اليوم الأول من ربيع الأول
هجرة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) الى المدينة المنورة سنة (13 هـ)
ومبيت الإمام علي (عليه السلام) على فراش النبي (صلى الله عليه وآله) في نفس اليوم

لقد نزل الوحي على الرسول (صلى الله عليه وآله) مؤذناً له بالهجرة الى المدينة المنورة، حيث الأنصار هناك للرسالة الإسلامية، فقال الرسول للإمام علي (عليه السلام) وعمره الشريف (23) سنة: (يا عليّ، إن قريشاً اجتمعت على المكر بي وقتلي، وإنّه أوحي إليّ عن ربّي أن أهجر دار قومي، فنم على فراشي والتحف ببردي الحضرمي، لتخفي بمبيتك عليهم أثري، فما أنت قائل وصانع؟).
فقال عليّ (عليه السلام): (أو تسلمنّ بمبيتي هناك يا نبيّ الله؟).
قال: (نعم)، فتبسّم عليّ (عليه السلام) ضاحكاً مسروراً، وأهوى الى الأرض ساجداً شاكراً لله تعالى لما أنبأه رسول الله (صلى الله عليه وآله) من سلامته. وقال (عليه السلام): (امض لما اُمرت، فداك سمعي وبصري وسويداء قلبي).
وخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) مهاجراً بعد منتصف الليل من داره تحيطه الرعاية الإلهية، متجاوزاً طوق قوات الشرك المحيطة بداره، فقد أعماهم الله تعالى عنه فمر من بينهم ولم يروه. وترك أمير المؤمنين علياً في فراشه، وقد خيّب آمال أعداء الله بالظفربه، عندما اقتحموا سويّاً دار النبي (صلى الله عليه وآله) وفيها عليّ (عليه السلام)، وكان ذلك صباحاً وقد ظنّوا أنّهم سيقتلون النبي (صلى الله عليه وآله)، وكانوا قد شهروا سيوفهم وتهيج منهم رائحة الحقد والخبث والدناءة، يقدمهم خالد بن الوليد.
فنهض عليّ (عليه السلام) من مضجعه في شجاعته المعهودة بوجوههم الإجرامية، فارتعد القوم وتراجعوا وخاب كل جبّار عنيد، وهم يرون هذه الخيبة والفشل الذي منوا به بإنقاذ الله رسوله الصادق الأمين (صلى الله عليه وآله). وسعت بعدئذ قريش بكل حيلة لتردّ مجدها المزعوم، الجاهلي الموهوم. فبعثت العيون، وتوسلت بكل الوسائل للعثور على النبي (صلى الله عليه وآله)، وقد أرصدت مئة جائزة لمن يقبض على الرسول (صلى الله عليه وآله) حيّاً أو ميّتاً.
وقد قادهم الدليل الماهر على أثره الى باب غار جبل النور، حيث اختبأ فيه الرسول (صلى الله عليه وآله) ومعه أبوبكر، فانقطع الأثر بلطف من الله تعالى حافظ الرسول ومسدّده. فقال القائف: ما جاوز محمد ومن معه هذا المكان؛ إمّا أن يكونا صعدا الى السماء أو دخلا في الأرض.
وفي داخل الغار كان أبوبكر قد داخله خوف شديد وهو يسمع جيش قريش ينادي: اُخرج يا محمد، ويرى أقدامهم تقترب من باب الغار، ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: (لا تحزن إنّ الله معنا).
ويئست قريش وخابت في مسعاها فعادت بخفّي حنين، فهي لم تتوصل الى أن النبيّ في الغار، وقد رأت العنكبوت قد نسج بيته على باب الغار، وقد بنت حمامة عشها وباضت بباب الغار في عشها. وفي مساء ذلك اليوم التقى علي وهند بن أبي هالة بالنبي (صلى الله عليه وآله) بعد أن علما بمكانه، وعند وصولهما أدلى النبي (صلى الله عليه وآله) وصاياه لعلي (عليه السلام)، مختصاً به لحفظ ذمته وأداء أمانته، فقد كان الرسول (صلى الله عليه وآله) أمين مدّخرات العرب.
وأمر الرسول (صلى الله عليه وآله) عليّاً أن يشتري رواحل له وللفواطم ويلحق به، فقال له مطمئناً: (إنّهم لن يصلوا من الآن إليك يا عليّ بأمر تكرهه حتى تقدم علي، فأدِّ أمانتي على أعين الناس ظاهراً. ثم إنّي مستخلفك على فاطمة ابنتي، ومستخلف ربّي عليكما ومستحفظه فيكما).
وبعد ثلاثة أيام حين عرف النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنّه قد كفّت قريش عن طلبه تحرّك الى يثرب سريعاً غير عابئ بتعب، واثقاً بالله سبحانه وبنصره، وقد وصل منطقة قباء وأول عمل قام به هو كسر الأصنام الجاهلية المعبودة من دون الله تعالى عن ذلك.
ثم أسس مسجد قباء، ثم خرج يوم جمعة فأدركته صلاة الظهر في بطن وادي (رانوناء) فكانت أول صلاة جمعة في الإسلام، ومن ثم غادر الرسول هذه المنطقة واتّجه صوب يثرب، وقد بدأ الناس كل يريد ضيافته عنده، فكان يقول لهم: (خلّوا الناقة فإنها مأمورة). وأخيراً بركت الناقة عند مربد يعود لغلامين يتيمين من بني النجار، أمام دار أبي أيوب الأنصاري، فأسرعت زوجته فأدخلت رحل رسول (صلى الله عليه وآله) في دارها، فنزل عندهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) الى أن تمّ بناء المسجد النبويّ وبيته (صلى الله عليه وآله).