اليوم التاسع والعشرون من شهر رجبوفاة اُمّ المؤمنين خديجة بنت خويلد (عليها السلام) سنة 10 للبعثة النبويّةلقد توفيت اُمّ المؤمنين والمؤمنات خديجة بنت خويلد (عليها السلام) زوجة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) في العاشر من شهر رمضان سنة 10 للبعثة الشريفة، (3قبل الهجرة)، وكان عمرها الشريف (65) سنة. لقد توفيت هذه المرأة الرسالية المجاهدة الفذّة التي بذلت كل ما في وسعها لأجل الدين الحنيف، فأنفقت أموالها الطائلة من أجل نصرة دين الله تعالى ورسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله)، حتى باتت على جلد شاة من الفقر.توفيت هذه المرأة الجليلة (عليها السلام) في السنة العاشرة للبعثة النبوية، وقد قضت تلك السنين العشر المريرة بكامل الإيمان والإخلاص للرسالة ولزوجها (صلى الله عليه وآله). لقد كانت تلك الساعات التي جادت بنفسها اُمّ المؤمنين (عليها السلام) فيها من الأوقات الصعبة على الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وهو يرى زوجته المؤمنة الطاهرة تلقي عليه نظرات الوداع من الدنيا، حتى قال (صلى الله عليه وآله) في ذلك: (بالكره منّي ما أرى). لقد دفن الرسول (صلى الله عليه وآله) خديجة (عليها السلام) بالحجون، ونزل في حفرتها، وكان أمراً جللاً عليه وعلى المؤمنين، خصوصاً على ابنتها فاطمة (عليها السلام)؛ إذ كانت تتعلق بأبيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهي تبكي وتقول: (أين اُمّي؟ أين اُمّي؟), فنزل جبرئيل (عليه السلام) فقال: (قل لفاطمة: إنّ الله تعالى بنى لاُمّك بيتاً في الجنّة من قصب [أي من ذهب]، لا نصب فيه ولا صخب). ولقد توالت الأحزان والآلام على رسول الله (صلـى الله عليه وآله), فتوفـي عمّه ابوطالب (عليه السلام) بعد وفاة خديجة بزمن قليل. من هي خديجة (عليها السلام)؟هي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبدالعزّى بن قصي, من خيرة نساء قريش، وأكثر نسائهم مالاً، وأجملهم حسناً، وكانت تدعى في العصر الجاهلي (الطاهرة) و(سيّدة قريش). وقد خطبها أكابر قريش وبذلوا الأموال لذلك، ومنهم: عقبة بن أبي معيط، والصلت بن أبي يهاب، وأبو جهل، وأبو سفيان، فرفضتهم كاملاً وأبدت رغبتها بالاقتران بالنبي (صلى الله عليه وآله)؛ لما عرفت عنه من النبل وسمو نسب، وشرف عفّة وأخلاق لا تضاهى، وصفات كريمة فائقة.ولما كانت خديجة ذات تجارة وأموال، وقد سمعت وعلمت عن خلقه السامي وأمانته (صلى الله عليه وآله) وشرفه البالغ، حيث كان يسمى في الجاهلية (الصادق الأمين)، فتمنت أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله) أحد من يتّجر لها بأموالها الطائلة؛ لأمانته المشهودة، وخلقه الرفيع. فهي بادرت بإرسال من يرغّبه بالعمل في تجارتها والطلب إليها بالعمل، فرفض النبي (صلى الله عليه وآله) الطلب منها، فأرسلت هي طالبة منه العمل في تجارتها، فوافق (صلى الله عليه وآله). فكان النبي (صلى الله عليه وآله) مضارباً بأموالها وتجارتها، أو مشاركاً لها في ذلك، حيث إنّه (صلى الله عليه وآله) ما استؤجر بشيء لأحد(1). ورد في (الطبقات)(2) عن نفيسة بنت اُمية اُخت يُعلى، بسنده: كانت خديجة ذات شرف ومال كثير, وتجارة تبعث الى الشام فيكون عيرها كعير عامة قريش, وكانت تستأجر الرجال وتدفع المال مضاربة. فلما بلغ رسول الله خمساً وعشرين سنة وليس له اسم بمكة إلاّ الأمين، أرسلت إليه خديجة بنت خويلد تسأله الخروج الى الشام في تجارتها مع غلامها ميسرة، ففعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخرج الى السوق فباع سلعته التي خرج بها واشترى غيرها وقدم بها، فربحت ضعف ما كانت تربح. قالت نفيسة: فأرسلتني إليه دسيساً أعرض عليه نكاحها فقبل... فتزوجها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد مرجعه من الشام وهو ابن خمس وعشرين سنة. الزواج المبارك:عند عودة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) من الشام في تجارته الاُولى لخديجة ومعه ميسرة ـ غلام خديجة ـ وقد ربحوا أضعافاً مضاعفة لما كان من قبل من الأرباح، سرّت خديجة بذلك أيّما سرور، وزاد عطفها فيها شوقاً للرسول (صلى الله عليه وآله) ما سمعت من ميسرة غلامها من أخلاقه وصفاته وفراسته ونبله. فازدادت معزّة النبي ومحبته في نفسها، وأخذت تحدّث نفسها بالزواج من الرسول قبل بعثته، وحدّثت اُختها هالة أو نفيسة كما مرّ.وروي عن عمار بن ياسر أنّه قال: (أنا أعلم الناس بتزويج رسول الله (صلى الله عليه وآله) خديجة بنت خويلد: كنت صديقاً له، فإنّا لنمشي يوماً الصفا والمروة إذا بخديجة بنت خويلد واُختها هالة، فلما رأت رسول الله جاءتني هالة اُختها، فقالت: يا عمار، ما لصاحبك حاجة في خديجة؟. قلت: والله ما أدري. فرجعت فذكرت ذلك له. فقال: ارجع فواضعها، وعدها يوماً نأتيها فيه... ففعلت). فلما كان ذلك اليوم... جاء رسول الله في نفر من أعمامه يتقدّمهم أبوطالب، فخطبها أبوطالب من عمّها عمرو بن أسد ـ حيث قُتل أبوها خويلد بن أسد في حرب الفجار، أو مات عام الفجار ـ وقال في خطبته: الحمد لله الذي جعلنا من زرع إبراهيم وذرّية اسماعيل، وجعل لنا بيتاً محجوجاً وحرماً آمناً، وجعلنا الحكّام على الناس وبارك لنا في بلدنا الذي نحن به، ثم إنّ ابن أخي محمد بن عبدالله لا يوزن برجل من قريش إلاّ رجح، ولا يقاس بأحد إلاّ عظم عنه، وإن كان في المال قلّ، فإنّ المال رزق حائل وظلّ زائل. وله في خديجة رغبة ولها فيه رغبة، صداق ما سألتموه عاجله من مالي، وله والله خطب عظيم ونبأ شائع(3). فزوّجها عمّها للنبي، وقد كان ذلك بعد إذ قدم من سفرته للتجارة في أموالها بشهرين وأيام، ويظهر أنّ عمرها الشريف كان أربعين سنة. مكانتها عند الرسول (صلى الله عليه وآله):بعد أن تزوّج الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) انتقل للسكنى مع زوجته خديجة، وبقي في هذه الدار العامرة المليئة بالصبر والدعوة الى الإسلام والجهاد في سبيل الله تعالى، وتحمّل أذى المشركين ومعاناتهم. ولقد كان الإخلاص بين الرسول (صلى الله عليه وآله) وبين السيدة خديجة الكبرى متبادلاً، فهي أول من آمن بالرسول (صلى الله عليه وآله) وصدق بدعوته، وبذلت كل أموالها في سبيل رسالة التوحيد، حتى قيل: قام الإسلام بأموال خديجة وحماية أبي طالب وسيف علي بن أبي طالب (عليه السلام).وقد تحمّلت هذه المرأة الفريدة المجاهدة عذاب قريش ومقاطعتها وحصارها لهم، فيا له من أخلاص يندر مثيله، ويا له من إيمان صادق، وحب منقطع النظير للرسول (صلى الله عليه وآله) والرسالة الخاتمة, فلذلك قابل رسول الله (صلى الله عليه وآله) بما تستحقه اُمّ المؤمنين خديجة من الحب والإخلاص والتكريم حتى وافتها المنية. بل استمر هذا الإجلال والإكبار والحب حتى بعد وفاتها (عليها السلام)، فلم تخمد مكانتها عند الرسول (صلى الله عليه وآله). فقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه كان إذا ذبح الشاة يقول: (أرسلوا الى أصدقاء خديجة)، فتسأله عائشة في ذلك، فيقول: (إنّي لاُحبّ حبيبها)، فالرسول (صلى الله عليه وآله) يعلم أن من يحبّ خديجة فهو مؤمن، ومن يبغضها فهو منافق. ويروى أن امرأة جاءته (صلى الله عليه وآله) في حجرة عائشة فاستقبلها واحتفى بها، وأسرع في قضاء حاجتها، فتعجّبت عائشة من ذلك، فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إنّها كانت تأتينا في حياة خديجة). ولم تسكت عائشة عن ذلك, فقالت للرسول (صلى الله عليه وآله): ما تذكر من عجوز حمراء الشدقين قد أبدلك الله خيراً منها، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (ما أبدلني خيراً منها، كانت اُمّ العيال وربّة البيت. آمنت بي حين كذّبني الناس، وواستني بمالها حين حرمني الناس، ورزقت منها الولد وحرمت من غيرها). فبخٍ بخٍ لك يا خديجة, وبشراك بما حباك الله وبشّرك بالخلد والنعيم، فقد روي: أنّ جبرئيل أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: (يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا أتتك فاقرأ عليها السلام من ربّها ومنّي، وبشّرها ببيت في الجنة من قصب ـ أي من ذهب ـ لا صخب فيه ولا نصب). ولذا قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في خديجة (عليها السلام): (أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون)(4). فسلام على اُمّ المؤمنين وسيدة النساء المؤمنات يوم ولدت ويوم توفيت ويوم تبعث الى جنة الخلد والنعيم.
(1) تاريخ
اليعقوبي 21:2.
(2) الطبقات لابن سعد 11:6. (3) تاريخ اليعقوبي 20:2 ط دار صادر. (4) سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته 34:1. |