سيرتها وسنتها

سيرتها (عليها السلام) مع النبي (صلى الله عليه وآله)

سيدات نساء أهل الجنة و دفاعها عن أبيها

سيرتها (صلوات الله عليها) مع علي (عليه السلام)

سيرتها (عليها السلام) في اتخاذ الطعام لأهل المصيبة

سيرتها (عليها السلام) في أمر المؤمنات بوظائفهن

سيرتها (عليها السلام) في امتثال أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله)

سيرتها (عليها السلام) مع الحسنين (صلوات الله عليهما)

 

سيرتها (صلوات الله عليها) مع النبي (صلى الله عليه وآله)


دلائل الإمامة

وأخبرني القاضي أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد الطبري، قال: أخبرنا أبو الحسين زيد بن محمد بن جعفر الكوفي قراءة عليه، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن الحكم الحبري قراءة عليه، قال: أخبرنا إسماعيل بن صبيح، قال: حدثنا يحيى بن مساور، عن عليّ بن خزور، عن القاسم بن أبي سعيد الخدري.

رفع الحديث إلى فاطمة (عليها السلام)، قالت: أتيت النبي (صلى الله عليه وآله)، فقلت: السلام عليك يا أبة.

فقال: وعليك السلام يا بنيّة.

فقلت: والله ما أصبح يا نبيّ الله، في بيت عليّ حبّة طعام، ولا دخل بين شفتيه طعام منذ خمس، ولا أصبحت له ثاغية(1) ولا راغية(2)، وما أصبح في بيته سُفّة(3) ولا هفّة(4).

فقال: ادخلي يدك بين ظهري وثوبي، فإذا حجر بين كتفي النبي (صلى الله عليه وآله) مربوط بعمامته إلى صدره، فصاحت فاطمة صيحة شديدة، فقال لها: ما أوقدتْ في بيوت آل محمد نار منذ شهر، ثمّ قال (صلى الله عليه وآله): أتدرين ما منزلة عليّ؟!

كفاني أمري وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وضرب بين يديّ بالسيف وهو ابن ستّ عشر سنة، وقتل الأبطال وهو ابن تسع عشرة سنة، وفرّج همومي وهو ابن عشرين سنة.

ورفع باب خيبر وهو ابن نيف وعشرين، وكان لا يرفعه خمسون رجلاً، فأشرق لون فاطمة (عليها السلام)، ولن تقرّ قدميها مكانها حتى أتت علياً، فإذا البيت قد أنار بنور وجهها.

فقال لها علي (عليه السلام): يا ابنة محمد (صلى الله عليه وآله)! لقد خرجت من عندي ووجهك على غير هذه الحال، فقالت: إنّ النبي حدثني بفضلك فما تمالكت حتى جئتك.

فقال لها: كيف لو حدّثك بكلّ فضلي؟(5).

 

صحيح مسلم

(بإسناده) عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، أنّه سمع سهل بن سعد يسأل عن جرح رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم أحد؟

فقال: جرح وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكسرت رباعيّته(6)، وهشمت البيضة(7) على رأسه.

فكانت فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تغسل الدم.

وكان علي بن أبي طالب (عليه السلام) يسكب عليها بالمجن(8).

فلمّا رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلاّ كثرة، أخذت قطعة حصير فأحرقته حتى صار رماداً، ثم ألصقته بالجرح، فاستمسك الدم(9)،(10).

 

تنبيه الخواطر

عن أنس قال: جاءت فاطمة (عليها السلام) بكسرة خبز لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: ما هذه الكسرة؟ قالت: قرص خبزته، ولم تطب نفسي حتى أتيتك بهذه الكسرة.

فقال: أما إنّه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيام(11).

 

مناقب ابن شهر آشوب: أخبار فاطمة

عن أبي الصولي، قال عبد الله بن الحسن: دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) على فاطمة، فقدّمت إليه كسرة يابسة من خبز شعير فأفطر عليها، ثمّ قال: يا بنيّة، هذا أول خبز أكل أبوك منذ ثلاثة أيام.

فجعلت فاطمة تبكي، ورسول الله يمسح وجهها بيده(12).

 

صحيفة الرضا (عليه السلام)

(بإسناده) قال علي (عليه السلام): كنّا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حفر الخندق إذ جاءت فاطمة (عليها السلام) ومعها كسيرة من خبز فدفعتها إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال لها النبي (صلى الله عليه وآله): ما هذه الكسيرة؟

قالت: قرص شعير خبزته للحسن والحسين، جئتك منه بهذه الكسيرة.

فقال النبي (صلّى الله عليه وآله): يا فاطمة! أما إنّه أوّل طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيام(13).

 

مكارم الأخلاق

عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذا أراد السفر سلم على من أراد التسليم عليه من أهله، ثمّ يكون آخر من يسلم عليه فاطمة، فيكون وجهه إلى سفره من بيتها، وإذا رجع بدأ بها.

فسافر مرّة، وقد أصاب عليّ (عليه السلام) شيئاً من الغنيمة، فدفعه إلى فاطمة فخرج، فأخذت سوارين من فضة، وعلقت على بابها ستراً.

فلما قدم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) دخل المسجد، فتوجّه نحو بيت فاطمة (عليها السلام) كما كان يصنع، فقامت فرحة إلى أبيها صبابةً(14) وشوقاً إليه، فنظر، فإذا في يدها سواران من فضّة، وإذا على بابها ستر، فقعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث ينظر إليها.

فبكت فاطمة وحزنت وقالت: ما صنع هذا بي قبلها.

فدعت ابنيها، ونزعت الستر من بابها، وخلعت السوارين من يديها، ثمّ دفعت السوارين إلى أحدهما والستر إلى الآخر.

ثم قالت لهما: انطلقا إلى أبي فاقرآه السلام وقولا له:

ما أحدثنا بعدك غير هذا فشأنك به، فجاءاه فأبلغاه ذلك عن أمّهما.

فقبّلهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) والتزمهما، وأقعد كلّ واحد منهما على فخذه.

ثم أمر بذينك السوارين فكسّرا، فجعلهما قطعاً.

ثم دعا أهل الصفة - وهم قوم من المهاجرين لم يكن لهم منازل ولا أموال - فقسّمه بينهم قطعاً، ثم جعل يدعو الرجل منهم العاري الذي لا يستتر بشيء، وكان ذلك الستر طويلاً، ليس له عرض، فجعل يؤزر الرجل، فإذا التقيا عليه قطعه، حتى قسّمه بينهم أزراً، ثم أمر النساء لا يرفعن رؤوسهنّ من الركوع والسجود حتى يرفع الرجال رؤوسهم، وذلك أنهم كانوا من صغر إزارهم إذا ركعوا وسجدوا بدت عورتهم من خلفهم.

ثم جرت به السنة أن لا يرفع النساء رؤوسهنّ من الركوع والسجود حتى يرفع الرجال.

ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): رحم الله فاطمة، ليكسونّها الله بهذا الستر من كسوة الجنة، وليحلّينّها بهذين السوارين من حلية الجنة.

 

بشارة المصطفى

بالإسناد إلى أبي علي الحسن بن محمد الطوسي، عن محمد بن الحسين المعروف بابن الصقّال، عن محمد بن معقل العجلي، عن محمد بن أبي الصهبان، عن ابن فضال، عن حمزة بن حمران.

عن الصادق، عن أبيه (عليه السلام)، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال:

صلى بنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) صلاة العصر فلمّا انفتل جلس في قبلته والناس حوله؛ فبينا هم كذلك إذ أقبل إليه شيخ من مهاجرة العرب عليه سمل(15) قد تهلّل وأخلق، وهو لا يكاد يتمالك كبراً وضعفاً، فأقبل عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) يستحثّه الخبر(16)، فقال الشيخ:

يا نبي الله! أنا جائع الكبد فأطعمني، وعاري الجسد فاكسني، وفقير فأرشني(17).

فقال (صلى الله عليه وآله): ما أجد لك شيئاً، ولكنّ الدال على الخير كفاعله.

انطلق إلى منزل من يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، يؤثر الله على نفسه، انطلق إلى حجرة فاطمة، وكان بيتها ملاصق بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي ينفرد به لنفسه من أزواجه.

وقال: يا بلال، قم فقف به على منزل فاطمة.

فانطلق الأعرابي مع بلال، فلما وقف على باب فاطمة (عليها السلام) نادى بأعلى صوته:

السلام عليكم يا أهل بيت النبوة، ومختلف الملائكة، ومهبط جبرئيل الروح الأمين بالتنزيل، من عند ربّ العالمين.

فقالت فاطمة: وعليك السلام، فمن أنت يا هذا؟!

قال: شيخ من العرب، أقبلت على أبيك سيّد البشر مهاجراً من شقّة، وأنا يا بنت محمد عاري الجسد، جائع الكبد، فواسيني يرحمك الله.

وكان لفاطمة وعلي في تلك الحال ورسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلاثاً ما طعموا فيها طعاماً، وقد علم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذلك من شأنهما.

فعمدت فاطمة إلى جلد كبش مدبوغ بالقرظ(18) كان ينام عليه الحسن والحسين.

فقالت: خذ هذا أيّها الطارق فعسى الله أن يرتاح لك(19) ما هو خير منه؛

قال الأعرابي: يا بنت محمد! شكوت إليك الجوع فناولتني جلد كبش؟! ما أنا صانع به مع ما أجد من السغب(20).

قال: فعمدت - لما سمعت هذا من قوله - إلى عقد كان في عنقها أهدته لها فاطمة بنت عمّها حمزة بن عبد المطلب، فقطعته من عنقها ونبذته إلى الأعرابي؛

فقالت: خذه، وبعه فعسى الله أن يعوّضك به ما هو خير منه.

فأخذ الأعرابي العقد وانطلق إلى مسجد رسول الله والنبي (صلّى الله عليه وآله) جالس في أصحابه.

فقال: يا رسول الله، أعطتني فاطمة بنت محمد هذا العقد، وقالت: بعه فعسى الله أن يصنع لك. قال: فبكى النبي (صلّى الله عليه وآله) وقال:

وكيف لا يصنع الله لك وقد أعطتكه فاطمة بنت محمد سيدة بنات آدم.

فقام عمار بن ياسر (رحمة الله عليه) فقال: يا رسول الله، أتأذن لي بشراء هذا العقد؟

قال: اشتره يا عمّار؛ فلو اشترك فيه الثقلان ما عذّبهم الله بالنار.

فقال عمار: بكم العقد يا أعرابي؟ قال: بشبعة من الخبز واللحم، وبردة يمانيّة أستر بها عورتي وأصلّي فيها لربي، ودينار يبلغني إلى أهلي.

وكان عمّار قد باع سهمه الذي نفله رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من خيبر ولم يبق منه شيئاً فقال:

لك عشرون دنياراً، ومائتا درهم هجرية، وبردة يمانية، وراحلتي تبلغك أهلك، وشبعك من خبز البر واللحم.

فقال الأعرابي: ما أسخاك بالمال أيّها الرجل، وانطلق به عمار فوفّاه ما ضمن له.

وعاد الأعرابي إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فقال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله): أشبعت واكتسيت؟

قال الأعرابي: نعم، واستغنيت بأبي أنت وأمي، قال: فاجز فاطمة بصنيعها.

فقال الأعرابي: اللهم إنّك إله ما استحدثناك، ولا إله لنا نعبده سواك، وأنت رازقنا على كلّ الجهات، اللهم أعط فاطمة ما لا عين رأت ولا أُذن سمعت.

فأمن النبي (صلّى الله عليه وآله) على دعائه، وأقبل على أصحابه فقال:

إن الله قد أعطى فاطمة في الدنيا ذلك: أنا أبوها وما أحد من العالمين مثلي، وعلي بعلها ولو لا علي ما كان لفاطمة كفؤ أبداً، وأعطاها الحسن والحسين.

وما للعالمين مثلهما سيدا شباب أسباط الأنبياء، وسيدا شباب أهل الجنة.

وكان بإزائه مقداد وعمار وسلمان، فقال: وأزيدكم؟ قالوا: نعم يا رسول الله.

قال: أتاني الروح - يعني جبرائيل (عليه السلام) - وقال:

إنها إذا هي قبضت ودفنت يسألها الملكان في قبرها: من ربّك؟ فتقول: الله ربي؛ فيقولان: فمن نبيّك؟ فتقول: أبي؛

فيقولا: فمن وليّك؟ فتقول: هذا القائم على شفير قبري علي بن أبي طالب (عليه السلام).

ألا وأزيدكم من فضلها: إنّ الله قد وكل بها رعيلاً(21) من الملائكة يحفظونها من بين يديها ومن خلفها، وعن يمينها، وعن شمالها.

وهم معها في حياتها، وعند قبرها، يكثرون الصلاة عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها.

فمن زارني بعد وفاتي، فكأنّما زارني في حياتي.

ومن زار فاطمة، فكأنّما زارني.

ومن زار عليّ بن طالب، فكأنّما زار فاطمة.

ومن زار الحسن والحسين، فكأنّما زار علياً.

ومن زار ذرّيتهما، فكأنّما زارهما.

فعمد عمّار إلى العقد، فطيّبه بالمسك، ولفّه في بردة يمانيّة، وكان له عبد اسمه:

(سهم) ابتاعه من ذلك السهم الذي أصابه بخيبر، فدفع العقد إلى المملوك، وقال له: خذ هذا العقد فادفعه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنت له؛

فأخذ المملوك العقد فأتى به رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأخبره بقول عمار (رضي الله عنه).

فقال النبي (صلى الله عليه وآله): انطلق إلى فاطمة فادفع إليها العقد، وأنت لها.

فجاء المملوك بالعقد، وأخبرها بقول رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأخذت فاطمة (عليها السلام) العقد وأعتقت المملوك، فضحك الغلام.

فقالت: ما يضحكك يا غلام؟ فقال: أضحكني عظم بركة هذا العقد: أشبع جائعاً، وكسى عرياناً، وأغنى فقيراً، وأعتق عبداً، ورجع إلى ربّه(22).

 

المناقب لابن شهر آشوب

القاضي أبو محمد الكرخي في (كتابه)، عن الصادق (عليه السلام): قالت فاطمة (عليها السلام): لما نزلت: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً)(23) هبت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن أقول له: يا أبة، فكنت أقول:

يا رسول الله! فأعرض عني مرة، أو اثنتين، أو ثلاثاً، ثم أقبل عليّ فقال:

يا فاطمة! إنها لم تنزل فيك، ولا في أهلك، ولا في نسلك، أنت مني وأنا منك، إنما نزلت في أهل الجفاء والغلظة من قريش أصحاب البذخ والكبر.

قولي: يا أبة، فإنها أحيى للقلب، وأرضى للرب. ثم قبل النبي (صلّى الله عليه وآله) جبهتي، ومسحني بريقه، فما احتجت إلى طيب بعده.

 

الخرائج والجرائح

روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يأتي مراضع فاطمة فيتفل في أفواههم، ويقول لفاطمة: لا ترضعيهم(24).

 

شرح نهج البلاغة

قال الواقدي: وخرجت فاطمة (عليها السلام) في نساء، وقد رأت الذي بوجه أبيها (صلى الله عليه وآله)، فاعتنقته، وجعلت تمسح الدم عن وجهه؛ ورسول الله (صلى الله عليه وآله)، يقول:

اشتدّ غضب الله على قوم دمّوا وجه رسوله.

وذهب علي (عليه السلام) فأتى بماء من المهراس، وقال لفاطمة: أمسكي هذا السيف غير ذميم. قال أيضاً: فلما أحضر علي (عليه السلام) الماء أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يشرب منه، فلم يستطع، وقد كان عطشاً، ووجد ريحاً من الماء كرهها.

فقال: هذا ماء آجن، فتمضمض منه للدم الذي كان بفيه ثمّ مجّه.

وغسلت فاطمة به الدم عن أبيها (صلى الله عليه وآله)، فخرج محمد بن مسلمة يطلب مع النساء، وكنّ أربع عشرة امرأة، قد جئن من المدينة يتلقّين الناس، منهنّ فاطمة (عليها السلام)، يحملن الطعام والشراب على ظهورهنّ، ويستقين الجرحى ويداوينهم(25).

 

كتاب أبان بن عثمان

إنه لما انتهت فاطمة (عليها السلام) وصفيّة إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ونظرتا إليه، قال: لعلي (عليه السلام): أما عمّتي فاحبسها عنّي، وأما فاطمة فدعها.

فلما دنت فاطمة (عليها السلام) من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ورأته قد شُجّ في وجهه، وأدمي فوه إدماءً، صاحت، وجعلت تمسح الدم، وتقول: اشتدّ غضب الله على من أدمى وجه رسول الله.

وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يتناول في يده ما يسيل من الدم فيرميه في الهواء، فلا يتراجع منه شيء.

قال الصادق (عليه السلام): - والله - لو سقط منه شيء على الأرض، لنزل العذاب(26).

 

قرب الإسناد

ومن ذلك: أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال:

دخلت السوق فابتعت لحماً بدرهم، وذرّة بدرهم، وأتيت فاطمة (عليها السلام) حتى إذا فرغت من الخبز والطبخ، قالت: لو دعوت أبي.

فأتيته وهو مضطجع وهو يقول: أعوذ بالله من الجوع(27).

سيدات نساء أهل الجنة: ودفاعها عن أبيها


لما بعث الله محمداً (صلى الله عليه وآله) بشيراً ونذيراً، شهدت زوجته خديجة بنت خويلد وبناتها زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة: أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

ولما اشتدّت عداوة قريش للنبي (صلى الله عليه وآله) كانت فاطمة تدافع عنه ما يلقى من كيد وأذى المشركين وسفهاء قريش.

فذات يوم جلس رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع بعض أصحابه: عبد الله بن مسعود، وصهيب بن سنان الرومي، وعمار بن ياسر، في المسجد وهو يصلي وقد نحر جزور وبقي فرثه - روثه في كرشه -.

فقال عمرو بن هشام: ألا تنظرون إلى هذا المرائي أيّكم يقوم إلى جزور بني فلان فيعمد إلى فرثها ودمها فيجيء به ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه.

فقام عقبة بن أبي معيط - وكان أشقى القوم - وجاء بذلك الفرث فألقاه على النبي (صلى الله عليه وآله) وهو ساجد، فضحك سادات قريش وجعلوا يميلون بعضهم على بعض من شدّة الضحك، وخشي أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يلقوا الفرث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فانسلّ صهيب الرومي إلى بيت النبي (صلى الله عليه وآله) وأخبر فاطمة (عليها السلام) بذلك، وظلّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ساجداً حتى أقبلت فاطمة فطرحت الفرث عن أبيها، ثم أقبلت على أشراف قريش تشتمهم.

فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو قائم يصلي وقال:

اللهم اشدد وطأتك - عقابك الشديد - على مضر سنين كسني يوسف، اللهم عليك بأبي الحكم - عمرو بن هشام - وعتبة بن ربيعة، وعقبة بن أبي معيط، وأمية بن خلف، وشيبة بن ربيعة.

فلما سمع سادات قريش صوت النبي (صلى الله عليه وآله)، ذهب منهم الضحك، وهابوا دعوته. وقتل عمرو بن هشام، وعتبة، وعقبة، وأمية، وشيبة، يوم بدر(28).

سيرتها (صلوات الله عليها) مع علي (عليه السلام)

مناقب الخوارزمي

(بإسناده) عن أبي سعيد الخدري، قال:

انقضّ عليّ وفاطمة (عليها السلام): فقالت له فاطمة (عليها السلام): ليس في الرحل شيء، فخرج عليّ يبتغي الرزق، فوجد ديناراً، فعرّفه حتى سئم، ولم يجد له طالباً، ولم يصب عليّ شيئاً، قال: إلا أنّي وجدت ديناراً، فعرّفته حتى سئمت ولم أجد له باغياً.

فقالت: هل لك في خير، هل لك أن تستقرضه، فنتعشّى به وإذا جاء صاحبه، فله عوضه، وإنّما هو دينار مكان دينار؟ فقال علي (عليه السلام):

أفعل. فأخذ الدينار، وأخذ وعاءً، ثم خرج إلى السوق، فإذا رجل عنده طعام يبيعه.

فقال علي (عليه السلام): كيف تبيعني من طعامك هذا؟

قال: كذا وكذا بدينار، فناوله علي (عليه السلام) الدينار، ثمّ فتح وعاءه، فكال له حتى إذا فرغ ضمّ عليّ (عليه السلام) وعاءه، وذهب ليقوم، ردّ عليه الدينار، وقال: لتأخذنّه - والله -.

فأخذه ورجع إلى فاطمة، فحدّثها حديثه.

فقالت فاطمة (عليها السلام): هذا رجل عرف حقّنا وقرابتنا من رسول الله (صلى الله عليه وآله).

فأكلوه حتى أنفذوه، ولم يصيبوا ميسرة.

فقالت له فاطمة (عليها السلام): هل لك في خير تستقرضه حتى نتعشّى به - مثل قولها الأول -.

قال: أفعل. فخرج إلى السوق، فإذا صاحبه، فقال له عليّ (عليه السلام): مثل قوله الأول، وفعل الرجل مثل فعله الأول، فرجع، فأخبر فاطمة (عليها السلام)، فدعت له مثل دعائها، وأكلوا حتى أنفذوا.

فلما كان الثالثة قالت له فاطمة: إن ردّ عليك الدينار، فلا تقبله.

فذهب علي (عليه السلام)، فوجده، فلما كال له ذهب يردّه عليه.

فقال له علي (عليه السلام): - والله - لا آخذه، فسكت عنه.

قال أبو هارون: فقمت فانصرفت من عنده فمررت برجل من الأنصار له صحبته، يطيّن بيته، فسلّمت عليه فردّ علي السلام وساءلته وساءلني، ثمّ قال: ما حدّثكم اليوم أبو سعيد؟

فقلت: حدّثنا بكذا وكذا، وحدّثنا حديث الدينار. فقال لي الأنصاري:

حدّثكم من كان الذي اشترى منه عليّ؟ قلت: لا أعلم، قال: كتمكم أبو سعيد: قلت: ومن كان البائع؟

قال: لما ذهب عليّ (عليه السلام) إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال له:

يا علي، تخبرني أو أخبرك؟ قال: أخبرني يا رسول الله.

قال: صاحب الطعام جبرئيل (عليه السلام) - والله - لولا تحلف لوجدته ما دام الدينار في يدك(29).

 

مسند فاطمة (عليها السلام)

عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه دخل يوماً على فاطمة (عليها السلام)، فوجد الحسن والحسين (عليه السلام) بين يديها يبكيان، فقال: ما لهما يبكيان؟

فقالت: يريدان ما يأكلان، ولا شيء عندنا في البيت.

قال: فلو أرسلت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله). قالت: نعم، فأرسلت إليه تقول: يا رسول الله! ابناك يبكيان ولم نجد لهما شيئاً، فإن كان عندك شيء فأبلغناه.

فنظر رسول الله (صلى الله عليه وآله) في البيت، فلم يجد شيئاً غير تمر، فدفعه إلى رسولها، فلم يقع منهما [كذا] فخرج أمير المؤمنين (عليه السلام) يبتغي أن يأخذ سلفاً أو شيئاً بوجهه من أحد، فكلّما أراد أن يكلّم أحداً احتشم، فانصرف، فبينا هو يسير إذ وجد ديناراً، فأتى به فاطمة (عليها السلام)، فأخبرها بالخبر.

فقالت: لو رهنته لنا اليوم في طعام، فإن جاء طالبه رجونا أن نجد فكاكه إن شاء الله.

فخرج به (عليه السلام)، فاشترى دقيقاً ثم دفع الدينار رهناً بثمنه، فأبى صاحب الدقيق عليه أن يأخذ رهناً، وقال: متى تيسّر ثمنه، فجئ به، وأقسم أن لا يأخذه رهناً.

ثم مرّ بلحم فاشترى منه بدرهم، ودفع الدينار إلى القصاب رهناً، فامتنع أيضاً عليه وحلف أن لا يأخذه، فأقبل إلى فاطمة (عليها السلام) باللحم والدقيق، وقال: عجّليه، فإني أخاف أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما بعث بابنيه بالتمر وعنده طعام اليوم، فعجّلته وأتى إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فجاء به فإنهم ليأكلون، إذ سمعوا غلاماً ينشد بالله وبالإسلام من وجد ديناراً.

فأخبر عليّ (عليه السلام) رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالخبر، فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالغلام، فسأله؟ فقال: أرسلني أهلي بدينار أشتري لهم به طعاماً، فسقط منّي، ووصفه، فردّهُ رسول الله (صلى الله عليه وآله)(30).

 

علل الشرائع

القطان، عن السكري، عن الحكم بن أسلم، عن ابن عليّة عن الحريري، عن أبي الورد بن ثمامة، عن علي (عليه السلام):

أنّه قال لرجل من بني سعد: ألا أحدّثك عنّي وعن فاطمة؟

أنّها كانت عندي وكانت من أحبّ أهله إليه.

وأنّها استقت بالقربة حتى أثّر في صدرها، وطحنت بالرحى حتى مجلت(31) يداها، وكسحت البيت حتى اغبرّت ثيابها، وأوقدت النار تحت القدر حتى دكنت ثيابها، فأصابها من ذلك ضرر شديد.

فقلت لها: لو أتيت أباك فسألته خادماً يكفيك حرّ ما أنت فيه من هذا العمل.

فأتت النبي (صلى الله عليه وآله) فوجدت عنده حُدّاثاً(32) فاستحت فانصرفت.

قال: فعلم النبي (صلّى الله عليه وآله) أنّها جاءت لحاجة.

قال: فغدا علينا رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

وقال السلام عليكم.

فقلت: وعليك السلام يا رسول الله، أدخل.

فقال: يا فاطمة، ما كانت حاجتك أمس عند محمّد؟

قال: فخشيت إن لم نجبه أن يقوم، فقلت:

أنا - والله - أخبرك يا رسول الله، إنها استقت بالقربة حتى أثّرت في صدرها، وجرّت بالرحى حتى مجلت يداها، وكسحت البيت حتى اغبرّت ثيابها، وأوقدت تحت القدر حتى دكنت ثيابها(33).

فقلت لها: لو أتيت أباك فسألته خادماً، يكفيك حرّ ما أنت فيه من هذا العمل.

فقال: أفلا أعلّمكما ما هو خير لكما من الخادم؟ إذا أخذتما منامكما فسبّحا ثلاثاً وثلاثين، وأحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبّرا أربعاً وثلاثين.

قال: فقالت (عليها السلام):

رضيت عن الله ورسوله، رضيت عن الله ورسوله، رضيت عن الله ورسوله(34).

 

كنز العمال

من طريق أبي نعيم في (انتفاء الوحشة): (بإسناده) عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنّه قال لفاطمة (عليها السلام):

اذهبي إلى أبيك فسليه، يعطك خادماً يقيك الرحى وحر التنّور.

فأتته فسألته، فقال: إذا جاء سبي فأتينا.

فجاء سبي من ناحية البحرين، فلم يزل الناس يطلبون ويسألونه إيّاه، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) معطاءً لا يُسألُ شيئاً إلاّ أعطاه، حتى إذا لم يبق شيء، أتته تطلب.

فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله): جاءنا سبي فطلبه الناس.

ولكن أعلّمك ما هو خيرٌ لك من خادم! إذا أويت إلى فراشك فقولي:

اللهم ربّ السماوات السبع، وربّ العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، منزل التوراة والإنجيل والقرآن، وفالق الحبّ والنوى، إنّي أعوذ بك من شرّ كلّ شيء أنت آخذ بناصيته.

أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، اقض عنّا الدين، وأغننا من الفقر.

فانصرفت فاطمة (عليها السلام) راضيةً بذلك من الجارية.

قال علي (عليه السلام): فما تركتها منذ علّمني رسول الله (صلى الله عليه وآله).

قيل: ولا ليلة صفّين؟! قال: ولا ليلة صفّين(35).

 

شرح النهج

قال: وقد روي عنه (عليه السلام): أنّ فاطمة (عليها السلام) حرّضته يوماً على النهوض والوثوب، فسمع صوت المؤذّن (أشهد أنّ محمداً رسول الله) فقال لها:

أيسرّك زوال هذا النداء من الأرض؟ قالت: لا، قال: فإنه ما أقول لك(36).

 

ذخائر العقبى

روي من طريق ابن البختري، عن علي (عليه السلام)، قال:

كانت فاطمة بنت أسد تكفيه عمل خارج.

وفاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله) تكفيه عمل البيت(37).

 

قرب الإسناد

السندي بن محمد، عن أبي البختري، عن أبي عبد الله، عن أبيه (عليه السلام) قال: تقاضى علي وفاطمة (عليها السلام) إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الخدمة.

فقضى على فاطمة بخدمة ما دون الباب، وقضى على عليّ بما خلفه.

قال: فقالت فاطمة (عليها السلام): فلا يعلم ما داخلني من السرور إلاّ الله بإكفائي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما تحمّل رقاب الرجال(38)،(39).

 

الكافي

عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن حمّاد بن عثمان، عن زيد بن الحسن قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام)، يقول:

كان علي (عليه السلام) أشبه الناس طعمة، وسيرة برسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وكان يأكل الخبز والزيت، ويطعم الناس الخبز واللحم.

قال: وكان عليّ (عليه السلام) يستقي ويحتطب.

وكانت فاطمة (عليها السلام) تطحن وتعجن وتخبز وترقع، وكانت من أحسن الناس وجهاً، كأن وجنتيها وردتان (صلى الله عليها وعلى أبيها وبعلها وولدها الطاهرين)(40).

 

شرح النهج

قال: روى أبو جعفر الإسكافي أيضاً: أن النبي (صلى الله عليه وآله) دخل على فاطمة (عليها السلام)، فوجد علياً (عليه السلام) نائماً، فذهبت تنبّهه، فقال (صلى الله عليه وآله):

دعيه فربّ سهر له بعدي طويل، وربّ جفوة لأهل بيتي من أجله شديدة، فبكت.

فقال (صلى الله عليه وآله): لا تبكي، فإنّكما معي، وفي موقف الكرامة عندي(41).

 

دعائم الإسلام

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كانت فاطمة (صلوات الله عليها) تزور قبر حمزة وتقوم عليه، وكانت في كلّ سنة تأتي قبور الشهداء مع نسوة معها فيدعون ويستغفرون(42).

 

سنن البيهقي

(بإسناده) عن سليمان بن داود، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن أبيه:

أنّ فاطمة بنت النبيّ (صلى الله عليه وآله) كانت تزور قبر عمّها حمزة كلّ جمعة، فتصلي وتبكي عنده(43).

 

التهذيب

محمد بن علي بن محبوب، عن محمد بن الحسين، عن محسن بن أحمد، عن محمد بن حباب، عن يونس، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال:

إن فاطمة (عليها السلام) كانت تأتي قبور الشهداء في كلّ غداة سبت.

فتأتي قبر حمزة وتترحّم عليه، وتستغفر له(44).

 

شرح نهج البلاغة

عن الواقدي أنّه قال:

وروي أنّ صفيّة لما جاءت، حالت الأنصار بينها وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: دعوها.

فجلست عنده، فجعلت إذا بكت يبكي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإذا نشجت ينشج رسول الله (صلى الله عليه وآله). وجعلت فاطمة (عليها السلام) تبكي، فلمّا بكت، بكى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم قال: لن أُصاب بمثل حمزة أبداً، ثم قال (صلى الله عليه وآله) لصفيّة وفاطمة: أبشرا أتاني جبرئيل (عليه السلام) فأخبرني، أنّ حمزة مكتوب في أهل السماوات السبع: حمزة بن عبد المطلب أسد الله، وأسد رسوله(45).

 

بيت الأحزان

... تأتي قبور الشهداء في كل جمعة مرتين: الاثنين والخميس، وفي رواية أخرى: كانت تصلي هناك وتدعو، حتى ماتت.

يقول الشيخ صالح الحلي (رضي الله عنه):

ومــــــــحمد ملقى بلا تكفين

 

الواثبين لظلم آل بيت محمد

في طول نوح دائم وحنين(46)

 

والقائلـــــــــين لفاطم آذيتنا

 

اعلموا أنّي فاطمة: ويقول أحد الشعراء:

تبكـــــــي أبــــــاها ليلها ونهارها

 

منعوا البتول عن النياحة مذ غدت

أنّى وقد سلب المصاب قرارها(47)

 

قالوا لها قـــــرّي فـــــــــــقد آذيتنا

 

شجرة طوبى

لقد كان لمصرع حمزة أثر بالغ في نفس النبي (صلى الله عليه وآله)، فقد هدّت المصيبة قواه، وجلس على جسده عمّه حمزة وعيناه تذرفان الدموع.

وحين سمع النساء يندبن القتلى، والشهداء، باستثناء عمّه حمزة حيث لم يكن عنده بواكي عليه فاضت عيناه بالدموع، وقال: لكن عمّي حمزة، لا بواكي له.

فلمّا سمعها سعد بن معاذ قال: لا تبكينّ امرأة حميمها حتى تأتي فاطمة، فتسعدها في البكاء على حمزة، فاجتمعن النساء عند فاطمة، وهنّ يسعدنها في البكاء على حمزة(48).

سيرتها (عليها السلام) في اتخاذ الطعام لأهل المصيبة

المحاسن

عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما قتل جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فاطمة (عليها السلام) أن تتّخذ طعاماً لأسماء بنت عميس ثلاثة أيام، وتأتيها وتسلّيها ثلاثة أيام.

منه: عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير، عن حفص بن البختري، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لمّا قتل جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فاطمة (عليها السلام) أن تأتي أسماء بنت عميس هي ونساؤها، وتقيم عندها ثلاثاً، وتصنع لها طعاماً ثلاثة أيام(49).

سيرتها (عليها السلام) في أمر المؤمنات بوظائفهن

الكافي

علي (بن إبراهيم)، عن أبيه، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قضاء الحائض الصلاة ثم تقضي الصوم؟

قال: ليس عليها أن تقضي الصلاة، وعليها أن تقضي صوم شهر رمضان.

ثم أقبل عليَّ وقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يأمر بذلك فاطمة (عليها السلام)، وكانت تأمر بذلك المؤمنات(50).

سيرتها (عليها السلام) في امتثال أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله)

التفسير المنسوب للعسكري (عليه السلام):

قال الحسن أبو محمد الإمام (عليه السلام)...: ألا أُنبئّكم ببعض أخبارنا؟ قالوا: بلى يا بن أمير المؤمنين.

قال: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمّا بنى مسجده بالمدينة وأشرع فيه بابه، وأشرع المهاجرون والأنصار أبوابهم أراد الله عز وجل إبانة محمد وآله الأفضلين بالفضيلة، فنزل جبرائيل (عليه السلام) عن الله تعالى بأن سدّوا الأبواب عن مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل أن ينزل بكم العذاب.

فأول من بعث إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأمره بسدّ الأبواب: العباس بن عبد المطلب.

فقال: سمعاً وطاعة لله ولرسوله، وكان الرسول معاذ بن جبل.

ثم مر العباس بفاطمة (عليها السلام) فرآها قاعدة على بابها، وقد أقعدت الحسن والحسين (عليه السلام) فقال لها: ما بالك قاعدة؟ انظروا إليها كأنّها لبوة بين يديها جرواها(51) تظنّ أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يخرج عمه، ويدخل ابن عمه.

فمرّ بهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال لها: ما بالك قاعدة؟

قالت: انتظر أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بسدّ الأبواب، فقال: لها: إن الله تعالى أمرهم بسدّ الأبواب، واستثنى منهم رسوله وإنّما أنتم نفس رسول الله (صلّى الله عليه وآله)(52).

سيرتها (عليها السلام) مع الحسنين (صلوات الله عليهما)

الكافي

عن علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

إن فاطمة (صلى الله عليها) كانت تمضغ للحسن ثمّ للحسين (صلوات الله عليهما)، وهي صائمة في شهر رمضان(53).

 

مقتل الحسين (عليه السلام) للخوارزمي

وروي في المراسيل:

إن الحسن والحسين (عليهما السلام) كانا يكتبان، فقال الحسن للحسين (عليهما السلام): خطي أحسن من خطك، فقال الحسين: بل خطّي أحسن.

فقالا لأُمّهما فاطمة (عليها السلام): أحكمي بيننا من أحسن منّا خطّاً.

فكرهت فاطمة (عليها السلام) أن تؤذي أحدهما بتفضيل خطّ أحدهما على الآخر، فقالت لهما:

سلا أباكما علياً، فسألاه فكره أن يؤذي أحدهما، فقال (عليه السلام): سلا جدّكما، فسألاه، فقال (صلّى الله عليه وآله): لا أحكم بينكما حتى أسأل جبرئيل.

فلمّا جاء جبرئيل قال: لا أحكم بينهما، ولكن إسرافيل يحكم.

فقال إسرافيل: لا أحكم بينهما ولكن أسأل الله تعالى أن يحكم بينهما.

فقال الله تعالى: لا أحكم بينهما، ولكن أمّهما فاطمة تحكم بينهما.

فقالت فاطمة (عليها السلام): أحكم بينهما يا ربّ - وكانت لها قلادة - فقالت:

أنا أنثر بينكما هذه القلادة، فمن أخذ من جواهرها أكثر فخطّه أحسن.

فنثرتها وكان جبرئيل وقتئذ عند قائمة العرش فأمره الله أن يهبط إلى الأرض وينصّف الجواهر بينهما كيلا يتأذّى أحدهما.

ففعل ذلك جبرئيل إكراماً لهما وتعظيماً(54).

 

سفينة البحار

ومما يدلّ على تعظيمها للعلم: أنّ الحسن بن علي (عليه السلام) كان يحضر مجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو ابن سبع سنين، فيسمع الوحي ويحفظه، فيأتي أمّه فيلقي إليها ما حفظه وكلمّا دخل علي (عليه السلام) وجد عندها علماً بالتنزيل فيسألها عن ذلك، فتقول: من ولدك الحسن (عليه السلام). فتخفّى يوماً في الدار، وقد دخل الحسن (عليه السلام) وقد سمع الوحي، فأراد أن يلقيه إليها، فارتجّ، فعجبت أمّه من ذلك.

فقال: لا تعجبين يا أمّاه، فإن كبيراً يسمعني واستماعه قد أوقفني، فخرج عليّ (عليه السلام) فقبله(55).

الهوامش

1 - الثغاء: صوت الشاة.

2 - الرغاء: صوت الناقة.

3 - السفّة: ما ينسج من الخوص كالزنبيل.

4 - الهفّة: السحاب لا ماء فيه.

5 - عنه مسند فاطمة: 148 ح 64.

6 - الرباعية: السن التي بين الثنيّة والناب (قاموس المحيط: 3/27).

7 - هشمت البيضة: انكسرت الخوذة (لسان العرب: 12/611).

8 - المجنّ: الترس (لسان العرب: 13/400).

9 - استمسك الدم: أي انقطع.

10 - 3/1416 ح 101. وفي ح 102، عن سهل بن سعد وهو يسأل عن جرح رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ فقال: أمَ والله! إني لأعرفُ من كان يغسل جرح رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومن كان يسكب الماء، وبماذا دوي جرحه. ثم ذكر نحوه، وفي صحيح البخاري: 5/130، وسنن البيهقي: 9/31 (مثله).

11 - 1/102، الرسالة القشيرية: 72، وأخلاق النبي: 298، والمعجم الكبير: 41 (مخطوط)، وإتحاف السادة المتقين: 7/391، ومجمع الزوائد: 10/312 (مثله).

12 - 3/113.

13 - 237 ح 141، بكامل تخريجاته.

14 - الصبابة: الولع الشديد.

15 - السمل - بالتحريك -: الثوب الخلق، قوله: قد تهلّل أي الرجل من قولهم تهلّل وجهه إذا استنار وظهر فيه آثار السرور، أو الثوب كناية عن انخراقه.

16 - يستحثّه الخبر: أي يسأله الخبر ويحثّه ويرغّبه على ذكر أحواله.

17 - أرشني، قال الجزري: يقع الرياش على الخصب والمعاش والمال المستفاد، ومنه حديث عائشة: ويريش مملقها أي يكسوه ويعينه، وأصله من الريش كأنّ الفقير المملق لا نهوض به كالمقصوص الجناح، يقال: راشه يريشه: إذا أحسن إليه.

18 - القرظ: ورق السلم يدبغ به.

19 - يقال: ارتاح الله لفلان: أي رحمه.

20 - السغب: الجوع.

21 - قال الجزري: يقال للقطعة من الفرسان: رعلة، ولجماعة الخيل: رعيل، ومنه حديث علي (عليه السلام): سراعاً إلى أمره رعيلاً، أي ركاباً على الخيل.

22 - 137، عنه البحار: 43/56 ح 50.

23 - سورة النور: 63.

24 - 94 ح 155، عنه البحار: ج18: 30 ح 17 وج 43/250 ح 25.

25 - 15/ 35، عنه غاية المرام: 573 ح 10.

26 - عنه البحار: 20/95، ومسند فاطمة (عليها السلام) للتويسركاني: 205 ح 94.

27 - 325، عنه البحار: 17/232. ورواه في الخرائج: 1/108 ح 179 (مثله)، عنه البحار: 18/30.

28 - ص 100، إحقاق الحق: 25/289.

29 - 230، عنه الإحقاق: 8/708، وغاية المرام واللفظ: 5 (مثله).

30 - 279 ح 149 للتويسركاني.

31 - قال الجزري: مجلت يده تمجّل مجلاً، إذا ثخن جلدها في العمل بالأشياء الصلبة؛ ومنها حديث فاطمة (عليها السلام): أنها شكت إلى عليّ (عليه السلام) مجل يدها من الطحن.

32 - وقال: في حديث فاطمة (عليها السلام) أنّها جاءت إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) فوجدت عنده حُدّاثاً، أي جماعة يتحدثون، وهو جمع على غير قياس حملاً على نظيره، نحو سامر وسمّار فإن السمّار المحدثون.

33 - قال [الجزري] في حديث فاطمة (عليها السلام): أنها أوقدت القدر حتى دكنت ثيابها، دكن الثوب: إذا اتّسخ واغبرّ لونه، يدكن دكناً.

34 - 2/366 ح 1، عنه البحار: 43/82 ح 5، وج 76/193 ح 6، وج 85/329 ح 7، ووسائل الشيعة: 4/2026 ح 3 (قطعة)، وج 8/445 ح 1 (قطعة)، عن الفقيه: 1/320 ح 947، وفي مكارم الأخلاق: 294 (مثله). ورواه في الحلية: 1/70 مختصراً بإسناده عن ابن أعبد، عنه مناقب الشافعي: 207 (مخطوط)، وذخائر العقبى: 50، وفي صفة الصفوة: 2/5، وسنن أبي داود: 2/610، ومختصر سنن أبي داود: 4/227، وكنز العمال: 15/508 ح 41985 بإسنادهم عن ابن أعبد، وفي ص 499 ح 41971 بإسناده عن أبي مريم باختلاف يسير، وح 41972 عن عبيدة (باختصار)، وفي ص 500 ح 41974 عن القاسم مولى معاوية وفي ص 503 ح 41978 عن أبي نعيم في الحلية، وأورده في نظم درر السمطين: 192، عن بعضها الإحقاق: 10/267.

وسيأتي نحوه في باب مشقّتها ص 346 ح 7.

35 - 15/501 ح 41975. ورواه في ذخائر العقبى: 49، ووسيلة المآل: 90 (مخطوط) بإسنادهما عن أبي هريرة، عنهما الإحقاق: 10/275، مستدرك الحاكم: 3/157 نحوه.

36 - 11/113، عنه البحار: 8/180 (ط. حجر)، وغاية المرام: 18 ح1.

37 - 51. وفي ينابيع المودة: 20، وسيلة المآل: 92 (مخطوط) (مثله)، عنها الإحقاق: 10/265.

38 - تحمل رقاب الرجال: أي تحمل أمور تحملها رقابهم، من حمل القرب والحطب، ويحتمل أن يكون كناية عن التبرّز من بين الرجال، أو المشي على رقاب النائمين عند خروجها ليلاً للاستسقاء، أي التحمّل على رقابهم.

39 - 25، عنه البحار: 43/81 ح1.

40 - 8/165، عن البحار: 41/131 ح 42.

41 - 4/107.

42 - 1/243 ح 885، عنه البحار: 82/169.

ويأتي في باب مدّة بقاؤها (عليها السلام) بعد أبيها (صلى الله عليه وآله) عن الكافي (تأتي قبور الشهداء في كلّ جمعة مرّتين: الاثنين والخميس).

وفي نفس الباب عن الخصال (فكانت تخرج إلى المقابر - مقابر الشهداء - فتبكي حتى تقضي حاجتها، ثمّ تنصرف).

43 - 4/78. ويأتي في باب مدّة بقائها (عليها السلام) بعد أبيها (صلّى الله عليه وآله) (لمّا قبض رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كانت فاطمة (عليها السلام) تأتي قبور الشهداء، وتأتي قبر حمزة، وتبكي هناك).

44 - 1/465 ح 168، عنه البحار: 43/90 ح 13، وج 102/300 ح 27. والوسائل: 2/879 ح2، وعن الفقيه: 1/18 ح 537.

45 - 15/17.

46 - ص 121 و 166، عنه مفاتيح الجنان: 333.

47 - 8/682.

48 - 2/287، عنه اعلموا أنّي فاطمة: 5/349.

49 - 419 ح 192، عنه البحار: 82/83 ح 22.

50 - 3/104 ح 3، عنه الوسائل: 2/589 ح2. ورواه الشيخ - رحمه الله - في التهذيب: 1/44، كذلك وفي بعض نسخ الكتاب، وبعض نسخ التهذيب [وكان يأمر بذلك المؤمنات] ونقل من الفقيه: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يأمر المؤمنات من نسائه بذلك، وهكذا في العلل أيضاً، ولا يدلّ الخبر على تقدير الزيادة على أنها (عليها السلام) كانت ترى الدم، وقد تكاثرت الروايات أنها (عليها السلام) لم تر حمرة قطّ، وهي صريحة بأنها لم تطمث ولم تحض، فالمراد أنّه (صلى الله عليه وآله) كان يأمرها أن تأمر بذلك المؤمنات. واحتمل بعض العلماء - على ما في الحدائق - أن المراد بفاطمة هنا بنت أبي حبيش المذكورة في أبواب الحيض والاستحاضة لأنها كانت مشهورة بكثرة الاستحاضة والسؤال عن مسائلها في ذلك الزمان، وعلى هذا يكون ذكر السلام بعد لفظ فاطمة (عليها السلام) من توهّم بعض الرواة أو النسّاخ بأنّها الزهراء (عليها السلام).

51 - اللبوة: أنثى الأسد، والجرو: ولد الأسد.

52 - 16 ح 3 و 4، عنه البحار: 39/22 ح 9.

53 - 4/114 ح 2.

54 - 1/123، مودّة القربى: 127، عنه الإحقاق: 10/654.

55 - 1/254.