اليوم الثامن والعشرون من رجب الأصب:
خروج الإمام الحسين (عليه السلام) من المدينة الى مكة سنة 60 هـ

لقد تصاعدت وتيرة تردي الاُمة الإسلامية في عهد معاوية، ثم ازدادت سوءاً في الجوانب الفكرية والعقائدية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وخاصة في حكم الطاغية يزيد الاُموي، مما دفع بالإمام للتحرك ومغادرة المدينة المنورة الى مكة المكرمة؛ لتزعّم المقاومة الإسلامية ضد التسلط الاُموي المقيت. ولقد نوّه (عليه السلام) في واحدة من رسائله الى الدوافع التي ألجأت الى خروجه، حيث قال: (إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في اُمة جدّي رسول الله (صلى الله عليه وآله). اُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي...).
كما رفض الإمام رفضاً باتّاً بيعة يزيد التسلط والاستبداد، وذلك بقوله (عليه السلام): (ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحترمة, معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع لمثله...).
ويمكن ذكر البواعث التي أدّت الى خروج الإمام الحسين (عليه السلام) بما يأتي:
استبداد واستئثار الاُمويين بالسلطة.
القتل والإرهاب وسفك دماء المسلمين الأبرياء.
التلاعب بثروة المسلمين, مما أدى الى الطبقية ونشوء طبقة مرفهة واُخرى معدمة.
الانحراف بكل أنواعه، وانتشار المفاسد الاجتماعية.
تغييب الأحكام الإسلامية النيّرة في أغلب مواقع الحياة واستبدال ذلك بالأهواء والآراء الشخصية.
استشراء طبقة من وضّاع الحديث ووعّاظ السلاطين, وتغيير سنّة الرسول (صلى الله عليه وآله) التي سعى بنفسه الكريمة لتثبيتها.
كل ذلك وغيره حدا بالإمام الحسين الى حركته الإلهية العظيمة، ولم يودّع مدينة جدّه (صلى الله عليه وآله) حتى زار مرقده الشريف، زيارة مودّع لا يعود، فهو يعلم بعدم رجوعه مرة اُخرى لزيارته (صلى الله عليه وآله)، وأنه سيلقاه في مستقر رحمة الله تعالى، وأنه سيلقاه وقد تقلّد وسام الشهادة في سبيل الله تعالى. وقف الى جوار مرقد جدّه الطاهر (صلى الله عليه وآله) فصلى ركعتين، ثم وقف قبالة مرقده الشريف وهو يناجي ربّه سبحانه: (اللهم هذا قبر نبيّك محمد (صلى الله عليه وآله)، وأنا ابن بنت نبيّك وقد حضرني من الأمر ما علمت، اللهم إنّي اُحبّ المعروف واُنكر المنكر، وأنا أسألك ياذا الجلال والإكرام بحق القبر ومن فيه إلاّ ما اخترت لي ما هو لك رضى ولرسولك رضى).
ثم في سنة60هـ, 27رجب الأصب تحرك الإمام الحسين (عليه السلام) ومن معه نحو مكة المكرمة، وهم يحثّون السير ويقطعون الفيافي والقفار, وبرفقته العقيلة زينب (عليها السلام) وثلة من أهل بيته وأصحابه والنساء والأطفال، يشقّون الصحراء والرمال، وذلك ليحطّ الرحال فيما بعد بأرض كربلاء مثوى الخالدين. قد خرج الإمام (عليه السلام) وآله وصحبه الكرام متحدياً السلطة الطاغوتية والقوة المتغطرسة, وهو يمثل هجرة أميرالمؤمنين (عليه السلام) بالفواطم (عليهن السلام) من مكة الى المدينة؛ إذ تحدّى غطرسة قريش وصلفها، دون اتباع ما اعتاد عليه المهاجرون في الهجرة تحت جنح الظلام، حتى حط في سيره بأرض الطف حيث حطّ الرحال و...
فسلام على أبي عبدالله الإمام الحسين (عليه السلام) يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيّاً.