اليوم الثامن من ذي الحجة
خروج الإمام الحسين (عليه السلام) من مكة إلى العراق سنة 60 هـ

بعد توارد الرسائل من أهل الكوفة على الإمام الحسين (عليه السلام) رأى أن يبعث مبعوثاً عنه إلى الكوفة، فاختار ابن عمه مسلم بن عقيل (عليه السلام)؛ لصلاحه وأهليته لهذه المهمة، حيث توجه مسلم (عليه السلام) إليها وعند وصوله إليها شرع بجمع الأنصار، وبأخذ البيعة للإمام الحسين (عليه السلام), وتوضيح أهداف الحركة الحسينية المباركة أكثر. كما أخذ بشرح أهداف الثورة لزعماء الكوفة ورجالاتها, فأعلنت موالاتها للإمام الحسين (عليه السلام)، وفي تلك الظروف الصعبة كتب سفير الإمام الحسين (عليه السلام) مسلم (عليه السلام) إلى الإمام الحسين (عليه السلام) يحثه بالتوجه إلى الكوفة.
فتسلّم الإمام الحسين (عليه السلام) رسالة مسلم (عليه السلام) وعرضه الشامل للأوضاع والملابسات السياسية، والرأي العام القائم آنئذ، فقرر (عليه السلام) التوجه إلى العراق، وذلك في اليوم الثامن من ذي الحجة (يوم التروية) سنة 60 هـ. وهذا يدل على أن الإمام (عليه السلام) له القيادة العامة على الاُمة الإسلامية.
فجمع الإمام (عليه السلام) أبناءه ونساءه وأطفاله وأبناء أخيه وأبناء عمومته، وغادر مكة المكرمة، وعند ما شاع خبر رحيله من مكة استولى الخوف على قلوب الكثير من مخلصيه والمشفقين عليه، فأخذوا يمنعونه عن السير لعله يتراجع عن قراره، إلا أن الإمام (عليه السلام) اعتذر من أن يطالب بالهدنة، ورفض كل ذلك.
والملاحظ لأخبار هذه الثورة الحسينية العملاقة يجد سراً ما فيها يتضح من خلال ما قدم للإمام الحسين (عليه السلام) من نصائح؛ لإحساس المشفقين باحتمال الخيانة، وعدم الوفاء للإمام وحركته التي تعهد له بها أهل الكوفة. فيتضح أن للإمام هدفاً لايتراجع عنه، حيث كان مصراً على ذلك، وكان عارفاً بالنتائج سلفاً، ومحدداً لأبعادها، إلا أن تكليفه الشرعي كان يوجب عليه مواصلة ذلك.
وهذا واضح بكل وضوح في خطبته التي قال (عليه السلام) فيها: «الحمد للّه، وما شاء الله ولا قوة إلا بالله، خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخير لي مصرع أنا لاقيه، كأني بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلا، فيملأن أكراشاً جوفاً وأحوية سغباً. لا محيص عن يوم خط بالقلم، رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويوفينا اُجورنا، اُجور الصابرين، لن تشذ عن رسول الله لحمته، وهي مجموعة له في حظيرة القدس، تقرّ بهم عينه، وينجز بهم وعده. من كان باذلاً فينا مهجته، وموطناً على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا، فإني راحل مصبحاً إن شاء الله»
(1).
فتبين من ذلك أن الإمام الحسين (عليه السلام) على اطلاع شامل كامل عن كل ذلك، وحتى التفاعلات وما يتمخض من نتائج للأحداث والأسباب وكل ما كان قد توقعه الإمام (عليه السلام) قد حدث فعلاً قبل وبعد استشهاد أبي الأحرار الإمام (عليه السلام) .
فتزايدت روح الرفض والمقاومة في نفوس وقلوب أبناء الأمة الإسلامية المجيدة، واستمر ذلك حتى بعد هلاك يزيد(لعنه الله)، حتى أتت على الكيان الأموي، تلك الحرارة في قلوب المؤمنين ضد الطغاة والظالمين.
وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
وبقي الحسين (عليه السلام) رمزاً خالداً, ومناراً للثائرين، فصلوات الله وسلامه عليه في كل آن وحين.

(3) مقتل الحسين (عليه السلام) لابن طاووس: ص 23.