اليوم التاسع من ذي الحجة
تبليغ سورة براءة سنة 9 هـ
هذه السورة نزلت
بعد رجوع النبي (صلى الله عليه وآله) من غزوة
تبوك، وذلك في اليوم الأول من ذي الحجة سنة تسع من الهجرة، عند ما بلغ
الإسلام ذروة شوكته وهيبته، فكانوا يخافون سطوته، فكانت الآيات التسع أو
العشر الأوائل من سورة براءة ترفع الأمان عن المشركين، الذين ينقضون عهودهم
في كل مرة.
حيث وبخهم الله تعالى، فإنهم لا وثوق بهم وبعهودهم، فقد فسقوا، وقد ضرب
الله تعالى أجلاً لهم (أربعة أشهر)؛ ليتفكروا ويرتؤوا رأيهم، قال تعالى:(فسيحوا
في الأرض أربعة أشهر), أي أنهم في مأمن هذه المدة، لا يتعرض لهم المسلمون
بشيء، حتى يختاروا ما يرونه أنفع بحالهم.ولما فتح النبي
(صلى الله عليه وآله) مكة سنة ثمان للهجرة لم
يمنع المشركين من الحج فيها، فكل من دخل مكة وطاف في البيت بثيابه لم يحل
له إمساكها، وكانوا يتصدقون بها ولا يلبسونها بعد الطواف، فمن لم يكن له
إلا ثوب واحد طاف عرياناً.
وقد أجمع المؤرخون أنه لما نزلت الآيات الأوائل من سورة براءة، دفع الرسول
(صلى الله عليه وآله) بها مع أبي بكر ليؤديها
إلى المشركين، فلما خرج أبوبكر نزل على الرسول الأعظم (صلى الله عليه آله)
جبرئيل، فقال: يا محمد، لايؤدي عنك إلا أنت، أو رجل منك.
فبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمير
المؤمنين علياً (عليه السلام) في طلب أبي بكر
على ناقته الروحاء، وقال لأمير المؤمنين (عليه
السلام): «إلحق أبابكر فخذ براءة من يده، وامض بها إلى مكة، وخيّر
أبابكر بين أن يسير مع ركابك أو يرجع إليّ).
ففزع أبوبكر لما رأى الإمام علياً (عليه السلام)
فقال: فيم جئت يا أبا الحسن؟
أسائر أنت أم لغير ذلك؟
فقال (عليه السلام): «إن رسول الله أمرني أن
ألحقك فأقبص منك الآيات من براءة، وأنبذ بها عهد المشركين إليهم، أمرني أن
أخيّرك بين أن تسير معي أو ترجع إليه». فقال: بل أرجع إليه.
فلما دخل أبوبكر على النبي (صلى الله عليه وآله)
قال: يا رسول الله، إنك أهّلتني لأمر طالت الأعناق إلي فيه، فلما توجهت
إليه رددتني عنه، مالي؟
أنزل فيّ قرآن؟
فقال (صلى الله عليه وآله): «لا، ولكن الأمين
جبرئيل هبط إليّ عن الله (عزّ وجلّ), بأن لا
يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك، وعلي منّي ولا يؤدي عنّي إلا عليّ».
إن هذا النص دال على كل حكم إلهي وولائي، أما مسألة الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر، والتبيلغ لأحكام الإسلام ونشرها فلا مانع من أن يبلّغها أي شخص،
فنبذ العهد قضية هامة يتعلق أمرها بمن يقوم مقام الرسول
(صلى الله عليه وآله)، ومن هو صنوه وخليفته
حقاً. فاختص الله تعالى أمير المؤمنين علياً (عليه
السلام) بذلك، فلم يكن أحد أولى منه لأمر كهذا.
ماذا بلغ الإمام علي (عليه السلام)؟
عندما وصل أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى
مكة، كان يوم النحر، وهو يوم الحج الأكبر، فخطب الإمام
(عليه السلام) في الناس وقال: إنّي رسول الله
إليكم، فقرأ السورة على المشركين، قال تعالى: (براءة من الله ورسوله إلى
الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر)، عشرين من ذي الحجة
ومحرّم وصفر وربيع الأول، وعشراً من شهر ربيع الآخر. وقال: لا يطوف بالبيت
عريان ولاعريانة، ولامشرك بعد هذا العام.
وقال: ومن كان له عهد عند رسول الله (صلى الله عليه
وآله) فمدته إلى هذه الأربعة أشهر. أي العهود التي لامدة لها، أما
العهود المحدّدة بمدة فأجلها إلى انتهاء مدتها.
فعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «خطب علي
(عليه السلام) بالناس، وخرط سيفه...
وقال: لا يطوفنّ بالبيت عريان، ولا يحجّنّ بالبيت مشرك. ومن كانت له مدة
فهو إلى مدته، ومن لم يكن له مدة فمدته أربعة أشهر».
وكان خطب يوم النحر وقال: «يوم النحر يوم الحج الأكبر»....
كما بلغ أمير المؤمنين (عليه السلام) حكماً
آخر، وهو: «لايطوف بالبيت ولايحج البيت مشرك بعد هذا العام:
(يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا
المسجد الحرام بعد عامهم هذا).
وهنالك حكم آخر ذكرته بعض الروايات، وهو أنه: لا يدخل الجنّة إلا مؤمن.
|