اليوم السابع والعشرون من رجب الأصبّ
المبعث النبوي الشريف سنة 13 قبل الهجرة

لقد كان مبعث الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) بالرسالة الإسلامية المقدسة سنة 13 قبل هجرته الميمونة من مكة الى المدينة المنورة, وهي سنة (610م), حيث أوحى الله تعالى إليه وأبلغه عن طريق جبرئيل (عليه السلام) بأنّه نبي هذه البشرية وخاتم الأنبياء. لقد كان نزول الوحي وبعثة النبي (صلى الله عليه وآله) أمراً مشكلاً للجاهليين، وكان مشكلة فكريّة وعقائدية صعبة الفهم, عسيرة الاستيعاب.
أما بالنسبة للمؤمنين بالرسالة والمصدقين لها فلا يعجبون لظاهرة الوحي، فهم يعتقدون بقرارة أنفسهم بالعناية الربانية وتتابع الألطاف الإلهية لإنقاذ الإنسان من براثن الجهل والضلال والإنحراف؛ لأنّ الله تعالى شأنه لم يخلق الإنسان عبثاً ولم يتركه هملاً, بل جعل له الوحي ليستكشف نفسه، وليعرف ربّه وخالقه وعالـمه، والموصل له الى هدايته وكماله في الدنيا والآخرة، وكذا في كيفية تعامله مع الناس في بيئته ومجتمعه.
والله أعلم حيث يجعل رسالته, ويختار بلطفه ومنّه ورعايته وعنايته للعباد أفراداً مخصوصين، ومؤهلين للتواصل مع الله من خلال ألطافه المتتابعة عليهم، ومن خلال تحمّلهم الرسالة الإلهيّة المباركة، وتبليغ هذه الأمانة الكبرى الى الناس كافّة فكان الأنبياء والرسل (عليهم السلام): (الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس إنّ الله سميع بصير)
(1). (وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما اُوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته)(2).

تلقّي الأنبياء (عليهم السلام):

لا بد للأنبياء والرسل من بلوغ الاستعداد الخاص والتكامل الروحي الذي يجعلهم مهيّئين لتلقي الفيوضات الإلهية والمعارف الجديدة التي تليق بشأنهم، وليرتفعوا عن هذا العالم الى درجة التجرّد والتعلق بالله سبحانه، فالتجرّد والتعلق بالله تعالى هما الوسيلتان اللتان تمكّنان النبي من الاتصال بعالم الغيب من خلال الوحي. حيث عند ذلك تتوقف الارتباطات بعالم المادة كلّياً وتتّجه الروح حينئذ لاستقبال واستيعاب ما يصدر الى النبي عن طريق الوحي, وما يلقى من عالم الملكوت.
هذه الحالة تشابه ما يقع للنائم في أحلامه من سماع الأصوات وحفظ الكلمات ورؤية الأشخاص والمشاهد المتنوعة، لكن التلقي يحصل والرسول في كامل درجات الإدراك والاستيعاب والوعي العقلي بما يلقى إليه: (سنقرئك فلا تنسى)
(3). وبهذا تكون الذات النبوية عند تلقّي الوحي مطلّة على عالم التجلّي العلوي، ومستعدة للإفاضة الإلهية، منشدّة إليها، مقتربة من عالم الملكوت.
فقد روى زرارة قال: قلت لأبي عبدالله الصادق (عليه السلام): جعلت فداك، الغشية التي كانت تصيب رسول الله إذا نزل عليه الوحي, قال: فقال: (ذلك إذا لم يكن بينه وبين الله أحد، ذلك إذا تجلّى الله له)، قال: ثم قال: (تلك النبوّة يا زرارة).

الإعداد للنبوّة:

لقد هيّأ الله رسوله الأكرم محمداً (صلى الله عليه وآله) للاستعداد لحمل الرسالة الإسلامية، والأمانة الكبرى، وكيفية أدائها وإنقاد البشرية من حيرة الضلالة وكابوس الجهالة، وعند بلوغه (صلى الله عليه وآله) الأربعين من العمر الشريف اصطفاه الله تعالى نبيّاً ورسولاً وهادياً الى الله بإذنه وسراجاً منيراً.
فعند ما كان النبي (صلى الله عليه وآله) في نهايات العقد الثالث من عمره الشريف يلقى الوحي إليه عن طريق الإلهام والإلقاء في نفسه والرؤية الصادقة وهي درجة من درجات النبوّة.
جاء في كتاب (الدرّ المنثور): أول ما بدئ به رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الوحي الرؤية الصالحة، فكان لا يرى رؤياً إلاّ جاءت مثل فلق الصبح.
ثم حبّب الله إليه الإستئناس به والخلوة لمناجاته، فكان يذهب الى غار حراء، الى كهف صغير في أعلى جبل حراء، في الشمال الشرقي من مكّة، يتعبّد فيه، حيث ينقطع عن عالم المحسوسات المادية، ويتأمل ويستغرق في ذلك نحو عالم الغيب والملكوت والتوجّه للّه تعالى وحده.

نزول الوحي:

وعند ما بلغ الأربعين من عمره (سنة 13) قبل الهجرة (610م) نزل عليه جبرئيل (عليه السلام) في غار حراء فالقى إليه كلمة الوحي من الله تعالى، وأعلمه أنّه الخاتم لرسالات الأنبياء، والمبعوث رحمة للعالمين.
والروايات تصرّح بأنّ أول آيات القرآن التي قرأها جبرئيل (عليه السلام) على الرسول (صلى الله عليه وآله) هي: (اقرأ باسم ربّك الذي خلق* خلق الإنسان من علق* إقرأ وربّك الأكرم* الذي علّم بالقلم* علّم الإنسان ما لم يعلم)
(4).
وهذا رأي الطباطبائي في (الميزان) 322:20، وكان ذلك في شهر رمضان ليلة القدر.
وعن ابن عباس، قال: أول ما نزل جبرئيل على محمد (صلى الله عليه وآله) قال: يا محمد، استعذ, قال: (أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم), ثم قال: (بسم الله الرحمن الرحيم)، ثم قال: (اقرأ باسم ربّك الذي خلق). (سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله))
(5).
وبعد أن تلقّى ذلك التوجيه الإلهي القيم رجع الى أهله (صلى الله عليه وآله) وهو يحمل كلمة الوحي والمسؤولية الكبرى لأمانة السماء الى الأرض، أي الرسالة الإسلامية الكريمة التي كان ينتظر شرف تقلّدها. لقد عاد فاضطجع في فراشه وتدثّر لأجل الراحة والتأمل فيما كلّفه الله به، فجاءه جبرئيل ثانية وطلب اليه القيام والنهوض وترك الاضطجاع والبدء بالدعوة المحمدية وإنذار الناس، جاء ذلك في قوله تعالى: (يا أيّها المدّثّر* قم فأنذر* وربّك فكبّر* وثيابك فطهّر...)
(6).
فشرع ملبيّاً لنداء الله سبحانه ومبشراً بدعوته الرسالية، وكان أول من دعاه الى سبيل الله زوجته خديجة (عليها السلام) وابن عمّه عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وقد كان في العاشرة من عمره، وإدراكه يفوق جميع من في الجزيرة سوى الرسول (صلى الله عليه وآله). فآمنا به وصدّقاه, فكانت السيّدة خديجة والإمام علي النواة الاُولى للدعوة الإسلامية الكبرى.
ثم آمن بالرسول (صلى الله عليه وآله) مملوكه زيد بن حارثة، وكان يختار أصحابه (صلى الله عليه وآله) فرداً ففرداً، وكانت الدعوة مقتصرة على البعض القليل حتى جاء الأمر الإلهي: (وأنذر عشيرتك الأقربين...)
(7).
فجمعهم وصدع بالرسالة بينهم، وبقي يسير الخطى في ذلك الى آخر حياته الكريمة.
 

فالصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين يوم ولد ويوم توفي ويوم يبعث المقام المحمود الذي وعده الله إياه يوم القيامة