وصــايـاهـا

 

عن الحسن بن علي (عليه السلام)


مصباح الأنوار

عن زيد بن علي (عليه السلام) قال:

أخبرني أبي، عن الحسن بن علي (عليه السلام) قال: هذه وصيّة فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله) أوصت بحوائطها السبع(1):

العواف، والدلال والبرقة، والميثب،(2) والحسنى، والصافية، وما لأمّ إبراهيم، إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فإن مضى علي فإلى الحسن بن علي (عليه السلام) وإلى أخيه الحسين (صلوات الله عليه) وإلى الأكبر فالأكبر من ولد رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ثمّ إنّي أوصيك في نفسي وهي أحبّ الأنفس إليّ بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله):

إذا أنا مت فغسّلني بيدك وحنّطني وكفّنّي وادفنّي ليلاً.

ولا يشهدني فلان وفلان ولا زيادة عندك في وصيّتي إليك.

واستودعتك الله تعالى حتى ألقاك، جمع الله بيني وبينك في داره، وقرب جواره وكتب ذلك عليّ (عليه السلام) بيده(3).

عن الباقر (عليه السلام)


الكافي

علي، عن أبيه، عن ابن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن أبي بصير، قال:

قال أبو جعفر (عليه السلام) : ألا أقرئك وصيّة فاطمة (عليها السلام)؟

قال : قلت: بلى، فأخرج حقّاً أو سفطاً فأخرج منه كتاباً، فقرأه:

بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصت به فاطمة بنت محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله): أوصت بحوائطها السبعة(4): العواف، والدلال، والبرقة، والميثب(5)، والحسنى، والصافية، وما لأمّ إبراهيم إلى عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فإن مضى علي فإلى الحسن، فإن مضى فإلى الحسين، فإن مضى الحسين فإلى الأكبر من ولدي، شهد الله على ذلك، والمقداد بن الأسود، والزبير بن العوّام، وكتب علي بن أبي طالب (عليه السلام).

الكافي: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عاصم بن حميد، (مثله)؛ ولم يذكر (حقّاً ولا سفطاً) وقال: إلى الأكبر من ولدي دون ولدك(6).

 

كشف الغمة

روي أنّ أبا جعفر (عليه السلام) أخرج سفطاً أو حقّاً وأخرج منه كتاباً فقرأه، وفيه وصيّة فاطمة (عليها السلام): بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصت به فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله)، أوصت بحوائطها السبعة إلى علي بن أبي طالب، فإن مضى فإلى الحسن، فإن مضى فإلى الحسين، فإن مضى فإلى الأكبر(7) من ولدي.

شهد المقداد بن الأسود، والزبير بن العوام، وكتب علي بن أبي طالب(8).

 

مصباح الأنوار

لمّا حضرت فاطمة (عليها السلام) الوفاة بكت.

فقال لها أمير المؤمنين (عليه السلام): يا سيدتي، ما يبكيك؟ قالت: أبكي لما تلقى بعدي فقال لها: لا تبكي، - فو الله - إنّ ذلك لصغير عندي في ذات الله تعالى.

وأوصته أن لا يؤذن بها الشيخين، ففعل.

 

روضة الواعظين

ذكر حديثاً في مرض فاطمة (عليها السلام)، وفيه:

قالت: يابن عمّ، ما عهدتني كاذبة ولا خائنة، ولا خالفتك منذ عاشرتني...

ثم قالت: جزاك الله عنّي خير الجزاء يابن عمّ، أوصيك أولاً أن تتزوّج بعدي بابنة [أختي] أمامة فإنّها تكون لولدي مثلي فإنّ الرجال لابدّ لهم من النساء...

ثم قالت: أوصيك يابن عم، أن تتّخذ لي نعشاً فقد رأيت الملائكة صوّروا صورته لي فقال لها: صفيه إليّ، فوصفته، فاتّخذه لها، فأوّل نعش عمل في وجه الأرض ذلك، وما رأى أحد قبله ولا عمل أحد.

ثم قالت : أوصيك أن لا يشهد أحد جنازتي من هؤلاء الذين ظلموني، وأخذوا حقّي فإنهم أعدائي وأعداء رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولا تترك أن يصلي علي أحد منهم، ولا من أتباعهم وادفنّي في الليل، إذا هدأت العيون، ونامت الأبصار(9).

دخل الإمام علي (عليه السلام) البيت، وإذا به يرى عزيزته قد غادرت فراش العلة وهي تمارس أعمالها المنزلية.

رقَّ لها قلب الإمام حين نظر إليها وقد عادت إلى أعمالها المتعبة التي كانت تجهدها أيام صحتها، فلا عجب إذا سألها عن سبب قيامها بتلك الأعمال بالرغم من انحراف صحتها؟

أجابته بكل صراحة: لأن هذا اليوم آخر يوم من أيام حياتي، قمت لأغسل رؤوس أطفالي وثيابهم لأنهم سيصبحون يتامى بلا أم!!

سألها الإمام عن مصدر هذا النبأ فأخبرته بالرؤيا، فهي بذلك قد نعت نفسها إلى زوجها بما لا يقبل الشك.

إذن، فالسيدة فاطمة في أواخر ساعات الحياة، وقد حان لها أن تكاشف زوجها بما أضمرته في صدرها (طيلة هذه المدة) من الوصايا التي يجب تنفيذها ولو بأغلى الأثمان ولا يمكن التسامح فيها أبداً، لأنَّ لها غاية الأهمية.

كأنها قد فرغت من أعمالها المنزلية وعادت إلى فراشها وقالت:

يا ابن عم!! إنه قد نُعيت إليَّ نفسي، وإنني لا أرى ما بي إلاَّ أنني لاحقة بأبي ساعة بعد ساعة، وأنا أوصيك بأشياء في قلبي.

قال لها علي (عليه السلام): أوصيني بما أحببت يا بنت رسول الله، فجلس عند رأسها، وأخرج من كان في البيت، ثم قالت:

يا ابن عم! ما عهدتني كاذبة ولا خائنة.

ولا خالفتك منذ عاشرتني.

فقال علي (عليه السلام) : معاذ الله!! أنتِ أعلم بالله، وأبرُّ وأتقى وأكرم، وأشدُّ خوفاً من الله من أن أوبِّخك بمخالفتي.

وقد عزَّ عليَّ مفارقتك وفقدكِ.

إلاَّ أنَّه أمر لابدَّ منه.

والله لقد جددت عليَّ مصيبة رسول الله، وقد عظمت وفاتك وفقدك فإنا لله وإنا إليه راجعون.

من مصيبة ما أفجعها وآلمها، وأمضَّها وأحزنها.

هذه مصيبة لا عزاء منها، ورزية لا خلف لها.

ثم بكيا جميعاً ساعة، وأخذ الإمام رأسها وضمها إلى صدره ثم قال:

أوصيني بما شئت، فإنك تجدينني وفياً أمضي كل ما أمرتني به، وأختار أمرك على أمري.

فقالت: جزاك الله عني غير الجزاء.

يا ابن عم! أوصيك أولاً:

أن تتزوج بعدي بابنة أختي أمامة، فإنها تكون لوُلدي مثلي، فإن الرجال لابدَّ لهم من النساء.

ثم قالت: أوصيك أن لا يشهد أحد جنازتي من هؤلاء الذين ظلموني، فإنهم عدوي وعدو رسول الله، ولا تترك أن يصلي عليَّ أحد منهم ولا من أتباعهم، وادفني في الليل إذا هدأت العيون ونامت الأبصار(10).

الوصية بصورة أخرى


قالت: يا ابن العم! إذا قضيت نحبي فغسِّلني ولا تكشف عني، فإني طاهرة مطهرة، وحنِّطني بفاضل حنوط أبي رسول الله (صلى الله عليه وآله).

وصَلِّ عليَّ، وليصلِّ معك الأدنى فالأدنى من أهل بيتي وادفني ليلاً لا نهاراً، وسراً لا جهاراً، وعَفِّ موضع قبري، ولا تُشهد جنازتي أحداً ممن ظلمني.

يا ابن العم! أنا أعلم أنك لا تقدر على عدم التزويج من بعدي فإن أنت تزوَّجت امرأة اجعل لها يوماً وليلة، واجعل لأولادي يوماً وليلة.

يا أبا الحسن! ولا تصِحْ في وجوههما فيصبحان يتيمين غريبين منكسرين، فإنهما بالأمس فقدا جدَّهما واليوم يفقدان أمهما، فالويل لأمَّة تقتلهما وتبغضهما، ثم أنشأت تقول:

واسبل الدمع فهو يوم الفراق

 

ابكني إن بكيت يا خير هادي

لنسل فقد أصبح حليف اشتياق

 

يا قرين البتول أوصيك با

تنسى قتيل العدى بطَف العراق

 

ابكني وابك لليتامى، ولا

هذه بعض وصايا السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) التي يتجلى فيها مدى تألمها من ذلك المجتمع، ومدى تذمُّرها من الجفاة القساة.

إنها اختارت أن تسجِّل اسمها في طليعة أسماء المضطهدين المحرومين وأن تدوِّن اسمها في سجلِّ المظلومين، حتى يكون اسمها رمزاً للمظلومية والحرمان، وليكون تشييع جثمانها تعبيراً عن سخطها على السلطة وعلى كل من أيَّد تلك السلطة واعترف بها وتعاون معها.

وإعلاناً عن غضبها على كل مَن وقف من الزهراء موقفاً سلبياً.

أوصَت أن يُشيَّع جثمانها ليلاً وتجري مراسيم التشييع من التغسيل والتكفين والصلاة والدفن في جوٍّ من الكتمان.

وأن لا يشترك في تشييع جنازتها إلاَّ أفراد لم تتلوَّث ضمائرهم بالانحراف ولم تسوَّد صفحاتهم بالانحراف.

أفراد كان موقفهم تجاه السيدة فاطمة (خلال فترة الانقلاب) موقفاً إيجابياً مشرفاً.

الهوامش

1 - تاريخ المدينة للسمهودي: 2 / 152، إنّ مخيرق اليهودي كان من أحبار يهود بني النضير أسلم وقُتل يوم أحد، وأوصى ببساتينه السبع إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فأوقفها النبي سنة سبع من الهجرة على خصوص فاطمة (عليها السلام) وكان يأخذ منها لأضيافه وحوائجه.

2 - في (م) و (ب): المبيت، وما أثبتناه من الأحاديث في الباب.

3 - 263 (مخطوط)، عنه البحار : 103 / 185 ح 14.

4 - كشف الغمة: 1 / 496: وقال الحسن بن علي الوشّا : سألت مولانا أبا الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام):

هل خلّف رسول الله (صلى الله عليه وآله) غير فدك شيئاً؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام):

إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) خلف حيطاناً بالمدينة صدقة، وخلّف ستة أفراس، وثلاث نوق: العضباء، والصهباء والديباج، وبغلتين: الشهباء، والدلدل، وحماره اليعفور، وشاتين حلوبتين، وأربعين ناقة حلوباً وسيفه ذا الفقار، ودرعه ذات الفصول، وعمامته السحاب، وحبرتين يمانيّتين، وخاتمه الفاضل، وقضيبه الممشوق، وفراشاً من ليف، وعباءتين قطوانيّتين، ومخادّاً من أدم.

صار ذلك إلى فاطمة (عليها السلام)، ما خلا درعه وسيفه وعمامته وخاتمه، فإنّه جعله لأمير المؤمنين (عليه السلام)، عنه البحار: 8 / 108 (ط. حجر).

5 - في أ، ب : المبيت، وسيأتي معناه في ص 1064.

6 - 7 / 48 ح 5، عنه البحار: 43 / 235 ح 2، ووسائل الشيعة : 13 / 311، ورواه في دلائل الإمامة : 42، وكتاب عاصم بن حميد الحنّاط: 23، عنه الفقيه: 4 / 244 ح 5579، وفي التهذيب : 9 / 145 ح 51.

7 - في م، أ، ب : الأكابر، وما أثبتناه بقرينة الحديث الذي سيأتي.

8 - 1 / 499، عن البحار: 43 / 185 صدر ح 18.

9 - روضة الواعظين: 181.

10 - روضة الواعظين.