اليوم السابع والعشرون من رجب الأصب
الإسراء والمعراج (سنة12 للبعثة)
قال تعالى:
(سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام الى
المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنّه هو السميع البصير).
تمهيد:
الإسراء والسري: السير
بالليل.
والمسجد الأقصى: بيت المقدس، والقصي: هو البعيد، وسمي أقصى لكونه أبعد مسجد
عن مكّة، حيث فيها المسجد الحرام والنبي (صلى الله
عليه وآله) والذين معه.
وهذه الحادثةـ الإسراء والمعراج ـ من المعاجز التي تكلل بها الرسول الأكرم
(صلى الله عليه وآله)، وقد اختلف المؤرخون في
زمن وقوعها، وكذلك في مكان وقوعها، ولكن المتعارف أن الإسراء كان من مكة
المكرمة، وذلك قبل الهجرة الشريفة؛ لقوله تعالى: (سبحان
الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام).
أما الإسراء:
فهنالك روايات تعضد
ذلك، حيث أخبر الرسول (صلى الله عليه وآله)
قومه بذلك فأنكروا عليه صبيحة تلك الليلة المباركة وما جرى فيها من كرامات
لا تضاهى للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله).
واختلف المؤرخون أيضاً في السنة التي اُسري فيها بالنبي
(صلى الله عليه وآله)، فقد قيل: في السنة
الثانية للبعثة الشريفة، وقيل: في السنة الخامسة أو السادسة، وقيل غير
ذلك...
والقرآن الكريم والروايات المعصومية تكشف عن أنّ الإسراء حدث مرتين، وكما
في سورة النجم، حيث يقول جل وعلا: (ولقد رآه نزلة اُخرى).
وكذا اختلف المؤرخون في المكان الذي اُسري بالنبي
(صلى الله عليه وآله) منه، فقد قيل: اُسري به من شعب أبي طالب،
وقيل: من بيت اُمّ هاني بنت أبي طالب، وقيل من المسجد الحرام؛ لقوله:
(سبحان الذي أسرى بعبده من المسجد الحرام).
والمسجد الحرام يراد به مجازاً الحرم كله، فيشمل مكة كلها. وقد يكون
الإسراء مرتين ـ كما ذكرنا ـ إحداهما من المسجد الحرام, والاُخرى من بيت
اُمّ هاني. واختلف المؤرخون في كيفية الإسراء، فقيل: كان إسراؤه
(صلى الله عليه وآله) بالروح والجسد معاً
وكان من المسجد الحرام الى البيت المقدس, ثم منه الى السماوات العلى،
والأغلبية على ذلك. وقيل: كان بروحه وجسده (صلى الله
عليه وآله) من المسجد الحرام الى بيت المقدس، ومن ثم بروحه فقط من
بيت المقدس الى السماوات العلى، وعلى ذلك جماعة. وقيل: كان الإسراء بروحه
(صلى الله عليه وآله) فقط, برؤيا صادقة أراها
الله تعالى إيّاه (صلى الله عليه وآله)، وذلك
رأي البعض من المؤرخين؛ لعدم استيعابهم ذلك الإسراء بالروح والجسد, وقد
تغافلوا عن الأحاديث المفسرة للآية الشريفة. إلاّ أن المتأمل والمتدبّر في
الآية فضلاً عن الروايات يتضح له جليّاً إسراء النبي
(صلى الله عليه وآله) بروحه وجسده، وليس بروحه الطاهرة دون جسده
الشريف (صلى الله عليه وآله)، فالآية تصرح
بذلك بما لا غبار عليه, والروايات تدعم ذلك. ولم يكن الإسراء رؤيا صادقة،
ولا انتقال بروح رائقة، كما يدعي كل من تذوق ذائقة.
والإسراء هذا تخطيط إلهي، لا عبثٌ من لاهي، وذلك ليتبين ويرى الرسول
(صلى الله عليه وآله) الصادق الأمين، الجادّ
المتين، تلك الآيات الباهرات الواضحات, قال تعالى:
(لنريه من آياتنا...) و(لقد رأى من آيات ربّه
الكبرى).
بالإضافة الى ما ذكرنا فإنّ هذه المعجزة الباهرة التي لم يبلغها التقدم
العلمي في عصرنا، عصر المركبات الفضائية، ولن يبلغها؛ إذ المعجزة لا شبيه
لها مطلقاً، أن ذلك كان اختباراً للمؤمنين أيضاً، فقد زاد ثباتهم وإيمانهم
بقدرة الله تعالى، وزعزع ضعاف الإيمان والذين في قلوبهم مرض، فقد ارتدّوا
بتكذيبهم أو شكّهم بالله تعالى ورسوله (صلى الله
عليه وآله)، وبذلك تبين المشككون المرتدّون. ورد في كتاب (الميزان),
عن أمالي الصدوق بسند الى أبان بن عثمان عن أبي عبدالله الصادق
(عليه السلام), قال: (لما اُسري برسول الله
(صلى الله عليه وآله) الى بيت المقدس حمله
جبرئيل على البراق فأتيا بيت المقدس، وعرض عليه محاريب الأنبياء وصلّى بها
ورّده الى مكة. فمرّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)
في رجوعه بعير لقريش وإذا لهم ماء في آنية, وقد أضلّوا بعيراً لهم وكانوا
يطلبونه، فشرب الى رسول (صلى الله عليه وآله)
من ذلك الماء وأهرق باقيه.
فلما أصبح رسول الله (صلى الله عليه وآله)
قال لقريش: إنّ الله جل جلاله قد أسرىبي الى بيت المقدس وأراني آثار
الأنبياء ومنازلهم، وإنّي مررت بعير لقريش في موضع كذا وكذا، وقد أضلّوا
بعيراً لهم فشربت من مائهم وأهرقت باقي ذلك.
فقال أبو جهل: قد أمكنتكم الفرصة منه فاسألوه: كم الأساطين فيها والقناديل؟
فقالوا: يا محمد، إنّ هاهنا من قد دخل بيت المقدس فصف لنا كم أساطينه
وقناديله ومحاريبه!... فجعل يخبرهم بما يسألون عنه، فلما أخبرهم قالوا: حتى
تجيء العير ونسألهم عمّا قلت، فقال لهم رسول الله
(صلى الله عليه وآله): تصديق ذلك أنّ العير يطلع عليكم مع طلوع
الشمس,يقدمها جمل أورق.
فلما كان من الغد أقبلوا ينظرون الى العقبة ويقولون: هذه الشمس تطلع
الساعة، فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم العير حين طلع القرص يقدمها جمل أورق،
فسألوهم عمّا قال الرسول (صلى الله عليه وآله)،
فقالوا: لقد كان هذا فأضلّ جملاً لنا في موضع كذا وكذا، ووضعنا ماءً
فأصبحنا وقد اُهريق الماء. فلم يزدهم ذلك إلاّ عتوّا ونفوراً).
أما المعراج:
المعرج: المصعد؛ الطريق
الذي تصعد فيه الملائكة.
إن المعراج هذا قد حدث في نفس الليلة التي حدث فيها الإسراء من المسجد
الحرام الى المسجد الأقصى، إلاّ أن المعراج من المسجد الأقصى الى السماوات
العلى، وهي معجزة قد تفرّد بها الرسول (صلى الله
عليه وآله)؛ إذ سخّر الله سبحانه له البراق, فارتفع به ومعه جبرئيل؛
ليريه بذلك ملكوت السماوات وما فيها من الإبداع الإلهي في الصنع والتقدير.
وفي سورة النجم إشارات لذلك رائـعة، بسم الله الرحمن الرحيم.
(والنجم إذا هوى* ما ضلّ صاحبكم وماغوى* وما ينطق عن
الهوى* إن هو إلاّ وحي يوحى* علّمه شديد القوى* ذو مرّة فاستوى* وهو
بالاُفق الأعلى* ثم دنا فتدلّى* فكان قاب قوسين أو أدنى* فأوحى الى عبده ما
أوحى* ما كذب الفؤاد ما رأى* أفتمارونه على ما يرى* ولقد رآه نزلة اُخرى*
عند سدرة المنتهى*عندها جنة المأوى* إذ يغشى السدرة ما يغشى* ما زاغ البصر
وما طغى* لقد رأى من آيات ربّه الكبرى...).
فالصلاة والسلام
على رسول الله يوم ولد ويوم اُسري وعرج به، ويوم توفي، ويوم يبعث المقام
المحمود الذي وعده الله تعالى
(1)
الإسراء: 1.
(2)
الإسراء: 1.
(3)
النجم: 18.
(4)
الطباطبائي (الميزان) 17 : 13 ط الثالثة ـ قم.
(5)
النجم: 1 ـ 18.
|