اليوم السابع عشر من ربيع الأول
مولد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) عام الفيل
المولد العظيم:
ولد الرسول الأعظم خاتم
النبيين والمرسلين محمد بن عبد الله بن عبد المطلب في هذا اليوم السابع عشر
من شهر ربيع الأول من عام الفيل بعد فقد أبيه وهو قرب ولادته الكريمة،
واُمه آمنة بنت وهب، وأبواه قرشيان، وقد ولد في مكة المكرمة، زاد الله
شرفها. وقد تكفّله جدّه عبد المطلب، واسترضع في بني سعد ثم رُدّ الى اُمه
وهو في الرابعة أو الخامسة من عمره الشريف، وقد توفيت اُمه حين بلغ السادسة
من العمر الشريف فكفله جدّه واختص به وبقي معه سنين، ثم ودّع سيّد الأبطح
عبد المطلب الحياة بعد أن أوكل رعايته الى عمّه الكريم الحنون أبي طالب،
فقد بقي معه الى وقت زواجه.
ولابد من الإشارة الى بعض ما وقع في يوم مولده الشريف من أحداث، منها خمود
نار المجوس، وتصدّع إيوان كسرى، وتزايد در لبن المواشي ببركته، وسقطت أصنام
العرب، وأشرقت الأرض بنور ربها، والسماوات ابتهجت بمخلوقاتها وأطيارها.
ولقد نص القرآن الكريم على بشارة أبي الأنبياء إبراهيم خليل الرحمن بنبوّة
المصطفى محمد (صلى الله عليه وآله) بذلك
الاُسلوب القرآني البديع: (ربّنا وابعث فيهم رسولاً
منهم يتلو عليهم آياتك ويعلّمهم الكتاب والحكمة ويزكّيهم إنّك أنت العزيز
الحكيم).
نشأته:
وحينما بلغ الثانية
عشرة من عمره الشريف والتقى ببحيرا الراهب في الطريق فعرفه بحيرا وحذّر أبا
طالب من التفريط به، وكشف عن تربّص اليهود به الدوائر. وحضر النبي
(صلى الله عليه وآله) حلف الفضول بعد عشرين
من عمره وكان يفتخر بذلك، حيث امتاز الرسول على تلك القبائل ـ مع كثرتها ـ
في تقديمه على وضع الحجر الأسود في مكانه، فأبدى حنكة وأرضى بها الجميع من
المتنازعين.
وقد بُعث الرسول (صلى الله عليه وآله) وهو في
الأربعين من عمره الشريف وشرع بدعوته التوحيدية وهو على بصيرة من أمره،
فأشاع الخير والصلاح والنور والإيمان في مجتمعه وخارج مجتمعه، حتى أضحى
هادياً للبشرية جمعاء: (وما أرسلناك إلاّ رحمةً
للعالمين).
إنّ مولد الرسول (صلى الله عليه وآله) يعتبر
بداية لولادة الحق وإزهاق الباطل (إنّ الباطل كان
زهوقاً).
وبولادة الرسول انطوت معاقل الطغاة والعتاة، فهو الأمل الذي بشّرت به
الأديان واستكملت فيه دعائم الإيمان، وظهرت وحدانية الرحمن، واندحرت به
مكائد وتسويلات الشيطان، التي زينها لخلق الله تعالى عبر السنين الطوال.
فأضاء الكون كله بوجوده الكريم، فكان الشمس المشرقة في سماء الجاهلية
المظلمة، وأرض العدوان والعصبيات، حيث كان مولده
(صلى الله عليه وآله) عام تعرض مكة الى عدوان إبرهة الحبشي صاحب جيش
الفيل، فجعل الله سبحانه كيدهم في تضليل.
وهكذا نشأ الرسول الأعظم في هذه الأجواء الملبدة بالظلم والعدوان، والأهواء
والأدران، فقد عُرف من حين طفولته نفوره من الأوثان والتأمل في ملكوت
السماوات والأرض وما فيهما من بدائع الصنع.
وكان أميناً صادقاً في قومه، قد استجمع صفات الكمال البشري وفاق فيها، فقد
حباه الله تعالى كل السجايا الطيبة الكريمة، والأخلاق العالية العظيمة, حتى
قال الله تعالى فيه: (وإنّك لعلى خلق عظيم)،
فأحاطه بعنايته الخاصة، وربّاه بتربيته الإلهية؛ لذلك كان يقول
(صلى الله عليه وآله): (أدّبني ربّي فأحسن
تأديبي).
زواجه (صلى الله عليه وآله):
حينما بلغ الرسول
(صلى الله عليه وآله) الخامسة والعشرين من
عمره تزوج الرسول الأعظم بامرأة هي غاية في الكمال والآداب والأخلاق، وليس
للرسول امرأة كفء له في ذلك الزمان غير السيدة خديجة بنت خويلد
(رضي الله عنها)، فالرسول يحتاج الى امرأة
عظيمة تتناسب مع شخصيته ومكانته وتُعينه على أهدافه الإلهية الكبيرة، من
صبر وجهاد وبذل. وشاءت قدرة الله تعالى أن تتعلق هذه المرأة العظيمة بشخص
الرسول (صلى الله عليه وآله) وأن تكون زوجته
الكريمة (رضي الله عنها)، وأن تكون اُم
الزهراء فاطمة (عليها السلام)، وأن تكون جدّة
الأئمة المعصومين الهادين المهديين.
نزول الوحي الإلهي:
لقد أعد الله سبحانه
رسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله) إعداداً
خاصّاً لتحمل الرسالة العالمية الخاتمة، وإنقاذ البشرية من براثن الفساد
والاستعباد، فحين بلغ (صلى الله عليه وآله)
الأربعين من العمر اختاره الله تعالى لنبوته ورسالته هادياً للبشرية جمعاء،
ومبشّراً ونذيراً وداعياً الى الله بإذنه وسراجاً منيراً.
وكانت بداية نزول الوحي أن ترد على الرسول (صلى الله
عليه وآله) الرؤيا الصادقة، وهي درجة من درجات الوحي، ولقد كان يذهب
الى غار حراء ويخلو ويتعبّد. وتفيد الروايات أن بدء الوحي كان بقراءة هذه
الآيات التالية، وهي: (إقرأ باسم ربّك الذي خلق * خلق
الإنسان من علق * إقرأ ربّك الأكرم * الذي علّم بالقلم * علّم الإنسان مالم
يعلم).
بدء الدعوة الى الله تعالى:
لقد اُمر الرسول الأكرم
بتحمّل أعباء الرسالة الإسلامية والتبليغ بها، والدعوة الى توحيده وعبادته،
وإصلاح البشرية وإنقاذهم من الظلم والكفر والفساد والخرافات الشائعة بقوله
سبحانه: (قم فأنذر).
فشرع الرسول (صلى الله عليه وآله) ملبيّاً
أمر الله تعالى، فبدأ بدعوته الى سبيل ربّه، فكان أول من آمن به وصدّقه
زوجته خديجة (رضي الله عنها) وابن عمّه علي
(عليه السلام)، الذي كان صبيّاً في العاشرة
من عمره الشريف، فكانت تلك النواة الاُولى للدعوة الإلهيّة الكبرى في
الأرض.
وكانت الدعوة سرية أول الأمر؛ لما علم الرسول (صلى
الله عليه وآله) من عدم إمكان الجهر بالدعوة لعتوّ المشركين ورفضهم
ومقاومتهم لهذه الرسالة الجديدة، فلجأ الى الخيار السري في الدعوة. واستمر
يدعو سرّاً كل من يراه مؤهّلاً للانضمام للدين الحنيف، حتى تكامل أصحابه
أربعين رجلاً، وقد استمرت هذه الدعوة ثلاث سنين، ثم من بعدها أعلن
(صلى الله عليه وآله) دعوته العلنية في مكة
المكرمة لمدة عشر سنوات قبل أن يهاجر.
الصراع مع الكفر:
لقد بدأت مرحلة الصراع
بين الرسول (صلى الله عليه وآله) وبين قوى
الشرك والكفر والضلال، واستخدمت قريش كل وسائل القمع والعدوان ومنع الرسالة
من التقدم، وكانت بداية ذلك هي الحرب النفسية التي تمثلت بالاستهزاء بشخص
الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وبدعوته
لكنه مضى قدماً مع الثلّة المؤمنة من أصحابه. مما اضطر المشركين الى تغيير
أساليبهم ضد هذه الدعوة الكريمة، فأخذوا يؤذون الرسول
(صلى الله عليه وآله) وأصحابه الخلّص بكل
الأساليب الرخيصة والمنحطة التي تنمّ عن حقائقهم الدنيئة.
أما الرسول فقد اتخذ اُسلوباً منوّعاً لمواجهة هؤلاء الجاهليين، حيث جعل
عمّه أبا طالب في مواجهتهم، لأنه كان من الناصرين للدعوة الإسلامية، ولأن
قريش كانت تتخوف منه وتهابه. وقد تصاعدت المحنة وعتت قريش أكثر فأخذت
بتعذيب المؤمنين الأوائل لحرفهم عن دينهم، لكن الرسول محمداً
(صلى الله عليه وآله) وأصحابه كانوا أشدّاء
لا تهزّهم الوسائل القمعية.
الحصار الاقتصادي:
وبعد أن منيت كل
الأساليب القمعية المستخدمة في حرف المؤمنين عن دينهم استخدمت قريش
وأنصارها الحصار الاقتصادي اُسلوباً جديداً، فتمت محاصرة الرسول
(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الهاشميين
وبني عبد المطلب في شعب أبي طالب (شعب بني هاشم)، وذلك في السنة السابعة
للبعثة.
وقد منيت هذه المحاصرة هي الاُخرى بالفشل الذريع على الرغم مما أصاب الرسول
والمسلمين من التجويع والإرهاب، وخرج المسلمون وفي مقدمتهم الرسول الأعظم
(صلى الله عليه وآله) منتصرين ظافرين.
وفاة خديجة الكبرى وأبي طالب (رضي الله عنهما):
وقد توفيت اُم المؤمنين
السيدة خديجة (سلام الله عليها) وكذلك شيخ
الأبطح أبو طالب (رضي الله عنه) في السنة
العاشرة للبعثة النبوية الشريفة، فعمّ الحزن والأسى المسلمين جميعاً,
وخصوصاً الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)،
حتى سمي ذلك العام عام الحزن. وإثر ذلك ازداد طغيان قريش وأذاهم للرسول
وللمسلمين، وحاولوا التآمر مراراً على حياة النبي إلاّ أن الله حفظ رسوله
(صلى الله عليه وآله) من كل ذلك.
الهجرة الى يثرب:
لقد توالت الضغوط على
الرسول والمسلمين في مكة حتى أصبح البقاء فيها لايطاق، وازدادت مواجهة
المشركين الطغاة للرسول والرسالة والمؤمنين، إلاّ أن الرسول بقي صامداً
عازماً على الرغم من ذلك كله؛ لبلوغ الأهداف النبيلة لشرعة الله تعالى.
فهاجر الرسول (صلى الله عليه وآله) لينتقل من
موقع الى موقع، وقطع الفيافي والصحاري مخاطراً ليصل الى يثرب المدينة
المنورة.
قيام الدولة المباركة:
لقد توفرت للرسول
(صلى الله عليه وآله) في المدينة المنورة
أرضية قيام الدولة العادلة، وخصوصاً (الأرض والاُمة والسلطة السياسية)،
فشرع بتأسيس الدولة فور وصوله الى المدينة المنورة.
وأول مابدأ به هو بناء الجبهة الداخلية للدولة، وإنشاء الكيان السياسي
والاجتماعي والأخلاق، ثم شرع بتأسيس الجيش بعد ستة أشهر من دخوله المدينة
المنورة، وقد أذن الله له بقتال الأعداء المتربصين بالمؤمنين الدوائر.
والمؤرخون يعدّون الغزوات والحروب بثمانين غزوة وسرية خاضها الرسول الأعظم
ضد قوى الشر والكفر والنفاق.
فتح مكة:
لقد عقد الرسول صلح
الحديبية مضطراً سنة (8) هـ، ثم دخل بموجب شروط الصلح مكة المكرمة فاتحاً
منتصراً من غير قتال أوسفك دماء، دخل (صلى الله عليه
وآله) مكة متواضعاً وهو مثال التواضع، مستغفراً مسبّحاً بحمد الله
تعالى، قال تعالى: (إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت
الناس يدخلون في دين الله أفواجاً * فسبّح بحمد ربّك واستغفره إنّه كان
توّاباً). سورة النصر
وهكذا حطّم الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)
معاقل الشرك والكفر بعد جهاد وصراع مريرمعهم استمر واحداً وعشرين عاماً.
وقد ثبّت (صلى الله عليه وآله) أركان الدولة
الإلهية المباركة في جزيرة العرب كلها وخارجها، وحقق النصر المبين على قوى
الشرك والكفر. والحمد لله رب العالمين, على نصره المبين. |