فانه يجعلها بين بين، لان ألف الاستفهام بمنزلة المنفصل، ولولا ذلك لوجب أن يقلب الثانية على ما قبله ثم يحذف لالتقاء الساكنين.
ومعنى قوله " إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء " قال الحسن: إن قوم لوط كانوا ينكحون الرجال في أدبارهم ولاينكحون إلا الغرباء ولا ينكح بعضهم بعضا.
وقوله " شهوة من دون النساء " فالشهوة مطالبة النفس بفعل مافيه اللذة، وليست كالارادة، لانها قد تدعو إلى الفعل من جهة الحكمة. والشهوة من فعل الله ضرورة فينا، والارادة من فعلنا، تقول شهيت أشهي شهوة، قال الشاعر:
واشعث يشهى النوم قلت له ارتحل
اذا ما النجوم اعرضت واسبكرت
فقام يجر البرد لو أن نفسه
يقال له خذها بكفيك خرت(2)
وقوله " بل أنتم قوم مسرفون " معناه الاضراب عن الاول إلى جميع المعايب من عبادة الاوثان وإتيان الذكران وترك ماقام به البرهان، وتقديره
---
(1) سورة 4 النساء آية 10.
(2) اللسان .
(شهى) وتفسير الطبري 12: 548 .
(يشهى النوم) بمعنى يشتهى. و . (اسبكرت) امتدت واستقامت وأسرعت في مسبحها ورواية الطبرى . (واسبطرت) بدل . (واسبكرت).

(4/459)


تفسير التبيان ج4
إنكم مستوفون لجميع المعائب إتيان الذكران وغيره، ويحتمل أن يكون بل لاسرافكم لاتفلحون. والاسراف الخروج عن حد الحق إلى الفساد.
قوله تعالى: وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون(82)
آية بلاخلاف.
الوجه في قوله " جواب قومه " بالنصب أنه وقع الاسم بعد (إلا) موقع الايجاب، وذلك أن ماقبلها اذاكان إيجابا كان مابعدها نفيا، واذا كان ما قبلها نفيا كان مابعدها ايجابا، والجواب خبر يقتضيه أول الكلام، والغالب عليه جواب النداء والسؤال، ويكون على وجوه كجواب الجزاء وجواب القسم وجواب (لو).
أخبر الله في هذه الاية بما أجاب به قوم لوط (ع) حين قال لهم " إنكم لتأتون الفاحشة ماسبقكم بهامن أحد من العالمين " كأنهم قالوا: بعضهم لبعض " اخرجوهم " يعنون لوطا وأهله الذين آمنوا به. والاخراج نقل الشئ عن محيط إلى غيره، كما أن الادخال النقل إلى محيط عن غيره.
وقال الزجاج والفراء: أرادوا اخرجوا لوطا وابنتيه.
وقوله " من قريتكم " فالقرية هي المدينة، كما قال أبوعمروبن العلاء: مارأيت قرويين أفصح من الحسن والحجاج، يعني رجلين من أهل المدن إلا أنه صار بالعرف عبارة عن مجتمع الناس في منازل متجاوزة بقرب ضيعة يأوى اليها للاكراء.
وقوله " إنهم أناس يتطهرون " قيل فيه قولان: أحدهما - قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: يعني يتطهرون عن اتيان الرجال في الادبار فعابوهم بما يجب أن يمدحوا به. الثاني - أنه أراد يتطهرون يتنزهون عن أفعالكم وطرائقكم.

(4/460)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين(83) وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين(84)
آيتان.
أخبر الله تعالى أنه أنجى لوطا ومن معه بمعنى أنه خلصه من الهلاك " وأهله " يعني المختصين به. والاهل هو المختص بالشئ اختصاص القرابة، ولذلك قيل: أهل البلد لانهم بلزومهم سكناه قد صاروا على مثل لزوم القرابة.
وقوله " إلا امرأته " استثنى من جملة من أنجاه مع لوط من أهله امرأته، لان امرأته أراد به زوجته ولايقال: مرؤها بمعنى زوجها، لانه صار بمنزلة المالك لها. وليست بمنزلة المالكة له. وإنما تجري هذه الاضافة التي بمعنى اللام على طريقة الملك.
وقوله " كانت من الغابرين " يعني من الباقين في عذاب الله - في قول الحسن وقتادة.
فان قيل: فعلى هذا يجب أن تكون امرأته ممن نجى لانه تعالى قال " كانت من الغابرين " أي الباقين.
قلنا: المعنى إنها من الباقين في عذاب الله، على ماحكيناه عن الحسن وقتادة.
وقال قوم: معناه إنها من الباقين قبل الهلاك والمعمرين الذين قد أتى عليهم دهر طويل حتى هرمت فيمن هرم من الناس، وكانت ممن غبر الدهر عليه قبل هلاك القوم. ثم هلكت فيمن هلك من قوم لوط.
وقيل: أراد بذلك من الباقين في عذاب الله، ذكر ذلك قتادة.
وانما قلنا: إنها كانت من الهالكين، لقوله في سورة هود " إنه مصيبها ماأصابهم "(1) ذكر ذلك البلخي والطبري، فالغابر الباقي.
ويقال: غبر يغبر غبورا وغبرا اذا بقي قال الاعشى:
---
(1) سورة 11 هود آية 81.

(4/461)


تفسير التبيان ج4
عض بما أبقى المواسي له
من أمه في الزمن الغابر(1)
وقال آخر:
وأبي الذي فتح البلاد بسيفه
فأذلها لبني أبان الغابر(2)
وقال الزجاج " من الغابرين " عن النجاة.
ومنه الغبرة بقية أثر البياض بعد الامتزاج بغيره من الالوان.
وقال الرماني: هذا استثناء متصل، لانه يجوز أن يدخل الزوجة في الاهل على التغليب في الجملة دون التفصيل كما قال " يانوح إنه ليس من أهلك "(3) ومن أجل التغليب قال " من الغابرين " ولم يقل من الغابرات. ويقوي في نفسي أنه استثناء منقطع، لان الزوجة لاتدخل تحت قولنا: الاهل حقيقة، وقد بينا ذلك في سورة البقرة مستوفا.
وقوله " وأمطرنا عليهم مطرا " وأمطرها الله إمطارا.
وقيل: أمطر عليهم حجارة من سجيل، وهذا اخبار من الله تعالى عما أنزله الله بقوم لوط من العذاب.
وقوله " فانظر كيف كان عاقبة المجرمين " أمر للنبي صلى الله عليه وآله والمراد به جميع المكلفين بأن يتفكروا في ذلك ويعلموا كيف كان عاقبة المجرمين، يعني إلى ماصار اليه عاقبة هؤلاء العاصين. و (كيف) سؤال عن حال إلا أنها تقع في التسوية، لان فيها ادعاء.
واذا قال القائل: كيف هو، معناه قد علمت مايطلبه الطالب كيف هو من حاله.
والعاقبة آخر ماتؤدي اليه التأدية، وأصله كون الشئ في أثر الشئ ومنه العقاب، لانه يستحق عقيب الذنب.
ومنه العقاب لانه يعقب على صيده لشدته، والعقب، لانه عقب به بشدة شيئا بعد شئ.
والاجرام اقتراف السيئة، أجرم إجراما اذا أذنب والجرم
---
(1) ديوانه: 106 ومجاز القرآن 1 / 219 وتفسير الطبري 12 / 551 واللسان . (غير).
(2) قائله يزيد بن الحكم بن أبي العاص خزانة الادب 1 / 55 وتفسير الطبرى 12 / 552.
(3) سورة 11 هود آية 46.

(4/462)


تفسير التبيان ج4
الذنب وأصله القطع فالمجرم منقطع عن الحسنة إلى السيئة، وفائدة الاية الاخبار عن سوء عاقبة المجرمين بما أنزل عليهم عاجلا من عذاب الاستئصال قبل عذاب الاخرة بالنيران.
قوله تعالى: وإلى مدين أخاهم شعيبا قال ياقوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره قد جاء تكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولاتبخسوا الناس أشياء هم ولاتفسدوا في الارض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين(85)
آية بلاخلاف.
هذه الاية عطف على ماتقدم والتقدير فيها فأرسلنا " إلى مدين " وهي قبيلة، قال أبواسحاق: أصله (مديان) وهو مديان بن ابراهيم وهؤلاء ولده. و (مدين) لاينصرف، لانه معرب في حال تعريفه. والعلة المانعة من الصرف هي العجمة والتعريف وقال الزجاج: لانه اسم قبيلة وهومعرفة وجائز أن يكون أعجميا.
وقوله " أخاهم شعيبا " نسب اليهم بالاخوة في النسب دون غيره.
وقال لهم " قدجاء تكم بينة من ربكم " يعني أتتكم حجة من الله تعالى ومعجزة دالة على صدق قولي، وأخبر انه أمرهم بأن يوفوا الكيل والميزان.
والايفاء إتمام الشئ إلى حد الحق فيه، ومنه إيفاء العهد وهو اتمامه بالعمل به.
والكيل تقدير الشئ بالمكيال حتى يظهر مقداره منه.
والوزن تقدير الشئ بالميزان، والمساحة تقدير الشئ بالذراع أو مازاد عليه أو نقص.
" ولا تبخسوا الناس أشياء هم " نهي من شعيب إياهم عن بخس الحقوق وتنقيصها في الكيل والميزان وغيرهما، والبخس النقص عن الحد الذي يوجبه الحق تقول: بخس يبخس بخسا فهو باخس.
والبخص بالصاد فقا العين.

(4/463)


تفسير التبيان ج4
وقال قتادة والسدي: البخس الظلم، ومنه المثل (تحسبها حمقاء وهي باخسة).
وقوله " ولاتفسدوا في الارض بعد إصلاحها " يعني بعد أن أصلحها الله بالامر والنهي وبعثة الانبياء وتعريف الخلق مصالحهم. والافساد اخراج الشئ إلى حد لاينتفع به بدلا عن حال ينتفع بها، وضده الاصلاح، والمعنى لاتخرجوا إلى العمل في الارض بالقبائح بعد أن أصلحها الله بالمحاسن.
وقوله " ذلكم " إشارة لقومه إلى ماأمرهم به ونهاهم عنه بأن امتثاله والانتهاء اليه خير لهم وأعود عليهم إن كانوا مؤمنين مصدقين بالله، وانما علق خيريته بالايمان وإن كان هو خيرا على كل حال من حيث أن من لايكون مؤمنا بالله، وعارفا بنبيه لم يمكنه أن يعلم أن ذلك خير له، وكأنه قال لهم: كونوا مؤمنين لتعلموا أن ذلك خير لكم. ويحتمل أن يكون المراد لا ينفعكم ايفاء الكيل والميزان إلا بعد أن تكوا مؤمنين.
قال الفراء: لم يكن لشعيب آية على النبوة.
قال الزجاج وغيره: هذا غلط، لانه قال " قد جاء تكم بينة من ربكم فأوفوا " فجاء بالفاء جوابا للجزاء، فكيف يقول " قد جاء تكم بينة " ولم يكن له آية على النبوة، فان كان مع النبوة آية فقد جاء هم بها لانه لو ادعى النبوة من غير آية لم يقبل منه. وآيات شعيب وإن لم يذكرها الله في القرآن لايجب أن يقال: لاآية له، لان نبينا صلى الله عليه وآله لم يذكر الله آياته كلها في القرآن ولاأكثرها وإن كانت له آيات كثيرة، ولم يوجب ذلك نفيها.
قوله تعالى: ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدّون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين(86)
آية بلاخلاف.

(4/464)


تفسير التبيان ج4
قيل في معنى قوله " ولاتقعدوا " بكل صراط توعدون قولان: أحدهما - قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: إنهم كانوا يقعدون على طريق من قصد شعيبا للايمان به فيخوفونه بالقتل.
وقال أبوهريرة: إنما نهاهم عن قطع الطريق.
وقوله " بكل صراط توعدون " يجوز فيه تعاقب حروف الاضافة بأن يقول: على كل صراط، وفي كل صراط، لان معاني هذه الحروف اجتمعت فيه - ههنا - كما تقول: قعد له بكل مكان، وعلى كل مكان، وفى كل مكان، لان الباء للالصاق وهو قد لاصق المكان، و (على) للاستعلاء، وهو قد علا المكان، و (في) للمحل وهو قد حل المكان.
ويقال: قعد عن الامر بمعنى ترك العمل به كائنا ماكان، وقام به إذا عمل به كالقعود عن الواجب ونحوه.
ومعنى الايعاد الاخبار بالعذاب على صفة من الصفات، وهوالوعيد والتهديد، فاذا ذكر المتعلق من الخير أو الشر قلت: وعدته كذا، كما قال تعالى " النار وعدها الله الذين كفروا "(1) واذا لم يذكر قيل في الخير وعدته، وفى الشر أوعدته. وتقول: وعدته خيرا بلاباء وأوعدته بالشر باثبات الباء.
وقوله " وتصدون عن سبيل الله " فالصد هو الصرف عن الفعل بالاغواء فيه، كما يصد الشيطان عن ذكر الله وعن الصلاة. تقول: صده عن الامر يصده صدا، وهو كالمنع.
وقوله " من آمن به " (من) في موضع نصب، لانه مفعول به، وتقديره وتصدون المؤمنين بالله عن اتباع دينه، وهو سبيل الله.
وقوله " وتبغونها عوجا فالهاء راجعة إلى السبيل، ومعنى " تبغون " تطلبون، والبغية الطلبة: بغاه يبغيه بغية.
والمعنى - ههنا - وتبغون السبيل عوجا عن الحق، وهو أن يقولوا: هذا كذب وباطل وماأشبه ذلك، وهو قول قتادة.
والعوج - بكسر العين - في الدين وكل مالا يرى - وبفتح العين - في العود وكل مايرى كالحائط وغيره.
---
(1) سورة 22 الحج آية 72.

(4/465)


تفسير التبيان ج4
وقوله " واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم " قال الزجاج: يحتمل أشياء: أحدها - اذكروا نعمة الله عليكم إذ كثر عددكم.
وثانيها - انه كثركم بالغنى بعد الفقر.
وثالثها - كثركم بالقدرة بعد الضعف، ووجهه أنهم كانوا فقراء وضعفاء، فهم بمنزلة القليل في قلة الغناء.
وقوله " فانظروا كيف كان عاقبة المفسدين " معناه فكروا فيما مضى من إهلاك من تقدم بأنواع العذاب وانزال العقوبات بهم واستئصال شأفتهم ومافعل الله بالمفسدين، وكيف كان عاقبتهم في ذلك وماحل - بهم من البوار.
قوله تعالى: وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين(87)
آية بلاخلاف.
الطائفة الجماعة من الناس، وهومن الطوف صفة غالبة أقيمت مقام الموصوف مأخوذة من أنها تجتمع على الطواف، وقد يكون جماعة الكتب والدور ونحو ذلك.
وقوله " وطائفة لم يؤمنوا " إنما جاز أن يخبر عمن لم يؤمن بأنهم طائفة وإن كانوا هم الاكثر لتقابل قوله " طائفة منكم آمنوا " ولان من حق الضد أن يأتي على حد ضده، كما تقول: ضربت زيدا وماضربت زيدا، وإنما ذكر طائفة، لانه راجع إلى الرجال، وان كان اللفظ مؤنثا فغلب فيه المعنى في هذا الموضع ليدل على معنى التذكير، والمعنى إن شعيبا قال لقومه: وإن انقسمتم قسمين، ففرقة آمنت وفرقة كفرت، فاصبروا حتى يحكم الله بيننا، على وجه التهديد لهم والانكا؟؟ لى من خالف منهم، والصبر حبس النفس عما تنازع اليه من الجزع وأصله الحبس، ومنه قوله (ع): (اقتلوا القاتل واصبروا الصابر) ومنه قيل للسئ: صبر، لانه يحبس النفس عن لفظه ليداويه.

(4/466)


تفسير التبيان ج4
والحكم المنع من الخروج عن الحق بدعاء الحكمة اليه من جهة معروفة أوحجة، وأصله المنع قال الشاعر:
أبني حنيفة احكموا سفهاء كم
إني أخاف عليكم أن أغضبا(1)
وقوله " وهوخير الحاكمين " لانه لايجوز عليه الجور، ولا المحاباة في الحكم، وإنما علق جواب الجزاء بالصبر، وهو لازم على كل حال، لان المعنى فسيقع جزاء كل فريق بما يستحقه من ثواب أو عقاب، كأنه قال: فأنتم مصبورون على حكم الله بذلك.
قال البلخي: أمرهم في هذه الاية بالكف عما كانوا يفعلون من الصد عن الدين والتوعد عليه، والكف عن ذلك خير ورشد، ولم يأمرهم بالمقام على كفرهم والصبر. وفي ذلك دلالة على أنه ليس كل أفعال الكافرين كفرا ومعصية، كما يذهب اليه بعض أهل النظر.
قوله تعالى: قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنّك ياشعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودنّ في ملتنا قال أوَلو كنا كارهين(88)
آية بلاخلاف.
أخبر الله تعالى في هذه الاية عن الملا، وهم الجماعة الاشراف والرؤساء من قوم شعيب الذين استكبروا، ومعناه امتنعوا من اتباع الحق أنفة عن الداعي اليه أن يتبعوه فيه، وتكبروا عليه جهلا منهم بمنزلة الحق ومنزلة الداعي اليه، إذ أنهم قالوا لشعيب وأقسموا " لنخرجنك ياشعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا " وقيل في معنى (لتعودن) قولان: أحدهما - على توهمهم أنه كان فيهاعلى دين قومه. الثاني - أن الذين اتبعوا شعيبا قدكانوا فيها.
---
(1) مر هذا البيت في 1 / 142 و 2 / 188 وسيأتي في 5 / 512.

(4/467)


تفسير التبيان ج4
وقال الزجاج: وجائز أن يقال: قدعاد علي من فلان مكروه وإن لم يكن سبقه مكروه قبل ذلك أي لحقني منه مكروه، ووجه هذا أنه قد كان قبل ذلك في قصده لي كأنه قد أتى مرة بعد مرة.
وقال الشاعر:
لئن كانت الايام أحسن مرة
الي فقد عادت لهن ذنوب(1)
والعود هو الرجوع، وهو مصير الشئ إلى الحال التي كان عليها قبل، ومنه إعادة الخلق، وقوله تعالى " ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه "(2) وتستعمل لفظة الاعادة في الفعل مرة ثانية حقيقة، وفى فعل مثله مجازا، وكلاهما يسمى اعادة، لكن لماكان مثله كأنه هو في أنه يقوم مقامه جرت عليه الصفة كقولك: أعدت الكتابة والقراء ة ومعناه فعلت مثله.
وقوله " أولو كنا كارهين " حكاية لما قال شعيب لامته من أنه لايعود في ملتهم إلا أن يكون على وجه الاكراه منهم لذلك وأنهم يريدون أن يردوا المؤمنين إلى مثل ماهم عليه من المعاصي مع كراهتهم لذلك ويقينهم لبطلانه، فبين بهذا أنا مع كراهتنا لذلك مع ماعرفناه من بطلانه لانرجع، وتقديره أتعيدوننا في ملتكم وإن كرهناها؟ ! فأدخل ألف الاستفهام على (لو).
قوله تعالى: قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجينا الله منها ومايكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شئ علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين(89)
آية بلاخلاف.
---
(1) مرتخريجه في 2 / 315.
(2) سورة 6 الانعام آية 28.

(4/468)


تفسير التبيان ج4
في هذه الاية اخبار من الله عما قال شعيب لقومه من أنه قد افترى هو ومن آمن به على الله كذبا إن عاد في ملتهم بأن يحللوا مايحللونه ويحرموا مايحرمونه وينسبونه إلى الله بعد إذ نجاهم الله منها.
والافتراء الكذب، ومنه الافتعال، والاختلاق وهوالقطع بخبر مخبره لا على ماهو به، مشتقا من فري الاديم تقول فريت الاديم أفريه فريا. والملة الديانة التي تجتمع على العمل بها فرقة عظيمة.
والاصل فيه تكرر الامر من قولهم طريق مليل اذا تكرر سلوكه حتى توطأ، ومنه الملل وهو تكرر الشئ على النفس حتى تضجر.
والملة الرماد الحار يدفن فيه الخبز حتى ينضج لتكرر الحمي عليها، ومنه المليلة من الحمى.
والملة لتكرر العمل فيها على ماتأتي به الشريعة.
وقوله " بعد إذ نجانا الله منها " باقامة الدليل والحجج على بطلانها، وعلمنا بذلك وانتهائنا عنها.
وقوله " ربنا افتح " قال ابن عباس: ماكنت أدري معنى قوله " ربنا إفتح " حتى سعمت بنت سيف بن ذي يزن تقول: تعال حتى أفاتحك يعني أقاضيك.
وقوله " ومايكون لنا أن نعوذ فيها إلا أن يشاء الله ربنا " إخبارعن قول شعيب لهم أنه ليس له أن يعود في ملتهم، ويرجع فيها إلا بعد مشيئة الله ذلك.
وقيل في معنى هذه المشيئة مع حصول العلم بأنه لايشاء تعالى عبادة الاصنام والاوثان ثلاثة أقوال: أحدها - أن في ملتهم أشياء كان يجوز أن يتعبدالله بها، فلو شاء ها منهم لوجب عليهم الرجوع فيها.
الثاني - أنه اذا فعل ماشاء الله كان ذلك طاعة لله تعالى.
الثالث - أنه علق مالا يكون بما علم أنه لايكون على وجه التبعيد كما قال الشاعر:

(4/469)


تفسير التبيان ج4
إذا شاب الغراب أتيت أهلي
وصار القار كاللبن الحليب(1)
وكما قال تعالى " حتى يلج الجمل في سم الخياط "(2) وجه ذلك - ههنا - أنه كما لايشاء الله عبادة الاصنام والقبائح - لان ذلك لايليق بحكمته - فكذلك لا أعود في ملتكم.
وقال قوم: فيه وجه رابع، وهو أن الهاء في قوله " فيها " راجعة إلى القرية، وكأنه قال: ومايكون لنا أن نعود في قريتكم غانمين لكم ظاهرين عليكم بعد اذ نجانا الله منها بخروجنا منها سالمين إلا أن يشاء الله أن ينصرنا عليكم ويشاء منا الرجوع فيها.
وقوله " وسع ربنا كل شئ علما " نصب (علما) على التمييز.
وقيل في وجه اتصال ذلك بما قبله قولان: أحدهما - أن الملة إنما يتعبد بها على حسب مافي معلومه من مصلحة العباد بها، فهو تعالى لايخفى عليه ذلك. والثاني - أنه عالم بما يكون منا من عود أو ترك دوننا.
ثم حكى عن شعيب أنه قال لهم " على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق " سؤال من شعيب ورغبة منه اليه تعالى أن يحكم بينه وبين قومه بالحق، والفتح القضاء. ومعنى افتح إقض - في قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي - والحاكم الفاتح والفتاح، وفاتحته في كذا قاضيته. وإنما قيل ذلك، لانه يفتح باب العلم الذي انغلق على غيره.
وقوله " بالحق " فيه وجهان: أحدهما - سؤال الله مايجوز عليه، كما قال في موضع آخر " رب احكم بالحق "(3). والاخر - ماينكشف به لمخالفينا أنا على الحق من انزال العذاب عليهم، وقال الفراء: اهل عمان يسمون الحاكم الفتاح، قال الشاعر:
---
(1) مر في 4 / 430.
(2) آية 39 من هذه السورة.
(3) سورة 21 الانبياء آية 112.

(4/470)


تفسير التبيان ج4
ألا أبلغ بني عصم رسولا
فأني عن فتاحتكم غني(1)
أي قضائكم وحكمكم، وقال الجبائي: معنى " افتح بيننا وبين قومنا " انزل بهم مايستحقون من العقوبة لكفرهم بالله وظلمهم المؤمنين.
وفي الاية دلالة على بطلان مذهب المجبرة، لانه قال " ومايكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله " فعلم أن لهم الرجوع فيها اذا شاء الله، فاذا لم يشأ لم يكن ذلك، فيجب على هذا إن كان الله يريد الكفر أن يكون للكافر الرجوع في الكفر، وهذا لايقوله أحد، فبطل ماقالوه.
على أن الظاهر من معنى الملة هو مايعلم بالشرع، وذلك يجوز أن ينسخه الله فيريد منهم الرجوع فيه، وليس لاحد أن يقول إن قوله " بعد اذنجانا الله منها " لايليق بماقلتم وانما يليق بما قالوه، وذلك أن قوله " بعد إذ نجانا الله منها " معناه على هذا القول أزاله عنا ونسخه عنا، فان شاء أن يعيدنا ثانيا جاز لنا الرجوع فيها.
قوله تعالى: وقال الملا الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون(90)
آية بلاخلاف.
في هذه الاية حكاية ماقالت الجماعة الكافرة الجاحدة بآيات الله ولنبوة شعيب للباقين منهم وأقسموا عليهم " لئن اتبعتم شعيبا " وانقدتم له ورجعتم إلى أمره ونهيه لان الاتباع هو طلب الثاني موافقة الاول فيما دعا اليه تقول: اتبعه اتباعا وتبعه تبعا، وهو متبع وتابع " إنكم اذا لخاسرون " وقوله " إنكم " جواب القسم واللام في (لخاسرون) لام التأكيد في خبر (إن) و (الخسران) ذهاب رأس المال، فكأنهم قالوا: لئن تبعتموه كنتم بمنزلة من ذهب رأس ماله أو أعظم من ماله، لانكم لاتنتفعون باتباعه فتخسرون في اشتغالكم بما لاتنتفعون به وبانقضاء عمركم إذ لم تكسبوا فيه نفعا لانفسكم.
---
(1) تفسير الطبري 12 / 564 وقد مر في 1 / 315، 345.

(4/471)


تفسير التبيان ج4
وقيل: معناه لها لكون، وقيل: لمفتونون.
و (اذا) من عوامل الافعال، وانما دخلت - ههنا - على الاسم، لانها ملغاة، واذا ألغيت من العمل صلح ذلك فيها، لانها حينئذ تجري مجرى الف الاستفهام في أنها لاتختص، لانها لاتعمل.
وقوله " إنكم إذا لخاسرون " جواب القسم وقد سد مسد جواب الشرط من قوله " لئن " ولايجوز قياسا على ذلك إن أتاك زيد إنه لكريم، لان جواب الشرط انما هو بالفعل أو الفاء لترتب الثاني بعد الاول بلا فصل.
قوله تعالى: فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين(91)
آية واحدة بلاخلاف.
قد مضى تفسير مثل هذه الاية فلامعنى لاعادته(1).
والفاء في فأخذتهم عطف على قوله " قال الملا " وفيها معنى الجواب كأنه قيل: كان جواب ما ارتكبوا من عظيم الفساد أخذ الرجفة لهم بالعذاب وأخذ الرجفة إلحاقها بهم مدمرة عليهم، ولايقال أخذتهم الرحمة، لان العذاب لماكان يذهب بهم اهلاكا، صلح فيه الاخذ ولايصلح في النعيم.
والرجفة الزلزلة، وهي حركة تزلزل الاقدام وتوجب الهلاك لشدتها.
والاصباح الدخول في الصباح، والامساء الدخول في المساء ويستعمل على وجهين: أحدهما - مايحتاج إلى خبر.
والاخر - مكتف بالاسم بمنزلة (سواء) والجثوم البروك على الركبة، جثم يجثم جثوما، وقد جثم هذا الامر على قلبي أي ثقل عليه لثبوته على تلك الحال.
---
(1) في تفسير آية 77 من هذه السورة.

(4/472)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: ألذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانواهم الخاسرين(92)
آية بلاخلاف.
" الذين " الاولى في موضع رفع بأنه مبتدأ وخبره " كان لم يغنوا فيها " وهذه الاية إخبار من الله تعالى عن حال هؤلاء الكفار الذين كذبوا شعيبا.
وشبههم بمن لم يغن فيها، ومعنى " لم يغنوا " لم يقيموا اقامة مستغن بها عن غيرها، والغاني النازل، والمغاني المنازل، وغنى بالمكان اذا أقام به يغني غناء وغنيا، وقال النابغة:
غنيت بذلك اذهم لك جيرة
منها بعطف رسالة وتودد(1)
وقال آخر: ولقد تغنى بها جيرانك المم ؟؟ سكوا منك بعهد الوصال(2) وقال رؤبة: وعهد مغني رمته بضلفعا(3) وقال حاتم طي:
غنينا زمانا بالتصعلك
فكلا سقاناه بكأسيهما الدهر
فمازادنا بغيا على ذي قرابة
غنانا ولاأزرى بأحسابنا الفقر(4)
ووجه التشبيه في قوله " كأن لم يغنوا فيها " أن حال المكذبين يشبه حال من لم يكن قط في تلك الديار، لما أخذتهم الرجفة بالاهلاك، وهذا مما يتحسر عليه الناس اعظم الحسرة كما قال الشاعر:
كأن لم يكن بين الجحون إلى الصفا
أنيس ولم يسمر بمكة سامر
---
(1) سيأتي هذا البيت في 5 / 417.
(2) قائله عبيدة بن الابرص ديوانه: 58 ومختارات ابن الشجري 2 / 37 والخصائص لابن جني 2 / 255.
(3) ديوانه: 87 وتفسير الطبري 12 / 570.
(4) مجمع البيان 2 . (صيدا) 450 واللسان . (صعلك).

(4/473)


تفسير التبيان ج4
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا
صروف الليالي والجدود العواثر(1)
وإنما أعيد ذكر (الذين) دفعة ثانية من غير كناية لتغليظ الامر في تكذيبهم شعيبا مع بيان أنهم الذين حصلوا على الخسران، لا من نسبوه إلى ذلك من أهل الايمان.
و (هم) في قوله " هم الخاسرون " فصل، ويسميه الكوفيون عمادا، وإنما دخل الفصل مع أن المضمر لايوصف، لانه يحتاج فيه إلى التوكيد ليتمكن معناه في النفس، وان الذي بعده من المعرفة لايخرجه ذلك من معنى الخبر، وإن كان الاصل في الخبر النكرة.
وهذه الاية جواب لقولهم " لئن اتبعتم شعيبا إنكم اذا لخاسرون " فبين الله في هذه الاية أن الخاسرين هم الذين كذبوه لاالذين اتبعوه.
قوله تعالى: فتولى عنهم وقال ياقوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين(93)
آية بلاخلاف.
هذا إخبار من الله تعالى عما فعل شعيب (ع) مع قومه لما أبلغهم رسالات ربه تعالى، فلما لم يقبلوها وأقاموا على تكذيبه وجحد ماأتى به، أنه تولى عنهم ومعناه أعرض عنهم إعراض آيس منهم، فنزل بهم العذاب " فتولى عنهم " لانه كان مقبلا عليهم بالوعظ والدعاء إلى الحق، فلما تمادوا في غيهم وأخذهم الله ببأسه تولى عنهم، وانما قال لمن هلك " لقد أبلغتكم رسالات ربي " لان معناه إن مانزل بكم من البلاء وان كان عظيما، فهو حق، لانه بجنايتكم على أنفسكم، فلاينبغي أن يحزن عليهم للامور التي ذكرناها من شأنهم.
قال ابن اسحاق عزى نفسه عنهم بعد أن كان حزن عليهم.
---
(1) قيل: إنه لعمروبن الحارث بن مضاض بن عمرو.
وقيل: هو للحارث الجرهمي اللسان . (حجن).

(4/474)


تفسير التبيان ج4
وقوله " رسالات ربي " إنما أتى بلفظ الجمع ليدل على اختلاف معاني الرسالة اذا جمعت، فهي تجري مجرى جمع الاجناس، كقولك تمور، وأما ضربات فانما يدل على عدد المرات.
وقوله " فكيف آسى " أحزن - في قول ابن عباس والحسن والسدي - والاسى شدة الحزن يقال أسى يأسى أسى قال الشاعر: وانحلبت عيناه من فرط الاسى(1) وقال امرؤ القيس:
وقوفا بها صحبي على مطيهم
يقولون لاتهلك أسى وتجمل(2)
وقوله فكيف " آسى " لفظه لفظ الاستفهام والمراد به النفي، وانما كان كذلك: لان جوابه في هذا الموضع لايصح إلا بالنفي، كما يدخله معنى الانكار لهذه العلة.
قال العجاج: أطربا وأنت قنسري(3) أي لايكون ذلك مع كبر السن، وهذا تسل من شعيب (ع) بمايذكر من حاله معهم في مناصحته لهم وتأدية رسالة ربه اليهم، وأنه لاينبغي أن يأسى عليهم مع تمردهم في كفرهم وشدة طغيانهم، وانه لاحيلة في فلاحهم، قال البلخي: وفي ذلك دلالة على انه لايجوز للمسلم ان يدعو للكافر بالخير كما يقول: لعن الله فلانا واخزاه ثم يقول هداه الله وارشده ورحمه.
وقال ابوعبدالله البجلي: ابوجاد، وهواز، وحطي، وكلمون، وصعفص، وقرشت: أسماء ملوك مدين، وكان ملكهم يوم الظلة في زمان شعيب (كلمون) فقالت أخت كلمن تبكية:
---
(1) مر تخريجه في 3 / 578.
(2) ديوانه: 144 من معلقته الشهيرة التي مطلعها:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
بسقط اللوى بين الدخول فحومل
(3) مرتخريجه في 4 / 350.

(4/475)


تفسير التبيان ج4
كلمون هد ركني
هلكه وسط المحلة
سيد القوم أتاه الحت
ف نارا وسط ظله
جعلت نارا عليهم
دارهم كالمضمحلة(1)
قوله تعالى: وماأرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضّرّعون(94)
آية بلاخلاف.
أخبر الله تعالى في هذه الاية أنه لم يرسل رسولا إلى اهل قرية الا واخذ أهلها بالباساء والضراء تغليظا في المحنة وتشديدا للتكليف ليلين قلوبهم، ولكي يتضرعوا إلى ربهم في كشف مانزل بهم في ذلك، وانما يفعل بهم ذلك لعلمه بما لهم فيه من الصلاح لكي يتضرعوا.
والقرية أصلها الجمع من قولهم: قريت الماء أقريه قريا اذا جمعته، فالقرية مجتمع الناس في المنازل المتجاورة مماهو دون المدينة، وكذلك تسمى المدينة أيضا قرية.
والنبي هو الذي يؤدي عن الله تعالى بلا واسطة من البشر، وقيل: هو من كان ينبئ بالوحي عن الله تعالى مما أنزله عليه.
وقيل: في معنى " الباساء والضراء " ثلاثة أقوال: احدها - ان البأساء مانالهم من الشدة في أنفسم، والضراء مانالهم في أموالهم.
والثاني - ماقال الحسن: ان البأساء الجوع، والضراء الالام من الامراض والشدائد التي تصيبهم.
الثالث - قال السدي: ان البأساء الجوع والضراء الفقر.
وقيل في معنى " لعلهم " قولان: احدهما - انما عاملناهم معاملة الشاك في ايراد أسباب التضرع مظاهرة عليهم في الحجة.
---
(1) تفسير الطبري 12 / 568

(4/476)


تفسير التبيان ج4
الثاني - ان يكون (لعل) بمعنى اللام وتقديره ليضرعوا.
واصل " يضرعون " يتضرعون فادغمت التاء في الضاد ولايدغم الضاد في التاء، لان في التاء استطالة، وانما يدغم الناقص في الزائد، ولايدغم الزائد في الناقص لما في ذلك من الاخلال.
قوله تعالى: ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مسّ آباء نا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لايشعرون(95)
آية بلاخلاف.
أخبر الله تعالى في هذه الاية انه بدل مكان السيئة الحسنة " وقالوا قد مس آباء نا الضراء والسراء " ومعناه انه تعالى بعد ان يفعل بهم البأساء والضراء ليتضرعوا يبدل مكان السيئة الحسنة. والتبديل وضع أحد الشيئين مكان الاخر، فلما رفعت السيئة عنهم ووضعت الحسنة كانت مبدلة بها.
وقال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: المراد بالسيئة والحسنة - ههنا - الشدة والرخاء وهو مايسؤ صاحبه او يحسن اثره عليه.
وقال ابوعلي: جرى في هذا الموضع على سبيل المثل.
وقوله " حتى عفوا " قال ابن عباس ومجاهد والسدي وابن زيد: معناه حتى كثروا.
وقال الحسن حتى سمنوا، وأصله الترك من قوله " فمن عفي له من أخيه شئ "(1) أي ترك له، وعفوا تركوا حتى كثروا، قال الشاعر:
ولكنا نعض السيف منها
بأسوق عافيات الشحم كوم(2)
وقوله " وقالوا قد مس آباء نا الضراء والسراء " معناه ان الكفار قال
---
(1) سورة 2 البقرة آية 178.
(2) مر تخريجه في 2 / 214

(4/477)


تفسير التبيان ج4
بعضهم لبعض: ان هكذا عادة الدهر، فكونوا على ماأنتم عليه كماكان آباؤكم فلم ينفكوا عن تلك الحال فينتقلوا.
وقوله " فأخذناهم بغتة وهم لايشعرون " اخبار من الله تعالى انه أخذ من ذكره ممن لم يقبل مواعظ الله وخرج عن طاعته إلى عداوته " بغتة " يعني فجاء ة وهي الاخذ على غرة من غير تقدمة تؤذن بالنازلة تقول: بغته يبغته بغتة كما قال الشاعر: * وافظع شئ حين يفجؤك البغت *(1) ومعنى الاية انه تعالى يدبر خلقه الذين يعملون بمعاصيه ان يأخذهم تارة بالشدة واخرى بالرخاء، فاذا فسدوا على الامرين جميعا اخذهم بغتة ليكون ذلك اعظم في الحسرة، وابلغ في باب العقوبة.
ومعنى قوله " وهم لايشعرون " أي لم يشعروا بنزول العذاب الا بعد حلوله.
قوله تعالى: ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض ولكن كذبوا فاخذناهم بما كانوا يكسبون(96)
آية بلاخلاف.
قرأ ابن عامر " لفتحنا " بتشديد التاء. الباقون بتخفيفها.
من شدد ذهب إلى التكثير، ومن خفف، فلانه يحتمل القلة والكثرة.
ومعنى (لو) امتناع الشئ لامتناع غيره، و (لولا) معناه امتناع الشئ لوجود غيره.
وقال الرماني: معنى (لو) تعليل الثاني بالاول الذي يجب بوجوبه، وينتفي بانتفائه على طريقة ان كان، و (ان) فيهاهذا المعنى على طريقة يكون.
والفرق بين (لو) و (ان) أن (ان) تعلق الثاني بالاول الذي يمكن أن يكون ويمكن أن لايكون كقولك ان آمن هذا الكافر استحق الثواب،
---
(1) مرتخريجه في 4 / 115.

(4/478)


تفسير التبيان ج4
وهذا مقدور وليس كذلك (لو) لانها قد تدخل على مالايمكن ان يكون كقولك: لو كان الجسم قديما لاستغنى عن صانع.
وفتحت (أن) بعد (لو) لانها مبنية على شبه التعليل اللفظي لاختصاصه بالفعل الماضي، فكأنه قيل لوكان أن اهل القرى آمنوا، وصارت (لو) خلفا منه.
واما (لولا انه خارج لاتيته) فتشبه (لو) من جهة تعليق الثاني بالاول فأجريت مجراها.
يقول الله تعالى " لو ان اهل " هذه " القرى " التي اهلكناها: من قوم لوط وصالح، وشعيب وغيرهم أقروا بوحدانيتي وصدقوا رسلي " لفتحنا عليهم بركات " وهي الخيرات النامية، وأصله الثبوت فنمو الخير يكون كناية عن ثبوته بدوامه، فبركات السماء بالقطر، وبركات الارض بالنبات والثمار، كما وعد نوح بذلك أمته، فقال " يرسل السماء عليكم مدرارا..(1) " الايات.
وقيل بركات السماء اجابة الدعاء، وبركات الارض تيسير الحوائج " ولكن كذبوا " يعني كذبوا برسلي فأخذناهم بما كانوا يكسبون من المعاصي ومخالفتي. والكسب العمل الذي يجتلب به نفع او يدفع به ضرر عن النفس، وقد يكسب الطاعة ويكسب المعصية اذا اجتلب النفع من وجه يقبح.
قال البلخي: وفى الاية دلالة على أن المقتول ظلما لولم يقتل لم تجب اماتته، لانه تعالى قال " لوأن اهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض " وهذا انما يقوله لقوم أهلكهم ودمر عليهم، وقدكان عالما بما ينزل بهم من الهلاك، فأخبر أنهم لو آمنوا لم يفعل بهم ذلك، ولعاشوا حتى ينزل عليهم بركات من السماء فيتمتعوا بذلك.
---
(1) سورة 11 هود آية 52 وسورة 71 نوح آية 11 وفى سورة 6 الانعام آية 6 " وأرسلنا السماء عليهم مدرارا. ".

(4/479)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون(97) أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحىً وهم يلعبون(98)
آيتان.
قرأ اهل المدينة وابن عامر (او) بسكون الواو الا ان ورشا على أصله في القاء حركة الهمزة على الساكن فتصير قراء ته مثل قراء ة الباقين.
الالف في قوله " أفأمن اهل " ألف الانكار، أنكر عليهم ان يأمنوا، وانمادخل حرف الاستفهام معنى الانكار لظهور المعنى فيه، وان الجواب عنه لايكون الا بالنفي.
والفاء في قوله " أفأمن " فاء العطف دخل عليها حرف الاستفهام، وانما جاز ذلك مع منافات العطف للاستئناف، لانهما انما يتنافيان في المفرد، لان الثاني اذا عمل فيه الاول كان من الكلام الاول، والاستئناف قد أخرجه عن ان يكون منه. واما في عطف جملة على جملة فيصح، لانه على استئناف جملة بعد جملة.
و (الامن) سكون النفس إلى الحال المنافية لانزعاجها.
والامن والثقة والطمئنية نظائر في اللغة، وضد الامن الخوف، وضد الثقة الريبة، وضد الطمأنينة الانزعاج.
والامن الثقة بالسلامة من الخوف.
والبأس العذاب، والبؤس الفقر والاصل الشدة، ورجل بئس شديد في القتال، ومنه قولهم: بئس الرجل زيد، معناه شديد الفساد.
والنوم نقيض اليقظة. والنوم سهو يغمر القلب ويغشي العين ويضعف الحس وينافي العلم.
نام الرجل ينام نوما وهو حسن النيمة اذا كان حسن هيئة النوم، ورجل نومة - بسكون الواو - اذا كان خسيسا لا يؤبه به - ذكره الزجاج - ورجل نومة - بفتح الواو - كثير النوم، والنيم: فرو النوم، لانه يغشي كما يغشي النوم أو لانه من شأنه أن ينام فيه.
ومعنى الاية الابانة عما يجب ان يكون عليه العبد من الحذر لبأس الله وسطوته، بالمسارعة إلى طاعته واتباع مرضاته.

(4/480)


تفسير التبيان ج4
والمعني بقوله " اهل القرى " هم اهل القرى الظالم اهلها، والمقيمون على معاصي الله في كل وقت وكل أوان، وان نزلت بسبب اهل القرى الظالم اهلها المشركين في زمن النبي صلى الله عليه وآله.
وقوله " او أمن اهل القرى " انماقال - ههنا - بالواو، وفي الاية الاولى بالفاء، لان الفاء تدل على ان الثاني ادى اليه الاول، كأنه قيل: أفأمنوا أن يأتيهم بأس الله من أجل ماهم عليه من تضييع امرالله، لانه يشبه الجواب، وليس كذلك الواو بل هي لمجرد العطف، وانما دخلت ألف الاستفهام عليها للانكار على مابيناه، والواو مفتوحة في " أو أمن " لانها واو العطف دخل عليها حرف الاستفهام، وانما فتحت لانها أخف الحركات، ولمثل ذلك فتحت ألف الاستفهام وكسرت باء الاضافة ولامها، لانهما حرفان لازمان لعمل الجر.
ومن قرأ هذه القراء ة قال لانها أشبه بما قبلها وما بعدها، لانه قال قبلها " أفأمن " وقال بعدها " أولم يهد " ومن سكن الواو أراد الاضراب عن الاول من غير ان يبطل الاول، لكن كقوله " الم. تنزيل الكتاب لاريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه "(1) فجاء هذا على معنى أمنواهذه الضروب من معاقبتهم والاخذ لهم. وان شئت جعلته مثل (أو) التي في قولك ضربت زيدا او عمرا، كأنك اردت أفأمنوا احدى هذه العقوبات، و (أو) حرف يستعمل على ضربين: احدهما - بمعنى احد الشيئين، كقولك: جاء ني زيد أو عمرو، كما تقول: جاء ني احدهما، ومن ذلك قولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين، لانه مخير في مجالسة ايهما شاء. والثاني - ان يكون بمعنى الاضراب بعدالخبر كقولك: انا أخرج ثم تقول: أو أقيم، فتضرب عن الخروج وتثبت الاقامة، كأنك قلت: لا بل أقيم.
ومن ثم قال سيبويه في قوله " ولاتطع منهم آثما او كفورا "(2) لو قلت ولا تطع كفورا انقلب المعنى، وانما كان ينقلب المعنى لانه لوكان
---
(1) سورة 32 الم السجد آية 1 - 3.
(2) سورة 76 الدهر آية 24

(4/481)


تفسير التبيان ج4
للاضراب لجاز ان يطيع الاثم، وذلك خلاف المراد، لان الغرض لاتطع هذا الضرب، ولاتطع هؤلاء.
و (الضحى) صدر النهار في وقت انبساط الشمس واصله الظهور من قولهم: ضحا الشمس يضحو ضحوا اذا ظهر، وفعل ذلك الامر ضاحية اذا فعله ظاهرا والا ضحية من هذا، لانها تذبح عند الضحى يوم العيد، قال رؤبة: * هابي العشي ديسق ضحاؤه *(1)
وقال آخر: * عليه من نسج الضحى شفوف *(2) فشبه السراب بالسور البيض.
(واللعب) هوالعمل للذة لايراعى فيه الحكمة كعمل الصبي، لانه لايعرف الحكيم ولا الحكمة، وانما يعمل للذة، واصله الذهاب على غير استقامة، كلعاب الصبي اذا سال على فيه، وانما خص وقت الضحى بهذا الذكر، لانهم بمنزلة لايجوز لهم ان يأمنوا ليلا ولانهارا - في قول الحسن - ولانه ابتداء الدخول في الاستمتاع.
ومعنى الاية البيان عن وجوب الاخذ بالجرم في كل ما لايؤمنون معه هلاك النفس، لانكار الله عليهم ان يكونوا على حال الا من وقد ضيعوا الواجب من الامره.
قوله تعالى: أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون(99)
آية بلاخلاف.
انما دخلت الفاء في " أفأمنوا " بعد الواو في " أو أمن " لان فيها معنى (بعد) كأنه قيل ابعد هذاكله أمنوا مكر الله. ثم صار الفاء في " فلايأمن مكر الله " كأنها جواب لمن قال قد أمنوا، والمكر اخذ العبد بالضر من حيث
---
(1، 2) اللسان . (ضحا).

(4/482)


تفسير التبيان ج4
لايشعر الا أنه قد كثر استعماله في الحيلة عليه، قال الخليل: المكر الاحتيال باظهار خلاف الاضمار، وانما جاز اضافة المكر إلى الله لما في ذلك من المبالغة من جهة انه قد صار العذاب كالمكر على الحقيقة، لانه اخذ للعبد بالضر من حيث لايشعر، واصل المكر الالتفات، فمنه ساق ممكورة أي ملتفة حسنة قال ذو الرمة:
عجزاء ممكورة خمصانة قلق
عنها الوشاح وثم الجسم والعصب(1)
والمكور شجر ملتف قال الراجز: * يستن في علقي وفي مكور *(2) ورجل ممكور قصير ملتف الخلقة ذكره الخليل في هذا الباب تقول: مكر يمكر مكرا اذا التف تدبيره على مكروه لصاحبه.
وقوله " فلا يأمن مكر الله الا القوم الخاسرون " انما ارتفع مابعد (الا) لان الرافع مفرغ له فارتفع لانه فاعل، وكلما فرغ الفعل لما بعد (الا) فهي فيه ملغاة، وكل ماشغل بغيره فهي فيه مسلطة، لان الاسم لايتصل على ذلك الوجه الا بها. وانما قال " فلا يأمن مكرالله الا القوم الخاسرون " مع ان الانبياء المعصومين يأمنون ذلك لامرين: أحدهما - انهم لايأمنون عقاب الله للعاصين، ولذلك سلموا مواقعة الذنوب الثاني - " فلا يأمن مكر الله " من المذنبين " الا القوم الخاسرون ".
ومعنى الاية الابانة عما يجب ان يكون عليه المكلف من الخوف لعقاب الله، ليسارع إلى طاعته واجتناب معاصيه، ولا يستشعر الامن من ذلك، فيكون قد خسر في دنياه وآخرته بالتهالك في القبائح.
---
(1) مقاييس اللغة 4 / 233 وسيأتي في 5 / 128 من هذا الكتاب.
(2) قائله العجاج. اللسان مكر)، . (علق).

(4/483)


تفسير التبيان ج4
الآية: 100 - 118
قوله تعالى: أوَ لم يهد للذين يرثون الارض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لايسمعون(100)
آية.
قيل في فاعل " يهد " من جهة الاعراب قولان: احدهما - انه مضمر كأنه قيل: أو لم يهد الله لهم، وقوي ذلك بقراء ة من قرأ بالنون على ماذكره الزجاج. الثاني - او لم يهد لهم مشيؤنا، لان " أن لونشاء " في موضعه والتقدير أو لم يكن هاديا لهم استئصالنا لمن اهلكناه.
وقيل في معنى الهداية - ههنا - قولان: احدهما - قال ابن عباس ومجاهد والسدي وابن زيد: يهدي لهم يبين لهم. الثاني - أن الهداية الدلالة المؤدية إلى البغية، والمعنى اولم نبين للذين متعناهم في الارض بعد إهلاكنا من كان قبلهم فيها. وجعلنا آباء هم المالكين. لها بعدهم، انا لو شئنا أصبناهم بعقاب ذنوبهم وأهلكناهم بالعذاب كما أهلكنا الامم الماضية قبلهم.
وقوله " للذين يرثون الارض من بعد أهلها " فالارث ترك الماضي للباقي مايصير له بعده، وحقيقة ذلك في الاعيان التي يصح فيها الانتقال، وقد استعمل على وجه المجاز في الاعراض، فقيل: العلماء ورثة الانبياء لانهم تعلموا منهم، وقاموا بما أدوه اليهم.
وقوله " ان لونشاء اصبناهم بذنوبهم " الاصابة ايقاع الشئ بالغرض المنصوب، وضده الخطأ وهو ايقاع الشئ بخلاف الغرض المطلوب.
وقوله " ونطبع على قلوبهم " قيل في معنى الطبع - ههنا - قولان: أحدهما - الحكم بأن المذموم كالممنوع من الايمان لايفلح، وهو أبلغ الذم. الثاني - انه علامة وسمة في القلب من نكتة سوداء ان صاحبه لايفلح تعرفه الملائكة.

(4/484)


تفسير التبيان ج4
وحكي عن البكرية في تأويل هذه الاية ان معنى الاية لونشاء طبعنا على قلوبهم، وانكر ابوعلي ذلك، وقال: هذا غلط لان معنى قوله: اني لوشئت اصبتهم بعقاب ذنوبهم وأهلكتهم كما أهلكت الامم قبلهم بعقوبة ذنوبهم، فلايجوز ان يعني اني لو شئت أهلكتهم فلا يتهيأ لهم ان يسمعوا بعد اهلاكهم، لان من المعلوم للعقلاء أجمع ان الموتى لايسمعون، ولا يقبلون الايمان.
وقوله " ونطبع على قلوبهم " انما هو استئناف وخبر منه أنه يفعل ذلك، ولم يرد أني لو شئت لطبعت لانه بين في هذه الاية وغيرها انه مطبع على قلوب الكافرين، كقوله " بل طبع الله عليها " يعني على القلوب " بكفرهم فلايؤمنون الا قليلا "(1) أي الا قليلا منهم، لان أهل الطبع قد يؤمن بعضهم، وهو خلاف قول الحسن، فان تأويله عنده الا ايمانا قليلا.
وقال الزجاج: هو على الاستئناف، لانه لو كان محمولا على اصبنا لكان وجه الكلام ولطبعنا، وهوقول الفراء.
وقوله " فهم لايسمعون " أي لايقبلون الايمان مع هدايتنا لهم وتخويفنا اياهم. وفائدة الاية الانكار على الجهال تركهم الاعتبار بمن مضى من الامم قبلهم، وانه قد طبع على قلوب من لايفلح منهم عيبا، وذما لهم.
وقال البلخي: شبه الله تعالى الكفر بالصدى الذي يركب المرآة والسيف لانه يذهب عن القلوب بحلاوة الايمان ونور الاسلام، كما يذهب الصدى بنور السيف، وصفاء المرآة، ولما صاروا عند امر الله لهم بالايمان إلى الكفر جاز ان يضيف الطبع إلى نفسه، كما قال " زادتهم رجسا إلى رجسهم "(2) وان كانت السورة لم تزدهم ذلك.
---
(1) سورة 4 النساء آية 154.
(2) سورة 9 التوبة 126

(4/485)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاء تهم رسلهم بالبينات فماكانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين(101)
آية بلاخلاف.
اخبر الله تعالى عن اهل القرى التي ذكرها وقص خبرها واشار ب (تلك) اليها، لانه خاطب النبي صلى الله عليه وآله.
وقوله " نقص عليك من أنبائها " يعني قصص انباء القرى مافيه من الاعتبار بماكانوا عليه من الاغترار بطول الامهال مع اسباغ النعم وتظاهر المنن حتى توهموا أنهم على صواب فيما دعاهم اليه الشيطان من قبح الطغيان. والقصص اتباع الحديث، ويقال فلان يقص الاثر أي يتبعه ومنه " قالت لاخته قصيه "(1) أي اتبعي اثره، ومنه المقص لانه يتبع في القطع أثر القطع.
و (النبأ) هو الخبر الا ان النبأ خبر ععن امر عظيم الشأن وأخذ منه اسم نبي، ويقال: أنبأ بكذا بمعنى اخبر به.
وقوله " ولقد جاء تهم رسلهم بالبينات " يعني اتتهم رسلهم بالايات والدلالات، وانما أضاف الرسل اليهم مع أنهم رسل الله، لان الاختصاص فيهاعلى طريقة الملك اذ المرسل مالك لرسالته، وقد ملك العباد الانتفاع بها والاهتداء بمافيها من البيان والبرهان.
وقوله " فماكانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل " قيل في معناه قولان: احدهما - انه بمنزلة قوله " ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه " في قول مجاهد أي انا لم نهلكهم الا وفى معلومنا أنهم لايؤمنون. الثاني - ان عتوهم في كفرهم وتمردهم فيه يحملهم على ان لايتركوه
---
(1) سورة 28 القصص آية 11.

(4/486)


تفسير التبيان ج4
إلى الايمان - في قول الحسن والجبائي - فالاية على هذا مخصوصة بمن علم من حاله انه لايؤمن.
وقال الاخفش " بماكذبوا " معناه بتكذيبهم فجعل (ما) مصدرية. والمعنى لم يكونوا ليؤمنوا بالتكذيب.
وقوله " كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين " وجه التشبيه فيه أن دلالته على انهم لايؤمنون ذما بأنهم لايفلحون كالطبع على قلوب الكافرين الذين في مثل صفتهم في المعلوم.
قوله تعالى: وماوجدنا لأكثرهم من عهدٍ وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين(102)
آية بلاخلاف.
معنى قوله " وما وجدنا " أي ماأدركنا، لان الوجدان والالفاء والادراك والمصادفة نظائر.
وقوله " لاكثرهم من عهد " فالعهد العقد الذي تقدم لتوطين النفس على أداء الحق، واذا أخذ على الانسان العهد فنقضه، قيل ليس عليه عهد أي كأنه لم يعهد اليه، فلما كان الله تعالى اخذ عليهم العهد بما جعله في عقولهم من وجوب شكر المنعم والقيام بحق المنعم، وطاعة المالك المحسن في اجتناب القبائح إلى المحاسن فألقوا ذلك لم يكن لهم عهد وكأنه قال وما وجدنا لاكثرهم من طاعة لانبيائهم - وقيل العهد ماعهد اليهم مع الانبياء ان يعبدوه ولايشر كوا به شيئا، وهو قول الحسن وابي علي.
والمعنى في النفي يؤل إلى انه لم يكن لاكثرهم عهد فيوجد.
وقوله " من عهد " قيل في دخول (من) ههنا قولان: احدهما - انها للتبعيض لانه اذا لم يوجد بعض العهد فلم يوجد الجميع لانه لو وجد جميعه لكان قد وجد بعضه. الثاني - انها دخلت على ابتداء الجنس إلى النهاية.
وقوله " وان وجدنا اكثرهم لفاسقين " معنى (ان) هي المخففة جاز الغاؤها من العمل وان

(4/487)


تفسير التبيان ج4
يليها الفعل، لانها حينئذ قد صارت حرفا من حروف الابتداء.
واللام في قوله " لفاسقين " لام الابتداء التي تكسر لها (ان) وانماجاز ان يعمل ماقبلها فيما بعدها، لانها مزحلقة عن موضعها اذ لها صدر الكلام ولكن كره الجمع بينها وبين (ان) فأخرت.
وقال قوم: المعنى وماوجدنا أكثرهم الافسقة.
فان قيل: كيف قال " اكثرهم لفاسقين " وهم كلهم فاسقون؟ قيل يجوز ان يكون الرجل عدلا في دينه غير متهتك ولامرتكب لما يعتقد قبحه وتحريمه، فيكون تأويل الاية وماوجدنا أكثرهم - مع كفره - الا فاسقا في دينه غير لازم لشريعته خائنا للعهد قليل الوفاء، وان كان ذلك واجب عليه في دينه. وفيها دلالة على انه يكون في الكفار من يفي بعهده ووعده وبعيد عن الخلف وان كان كافرا. وكذلك قد يكون منهم المتدين الذي لايرى ان يأتي ماهو فسق في دينه كالغصب والظلم، فأخبر تعالى انهم مع كفرهم كانوا لاوفاء لهم ولايدينون بمذهبهم بل كانوا يفعلون ماهو فسق عندهم، وذلك يدل على صح قول من يقول تجوز شهادة أهل الذمة في بعض المواضع.
قوله تعالى: ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين(103)
آية
أخبر الله تعالى في هذه الاية انه بعدارسال من ذكر قصته من الانبياء، وكفر قومهم، وانزال عذابه بهم. فالهاء والميم يجوز ان يكون كناية عن الانبياء الذين جرى ذكرهم، ويحتمل ان يكون كناية عن الامم التي - قد تقدم ذكرهم واهلاكهم - بعث اليهم موسى وارسله اليهم. والبعث الارسال وهو في الاصل النقل بأعتماد يوجب الاسراع إلى الشئ، فمنه قوله " انظرني

(4/488)


تفسير التبيان ج4
إلى يوم يبعثون "(1) أي من القبور، ومنه قوله " ثم بعثناكم من بعد موتكم "(2) أي نقلناكم إلى حال الحياة، وكذلك نقلنا موسى عن حاله بالارسال إلى فرعون وملائه " بآياتنا " يعني بحججنا وبراهيننا.
وقوله " فظلموا بها " معناه ظلموا أنفسم بجحدها، لان الظلم بالشئ على وجوه: منها السبب والالة والجهة، نحو ظلم بالسيف الذي قتل به الناس، وظلم بذنبه له، وظلم بغصبه المال، وظلم بجحده الحق. وقيل " ظلموا بها " أي جعلوا بدل الايمان الكفر بها، لان الظلم وضع الشئ في غير موضعه الذي هو حقه.
وقوله " فانظر كيف كان عاقبة المفسدين " معنى النظر هو محاولة التصور للشئ بالفكر فيه، وهو طلب ادراك المعنى بالتأويل له. وقيل: هو تحديق القلب إلى المعنى لادراكه، وكأنه قيل فانظر - يعني بالقلب - كيف كان عاقبتهم، وموضع (كيف) نصب لانه خبر (كان) وتقديره انظر أي شئ كان عاقبة المفسدين.
قوله تعالى: وقال موسى يافرعون إني رسول من رب العالمين(104)
آية بلاخلاف.
في هذه الاية حكاية لما قال موسى (ع) لفرعون ونداؤه له: اني رسول من قبل رب العالمين مبعوث اليك والى قومك و (من) في قوله " من رب العالمين " لابتداء الغاية، لان المرسل المبتدئ بالرسالة وانتهاؤها المرسل اليه.
و (موسى) على وزن (مفعل) والميم في موسى زائدة لكثرة زيادتها أولا
---
(1) سورة 7 الاعراف آية 13 وسورة 15 الحجر آية 36 وسورة 38 ص آية 79.
(2) سورة 2 البقرة آية 56.

(4/489)


تفسير التبيان ج4
كالهمزة التي صارت أغلب من زيادة الالف أخيرا.
و (أفعى) على وزن (أفعل) لهذه العلة.
و (موسى) اسم لاينصرف، لانه أعجمي ومعرفة، وموسى الحديد عربي ان سميت به رجلا لم تصرفه، لانه مؤنث ومعرفة على أكثر من ثلاثة احرف، كمالو سميته ب (عناق) لم تصرفه. ولو سميته (فقد) صرفته.
و (فرعون) على وزن " فعلون " ومثله برذون، فالواو زائدة، لانها جاء ت مع سلامة الاصول الثلاثة، والنون زائدة للزومها.
و (فرعون) لاينصرف لانه أعجمي معرفة، وعرف في حال تعريفه لانه نقل من الاسم العلم، ولو عرب في حال تنكيره لاينصرف كما ينصرف (بأقرب) اسم رجل.
قوله تعالى: حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل(105)
آية بلاخلاف.
قرأ نافع وحده " حقيق علي " بتشديد الياء. الباقون بتخفيف الياء.
فمن قرأ بالتشديد قال تقديره: واجب علي ان لاأقول.
ومن خفف فعلى تقدير: حريص على أن لا أقول، قال ابوعلي قوله " حقيق " يحتمل وجهين: احدهما - ان (حق) الذي هو (فعل) قدتعدى ب " على " قال الله " فحق علينا قول ربنا "(1) وقال " فحق عليها القول "(2) فحقيق يصل ب (على) من هذا الوجه. والثاني - ان حقيقا بمعنى واجب، فكما ان واجب يتعدى ب (على) كذلك تعدى حقيق بها. ومن لم يشدد أجاز تعديه ب (على) من الوجهين اللذين ذكرناهما،
---
(1) سورة 37 الصافات آية 31.
(2) سورة 17 الاسرى آية 16.

(4/490)


تفسير التبيان ج4
وقد قالوا: هو حقيق بكذا، فيجوز على هذا أن تكون (على) بمعنى الباء فتوضع (على) موضع الباء، قال ابوالحسن: كما قال " ولاتقعدوا بكل صراط توعدون "(1) والمعنى (على) قال أبوعلي: والاول أحسنها، لان أبا الحسن قال: لان (على) بمعنى الباء ليس بمقيس ألاترى انك لو قلت ذهبت على زيد تريد بزيد لم يجز، وقال: وجاز في الاية لان القراء ة وردت به، وتقدير " حقيق على ان لا اقول " حقيق بأن لا أقول قال الفراء: العرب تقول: رميت على القوس وبالقوس وجئت على حال حسنة وبحال حسنة، ومعناهما متقارب، لانه مستقل على القول بالنظر حتى يؤديه على الحق فيه. والحق أيضا منعقد بالقول فيه لاينفك.
وقوله " الا الحق " نصب بأنه مفعول القول على غير الحكاية بل على معنى الترجمة عن المعنى دون حكاية اللفظ.
وقوله " قد جئتكم ببينة من ربكم " خطاب من موسى لقومه أنه قد جاء قومه بدلائل من ربه عزوجل.
وقوله " فأرسل معي بني اسرائيل " خطاب من موسى لفرعون، وأمره اياه أن يخلي عن بني اسرائيل من اعتقاله، لانه كان قد اعتقلهم للاستخدام في الاعمال الشاقة من نحو ضرب اللبن ونقل التراب وماأشبه ذلك. ومعنى الاية البيان عن وجوب اتباع موسى (ع) لمكان الادلة التي تشهد بصدقه، وبأنه لايقول على الله الا الحق ولا يدعو الا إلى الرشد.
قوله تعالى: قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين(106)
آية بلاخلاف.
هذا حكاية عما قال فرعون لموسى (ع) من انه ان كان معك حجة
---
(1) سورة 7 الاعراف آية 85

(4/491)


تفسير التبيان ج4
ودلالة تشهد لك على ما تقول " فات بها " أي هات بها " ان كنت " صادقا " من الصادقين " على طريق اليأس منه بذلك وجهله بصحته وامكانه.
واختلف النحويون - ههنا - في نقل (ان) الماضي إلى الاستقبال.
فقال ابوعباس لم تنقله هنا من أجل قوة (كان) لانها أم الافعال، ولم يجزه من غيرها، وقال ابن السراج: المعنى ان تكن جئت بآية أي ان يصح ذلك، لانه اذا أمكن ان يجري الحرف على اصله لم يجز اخراجه، وانما جاز نقل (ان) الماضي إلى المستقبل للبيان عن قوتها في النقل اذ كانت تنقل الفعل نقلين إلى الشرط والاستقبال، كما أن (لم) تنقله إلى النفي والماضي.
وضمير المخاطب في " كنت " يرجع إلى المكنى، ولايجوز مثل ذلك في (الذي) لان (الذي) غائب فحقه أن يعود اليه ضمير الغائب، وقد أجازوه - اذا تقدمت كناية المتكلم كما في قول الشاعر:
وان الذي قتلت بكرا بالقنا
وتركت تغلب غير ذات سنام(1)
فعلى هذا لايجوز أتيت الذي ضربك عمرو، والوجه ضربه.
وانما جاز وقوع الامر في جواب الشرط، لان فيه معنى: ان كنت جئت بآية فاني ألزمك أن تأتي بها، فقد عاد إلى انه يجب الثاني بوجوب الاول. ولايجوز مثل ذلك في الاستفهام، لانه لم يقع معرفة غيره، ولو اتسع فيه جاز، مثل أن تقول: ان كان عندك دليل فما هو؟، ولايجوز: ان قدم زيد، فأعمرو أقدمه؟ لان الالف لها صدر الكلام.
قوله تعالى: فألقى عصاه فاذا هي ثعبان مبين(107) ونزع يده فاذا هي بيضاء للناظرين(108)
آيتان بلاخلاف.
---
(1) مجمع البيان 3 / 456

(4/492)


تفسير التبيان ج4
هذا اخبار من الله تعالى عن القاء موسى عصاه، والعصا عود كالقضيب يابس وأصله الامتناع بيبسه يقال: عصى يعصي اذا أمتنع قال الشاعر:
تصف السيوف وغيركم يعصي بها
يابن القيون وذاك فعل الصيقل(1)
وقيل: عصى بالسيف اذا أخذه أخذه العصا، ويقال لمن استقر بعد تنقل: ألقي عصاه، قال الشاعر:
فألقت عصاها واستقر بها النوى
كما فر عينا بالاياب المسافر(2)
والعصى من بنات الواو، والمعصية من بنات الياء قال الشاعر:
فجاء ت بنسج العنكبوت كأنه
على عصويها سابري مشبرق(3)
وتقول عصى يعصي فهو عاص مثل رمى يرمي واصل ألقى من اللقاء الذي هو الاتصال، فألقى عصاه أي أزال اتصالها عما كان، ومنه إلتقاء الحدين يعني اتصالهما، والملاقات كالمماسة، وزيدت ألف ألقي لتدل على هذا المعنى وانما صارت الياء الفا في ألقي، لانها في موضع حركة قبلها فتحة، ولذلك رجعت إلى أصلها في ألقيت. وانما وجب هذا، لانه بمنزلة التضعيف في موضع يقوى فيه التغيير مع نقل الحركة في حروف العلة.
وقوله " فاذا هي ثعبان " فالثعبان هوالحية الضخمة الطويلة.
وقال الفراء: الثعبان أعظم الحيات، وهو الذكر، وهو مشتق من ثعبت الماء أثعبه ثعبا اذا فجرته. والمثعب موضع انفجار الماء، فسمي الثعبان، لانه يجري كعنق الماء عند الانفجار قال الشاعر: * على نهج كثعبان العرين * وقيل: إن ذلك الثعبان فتح فاه، وجعل فيه فرعون بين نابيه فارتاع
---
(1) قائله جرير، ديوانه: 175 واللسان والتاج . (عصا).
(2) اللسان والتاج . (عصا) وقال ابن بري: هذا البيت لابن عبدربه السلمي.
(3) قائله ذو الرمة ديوانه 76، واللسان . (عصا) ومجمع البيان 2 / 456

(4/493)


تفسير التبيان ج4
فرعون واستغاث بموسى أن يأخذ، ففعل - في قول ابن عباس والسدي وسفيان - ومعنى " مبين " أي بين أنه حية لالبس فيه.
وقوله " ونزع يده " فالنزع هو ازالة الشئ عن مكانه الملابس له المتمكن فيه كنزع الرداء عن الانسان، والنزع والقلع والجذب نظائر، واليد معروفة وهي الجارحة المخصوصة، واليد النعمة، لانها بمنزلة مااشتدت بالجارحة، وقد يكون اليد بمعنى تحقيق الاضافة في الفعل، لانه بمنزلة ما عمل باليد التي هي جارحة.
وقوله " فاذا هي بيضاء للناظرين " معنى (اذا) - هنا - المفاجأة. وهي بخلاف (إذا) التي للجزاء، قال الزجاج هي من ظروف المكان مثل (ثم، وهناك)، والمعنى بيضاء المناظرين هناك، والبيضاء ضد السوداء وهو أن يكون به المحل أبيض، وكان موسى (ع) أسمر شديد السمرة.
وقيل: أخرج يده من جيبه فاذا هي بيضاء " من غير سوء "(1) يعني برص. ثم أعادها إلى كمه فعادت إلى لونها الاول - في قول ابن عباس ومجاهد والسدي - وقال أبوعلي: كان فيها من النور والشعاع مالم يشاهد مثله في يد أحد والناظر هو الطالب لرؤية الشئ ببصره لان النظر هو تطلب الادراك للمعنى بحاسة من الحواس، أو وجه من الوجوه.
---
(1) سورة 20 طه آية 22 وسورة 27 النمل آية 12 وسورة 28 القصص آية 38.

(4/494)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم(109) يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تامرون(110)
آيتان
هذا حكاية ماقال أشراف قوم فرعون، أن موسى ساحر عليهم بالسحر، وإنما قيل للاشراف الملا لامرين: أحدهما - قال الزجاج: لانهم مليئون بما يحتاج اليه منهم. الثاني - لانه يملا الصدر هيبتهم، فالملا جعل الوعاء على كل ما يحتمل مما يلقى فيه كامتلاء المكيال ونحوه.
ويقال: الخلاء والملا على وجه التقابل، وقوم فرعون هم الجماعة الذين كانوا يقومون بأمره ومعاونته ونصرته، ولهذا لايضاف القوم إلى الله، فلا يقال: ياقوم الله كمايقال يا عباد الله، والسحر لطف الحيلة في إظهار أعجوبة توهم المعجزة وقال الازهري السحر صرف الشئ عن حقيقته إلى غيره، والساحر إنما يكفر بادعاء المعجزة، لانه لايمكن مع ذلك علم النبوة. وأصل السحر خفاء الامر، ومنه خيط السحارة، لخفاء الامر فيها، ومنه قوله تعالى " إنما أنت من المسحرين "(1) أي الذين يعدون لخفاء الامر في العدو، والسحر العدو، والسحر آخر الليل لخفاء الشخص ببقية ظلمته، والسحور طعام السحر، والسحر الرئة وما تعلق بها لخفاء أمرها في انتفاخها تارة وضمورها أخرى، قال ذو الرومة:
وساحرة الشراب من الموامي
يرقص في نواشرها الا روم(2)
ويقال: سحر الارض المطر اذا جادها فقطع نباتها من أصوله بقلب الارض ظهرا لبطن، سحرها سحرا والارض مسحورة، فشبه سحر الساحر بذلك بتخييله إلى من سحره أنه يرى الشئ بخلاف ماهو به.
---
(1) سورة 26 الشعراء آية 153، 185.
(2) ديوانه: 591 واللسان . (أرم) وتفسير الطبري 13 / 19 وروايته:
وساحرة السراب من الموامي
ترقص في عساقفها الاروم

(4/495)


تفسير التبيان ج4
ومعنى قوله تعالى " يريد أن يخرجكم من أرضكم " بإزالة ملككم بتقوية أعدائكم عليكم.
وقوله " من أرضكم " فالارض المستقر الذي يمكن الحيوان التصرف فيه عليه. وجملة الارض التي جعلها الله قرارا للعباد فاذا أضيفت، فقيل أرض بني فلان، فمعناه مستقرهم خاصة.
وقوله " فماذا تأمرون " موضع (ما) يحتمل أن يكون رفعا، ويكون المعنى فما الذي تأمرون، ويجوز أن يكون نصبا بمعنى فبأي شئ تأمرون، ويجعل (ما) مع (ذا) بمنزلة اسم واحد، وفي الجواب يتبين الاعراب، ويحتمل أن يكون قوله " فماذا تأمرون " من كلام الملا بتقدير أن يكون قال بعضهم لبعض: ماذا تأمرون، ويحتمل أن يكونوا قالوا ذلك لفرعون على خطاب الملوك، ويحتمل أن يكون من كلام فرعون والتقدير قال فرعون: فماذا تأمرون خطابا لقومه، فعلى هذا تقول قلت لجاريتك قومي أنا قائمة، وتقديره قالت: أنا قائمة، وهو قول الفراء وأبي علي الجبائي، وأنشد الفراء قول عنترة، وزعم أن فيه معنى الحكاية:
الشاتمي عرضي ولم أشتمهما
والناذرين إذا لقيتهما دمي(1)
لان المعنى قالا إذا لقينا عنترة لنقتلنه.
قوله تعالى: قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين(111) يأتوك بكل ساحر عليم(112)
آيتان بلا خلاف.
قرأ أهل الكوفة إلا عاصما " سحار " بتشديد الحاء وألف بعدها. الباقون (ساحر) بألف قبل الحاء على وزن (فاعل) وقرأ عاصم إلا يحيى وحمزة " أرجه " بسكون الهاء من غير همزة.
وقرأ أهل البصرة والداحوني
---
(1) ديوانه: 31 ومعاني القرآن للفراء 1 / 387.

(4/496)


تفسير التبيان ج4
عن هشام ويحيى بالهمزة، وضم الهاء من غير اشباع.
وقرأ ابن كثير والحلواني عن هشام كذلك إلا أنهما وصلا الهاء بواو في اللفظ، وروى ابن ذكوان بالهمز وكسر الهاء من غير اشباع.
وقرأ أبوجعفر من طريق بن العلاف وقالون والمسيبي بكسر الهاء من غير اشباع، وبغير همز. الباقون وهم الكسائي وخلف واسماعيل وورش، وأبوجعفر من طريق النهر واني بكسر الهاء ووصلها بياء في اللفظ من غير همز، وكذلك اختلافهم في الشعراء.
والهمزة لغة قيس وغيرهم، وترك الهمزة لغة تميم وأسد يقولون: أرجيت الامر، وقال أبوزيد: أرجيت الامر إرجاء اذا أخرته.
وقوله تعالى " أرجيه " أفعله من هذا، ولابد من ضم الهاء مع الهمزة، لايجوز غيره، والايبلغ الواو أحسن، لان الهاء خفية فلو بلغ بها الواو لكان كأنه قد جمع بين ساكنين، ألا ترى أن من قال: رده يافتى بضم الدال اذا وصل بالهاء في ضمير المؤنث، قال ردها ففتح، كما تقول رد لخفاء الهاء، وكذلك " أرجهه " لاينبغي أن يبلغ بها الواو فيصير كأنه جمع بين ساكنين، ومن ألحق الواو فلان الهاء محركة ولم يلتق ساكنان لان الهاء فاصل، قال (أرجيهوا) كما يقال (أضربهو) فلو كان الياء حرف لين، لكان وصلها بالواو أقبح نحو (عليهو) لاجتماع حروف متقاربة مع أن الهاء ليست بحاجز قوي في الفصل، واجتماع المتقاربة كاجتماع الامثال.
قال أبوعلي الفارسي: من وصل الهاء ب (يا)، فلان هذه الهاء توصل في الادراج بواو، أو ياء، نحو (بهي) أو (بهو) و (ضربهو) ولاتقول في الوصل (به) ولا (به) ولا (ضربه) حتى تشبع فتقول " بهو " ماعلم (بهي) الا في ضرورة الشعر كقوله: وماله من مجلد يلبد وقال: ومن كسر الهاء مع الهمز، فقد غلط وانما يجوز اذا كان قبله ياء فقال " أرجيه " بكسر الهاء، ولم يستقم، لان هذه الياء في تقدير الهمزة،

(4/497)


تفسير التبيان ج4
فكما لم يدغم الواو اذا خففت الهمزة لان الواو في تقدير الهمزة كذلك لايحسن تحريك الهاء بالضم مع الياء، المنقلبة عن الهمزة، وقياس من قال (رويا) فادغم أن يحرك الياء أيضا بالضم، وعلى هذا المسلك من قال (يتيهم إذا كسر الهاء مع قلب الهمزة ياء، قال: ومعنى " أرجه " أخره، وقال قتادة: معناه إحبسه، يقال أرجأت الامر إرجاء ومنه قولهم: المرجئة، وهم الذين يجيزون الغفران لمرتكبي الكبائر من غير توبة.
قال الرماني: لاوجه لقراء ة حمزة عند البصريين في القياس، ولا الاستعمال على لغة من همز، وقال الزجاج إسكان هاء الضمير لايجوز عند حذاق النحويين، وأجاز الفراء ذلك، قال يقولون: هذه طلحة أقبلت، وأنشد قول الراجز:
أنحى علي الدهر رجلا ويدا
يقسم لايصلح إلا أفسدا
فيصلح اليوم يفسده غدا(1) وزعم ان اسكان هاء التأنيث جائز وأنشد
لمارأى ان لادعه ولاشبع
مالى إلى؟؟ حقف فاضطجع(2)
وقال الاخر:
لست لزعبلة إن لم أغي
ر بكلتي إن لم أساو بالطول(3)
كلتي معناه طريقتي، و (الطول) جمع امرأة طولى، قال الزجاج: هذا
---
(1) قائله دويد بن زيد بن نهد القضاعي وهو أحد المعمرين أنظر طبقات فحول الشعراء: 180 والمعمرين: 20 ومعاني القرآن للفراء 1 / 388 وتفسير الطبري 13 / 21 وأمال الشريف المرتضى 1 / 137.
(2) اللسان . (ضجع) وتفسير الطبري 13 / 21 ومعاني القرآن للفراء 1 / 388 وهو يصف ذئبا قد قطع أمله من أن ينال الظبي، ولم يجد ما يشبعه فلما يئس أضطجع بقرب شجرة.
(3) معاني القرآن 1 / 388.

(4/498)


تفسير التبيان ج4
الشعر الذي أنشده الفراء لايعرف، ولاوجه له، وإنما لم يلين أبو عمرو الهمزة الساكنة على أصله في تخفيف الهمزة لان سكونه علامة للجزم، فلا يترك همزه، لان التسكين عارض وكذلك " مؤصدة " لايترك همزه، لانه يخرج من لغة إلى لغة. والاخ هو من النسب بولادة الادنى من أب أو أم أو منهما ويقال الاخ الشقيق ويسمى الصديق الاخ تشبيها بالنسيب فأما الموافق في الدين فانه أخ بحكم الله في قوله " إنما المؤمنون أخوة "(1).
ومعنى الاية أن قوم فرعون أشاروا عليه بأن يؤخر موسى وأخاه إلى أن يرسل في بلاد مملكته حاشرين، وقال ابن عباس: هم الشرط، وقال مجاهد والسدي: يحشرون من يعلمونه من السحرة والعالمين بالسحر ليقابل بينهم وبين موسى جهلا منهم بأن ذلك ليس بسحر، ومثله في عظم الاعجاز لاتتم فيه الحيلة، لان السحر هو كل أمر يوهموه على من يراه، ولا حقيقة له، وإنما يشتبه ذلك على الجهال والاغبياء دون العقلاء المحصلين.
وقوله " يأتوك بكل ساحر عليم " (يأتوك) جزم، لانه جواب الامر، والمعنى إن ترسل يأتوك، وحجة من قال " ساحر " قوله " ماجئتم به " السحر " (2) والفاعل من السحر ساحر، ويقويه قوله " فألقى السحرة " ساجدين "(3) والسحرة جمع ساحر، ولانه قال " سحروا أعين الناس "(4) واسم الفاعل ساحر، ومن قرأ " سحار " فلانه وصف ب (عليم)، ووصفه به يدل على تناهيه فيه وحذقه، فحسن لذلك أن يذكر بالاسم الدال على المبالغة.
والاتيان هو الانتقال إلى مطلوب، ومثله المجئ أتى يأتي إتيانا وأتي يؤتى إيتاء اذا أعطي، وإنما دخلت (كل) وهي المعموم على واحد، لانه في معنى الجمع، كأنه قال بكل السحرة اذا أفردوا ساحرا ساحرا.
---
(1) سورة 48 الحجرات آية 10.
(2) سورة 10 يونس آية 81.
(3) سورة 26 الشعراء آية 46.
(4) سورة 7 الاعراف آية 115.

(4/499)


تفسير التبيان ج4
والفرق بينه وبين كل السحرة أنه اذا قيل بكل السحرة، فالمعنى المطلوب للجميع، واذا قيل: بكل ساحر، فالمعنى المطلوب لكل واحد منهم، ويبين ذلك قول القائل: لكل ساحر درهم، ولكل السحرة درهم، فان الاول يفيد أن لكل واحد درهما، والثاني أن الجميع لهم درهم.
والباء في قوله " بكل " قيل فيه قولان: أحدهما - انه للتعدية كما يعدى بالالف، ومنه ذهبت به وأذهبته وأتيت به وأتيته. الثاني - أنها بمعنى (مع) أي يأتون ومعهم كل ساحر عليم.
قوله تعالى: وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين(113) قال نعم وإنكم لمن المقربين(114)
آيتان
قرأ أهل الحجاز وحفص " إن لنا لاجرا " بهمزة واحدة على الخبر، وقرأ بهمزتين مخففتين ابن عامر وأهل الكوفة إلا حفصا وروح، إلا أن الحلواني عن هشام يفصل بينهما بألف، وأبوعمرو ورويس لايفصل.
قال أبوعلي: الاستفهام في هذا الموضع أشبه، لانهم يستفهمون عن الاجر، وليس يقطعون أن لهم الاجر، ويقوي ذلك إجماعهم في الشعراء، وربما حذفت همزة الاستفهام، قال الحسن قوله تعالى " وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني اسرائيل "(1) إن من الناس من يذهب إلى انه على الاستفهام وقد جاء ذلك في الشعر:
أفرح أن أرزأ الكرام وأن
أورث ذودا شصائصا نبلا(2)
---
(1) سورة 26 الشعراء آية 22.
(2) اللسان . (نبل) يقول أأفرح بصغار الابل التي ورثتها، وقد رزئت بالكرام؟

(4/500)


تفسير التبيان ج4
وهذا أقبح من قوله:
وأصبحت فيهم آمنا لا كمعشر
أتوني فقالوا من ربيعة أم مضر(1)
لان (أم) تدل على الهمزة.
وفى الكلام حذف، لان التقدير فأرسل فرعون في المدائن حاشرين يحشرون السحرة، فحشروهم " فجاء السحرة فرعون قالوا: ان لنا لاجرا " أي ان لنا ثوابا على غلبتنا موسى عندك " ان كنا نحن " يافرعون " الغالبين "، وهوقول ابن عباس والسدي.
وتقول: جئته وجئت اليه، فاذا قلت: جئت اليه، ففيه معنى الغاية لدخول (إلى) فيه وجئته معناه قصدته بمجيئي، واذا لم يعده لم يكن فيه دلالة على القصد كما تقول: جاء المطر.
وقوله " وجاء السحرة فرعون قالوا " إنما لم يقل: فقالوا حتى يتصل الثاني بالاول، لان معناه لما جاؤا قالوا، فلم يصلح دخول الفاء على هذا الوجه، وانما قالوا: أئن، لنا لاجرا، ولم يقولوا: لنا أجر، لان أحدهما سؤال عن تحقيق الاجر وتأكيده، كما لو قال أبا لله لنا أجر، وليس كذلك الوجه الاخر.
وقوله " إن كنا نحن " موضع (نحن) يحتمل وجهين: أحدهما - أن يكون رفعا ويكون تأكيدا للضمير المتصل في كنا. والثاني - لاموضع له، لانه فصل بين الخبر والاسم. والاجر الجزاء بالخير، والجزاء قد يكون بالشر بحسب العمل وبحسب مايقتضيه العدل. والغلبة ابطال المقاومة بالقوة، ومن هذا قيل في صفة الله (عزوجل) القاهر الغالب، لانه القادر الذي لا يعجزه شئ.
وقوله " قال نعم " حكاية عن قول فرعون مجيبا لهم عما سألوه من أن لهم أجرا أو لا؟ بأن قال نعم لكم الاجر، و (نعم) حرف جواب مع أنه
---
(1) قائله عمران بن حطان، يقوله في قوم نزل بهم متنكرا، وهو يشكر صنيعهم، انظر الكامل 7 / 187 والخصائص لابن جني 2 / 281.

(4/501)


تفسير التبيان ج4
يجوز الوقف عليها، لانها في الايجاب نظيرة (لا) في النفي، وإنما جاز الوقف عليها، لانها جواب لكلام يستغني بدلالته عما يتصل بها.
وقوله " قال " أصله (قول) فانقلبت الواو الفا لتحركها وانفتاح ماقبلها وإنما قلبوها مع خفة الفتحة لتجري على (قلت وتقول) في الاعلال مع أن الالف الساكنة أخف من الواو المتحركة، وان كانت بالفتحة.
والواو في قوله تعالى " وانكم " واو العطف كأنه قال: لكم ذاك، وانكم لمن المقربين، وهو في مخرج الكلام، كأنه معطوف على حرف. وكسرت الف " إنكم " لانها في موضع استئناف بالوعد، ولم تكسر لدخول اللام في الخبر، لانه لولم يكن اللام لكانت مكسورة.
ومثل هذا قوله تعالى " وماأرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام "(1) ومعنى " من المقربين " انكم من المقربين إلى مراتب الجلالة التي يكون فيها الخاصة، ولايتخطى فيها العامة. وفي الاية دليل لقوم فرعون على حاجته وذلته لو استدلوا واحسنوا النظر لنفوسهم، لانه لم يحتج إلى السحرة الا لذلة وعجز، وكذلك في طلب السحرة الاجر دليل على عجزهم عماكانوا يدعون من القدرة على قلب الاعيان، لانهم لو كا نوا قادرين على ذلك لاستغنوا عن طلب الاجر من فرعون، ولقلبوا الصخر ذهبا ولقلبوا فرعون كلبا واستولوا على ملكه.
قال ابن اسحاق: وكان السحرة خمسة عشر ألفا.
وقال ابن المكندر: كانوا ثمانين ألفا، وقال كعب الاحبار: كانوا إثنى عشر الفا.
وقال عكرمة: كانوا سبعين ألفا ذكره الطبري.
---
(1) سورة 25 الفرقان آية 20.

(4/502)


تفسير التبيان ج4
قوله تعالى: قالوا ياموسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين(115) قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم(116)
آيتان بلاخلاف.
هذا حكاية قول السحرة أنهم قالوا لموسى اختر أحد شيئين إما أن تلقي أنت عصاك أو نحن نلقي عصينا، وانما دخلت (أن) في قوله " إما أن تلقي " ولم تدخل في " إما يعذبهم وإما يتوب عليهم "(1) لان فيه معنى الامر كأنهم قالوا: اختر إما أن تلقي أي إما القاؤك وإما القاؤنا، ومثله " اما أن تعذب واما أن تتخذ فيهم حسنا "(2) فموضع (ان) نصب، ويجوز أيضا ان يكون التقدير إما إلقاؤك مبدوء به وإما القاؤنا، ويجوز أن تقول: يازيد اما أن تقوم أو تقعد، ولايجوز أن تقول يازيد ان تقوم أو تقعد، لان (إما) يبتدأ بالمعنى فيها أي بمعنى التخيير، فلذلك تدل على معنى اختر، وليس كذا (أو) وقد يقع موقع (اما) وليس بجيد، كما قال الشاعر:
فقلت لهن امشين إما نلاقه
كما قال او تشفى النفوس فنعذرا(3)
وقال ذو الرمة:
فكيف بنفس كلما قلت أشرفت
على البرء من حوصاء هيض اندمالها
تهاض بدار قد تقادم عهدها
واما بأموات ألم خيالها(4)
على أن يلقي أحدنا فيبطل ماأتى به الاخر.
---
(1) سورة 9 التوبة آية 107.
(2) سورة 18 الكهف آية 87.
(3) معانى القرآن للفراء 1 / 390.
(4) هذان البيتان للفرزدق. ديوانه 2 / 618 ومجاز القرآن 1 / 390.
وهما مطلع قصيدة له يمدح بها ابن عبدالملك، ويهجو الحجاج بن يوسف.
وقد تكون نسبتهما الذي الرمة - هنا - خطأ من الناسخ.
موضع . (اما) موضع . (أو).
والالقاء ارسال المعتمد إلى جهة السفل، ومثله الطرح، وضده الامساك.
وقول القائل: إلق علي مسألة إلى هذا يرجع، وإنما قال " واما أن نكون نحن الملقين " ولم يقل واما أن نلقي، لانه ليس المعنى على ليكن القاء أحدنا فقط، فيجئ على التقابل، وانماهو

(4/503)


تفسير التبيان ج4
وقوله " ألقوا " حكاية عن قول موسى (ع) للسحرة (ألقوا) أنتم " فلما ألقوا سحروا أعين الناس " قال البلخي: معناه غشوا أعين الناس، وقال: السحرهو الخفة، والافراط فيهاحتى تخيل بها الاشياء عن الحقيقة والاحتيال بما يخفى على كثير من الناس كتغييرهم الطرجهالة والحيلة فيها ان يجعل (الطرجهالة) طاقين ويرقق بغاية الترقيق، ويجعل بين الطبقتين زيبق، فاذا وضعت في الشمس حمي الزيبق فسار بالطر جهالة، لان من طبع الزيبق اذا حمي ان يتحرك ويفارق مكانه.
وقال قوم: معناه خيلوا إلى أعين الناس بمافعلوه من لتخييل والخدع أنها تسعى، كماقال تعالى " يخيل اليه من سحرهم أنها تسعى(1) " وقال الرماني: معنى سحر العين قلبها عن صحة إدراكها بمايتخيل من الامور المموهة لها بلطف الحيلة التي تجري مجرى الخفة والشعبذة مما لايرجع إلى حقيقة، والمحدث لهذا التخيل هو الله تعالى عندما أظهروا من تلك المخاريق وإنما نسب اليهم لانهم لولم يعرضوا بما يعملونه لم يقع، كمالو جعل أحد طفلا تحت البرد، فمات، فهو القاتل له في الحكم، والله تعالى أماته، وإنما جاز من موسى (ع) أن يأمرهم بالقاء السحر وهو كفر لامرين: أحدهما - إن كنتم محقين فالقوا. الثاني - القوا على مايصح ويجوز، لاعلى مايفسد ويستحيل.
وقال الجبائي: هذا على وجه الزجر لهم والتهديد، وليس بأمر.
وقوله " فلما ألقوا سحروا أعين الناس " والفرق بين (لما) و (إذا) هو الفرق بين (لو) و (أن) في ان أحدهما للماضي والاخر للمستقبل، وكل هذه الاربعة تعليق أول بثان، الاان (لو) على طريقة الشك، و (لما) يقين.
وقوله " واسترهبوهم " معناه طلبوا منهم الرهبة، وهو خلاف الارهاب،
---
(1) سورة 20 طه آية 66.

(4/504)


تفسير التبيان ج4
لانه جعل الرهبة للذي يرهب، والعظيم مايملا الصدر بهوله، ووصف السحر بأنه عظيم لبعد مرام الحيلة فيه، وشدة التمويه به، فهو لذلك عظيم الشأن عند من يراه من الناس، ولانه على ماذكرناه من الخلاف في عدة السحرة من سبعين ألفا أو ثمانين الفا كان مع كل واحد حبل وعصا، فلما ألقوها وخيل إلى الناس أنها تسعى استعظموا ذلك وخافوه، فلذلك وصفه الله بأنه سحر عظيم.
و (إما) اذا كانت للتخيير، فأهل الحجاز ومن جاورهم من قيس وبعض تميم بكسرونها وينصبها قيس وأسد و (أما) اذاكانت منصوبة فهي التي يقتضي أن يكون في جوابها الفاء.
قوله تعالى: وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فاذا هي تلقف مايأفكون(117) فوقع الحق وبطل ماكانوا يعملون(118)
آيتان بلاخلاف.
قرأ حفص عن عاصم " تلقف " خفيفة. الباقون بتشديد القاف، وقرأ ابن كثير فاذا هي " تلقف " بتشديد التاء والقاف في رواية البزي عنه إلا النقاش، وابن فليح. والوحي هو القاء المعنى إلى النفس من جهة تخفى، ولذلك لم يشعر به إلا موسى (ع) حتى امتثل ماأمر به فاذا العصاحية تسعى.
وفي هذه الاية إخبار من الله تعالى أنه أوحى إلى موسى (ع) حين ألقى السحرة سحرهم وسحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤا بسحر عظيم: أن ألق عصاك ف (أن) يحتمل أمرين: أحدهما - أن تكون مع مابعدها من الفعل بمنزلة المصدر، وتقديره أوحينا إلى موسى بالالقاء. الثاني - أن تكون (أن) بمعني أي لانه تفسير ماأوحي اليه.

(4/505)


تفسير التبيان ج4
" فاذا هي تلقف مايأفكون " معنى تلقف تبتلغ تناولا بفيها بسرعة منها، فهي تلتقمه استراطا حالا فحالا قال الشاعر:
وأنت عصى موسى التي لم تزل
تلقف مايأفكه الساحر(1)
يقال: لقفته ألقفه لقفا ولقفانا، ولقفته ألقفه وتلقفته تلقفاإذا أخذته في الهواء.
ومن قرأ بتشديد التاء قال: أصله تتلقف فادغم احدى التائين في الاخرى بعد أن سكن الثانية.
ومن خفف القاف أخذه من لقفته.
ومن شددها قال: هو من تلقف.
وقوله " مايافكون " فالافك هو قلب الشئ عن وجهه، ومنه " المؤتفكات "(2) المنقلبات.
والافك الكذب لانه قلب المعنى عن جهة الصواب.
وقال مجاهد: " ما يأفكون " أي يكذبون.
وفي الاية حذف، وتقديره فألقى عصاه فصارت حية " فاذا هي تلقف مايأفكون " والمعنى إنها تلقف المأفوك الذي حل فيه الافك، وعلى هذا يحمل قوله تعالى " والله خلقكم وماتعملون "(3) ومعناه وماتعملون فيه.
وقوله " فوقع الحق " معناه ظهر الحق - في قول الحسن ومجاهد - وأصل الوقوع السقوط كسقوط الحائط والطائر تقول: وقع يقع وقعا ووقوعا وأوقعه ايقاعا، ووقع توقيعا وتوقع توقعا وأوقعه مواقعة، والميقعة المطرقة.
والواقعة النازلة من السماء، والوقائع الحروب.
قال الرماني: الوقوع ظهور الشئ بوجوده نازلا إلى مستقره.
و (الحق) كون الشئ في موضعه الذي اقتضته الحكمة.
والحق موافق لداعي الحكمة، ولذلك يقال وقع الشئ في حقه.
و (الباطل) الكائن بحيث يؤدي إلى الهلاك، وهو نقيض الحق، فالحق كون الشئ بحيث يؤدي إلى النجاة.
والعمل
---
(1) تفسير الطبري 7 / 260 والفتح القدير .
(تفسير الشوكاني) 2 / 221 وروايتهما . (تلقم) بدل .
(تلقف) وهو في مجمع البيان 2 / 460 . (تلقف).
(2) سورة 52 النجم آية 53.
(3) سورة 37 الصافات آية 96.

(4/506)


تفسير التبيان ج4
تصيير الشئ على خلاف ماكان اما بايجاده أو بايجاد معنى فيه ومثله التغيير.
و (ما) في قوله " ماكانوا يعملون " يحتمل أمرين: أحدهما - أن يكون بمعنى المصدر، والتقدير وبطل عملهم. والثاني - أن يكون بمعنى الذي وتقديره وبطل الحبال والعصي التي عملوا بها السحر.
و (ما) اذا كانت بمعنى المصدر لاتعمل عمل (إن) اذا كانت بمعنى المصدر، لامرين: أحدها - أن (ما) اسم، والاسم لايعمل في الفعل. والاخر - أن تنقل الفعل نقلين إلى المصدر والاستقبال تقول: يعجبني ماتصنع، ويعجبني أن تصنع الخير.
الآية: 119 - 139
قوله تعالى: فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين(119) وألقي السحرة ساجدين(120) قالوا آمنا برب العالمين(121) رب موسى وهرون(122)
أربع آيت.
أخبر الله تعالى أنه لماالقى موسى عصاه وصارت حية، وتلقفت ماأفكت السحرة: أن السحرة " غلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين " والغلبة الظفر بالبغية من العدو، وفي حال المنازعة تقول: غلب يغلب غلبة، فهو غالب وذاك مغلوب أي مقهور، وغالبه مغالبة وتغالبا تغالبا وغلب تغليبا. ومعنى (هنالك) أي عند ذلك الجمع، فهو ظرف مبهم كما أن (ذا) مبهم وفيه معنى الاشارة.
وقيل: هنا وهنا لك وهناك، مثل ذا وذاك وذلك.
وإنما دخلت اللام في (هنالك) لتدل على بعد المكان المشار اليه، كمادخلت في (ذلك) لبعد المشار اليه، ف (هنا) لمابعد قليلا، وهنالك لماكان أشد بعدا. وإنما دخل كاف المخاطبة مع بعد الاشارة ليشعر بتأكيد معنى الاشارة إلى المخاطب ليتنبه على بعد المشار اليه من المكان، والبعيد أحق بعلامة التنبيه من القريب.
وقوله " وانقلبوا صاغرين " أي رجعوا أذلاء، والصاغر الذليل،

(4/507)


تفسير التبيان ج4
والصغر والصغار الذلة، يقال: صغر الرجل يصغر صغرا وصغارا اذا ذل، وأصله صغر القدر.
وقوله تعالى " وألقى السحرة ساجدين " إنماجاء على مالم يسم فاعله لامرين: أحدهما - أنه بمعنى ألقاهم مارأوا من عظيم آيات الله بأن دعاهم إلى السجود لله والخضوع له. الثاني - أنهم لم يتمالكوا أن وقعوا ساجدين، فكأن ملقيا ألقاهم، ولم يكن ذلك على وجه الاضطرار إلى الايمان، لانه لو كان كذلك لما مدحوا عليه بل علموا ذلك بدليل، وهو عجزهم من ذلك مع تأتي سائر أنواع السحر منهم.
والالقاء اطلاق الشئ إلى جهة السفل ونقيضه الامساك، ومثله الاسقاط والطرح.
ومعنى الاية البيان عن حال من تيقن البرهان، فظهر منه الاذعان للحق والخضوع بالسجود لله تعالى، ولم يكن ممن تعامى عن الصواب وتعاشى عن طريق الرشاد.
وقوله تعالى " قالوا آمنا برب العالمين " حكاية لما قالت السحرة عند تبينهم الحق ووقوعهم للسجود لله تعالى واعترافهم بأنهم آمنوا برب العالمين الذي خلق السموات والارض ومابينهما وخلق موسى وهارون، والقول كلام يدل على الحكاية، ولو قيل: (تكلموا) لم يقتض حكاية كلامهم على صورته، فاذا قيل: (قالوا) اقتضى حكاية كلامهم.
والايمان هو التصديق الذي يؤمن من العقاب، وهو التصديق بما أوجب الله عليهم.
وقال الرماني: يجوز أن يقال لله أنه لم يزل ربا ولا مربوب، كماجاز لم يزل سميعا ولا مسموع، لانه صفة غير جارية على الفعل كما تجري صفة مالك على ملك يملك، فالمقدور هو المملوك.
وأصل الصفة ب (رب) التربية وهي تنشئة الشئ، حالا بعد حال حتى يصير إلى حال التمام والكمال، ومنه رب النعمة يربها ربا إذا تممها، وربي الطفل تربية، والله تعالى رب العالمين المالك لهم ولتدبيرهم.

(4/508)


تفسير التبيان ج4
و (العالم) كل أمة من الحيوان وجمعة العالمون على تغليب مايعقل، وهو مأخوذ من العلم، لكنه كثر في استعمال أهل النظر على أنه لجميع ما أحاط به الفلك من الاجسام المتصرفة في الاحوال، وقال قوم (عالم) لايقع إلا لجماعة العقلاء. وقد بينا ذلك في فاتحة الكتاب.
وقوله " رب موسى وهارون " إنما خص موسى وهارون بالذكر بعد دخولهما في الجملة من " آمنا برب العالمين " لامرين: أحدهما - أن فيه معنى الذي دعا إلى الايمان موسى وهارون. الثاني - خصا بالذكر لشرف ذكرهما على غيرهما على طريق المدحة لهما والتعظيم. والرب بالاطلاق لايطلق إلا على الله تعالى، لانه يقتضي أنه رب كل شئ يصح ملكه، وفي الناس يقال: رب الدار ورب الفرس، ومثله (خالق) لايطلق إلا فيه تعالى، وفى غيره يقيد، يقال خالق الاديم.
قال الرماني: وإنما جاز نبيان في وقت ولم يجز إمامان في وقت، لان الامام لماكان يقام بالاجتهاد كانت إمامة الواحد أبعد من المناقشة واختلاف الكلمة وأقرب إلى الالفة ورجوع التدبير إلى رضا الجميع.
وهذا الذي ذكره غير صحيح، لان العقل غير دال على أن الامام يجب أن يكون واحدا كما أنه غير دال على أنه يجب أن يكون النبي واحدا، وإنم