اليوم العاشر من جمادى الأولى
واقعة الجمل عام 36هـ

قتل عثمان بن عفان فبايع المسلمون الإمام علياً (عليه السلام)، مما جعل الاُمور تنحى منحى آخر, حيث إن المترفين الذين اكتنزوا الأموال وامتلكوا الأراضي وبنوا القصور لا يروق لهم عدالة أميرالمؤمنين علي (عليه السلام), وهذا شأنهم في كل زمان ومكان. فانبروا لحكومة العدل الإلهي الجديدة متحدين لمقاومتها والسعي لإسقاطها؛ لأنها انتزعت منهم ذلك كله من النهب والسلب.
فاندفع اُولئك الذين خسروا مصالحهم ومناصبهم ووجهاتهم الزائفة لينالوا من الإسلام والمسلمين, وأخذوا يطالبون بدم عثمان، فقد اتفق طلحة والزبير وعائشة زوج النبي (صلى الله عليه وآله) و خرجوا نحو البصرة لجمع الأنصار وإثارة الفتن الظلماء.
إنّ ذلك لمن العجب العجاب، أن يخرج هؤلاء على إمامنا أبي تراب، ولقد بذل هذا الإمام الهمام (عليه السلام) الجهد والوسع لتفادي هذه الفتنة، ونصح ووعظ وبيّن لهم نتائج ما سيؤول ذلك إليه إذا وقعت الحرب. ولكن تمادوا في غيّهم، وسعوا في كيدهم، ومكروا مكرهم، وغرّهم بالله الغرور. وهذه نصيحة من نصائحه؛ إذ يقول:
(أما بعد يا طلحة ويا زبير، فقد علمتما أنّي لم اُرد الناس حتى أرادوني، ولم اُبايعهم حتى أكرهوني، وأنتما من بادر الى بيعتي ولم تدخلا في هذا الأمر بسلطان غالب، ولا لعرض حاضر. وأنت يا زبير، ففارس قريش، وأنت يا طلحة فشيخ المهاجرين، ودفعكما هذا الأمر قبل أن تدخلا فيه كان أوسع لكما من خروجكما منه. ألا وهؤلاء بنو عثمان هم أولياؤه المطالبون بدمه وأنتما رجلان من المهاجرين، وقد أخرجتما اُمكما عائشة من بيتها التي أمرها الله تعالى أن تقرّ فيه، والله حسبكما!).

في بلدة البصرة_ وهو مكان الحرب_ استمر أميرالمؤمنين ببذل النصح لحقن الدماء، فبعث للناكثين يدعوهم للصلح وقطع طريق الحرب, والتقى هو (عليه السلام) بالزبير وذكّره بما قال النبي (صلى الله عليه وآله)، حيث قال له: لايدع ابن أبي طالب زهوه، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): (... مهلاً يا زبير ليس بعليّ زهوة، ولتخرجنّ عليه يوماً وأنت ظالم له!). فقال الزبير للإمام (عليه السّلام): بلى، ولكنّي نسيت ذلك.
وبعد أن تذكّر قول الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) فيه خرج الى خارج البصرة ولم يحارب, فتتبّعه ابن جرموز وقتله ودفنه في وادي السباع.
لقد فشلت كل المحاولات التي بذلها أميرالمؤمنين لإخماد الفتنة التي أثارها الناكثون في البصرة، إلاّ من رحم الله منهم، فتفجّر الموقف واُعلنت حالة الحرب بين جيش علي (عليه السلام) وجيش الناكثين، لكن الإمام (عليه السلام) بقي ملتزماً جانب الصبر والتصبر بما امتاز به من الروح الإنسانية الفريدة، ولتستبين للآخرين الاُمور, فأوضح لجماعته أحكام الشريعة الإسلامية في حق البغاة، وأخذ بالدعاء الى الله من عواقب هذه الفتنة.
أما طلحة، فقد أصابه سهم عند هزيمته لم يتبين راميه فجرحه فتفاقم جرحه فمات، وقد تمخّضت هذه الفتنة البغيضة عن قتل عشرة آلاف من جيش الناكثين، وخمسة آلاف من جيش الإمام (عليه السلام). وكانت المعركة هذه قد وقعت في العاشر من جمادى الأولى سنة (36هـ)، وقد سمّيت بحرب الجمل؛ لأنّ عائشة كانت تركب جملاً.
وبعد أن وضعت الحرب أوزارها بالانتصار الساحق لجيش الإمام علي (عليه السلام) على أهل الجمل، أعلن الإمام (عليه السلام) العفو العام عن جميع المشاركين فيها، وقد بان أنّ موقف الإمام (عليه السلام) كان وقفة حق بوجه الباطل، فقد جسّد في موقفه حكم الله سبحانه. واستمر الإمام (عليه السلام) بمواصلة خطواته الإنسانية قبالة الناكثين؛ فأعاد عائشة الى المدينة المنورة مكرّمة معزّزة على الرغم مما أبدته من عناد لإمام المسلمين وخليفتهم. ولقد كانت هذه الحرب إسفيناً في وطن المسلمين تلتها حروب وكروب، ومآس وآلام، وحرب على الإمام (عليه السلام), وعلى المؤمنين السلام.