اليوم التاسع من ذي الحجة
شهادة مسلم بن عقيل وهاني بن عروة سنة 60 هـ

بدأ أبو عبد الله مسلم بن عقيل سفير أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) وثقته وابن عمه حركته الجهادية المباركة بالتعبئة ضد الحكم الاُموي الجائر المتمثل بيزيد، وكان يأخذ البيعة للإمام الحسين (عليه السلام)، حتى تكامل معه ما عددهم بالآلاف من الجند والأعوان، حتى بلغ عددهم ثمانية عشر ألفاً، كما ورد في كتاب (مروج الذهب).
وكانت عيون السلطة الاُموية ترقب ذلك, ولم تخف على يزيد وأعوانه هذه الأحداث، حيث كتب أعوان السلطة الجائرة رسائل كثيرة إلى مركز السلطة، وهذا مقطع من تلك الرسائل:
أما بعد، فإن مسلم بن عقيل قد قدم الكوفة، وبايعته الشيعة للحسين بن علي بن أبي طالب، فإن يكن لك في الكوفة حاجة فابعث إليها رجلاً قوياً، ينفذ أمرك، ويعمل مثل عملك في عدوك، فإن النعمان بن بشير رجل ضعيف، أو هو يتضعف.
تسلم يزيد الطاغية تلك الرسالة وراح يناقش الأمر، ويبحث عن أكثر الناس قسوة وسطوة، وأكثر إيغالاً بالجريمة والعدوان، وعصيان الرحمن. فوقع اختياره على عبيد الله بن زياد، ذلك المجرم الدموي، فحين وصوله قصر الإمارة أخذ يهدد ويتوعد المعارضين والرافضين لحكومة سيده يزيد، وهذه جملة من أقواله الغاشمة:
سيفي وسوطي على من ترك أمري وخالف عهدي.
فبدأت من هنا مسيرة الجماهير الثائرة في الكوفة تتراجع وتنكسر، وراحت سلطة عبيد الله بن زياد تقوي مركزها بسياسة الترهيب والترغيب، والتلويح بالعصا الغليظة، ووسائل القمع والخداع بالأموال والرشوة, وتسخير الجواسيس لجمع المعلومات وبث الأراجيف. وأخذ موقع سفير الإمام الحسين مسلم (عليه السلام) يضعف بين الجماهير، مما اضطره إلى تغيير عمله باُسلوب جهادي آخر، فانتقل من دار المختار بن عبيدة إلى دار هاني بن عروة بخفاء عن أعين السلطة الغاشمة، وبقي هكذا متخفياً حتى كشفته عناصر الاستخبارات اليزيدية, فأخبرت عبيد الله بن زياد بمكانه.
فاستدعى ابن زياد الشيخ المجاهد هاني بن عروة بشكل سري، وبطريق مخادع, بأنه يريد زيارته، حتى إذا ما دخل هاني هذا الشيخ الجليل قصر الإمارة المشؤوم حتى وجد نفسه في محكمة.
الشهود في هذه المحكمة هم جواسيس عبيد الله، فألصقوا التهم والأباطيل،مضافاً إلى تعرفهم في مسجد الكوفة على أحد الصالحين وخداعه بالتنسك, فأطلعهم على مكان اختفاء المجاهد مسلم في بيت الشيخ المجاهد هاني، إلا أن الشيخ هاني قد تنكر من ذلك حفاظاً على سلامة سفير إمامه الحسين (عليه السلام). إلا أنه قد فوجئ بقضيب بيد ابن زياد الذي انهال به على وجهه بالضرب، وهاني الشيخ المسن يدافع عن نفسه فلم يفلح ولم يستطع، ثم أصدر ابن زياد أوامره بحبس هاني في إحدى غرف القصر.
تلقى الناس نبأ سجن الشيخ المجاهد الكبير هاني فماجت الكوفة بأهلها، وأخذ أزلام ابن زياد يرجفون في المدينة ويبثون الشائعات في كل أطراف الكوفة، ويخوفون ويرهبون الناس بأنه هنالك جيش جرار قادم من الشام. وأخذوا يخذّلون الناس ويثبّطونهم، ويوقعون بينهم.
فأخذ الناس ينفضّون عن سفير الإمام الحسين (عليه السلام) مسلم، حتى لم يبق معه إلا عشرة رجال، فصلى بهم جماعة، فلما التفت لم يجد منهم أحداً، وبعد الصلاة أخذ يسير في أزقة الكوفة، لعله يجد طريقاً قبل أن يلقى القبض عليه من السلطات الغاشمة. فأصدر ابن زياد أوامره ليتحرّوا سفير الإمام الحسين (عليه السلام) بيتاً فبيتاً، فبيناهم كذلك إذ اختبأ هذا الرجل العظيم في بيت امرأة مجاهدة، محبة لآل بيت الرسول (صلى الله عليه وآله), هي طوعة. وحيث أغدق ابن زياد الأموال وأكثر الرجال علم بمكانه، فأرسل له جيشاً خاصاً، حيث هدّدوه, فقاتلهم مسلم قتال الأبطال، وشاءت الأقدار أن يقع في أيدي الجلاوزة فأرسلوه إلى القصر، فتجرأ ابن زياد بالكلام ورد عليه البطل الهمام، وأفحمه أيما إفحام. حتى قال ابن زياد: إنك مقتول، فأجاب مسلم (عليه السلام): إذن هبوني فرصة اُوصِ فيها وصيّتي. فسمح له بذلك .
ثم أمر ابن زياد جلاوزته فصعدوا به إلى أعلى قصر الإمارة، ثم ضربوا عنقه، وألقوه من شاهق مظلوماً صابراً، ليلتحق بركب الشهداء والصديقين والصالحين وحسن اُولئك رفيقاً.
ثم جاء الجلادون بالشيخ المجاهد الكبير هاني بن عروة (رضى الله عنه) واقتيد مكتوفاً إلى سوق الغنم في الكوفة، فقتل هنالك أيضاً صبراً, وقطع رأسه الشريف.
وقام ابن زياد بإرسال رأسيهما الشريفين إلى سيده الطاغية يزيد؛ ليحضى بجائزة له، وذلك بتاريخ 9 ذي الحجة سنة 60هـ، أما الجسدان الشريفان فقد جرّا بالحبال في أزقة الكوفة شماتة. فانتهت هذه الانتفاضة المباركة في الكوفة لتنفجر في أرض كربلاء, بعد إذ حل بها ركب الإمام الحسين (عليه السلام) ورهطه الأبرار بركاناً ضد أعداء الله الاُمويين وأنصارهم البغاة، حيث قامت الثورة الحسينية المباركة في هذه الأرض المقدسة. وبعد فاجعة عاشوراء الأليمة قامت ثورة التوابين, فثورة المختار بن عبيدة تحت شعار (يا لثارات الحسين)، وزلزلت هذه الثورات المباركة عرش الاُمويين, حتى انهار في سنة 132 هـ.
فسلام على سفير الإمام الحسين (عليه السلام), الشهيد السعيد مسلم بن عقيل, يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً.