وأشرقت الأرض بنور ربّها (يوم مولد الزهراء (عليها السلام))

إبراهيم محمد جواد

جلست أم المؤمنين خديجة بنت خويلد قلقة خائفة من الأسباب الكثيرة المحتملة لتأخر زوجها النبي محمد (صلّى الله عليه وآله) في الرجوع إلى البيت. وأكثر ما كان يخيف خديجة ذلك الاحتمال المؤرق، والذي مبعثه عداء قريش المستحكم لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) واجتماعهم على الكيد له والإيقاع به، بعد ما جاءهم بما يسفّه الأحكام ويعيب الأصنام، وبما يؤكد ضلال الآباء وضياع الأبناء في ذلك الشرع المزري بالعقول وذلك السلوك المنحرف الذي يحطّ من قدر النفوس.

ما أكثر ما كانت خديجة تهب واقفة على قدميها، ثم تتجه بخطواتها الرصينة نحو الباب تستطلع كل حركة وافدة، وترهف السمع لكل صوت وارد ولو من بعيد، علّه يكون صوت غائبها المنتظر وزوجها الحبيب، حتى إذا أوغلت الحركة بعيداً، وغاص الصوت في السكون، عادت خديجة إلى مجلسها قلقةً خائفة. ترى ما الذي أخّر رسول الله؟! ما عساه يكون قد حلّ به؟! لم لم يعد إلى البيت حتى الآن؟! هل أقدمت قريش الموتورة على عمل طائش حبس النبي وحال دون عودته إلى بيته وزوجه؟ هل آذته قريش؟ هل حبسته؟ أم لعل قريشاً.. يا الهي.. أيمكن أن تقدم قريش مهما بلغ بها الغيظ والحنق ـ على عمل يطال حياة النبي (صلّى الله عليه وآله)؟ أيمكن ذلك!! أيمكن.

عندما وصلت هواجس السيدة خديجة (عليها السلام) ومخاوفها إلى هذا الحد، شب ضرام هائل في قلبها، لم تعد تستطع معه صبراً، وهمّت بالخروج من البيت، وحدثتها نفسها أن تطرق الأبواب باباً باباً تسأل عن زوجها، وتستطلع أخباره، فلقد حل المساء، وبدأ الظلام يرخي أستاره ويسدل سجفه.

ولقد قامت خديجة فعلاً ويمّمت شطر الباب ومدّت يدها إليه لتفتحه، لولا أن سبقها إليه طرق خفيف، وصوت عمار بن ياسر مبتدءاً أهل البيت بالسلام. وبادرته خديجة بالسؤال متلهفة، وأتاها الجواب من عمار متأنياً: إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقرئك السلام يا أم ويقول: (لم أنقطع عنك يا خديجة هجراً ولا قلىً، ولكن ربي أمرني بذلك فلا تظني يا خديجة إلا خيراً فإن الله عزّ وجلّ ليباهي بك بملائكته مراراً كل يوم، فإذا جنّك الليل فأجيفي الباب وخذي مضجعك من فراشك فإني في منزل أمي فاطمة بنت أسد).

ـ أخبرني عن رسول الله يا عمار، أهو في خير وعافية وأمن فيطمئن قلبي؟

ـ ليطمئن قلبك يا أم، فإن النبي (صلّى الله عليه وآله) في أمن تام وعافية كاملة.

ـ فرج الله عنك يا بني، وأذهب عنك الهمّ والغمّ كما فرجت همي وأذهبت غمي.

ردّت إلى خديجة سكينتها، وسُري عنها روعها، وأرادت أن تستفسر من عمار عن أمور أخرى، وكادت خديجة أن تطلب من عمار أن ينقل إلى رسول الله بعض ما بها، لكنّها التزمت الوقار ولاذت بالأدب الذي تتميز به فضليات النساء في مثل هذه الأحوال، وفوّضت الأمر كلّه إلى الله بعدما اطمأنت على الزوج الحبيب.

حزنت خديجة لغياب النبي عن منزلها، لكنها لم تستوحش لذلك، فإنه (صلّى الله عليه وآله) إن غاب بجسمه عن ناظريها، لم يغب بروحه وقلبه عن بصيرتها وفؤادها، ولم يفتر ذكره على لسانها أبداً، فقبعت في البيت تنتظر عودته بفارغ الصبر وعظيم الشوق. التزم النبي (صلّى الله عليه وآله) منزل فاطمة بنت أسد زوجة عمّه أبي طالب (عليه السلام) أليس هي التي ربته صغيراً؟ وهي التي حنّت عليه شاباً، وفاض قلبها بحبه وتقديره رجلاً، وآمنت به وصدقته واتبعت شريعته نبياً رسولاً؟ فكانت له الأم الثانية بعد أمّه آمنة بنت وهب التي لم ينعم بالتقلب في أحضانها طويلاً.

يرعاه في ذلك البيت العامر، ويحميه فيه عمّه الكريم أبو طالب، ويلاحق بعقله الواعي وقلبه السليم تعاليمه، فيزداد له حباً وبه تعلقاً، ويلمح ذات يوم ابنه علياً قائماً يصلي مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومن خلفهما خديجة، فيثلج صدره موكب الإيمان المنطلق فيعضده بابنه الآخر جعفر ويرمق أبو طالب ولديه اليافعين خلف رسول الله بنفس راضية، وعين دامعة وقلب مبتهج مسرور، فيقبل عليهما بعد الصلاة يوصيهما بابن عمهما ويغريهما بالتزامه والتمسك بغرزه والارتواء من تعاليمه وأخلاقه وسلوكه.

في ذلك البيت المبارك أقام النبي صائماً قائماً متبتلاً، بعيداً عن زوجته خديجة وقد اشتد به الوجد، وبرحه الشوق للتي وهبت له روحها وقلبها ونفسها، وفوضت إليه التصرف بمالها الكثير دونما قيود أو حدود، ثم صدقت بنبوته، وآمنت برسالته وواسته في غربته وعزلته. حتى إذا أتم في ذلك البيت أربعين يوماً جاءه جبرائيل (عليه السلام) فدنا منه حتى قابله ثم همس إليه بصوت خفيض: يا محمد، إن العلي الأعلى يقرئك السلام ويأمرك أن تتأهب لتحيته وتحفته.

وما تحية العلي الأعلى وتحفته يا جبرائيل؟

ـ كيف لي أن أعلم يا محمد، والعلي الأعلى لم يطلع عليها بعد أحداً من خلقه؟

وفيما هما في هذا الحوار المقدس، وقد اشتغل فكر النبي بكنه تلك التحية وماهية تلك التحفة التي يوشك رب العالمين أنه يتحفه بها تحية منه وإكراماً، هبط إليهما ميكائيل (عليهما السلام)، وبيده طبق مغطى بمنديل من سندس، مطرز بالحرير، موشىً بخيوطٍ من استبرق مزدان بعروق من ذهب وحبات من لؤلؤ، فوضعه بين يدي النبي (صلّى الله عليه وآله) وقال بأدب جم واحترام كبير: السلام عليك يا رسول الله، إن الملائكة لتشتاق إليك في المساء وما من ملك إلا ويرغب أن يراك ويسلم عليك، وهذه هدية ربك وتحفته إليك.

وعليك السلام يا ميكائيل وعلى جميع إخوانك من الملائكة المقربين، ما الذي في هذا الطبق المغطّى؟ وما أفعل به؟

ـ يا محمد، هذا طبق من الجنة فيه عذق من رطب وعنقود من عنب وكأس من معين الكوثر، خصك الله تعالى به دون العالمين من إنس وملائكة وجن، هو حلال لك محرم على غيرك، وإن ربك يأمرك أن تجعل إفطارك الليلة على هذا الطعام.

استبشر النبي (صلّى الله عليه وآله) خيراً من هذه الهدية الربانية، وامتلأ قلبه سروراً وصدره انشراحاً بالتحية المباركة، والتحفة المقدّسة، واستشفّ أن وراء هذا الأمر سراً عظيماً، وأمراً جسيماً، فتوجه لله سبحانه بالحمد والشكر والثناء الحسن الجميل، ووصل دعاءه بسجدة طويلة قام عنها مشرق الوجه، باسم الثغر، ثم أغلق عليه الباب، وكان من عادته أن يفتحه لمن يريد أن يفطر معه، وأقبل على الطبق المغطى وقد انقضى النهار وخفي ضوؤه، ودلف الليل وبان سواده وظهرت ظلمته، فأكل من الرطب والعنب أكلاً مشبعاً ـ ولم يكن يفعل ذلك قبل قط، وشرب من الكوثر حتى ارتوى ـ ولم يكن يفعل ذلك قبل قط ـ ثم حمد الله تعالى وأثنى عليه بما هو أهله، وما يليق بكرمه وفضله وجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأحاط به جبرائيل وميكائيل وإسرافيل (عليهم السلام): جبرائيل يفيض على يديه من ماء الجنة وميكائيل يدلكهما له بالمسك والعنبر، وإسرافيل يهوى عليهما بالمنديل فينشفهما من البلل.

واستأذنوه مودّعين، وارتفعوا إلى السماء وقد ارتفع معهم ما بقي في الطبق من الطعام والماء، وانفتل النبي (صلّى الله عليه وآله) ليصلي كعادته، فإذا هو بجبرائيل قد عاد إليه يقول:

ـ يا محمد، إن العلي الأعلى يقرئك السلام، ويأمرك أن تدع الصلاة الآن وتنطلق من فورك إلى خديجة، فإن الله عزّ وجلّ آلى على نفسه أن يخلق من صلبك هذه الليلة ذرية طيبة مباركة.

اشتدت لهفة النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى زوجته خديجة (عليها السلام) التي كان يكنّ لها احتراماً كبير، ويأنس إليها أنساً عظيماً.

لقد مرت أربعون ليلة وهو بعيد عن أخبارها ولذلك بادر النبي من فوره يطلب دار خديجة، يريد أن يسمع صوتها ويطمئن على سلامتها، وفي لحظات خاطفة لا تحسب بمعيار الزمن وقف النبي يقرع الباب.

ـ من هذا الذي يقرع حلقة لا يقرعها إلا محمد؟!

ـ افتحي الباب يا خديجة فها أنذا محمد.

يا الله.. هل يجري هذا في اليقظة أم هو حلم من الأحلام ما أقرب ما يتلاشى ويضيع؟ لقد مضى أربعون يوماً لم تكتحل عينا خديجة برؤية محمد، ولم تسمع أذناها صوته المحبب حتى خافت أنه لا يعود إليها أبداً.

لكن لا، هاهو صوت محمد يرن في أذنيها ناعماً عذباً حلواً، وهل يغيب عن أذني خديجة صوت محمد الشجي الندي؟!

هرعت خديجة إلى الباب تفتحه.. وقد ملأ البشر قلبها، وهزّ الشوق فؤادها، وطفرت دموع الفرح باللقاء إلى عينيها.. ودخل النبي المنزل، وعادت به حياة الزوجين إلى سابق عهدها. بيت يجمع الحب تحت سقفه ودون جدرانه نبياً يدعو إلى الله ويبلغ إلى العالمين رسالته الخالدة، وزوجته تؤيد وتواسي وتدعم مسيرة زوجها بالنفس والمال. وعندما أفاقت خديجة ذات صباح راحت تتحسّس بطنها بدهشة وعجب:

ـ ما بك يا خديجة؟

ـ أحس بثقل خفيف في بطني يا رسول الله!

ـ أبشري يا خديجة بذرية طاهرة مباركة فهذا جبرائيل يبشرني أنها أنثى، وأنها النسمة الطاهرة الميمونة، وأن الله تبارك وتعالى سيجعل نسلي منها، وسيجعل منها أئمة ويجعلهم خلفائي في أرضه بعد انقضاء وحيه.

النبي ماض في دعوته قريشاً إلى دين الفطرة والتوحيد وقريش سادرة في غيّها، ماضية في عنادها، مقيمة على الشرك بربها، عاكفة على أصنامها، قد صمّت آذانها عن سماع كلمة الحق، وأمسكت قلوبها أن تفتح أبوابها للنور.. وعاد النبي ذات يوم إلى خديجة متعباً مجهداً، قد لقي من قومه عنتاً شديداً وأذىً كثيراً، وما إن دلف إلى بيته حتى سمع زوجته خديجة تتكلم وليس معها غيرها، ويلتفت النبي إلى زوجته مداعباً وقد تهلل وجهه وانزاح من فكره وعن كاهله ما لقي من القوم من العنت والأذى:

ـ من تخاطبين يا خديجة؟

أخاطب الجنين الذي في بطني يا رسول الله، أكلّمه ويكلّمني، وأحدثه ويحدثني ويؤنسني.

أبشري يا خديجة، هذه بنت جعلها الله أم أحد عشر من خلفائي يخرجون بعدي وبعد أبيهم.

ما أعظم هذه البشرى على قلب خديجة!! أيكفي خديجة أن تشكر الله على ما حباها من نعمة؟ أتسمع هذا الرزق العظيم كلمة حمد مهما خرجت من قلب مؤمن شاكر؟ أم ترفع يديها وتلج باب الحمد والثناء والمناجاة؟ (إلهي تصاغر عند تعاظم آلائك شكري، وتضاءل في جنب إكرامك إياي ثنائي ونشري، فآلاؤك جمّة ضعف لساني عن إحصائها، ونعماؤك كثيرة قصر فهمي عن إدراكها فضلاً عن استقصائها، فكيف لي بتحصيل الشكر وشكري إياك يفتقر إلى شكر، فكلّما قلت إلهي لك الحمد وجب عليّ لذلك أن أقول لك الحمد، فلك الحمد على حسن بلائك وسبوغ نعمائك، حمداً يوافق رضاك، ويمتري العظيم من برك ونداك).

مع نسمات الجفر الصادق، أفاقت خديجة على شعور واضح بقرب الولادة، وتريثت خديجة قليلاً ريثما انشق الأفق الشرقي عن أشعة شمس الصباح، فأرسلت إلى القوابل من قريش واحدة بعد أخرى، فامتنعن أن يأتينها، وأبين عليها أن يلين ولادتها لمكانها من ذلك الداعية الذي أزرى برجالهن وأغاظ صدور آبائهن، وكل منهنّ تقول:

لا والله يا خديجة، لا نأتيك وقد عصيتنا ولم تقبلي قولنا، وتزوجت محمداً يتيم أبي طالب، فقير لا مال له، فلسنا نجيئك ولا نلي من أمرك شيئاً.

اغتمّت خديجة وشقّ هذا الأمر عليها ودخلها من امتناع هاتيك القوابل حزن شديد. كيف ستتدبر أمر الولادة، وقد رفضت القوابل مساعدتها وامتنعن عن المجيء إليها؟

وفيما خديجة تتجاذبها الهواجس، وتتقلب بين موحشات الخواطر، إذ دخلت عليهن أربع نسوة عليهم من الجمال والنور ما لا يوصف، نظرت إليهم خديجة نظرة حيرى فلا هي تعرفهن في قريش أو فيما حولها من قبائل العرب، ولا هن غريبات عنها كل الغرابة، بحيث تقول أنها لا تعرفهم أبداً، لقد أحست خديجة بشعور خاص يوحي بقربها منهم على نحو ما وينبئ عن صلة لها بهن بشكل أو بآخر، إنها تعرفهن ولا تعرفهن، ما أغرب هذا الشعور؟

ولم يطل التفكير بخديجة، فسرعان ما توجه إليها النسوة الأربع وبادرنها بتحية مباركة طيبة:

ـ السلام عليك يا خديجة، السلام عليك يا زوجة خاتم الرسل والأنبياء، السلام عليك يا أم الخلفاء الأوصياء، السلام عليك يا أم الأئمة العلماء الأتقياء، طبتم أهل بيت النبوة، وطهرتم يا معدن الرسالة ومختلف الملائكة ومهبط الوحي والتنزيل.

ـ وعليكنّ منا السلام ورحمة الله وبركاته، بالله عليكنّ أيتها السيدات الجليلات من أنتن؟

ـ أما أنا فأمك الأولى حوّاء، وأما أنا فآسية بنت مزاحم زوجة فرعون، وأما أنا فكلثم بنت عمران أخت موسى وهارون (عليهما السلام)، وأما أنا فمريم بنت عمران، أم عيسى المسيح (عليه السلام) جئنا لنلي أمرك ونقوم بتوليدك.

ـ مرحباً بكنّ يا سيدات النساء، أين منكنّ قوابل قريش المشركات؟

ـ إن الله العظيم يأبى أن تمسسك وتمسّ ابنتك المشركات النجسات يا سيدة النساء وأم سيدة نساء العالمين.

ـ اللهم لك مزيد الحمد والشكر على ما أنعمت وفضلت، وشكراً لكنّ أيتها السيدات الجليلات المؤمنات الطاهرات.

خديجة متوجهة إلى ربّها بمجامع قلبها الجليل تناجيه وتدعوه، وتحمده وتثني عليه وتشكره، والنسوة الأربع يعالجن خديجة ويتولين توليدها. وما هي إلا لحظات قليلة، حتى أشرقت الأرض بنور ربّها فأضاءت السماء واستنار من نور وجه الوليدة الفضاء، وضجّت الملائكة بالتكبير والتهليل، والتسبيح والتقديس. ونظرت خديجة فإذا الوليدة المباركة الطاهرة المطهرة قد استقبلت الأرض ساجدة لله بوجهها وكفيها وركبتيها وقدميها.

تناولت الأم وليدتها، وتأملتها بحنان وحب فإذا هي كالقمر في ليلة البدر، مشرقة كالنهار الوضاء، فلم تتمالك خديجة أن هتفت من أعماقها تخاطب ابنتها: يا لك من صديقة زهراء زكية، طاهرة مباركة مرضية. ودخل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فدفعت إليه خديجة ابنته فتأمّلها مليّاً وابتسم في وجهها ولسان حاله يقول لها: سبحان الله يا بنيّة، ما أزهر وجهك، وما أطيب ريحك وأطهر نفسك وأزكى عرفك أيتها البتول. إن ربي قد أمرني أن أسميك فاطمة، وقد فطمك الله بالعلم وفطمك عن الطمث وفطم شيعتك عن النار. أحست خديجة بشعور خاص نحو وليدتها فاطمة، وأفرز ذلك الشعور في جسدها تفاعلات ما أحست بها عند ولادة بناتها الأخريات قبلها وابنيها القاسم وعبد الله. وهاهي ذي خديجة ترفع الوليدة المباركة بين يديها وتلثم بحب ووله وجنتيها وتقبل ما بين عينيها ثم تضعها على صدرها وتلقمها ثديها وهي تقول:

بسم الله ما شاء الله وعلى بركة الله وملة رسول الله.

وتلتقم فاطمة الثدي المبارك وتنهل منه على مهل، إنه لأمر جديد على السيد خديجة إذ لم يكن من عادتها الإرضاع بل كانت إذا ولدت ولداً دفعته لمن يرضعه فلمّا ولدت فاطمة لم يرضعها أحد غيرها. هذه هي الزهراء البتول الطاهرة. هي فاطمة وأبوها محمد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأمها خديجة بنت خويلد (عليها السلام) من طعام الجنة تكونت نطفتها، وفي رحم طاهر كانت حضانتها، وفي بيت النبوة كانت ولادتها، ومن حليب الطهر والإيمان والعفاف والكرم والحب كان رضاعها، وفي الجنة قبل آدم وحواء كان نورها وصورتها، فلا عجب أن يكون الأئمة الأطهار أولادها.