حياة الميرزا النائيني رضوان الله عليه*

 

الميرزا حسين ويقال محمد حسين بن الشيخ عبد الرحيم الملقب بشيخ الإسلام النائيني النجفي ولد في حدود 1273 في بلدة نائين وتوفي بالنجف ظهر يوم السبت 26 جمادى الأولى سنة 1355 عن نحو 82 سنة ودفن في بعض حجرات الصحن الشريف .

( النائيني ) نسبة إلى نائين بلدة من نواحي يزد على عشرين فرسخا منها تتبع في الإدارة أصفهان تصنع بها العباءات الفاخرة وفي معجم البلدان نائن بعد الألف ياء مهموزة ونون ويقال لها نائين أيضا من قرى أصبهان .

أبوه وعشيرته

كان أبوه يلقب بشيخ الإسلام في أصفهان و هو لقب سلطاني وكذلك آباؤه من قبله وبعد وفاته لقب به أخوه الأصغر أما هو فكان شيخ الإسلام بحق لا بفرمان سلطاني .

صفته

كان عالما جليلا فقيها أصوليا حكيما عارفا أديبا متقنا للأدب الفارسي عابدا مدرسا مقلدا في الأقطار ، ويقال انه كان كثير العدول عن آرائه السابقة ، رأيناه بالنجف أيام إقامتنا بها من سنة 1308 إلى سنة 1319 وكان في تلك المدة منحازا عن الناس إلا ما قل ورأيناه مرة في كربلاء جاءها للزيارة فنزل في مدرسة الشيخ عبد الحسين الطهراني في الطابق السفلي وبعد ما فارقنا النجف إلى الديار الشامية وتسلمه أريكة الرئاسة كانت تأتينا كتبه ورسائله الودادية التي يثني فيها على جهودنا وما وفقنا له بعون الله ومنه من خدمة الدين والأعمال النافعة في تلك الديار والإرشاد والهداية .

ولما وردنا النجف للزيادة عام 1352 - 1353 زارنا في منزلنا مرارا وكان قد ثقل سمعه وكان قوي الحافظة حسن الذاكرة قال لنا لما زارنا قد مضى لكم من يوم مفارقتكم النجف إلى الآن ثلاثون سنة وكان الأمر كذلك وزرناه في منزله وكان يفرط في شرب الشاي .

أحواله

قرأ أول مبادئ العلوم في نائين وفي سنة 1293 أو 95 هاجر إلى أصفهان فقرأ على الشيخ محمد باقر ابن الشيخ محمد تقي صاحب حاشية المعالم وعلى الميرزا محمد حسن النجفي والميرزا أبي المعالي والشيخ محمد تقي المعروف باقا نجفي وفي سنة 1300 سافر شيخه الشيخ محمد باقر المذكور إلى العراق وتوفي وبقي المترجم في أصفهان إلى أواخر سنة 1302 ثم هاجر إلى العراق ودخل سامراء في المحرم سنة 1303 وقرأ فيها على الميرزا السيد محمد حسن الشيرازي الشهير إلى سنة وفاته 1312 وفي أثناء إقامته بسامراء توفي والده الشيخ عبد الرحيم وبقي هو في سامراء مدة بعد وفاة الميرزا الشيرازي مع جماعة من تلاميذ الشيرازي كالسيد محمد الأصفهاني والميرزا الشيخ محمد تقي الشيرازي والسيد إسماعيل صدر الدين العاملي الكاظمي والميرزا حسين النوري وغيرهم رجاء أن يبقى ما أسسه الميرزا الشيرازي مستمرا لكن تشتت الأهواء وتشعب الآراء حال دون ذلك وانضاف إليه ما كانت تدسه الدولة التركية وأعوانها في العراق لتشتت شمل مدرسة سامراء وتقويض بنيانها الذي ابتدأ من أواخر عهد الميرزا الشيرازي ثم هاجر المترجم من سامراء إلى كربلاء وبقي فيها مدة ثم هاجر إلى النجف سنة 1314 و قيل إن هجرته إلى كربلاء كانت سنة 1314 وبقي فيها سنين ثم هاجر إلى النجف والله اعلم وكان الملا كاظم الخراساني قد استقل بالتدريس في حياة أستاذه الميرزا الشيرازي وزادت حلقة درسه بعد وفاة أستاذه المذكور وكان يعقد في داره مجلسا خاصا لأجل المذاكرة في مشكلات المسائل يحضره خواص أصحابه فكان المترجم يحضر معهم ولم يحضر درس الملا كاظم العام ، وبعد وفاة الملا كاظم استقل بالتدريس وبعد وفاة الميرزا محمد تقي الشيرازي رأس وقلد في سائر الأقطار هو والسيد أبو الحسن الأصفهاني واستقامت لهما الرياسة العلمية في العراق بل انحصرت فيهما وكان هو اعرف عند أكثر الخاصة والسيد الأصفهاني عند العامة وكثير من الخاصة وبعد وفاته انحصر ذلك في السيد الأصفهاني وبعد إعلان السلطنة المشروطة في إيران سنة 1324 كان من أكبر الدعاة إليها وألف في ذلك كتابا بالفارسية أسماه تنبيه الأمة وتنزيه الملة في لزوم مشروطية دستورية الدولة لتقليل الظلم على أفراد الأمة وترقية المجتمع وطبع وعليه تقريض للشيخ ملا كاظم الخراساني والشيخ عبد الله المازندراني ثم بعد ذلك بمدة بعد وفاة الخراساني جمع ما أمكن جمعه من نسخه بل كان يشتريها بقيمة غالية وأتلفت بأمره وبقيت منه نسخ لم يمكن إتلافها وقد عرب منه بعض الفصول وأدرجت في مجلة العرفان .

ولما فتحت العراق على يد الانكليز بعد الحرب العامة الأولى وأقيم الملك فيصل ملكا على العراق وأرادوا تعيين وزراء للدولة الجديدة ومجلس نيابي كان هو والسيد الأصفهاني معارضين في ذلك الوضع لأنهما يريدان خيرا منه ولهما الكلمة النافذة فأبعدا إلى إيران في أواخر سنة 1341 وجاءا إلى قم وأقاما بها سنة كاملة زائدا واحتفى بهما الشيخ عبد الكريم الزيدي المقيم في قم في ذلك الوقت احتفاءا رائدا وجعلت طلاب مدرسته تقرأ عليهما وحصل لهما في إيران استقبالات حافلة في كل بلد مرا به ثم أعيدا إلى العراق بعدما شرط عليهما أن لا يتدخلا في أمور الملكة السياسية وعادا إلى النجف .

مشايخه

( 1 ) الشيخ محمد باقر الأصفهاني

( 2 ) الميرزا محمد حسن النجفي

( 3 ) الميرزا السيد محمد حسن الشيرازي

( 4 ) السيد محمد الفشاركي الأصفهاني

( 5 ) المولى فتح علي جونابادي

( 6 ) الميرزا حسين النوري

( 7 ) الشيخ محمد تقي الشيرازي

وغيرهم وقال السيد هبة الدين الشهرستاني فيما كتبه في حقه كنت أراه في سامراء يراجع في علمي التفسير والحديث المولى فتح علي الجونابادي والميرزا حسين النوري وفي علمي الفقه والأصول الميرزا محمد تقي الشيرازي والسيد محمد الأصفهاني اه . وما يقوله البعض من انه حضر درس الشيخ مرتضى الأنصاري مستشهدا بأنه كان يقول : والى هذا القول ذهب أستاذنا الأنصاري في بحثه لا يكاد يصح فالأنصاري توفي سنة 1281 وهو ولد حوالي سنة 1273 كما مر فيكون عمره عند وفاة الأنصاري سبع سنين .

تلاميذه

وهم كثيرون منهم

( 1 ) السيد أبو القاسم الخوئي النجفي

( 2 ) الشيخ محمد علي الكاظمي الخراساني صاحب فوائد الأصول

( 3 ) الشيخ موسى الخوانساري النجفي صاحب منية الطالب في شرح المكاسب وغيرهم .

مؤلفاته

( 1 ) تنبيه الأمة المشار إليه آنفا مطبوع

( 2 ) رسالة لعمل المقلدين مطبوعة

( 3 ) حواشي العروة الوثقى مطبوعة على حدة

( 4 ) رسالة في اللباس المشكوك

( 5 ) ورسالة في أحكام الخلل في الصلاة

( 6 ) رسالة في نفي الضرر

( 7 ) رسالة في التعبدي والتوصلي

( 8 ) أجوبة مسائل المستفتين جمعها بعض تلاميذه

( 9 ) تقريرات بحثه في الأصول المسمى أجود التقريرات لتلميذه السيد أبو القاسم الخوئي في مجلدين وعليها تعليقة منه ولتلاميذه عدة مؤلفات اكتسبوا فوائدها من محاضرات درسه .

مراثيه

رثي بمرات كثيرة فمن قصيدة الشيخ محمد علي اليعقوبي قوله :

بكى البلد الأمين عليك شجوا . . . فجاوب صوته البلد الحرام

وراع الخطب فارس فاستشاطت . . . وشاطرت العراق به الشام

وعم بك الأسى شرقا وغربا . . . كما عمت مواهبك الجسام

أهالوا الترب منك على محيا . . . به في المحل يستسقى الغمام

تجهم وجه هذي الأرض حزما . . . عليك وطبق الأفق الظلام

فجرح الدين بعدك ليس يؤسى . . . وصدع العلم ليس له التئام

فكم لك دونه وقفات عز . . . تخبر انك البطل الهمام

هي الأيام لم تحفظ لديها . . . عهود لا ولا يرعى ذمام

ورحت مزودا عملا وعلما . . . وزاد سواك في الدنيا الحطام

مضيت وعمرك الثاني سيبقى . . . وكم ذكر به تحيى الكرام

وما الإنسان بعد الموت الا . . . مآثر تستفيد بها الأنام

وهان الخطب بعدك مذ وثقنا . . . بأن حمى الشريعة لا يضام

لئن فقد ( الحسين ) فما المعزى . . . به الا ( أبو الحسن ) الامام

به الاحكام قد شدت عراها . . . وهل ( للعروة الوثقى ) انفصام

وكيف تضل قوم عن هداها . . . وفي يمنى أبي الحسن الزمام

إذا النادي حواه فليس يدري . . . أيذبل قد تصدر أم شمام

أبا حسن وأنت لنا غياث . . . لدى الجلى وفي البلوى عصام

ففيك وقد سلمت لنا عزاء . . . وللدين السلامة والسلام

ومن قصيدة الشيخ محمد رضا المظفري قوله :

أبيح الحمى لا السيف سيف ولا الفم . . . غداة فضى فيه الامام المعظم

ولن ترفع الرأس الرجال كرامة . . . إذا لم يرق من تحت أقدامها الدم

نعاه لنا الناعي فقلنا صواعق . . . قصفن ربوع العلم قال وأعظم

وأقطاب فضل أرشد الله أمرهم . . . بهم يرتجى ان يخلف النجم أنجم

بني العلم للعليا فلا تتسمروا . . . إذا كان عز في البلاد فأنتم

قفوا وقفة الغلب الأباة عن الهدي . . . فإن مجاريه إليكم ومنكم

وسلوتنا نجل الحسين وشبله . . . ( علي ) إذا عد الكرام فمنهم

وصنوان أصل الفخر أعرق فيهما . . . فطابا وفي شتى الفضائل توأم

لئن حل منا الدهر عقد فإن في . . . ( أبي حسن ) عقد الإمامة يبرم

إذا الناس أمسى أمرها متشابها . . . فأنت بهم يا آية الله محكم

ومن قصيدة الشيخ عبد الحسين الحلي قوله :

أعرني لسانا أو فدعني وما بيا . . . فقد اخرس الخطب الممض لسانيا

مضى لامضى من كان في الله فانيا . . . فخلد ذكرا في البرية باقيا

ستنسى الكرى بعد الحسين محاجري . . . وتألف فيض الدمع ينصب فانيا

تقام له الذكرى وفي كل ساعة . . . تذكرنا الأيام منه المساعيا

يناجي الدجى مستسرا وإنما . . . بغرته الأضواء تجا والدياجيا

إذا ما انثنى يتلو بديع بيانه . . . تلفت به الاسماع سبعا مثانيا

تذكرني ليلا بغر خصاله . . . زواهره الآتي تزين اللياليا

أعددها لو كنت أستطيع عدها . . . ومن ذا الذي بالعد يحصي الدراريا

لقد عاش في الدنيا كما عاش أهلها . . . سوى انه من عارها كان عاريا

ومن بعدك الأعواد يقرع متنها . . . فينظم منثور المعاني لاليا

لك القلم العالي على الخمس سابحا . . . تشيعه العشر العقول جواريا

تقاصر عنه السمهري وطالما . . . بأمر أمه قل الجراز اليمانيا

محاسن أطريها فيحسب جاحد . . . باقي له فيها أعد المساويا

وهيهات أحصيها بشعري وان أكن . . . تخذت له الزهر الدراري قوافيا

رضى بالقضا الجاري ومن لم يكن به . . . ليرضى اختيارا كان بالكره راضيا

ومن قصيدة السيد محمود الحبوبي قوله :

سكت اللسان فيا دموع تكلمي . . . فلقد أحال إليك منطقه فمي

قد لا يطيق مفوه شرح الأسى . . . وتطيق ذلك دمعة المتألم

فعن الدموع خذوا أحاديث الأسى . . . مشروحة لا من فم المتكلم

فمن القصائد أدمع منظومة . . . ومن الدموع قصائد لم تنظم

امجل العلم المشار لسبقه . . . في كل مضمار وفارسه الكمي

حسد الزمان علاك إذ نازعته . . . شرف الخلود وهيبة المستعظم

كل البلاد ماتم لك مأتم . . . ينهي التفجع والنواح لمأتم

فكأن يومك إذ تفجر عن بكا . . . يوم الحسين وقد تفجر عن دم

ولدتهما الدنيا معا وتمخضت . . . حبلي الليالي فيهما عن توأم

وأعاد يومك يومه فكأنما . . . اطلعت في رجب هلال محرم

أمقصر الليل الطويل يقومه . . . في عين لا سئم ولا متبرم

كم زنت بالسمر الدجى لكنه . . . من ذوب قلب بالفضيلة مفعم

ولقد تعاف به لذا ذات الكرى . . . لعيون قوم كالبهائم نوم

ان الثمانين التي بك قد مشت . . . نحو الحقيقة في الصراك الأقوم

بلغت بك الشرف العظيم وسؤددا . . . يعزى لمحرزه الفخار وينتمي

وحدوتها بالذكر سائرة إلى . . . أبقى مسرات هناك وأدوم

وحثثتها فوصلت أبعد غاية . . . فاضت عليك بها هبات المنعم

ان أو حشت منك المنابر انها . . . انست بشخص أبي الحليم الأكرم

وبه العزا للدين بعدك ضيغم . . . أودى وقد حمى العرين بضعيغم

يا ابن الأولى كشفوا الغطاء بعامهم . . . عن كل غامضة وستر مبهم

وجلوا عن الإسلام كل حقيقة . . . بليت بطول تحجب وتكتم

وبنوا لهم في الدين خير مآثر . . . تبقى مخلدة بقاء الأنجم

ان الذي استهدى بنورك يهتدى . . . بالبدر في غسق الضلال المظلم

وأرى بك المتمسكين تمسكوا . . . بالعروة الوثقى التي لم تفصم

لكفي يراعك اجر كل مجاهد . . . عن دين طه بالحسام المخذم

ومداده أغلى كما قد خبروا . . . وأعز عند الله من ذاك الدم

شوق الطروس إلى يراعك فوقها . . . شوق الثرى لحيا السحاب المرزم

كم وقفة لك دون شرعة احمد . . . رد العدى عنها بأنف مرغم

فلتبق للدين الحنيف مؤيدا . . . بالنصر من رب السما ولتسلم

ومن قصيدة الشيخ عبد المنعم الفرطوسي :

غرور كلها هذي الحياة . . . وما فيها لمعتبر عظات

علينا للأسى سمة لوجه . . . مضى وعليه للتقوى سمات

ومن قصيدة السيد مسلم الحلي قوله :

يا دهر جئت بها فما شئت اصنع . . . لم تبق في قوس الردى من منزع

رزء تخارست المقاول دونه . . . وتصاممت اذن الرجال فلا تعي

وجموا فلا ذاك الأديب بشاعر . . . وكلا ولا ذاك الخطيب بمصقع

ماكل ماء يستبين لناظر . . . خال من الاقذاء عذب المشرع

ومن قصيدة السيد مهدي الأعرجي قوله :

الا يا ميتا يبكيه دين ال‍ . . . - هدي شجوا وينعاه الكتاب

رحلت فذي العلى ثكلى وهذي . . . ربوع العلم مقفرة يباب

دوارس بعد فقدك موحشات . . . على أكنافها نعب الغراب

كأن سرير نعشك فلك نوح . . . له دمع الورى بحر عباب

لقد فقد الهدى بك أي حبر . . . له في كل معضلة جواب

همام ذي مزايا قد تعالت . . . كشهب الأفق ليس لها حساب

فمن للمشكلات يحل عقدا . . . إذا وقع اختلاف واضطراب

ومن للوافدين إذا اكفهرت . . . لهم سنة واعوزها السحاب


 

* حياة الميرزا النائيني رضوان الله عليه * - مركز المصطفى (ص) - ص أعيان الشيعة ج 6 ص 54 : - دائرة المعارف أعلمي ج 28 ص 265 :

 

 

حياة الميرزا النائيني رضوان الله عليه

دراسة في فكر الشيخ النائيني من خلال كتابه «تنبيه الأمة وتنزيه الملة»

مقاربة في مشروع النائيني الإصلاحي

الصفحة الرئيسية