|
اليوم الثالث والعشرون من
شهر ذي القعدة الحرام
شهادة الإمام علي بن موسى
الرضا ( عليه السلام) سنة 202 هـ على الرواية
شهادته (عليه السلام)
الامام الرضا ( عليه السلام ) كان يُدرِك ذلك بوضوح ، فرفضَ
ولاية العهد ، إلاّ أنّه اُرغِمَ على الدخول فيها ، وما كان يجد بُدّاً
للخَلاص من الخطّة السياسية الّتي وضعها المأمون ، واتّضح من خلال ذلك أنّ
المأمون ليس ذاكَ الشّخص الّذي كانَ زاهِداً في المُلك والسّلطة ، فقد
قَتَلَ أخاه الامين مِن أجلِها ، وقَتَلَ مَن خدموه وخدموا سلطة أبيه
الرّشيد ; أمثال طاهر بن الحسين ، والفضل بن سهل ، وآخرين ممّن ساهموا في
تنفيذ خطط المأمون وتثبيت سلطته .
فكان طبيعيّاً أن يلقى الامام الرضا ( عليه السلام ) مثل هذه المعاملة وهو
مِن أكثرِ الناس خَطَراً وأشدّهم فاعليّة في مجرى أحداث المرحلة السياسية
الّتي عاشها .
يُضاف إلى ذلك ما كان للصِّراع والوشايات والوقيعة الّتي كانت تُمارِسُها
الحواشي أمثال الحسن والفضل ابني سهل وضغوط رجالات بني العباس .
لذلك فإنّ التأريخ يُحدِّثنا أنّ المأمون قد دَسّ السّمّ في بعضِ طعام
الامام الرضا ( عليه السلام ) ( في عنب أو في رمّان ) فاغتاله ، كما يرى
مؤرِّخون آخرون أنّ الامام ماتَ حتفَ أنفِهِ مِن غيرِ أن يُدَسَّ لهُ
السّمُّ .
والمشهور الّذي يتّفق وطبيعة المأمون وسلوكه الشّخصيّ ـ كما أسلفنا ـ مع
أخيه الامين وقوّاده والصِّراع المستحكم بين أهل البيت ( عليه السلام )
والعباسيين وظهور شخصيّة الامام وتفوّقها على شخصيّة المأمون ، لترجِّح
اغتيالَ الامام ( عليه السلام ) بالسّمِّ ورجحان الرّوايات الدالّة على ذلك
.
وقد ذكرَ جملة مِنَ المؤرِّخين ذلك ، منهم أبو الفرج الاصفهاني ، أنّ
الامام الرضا ( عليه السلام ) قد ماتَ إثْرَ أكلهِ عنباً قد دُسَّ فيه
السّمّ (142) .
وقد أحسّ المأمـون في نفسه خطورة الحَدَث وفداحة المصاب ، وخاف تحسّس
العلويين وجماهير الاُمّة وانقلاب الرّأي العام وتحرّكه ضدّه ، واتّهامه
بقتله . فما زالت الذاكرة تحتفظ بمحنة أهل البيت ( عليه السلام ) ومعاناتهم
من بني العباس ، وما زالَ صوتُ الناعي الّذي عزّى المسلمين بشهادة الامام
موسى بن جعفر يُثيرُ الاحزان ويُشْجي النفوسَ ، لذلك كتمَ المأمون خبر وفاة
الامام يوماً وليلة ، ثمّ استدعى محمّد بن جعفر الصادق ابن محمّد الباقر ـ
عمّ الامام الرضا ـ وجماعة مِن آل أبي طالب ، فلمّا أحضَرَهُم عرضَ عليهم
جسدَ الامام ، وأكّدَ لهم أنّه مات موتاً طبيعيّاً ، وها هُوَ صحيحُ الجسد
لا أثرَ لايِّ عدوان على جسده ، ويُذكِّرنا هذا الموقف بموقف الرّشيد أبي
المأمون مِن جثمان الامام الكاظم ( عليه السلام ) أبي الامام الرضا ( عليه
السلام ) ، حين أدْخَلَ السنديُّ بنُ شـاهِك مدير شرطته الفقهاءَ ووُجهاءَ
الطّالبيِّين على جنازة الامام الكاظم ( عليه السلام ) ، ليدفَعَ عن نفسِهِ
عمليّة الاغتيال .
ويذكر المؤرِّخون أنّ الناس اتّجهوا إلى اتهام المأمون ، وقالوا : لقد قتلَ
واغتالَ ابنَ رسول الله ، وكثُرَ اللّغطُ والضّجيج بين الناس ، وهم يجتمعون
حول البيت الّذي فيه جثمان الامام ، فخافَ المأمون هياج الرّأي العام
وتحرُّك الناس واستغلال الموقف ، فطلبَ المأمونُ مِن عمِّ الامام ( محمّد
بن جعفر ) أنْ يخرُجَ إلى الجماهير المحتشِدَة ويصرفها إلى وقت آخر ، حيث
أجّل تشييع الجثمان وتوديعه إلى رياض النعيم .
فقد نقل الشيخ الصدوق في ذلك : « فلمّا أصبح اجتمع الخلقُ وقالوا : إنّ هذا
قَتَلَهُ واغتاله ـ يعنون المأمونَ ـ ، وقالوا : قُتِلَ ابنُ رسولِ الله ،
واُكثِرَ القولُ والجَلَبَةُ (143)، وكان محمّد بن جعفر بن محمّد استأمن
إلى المأمون وجاء إلى خراسان ، وكان عمّ أبي الحسن ، فقال المأمون: يا أبا
جعفر! أخرُجْ إلى الناسِ وأعلِمْهُم أنّ أبا الحسن لا يُخرَج اليـوم ، وكره
أن يُخرَجَ فتقعَ الفِتْنَة ، فخرجَ محمّد بن جعـفر إلى الناس ، فقال :
أيُّها الناس ! تفرّقوا فإنّ أبا الحسن لا يُخْرَجُ اليوم ، فتفرّق الناس ،
وغُسِّلَ أبو الحسن في اللّيلِ ودُفِن » .
وهكذا رحلَ الامام وهو يردِّد كلام الله وينطق بآخر كلمة في حياته :
(قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ
القَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ) .
وكانت شهادته في اليوم الاخير من شهر صفر سنة (203 هـ ) ، بمدينة طوس الّتي
دُفِنَ فيها ، في دار حُمَيْد بن قحطبة إلى جوار قبر الرّشيد في جهة القبلة
.
ومقام الامام اليوم مقام شامخ تفدُ إليه الملايين ويزدحمُ حول ضريحه
الوافدون ، وقد عَظُمَتِ المدينةُ الّتي دُفِنَ فيها وصار اسمها (مشهد) ،
وهي مِن أجمل وأوسع المدن في جمهوريّة إيران الاسـلامية الآن ، وتقع في
الشمال الشرقي على مقـربة من حدود جمهورية تُرْكَمنستان ، وهي مدينة جميلة
عامرة فيها حوزة علمية ومدارس دينيّة .
ولبلاد خراسان الّتي تقع فيها مشهد قيمة تأريخية ودور سياسي فعّال في تأريخ
الاسلام وتأريخ أهل البيت ( عليه السلام ) .
فسلامٌ عليه يوم وُلِدَ، ويوم استُشْهِدَ ، ويوم يُبْعَثُ حيّاً ، وختاماً
نسأل الله أن يجعلنا مِنَ المُقتدين بسيِّد المرسلين محمّد ( صلى الله عليه
واله وسلم ) وأهل بيته ( عليه السلام ) والسّائرين على هُداهم، إنّه سميعٌ
مجيب .
|