قـبـرهــــا

 

ارتجَّت المدينة بالبكاء من الرجال والنساء، ودُهِشَ الناسُ كيومَ قُبِضُ فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصاح أهل المدينة صيحةً واحدةً، واجتمعت نساء أهل المدينة في دار السيدة فاطمة، فرأينَها مُسَجَّاةً في حجرتها، وحولَها أيتامُها يبكون على أمهم التي فَقَدوها في عنفوان شبابها، صرخت النساء صرخةً كادت المدينة أن تتزعزع من صراخهن وهن يَصِحْنَ: يا سيدتاه، يا بنت رسول اله(1).

وأقبل الناس مسرعين وازدحموا مثل عَرْفِ الفرس على باب البيت، وعليٌّ جالس، والحسن والحسين بين يديه يبكيان، فبكى الناس لبكائهما.

وجاءت عائشة لتدخل فقالت أسماء: لا تدخلي. فكلمت عائشةُ أبا بكرٍ فقالت: إن الخثعميةَ تَحولُ بيننا وبين ابنةِ رسول الله، وقد جعلت لها هَوْدَجَ العروس، فجاء أبو بكرٍ فوقف على الباب فقال: يا أسماءُ ما حملك على أن منعتِ أزواجَ النبي أن يدخلن على بنت رسول الله؟ وجعلتِ لها هودجَ العروس؟ فقالت أسماء: إن فاطمةَ أمرتني أن لا يدخل عليها أحد، وأَرَيْتُها هذا الذي صنعتُ وهي حيَّةٌ، فأمرتني أن أصنع لها ذلك. قال أبو بكر: فاصنعي ما أَمَرَتْكِ. ثم انصرف.

وأقبل الشيخان إلى عليٍّ يعزيانه، ويقولان له: يا أبا الحسن لا تسبقنا بالصلاة على ابنة رسول الله.

كان الناس ينتظرون خروج الجَنازةِ فأمر عليٌّ (عليه السلام) أبا ذر فنادى: انصرفوا، فإن ابنة رسول الله قد أُخِّرَ إخراجُها في هذه العَشِيَّة.

وهكذا تفرق الناس، وهم يظنون أن الجنازة تُشَيَّعُ صباحَ غدٍ، إذ أن السيدةَ فاطمةَ الزهراءَ فارقت الحياةَ بعد صلاة العصر، أو أوائل الليل(2).

مضى من الليل شَطْرُه، وهدأت الأصوات، ونامت العيون، ثم قام الإمام لينفذ وصايا السيدة فاطمة.

حمل ذاك الجسدَ النحيفَ الذي أذابته المصائب حتى صار كالهلال.

حمل ذلك البدنَ الطاهرَ لكي يُجْرِيَ عليه مراسمَ السُّنَةِ الإسلامية.

وضع ذلك الجثمانَ المطهَّرَ على المغتسل، ولم يُجرّدْ فاطمةَ من ثيابها تلبيةً لطلبها، إذ لا حاجة إلى نزع الثوب عن ذلك البدن الذي طهره الله تطهيراً، ويكفي صبُّ الماء على البدن، كما صنعَ ذلك في تغسيل النبي الطاهر.

وهناك أسماءُ بنتُ عُمَيسٍ، تلك السيدةُ الوفيةُ الطيبةُ التي استقامت على علاقاتها الحسنة مع أهل البيت، فهي تناول علياً الماءَ لتغسيل السيدة فاطمة.

يقول الإمام الحسين (عليه السلام): غسلَها ثلاثاً وخمساً، وجعل في الغسلة الأخيرة شيئاً من الكافور، وأشعرَها مَذَراً سابغاً دون الكفن، وهو يقول:

اللهم إنها أَمَتُك، وابنةُ رسولِك وصفيِّك، وخيرتِك من خلقك، اللهم لقّنْها حُجَّتَها، وأَعْظِمْ بُرهانَها، وأعْلِ درجَتها، واجمع بينها وبين أبيها محمدٍ (صلى الله عليه وآله)(3).

وبعد الفراغ من تغسيلها حملَها ووضعَها على أكفانها، ثم نشفّها بالبردة التي نَشَّفَ بها رسولَ اله(4)، وحنَّطَها بحنوط السماء الذي يمتاز عن حنوط الدنيا.

ثم لفها في أكفانها، وكفنها في سبعة أثواب(5).

وإنما قام الإمام علي (عليه السلام) بتغسيلها، ولم يكلف أحداً من النساء بذلك لأسباب:

1- تلبية لطلبها، وتنفيذاً لوصيتها.

2- إثباتاً لعصمتها وطهارتها، فإن تغسيل الميت يعتبر تطهيراً له، وأما بالنسبة للمعصومين فلا يسمح للأيدي الخاطئة أن تمدّ لتغسيلهم، وإنما هو من واجبات المعصوم الخاصة أن يقوم بعملية التطهير، وإن الصدّيقة لا يغسلها إلا صدّيق.

فكان الغرض من تلك الوصية وتنفيذها إثبات عصمتها، والتنويه بذلك في شتى المجالات وكافة المناسبات.

ويصرّح الإمام (عليه السلام) بذلك حيث يقول: فغسلتها في قميصها ولم أكشفه عنها فوالله لقد كانت ميمونة طاهرة مطهرة.. الخ(6).

وهناك أحاديث شاذة بلغت القمة في الشذوذ، فمنها الحديث الذي يذكره الدولابي وغيره أن الزهراء (عليها السلام) اغتسلت قبل وفاتها، وأوصت أن لا يغسلها أحد بعد موتها، وإنها دفنت بلا تغسيل!!.

ويأتي بعض علمائنا القدامى ليصحح هذا الخطأ فيقول: فلعل ذلك كان من خصائصها (عليها السلام).

أقول: وهل تثبت أمثال هذه الأمور بـ(لعل) و(ليت) وخاصة مع تصريحات الروايات المعتبرة وتواتر الأحاديث الصحيحة: إن علياً هو الذي تولى تغسيلها؟ أضف إلى ذلك: إن تغسيل الميت المسلم واجب شرعاً.

رأى الإمام أن يتامى فاطمةَ ينظرون إلى أمهم البارّة الحانية، وهي تُلَفُّ في أثواب الكفن، إنها لحظةٌ فريدةٌ في الحياة، لا يستطيع القلم وصفَها، إنها لحظةٌ يَهيج فيها الشوقُ الممزوجُ بالحزن، إنه الوداع الأخيرُ الأخير!!.

هاجت عواطفُ الأبِ العطوفِ على أطفاله المنكسرةِ قلوبهم، فلم يَعْقُدِ الخيوطَ على الكفن، بل نادى بصوت مختنقٍ بالبكاء:

يا حسن يا حسين يا زينب يا أم كلثوم هلموا وتزوّدوا من أمكم، فهذا الفراقُ، واللقاءُ في الجنة!!.

كان الأطفال ينتظرون هذه الفرصة، وهذا السماحَ لهم كي يُودِّعوا تلك الحوراءَ، ويُعَبِّروا عن آلامهم وأصواتهم ودموعهم المكبوتةِ المحبوسة، فأقبلوا مسرعين وجعلوا يتساقطون على ذلك الجثمان الطاهر كما يتساقط الفراش على السراج.

كانوا يبكون بأصواتٍ خافتةٍ، ويغسلون كفن أمهم الحانية بالدموع، فتجفِّفُها الآهاتُ والزفراتُ.

كان المنظر مشجياً مثيراً للحزن، فالقلوب ملتهبة، والأحاسيس مشتعلة والعواطف هائجة، والأحزان ثائرة.

وهنا حدث شيء يعجز القلم عن تحليله وشرحه وينهار أمامه قانون الطبيعة، ويأتي دور ما وراء الطبيعة، فالقضية عجيبة في حد ذاتها، لأنها تحدّت الطبيعة والعادة:

يقول علي (عليه السلام) وهو إذ ذاك يشاطر أيتام فاطمة في بكائهم وآلامهم.

يقول: (أُشهد الله أنها حنت وأنّت وأخرجت يديها من الكفن، وضمّتهما إلى صدرها ملياً).

إن كانت حياة السيدة فاطمة الزهراء قد تعطلت فإن أحاسيسها وإدراكها لم تتعطل، وإن كانت روحها الطاهرة قد فارقت جسدها المطهر فإن علاقة الروح لم تنقطع عن البدن بعد، فلروحها القوية أن تتصرف في جسمها في ظروف خاصة وموارد معينة.

كان ذلك المنظر العجيب مثيراً لأهل السماوات الذين كانت أبصارهم شاخصة نحو تلك النقطة من بيت علي (عليه السلام) فلا عجب إذا ضجت الملائكة وشاركت أهل البيت في بكائهم، فلا غرو إذا سمع الإمام عليٌّ صوتَ أحدهم يهتف قائلاً: يا علي! ارفعهما فلقد أبكيا ملائكةَ السماوات وقد اشتاق الحبيب إلى حبيبه.

يتقدم الإمام ليرفعَ طفليه عن صدر أمهما، وعيناه تذرفان الدموع.

انتهت مراسم التكفين والتحنيط، وجاء دور الصلاة عليها ثم الدفن، فقد حضر الأفراد الذين تقرر أن يشتركوا في تشييع الجثمان ومراسم الصلاة وغيرها، وهم الذين لم يظلموا فاطمة، ولم يسكتوا أمام تلك الأحداث، ولم يكن موقفُهم موقفَ المتفرج الذي لم يتأثر بالحوادث.

لقد حضروا في تلك الساعةِ المتأخرةِ من تلك الليلةِ خائفينَ مترقِّبين، إذ قد تقرَّرَ إجراءُ تلك المراسم ليلاً وسراً، واستغلالُ ظلمةِ الليل مع رعاية الهدوءِ والسُّكون، كل ذلك لأجل تنفيذ وصايا السيدة الحكيمة.

لقد حضروا، وهم: سلمانُ، عمارُ بنُ ياسر، أبو ذرٍّ الغفاري، المقدادُ، حذيفةُ، عبدُ الله بن مسعود، العباسُ بن عبد المطلب، الفضلُ بن العباس، عَقيل، الزُّبيرُ، بُرَيْدَة، ونفرٌ من بني هاشم، وشيَّعوا جثمانَ فاطمةَ الزهراءَ، البنتَ الوحيدةَ التي تركها الرسول الأقدسُ بين أمته، وكأنها امرأةٌ غريبةٌ خاملةٌ فقيرةٌ في المدينة لا يعرفُها أحد، وكأنها لم تكن لها تلك المنزلةُ الرفيعةُ والشخصيةُ المثالية.

هؤلاء هم المشتركون في تشييع جنازة سيدة نساء العالمين.

وتقدم الإمام عليٌّ (عليه السلام) وصلّى بهم على حبيبة رسول الله، قائلاً:

(اللهم إني راضٍ عن ابنةِ نَبِيِّكَ، اللهم إنها قد أُوحشت فآنِسْها، اللهم إنها قد هُجِرَتْ فصِلْها، اللهم إنها قد ظُلمت فاحْكُم لها وأنت خيرُ الحاكمين)(7).

ثم صلّى رَكْعتين ورفعَ يديه إلى السماء فنادى: هذه بنتُ نبيك فاطمةُ أخرجتَها من الظلمات إلى النور، فأضاءت الأرضَ ميلاً في ميل.

صلّى الإمامُ عليٌّ (عليه السلام) عليها، إذ أنها كانت معصومةً، فيجب أن يصليَ عليها المعصومُ، فالصلاةُ على الميت دعاءٌ له بالرحمة. وأما بالنسبة للمعصوم فالدعاءُ له أي الصلاةُ على جثمانه فهو من واجب المعصوم.

هذا من الناحية الشرعية، وأما من ناحية العقل والحكمة فإن السيدة فاطمة الزهراء مع جلالة قدرها، وعظم شأنها ذهبت إلى دار رئيس الدولة يوم ذاك مطالبة بحقها، فكان موقف الرئيس معها موقفا سلبيا.

ثم حضرت في المسجد وخطبت تلك الخطبة فلم تجد الإسعاف لا من الحاضرين في المسجد، ولا من رئيس الدولة، لقد كان علياً (عليه السلام) يحملها إلى بيوت المهاجرين والأنصار يستنجدهم لنصرة الزهراء فلم يجد منهم إلا الجفاء.

والكارثة التي حدثت عند باب بيتها تركت في جسمها آثاراً تدوم وتدوم ولا تزول.

ومواقف المسلمين اتجاه ابنة الرسول كان لها أثر عميق في نفس السيدة فاطمة لكونها إهانة صريحة لها، وظلماً مكشوفاً واعتداءً مقصوداً، وإهداراً لكرامتها، وتضييعاً لمقامها الأسمى.

وليست هذه الأمور من القضايا التي تنسى أو تضيع، فلابد من تنبيه المعتدين على فظاعة عملهم وتسجيل ذلك في سجل التاريخ، وذلك عن طريق الاستنكار والتعبير عن الاستياء العميق عن تلك الأعمال.

وإن بنود الوصية ترمز إلى أن الزهراء عاشت بعد أبيها ناقمة وغاضبة على أولئك الأفراد، واستمرت النقمة والغضب حتى الموت وبعد الموت وإلى يوم يبعثون.

فلا ترضى السيدة فاطمة أن يشيعها تلك العصابة، ولا أن يصلوا على جنازتها ولا يشهدوا دفنها، ولا يعرفوا قبرها، بل يبقى قبرها مخفياً من يوم وفاتها إلى يوم الفصل الذي كان ميقاتاً ليجلب هذا انتباه المسلمين وعلى الأخص الحجاج والمعتمرون الذين يزورون قبر الرسول (صلى الله عليه وآله) في المدينة المنورة، ومراقد الأئمة في البقيع، ويتساءلون عن قبرها فلا يجدون لها أثراً ولا خبراً.

فالقبر كان ولا زال مجهولاً عند المسلمين بسبب اختلاف المؤرخين والمحدثين فهناك أحاديث تصرّح بدفنها في البقيع، وهناك روايات أنها دفنت في حجرتها وعند توسيع المسجد النبوي صار قبرها في المسجد.

فإن صح هذا القول فإن صور القبور التي صورها الإمام في البقيع كان لغرض المغالطة، وصرف الأنظار عن مدفنها الحقيقي.

وإن كان الإمام قد دفنها في البقيع فالقبر كان ولا يزال مجهولاً.

وعلى كل تقدير: لقد حفروا القبرَ للسيدةِ فاطمةَ، وحفروا مرقداً لتلك الزهرةِ الزهراءِ، واللؤلؤةِ النَّوْراءِ، وتقدم أربعةُ رجالٍ وهم عليٌّ والعباسُ والفضلُ بن العباس ورابع(8)، يحملون ذلك الجسد النحيف(9).

ونزل عليٌّ (عليه السلام) إلى القبر لأنه وليُّ أَمْرِها، وأولى الناس بأمورها، واستلم بَضْعَةَ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأضجعها في لحدها، ووضع ذلك الخدَّ الذي طالما تعفّر بين يدي الله تعالى في حال السجود، ذلك الخدَّ الذي كان يقبله رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كلِّ ليلةٍ قبل أن ينامَ، وضعَ ذلك الخدَّ على تراب القبر وقال:

(يا أرضُ أستودعُكِ وديعتي، هذه بنتُ رسولِ الله، بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله وبالله وعلى مِلَّةِ رسول الله محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله).

سلّمتُكِ أيتها الصِّدِّيقةُ إلى من هو أولى بك مني، ورضيتُ لكِ بما رضي الله تعالى لك).

ثم قرأ: (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجُكم تارةً أخرى)(10).

لا يستطيع العقل أن يدرك، ولا يستطيع القلم أن يصف الحالة التي كان علي (عليه السلام) يعيشها تلك اللحظات، ومدى تأثير الأحزان على قلبه.

ثم خرج من القبر، بعد أن أشرجَ اللِّبْنَ، وتقدم الحاضرون ليُهيلوا الترابَ على تلك الدُّرِّةِ النبوية.

دفنوها، ودفنوا أشبه الناس خَلْقاً وخُلُقاً ومنطِقاً برسول الله (صلى الله عليه وآله).

دفنوا أوَّلَ شهيدةٍ من آل محمد.

لقد دفنوا كتلة من المواهب والفضائل.

لقد أخفوا في بطون التراب الحوراء الإنسية.

وسوّى عليٌّ (عليه السلام) قبرها، وكأن جُرْحَهُ في تلك المراحل كان جرحه حارّاً، فلم يكن يشعرُ بالألم، والإنسان قد يُصاب بجرحٍ أو كسرٍ فلا يشعر بالألم في وقته، وبعد مضي لحظات يشتد به الوجع، ويجعَلُه يصرُخ ويصيح.

كان جُثمانُ السيدةِ فاطمة نُصْبَ عيني عليٍّ في أثناء تغسيلها وتكفينها والصلاة عليها ودفنها، والآن قد غابت الزهراءُ عن الأبصار، واختفت عن الأعين.

لقد حان أن يشعر الإمام علي بألم المصاب، ويشتد به الوجع أشد ما يمكن.

كانت تلك اللحظات الحرجة من تلك الليلة مؤلمة ومشجية، فلقد كان قلب الإمام مضغوطا عليه بسبب المصيبة.

لقد ماتت فاطمة الزهراء شهيدة الاضطهاد، قتيلة الظلم والاعتداء.

وفقد الإمام بفقدها شريكة حياته، وأحبّ الناس إليه وإلى رسول الله.

فقد سيدة في ريعان شبابها، ومقتبل عمرها، ونضارة حياتها.

فقد سيدة انسجمت معه ديناً ودنياً وآخره.

فقد زوجة شاركته في مصائب حياته ومرارتها بكل صبر.

فقد حوراء ليست من مستويات نساء الدنيا.

سوف لا يجد الإمام على وجه الأرض مثلها عصمة ونزاهة وتقوى وعلماً وكمالاً وشرفاً، وفضائل ومكارم وغيرها.

ومما زاد في المصيبة، وضاعف في أبعاد الكارثة أن السيدة أوصت إلى زوجها أن يكون تشييع جثمانها ليلاً وسراً، وبإخفاء قبرها بحيث لا يكون لقبرها أثر ولا علامة.

ولهذا هاجت به الأحزان لمّا نفض يده من تراب القبر، فأرسل دموعه على خدَّيه وحول وجهه إلى قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم قال:

السلام عليكَ يا رسولَ الله عني(11).

السلام عليك عن ابنتِكَ وزائرتِكَ(12).

والبائتةِ في الثرى ببقعتِكَ

والمختارِ لها من الله سرعةُ اللحاق بك

قَلَّ يا رسولَ الله عن صفيّتكَ صبري

وعفى عن سيدة نساء العالمين تجلّدي(13)

إلاّ أن في التأسي لي بسنتك في فرقتك موضعَ تعز(14)

فلقد وسّدتُك في ملحودة قبرك

بعد أن فاضت نَفْسُك(15) بين نحري وصدري

وغمّضتُك بيدي

وتوليتُ أمرك بنفسي

بلى(16) وفي كتاب الله لي أَنْعَمُ القبول

إنا لله وإنا إليه راجعون

قد اسْتُرْجِعَتِ الوديعةُ

وأُخِذَتِ الرهينةُ

واخْتُلِسَت الزهراء(17)

فما أقبحَ الخضراءَ والغبراء

يا رسول الله!!

أمّا حزني فسرمد

وأمّا ليلي فَمُسَهَّد

وهَمٌّ لا يبرحُ من قلبي(18)

أو (19) يختارَ الله لي دارَكَ التي أنت فيها(20) مقيم

كَمَدٌ مُقيّح، وهَمٌّ مُهَيَّج

سرعانَ ما فرّق الله بيننا

وإلى الله أشكو

وتستنبِئُك ابنتُكَ بتضافرِ(21) أُمَّتِكَ عليّ

وعلى هضمِها حقَّها

فأحفها السؤال

واسْتَخْبِرْها الحال

فكم من غليلٍ معتلجٍ بصدرها لم تجد إلى بثّه سبيلاً

وستقول ويحكم الله وهو خير الحاكمين

والسلام عليكما(22) يا رسول الله

سلامَ مودِّعٍ

لا سَئِمٍ ولا قالٍ(23)

فإن أَنْصَرِفْ فلا عن ملالةٍ

وإن أُقِمْ فلا عن سوء ظنّ(24) بما وعد الله الصابرين

واهاً واهاً!!

والصبرُ أيمنُ وأجمل

ولولا غلبةُ المستَوْلِين

لجعَلتُ المقامَ عند قبركَ لزاماً

والتلبُّثَ عنده عُكوفا(25)

ولأَعْوَلْتُ إعوالَ الثكلى على جليلِ الرزية

فبعين الله تُدَفنُ ابنتُكَ سرّاً؟!!

ويُهْتَضَمُ حقُّها قهراً؟!!

ويُمنَعُ إرثُها جهراً؟!!

ولم يَطُلْ منك العهد(26)

ولم يَخْلَقْ منك الذكر

فإلى الله - يا رسول الله - المشتكى

وفيك - يا رسول الله - أجمل العزاء

فصلوات الله عليها وعليك ورحمة الله وبركاته)(27).

 

محاولات فاشلة:

وأصبح الصباح من تلك الليلة فأقبل الناس ليشيعوا جنازة السيدة فاطمة فبلغهم الخبر أن عزيزة رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد دفنت ليلاً وسراً.

وكان علي (عليه السلام) قد سوّى في البقيع صور قبور سبعة أو أكثر، وحيث أن البقيع كان في ذلك اليوم وإلى يومنا هذا مقبرة أهل المدينة، ولهذا أقبل الناس إلى البقيع يبحثون عن قبر السيدة فاطمة، فأشكل عليهم الأمر، ولم يعرفوا القبر الحقيقي لسيدة نساء العالمين، فضج الناس، ولام بعضهم بعضاً، وقالوا: لم يخلف نبيكم إلا بنتاً واحدة، تموت وتدفن ولم تحضروا وفاتها والصلاة عليها، ولا تعرفوا قبرها؟!!.

ثم قال رجال السلطة: هاتوا من نساء المسلمين من ينبش هذه القبور حتى نجدها فنصلي عليها، ونزور قبرها.

أرادوا تنفيذ هذه الخطة كي يزيفوا الخطة التي خططتها السيدة فاطمة في وصاياها، وأن يحبطوا المساعي التي بذلها الإمام علي (عليه السلام) في إخفاء القبر، وحرمان بعض الناس عن درك ثواب الصلاة على جنازة السيدة فاطمة.

وإلا فما معنى نبش القبر لأجل الصلاة على الميت؟ أكانوا يظنون أن علياً دفن فاطمة بلا صلاة؟ هل من المعقول أن يظن أحد ذلك؟ وأي إسلام وأي دين وشريعة يبيح نبش قبر ميت قد صلى عليه وليه بأحسن وجه وأكمل صورة، صلى عليه بتصريح ووصية منه؟!!.

إنني أعتقد أن الذي جرّأهم على هذه المجازفة وخرق الآداب وتحطيم المعنويات هو استضعافهم لأمير المؤمنين (عليه السلام) فكأنهم قد نسوا أو تناسوا سيف الإمام علي وبطولاته في جبهات القتال، وشجاعته التي شهد بها أهل السماء والأرض.

إن كان الإمام أمير المؤمنين لم يجرد سيفه في تلك الأحداث والمآسي التي حدثت من بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأجل توحيد كلمة المسلمين، وعدم تفرّقهم عن الدين، فليس معنى ذلك أن يسكت عن كل شيء وأن يصبر على كل عظيمة ورزية، وبعبارة أخرى: إن كان علي (عليه السلام) مأموراً بالصبر في موارد معينة ومواطن محددة فلا يعني ذلك أن يتحمل كل إهانة ويسكت عليها.

وصل إلى الإمام خبر المؤامرة التي يوشك أن تنفذ، وكان للإمام (عليه السلام) قباء أصفر يلبسه في الحروب، لأن الملابس الفضفاضة الطويلة العريضة لا تناسب القتال وإنما تتطلب الحرب ملابس تساعد على سرعة الحركة والأعمال الحربية، وكان ذلك القباء من ملابس علي (عليه السلام) الخاصة للحروب.

لبس الإمام ذلك القباء الأصفر، وحمل سيفه ذو الفقار وقد احمرّت عيناه ودرّت أوداجه من شدة الغضب، وقصد نحو البقيع.

سبقت الأخبار علياً إلى البقيع، ونادى مناديهم: هذا علي بن أبي طالب قد أقبل كما ترونه، يقسم بالله: لئن حُوِّل من هذه القبور حجر ليضعن السيف على غابر الآخر.

تلقى الناس هذا التهديد بالقبول والتصديق، لأنهم عرفوا أن علياً صادق القول، قادر على ما يقول.

ولكن رجلاً من السلطة استخف بهذا التهديد والإنذار وقال: ما لك يا أبا الحسن! والله لننبشنّ قبرها ولنصلينّ عليها!!.

فضرب علي بيده إلى جوامع ثوب الرجل وهزه، ثم ضرب به الأرض، وقال له: يا بن السوداء! أما حقي فقد تركته مخافة أن يرتدّ الناس عن دينهم، وأما قبر فاطمة فوالذي نفسي بيده: لئن رُمتَ وأصحابك شيئاً من ذلك لأسقينّ الأرض من دمائكم!!.

فقال أبو بكر: يا أبا الحسن بحق رسول الله وبحق من فوق العرش إلا خليت عنه، فإنا غير فاعلين شيئاً تكرهه، فخلى عنه وتفرق الناس، ولم يعودوا إلى ذلك، وبقيت وصايا السيدة فاطمة باقية ونافذة المفعول حتى اليوم وبعد اليوم..

 

 

 

أمير المؤمنين عليّ في تأبين السيدة الزهَراء عليهما السلام

إن كانت العادة والإنسانية قد قضت برثاء الميت، فإن السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) تستحق الرثاء بعد وفاتها كما تستحق الثناء في حياتها وبعد مماتها، والرثاء تعبير عن الشعور، وإظهار التوجُّع والتأسُّف على الفقيد، وبيان تأثير مصيبة فقده على الراثي، وانطلاقاً من هذا المفهوم فإنه يجدر بالإمام عليّ (عليه السلام) أن يرثي السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) ويبث آلامه النفسية من تلك الفاجعة المؤلمة، فالإمام يشعر بألم المصائب أكثر من غيره، لأنه يقدّر فقيدته حق قدرها، وتأثير الصدمة في نفسه أقوى وأكثر، فلا عجب إذا هاجت أحزانه فقال مخاطباً لسيدة النساء فاطمة العزيزة بعد وفاتها قائلاً:

يــا ليــتها خــرجت مــع الـــزفرات

 

نــفــسي عــلى زفــراتها مـحبوسة

أبــكــي مـخـــافة أن تـطـول حياتي

 

لا خيــر بـعدِك فــي الـحـياة وإنــما


وقوله
:

وصــاحبها حــتــى المــمات عــليل

 

أرى عــلــل الــدنيا عــليَّ كثـيـــرة

بردِّ الهــمــوم الـمــاضيات وكــيـــل

 

ذكــرت أبــا ودِّي فبــتُّ كــأنـــــني

وكلُّ الــذي دون الـفــراق قــلـيــــل

 

لكـل اجتــماع مــن خــليــلين فرقة

دليــل عــلى أن لا يـــدوم خــلــيـل

 

وإن افتــقـادي فــاطــماً بعــد أحمـد


وقوله
:

وفــقــدك فـــاطــم أدهــى الثـــكـول

 

فــراقكِ أعظــــم الأشــــياء عــندي

عــلــى خِــلّ مــضــى أسـنى سبـيل

 

ســأبكي حــســرة وأنــوح شـــجواً

فـــحـــزنـي دائــم أبــكي خـلـــيــــل

 

ألا يـــا عــين جــودي وأســـعديني


وقوله
:

وما لســـواه فـــي قـــلبي نصـيـــب

 

حبــيــب لـيــس يـعــدله حبــيـــــبُ

وعــن قــلـبــي حـبــيـبي لا يغيـــب

 

حبـــب غـــاب عـن عيني وجسمي


وقوله مخاطباً للسيدة فاطمة بعد وفاتها
:

قبـــر الحبيــب فلـــم يـــردّ جوابي

 

مــالــي وقـفـت على القبور مسلِّمـاً

أنـســيت بــــعـــدي خـــلَّة الأحـباب

 

أحبـيـب مـا لك لا تــردّ جـــوابــنــا

(1) المجالس السنية ج5.

(2) العاشر من البحار.

(3) مستدرك الوسائل، باب تغسيل الميت.

(4) المصدر السابق.

(5) المصدر السابق.

(6) العاشر من البحار.

(7) خصال الصدوق عن الإمام الباقر (عليه السلام).

(8) مستدرك الوسائل باب الدفن.

(9) المصدر السابق.

(10) طبقات ابن سعد.

(11) السلام عليك يا رسول الله عني وعن ابنتك (خ ل).

(12) السلام عليك من ابنتك وحبيبتك وقرة عينك وزائرتك (خ ل).

(13) وضعف عن سيدة النساء ( خ ل).

(14) بسنتك، والحزن الذي حل بي لفراقك موضع التعزي (خ ل).

(15) على صدري (خ ل).

(16) نعم (خ ل).

(17) اختلصت واختلست (خ ل).

(18) لا يبرح الحزن من قلبي (خ ل).

(19) إلى أن يختار (خ ل).

(20) بها (خ ل).

(21) بتظاهر (خ ل).

(22) سلام عليك (خ ل).

(23) لا قالٍ ولا سئم (خ ل).

(24) ظني (خ ل).

(25) لجعلت المقام واللبث لزاماً معكوفاً (خ ل).

(26) ولم يتباعد العهد (خ ل).

(27) الكافي للكليني، والمجالس للمفيد، والأمالي للشيخ الطوسي، ونهج البلاغة للرضي.